عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - سـلوان سـاكو

صفحات: [1]
1
عهَد البطولَة الزائفّ
لا نذيعّ سرًا إذا قلّنا إنّ أفشل مشروع مرّ في هذه الحقبة الزمنية الحساسة والخطيرة من تاريخ العراق الحديث سواء كانت أفكارًا أيديولوجية، أو عمل سياسي، أو برنامج نهضوي عرفته البلاد ما بعد التغير، هو الأحزاب المسيحية العراقية بكافة أشكالها وتنوعاتها وفروعها، إذا جاز ليّ  التعبير. فمع كل المُتغيرات والمنعطفات والمعطيات الجيوسياسية التي حصلتّ على أرض الواقع لم تكن هناك إرادة حقة للتيارات والحركات المسيحية في فعل شيئًا حقيقيًا للوطن، لِمَا تحمله من عناصر النكوص وازدواجية المعايير والخطاب الفارغ، والذي فقدّ خلال السنوات الماضية الكثير من مصداقيته، فلم يعدّ أحدٍ يثق بهذا الطيف الواسع من السياسيين، بعد أن انكشفت الكثير من الحقائق التي كانت غائبة عن الناس.
 من عام السقوط في 2003، تبين إن الجميع نمور من ورق لا أكثر، يخضعون للمصالح الشخصية فوق أي أعتبار وطني ومصلحة عامة، زِمَامَهم ليسَ بأيديهم. يعود كل ذلك إلى شيء جذري هو قلةّ التجربة السياسية في المرتبة الأولى، الحنكة والدهاء في المرتبة الثانية، وعدم المعرفة  بالأدوات اللازمة لتحقيق وخلقّ وعيًا سياسيًا يخدم المصالح الوطنية ثالثًا.
جاءت الأحزاب والحركات والفعاليات بين قوسين المسيحية منها لتزيد من الإخفاقات العديدة التي حصلت في بلاد ما بين النهرين، لتجرّ وراءها أَذْيال الهزيمة والخيبة والعار، والتي ما فتئت تزداد يوماً بعد آخر.
ماذا قدمت الحركة الديموقراطية الآشورية( زوعا) خلال هذه الفترة من عمر العراق الجديد غير تشبث الزعيم الروحي لهذه الحركة يونادم كنا بكرسي البرلمان المكسور، ماذا فعل المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري، والذي هو بالأساس صنيعة كردية، غير اِنقسام  وتشظي  يُضاف على الإنقسامات الموجودة أصلًا داخل هذا البيت المتصدع الجدران. ماذا قدمت حركة بابليون الشيعية بالأصل، والتي يقودها ريان الكلداني المصنف على لائحة الإرهاب، غير إعتداءات وسرقة طالت المسيحيين قبل غيرهم، ماذا فعلَ المحسوبين على التيار القومي المسيحي خلال السبعة عشر عاما الماضية، سؤال طبيعي الكل يسأله، من كان في داخل الوطن أو خارجه.
يجب على جميع السياسيين أو أشباه السياسيين أن يخجلوا ويُحاسبوا أنفسهم على الأخطاء التي إرتكبوها عن قصدًا وتعمدًا، ففي عالم السياسة لا يوجد خطأ غير مقصود، فكل إخفاق وقرار غير صحيح مهما كان بسيطًا هو عبارة عن سلسلة من الاخفاقات السابقة والقرارات الغير مدروسة تكورت بالتدريج مثل كرة الثلج التي تكبر مع السقوط الحر من أعلى الجبل.
هناك من دون شكّ فراغًا كبيرًا في المنظومة السياسية المسيحية، فالمسألة أبعد من ذلك بكثير، ليست شخصانية، أو حقد وحسد على أحد، المسألة تخص شعب مازال يعيش على أرض وطن يلعق جراحه الكثيرة إلى اليوم. الثابت الوحيد، وبدون تفاصيل أكثر وشرح أدق، وعلى كل الأصعدة والنواحيّ هو فشل الخِطاب السياسي المسيحي في تطوير منهج أو سياق أو آلية عمل تقوم وفقَّ خطط مدروسة وعملية  لتنهض بالمستوى المطلوب والآمال المعلقة عليهم في صياغة سياسات ناجعة ومستقبلية، وبلورة أفكارًا جديدة تعطي ثمارها للسياسي ذاته وللشعب الذي ذهب وأعطى أصواته لهم، من خلال صناديق الانتخابات خلال  العقد الأخير من تاريخ العراق المنكوب.
يظل هناك بارقة آمل مع كل ما حصل ويحصل، من مراوغة وخداع وتهكم ومصالح شخصية، ويبقى تصحيح الأخطاء والمسّاو السياسي لهذه القوى المتناحرة بينهم ممكن إذا كانت هناك عزيمة حقيقية وتضحية وبعض التنازلات من قبل الفرقاء السياسيين، وأن يصعد جيلًا جديدًا مُثقف ومُتعلم، يؤمن بعدالة قضيته ورسوخ هويته الوطنية والقومية وإنتمائه لأرضه وأرض آبائه وأجداده، من خلال الانتخابات البرلمانية المُبكرة التي التزام بإجرائها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، للنهوض بالعمل الجماعي لتحقيق أفضل حل لهذا الشعب المُهمش والمسكين، والذي لم يرَ الراحة والسكينة منذُ أَمَدًا بَعِيدًا وفترة طويلة، فبين حرب وحرب كانت هناك حرب.

2
المنبر الحر / ملبورن بينَ نارينّ
« في: 07:14 11/09/2020  »
ملبورن بينَ ناريّن
بقلم/ سلوان ساكو
لم تشهد ولاية أستراليا في الإتحاد الفيدرالي الأسترالي، عزلّ وحَجّر وحبسّ داخل مربع قطره 5 كم مربع، كما تشهده ولاية فكتوريا الآن ومنذّ ما يُقارب الأربعة أشهر المنصرمة من عُمر الحرب على فيروس كورونا.
تم إكتشاف الفيروس التاجي عالمياً في بداية العام الحالي تقريبًا، كان الحدث كبير ومخيف في وقتاً واحداً. وضع الكثير من الدول العظمى والعواصم الاوروبية في العزل والحجر الصحي التام، باريس، روما، مدريد، نيويورك، إلى أن رأوا  إنَّ الوضع برمته شاذ وغير مقبول وخارج سياق المنطق والعقل، بالنهاية فعلوا ما فعلته السويد، ففتحوا كل شيء، لكن ضمن حدود وشروط معينة، لا تخلّ بسلامة وصحة المواطن، وفي ذات الوقت تُحافظ على مصدر عيشه  واقتصاد البلد وإنتاجية الأسواق التجارية. تبينَ مع مرور الوقت أن الخطوة كانت ناجعة وصحيحة، وبالتالي تمّ الخروج من عنق زجاجة الكورونا بأقل الخسائر الممكنة، وعادة الحياة تدريجًا تدبْ في نبض الشارع وإن كانت بصورة بطيئة.
في دولة أستراليا تأخر وصول الفيروس إلى الداخل بعض الشيء، كانت الحكومة الفدرالية متساهلة في المطارات والموانئ، مما زادَّ الأمر سواءً، وفاقم من الوضع الصحي برمته، ومع هذا التخبط الغير مدروس والفوضوي داخل أجهزة الدولة المختصة، دخلّ المصابين وبأعداد كبيرة إلى داخل البلاد، فأصبحوا تحصيل حاصل لا أكثر. حين أخذت أرقام الإصابات بالارتفاع بشكلٍ ملحوظ، حاول  رئيس الوزراء الفدرالي  سكوت موريسون  Scott Morrison، وضع خطة مرنة ومعقولة وقابلة للتطبيق للتعامل مع الجائحة المُستجدة في عموم البلاد، تصبّ في أمرين، أولاً مكافحة وتحجيم رقعة إنتشار الفيروس قدر الإمكان، وثانياً السيطرة على الحياة الاقتصادية الذاهبة بتجاه الانهيار بالنسبة للفرد أو الدولة على حدًا سواء، حيث حققت الميزانية الوطنية عجزا بلغّ 85.8 مليار دولار أسترالي للسنوات 2019-2020. ومع مرور الأيام تبين أن تلك السياسة كانت صحيحة وفعالة بشكل مُعين في التعاطي مع هذه المرحلة الحرجة والخطيرة من تاريخ البلاد، ومرة اخرى تنفس الجميع الصُعّداء، بعد عناءً وتعبٍ تجشمه الكل.  هذا كان على الصعيد الفيدرالي، أما على الصعيد المحلي في ولاية ملبورن، فقد أزدادت حدة الإصابة بمرض COVID-19 مع مرور الوقت، وباتَ هناك عجزاً كبيراً في إستيعاب الحالات المرضية، وجائت فضيحة دار رعاية المسنين وبالتالي موتهم وحدهم وفي غرفهم وعلى أسرتهم مدوية، والفندق الموبوء الذي كان يحتوي على نزلاء مصابين بالفيروس ارادَ الجيش الوطني حماية الفندق بمحاذير مدروسة للتعامل معهم، رفضت حكومة آندروز الأقتراح، وأعطت لشركة آمن اهلية أمر حماية النزلاء المعزولين، بعدَ أيام معدودة اِنصابَ رجال الآمن نفسهم وإنفرط عقد العزل، لتُظهر مدى الفوضى والعجز الذي تملك الحكومة والكوادر الطبية في المستشفيات والمراكز الصحية. فكان لابد من فرض قيود صارمة وجدية، ابتداءاً من المرحلة الأولى وصولاً للمرحلة الرابعة، أيّ إغلاقًا بشكلٍ كامل تماما، جواً وبحراً وبراً، في جميع المجالات وعلى حدود الولاية ككل. تبين لاحقًا أن العزل غير فعال وفاشل، وأن الإصابات في إزدياد مُضْطَرِد، والوفيات وصلت إلى أرقام مخيفة، تجاوزت التسعين حالة في اليوم الواحد. ومع الحالة الاقتصادية السيئة، وإغلاق المحلات والمصالح التجارية والصناعية الكبيرة والمتوسطة والصغيرة منها، ومع الحالة النفسية المُزرية التي صاحبت الأزمة، سَادَ التَّذَمُّرُ بَيْنَ النَّاسِ وبات هناك سخط عام في الوسط الأجتماعي وعدم رضا أتجاه حاكم الولاية دانييل آندروز Daniel Andrews وحزبه الحاكم  في تحقيق أنجح الطرق للخروج من هذه الوضعية الخانقة التي عصفت بالبلاد ووضعته في مأزق كبير جدًا وحقيقي، ربما لن تتعافى منه الولاية لسنوات طويلة، مِمَا جعل الناس تخرج في مظاهرات واستنكار وشجب، تُطالب بعودة الحياة الى طبيعتها، وفكّ القيود، والعودة الى المرحلة الثانية على وجه السرعة، وهذا حق طبيعي يتمتع به كل مواطن يعيش على هذه الأرض.
في النهاية أخفقت حكومة دانييل آندروز في التعاطي بشكل منطقي وممنهج وإستراتيجية مع فيروس كورونا، ووضعت الولاية على المحّك، وقَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى من الفوضى والدمار على الصعيد والاقتصادي والسياسي، وهذا واضح بشكلٍ جليّ في الصراع الدائر بين حكومة ولاية فكتوريا والحكومة الفيدرالية في العاصمة الأسترالي كانبيرا.
على حكومة Daniel Andrews، أخذ خطوات جادة وحاسمة، تتسم بمزيد من العقلانية والعملية، والعمل على عودة الحياة الى سابق عهدها، ورجوع حركة السوق والإعمال والمهنّ التجارية الى وضعها الطبيعي، حيث لم يعد يتحمل المواطن العادي المزيد من الضغوطات اليومية المتزايدة والانتكاسات المالية الكبيرة، وألا أنفجر المرجلّ في وجهّ الجميع ويحصل ما لا تحمد عقباه. فالكل مسؤول ويعيش على هذه الأرض، وله حق التعبير عن رأيه سواءً في النقد أو التقيم أو الحكم على الاخطاء في سير وعملية النظام، أو التظاهر سلميًا.

3
لم يَمتّ الصائغ يومًا
في الطريق بين أنقرة وأدنة كانت صور الجبال والوديان والطُرقّ والسهول الخضراء مُدهشة وساحرة للناظرين إليها، في تلك البقعة من الطبيعة الأخاذة والخلابة كانوا أربعة في سيارة واحدة يقطعون الفَيْفُ والغابات، يسرحون بنعيم جنة عدن الأرضية وتجول بِأفْكَارِهِم الدنيا السعيدة. أبراهيم اليتيم وزوجته، يوسف الصائغ وزوجته جوللي، عائدين من رحلة كانت على تخوم أوروبا الشرقية. ثمة شاب يقف على قارعة الطريق يبيع تفاحً، طلبت السيدة جوللي أن تشتري بعضًا منها وتنعم بثمار هذه النواحي الغنية بفاكهة البساتين الطبيعية، توقف اليتيم واشترت سيدة التفاحات الأربع من الشاب الذي كان يقف تحت ظل شجرة تينة وارفة وأعطت لكل واحد من المسافرين تفاحة، واحتفظت بالأربع الباقية كي تنقلهم إلى بغداد وتهديهم لمن تشاء، ولكن لم تصل الأمانة، ولم يتسنى ليوسف أن يسألها لم سوف تُعطي هذه التفاحات حين تصل عاصمة الرشيد، ظل الجواب لغزا. في منعطف حاد خارج عن إطار الزمن تدهورت أحوال السيارة واختلت السياقة، وأبراهيم فقدّ السيطرة على المقود، فتدحرجت وانقلبت مرتين في وادي منخفض، إلى أن استقرت وأخذت وضعيتها الصحيحية، لم يحدث شيء غير طبيعي، كأنه عبارة عن حادث بسيط، الكل بخير ألا جوللي، ومعها التفاحات الأربع في حضنها، فقد فارقت الحياة إلى الأبد، بكامل زينتها وجمالها وثوبها الأبيض، كأنه كفنها العُرسي الذي ارتدته في رحلتها الآخيرة نحو ديار الخالدين. من ذلك اليوم وبالتحديد في 14 آذار مارس 1976 مات يوسف الصائغ حقاً، يوسف الفنان والشاعر والقاص والروائي والتشكيلي والنحات.
لم يكن موته في سوريا في 12 ديسمير عام 2005 غير استكمالًا للموت الأول، وطريقٌ ثانوياً سارَ عليه الشاعر مرغمًا، والباقي يظل حواشي من حوارًا على هامش السنوات والذكريات الضائعة. بين مادحًا وكاتبًا لِعامود في مجلة ألف باء ومدير دائرة السينما والمسرح، فهو مسجونًا للماضي مهما طالت الأيام والسنون، فهناك نصلاً حاد يمزق الأحشاء.
ماركسيًا أو بعثيًا كان، اشتراكياً او ليبراليًا، متصوفٍ في محراب الفن أم ناسكٍ في الجبال العالية، لا يهم كثيرًا. كاتب إعترافات مالك بن الريب هو، لعبته إنتهت مع أنتهاء شغفه المتجرد بالحياة. دمشق كانت المحطة الأخيرة في قطار العمر الطويل. سنوات من المرض والوهن والعجز، المسافة كانت قريبة بينه وبين الجواهري في مقبرة الغرباء والباب كان مُوَارَب على مصرعيه في الحديث والسمر في ليالي الشتاء الباردة داخل تابوت من خشب رخيص يُزقزق من هزة ارضية خفيفة. أرادَ العوده ولكن هَيْهَات أَنْ تَعُود الْمِيَاه إِلَى مَجَارِيهَا، من يعود من الجُبّ يا يوسف غير يوسف الصديق.
يقينا مات الشاعر الكبير يوسف نعوم الصائغ أبن الموصل الحدباء، ولكن شعره ومؤلفاته لم تمت أبدًا، فهي باقية وشاهدة عليه وعلى إرثه العظيم فهو إمتداد لملك أبن الريب بدون ريب.
ما هذا زمن الشعر
ولا هذا زمني
هذا زمن مسدود
يخرج منه الدود
صار الشعراء قرودا فيه
والعشاق يهود
باركني بيديك الحانيتين
وامنحني
غفرانك ياوطني.

4
من الكاظمي إلى الحريري
يقوم رئيس الوزارء العراقي مصطفى الكاظمي بمجهودات جبارة لإعادة العراق إلى الحاضنة العربية والاقليمية والعالمية، بعد طول غياب من على الساحة العامة، وبعد أن أستحوذ ملالي إيران على مقدرات البلد من جميع النواحي. وهذا لم يتأتى من فراغ، بل جاء استكمالًا لم قامّ به الرئيس السابق الغير مأسوف عليه باراك أوباما، حيث سلم كل مفاتيح السلطة السياسية والغير سياسية للجمهورية الإسلامية دون مقابل، لتفعل ما يتماشى مع مصالحها فوق أي أعتبار لكيان دولة يدعى العراق، المهم هو توسعها، وفرض مشروعها المذهبي وهيمنتها على ثروات وخيرات البلد، وهذا ما نجحت فيه إلى حدًا بعيد، على الأقل في البلدان التي أمتد فيها مرض السرطان الإيراني فيه، كسوريا واليمن ولبنان والعراق.
لا شك أن الكاظمي يحمل مشروع وطني يتماهى مع تطلعات كل مواطن شريف يريد خيرًا للوطن، هذا ما أثبتته الأيام القليلة الماضية، وما كانت الزيارة الآخيرة للبيت الأبيض في عاصمة صنع القرار واشنطن سوى دليل واضح على أن العراق مُقبل على تغيرات كبيرة وعلى أكثر من صعيد، أمني سياسي أقتصادي طبي، والذي هو اليوم في أمس الحاجة الى إعادة الهيكلية ومشاريع إعمار بنى تحتية، وأن كانت البداية  من الصفر إن لم تكن تحت الصفر أصلًا. فمن عام 2003 لم نشهد أي تقدم أو حركة بناءً وإنشاء، حتى المشاريع الصغيرة والمتوسطة، كانت مشاريع نصب واحَتيال وسرقة وفساد، ليس بعدها فساد ونهب لمقدرات تعد بالمليارات الدولارات، حتى أصبح المسؤول في الدولة مدعاة سخرية وتهكم ومحل شبه أين ما حلّ وذهب في عراق ما بعد التغيير.
 الجميع اليوم ينظرون وينتظرون بفارغ الصبر إلى رئيس مجلس الوزراء الحالي، معلقين آمالهم العريضة لِغداً أفضل يتكلل بالإنجازات والمشاريع الحيوية التي يطمح إليها خلال فترة رئاسته، نتمنى ذلك، ولكن ثمة أمر أخر يسترعي التوقف والانتباه عنده، فالعراق إلى اليوم  يرزح تحت وطأة وسيطرة الميليشيات المسلحة بشكلٍ كامل، وهذا لا يختلف عليه أثنين، وما ميليشيا الحشد الشعبي إلا وجه قبيح من هذه الوجه المتعددة. ولا ينبغي أن يغيب عن أبصار الناس إنّ الإرهابي الأكبر نوري جواد المالكي، إلى اليوم له قوة وسطوة وعصابة قوية، وهو على رأس هرم السلطة وأن كان بشكلٍ أخر. ألم يشارك فعلياً في تفجيرات السفارة العراقية في بيروت عام 1981 وراح ضحيتها 61 شخصًا بما فيهم السفير العراقي عبدالرزاق لفتة وبلقيس الرواي زوجة نزار قباني، وقد نفذ العملية حزب الدعوة الذي يتزعمه المالكي بتنسيق وترتيب من المخابرات السورية. أليسْ هو من سلمّ الموصل على طبق من فضة إلى تنظيم داعش الإرهابي عام 2014، والى الآن هو مسؤول في الدولة العراقية ويتزعم حزب له نواب أغلبية في البرلمان. ميليشيا الصدر وحزب الله العراقي وغيرهم الكثير ليسوا أفضل حال من البقية، فهمّ يتحكمون في مفاصل الدولة ولهم أتباع كُثر في جميع المؤسسات والدوائر الحكومية والغير حكومية. الخوف أن يتكرر المشهد المأساوي الذي حدث في بيروت سنة 2005، حينما قام أعضاء من حزب الله اللبناني وبتنسيق مخابراتي سوري باغتيال رئيس الوزراء وقتها رفيق الحريرى وسط العاصمة. هو أيضًا كان يحمل مشروع نهضوي لإرساء أساسات قوية تحمي البلد من الضياع والفوضى، وإعادة الدم الى شرايين لبنان بعد أن توقفت عن النبض والحركة، بدعم خليجي وعربي ودولي، ولكن في النهاية أُجهضت العملية برمتها ومات الوليد، وتمّ اغتيال صاحب المبادرة في عقر داره، وانتهى شيء كان أسمه لبنان الى الأبد.
اليوم ما أقرب مصطفى الكاظمي من هذا السيناريو المُحتمل في أيّ وقت وأيَّ مكان، مع وحوش المال والسلطة والأرهاب المتعطشين دومًا الى دماء كل عراقي تصل أيديهم أليه ولينهشوا جسده، وقَابَ قَوْسَيْن أَو أَدْنَىٰ من عملية اغتيال مدبرة، تقوم به مجاميع تترصد كل حركة يفعلها أو تصريح قوي يدلي به أو يحل ميليشيا ويلقي القبض على أنصارها. وبعد ذلك ينتهي البلد إلى الأبد، فلا تقوم له بعدها قائمة.

5
أدوات اللعبه الجديدة.
في 26 كانون الثاني من عام 2008 توفي الحكيم جورج حبش، مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقتها كنتُ مقيمًا في دمشق، فأثرتُ الذهاب إلى العاصمة الأردنية عمان لحضور مراسيم الدفن والجناز في كنيسة الروم الارثوذكس والتي تنتمي إليها عائلة حبش. في معبر جابر – نصيب الحدودي بين الأردن وسورية، طلب مني الضابط الأردني توضيحًا لدخولي الأراضي الأردنية، فقلتُ له أود حضور عزاء الدكتور جورج حبش في عمان، تطلع لي بستغراب وعلى محياه ابتسامة صفراء وأردف، هل يوجد شاب مثلك يتذكر كل هذا اليوم!. فأيقنت حينها فقط إن الكثير من البديهيات قد تغيرت على أرض الواقع.
تغير الكثير من حولنا ومعه ملف القضية الفلسطينية من عام 2003 وإلى يومنا هذا، أيّ من وقت سقوط العراق، لم يعد العالم بعد هذا التاريخ كما هو، فموازين القوى تبدلت الى حدًا كبير.
شكلت نكسة حزيران في سنة 1967 هزيمة للعرب ما بعدها هزيمة، ارتداداتها مازالت قائمة إلى ألان. أكثر ما تغير في وعيّ العربي العَاقل هو عملية السلام، واندراجها ضمن نطاق العمل المشترك الذي يحقق المصلحة العامة للدولة، أيَّ دولة كانت. حققت إتفاقية أوسلو في 13 سبتمر 1993 بين ياسر عرفات وشمعون بيريز بمباركة الرئيس الأميركي بيل كلينتون الكثير على أرض الواقع، ترجمة فيما بعد إلى  تفاهمات لكلا الفريقين. حتى قبل هذا الموعد كان هناك تسويات مهمة حيث كان مؤتمر السلام في مدريد عام 1991، حدثًا متميزًا وجوهريًا في الصراع العربي الإسرائيلي، الكل عرفّ بما فيهم الزعماء العرب أن لغة السلاح القديمة لم تعد تنفع مع تحول في أساليب العمل السياسي، والتي تُوجت لاحقًا لمبادرات السلام العربية والانفتاح والتطبيع مع دولة اسرائيل، إن كان بشكل علني مثل الأردن ومعاهدة السلام في وادي عربة عام 1994، أو تحت الطاولة كقطر والبحرين، فمن مجموع 193 دولة مرتبطة بهيئة الامم المتحدة هنالك 163 دولة تعترف بالدولة العبرية، ولها قنصليات وسفارات وتمثيل دبلوماسي وملحقيات عسكرية وثقافية وفعاليات رياضية حتى. لنفهم الخطوة الجريئة التي أقدمت عليها الأمارات العربية المتحدة في التطبيع الكامل مع اسرائيل مؤخرا، يجب أن نعلم أنه قبل 42 سنة حصلت إتفاقية مشهورة أسست لما هو لاحق، تدعى إتفاقية كامب ديفيد، وقعها الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في 17 سبتمبر 1978، بمباركة أمريكية.
الانفتاح مع تل أبيب لم يكن وليد اليوم، بل له إرثا قديمًا وجذور عميقة، وما كانت زيارة رئيس الورزاء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى سلطنة عُمان في اكتوبر عام 2018 غير رسالة واضحة من السلطان قابوس إلى العالم العربي والإسلامي يقول فيها إن الوضع السياسي القديم قدّ تغير، ويجب فتح قنوات إتصال مباشرة مع اسرائيل، وأن السلام لا يمكن إن يحدث ألاّ عن طريق المفاوضات والمحادثات، وأيام الصراع وخطف الطائرات والعمليات الانتحارية والفدائية إنتهت دون عودة. لم يمضي وقتًا طويلًا حتى مات قابوس بن سعيد، ولكن رسالته كانت قد وصلت وبقوة هذه المرة، وشرعت الباب لدخول مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية بين العرب واليهود.
ربما دخلت القضية الفلسطينية منعطفًا خطير وبات الحديث عن تحرير القدس والأراضي العربية المحتلة من أيدي اليهود والصهاينه ضرب من التاريخ الكلاسيكي. من يتذكر اليوم دلال مغربي، وديع حداد، خليل الوزير، أحمد جبريل، علي حسن سلامة، حتى محمود عباس ابو مازن، أين هو اليوم من كل هذا؟.
الجيل الفلسطيني الحديث، تيقن إن مرحلة النضال لاستعادة الأرض قد تبدلت، لم تعد تجدي نفعًا الأدوات القديمة في التعامل، صار هنالك تطورات مهمة في آليات العمل مع اسرائيل، وشراكة في تقسيم الدوائر والأدوار، غير ذلك حرثًا في الماء.
في نهاية الأمر سوف تتطلع كل الدول العربية إلى إنفتاح كامل وشامل مع الدولة العبرية، لسبب في غاية البساطة، وهو لا يمكن المضي قدمًا في السوق والتجارة الحرة والسياسة الخارجية والمالية والبنوك والمؤسسات المعنية دون التعامل مع إسرائيل، هذا بات واضحًا للجميع، وهذه أيضًا أهم شروط اللعبة والتسوية في تعاملات العالم اليوم. وهنا يجب أن لا نغفل التغيرات الجيوبوليتيكية في المنطقة، يُضاف إلى كل هذا طبعًا صفقة القرن أو خطة ترامب للسلام.
يظل الخاسر الوحيد من لم يعرف كيفية التعامل مع الأدوات الجديدة في ظل تطورات ما فتئت تتغير  يوم بعد أخر، أسرى مصطلحات وشعارات قديمة لم يبقى منها شيءٍ يذكر، الرهان اليوم يقع على من يستطيع العمل من أجل مصلحة وطنه وشعبه.

6
المنبر الحر / شريَحة الشيّطان
« في: 06:43 14/08/2020  »
شريحة الشيطان
كثرّ في الآونة الآخيرة الحديث عن  بيل غيتس Bill Gates قطب التكنولوجيا ومؤسس شركة مايكروسوفت، وصاحب أكبر منتج ومصنع ومكتشف للقاحات في العالم، عن الشريحة الصغيرة، تلك التي توضع تحت الجلد، حيث يبلغ حجمها حجم حبة الأرز أو أكبر قليلًا، لها استخدامات مختلفة في الحياة اليومية، فهي تحمل بداخلها تذاكر السفر والبطاقات البنكية وبطاقة الهوية، وتقيّ أو تنبه أو تعطي مؤشرات عن الأمراض في الجسم والفيروسات التاجية وغير التاجية منها، COVID-19 وصعودًا.
المقاطع المُحملة على موقع اليوتيوب بهذا الخصوص عديدة، لا حصر لها، تحت مُسميات مختلفة، خذّ مثلًا، شريحة الدجال، الرقائق الإلكترونية، الشريحة الماسونية، وغيرها، وكأننا إزاء سيناريوهات من عوالم مختلفة؛ أو تم غزونا من قبل مخلوقات دقيقة من مجرات أخرى. نظرية المؤامرة والتي تعجّ بها منصات التواصل الأجتماعي، خاصةٌ خلال الثمان أشهر الآخيرة، أيّ في فترة إكتشاف فيروس كورونا وما بعدها، حدث ولا حرج، وكل شيئ أصبح في سياق المؤامرات والعوالم الخفية والنخبة التي تقود البشرية. الشريحة موجودة؛ ولكن ليس على هذه الصيغة المبتذلة والسطحية التي يتعاطى معها البعض، أسمها العلمي هو ID2020، وكان لها إرهاصات في أفلام هوليوود التي تُحاكي المستقبل، على سبيل المثال لا الحصر في فلم The Matrix أو المصفوفة، حين يعطي البطل Keanu Reeves جواز سفره لشرطي المطار، فيقول له الشرطي إن الجواز منتهي الصلاحية من سنة 2000، بمعنى إن العالم القديم قد أنتهى مع أنتهاء القرن العشرين، وأن العالم الذي تعيش به اليوم هو عالم افتراضي يُسمى الـ matrix. فإذاً هو صراع افتراضي وهميّ بين النظام System والبشر Humans. لنأخذ مثل آخر وهو مشروع الشعاع الأزرق، أو الهيلوغرافيا، بمعنى أوضح، أنت جالس في البيت، الزمن هو صيف عام 2020 وفجأة تظهر لك كوكب الشرق أم كلثوم بشحمها ودمهم وتغني لك أغنية سيرة الحب، وربما تُسلم عليكَ وتُجالسكّ، ولكن في النهاية كل هذا وهمّ؛ ومقطع افتراضي، وضرب من الخيال الممزوجة بالتقنية العالية، بالمناسبة أول مرة تم استعمال هذه التقنيه كان إبان حرب الخليج الأولى في سنة 1991 حيث تم نشر صور لدبابات على الأرض وهي في الحقيقة كانت مجرد  خيال وسراب مشحون بنظام الديجتال، بالعودة للموضوع الأساسي، حيث لم يذكر غيتس شيءٍ عن الرقائق الالكترونية في لقاءاته المتلفزة، وقد حور كلامه من منطلق ثاني كان يتطرق له، حيث قال( ستكون لدينا بعض الشهادات الرقمية لإظهار من تعافى أو من تم اختباره أخيرا، أو تلقى اللقاح، بعد الحصول عليه) هذا الاقتباس من بيل غيتس نفسه، ولا ذكر فيه عن رقائق للزرع في البشر. ما تمتلكه شركة ميكروسوفت هو براءة اختراع لنظام العملة المشفرة باستخدام بيانات مثل الساعة الذكية والهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية والأجهزة الذكية وغيرها، والتي تحول الإنسان إلى آلة في نهاية المطاف.
ربما تتحقق نظرية الرقائق في المستقبل بكل بساطة؛ أو بعد سنوات إن طالت أمّ قصرت، وفي ذلك الوقت يكون الناس قد أستقبلت الفكرة بشكلها الجديد، وتوضع في سياقها التاريخي كأي سلعة ثانية تطورت مع تطور البشر ذاته، وتبلورت في الوعي الجمعي والثقافة العامة، ويكون لها مراكز وعيادات ومختبرات وخبراء متخصصين في هذا المجال، وفي النهاية يتقبلها الجمهور مثل ما تقبلوا الراديو والتلفزيون والطائرة وتكون وقت ذاك شيءٍ عاديًا كأي مادة في السوق.

7
لنعمل معاً من أجل فكتوريا
اخطر ما يمكن أن يتصوره المرء هو أحد الآمرين، دخول البلاد في حرب خارجية، أو أن تواجه وباء، مثل وباء اليوم الذي يضرب الولاية مؤخراً، حتى في رواية الطاعون لألبرت كامو، أشارَ لذلك خلسةٌ على لسان الدكتور برنارد ريو الذي تعثر في فأر ميت عندَ الرواق حينما كان يهم بمغادرة مكتبه.
تدخل ولاية فكتوريا المرحلة الرابعة من الأغلاق الشبه الكامل، والذي يشمل الكثير من المصالح الكبيرة والصغيرة والشركات، بعد أن تبين أن فيروس كورونا يسر على قدم وساق في مركز الولاية وضواحيها. المفارقات السُريالية المحُيطة بالجائحة غريبةٌ بعض الشيء، فمن المفترض أن تقل أعداد المصابين بعد أجبار الناس على إرتداء الكمامات Masks، أو أن يُشكل العزل الجزئي ثمَ الكلي إلى نزول في الحالات المصابة، ولكن ظهر مع الأيام إرتفاع حاد في COVID-19 والتي كان يجب أن تقل من الخطوات الاحترازية التي سنتها الحكومة المحلية. حاكم الولاية دانييل آندروز ما فَتِئَ يُحذر من مغبة الوقوع في فخّ الاخطاء التي وقعت فيها أوروبا، وإن كان بطريقة دبلوماسية دمثة، ولكن في النهاية وقعنا في المطبَّ بشكل أسرع من ووهان الصينية ذاتها، إهمال من الجميع بدون أستثناء. حسنًا ماهو المطلوب منا خلال هذه المرحلة المهمة والحرجة من عَمرّ الولاية، والتي لم تمرّ بهكذا ظرف صعب من أول مستعمر وطأت قدماه أرض الجزيرة، الأجوبة بسيطة جداً، وهي الالتزام بتعليمات السلامة، التباعد الاجتماعي Social spacing، أرتداء الأقنعة Face masks، عدم الخروج ألا في الحالات الضرورية، والأهم من ذلك كله هو عدم خروج المصابين بالفيروس من محل أقامتهم مطلقاً إلى حين تعافيهم. للوهلة الاولى تظهر هذه الأمور بسيطة ولكنها جدّ ضرورية، فالحفاظ على الدولة ليست مسؤولية الحكومة فقط، بل تقع على عاتق كل مواطن يعيش على أرضها، فالدولة كما قال الفيلسوف الألماني هيجل هي الفكرة الأخلاقية، أي هي الرُّوح الأخلاقية بصفتها إرادة جوهرية والتي تتجلى وتظهر وتفكر في ذاتها، وهي في ذات الوقت تمثل روح الجماعة، والفرد هو عضو في تلك الإرادة والجماعة. ومن هذا المنطلق نفهم إن لا رئيس الوزراء الفيدرالي سكوت موريسون ولا الحاكم في ولاية ملبورن أندروز يمثلان الدولة، هم جزءً منها ولكن الفرد أيضًا هو أساس قيام هذه الدولة بصفته إنسانًا واعيًا، وهو من يحميها أو يدافع عنها ويُشارك في أحداثها وديمومتها. ينبغي على كل مواطن اليوم أن يفهمّ ويعيّ هذه الصيغة الجوهرية، فبدون دولة قوية نضيع، ونحن العرب بشكل خاص، العراقيين اللبنانيين السوريين، يجب أن نفهم أكثر من الغير ، لأنّنا لم نستوعب فكرة الدولة فخسرنا الكثير، تصورنا الأحزاب والوزراء والشرطة والجيش هم الدولة فقط، وهذا أدى إلى كارثة حقيقية نجني ثمارها اليوم.
في فلم الفنتازيا الشهير The Lord of the Rings سيد الخواتم، يطلب أراجورن من الشجرة أن تساعده في مواجهة المخلوقات الوحشية، فترفض الشجرة في البداية المساعدة، فيقول لها أراجورن أنتِ تعيشين على هذه الأرض وتشربين من ماؤها وتستنشقين هواؤها ويجب أن تساعدينا في إنقاذ الأرض فترضخ له الشجرة، لأنها عرفت إن لها دورًا مهمًا في ثبات وديمومة الكوكب مهما صغر دورها، هذه رمزية الشجرة فكيف بنا نحن البشر.

8
قهوة العراقيين المرةّ
بقلم/ سلوان ساكو
من المؤكد أن الوضع في العراق لا يسر أحداً، خاصةً من هم في الداخل، وفي المناطق الساخنة بالذات، ومن المؤكد أيضًا إن الإخفاقات والفشل صاحب مسيرة التغير والاحتلال من عام 2003 وإلى يومنا هذا، مع كل الوزارات التي تشكلت والمؤسسات الحكومية والغير حكومية والأحزاب الكثيرة، من الحاكم المدني بول بريمر والى برهم صالح ووزارة مصطفى الكاظمي اليوم. إخفاق وفشل وفساد في كل شيء، في كل ما تطوله اليدّ، النفط، الكهرباء، الدفاع، الأمن، الخدمات العامة والصحية، التعليم والتربية، النازحين والمهرجين، حدث ولا حرج، يُضاف إلى كل هذا دور السياسيين العراقيين المحبط والمخزي، وعدم إنتمائهم لشيء أسمه وطن، عدم قدرتهم على تجاوز الماضي، وعدم إمتلاكهم الكفاءة الكافية في إدارة شؤون دولة غنية كالعراق، كل هذه التراكمات كرست لمرحلة باتْ العراق فيه في مصاف الدول الفقيرة، وفي اسفل سلّم الدول النامية وتحت خط الفقر وفي أسوأ مؤشرات التنمية البشرية، كل هذا وغيره من كَلاَمٌ يَنْدَى لَهُ الجَبِينُ وخلال السنوات الثمانى عشر الماضية من عمر الانهيار أصبح المواطن العادي المُعدم يسأل سؤال بسيط ولكنه مهمّ، إلى متى يظل الوضع المُزْرى على ما هو عليه، إلى أين سوف تَفَضَّى كل هذه السنوات من العمر الضائع مع أشخاص وحكام وقادة همهم الوحيد هو السرقة والمتاجرة بمصالحهم وأرزاقهم.
في أستفتاء غير رسمي لقناة محلية تجوب شوارع بغداد أظهرت كمية السخط والحنق والغيظ الذي يكنه العراقيين للساسة الحاليين، لا بل أصبحوا يحنون للماضي بكل ما يحمله الماضي من محنًا وقسوة، ولكن لم يصل الأمر بأن يقتل العراقي أخيه من أجل حفنة من المال، أو من أجل مذهب أو طائفة مغايرة له. حتى حزب البعث الحاكم من سنة 1968 والى 2003، لم يجرء على المساس بالسلم الأهلي والمُسلمات الدينة واللعب على وترّ الأديان، هذه كانت من الخطوط الحمراء، نعم كانت هناك تجاوزات تحصل بين الفينة والأخرى ولكن لم ترتقي إلى أن تكون حالة منظمة وبشكل سافر وعلني. نعم كانت هنالك ثمة حاجة ملحة في مواكبة التطورات العصرية في العالم، وكان أيضًا الكثير من السلبيات على صعيد الدولة والحزب، ولكن كان هناك قانون يتمثل في الدولة وقوة تتجلى بأشكال مختلفة من شرطي المرور في الشارع مرورًا بالموظف والوزير، وبعد سنوات الفوضى والتشتت والغزو ضاعت الدولة وتَسَربَلَ العراق برداء الدماء التي إرَاقَتها الميليشيات والعصابات المسلحة، لم ينجح أحد من الذين جاؤوا على ظهور الدبابات الاميركية في بلورة رؤيا مستقبلية استراتيجية واضحة للعراق، فساد وسرقة ومصالح شخصية لا أكثر ولا أقل.
التشظي والاعتداءات والمَهانَة ليست في الداخل فقط، بل طالت الحدود ودول الجوار أيضًا، تركيا لها معسكرات في قضاء بعشيقة، بمعنى أدق هي على مرمى حجر من الموصل، إيران تعتبر العراق ضمن نطاقها المذهبي الذي هو جزءً من ولاية الفقيه، الكويت ومشاكل الحقول النفطية على الحدود بين الدولتين تُثير جدلاً لن ينتهي، عن أي سيادة نتحدث، وعن أيَّ دولة؟.
لا يمكن تجاهل كل هذا تتحمّل إيران المسؤولية الأكبر  في جميع الإخفاقات مع الساسة العراقيين الموالين لها. بين 2003 و2020، تغيّرت أمور كثيرة في البلد من جملة ما تغير الفرد العراقي ذاته، لم يعد له ثقة في الأحزاب السياسية والحكومات، ولا يمكن أن توجد هذه الثقة ما لم يلمس المواطن شيئاً على أرض الواقع، اليوم ليس لدى السياسيين العراقيين ما يقدموه للشعب سوى الكذب والنفاق وعملية نهب منظّمة لعائدات العراق من النفط.
البلد اليوم على حافة الإفلاس مع تهاوي أسعار النفط العالمية، وسوف يظل المواطن المسكين يُعاني الى أمد طويل في ظل هذا العجز الكبير في الميزانية والدين العام الذي يبلغ حاليا 37 مليار دولار ويتضمن أيضا ديون نادي باريس.
لا يعي من همّ على رأس السلطة في العاصمة العراقية بغداد إن السيل قد بلغ الزبى، ولم يعد أحد يتحمل كل هذا الفشل في أبسط الحقوق والخدمات العامة مع هذا القيظ الشديد.
السؤال الأهم، هل سوف يُقدم رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي على خطوة جدية نحو إعادة هيكلة النظام وبناء دولة محترمة تحرص على سلامة وأمن مواطنيها مع نهاية العام الجاري وبداية السنة المُقبلة، آمّ سوف نشهد إنتكاسة جديدة وما أكثرها في العراق الحديث وتسوء الأحوال أكثر من السابق.

9
لم يكنّ تحويلًا كانَ فَتْحًا مُّبِينًا
الأطماع التركية في الضم والسرقة والاعتداء على حقوق الغيرّ ليست وليدة اللحظة، بل لها جذورًا تأريخية يصعب حصرها الآن، على سبيل المثال لا الحّصر، في عام 1997 طالب رئيس وزراء تركيا حينها نجم الدين أربكان بعودة مدينة الموصل للحضن الوطني التركي، وعلى هذا الإساس حركّ بعضاً من قطعاته العسكرية المُتاخمة للحدود بين البلدين، جاء ردّ الرئيس الراحل صدام حسين سريعاً وقويًا في آن واحد، بإنزال الجهاز الحزبي (البعثيين) بأكمله في المحافظة  إلى الشارع مع حمل السلاح، وقطع الطريق الواصل بين دهوك والموصل مع تحريك بسيط لعدد من الوحدات العسكرية العراقية، لم تمر غير ليلتان ألاّ وأربكان يعتذر عن سوء الفهم الذي حصل، والخطأ الذي تخلل خطابه وتحوير كلامه. كانت هناك ثمة قوة ودولة يحسب لها آلف حساب، ذهب كل هذا اليوم.
حقق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمنيته في الصلاة في كنيسة آيا صوفيا في وسط إسطنبول. لم يكن التاريخ الذي أختاره اعتباطيا، بل جاء من عقلية خبيثة تُحاكي الماضي لتوظف للمستقبل، التاريخ جاء ليقول تركيا تنهض من جديد، تركيا التوسعية، أو الإمبراطورية التركية الحديثة. ففي 24 تمور من عام 1923 تم توقيع إتفاقية لوزان والتي أنهت حكم العثمانيين ودشنت للجمهورية التركية الحديثة، جاء التوقيت ليقول أن الاتفاقية أصبحت من الماضي وتركيا اليوم بقيادة أردوغان تدخل مرحلة جديدة.
من المؤكد أن ولاية إسطنبول لا تحتاج لمزيد من الجوامع والمساجد، ففيها مايقارب 3200 مسجد، وفي عموم البلاد يوجد ما يناهز 82693 مسجدًا، فلا يمكن لعمل مُشين مثل هذا أن يُضيف شيئًا للعدد الكلي، ولكن الرسالة كانت واضحة والتي ارادها الرئيس التركي إيصالها نجح فيها، خاصة ما ترافق معها من بروباغندا، مثل السيف الذي كان يحمله إمام المصلين. 
من الأكيد لن يحصل شجب عالمي على مستوى عالٍ، أكثر من هذا سوف تظل تركيا اليوم قوية تهدد بقضم باقي جزيرة قبرص، وجيش ينتشر على خمسة  جبهات في عدة دول بتمويل قطري أخواني وحلف مع تنظيمات ارهابية، هذا ما أدركه العالم اليوم، ولو جاء متأخرًا. اليونان في قلب الأحداث، ولو تدخل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في نزع فتيل الأزمة بين تركيا واليونان لنشبت حرب بحرية، ربما تطورت لنزاع كبير لا تحمد عقباه.
الحلف القوي بين بنيامين نتانياهو  وأردوغان أعطى ثماره تمثل في الضوء الأخضر الإسرائيلي للتحرك على أكثر من جبهة، وبالتالي تكون هذه موافقة ضمنية من الولايات المتحدة لتركيا.
مع كل ما قيل تظل أطماع أردوغان في الاحتلال والضم والسرقة والتلاعب بمشاعر العالم مصدر إزعاج وقلق كبيرين، خاصة إذا عرفنا البرنامج الانتخابي القادم لعام 2023 لحزب العدالة والتنمية، وإعلان عودة تركيا للخلافة الإسلامية وما تعنيه هذه المصطلحات في القاموس السياسي والأخلاقي والجمعيّ للناس.
شئنا ام ابينا التحولات السياسية قادمة لا محالة، في ظل هذا العجز الأوروبي في إتخاذ القرارات التي تُدين أنقرة على الانتهاكات، من حقوق الانسان والحريات المدنية إلى ممارسة الارهاب والعنف بشكلٍ مباشر وعلني.
 سوف يحل يوم، ويوم قريب يُهدد فيه رجب طيب أردوغان معقل المسيحية، في روما حاضرة الفاتيكان، إن لم يتحرك العالم في الوقت المناسب.

10
المنبر الحر / المسيّحي الأخيرّ
« في: 06:50 22/07/2020  »
المسيحيْ الأخيرّ
بقلم/ سلوان ساكو
قطعَ الغرب مشوارًا طويلًا في رحاب العلمّنة Secularization، والمعلوماتية والذكاء الصناعي، ما لم يفعله بشر على مدار العصور، ربما نكون محظوظين لنشاهد كل هذا بِأم أعيننا، أو نكون تُعساء لنرى المشهد الأخير من أَفْؤُل الكوكب  أو حالات من الضعف التدريجيّ ستصيب الأرض بمعنىً مجازي طبعًا. وتأتي هنا في صيغتين منفردتين، الأولى العلم Science، والثانية بمعنى العولمة، Globalisation. لتؤطر حياة كاملة من القيم والأخلاق والعادات، بعيدة كل البعد عن روح المسيحية كما سوف نرَى.
ليسَ من المستغرب اليوم خاصة في الدول الغربية أنّ يحدث كل هذا الجفاء والابتعاد والبرود عن الكنائس وعن فهمّ العقائد Doctrines التي بدورها تؤثث مسارات المذاهب وتضعها في سياقاتها الصحيحة، كيمّا يعرف المؤمن أين هو في كل ما يجري حوله. وليس غريبا أيضًا أن لا تحتوي الكنائس اليوم غير كِبار السن والعجزة، مع عزوف طبقة الشباب من الذهاب والحضور، ربما تكون الكنائس الشرقية في دول المهجر أفضل حالاً من البقية، ليتبيّن كلّ يوم، خصوصاً مع التطور وتغير المنظومة الاجتماعية أن الكثير من المعطيات فقدت رسوخها والكثير من دواخل البشرية تبدلت جذريًا، غير مكترثة بالدين بحدْ ذاته باعتباره خلاصًا للروح من هذه الدنيا الزائله مهما طال الانتظار فيها ومهما كابر البشر في خلق فرص البقاء على أرضها، ففي النهاية ثمة حساب وقضاء أخروي يضع الإنسان بين يديّ الخالق. لم يعد أحد يكترث لكل هذا، أو لنقل بشكلٍ مباشر، لم يعد أحد يفكر بكل هذه المسائل اللاهوتية التي تحتاج لسياق توضع فيها ليفهم الإنسان إلى أين تتجه البوصلة، لا يمكننا تجاهل كل هذا ولا يمكننا أيضًا حجب الشمس بالغربال. إذًا كيف ستكون الصورة في المستقبل القريب والبعيد إذا ما بقت الأمور على هذا النحو الخاطئ!، من المؤكد إن الكل ستظل على مسيحيتها في صيغتها الحالية، أيّ مسيحية بالأسماء فقط دون إيمان وانتماء، مسيحية على الورق الثبوتية والحكومية، مسيحية من أجل الزواج والعماذ وصلاة الموتى الراقدين، أي مسيحية فلكلورية في أفضل الحالات. وأكرر مرة أخرى خاصة في الغرب. المسيحية المستقبلية سوف تكون للخاصة وليست للعوام، ذات رُؤًى وأبعاد خاصة، لأن العامة رفضت أن تكون هويتها الحقة مسيحية، والخاصة تعرف مع من تتعامل، خاصة متعالية عن التفاهات الارضية المنتهية في نهاية المطاف، (أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي). يوحنا 14:10. وسوف يكون الحصاد كثير للعوام ولكن!، ( إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ)لوقا 2:10. من سيستمر في النكران والجحود لن ينفعه شيء(وَلكِنْ مَنْ يُنْكِرُني قُدَّامَ النَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضًا قُدَّامَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ)متى 33:10. المسيحية ليست كما يظن الجميع سهلة والدخول لها سهل، هي عقل mind، ومنطق Logic وإيمان Faith، وكلمة (فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ). يوحنا 13:1. الباب ضيق جدًا للداخلين ليس مفتوحًا بمصراعيه، (اجْتَهِدُوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَطْلُبُونَ أَنْ يَدْخُلُوا وَلاَ يَقْدِرُونَ). لوقا 24:13.
من اليوم في الغرب يستوعب فكرة التجسد!، من يهتم أساسا بالله!، فقد تنازل الله من حالة سموّه الإلهي ليظْهر للبشر بحالة غير إلهية هي حالة الإنسان البشري، إلا أنه طبعا بقيَ الله. ولكن لشدة محبّته للبشر قرّر أن أن يتنازل عن مستواه الإلهي وينحدر إلى المستوى البشري ليعايش الإنسان على الأرض في نفس ظروف عيشه وتحت نفس القيود التي تربطه، من يُحاول اليوم الوصول لهذا الجوهر الأساسي في صلب المسيحية.
فكرة الأخلاق والضمير  Ethics and conscience خطيرة جدًا ما لم تُعقل من (العقلانية)، فالذي لا يسرق والذي لا يغش والذي لا يكذب جيد بنظر الناس، وهذا صالح وجيد بدون أدنى شك، ولكن المشكلة هنا تكمن إن المؤمنين والملحدين يتصفون بهذه الصفات، وهنا ماهية المشكلة، فالمعلم جاء للمتعبين، (تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ). متى 28:11 . وإن لم يشعر الناس بالتعب ووطأة الأثقال ما العمل حينئذٍ؟، وهذا ما ينبئ بالخوف، لأن البرود الديني يعتلي كل شيء. (لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ). متى 24:15. وفي مكان ثاني. (لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَ). مرقس 17:2.
لم يفهم الإسخريوطي طُوال مدته مع السيد المسيح أن مملكة السيد ليست هنا، ليست على هذه الأرض، ليست في هذا البُعد المكاني،( مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا). يوحنا 36:18. ربما كان يحلم يهوذا بدولة لليهود أو اقليم يجمع شتاتهم، مع قريبه برباس، ولكن كل هذا زائل  وتبقى الكلمة، (اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ، وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ). لوقا 33:21.
فبدون إيمان حقيقي تذوي التفاصيل وتتراجع ثم تغيب للأبد، أمّا الإيمان فإنما يعني المعرفة، عرفناه بالكشف الإلهي الصريح.
بشكل أدق، اليوم الرغبة للفهم مفقودة، أو فُقدت مع تراكم المشاغل وزحمة الحياة اليومية، تلاشت تحت وطأة الزمن ومصاعب المعيشة؛ اضمحلَّت وصارت إلى العَدَم. ولكن مع كل هذا يبقى الطريق أمام استعادة الفرصة لإنشاء تصورات صحيحة متوفرة، مع إعادة بناء المفهوم ذاته الذي أصابه العطب مِمَا يخول للمرء في النهاية التمعن في كل شيء من حوله بدل التلهي بأمور أرضية في أحسن الاحوال زائلة، إنّ لم يكن اليوم فالأكيد غدًا، ولكن الجوهر باقي لا يزول.

11
الطلاق الغيرّ مُعلن في الكنيسة
ليسَ في هذا العصر فقط، وإنما في جميع الأوقات والأزمنة واجهت الكنيسة الكثير من التحديات والصعوبات، منها ما كان لاهوتيًا يخص العقائد والمعتقدات، ومنها ما كان إجتماعي حياتي يخصْ الجماعة المؤمنة، وعلى هذا الأساس عُقدت الكثير من المجامع المسكونية Ecumenical Councils لدرء المخاطر والفتنة عنها. تحولات كثيرة طرأت على البنية الهيكلية والمفاهيم العامة خلال الألفي سنة الماضية، ولكن يبقى ما يؤكد أن المسيحية راسخة قوية، تُحاكي مفهوم Concept عميق جداً ذوّ أبعاد Dimensions جوهرية  في قلب الديانة ذاتها.
 ما يُثير الانتباه اليوم ويُعتبر ظاهرة غير مريحة إزدياد نسبة الطلاق بين العوائل في الآونة الآخيرة، الأسباب عديدة ومتنوعة لن نخوض في غِمارها الأن، مما يعطي مؤشرا قوياً على أن نمط الحياة الذي يعيشه المسيحي اليوم تغير كثيرًا عن السابق، هذا وغيره يتطلب وقفة لتكن، دينية، إجتماعية، حياتية، لنشق الجرح بمبضع الجراح ونضع أصبعنا على مكامن الإشكالية.
السيناريوهات مُتعددة والأسباب كثيرة التي أدت وتؤدي لانفصال الأسر، فلا يمكننا أن نفهم ما لم نعود للأصل، والاصل يقول (إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ). متى 6:19. وأيضًا ( وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي). متى 32:5. فإذا المبدأ واضح كل الوضوع، لا يوجد طلاق في الكنيسة ألا لعلة الزنة، الثابت أنّ هناك إصرارا على تزوير الحقائق من البعض والعمل على قلب النصوص المقدسة، ومن الواضح أيضا أن هناك تهاون أو لنقل بشكل أدق تساهل من جانب الكنيسة، لكنّ ذلك لا يعني أن الحبل متروك على الغارب، ويفهم من هذا أن الأمور فوضوية داخل الكنيسة، ولكن الزيادة هي ما تُثير القلق!.
الأسباب الشرعية، ( المحاكم الكنسية) التي تُبيح تطليق الرجل لزوجته أو مطالبة الزوجة بتطليقها من زوجها معروفة سلفاً، على سبيل المثال لا الحصر، العنف الأسري، سوء الاخلاق، التخلف العقلي بعد الزواج أثر صدمة ما، العجز الجنسي، غيب آحد الأطراف لمدة طويلة في جهة مجهولة. هذه بعض الاسباب، ولكن أخطر وأهم من كل هذا هو انعدام المحبة بين الطرفين، فيصبح العلاج صعب وردم الهوة بينهم مستحيل، لأنه لم يعد هناك هامشًا للتنازل للطرف المُقابل والتضحية من اجله. والعقد أو العهد أو الميثاق أو الوعد بينهم فقد معناه الروحي والرمزي، وباتتّ وورقة بالية لا أكثر ولا أقل. ففي هذا الوقت أصبح الانفصال أمرًا سهل على الزوجين، فبمجرد ظهور بوارد أزمة مهما كانت صغيرة وبسيطة داخل العائلة يُحال الكلام فورًا إلى الطلاق، وكأنه أجراء بسيط وسهل، وفي بعض الحالات لا يمر على الزوجين وقتًا طويلًا من عقد القِران حتى يتم  بعده الانفصال ومن بعده الطلاق. هنا يحاول احدهم إخضاع الآخر وإثبات انه القوي الممسك بزمام الأمور، ليدخل في صراع من أجل إثبات الذات بغض النظر عن الخسارة التي سوف تلحق بالعائلة. لا شكّ أنّ عوامل أخرى لعبت دورا في إزدياد الحالات بشكلٍ غريب، نعم لا احد ينكر أنه ثمة صعوبات ومشاكل كبيرة تواجه الاُسر، منها الاجتماعية ومنها الاقتصادية المعيشية، فيُمكن لمجُمل هذه الأمور ان تدفعنا للشكّ والقلق تنعكس بالتالي على نفسية الأفراد والأولاد داخل العائلية ذاتها والتي تعتبر أول نواة للمجتمع الذي تنبثق عنه الحياة. وليس سرًا أيضًا إن التحديات الكبيرة تكمن في الغرب ودول المهجر أكثر من سواهم، مع الأخذ بنظر الاعتبار تغير المنظومة التشريعية وقانون الاحوال المدنية بالنسبة للمرأة، فكل القوانيين تقف بجانبها.
يتطلب الفهم  الصحيح للنُظم الغربية الكثير من الحكمة والشفافية ومصارحة الأخر بكل عقلانية. ورغم هذا كله تظل معرفة الغير، الزوج، الزوجة، غامضة غموض الذات الإنسانية. ولتجاوز هذا الغموض يجب  الكشف المبكر عن المشاكل الزوجية الصغيرة التي تكون في أغلب الأحيان ككرة الثلج الصغيرة  قبل تفاقمها أكثر مع مرور الأيام.
باختصار شديد يجب علينا اليوم الاختيار الصحيح بما يتناسب مع وضعنا وثقافتنا وتطلعاتنا، لأننا في النهاية نبني أسرة تكون حجر الزاوية في البنيان العام للمجتمع حريصين كل الحرص على إدامة مشروعنا الذي يتطلب في الكثير من الأحيان التضحية والثبات والصبر والحب وفهم الأخر من أجل العيش المشترك.

12
المنبر الحر / الكنيسّة الجامع
« في: 04:14 12/07/2020  »
الكنيسة الجامع
بقلم/ سلوان ساكو
حينما حصلت مذبحة كرايست تشيرتش النيوزيلندية على يد الارهابي الأسترالي برنتون تارانت، صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حينها إنه سوف يبعث الأستراليين الموجوديين في تركيا بتوابيت إلى بلدهم، ( سيُرسلون في نعوش مثل أجدادهم في معركة غاليبولي في الحرب العالمية الاولى).
ليس من الصعب معرفة دوافع تحويل كنيسة الحكمة الألهية آيا صوفيا (بالتركية Aya Sofya) الى جامع في الاونة الأخيرة. فتوجه أردوغان من البداية ومن التأسيس هو  إخواني إسلامي بحت، سعى ويسعى منذُ البداية إلى إعادة إحياء الخلافة العثمانية بكل السبل والطرق، مع تواطؤ وخوف العالم منه، فلا أحد يتصور أن تركيا تستطيع أن تتدخل في ليبيا كل هذا التدخل دون ضوء أخضر من الولايات المتحدة الأميركية واسرائيل، ولا أن تتوسع في العمق السوري وتحتل كل هذه المساحات دون علم الإدارة الامريكية، أو أن تنشأ قواعد عسكرية في العراق داخل قضاء بعشيقة وتقصف الإقليم الكردي بشكلٍ مستمر دون أي إحترام لسيادة وكرامة العراق، أو أن تُشييد معسكرات في الصومال وقطر دون علم وإطلاع الغرب. السؤال المطروح هو هل أوروبا تخاف من أردوغان، الجواب نعم بدون شكّ، فمع النجاحات الكبيرة التي حققها  الجيش التركي في العاصمة الليبية طرابلس بتجاه سرت وبنغازي، وتبوئه الصدارة في حلف الشمال الاطلسي الناتو بعد الولايات المتحدة كأقوى جيش في الحلف، ومع تهديد أردوغان المستمر والاستفزازي بإغراق أوروبا باللاجئين السوريين وغير السوريين، كل هذا أعطى مخاوف جيوسياسية تنعكس بالتالي على القادة السياسيين في أوروبا. أراد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التصدي لأطماع تركيا في ليبيا، ولكن لم يستجب له أحد، ولم تسانده أي دولة، فظل كلامًا عبارٍ دون فعلٍ حقيقي. حتى روسيا اليوم لا تستطيع الوقوف بوجه أطماع تركيا، ففي عام 2015 أسقطت الدفاعات التركية طائرة من طراز سوخوي - 24 ولم تفعل موسكو شيئًا يذكر غير تصريح من فلاديمير بوتين على الضربة الجوية أنها (طعنة في الظهر) لا أكثر.
هناك قبل كلّ شيء رسالة واضحة من الرئيس التركي، مفادها أن تركيا قوية رغم تراجع الليرة في الفترة الماضية، وأن تركيا مقبلة على سياسات خارجية توسعية تضمن لها تدفق الأموال والنفط والغاز. هناك جانب آخر يتمثل في إن طيب أردوغان متأكد أنه سوف يفوز في أنتخابات عام 2023 دون منازع، وكل الحديث عن خسارة حزب العدالة والتنمية لمقاعد مدينة إسطنبول ليس له معنى، حتى رئيس حزب المستقبل أحمد داود أوغلو المنافس الشرس لأردوغان لا يشكل أي تهديد حقيقي له. هناك ما يشير إلى ان المرحلة المقبلة  على أوروبا والعالم  في ظل ألرئيس التركي صعبة للغاية مع كل الاستفزازات والتهديدات. يكفي أن نذكر بأن تركيا تسعى لضم باقي جزيرة قبرص إليها بعد أكتشاف إحتياطي الغاز  فيها.
لا تزال المعركة طويلة مع السلطان الجديد، ولا تزال هناك فتوحات وتوسعات كثيرة، ولكن من المؤكد انها ليس سهلة مطلقًا.

13
مثير للجدل في الشخصية المسيحية العراقية                               
بقلم/ سلوان ساكو
ليس سرًا إننا نتغير مع تغير العصر، وتتبلور أفكاراً جديدة تحمل مفاهيم جديدة تكون في الأغلب الأعمّ على أنقاض القديمة، وإن أتخذت أنماطا ومسارات مُغايرة في منحنيات الحياة التي يعيشها الفرد أياً كان. في هذا المّقال سوف أتطرق للشخصية العراقية بين مزدوجين المسيحية منها، وتراكم الخبرات فيها، السلبية والإيجابية منها، والصراع الدائر داخل الذات انطلاقا من معارف استنباطية.
تبلورت الشخصية المسيحية في العراق واتّخذتَ أشكالاً محدّدة أثر تراكم يعود بأثر رجعي في نفسية الفرد في تأسيس شخصيته، وأثر تحولات رئيسية في أنماط العيش والتنقل والهجرة والنِزوح الإجباري. والاهم من هذا وذاك هو الحرب أو الحروب التي خاضها العراق ابتداءً من إيران وهلم جرا في تحطيم كينونة الإنسان العراقي بصيغة أشمل، ففي لحظة المأزق التاريخي تغير كل شيء، وباتَّ من الاستحالة اصلاح ما أفسده الدهر، وكيفية تأثيراتها السلبية على الفرد المسيحي بمفهوم استقرائي أعمق بكثير من هذا التسطيح الذي نعيشه اليوم، عاجزين عن التفكير السوي المنطقي Logical .طبعا لا تشمل هذه المقالة الجميع، ولكن هناك فئة لا بأس به تتسم بهذا الطابع، أو موسومة بها من الأصل، مع كل التغيرات التي حدثت على الصعيدين الثقافي والحياتي، لتتوسع في دائرة مغلقة مِمَا يجعلنا نتساءل عن طبيعة هذه الشخصيات personalities.  وهذا لا يمنع بطبيعة الحالة من التوقّف عند طرح مجموعة معينة من الأسئلة؟. إذًا لنعود للوراء قليلًا لنستكمل مُجمل الصورة ونضعها في إطارها الصحيح، ولكن هذه المرة دون رتوش أو مساحيق تجميل، لتظهر لنا في النهاية بشكل واضح وجلّي.
على ما يبدو المسألة بدأت مع النزوح القسري لقرى ونواحي الشمال، أيَّ شمال سهل السندي، أو شمال زاخو بتعريف أدق، فخلال سلسلة الحروب التي خاضها الأكراد من أجل تحديد المصير مع الحكومة العراقية، تمَّ تهجير الكثير من القرى والنواحي من مكان سُكناهم إلى محافظات اخرى، موصل، كركوك، والعاصمة بغداد، على مراحل أو دفعات، حسب انتشار رقعة النزاع. بَدْءًا من أواسط الخمسينات وإن كان بشكل طوعي نوعًا ما، واستمر إلى الستينيات وصولاً للذروة مع منتصف السبعينيات، ومع اتفاقية الجزائر المشؤومة الغرض منها كان إخماد الصراع المسلح مع الأكراد، الموقعة بين شاه إيران محمد رضا بهلوي والحكومة العراقية متُمثلة بالنائب وقتذاك صدام حسين في 6 آذار مارس من عام 1975 برعاية الرئيس الجزائري هواري بومدين، أسُدل الستار على أخر قرية مُهجرة تقريبًا، ظلت هناك بعض القصبات متناثرة بين سفوح الجبال والسهول والروابي، لا تهم كثيراً في المعادلة الرئيسية والمغزى الاساسي للاتفاقية  ألا وهي خنق الكُرّد وإفشال مخططاتهم لإنشاء دولتهم. المهم هنا هو إن السواد الأعظم من شعب مسيحي كان يحيا في تلك المناطق قد تم ترحيله قسراً من أرضه وداره إلى مكان آخر مُغاير في اللغة والثقافة والعادات، حتى وإنّ كان داخل حدود الوطن الواحد، فقرية متُاخمة للحدود العراقية التركية ثقافتها ولغتها وعاداتها غير ثقافة ولغة وعادات أهل بغداد أو البصرة أو الموصل مثلاً، كل هذا فرزّ أنماط وشخصيات مختلفة مع محيطها وصعوبة تناغمها والدخول معها في علاقة مُتمِدنة، كان التقوقع حول الذات هو السمة الأغلب مع إحساس بالقهر والظلم، وشعور بالنقص Inferiority feeling في ذلك الوقت، مع عدم توفر فرص كبيرة للتأقلم مع المحيط، ربما بسبب عامل اللغة، الكل تقريبًا تتكلم أما الكردية أو السورثّ الدارجة، بعيدين عن لغة المدينة وهي العربية، فبات هنالك هواة يصعب ردمها بين الثقافة المحلية السائدة وبؤرة ضغط تتمركز في اللاشعور تحت نسق سيكولوجي مؤلف من الموروثات والدوافع القديمة التي منها تغيرات تكون في اشكال التعبير وصوبة التعلم وعدم التكيف مع المحيط العام للمدينة، في نفس الوقت كانت تحديات البقاء ومتطلبات المعيشة من أجل توفير ضروريات الحياة أمر غير سهل مطلقاً، مما أجبر الناس على العمل في مهن وضيعة Menial occupations، وطبعاً العمل ليس عيبًا بأي شكل من الأشكال، لأن أسباب وسُبل العيش تتطلب هكذا أعمال في ذلك الحين. لم تنتهي هذه المحنة بتعاقب العَقَدّ الأول والثاني، بل استمرت إلى الجيل الذي تلاه. بعد ذلك بجيل، والجيل يساوي هنا بين 23 سنة الى 30 سنة، ظهر جيل متعلم غير ذلك القديم، حاصل على الشهادات العليا، تعلم مهن حرة، أتقن فنون الحياة وسبل العيش، تخلص من الخطاب القديم وإن كان بشكل جزئي. ولكن حلت حرب الثماني سنوات مع إيران هنا حدثت انتكاسة برأي أثرت سلباً على الجميع، وأقول ذلك لأن الإخفاقات باتت ملموسة، هنا ينبغي أن نفهم معنى إخفاق الفكرة أو معنى اِنتكاسة بأثر رجعي للوراء أو بالأحرى ما الذي جعل الوضع يسقط نحو هذا الدركّ؟ الجواب أنّ ثمّة خللا أساسيا حصل في تطور الجيل أو توقف عند حدّ مُعين، فبعدما أن اشتدت المعارك حصل هنالك فراغ في بناء سيكولوجية الفرد من نوعاً ما، نوع خاص، اتّخذ أشكالاً وصيغ أخرى، ومع القيم الرفيعة للديانة المسيحية، الحب، السلام، والتسامح، الصفح، الوداعة، ومع تردد وخوف المسيحي ذاته بلورت اللحظة عن حالات تكاد أن تكون عامة، فبات المسيحي ساعي (مراسل) عند الضابط أو القائد الفُلاني، أو سائق خاص عند العائلة أي عائلة هذا الضابط أو القائد. هذا لا يعني في طبيعة الحال أنّ الكل هكذا، ولا ينفي أن الشعب المسيحي أعطى شهداء في هذه المعركة وغيرها. ولكن لم تكن السمة الابرز في هذا السياق، في مكان ثاني وعلى نفس النهج وإن تغيرت الأدوار بعض الشيء، أشتغل عدد لا بئس به من نساء ورجال في القصر والديوان الرئاسيان، عمال تنظيف، طباخين، مربين، خدم، أي من الطبقة الثالثة أو ما دونها، في ظل هذا التخبط الشعوري وأذلال الذات بات هناك منطقة رمادية في الشخصية المسيحية العراقية وإشكالية حقيقية لهاجس وعيها في بناء مجتمعها كذات حرة باعتبارها كينونة واعية بذاتها في تكوين شخصيتها المستقلة عن الغير، الغير المتسلط القوي سالب الأنا من النفس، الضابط، القائد، الرئيس. ولكن هذا لم يتحقق مع الأسف، وهذا ما سيظهر بوضوح لاحقاً في زمن الحصار المفروض على العراق في منظومة سوسيوثقافية أكثر تعقيدًا برزت في تلك الحقبة وظفت لها المؤسسات والآليات والأنظمة الاجتماعية السائدة في قمعّ روح الإنسان التواقة للحرية وأن في حدودها الدنيا. تمثّل هذا الواقع الجديد في بروز اشخاص غير أسوياء يتقمصون أدوار التكبر والإعلاء الوهمي للذات، يكون مُزيف أجوف من الداخل لكونه لا يستندّ على منصات معرفية صحيحة، والنتيجة كانت ومازالت رمادية الألوان. تكرر هذا المشهد التراجيدي في مرحلة لاحقة، أيَّ بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، هذه المرة ليسّ نزوح داخل البلد الواحد وإنما هجرة جماعية خارجية على شكل موجات. لم يدرك المُهاجر الجديد أن قواعد اللعبة قد تغيرت مع تغير الأشكال النمطية القديمة للحياة، بَدْءًا من الحاسوب والأجهزة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وزراعة الرقائق الإلكترونية في جسم البشر التي يُروج لها اليوم بكثرة لجعل الإنسان آلة.
تبيّن مع مرور الوقت أن الرهان كان خاسراً في كثير من الأحيان، لأننا لم نسأل أنفسنا السؤال الجوهري، كيف وصلنا الى هذا الدرك من التقوقع داخل الذات، لعلّ الجواب يظل مجهول لوقت طويل، وطويل جداً. الذي سيطرح نفسه في نهاية المطاف، هل تقول الصورة اليوم الحقيقة وتجد لها تطبيقا مع كل هذه التحولات الإبستيمولوجية الخطيرة في عقلية البشر، أمَّ نظل أسرى أزمنة ولتّ دون رجعة خارجة عن الإطار اصلاً. نعم نحن مع كل ما تقدم لا يمكن أن نعيش في مسار يختلف عن المسار الإنساني وتحولات التاريخ، فإما أن نندرج فيه بشكلٍ فاعل أو يلفظنا خارج السرب، إنّ وعي الإنسان بذاته من الأهمية بمكان يصعب تجاوزها بأي شكل من الاشكال، وهو ما يجعلها ذات أهمية وتأثير وفاعليّة على جميع الأصعدة.
كاستنتاج عام فأن الشخصية، شخصية أي فرد كان هي عبارة عن تفاعل ديناميكي بين المجتمع والذات في مواجهة مفتوحة مع الأنا في صيغتها العاقلة والتي يجب أن تدرك نفسها لتنطلق نحو فضاءات أوسع كَيما تمتص رحيق الحياة لتشعر بذاتها بعيدا عن الانهزامية والخنوع والخضوع والاستسلام قابلة للاسْتِبْدالِ والتَّحَوُّلِ مع ضروريات وصيرورة تطور العصر.

14
المنبر الحر / لاهوت الوقت
« في: 05:32 29/05/2020  »
لاهوت الوقت 
في نصه الفريد يُقدم لنا الكاتب الروسي العظيم فيودور دوستويفسكي إسقاطًا عجيبًا من نوعه على ماهية الوقت Time، من خلال توظيف تجربته الشخصية في الاعتقال ومن بعد ذلك الحكم عليه بالإعدام، ليبتكر شخصية من نوع خاص تتصف بالمريضة في روايته الأبله. حيث يقوم السردّ البنائي في الرواية بالكشف عن بعض الصفات الدفينة داخل النفس البشرية لتبرز معالم حيوات كانت مستترة وراء كواليس الروح. ففي عام 1849 أُلقيَ القبض عل فيودور لانتمائه لرابطة بيتراشيفسكي، وهي مجموعةٌ أدبية من الشبان ذات طابع سريّ تُناقِش الكتب الممنوعة التي تنتقد النظام الحاكِم في روسيا وعلى هذا الآساس حكم عليه بالإعدام، يذكر دوستوفيسكي تفاصيل مرحلة الإعدام في نص الرواية بأسطر سريعة، فيقول، في صباح احد الأيام اخرجونا من الزنزانات وكنا عشرين متهمًا بالإعدام ، مقيدين بالسلاسل بالارجل والأيادي، يتقدم الركب كاهنًا متشحًا بالسواد، فاعتبرت ذلك نذيرَ شؤم، تقدمنا من منصة الإعدامات، وكان عليها ثلاثة أعمدة خشبية، فبدأ القاضي تلاوة نصّ الحكم على كل واحد والذي كان حكمًا الإعدام رميًا بالرصاص، كان تسلسلي حسب المرسوم القيصري هو الخامس، فقلت لنفسي، تبقى لي في هذه الحياة خمسة دقائق فقط كيف أستغلها، فهية ثمينة جدًا وقليلة جدًا، فوزعت الدقيقتين الأولى لتوديع الاصدقاء، والدقيقتين التاليتين للتفكير في سؤال معنى الوجود، والدقيقة الآخيرة ينبغي أن اتمعن في سر هذا الوجود وكينونته، بعد ذلك ذهبت المجموعة الأولى إلى موقع الرمي، وانطلقت الرصاصات تدوي في السماء ولكن لم يمت احد، فقد تمَ تصويب فوهات البنادق الى الهواء، وقرأ الجنرال قرار العفو الذي أصدره القيصر بحقنا.
تجربة عميقة في دلالاتها السيكولوجية للنفس عندما تكون إزاء تجربة واحدة لا تتكرر في رمزيتها المجازية. الوقت هو مُشغل العرض السينمائي لحياتنا، محاولات الإنسان لضبط الوقت هو أنعكاس لمتطلباته وإحتياجاته وأناته وأوجاعه، وبالتالي قيد ذاته بأغلال الوقت والزمن، حبس نفسه داخل دوامة اللحظة، أردنا ذلك آم لا نحن أسرى بنى ثقافية بإشكاليات تقنيات العصر، ( عصر السرعة the era of speed). الانتظار عند طبيب الاسنان مزعج، ولكن مشاهدة فلم أكشن لمدة ساعتين تمر كأنها الثواني. تزكية الوقت في ثرثارة لا طائل من ورائها تأخذ ساعات، بينما تصفح كتاب ولو لدقائق معدودات مُملّةً للغاية. أنشتاين قال أن الزمن نسبي وليس مطلق، بمعنى أن رائد الفضاء يكون أصغر في المجرة عنه في الأرض، آما عمانؤيل كانط فقد قال، لا يوجد شيء أسمه الزمن، بل أن عالمنا الذاتي وحياتنا تحاولان ضبط حركة تعاقب الأحداث لمعرفة الماضي والحاضر والمستقبل، بمعنى إبستمولوجي الزمن وهم ونحن داخل هذا الوهم سابحين. لم يكن الوقت مُعد سلفًا في أوكرانيا وقت حدوث كارثة تشيرنوبل، الماء لم يكن باردًا بما فيه الكفاية في المفاعل رقم 4، ساعة حصول الانفجار 23:04، خلال دقائق تغير وجه الكوكب، يعيد التاريخ نفسه في معظم الأحيان ولكن بشكل هزلي، الوقت لم يكن عاديًا عند بول تيبيتس ففي الساعة الثامنة والربع صباحًا أَلْقَى القنبلة على مدينة هيروشيما، التاريخ سوف يظل عالقًا في ذاكرة الأجيال طويلًا.
اليوم الأمراض القاتلة في تكاثر مستمر لا تمهل أصحابها الكثير من الوقت. خمسة عشر يوم هي فترة حضانة فيروس COVID-19 حسب منظمة الصحة العالمية، الوقت محدد بدقة، أما أن يعبر المرء البرزخ ويعود للحياة، وأما أن يفارق هذا الكون للأبد، بين هذا وذاك هوة واسعة، لا يمكن الجزم في أي بُعد سوف نكون، ولكن الأهم هو استحالة الرجوع الى الماضي ما يمكن تأكيده مع حالات الموت.
إحساسنا بالزمن هو وعينا بإنسانيتنا، ووعينا بذاتنا، ووعينا بخلاصة تجربتنا الحياتية سواء كانت طويلة أم قصيرة، من هذا المنطلق نستطيع أن نقول إن للوقت أهمية في صيرورة البشرية.

15
الرحلة الأخيرة إلى باريس
في مشهد لا يفتأ أن يتكرر في السينما المصرية، يرفع الفنان كمال الشناوي سماعة الهاتف ويتصل بسكرتيرته قائلًا، احكزيلي يا منال على أول طائرة طالعة لباريس.
أنتهى كل هذا اليوم واصبح من الماضي الذي لن يعود قريبًا كما كان عليه الحال في السابق حتى قبل شهور خلت. ادلى قطاع النقل الجوي الدولي (إياتا) بدلوه في هذا المضمار حيث صرح المتحدث الرسمي قائلًا، أن عودة الحياة الطبيعية لحركة السفر والنقل والسياحة تحتاج على الأقل الى ثلاث سنوات، أيّ حتى عام 2023. نعم تغير الكثير خلال هذه الشهور الثلاث الأخيرة. وقطاعات واسعة تضررت بسبب الجائحة اللعينة التي ألمت بالأرض بشكلٍ كبير، ولكن يظل حقل الطيران المتضرر الأكبر لما يشكله من أهمية في حركة وسرعة التنقل بين الدول، على جميع الأصعدة والنشاطات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. قبل كورونا من كان يفكر من الرؤساء والملوك والزعماء أن يجلس خلف طاولة فخمة ويجتمع مع نظرائه من القادة افتراضيًا عبر Skype، من كان يتصور أن تهبط كل الطائرات المُحلقة في الجوّ مرة واحدة، والمشكلة الأكبر التي لم تكن بالحسبان هي لا وجود لمواقف تتسع لجميع الطائرات الهابطة، من كان يفكر أن تُنقل صلوات العيد والاحاد عبرَ الفيسبوك.
الأكيد أنّ هناك تغيرات جذرية طرأت على العالم، الأهم من ذلك كلّه أنّها بلورات أفكار وانساق وخطط جديدة، تبدأ من دوري كرة القدم، ولا تنتهي بالسياسات العليا للدول العظمى. لن يقتصر التغيير على العلاقة بين الفرد ومحيطه حتمًا، بل على المجتمع ككل بأطر عامودية وأفقية في سلوكه وتفكيره ووعيه. سيكون السؤال المطروح الآن وفي المستقبل الى ايّ مدى سوف يصل إليه هذا التغير، هل نُشرع قتل الرحيم بشكل طبيعي دون وخز الضمير إيلاماً للمتوفي، هل نُضحي بكبار السن، هل نفقد البوصلة الأخلاقية ونظام السلم الأهلي وميثاق العيش المشترك والعقد الاجتماعي الذي يضبط إيقاع وحركة الناس، هل يأتي يوم نحسد فيه مملكة الحيوان على قانون الغابّ الذي يحكمهم؟.

16
المنبر الحر / سيرة حياة مطران
« في: 02:43 01/05/2020  »
سيرة حياة مطران   
يُعرض في هذا الموسم من شهر رمضان عدة مسلسلات درامية تَجْمَعُ بَيْنَ الملْهَاةِ والْمَأْسَاةِ، تراجيدية وكوميدية، متنوعة في احداثها وأهدافها، تنتقل بين احداث قديمة وأخرى تواكب أحداثًا جديدة، ولكثرتها وعرضها في وقتْ واحد تقريبًا اختلط على المشاهد الكريم الغث مع السمين والجيد بالرديء، حال معظم مسلسلات أشهر رمضان السابقة. المهم في هذا السياق الآن هو مسلسل حارس القدس الذي يُبث من على شاشة قناة الظفرة، يحكي قصة حياة المطران هيلاريون كابوتشي أو المطران الثائر جورج كبوجي، المسلسل مهم من الناحية التاريخية وقيم في أحداثه السردية للوقائع. السيناريو والحوار مأخوذة عن مصادر مختلفة وموثوقة، على رأسها الأب العلامة الياس زحلاوي، إدارة الكاميرا ومواقع التصوير والسيناريست والديكور والنص محبوك وممتاز الى حد بعيد، الممثل السوري رشيد عساف قدم الشخصية بشكل مذهل حقًا.
سيرة حياة المطران المناضل جورج كبوجي 1925-2017 غنية في احداثها، مثيرة للاهتمام والتدقيق، كيف وفق هذا الرجل بين الدين من جهة والسياسة من جهة أخرى بهذا التناغم الفريد، ليس أولها عندما يرتدي بدلته الكهنوتية ويبدأ بالتنقل عبر الحدود في سيارة مرسيدس محملة بالقذائف والبنادق، وعندما يوقفه الجنود يبرز جواز سفره الدبلوماسي الصادر عن دولة الفاتيكان فيسمحون له بالمرور دون تفتيش، وليس أخراها عام 2009 يُشارك في أسطول الحرية لكسر الحصار عن غزة، ويظهر يخطب في النشطاء قائلًا(علينا أن نجاهد وأن نناضل ونسعى، وعلى الرب أن يكلل المساعي بالنجاح، إذن اليد الأولى العمل واليد الثانية يد الرب القادرة على كل شيء). وفي سنة 2010 كرر المحاولة وشارك في السفينة التركية مرمرة المتجهة نحوّ غزة وقال حينها(أنا ذاهب لأنني أب للفلسطينيين وأنا سعيد أن ألقى أبنائي بعد الغياب عنهم دام ثلاثين سنة).
يطل علينا حارس القدس لإعادة صياغة أزمنة سابقة كان المطران كبوجي بطلها في سياقات  شيقة في أحداثها وسرديتها والتي غاب مع الأسف الشديد على الكثيرين متابعتها.
في المستقبل هل سوف نشاهد مسلسل أو فلمًا وثائقيًا عن  المطران الشهيد مار بولص فرج رحو مطران الموصل وتوابعها للكلدان، يوثق سيرة حياته، خاصة في السنوات الاخيرة قبل استشهاده، أيّ بعد الاحتلال الأمريكي للعراق سنة 2003، ليبقى في مدينته التي احبها من كل قلبه، وصموده في وجه التهديدات التي جابهها بكل شجاعة ورَبَاطَة جَأْش رغم بئس الاوضاع في المحافظة التي في النهاية أغتالته على يد مجموعه متطرفة عام 2008.

17
البقاء في الوطن أفضل من الهجرة
لم يعد يُخفى على أحد إن العالم تغير، وبالأخص الدول المتقدمة والعظمى الذين كان لهم تأثيرًا كبيرًا على منحنيات الحياة كافة. إنّها المرّة الأولى في التاريخ يحدث كل هذا الركود وتتوقف عجلة السوق والتجارة الحرة وحركة والناس بشكل شبه كامل، نعم حدث كَساد ‫كبير في بداية القرن المنصرم أو ما أطلق عليه اسم الانهيار الكبير  Great Depression، حيث حدثت أزمة إقتصادية في عام 1929، مروراً بعقد الثلاثينيات وبداية عقد الأربعينيات، تعتبر من حيث التصنيف العالمي من أكبر  الأزمات الاقتصادية في القرن العشرين، لم تنحصر ألاّ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، اليوم الأمر‬ مختلف كل الاختلاف عن ذاك العصر، فتلك المرحلة كانت بين حربين عالميتين كبيرتين، والمنظومة الاجتماعية اليوم غير الأمس، اسلوب الناس في المعيشة تغير بشكلٍ  كبير، قاعدة البيانات العالمية ونظام الداتا الرقمي غير من وعي وسلوك  البشرية، أدوات المعرفة ومعاييرها ذاتها تغيرت، حيث لم تعد كما هي بالأمس القريب حتى. فأذاً ثمة تغيرات جذرية واضحة حصلت على كل الأصعدة والفعاليات والنشاطات، اليوم دول المَهجر من أوروبا وصولاً الى كندا وأمريكا مروراً باستراليا لم تعدَّ أرض الأمل ولا الحلم المنشود. من كان يتوقع أن تصبح مدينة New York مقبرة جماعية لآلاف الضحايا قضوا نحبهم بالجائحة، من كان يتصور إلى قبل اسابيع خلتّ إن تنعدم الحياة اليومية بجميع أشكالها واطيافها في مدينة النور باريس، من كان بتصور أن تكون إيطاليا وأسبانيا وبريطانيا دول منكوبة اقتصاديًا وطبيًا. اليوم تساوت جميع الدول الفقيرة والغنية منها، العالم الثالث أسوة بالعالم المتقدم، هذا هو واقع اليوم دون مفاضلة أو تهكم. لم تعدّ هناك جدوى في ظل هذا الخراب المالي والطبي الذي يلقي بظلاله الثقيلة على الحكومات والمجتمعات الغربية طلب السفر والهجرة، الخارج كما هو الداخل، إن لم يكن الداخل أفضل، لنترك البروباغندا الغير موضوعية ونبحث مبحثٍ عقلاني في هذا الكرنفال من المعلومات المتضاربة، لا يوجد رهان واحد يستند إليه طالب الهجرة في هذا السعير المرعب من الموت والفوضى، انتفت الحاجة للهجرة وإنما يُصار الانتقال إليها بدون معنى يذكر. من يقطن في المناطق الأمنة في بغداد وفي الإقليم الكردي أربيل ( عينكاوا )، دهوك، زاخو، السليمانية، أو حتى من هُجر من الموصل وتوابعها في زمن تنظيم الدولة الإسلامي داعش ومستقر نسبيًا في عمله ووظيفته ومجتمعه ومتناغم مع محيطه لا فائدة من سفره ألان، المسألة لم تعد مجدية، الركود طال كل شيء تقريبًا، والعودة إلى زمن ما قبل كوفيد- 19 بعيد المنال، البطالة في أعلى مستوياتها، طوابير العاطليين من العمل في دوائر الإعانات الاجتماعية حدث ولا حرج، تجليات الأزمة الآخيرة كثيرة ليس بدايتها سعر برميل النفط هبط في ادنى مستوياته منذ عقود 20 دولار للبرميل، ولولا الإتفاق الذي وقعْ بين السعودية وروسية لنخفض إلى 10 دولارات للبرميل الواحد، النتيجة كارثية على الصعيد الدولي، ماذا تتحمل الدول لتتحمل وقد تلقى الاقتصاد العالمي ضربات موجعة خلال الشهور الثلاثة الماضية، وارتدادات الديون وتوقف السوق والشركات الضخمة سوف يظهر لاحقًا. ليس معروفا متى تنتهي هذه الأزمة ولا انحسار المدّ الكوروني وتخبط الدول الكبرى فيه وتراشق التهم فيما بينهم على اسباب أنتشار الفيروس، وإلى متى يظل الوضع الشاذ الحالي قائمًا.
بصورة مجملة ليتريث قليلًا من يريد المُغادرة، فكل المؤشرات تدل على إنه تغيراً  كبيرًا جدًا حدث وسوف يحدث، وأن العالم مقبل على سياسات جديدة غير مسبوقة لم تتبلور وتأخذ صيغتها النهائية بعد. الأيام المقبلة هي التي سيكون لها كلمة الفصل في أظهار ما يخفيه المستقبل لنا.

18
موسيقى الموت على حلبة الحياة
إذا قبلتُ الموتّ في حياتي واعترفتُ به وواجهته مباشرة، سأحرّر نفسي من قلق الموت وحقارة الحياة، وحينها فقط سأكون حرًا في أن أصبح نفسي.
مارتن هيدجر
ظلت أسئلة الموت والحياة الأخرى والبعث والوقوف بين يدي الإله محيرة إلى يومنا هذا، ومع كل الأبجديات الأولى والأطروحات الدينية والعقائد الوضعية التي سارت في هذا الفضاء الواسع من هذا العالم، حيث يكتنها الغموض المطلق ليبقى الجواب مجهول، ربما من طبيعة ماهيته أن يظل هكذا دون إجابات مباشرة، سحر السرّ، أو استحالة الكشف، أو عَدَمُ إِمْكَانِ وجوده كموجود فيزيقي، مثلاً ما أن يقول لك احدهم أن الغرفة مقفلة عليك حتى تتصارع للخروج منها، مع انه لم تكون هكذا قبل دقائق، طبيعة الأشياء هكذا. هناك جانبًا من الكينونة في موت الذات، تجربة شخصية للفرد هو وليس شخصًا أخر، ولكنها تظل حقيقة واضحة وهي كونها الوجود واللاوجود معاً في سياق واحد.
يقدّم لنا أبيقور الإغريقي عرضاً ساخراً عن الموت في صيغة جدلية تبادلية، (إن الموت لا يعنيني البتة، فهو إن وجد، لن أكون موجوداً، وإن وجدت أنا لن يكون هو موجوداً).
لم تعلن  حنة أرندت الفيلسوفة والمفكرة الالمانية أن أدلوف أيخمان هو صانع الموت أو هو ملكه في صيغة مباشرة، أو هو من صرح بموت آلاف الاشخاص الذين ادخلوا الأفران النازية الهولوكوست وأحرقوا في معسكر أوشفيتز، بل اعتبرته نوعاً جديداً من مرتكبي المذابح الجماعية، لا تحركه أيّ دوافع خبيثة أو قاتلة، قالت أنه مجرد موظف عند ادولف هتلر أو عضوًا في الحزب النازي، لا يدرك خطورة أفعاله ولا يقبل تحمل مسؤوليته. كان هذا هو السياق الذي طرحت من خلاله مفهومها ( تفاهة الشر )الذي اسيئ فهمه لاحقًا على نطاق واسع.  
أعطى مارتن هيدجر ابعاد وأطياف وألوان عديدة لمسألة الموت كحالة خاصة فردانية، ليقدم لنا في النهاية تحليلاته الأنطولوجية وتصوراً أعمق لتجربة الموت وبعد أخر اشبه ما تكون  سيمفونية موسيقية يعريها من هالتها الأولية ليكون وجودها وجودًا محضاً ينظر إليه كموجود فينومينولوجي فقط يبعث على القلق والحيرة، القلق الوجودي. الموت ليس له علاقة بالعمر، يسخر هيدجر ممن يعتقد بتلازم فكرة الشيخوخة مع فكرة الموت، يقول (فكثيراً ما يموت الطفل قبل الكهل، فليس الموت حفلة اعتزال، إنه سر متموضع في وجودي قد يكشف عن نفسه في أي لحظة). فإذاً الحالة المشار إليها حالة فردانية خاصة بحتة.
لم يكن يقصد جورج برناردشو، انه لن يموت مطلقًا، أو أن لا يموت جسديًا، ولكن كان يقصد موته أيَّ موت الآنا، الأنا الفاعلة، الأنا المفكرة.
الموت تجربة ذاتية محضة، إنه إمكانية بالغة الخصوصية تماماً، فلا أحد سيموت عني، ولا أحد سيقضيه عني، ولا أحد يستطيع أن يبعده عني أن جاء فلا يمكن لأحد ان يفعل اي شيئ أو حتى يمنعه من الحدوث، وأن لم تحن ساعته فأنه بعيد كل البعد عن أمكانية الحدوث، كتلك المُسنة الإيطالية التي تجاوز عمرها 106 سنة وأصابها الفيروس لكنها تعافت وعاشت بعد ذلك سعيدة بِمَا تملكه من عمر متبقي لها على هذه الأرض، في المقلب الآخر من الكون الشاسع المترامي الأطراف وجِدَّ ذلك شاب العشريني المسكين وهو في ريعان الصبى قَضَى نَحْبَهُ بالجائحة. قد تكون تقسيمات الحياة ذاتها هكذا، أو  شَيْئًا آخر غير ذلك لا ندركه.

19
علاقاتنا في ظل الجائحة
ما كنا بحاجة إلاَّ لهذا الحجر المنزلي لتكتمل الصورة الواهية للعلاقات الاجتماعية وينسدل الستار على أخر مشهد للأواصر المجتمعية المحيطة بنا. قبل وباء كورونا كانت العلاقات بالمجمل هامشية أو اقرب اليها، حتى صار العزل المنزلي عذراً أقوى لتصدع وتكلس العلاقات التي تربط الناس ببعضها. ثمّة جفافٍ كبير بين العوائل والناس خاصة في دول المهجر، الأسباب عديدة ليس أولها الجري وراء لقمة العيش، ولا أخرها ديناميكية سرعة الحياة ذاتها، الكل Busy مما يدع الأغلبية العظمى أسرى واقع مرّ بدون ريب. كشفَ انتشار الفيروس هذا البرود الملموس بشكل لا يقبل الدحض، تلوثت شيئا فشيئا علاقات الناس ببعضهم وبالتالي انعكس على المجتمع لتكتمل الصورة كما هي عليه اليوم، الباب الذي ياتيك منه الريح سده واستريح. يقول علماء النفس، إن الشخص الخائف من كارثة أو مرض خطير أو أنتشار وباء ينكمش على نفسه كحل وضرورة اساسية بالنسبة إليه، هنا تدخل الأنا في اللعبة فعندما تشعر أنها مهددة فإن ردة الفعل الاولية هي عدم المبالاة والتجاهل اتجاه الاشخاص كيما تحمي ذاتها من الانهيار، وهذا يعود بدوره إلى تلك الغريزة البدائية عند الانسان عندما كان لا يجد إيجابات محددة للظواهر الطبيعية من حوله، كالفيضانات والرعود والزلازل والبراكين، فكان يصطنع عدم المبالاة ويتظاهر بعدم الاكتراث لكي يتخلص من هذا الضغط النفسي في تفسير هذه الميتافيزيقيا، في وقت لاحق نسج الأسطورة والحكاية ليفسر كل هذه الظواهر أو الحالات الطبيعية في الكون والبيئة المحيطة به، ويشكل بالتالي توازن نفسي من نوع ما يرتاح له.
الراصد للمتغيرات يراهن على وجود هذا الشرخ وهذه التصدعات خاصة الأونة الأخيرة، ما عاد أحد يتحمل أحد، هذا باتَ ملموساً في الشارع في السوق في موقف السيارات، في المدرسة، التململ والضَّجَرُ والضَّيْقُ والسَّأَمُ هم سادة الموقف اليوم. ليس هناك أصعب من إقناع الناس إن شيئاً فيهم تغير وتغير بشكل ملحوظ، هذه المرّة مع الأسف جاء برفقة الجائحة الكونية.
واضحاً اليوم أنّه لن تعود المجريات كما كانت قبل هذا التاريخ، ما يمكن اعتباره تغيرًا مفصليًا في حياة الفرد والمجتمع. أهمّ من كل هذا هو عدم سعي أحد لإصلاح ما فسد ورأب الصدع وإزالة الاتربة العالقة على العلاقات وَإِعادَةُ الأُمُورِ إلى وَجْهِ الصَّوابِ.

20
المنبر الحر / جنون لم يعد يُحتمل
« في: 03:23 07/04/2020  »
جنون لم يعد يُحتمل 
بلغَ العالم ذروته من الخوف والفزع من الفيروس التاجي كورونا، أو الأسم الطبي له COVID-19، من تصورات وأنماط غير مألوفة لوقت كان إِعْتِيَاديّ كل شيء حتى داهم المرض الأرض. تقريبًا انقطع الكون عن الحركة، والرابط الوحيد الذي يجمع الكل بسلة واحدة هو خطوط الإنترنت والاتصالات فقط، كل شيء متوقف وساكن. العالم اليوم مُوحِش لم يعتاد الناس على هكذا نظام من قبل، سفر، تجارة حرة، حركة بين الدول، هذا ما فرزته الحضارة والتمدن في السنوات الأخيرة. اليوم قيود على الحركة وقانون الحدّ من الحريات، والحريات مقدسة في الغرب، هذا كان فحوى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في باريس قصر شايو عام 1948. أين هو اليوم؟.
حينما ضرب فيروس نقص المناعة المكتسبة إيدز البشر في أوائل الثمانينيات والذي أنتقل إلى الإنسان من بعض فصائل قرود الشمبانزي في منطقة من أفريقيا، ظهرت حينها مجموعة من القيم والمفاهيم والأخلاقيات الجديدة، في التعامل مع المُصاب، فبات للمريض غرفة ومنشفة وصابونة وطبق ومعلقة خاصة، وتعامل من نوع أخر، حتى اجهزة الدولة فرضت حجر صحي على المصاب، وصل الموضوع ذروته مع بداية التسعينات من القرن المنصرم، بعدها أخذ الخط البياني للمرض بالهبوط إلى أن وصول إلى حد لم يعد احد يتذكره، مع وعي وتفهم الناس للوضعية، أو لنقل لتكيف المجتمع معه، هذا ينطبق على الفيروس الجديد أيضا، لا بد في النهاية أن  يتعود الكل ويتكيف مع الكورونا، شئنا أم أبينا، هذه هي تصنيفات الحياة، غريزة القطيع والدفاعات الطبيعية للكائن الحي لا بد أن تفرز مضاد حيوي Antibiotic في نهاية المرحلة، وألاَّ لنتهت البشرية مع أول ميكروب أو فيروس ضربها قبل آلاف السنين. من طرف آخر تغيرت الكثير من المعطيات الجيوبوليتيكة على الأرض بدون شكّ، واجتاز العالم مراحل حرجة لم تكن في الحسبان اصلاً، السؤال هو كيفية الخروج من عنق زجاجة الكورونا!، تظل الإجابة رهينة الأيام القادمة. قد يكون التاريخ على المحك، هناك نظرية روج لها كيسنجر مؤخراً في مقال له بصحيفة وول ستريت جورنال يقول فيها أن النظام العالمي حتماً سوف يتغير بعد كورونا، واحتمال إنهيار العقد الاجتماعي، وهذه نظرية خطيرة جداً إذا ما صوبنا النظر أليها. نعم هناك خطط وبرامج للأنتقال ما بعد الجائحة، ولكن ما مدى صلاحيتها ونفعها مع امتداد الأزمة، هل يتم إعادة ترتيب المجتمعات بما يناسب كل أمة، هل نُشاهد عودة الدولة المركزية وتوغل السلطة في قمع الحريات، هل البشرية مقبلة على وضعية جديدة من التجارة الحرة وتبادل السلع. حتما أن إي تغير من هذا النوع لن يكون سهلًا. ولكن وسط هذه المخاوف كل شيء وارد.

21
المنبر الحر / أجيال مابعد كورونا
« في: 05:37 30/03/2020  »
أجيال ما بعد كورونا
أطبقت الأرض على سكانها السبعة مليارات، الكل ينتظر بفارغ الصبر نهاية هذه التراجيديا السريالية. ثمة نظام معياري جديد يفرض نفسه، أو بصورة أدق منظومة قيم جديدة ما بعد كورونا، فإلى الماضي القريب كان كل شيء طبيعي، إبتداءً من رياض الأطفال مرورًا بالجامعات  إلى المفاعل النووية، وكل منحى في الوجود. تغير كل هذا فجأة، الانسحاب للداخل وغلق المتاريس على الأنا، الخوف من التجمعات في مضمونه هو الخوف من الآخر الذي ربما يكون حاملاً للمرض، اسلم طريقة هي تجنبه، الحياة عزيزة، هذا يولد بالضرورة عالم جديد ليس كسابقه. الاتجاه نحو الفردانية والنكوص نحو الداخل الذي اصلاً كان يتجه إلى العمق قبل عالم الكورونا، كرس لهذا التواطؤ بشدة الهاتف النقال، الكل منكب على شاشته الصغيرة. لابد أن ينجلي المرض عاجلاً أم آجلاً، ولكن كيف ستكون شكل الحياة بعده، هل تعود كما كانت عليه سابقاً؟، الجواب مجهول إلى حد اللحظة، هذا واقع لا مجال للهرب منه، الفيروس يحصد آلاف الضحايا يوميا، ودخول المتوفين إلى أتون الجحيم في المحرقة  يُنقل بشكل مباشر من إيطاليا عبر الفيس،  هذا هو الواقع المؤلم. ثمة حاجة إلى فهم جديد وقراءة أعمق للأحداث من حولنا !. السؤال المطروح والأهم اليوم هو، إلى متى؟. سؤال وجيه وصريح، بمعنى إلى متى نكون مُقيدين بأغلال كورونا، إلى متى متوقف العالم عن الحركة والتجارة والسياحة، أين مصالح وأعمال الناس، من يُعوض من، من يدفع الأقساط والمُستحقات المطلوبة، البطالة المستشرية، وهذا يخلق بالضرورة العنف المنزلي، هذا وغيره الكثير يُوظف لفترة اكثر حرجاً واشد سوداوية حتى وأن انتهى المرض وزال، ولكن تبقى اثاره محفورة في النفوس طويلا.

22
أدب / الأرض لم تحن قيامتها بعد
« في: 02:53 27/03/2020  »

الأرض لم تحن قيامتها بعد


سلوان ساكو


الارض التي لم تحن قيامتها بعد
ليس بعد…
ليس الأن…
وليس غداً…
لم يحن بعد يوم القيامة
ولا يوم النشور قريب
تهالكت الارض قبل زمان… ولم تنقرض
اصابها ما اصابها من إوجاع
كوليرا… تيفوئيد… حمى اسبانيا
وظلت راسخة لم تسقط
لا تبكي بعد الأن يا إرميا  فالأرض باقية
دانتي عن أيَّ  جحيمًا تُبشر
فالشمس تنثر نورها كلَ فجر
لا تموت ولا تُفنى
هي المهبط الأول لقطرات الدم السرمدي
هي أنثى… هي أمنا… هي عشيقتنا… هي من هي
هي ذلك الحنين المغناطيسي … لشروق جديد
هي الوجع والسعادة… الألم والفرح…
هي ماءً رقراق في ينبوع عذب…
هي بحر هادئ ساعة السَحَر…
هي غابة لم تحترق…
هي الميلاد والموت... الملاذ والهروب…
هي خبزا حار أو سحابة صيف أو قهوة في قطار مسرع نحو المجهول...
لتكن هي من تكن ولكن هي كل شيء… وتبقى كل شيء.

23
امتحان كورونا القاسي
اِجتازَ العالم خلال الخمسين سنة الماضية الكثير من الحواجز في مرثون سريع لتخطي عتبة العلم والمعلوماتية بشكل مهول وغير مسبوق، الذكاء الصناعي، الأجهزة الذكية بأطيافها الواسعة، الإنترنت، نظام ال Online، البرمجيات، التطبيقات، الأتمتة، التجارة الإلكترونية، العملة الافتراضية، هندسة الحاسوب، كل هذا يوازي من حيث الدلالة المعرفية ألف سنة مضت. ولكن تبين في خضم كابوس فيروس كورونا إن الإنسان هشّ ضعيف وقابل للتكسر والتهشم في أي لحظة، مسربل برداء من الخزف والخوف والقلق، يمخر عباب البحر بمجاديف من ورق، حيث تغير العالم روحانياً نحو الأسوأ، الغرب ذاته تغير كثيرا، واتجه بتجاه الإلحاد بمنحة خطير، ليس ذلك الإلحاد الذي ساد فترة الخمسينات والستينات من القرن المنصرم، الذي كان قائماً على المناقشة والديالكتيك والفلسفة والأفكار الماركسية، إلحاد اليوم بارد عدمي بدون معنى. تحول إنسان اليوم إلى ما يشبه الآلة بدون مشاعر وقيم واخلاق، ومنظومة دينة تربطه بالخالق بحزمة من الشرائع والنواميس. إنسان اليوم ضائع في وسط لجة من التقنيات مانفكت تزداد يوم بعد آخر  ودوامة لولبية من العزلة تشدك نحو الذات المزيفة ونحو الفردانية في سرعة فائقة تتَّجه إلى أسفل. تأمل ماذا يحصل الان أليس الكل متساويٍ؟، الفقير الغني العَالِم الجاهل الضعيف القوي الكل سواسية أمام الفيروس. إنسان اليوم تعيس ومغرور وخائف من فيروس مجهري مجهول مع كل التكنولوجيا المتوفرة التي أرستها المعرفة والعلم. الأوبئة موجودة مع وجود الإنسان نفسه، ومن بداية أول قبس لشعاع نور الشمس، لا بل تكونت الطبيعة ذاتها من البكتريا والطحالب والبروتين والحمض النووي والهيدروجين وأكسجين، وغيرها من المكونات الأولى للحياة.
أن الأوبئة  موجودة منذُ القِدم، خذ مثلاً سفر العدد 14  إِنِّي أَضْرِبُهُمْ بِالْوَبَإِ وَأُبِيدُهُمْ، وَأُصَيِّرُكَ شَعْبًا أَكْبَرَ وَأَعْظَمَ مِنْهُمْ. وفي سفر التثنية 28 يُلْصِقُ بِكَ الرَّبُّ الْوَبَأَ حَتَّى يُبِيدَكَ عَنِ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا. إذا لماذا لا نقول إن هناك رسائل Messages من عند الله تُنذر البشر من هلاك حقيقي بعد أن تركوا كل شيء وراءهم وجروا وراء الماديات وعبدوا الأصنام الجديدة وقدسوا الأوثان العصرية... قَدِّسُوا رَبَّ الْجُنُودِ فَهُوَ خَوْفُكُمْ وَهُوَ رَهْبَتُكُمْ.. إشعياء 13:8...وَتَكُونُ زَلاَزِلُ عَظِيمَةٌ فِي أَمَاكِنَ، وَمَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ. وَتَكُونُ مَخَاوِفُ وَعَلاَمَاتٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ. لوقا 21...
هل يأخذ بشرّ اليوم عبرة وحكمة ودالة من كل ما يحصل على هذا الكوكب البائس، ويعود إلى الثوابت والقيم والعبادة الحقة والصلاة الحارة. من يذهب اليوم  إلى الكنائس في الغرب، أليست فارغة من المؤمنيين؟، من يعرف في عموم أوروبا وأمريكا وأستراليا وكندا، اسرار الكنيسة، سر التجسد، سر الأفخارستيا، الأقانيم الثلاثة، الخلاص، المعمودية، مسحة المرضى، أليست اليوم هي في منظور الإنسان الغربي نوع من الفلكلور والطقوس التكميلية فقط والسيد المسيح بائع بيتزا. من يعرف شيء عن الصوم الكبير الذي نحن فيه، من يسأل عن الكاردينال بيل الذي يقبع وراء القضبان الأن في ولاية مالبورن بتهمة هو بريء منها براءةَ الذِّئب من دم ابن يعقوب... لأَنَّهُمْ سَفَكُوا دَمَ قِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَاءَ، فَأَعْطَيْتَهُمْ دَمًا لِيَشْرَبُوا. لأَنَّهُمْ مُسْتَحِقُّونَ. رؤيا يوحنا 6:16. أين هو الإيمان الأقل من حبة الخردل حتى... لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذَا الْجَبَلِ انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ متى 20:17... أليست  المثلية الجنسية هي الصفة الطبيعية في الغرب اليوم والسمة الأبرز... أليست صالات القمار وبيوت الدعارة أهم من دور العبادة. إنسان اليوم فاقد الرجاء والمحبة والخلاص والثقة بالله، أرتفاع  نسبة الانتحار بين صفوف الشباب، انتشار الكآبة النفسية في صفوف المجتمع المتمدن بكثرة، تفشي ظاهرة الإدمان، ازدياد نسبة الطلاق، كل هذا يضعنا أمام أسئلة وجودية جدية جديرة بالتفكير والتأمل.   
يجب اليوم مع تفشي الفيروس أخذ العَبرة والدرس والحكمة وهنا مكمن التحدي مع هذه المحنة التي ألمت بالبشرية جمعاء، وتكون دعوة من  القلب أن تنزاح هذه الغيمة الكورونيا السوداء من على كاهل هذا الإنسان المُتعب المُتهالك وينهض من رماده مجدداً.

24
المنبر الحر / هشاشة الإنسان
« في: 01:37 19/03/2020  »
هشاشة الإنسان
لم يكن يتوقع الأسترالي حتى إلى أسبوع مضى أن يعاين بأم عينه رفرف الأسواق والمحلات فارغة من البضائع والمواد الاستهلاكية، لا بل تعدى الأمر بالصراخ والضرب من أجل زجاجة زيت أو ربطة خبز أو ورق التواليت.
بدأ في ووهان الصينية ولم ينتهي بها، تعدى حدود الجغرافية، وسار بركب الانتشار السريع إلى أن غزة العالم وباتت الدول والحكومات تحت رحمته.
حاولت الحكومة الأسترالية جاهدة الحدّ من الفوضى وتخزين المواد الغير ضرورية... ولكن صرخات رئيس الحكومة الفيدرالية تذهب ادراج الريح كأنها لم تكن، أو نداء حادي عيس في وهاد الصحراء. أعطى منحة أو إعانة وهو يعرف جيدا أنها لا تسد الرمق مع هذا الفيض البشري المستهلك للسلع... ماذا تنفع الإعانة إن لم تتوفر المواد الأولية؟.
حواشي وعلامات استفهام وأسئلة مصيرية تدور رحاها في خلد الجميع اليوم، هل يستمر الوضع على ما هو عليه؟، هل تتوقف الحياة نهائياً في ظل انتشار الوباء؟، حسنًا إلى متى سوف تدوم الحالة الراهنة الشاذة؟. والسؤال الأهم والأخطر والذي ربما يدور في تفكير الكثيرين... هل تنهار الدولة ومؤسستها في ظروف الكساد، وتوقف عجلة التجارة والنقل والسفر والسياحة وهذا العجز المالي والانهيار الكبير في البورصة؟، وهل هذا يفرز نظرية اشد تطرفًا وسوداوية وهي الهجرة بأثر رجعي إلى الوطن الأم،؟ من يعرف في زمن اللاعقلانية والتراجع الحاد للمفاهيم التي قامت عليها.
التأويلات كثيرة ومتعددة، والاحتمالات مفتوحة، ولكن يبقى هناك فسحة أمل في النجاة من طوفان كورونا.

25
المنبر الحر / فوضى الكورونا
« في: 04:08 05/03/2020  »
فوضى الكورونا
لم يُثير فيروس الهلع والخوف بين الناس والمجتمع كما يُثيره فيروس كورونا المُستجد في الآونة الأخيرة في جميع بقاع العالم تقريبا. المُسببات والإشاعات والمآلات كثيرة بكثرة الأقنية الفضائية التي تبثّ ليلًا  نهارًا عن انتشار وتوسع المرض.
الفيروس خطير دون أدنى شكّ، واللقطات المُسربة لحرق مئات الجثث في إيران تُثير الرعب في النفوس، فكما يُقال النفس عزيزة على صاحبها. ولكن خلق جوّ من الفوضى والرعب لجعل المواطن يقتني ويكنس المنظفات والقفازات المطاطية وورق التواليت من الأسواق، وخلوها من المواد الأساسية، كالزيت والرز والخبز، وتدافع الناس والوقوف في طوابير طويلة، فهذا شيئ آخر. فلم يصل الأمر إلى الحد المجاعة ولا الوباء العالمي إلى حدّ اليوم، ومنظمة الصحة العالمية لم تعلن أن الوباء اصبح عالميًا.
لعبة الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، خاصة الفيسبوك دور كبير في خلق فوضى طبية من نوع معين، وهذا كرس لاحقاً لفوضى ثانية لا تقل خطورة، وهي اقتناء وكنس وتكديس المواد الغير ضرورية مما جعل  الأسواق Markets شبه خالية، ماذا ينفع ورق التواليت في درء المخاطر؟.
الجهل بالمرض وعدم القراءة الصحيحة للوقائع يوازي الجهل في الوقاية منه، فليس كل مصاب بالفيروس يلقى حتفه، وليس صحيح أيضا أن المرض ينتشر بسرعة الضوء، بمعنى إذا وجد عشرين شخص مصاب في ولاية مالبورن الصناعية الكبيرة، فسوف يُصاب جميع السكان خلال ساعات ويموتون، هذا ضرب من الخيال والأفلام الهوليوودية.
الفيروس خطير!... نعم، ولكن بالمقابل العلماء والمختبرات والاختبارات جارية على قدم وساق، ولا بد أن يُكتشف لقاح أو مصل أو دواء لدرع المرض، فهذه ليست المرة الأولى التي تواجه البشرية هكذا نوع من الفيروسات والأوبة، كان هناك الألعن وقد بطش بالبشرية، وفي جميع العصور استطاع الإنسان التغلب عليها... حصدت الكثير من الأنفس... نعم... ولكن هذه معركة... والمعركة كر وفر... ربح وخسارة... انسحاب وتقدم. فيجب علينا عدم تهويل الأمور، وعدم اقتناء الحاجات أكثر مما هو مطلوب منا، وعدم الخوف الغير مبرر إطلاقًا.
سوف تنقضي هذه الحقبة وتمر حُقبْ أخرى، وتظهر أوبئة وفيروسات ثانية تحت مسميات عديدة، لأنها رافقتنا منذُ البداية ومع الأنطلاقة الأولى، والإنسان هو هو...يخاف من ابسط الأشياء وأتفهها...خوف كامن ومُِستتر خلف أقنعة كثيرة ومتعددة.

26
من يُحاول إسقاط البابوية
سعت منذُ البداية قناة SBS الأسترالية في دعايتها إزاء التأثير الإعلامي على المشاهد، والمتوالي دون انقطاع  لمسلسل  The New Pope والمكون من 9 حلقات إلى خلق مفهوم  Concept رديء فيما يخص منصب الكرسي الرسولي في روما الفاتيكان. ليظهر لنا في النهاية شخصية متمثلة بابويًا، مع النساء العاريات على ساحل البحر وفي وسط كنيسة وعلى مذبح الرب، داخل دائرة من المغامرات العاطفية والمؤامرات الداخلية والتي تُحاك من قبل الكرادلة والأساقفة. حاول المسلسل إعطاء صورة إنسانية زائفة ومُغايرة إلى حد بعيد للبابوات والتقليل من سطوة المؤسسة الدينية وتحيد معايير اليقين عند المؤمن  وتعميق الهوة بين الكنيسة من جهة والمسيحي من جهة أخرى. متونّ المسلسل من حيث الفكرة، إن البابا بيوس الثالث عشر يدخل في غيبوبة، وإن على الكنيسة الرسولية الجامعة، والمعرضة للتهديد من فضائح جنسية والمهددة بهجمات إرهابية محتملة، لا تستطيع البقاء دون حبر أعظم، فيقرر الكاردينال فويلو الترشح للانتخابات، لكنه يدرك أنه يخاطر بالخسارة أمام الكاردينال هيرنانديز، وهو يدعم انتخاب توماسو فيجليتي، معتقدًا أنه وديع وسهل التلاعب به. ولكن في الواقع يفتح البابا الجديد الذي يكون أسمه فرانسيس الثاني أبواب الفاتيكان أمام اللاجئين ويصف ثروات الكنيسة للتبرع بالمال للمحتاجين، فيكتشف أن الأمر ليس بهذه السهولة، وهو ما يفجر صراعًا وشيكًا في قلب الفاتيكان. المسلسل من إخراج وتأليف باولو سورينتينو.
دون شكّ أن المسلسل ضخم من حيث الإنتاج والتوزيع والتمثيل واختيار الأمكان بدقة عالية، الولايات المتحدة، أسبانيا، فرنسا، وإيطاليا، والتي تعطي انطباع من أول حلقة أن المُشاهد في قلب دولة الفاتيكان بحق. بطبيعة الحال المسلسل مُثقل بنقاشات لاهوتية فلسفية، وأسئلة ديكارتية أكثر وجودية لفهم أعمق لنظرية المعرفة (الإبستمولوجيا Epistemology)، والتوغل بعيداً خَلف قناعات الإنسان ومعنى الحياة من حوله ومُسبِّباتها ونشأتها ومآلاتها. هنا وفي منعطف فلسفي حاد ومُقلق تُكرس الدراما لمستويات جديدة New levels للحقيقة ودور الدين في توجيه هذه المستويات، من منطلق الرغبة في بعث وعي جديد New awareness للأفكار الكلية التي ساهمت إلى حد بعيد في تكون شخصية المؤمن من عصور خلتّ، ومحاكاة الحضارة التي أنتجت سلسلة غير متناهية من المفاهيم والصيغْ التي تتمحور داخل الدين والطبيعة والميتافيزيقيا.
الموضوع ليس بالجديد على كل حال فقد أُنتج مسلسل يحمل نفس الأفكار عام 2017 تحت عنوان البابا الشاب (The Young Pope)، لذات المخرج.
 كثيرٌ هي الأفكار المُعمقة والضرورية للفهم، والتي تخص العقيدة والإيمان والعلم والفلسفة... موجودة في كُتب قداسة البابا بندكت السادس عشر (جوزيف راتزنغر م1927)، رئيسًا لمجمع العقيدة والإيمان من عام 1981 إلى 2005. وخاصة في كتاب (جدلية العلمنة، العقل والدين)، وهو نقاش بين البابا والفيلسوف الألماني يورغن هابرماس م1929، متوفر على شكل pdf على الإنترنت، مضمون النقاش هو إيجاد طرق ومسارات عقلانية مشتركة بين الدين من جهة والعلم  من جهة ثانية وسُبل تطوير هذا المسار نحو خلق فضاءات اوسع للفهم والمعرفة على أساس قوي وصحيح والذي أرسى في النهاية لبداية جديدة من نوع فريد من نوعه بين الدين والفلسفة والعلم.
من المؤكد أن يفتح المسلسل مجموعة من التساؤلات بعضها حساس وخطير، من نوع، هل البابوات في وقت مضى يمارسون حياتهم بشكل طبيعي بما ذلك الجنس؟، هل يوجد خفايا وخبايا داخل أروقة الفاتيكان؟، هل البابا معصوم من الخطأ حقاً؟، هل يوجد مؤامرات وتحزب وتكتل بين  الكرادلة على المنصب البابوي، والكثير سوف يُطرح اليوم.
على مرّ العصور تعرضت دولة الفاتيكان لهجمات شرسة، وهذه ليست أولها ولا آخرها، واجتازتها مع كل المصاعب والتحديات لأساساتها المتينة والمبنية على الصخر.
وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. متى 18:16

27
عندما تصبحّ حفلاتنا عبء
في بعض الأحيان نختار أن تكون في مكان مُعين بمحض ارادتنا، وفي أحيان أخرى نكون في أماكن مُعينة مجبرين لدواعي مختلفة، لنقل اجتماعية، عائلية، واجبات أسرية، إسقاط واجب بعينه، وضع أو شكل أو إطار لعلاقة ما، نستكمل من خلالها البرستيج (Prestige) العام للمجتمع. وهذا طبعًا يُشكل انسجام وتناغم (harmony ) مع المحيط الذي من حولنا ويُكمل تناسق الحياة المجتمعية ويخفف من عبء العزلة والوحدة، لأن الإنسان في النهاية حيوان إجتماعي لا يستطيع العيش دون أفراد وناس وبيئة وتفاعل، وإلاّ أصابه الجنون في مقتل، ويصبح كائن وحشي وحيدّ دون ونيّس، يخفف الآخر من وطَأة وثقل وهموم الحياة ومشاقها التي لا حدود لها اليوم.
ولكن القضية المتداولة للطرح والتي هي في محلّ النقدّ، والنقد هنا هو التقييم للوضع العام وللحالة أو الحالات المُعاشة يوميًا وليس استهدافاً لأحد، أو وموقفًا  شخصيًا من شخص ما. لا أبدًا هي فقط إضاءات لا اكثر.
ما لا يُخفى على أحد أن الحفلات والمناسبات  ازدادت في الآونة الأخيرة، حفلات الأعراس، حفلات الخطوبة، حفلات الميلاد، حفلات العِماذ، حفلات التناول الأول، حفلات التخرج، حفلات الوصول إلى دول المهجر، لا بل اصبح هناك حفلات ميلاد للكلاب أيضا. المشكلة ليست في الحفلات المُقامة، ولكن في كثرتها، و التي تأتي دون داعي في مراتٍ عديدة. فنستقبل أحيانًا كارت الدعوة لحفلة معينة دون أن نعرف من هو صاحب الحفل، أو حتى تربطنا به معرفة سطحية بالكاد تكون صداقة، فنظل في حيرة من امرنا، هل نُلبيّ الدعوة أم نرميها في سلة المُهملات وننسى الأمر برمته. وهنا يصدر صوت من داخل وعينا من الأنا، يقول لنا بصوت خافت بالكاد يُسمع، لربما نرى صاحب الحفلة في السوق، أو عند شخصًا ما، أو أن أقابله  في باحة الكنيسة مثلًا، أو حتى في حفلة أخرى، في ذلك الوقت أكون في موقف محرج لا أحسد عليه وفي غياب جواب مقنع لعدم الحضور، فنلبي الدعوة ذلك الحين على مضض مجبرين. صحيح إننا داخل دائرة وسط جالية كبيرة، الواحد يعضد الثاني سواء في السراء أو الضراء، ولكن أيضا الكثرة تثقل على كاهل الشخص ويصبح معه تلبية كل الواجبات صعب على الشخص، مع صعوبة الحياة ذاتها، دفعات المنزل، قرض البنك، القوائم Bills، شركات التأمين Insurance، الهواتف النقالة، كل هذا يُشكل عبء على الشخص ذاته ينوء بحمله في ظل ظروف تزداد مع مرور الأيام صعوبةٌ وتعقيد. وهذا ليس عيبًا اللّهم إذا كان الوضع على نحو آخر وهذا ما لستُ في صدد طرحه اليوم. حتى الكنيسة اليوم قلصت المأْتّم ووضعت شروطًا معينة لأقامة التعازي في الآونة الأخيرة، كل ذلك من أجل تخفيف من الأعباء قليلاً.   
 حسناً ما هو المخرج وطريقة تدوير المسألة، هنالك أمران، الحفلات الكبيرة أيَّ الأعراس، والحفلات الصغيرة، العماذ، التناول الأول، أعياد الميلاد بالسنة الأولى، حفلات التخرج إلى آخره. الأمر الأول لا ضير إذا انفتح المجال قليلاً، فهذا معروف من البدء، وهكذا سارت الأمور من البداية، في القرية، ثم المدينة، بعد ذلك في دول المهجر وهكذا دواليك. ولكن المشكلة في الحفلات الصغيرة  الآنف الذِّكر، يجب أن تكون مقتصرة على اصحاب العائلة، اقرب المقربين للشخص، بدون التوغل ابعد في الدعوة. مع الأخذ بالاعتبار تقليص العدد يؤدي إلى تقليص النفقات، وقس أنت عزيزي القارئ على ذلك. حفلة صغيرة تفي بالغرض.
ما لابد الإعتراف به هو إن الوضع ما عاد يتحمل، وإن الناس تحضر الحفلات وهي مجبرة، أو في موقع الخجل أو قريب منه.
في كل الأحوال يظل الأمر مرهون بالشخص ذاته أو صاحب الدعوة، ومدى علاقته بالناس والمجتمع من حوله، وتظل هذه الأسطر محاولة لتسليط الضوء على قضايا مجتمعية تُثار بالأحاديث الجانبية والجلسات العامة أو الخاصة، ولكن لا يكُتب عنها، لا لشيء سوى لأنّها تسير  الأمور على هذا النحو، والحياة هي هي، ماذا سوف يتغير إذا قال أو كتب فلان مقالة. هناك بكل بساطة تذمر ملموس في ثنايا المجتمع ما يؤكد ذلك الحوارات الدائرة بين الناس. في نهاية المطاف الجميع حر في تصرفاته وحفلاته.

28
المنبر الحر / كورونا الذكيّ
« في: 00:51 06/02/2020  »
كورونا الذكيّ
كثيرةٌ هي الأطروحات والمقالات التي جاءت بخصوص فيروس كورونا الشرق الأوسط، الذي قتل إلى اليوم ما يزيد على 500 شخص في الصين وحدها، وشكل هلع وخوف كبيرين في جميع أنحاء العالم، من اقصاه إلى اقصاه، وقوض اقتصاد الصين إلى درجه كبيرة، وأوقف عجلة الاقتصاد، وحركة التصدير والاستيراد بشكل ملحوظ عالميًا، حتى الشركات الصينية للطيران والسياحة جاثمة على المدارج دون مسافرين لقلتهم.
الحكايات والروايات والقصص في المجالس والمسابح والساونات متعدد، ونظريات المؤامرة منتشرة بين فئات المجتمع كالعاده، منها على سبيل المثال لا الحصر، إن الصين هي من اخترعت الفيروس وارادت بعد ذلك نقله إلى أمريكا ولكن في الدقائق الأخيرة انقلب السحر على الساحر وانتشر المرض عندهم. وفي حكاية أخرى اكثر بوليسية على طراز جيمس بوند، إن المخابرات المركزية الأمريكية CIA هي من زرعت جذور المرض في أسواق مدينة ووهان القذرة وتركته ينموّ ويتغلغل في تلك الحاضنة الخصِبة إلى أن انتشر  وقتل الناس، والغاية من ذلك هو تدمير اقتصاد الصين، والغالبية العظمى من الناس لا تدري أن كل اقتصاد الصين لا يشكل سوى أربعين بالمئة من اقتصاد أمريكا. طبعًا هذا تسطيح وتسخيف للأمور، لأنَّه وببساطة كبيرة ال CIA ليست كليّ القدرة ولا تصنع العجائب والمعجزات بين ليلة وضحاها، نحن نتصورها ذلك لأننا نحن ضعفاء عاجزين.
فهم المسألة من الأساس لا يبدأ من خارج دولة الصين الشعبية، بل من داخلها وبالتحديد من مدينة ووهان ذات ال 11 مليون نسمة، وهي نسبة ليست بالكبيرة بأجمالي عدد سكان الصين المليار والنصف، ولكن المشكلة بدأت بأسواق المدينة القذر الذي يحتوي كل أنواع الزواحف والخفافيش، ومن المعروف مختبريًا أن الخفافيش هي التي تشكل المستودع الحيواني لفيروسات كورونا، كسارس والعديد من الفيروسات الناشئة وخاصة فيروس إيبولا قبل سنوات قليلة، لأن الخفافيش تتمتع بنظام مناعة يسمح لها بإيواء عدد كبير من الفيروسات دون الإصابة بها، وهي اليوم تقترب من المناطق الحضرية بسبب إزالة الغابات في تلك المناطق من الصين بالتحديد.
الفيروس الأخير ليس غير ردةْ فعل الطبيعة على النظام الغذائي في الصين، والذين يأكلون كل ما يدب على الأرض من حيوانات، وكل ما يطير في الجو من طيور. لربما الإنسان الميت يلتهمونها أيضًا من يدري؟، والصور المنقولة من هناك عبر النيت مرعبة حقاً.
أن تصنيف الطبيعة من وراء هذا الفيروس الخبيث ليس بالأمر الهينّ، فهو يمثل في رمزيته الضمنية تفاهة وضعف هذا الإنسان الذي تسيطر عليه بكتيريا مجهرية لا تُرى حتى بالعين المجردة. هذا الإنسان المتكبر العنيد المغرور الذي وضع ذاته بمكانة الآلهة من فجر التاريخ إلى اليوم، اليوم هو ينهار أمام فيروس نكرة.
 هل يأخذ البشر عبرة من الأمراض السابقة كالطاعون السفلس الكوليرا شلل الأطفال الجدري، والتي قتلت في فترات وجيزة ملايين البشر. هل يفهم الإنسان أن للطبيعة وجه آخر يتمثل بالغضب والمرض والإعصار.
لا حصانة لأحد من المرض والفيروسات، ولا أحد مُستثنا من المعاناة والمصائب.
في النهاية سوف ينتهي كورونا عاجلا أم آجلا، ولكن سرعان ما سيظهر مرض آخر وفيروس جديد أكثر فتكًا وأكثر ذكاءا من سابقه.

29
هل باتَ المطارنة والكهنة تسلية لأقلامنا
حينما نصل إلى نمط ومنطقة اللامعيارية نفقد حسّ النقد، ذلك النقد البَناء الذي يكون من أجل التصحيح، تصحيح مسار، تصحيح فكرة، رجل دين ارتكب خطأ ما خلال خدمته الرعوية، فأصبح مَعْثَرَةٌ للأخرين، قضية معينة تشغل الرأي العام في المجتمع الحديث الذي بدأت تتآكل فيه القيم والتقاليد رويدًا رويدًا. ومع النقد الحقيقي نكون قد سلطنا الضوء على الوقائع والمشاكل بشكل منهجي رصين يتوافق مع المنطق والعقلانية. ازدادت في الآونة الأخيرة التطاول على المطارنة والقساوسة، بلّ أكثر من ذلك، حتى وصل الأمر من هم في رتبة البطريرك والكاردينال، بأبشع الكلمات وأقذر الألفاظ، فلم يعد هناك معاير اخلاقية تضبط المقال أو النص، وانفلت العِقال عن العقل، فأصبحت الكلمات الجارحة تخرج من الأقلام على عواهنها بدون رقيب ولا محاسب. المطران السارق، القس ابو البنات، الشماس صاحب الأفلام الخلاعية، وأكثر من هذا لا داعي لذكرها، إلى ما هنالك من اتهامات ليس بمقدور صاحب الادعاء أقامة الدليل عليها. أنه عبث مجرّدُ وتجني على الرموز الدينية، ربما يكون موقف شخصي، أو ثأر يريد احدهم اخذه من رجال الكنيسة. لا يوجد توصيف محدد لهذه الحالات الشاذة غير الإساءة من أجل الإساءة. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ. متى : 18-18
من المؤكد إن المرحلة الحالية لا تشبه بأي شكل من الأشكال المراحل السابقة، حتى قبل عشرين سنة أو أكثر، من تجاوز وسب وقدح وذمّ بحقّ رجال الإكليروس، ومن هم في درجة الأسقفية. نعم النقد مطلوب، والتنويه على الأخطاء شيء مهم وضروري، والمناقشة ضرورية لتجديد الخطاب وتحديد الخلل، والكتابة تظل فعل حر، ولكن أيضا  يجب التحلي ببعض أخلاقيات الكتابة ولو في درجاتها الدنيا. صحح لم يعد هناك رقيب على قلم أحد، ولكن أيضا يوجد رقيب مهم وهو ضمير الكاتب، أين هو اليوم في ظل هذه الفوضى الكلامية ؟.
من المؤسف حقاً أن نصل إلى هكذا تجاوزات بحق رجال يخدمون العقيدة. كان ممكن لأي كاتب أن يتعاطى مع الموضوع باحترام واحترافية اكثر دون اللجوء لخطابات جوفاء لا معنى لها، ينتقد ويقيم بشكل رصين دون شتائم، تصل الأم والأخت والأب، واتهامات بالباطل.
هل باتَ البطاركة  والمطارنة والكُهان  تسلية لأقلام بعض الكُتاب وموضوع سخرية وتشهير وتهكم واستهزاء. مثل هذا السؤال يجب أن ينطرح اليوم وبعمق، في خِضّم هذا الأستخفاف بكل القيم والرموز. هل فقدنا بوصلة الكتابة ووصلنا إلى مرحلة اللامعيارية في كل شيء؟.

30
من أجل مستقبل أستراليا لنفعل ذلك
بقلم/ سلوان ساكو 
تشهد دولة أستراليا أزمة حقيقية بالفعل؛ وصلت إلى درجة لم نعهدها سابقاً وبمثل هذه الحدة التي توشك أن تكون كارثية على السكان والحكومة الفيدرالية التي تُحاول بكل الإمكانيات المُتاحة أن تحد من الأضرار الناجمة من جراء الحرائق والخسائر البشرية التي وصلت في بعض الأماكن لأرقام مرعبة، لم تتوقعها أبدا، حيث دخلت الأزمة شهرها الرابع، مع توقع بالأسوأ. احتباس الأمطار  والجفاف الغير مسبوق الذي ضرب البلاد خلال الموسم الأخير من العام المنصرم كان حَدَثٌ قَاصِمٌ وبليَّة كبيرة، وأن كانت الحرائق واشتعال الغابات عُرف سنوي، لا يمر عام دون حريق، ولكن هذه السنة غير كل ما سبقها من أعوام، حيث التهمت النيران نحو 1.7 مليون هكتار من الأراضي نتيجة حرائق الغابات التي اجتاحت الساحل الشرقي لأستراليا ودمرت خلال هذا الأسبوع فقط ما لا يقل عن 381 منزلا في ولاية نيو ساوث ويلز وحدها ، و 43 منزل في ولاية فيكتوريا. وقد أرتفعت حصيلة الضحايا الى ثمانية عشر قتيلاً وعشرات المفقودين. المسؤولين في الحكومة الفيدرالية يقولون إن العدد سيزداد في غضون أيام. وقد قدّر خبراء نفوق نحو 500 مليون حيوان، مما يثير مخاوف من انقراض أنواع من الحيوانات بأكملها. ونقلت صحيفة التايمز البريطانية، عن خبراء البيئة بجامعة سيدني الأسترالية، تقديرات بأن حوالي 480 مليون من الثدييات والطيور والزواحف قد نفقت بشكل مباشر أو غير مباشر بسبب الحرائق المدمرة التي اندلعت في غابات أستراليا مؤخرا. ويشمل ذلك ما يقرب من 8000 من حيوانات الكوالا النادرة، والتي يُعتقد أنها احترقت حتى الموت على الساحل الشمالي لأستراليا.
حسناً ماذا علينا نحن المواطنين العاديين أن نُقدم في هذا والوقت العصيب الذي يجتاح البلاد، وفي ظل هذه الأزمة الحادة التي تشهدها أستراليا والتي قاربت في بعض المناطق إلى الفوضى ونقص حاد في المواد الغذائية والوقود والكهرباء. طبعاً من يستطيع تقديم يد العون والمساعدة مباشرةٌ عن طريق التطوع volunteering بشكل منظم من خلال منظمة SES فهذا شيء جيد ويحسب له، أو من يتبرع للمتضررين من جراء النيران  عن طريق حِساب رسمي هذا أيضا ممتاز ويدل على روح المسؤولية عند الشخص ومدى شعوره إتجاه البلد. ومن يعمل بشكل رسمي وبدوام كامل Full-time فعليه في هذه السنة المالية 2019- 2020 أن يدفع إلى مكتب الضرائب الأسترالي أكثر من السنوات الماضية للمساهمة ولو بجزء بسيط في عبور هذه الأزمة الخانقة التي تستنفذ موارد الدولة، فمع كل الإمكانيات المتاحة فهناك عجز في الميزانية إذا لم يساهم كل مواطن في اداء واجبه فسوف تتفاقم المشكلة أكثر  ونصل في النهاية إلى طريق مسدود، وهذا ما لا يريده كل مواطن يعيش على هذا الجزء من الأرض، فلكل شخص مسؤولية مهمة كانت، وعليه تحملها لنمو وتطور البلد في كل السياقات والاتجاهات، الاقتصادية، الصحية، التعاليم، البيئة، الطرق، الجسور الحدائق العامة... الخ.
ليستمر كل هذا نحو  مستقبل أفضل وحياة مستقرة. يجب على الجميع أن يساهم ويُشارك في نهضة وتقدم ورفعة  أستراليا، بما تيسر له من إمكانات وطاقات وفرص حتى الضئيلة منها، لسدّ نقص أو حاجة معينة لربما تكون في محلها وتأتي في الوقت المناسب، وجزءا للصالح العام، والحجرة الصغيرة  مهما كانت فهي تُرمم البنيان وترفع ناطحات السحاب عاليًا.

31
ماذا تَبَقَّى من المسيحية في الدول الغربية
بقلم/ سلوان ساكو
نقترب رُوَيداً رُوَيداً  من أعياد الميلاد ورأس السنة. نحن الأن على مشارف العام 2020، تغير الكثير من حولنا، وبات العالم غير ذلك قبل قرن من الزمان ربما أكثر أو أقل لا يهم هذا كثيراً، خلالها تكرست مفاهيم جديدة في وعينا، وواكبت آخرى أثر التطور الهائل الذي اصاب العالم في الصميم، تطور تكنولوجي، تطور معرفي، تطور معلوماتي في النظام التشغيلي للصفر واحد، وتطور ذهني ايضاً للميتافيزيقا، أيّ ماوراء الطبيعة، وتحليل الظواهر  (فينومينولوجيا) دون التوصل لحقيقة مطلقة من خلال الوعي البشري الخالص، دون تدخل خارجي، أي الإله. كل هذا خلق جملة مفاهيم حديثة أو حداثية من مفهوم ما بعد الحداثة الفلسفي، كرست مرة ثانية لوعي بديل جديد لم يكن متعارف عليه سابقا، وعيًا بمستوى المساحة العليا للتفكير والحرية في التعاطي مع مفهوم الدين والتدين المسيحي عند الغربيين، وحركة التطور الأخلاقي في ظل نظام إنساني بحت، كما سوف نرى في المتنّ، وكأن شيئاً تبدل في ظل كل هذه المُعطيات الخطيرة، أو تروس كانت ساكنة ساكتة في عقل هذا الإنسان ثم بدأت في الدوران فجأة. ولعله في حكم النافل منّ القوّل إن هذا من طبيعة الأمور، حيث تتغير الأفكار التي كانت سندّ قبل حقبة من الزمان ويأتي غيرها، تُفند القديمة وتحلّ محلها إلى حين وهكذا دواليك. ولكن هناك دائما ثوابت وعقائد وأعراف في العالم لا يجوز تجاهلها  بأي شكل من الأشكال. ليسَ طرحي اليوم هو الانشقاقات الكنسية والمجامع المشهورة، التي حدثت في بدايات المسيحية، من مجمع قرطاجنة المقدس سنة 257 م وصولا إلى مجمع خلقيدونية سنة 451م. ولكن سؤالي اليوم ماذا حدث للمسيحية في الغرب، واقصد الغرب أمريكا، أوروبا وأخص أستراليا بالذكر، لكوني أُعاين الحالة بمجهر النقد والتقييم عن قرب، وهذا ما دعاني إلى أن استفيض قليلًا بالكتابة.
 كاتدرائية سان بول St Paul في وسط مدينة مالبورن، واحدة من أكبر الكنائس في الولاية، بنُيت مع دخول المستوطن الإنكليزي الجديد للمدينة، تؤول إلى متحف يأمه السواح مع مراسيم وقداديس قليلة، كنيسة أخرى في وسط شارع Chapel St المشهور تتحول إلى بار ليلي. كثيرٌ هي التجليات التي تظهر لنا هنا وهناك، ما هو المرصود فوق سطح البحر والكثير الذي لا نراه تحت جبل الجليد. ولكن الشيء المؤكد هو أن الكثير من القيم المسيحية تغيرت في الغرب، وأصبح هنالك أفكار خطيرة هي التي تسبق عمليات التفكير وتسير في خطةٌ حثيثة حقيقية متماهية مع الأصل، لا بل أصبح الأصل الحقيقي مركون في زاوية في أعلى الرف والثانية تحل محله لكونها تتماشى مع هذا العصر وتحمل بصمات هذا الزمن الذي باتّ الأغلبية العظمى به لا يُفرق بين الرث والسمين والأصلي والمزور، وتبين مع مرور الوقت أن الناس تسعى نحو الفرع تاركة الأصل. الجميع في هذه الأيام مشغول بمفردات عديدة تأخذ الإهتمام الأكبر من تفكيرنا ووقتنا أيضًا، نعم هي ضرورية وتشكل جزء لا بأس به من ثقافتنا وموروثنا الشعبي الذي شكل وعينا ووجداننا وهويتنا التي ننتمي إليها، ولكن كل هذا، برأي المتواضع طبعا، قد أهملنا الأساس والجوهر والسرّ والفداء والحق، وركضنا وراء الموديل حتى نسينا حقاً أننا ننتمي لهذا العيد المبارك، نلهث بسرعة مِنْ أَثَرِ الْجَرْيِ إلى واحة سراب في وسط صحراء. شجرة الميلاد، تزيين واجهات المساكن، هل المصابيح تعمل بالكهرباء أمّ بالطاقة الشمسية، أين نقضي ليلة رأس السنة، أين سوف نذهب بالعيد بعد القداس، الپاچة، اليخني، الديك الرومي، والى ما هنالك من مفردات ما انفكت تزداد سنة بعد أخرى. فإذا هنالك وضع شاذ نُحاول أن نضع أيدينا عليه مستكشفين قدر الإمكان خطورته على أجيال بأكملها في الوقت الحاضر وفي المستقبل.
اليوم المنظومة الأخلاقية Ethical system في الغرب هي الأساس، ويُبنى عليها المجتمع المتمدن Civilized society، المُتحضر، وهذا طبعاً بدون أدنى شك ممتاز لحداً بعيد، فالسرقة والكذب  والأحتيال والرشوة والخداع مرفوضة جملةٌ وتفصيلْ، والصراحة والشفافية في التعامل وقبول الآخر مهما كان ذلك الشخص جنسه أو دينه أو عرقه أو لونه، سمة من سمات   الإنسان الواعي العاقل A conscious human being يرفض هكذا أنواع لا أخلاقية من البشر، كل هذا من أجل إقامة مجتمع تواصلي يقوم على أخلاقيات النقاش والحوار وإقامة الحجّة والبراهين من أجل بلوغ الأتفاق والتفاهم والأجتماع. ولكن ما يزيدُ من خطورة هذه النزعة في إقامتها عقداً تحالفٍ مع الأطروحة الليبيراليَّة، التي ترى أنَّ كلَّ فرد له الحق في التمتُع بالحرية المطلقة في التصرف في ذاته وجسده وحياته بشكلٍ خاص بعيداً عن أية وصاية مهما كانت ويؤسس لنمط ثاني أكثر تعلّقاً بالأرضيات.
لنأخذ الفيلسوف الألماني كانط في مدخل في كتاب الدين في حدود مجرد العقل الصلة الوثيقة بين الأخلاق والدين، معتبراً أنّ الأخلاق ليست بحاجة إلى الدين من أجل قيامها، بل هي مكتفية بذاتها بحكم طبيعة العقل نفسه، وصحيح أنّ القانون الأخلاقي يفترض وجود كائن أسمى، ولكنّ فكرة هذا الكائن صدرت من الأخلاق دون أن تكون هي الأصل في ظهور الأخلاق. إذ يقول (إذا كان ثمة شيء يحق للإنسان الحديث أن يفخر به على سائر البشر السابقين؛ فهو إيمانه العميق بالحرية، بأنه كائن حر، لا يدين بقدرته على التفكير بنفسه، ومن ثمة على إعطاء قيمة خلقية لأفعاله أو لمصيره الخاص، إلى أية جهة كانت مهما علت أو بسطت هيبتها على عقولنا)؛ ويرى كانط في نفس الكتاب، أنّ العقل البشري في منحاه الكوسمولوجي، يسعى دوماً إلى التمييز بين دين طقوسي مصلحي أناني، قائم على إقامة الصلوات وتصنع الإبتهالات، والاعتناء بالمظهريات في الصوامع والكنائس والمعابد، وبين دين أخلاقي يتجسّد في الأعمال السلوكية الطيبة الحسنة، دين لا ينتظر من الإله أن يريه طريق مرضاته، بل يكون بسلوكياته وسيرته الحسنة أهلاً لأن يعينه الله ويخلصه. ولكن هذا النظام الأخلاقي يحذي حذوه المؤمن والملحد على حد سواء، الديني واللاديني فأصبح هناك مفهوم أخر للمسيحية وهو من لا يكذب أو يسرق أو يحتال فهو يحمل صفات المسيحي والخطورة تكمن هنا بالذات، حيث أصبح الانتماء لهذه الصفات هو الأساس مع العلم أن في عمق الدينة المسيحية ليست كذلك كيف هذا ؟، هنا يجب أن نتبع الأية (فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ)، رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، حيث يواصل (مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ). لأن الغرب ابتدع قيم جديدة مبنية على أُسس إنسانية رفيعة، وهذا لعمري حسن، ولكن بعيد كل البعد عن روح المسيحية الحقة، (لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّة) متّى 15- 24. (تَعَالَوا إِليَّ يَا جَمِيعَ المُتْعَبِينَ والمُثْقَلِينَ بِالأَحْمَال، وأَنَا أُريْحُكُم.إِحْمِلُوا نِيْري عَلَيْكُم، وكُونُوا لي تَلاميذ، لأَنِّي وَدِيعٌ ومُتَواضِعُ القَلْب، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُم.أَجَل، إِنَّ نِيْري لَيِّن، وحِمْلي خَفِيف)، متّى 11, 30-20. فالغرب تقريباً اليوم يُدين بالقيم الإنسانية، المؤمن والملحد واللاديني واللاأدري، ومن هذا المنطلق ومن هنا بالذات خفت شيئا فشيئاً القيم المسيحية وبدأت حقبة جديدة من عمر الديانة، فأصبحت الكاتدرائيات متاحف والكنائس بارات ليلية، والسيد المسيح تسوقه القنوات التلفزيونية الدعائية، تارة بائع بيتزا ومرة ثانية  على شكل موديل يرسمه الشباب، وهذا يدلّ على الأستخفاف بالمشاعر، وقلة الوعي الديني، وعدم الأهتمام وقلة أكتراث، والملح الصالح للأكل قد فسد، أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ. فَإِذَا فَسَدَ الْمِلْحُ، فَمَاذَا يُعِيدُ إِلَيْهِ مُلُوحَتَهُ؟ إِنَّهُ لاَ يَعُودُ يَصْلُحُ لِشَيْءٍ إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً. والنار الوهاجة خمدت  وأمست رماداً بعد أن كانت ألسنتها ترتفع لتعانق السماء. وهذا لم يتأتى من فراغ حيث له عُمق  إبستمولوجي كرس لقطيعة مع الماضي على الصعيدين الأنطولوجي والميتافيزيقي في جوهر العقل.
 يقول هيجل في فلسفة التاريخ بشكل واضح في (محاضرات في فلسفة التاريخ العالمي) التي ألقاها في جامعة برلين في الاعوام 1822 و1828 و1830. إن هناك عقل في التاريخ (العقل يحكم العالم) وعليه فان تاريخ العالم هو التقدم في العقل.
هيجل لديه فكرة خاصة عن الله الذي يسميه Geist وتعني الروح او الذهن. الفهم الفلسفي للتقدم في تاريخ العالم يمكّننا من معرفة هذا الاله وإدراك طبيعته وهدفه. وقال أن الأديان تُعبر عن مراحل مختلفة من مراحل تطوُّر الفكر البشري، فالدين تطوَّر من العصر التوتمي إلى السحر إلى العبادات الوثنية إلى اليهودية إلى المسيحية، وكل دين يُعبر عن أعلى مستوى وصل إليه العقل البشري حينذاك، ولذلك فإن كل الأديان تعتمد على الأساطير التي تختلف من عصر إلى عصر، وأنكر هيجل وجود الله الخالق، وكذلك الوحي الإلهي، وادعى أنه قادر على صنع إنسان، فقال ( أعطني هواء ومواد كيميائية ووقتًا وأنا أعطيك إنسان).
الغرب قطع مشواراً بعيداً جداً في السير وراء القيم أو الأكسيولوجيا، واهتم أكثر بالماديات الأرضية على حساب الروحانيات التي يقل رصيدها يوم بعد آخر. ومع التراجع الحاد للأخيرة بات هنالك وعي جمعي وأطار عام وطيف واسع من المجتمع يسلك هذا الأتجاه، وينحدر فيه في هبوط مستمر. ينعكس كل هذا بطبيعة الحال على الحياة والعامة والمجتمع، فصار المُشرع القانوني يُطالب الكهنة بالبوح بعترافات المؤمنين، أيَّ الإفشاء بسرّ الأعتراف المقدس، وهو واحد من أهم أسرار الكنيسة المقدسة السبعة. وهذه واقعة خطيرة تضرب أُسس العقيدة، وأصبح التطاول والتجاوز والسبّ والسجن على الرموز الدينة حدث ولا حرج. طبعاً هنا لا ننكر بأي شكل من الأشكال  التحولات البنيوية التي طالت المجتمعات الغربية في أوروبا وأمريكا وأستراليا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، مما دفع مجموعة كبيرة من الأكاديمين وفلاسفة ومفكرين إلى إرساء دعائم  مجتمع نقدي علماني جديد يرفض كل ماهو قديم ومتوارث وهذا فجر لاحقاً مفهوم ما بعدالحداثة وصاغ علاقة جديدة بين أفراد المجتمع يؤسس من خلاله فلسفة عقلانية سوسيولوجية لا غير، أما الدين فلا يهم كثيراً في هذه الحالة، فقد أصبح من الماضي ومن التراث.  ناهيك عن ثورة الأتصالات التي خطت صفحة جديدة في هذا العصر.
الوقوف عند التحديات الراهنة التي تُواجه الناس صعبة للغاية خاصة في هذه المرحلة. الرهان الوحيد هو بصيصُ من الأمل في العودة إلى أحضان الكنسية الأم، ولو بعد حين.
 فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ: (لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ). مرقس 2: 17.


المصادر:-
رسالة جامعة في الإيمان والعقل، قداسة البابا يوحنا بولس الثاني.

هيجل فريدريك/ محاضرات فلسفة الدين، الدينة الروحية. ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد.
 
هابرماس يورغن / مستقبل الطبيعة الإنسانيَّة، نحو نسالة ليبيرالية، نقله إلى العربية جورج كتورة، مراجعة أنطوان هاشم، المكتبة الشرقية، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 2006.
 هابرماس يورغن/  القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، دراسات فلسفيَّة وفكريَّة، منشورات وزارة الثقافة، دمشق-سوريا، الطبعة الأولى، 1995.

كانط إيمانويل / الدين في حدود مجرّد العقل:
ترجمة فتحي المسكيني.

رحلة إلى قلب الإلحاد، الجزء الأول: الإلحاد.. بذار ورجال - أ. حلمي القمص يعقوب

32
شلع قلع... كلهم حرامية...
بقلم/ سلوان ساكو 
لم يكن الخطأ الإعلامي لغونتر شابوفسكي عضو المكتب السياسي للحزب الإشتراكية الألماني حين صرح بأن قيود التنقل بين الألمانيتين قد رفعت هو من حطم جدار برلين، لا، ولكن إصرار الألمان على تجاوز المرحلة هو من دقَّ المسمار الأخير في نعش الشيوعية والكتلة الإشتراكية آنذاك، هو من محطم الأغلال وكسر القيود ورفع النيرّ عن الشعب بعد تفرقة دامت 28 سنةً . وهذا ايضاً له تاريخ في العقلية الألمانية الفذة، فمع إنتهاء الحرب العالمية الثانية كانت  كل اجزاء العاصمة الألمانية برلين مدمرة وعبارة عن حُطام  وأَثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ، لم يظل حجر على حجر، مدنياً واقتصادياً وعسكرياً، طال الخراب والدمار جميع البُنى التحتية للبلاد، المصانع الضخمة والمعامل الكبيرة ووسائل الإنتاج العملاقة، فعمَ الظلام مدينة الصناعة العالمية في تلك الحقبة من تاريخ أوروبا الأسود. من جهة ثانية كان على الحلفاء والألمان أنفسهم معاقبة من تسبب بكل هذا الدمار المهول من النازيين وزبانيتهم، فعُقدت أولى جلسات المحكمة في 20 نوفمبر 1945 في مقاطعة نورنبيرغ، لأن جميع قاعات المحاكم في عموم ألمانية كانت مدمرة بالكامل، لمحاكمة المتهمين ومحاسبتهم لمّا اقترفت أيديهم من جرائم بحق البشرية، وليس انتقامًا من شخص بعينه، وزرع الفتنة والبغيضة بين مكونات الشعب كما فعلوا صبيحة عيد الأضحى مع الرئيس العراقي الراحل. تعبٌ مضنيٍ وجريً حثيث لتجاوز الأزمة الكارثية من قبل شعب يعرف كيف يتجاوز المحن بسرعة، وعقلية جبارة تبتكر وتفكر وتصنع وتنتج وتُصدر. صحيح كان هناك مشروع مارشال، ولكن لم يكن لِيُكتب له النجاح لولا إرادة الشعب ورؤيته المستقبلية من اجل رفعة الأمة الألمانية وعودتها للأسرة الدولية كقوة منتجة ولاعب أساسي على الصعيد الأوروبي والعالمي.
أين العراق من كل هذه الترسيمات، هل له القدرة على تجاوز المحن الصعبة التي مرّ  ويمرّ به؟، هل يمتلك تلك الإرادة والعقلية والمقدرة والعزيمة في البناء والإنشاء والتطور والرقي؟، هل يستطيع العبور وتجاوز الماضي بأقل ما يمكن من الخسائر؟،  هل يستطيع رجل السياسة أو حتى الرجل البسط العادي كشف مكامن الضعف والهوة السحيقة التي يقف عليها البلد بعد خمسة عشر عاماً من التغير؟، اشك أنا في هذا!. العراق بئر من الفوضى والفساد ليس له قرار، وزارات تباع وتشترى، مناصب رفيعة في الدولة تُعطى للجهلاء، مُحاصصة طائفية بعيدة كل البعد عن الكفاءة والخبرة، احزاب تتصارع فيما بينها وتفجر السيارات الملغومة وسط الناس،  مرجعية دينية منافقة ترتدي مسوح الدين وتتستر برداء الصالحين وهي تسرق مال الشعب. كيف سينهض البلد بهذه التوليفة الغريبة العجيبة لا أحد يدري. الحراك الشعبي الذي يحصل اليوم ليس غير سَكْرَةُ من سكرات الموت، يقول الأطباء أن المريض يشعر بتحسن مفاجئ قبل الموت، هذا حال البلد اليوم، أظن انه يُعاني من الموت الأخير. صنفت المنظمة الدولية للشفافية العراق في المركز 168 من القائمة 180 التي تضمّ الدول الأكثر فساداً. ناهيك عن ميليشيات وفصائل الحشد الشعبي المتحكمة بمفاصل الدولة، والأحزاب الدينية المقيتة والعشائرية البغيضة، يُقال أن  ديفيد بتريوس قائد القوات الأمريكية في العراق، كان لديه قائمة بتسعيرة لشيوخ العشائر.
لا يمكن إصلاح شيء في العراق بهذه العقلية، أو هكذا تفكير، من الصعب بمكان إصلاح ما افسده الساسة وإيران من قبلهم وإبرام صفقة تنفع أو إعطاء دواء ينجح في علاج هذا المرض المزمن. لا خبز المحاميات في ساحة التحرير ينفع ولا بطانيات التاجر تصلح مع هذا الكم الهائل من خراب النفوس والعقول، أليست هذه هي الفوضى الخلاقة التي بشرت بمفاعيلها مستشارة الأمن القومي الأمريكي كونداليزا رايس في عهد بوش الأبن.
ربما يغضب البعض من هذا النقد اللاذع ولكن مع الأسف الشديد هذه هي الحقائق دون رتوش أو مساحيق تجميل. لا ينفع طب العطار في ما أفسده الدهر.

33
الهزيع الأخير من المُظاهرات
ليس من السهل التَكَهَّنَ إلى ماذا سوف تُفضي به  المظاهرات الأخيرة في العراق، بعد أن دخلت شهرها الثالث، كما ليس وراداً إلى اليوم قرب استقالة حكومة عادل عبد المهدي، أو حتى تغير وزاري كبير يشمل الوزراء الفاسدين وليس كبش فداء، وما أكثرهم اليوم. التعليمات الإيرانية الصارمة، مُتمثلة بالجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني وزيارته المتكررة  للعراق والنجف كرست للهيمنة وأعطت دفعة قوية للحكومة الحالية وعطلت كل الجهود الرامية لبناء دولة ذات سيادة تتحكم بقراراتها ومواردها. هذا يُظهر لنا من زاوية أخرى عدم تأثر المرجعية الشيعية في طهران بالاحتجاجات التي عمتّ عدة محافظات ومدن إيرانية مؤخراً والتي لن تُفضي لشيء يذكر، بعد أن تمْ رفع أسعار الوقود. من يتذكر اليوم احتجاجات عام 2009 والتي سُميت أيضاً بالثورة الخضراء، قادها مير حسين موسوي ومهدي كروبي، ماذا حل بالأثنين، من يتذكرهم اليوم بعد هذه المتغيرات الجيوسياسة الكبيرة التي عصفت بالمنطقة. اعوان وكلاب طهران من بغداد إلى بيروت مرورًا بدمشق لن يدعوا الأمور تمر بسلام ابداً، هذا أمين عام حزب الله حسن نصرالله يُصرح من الضاحية الجنوبية لبيروت (ولاؤنا لمرشد إيران علي خامنئي غير محدود). الرئيس السوري بشار الأسد يعرف جيدًا أنه لم يعد له موطئ قدم في عموم سوريا غير حدود قصر المزة الرئاسي، ومن يتحكم بكل القرارات السيادة للبلاد هي إيران ورسيا بتواطؤ أسرائيلي أمريكي تركي. بغداد ليست أفضل حال من الباقي إن لم تكن الأسوأ، الكل بات يعيّ اليوم مدى توغل الميليشيات الإيرانية وأذرعتها من الفصائل المسلحة والعصابات المنُظمة في العمق وفي لعب الدور الأبرز، وتنصيب من تشاء في أي مكان سيادي. هذا التتويج لم يأتي بالصدفة وليس وليد اللحظة بل كان نتائج عمل كبير لسنوات  إلى إن أهدت إدارة الرئيس باراك أوباما العراق لإيران على طبق من ذهب وليس من فضة في سبيل تخلي الأخيرة عن برنامجها النووي. الأولويات اليوم بالنسبة للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب ليس العراق ولا المتظاهرين ولا الشعب السوري ولا اللبناني، المهم هو النفط، قالها قبل أيام قليلة، (ما يهم الإدارة الأمريكي في سوريا هو النفط وتواجد القوات الأمريكية من اجل حماية منابع النفط). فلا احد يتصور دعم من أيّ نوع كان تقدمه واشنطون للمحتجين في ساحة التحرير وغيرها، ولو ارادت لفعلت، ولكنه لا تريد لحسابات هي تعرفها.
يظل المُحْتَجّ والمتظاهر العراقي أعزل وسط هذه الخيبات الكبيرة التي تُحاصره من كل حدب وصوب، من الساسة العراقيين المرتزقة، وقادة الأحزاب التابعين لإيران، ورجال الدين المطيعين للمرشد الأعلى. تنظيمات المجتمع المدني التي لم تفعل شيء يذكر على مدار الشهرين الماضيين، كل هذا سبب خيبة أمل كبيرة للناس التي خرجت من أجل الكرامة الجريحة وتفشي البطالة وانتشار الفساد وانعدام أية مقومات بسيطة للعيش في بلد نفطه أكثر من مياهه.
لن يحدث تغير في المنظور القريب، ولن تتحرك أساطيل الولايات المتحدة لمؤازرة المنتفضين في بغداد، وكل ما يقال على النيت والفيس بوك من تدخل أمريكي لِمناصرة الحشود في الساحات هو مجرد أضغاث أحلام. ولنترك ونشطب كلمة عاجل عاجل عاجل الكاذبة من على منصة الفيس بوك التي تهين الشيء الذي تعنيه. عاجل استلام الساعدي زمام السلطة بانقلاب عسكري، عاجل إنزال أميركي في المنطقة الخضراء، عاجل هروب المالكي وبصحبته 64 مليار دولار، عاجل ترامب يمهل حكومة عبد المهدي 48 ساعة لمغادرة السلطة فوراً. كل هذا هراء وكذب لأنه يُسيء للثورة الشعبية أكثر ما ينفعها، ويعطي انطباع مُبطن انها عبارة عن مهزلة.
لا بدّ من الحذر الشديد في التعاطي مع الموضوع العراقي والثورة، لأن العصابات والميليشيات والقتلة متربصين بالثوار، أكثر من 500 قتيل، وألاف الجرحى. والأهمّ من ذلك كلّه هو مكاسب الثورة التي قامة من أجلها الشعب، وهذه الدماء المبذولة من اجلها وإلى أين سوف تؤول الأحداث.
أرجو أن لا تطول المظاهرات أكثر مما ينبغي مع قدوم الشتاء والبرد، الصيف ابو الفقير كما يُقال بالعامة، ولكن البرد قاتل. لا بدّ أن تنجلي الأمور ذات يوم ويظهر الحقْ. 

34
 مِحْنَة العراق الخطيرة
بقلم/ سلوان ساكو
تغير الكثير من عالمنا خلال العقود القليلة الماضية، وسارت الكثير من المياه الآسنة تحت الجسر؛  مجبولة طبعاً بدماء الأبرياء مثخنة بالجراح. مرَ على تحطم جدار برلين 30 عام واندمجت برلين الشرقية بشقيقتها الغربية بعد عزل دام أكثر من 28 عاما على بنائهِ الذي أعتبر تقسيم لمدينة وتقسيم لشعب. لم يدمّ الوقت طويل حتى دخل الرئيس العراقي السابق صدام حسين الكويت، وأعلنها المحافظة التاسعة عشر، إنْشَطَر العالم كما لم ينشطر سابقا على هذه الواقعة المُفجعة، وأصبحت الدول الكبرى في مأزق حقيقي. إنَشق الصف العربي في عمقه القومي والإسلامي وتوسعت الهوة بين العرب بشكل لم يسبق له مثيل، حيث كانت ضربةٌ قاسية لا زالت ارتداداتها حاضرة إلى اليوم. في خضم هذه السجالات السياسية الدولية التي فرزتها حالة الحرب وإعلان إتلاف دولي يضم 33 دولة تقودهم الولايات المتحدة الأمريكية لإخراج العراق من الكويت، أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب من مكتبه في البيت الأبيض من واشنطن عن النظام العالمي الجديد الذي سوف يحكم العالم. في هذا الوقت بالذات كانت الكتلة الشيوعية الأكبر تتفكك وتتساقط كأحجار الدينامو. العالم ذوّ القطبين أمسى قطب واحد؛ اخيراً مات المَارد الأشتراكي ولفظ أنفاسه الأخيرة عام 1992، حين لم تنفع إصلاحات ميخائيل غورباتشوف آخر رئيس للاتحاد السوفييتي وإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر بيرسترويكا وغلاسنوست، واكتشف في نهاية المطاف أن بلدا مثل الاتحاد السوفييتي لا يستطيع لعب دور القوة العظمى على المدى الطويل في غياب اقتصاد قوي كاقتصاد الولايات المتحدة، واستنزاف قوة البلاد في حرب كحرب أفغانستان. أصبح العالم بعد هذا الأنهيار للكتلة الشيوعية بقيادة واحدة وقطب أوحد، ألا وهي أمريكا بدون أي منازع. هنا برزت خطوط أخرى وتيارات فكرية وفلسفية جديدة تتحكم بالقرار السياسي الأمريكي، كالمحافظين الجُدد، مُؤسسةٌ على القوة الأمريكية المُتعاظمة في الشرق الأوسط. أبرز منظريها ديك تشيني، دونالد رامسفيلد، وكونداليزا رايز، وعراب غزو العراق برنارد لويس، ومخططه الجديد لتقسيم الشرق الأوسط، إلى دويلات صغيرة دون فعالية تُذكر، وخلق ما يسميه النظام العالمي الليبرالي. غباء أم سوء تقدير، أو عدم وعيّ بالمستجدات السياسية الخطيرة التي ألمت بالعالم والمنطقة وقت ذلك جعلت من صدام حسين لا يقرأ الوقائع الجديدة على الساحة الدولية بشكل واضح، أسير أفكاره الماضوية ليس أكثر.
الذي يحدث اليوم في العراق من احتجاجات حاشدة وانتفاضة شعبية أو ثورة لوأد الميليشيات والعصابات المسلحة والفساد والسرقة والبطالة، ليس غير تعبير عن الواقع الأليم الذي يمر به العراق من قرابة خمسة عشر عامً، حيث لم تفلح القوى السياسية والأحزاب الدينية من تشكيل  نوات دولة ذات سيادة تتحكم بقرارتها. فشل المشروع الأمريكي وأفلح المشروع الإيراني إلى حد بعيد في جعل البلد أقليم يتبع ولاية الفقيه في طهران، هذا ما صرح به قاسم سليماني أكثر من مرة.
هل يخرج العراق من عنقّ الزجاجة الإيرانية؟، وهل تترك المرجعية الدينية الشيعية في النجف الأمور هكذا بدون تدخل  وهي المرتبطة بشكل وثيق بطهران. وإلى أيَّ مدى يستطيع الثوار الصمود في ساحة التحرير والشتاء على الأبواب و نوافذ المطعم التركي عارية من الزجاج؟، هل تستقيل حكومة عادل عبد المهدي أمَّ تنتظر الأوامر من علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، تُحدد هوية ومصير وشكل العراق في المرحلة القادمة، وإلاّ بماذا يُبرر وصول الجنرال سُليماني إلى النجف في هذه الأيام.  والأهم من كل هذا لماذا هذا السكوت الأمريكي المتعمد من المشهد العراقي، هل ترك دونالد ترانب العراق لقمة سائغة سهلة لإيران كما فعل سلفه أوباما، أم هنالك مخطط أخر نجهله نحن البسطاء يُطبخ على نار هادئة في المطبخ الأمريكي التركي الإسرائيلي المشترك. من يعرف ماذا يخبئه المستقبل للعراق.

35
مواجهات وفقّ خرائط جديدة
بقلم/ سلوان ساكو 
تواجه منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط تغيرات وتقلبات كبيرة وتحدياتٍ من نوعاً جديد، ربما لم نعهدها سابقاً سوف تُزعز أمن وإستقرار المنطقة بعمق هذه المرة والتي هي أصلاً غير مستقرة، واقعة بين مطرقة الأرهاب وسندان الصراعات المذهبية والطائفية، فالصراع التركي السوري دخلَّ مرحلة جديدة وحرجة بعد أن حشدت أنقرة جيشها على الحدود السورية التركية لغرض فرض منطقة آمنة، أو ما سماه اردوغان ممر السلام  داخل سوريا المفُتتة والمُنهكة بعمق 30 كيلومتراً وعلى امتداد الحدود الطويلة بين الجارتان، حيث وضع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان دراسة مفصلة عن هذه المنطقة تضم عدد المباني والدور والمدارس والمستشفيات ومراكز الشرطة والبنايات الحكومية التي سوف تدير شؤون المنطقة العازلة  بكلفة 150 مليار دولار،  طالب بتغطيتها من الدول الكبرى المانحة. كل هذا طرحه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة،  خلال كلمته السنوية، أكد خلالها على أن المشروع كفيل بحل أزمة اللاجئين السوريين، ووضع حد لمعاناتهم بشكل تام. هذا من جهة، أما من ناحية أخرى فقد شكل انسحاب القوات الأمريكية القليلة العدد والمتاخمة على الحدود السورية التركية  الضوء الأخضر لتركيا في شنّ الهجوم المرتقب، وهي بمثابة موافقة ضمنية من الرئيس ترامب وفق تسوية معينة اطرافها امريكا روسيا إسرائيل تركيا، سوريا فقط ليس لها علاقة بالموضوع، وهذا من السخرية بمكان. فإذاً سوف نشهد تغيرات ديموغرافية وعسكرية وعرقية وطائفية  في المنطقة.
المحور  الخليجي  وبعد الضربة الإيرانية الحوثية المزدوجة على شركة النفط السعودية  العملاقة أرامكو في بقيق وخريص، أصبح هناك حسابات أخرى لم تكن مطروحة على طاولة المفاوضات من قبل. فقد شكل تباطؤ المملكة العربية في التصدي للهجوم الإيراني وتلكؤ واشنطون بردّ حازم قوي وسريع أعطى أنطباع إن امريكا غير مستعدة نهائياً لدخول حرب مفتوحة مع طهران، مهما كانت الظروف، حتى لو تعلق الأمر بشريك استراتيجي وحليف تاريخي كالسعودية. في نفس السياق وبعد سلسلة من الهجمات التي قام به الحوثيين على المملكة  في الفترة الأخيرة على المطارات في جازان وأبها في عسير جنوب غرب السعودية، صار هناك أجماع كامل أن الولايات المتحدة الأمريكية غير مستعدة للحرب، هذا تكرس من خلال إعفاء مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون من منصبه، لا بل البعض ذهب أبعد من ذلك حين قال أن دونالد ترامب أوصل رسالة للحكام في طهران  عن طريق السفارة السويسرية أن امريكا غير معنية بالصراع الدائر في المنطقة تحت سياسة النأي بالنفس، وهذا ما يُفسر لاحقاً لنا دخول الرياض في مفاوضات سرية مع طهران عبر دول محايدة لحل الأزمنة الناشبة بين البلدين. هذا يسلط الضوء  مرة ثانية على حماقات الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، أولاً في التعامل مع فضيحة مقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول العام الماضي، والفضائح الأخيرة في ظل الهزائم التي مُنية به الجيش السعودي حيث تم أسر فصيل كامل من ضباط وجنود، والسيطرة على مئات الدبابات والآليات في اشتباك مع قوات الحوثي قرب نجران، مما دعا والده  الملك العجوز  سلمان بن عبد العزيز إلى عزله من جميع مناصبه الرسمية وتجميد نفوذه داخل المملكة، ولكن خبر العزل وصل الأمير الشاب عن طريق دبي ومن الأمير محمد بن راشد، فحصل اشتباك بين قوات ولي العهد محمد بن سلمان، الكولومبية والنيبالبية مع الحرس الملكي السعودي الخاص داخل القصر مما أدَّى الى قتل عدد من الضباط والمراتب بينهم اللواء عبد العزيز الفغم الحارس الشخصي للملك والمسؤول عن حمايته. طبعاً الرواية السعودية عن مشاجرة نشبت بين الفغم وصديقه والتي أدت إلى مقتل اللواء في بيت السبتي عارية عن الصحة تماماً، والأخبار من داخل القصر الملكي أن العاهل السعودي قيد الإقامة الجبرية.
كل هذا يضع المنطقة في خانة التساؤلات الخطيرة عن طبيعة الصراع القائم، وترسم لنا خارطة جديدة سوف تشهدها الساحة العربية والإقليمية خلال الفترة القليلة القادمة.

36
الثورة الشعبية المسروقة
الذي يجريّ الأن في بغداد وعدة محافظات عراقية من مظاهرات شعبية واحتجاجات على الأوضاع المُزرية تكشف لنا مدى الإهمال والفساد المتفشي والمستشري في جميع دوائر الدولة ومنشآتها ومرافقها كافة، وعن قلة الخدمات الصحية والخدمية، وتفشي البطالة إلى مستويات غير مسبوقة من تاريخ العراق الحديث حتى في أحلك أيامه، وفي أقسى ظروف الحِصار التسعيني الدولى، نزلَ المواطن المسكين الى الشارع في هذا القيض الشديد، ومن له غير الشارع بعد أن تخلى عنه الجميع، يُعبر عن احتياجاته المشروعة والبسيطة، والتي يجب على كل دولة ذات سيادة حقة مهما كانت إمكانيتها بسيطة أن تُلبيها لمواطنيها، وهذا واجب يقعْ  على عاتق كل مسؤول أمين، وهل في العراق مسؤول واحد أمين اليوم؟ الذي يتبوأ منصب في الحكومة وموظف في الدولة يسهر على راحة المواطن ويفكر فيه!، لو كان هنالك من هذا النوع حقاً لما كنا في هذا المربع الضيق اليوم. الفرد العراقي تحمل كثيراً وبما فيه الكفاية على مدار عقوداً طويلة، ليس في حقبة ما بعد السقوط والضياع والأحتلال في عام 2003 فقط، ولكن ما كان قبلها من حروب وقهر واستنزاف للبشر والموارد، حركة التمرد الكردية فترة السبعينيات، الحرب العراقية الإيرانية العبثية، حرب الكويت، الحصار الجائر، وجاءت فترة الظلام الدامس الدامي من تاريخ هذا الشعب المقهور على مرّ العصور، فترة الفوضى والخراب والقتل والدمار، والانتفاضات من أجل لقمة العيش والرغيف المُعفر بالدماء الزكية، فترة السرقات باسم الشعب، فترة الفساد والرشوة الرسمية، فترة السقوط الأخلاقي للقيم والعادات والتقاليد والأعراف، فترة ضياع الكرامة والرجولة، فترة فقدان البوصلة للمواطن والوطن، فترة تجمع فيها كل أبناء عزازيل من الأفاقين والمنافقين والسُراق وقطاع الطرق والعصابات المنظمة وميليشيا الأحزاب في ملعب واحد، وهنا اكتملت اللعبة وصار الكل يُساوم على الكعكة الصفراء المسمومة، تارة باسم الدين ومرة أخرى باسم الشعب، وفي أحيان كثيرة تحت شعار البناء والإعمار وتطوير البَنى التحتية، ولم نرَ شيئاً من كل هذا خلال الخمسة عشر عام الماضية، والذي نعرفه فقط أن مليارات من الدولارات سُرقت وتبخرت، كانت تكفي ليعيش هذا الشعب المظلوم عيشة كريمة هنية بعد كل هذا التعب والدمار والخراب والقتل. ألاَّ يستحق أن يرتاح قليلاً بعد كل هذه المعارك؟.
ولكن أيضاً الذي يُعيب المُظاهرات التي تعم البلاد اليوم هو عدم وجود برنامج عمل للمحتجين، عدم وجود موجه ومُتكلم باسم المتظاهرين، قلة الوعي السياسي للأغلبية العظمى منهم، فإذاً هي مجرد أحتجاجات عفوية خرجت بشكل تلقائي سببها جور وظلم المسؤولين الحكوميين. أين هو المجلس الثوري الذي يُطالب بالحقوق،  من يسعى بصدق  في أثر  مفاوضات مع الحكومة الحالية لتحقيق الحق ومحاسبة المسؤول عن كل هذا التقصير المتعمد في أجهاض وتقويض أسُس الدولة اذا كان هناك دولة من الأساس، وكشف الخفاية والسرقات الكبيرة في الأجهزة الأمنية والمدنية.
 اذا ظلت الأمور على ماهي عليه الأن دون تكثيف الجهود وتوحيد الصفوف وتشكيل قيادة باسم المتظاهرين والمطالبين بحقوق المواطن، وتعزيز اللحمة بين جميع أطياف المجتمع العراقي تحت مظلة واحدة، والأهم من كل هذا هو الوعي بخطورة المرحلة الراهنة والتعامل معها بكل جدية ودراية، أقول مع الأسف سوف تضيع من بين إيدينا هذه الثورة، وينسرق الأمل الوحيد الباقي، وتذبل الأوراق مجدداً ولن تينع ابداً، ومن يعرف هل سوف تتكرر في المستقبل،  أمّ هي فرصة سانحة اليوم لن تعود ربما من جديد.

37
عشرة أعوام من العزلة
حينما عادَّ أبي من رحلته في الوِلَايَات المُتَّحِدَة الأَمرِيكِيَّة صيف عام 1993، أول سؤال تبادر إلى ذهني هو عن كيفية نمطّ الحياة في امريكا، فالصورة المرسومة في مخيلتي الغضةّ في ذلك الوقت المُبكر من وعيّ كانت أنعكاس لصور مأخوذة عن الأفلام الأمريكية في دور العرض (السينما)، الفتيات الشقراوات ذوّ الشعر الأصفر والأكمام القصيرة، اللاتي يتجولن في الشوارع بمشيتهن الرشيقة، السيارات السوداء الطويلة الفارهة، الدولارات المتساقطة من السماء في رُزمّ عديدة، مشاهد لعالم مُغاير عن عالمنا المُعاش، إلى أن صُدمت من الإجابة المُباغتة الغير متوقعة حين ردّ بكل هدوء وحكمة، يا أبني الحياة هناك ليست بالسهولة التي يظنها البعض، فالناس هنالك تعمل ليلاً نهاراً لمواكبة متطلبات المعيشة الصعبة، كثرة القوائم payment ، برود العلاقات الاجتماعية بين الناس بسبب ضيق الوقت، التسابق المحموم على أقتناء أفضل سيارة والتباهي به يوم عطلة الأحد. عالم كل ما فيه يصارع من أجل البقاء والعيش. دارت الأيام والأعوام، وبعد ترحال طويل بين عدة عواصم عربية أرست سفينتي أشرعتها في أستراليا، ودقت أَوْتَادَ الخَيْمَةِ فِي الأرْضِ، في البداية لم أنتبه كثيراً للفروقات الموجودة في ثنايا المجتمع المتفرع والمتشعب من كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، ومع توغلي في الحكاية باتت الصورة تتضح شيئاً فشيئاً إلى أن اكتملت مع ضربة الفرشاة الأخيرة، وأصبح الإسقاط الأولى هو ذاته مع تغير الأمكنة لا أكثر ولا أقل، والأعراض ذاتها مع اختلاف الشخوص. جري محموم في تحصيل القوت، كثرة المتطلبات اليومية وهي في ازدياد مضطرد، وأهم من كل هذا وذلك هو البرود الواضح في العلاقات الأجتماعية، مما يجعل العزلة والتقوقع حول الذات تفرض نفسها على المشهد بقوة. صحيح طبعاً هناك ضيق في الوقت، والألتزام بعمل واحد أو بعملين في اليوم مما يُدعم من هذه العزلة ويُحجم دور الفرد أجتماعياً. ربما كان الوضع طبيعي لو كانت فترة التحولات هذه اكبر ولكن حدث كل هذا في غضون سنوات قليلة لا تتعدى العشرة، ولهذا نحتاج الى أن نقرأ الواقع المحيط من حولنا قراءة واعية ونرى الصورة الكاملة للمشهد وكيف وصلت الأمور لهذا الحد، وكيف أضعنا البوصلة في فهم الآخر وانتهت لغة الحوار. الكل باتَ يركض بسرعة تفوق سرعة الإنترنت بين القارات، الجميع مُنكب ومُنكس الرأس على هاتفه الجوال، في الحافلة في القطار في السيارة في الحديقة، حتى في البيت ضمن الأسرة الواحدة الكل منشغل بجهاز لا يتعدى حجمه كف رجل، كيف سيطر علينا هذا الكائن الملعون لا احد يدري، وكيف تماهينا معه إلى هذا المستوى الذي وصل حدّ الإدمان الجواب ذاته. إذن نحن أمام أشكال أخرى جديدة في عمليات انبعاث هذا التناقض ما بين ما هو حديث وجديد،  وأشكال أخرى يراها الجيل الصاعد طرق قديمة في التعامل، أو طبقة أخرى level ما عادت تنفع في هذا العصر وفي ظل هذا النظام الرقمي الهائل Digital system فتوسعت الهوة بين الأجيال ومازالت تتوسع أكثر مع الوقت، إلى أن يصبح ردمّ هذه الهوة مستحيل بمكان كي تأتي في النهاية مُضَمخَّة بقطيعة الوصال بين الأجيال تماماً وعزلة تستمر لمئة عام أخرى.

38
كلام خطير في عمليات التفكير
بقلم/ سلوان ساكو
الكثير من البديهيات تغيرتّ اليوم، والكثير منا تغير أيضا في النظر للأشياء من حولنا خلال العقّود القليلة الماضية، وعلى غفلةّ منا تغير الزمان فلم يعود كما هو في الماضي القريب. الأسباب كثيرة ومتعددة في آنٍ واحد، ولكن يظل الجوهر هو هو، والماهية ذاتها، وهيَّ أنّ هنالك ثمةّ مُتغيرات طرأت علينا وأفكار باغَتت عقولنا سواء لاحظناها أمْ لم نلاحظها. وهنا باتَ علينا أن نطرح تلك التساؤلات العميقة عن موقع العطبْ في النفس البشرية، واين يكُمن الخلل يا ترى؟، هل هي في آليات التفكير الحديثة، أمَّ في صعوبة فهمنا للمفردات وطريقة طرحها من الأساس، والسؤال بجدّية أكبر عن طبيعة ذلك الصراع الفكري والثقافي مع الهوية الذي نواجهه نحنُ اليوم في بلاد الملجأ، والذي لم يفلح على ما يبدو إلى حدّ الأن في هندسة عملية استخراج الأجوبة الصحيحة من قعر النفس البشرية إلى سطح العالم الخارجي، والتعامل مع مفرداتها الثقافية بشكل سطحي وعدم وعيّ بالمرحلة الراهنة، أسرىّ تحت ظل الأفكار القديمة والبالية.
فعاليات ثقافية متعددة تُقام بشكل دوري، أسبوعية، شهرية، فصلية، موسمية. منها ما يكون ذوّ طابع ديني، كالأخويات الكنسية، مهرجانات، دورات لاهوتية، حفلات لجوقات الكنائس، حلقات لقراءة الكتاب المقدس. وثانية اجتماعية عامة، كحفل توقيع كتاب، أمسيات شعرية، ندوات فكرية. طيفٌ واسع من الفعاليات على جميع الأصعدة والاتجاهات ومن شتى الألوان؛ ولكن الشيء الوحيد الذي يجمعهم هو قلة الحضور، وعزوف الناس عن تلبية تلك الدعوات والنشاطات. أعضاء الأخويات يشتكون من العدد الضَئِيل للحضور، منُظمي الندوات الثقافية الشهرية حالهم ليس بأفضل من الباقي، كُتاب الأدب الرفيع، من الرواية والقصص القصيرة إلى كُتاب الشعر، وبعد جُهداً مضنيً يستمر لربما لسنة أو أكثر، وحينما يطلق الأديب منتجه الثقافي يكون عدد حضور حفل التوقيع مُخيبٌ للآمال. الأسباب لمنْ لا يريد الحضور كثيرة ومتعددة، وكلها مشروعة بالمناسبة، منها على سبيل المثال لا الحصر، مشاغل الحياة اليومية التي لا حدود لها اليوم في الدول الرأسمالية، استراليا، كندا، أمريكا. عدم التفرغ، العمل، المُناسبات الإجبارية، أيّ الحفلات. وحتى وأن صادفت الفعالية الثقافية يوم السبت او الأحد فسوف يكون جواب الشخص هو، هذا اليوم هو إجازتي الأسبوعية سوف اتمتع به مع عائلتي وأولادي. كل هذا الكلام صحيح بدون أدنى شكّ، وللعائلة مكانة مُقدسة عند أرباب الأسر بدون مزايدة من أحد. ولكن أيضاً تنمية الفكر والنفس لها مكانتها، ورفدّ الروح بِمَا يعلي من شأنها والارتقاء بها في الحقل الثقافي والإبداعي، والمشاركة الفعلية في النشاطات والفعاليات المُقامة، سواء بشكل دوريّ أو حتى فصلي، فلكل هذا أثره الجيد في النفس البشرية مِمَا يُثريها ويرفع من مقامها، ويجعلها ترتقي عن الماديات بعض الشيء في فضاءاتٍ أرحب وأوسع، لأنَ البون شاسع والفرق كبير بين الإنسان المثقف والإنسان العادي، وكل هذا لا يتأتَّى ألاّ عن طريق المعرفة والوعي والقراءات الجدية المُعمقة. بعد ذلك يأتي دور البناء الثقافي للفرد الوعي لذاته، وتأثيث مساره الفكري والمعرفي للنهوض بمستقبلها إلى اتجاهات أفضل وطريق أرقى في مَنَاحي الحياة. لكن الأمور ليست بهذه السهولة كما نتصور أو يتصور البعض، فأول ما نحتاج أليه هو قناعات راسخة في التعلم، وقبول فكرة الاستماع للآخر وتثقيف الأنا، الأنا الفلسفية، الأنا الدينية، الأنا الأدبية، الأنا التواقة للمعرفة، من هنا بالذات تأتي خطورة الطرح، ورهان الشخص على أناه في إدراكه لذاته وهويّته. ومرة أخرى والسؤال الأصعب والأهم هُنا، لماذا كل هذا العزوف والتراخي في تحصيل المعارف، وعدم إجهاد العقل والفكر في القراءة والاطلاع. فكما هو معلوم أن نسبة القراءة انخفضت عالمياً بشكل عام وعربياً بشكل خاص، وهذا يعطي مؤشر عن حجم تدهور الواقع الثقافي الذي يواجه العرب اليوم. فمتوسط معدل القراءة في العالم العربي لا يتعدى ربع صفحة للفرد سنوياً، وهذه كارثة حقيقية فعلاً. النتائج خلصت إليها لجنة شؤون النشر التابعة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر. الغرب أفضل حال نوعاً ما، فالأوروبيون يقرؤون بمعدل 200 ساعة سنويا، أم العرب بمعدل 6 دقائق سنوياً، حسب مؤسسة الفكر العربي، وهذا يوضح لنا مدى الهواة الثقافية والعلمية التي نحن عليها اليوم. لن اقف عند الأسباب التافهة التي تكمن وراء أزمة القراءة بالغة العربية، كمثل منظومة النيتّ السريعة، والشبكة العنكبوتية للمعلومات سهلة المنال، وتحصيل أي شيء يطرأ على البال عن طريق محرك البحث كوكل، لَئِن ذلك غير مجُدي الأن، ولكن سوف اطرح الإشكاليات من وجهة نظر فلسفية منطقية، تخص بالأكثر الأعصاب والمُخ، وتطور علم الدماغ، عبر الرحلة الأولى للإنسان العاقل، هذا الانسان المعروف بـ(هومو إرجاستر)، الذي عاش قبل 1.6 مليون وستمائة سنة، والذي صنع الأدوات وكان صياداً بارعاً، كما تظهر عظامه، حيثُ كان عدّاء ماهراً، قادراً بفضل سرعته الفائقة على منافسة الرياضيين الأولمبيين المعاصرين. ولكن ال (هومو سابينس)، هو أهمْ من الاول بكثير في هذا البحث، حيثُ مرَّ بمراحل عديدة وتطورات كثيرة أنثروبولوجيا، كان ذلك قبل حوالي 350 ألف سنة مضت وخاصة في أفريقيا، في تلك المناطق الحارة حيث كان الطعام كثير ويفيض عن الحاجة، الأسماك والفواكه والطقس الجيد، والكثير من الغذاء البروتيني الفائض. بكلام أدقّ ما من مسوغ يجعله يعمل ويتعب من أجل تحصيل طعامه. فالأنسان المُنتصب لم يُخصص مساحة كبيرة من دماغه للتحكم باللغة والكلام، أيّ أنّها بيئة جيدة للراحة والكسل والتكاثر، استمرت بضعة آلاف من السنين. كل هذا افرزْ نمط آخر من الوعي، لنقل الوعي البسيط والبدائي. جوهره وهو عدم إجهاد العقل، وعدم إيجاد بدائل للتفكير، والركون إلى الراحة قدر المستطاع، ما دامت الحاجات الأولية من مأكل ومشرب وجنس متوفرة وبكميات تزيد عن الحاجة. كل هذا أعطى ترتيب لمنظومة جديدة لبشر (الهومو سابينس). بعد ذلك بفترات طويلة وحقب مُتعددة جاء إنسان المراحل التالية، تطور وعيه، وتطورت قابلياته ومهاراته بدرجات متفاوتة، وشغل وقت فراغه بمسائل أهم من سابقتها. ولكن ظلت هنالك بقايا ذلك الإنسان القديم موجودة في تلافيفْ عقولنا إلى اليوم، منها مثلاً عدم أعمال الفكر والمنطق وتوظيفهم لتوفير أشكال أخرى من التعليم، الركون إلى الراحة ما استطعنا لذلك، الأخذ بالمسلمات بشكل قطعي خاصة فيما يخص الدين، فليس كل ما جاء في الكتب المقدسة هو صحيح لا يقبل الدحض والنقد، فهناك في ثنايا النص الرمز والتفسير وهناك الاستعارة والكناية وهنالك الأسطورة والمجاز والعِبرة من الآية الدينية. اليوم وحسب رأي رئيس تطور الجهاز العصبي الروسي البروفسور سيرغي سافيلييف، أن دماغ الإنسان مكون على نحو لا يجعله راغباً بالعمل والقيام بجهد ما، لذلك لا يعمل إذا كان لديه فائضا من الغذاء والقليل من المعيشة، فحوالي 25٪؜ من طاقة الجسم تذهب للدماغ وعمليات التفكير، وهذا استهلاكٌ كبير بالنسبة للجسم، لا يقبله دائماً إلا في حالات خاصة جداً، وعلى هذا الأساس يقوم الجسم بخفض الطاقة إلى ما دون 9٪؜ وهذا مُعدل مقبول نسبياً ومتفق عليه، بعبارة أصح تَوَاطَأ من نوعاً ما ما بين المُخ والجسم. هذا يكون طبعاً على حِساب تفعيل أنماط التفكير المعقدة كالأبداع كالرسم والقراءة والكتابة والعزف أو تحصيل شهادة عليا…الخ. بشكل أصح يبرز الميل الشديد للكسل عندما تكون هناك دعوة لحفل توقيع كتاب أو ندوة شعرية أو ثلاثاء ثقافي أو أخوية كنيسة، يبرزّ على السطح فوراً جواب، (ما عندي كيول، ما أكَدر أجيّ والله مشغول هوايا، ما عندي وكَت صدق)، والصحيح علمياً ومن منظور فسيولوجي وظائفي إن شعبة الدماغ المسؤولة عن هذا الجانب المعرفي المهم والخطير، تعمل قدر الإمكان على عدم تلبية هذه النداءات الموجه للعقل، والسبب في ذلك هو الحِفاظ على الطاقة، وعدم التفريط به بسهولة. وهذه تكون بمثابة المخدرات الداخلية تعوق البشر عن الإبداع والتقدم والرقيّ بالنفس. طبعاً هذا لا يعني أنه لا وجود لمبدعين ومخترعين وعباقرة وعلماء ومؤلفين وكُتاب وقراء وفنانين، وألاّ كان الطرح ساذج إلى أبعد حدّ، ويقوض أُسس الحضارة وصيرورة التاريخ. لكن القصد هنا هو صعوبة فتحّ نافذة وخط جديد في التفكير المُسبقّ، لأنَّ البدائي الأصلي جهاز وبقياس واحد، يقول لك لا تعمل أخلد للراحة والسكينة، فكوب من القهوة بالحليب الساخن في يوم شتائي مُمطر يجعلك تغيب عن عملك ذلك اليوم. لربما نفس الشيء كان يحدث قبل مليون سنة في ذلك الإنسان الأول، ولكن في سياقات مختلفة وآليات معرفية أخرى، داخل الكهف الدافئ ومعه أنثاه وله من الأعشاب الشيء الكافي، لماذا إذاً يخرج للصيد! أنه شكل غريزي للسلوك، والغريزة كما هو مُثبت علماً موجودة عند الإنسان والحيوان على حد واحد، كالأكل والجنس والزعامة. وكل وهذا نابع من الجهاز الحُوفِيّ خلف المنطقة الصدغية للمخ، المسؤول عن التصرفات الهرمونية والبيولوجية الغريزية للفرد.
وفق ما جاء أعلاه ليس من اليسر والسهولة بمكان تثبيت خاصيات النجاح والإبداع، فهناك جهد مُضني وسهر ليالي وتعب في شقّ طريق النجاح لبلوغ الهدف المنشود، وقطف ثِمار الفوز في نهاية المشور والذي يستمر في أحياناً كثيرة لفترات طويلة دون تعب أو ملل، يذلل الصعاب دون كلل لغاية واحدة أسمه وهي النجاح رغم كل الإحباط المُحيط من حولنا.

39
أدب / نكوصّ نحوَ البدايات
« في: 08:50 05/09/2019  »
نكوص نحوَ البِدايات
بدايات جميلة وطفولة أشدةُ حلاوةٌ من شهدّ النحلْ...
في ذلك الركن الهادئ من البيت القديم
وذلك المصباح الأصفر الباهت وتلك المدفأة الكازية...
دفء المكان ينبعث من الأجساد القريبة
وتتصاعد أبخرة الشاي الأحمر من الأقداح الزجاجية...
وتعبقّ رائحة البيت بذلك العطر الإنساني الحيّ...
جداراً تسري عليه رطوبة الأمطار
ومزاريب تختنق من الغيث المدرار
وأطفالاً يتعلقون بمسبحة الجدّة...
وشموع تضيء المكان في بكاء صامت
وحديثٍ حميمي في كلام عابر...
هذه ذاكرتي وهذه ذاكرتكم وهذه ذاكرة الأرض
بُعداً زمنيْ...
كينونةّ داخل الذات...
ولأن الجزء يُكون الكلّ ستظل الذاكرة تتوقْ للماضي
هذا كان طعم الحياة في أيام الزمن الجميل...
اليوم ماذا تغير فينا
كل شيئاً اصبح جامداً... وتثخنتْ المشاعر وتبلدت الإحساس
طغت المادة على الروح
وتخثرت الدماء في شرايين الحياة...
وبات البصيرُ اعمى...
 الإنسان اليوم تائه في زحمة الحياة... هذا زمن الإستيهامات وزمن التوهم...
وصور ضبابية من ذلك العالم السوريالي...
 تماهت مع الخوف مشاعرنا ...والترقب والقلق باتَ سيد الموقف...
بابً موارب للولوج نحو الماضي
كل هذا ليس غير غبار تذرفه الريحّ في وجه الذاكرة...

40
الخِطاب الديني الجديدّ
النقد هو عبارة عن تقيم لحالة مُعينة، إشكالية ما، سياسة، اجتماعية، دينية، فلسفية، رياضية، ورصداً لكل المتغيرات إيضاً، تصب في النهاية لصالح الفهم الصحيح للأمور وتسليط الضوء على المشكلة المطروحة للنقاش، وإن اشتدّ النقاش وتناقضت الأطراف حولَ المسألة الفُلانية، فهذا لا يهم كثيراً، المهم هو الوصول إلى نتائج مَرْجُوا من الطرح الأساسي، بدون تجريح ولا تقريع، وإلاّ فقد النقد خصوصيته، وباتَ مُناكفات عقيمة دون جدوى تُذكر، وفقدنا معها الأسلوب الأدنى من الكتابة الحقيقية والثقافة الرفيعة والقلم النبيل الذي يُسخره الكاتب لنفع المجتمع وتحقيق غاية أسمى أَلَا وهي تنوير المجتمع وتخليصه من براثن الجهل، والأرتقاء به في سلم الحياة الحرة. ولكن مع كل هذا تغير الشيء الكثير، وباتَ الوعي غير ذلك الوعي الذي كان عليه قَبْلَ خمسة عشر أو عشرين عام المُنصرمة، وأصبح المحظور مُباح وسقف التجاوزات على المراجع الدينية العليا أعلى بكثير من السابق، والتجريح السمة الغالبة في كتابة المقّال، حتى وإنّ كانت دون مضمون يُذكر. من المؤكد أن الكل تغير اليوم، القارئ والكاتب معاً، الجيل الجديدْ والذي بلغ من الذكاء مراحل بات يعي مواقف الغير ويفرِّق بين الغَثّ والسمين.
 الكتابة اليوم بَاتَتْ أسهل من الماضي بكثير، وأصبح لها أسلوب مُغاير عن السابق من الورق المطبوع، جرائد، مجلات، صُحف. اليوم الأمر مختلف كثيراً في الكتابة عبرَ النيتّ والمواقع الإلكترونية. كل شيء باتَ اسرع وبشكل مُذهل، كتابة المقّال ونشره خلال دقائق معدودة، والوصول أليه أيضاً مهما كان الكاتب بعيداً واسمه مجهولاً، مجرد كبسة زرّ على محرك البحث وهو يتولى الأمر بعد إذّ. القص والنسخ والأقتباس والنقل كل هذا صارَ طبيعياً مع المنظومة الرقمية الجديدة، لا رقيب على القلم إلاَّ الضمير هو من يوجه الكُتاب ويُمهد الطريق لهم في طرح افكارهم على الملأ.
لا ضير إذا تجاوز كاتب من السويد أو من الدانمارك أو من العراق على مرجع ديني كبير بحجم البطريرك الكاردينال الكلداني الحالي، فالشجرة المثمرة يقذفها الناس بالحجارة.
لا شكّ إن الكثير قد تغير وأن ثَمة خطاباً جديداً بين العلماني ورجل والدين، وهذا ما استوعبه سيادة البطريرك مار لويس ساكو، مما أفسح المجال لمشاركة العلمانيين في أعمال السينودس القادم ليتوج مرحلة جديدة تنم عن شعور بالمسؤولية أتجاه المؤمنين الكلدان من أجل إيجاد وضعية ومناخ طبيعي للطائفة في ظل هذه المتغيرات الإشكالية مع الوجود والهوية والمسار ذاته في الرهانات الجيودينية إذا جازَ التعبير في وطن مُتعثر كالعراق يحتدم بالتجاذبات على كل الأصعدة، لرسم خارطة جديدة شرط بقاءها وديمومتها هي الرؤى المستقبلية وقراءات حديثة تحمل نفخات من رياح الحداثة تمهيدا لظهور أجيال أكثر وعياً وأقدرّ على حمل المسؤولية.
 يبقى علينا أن نتفهم كل هذا الحراكّ الديني الجديد ونفهم مغزاه الحقيقي وإلى أين يذهب بِنَا.

41
الكلداني الُمِسيء
بقلم/ سلوان ساكو
لم يكن هناك في يوم من الأيام توافق من نوع ما بين المدعو ريان سالم الكلداني والبطريركية الكلدانية ممثلاٌ طبعاً بشخص سيادة البطريرك الحالي ذاته. فمن البداية كان هناك ثمةْ صدّ من جهة غبطة البطريرك، لِمَا يُمثله ريان مَن تجاوُزًا لكل الخطوط الحمراء، والقفز على المرجعيات الدينية المسيحية، وتنصيب نفسه متُحدثاً رسمياً لِعموم الطائفة الكلدانية في العراق. الأزمة ليست بالحديثة ولا وليده اللحظه، فقد بدأت إرهاصاتُها مع بداية السقوط في عام 2003، وما خلفه الأحتلال من فراغ أمني رهيب، هنا برزت أسماء وعنوانين كثيرة، وميليشيات مسلحة، سنية، شيعية، كردية، تركمانية، وتركيبة عجيبة من رجال العصابات المنظمة، أو (المافيات)، تُسيطر على مُقدرات ومفاصل البلد. فكان لابد من ظهور شخصية تتولى زمام أمور المسيحين، أو بمعنى أصدق كما يقول الكلداني هو ذاته حمايتهم من العصابات المسلحة، وهو نفسه عصابة مسلحة، بعد أنهيار الأجهزة الأمنية زمن النظام السابق، أمن، شرطة، مخابرات، استخبارات، حزب. ولكن هنا أحتاج الكلداني لتفويض رسمي من مرجع مسيحي على مستوى عالياً يخوله التحدث بأسم الجماعة بصفة قانونية وشرعية.
 في 7 تموز يوليو سنة 2003 وفي بيروت انتقل البطريرك روفائيل الأول بيداويد الى الأخدار السماوية بعد صراع مرير مع المرض والالم. تولى بعد ذلك سدة البطريركية في المنصور ببغداد مثلث الرحمة مار عمانؤيل الثالث دلّي في نفس العام في الثالث من ديسمبر كانون الأول. الرجل ومن البداية كان مُجهد بسبب تقدمه بالعمر، وبسبب مشاكل صحية ألمّت به. أستغل ريان الكلداني مرض الأخير واستطاع تحصيل كتاب رسمي مختوم من البطريركية الكلدانية يفوضه رسمياً التحدث بعموم مسيحي العراق من الطائفة الكلدانية في الدوائر الرسمية وغير الرسمية منها، تحت أسم الشيخ ريان سالم الكلداني. للوهلة الأولى لم يكن الموضوع ذوّ أهمية كبيرة في ظل الفوضى والخراب والدمار الذي حلَّ بالبلاد، ومع التصفيات الجسدية والأغتيالات والأبتزاز التي طالت ابناء شعبنا من عموم مسيحي العراق، والهجرة خارج الوطن والنزوح داخله، لم يَعّر أحد كبير أهمية (للشيخ لريان)، ولكن المرض كانَ ينموّ  ويستفحل ويمد الجسور الاخطبوطية مع باقي العصابات والميليشيات العاملة في العراق، تحت إشراف إيراني بحتّ، في عمليات القتل والسرقة والأبتزاز، فلاّ يتصور أحد أن ميليشيا ريان الكلداني خارج هذا الأطار، وإلاَّ من إين له كل هذا التمويل وهذه الترسانة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة!. هُنا حصل تحول دراماتيكي غير من المشهد برمته، فقد استقال البطريرك دليّ في عام 2012 وبالتحديد في كانون الأول، تحت تأثير المرض وعدم قدرته على حمل أعباء الطائفة الكلدانية الممزقة والمتشرذمة في عموم البلاد، والفوضى الداخلية التي اصابتها في الصميم. وما المقابلة التي جرت بين البطريرك دليّ رحمه الله من على منبر قناة الجزيرة في عام 2010 بعد مذبحة كنيسة سيدة النجاة بيومين، غير تعبير عن الصورة الضبابية والهواة الواسعة بينه وبين الواقع، والانفصال الكلي عن مجريات الأحداث والوقائع من حوله.
 في 1 شباط من عام 2013  اِعْتَلَى السدة البطريركية الكلدانية من روما سيادة البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو. الأزمات والتحديات والمصاعب واجهت البطريرك الجديد من البداية، وهو بعد على مقعد طائرته متجهاً صوب الوطن. أزمة المهاجرين، النازحين، المؤمنين، التصفيات الجسدية، الكهنة، الأساقفة، هجرة الكفاءات، والإرث الثقيل التي تنوء بحملها الجبال من جميع الأشكال والألوان. هنا ظهرت بوادر الأزمنة  ما بينْ ريان سالم والبطريرك، فقد تمّ إلغاء التوكيل الرسمي وسحب كل الصلاحيات المنوطة لريان بموجب كتاب رسمي جديد يُفند الأول. هذا كان بمثابة إعلان حرب بين الطرفين، ريان وعصابته ودعمه من قِبل رئيس الوزراء وقت ذاك نوري المالكي، وغبطة البطريرك ساكو  وثقله الديني والأجتماعي وما يشكله من آراء ومواقف سياسية ومرجعية كبيرة يُحتذى بها على كل الأصعدة والنواحي. هنا حدث ما لم يكن في الحسبان مرة آخرى، فقد سيطر تنظيم إرهابي على مساحات شاسعة من العراق ودقَّ أبواب بغداد من ناحية الفلوجة في حزيران من عام 2014. فأطُلق النفير العام، والفتوى المشهورة للمرجعية الشيعية العليا في النجف. محافظة الموصل والقرى والبلدات المحيطة بها باتتّ تحت سيوف تنظيم داعش الإرهابي، فأصبح البطريرك الجديد مع هذا الملفّ الشائك والخطير في وضع لا يحسد عليه أبداً، يواجه مصاعب جمةّ ومصيرية تتعلق بشعب بأكمله. هنا وفي خضم هذا الصراع  والاقتتال على أكثر من جبهة ظهرت حركة كتائب بابليون، وهي حركة وقوات يقودها ريان الكلداني نفسه، تأسست في العام الأخير، منضوية تحت لواء الحشد الشعبي ومدعومة بشكل كامل منه من السلاح والمال. مجدداً أصدرت البطريركية الكلدانية بيان تؤكد به أن لا علاقة لها بكتائب بابليون ولا بقائدها ريان الكلداني ولا تمثلها مطلقاً، وأن ممثليها الرسميين هم أعضاء مجلس النواب العراقي فقط. توسعت الهواة بين الأثنين أكثر وصارَ أصلاح ذات البين بين الأطراف مستحيل. ومع بداية المعارك بين تنظيم داعش والقوات العراقية والحشد الشعبي في أكتوبر من عام 2016، اطلق الكلداني تصريحه الناري، حيث قال، (أن المسيحيون سوف يأخذون بالثأر في محافظة نينوى، وسوف تكون معركتنا في محافظة نينوى مصيرية، هم أحفاد يزيد ونحن أحفاد جون ووهب، معركة ستكون مسيحية مع أحفاد يزيد. التاريخ يعيد نفسه). سرعان ما ردّ إعلام البطريركية الكلدانية عبر بيان وتصريح موجز في 15/2/2017 بعنوان: (البطريركية الكلدانية تستنكر تصريحات السيد ريان الكلداني حول الانتقامات من أهالي الموصل). ولكن الكل كان مشغول في حروب تحرير المناطق التي تحت سيطرة داعش والتي انتهت في 10 يوليو من عام 2017، بمشاركة الغطاء الجوي الأمريكي  والجيش العراقي وميليشيات الحشد الشعبي. كان لكتائب ريان بابليون مشاركة ونصيب في المعارك، وأيضا في الأنتهاكات والسرقات التي جرت إبان حروب التحرير. كما سيظهر في التقرير الأمريكي لاحقاً. وما تهمة الشروع بقتل خبيرة التجميل رفيف الياسري، وحُؤُول ابو مهدي المهندس القيادي في الحشد الشعبي دون سريان مجريات التحقيقات مع ريان إلا صورة سوداء في سجل رجل العصابات.
في الأنتخابات البرلماني العراقية الأخيرة عام 2018، فازّت حركة بابليون بمقعد في البرلمان المذكور، بدعم وغطاء شيعي إيراني كامل، بعد أن فقد المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري زخمه بشكل ملحوظ، وضياع بوصلة توجيه الحركة الديمقراطية الآشورية زوعا، وتشتت باقي الأحزاب والحركات السياسية المسيحية، مِمَا أفسح المجال لحركة بابليون في المضي قدماً.
 ظلَ حديث الأتهامات والتخوين هو سيد الموقف، فما كان من ريان الكلداني غير إتهام البطريرك ساكو ببيع املاك عائدة للطائفة، تبين بعد ذلك بطلان الدعوة، وعدم صدقها من الأساس، غير مزاعم كيدية كاذبة وتشويهٍ للرموز الدينية. وجه ريان سالم رسالة مطولة من 6 صفحات، تضمنت حوارا سجاليا غاضبا من 9 نقاط إلى البطريرك الكردينال  مار لويس رفائيل ساكو، تحت عنوان (كتاب مفتوح إلى البطريرك لويس ساكو إلى والد الرعية الكلدانية وراعيه الموقر). نشرت على موقع Ankawa قبل فترة.
مع العقوبات الأمريكية التي طالت ريان سالم وآخرين بتهمة الإرهاب، وإنتهاكات لحقوق الإنسان وتُهم بالفساد، دخلّ الأخير في مرحلة أخرى وتبعات خطيرة، حيث أن هذه الُتهم تتبعها جملة من القرارات، منها تجميد أصول أموال ريان وحركته، عدم دخول الولايات المتحدة الأمريكية، عدم التعامل مع كافة البنوك الغربية. وهكذا أصبحت حركة كتائب بابليون تنظيم إرهابي بين عشية وضحاها، لا تفرق بشيئ عن حزب الله اللبناني، والحرس الثوري الإيراني. اليوم باتَ كل شيء واضح بالنسبة (للشيخ ريان)، من أنتهاكات لحقوق الأنسان،  والاستيلاء على أملاك المسيحين في سهل نينوى دون وجه حقّ، والسطو المسلح على ممتلكات الغير والسرقة.
 سقط الكلداني، وتَعَرَّى من ورقة التين الأخيرة، وبات مكشوفً للعلن. وتبيّن مع مرور الوقت البضاعة الفاسدة التي روج لها، والأستثمار في الأغراض الغير شريفة والغير أخلاقية، ليستكمل ما  بدأه من الأول، ومع هذا نكون في المشهد الأخير والفصل النهائي من المسرحية التراجيدية  لهذا الشخصية الغير سوية والتي أثرت سلباً في المشهد العراقي والمسيحي.

42
أدب / العَرافَةّ
« في: 10:07 16/07/2019  »

العَرَافّة


سلوان ساكو

قولي لي ياعرافتي وتنبئي لي...
قولي لي كما قلتِ لأوديب وكما تنبأتِي لآخيل...
اكتبي لي شيئاً في سفرّ الحياة
وطالعي قدري من أسرار الفَناء
استحضري روح صموئيل كلما دعاكِ شاؤول الملك...
طمَنَيّ كلكامش كما طمأنته سيدوري... وقولي له أن لا يبحث عن العُشّبة... فالذي كان كان....
اقرأي كفَ اسمهان.... وبلغيها عن البيان...
اصغي لنداء الحواس... وقرريّ…
وجَيلي ببصركِ وبصيرتكِ في أركان الزمان…
أيتها العرافة الخالدة هل كل ما يُقال صحيحْ...
أم هو حدسٌ في وقتْ الضّياع
طالعي من الرموز  والطلاسم نجاحاتي ومعاناتي...
وجعلي حجابٌ يحميني من أيامي
قولي لي ياعرافة هل الذي يحدث حدثّ من قبل
أم هي صور في زمنٍ مضى...
ياعرافة هل البوح بالسر  معصية الآلهة
أم هي تزكية وقتل الفراغ..
ياعرافة انتِ من بدأ يقص وانتِ من علمني فك الأسرار
وبتُ لا أنام ألا على لغزٌ جديدْ...
والآن ياعرافة هل نكتفي بما قيل
أم نواصل المسير …
هل نغلق الكُفوفٌ ونسدّ الطريق بمزلاج من فولاذ متين...
أم نَضَل هكذا على الدوام…
لقد شَفِيَت الشَّمسُ وقتُ الأصيل....
وذهبَ كُل الذي قيل ادراج الريح.

 ***

أطلس العالم
 
كُلَّمَا دحرج أطلس الحجر عادَ من جديد إلى نقطة البداية... هل نحن كذلك...
سؤالي....
وكُلَّمَا أنتهتّ بينيلوبي من رتقّ ثوب زوجها يوليسس... يغيبُ من جديدْ في عالم النَسيان... هل نحن كذلك...
وكُلَّمَا رحلَ سندباد إلى عوالم مختلفة بدأ الرحلة من جديد.... هل نحن كذلك...
تقصّ شهرزاد على خَلِيلِها شهريار قصَصَ عديدة... مرجانة.... معروف الإسكافي…جعفر... وكل ما تنتهي من واحدة تبدأ من جديد... هل نحن كذلك...
يقول دانتي... يومان في الجحيم... وأربعة في المطهر... ويوم في الجنة... مكتوب كل هذا في الكوميديا الإلهية... ولكن أيضاً يكتب في سفر آخر ...عن منفاه...وعن حبه الخالد... وعن عذابه المتُجدد... هل كتبنا نحن أسفَار حياتنا…
ياسون يجري  وراء الجزةٌ الذهبية ولكن  الملك أيتس يمنعه... يتعلق قلبه بميديا الرهيبة.... وتتدخل أفروديت... وينجح ياسون ويهربون في سفينة آرغوس..
أصرار ...عزيمة... ثم نجاح...هل حاولنا نحن النهوض من بعد فشل؟...
عرافّ المدينة تيرسياس يقول لأوديب... ما لا يُقال...فتنتحر  يوكاستا... ويفقع عيناه أوديب... لغرورٌ أعمى بصيرته...كم مرة أعمانا الغرور.... في حياتنا!...
هذا أطلس العالم يحمل الكرة الأرضية فوق اكتافه في صعوداً وهبوطٍ أزلي... ونحن كما نحن… كماّ كنا… في كل الأزمنة ... والأوقات.


43
اِنقِسام البيت الكلداني في ملبورن
بقلم / سلوان ساكو
لنترك العنتريات التي لا تنفع جانباً، ونرصدّ الوضع الشاذّ والمُقلق والغير طبيعي، والذي يُنذر على ما يبدو إلى مزيداً من التشظي والفرقة في ولاية ملبورن، والتي هي اليوم في أمس الحاجة إلى اللُحمة والتخندقّ خلف صف واحد، ومجابهة الهجمات الشرسة التي تُشنها التيارات والمذاهب الأخرى على الكنيسة الكاثوليكية برمتها، وتُزعَزعَ البُنيان العام للوحدة المسيحية الجامعة الرسولية، فإلى اليوم قضية الكردينال جورج بيل ماثلة في الأذهان، وأثارها السلبية على الجمعّ المؤمن. لم يعد من المُجدي بِمكان عدمّ النظر إلى الغيمة السوداء التي تَلَبَّدَ سماء ولاية ملبورن الأسترالية، ولا صالح لأحد في عدم النقد والكتابة في صلب الموضوع، وإلاَّ كنا كما النعام نطمر رؤوسنا  في الرمال، بل يجب أن نجابه ونكتب وننتقد، ومن لا يعترف بذلك أنما يُحاول تجاوز الواقع بكل تعقيداته، أو يكون ضيق الأفق أو قصير النظر،  فهذا ينذر بالشرِّ أو يُلقي ظِلالاً من الشكّ دون أدنى ريبّ، حتى وإنَ هذا لم يعجب البعض، وهذا هو الصحيح والصحي، لنفسح أذِن المجال للنقد العام، والنقدّ البناء، لنكون على دراية بمجريات الأمور، على الأقل، بدلاً من تجاهلها، فقد كشفت الأحداث الأخيرة تصدع كبير في جدار الأبرشية، والأرض الرخوة التي تقف عليها الخورنة.
إذا تركنا قليلاً الجزئيات ونظرنا إلى الكليات يصبح أمامنا مشهدين؛ الأول لشاب يافع في مقتبل العُمر، يصبح كاهناً على يدّ مطران غير مُعترف به، وقس متقاعد، وقس موقوف عن العمل الرعوي. لو كان الأمر طبيعي لرسمه ومن ثم عَيَنَهْ وسمّاه مطران الأبرشية الأصلي، أي مطران أبرشية استراليا
نيوزيلندا للكلدان، لماذا كل هذا اللف والدوران الفارغ من الأساس. صحيح هنالك إرهاص وحديث عن كنيسة الوحدة أو ما شابه ذلك، ولكن التساؤل التأملي هُنَا، وهذا حقَّ الجميع على ما أظن، إينَ سوف يخدم الكاهن الجديد؟، وتحتّ أيَّ خورنة أو أبرشية ينضوي، وعلى أيةّ مرجعية يكون، سريان كلدان أرثدوكس بروتستانت، أَم يكون هنالك بوادر لظهور كنيسة جديدة، من يعرف من ما يخبئه المستقبل. فالنصاب على ما هو عليه اليوم  مكتُمل، مطران+ ثلاثة كهنة، وهذه هي الهيكلية العامة لأية كنيسة في العالم؛ أما الشعب المؤيد للجناح الجديد فموجود في كل الأزمان والأوقات. فحركة الإصلاح الدّيني في أوروبا على يد الراهب الألماني مارتن لوثر بدأت بنشر أطروحاته الـخمس والتسعين الشهيرة على باب كنيسة فيتنبرغ، في ولاية سكسونيا بألمانيا، بتاريخ 31 أكتوبر 1517،  حيث ندَّدَ ببعض ممارسات الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت، كبيع صكوك الغفران، وغيره. كانت أطروحة أو أصلاح أو فكرة تفتقت في رأس الراهب الثوري، لتكن ثورة، أو حركة سلبية، أو إيجابية، سمها ما شئت، لا تهم التسمية كثيراً اليوم، بدأت بشخص واحد وآلِت في النهاية لمذهب كامل مُتكامل، ومجموعة عقائد جديدة، وبين هذا وذلك أُزهقت ألاف الأرواح عبثاً، من خلال سلسلة من عمليات القتل الوحشي الغير مُبرر  والتي استمرت من خلال ثماني حروب متتالية، خلّفت وراءها ما يربو على 2 مليون قتيل،  وكانت أكثرها بشاعةٌ وعُنف ما عُرف بمذبحة سان بارتولوميو في فرنسا زمن الملك شارل التاسع. هذا كان ثمنْ الإصلاح اللوثري!. إذا كان هذا الاحتمال الأخير موغلاً في التشاؤم، إلا أن الرهان الوحيد اليوم في حل الأشكالية هو الاعتماد على الشفافية بطرق منطقية في جوّ من الحوار المفتوح، ومن الأفضل في هذه المرحلة الحرجة التعلم من تجارب ودروس الماضي والاستفادة منها، نعم وصحيح يوجد هناك في كل عصر وزمان عمى ديني، ولكن لنتجاوز ذلك اليوم لمصلحة الجميع، ومصلحة الكنيسة الكاثوليكية، والكلدانية أيضاً. فالذي يحدث للمؤمنين الكلدان في امريكا وارتماءهم في أحضان الكنائس الإنجيلية ليس بالقليل، وهذا موضوع ذوَّ شجون  لنتركه الأن. 
 المشهد الثاني، والذي هو مشهد واحد بالمناسبة ضمن الإطار العام للصورة، كاهن خورنة مريم العذراء حافظة الزروع (المتقاعد) في ملبورن، وبعدَ خدمة ناهزت الخمسين عام أو أكثر، قضاها في خدمة الجالية أينما حل بحب وتفاني، وعلى مدار هذه السنوات الطِوال؛ ومع تقدم العمر به، بلغّ سنْ التقاعد الكنسي، والذي يكون عادة فوق الخامسة والسبيعين من العمر، فأحيل للتقاعد كالعادة وهذا شيء طبيعي جداً،ً لئن من يبلغ هذا العمر يجب أن يخلد للراحة والسكينة مع تقدم العمر بالشخص، وهذا القانون ينطبق على الكُهان والأساقفة، حتى قداسة الحبر الروماني الجليل  البابا السابق بندكتوس السادس عشر  إحُيل نفسه للتقاعد، بعد أن رأى أنه مُتعب، فهو في النهاية إنسان من دم ولحم، وإن كان قانون التقاعد لا يشمله، ويحمل أمتياز العصمة البابوية، قانون سنة 1870، فأنه أفسح المجال لغيره عن طيب خاطر. وقد ارتأت الكنيسة من بداياتها تقريبا أن تفسح المجال للأجيال الجديدة لضخّ مزيداً من الدماء في شرايين الكنيسة. لأن التجدد يعني الحياة، والسكون يعني الموت، وهذا أيضاً جزءاً من قانون الطبيعة الذي نحن مُلزمين به دون أدنى شكْ، والذي يكون ساريّ المفعول على الجميع دون أستثناء، وألاَ من السذاجة أنّ يدعي السبعيني أنه بقوة وطاقة العشريني، أو يقول الثمانيني أنا بجُهد الثلاثيني ورديفاً له. وهنُا تكمن تقسيمات الطبيعة، ليس من اليوم ولكن منذُ الأزل، حتى الكواكب والنجوم والأقمار والأرض التي نعيش عليها لها بداية ولها نهاية مهما طالّ الزمان،واليوم  الشمس في منتصف عمرها من مرحلة تسمى النسق الأساسي من بدايتها إلى نهايتها عمرها حوالي 10 مليار سنة، والباقي هو 5 مليار سنة ثم التلاشي والفراغ، وهذا جزءا من النظام الكوني الذي نحن جزء لا يتجزأ منه، بالعودة للكاهن الذي لم يتقبل قرار التقاعد وسار بخلاف النظام والقانون الكوني أصدر كتاب يُحمَل فيه المسؤولية لأنه لم يصبح مطراناً، أيّ لم يرسمونه أسقفاً، يَحُمَل تبعات هذا الأمر  على وعود من العلمانيين ليس لهم لا ناقة ولا جّمل بكل هذه الموضوع الخاصة بالسينودس الكنسي فقط، بكل بساطة. متناسيا إنّ خدمة الكنيسة الكاثوليكية الجامعة ليست لا بالمطران ولا حتى بالبطريرك، هذه درجات أسقفية، صحيح هي مهمة وضرورية، ولكن هنالك الخدمة الرعوية النابعة من تَلافِيفُ القلب، والنيةّ الحسنة، والكلمة الصادقة، والجملة المُعبرة، والموعظة الحسنة، والروح التواقة لمعونة الناس، وخدمة الفقير،  والقفزّ على الماديات والأرضيات منها والأرتفاع والأرتقاء فوق كل ما يربط الانسان بهذه الأرض الفانية، وإلا ماذا ينفع قول المعلم (مملكتي ليست من هذا العالم. لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود. ولكن الآن ليست مملكتي من هنا)" (يو18: 33-36). وهنا يظهر لنا بشكل جلي تفاهة وفناء هذا العالم. ( يا غبي في  هذِهِ  الليلةِ  تُسْتَرَدُّ  نفسُكَ  مِنكَ . فلِمَن  يكونُ  ما  أَعدَدْتهُ  فهذا  يكونُ  مصيرُ  مَنْ  يكنِزُ  لنفسِهِ  ولا  يغتَني  عِندَ  الله).  لوقا.
في النهاية اليوم الكنيسة الكلدانية ليست بحاجة لمزيد من الأنقسامات والتوترات التي لن تفضي ألاّ لمزيداً من التشكك والأنقسام على البيت الواحد، والعزوف عن حضور  الكنيسة، ورتماء المؤمنين في أحضان كنائس آخرى، فإذا كانَّ ثمة صراع فلاَ بد أن ينعكس على الجمعّ، وهذه هي طبيعة الأشياء مع الأسف. ( الراعي الصالح يعرف خرافه ويدعو كل خروف باسمه ويسير امام خرافه ليقودها الى المراعي الخصبة (مز 23)…الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَدْخُلُ إِلَى حَظِيرَةِ الْخِرَافِ مِنْ غَيْرِ بَابِهَا فَيَتَسَلَّقُ إِلَيْهَا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، هُوَ سَارِقٌ وَلِصٌّ. أَمَّا الَّذِي يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ فَهُوَ رَاعِي الْخِرَافِ،  وَالْبَوَّابُ يَفْتَحُ لَهُ، وَالْخِرَافُ تُصْغِي إِلَى صَوْتِهِ، فَيُنَادِي خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ كُلَّ وَاحِدٍ بِاسْمِهِ، وَيَقُودُهَا إِلَى خَارِجِ الْحَظِيرَةِ. وَمَتَى أَخْرَجَهَا كُلَّهَا، يَسِيرُ أَمَامَهَا وَهِيَ تَتْبَعُهُ، لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَهُ. وَهِيَ لَا تَتْبَعُ مَنْ كَانَ غَرِيباً، بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ) يوحنا.
ليس الإشكال في الذي يحصل اليوم، ولكن ما سوف يحدث في المستقبل. الأكيد من يفعل ذلك أنه يتجاوز المرجعية دون أدن ريب. ومن الواضح أنّ ليس من أحد يريد تَأزيم الأمور أكثر ولكن المسألة إلى أيّ صيغة سوف تؤول أليه في النهاية.

44
ضمن الفعاليات الآدبية والثقافية التي ترفد ولاية مالبورن الأسترالية، قامَ الكاتب سلوان ساكو بتوقيع روايته الموسومة ( رقصة الحب الأخيرة)، وذلك يوم الثلاثاء الموافق 25/6/2019، في قاعة الأميراج، وقد أدار الجلسة الأستاذ إلياس منصور والأستاذ ممتاز ساكو، وقد حضر حفل التوقيع نخبة من المثقفين ورجال الفكر في الولاية.

45
الكلداني اللامنتمي
بقلم/ سلوان ساكو
تتعاطى شريحة كبيرة من المسيحيين الكلدان مع مفاهيم وتعاليم الديّن المسيحي بسطحية أكبر، لا بل بات المفهوم الحقيقي للمذهب الكاثوليكي  Catholic doctrine، يقبعْ تحتَ طبقة سميكة من عدم الفهم، وصار عزل المفردة ذاتها هو الأساس في عدم الأقتناع وعدم التناسق في طرح الكلام، فأصبح هنالك هوة واسعة بين المؤمنين وبين تعاليم الكنيسة الكاثوليكية لا يمكن ردمها بسهولة دون التعاطي مع الموضوع بجدية أكبر وفهم أوسع تحتة مظلة الحوار والفهم السليم للقضايا الكبرى، من هنا فقط علينا أن ننطلق نحوَ مدارات أرحب وفضاءات أوسع فيِمَا يخص المتون الأساسية، فالعقل هو الجوهر وما هيته التفكير. ومما لا جدال فيه بأنه تنقصنا اليوم عدّة مفاهيم ذات قدرات تفسيرية للنصوص الدينية وقراءات مُعمقة للمطارحات الفكرية التي تُقدم مراجعات نقدية هادفة، الغاية منها هو الفهم الصحيح. فقد كان القديس توما الإكويني هو أول من دعا للعودة إلى العقلانية الإغريقية والأخذ بنظرية المعرفة الأرسطية ذات النزعة الواقعية بشكل مباشر.   
المسيحية ليستْ دينْ طقوس وواجبات فقط، وهذا مهم بطبيعة الحال، بل هيَ إيضا دين فهمّ ومنطق، لاهوت، وهو علم دراسة الإلهيات دراسة منطقية، وناسوت الطبيعة البشرية للسيد المسيح. وقد يلاحظ المُتبصر العميق للأمور التراجع التدريجي الفكري الحاد القائم على المثيوس ( الأسطورة ) لصالح اللوغوس أيَّ ( العقل) فهو المسؤول عن المعرفة والوعي والتمييز .  الكثير منا اليوم يجهلون الأسس الأولية التي ترتكز عليها العقيدة المسيحية؛ وتعنى ما عقد الإنسانُ عليه قلبه جازماً به من الأفكار والمبادئ والإيمان، فالعقيدة هي حقائق إيمانية ظاهرة أو ضمنية في الوحي الإلهي، (كلمة الله، المكتوبة أو المنقولة). وهي تستند إلى سلطة الله الموحي (الإيمان الإلهي)، والكنيسة تضمن من خلال تعريفها بأنها موجودة في الوحي الإلهي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، عقيدة المطهر purgatory، في رتمّ الكنيسة الكاثوليكية هي تُحسب عقيدة، أم في المذهب الأرثوذكسي فتحسب نظرية لاهوتية فقط، أم في المذهب البروتستانتي فأنها بدعة. والمطهر حالة تمرّ فيها أنفسُ الموتى في مرحلة تطهير للحصول على القداسة اللازمة من أجل الدخول إلى مجد السماء‪. ‬إنّها الفرصة الأخيرة التي يمنحها الله للبشر لينضمّوا في شِركةٍ كاملة معه. فالمطهر إذًا هو الأهتداء الأخير بعد الموت، أو بشكل أدق مكان ثالث لا هو السماء ولا هو جهنم تذهب إليه أرواح الموتى الذين فعلوا خيرا وشرا واقترفوا هفوات وخطايا لم يتطهروا منها في حياتهم الدنيا تطهيرا كاملاً. فأذا علينا الفهم فيما يخص عقائدنا وليس فقط الذهاب يوم الأحد الى الكنيسة في قداس الساعة الثانية عشر ظهراً والخروج فرحين، دون وعي، الموضوع أعمق من ذلك بكثير. واليوم بات على كل شخص منتمي للكنيسة الكاثوليكية أن يعيّ معنى العقائد، العصمة البابوية، الحبل بلا دنس، الأستحالة، الثالوث الأقدس، سر التجسد، الخ. فهذا عصر الفهم والعقل والمعلومة السهلة لمن أراد الوصل إليها بدون استثناء، وهذا يتأتى كنتيجة للتحولات الكبيرة في نمط المعيشة فقد أصبحت علاقتنا بالمعرفة علاقة لا قراءة ولا معرفة ينتج عنها طبيعياً مزيداً التشويش الفكري. نقول ذلك لأنه أصبح هنالك وهنّ وتراخي في الفهم العام، وفي أبسط الأمور، لا بل وصلت الأحوال فينا أن البعض لم يعد يفرق بين المطران والبطريرك والكنيسة والكاتدرائية!، وهذا إيضا يتحمل جزءاً منه رجل الدين في نشر التوعية بين صفوف المؤمنين، حتى وأن كانت خلال الخمسة عشر دقيقة، وهي فترة موعظة يوم الأحد، وهذا أضعف الإيمان. الوقوف في وجهّ الجهل هو القوة وهو المِتراس الذي يصدّ الهجمات التي تشنها التيارات الأخرى ضدّ الكَثْلَكَة. اليوم يجب خلق حوارات مفتوحة بغية تسهيل وصول الكلمة، من خلال مقال أو محاضرة أو ندوة، المهم هو تعريف الجموع. وهكذا نكون قد قدمنا شيئاً للجيل الحالي والأجيال القادمة، فالمكتوب والمسجل لا يُمحى ابداً. العليل يذهب إلى الطبيب، والمأزوم يُراجع حكيم، والمريض يبحث عن الدواء، وهذا عين الصواب، لأن تشخيص المرض هو أول العلاج.


المصادر :-
موقع أليثيا الإلكتروني
رسالة بالرجاء مخلصون _ البابا بندكتس السادس عشر
القاموس النقدي للاهوت - جان يافس لاكوست
التأملات في الفلسفة الأولى- رينيه ديكارت - ترجمه عثمان أمين
الخلاصة اللاهوتية القديس توما الأكويني- ترجمة الخوري بولس عواد 

46
أدب / أغَلالُ الأيَام
« في: 12:02 06/06/2019  »

أغَلالُ الأيَام


سلوان ساكو

تتعاقب الأيام واليوم هو  ذات الأمس...
ونحن سائرون في نفس الطريق دون تغير...
نحاول مراراً وتكراراً قتل المللّ وقهر الوجع
ولكن لا نحصدْ غير الفشل... حيوات تذهب وآخرى تأتي ونحنُ نحنْ... غروب ومن بعده شروق وشرق ومن بعده غروب.... محطة في أثر محطة والقطار يُعجل من سيره الأزلي على قضبان الزمن... ناس صاعدة وأخرى نازلة كل يوم دون تغير... رحل النهار وجاء الليل يسدل أستاره بخجل.... أصابع بطاطا مقلية تسقط من يدّ طفل.... امرأة مسنه تتوكأ على عصا... شاب يتحدثّ بالهاتف.... شيخ عجوز يمشي بخطًى وئيدة...فتاة تبحث عن دكتور تجميل.... رجل يغفو على المقعد... لصّ ينتظر فرصة للسرقة... شرطيٌ متأهبٌ للأنقضاضْ... جابيِ تذاكر يُريد الوصول للبيت بعد يوم مُملْ... آلاف المفردات في الحياة تذكرنا أننا أحياء... وأنها تسير دون اكتراث لأحد.
                                                                 ***
في البدء         
فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ ... ومن الكلمة أنبثق كلْ شيء وصارَ كلُ شيء... من حرفٍ سطر الأنسان سفرَ الحياة والحب والألم.... وأيضا... الرغبات والجنس... والمَحَظور والمكشوف... تركت الكلمات أحافيراً عميقة في أخاديد الزمن... وجعلت من حُبرها السري بصمةٌ في دواةٌ البوح ... من الكلمات ما يشفي ومنها ما يجرح ومنها ما يقتل ومنها ما يحُيي...مَكْتُوبٌ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ.... يقول المُعلم... الكلمات نَهَراً جارفْ وروافداً عذبةْ وشلالات تصبْ في بحر السنوات... الكلمات تاريخ يسطره الأبطال والرعَاعَ... وروايةٌ يَكتُبها الرواة... إنها البداية والنهاية الحياة والموت الغابة والصحراء سَديمُ الليل وقَبسَ النهار ... الوجود والعدم... أنها سارتر وبوذا... الوصايا العشرة ونشيد الأناشيد.

47
                                 دَعَوة
ضمن الفعاليات والنشاطات الأدبية والثقافية التي ترفد ولاية ملبورن الأسترالية....
يتشرف السيد سلوان ساكو بدعوتكم لحضور حفل توقيع كتابه الجديد
رقصّة الحُب الأخيرةْ (رواية). وذلك في قاعة   Mirage الأميراج  صالة  Sunrise على العنوان التالي Hume Highway Somerton 210. يوم الثلاثاء الموافق 25/6/2019 في تمام الساعة 7 مساءا.
                  حضوركم يسعدنا ويشرفنا
       
                للاستفسار الاتصال على الرقم
                0413377466 سلوان ساكو

48
 خروقات أمنية فاضحة   
بقلم/ سلوان ساكو
لمْ يُخطئ الأرهابي خالد الخياط كثيراً حين قال في إفادته للمحققين الأسترالين، إنّ لنا مؤيدين يعملون في المطارات، وأنصار موظفين على أجهزة تفتيش الحقائب، وعناصر مندسينّ في الأجهزة الأمنية المختلفة. الأخوة خالد وعامر الخياط الموقوف في لبنان الان، حيث كان الأول أيّ خالداً، يحمل قنبلة مخفية على شكل مفرمة لحم إلى متن الطائرة، التي كانت متجهة من سيدني إلى أبوظبي، وعلى متنها 400 شخص من بينهم 120 لبنانياً. ولقد تم كشف المتفجرات في أستراليا، خلال تفتيش حقيبة يد hand bag متضخمة، وتحوي وزنًا زائدًا، مِما لفتتّ الأنتباه، فسارعت السلطات في المطار إلى رفضت مرور الحقيبة، وألغى سفر الراكب، وتبين بعد ذلك أن الحقيبة كانت تحتوي على متفجرات شديدة الخطورة. هذا تم من خلال التنسيق الأمني بين استراليا ولبنان، هذا ما صرح به نهاد المشنوق، وزير الداخلية اللبناني.
في مقلب آخر من هذه الأرض المترعة بالكوارث والنكبات، والمفعمة بالدمار والقتل وسفكّ الدماء، لم تعبأ سريلانكا بتبليغات نيودلهي حول تفجيرات الفصحْ الاخيرة، فلقد حاولت الهند مراراً وتكراراً أن تلفت أنتباه كولومبو إلى أن عمليات أرهابية كبيرة  يُحضر لها من قبل مجموعات إسلامية في الداخل، تعمل بشكل علني على الأراضي السريلانكية، ولكن الاخيرة تعاطت مع هذه التحذيرات بكثير من البيروقراطية وعدم المبالاة، إلى أن وقعت الحوادث في عيد القيامة الأخير، والذي ذهبَ ضحيتها ما يربو على 300 شخص وإصابة ما لا يقل عن 500 اخرين. العقل المدبر لهذه التفجيرات الضخمة هو الأصولي (زهران هاشم) العضو الفعال في جماعة التوحيد والجهاد، أضف على ذَلِك هو إمام مسجد في العاصمة، وله العديد من الخطب العصماء على اليوتيوب والإنترنت، يُحرض المسلمين على قتل المسيحين، والغير مسلمين، وعدم الالتزام بالقوانين السريلانكية وعدم الوقوف تحت علم البلاد مستعيناً بمجموعته الآثمة في تحقيق مآربه.
الكثير من الحالات ما كانت تقع لولا تقصير الأجهزة الأمنية والأستخبارات في الدول المعنية، وهذا خطإ فادح تقوم به، حيث يذهب ضحيته مع الأسف الأبرياء والعُزل. ولمواجهت هكذا نوع من الإرهاب يتطلب قوة وحزم ويدّ من حديد، تضرب كل من تسوَّل له نفسه أن يعبث بأمن الشارع، وتخريب العيش السلمي المشترك للمواطنين على ذات الآرض، وهذا يتطلب خبرة ودراية في الجهدّ الأمني وجمع المعلومات عن الأفراد الذين هم تحت دائرة الرقابة، وتكثيف العمليات الاستباقية للأوكار والمساجد التي صارت  ارض خصبة وبيئة حاضنة لشتى أنواع الإرهاب والإرهابين، قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة ويتبع ذلك عمليات ارهابية تشهدها الكنائس ودور العبادة، خاصة بعد الخطاب الاخير للبغدادي. وهذا ليس له علاقة بالديموقراطية أو حقوق الانسان أو قمع الحريات حتى، بل يأتي في سياق الحفاظ على أمن وسلامة واستقرار المواطنين في العواصم الآمنة.   

49
ما يخصّ الأستراليون
بقلم/ سلوان ساكو 
نقترب يومياً من الأنتخابات التشريعية الفيدرالية البرلمانية للحكومة الأسترالية، في 18 أيار مايو من هذا العام. الحزبين الرئسيين المتنافسين هم كالعادة حزب الأحرار  Liberal  Party، وحزب العمال And the Labor Party. على الأستحواذ على أغلبية المقاعد في كانبيرا وتشكيل الكابينة الوزارية. سوف تكون المنافسة على أشُدها بين الأول، أي الأحرار بقيادة سكوت موريسون Scott John Morrison زعيم الائتلاف الحكومي الأن، وزعيم المعارضة العمالية بل شورتن BILL SHORTEN. سوف يتنافسان على مقاعد البرلمان الأسترالي ال 150، وبالتالي قيادة الحكومة ضمن أطار الدولة الأمة State Nation، مع تشكيلة صغيرة من الأحزاب، الخضر، أمة واحدة...الخ. المهم هو كيفية فهمّ سياسة الأحزاب الكبيرة، العمال والأحرار، والتي سوف تمسك بزمام السلطة بعد التاريخ الأخير. بالصيغْة الحالية ووفق الوقت الحاضر ومع التغيرات الكبيرة التي طرأت على الوعي الفردي العام فقدت الأحزاب اليسارية زخمها في الشارع بشكل عام، خاصة بعد تفكك المنظومة الأشتراكية في الأتحاد السوفيتي السابق عام 1991، وباتَ الحديث عن حقوق البروليتاريا والفلاحين والطبقة العاملة والشيوعية العالمية والأممية الرابعة أو اختها الخامسة التي دعا لها تشافيز  وقتها مجرد أضغاث أحلام لا غير، حتى الجيل الأحمر من الرفاق القدماء ذهب مع الريح دون عودة. والماركسية ذاتها لم تعدّ موجودة غير في الجامعات وأقسام الدراسات السياسية والتفكير الفلسفي والمنطقي فقط، بمعنى أدق أنها لم تعد موجودة في حديث الطبقة الفلاحية والعمال الكادحين، ومن المستحيل أن تجد اليوم عامل شاب يعمل في مصنع أو معمل يتحدث في فترة استراحته، Break time، عن فائض القيمة، واغتراب العامل، والقيمة المتبادلة، وظروف العمل القاسية التي أوجدتها المجتمعات الرأسماليّة، ووسائل الإنتاج، وأشتراكية السوق، كل هذا وغيره لم يعد مطروحاً اليوم، لأنه وببساط كلام عميق ونهج فلسفي دقيق ولا يتأتى إلا عن طريق قراءات كثيرة ومُعمقة، لكتب مثل، رأس المال، أو البيان الشيوعي، أو العمل المأجور ورأس المال، الإيديولجية الألمانية، والكثير من أمهات الكتب والمجلدات الضخمة والتي كانت متداولة في القرن الماضي. الجميع اليوم يفضل السرعة، في الأكل، في الأفكار، في السياقة، في الأتصالات، في المواصلات، في كل شيء بات هنالك سرعة فائقة، حتى التواصل والحديث مع الآخر بات صعباً في ظل الأجهزة الشخصية المحمولة، لم يعد وارد مطلقاً الرجوع إلى أفكار الخمسينيات والستينيات، كل هذا ذهب مع ذلك العصر، كل عصر له روحه، كما يقول هيجل. حزب الأحرار أو الليبراليون الجدد حسب السياق التاريخي، هم أكثر انفتاح وتقدم على الأفكار الحداثية العصرية، مبادئهم الأجتماعية واضحة المعالم، سهلة المنال إن تعاملوا معها بصدق وجدية، وليس كلام فارغ في موسم الأنتخابات فقط، وقرع على طبول المصالح. يقول جان لوك المؤسس الفعلي لليبرالية، بأن لكل أنسان الحق الطبيعي في الحياة والحريّة والتملك. يتبنى الليبراليون مجموعة من الآراء مثل، حرية التعبير، حرية الصحافة، الحرية الدينية، التعامل مع السوق الحر، الحقوق المدنية، المجتمعات الديمقراطية والحكومات العلمانية  بطيفها الواسع. حتى بالنسبة للدين، المسيحية، الاسلام، اليهود، وغيرهم الهندوس البوذا، الليبرالية تقف على مسافة واحدة من الجميع، وهذا يحفظ كرامة الدين والعمل في الحقل السياسي في ذات الوقت، بعيدا عن النفاق والتزلف، التي تمارسه أحزاب العمال والعمل واليسار الطفولي في هذا الوقت، مثل جاسيندا أرديرن.
الأنتخابات على الأبواب ويجب على الناخب الأسترالي التحلي بالحكمة والمعرفة لكي يعرف كيف يدلي بصوته في صندوق الأقتراع، فصوت واحد يؤثر على مجمل الأصوات في النتيجة النهائية، فلا يدعي أحداً حاصل على الجنسية الأسترالية أنه غير معني بهذه الأنتخابات، الكل معني والجميع مسؤول عن مستقبل وتطور هذا البلد، الذي لم يعدّ لن مأوى أخر دونه.
 في النهاية لم يكن يتوقع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أو حزبه في يوم، أنه سوف يخسر بلدية أنقرة وإسطنبول، ولكن الناخب التركي قال كلمته النهائية بعد تردي الأوضاع الاقتصادية وإنهيار الليرة التركية، وبدأ الأنحصار والتراجع لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا ملحوظ للجميع.

50
لن تتوقف المذابح في ظل هذه النصوص
بقلم/ سلوان ساكو
في الشهر العاشرّ من عام 1995، أقبلَ رجلٌ يُغطي الشيبّ رأسه بتجاه مقر الحزب( حزب البعث)، وطلب مقابلة أمين السر الفرقة، والذي يكون عادة بدرجة عضو شعبة، بعد هُنَيْهَةً قصيرة خرج  الرجل من الغرفة وذهب، على الفور أستدعى المسؤول كل الرفاق الحاضرين، وطلب منهم مراقبة بيت هذا الرجل المسنّ من الساعة الثانية عشر ليلاً وحتى بزوغ الفجر، استغرب الحاضرين من هذا الأمر، فهذه العائلة معروفة في المنطقة وقديمة، ومسيحية مسالمة تحظى باحترام أهل الحيّ وساكنيه، فجاوبهم هذا المسؤول أن بيت الرجل تعرض للرشق مرتين خلال أسبوع، مرة بالطماطة، والثانية بالحجارة، مما أدى لكسر زجاج بيته وسيارته البرازيلي. بعد مراقبة مخارج ومداخل الحيّ على مدار أربعة  ليالي، تم أخيراً  إلقاء القبض على شخصان ثالثهم قُيضَ له الهرب، بعد جلبهم الى مقر الحزب اعترفا أنهم هم من كان يضرب بيت  داؤد المسيحي، والسبب في ذلك كان نصرة أهل الأسلام والمسلمين في حرب البوسة والهرسك والكروات والصرب. بعد ذاك تبين أنهم مجموعة من خلية كانت تخطط لفعل المزيد.
حين سُئل منفذ مجزرة مسجدي النور ولينوود في كرايست تشيرتش في نيوزيلندا، المتشدد الإرهابي بيرنتون هاريسون تارانت والذي تسبب في مقتل 50 شخصا وإصابة 50 آخرين عن الدافع وراء الجريمتين قال، (أنا أكمل ما بدأه أندريس بيهرينغ بريفيك)، وهذا الأخير هو يميني نرويجي متطرف، إرتكب هجمات النرويج في عام 2011 والذي ذهب ضحيتها 76 قتيل بينهم الكثير من الأطفال. وبرر  بيرينغ برييفيك الذي يلقب نفسه  (قائد فرسان الحق) فعلته حينها  (أنه عمل وقائي ضد خونة هذا الوطن).
لا تجلب الأفكار  الراديكالية الأصولية  المتشددة أو السلفية المتطرفة غير  الأفكار المصبوغة بأوحال نتنة هدامة تكون بمثابة إرهاص أولي لعمل إرهابي لا يلبث أن يؤول في النهاية إلى فعل تدميري يؤدي إلى قتل أُناس أبرياء، لا ناقة لهم ولا جملّ في كل ما يحدث في المطبخ السياسي والديني، والذي يتلاعب به أساطين رجال السياسة والدين. ولكن هذه الأفكار التدميرية لها ما يبررها لمن يُريد توظفها في سياقها الديني المُسياس، وخاصة النص المؤول والذي تجدّ دائماً من يُكرس له قلمه في تأجيج الصراع وزرع بذور الفتنة وتكفير  الأخر وأستثارة النوازع الحيوانية في أنسان كَلِيم بالأساس، فيجد المتطرف والمتشدد فرصة في هذا النصّ وذلك الكتاب من تبريرات في مصادرة حق الآخرين في العيشْ، دير ياسين، مجزرة نيوزيلندا، المذابح الفضيعة في سيرلانكا، كل هذه تجليات لشئ واحد هو تأويل مختلف للنصوص الدينية، خاصة أذا كان النص ذاته يتحمل هذا التأويل، فيخرج من سياقه وتاريخ كتابته، ومضامين طرحه الأساسية، ويُركب في مشهد آخر خارج  السياق التاريخي للحدث ويوظف خطئاً للحاضر، فيصبح هذا النص قنبلة موقوتة لا تحتاج غير سحب الصاعق لتنفجر في أية ساعة مع أقتناع تام أن الذي يفعل هذا العمل أنما يقترب من، الله، الرب، يهوه، فالإرهاب والقتل واحد وأن تعددت الصور. لم يأخذ كتاب مكتوبً بالغة العربية في هذا المجال كما أخذ كتاب ‫الجهاد الفريضة الغائبة، حيث يعد هو الأساس الفكري الأول لتنظيم الجهاد في العالم العربي والأسلامي وبنيانه ولبناته الأولى، ‬وهو باكورة الأفكار الجهادية التكفيرية، ضم في دفتي الكتاب كل أقوال العلماء التي يستدل بها أهل الجهاد ليخرج الكاتب بخلاصة تتناسب ومقاييس الفكر الجهادي‫. الكتاب تأليف الشيخ المهندس محمد عبد السلام فرج، والذي أعدم في 1982 في قضية اغتيال السادات حيث ‬تأثر هو نفسه بكتابات سيد قطب وأبو الأعلى المودودي، وابن تيمية.‫ الكتاب يقع في 32 صفحة من الحجم المتوسط، ولكن وقعها كبير على من يجد في نفسه ‬مُسَوِّغٌ‫ للجهاد. جاء في المقدمة ما يلي ( والذي لا شك فيه هو أن طواغيت الارض لن تزول إلابقوة السيف ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم، ص2 ط 81 )، الكتاب متوفر بشكل كبير في المكتبات، أو حتى على النيت PDF وهو غير محضور لا في مصر ولا غيرها. بعدة فترة من صدور  الفريضة الغائبة ردّ الدكتور فرج فودة بكتاب أسماه الحقيقة الغائبة، ‬قامت فكرة الكتاب على ما اعتبره فودة خطايا للحكم شهدتها فترات الخلافة الراشدة والأموية والعباسية، وتقديمها حقائق غائبة سعى الإسلاميون إلى إخفائها عن الناس والأكتفاء بتقديم الوجه المشرق لتلك الفترات، كما خلص إلى أن الإسلام دين لا دولة، والشريعة وسيلة لا غاية،‫ على وقع هذا السجِال وهذه الأفكار المثيرة للجدل والخطيرة  تم أغتياله عام 1992. ‬
‫التعقل والتبصر في القراءات لأيَّ موضوع كان سواءً ديني أو سياسي أو فلسفي أو أجتماعي، يتطلب عقلاً نقدياً جدلياً مركباً، حتى وإن أصطبغ بصبغة ماركسية ديالكتيكية جدلية لا مشكلة، فمع هذا تستقيم الحالة المطروحة للنقاش، أما أن يتم قراءة موضوع ما أو نص ديني من زاوية واحدة فقط ويتم الأخذ بها فهذا عين الخطر بذاته‬، الآيات القرأنية التي تأُخذ بمعزل عن سياقها التاريخي والأجتماعي  وظرف وجودها وتفسر تفسيراً خاصاً بعيداً عن روح ذلك العصر تكون بمثابة بلاءً على الأمة والشعوب‫. من هذا المنطلق يجب تغير طرق التفكير   وتعميق المدارك وطرح أفكاراً جديدة، بحيث تكون هي الدافع في خلق وعياً جديداً وتيارات ليبراليا تحاكي قيمة الأنسان ذاته، بغض النظر عن الدين أو القومية او المذهب أو العرق. إن لم يكون هنالك تغير في مُجمل القراءات السطحية للنص الديني  سوف نشهد الكثير  من المذابح والمجازر  والتفجيرات والقتل باسم الدين، ولن نتمكن من تخطي هذه العتبة الدامية بعد ذلك ابداً، وفي سبيل ذلك تسيل أنهاراً  غزيرة من الدماء البريئه، لأن الوصول إلى ذلك يكون سهل في ظل هذه النصوص التكفيرية الجاهزة للأستخدام في كل زمان ومكان. ‬

51
المنبر الحر / الكاهنّ القاتل
« في: 07:54 12/04/2019  »
الكاهن القاتل
بقلم/ سلوان ساكو
(بعد أن زارني يوحنا بولس الثاني في السجن، فكّرت في الأمر ودرست الإنجيل مطوّلاً، وها أنا الآن أعرف الكتب المقدّسة أفضل من كثيرين آخرين. فإن رحّب بي البابا، سأصبح كاهناً وأحتفل بالقداس إن أرادني أن أفعل).     محمد علي آغا، 17 تموز 2017.
كان العام 1981 وفي الثالث عشر من أيار، تاريخ غير عادي بالنسبة لقداسة الحبر الروماني الأعظم البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، مع القدر مرسوم على يدّ القاتل التركي محمد علي آغا، البالغ حينها من العمر 23 عام،  حيث عالج البابا بأربع أطلاقات قاتلة من مسدسه في ساحة القديس بطرس بدولة الفاتيكان. استقرت الرصاصات في الأمعاء الغليظة والأمعاء الدقيقة وقد نقل البابا إلى مشفى الفاتيكان، ثم إلى مستشفى جيميلي في روما بعد أن فقد كمية كبيرة من الدم. كان ذاكّ اليوم، أي يوم عملية الأغتيال، ذاته هو يوم عيد سيّدة فاطيما في البرتغال. علامات إستفهام كثيرة، دارت حول الشخص، من جنده، من دفعه إلى القيام  بعملية أغتيال أرفع شخصية مسيحية كاثوليكية في العالم، لِحسَاب من يعمل، من وظفه، من دعمه، والكثير من الأسئلة المحيرة، بانَّ جزء منها والآخر ظل طي الكتمان والنسيان حيث يحيط بذلك سرية شديدة لم ينجح أحدٌ في تبديده إلى الأن. وهذا ما فتح باباً أمام الخيال لينسج روايات عدة. صحيح إنْ علي صرح فيما بعد قائلاً،( أن الدافع وراء عملية اغتيال البابا هو بإيعاز من المخابرات السوڤييتية، لدور البابا في دعم تنظيم“سوليديرتي”البولندي المناهض للشيوعية). ولكن ظلت إلى اليوم الكثير من الأسئلة بدون أجوبة. تغيرت حياة علي آغا جذرياً حينما زاره البابا الراحل  يوحنا بولس الثاني في السجن بعدما  قبضت عليه السلطات الإيطالية وحكم عليه بالسجن المؤبد، منذ عام 1981. وأعلن في قرار مثير للجدل في حينها  أنه قد سامحه، حيث قال( ما تحدثنا عنه يجب أن يبقى سرًا بيني وبينه، تحدثت معه باعتباره شقيق، وقد عفوت له ولي كامل الثقة في ذلك). عشرين دقيقة فقط كانت كفيلة بتغير كل شيئ للأبد. ظل علي قابع في السجن الإيطالي حتى حلول عام 2000، بعدها أطلق سراحه لِيُحاكم في تركيا  عشر سنوات أخرى لقتله الصحفي التركي عبدي ابكجي رئيس تحرير صحيفة ميليت. وفي عام 2010 اطلق سراحه. طالب حينما كان في السجن بالجنسية البولندية التي هي جنسية البابا، ولكن لم يقبل طلبه. تقول بعض المصادر أنه  اعتنقَ علي آغا الكاثوليكية، بعدما قال أنه رأى اهتمام البابا بوالدته وإخوته وسؤاله عنهم. أهو مجنون أم عاقل الجواب صعبّ، ولكن يبدو أن الرجل تغير خلال فترة الثلاثين سنة الاخيرة، حتى أنه صرح قائلاً،( اريد العودة ليوم واحد فقط الى روما والصلاة على قبر يوحنا بولس الثاني لأعبر له عن امتناني الشديد لصفحه عني). وهذا ما فعله لاحقاً.  أملٌ يتسرب إلى نفسٍ ضاقت بالكرب واليأس لقاتل مأجور تسلسل الندم أليه وبات ضميره  يؤنبه.
سواء كانت هذه التصريحات صحيحة أم خاطئة، فمن المؤكد أن الرجل تغير، أو تغير مفهومه على الأقل نحو أخيه الأنسان، أيّ أنسان كان، وأثرتّ عليه الزيارة البابوية التاريخية والروحية في السجن إلى الأبد.
أهم شيء يمكن أن يفعله المرء أو يدركه في حياته هو أن يصبح الأنسان الفرد مسؤولاً عن نفسه وتقرير مصيره وصناعة اتجاهاته التي يراها مناسبة له وللأخرين، دون مصادرة حقوقهم وحياتهم، تنبع تلك الأفكار من مكانا قصيا في ذاته ونفسه، تتجلى على أشكال عدة، تتراءى له في رؤيا أو رسالة أو خطاب معين من شخص مجهول، أو على أي شكل كان، المهم هو فكَ الشيفرة الموجه. كان قول المعلم عظيم  وحكيم حين قال، ( اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ).
في النهاية، ربُما تكون معظم الأشياء والأكثر أهمية منها أنّ تأتي بعد تجربة مريرة ومؤلمة وصعبة، أيَّ لابد من التجربة والمعاناة لنتعلم منها، وأخذ العبرة من وحيها.

52
حركة المجتمع وأزمة المهاجرين
بقلم/ سلوان ساكو
أحد أكثر الأسئلة ألحاحاً وحرجاً وإثارة في الوقت الراهن والتي تدور رَحَاهَا اليوم وبشكل خاص من داخل حركة المجتمع المتنقل، أيَّ المهاجرين الجُددْ الغير مستقرين من ناحية القيمّ الفكرية والعادات الأجتماعية، حيث أرُيد في هذا المقال أن أفكّ طلاسم كل هذا التشابك بقدر الإمكان  فيما يتعلق إذا كان لكل هذا منطق ثابت تتمحور حوله، أو قيمّ ثابتة لها سيميائية ذاتها مع الفرع الأصل أو البلد الأم القادم منه المهاجر الى البلد الجديد، أو أنها متذبذبة غير مستقرة في مكان.خاصة أن الصدام بين الجيل الجديد والقديم داخل المشهد الواحد شهد عدة انفجارات في المرحلة الأخيرة
 كشف عن الفجوة المردومةرْدُومٌ تَحْتَ التُّرَابِ  بين الاحتياجات الواسعة ك
 في كل حقل من حقول المعرفة هنالك وعي أبستمولوجي معرفي بروح المرحلة، بمعنى أدق حين كنا في العراق كان هنالك ظرف ووضع إجتماعي وحياة تنبع من صميم الواقع تطلبتها روح تلك المرحلة سواء كانت سلبية أو إيجابية لا يهم ذلك، هذه المرحلة لا تنطبق بأيّ شكل من الأشكال مع أي مرحلة بعدها أو قبلها، وهذا كله لا يتأتى ولا يُفهم ألا عن طريق التفكير  وأسلوب طرح الأفكار وجودياً، أيّ فلسفياً. عصرنا هذا هو عصر الاكتشافات بدون منازع، وأهم شيء هو أكتشاف الأنا أي الذات الفعالة الواعية الراغبة في التعلم، إلى جانب ذلك، ما تم إكتشفه من الفرص والخيارات الشيء الكثير، وإن كثيراً مما كان يفرض فرضا صار اليوم موضع خيار، وإن وجود حتميات وضغوط وخيارات كثيرة تلزمنا باللجوء إلى التفكير السليم حتى لا نصل إلى طُرق مسدودة لا تحمد عقباها. من المؤكد أن تغيرات جوهرية طرأت على العائلة العراقية المهجرةّ أو المُهاجرة، وأن هنالك ثمة حقائق مأساوية مع الأسف تميل بطبيعة الحال الى النكوص تواجه شريحة لا بأس بها في المجتمع، أزدياد نسبة الطلاق، العنف الأسري، الخيانة الزوجية، تعاطي المخدرات، أدمان على الكحول والقمار، كل هذا يقودنا بالضرورة إلى فرزّ مستويات أخرى من الوعي والذي يعطي تغيرات بنمط العيش والسلوك والأخلاق للفرد باعتباره  جزءا من الجماعة والواحد يؤثر على الكل، الشاب الذي يتعاطى المخدرات يؤثر على الوالدين بالضرورة، والأب المُدمن على القِمار والكحول لابد أن ينهار أساس بيته في النهاية وأن أخذ وقتً طويل، الزوجة التي سِئمت من زوجها وراحت تبحث عن شاب يصغرها بسنوات تُعوض به ما فاتها من عمر تهدم كل بُنْيَان أسري مَّرْصُوص مُشيد منذُ أعوام، سوف نطلق عليها تسمية مشاكل العصر . في الفترة الأخيرة أزدادت وتيرة تلك المشاكل ومن جميع الزواية، الحياتية، الأسرية، حتى الدينية، خفة أواصر العلاقات الأجتماعية بشكل ملحوظ، وباتَ التذمر يصدر من الكل، ربّ الأسرة، العامل، رجل الدين، صاحب العمل، حتى من لا عمل له ويعيش على مساعدات الحكومة يتذمر، مع العلم حين كان في العراق وكان في ذمةّ العوز  والحاجة لا يصدر منه أي تذمر ويرضى بما هو موجود، الأم الأب الكل يتذمر ويشكي، بسبب  منطقي ووجيه في مرات كثيرة،  وبدون سبب في كثير من الأحيان، مجرد مشاكل بسيطة وعادية تتواجد وتدور مع وفي حركة المجتمع، سرعان ما تتحول لنار مستعرة تأكل الجميع.
في البلد الأم، كانت هنالك قيم وأخلاق وعادات وتقاليد متوازية في خط أفقي وعمودي مع المجتمع المحيط بِنَا، وهذه التشكيلة تستمد شرعيتها من جملة قوانين وتشريعات منصوص عليها، ويعمل الناس وفقها ويستمدون أيضا قوتهم منها، الدين هنا عامل مهم في تشريع القوانين. كل هذا تغير مع التغيرات الجيوسياسية التي طرأت على البلد الأم أو المركز، فانتقلنا من مكان دائم الى محطة وقتية، على أمل الأستقرار في بلد ثالث يكون المحطة النهائية والأخيرة من سفر ترحالنا الطويل، وهنالك نبدأ حياة سعيدة ورغيدة حسب أمانينا والحلم الوردي الذي يداعب مخيلتنا، محاولين تناسي كل ذلك الإرث من القيم والعدات والأخلاق المعلقة على كهولنا كالنيرّ الثقيل، نحاول قدر المُستطاع التخلص من تلك المرحلة، متناسين أن هنالك في تفكيرنا فجوة كبيرة من اللاوعي ومخزون معبأ من الذكريات لا يمكن ردمها بسهولة، وأننا موسومين بروح تلك المرحلة القديمة التي نهلنا من مُعينها في وطننا الأم ولا يمكن تجاوزها بسهولة أبدا لكونها مترسخة في اللاشعور، وهنا نسقط في مطبّ أخر دون أن نعلم، وهو أن لكل جيل من الأجيال له هويته وخصائصه وقيمه وأخلاقه، ونحن حين أنتقلنا من البلد الأصلي العراق،  وأَحَطْنَا الترحال في دولة ثانية قبل المحطة النهائية، ولتكن سوريا أو الأردن أو تركيا مثلاً، قد خلفنا وراءنا سنوات قد تصل الى عشرة  سنين أو اكثر،  تشكلت بها مرحلة تكوين الصبي أو الشابة الذين انتقلوا إليها وهم صِغار بعد، فتبلورت لديهم أفكار وقيمّ جديدة متماهية مع الوضعية الراهنة غير تلك التي كانت لوالديهم في البلد القديم، فيظهر  لدينا هنا الأغتراب أو التباعد بين الآباء والبنين، ولنقول قطيعة إبستمولوجيا، وهذه تكون بمثابة إرهاصات أولية للإشكالية التي ما تلبث أن تزداد مع الأنتقال الى المرحلة الاخيرة والمحطة النهائية، أستراليا، كندا، أمريكا، أوروبا. هنُالك التعرجات ودروبّ الحياة الموغلة في الفردانية وتقديس الذوات من ناحية، والمادية والنظام الرأس مالي وضغوطات الحياة ومتطلبات العائلة التي ما تنفك أن تزداد يوماً بعد أخر من ناحية آخرى لابد وأن تخلق صيغ جديدة من الوعي والإدراك والفهم، هنا وبهذه المحطة الحساسة أستوجب خلق أدوات جديدة أيضا في التعامل ومساحة أوفر للإدراك لردم الهوة بين الأجيال وفهم فكرة تعاقب العصور عبر التاريخ. فعصر الزراعة مثلاً خلق أستقرار نسبي لدى القبيلة البدائية، وهو أنتظار المحصود وقِطاف الثمرات، مما أعطى فرصة للبقاء والمكوث في ذات الأرض، بمعنى الأنتماء للمكان، موسم بعد آخر في تعاقب أزلي مع حركة الطبيعة، صيرورة خالدة،  هذه الطبيعة كانت رحيمة في أحيان وفي أحيان ثانية كانت قاسية على الناس، فيضانات، سيول، أمطار، بردّ قارس، قَيْظٌ شَدِيدٌ، كل هذا أستدعة بدوره لمفهوم الإله الحامي المحتجب أمون، من المخاطر والكوارث والتضحية من أجله، فبرزت فكرة القرابين وطقوس تقديمها، فظهرت فئة من الناس عليها هذا العاتق فبرز صفة الكاهن، جمع كُهان، وهؤلاء توجب عليهم إبتكار لغة خاصة بهم لا يفهمها العوام من الناس فكانت لغة المعابد ورموزها، ومكان خاص للتعبد وتقديم القربان وطقوسه، كل هذا لإرضاء الآلهة، والتي بدورها سوف ترضى عن الأنسان وتحميه من الكوارث والأمراض، ومنطقة الهلال الخصيب كانت مترع خصب لهذه الممارسات والطقوس على طول حقبّ زمنية طويلة. حقبات من دوران الحضارة تغير فيها وعي الفرد ووعيّ الجماعة فكانت الديانات الإبراهيمية الثلاثة وهكذا دواليك. يقول الفيلسوف الألماني هيجل في هذا الصددْ، أما من ناحية ثانية فإن التاريخ الحقيقي للانسان لا يبدأ الا مع ظهور الوعي، إذ أن الفكر الأسطوري للمجتمعات، ينتمي الى ما قبل التاريخ الانساني .لذلك كان انفصال الانسان عن الطبيعة هو نقطة بدء التاريخ ” الدراسة الفلسفية للتاريخ تعني إذن، دراسة التاريخ من خلال الفكر، لأن التاريخ هو تاريخ الانسان و الفكر جوهري بالنسبة اليه، فهو الخاصية التي تميزه عن الحيوان ” ( هيجل،العقل في التاريخ، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، ط 3 2007.ص 41). من هنا نسطيع أن نفهم التفاوت بين الجيل والآخر على مبدأ التعاقب مع الأخذ بروح العصر وتغير المرحلة التاريخية التي تُعاقب هذا العصر. فما كان ينفع في الماضي لا يصلحْ الان، وما يصلح الأن لا ينفع في سياق الماضي، من هذا نقدر أن نقول أن ثمة مشكلة في الفهم العام وعدم إستيعاب الجيل الجديد وفقّ منظوره هو لا من زاوية الآباء والأمهات الذين لم يقدروا أن يواكبوا روح المرحلة التي مرَّ ويمرْ منها الأبناء. ما أهمية هذه الأسئلة بخصوص حركة المجتمع والناس والمهاجرين والغاية من ورائه الأن؟ هي ببساطة تساعدنا في معرفة مكاننا، إنه يعكس مساراً لفهم احوال الناس والتعامل بتعقل مع الجيل الحالي والقادم وفق رؤى منفتحة والتعاطي معهم بتبصر ودراية وحكمة تحمل معها روح المرحلة، لتفادي قدر الإمكان التصادم والتشنج بين الأجيال، والتقليل قدر المسُتطاع من الحرب المستعيرة اوراها بين الآباء والابناء والتخفيف في ذات الوقت من على كاهل الوالدين الذين ما فتئوا يحملون وزرَّ أبنائهم في الدخول والخروج من البيت ليل نهار. كل هذا مطلوب اليوم أن نضعه تحت مجهر حياتنا، فلا أحد مُحصن من المشاكل المُحدقة بنِا، فالشرور لا بد أن تأتي ولكن الويل من تأتي على يده. يجب أن نُعيد صياغة مفاهيمنا من جديد تحت تفكير أنساني والذي هو أول الأبجديات في قاموس التفكير الراقي، وهو تفكير رحبّ رفيع يسعْ الكل، يعلو على جميع صنوف التفكير، إنه يرتقي بصاحبه إلى وعي أعلى، وتطوير الجنس البشري ضمن حركة تناغمية ترتبط بمجتمع متنوع الثقافات والأعراق كأستراليا على سبيل المثال. في غضونها يتبلور إدراك الإنسان المثقف ويتعامل بتأني ودُربةَّ  وحكمة مع المشكلة، ويواجه دروب الحياة الوعرة وهو متسلح بأفكار تنويرية يستثمرها لصالح بيته ومجتمعه، ويصير الأب صديق الأبن، والأم رفيقة أبنتها، ويملأن الفراغات التي قد تولدها  المناكفات والمماحكات والمجاكرات في البيت الواحد، ورويداً رويداً تخف الأزمات والصراعات المنزلية وتتلاشى بسعة الصدر وتفاهم الجميع في نهاية المطاف. 

53
هل تستحقّ الموصل مطرانها الجديدْ.
فعلَّ حسناً سيادة البطريرك الكاردينال مار لويس روفائيل الأول ساكو، بطريرك الكلدان، حينا عين الأب نجيب موسى الدومنيكاني، مطرانا للموصل وتوابعها، وصولاً لعقرة والزيبار. وهذا شيئاً جيد ومَثْنِيٌّ عليه سلفاً، خاصة بعد الإنهاك الذي شهدته المحافظة في وقت تنظيم الدولة الإسلامي داعش وقبل داعش حتى، فلاَ يَحْسَبَنَّ احد أن وصول داعش إلى الموصل والمكوث بها زهاء ثلاثة أعوام ونيفْ، جاء عن طريق الصدفة ونظرية المؤامرة، وهذا موضوع أعتقد أني عالجته في مقال حينها. سيادة المطران مار ميخائيل نجيب، مطران أبرشية الموصل وعقرة للكلدان، شخصية معروفة في الأوساط الموصلية، ليس فقط على صعيد الديني والكنسي، بل أيضاً كان له حضور قوي وبارز على المشهد الثقافي للمدينة، حيث أتذكر أنه افتتح قاعة كبيرة لحتضان الفعاليات الثقافية، من عروض لرسوم ولوحات فنية، وعقد ندوات تثقيفية، وطبع كتب تعتني بشتى المجالات، في كنيسة الساعة للأباء الدومينيكان اللاتين في الساحل الأيمن من المدينة. وكل هذا جاء لتأكيد على دور المسيحيين وريادتهم في المجال الأنساني والثقافي والعيش المشترك. حصل هذا طبعاً قبل الأحتلال، وأيضاً كان له دوراً بارز في أنقاذ الكنيسة ذاتها من السقوط بفعل المياه الجوفية ( النزيزّ) الذي بدأ يأكلها من تحت، بعد أن تعثر على أجهزة الدولة وشعبها الهندسية أنقاذها من الهلاك. ويضاً كان لسيادته دور فعال في نقل أمهات الكتب الثمينة والنادرة إلى مناطق آمنة قبل أن تقع بيد عناصر داعش، وكان له بصمة وحضور لافت في ترسيخ قيم التعايش والتسامح، وتضميد جراح ضحايا حرب داعش من المهجرين والنازحين، ويَقْتَضِي كل هذا جهوداً مضنية وإيمان حقيقي برسالة السيد المسيح، وقيمْ الحقّ والتضحية، وبذل الذات من أجل الأخرين. ولكن في سياق ثاني ضمن ذات الإطار لمدينة الموصل بالذات، وهذا السؤال لربما  يراود الكثيرين، هل هناك أمل حقيقي في أستعادة المدينة لوضعها الطبيعي كالسابق. فكما يعرف الجميع، لم يعدْ هنالك تواجد مسيحي ألا لِمَاماً،  وهذه حقيقة لا يغفل عنها احد. الحديث عن عودة المكون المسيحي ميئوس منه، فالموصل الأن مُفرغة من أهلها الأصلين، أيَّ ( المواصلة الأقحَاحْ ) المسلمين والمسيحين على حدّاً سواء، فهؤلاء جُلهمّ حملة شهادات وأغنياء، المسلم توجه إلى دول الخليج المجاورة، أو إلى المملكة المتحدة، والمسيحي هاجر أمَّ إلى السويد أو كندا أو أمريكا، الباقين في الداخل على كثرتهم همّ عرب القرى المجاورة للموصل، وهنا تكمن مشكلة المدينة الأزلية، والتي كرسها بشكلها الواسع وأعطاها شرعية ونفوذ كبير صدام حسين وحزب البعث، حيث ومن أعوام  السبعينيات نقل من هو في درجة عضو فرقة وصاعداً من الريف إلى المدينة، فأصبح لهم مقرات حزبية، ومكاتب فخمة، وسلطة واسعة في دولة البعث، ثم كرت السبحة، وتعاظم عددهم في تزايد مستمر إلى أصبحت مشكلة يصعب حلها. هؤلاء وغيرهم كان لهم دور سلبي فيما بعد وعلى المدى الطويل، تجلت في النهاية بظهور تنظيم الدولة الإرهابي وبسط سيطرته على كامل مدينة الموصل في حزيران/يونيو عام 2014 من هذا الخليط القروي الجاهل والبائس. طبعاً هذا لم ينتهي بتحرير المدينة ولن ينتهي حتماً، فالمسلسل طويل، وفصوله عديدة، لربما نحن في المشهد الثاني أو الثالث منه. مع كل هذا الطيف الهلامي والمُتذبذب على مسرح الأحداث نسأل، كيف للمسيحي أن يعيش في وسط هذه الغابة، القانون الوحيد الذي يحكم الجميع هي الفوضى، الدمار  والخراب منتشر في جميع الأطراف، هل بمقدور المطران أو حتى غبطة البطريرك فعل شيئ مع معاول الهدم الكثيرة التي تواجههم باستمرار وكل ساعة، هل يتسنىَّ للأسقف الجديد تصليح وإعادة إعمار ما هدمه الأوغاد، فالبناء يأخذ وقتً طويل بعكس الهدم، وحتى لو تمّ أحياء وإعادة بناء الكنائس والأديرة، فأين الناس التي تؤم هذه الدور. العودة إلى ما كان عليه الوضع في السابق صعب أن لم يكن مستحيل، مع هذا الأنفلات الأمني، وغياب كلي لحضور وتواجد الدولة، وجيوب داعش الموجودة في المدينة بعد، والمؤيدين والمناصرين لهم إلى حدّ الأن. المسألة ليست في إعادة البناء والإعمار، مكمنْ المشكلة  في الجوهر، هو نوعية الوعيّ الذي تتعامل معه، والعقلية ذاتها، ومن أيّ فكرة لمعدن قُدتْ، هذا يجب أن يأخذ بالحسبان. إن لم تتغير عقول أهل المدينة ويتركون ورائهم فكرة الخلافة السخيفة والإسلام السياسي والأحزاب الأسلامية التي تذر بذور الحقد والكراهية والشر، لا ينفع شيئ مع الإصلاحات، وكل الجهود تذهب هَبَاءً مَّنثُورًا دون طائل. يجب بذل جهوداً جبارة من أجل خلق  صورة مغايرة للماضي الرديئ العفنّ، وغرز شتلات لعقلية منفتحة على الآخر، وتوظيفها في سُبل تعزيز التعايش السلمي بين كل المكونات الموجودة، وهنا يكمن دور رجال الدين من جميع الطوائف والديانات والمذاهب، وبعده يأتي دور الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، بعد ذلك دور المواطن ذاته في نبذّ خطاب الكراهية والعنف والحقد حتى وأن صدرت من مئذنة جامع، إن لم تخلعّ الموصل حلتها القديمة وأسمالها البالية وترتدي آخرى جديدة لا ينفع معها بداية جديدة، هنا سوف تتشكل اللبنات الأولى في بناء مدينة عصرية حديثة تستحق مطرانا جديد. 

54
هل طُعنَ الكاردينال في الظهرْ
بقلم/ سلوان ساكو
أنقسمَّ الشارع الأسترالي بين مؤيد ورافض لتداعيات قضية  الأسقف الكاردينال جورج بيل كمَا لم ينقسم من قبل. وقد كتبتُ في مقال سابق ملابسات الواقعة الكبيرة، والفجوة التي أحدثها زلزال الإدانة بحق الأسقف. ولستُ هنا في محل الدفاع عن بيل، فقد قُضِيَ الْأَمْرُ، وحصل ما حصل، وإلى أن تثبتْ محكمة الأستئناف العكس، وهذا لربما يتطلب مجهوداً مُضاعف من البداية لصياغة قرار ينفي الأول، والصادر بحق المتهم، وهو ممكن ولكن ليس سهلاً، يجب أن يتحلى المرء  بحسن الظن، ويضع الأمور في نصابها كما يجب، فالموضوع ليس سهلاً كما يظن البعض.
تتداول قضية أو لنقل (فضيحة) الكاردينال جورج بيل في الكثير من الأمكان، التلفزيون، الراديو، الفيس بوك، العمل، المحطات الفضائية، والقاسم الوحيد المشترك بينهم هو عدم الأتفاق على رأي واحد، هل هو مُدان أم بريء؟، هل المحكمة أنصفته أم ظلمته؟، هل هو فعلاً مُعتدي على أطفال صِغار، أمّ هي أتهامات باطلة لفُقت له لأنه وقف ضد زواج المثليين Gay، وتشريع جملة قوانين خاصة بهم؟. والسؤال الأهم والأخطر  من كل هذا، هل هيئة المحلفين Jury كانت مع الحق Right أم كانت مع العدل  justice، والفرق كبير بينهم؟، أمّ هي مارست حقها القانوني فقط، وبمسؤولية أتجاه الشعب والمدعين بالحق المدني!. أسئلة كثيرة ومتعددة تدور في هذا الفلك. لو تمعنّ المتابع لهذه الحادثة، لتلمس بسهولة أصابع هيئة المحلفين على الملف، وترجيحهم ميزان العدالة لكفة الخصوم فثبتت الإدانة القاطعة، وهنا مفتاح القضية. تتشكل هيئة المحلفين في الدول التي تعمل بهذا النمطْ من طبقات الشعب لتشارك في البتّ في القضايا الكبيرة، تتكون من 6 أو 8  أو 12 شخص، حسب نوع القضية وخطورتها، ولا يشترط بهم أن يكونوا من خلفيات قضائية أو حتى قانونية، بل العكس هو صحيح، أيَّ أن يكونوا من العوام، عامة الناس. بدأت فكرة إشراك ا لمواطنين فى تحديد جرم أو براءة المتهم منذ العصور الوسطى فى إنجلترا. فى القرى، حيث كانت تجتمع المحاكم الدورية التى يرأسها قاضي متجول، يزور القرية أو البلدة مرتين فى السنة، و يكون جميع المتهمين جاهزين للمحاكمة، و نظرا لأن المجتمع كان محدوداً، و الكل يعرف الكل، فقد كان من المطلوب من أهل القرية أن يحضروا المحاكمة، ثم يقوم القاضى بسؤالهم عن مدى صحة ما يقول المدعى، و ما يقول المتهم دفاعا عن نفسه، و على ضوء ما يسمعه القاضي، يتحدد الحكم في النهاية. ولكن هنا القاضي يتأثر ضمنياً بقرار المحلفين، وإلا ما الداعي لحضورهم من الأساس وجلوسهم في قاعة المحكمة، إذنَ لهم صوت مسموع ومؤثر، وهذا سيف ذو حدين، فهؤلاء في النهاية بشر، وغير مؤهلين في البت في القضايا الكبيرة، وعلاوة على ذلك همُ غير دارسين في الحقوق والقانون، يتأثرون بالإعلام والصحافة وأراء الناس.   
في كل الأحوال إدين جورج  بيل، والجميع ينتظر قرار محكمة الأستئناف بفارغ الصبر. الأسقف يبدو للناظر  متحليا بالبصر ورباطة الجأش، متحكماً في أقواله منضبط الأفعال. في النهاية لا وجود لأي منطق في حصر القضية في زاوية معينة واحدة، بحيث يبدو الحكم مُطلق ألهي منُزل، تشوه سمعة الرجل المسنْ بعد خدمة طويلة.
 تظل الإجابة على حزمة الأسئلة المطروحة للتداول صعبة بمكان، والحيرة والغموض يلفّ القضية برمتها، والسؤال الأصعب هل الكاردينال مذنب حقاً، وكيف كان يُقيم الذبيحة الألهية ويديه ملطخة بهذا العمل، كيف كان يستمع لعترافات واسرار المؤمنين، الأجوبة صعبة حقاً، وأسئله تتناسل من أخرى.
 في ظل المتغيرات التي تستجد من حين لآخر. سوف تتغير قناعات الكثيرين بدون شكّ بعد صدور حكم الأستئناف والبت بشكل قطعي بها.

55
الكاردينال في قفصْ الأتهام
يقبعْ الأن خلف القضبان في سجن إنفرادي في ولاية فيكتوريا الأسترالية ثالث رجل حسبّ الترتيب الكَنسي الفاتيكاني، وأول رجل في هرم الكنيسة الكاثوليكية في أستراليا الكاردينال جورج بلّ 77 عام، بتهمة التحرش الجنسي على قاصرين، في سنوات 1996- 1997. الدعوة بين الجاني والمجني عليه أخذت وقتً طويل في أروقة المحاكم، والقضاء أستنفذ كل السبل للتوصل للحقيقة من شهود نفي إلى شهود عيان إلى تحقيقات مطولة ومتفرعة أنهكت الجميع وعلى رأسهم الرجل المسنْ الذي ذهبَ إلى المحكمة عشرات المرات خلال السنوات الستْ الماضية، والتي صدر الحكم في النهاية سلبي أيَّ مذنب guilty. كانت صدمة للجميع، وواقعة لها الأثر البالغ في النفوس لمَا يتمتع به الأسقف من ثقافة وغزارة في العلم واحترام وشجاعة ونبل في قول الآراء وطرحها، ومدافع شرس ضد الاعتداءات الجنسية داخل الكنيسة. التعاطي مع هذه القضية ليس بالأمر الهين، خاصة اذا ما عرفنا مكانة الرجل الدينة على مدى عقود وسنوات طويلة تناهز الخمسين عام من العمل والتفاني في خدمة كنيسته ودينه وعقيدته والْتِزَاماتِهِ أتجاه الناس في جميع الأبرشيات والخورنات التي خدم به، كل هذا وغيره جاء على لسان أبناء رعيته، وقربه في ذات الوقت من المركز  الإعلى للكنسية الكاثوليكية في روما، وتبوئه منصب وزارة الخزانة، وترشحه لمنصب البابا؛كل هذا يعطي تحذيرات ومؤشرات للتعامل مع هذه الواقعة الخطيرة بصبر ودراية بحيثيات المُعطى ذاته.
المتابع لملف القضية الشائك والمعقد سوف يلاحظ مجموعة من الثغرات في صلب الموضوع، ففي العام الماضي عقدت جلستان لمحاكمة الكاردينال بيل، وفشلت، لأن هيئة المحلفين الأول لم تتوصل إلى دليل إدانة. وترجع وقائع القضية  إلى عام 1996، حيث كان بيل مطرانا في كاتدرائية ملبورن، وارتكب حسب الأدعاء العام انتهاكات بحق طفلين، يبلغان في ذلك الحين 13 عاما، وذلك عقب قداس في الكنيسة، حسبما علمت محكمة "كاونتي كورت"، في ولاية فيكتوريا الأسترالية؟ السؤال المطروح هنا لماذا لم تُثار القضية في ذلك الوقت؟ وظل المفعول به كما يُقال متوارياً عن الأنظار الى هذا الوقت، أمَ الضحية الثاني فقد مات عام 2014، بسبب جرعة زائدة من المخدرات. والسؤال الأكثر ألحاحاً الأن هو كيف توصلت هيئة المحلفين لدليل أدانة قاطع بهذا الشكل بعد مرور كل هذا الوقت؟. ولكن في أتجاه معاكس أخر يجب أن يُقال في هذا المقام، يعرف العالم أجمع مدى نزاهة ودقة القضاء الأسترالي، وهذا ما جاء على لسان المتحدث باسم الكرسي الرسولي الساندرو جيسوتي، حيث قال أن الفاتيكان "يحترم" النظام القضائي الاسترالي في أعقاب "الأنباء المؤلمة" عن إدانة الكاردينال. وهذا ما أكده رئيس الوزراء سكوت موريسون عن شعوره "بالصدمة العميقة" لإدانة بيل، مضيفا أن النظام القضائي أثبت ان لا احد فوق القانون في أستراليا. وإيضاً رئيس الوزراء الأسبق توني آبد أدلا بدلوه حين قال، من يجلس مع الكاردينال بيل يشعر أنه في عالم أخر. سوف تظل هذه القضية مثار جدل  ونقاش طويلين، وسوف تنتج عنها ردودّ افعال كثيرة بين مؤيد ورافض، وسوف يزيحّ عن الدين الكثيرين بدون شكّ، ويتشكك الكثيرون في العقائد الأساسية، ويقل إيمان البعض بدون ريبة وهذا طبيعي. وبغض النظر عن ملابسات الحادث وبدون أدنى شك تظل المسيحية أرفع وأنبل من كل هذه النزاعات الغير أخلاقية، هي مبنية وفقّ أسُس متينة على الحب، الصدق، الأمانة، الإخلاص، العفة، النقاء، صفاء النفوس، صدق النيات، التضحية، الفداء، البعث، بذل الذات من أجل الأخرين. واجهت الكنيسة المسيحية وسوف تواجه الكثير من الصعاب والأزمات الداخلية والخارجية، ولكن اجتازتها بالحكمة والصبر وطول البال والتعقل، وفي النهاية كانت ترسو السفينة دوماً على شاطىء الأمان. (وَيْلٌ لِلْعَالَمِ مِنَ الْعَثَرَاتِ! فَلاَ بُدَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ!).
متى 18: 7

56
وظيفة الحاكم الذكي
بقلم/ سلوان ساكو
يتمْ التأسيس على الأفكار ليتم بعدها العمل على البناء للبُنىَّ التحتية لنُشوء وأرتقاء الدولة المعنية، ويكون هناك نمطْ سليم في سياق من الحكم متُماهيً مع المواطنة، أو المواطن الصالح بمعنى أدق. ليختار ويحدد هذا المواطن نظام الحكم، مع إعطاء الأولوية للحاكم في تنظيم شؤون دولته بما يتماشة مع أساسيات الحكم العادل، وليس اليوتوبيا، حيث ليس هنالك وجود لمدينة فاضلة على هذا الكوكب، لذى استوجب أن هنالك دولة ناجحة، كالمغرب مثلاً، ودويلة فاشلة كالعراق مثلاً.
 كنتُ مؤخرا في دولة المغرب العربي، لحضور المعرض الدولي للكتاب، والمُقام في الدار البيضاء. المعرض وعلى جميع الأصعدة والحق يُقال كان ناجحً، من التنظيم الى إدارة دور النشر، مروراً بجلسات وندوات المنعُقدة على هامش المعرض، وحضور لفيف كبير من أبرز المفكرين  والمبدعين والأدباء العرب. سارت الأمور بسلاسة طيلة إيام المعرض العشرة، كان فيها منفعة للمدعوين والزائرين بشكل عام. المهم ليس هذا هو الموضوع الأساسي المعروض للطرح، وإنما وضعية ونمط و استقرار البلد، إيّ المغرب، وكيفية ظروفه وسبل عيشه. مع كل التحديات والصِعاب التي تعيشها المنطقة. فالمغرب وكما هو معروف بلد غير نفطي إلا بمقدار ضئيل وللأستخدام الداخلي، وهذا ما استدعاني للتوقف لبضع الوقت، من حيث البنىَّ التحتية المتوفرة، وحاجات الشعب الأساسية. فسكة القطارات على سبيل المثال وهذا مهم في رأي، تصل لجميع الولايات والمحفظات من الشمال للجنوب ومن الشرق إلى الغرب، محطات توقف هذه القطارات نظيفة ومريحة ومنظمة إلى حد بعيد، الدولة حاضرة بشكل ملحوظ في الجيش الشرطة الأمن الوطني. المرافق السياحية من مشارب ونوادي وملاهي منتشرة بكثرة وهذا يدل على إنفتاح البلد من جهة ومن جهة أخرى كثرة نسبة السياح والسياحة مما يدر على البلد واردات هائلة. حسنا يبدو أن العاهل المغربي الملك محمد السادس ذكي وسياسي محنك لمقدرته المحافظة على الدولة من الأنهيار والأنفلات الأمني وقت الربيع العربي، والأنتفاضات المليونية كما يقولون، فمثلاً مدينتا سبته مليلية المغربيتان تحت الحكم الإسباني ومن مدة طويلة، لم يشن الملك المغربي الحروب والغزوات لأستعادتهم، بل هو يحول عن طريق الأقنية الدبلوماسية والسياسية فقط، وكفى الله المؤمنين شرّ القتال. وهذه نظرة عميقة للأمور، لأنه يعرف أن المغرب ليس باستطاعتها مواجهة الأسبان، او الأتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي النيتو، بمعنى أدق هو قرار سيادي بأعلى المستويات وإرادة ملكية، ماذا جرّ احتلال الكويت من ويلات وحروب على الشعب العراقي، إليس صدام حسين غبي بما فيه الكفاية ليفعل ذلك؟. وكانت لديه قراءة خاطئة لخريطة توازنات المنطقة الأقليمية والدولية، حيث أقدم على تلك الحماقة والمغامرة مجنونة، فدقْ البسمار الأخير في نعش العراق. خلاصة الطرح، إذاً تتحدد بمنظومة الحاكم ومدى استيعابه لعبة الأمم، بغض النظر عن أفلام الدسائس والمؤمرات الصهيونية الهندية، هي أنظمة تتفق بشكل وبأخر مع النظرة الكلية للحكم، وليس حزب واحد والباقي خسّ كما يُقال. بهذه الطريقة أستطاعت العائلة المغربية الحكم طبعاً مع بعض الشدة المطلوبة للحكم، وهذا ما دفع الناس إلى حب العائلة العلوية لأنها جنبتهم الدخول في صراعات وحروب عبثية كما فعل العراق وبدون طائل، فتمزق على صخرة النزاعات الطائفية والحروب الأهلية. لعل المتتبع للمشهد العربي بشكله العام يعي أكثر من غيره أشكالية المسار الذي يسلكه نظام الحكم ومدى تأثيره على مفردات الحياة بكل تفاصيلها الكبيرة والصغيرة، وهي حقيقة يجب التسليم بها في جميع الأحوال.

57
طريقة الفوز بورقة اليانصيب
بقلم/ سلوان ساكو
تتواتر الأخبار والحكايات والقصصّ الجميلة، والممزوجة بالأمنيات والتمنيات الوردية مع توليفة من باقة أحلام ورؤىً لرؤيا تُحاكي تلك المتُتطلبات المدفونة في وعينا العميق، فبتنا نلعب بكل جدية ومهارة لعبة الحظ السعيدة، لعل وعسى أن يوكبنا الحظ في مرة، وتتوقف عقارب المصفوفة الرقمية عندنا، ونكون من المحظوظين في سعينا نحو تكوين وخلقْ قدرنا حيث نبدأ في تحقيق أحلامنا التي حالت مع توغلنا فيها إلى أحلام يقظة لا أكثر، نسبح فيها ومعها في تلك اللجة من المياه الزرقاء الصافية والتي تعكسها  السماء الخلابة، ونخوض غِمار ذلك الحلم السعيد، والذي كلما توسعنا فيها ازداد هو سيطرة علينا وعلى مشاعرنا فنصبح مع الوقت مُكبلين بأغلاله وقيوده لا مقدرة لنا على الفكاك من فكيه.
اليوم بات الحديث عن لعبة الحظ والربح بورقة اليانصيب هي الهاجس المُسيطر على الجميع بدون أستثناء، التاجر، العامل، الموظف، الغني، الفقير، السعيد، الحزين، الكل باتَّ يتطلع بالفوز بتلك الورقة القدرية والتي سوف تُغير حياته وتقلبها رأساً على عقبْ، وتجعله من الْمُصْطَفَيْنَ. ولكن مهلاً !، هل صحيح أن هنالك حظ وأن هنالك ثمة قدر يتحكم بتلك اللعبة الرقمية بحيث تجعل فلان من الناس يصبح مليونيرن بين ليلة وضحاها، بينما الثاني يتحسر ويندب حظه العاثر لأنه لم يفز بالجائزة، والى إية مدةً يجتمع الحظ والقدر في الأنسان الكائن الحي، وإذا كانت الأمور على هذا النحو اللامدروس والعبثي فبالإمكان أن تفوز القردة أو الأسود أو الضِباع بالينصيب، أليست هي في نهاية الأمر مجرد سحب ورقة بسيطة  لا أكثر  ولا أقل. حسناً لو افترضنا عدة افتراضات منها على سبيل المثال أن ملعبً رياضي لكرة القدم يسعّ لي ستين ألف متفرج وارادة كرة القدم السقوط على المتفرجين يا ترى على من سوف تسقط، واحد سوف يجيب بسرعة حتماً سوف تسقط على شخصً ما موجود في المدرجات، هذا جواب مقنع للوهلة الاولى، المثل الثاني، هناك تلّ من الإبر الناعمة تعددها 100: 899: 24 مليون بعدد سكان إستراليا وقال لك احدهم، أن واحدة من الإبر موسومة بعلامة مميزة دقيقة على رأسها، وأن أردت الفوز عليك أن تسحبها من بين الركام بحركة واحدة فقط، السؤال ما هي نسبة الحظ هنا؟. طبعاً أنا هنا لا أرفض الحظ، ولا أمانع في أن يحلم المرء، فهذا شأنه، ولكن هناك أسئلة اطرحها على الملأ والمجتمع وادع من يحلم يحلم، وذلك الذي يفوز بورقة بالينصيب ومبلغ 107 مليون دولار والتي كان لها دوياً كبير في المجتمع الأسترالي، وتشيد مباني وهمية من قصور ومزارع وتسديد قرض البنك على البيت والسفر الى كل بقاع العالم والتبرع للكنائس وتشيد تمثال للسيدة مريم العذراء والعطاء بسخاء لمستشفيات أمراض سلطان الأطفال، وكل هذا يكون في النهاية كزبد البحر لا يلبث أن يتبخر مع أول موج خفيف. والقصة في صميمها هي Game، أليست لعبة، لماذا لم تربح البطاقة  حين وصل المبلغ إلى خمسين مليون دولار؟.
لنعرف الحظ أولاً، فوفقا لقاموس نوح وبستر الكلاسيكي، فإن الحظ هو "قوة لا يمكن التنبؤ بها، ولا يمكن السيطرة عليها، تغيير الأحداث إيجاباً أو سلباً لفرد أو مجموعة أو قضية ما"، وترتبط وجهات النظر في هذه المسألة بإختلاف الثقافات فالبعض يعتبرها فرصاً عشوائية غير مرتبطة بسبب أو أداة، بينما البعض يربطها بطاقة خفية مرتبطة بالإنسان والأفكار، وطبعاً هناك من يجد لها تفسيرات متعلقة بالإيمان أو الخرافات. بينما الفلاسفة وأشهرهم "دينيت" الذي اعتبر أن: (الحظ هو مجرد حظّ!، وليس شيئاً أو خاصية أو ميزة يختص بها فرد أو جماعة ما)، فيما وصفه "كارل يونغ" عالم النفس السويسري ومؤسس علم النفس التحليل، حيث يقول، بالتزامن الذي يحدث في الوقت المناسب أو غير المناسب، واختصر توصيفه بجملة صغيرة: "الحظ صدفة ذات معنى"، أما  الكاتب ماكس غونتر فوصف الحظ بأنه "أحداث تؤثر على حياة المرء ويبدو أنها خارجة عن سيطرته"، إذن الحظ ليس سوى تفسير نعطيه للأشياء الجيدة والسيئة التي تحدث بالصدفة، وهي إسناد نستخدمه لإعطاء معنى للأحداث العشوائية والفوضوية. والقدر، يمكن أن نصل إلى معناه من خلال المرور عن المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي له، وبيان ذلك يكون على الشكل التالي، المعنى في اللغة: يشير إلى الفصل والحكم، ومبلغ الشيء، ومعنى التقدير هو التروية والتفكر في تسوية الأمر، والمعنى في الاصطلاح يقصد به تقدير الله لجميع الأشياء في حياة الإنسان في القدم قبل وقوعها، وأنها ستقع في أوقات معلومة وبكيفية محددة، ولا ينفكّ هذا المفهوم عن مفهوم القضاء فهما أمران متلازمان. إِذا الشعبُ يوماً أرادَ الحياةَ ... فلا بُدَّ أن يستجيبَ القَدَرْ. و اصحبْ ذوي القدرِ استعدَّ بهم .. وعدِّ عن كلِّ ساقطٍ سلفهْ.
فأذا هذا ليس له علاقة بالربح والخسارة لأن الله ليس بوكيل تجاري حصري عل هذا أو ذلك، ويربح زيد ويخسر عمر، وأنما هنالك مصفوفة رقمية كونية Digital matrix، أو شيفرة الأنسان الخاصة  Human code، أو مدخل لكل شخص هو الذي يحدد مسار هذا الكائن بين جنبات الحياة، يُفسر في بعض الحالات على أنه الحظ، القسمة، القدر، النصيب، لا تهم كثيرا التسميات والعناوين المهم هو ماهية وجوهر الحالة. فلا بد أن تسقط الكرة على رأس احدهم في الملعب، ولا بد أن يسحب واحداً ما الإبرة الموسومة من الكومة، ولكن من هو ياترى، هنا تلعب المصادفة دور كبير طبعاً بحيث تبدو انها حتمية جرت من تلقائها وأن الأمور طبيعية، يتحدد كل هذا في سياق منظومة كرونولوجية معقدة جداً وخاصية الزمان، ولكن حركتنا وقلقنا وتوجسنا لا تدع فرصة في النظر والتأمل لكل هذا، فنأخذ الأمور على عواهنها دون تعمق وسبر أغوارها.
الخلاصة من كل ما تقدم أنه ليس هناك حظ أو قسمة أو قدر، هي بإيجاز matrix يخص كل واحد من البشر، من يوم ولادته إلى يوم مماته، ويظل السؤال الأصعب والمفتوح على كل أحتمال، كيفية توظيف هذه المصفوف الرقمية لصالح الإنسان، وكيف تُكرس لخدمته، ويجعلها طوع بنانه، لربما لو أستطعنا أن نجد هذه الرموز السرية password لأصبح كل شيء سهل وفي متناول اليدّ، من أوراق اليانصيب ولعبة القِمار في الحانات ومباريات تسابق الخيول، حينها فقط يصعب التكهن بحركة التاريخ، فالكل يريد أن يربح ويصبح من الأغنياء بسهولة ويسر، بدون عناء العمل وجهده الْمُضْنِي، وهكذا تتوقف عقارب الساعة عن الدوران ويكفّ الانسان عن التفكير في مستقبله لأن وجوده الحالي مَصُونٌ. أظن في النهاية أن المكاسب الحقيقية في الحياة هي الصحة والسعادة والقناعة والعائلة الصالحة والأثر الطيب في المجتمع لأن  النقود تظل وسيلة وليست غاية مهما بلغت من شأن.

58
على مهلكّ يا مفتينا لم ينتهي العيد بعدْ
حينما أراد الراحل شبلي العيسمي الأمين العام المساعد لحزب البعث العربي الاشتراكي ( فُقد في لبنان سنة 2011) أن يزور جامع أم الطبول في بغداد مع نهاية الستينيات، رفض إمام الجامع وقت ذاكّ الشيخ عبد العزيز البدري دخول العيسمي للمسجد بحجة انه درزيّ أيَّ كافر، وخلال ساعات وصلت الأخبار ( لصدام حسين)، ومع قضايا آخرى كانت تتعلق بتنظيم الإخوان المسلمين في العراق، وتكفير البعثيين وشق الصف الوطني من قبل البدري أكتمل ملفه في درجّ السيد النائب  فدخل قصر النهاية ولم يخرج بعدها ولم يرَّ النور ابداً.
في خطبة الجمعة الأخيرة وفي جامع أم الطبول أعلن مفتي الديار العراقية، مهدي الصميدعي، عدم جواز الاحتفال بأعياد رأس السنة والكريسماس، معتبراً أن من يحتفل بها كأنه يعترف بـ( عقيدة دينية لدى المسيحيين) نص الخطبة حسب القنوات الرسمية، وقال الصميدعي خلال خطبة الجمعة "لا تشاركوا النصارى الكريسمس، لأن هذا معناه أنكم تعتقدون بعقيدتهم.
 الإمام مهدي الصميدعي شخصية معروفة في عموم العراق، وله مكانة ومنصب رفيع على مستوى الدولة وعلى مستوى المجتمع والأفراد،  فهو ليس إمام جامع في قرية نائية شمال بعقوبة يفتي ويكفر هذا وذلك من الناس دون حسيب ولا رقيب لا أحد يعير له أهمية تذكر سوى أبناء القرية البائسة دون فهم حتى. فالشيخ الصميدعي بالإضافة لكونه مفتي الديار العراقية هو خطيب أكبر جامع في العاصمة، وهذا يؤمه خاصة يوم الجمعة كِبار رجال الحكومة والدولة،  وتكون الخطبة في أغلب الأحيان منقولة على الهواء مباشرةٌ، بمعنى أنها تصل لشريحة كبيرة من الناس وفي وقت سريع جداً، وبكلام غير مُتزن وغير مقبول وغير منطقي، وفي وقت حرج  والجهود مبذولة لتعزيز اللحمة الوطنية التي اهترأت من كثرة النِفاق والكذب على الناس وعلى الذات، يطلق الإمام مفتي ديار العروبة والإسلام  فتواه بتحريم الأعياد والاحتفال برأس السنة، وهذا يعُتبر كُفر وزندقة وعمل من أعمال الشيطان. ومع أن هنالك جهود مضنية يبذلها رجال الدين وحتى العلمانيين المسيحيين الكلدان، السريان، الآشوريين، من التقرب  وبناء علاقات أخوية صادقة حقيقة مع المسلمين الشيعة والسنة على حدّ سواء لترسيخ مبدأ الأخوة والمحبة بين مكونات هذا  الوطن المنكوب وتأصيل فكرة المساواة بين الجميع وأن الدين لله والوطن للجميع، وما فتِئ البطريرك لويس ساكو  يُكرر  وفي كل مناسبة دينة كانت أم وطنية على أننا شركاء حقيقيين مع الأخوة المسلمين في هذا البلد، ولسَنا جالية حديثة القدوم. وعلى بغتة كل هذا ذَهَبَ أَدْرَاجَ الرِّيَاحِ.
أقول أن هذه الْفَتَاوِي وغيرها الكثير  لها الأثر السلبي الحادّ على المجتمع العراقي والذي هو أصلاً متصدع ولا يحتاج لتصدعات أكثر،  فتفجير كنيسة سيدة النجاة ماثلة في الذاكرة  تدمي القلوب الى اليوم،  وتضر  بالنسيج الأجتماعي البالي الباقي والذي أمتلئ شقوق ولم يعد ينفع الرتق معه، يجب أن ينتبه مشايخ السنة والشيعة للخُطب التي يطلقوها من على المنابر  والأثر السيئ لها على عقول الناس، وماذا سوف تكون ردود افعالهم حيالها، وتغير هذه الرنةّ القديمة، صليبي، أتباع الغرب، كفرة، ذميين، التي لم تنفع ولن تنفع في يوم من الأيام، وبثّ روح الأخوة والتعاون والمحبة بين أبناء البلد الواحد، لربما تكون هنالك بارقة أمل في مستقبل جديد. 

59
اليوم العالمي للُغَة العربية
يعتبر الثامن عشر من الشهر الجاري هو اليوم العالمي للغة العربية، لغة الضاد، فقد خصصت الأمم المتحدة ومن عام ١٩٧٣، اليوم المذكور من كل سنة يوماً عالمياً لهذه اللغة التي باتَْ المتحدثين بها قرابة ٤٦٧ مليون متحدث، وهي في المركز الرابع من معاير سلم اللغات العالمية، حيث يجري الحديث بها في 60 دولة من بينها 22 فقط أعضاء في الجامعة العربية. فيما تتوزع بقية الدول على قارتي آسيا وإفريقيا، حيث هناك قبائل وجماعات تتحدث العربية في تشاد ومالي والكاميرون مثلا، وغيرها.
لغتنا العربية تضل لغة جميلة وتحمل منظوراً بيانياً نحو فضاءات أوسع لإستحضار المفردة ورديفتها معاً، معاني ومفردات لا تحملها آي لغة ثانية من ناحية الرتمّ والأستعارة والكناية والموضوع والنصّ والبيان. فمثلاً يوجد ١٤ درجة للحب في العربية منها، الهوى، الشغف، الوجد، الكلف، العشق، النجوى، الشوق، الوصبُ، الاستكانة، الودّ، الخُلةّ، الغرامُ، الهُيام، (إذا ريح الصَّبا هبت أصيلاَ  شَفَت بهبوبها قلْباً عليلا وجاءَتني تخبر أنَّ قومي  بمن أهواه قد جَدّوا الرّحيلا)، عنترة بن شداد. بينما لا تحمل كلمة الحب Love في اللغة الإنكليزية سوى دلالة لفظية واحدة فقط.
وبعيداً عن لغة التعصب التي يستهلكها البعض اليوم ويربط العربية أو المتكلمين بها بالإرهاب من ناحية المضمون المجازي للمفردة في محمولاتها لأسقاط البناء اللغوي للنصوص وإيحائآتها اللفظية،  على إيقاع خطبة ابو بكر البغدادي في جامع الموصل الكبير، وأسامة بن لادن الذي أفتى بها، والقرضاوي الذي ينشر سمومه عن طريقها،  وسيد قطب الذي كتب كُتبه التكفيرية بحروفها،  أبو العلاء المودودي الذي ترجمة مؤلفاته عن طريقها، وغيرهم الكُثر الذين استعملوا العربية لنشر الفوضى واللاأنسانية والفتنة والحقد وتغيب العقل والمنطق. ولكن تبقى الأحرف الأبجدية  العربية الثمانية والعشرين حرفًا محط أنظار الكُتاب والشعراء والقصاصين والمثقفين بشكل عام. هل نحتفل نحن المتكلمين بالعربية بهذا اليوم العالمي، أمْ يذهب سداً حاله حال باقية الأيام دون أكتراث وينساب مع مجريات الحياة العادية؟.
ننهي مع رائعة الشاعر العربي النسطوري  طرفه بن العابد حيث يقول....
إذا القومُ قالوا مَن فَتًى ؟ خِلتُ أنّني عُنِيتُ فلمْ أكسَلْ ولم أتبَلّدِ
ولستُ بحلاّل التلاع مخافة ً ولكن متى يسترفِد القومُ أرفد
فان تبغني في حلقة القوم تلقَني وإن تلتمِسْني في الحوانيت تصطد
وانْ يلتقِ الحيُّ الجميع تلاقيني إلى ذِروة ِ البَيتِ الرّفيع المُصَمَّدِ
وما زال تشرابي الخمور ولذَّتي وبَيعي وإنفاقي طَريفي ومُتلَدي
أنا الرّجُلُ الضَّرْبُ الذي تَعرِفونَهُ خَشاشٌ كرأس الحيّة المتوقّدِ.

60
شَتّانَ بين ميتة صدام وبوش
مع كل الخلافات والمواقف السياسية والأخلاقية  التي أحاطت بالرئيسين صدام حسين وجورج بوش الاب في بداية التسعينيات من القرن المنصرم، والتأثيرات الكبيرة والهائلة التي مرت بها المنطقة من إنهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي والكتلة الأشتراكية الأكبر  وغزوة صدام حسين لدولة الكويت عام 1990، كل هذا ترك أثرا كبيرا على مجريات الأحداث بعد ذلك وفق نظرية الفراشة، والى هذا اليوم  إرتدداتها مازالت مستمرة وموجودة بقوة، ومن الصعوبة زوالها على المدى المنظور. مع كل هذا يظل هناك فرق وبون شاسع بين موت الزعيمين، صدام حسين وبعد حماقات لا تُغتفر ولا يُسامح عليها التاريخ والعدالة الإلهية، جرتْ ويلات وحروب على البلاد أحرقت الأخضر بسعر اليابس، مع العلم أن بعضٍ من الحكمة والحنكة والدهاء السياسي المطلوب في موازين القوة وبعضّ التنازلات وفهم قوانين اللعبة السياسة الدولية، كان من الممكن أجتياز المأزق وتجنب شرب كأس المرارة حتى الثمالة والخروج بأقل الخسائر حتى بعد أحتلال الكويت، ولكن رعونة ودموية ودونية صدام حسين حالت دون ذلك، مما كرسَّ لاحقاً للفوضى والحصار والحروب الداخلية والويلات على الشعب والوطن المسكين. العقلية الدموية والاستبداد المطلق والأعلاء الوهمي للذات وترسيخ لمبدأ القوة في التعامل مع الآخر حالت دون بناء أسُس راسخة لدولة عصرية حديثة تتماهى مع النظام العالمي وما بعد الحداثي وما فرزته من لغة جديدة، منظومة رقمية، إنترنيت، هاتف جوال، صحون لاقطة ، لم يستوعب صدام حسين كل هذا التغير أراد العراق في بئر أسَنَ من المعرفة. وهذه الدموية والعنف  كانت حتى قبل أستلام زمام السلطة المطلقة ما بعد 1979. يقول القيادي البعثي السابق وليد السامرائي في شهدته للتاريخ في برنامج شهادات خاصة، حين أعدم صدام حسين عبد الخالق السامرائي  سنة 1979، بعد ست سنوات من الأعتقال الانفرادي لم يكن يعرف أيَّ عبد الخالق سبب الأعتقال ولماذا هو محتجز أصلاً، وفي النهاية أعُدم مع العشرات من البعثين الذين وقفوا مع صدام في تسلقه شجرة السلطة، هذا غيث من فيض، ولربما التاريخ سوف يكشف المزيد من الصفحات السوداء من التاريخ الدموي للأستبداد. ذهبَ بوش الأب ورحل صدام حسين من هذا العالم الفاني، ولكن الموقف الأخلاقي للرئيس الأمريكي الأسبق من حرب الخليج وغزوة صدام حسين للكويت تضل دوما محطة مضيئة في حياة الرجل مع كل التفاهات ونظريات المؤامرة السخيفة. يقول جيمس بيكر وزير الخارجي الأمريكي آنذاك وبعد اجتياح القوات العراقية للكويت، أرسل صدام حسين رسالة عن طريق رئيس دولة عربية، مفادها أن العراق علىٰ أستعداد ان يبيع النفط للولايات المتحدة بثمن أقل ومدعوم، شريطة أن تقف أمريكا مع العراق، ولكن جاء ردّ بوش بالرفض التام وطالب العراق الأنسحاب الفوري وبدون شرط أو قيد من الكويت. لربما تيقن بوش والإدارة الامريكية آنذاك  أن صدام حسين هو هتلر العصر الجديد، وأن لم تُحرر الكويت الأن فلن تحرر ابداً، وسوف يجتاح صدام حسين دول الخليج واحدة بعد آخرة ويتغير وجه العالم إلى الأبد.
أسئلة كثيرة تفرض نفسها بقوة، بعضها مرتبط بدوامة السياسية الدولية ولعبة المصالح وبعضها الآخر مرتبط بالموقف الأخلاقي للدول العظمى وموقفها حيال العالم والدول الأصغر. التاريخ في نهاية الأمر هو من سوف يحكم وهو من يقول كلمة الفصل،الموت على خشبة الأتهام وحبلّ القانون ملفوف على عنق المتهمْ، هو الأفضل، أمْ الموت الطبيعي.

61
انتباه لم تفعلها السعودية لوحدها
لم تُثار قضية في الآونة الأخيرة كما أثُيرت قضية أختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي، لربما من إيام حرب الخليج الثانية واحتلال صدام حسين للكويت عام 1990. فهذا التجيش الإعلامي الغير مسبوق والكمّ الهائل من التحليلات والتقارير والصور، ولم تُسلط في أيّ وقت كما سُلِطت على الصحفي السعودي، وطبعا مُتصدر هذه الميديا الضخمة قناة الجزيرة القطرية. ولكن لنقف قليلاً ونتأمل المشهد من جانب ثاني أكثر عمقاً ويغوص داخل مصطلح بات ما يُعرف بالدولة العميقة، والذي تأسس مع توغل الحكومات ذاتها مع نمط السلطة، بغض النظر عن مُسمياتها. هو عرف متداول في جميع النُظم العربية والعالمية، وما عمليات الخطف والأبتزاز والتصفيات الجسدية غير سمة من سمات هذا النظام أو ذلك لربما للدول الأكثر ديمقراطي وتقدماً. عملية تصفية الرئيس الأمريكي  جون كينيدي في دالاس 22 نوفمبر 1963، أليسَ هذا قتل مع محو أثار الجريمة إلى اليوم، وكل ما توصل له المحققين هو تفاهات لا غير، مع إن جاكلين كينيدي زوجته كتبت رسالة بينت بها من كان وراء عملية الأغتيال، وطلبت في وصيتها أن تُفتح الرسالة بعد مماتها، ولكن في عام 1994 حين ماتت لم يجرئ أحد على فضّ الخِطاب وقراءة محتواه، لأنه يدين أشخاص مهمين في الدولة آنذاك متورطين في العملية. مصر إيام حسني مبارك فعلها مع المعارض الليبي منصور رشيد الكيخيا، وقد شغل الكيخيا منصب وزير الخارجية الليبي من عام (1972-1973)، والمندوب الليبي الدائم لدى الأمم المتحدة، وفي وقت لاحق أصبح أحد رموز المعارضة للزعيم الليبي معمر القذافي وناشط حقوقي، سنة 1993 أختطف الكيخيا من قبل ثلاثة رجال في ليموزين سوداء ذات لوحات دبلوماسية على مسافة بضعة ياردات من فندق السفير بالقاهرة حيث يقيم ولم يظهر إلى اليوم. ليبيا معمر القذافي، ألم يُغيب الإمام موسى الصدر في طرابلس عام 1978 وبات في خبر كان. تركيا التي تُطبل وتُزمر وتهرج الدنيا والصحافة على الصحفي السعودية، أليستَ هي من كان وراء أختفاء المطرانين يوحنّا إبراهيم وبولس يازجي مطرانيّ حلب في 2013 عن طريق ميليشيا سورية مدعومة منها، وهي من قام بتدبير عملية اعتقال وخطف زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله اوجلان في نيروبي في كينيا، حيث أعتقل وأرسل إلى تركيا في فبراير عام 1999. وصدام حسين ألمَّ يغدر بأبن خاله ووزير دفاعه وشقيق زوجته وأقرب المقربين منه، عدنان خير الله  طلفاح في 4 مايو عام 1989. ألمَ يغدر الرئيس العراقي السابق بصهريه الأخوين كامل بعد أن أعطاهم أمان العودة من عمان الى بغداد في 23 فبراير من عام 1996. تفجير موكب الرئيس رفيق الحريري في وسط بيروت عام 2005 والمتهمين هم أعضاء في حزب الله اللبناني، والمهزلة هنا انه تمْ تسمية  شارع في وسط العاصمة على أسم الفاعل الرئيسي في الجريمة وهو مصطفى بدر الدين. الحادث المريب لتصادم سيارة أميرة ويلزّ الأميرة ديانا مع عشيقها دودي الفايد ابن سميرة خاشقجي أخت عدنان وجمال خاشقجي، في 31 اغسطس من عام 1997 في نفق باريسي.   
العائلة المالكة في السعودية لم تفعل شيئاً من خارج أعرافها وتقاليدها فقبل تصفية خاشقجي تمت تصفية الأمير سلطان بن تركي، والذي تم اختطافه في الأول من فبراير شباط 2016، وكان برفقة 20 من أفراد حاشيته الذين يحملون جنسيات غربية، وتمْ أختطافهم برفقة الأمير على متن طائرة متجهة إلى القاهرة، إلا أنه تم تحويل مسار الطائرة ليجدوا أنفسهم في الرياض. واختفاء الأمير تركي بن بندر عام 2015، وهو ضابط شرطة سابق كانت إحدى مسؤولياته تأمين العائلة الملكية، وأختفاء الأمير سعود بن سيف النصر من نفس العام الأخير. هذا غيض من فيض في خلفيات الحكم لكواليس دول العالم دون أستثناء، كل ما هنالك في قضية خاشقجي أن ثمة تقاطع وتناحر وحرب باردة بين السعودية ودولة قطر والتي جيشت الاعلام مُمثلة بقناة الجزيرة وآلتها الجبارة التي تواكب الحدث ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة بعيدة كل البعد عن الموقف الأخلاقي والمهني للصحافة، آيَّ تصطاد بالماء العكر، و تتشمت بالمملكة العربية والدول التي تُساندها.
هذه بعضاً من سمات الحكم للدولة الخفية، ربما نجدّ صدى لها في أدبيات وطريقة الحكم لدى السفاح جوزيف استالين مع صديق عمره ليون تروتسكي الذي قتله بفأس عام 1940، أو غيره من الحّكام على مرّ العصور.

62
لم يُقتل خاشقجي إلى حدّ اليوم
بقلم/ سلوان ساكو
لم يُحل لغز أختفاء الثائر اليساري المغربي المهدي بن بركة (تولد 1920 أختفاء 1965)، الى اليوم، مع أن كل الملابسات تُشير إلى تورط البلاط الملكي المغربي والمخابرات الفرنسية وجهاز الموساد الاسرائيلي، لما كان يشكله هذا الثائر من خطر على الرباط، حيث كان له مشروع حداثوي تطويري تقدمي أشتراكي، لا يتماشى مع سياسية الملك الحسن الثاني  في ذلك الوقت، فلم يجد مناص غير تغَيِب المهدي بن بركة والى الأبد وطمس كل معالم الجريمة التي حدثت  أمام مطعم (ليب) في شارع سان جيرمان في قلب العاصمة الفرنسية، باريس، وظلت جثته الى اليوم مجهولة المكان. الجنرال محمد أوفقير وزير الداخلية المغربي آنذاك ومعه أحمد الدليمي مدير المخابرات المغربي وآخرون رحلوا عن هذا العالم بِمَا فيهم العاهل المغربي السابق ذاته، ولكن ظلت قضية  بن بركة مُعلقة وغامضة  الى اليوم مع كل هذه التحقيقات. 
يشُكل اليوم ملف إختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول حالة من الارتباك في كل الأوساط السياسية والثقافية والدولية والإعلامية على حد سواء، من حيث ثقل هذه الشخصية الجدلية والمحورية وقُربها من العائلة الحاكمة في المملكة العربية إلى قبل عامً لا أكثر. حيث كان جمال مقرب من صُناع القرار، ورئيس تحرير جريدة مهمة تصدر في الرياض هي جريدة الوطن، والمستشار الإعلامي لمدير المخابرات السعودي تركي الفيصل، وغيرها من المناصب الإعلامية. المهم أنه قبل اكثر أسبوع دخل من باب القنصلية لغرض استخراج أوراق رسمية ولم يخرج منه، هنا شكل هذا الحدث الخطير والغير مسبوق في المعاهدات الدولية للبعثات الدبلوماسية واتفاقيات جنيف وغيرها من البرتوكولات العالمية الى تحديّ لحقوق الانسان والأعتداء في وضح النهار على رجل اعزل في بلد يتسم بالأمن، نعم الرئيس السابق صدام حسين كان يخرق كل هذا، ويلجأ لقتل معارضيه في الخارج عن طريق استدراجهم للسفارات العراقية وبعد ذلك يتمْ تصفيتهم بأبشع طرق، وكان ذراعه الأيمن في ذلك صبري البنا ( ابو نضال الفلسطيني) الإرهابي المشهور والذي هو بدوره إغتيل على يدّ جهاز المخابرات العراقي سنة 2002، ولكن ذلك زمان غير هذا الذي نحن فيه، مع أجهزة المراقبة والكاميرات والأقمار الصناعية والهواتف النقالة، كل هذا يعطي مؤشر أن عمليات الاغتيالات لم تعد تجدي نفعاً اليوم، مثلاً فشل روسيا في محاولة اغتيل الجاسوس المزدوج  سيرجي سكريبال، 66 عاما، وابنته، في وسط لندن قبل أشهر. هنا حصلت  نقلة نوعية  في نهج الأغتيالات المباشرة اذا صحت التكهنات بأنة السعودية متورطة في عملية الخطف والأغتيال، وهذا ما سوف تكشفه الأيام القليلة القادمة، معادلةٌ غير مسبوقة ورسالة مباشرة الى كل المعارضين في الداخل والخارج السعودي، مفادها إنه لا رحمة ولا هوادة مع كل من تسول له نفسه أن يتعدى الخطوط الحمراء أو حتى السوداء حتى لو كان من العائلة المالكة نفسها أو من بقية الشعب، وما تصفية وتقطيع أوصال الكاتب جمال خاشقجي غير تنبيه للكل.
الأيام القادمة حُبلة بما لا تشتهيه السفينة السعودية ربما، تركية مسرح الجريمة تريد أن تُظهر الحقيقة كما هي للعلن والمجتمع الدولي المتابع للقضية، امريكا أيضا تريد أن تعرف ماذ حصل للصحفي السعودي وفي أقرب وقت، وما دعوة الرئيس ترامب لخطيبة خاشقجي  خديجة جنكيز  للبيت الأبيض في واشنطن آلا لمعرفة المزيد من التفاصيل، ورسالة للعالم مفادها أن الولايات المتحدة ليس لديها يدّ في  مجريات الواقعة ولا تؤيد المملكة بأي شكل من الأشكال. بريطانيا أدلت بدلوها حين قالت أن معلومات استخبارية بريطانية تؤكد تورط السعودية في عملية التصفية والقتل لجمال خاشقجي. الكل يترقب الأن، والدائرة تضيق على المملكة العربية السعودية التي وضعت نفسها في رمال متحركة لا تحمد عقباها، واتسعت فوهة الحريق الذي ربَما لم تحسب له هذا كل هذا الحساب وهذا الخطر المُحدق بها، وإن نار جمال خاشقجي انتشرت في الهشيم السعودي.

63
كيف وضعنا أنفسنا بين فكّ المجلس وكمَاشة الحركة.
ما أقربنا اليوم كَمكّون أصيل وعريق من مكونات الهوية العراقية المدنية( من المدينة)، حيث كان لهم حضور مشهودا له على جميع الساحات الثقافية والسياسية والاقتصادية، من كهفْ أفلاطون الشهير، وهؤلاء الأشخاص الأربعة الذين كُبلوا منذُ نعومة أظافرهم بسلاسل وأغلال على أعناقهم وأيديهم وأرجلهم، فظلوا ينظرون بتجاه واحد فقط من أمامهم، ومن خلفهم، أيَّ خلف الجدِار، ومن جهة آخرى كانت هناك مجموعة تُحرك عرائس خشبية مختلفة الأشكال؛ أرنب، قطّ، عصفور، مُسلطينَ نور السراج عليها، فتظهر على الجهة الثانية من الحائط المُقابل للمساجين ظِلال وخيالّ، فيعتقد هؤلاء المساكين أن هذا هو عالمهم الحقيقي، عالم الخيال، ولا يوجد عالم موازي آخر له، وبطريقة ما يستطيع واحد من الأربعة  الإفلات من الأغلال والسلاسل، والخروج من الكهف إلى العالم الخارجي، فَيرى إن العالم غير ذلك الذي كانوا به، شمس، طبيعة، مياه، غيوم، بشر،  فيعود ليخبر زملائه بِمَا شاهد وعاين، ولكن الثلاثة الباقية في غَياهّب الكهف اتهمته بالجنون والكفر، فأردوه قتيلا على الفور، لإنه شاهد وشَّهد الحقيقة كاملة، بدون ظلال، وبقوا هم في غيهم يعمهون.
 نحنّ اليوم اقرب ما نكون لهؤلاء المساجين القابعين في غياهب الكهف، لا نُعاين غير تلك الِظلال الزائفة التي تعكسها علينا الأحزاب والحركات السياسية الرخوة بشكلها العام، المجلس الشعبي، الحركة الديموقراطية الآشورية زوعا، أبناء النّهرين، والزعُماء لهذه الفعاليات هُمْ العرائس التي تُحرك عن بعد. ونحن بدورنا إيضاً لا نُشاهد غير الظلال، أو بمعنى أكثر دقةّ، لا مقدرة لدينا على الخروج من النفقّ الذي وضعتنا به هذا الأحزاب والحركات، حيث تَموضَعَنا داخل نظرية الكهف بعمقْ.
 من اليوم، وأن مرَ وقتً طويل نسبيا، يجب أنّ نُعيد بناء الأفكار السابقة وقراءة الحقائق من وجهة نظر ثانية، مع الآخذ بالتاريخ العريق للحضارة المسيحية في بلاد ما بين النهرين، والنهوض بالوعي العام لهذه الشريحة المغبونة، وليس الجالية كما اطلق عليهم رئيس الوزارء السابق نوري المالكي الغير مأسوف عليه، المهمشة والمركونة جانباً كإطار إحطياطي لسيارة مستهلكة، مع دَئب الحكومة العراقية والأحزاب بكل عناوينها لتقليل وعزل وإقصاء هذه الشريحة والمكون الأصيل من المشهد السياسي والأجتماعي والحياتيْ والعلميْ، واليد الآثمة التي تُنفذ هذه الأجندة القذرة هي الميليشيات التابعة لهذه  الأحزاب، التي هي الحكومة نفسها، والتي ما فتئت تقتل وتُهجر وتفتك بهذه الجماعة التي سكنت البلاد من فجر الحضارة، ولكن مع كل هذا فالمسؤولية لا تقع فقط على عاتق هؤلاء، فنحن أيضا تتحمل جزءا من هذه المسؤولية، لأننا تماهينا وتماشينا مع تيارات وقوى سياسية لمَ ولنَ تكن في مستوى هذه المهمة الخطيرة والمسؤولية الجسيمة، حيث دأبت منذُ البداية  على التقليل من قدرة هذا المكون، أليس الأمر مستغرب اليوم حقا، وبعد مرور كل هذه السنوات العِجّاف كيف وضعنا أنفسنا بين المجلس الشعبي والحركة الديمقراطية الآشورية زورعا وحركة أبناء النهرين وغيرهم، فالحركة الديموقراطية الآشورية زوعا ومن تأسيسها ضلت حركة مغمورة لم تؤدي أيّ دور يُذكر، لا حين كانت في جبال كردستان، ولا بعد الأحتلال، أكثر ما وصلوا له هو ثلاثة مقاعد معطوبة في البرلمان العراقي العاجز أصلاً، وهذه الكراسي إيضا سحبت منهم بعد أخفاقهم هم ذاتهم، وليس بسبب الكلداني ريان وقائمته المزعومة بابليون، وَإِن جاء فكردة فعل للوضع الشاذ القائم، فكيف نفسر أذا ميليشيا مسلحة شيعية بلباس مسيحي كلداني!، أخفاقٌ جرَّ أخفاقْ آخر، وهكذا كرت السلسلة، كل شيئ تهاوى كأحجار الدينامو ، فشل أكبر من فشل، وفي كل مرة كان هذا الأخفاق وهذا الفشل له ما يبرره في الحديث المُنمق للسياسيين. المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري لم يكن أحسن حال من نظيره، فهو ومن تاريخ التأسيس عام 2007 لم يخرج من العباءة الكردية، ولو ذهبَ الى المريخ وعادْ هو صنيعة كردية، وسوف يبقى كذلك تحت غطاءٍ كلداني سرياني آشوري، المهم النتائج تصب في مصلحة من على المدى الطويل، حتى الجمعيات والفعاليات السياسية لم يكن لها مشروع وطني واضح تنهض من خلاله بهذا الارث الحضاري والانساني والثقافي. لم يقدروا جميعهم الأنتقال من روح سكولائية (تلقينية)، إلى فكر عقلاني يساهم في بناء تصورات جديدة لهذا الوطن المنكوب، من خلال سعيهم نحوَّ فهم أعمق لصالح وعي جديد ينبني على مشروع وطني كمنطلق نحو العالم، كل هذا ضاع في غمرة الصراع على المناصب الواهية والكراسي البالية. المؤسف حقاً إن كل ذلك الأرث دخل في الثقب الأسود،  وهنا لا نتحدث عن بائع مشروبات كحولية مسكين في شارع السعدون أو موظف بسيط في وزارة الزراعة، لا نحن نتكلم عن فلاسفة وعلماء كانوا في بلاد ميزوبوتاميا، تنهل منهم ومن ثقافتهم جميع شرائح المجتمع، وكانوا قريبين من مجالس، الملك، الحاكم، السلطان، الأمير، الخليفة، ولهم كلمتهم المسموعة في دواوين الدولة، كيف ذهبَّ علماء بغداد وعمداء بيت الحكمة، أمثال يوحنا بن ماسويه وجبريل بن بختيشوع وحنين بن إسحاق وعبد المسيح بن بُقيلة، والشاعر عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ العِبَادِيُّ التَّمِيمِي، والأكاديمي والمربّي البروفسور متّى عقراوي أول رئيس لجامعة بغداد، والوزير والباحث والاقتصادي يوسف رزق الله غنيمة والصحافي والسياسي روفائيل بطي  وكوركيس عواد وميخائيل عواد، وكثير من العلماء العرب المسيحين. من كان وراء عزل وتناسي هذه القامات التي خدمة الوطن بكل اخلاص، هل ضاع كل هذا للأبد على صخرة الانانية والطمع والجشع؟، وذهبَ ذلك الأرث دون عودة!، وتلاشة ظل تلكُمّ الرجال؟ هل تكسرت الأمواج الثقافية والصروح الفكرية وانتهى عمرها ؟، هل إنقضت تلك الأيام مع رياح الحروب وغبار المعارك إلى الأبد، حقا مع شديدْ الأسف على كل ذلك الميراث الضائع.
كل ما اريد قوله هنا، إن السياسات والفِكّر السابقة لم تعد تجدي نفعاً وسط هذا الكم الهائل من الكذب والرياء والنفاق والفساد المُمارس في العراق الغير مسبوق، يجب خلق نواة جديدة من الأفكار لتحويل أو تحريك  مسار المرحلة التي  نسير عليها، والرهان على ذلك قوتنا العلمية والفكرية والفلسفية، وأن أخذت منا مجهوداً كبيراً ومضاعف ولكن يحب أن نبدأ، والبدأ يكون من الافكار والتي حتماً تؤول إلى أفعال في نهاية الأمر. وهنا يستحضرني قول الكاتب جورج أورويل( الشعب الذي ينتخب الفاسدين والانتهازيين والمحتالين والنهابين والخونة، لا يعتبر ضحية بل شريكا في الجريمة).

64
المنبر الحر / ما بعد القومية
« في: 07:41 20/08/2018  »
ما بعد القومية 
بقلم/ سلوان ساكو
في الندوة الأخيرة لملتقى سورايا الثقافي، والذي ينعقد كل شهر مرة في ضمن الفعاليات الثقافية في ولاية ملبورن الأسترالية،  هذه المرة تم استضافة الأستاذ صباح ميخائيل برخو، وكانت الندوة تدور حولَ الأنتخابات البرلمانية الأخيرة، ودورّ شعبنا المسيحي، وأحزابنا السياسية بكل فروعها، والقوة الفاعلة في الساحة، وتطرق الأستاذ صباح إلى مآلات وأسباب إخفاقها في عرض شيق وتاريخي مشكوراً عليه وعلى جهوده المبذولة لصالح قضية شعبنا،  والحق يُقال أنه أحاط الموضوع من كل جوانبه، من الناحية التاريخية والاجتماعية والسياسية. وهنا تجدر الإشارة بمعنى النقد التقييم للأفكار الكونية الكبيرة التي شغلت الساحة السياسية لعقود، وليس تقيم الندوة فالأستاذ صباح غنيٌ عن التّعريف والتقييم.
في اثناء المحاضرة شردَ ذهني قليلاً، وكعادتي صرتُ أسأل أسئلة جدلية من وحي الآية  (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)، وأفكر إين باتت القومية برمتها، المحلية، العربية، العالمة، بل إين هو اليسار العربي الذي كان يشغل الدنيا والنَّاس في وقتْ ما، وبعض تجلياته، كالاشتراكية، والناصرية، والبعثية، كيف ذبلت كل تلك الأفكار الكبيرة ولم يعد أحد يذكرها الأن مع انها كانت تستحوذ على الساحة السياسية في فترة الخمسينيات والستنينيات الى مطلع السبعينيات، واؤفُلْ نجمهم مع حرب حزيران 1967، وبدأ بزوغ نجم حركات الأسلام السياسي كرد فعل للنكسة المذلة التي  مُنِيَ به العرب، والى اليوم يشربون من مرارة تلك الكأس، وهذا موضح بشكل كبير في كتاب  (معنى النّكبة) للمرحوم  قسطنطين زريق (1909-2000)، لا بل أن الكثير من المناضلين اليساريين تحولوا الى أقصى اليمين المتطرف، والراديكالية الأصولية، وهذا اشتد اكثر بعد إنهيار الكتلة الاشتراكية الكبرى في  الأتحاد السوفيتي أواخر القرن المنصرم، مِمَا شكل هزة قوية لجميع الأفكار والتيارات اليسارية، واعطى أنطباع أن كل الأفكار الماركسية واللينينيه والتروتسكية لم يُعد لها وجود، وطبُعت هذه بمِيسَم النسيان ووضعت على الرفوف. اليوم وفي حديثنا وفي صيغة كلماتنا التعبيرية من يذكر  البروليتاريا أو البورجوازية أو الطبقة الكادحة أو نظرية أغتراب العامل أو فائض القيّمة أو نقد رأس المال، كل هذه كانت أفكار مُتداولة وبشكل يومي وممُنهج وعلى كل المستويات والفئات، الطلاب الأساتذة الجامعات الحانات العمال الفلاحين، الكل يسأل ويريد أن يفهم معنى الماركسية ومعنى الحداثة ومعنى البنيوية ومعنى التفكيكية ومعنى الوجودية ومعنى الوضعية، كان هناك عالم متكامل من الأنثروبولوجيا  يدرس الإنسان الأجتماعي  والإنسان الثقافي وقيْم ومعايير المجتمعات، وتُعقد صالونات وندوات ومحاضرات وجدل ونقاش وتفاعل بين الجماعة الحاضرة، فتفرز من كل هذه النقاشات نظرية فلسفية ديالكتيكية تُوظَّف من أجل الصالح العام مما يؤدي إلى شيوع أفكار  بطريقة موضوعية تُحدّد الأهداف لتحقيقها وما تفرزه من عملية توظيف ضمن هذا الإطار في الواقع اليومي المُعاش للتأثير على سياق حركة التاريخ. إين نحن اليوم من كل هذا؟، في ظل المتغيرات الكبيرة التي طرأت على روح العصر، من منا بات يسمع أو يناقش أو حتى يرن في أذنيه قول كارل ماركس  حين يقول ( أن اسلوبي الديالكتيكي لا يختلف عن الديالكتيك الهيغلي وحسب، بل هو نقيضه المباشر. فهيغل يحول عملية التفكير، التي يطلق عليها اسم الفكرة حتى إلى ذات مستقلة، انها خالق العالم الحقيقي، ويجعل العالم الحقيقي مجرد شكل خارجي ظواهري ُللفكرةُ. اما بالنسبة لي، فعلى العكس من ذلك، ليس المثال سوى العالم المادي الذي يعكسه الدماغ الانساني ويترجمه إلى أشكال من الفكر)، أنتهى الاقتباس، أو طنين فريدريك إنجلز  ( أن مسألة العلاقة بين التفكير والوجود، العلاقة بين الروح والطبيعة، هي المسألة الكبرى للفلسفة بكاملها، أن الأجوبة التي اعطاها الفلاسفة لهذه المسألة تفصلهم إلى معسكرين عظيمين، اولئك الذين أكدوا على اولوية الروح على الطبيع معسكر المثالية، والآخرون الذين اعتبروا الطبيعة اولية يعودون إلى شتى مدارس المادية)، أنتهى الأقتباس. من يطرح هذه الأفكار العميقة اليوم؟، لا بل من له المقدرة على إستيعابها وبلورتها والخروج منها بنص من الأساس، فاليوم  هنالك أفكار كونية تفرض نفسها بقوة في الصدارة، كنظام الصفر واحد، وتيار بعد بعد ما بعد الحداثة الفعّال بقوة الأن في الغرب، ومذهب ما بعد البنيوية، ونظرا للكم الهائل من المعلومات بات الكل يريد المعلومة السهلة المستساغة، الجميع يتجه نحو العم كَوكل، ينقر عليه فيلبي الطلب خلال جزء من الثانية، وبجميع اللغات العربية والأعجمية، مليارات من الإحداثيات مخزنة في هذا النظام الرقمي العجيب كمنصة للمعرفة. هل اليوم تصلح القومية أو الأشتراكية أو الناصرية كتعبير ثقافي عن مكان أو لغة أو شعب أو أرض؟،  أَلَيْسَ العالم اليوم قرية صغيرة؟، لا بل أَلَيْسَ الجنس البشري برمته داخل كرة مغلقة من الديجيتال؟ حتى تسوق الفواكه والخُضار يمرّ من خلاله؟، ألسنا أرقام تتحرك في ظل هذه المنظومة الكونية الهائلة؟، حتى من يريد السفر خارج البلاد  وهو مشمول بدفعات الضمان الأجتماعي ما أن تقلع الطائرة به  حتى يُقطع الراتب!. ضني أن الكثير من البديهيات تغيرت ومعها تغير الوعي بالمفاهيم ذاتها وبات هنالك مصطلحات جديدة وأشكال واساليب لأدوات التفكير أيضا جديدة لا تتماشى مطلقا مع ما كان مطروحا في السابق، فعقارب الساعة لا تعود للوراء ابداً، والماضي هو جزء من الماضي والتغير والتجددْ هو قانون الذي يحكم الطبيعية في مدار إهليليجي.       

65
الطريقْ للفهمّ يبدأ من هَنا
بقلم/ سلوان ساكو
الى حدّ الأن، وإلى اليوم لم ندركْ أهميّة التفاعلات الدولية المحيطة بِنَا وكيمياء السياسة العالمية وأدواتها وسياقاتها المتشعبة، ولم يستوعب الشعب العراقي بالخاصة الدافع الأساسي وراء الغزو الأمريكي للعراق في 2003، وكل المحاولات للسعي الى الفهم ما هي ألا مداورة على الإطار العام للملف من دون الدخول الى الجوهر والعمق الحقيقيين. وهي من واقع الحدث اليومي للنمطْ المعتادين عليه في الطرح (الكلام العادي للاستهلاك اليومي لا اكثر)، وقدرات ذهنية مُعطلة يجب عليها أن تعمل اليوم قبل غدّ، وعدم الوعي بالقضايا الكبرى المصيرية، واساء أكثر ما أساء لذلك كله القراءات المستعجلة والخاطئة، والتأويلات المُلتبسة الممزوجة، نظيف أليها الأحكام المُسبقة التي نطلقها بِدراية وبدون دِراية فبات القياس Measurement عشوائي وبدون ضبط أو دلالة، حتى أَمْسَيْنَا لا ندريْ خَبَايَا الأُمُورِ وما هو مكتوب ما بين السطور، تُطلقْ الأحكام على عواهنها بدون أبجدية المعرفة، وصرنا بعد مرور أكثر من خمسة عشر عام على الاحتلال نتخبط بمياه سياسية ثقيلة وداخل حلقة مفرغة، والذي نفكر به مجرد أضغاث أحلام لا أكثر ولا أقل، والبائن أننا سوف نظل في هذه الدوامة وهذا التخبط الى ما لا نهاية أذَ لم نُعيد صياغة الأفكار ونُعيد قراءة الحرب من البداية لكي نفهم ونعرف أبعاد الموضوع وكَيما لا نِضِيع أكثر في متاهات ودوربْ الكلام الفارغ، ولنعي حقيقة الوضع برمته من الأول لكي نصوغ من جديد حديث منطقي مُفيد يسلط الضوء على الحقائق المجردة دون رتوش لا معنى لها، وهذا بدوره سوف يخلق وعيا من مستوى آخر، مستوى أعلى، ووعيا يتفرد به الفرد العراقي ويملك أعين أبصر من زرقاء اليمامة ويفهم ماذا يُعد له في مطبخ السياسة الأمريكي، ليس من الأن ولكن من سبعينيات القرن المنصرم وبالتحديد من قرار تأميم مجموعة شركات نفط العراق المحدودة (IPC) من قبل الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر 1972، والذي أدى بدوره الى هذه النتائج المأساوية في نهاية المطاف. ولكي نفهم بشكل أدقْ وصحيحّ من البدء يجب أن نستبعد نظرية المؤامرة وتستبدلها بنظرية المصالح بين الدول، أو المصالح المشتركة بتعبير أفضل، العامود الفقري للسياسة العالمية في كل العصور والأوقات، وإنّ هذا لعمري شيء حسنا أن وظف بشكل جيد بحيث يخدم مصلحة البلد والشعب، والخروج من نفق الماسونية والصهيونية والإمبريالية، وهذا الفلم الهندي السخيف الذي عاف عليه الزمان وأصبح في خبر كان. ويجب أيضا أن نستبعد مسألة ثروات العراق التي لا تنضب في الوقت الحاضر على الأقل لكي لا تشوش على الفكرة الأساسية، وأن أمريكا أحتلت العراق بهدف النفط وحده، وأنها ضحت بأكثر من 4421 عسكري، قضى 3492 منهم خلال مشاركتهم في الأعمال القتالية، بينما بلغ عدد الذين أُصيبوا جرَّاء العمليات 32000 شخصا، وقد أنفقت مع نهاية العام 2011 مبلغ 1.8 تريليون دولار على الأقل، وذلك بناء على النفقات الفعلية المعلنة من قبل وزارة الخزانة الأمريكية على تمويل الحرب وهذا ما أيده البروفسور جوزيف ستيغليتز عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل، من أجل النفط والكبريت، ووهم الزئبق الأحمر الذي يصرح البعض بكل جرأة أنه موجود في جنوب العراق على شكل بحيرات كبيرة.
الرتمْ في الطرح هو أن الولايات المتحدة الأمريكي ومن حقبة الرئيس رونالد ريغان في الفترة من 1981 إلى 1989، اتخذت من تيار المحافظين الجدد Neoconservatism خطاً نسقياً لها وفِي سياستها الخارجية، وأصبحت تركب هذه الموجة الفكرية الفلسفية الخطيرة ذات البُعد الاستراتيجي بعيد المدى. والواقع أنهم بدأوا باستغلال الدين لترويج مصالحهم كما سنرى لاحقاً. وأول من نظر لهذا الفكر هو ليو شتراوس (1899 - 1973)، وهو فيلسوف أمريكي يهودي من أصل ألماني، يعده البعض الملهم الأول لأيديولوجيا للمحافظين الجدد، وهم أيَّ المحافظين، مجموعة من اليساريين التروتسكيين الماركسيين، ملحدين في الصميم، وبالرغم من أن بوش الأبن لا ينتمي شخصيا لهم ومؤمن، إلا أنه تأثر بهم لاحقاً وفِي سياساتهم أشد تأثير. انقلبوا هؤلاء المجموعة ضد الليبرالية الأمريكية، وضدْ الاتحاد السوفيتي وقت ذاك، وطالبوا من إدارة ريغان باستخدام القوة المفرطة مع الاتحاد السوفيتي من أجل إسقاط النظام الشيوعي، وكان ابطال هذا الطرح أسماء لطالما رنةْ في أذان العراقيين من إيام حرب الكويت 1990، كرونالد رامسفيلد، وديك شيني، وزلماي خليل زاده، وريتشارد بيرل، وليس صدفة أبداً أن تُعاد الأسماء في حرب عام 2003، ولكن بسيناريو جديد هذه المرة ويظل المبدأ والهدف واحد، وهم غير التماميه المسيحية، وتيار المسيحية المُتصهينة الفاعلْ بقوة في أوساط النخبة الامريكية، والذين يعتقدون ويؤمنون أنه يجب دعم إسرائيل بكل قوة من أجل مجيء المسيح مرة ثانية. من أهم من نظر للمحافظين الجدد بعد شتراوس من الجيل الجديد، برنارد لوس وآلن بلوم وفؤاد عجمي، وهذا الأخير صاحب فكرة إسقاط القومية العربية، وهي أردء ما صنعه العرب حسب قوله (أخطر إيديولوجيا بعد زوال الشيوعية ويجب إزالتها وإسقاط طغاة العالم العربي الذين يحكمون باسمها). نشأت هذه المجموعات على إيدي مجموعة من اعضاء حزب الديموقراطي الرافضين للسياسة العامة في واشنطن في السبعينات، ‏ وانشقوا عن الحزب الديموقراطي، والتحقوا بالحزب الجمهوري، ومرة أخرى ليس صدفة أن جميع الحروب العالمية يخوضها الجمهوريون، رحبت بهم حكومة ريغان كما قُلنا، وبدأ شتراوس مما اعتبره نقائص الليبرالية والتي اعتبرها النتيجة المنطقية للأفكار الفلسفية للحداثة وما بعد الحداثة، وهذه اشتملت على ميل داخلي نحو النسبية الذي تؤدي إلى العدمية في المحصلة الأخيرة. انشغلَ ليو شتراوس بالفلسفة السياسية ما قبل الحديثة على وجهّ الخصوص، من اليونان، أفلاطون بالتحديد، مروراً بالفارابي وابن ميمون حتى العصر الحديث، (يقول شتراوس (ما كان يشغل بالَ روسو هو حاجة كلّ فرد إلى مجتمع جمهوري (Republican Society) من أجل أن يصوغ رغباته وطموحاته تجاه أندادهِ في شكل قوانين) ومن هنا جاءت فكرة الفوضى الخلاقة (Creative chaos)، التي جَهَرت به علنيا كونداليزا رايس وزيرة خارجية جورج بوش في الحقبة الثانية، ومستشارة للأمن القومي في فترة الرئيس بوش الأولى بين عامي 2001 - 2005، والتي أرادت الأدارة الامريكية تطبيقها كنموذج خاص ( Special form) في العراق وكحل ديموقراطي نهائي للأزمات( A democratic solution)، ونمط غير عادي للحكم (Extraordinary pattern)، وهذا الاحتيال على المفردات والدوران على اللّغة كان مقصودا، بحيث يجري فهم حقيقة ما يُقال فقط من قبل قلة متخصصة، دون أن يُفهم من الناس العاديين، و بالتالي دون أن يؤثر على قناعتهم و خضوعهم للنظام السائد. فأمريكا ليست فقط حالة متقدمة جدا لليبرالية البرجوازية هي تعمل على خلق     Global system)  ) نظام عالمي جديد، وهذا ما صرح به جورج بوش الأب في عام 1991  عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، و بالتالي تتحمل الولايات المتحدة خطورة عالية على الحفاظ الأمن والسلم العالمي، وهي حسب ليو شتراوس أيضاً يجب أن تتحمل المسؤولية الأخلاقية اتجاه العالم وتخلق نخب هي التي تحكم، وأن كلّف الكثير من الضحايا، يكون التحكم وأن كان من بعيد بيدّ أمريكا، بحيث شكل سياق فكر شتراوس الفلسفي حجر الزاوية في تَسير دفةْ القرارات، وحول موازين القوّة للكتلة الرأس مالية خاصة بعد أن ظل لاعب واحد في الساحة الدولية. وهنُا أزاد الشتراوسيين والذين رَأوْا أن العالم يجب أن يقوده نخبة النخبة أي طبقة الفلاسفة ومن هذا المنطلق صار هناك مفهوم جديد للحكم أو الدولة يختلف مع مفهوم هيجل للدولة المقدسة، وهذا الامر قديم جديد في نفس الوقت حيث اراده أفلاطون في جمهوريته وبعد ذلك الفارابي ومن بعده أبن ميمون لتعزيز فكرة أعمق من ذلك وهي ان المجتمع مقسم بطبعه الى عدة مستويات، الرعاع، المتعلمين مع أنصاف المثقفين، والفلاسفة الحاكمين، أم كيف طوعوا كل هذا ونفذوا هذه الخطط الكبيرة، الجواب إنهم تحالفوا مع الاصولية المسيحية الامريكية في تحقيق مأربِهم وعلى المدار الطويل والأمد البعيد، لأن الدين حسب قولهم سهل التطويع ويدخل كل منزل وبالتالي يسهل ترويج الأفكار عن طريقه. ولا يتصور القارئ الكريم أن الأصولية المسيحية تعني الكلدان أو السريان والاعتراف عند الكاهن، وقداس يوم الأحد ظهرا، وصوم واشتراكات، و شباب وشابات الجوقة، لا أبدا، هي أصولية ظهرت بالأساس كرد فعل ضد الحداثة، وفِي نفس الوقت هي إعادة صياغة للعلاقة بين الدين والسياسة من المنظور المسيحي، وقد نشأت في الغرب مع بلورة حركة الإصلاح الديني، جمعهم مِلاط ومصالح وقاسم مشترك مع المحافظين الجُدد والجمهوريين، حتى تمظهرت على شكل حروب استباقية تخوضها أمريكا باسم كل هذا النسيج الجامع الذي لا يصل أَلاَ لقلة القلة.
وإلى حدّ اليوم هذا التيار موجود في أدارة دونالد ترامب ويعمل بقوة مع أن الرئيس الأخير، ذوّ الميول والعقلية التجارية والسياسية معاً، وأرثهم موجود ولن يزول بسهولة على الأقل خلال الجيلين أو الثلاثة القادمة، وسوف نشهد تغيرات كثيرة في جيوبوليتيك المنطقة، خاصة الشرق الأوسط، مع الأخذ في نظر الاعتبار لجمّ التنين الصيني من الاستحواذ على التجارة العالمية، كل هذا وغيره يطرح سؤال وجيه وعميق، ما هو مستقبل العالم؟، والى أين حدود النظام العالمي الجديد في هذا المأزق الحضاري؟، وكيف سوف تؤول الأمور مع هذا الكمْ الهائل من المنعطفات الاستراتيجية في الصراعات بين القوى العظمى على هذا الكوكب والتي ما انفكت تزداد يوما بعد آخر وانعكاساتها على الواقع العام؟.

66
الفضائح الجنسية تطالّ كِبار الأساقفة
بقلم/ سلوان ساكو
اذا ما أرت أن تزعزع من مكانة شخصا ما وأحراجه والقضاء على مستقبله، أو حتى رجل الدولة الرفيع والحكومة، ما عليك سوى بالفضائح الجنسية، هي الكفيلة بترجيح كفة الميزان للجهة السلبية حتماً. فمدير السابق للصندوق النقد الدولي والمرشح للرئاسة الفرنسية، دومنيك شتراوس كان، كان له بريقْ نجمّ ذات يوم وأَفَل نجمه، وأنتهت حياته السياسية والاقتصادية بلحظة غير سعيدة من مساء نيويوركي بارد مُثلج، حين أدعت عليه عاملة النظافة في الفندق الذي كان ينزل به في منهاتن بالأعتداء الجنسية الفموي، فأنزلته قاضية تحقيق البلدة من الطائرة التي كانت مزمعة أن تغادر  بِه الى باريس وحكمته وسحقت مستقبله للأبد. حتى الرئيس الروسي فلادمير  بوتين، ما كان سيصل الى سدة الرئاسة الروسية في يوم من الأيام لولة التهمة التي لفقها لنائب المدعي العام الروسي في موسكو، والذي كان يحقق في قضية فساد تاتيانا ياماشيفا ابنة الرئيس الروسي بوريس يلتسين وزوجها والتي طالت حتى يلتسين ذاته، فلم يَرَى مناص الرئيس السكير السابق لروسيا الأتحادية، غير شاب أل كي جي بي العائد حديثاً من إلمانيا الشرقية ليخلصه من هذا القاضي المتحمس، فوجه له الشاب المندفع فتاة حسناء لقاها القاضي في مصعد العمارة عند الظهيرة، ومع حلول المساء كان الفلم الأباحي يُعرض على القناة الروسية الأولى، فطوية بذلك ملف الفساد للأبد وتقرب بوتين من مركز القرار في الجمهورية الوليدة بعد أنهيار الأتحاد السوفيتي.
تتعرض الكنيسة الكاثوليكية في أسترالية إلى حملة شرسة وغير مسبوقة على الإطلاق، ووجهتْ وتوجه إلى الْيَوْمَ تُهمْ عديدة بالإساءة الجنسية للأطفال، طالت شخصيات رفيعة ذات وزن وشأن في هيكلية الكنيسة، فالكردينال جورج بيل رئيس أساقفة مالبورن ووزير مالية الفاتيكان يَمثل أمام المحكمة الأسترالية في الولاية بُتهم وجهت له بأعتداءات جنسية على الأطفال قبل خمسين عام حين كان كاهن في قرى الريف، التهم الموجهة لثالث شخص في الكنيسة الكاثوليكية من النوع الواهي والغير منطقي والغير أخلاقي، كفعل تجني وقضية كيديه، الغاية تشويه سمعته والطعن في سلوكه وشرفه، كإعطاء منشفة لصبي في حوض سباحة، أو التربيت على الكتف أو حضور فلم في السينما مع أبناء الرعية قبل أربعين عام، وغيرها من الُتهم الباطلة التي وصفها محاميه روبرت ريشتر  أمام المحكمة في إحدى جلسات الاستماع، إن هذه الاتهامات "مستحيلة"، واصفا المدعين بأنهم "ليسو جديرين بالثقة". شخص مثله طاعن في السنْ بعد خدمة ناهزت الستين سنة يُجرجر إلى المحاكم ويضرب حوله طوَّق أمني من رجال الشرطة والأمن الخاص كأي إرهابي كبير،  بعد طول خدمة قضاها في خدمة الناس والشعب الأسترالي، عن أيَّ عدالة وقانون نتكلم أريد أن أعرف؟.
لا أخلاقية الحكومة برئاسة مالكولم تورنبول والمعارضة برئاسة بيل شورتن تتوافق مع مصلحة الوضع القائم والأفكار السائدة من تفكيك منظومة الدين والحطّ من قيمْ الكنيسة الكاثوليكية في المجتمع، وأن كان من خلال طُرق غير مباشرة ودهاليز الخطاب السياسي المبطن والذي يحتاج لتفكيك وتفسير لفهمه جيداً، ( سياسية ميكيافيللية) المعلن شيء والغايات شيئاً آخر، فلم يمرّ  وقتً طويل على تشريع قانون زواج المثليين والتي وقفت الكنيسة الكاثوليكية له بالمرصاد، ولكن مرّ  في نهاية الأمر  وصارَ قانون مُشرع تتخذ به المحاكم المدنية والبلديات في سياق المعمول بِه.
 الحملة كانت ومازالت شرسة على رجال الدين الكاثوليك، فهَذَا رئيس أساقفة أستراليا، فيليب ويلسون، قال يوم أمس أنه سيتنحى عن مهامه بعد يوم من توصل المحكمة إلى إدانته بتهمة التستر على قيام قس باستغلال طفل جنسيا قبل عقود من الزمن. نعم يوجد أعتداءات ويوجد تقصير في محاسبة المُعتَدي، وهذا ما صرح به قداسة الحَبر الروماني البابا فرنسيس، بفصل أي قسيس لم يبلغ عن حالات الأعتداء الجنسي على الأطفال والبالغين المعرضين للخطر، وأعلن بنفس الرسالة أنه أسس هيئة محلفين تساعده على اتخاذ القرارات بشأن فصل القساوسة والمتهمين بحالات الأعتداء الجنسي، بل حتى أجتمع مع مجموعة صغيرة من ضحايا الأعتداء الجنسى للأطفال على أيدى قساوسة فى تشيلي قبل فترة، وقال الخبر أنه (أستمع إليهم وصلى وبكى معهم)، وعُقد الأجتماع  فى سفارة الفاتيكان فى سانتياجو وإنه كان شديد الخصوصية. ولكن الصيد في الماء العكر شيئ ثاني، وتَألِيب الرأي العام في الشارع من قبل الحكومة والمعارضة على حدٌ سواء  الذين لا يتفقان على شيء سوى على خراب الهيكل، هنا يكون خيط معاوية الرفيع والذي تُحاول القنوات التلفزيونية المحلية بعرضها لمشهد الكردينال العجوز  والأساقف المتهمّ وهم يدخلون أروقة المحاكم عشرات المرات باليوم الواحد قطعه. يجب علينا أن نفرز الرّث من السمين من الأخبار التي تطلقها الأقنية، فليس كل ما يُقال صحيح وليس كل ما يصدر من كلام موثقً به، فكما يقول المثل الشعبي اللسان بدون عظم.

67
كلمة حَقّ بحقّ مجلة بابلون الصادرة في ولاية ملبورن.
بقلم/ سلوان ساكو
يفعل حسناً محررو مجلة بابلون الفصلية، المستقلة، الثقافية، والصادرة في ولاية ملبورن الأسترالية من جُهود مبذولة مشكورة عليها سلفاً لتحريك مياه الثقافة العربية الراكدة في نطاق الولاية، والرجوع إلى لغتنا العزيزة لغة الضاد، دون تعصب لجهة معينة أو محسوبيا، وتحويلها لمنصة فكريَّة تُعزز من مكانة المعرفة الحقة وتبث المعلومة الصحيحة كَيْما يستفيد منها القارئ العربي بشكل عام. فمعَ إنتشار ثقافة القراءة الألكترونية، والتصفح عبرَ الويب سات، بل حتى ضمن App Store المحمول، وولعْ الناس بالمعلومة السهلة دون جهد مبذول لتصفح المُنْتَج الورقي، صار هناك تحدي من نوع أخر، سواء كان على عاتقّ هيئة تحرير الجريدة أو المجلة أو الناشر على حدّ سواء، وهو إصدار مجلة محترمة ذات طابع ثقافي أدبي أجتماعي سهلة المنال وتوزع مجاناً فيظل على القارئ أن يتصفح من هذا المنتج وينهلْ من مُعين الثقافة والأدب باللغة العربية الممتعة والشيقة.
 التحديات كبيرة على الجاليات العربية وخاصة منها العراقية، والأنصهار  في بوتقة المجتمع الأسترالي الجديد يفرض نفسه بشدة على العوائل المهاجرة والتي تحاول الأحتفاظ بقدر الإمكان بهويتها دون الرجوع للماضي كوعي نوستالجي ( الحنين للماضي كمرض) كإطار للذات المنكسرة وهي تحاول النهوض من كبوتها محاولة صياغة الحاضر مع مفردات الماضي في إعادة الهوية، وأهم هوية محورية للأنسان هي اللغة أيضاً كوعي بالذات كمفتاح لتأثيث هذا المسار، وهنُا يقول الفيلسوف الألماني هيدجر (اللغة بيت الوجود)، فاللغة أعظم إنجاز بشري فعله الإنسان خلال خمسة وستة آلاف سنة مضت، وأعظم شيئ فعله هذا الإنسان ويفعله هو الكتابة والتوحد مع نفسه وهو ويكتب، لا يهم سواء كان بيت شعر أو مقالة أو قصة أو تحليل سياسي أو أقتصادي، المهم هو فعل الكتابة نفسها، والأنعتاق من هذا العالم عبرَ القراءة والتفرد به. يقيم الأنسان علاقة حميمة مع لغته والتي تصبح مع مرور السنين هويته هو، وذاته العليا، وأناه ( ego) التي يدور في محورها لتصبح مع التقادم فعل معرفي ذات جذور بعيدة في اللاوعي (The subconscious) ورافد مهم في حياة الإنسان كحق مشروع له هُو، وتأكيداً لهذا المبدأ تقوم الجالية التي تُريد الحافظ على لغتها أيَّ هويتها بإصدار مجلة ذات بعد ثقافي، أو يقوم شخّص بطباعة مجموعة قصصية أو رواية حتى أو ديوان شعر، أو إقامة مهرجانات (كمهرجان مار أفرام للفنون) أو ملتقى سورَيّا الثقافي، فعاليات تُقام في ولاية ملبورن، تكون الغاية من كل ذلك هو الأحتفاظ بمكانة اللغة الأم، وهذا طبعاً لا يسيء للغة البلد أيَّ الأنكليزية بأي شكل من الأشكال، كلغة رسمية محكية يومية، بالعكس فهذا يزيد من إثراء ثقافة الفرد بتشكيلة أشمل للمعاني والمفردات والمصطلحات. وهنا يكون الرهِان على المنتج ذاته ومدى تفاعل الجالية معه وقرأته، وحتى عمل ورشات وندوات حوله لرفع مستوى الثقافة في الولاية مما ينعكس كل ذلك على الجالية نفسها حتى ضمن الحكومة المحلية ( Local government).
زبدة القول كل من يقوم بعمل ذوّ طابع ثقافي ومعرفي وأدبي يُشكر عليه سواء كانت مجلة أو توقيع كتاب أو  عقد ندوة،  فكل هذا لخدمة الناس، ومرآة تعكس ثقافتنا، وليس التَّمَاهِي مع  قول الشاعر نزار قباني،
ثقافتنا !
فقاقيع من الصابون والوحل
فمازالت بداخلنا
رواسب من " أبي جهل
ومازلنا
نعيش بمنطق المفتاح والقفل
نلف نساءنا بالقطن ندفنهن في الرمل.
وهو أن دلّ على شيء فيدل على مدى الشعور الذي ينتاب القائمين عليها إتجاه الجالية العراقية.

68
 المسؤول العراقي والغجرّ
لم تكنْ تتوقع عائلة المجيد والتي ينحدر منها الرئيس الراحل صدام حسين المجيد أن يأتي يوم وتزول فيها دولتهم القوية حسبهم؛ كالأمويين  والعباسين والقرامطة والفاطميين، والتي تحولت قبل السقوط المدوي إلى مزرعة خاصة لهم ولإسرهم، ولم يكن يتوقع إيضاً علي حسن المجيد أبن عّم الأول  1941 - 2010،  أن تحترق خيمته ويجف نهر الذهب الذي يَصْب في خزائنه من أموال النفط والرشاوي، وأن يحل يوم العِقاب وهو داخل قفص الأتهام وعيناه شاخصة نحو الأدعاء.

يظهر أن الأخير أيَّ علياً كان يحب التصوير ( فيديو ) فكان يقوم بتصوير كل حفلاته الماجنة الخاصة والعامة مع الغجرّ ( الكاوليه) على شرائط كاسيت، وبعد السقوط في 2003 حُمِلت هذه الشرائط وأنُِزلت على موقع اليوتيوب بأعداد وأجزاء كثيرة، ويظهر إيضاً أن الشخص أو الجهة التي أنزلت الأفلام تُريد أن تُصور مدى همجية وقروية هذا الكائن الغير مجيد، فخلال سنوات الثمانينات والحرب العراقية الإيرانية على أشدها والشهداء الشباب بالألف يعودون إلى الوطن ملفوفين بالعلم العراقي وملطخين بدمائه وأمهاتهم ثكَاَلى عليهم، كان هو يرقص ويشرب على جُثثهم مع غجره، فعل أخلاقي مُشين أليس كذلك؟، هذا ماعدا المفقودين والاسرى الذين لا عدّ ولا حصر لهم. هنا يظهر لنا وبشكل جليّ لا يقبل النفي مَدَى رعونة أزلام النظام السابق واستهتارهم بمقدرات دولة لكانت الأن في مصاف دول  متطورة لولا الحماقات. وهنا الحديث ليس عن مسؤول عادي أو موظف في دائرة الماء والمجاري، أو قائمقام قضاء المحاويل، لا هو ثاني رجل بالدولة، واقوة شخص بعد صدام حسين ذاته، مدير الأمن العام، وزير الداخلية، وزير الدفاع  برتبة فريق أول ركن، عضو قيادة قطرية في حزب البعث، مسؤول تنظيمات الشمال. كل هذا في أنسان جاهل وغير مؤهل من الأساس.

الأفعال هي نتيجة حتمية للأفكار والتي تؤول الى تصرفات في النهاية المطاف، وتوظف من أجل بناء وإعمار البلد. رجل الدولة الحقيقي يكون صاحب رؤى وفكر ثاقب ونظرة بعيدة للمستقبل تتبلور من خلالها نظرته لتطوير مؤسسات دولته، تّمر بتعرجات ومنحنيات وسقطات بين الفترة والأخرى لا يهم هذا كثيراً فهذا من طبيعة الأشياء!، المهم هو النهوض بالمنجز ذاته على أعتبار هو غاية الغاية، وحافزه المشروط هو ترك أرثٍ ذاتَ نمطْ عريق للأجيال اللاحقة ترسم حدود دولة ذات سيادة وقوية. في العراق الترسيمات تختلف تماماً، فجل أهتمام رجل الدولة ما بين الساقين والخيم والغجر، حتى صدام حسين لم يقدر أن يتخلص من هذه العقدة وهذا الإرث البغيض، إرتدى أرقى البدلات وتزوج مرة ثانية من بيت بغدادي عريق، ومسحتْ ألمانيا الشرقية الوشم الذي كان منتشراً على جلده، ولكن الوشم الحقيقي ظل محفورا في داخل الجلد بين حنايا النفس، ليس بمقدور احد ان يمحوه لأنه جرحاً غائر في الاعماق، أقول، كيف يستطيع شخص يحمل كل هذه الترسبات أن يبني دولة متطورة اذا هو أصلا منغلق على قضايا تافهة، وسنسأل مرة ثالثة ورابعة وخامسة وألف؟، كيف تكون العقل العربي، وأنحدر وينحدر بوتيرة سريعة للدرك الأسفل من الموجود الحضاري للبشرية وتطورها الهائل!. لن أرجع الى كُتب محمد عابد الجابري بالطبع، ولا إلى الباحث العراقي علي الوردي، ولكن بنية التكوين الأساسية واللبنات الأولى للعقلية العربية والعراقية بالذات بِنُية قبلية قروية صحراوية متخلفة، وهذا التأسيس الأولي على هذا الفعل قادَّ مع مرور الوقت إلى هكذا نماذج في غفلة من الزمان سيطرت على زمام البلد وتحكمت به وبأفراده، فجعلته إحتكار لتلك الأفكار ووظفت الخطاب الفكري القروي الساذج في بناء تلك الدولة، كيف يصح هذا؟، هنا ينجلي وبمكان ما وضع العراق الأن من الفوضى والخراب والتجزء والسرقة والفساد الغير مسبوقْ بأسم الوطنية والوطن، نفس ما كانت تفعله الغجرية بالضبط، ترقص على خارطة الوطن بكوفية المسؤول الحمراء على الخاصرة. لا أحد يستغرب من فشل الأنتخابات الأخيرة والتزوير  وحرق صناديق الاقتراع، وصعود رُعاع إلى مناصب رفيعة في  الحكومات السابقة والأتية، وتبوء الجهلة أرقى المراتب لأن الوضع الطبيعي مع الجهل المستشري في مفاصل الحكومة والدولة هو  هذا، والخطاب السلبي للسياسي العراقي الذي يصمْ الأذان في القنوات الفضائية المباشر منه والغير مباشر والذي يقتدي به الشعب يكمن أثره السلبي فيما يولده هذا الشخص من ضرر على الآخر والحياة والمجتمع والدولة ذاتها كخريطة لحدود جغرافية يعيش به الانسان بأمان وحرية، والأخطر من ذلك هو إن الخطاب المضمر والمبطن هو جزء من بنية العقل الجمعي للسياسي العراقي.
 ويبقى الطرح مفتوح، هل بمقدور الساسة والبرلمانيين والمسؤولين التحرر من كل هذه القيود التي كبلت وتُكبل العقول ليخدموا مجتمعاتهم وأوطانهم بشكل أفضل؟.

69
قانون سحبّ الجنسية في أستراليا
بقلم/ سلوان ساكو
حين أرادت الحكومة البريطانية ترحيل الداعية السلفي  عمر محمود عثمان الملقب (أبو قتادة) الى الاْردن دخلت في صراع مرير مع القضاء الإنكليزي، وظلت القضية في أروقة المحاكم سنوات طويلة دون التوصل إلى نتيجة تذكر، وجوبه قرار الترحيل بالرفض لسنوات عديدة مع أن ملف ابو قتادة كان مملوءً بقضايا إرهاب وأعمال تحرض على العنف، تورطه بنشاطات إرهابية ضد بريطانية نفسها وكان يُقيم الصلاة في وسط الشوارع العمومية ويقطعه على المارة والسيارات، ومع أنه لم يكن يحمل الجنسية البريطانية لديه فقط إقامة مؤقتة، لم تنتهي المسألة ألا بوعد من الحكومة الاردنية أن يحَظىْ بمحاكمة عادلة وبأشراف القضاء البريطاني ذاته على سير الجلسات، وفي نهاية المطاف رحُل الى عمان في عام 2013 مع أنه كان مطلوباً من قبل حكومات، الجزائر، بلجيكا، فرنسا، الولايات المتحدة، إسبانيا، ألمانيا وإيطاليا. .
نسمع شذرات كلام من هُنَا وهناك، وأقاويل بين الحين والآخر مفادها أن على السلطات الأسترالية أن ترحل من يثبت عليه صلته بالارهاب، أو من كان متعاون أو متُخابر مع تنظيمات لها صلات مشبوهة أو مشتبه بهم، وهذا الأمر صار أكثر مطلوبً من الناس بعد الهزائم التي مني به تنظيم الدولة الاسلامية في سوريا والعراق وباتَ المقاتلين يعودون إلى بلدانهم التي إنطلقوا منها بعد أن تشبعت أياديهم الآثمة بدماء الأبرياء وتلوث العقل بمفاهيم القتل والجهاد والأعتداء على حرمة الغير، وصار على الحكومات الأجنبية الغربية أن تحمي نفسها من هؤلاء الذين يسيئون للمجتمع ويعملون على تخريب البلاد التي أحتضنتهم. ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، والموضوع وليس تمنيات وطلبات طوباوية وأدعية واشعال شموع، والحديث عنه دون أهلية وبغير منطق، أو كلام عابر في مجلس عزاء لتزكية الوقت وشرب القهوة، أو إسقاط  الموضوع على العوائل الكَرد الفيلية التي أتُهمت بالتبعية لإيران  فطردهم صدام حسين ببساطة بين ليلة وضحاها خارج الحدود كمثل. الموضوع أكبر من ذلك بكثير ومعقد في ذات الوقت. الموضوع ينطوي على حزمة قوانين وتشريعات وقرارات ليست مشُرعة من الأساس، وقضية سحب الجنسية على من تثبت إدانته الارهاب أو صلته به غير مفُعلة، وهذا المتهم أو المشتبه به مطوقا ومحميا بسلسلة من التحصينات القضائية التي تعمل لصالحه، وتخدمه من جهة ثانية في نطاق تعويله على التشريعات ذاتها، ومحاميه يعرف ذلك تماما ويعمل في سياق هذا التتبع لسُبل تبرئة موكله بعد أدراك شروط المواد القضائية، لا وزير الهجرة ولا وزير الداخلية ولا رئيس الوزارء ذاته له السلطان في سحب الجنسية من أيّ مواطن حاصل عليها، لأن القضاء ببساطة منُفصل عن الحكومة، وهذه القضايا لا يبتْ بها غير المجلس الأعلى للقضاء وهذا الأخير غير معنى بكل هذا لأن المُشرع الأصيل لم يعطى مساحة كافية في النظر في هذه القضايا من البدأ، ناهيك عن حقوق الانسان والإعلان العالمي لحقوق الفرد في العيش، وصون الحريات الفردية كمفهوم ديموقراطي. هي بختصار ثقافة أحترام الآخر وتطوير أدوات المُسامحة مع الخصّم وفقْ وضع إنساني بحت، كل هذه وغيرها أمست كوابح تُعُطل من إتخاذ تدابير من شأنها أن تحدّ من الأرهاب الوافد من الشرق الأوسط، على الأقل سوريا العراق لبنان، وبالتالي تراكمت على الخطاب الفكري والثقافي للغرب عهودا من العجز في ضخْ تشريعات جديدة في جسم القضاء المترهل سببت هذا العجز المذموم وقطعت الطريق على الأجهزة التنفيذية، شرطة، مكافحة الأرهاب، جهاز ASIO، الامن القومي، على حفظ الأمن بشكل كافي، وهنا يبرز دور المشُرع الجديد Supreme Justice  أو كاتب الدستور الذي يحمي المجتمع والنَّاس، ويقوم القاضي بتفعيل هذا الدور وتطبيقه وضبط المجتمع من الشرور حيث يكون الأصل فيها أن الانسان مفطور عليها وأن وعينا الاخلاقي له تراكمات ورواسب لها القدرة على قتل صوت الضّمير. ولكن الموضوع ليس بهذه البساطة، هي أعادة أنتاج التجربة بعد أدراك الاخطار المُحتملة، ويجب على المواطن العادي والقاضي والحقوقي أن ينتبه لهذا الخطر الداهم على البلاد، وتشريع مواد تحدّ من هذا السرطان الذي بدأ يستشري في المجتمعات من خلال استئصاله من الجسم السليم، وإلا في نهاية المطاف سوف تفتك الخلايا السلطانية بالجسم وتدمره من الأساس.   

70
وهَنّ الشخصية المسيحية في الدراما المصرية
في عرضّ كوميدي وعلى مدار سنوات طويلة كانت تعُرض مسرحية (الواد سيد الشغال)، بطولة عادل إمام واخرون، ظهر لنا الفنان القديم والتقدير يوسف دَاوُدَ من خلال شخصية (الكَبلاوي باشا) وعلى مدار العرض المسرحي كان محطة للنصب والسخرية، تارة يضع سيدّ الشغال أداة شفط المرافق الصحية على رأسه، وتارة أخرى يلفه بقطعة قماش بيضاء، مما زاد من التهكم والسخرية والضحك إيضاً، قد تكون بريئة الى هذا الحد، ولكن بعد ذلك جاءت مسرحية الزعيم، وايضاً جاءت كلتا الشخصيتان أمام وداود متشابهتان في الأدوار، المنصوب والمنصوب عليه، على وقع كوميدي ولكن لا تخلوْ من إسقاطات لها منظور من زاوية أخرى، قبل كل هذا بسنوات عُرض فلم أشترك الاثنان معاً أي عادل ويوسف في أدوار البطولة، عنوان الفلم هو (حنفي الأبهة)  وتكرر موضوع السخرية ذاته، ولم ينتهى سينارست السخرية عند فلم حسن ومرقص لا أستمر  مع أفلام كثيرة مثل( فلم هندي) بطولة صلاح عبدالله ومنة شلبي، كان أقرب إلى بروباغندا رخيصة ومثيرة للسخرية تظهر من خلال عرض سينمائي، على كل حال، أما التطور الثاني فهو ما تمخضت عنه أفكار المؤلفين وكتاب السيناريو أنفسهم، حيث يقول البعض أن هذه أدور  سينمائية أو مسرحية، وأن الممثل الحقيقي يُؤدي أي دور يوكل له، بغض النظر عن الصفة ويحاول أن يضع على وجهه قناع من الشمع، مرة يظهر لصْ، ومرّة يظهر ضابط، واُخرى في شخصية تاجر مخدرات، وثانية رجل طيب، وآخرى طبيب، وهذه هي الأدوار السينمائية الدرامية يتقلب به الفنان من دور إلى آخر، ويفتعلون الغضب والخير والشر والفرح والحزن، من مقلب إلى مقلب ثاني. ولكن ألاْ يمكن أن يحمل القصد  معنى أخر معنى مُبطن، أبعد من ذلك، وأن السينما والشاشة الفضية وخشبة المسرح ليست سوى إنعكاس لهذا الشيء ومرأته الموجودة في المجتمع المصري أو لنقل العربي بشكل عام، مرآة معكوسة تهتز فيها كلّ صورة، وبعد ذلك تتشظى لكريات بلورية تعكس قاع المجتمع السحيق والذي ليس هو غير  تصورات خاطئة عن الغير، وبناء مونولوجي تركب على وعي مغلوط، وما يظهر على السطح من هذا المونولوج  ليس غير تجلي بسيط لهذه الأفكار والمشاعر والأحاسيس. هو نكوص سينمائي اذا جاز لي التعبير، ذوَّ دلالات كثيرة يحمل علامات استفهام، هذا ليس مقال تحريضي وانا بعيد كل البعد عن ذلك، ولكن لنفهم اكثر فقط ونثير تساؤلات بغرض الإيضاح؟. يعرض الأن مسلسل  ابو عمر المصري في شهر رمضان، بطولة أحمد عزْ واخرون، أحدث كثيرة في ثنايا المسلسل للمخرج أحمد خالد موسى، المهم في الحلقة 6  تُشكل مجموعة من الشباب الحقوقي رابطة مَحامة صغيرة يدافعون عن المظلومين بأجور بسيطة أو بدون أجر، تضم هذه الثلةّ من الشباب  شخص مسيحي أسمه أشرف، يظهر من البداية كشخصية مهيضة الجناح، أو أرده المخرج هكذا، مع أول إنتكاسة لهذه المجموعة يظهر لنا جبن أشرف بشكل جليّ لا لَبْس فيه، ويعلو سقف السيناريو الدائر  بين الشباب، فيتهم واحد من الجماعة صراحةٌ اشرف بالجبن والتخاذل، ويستمر الوضع على هذا المنوال الى أن يعتزل أشرف المجموعة ويترهبن أي يدخل الدير.
 الإسقاطات كثيرة في الدراما المصرية على هذا الجانب بمعنى إظهار الشخصية Character المسيحية في موقع الضعف والوهن والجبن والخيانة، من مجِهر أكثر قربً من المحيط الدائر في فلكه المجتمع، فلم أحاسيس مثلاً انتاج 2010  تألف أشرف حسن وأخراج  هاني فوري  بطولة إدورد، مسلسل حارة  اليهود انتاج 2015  إخراج محمد جمال العدل وتأليف مدحت العدل. في الدراما المصرية على ما يبدو ليس هناك تحول نمطي للسرد أو حتى خلق تحولات ومدارك أكثر سعة ورحابة تعطي مدارات لفهم فلسفة المعُطى الفني وجودته الفنية وجمالياته والذي يتسامى ويجب أن يتسامى فوقع كل هذه السخافات.
حين إغتيل مؤسس جماعة الاخوان المسلمين في مصر حسن البنّا في 12 فبراير عام 1949 لم يتجرء أن يمشي في اجتازته بجانب والده غير السياسي مكرم عبيد فقط المسيحي القبطي.

71
الوعي السياسي عند الأقليات
يتأثر الوعيّ السياسي عند الفردْ ويعمل بشكل صحيح  عندما يرتبط مع المحيط والجماعة من حوله بسياق فكري أو تنظيمي يتحدّ مع الوضع القائم ليبلور في النهاية رؤى واضحة المَعالم، وهذا الوضع القائم سواء كان في دولة أو حزب يمسك بمقاليد سلطة هذه الدولة ويوجهها حسب  أيديولوجيا (عقيدة سياسية) معينة حيث يُشكل هذا الفرد وعيه وسلوكه وممارسته السياسية من خلال فهمه لهذا العمل ومدى تقبله له، كفرد فينومينولوجي ( كذات حرة ) تدرس الظواهر كموضوعات مرتبطة بالوعي وكيفية حضورها في خبرته للوصول إلى معرفة موضوعية ويقينية يستثمرها لصالحه أو لصالح هذه الجماعة، حتى وأن كان برغماتي النزعة، رهان صعب ولكن ليس مُستحيل، وكلما توغل النظام الاستبدادي في قمع الحريات ولجمْ نشاطه كلما قل الوعي وتزعزعت اليقينيات، وتبدأ ملكة السؤال والنقاش والجدل والشكْ بالتلاشي تدريجياً إلى أن تضمحل نهائياً، وهنا يكون إصلاحها صعبا بعد ذَلِك، لان الشعور ترسخ على عدم الاكتراث واللامبالاة في سيكولوجية الجماهير والجماعة، حيث نجد فريق ينظر إلى العملية السياسية برمّتها على إنها إناء فارغ من المحتوى لا جدوى تذكر منها، وهذا أوعز  بدوره إلى عدم المشاركة الفعلية، سواء بانتخابات برلمانية أو مجالس محافظات، أو تشكيل حزب سياسي ذات منصة فكرية جادة، أو حتى تأيد أو رفض هذا وذك، على وزنّ أن الأمر لا يهمني فلما وجعْ الرأس من الأساس.
التجربة البعثية في العراق ومن عام 1968 فشلت في خلق مناخ ديمقراطي تعددي،  كانت الدوغمائية مُتأصلة حتى النخاع فخنقت كل الحركات السياسية العاملة في البلد، الشيوعية، الكردية، الشيعية، المسيحية، اليسارية، واليمينيّة، وتفرد بالسلطة من عام 1975 فصعوداً، واستحوذ البعث على جلَ القرارات لوحده، وهذا كان له نتائج كارثية على البلد سوف تظهر لاحقاً. لربما يظن البعض أو يؤمنون أن النظام السابق كان حامي الأقليات وحارس على الأمن، حيث يتداول الكلام في كل مكان أن حرية المسيحين كانت مصانة، وأن المسيحي كان يُمارس شعائره الدينة بحرية مطلقة، وأن الكنائس تظل مشرعة الأبواب ليل نهار دوَّن المساس بها، ربما هناك وجهة نظر صحيحة في ذلك وأن الحديث عنه يُجاري الصواب في بعض الأحيان، ولكن أيضاً هنالك فقدان الهوية لهذا المكون الأصيل، ومشاركته في صنع القرار  وتعزيز  مكانته  في دوائر  الدولة وليس ساعي بريد( مراسل). هَذِه الإشكـــالات ينبغي الإجابة عنها بشكل واضح حتى يتسنى لنا رسم خارطة ذات ابعاد واضحة للمستقبل.
لم يتلون إصبع السبابة بالحبر القاني في الأنتخابات البرلمانية الاخيرة، على الأقل في ولاية مالبورن الأسترالية، للمثال وليس الحصّر، كانت نسبة المشاركة ضئيلة، ليس دون الوسط ولكن دون الربع مقارنة بسنوات ماضية، قُبلت هذه الممارسة بالسخرية غير أن ما يبعث على الدهشة هو البرود الذي واجه العملية برمتها، سؤال يجرّنا إلى سؤال أخر، هل هي فقدان الثقة، أم عجز السياسي عن تكوين خطاب يقنع الناخب، أم أشياء نقف عاجزين عن فهمها؟.
إن السياسة الصحيحة  تعمل على إقامة نوع من التناغم بين كل أفراد المجتمع وتحثه على ممارسة حقه بكل شفافية وصدق، وهنا يخلق هذا المناخ السياسي نوع من المجتمع الصحي يتوالف مع كل أطياف المجتمع دون إقصاء تهميش أحد، هذا ذمّي، هذا كافر، هذا زنديق، وتكون المعارضة تحت قبة البرلمان بالمرصاد لكل الأخطاء والتجاوزات والتلاعب، تُعدل من ذراع السلطة  التنفيذي الحاكمة بهدف ترسيخ مبدأ التداول الصحيح لنظام الحكم بجوّ ديمقراطي. يجب القضاء على التصور القديم وخلق وعي جديد وفهم جديد أيضاً، وعسى أن تكون الأنتخابات الاخيرة ومصاحبها من إخفاقات درسّ يستفيد منه الجميع.

72
بابليون داخل حِصان طروادة
قيل الكثير عن الأنتخابات البرلمانية العراقية في الفترة القليلة الماضية، ولتشكيل معرفة أكثر، وبلورة أفكار اكثر أتساع وعمق مع الحالة الراهنة التي يمر به العراق الان بعد الإرهاصات الاخيرة للأنتخابات، يجب علينا أن نكون واعين وجدين مع كل طرح، ونقارب المنطق على ضوء الواقع والوقائع  مانستطيع لذلك سبيلا. وهذه حقيقة قاسية فعلاً و لكنها حقيقة على أي حال. أولا اجُريت الانتخابات في وضع شاذ خاصة في مناطق الشمال، فمحافظة نينوى ومركزها الموصل ومع كل التدابير الأمنية المُتخذة لم تشهد أقبلاً بما يكفي، والسبب هو الهجرة والتهجير والنزوح وجيوب عناصر تنظيم الدولة الاسلامية التي هددت بالقتل كل من يشارك في الأنتخابات، وهذا أبو الحسن المهاجر المتحدث باسم التنظيم يبث كلمة صوتية (49 دقيقة) يتوعد الحكومة فِيهَا. الوضع ليس أحسن منه في المناطق الكردية، فالاكراد لم يستفيقوا بعد من الضربة الموجعة التي وجِهت لهم من الداخل والخارج بسبب الأستفتاء على دولة الكّرد المزعومة. تراشق تهم الخيانة والعمالة والتفرد بأخذ القرارات والأصطفاف خلف إيران بين الحزبين الكبيرين، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، أعطى بدوره انطباع سيّء للناخب الكردي بشكل عام فلم تشهد صناديق الاقتراع اقبل كثيف. نسبة المشاركة في عموم العراق كانت دون المتوسط، حسب أحصائية المفوضية العليا للأنتخابات، 44 بالمئة، مقارنة بالانتخابات الماضية في سنوات 2010 و 2014 حيث كانت المشاركة أفضل بكثير، وهذا قياس على أن الناخب العراقي فقد الثقة بالسياسي والبرلماني ورجل الحكومة، لا بل يراه حمل أوجه كثيرة، فهو السارق والمرتشي والكذاب والمنافق، فعلى أي أساس يُنتخب المرشح اذا كانت صفحته سوداء من الأساس، وهذا له مبرراته طبعاً. رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر والحاصل على أكبر نسبة مقاعد في البرلمان الجديد ما نفكّ يقطع وعوداً للشعب من زهاء اربع سنوات ونيفَ بتشكيل حكومة تكنوقراط بعيدة عن المحاصصة والطائفية والمذهبية، وهو بالأساس جاء عن طريق المحاصصة الى السلطة يحمل لواء المذهبيّة كشعار لتياره الصدري. والسؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه السيد الصدر على نفسه،  إين همّ شريحة التكنوقراط أصلاً؟، آي المهندسين والمعماريين والاقتصاديين والمشتغلين بالعلوم، أليس كلهم خارج البلد وفي دول الخليج تستفيد الشركات والحكومات من خبراتهم واختصاصاتهم!. المكون المسيحي لم يكن أفضل حال، فالمجلس (الحزب) الشعبي الكلداني السرياني الآشوري فقد زخمه، وتأثر بالمتغيرات الجيوسياسية التي عصفت بالمنطقة،  خاصة في قرى سهل نينوى بعد سيطرة داعش في 2014، هروب ونزوح وهجرة المسيحين وضمور وتلاشي أفواج الحراسات أثر سلباً على القاعدة الجماهيرية للمجلس فخسر الرهان. الحركة الديموقراطية الآشورية هي الأخرى فقدت بريقها ومعه فقدت حصتها من بقايا المقعد   المحطم. كتائب بابليون، وهوه تشكيل من الحشد الشعبي الشيعي وجزء منه ومدعوم بشكل مباشر من المرجعية الشيعية، لا دخل للمسيحين به غير التسمية فقط  (الحشد الكلداني)  مهزلة من العيار الثقيل، دخل على الخط المواجه راكباً حصان طروادة واستحوذ على مقعدين من أصلا خمسة هي حصة المسيحين، كوتا، وهي مقاعد شكلية لا اكثر تنفع كواجهة للمحافل الدولية وعنوان باهت اللون، ( عضو  في البرلمان العراقي ممثل  عن المكون المسيحي) ماذا تفعل ثلاث مقاعد أمام 320 مقعد.
الأنتخابات كانت اِمِتهان للحكومات المتعاقبة على حكم هذا البلد المُنهك والمُمزق والمحطم، الذي لم يخدمه أحد الى اليوم بصدق وشرف ووطنية وأخلاص، لا عجب أن يظهر العراق على رأس القوائم للدول السيئة والفاشلة، على وزن أن استلمت منصب رفيع  في الحكومة اسرق وهرب.
لم تعد تنفع الشعارات الرنانة والزائفة، العراق العظيم، بلد الخير والخيرات، الشعب الذي لا ينذل،... الخ من هذه الأكذوبة التي لا تنفع أحد، يجب أن يتغير الوعي العام ويُوظف في سياق عصري حديث، ويَرَ السياسي والبرلماني ورجل الدّولة الوضع على حقيقته ويخرج من عقلية الإحتيال والتزوير والسرقة والتلاعب بأموال الشعب، فهذا الشعب ملّ وله كل الحق في ذلك.     

73
 نوستالجيا الفرد العراقي
العلامات والدلائل والمقاربات كثيرةٌ على نوستالجّيا الفردّ العراقي، وتمّحور هويته حول الذات، أيَّ ذاته هو كفرد في بداية الأمر، والماضي في المقام الثاني كفعل حنينّ أو أعلاء من شأنه، وإين كان مبني على الوهم. وهذه العواطف وجدْ ما يعززها طبعاً في ثنايا العقل الباطن حتى وصل إلى حدود النرجسية. وقبل الخوض في هذه المفاضلة المجردة، نُعرج على مصطلح النوستالجيا كمفهوم، وهو الحنين إلى ماضي مثالي ، أو هي حالة عاطفية نصنعها نحن في إطارٍ معين وفي أوقات وأماكن معينة، الكلمة اصلها يونانى معناها الحرفى  "نوستـ" بمعني الرجوع للبيت و "الجيا" بمعنى ألم أو وجعْ. يقول الخبراء أن النوستالجيا هي آلية دفاع يستخدمها العقل لرفع المزاج وتحسين الحالة النفسية، لذا فإنها تكثر في حالات الملل أو الشعور بالوحدة خاصة عند كبار السن، أي عندما يشعر الإنسان بأن حياته فقدت قيمتها وأصبحت تتغير للأسوأ، فيقوم العقل باستدعاء ذكريات الماضي الطيبة بدفئها وعواطفها، فتعطيه تلك الذكريات الدفعة التي يحتاجها للتعامل مع التحديات الحالية. هذا ماتنص عليه الكلمة حرفياً ونفسياً.
 تمجيد الماضي والتوق له ورسم صور زاهية عَنْه هي مشاعر تنتّاب الفرد من وقت لآخر، وإن كانت بنِسَب قليلة لا ضير منها. الحنين والذكريات لهم أشكال متعددة ويتخذون من مربّعات لوحة الفُسيفساء الحياتية صور كثيرة؛ الحنين إلى البلد الأم، الحنين إلى المدينة التي تحمل ذكريات ومشاعر المرحلة، الحنين إلى المكان الذي قُطع حبل السرة به، إلى الحي، إلى المدرسة، إلى الأصدقاء، إلى الشارع، إلى الدكان، حتى اللغة لها وقعّ آخر على الأذان تحمل فرح وتحمل حزن في ذات الساعة، الأغاني....الخ. هذه المفردات وغيرها الكثير  هي واقعياً من الماضي، أو في خبر كان أنتهت مع إنتهاء المرحلة المرافقة لها.  المشكلة  الإبيستيمولوجية التي يتجاهلها النَّاس هي في إحياء ذلكّ الماضي بسياقات يدعون أنها عصرية لا تتماشى مع الحاضر الحالي فتتجلى على شكل، ألواح (رقم ) تسجيل السيارات بأسم المدينة الفلانية أو القرية التي أنحدر منها، لتترسخ لدينا الهوية أكثر وتصبح متماهية مع العصر، أو  إبراز  وشمْ على الساعد يدل على أنتماء الشخص كهوية ذات أصول آركيولوجيا، الثور المجنح مثلاً، أو خريطة العراق. كل هذا هو تركيز على شيء كان يندرج تحت خانة الماضي، كان في زمان ومكان محددين وانتهى مع أنتهاء العصر الذي كان به، نسبة العودة لذلك العصر هو صفر ، والمثل الألماني القائل ثلاثة أصفار تساوي صفر في النّهاية، الإنكماش والانكفاء والتشرنق على الذات هو الخَطَر الحقيقي، وهذه موائمة مع الماضي أو إسقاط له كما يفعل البعض، هو عيش الماضي بكل تفاصيله على أساس أنه أفضل بكثير من الحاضر الفعلي، ويجب علينا استحضاره في كل وقت وزمان، ومن هنا تبرز  أهميّة الحاضر  كمفهوم تأسيسي للمستقبل لأنْ المياه لا تجري في النهر مرتين، لا ملك شمشي الآشوري  ولا نبوخذ نصر  ابن نبوبولاسر الكلداني، وهذا الاخير استحدث مؤخرا مع الانتخابات البرلمانية القادمة، ينفعان مع الآلة الرقمية الحديثة والتقدم المهول الذي يسير  وفقه العلم وبرامج الفيزياء الكوانتية للجسيمات تحت الذرِّية وقانون الطاقة والحوسبة الكمية.
لقد قطع الغرب أشواطا بعيدة في تحصيل المعرفة، وهذا بدوره أحدث قطيعة مع الماضي،  ولكن تم أخذ ما يلزم منه لبناء الحاضر، تكللت بعدة ثورات، على الجهل، على الاستبداد، الثورة الصناعية،  ليتشكل وعيْ جديد من مفاهيم العولمة وما بعد الحداثة والليبرالية، وحتى ما بعد المفهوم ذاته كنقطة انطلق فلسفية تُمأسس على بُنى جديدة لهذا العصر  والعصر القادم وهذا يؤثث للمستقبل باختراعات جديدة وافكار جديدة أيضاً.

74
 البطريرك شيخو  والرئيس الراحل
 بقلم /سلوان ساكو
في معرض القاهرة الدولي للكتاب والمُقام على أرض المعارض في مدينة نصر من سنة 2016، كنتُ هُناك متواجد على طول أيام المعرض الخمسة عشر، وشاركتُ بالندوات والفعاليات المقامة على هامش المعرض. في الخيمة الثقافية والتي تدير فعاليتها الدكتورة والروائية والناقدة المصرية سلوى بكر، حيث كانت تشرح عن الشعراء العرب في بداية العصر الاسلامي وفي تلك الفترة وقبلها أيّ قبل الأسلام، وبعد الاسترسال في المحاضرة والخوض في أهم المصادر المتوافرةَ، جاءت على ذكر الاب بولس شيخو 1906- 1989 والذي سوف يكون لاحقاً بطريرك الكلدان الى سنة 1989، حيث أستشهدت به الدكتورة بكر كأهم مصدر يؤرِخّ لتلك الحقبة فهو حاصل على الدكتوراه في العلوم الشرقية من روما سنة 1933. الذي لفت نظري أكثر هو أن البطريرك شيخو يصبح متداول في الوطن العربي والدول الاسلامية، ونحن اصحاب هذا الميراث لا نعلم عنه شيء، وتضيع عنا كتبه ومنتجه الفكري والفلسفي الرصين، وتُفقدّ الكتب من مكتبات الكنائس الكلدانية، والذي يحصل هو أننا نترك كل هذا الأرثّ الفكري ونتمسك بقصة عادية ليس لها معنى ونعتبرها هي الأساس وهي ذات الكرامة والعزة ونركب صور سريالية مِنْهَا والتي يجب أن نتداولها في مجالسنا المفتوحة والمنغلقة فنُعيد الرواية ونكررها مرات ومرات لكي ما  نعوض بها بعضٍ من نقصنا ونريح العقل من البحث والتفكير. تقول القصة المحكية  أن البطريرك بولس شيخو ذهب لتعزية الرئيس الراحل صدام حسين بوفاة والدته صبحة، فدخل هو ومعه أحد كهنة بغداد القصر الجمهوري، فجتازا الباب الاول والباب الثاني ولم يبقى غير الباب الزجاجي الفاصل بين الرئيس وضيوفه، فطلب أحد أفراد الحماية الخاصة من الوفد الداخل بخلع الملابس، لغرض تفتيشهم قبل الدخول، ولكن البطريرك رفض بشدة وقال اذا كُنتُم لا تثقون بِنَا لا داعي لحضورنا من الأساس، وأمَّ بالخروج مع مرافقه الكاهن دون  تقديم العزاء، ولكن صدام حسين كان يراقب الوضع،  وتسائل عن سباب ذهاب البطريرك دون الدخول، فقال له عنصر الحماية أنه يرفض أن يخلع ملابسه لغرض التفتيش، فطلب الرئيس من الحماية أن يدخلهم فوراً دون تفتيش واعتذر بدوره للبطريرك على ما قام به هذا العنصر. طبعاً هذه الواقعة تنمْ عن الاحترام والتقدير  بدون شكّ،  ولكن ليست هي الأساس وليست هي المتن وهنا المعضلة،، فهذه الأمور وماشابهها تقع بين الفترة وآخرى، ولكن ما يجب ان نبحث عنه هو الميراث الحقيقية للرجل، ولا نترك الأمور على عواهِنهِا، وهنا نسقط في مطبّ النسيان أو التناسي، فهذا هو الباقي والدائم  وهو مستند بقاء الجماعة الرئيسي. أعُدم صدام حسين، ورحل البطريرك الى الحياة الابدية، ولكن كتبه لم تذهب، و يجب أن لا تذهب،  ويُعاد طبعها من جديد وتتوافر في المكتبات وعلى النيت، ليطلع عليها الشعب وينهلون من هذا الفكر الحر والصافي لتشكيل معرفة متنوعة وجدية.

75
مآلات توحيد الأعياد
بقلم/ سلوان ساكو
يمرُ هذا العيد إيضاً دون توحيد للأعياد، ولا يوجد ما يبُشر بالأفق للأحتفال بعيد واحد في المستقبل. ولا هنالك أمل على ذلك في المنظورين البعيد والقريب في وحدة من آيَّ نوع كانت، مع كل ما يبذله رجال الدين والعلمانيين على حد سواء من جهود في سبيل تحقيق هذا المُبتغى. ففي كل عام نسمع مَن النَّاس مطالب مفادها لماذا لا يتوحد عيد الميلاد مع باقي الطوائف، ويمر العيد ولا تغَيّر يحصل تحت الشمس، ويحل عيد الفصح والقيامة من بعده ونسمع صرخات من هنُا وهناك، إلى متى نظل منقسمين ؟، كم مرة صلب وقام المسيح من بين الأموات؟ ومن هو الصحيح؟ وعند من تكون الحقيقية؟، وَاذَا صادف أن كانت جمعة الالام غائمة وممُطرة فنقول هذه هي الجمعة الحقة والصحيحة والباقي على خطأ. نداءات وطلبات وصلوات ورجاءات وتضرعات، ولكن مع كل هذا نظل منقسمين على الجسد الواحد، والكل يُزعم أنه يملك الحقيقة المطلقة والغير هو الخطأ، وهنا حجر الزاوية أو بيت القصيد كما يقولون، حيث لا تنازل بين الطوائف والمذاهب. ولكن قبل الحكم على هذا أو ذاك والتحدث بتهكم دون مُبرر، دعونا نقرأ القضية بموضوعية أعمق. طبعاً وكما هو متعارف عليه  هناك تقويمين، يأُخذ بهم، واحد يولياني وآخر غريغوري؛ اليولياني يعود للأمبراطور يوليوس قصير وضعه عام 48 قبل الميلاد على يد الفلكي الاسكندري سيوسجينس وطلب منه أ يضع نظاما ثابتا للتقويم، ويعتمد هذا التقويم على دواران الارض حول الشمس،  والوحدات الزمنية في هذا التقويم هي اليوم الشمسي، الشهر ، السنة الفصلية. والسنة الفصلية تساوي 365.2422 يوماً. ولكي يتم تفادي الكسر في هذه السنة فقد جعلت السنة 365 يوماً لثلاث سنوات متتالية (سنة بسيطة) بحيث تجمع الكسور في السنة الرابعة لتصبح 366 يوماً (سنة كبيسة) أي السنة التي تقبل القسمة على 4 بدون باق. يضاف اليوم الزائد في السنة الكبيسة إلى شهر فبراير ليصبح 29 يوماً. بهذه الطريقة أصبح متوسط طول السنة اليوليانية يساوي 365.25 يوماً وهذا يعني أن السنة اليوليانية تزيد عن السنة الحقيقة بمقدار 0.0078 يوماً = 11 دقيقة و 14 ثانية أي يوم كامل كل 128 سنة. وهذا يعني أيضاً أن التاريخ طبقاً للتقويم اليولياني سيكون متأخراً قليلاً عن التاريخ الحقيقي. وعدد الشهور حسب هذا التقويم 12 شهراً ثابتة في أطوالها ماعدا الشهر الثاني. والتقويم الثاني أي التقويم  الغريغوري يعود إلى البابا غريغوريوس الثالث عشر الذي قام بإجراء تعديلات على التقويم اليولياني حيث لاحظ في سنة 1582 أن الاعتدال الربيعي وقع في يوم 11 مارس أي أن هناك خطأ قدره (10) أيام وقع ما بين سنتين 325 إلى 1582 وهذا الفرق ناتج في أن السنة الشمسية ليست 365 يوما وربع (6 ساعات) بل أنها 365 يوما و (5) ساعات و 48 دقيقة و 46 ثانية فالخطأ يبلغ يوما واحدا في كل 128 سنة.
و لتصحيح هذا الفرق فقد اعتبر يوم الجمعة (5) أكتوبر سنة 1582 ميلادية اليوم الخامس عشر منه ولئلا يتكرر الخطأ وبقاعدة ابسط فقد جعل التصحيح 3 أيام في كل 4 قرون.
وعلى هذا فالسنون الكبيسة هي التي تقبل القسمة على 4 ما عدا السنين القرنية فلا تكون كبيسة ألا إذا انقسمت على 400 فالسنون 1980، 1984، 1988 تعتبر كبيسة في التقويم اليولياني والغريغوري أما السنون 1500، 1700، 1900 فأنها تعتبر كبيسة في التقويم اليولياني لكنها بسيطة في التقويم الغريغوري، الذي استعمل أولاً في روما ثم في فرنسا وأسبانيا والبرتغال أما إنجلترا فاتبعته سنة 1752، واليابان سنة 1872، واليونان و رومانيا سنة 1923، ولا تزال بعض الأمم لم تستعمله حتى الآن، بالرغم من ضآلة الفرق بين السنة اليوليانية والسنة الحقيقية إلا أن عملية تراكم الخطأ مع مرور السنوات كانت واضحة ولا يمكن أن تتماشى مع الواقع. والفعل في 5/10/1582 م أي بعد مرور حوالي 16 قرناً من بدء التاريخ اليولياني لوحظ أنه تأخر عن التاريخ الحقيقي بمقدار 10 أيام، الأمر الذي أدى إلى لزوم ضبطه حيث أضيف هذا الفرق ليصبح التاريخ الجديد مساوياً 15/10/1582م وهو التاريخ المفترض أن يكون. انتهى (بتصرف عن الكنيسة المسيحية الإلكترونية). هذا في ما يخص الفروقات في التواريخ وتاريخ التقاويم بنظرة سريعة عليه، ولكن هناك أمراً أهم من هذا العرض، وهو اختلاف جوهري في العقائد والمذاهب المسيحية، والتي سببت في هذا الاختلاف والجدل وبالتالي إلى تغير  في الطقوس والأعياد والليتورجيا ككل؛ والعقيدة هي الإيمان الجازم الذي ينعقدُ عليه قلبُ المرء، ويتّخذ منه مذهبًا ودينًا له، ومن هنا يُمكن التفريق بين العقائد، فعندما يُقال بأنّ هذه العقيدة صحيحة؛ لوجود الحجّة والبُرهان بصحَّتها؛ بحيث لا يتطرَّق إليه الشكُّ فيه، فهي حُكم الذهن الجازم أو ما ينعَقِدُ عليه الضمير، أو الإيمان الجازم الذي يترتَّب عليه القَصد والقول والعمل بمُقتَضاه. وهناك الأقنوم وكلمة أقنوم Hypostasis باليونانية هى هيبوستاسيس، وهي مكونة من مقطعين: هيبو وهي تعنى تحت، وستاسيس وتعنى قائم أو واقف، وبهذا فإن كلمة هيبوستاسيس تعنى تحت القائم ولاهوتيا معناها ما يقوم عليه الجوهر أو ما يقوم فيه الجوهر أو الطبيعة. والأقنوم هو كائن حقيقي له شخصيته الخاصة به، وله إرادة، ولكنه واحد في الجوهر والطبيعة مع الأقنومين الآخرين بغير انفصال، وهنالك المذهب هو الطريق والسبيل، وفي الاصطلاح هو مذهب العالم سواءً كان في العقيدة أو في الدين أو في أصول اللاهوت أو في الأيدلوجيات  السياسية أو غيرها. وهذا تعريف بسيط نعرج به إلى اهم المصطلحات التي يوجد عليها لغط كبير.
في سنة 451م انعقد المجمع المسكوني (والمسكونية مَجْمَعٌ مَسِيحِيٌّ يَنْزَعُ إِلَى تَوْحِيدِ جَمِيعِ الكَنَائِسِ )، الرابع في خلقدونية والتي تقع شمال شرق البسفور  في الشاطئ المقابل لمدينة اسطنبول في تركيا اليوم، ويُعتبر من أهمّ المجامع، إذ نجم عن هذا المجمع انشقاقٌ أدّى إلى ابتعاد الكنائس الشرقيّة ( القبطيّة والأرمنيّة والسريانيّة) عن الشراكة مع الكنيستين الرومانيّة والبيزنطيّة. وقبل خلقدونية كان هناك مجمع مهم وخطير هو مجمع افسس الأول عام 431 وظهور نسطور  بطريرك على القسطنطينية من العام 428، وتحريم المبدأ النسطوري، القائل بأن يسوع المسيح مكون من جوهرين يعبر عنهما بالطبيعتين وهما : جوهر إلهي وهو الكلمة، وجوهر إنساني أو بشري وهو يسوع وعلى هذا فالسيدة العذراء لم تلد الله الكلمة الأزلي وإنما ولدت يسوع الإنساني ولهذا فإننا يجب أن ندعوها أم يسوع "الجسداني" وليس أم الله؛ كل هذا وغيره ألقى بظلاله الثقيلة على المؤمنين البسطاء من الشعب والذي كان بعيدا كل البعد عن هذه الصراعات اللاهوتية المعقدة. وحيث وجدت النسطورية أرضا خصبة بين مشارقة السُريان القاطنين على حدود الإمبراطورية البيزنطية والفارسية، كان ذلك عاملا مساعدا على تحقيق الانشقاق بين أبناء الكنيسة الواحدة وكرس على تمزيق الصف الواحد.
في أعقاب المصالحة اللاهوتية بين كيرلّس الإسكندري ويوحنا الأنطاكي، ورفضها عدد من المطارنة وتقربوا بطريقة أوثق من الكنيسة في إيران، التي كانت قد اعتمدت رسميا النسطورية في سينودس سلوقية المنعقد سنة 486، وفي سنة 489 طرد الإمبراطور زينون النساطرة من الرها فهاجروا إلى فارس، ومنذ ذلك الحين انفصلت الكنيسة النسطورية عن الكنيسة البيزنطية التي كان مقرها الأساسي في القسطنطينية. اتحد السواد الأعظم من النساطرة بالكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر، وعرفوا بالكلدان. والكلدان اسم عرقي قديم أطلقته روما على الطائفة المتحدة معها. بينما سمّي النساطرة غير المتحدين بروما بالأرثوذكس أو الآشوريين.
من هنا نرى صعوبة الوحدة لأنها مرتبطة بسياقات تاريخية تعود إلى فجر المسيحية ومن القرون الأولى لها، مع الأخذ بنظر الاعتبار الخط السياسي والمناخ العام في تلك الحقبة من عمر الدينة، وتداخل المصالح التي فرضت اجندتها.
الرهان اليوم هو، هل نقدر أن نعبرّ كل هذا التراكم التاريخي والتشرنق الوهمي، ونكسر الأقفاص الضيقة التي وجدنا أنفسنا محشورين بداخلها، كما نكسر قشر البيضة الملونة في أول إيام عيد القيامة، ونخرج لنعلن أننا شعب مسيحي واحد ومسيح واحد وميلاد واحد وقيامة واحِدَة، وتلك تكون فرحة الشعب التي تطمح بشوق ورغبة جامحة لهذه الوحدة الموعودة.




المصادر :-
الكنيسة المسيحية الإلكترونية
مجلة السريان
موقع الأنبا تكلا هيمانوت الحبشي
تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
كتاب مدخل في علم الآبائيات: الباترولوجي - القمص أثناسيوس فهمي جورج
كتاب معجم المصطلحات الكنسية - الجزء الأول

76
نخبة المجتمع الفاسدة
النخبة المثقفة في كل أنحاء العالم المتقدم  والمتُحضر هي من تُحرّر الشعوب وتُحرر العقول من الأفكار البالية والقديمة، وتكون موجِهَ للمجتمع والنَّاس نحوّ صياغة حياة أفضل، ترتقي بهم إلى مستويات اكثر  تطوراً  ومعرفة. هذا ما يجب أن يكون عليه دور المثقف الواعي بضرورة المرحلة، والذي يجب أن يقوم به ويؤديه أتجاه مجتمعه وأتجاه عصره ويؤمن به أيضاً كعمل وكرسالة مقدسة للجماعة، ومن هنا تنهض الأمم وتسير إلى الأمام في ترتيب حياتها ونمط معيشتها حتى وأن توقف بعد فترة أو مات هذا المفكر أو ذاكَْ المثَقّف. فحين وضع المفكر والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو افكاره ومبادئه فأن فلسفته بقت حيّا وساعدت  في تشكيل الأحداث السياسية، والوعي العام والتي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية، حيث أثرت أعماله في التعليم والأدب والسياسة. وكذلك ينطبق على الفيلسوف الإنكليزي جون لوك  صاحب القول الشهير (إذا سألك سائل:متى بدأت تفكر؟فيجب أن تكون الإجابة:عندما بدأت أحس). هؤلاء وغيرهم الكثيرين تَرَكُوا هذا العالم من وقت طويل ولكن افكارهم وكتبهم ومقولتهم تلهم الكثيرين إلى حدّ اليوم وتعطي ثراءً معرفي وإبيستيمولوجي، (وهذه يعرفها لالاند في معجمه الفلسفي بأنها فلسفة العلوم). هنا بالذات ومن خلال هذا الحس النقدي العالي للمحيط والمجتمع والخط التاريخي للحضارة يمكن أن تتقدم وترتقي الجماعات والشعوب، وتبلور أفكارها من مفردات ذات طابع تحليلي تفكيكي، ليس فقط للنص والمعُطى الأدبي، ولكن أيضاً تفكك به طريقة بناء المفاهيم القديمة كيما تُهدمها لاحقاً وتبني على أنقاضها صيغ ومفاهيم جديدة تتماشى مع الوقت والواقع الموجود من حولها، يسميها القارئ تقدمية ثورية تجديد الخطاب نبذ القديم ليبرالية مُحدثةّْ، لا تهم التسميات كثيراً ما طال الفعل والمبدأ واحد هو نقض الفكر القديم البالي وطرحه في سلة القُمامة؛ نأخذ مثلاً على ذلك ما يدور الان من أرهاصات الانتخابات البرلمانية العراقية القادمة، فقط لنُشاهد ونقرأ الخطاب الموجود في الاعلام والشارع وتعبئة الجماهير الجاهلة بهذا الخطاب، ديني، مذهبي ، فئوي، مناطقي، عشائري، جهوي، ميلشيوي، صدري، سستاني، عامري، مالكي، جعفري، حنبلي، وجميع هؤلاء لا يحملون هوية حقيقية تُعبّر عن روح الوطن الغارق في الفوضى والخراب والتقسيم والدمار، بعيدين كل البعد عن كل ما هو بنَاءْ تجمعهم فقط الاطماع والسرقة والنهب والنهش من هذا الجسم الهرِمْ. هذا هو ما بات عَلَيه الوطن الان، فأصبح من الصعب بمكان أصلاحه حيث أستشرى الفساد وعم الخراب وقبل هذا وذلك هو تعطيل ملكة العقل الإبداعية وتوقيف كل آلياته إلى آجلاً غير مسمى، وهذا أخطر شيئ يواجهه الانسان والمجتمع ككل، حيث يفقد بوصلة التوجيه ويصبح أعمى، لا البصر، ولكن البصيرة، فينقاد كالقطيع غنم  تارة خلف شخص مُعمم، وتارة اخرى خلف شيخ عشيرة، يسير بركبهم دون معرّفة، ولماذا أصلاً تكون هناك المعرفة مادام رجل الدين وشيخ العشيرة لديهم اليقين المطلق بكل شيئ ويعرفون في كل أمور الدنيا والعالم، يُؤازرهم في هذا البرنامج بضع من المثقفين أو من يدعون الثقافة وأشباههم يحملون أقلام علامة باركر ولكن حبرها أصفر اللون، وهنا يقع الخطأ البليغ حيث يعترف الجاهل بهذا المثقف ويعتبره من ذوي أصحاب القرار الحصين والعلم الكبير فيتبعه دون درايةٌ أو حتى فهمٍ للحالة والموضوع المعروض، وخلال مدة يخلو المكان من العقول والمفكرين ويصبح الكل تفكر بسياق ومفهوم القطيع، وهنا يجب أن لا نستغرب من قيام أنظمة استبدادية وديكتاتوريات شمولية تقمع حرية الفرد وتصادر حياته اذّ أبدى أي معارضة تذكر ، لإنه ومنذو البداية أباح هذا الفرد لهذا النظام واعطاه الحق في مصادرة كل حقوقه المدنية والشرعية والدستورية، فكيف يُطالب به وعلى أي شيئ يستند.     
           

77
كيف أنحدرت إستراليا الى هذا الحدّ
بقلم/ سلوان ساكو 
عندما تقف الحكومة عاجزةٌ عن التحكم في تسير أمورها ومواردها فأنها تكون في ذلك الوقت حكومة من ورق لا غير، كَمَا هو حال العراق الان؛ وبعضٍ من الدول العربية. وهنا يجب أن إنبه القارئ الكريم إلى أن مفهوم  الحكومة يختلف عن مفهوم الدولة، وهذا خطأ يقع به الكثيرون، فالحكومة هي تشكيل من حزب مُعين أو مجموعة من الأحزاب،  لها برنامج خاص وايدلوجية وفكر ومنهج، تسير وفّقه، سواء كانت هذه الحكومة يمينة، يسارية، وسطية، اشتراكية، وترشح نفسها على هذا الأساس وعلى هذا المبدأ، وعلى أليات عمل أجندتها وطرحها للبرنامج الانتخابي التي سارت به،  ومن تكون له الغلبة في صناديق الانتخابات يفوز ويشكل الحكومة سواء كانت منفردة بحزب واحد، أو أتلافية من عدة احزاب. أما الدولة من حيث تكوينها فهي المؤسسات والدوائر  والوزارات والمدرارس والمستشفيات ....الخ. وفوقّ هذا كله هي تكوين الوعي الفردي للجماعة بالهوية والحريّة والفكر ، وعن هذا قال الفيلسوف الألماني هيجل في صياغته للدولة المقدسة (بأن الروح تحقق حريتها في الدولة وعبرها، والدولة، هي أحد‪ ‬منجزات العقل، ولا وجود للإرادة الفردية هنا لأن الدولة تعبر عن روح‪ ‬الجماعة والإرادة العامة وما الفرد إلا عضو في الإرادة العامة التي تعمل‪ ‬بذاتها ولذاتها كما الدولة أيضا فهي الإرادة الشاملة وبالتالي فإن العقل‪ ‬معيار تحليل لشكل الدولة). فأذا الدولة هي احد تجليات العقل. 
في ولاية سدني وملبورن في استراليا، وبشكل خاص عن باقي الولايات، قفزت أسعار  العقارات والمنازل و الاراضي في الآونة الاخيرة بشكل غير معقول وغير منطقي، فبات سعر المنزل العادي، والعادي جداً، يتراوح بين 600 ألف و  800 ألف دولار استرالي، وهذا يتعارض بشكل صارخ مع إجر العامل البسيط والذي يكون في الغالب الأعم بين 50 ألف و 60 ألف سنويا، مع الأخذ بنظر الاعتبار الاستقطاعات الضريبية. هذا يضعنا امام سؤالين لا ثلاث لهما، آما أن تكون الحكومة لها يدّ في كل هذا الارتفاع الغير مُبرَر ، وبالتالي تكون لها أجندتها الخاصة وتعمل وفقها؛ وانا لا أرجح  هذه الصيغة. وإما أن الأمور خرجت عن سيطرتها، وفلتَ الزمام من يدها، وباتْ من الصعب بمكان التحكم في قطاع العقارات. وهنا لا بدَ أن يطفوا على السطح سؤال جوهري مهم، من لَه اليد الخفية والآثمة التي تتحكم في هذا القطاع الكبير والمهم والذي يلامس الانسان العادي في الصميم، ويكون الجواب لامحالة مشترك بين البنوك الكبيرة، وأساطين شركات البناء  العملاقة، التي أصبحت هي من يتحكم في كل شيء تقريباً. وهنا ينتفيّ دور الحكومة ويصبح الامر خارج عن ارادتها وسيطرتها، ويبدأ التأزم الفعلي للواقع هُنا؛ حيث من الوارد جدا أن نُشاهد شخص صيني مثلاً لا يملك حتى جنسية البلد الذي هو فيه، يملك 10 أو 15 منزلاً ويُؤجرهم بأسعار تفوق سعر السوق لإشخاص هم من سكان البلد والحاصلين على جنسيتها ، دون مقدرة من الحكومة على فعل شيء يذكر،  وهذا خطأ سوف يكون له تتبعات سلبية على المستقبل أن لم تضع الحكومات المتعاقبة على مداولة السُلطة في اعتبارها الأزمة المتفاقمة، وتُعجل من لجمّ وكسر شوكة البنوك والشركات التي لاهم لها سوى مص دَم المواطن البسيط دون مراعات لأي ظرف كان. ويدليّ الفيلسوف توماس هوبز بدلوه حين صرح أن الانسان ذئب لإخيه الانسان، حيث يتحول المنتوج البشري كما يصفه مارتن هيدغر الى غول مجرد من إنسانيته، يُريد أن يفتك بالآخر ولكن ليس عن طريق السلاح والحرب،  بل بوسائل أكثر حداثوية وتقنية، منها الشركات الكبيرة والبنوك.
المراجعة في البنىّ التحتية للدولة الأسترالية الحديثة، وخاصة في ما يتعلق بقضايا البناء والسكن والعقار  يجب أن تشمل كل شيء بما فيها أجور العامل العادي والموظف ذيِْ الراتب المحدود المواطن البسيط. وإلا لا نقدر أن نُعاتب " فريدريك نيتشه " حين اعتزل الناس والمجتمع وقال : (أكثر خطراً وجدت الحياة بين الآدميين) .

78
 تجَديد موعظة الكاهن الكلداني
أكاد أجزم أن عزوف الكثير من المؤمنين واخص بالذكر الكلدان منهم عن الذهاب الى الكنيسة وأرتماء العوائل  وألتجائهم الى كنائس أخرى كالكنيسة الإنجيلية بفروعها الكثيرة والكنائس المارونية اللبنانية والقبطية المصرية، مع أحترامي لكل المذاهب والطوائف، هو موعظة وكرازة  الكاهن الكلداني المكررةْ والمّملة في قداس يوم الأحد.
 لقد تغيرت الكثير من المفاهيم والأفكار والوعيَّ، سواء على الصعيد الفردي للجماعة، أو على الصعيد التفكير الجمعيْ لهم. فخلال الثلاثين والاربعين  السنة الاخيرة، لم تعد تلك الأفكار والتي كان من خلالها يوعظ الكاهن في القرى والبلدات النائية في شمال الوطن تصلحْ وتنفع مع روح هذا العصر، لقد كان التعليم آنذك محدود، ومتطلبات الوعي بالذات والحياة ذاتها محدودة وبالتالي يكون الفهم هو إيضاً محدود مُتماشياً مع الوضع العام للجوّ السائد. فمثلاً نجد كاهن (وَيَا للغرابة) في يومنا هذا وفي دول كبرى كامريكا وأستراليا وكندا، يُعيد الموعظة ذاتها مئات المرات وبنفس الصيغة وبنفس الكلمات وبنفس الرتابة المملة للحضور ، متناسياً هذا الكاهن أن الأحساس بالوقت والزمان قد تغير ،واصبته الحداثة وما بعدها بمقتل، وليس كما كان عليه في ذلك الوقت، حيث كان الزمان والساعة البيولوجية منضبطة ومرتبطة بالزراعة والحّصاد وتربية المشية، آيّ الوقت مفتوح ومُتناغم مع الطبيعة والمكان لتنسجم ككل مع الواقع الُمعاش، في دائرة شبه مغلقة، اليوم كل هذا تغير، وتغير بسرعة كبيرة جداً، حيث أصبح الانتظار صعب، وإيقاع الحياة أسرع وبوتيرة أكبر من السابق بشكل مذهل، وأصبح معه شدّ أنتباه الفرد نحو شيئاً ما أمر بالغ الصعوبة ليس فقط مع الطرح الديني أو المواعظ، وأنما مع كل شيئ حولنا، من له متسع من الوقت كي يسمع أغنية لإم كلثوم ثلاث ساعات، أو يقرأ رواية الإخوة كرامازوف في مجلدين كبيرين، أو يُشاهد مسلسل مكسيكي مدبلج للعربية من ثلاثة الأف حلقة. كل هذا يبدو غريب الأن مع أنه كان معمول به قبل سنوات قليلة. تحديات المعلوماتية أو منظومة الصفر  واحد أطفتْ بُعد أخر على الحياة برمتها، وأصبح بأمكان أي شخص كان يملك المعلومة بسهولة تفوق الوصف والخيال ، من خلال الهاتف الجوال، الشبكة العنكبوتية، محرك البحث كوكل، وهذا بدوره مع كل الإيجابيات التي به كرّس لمفهوم السهولة في التعامل مع الموضوع أو الحالة المطروحة للسمَاع أو المناقشة، وهذا بدوره قادّ الى صيغة أكثر مُعمقة هو السرعة مع المُعطى ذاته؛ فمثلاً كاهن يتحدث في موعظته عن المَُرائين، ولم يستطيع توصيل فكرته خلال خمسة عشر دقيقة أو عشرون دقيقة وهو الزمن الافتراضي للموعظة ، فيُصاب هذا الشخص بالملل ويفضل البحث والتقصي عن الكلمة بنفسه وبالتالي يفسرها كحسب هواه هو أو من خلال معلومة قد تكون خاطئة في  الشبكة الدولية للنيت أو عن طريق اخر.
اليوم باتَّ من الضروري  على الواعظ الكاهن أن يدرس ويقرأ ويستخلص الجمُل والعبارات التي تنفع في هذا الطقس وهذا الوقت، وهذا لن يحصل دون تعب وقراءات مُعمقة للنصوص الدينية واللاهوتية والتراث والتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع ، لأن كل هذا يُشكل  رأس مال الكاهن الحقيقي، ويبلور مزيداً من الأفكار والاطروحات ، كيما يستفاد المؤمنون من الوعظة والكرازة التي هي جزء أساسي من القداس الإلهي، وأن تصل كلمة الرب بشكل صحيح ومباشر للسَامع ويقتنع به ويعمل به إيضاً، وهنا يكون قد توصل هذا القس الى الطرح الجيد والكلمة النافذة والجوهرية.         

79
المنبر الحر / غرائب الحياة
« في: 02:51 03/03/2018  »
غرائب الحياة
يعجز القلم في هذه اللحظات عن تسطير شيء يذكر، من غرابة الأحداث والوقائع الجارية من حولنا ، أمور يصعب وصفها أو حتى تصنيفها من حيث منطقها أو لامنطقيتها أو حدوثها حتى. 
الحياة تضعنا امام إختبارات وصعِاب بالغة الحدة والتعقيد، الكثير منا لا مقدرة له على تجاوزها فيظل جاثم على تلك البركة ينظر للأسفل يشترّ الماضي والمأساة التي لحقت به، والبعض الضئيل يتجاوز المِحنة ويعبرّ المرحلة الى الضفة الاخرى وهنا يكون رهانه على العيش بسعادة وفرح، وطوق النجاة الذي من خلاله يصل الى ميناء السلامة.
الحياة مراحل ومحطات ومتعرجات تارة تصعد  وتارة اخرى تهبط، نفرح في محطة منها ونعيش السعادة والفرح، وفي محطة ثانية نتألم ونبكي ونيأس حتى يبلغ الحزن  من الكأس فيصل للثمالة، فنكون هنا قد جربنا كل شيء من خلال مرورنا في هذا الطريق، مُرها وحلوها، الشقاء والفرح، الحب والكراهية، وهذا يدعى المتناقضات أو الأضداد في الشيئ أو الموضوع.
 تصوراتنا للحياة لن تأتي في كل الأحوال منطقية أو ضمن سياق واحد تكون على أهوائنا، أو على قياسنا، مجموعة من الشبان يموتون في حوادث متفرقة خلال أسبوع واحد وفي دول متفرقة، رجل مُسن في أقصى الصين يُشفى من مرض السرطان بعد ان كان مستفحل به الى درجة اليأس، أمرآة تسقط مغشية عليه بين قضبان سكة  حديد   القطار  يمر القطار عليها ولكن لا تموت ، رجل يطلب من زوجته شاي وقبل أن تلبي رغبته تجده قد فارق الحياة وبيده جهاز الريموت كنترول، شاب تطلب منه أمه أن لا يسافر على متن الطائرة يأبه ذلك فيصل المطار متأخر تقلع الطائرة دونه وبعد دقائق تسقط الطائرة. صور كثيرة ومتعددة، الرابط بينها هو غرابة الواقعة من حيث حدوثها، ونحن بسذجتنا المعهودة نضعها تحت عنوان القدر، القسمة، النصيب ، انتهت خبزته، ولم نفكر أن للطبيعة منطق أخر غير منطق البشر تسير هي عليه كما هي تراه لا كما نحن نرآه ، فهي غير مبالية بِنَا على الإطلاق لانها أي هذه الطبيعة، لها كينونتها وذاتها وشخصيتها الخاصة وتعمل وفق هذه المتلازمات سواء كنّا نعلم أو لا نعلم بذلك ندري أو لا ندري.
لن  تنتهي في يوم ما الأحداث الغريبة من هذا الكوكب لأنها جزء منه، وجزء من ذلك العالم الخفي والسر  المستور . يبقى على الكائن البشري والذي إنبثق منه إنسان اليوم أن يفهم ويحلل ويُفسّر تلك الظواهر من منظور الطبيعة ذاتها وماهيتها وجوهرها ، ولكن إلى أن يصل هذا الانسان الى ذلك الفهم والوعي بطبيعة الطبيعة يحتاج إلى وقت طويل جداً وعقل يبلغ مداه الاوسع.   

80
يتشرف السيد سلوان ساكو بدعوتكم لحضور حفل توقيع مجموعته القصصية الأولى ( الزنبق الأبيض الدامي) وذلك يوم الاحد المصادف 18/2/2018 وذلك تمام الساعة السابعة مساءا في قاعة كنيسة مار كوركيس ، مالبورن ، أستراليا.
حضوركم شرف لنا.
للمزيد من المعلومات الاتصال بالسيد سلوان ساكو
موبايل / 0413377466

81
دعوة لمقاطعة الأنتخابات القادمة 
بقلم / سلوان ساكو
في جميع دول العالم والمجتمعات المتحضرة تجري عملية الأنتخابات سواء كانت برلمانية أو رئاسية أو مجالس بلدية ومحلية حتى، تكون الغاية منها هو تقديم ورقة وورشة عمل تخدم المواطن والشعب الذي تعنى في إعطاء صوته، والرُقي به أي هذا المواطن إلى مستويات أفضل من النواحي السياسية والاقتصادية والتجارية والمعيشية،  ليشعر ويتلمس ويحس هذا المواطن أن صوته لم يذهب ادراج الريح، وهو منتمي وجدانيا لهذه الأرض التي يعتبرها وطنه.  وهذه هي غاية السياسي المُرشح نفسه لهذا المنصب وشغل هذه الوظيفة الحساسة والخطيرة،  لأن هذا البرلماني هو من يخط الخطوط العريضة للبلاد ويرسم المستقبل الذي سوف تقطف ثماره الأجيال القادمة وتعمل وفق مبادئه المرسومة سلفاً، وعلى هذا المنوال وهذه الطرق  تتقدم الأمم وترتقي الدول مع تعديلات تصب في صالح الوطن مع كل فترة إنتخابات واُخرى تكون متماهية ومُتماشية مع روح العصر،  ومنطلقة من منظومة متكاملة من الأفكار التقدمية التنويرية   الحداثية التي سوف تكون مشاعل إضاءة ومنارات يهتدي إليها الانسان التواق ليعيش كرامته وحريته وإنسانيته الذي لابد أن يصونها هذا البرلماني وهذا الرئيس وهذا المشُرع وهذا المسؤول الجالس وراء المكتب، هل هذا هو  الدور  الذي يقوم به العضو البرلماني العراقي؟ الجواب قطعاً سوف يكون كلا،  فهو آي هذا العضو لم يقدم للعراق من عام 2003 لحد إلان وفي جميع الدورات الانتخابية شيئاً يذكر ومادة تصلح للمدح عليه، بل العكس هو الصحيح كل شيئ مذموم وقبيح فعله هذا العضو في بلد اختلفت فيه كل المعايير  والاعراف والاخلاق ، فبات اللص هو النزيه ، والمجرم هو القاضي ، والمُرتشي هو الموظف الصالح ، وحماة الوطن والعرض هم الإرهابيين فبماذا تفرق ميليشية  الحشد الشعبي عن تنظيم داعش ، فقط في الولاءات والمذهب ، ولكن نفس الإجرام ونفس التفكير الذي هو اقصاء الأخر. وهنا تكمن الاشكالية الكبرى والسؤال الصعب حيث ضاعت بوصلة التوجيه الصحيصة التي توجه النائب نحو المواطنة وبناء البلاد وأخذ بزمام محاسبة موظف الدولة  السارق والمرتشي والفاسد،  واستدعاء ذلك الوزير  وهذا والمسؤول تحت قبة البرلمان لتقصيره في اداء واجباته والمهام التي أنيطت به، فتكون هنالك منظومة من القوانين تردعّ المُسيئ وتُحاسب الكل. هل هذا يحصل في العراق الحديث؟، قطعاً لا، وما الميليشيات والعصابات المسلحة والفساد الأداري والمالي الذي طال رأس السلطة  والاموال المهدورة تحت اسماء مشاريع وشركات وهمية والمليارات من الدولارات التي تدخل الثقب الأسود بدون أثر لها  خير دليل على فشل التجربة الديموقراطية وتعثر المرحلة ، ونسف آية خطة مستقبلية في بناء وطن يقوم على أُسُس عصرية حديثة علمية  ، لأن الفساد والمحسوبية والانتماء الحزبي  والطائفي والمذهبي والعشائري هي الركائز  الاساسية التي يقوم عليه الوطن الان ويسير في ركابها،  هذه الحزمة لا تبني ولا تصنع وطناً ولا حضارةٌ  في يوم من الأيام.
خلاصة القول ، لا الأنتخابات الماضية  نفعت بشيء ،  ولا هذه المزمع إجراءها في إيار مايو المقبل سوف تنفع ولا عشرات الأنتخابات سوف تنفع ما لم تكن هنالك تصورات معرفية وثقافية ورؤى مستقبلية وثورة فكرية تُخلص البلاد من هذا الجهل وهذا العمى وهذا التعصب الذي اطاح بكل صروح الحضارة العريقة حضارة وادي الرافدين، وخلق إنسان جديد واعي للحياة  وللمرحلة والتاريخ،  يحمل خطاب جديد ، ينهض ويتسامى على كل هذه المأسي  وهذا الفساد وهذه الفوضى وهذا التشظي وهذا القتل الغير مُبرر،  يحمل عقد أجتماعي ينصف به الكل دون استثناء ، حين ذاك فقط  نذهب ونقترع ونضع أصواتنا في صناديق الانتخابات ونحن واثقين من مرشحنا  لن يخذلنا ، غير  هذا  تكون كل الجهود وعملية التصويت في مهب الريح،  والانتخابات كأنها لم تكن وأثر بعد عين وغير مجدية بالأساس ،  وعدم الذهاب والمشاركة  هو أفضل طريقة للتعبير عن خيبة الأمل والسخط من بلد لم يعرف أن يكون وطن من سقوط الصنم.

82
هل سقطّ الديكتاتور فعلاً
بقلم/  سلوان ساكو
مرت زهاءَ ثلاثين عامً على سقوط الدكتاتور نيكولاي تشاوتشيسكو،  رئيس جمهورية رومانيا الاشتراكية ، وزوجته إلينا،  في العاصمة  بوخارست بعد ان اشتعلت المظاهرات في تيميشوارا في ديسمبر 1989 ؛ واعدامهم بعد ايّام قليلة في محاكمة شكلية صورية. كان هذا الدرس القاسي البليغ يشاهده العالم بأسره من خلال شاشات التلفاز لديكتاتور سقط بشكل دراماتيكي مثير،  بعدَ ان حكم 25 عام.  كانت سنوات يأس وجوع وحرمان من ابسط متطلبات الحَيَاة،  عانا خلالها الفرد الروماني ويلات وغرور وحماقة  فرد مُصاب بانفصام الشخصية أراد ان يُخلد نفسه من خلال قصر كبير في وسط العاصمة والشعب يعاني الامرين ، إلى أن اتجه هذا الشعب الحر المغلوب على أمره إلى تحقيق العدالة بطريقته هو، وكانت النتائج مرعبة بحق الديكتاتور ستظل عالقة في الاذهان الى ما لا نِهاية.       
ما كان السقوط للصنم  في 2003 ألا كنتيجة حتمية لأحداث غزو دولة الكويت عام  1990.  فهي كانت المبرر  والحافز  والشرعية الدولية لتدخل أكثر من 30 دولة بقيادة الولايات المتحدة الامريكية لتحطيم إرادة شعب بأكمله وتغير مساره التاريخي والانساني والفكري والاخلاقي، وتشتيته وبعثرته  في زواية الارض الأربعة،  فخلال شهر واحد أنزلت وزارة الدفاع الامريكية البنتاغون 750 الف جندي من كل الصنوف وشتى المعدات في الخليج العربي. وحّل انشقاق وتشرذم ونزاعات في صفوف الدول العربية، لم ولن تحدث في التاريخ، ارتدداتها متواصلة الى حد السّاعة والمستقبل كفيل بتمزيقها اكثر من قبل مادامت الشمس تشرق. بعد الخسائر الهائلة والمذلة للجيش والشعب والخزينة، يظهر لنا  الديكتاتور ويقول  اننا انتصرنا وخسئ العدو مع عدة  إطلاقات نارية من سلاحه المبارك، فنفرح ونهتف ونبكي ، وبتنا ما نحن عليه الان وما بات عليه العراق.
 معا كل هذا الاخفاق والفشل الكبير ، تترصد في المجتمع أو في شبكات الإنترنيت من يمتدح الديكتاتور ويآلهه ويترحم على إيامه الماضية في لوعة وحسرة نادرتين، وان عارضه شخص ما  لا يتوانى عن إنزال جام غضبه عليه،  فهو،  أي هذا الشخص قد تطاول على الذات الآلهة ويجب رده. من هنا نفهم  سيكولوجية هذا الفرد الفرد العراقي طبعاً ، ووقوعه تحت نير العبودية، آي عبودية الديكتاتور، وتقوقعه حول تلك الذات مما مسحت ومحت الكثير من الشخصيات فباتت اسيرة الماضي والايام الخوالي، لا مقدرة لها على تمزيق تلك الشرنقة القديمة والخلاص منها والانطلاق الى المستقبل في بناء الانسان وتحريره من سلاسل الأسر الفكرية التي أسسها الديكتاتور خلال ايّام حكمه الطويلة، وانعتاقه من كل ما يكبله من قيود وأصفاد أصبحت تضيق مع الوقت حولَ عنقه الى أن قطعت النفس.
الاوطان لا تبنيها الديكتاتوريات فهي ساقطة لا محالة مهما طال الأمد، ولا الأفكار الماضوية ولا الانعزال ولا الأيدلوجيات ولا حتى الدين بمعنى اخر،  بل بالفكر الحر  والأمل  والحلم.                 
 

83
زيارة الى سجن الحرية
بقلم / سلوان ساكو
قمتُ في الأيام القليلة الماضية بزيارة أحد السجون الأسترالية الكبيرة في ولاية مالبورن، والذي كان عبارة عن سجن كبير جداً، يشغل مساحة كبيرة من الأرض والذي يقع في وسط ال City ، تحول مع مضيّ الوقت الى متحف يأمه الناس والزوار من جميع أنحاء الولايات ، لا بل حتى من دول اجنبية، يقفون مندهشين من  بناء هذا الصرح العملاق الذي يعود أنشائه إلى عام 1840.
السجن مقُسم بطبيعة الحال الى عدة طوابق، وكل طابق عدد كبير من الغرف الكبيرة والصغيرة،  وغرفة الحجز الأنفرادي، وطابق تحت الأرض ،طبعاً مغلق بوجه الزائرين، ولكن يوجد كوة متوسطة الحجم تطل على ذلك الطابق ينظر من خلالها الزائر. في أروقة السجن المترامية أخذني الفكر بعيدا، وصرتُ أفكر  كيف تحول مفهوم العقوبة والجزاء إلى مفهوم أكثر انساني في الغرب ، وظل كما هو عليه في الشرق لا بل اسوء، من تنكيل وضرب وإعدام واعتقال بدون تهمة من الأساس، والعراق اكبر دليل على ذلك ، (وفي مقال سابق قلت أن تنظيم الدولة الاسلامية داعش  لم يكن له أن يَرَى النور لولا الهروب الجماعي والكبير  لعُتاد زعماء الجماعات الاسلامية من سجن معسكر تاجي القريب من بغداد في زمن نوري المالكي).  وكيف تغيرت حزمة القوانين والضوابط من مواد تنص على الإعدام شنقاً إلى مواد أكثر انسجاماً مع روح الانسان وحتى تطلعاته إلى أن يكون صالحاً في نهاية الأمر. فبعدَ ما كانت عقوبة الإعدام في استراليا تنفذ بالمجرم وأمام الملاء ، تم ألغائها وتعديل الكثير من النصوص الجزائية والجنائية بحيث اتاحت للفرد كفرد حتى لو كانَ مذنب أن يقف موقف الدفاع من قضيته أمام المحكمة وهيئة المحلفين والادعاء العام. بمعنى أدق وجد المشرع الغربي  أن روح القانون لا يجب أن تغيب عن روح الانسانية، والتي تمثلت بهذا المُذنب الماثل أمامه في قفص الاتهام، وعلى هذه الأفكار تحولت السجون في الغرب ألى مراكز تأهيل وتدريب وتعليم يخرج منها المحكوم يتقن صنْعة. وهذا الامر لم يحصل بين ليلة وضحاها بل مرَّ  بتعديلات  ومتغيرات كثيرة اعطته الصورة  التي هو عليه الان، وهذه الصور  أستُمدت من نبع مفكرين كبار  وفلاسفة العقد الاجتماعي، الذين أغنو المجتمع بالحق والخير والعدالة، والتي هي في نهاية المطاف تجليات إنسانية يتوق إليه الفرد الحر، الفرد الحقيقي، وليس ذلك المزيَّف.     

84
عهّر البرلمان العراقي 
حينَما تكون هنالك مشاجرات ومناكفات في اروقة البرلمانات العربية أو حتى الأجنبية منها في العالم فهذا شيئاً طبيعي ، وحينما تشبّ المناقشات الحادة وتتحول الى عِراك بالأيادي، فهذا أمرا  عادي جداً ، حتى أن البرلمان الايطالي في العاصمة روما تكون فيها المقاعد مثُبتة بشكل جيد على الارض تجنباً لإحتمال  أن يتقاذفها النواب فيما بينَهم، وأن شاهدنا وقائع جالسات  البرلمان الأردني على اليوتيوب وَمَا يحصل من مشادات ونقاشات بين النواب، فلا يجد النائب بُداً  غير شهر مسدسه في وجه زميله النائب.
البرلمان العراقي هو واحداً  من أفشل البرلمانات في العالم، لِما يحتوي  في أروقته من نواب جهلة عديمي الرؤية تحكمهم التبعية والجهوية والعشائرية والطائفية والمذهبية المقيته، والتمركز حولَ النص الديني بكل حذافيره لستنباط تشريع أو قانون يخص المجتمع المدني، ومع أن الدين (أيّ دين) لا ينفع في استخراج منظومة منه تحكم المجتمع المدني وتشرع احواله الشخصية فلا نفع تذكر من هذا الدين او ذلك خاصةً في تسير أحواله في المجتمعية ، لأن المجمتع المدني الْيَوْمَ تحكمه نُظم  علمانية جاءت عبرَ طريق طويل من الفكر  والفلسفة وصيرورة التاريخ  ليست بالهينة ابداً ، من جان جاك روسو  وجان لوك وتوماس هوبز  وهيجل وغيرهم من بُنات هذا العلم وهذا العقد  بين البشر  والمجتمع،  فبرزت أوروبا والغرب كما نشاهدها الْيَوْمَ بعدما كانت تغطْ في ظلام حالك وليل دامس.
 حين تشكلت أول حكومة ملكية في العراق في 23 اغسطس 1921، وسمية فيصل ملكاً على العراق، تشكلت بعد ذلك حكومة برلمانية ومجلسين تشريعيين. وكان المجلسان يتألفان من مجلس نيابي منتخب ومجلس أعيان معينين. كان أعضاء المجلس النيابي ينتخبون كل أربع سنوات في انتخابات حرة. اجتمع أول برلمان في عام 1925. وكانت تضم كل اطياف المجتمع العراقي من يهود ومسيحين ومسلمين، وانتُِخب ساسون حسقيل أول وزير مالية للعراق في العصر الحديث، واستلم وزارة المالية العراقية ثلاث مرّات، مما يعكس التنوع الحضاري في ذلك الوقت، مع كل ما كان موجود من سلبيات في تلك المناطق،  اذ اخذنا بنظر الاعتبار الأحداث الكبرى التي عصفت بالبلاد ونهاية الحرب الكونية الاولى. فكان بذلك حقًا مجلس مكون من أعيان وحكماء تتخذ القرارات المصيرية التي تخص الشعب بترويً وحكمة، وعدم اقحام الدين في النص التشريعي فكانت القوانين والقرارات والتشريعات مدنية بجدارة.
 العراق اليوم، وبعد السقوط والفشل الذريع للتجربة الديمقراطية الامريكية الغير صالحة للمجتمعات العربية، والتي جاءت ببرلمان متعثر  وأعضاء ذوِّ توجهات قبلية وعشائرية  مناطقية، ووعي محدود ومتخلف، يريدون في الآونة الاخيرة  تشريع زواج القاصرات دون سنّ التاسعة من العُمر. بالله عليكم،  هل يصلح مثل هذا البرلمان أن يكون ممثلاً للشعب الذي أنتخبه، هل يتماشة هذا البرلمان مع روح العصر الذي نحن في ركبه الأن، هل الأعضاء يدركون أنهم بهذا التشريع  يهدمون أخر حصنا من حصون الحداثة التي تركت البلاد غير نادمة عليه أبدا.

85
المنبر الحر / هاجس السكن
« في: 06:24 08/11/2017  »
هاجس السكن
بقلم/ سلوان ساكو
عرفّ الانسان القديم الأستقرار أول الأمر عند الأنهار والمياه الجاري، فكانت بذلك بداية ناجحة،  وتفتق وعيه على السكن والأستقرار في مكان واحد ضمن رقعة جغرافية واحدة مع عصر البذور  والزراعة والحصاد بعد ذلك، ممَِا دفعه للبقاء في الموقع ذاته والتضامن والتكافؤ مع من حوله من بشر ، لأستكمال دورة الحياة والطبيعة، وتعاقب الفصول على المادة المزروعة في جوف الأرض، والتي سوفَ تؤكل ثمارها بعد حين. فأصبح ذلك العصر عصر الأستقرار والبقاء. والذي جاء بعده نظام العائلة  والأسرة  والقبيلة والمجتمعات الكبيرة، ومن ثمَ تطورت بشكل تدريجي إلى منظومة قوانين تضبط إيقاع الحياة وبعدها الى حكومات ودول ، عبر تاريخ طويل من الزمن في خط متعرج، ألى أن وصل في نهاية الامر على ما نحن عليه الان.
الأستقرار آمر ضروري خبره ذلك الأنسان القديم وسخر  جلّ طاقته من أجله. وهذا السكن شيئ يشعر الفرد حياله  أنه في دائرة الأمن والأمان، والذي يفتقده الفرد العراقي، ويُشكل هاجسً من الخوف يتحول في بعض الأحيان الى قلق وجودي لديه مضموراً  في اللاوعي عِندَه. وهذا اذَ كان بنِسَب قليلة فهو صحي، ولا ضيرّ  منه إطلاقا، بل على العكس  يكون في بعض الحالات دافع إلى البلوغ والارتقاء، والقلق صحي كما يقول عنه أطباء النفس بنسب قليلة. ولكن المسألة تصبح شاذة اذا أخذت صفة البديل الرئيسي للحياة والعيش ونمط التفكير ، ويصبح الموضوع محصوراً في شراء المنزل، متناسين أن الحياة تحمل ما بين ثناياها ما هو أفضل من الدار أو قطعة الارض أكثر  بكثير، فنُشاهد في التعازي أو في الحفلات أو النوادي الصحي (الجيم والسوانة) أو في أيَّ تجمع آخر، لا حديث غير  عن أرتفاع أسعار المنازل، وغلاء أسعار الاراضي، ونسبة أرباح البنوك ، كَأَنَّ مُجمل الحياة متوقفة على هذا المسكن وعلى وهذه قطعة الأرض، مع العلم أن الموضوع وبقليل من الجهد سوفَ يكون تحصيل حاصل مادام أن البنك سوفَ يوفر المبلغ الأجمالي مع أضافة أرباحه طبعاً على مدار ثلاثين عام أو يزيد.
الذي أريد ان أقوله في هذه الأسطر ، أن الحياة والعيش ليسَ منزل أو قطعة أرض أو سيارة، صحيح أن هذه من مكملات العيش وأساسية ، ولكن لا ينبغي أن تكون هي الغايات الأسمى وبعدها هو الرماد الأسود. الحياة معرفة، وفهم  ووعي وكلمة وموسيقى  وحب وجنس وكتاب وديوان شعر  وسينما  وفن وطبيعة وليلّ وقمر ورمال وبحر ...الخ ،  كلها تنصهر في بوتقة واحدة لنعيش بشكل صحيح ونستمتع به، وألاّ أصبحنا دخل سجن كبير مكبلين بأغلال سميكة ، غايتنا العُظمى هي المنزل والسيارة ، فنُضيع علينا المشيتان كذلك الغراب الذي أراد تقليد البغبغان فلا استقر على مشيته ولا اجاد مشية الأخير.

86
المنبر الحر / صوت المزمار الحزين
« في: 09:28 31/10/2017  »
صوتّ المزمار الحزينْ
بقلم/ سلوان ساكو
عندما يتحول صوت المزمار الشجي والبدائي إلى نغم حزين وباكي يبعث في النفس الآلم بدل المسرة، ويثير الدمعة بدل الابتسامة، ويُبدل الحواس من الفرح إلى الحزن، يكون شيئاً غير مألوف، مِمَّا يجعل الأحوال تتقلب والموازين تتغير من طور إلى طور آخر ، لا نلبث معها أن نتوقف ناظرين إلى النعش المُسجى أرضاً بقلب مفطور وعينْ دامعة، وطعنة مّدية يغور نصلها إلى عمق الذات المجروحة فيجعل الدماء تسيل ممزوجة بدمعٍ  على فراق فردّ عزيز.
أثارني مشهد معروضٍ على الفيس بوك، لشاب في زهرة العُمر  وريعان الصبىّ لقي مصرعه مؤخرا في الولايات المتحدة الأمريكة بحادث سير على ما يبدو. نقل الشاب للصلاة عليه في الكنيسة، مُسجى في تابوت أبيض، ربما وهي ترميز  للصفاء والطهارة وأيضاً لغرفة العريس البيضاء، في ركنّ من المكان يصدح صوت مزمار مع إيقاع الرّق فيمزق عِنان السماء مِمَّا يجعل الملائكة تبكي مع الحاضرين في هذا الجناز الحزين، نسوةً متشحاتِ بالسواد يبكينَ ويرقصنَ ويلوحنَ بمناديلاً حمراء مدبوغةً بدموع قلوبهنَ المكروبة على فِراق عريس كان يجب أن يكون مع عروسته في هذا اليوم، رجال واقفين بسكون المقابر  وقلبوهم مهشَّمة عاجزين عن فعل أو قول شيئ. 
أعادني هذا المشهد المأساوي الى سنوات خلت ْ كنتُ فيها في دمشق، كانت أيضا جَنازة لشاب ماتَ في حادث سير على طريق حلب دمشق، فما كان من ذويه غير أن يزفوه إلى مثواه الأخير بالطريقة الشامية المعروفة، وسط صُراخ وعويل تنفطر له القلوب وتفيض من آلَمُه المقلتين. وفي النهاية يظل الانسان عاجزاً  عن تفسير  هذه  المشاهد، مهمة حاول أن يجد صيغة جواب لها،  فلاّ يجد غير علامات أستفهام مرسومة بخطوط متعرجة لا تصل بالمرء إلى نتيجة تشفي غليله ما دامت القرائن غيوماً من بخار البحر.   

87
المنبر الحر / الحلم الكردي
« في: 05:52 28/10/2017  »
الحلمّ الكرديْ
بقلم/ سلوان ساكو
كرسَ الزعيم العربي جمال عبد الناصر كل طاقاته وإمكانيته ونفوذه من أجل تحقيق حلمه، ألا وهو أمة عربية واحدة. كانَّ رجلاً حَالمٍ بحق، وتحققت بعضً أو شذرات من تلك الأحلام على أرض الواقع، حين جمع شعبين ذيّ خلفيات مختلفة ثقافياً واجتماعياً وسياسياً، في وحدة واحدة بين مصر وسوريا في شباط عام 1958 والتي انتهت بعد اقل من ثلاث سنوات بانقلاب عسكري في سبتمبر عام 1961 على يد عبد الكريم النحلاوي، فتحطمت بذلك أمال الرئيس وتفتت احلامه على صخرة الواقع الصعب في تلك المرحلة المفصلة من تاريخه. بعد ذلك تحول الحلم الكبير إلى كابوسً مرعب أقلق مضجع الزعيم متجسداً بنكسة حزيران 1967، والتي جعلته لا يفارق فنجان القهوة المرّ  ولا دخان السكائر  الرخيصة، فمات دون أن يرى أينّْ من أحلامه العريضة تتحقق، أو قيام جمهورية عربية موحدة واحدة حدودها من الخليج إلى المحيط، لا بل أنه شاهد وطن عربي ممُزق، وأراضي شاسعة  أحتُلت من قبل دولة حديثة الإنشاء، قَبْلَ حتى أن يرمي عِقاب سكارته. هنا وبالذات ألتفَ الأخطبوط الأسود على عنق الزعيم وطرحه أرضا، وببطء شديد بدأ يستنزف طاقته ويسحب دمه، إلى أن لفضْ أنفاسه الاخيرة في عام 1970 وهو على عتبة الخمسين من العمر بائساً وحزين.
الأخ مسعود البرزاني رئيس أقليم كردستان العراق كان له طموحات تشبه إلى حدّ بعيد طموحات عبد الناصر في تحقيق دولة مستقلة تقوم على أسُس ديموقراطية لشعب ناضل كثيراً من أجل حريته واستقلاله على الأقل ضمن حدود العراق في الوقت الحالي، بعد ذلك دولة قومية كبيرة ضمن حدود سوريا وتركيا وإيران والعراق وهي كردستان الكُبرى، ولكن مشكلة الأمال الكبيرة تواجه عواصف عاتية إلى أن تُحيلها إلى ترابً تذره الريح هباءاً منثور.
السيد البرزاني سيدّ العارفين بصعوبة حصوله على دولة مستقلة على ضوء المتغيرات الجيوسياسية الجديدة خاصة ما بعد انهيار دولة الخلافة في الموصل والرقة ودخول أطراف كثيرة في النزاع الإقليمي الدائر في المنطقة.  ولكن السؤال المهم هو  لماذا أقدم البرزاني على هذه الخطوة الانتحارية اذا جاز التعبير !. الموضوع صعب حقاً ان نحصره في زاوية واحدة لتشعبه وتركيباته المُعقدة وتاريخه الطويل. ولكن أقول أن البرزاني أرادَ أن يحقق شيء قبل أن ينتهي دوره ويقابل ربه، أراد أن يُخلد أسمه في سفر التاريخ كأول رئيس حقيقي للكرّد، فالذي لم يستطيع فعله الشيخ محمود الحفيد البرزنجي في انشاء أول كيان سياسي كردي  سنة 1922، والتي أفشلتها الحكومة العراقية بمعاونة الإنكليز،  أراد هو أن يُحققه، ويحقق حلم والده المرحوم الملا مصطفى البرزاني حين فشلت  جمهورية مهاباد والتي تأسست في أقصى شمال غرب إيران حول مدينة مهاباد والتي كانت عاصمتها، وكانت دُويلة صغيرة مدعومة سوفييتياً كجمهورية كردية أُنشأت سنة 1946 ولم تدم أكثر من 11 شهراً. على ما يبدو أن الحَلم الكردي لم يفارق الطفل مسعود الذي هو ولِد في جمهورية والده وعمه في نفس عام التأسيس المتعثر والقصير ، ولكنه فجأة استفاقَ فزعاً على صارخ الهاربين وازيز رصاص الجيش الإيراني، فقُتل من قُتِل وهرب من هرب ، وفرّ الأب بمعيّة مجموعة من البيشمركة الى الاتحاد السوفيتي في رحلة صعبة على طريق نيسمي وعّر.  مسعود وأخوته وأمه وعوائل عديدة عادوا الى العراق، وتم نفيهم الى البصرة وبغداد، وليتخيل القارئ الكريم كيف كانت حال عائلة متهمة بالتمرد والعصيان المسلح، وكيف عاملتهم الدولة أنذلك، وما وجهته من صعوبات ومآسي وذلٌ ومهانة في جنوب العراق ووسطه، حتى تعليم الفتى مسعود المتوسط لم ينهيه.   
على ما يبدو  تبددّ الحلم الكرديّ وحالت ألوانه الزاهية، الأحمر والابيض والأخضر، والشمس الصفراء التي تتوسطهم  إلى رايات باهتة تلهو به الريح كما تشاء.
وعند الفجر أفاق الحَالم على قبضات أيادي قوية تمسكه من رقبته تريد أن تقطع  الهواء عليه.

88
الدكتور والخالة مرتا
بقلم/ سلوان ساكو
يتخذ العنف والقتل في بعض الأحيان أشكال مُعينةًٌ وصور  مرعبة، نقف حيالها عاجزين عن الفهم، فاتحين أفواهنا من شدة غرابة المشهد وفضاعته، وفي ذات الوقت صدفته الغير منطقية.
ترقد العجوز الطيبة مرتا في إحدى المستشفيات الكبيرة، ويتمْ اجراء عملية معقدة لها في القلب،  ويُستبدل شريان كان قد أصبه العطب، بشريان آخر إحتياطي موجوداً في رجل الساق للأستعمل عِنْدَ الحاجة. تكللت العملية بنجاح كبير على يدْ جراح شاب قضى جلَ عمره في التعلم والدراسة، ليستفيد  بعد ذلك من هذا العلم وهذا الذكاء الكثير من الناس والمرضى، ويعيشون عمر أطول، ويبتعدون عن شبح الموت الذي كان يُخيم عليهم، ويعيش في حناياهم يريد أن يزهق هذه الروح. تُنقل الخالة العجوز مرتا بعد العملية إلى مشفى آخر، أصغر من الأول للنقاهة وأستكمال العلاج، ليتم بعد ذلك الخروج والعودة لأسرتها وأولادها وأحفادها.
 يأبى الطبيب الشاب المُتمرس إلا أن يُعايد مرضاه، ويُراجع بنفسه حالاتهم ويقف على مدى أستجابت القلب على قبول العضوّ الجديد في المضخة الخالدة. فيذهب إلى المشفى حيث تكون العجوز مرتا مرتاحة، ويطمئن عليها، ويجدّ الحالة مستقرة، والعضلة تدفع مزيداً من الدم والهواء لباقي الجسم فينعشه، يَرْبِت على كتفها بلطف وحنان، ويكتب في أوراقها الخروج بعد ثلاث ايّام، فتبتسم هي له بمودة وعرفان. يخرج الطبيب من الغرفة ليغادر المشفى، وعند الباب يقف ويستشيط غضباً من شخص أحمق معتوه، يُدخّن السكائر بشراها، فيصرخ به الطبيب أن هذا المكان غير مُخصص للتدخين وأن المشفى هو مكان لأمراض القلب وهذا العمل يُسيء للمرضى الذين هم في مرحلة النقاهة، فما كان من هذا المعتوه الجبان إلا أن نظر بازدراء للطبيب الشاب وعالجه بدون مقدمات بضربة قوية من كفّ يده، فيسقط الطبيب مصروعاً ميّت بدون حراك، كأنه قد فارق الحياة من وقت طويل. الحادث يسبب ضجة في الولاية ويقبض على الجاني ويُحاكم، ولكن بيت القصيد ليس في العقاب ولكن في الفعل الشنيع والتهور الغير مُبرر،
فبضربة يدّ طائشة قتل إنسان إنسان آخر ، وقضى على مستقبل طبيب كان النجاح عنوانه، والمفتاح لعلاج الأجسام، هكذا وبكل بساطة من أجل دخان يطير في الهواء أزهقت روح إنسان.             

89
المَثلية ومفهوم الحرية
بقلم / سلوان ساكو
تسعى دولة استراليا في الآونة الاخيرة الى تشريع قانون جديد يجيز للمثليين الارتباط رسمياً ، وبالتالي يكون لزماً على الدوائر المختصة من محاكم وبلديات وكنائس تطبيق هذا القانون والالتزام به.
 المثلي  أو المثليين Homosexuals ،  الذي كثر الحديث عنهم في الاعلام والسوشيال ميديا خاصة في الآونة الاخيرة ؟  وباتَ من الملح  ومن الضروري تسليط الضوء عليهم لرفع النِّقاب وكشف ما يحيطهم من غموض ، وعلى آيّ أساس تعتمد أفكارهم ومن أين بدأت وتبلورت هذه الأفكار، وكيف توصل الغرب الى مفهوم أو وعيّ أو صيغة أو نمط، بحيث  يتزوج أثنين من نفس الجنس ويتقبل المجتمع من حولهم ذلك بكل طيب خاطر ، وكيف وصل الامر في بعض الدول مثل الولايات المتحدة أن تجيز ذلك ، حيث يعتبر باراك اوباما أول رئيس أمريكي يعترف بزواج المثليين في سنة 2012.  والآن السِجّال دائر على أشده في الشارع الأسترالي لتشريع  قانون  يلزم المحاكم المدنية  بعقد القران وفرض الحالة على المجتمع بشكل عام. 
وجدَ الباحث والمنقب في حفريات الأركيولوجيا في بعض المجتمعات القديمة  من حياة الكهوف آي العصر ما قبل الزراعة والاستقرار أن هنالك بعض الرسومات على جدران تلك الكهوف مكونة من شخصان يتعانقان من نفس الجنس،  والباحث في علم باليوأنثروبولوجيا آي علم الانسان القديم سوفة يجد الكثير من الشواهد والطقوس لممارسات جنسية من نفس النوع. وحتى في الملحمة السومرية جلجامش نلاحظ نوع من الحب المثلي ( وليس بالضرورة أن يكون جنسي ) بين البطل جلجامش ملك أوروك وصديقه الوسيم أنكيدو بعد النزال بينهم. وفي بابل القديمة  كان هناك ظاهرة تسمى ( العهر المقدس) في معبد عشار للآلهة إنانا يحيث يمارسون الجنس بطرق خاصة.  وفي حضارة وادي النيل نشاهد الثنائي حنمحوتب ونيانخم مزيني قصر الملك ني أوسر رع سادس ملوك الأسرة الخامسة حوالي عام 2400 ق.م. حيث ساد الاعتقاد بأنهما كانا مثليي الجنس بناء على رسم لما يصورهما يتعانقان أنفًا بأنف في مقبرتهما المشتركة. وفي حضارة اليونان تكلم  الفيلسوف أفلاطون فى كتابه "‪Symposium‬" عن ذلك السلوك بواسطة حوار بين  فلاسفة عن معنى الحب "‪Eros‬" و تضمن ذلك الحب المثلي، وانتقد المثلية بوصفها غير طبيعية.
 وفي العصر العباسي كان معروف عن الخليفة هارون الرشيد أنه يجمع حوله الخصيان والغلمان وكان أبو نواس يمدح الغلمان ويثني على الجمال الخنثوي، وأيضاً أشعار المتصوف المشهور ابن  الرومي ، وفي عصر الصفويين في فارس 1501-1723 كانت هنالك بيوت خاصة لدعارة الذكور مرخصة قانونياً وتدفع ضرائب . فإذن الموضوع قديم جديد  وله جذور تضرب عميقاً  في كل الحضارات والمجتمعات بدون حصر . ولكن الموضوع  يأخذ بعداً أخلاقياً  تأسس على مفاهيم فلسفية كبيرة وأن كانت مستترة  خلف قناع الانسانية، فلا نستطيع   فهم الفكرة من الأساس دون العودة  الى مفهوم المصفوفة الاخلاقية خلال ما مرت به من تقلبات كثيرة ، والفلسفة بدورها لا تُفهم دون الرجوع الى غول الفلسفة كما يُقال  هيجل 1770-1831 الذي أساس مفهوم فلسفته على حرية الفرد، والذي كان هو بدوره  متأثر بجان جاك روسو 1712-1778،  حيث يمجد  هيجل الفرد الحر من منطلق أنه سوفة يصل الى المثال‫،(لأنها الهدف الأساسي للحياة  ومن خلالها يشعر الإنسان بقيمته وبجانبه الروحي لأنه يمارس العادات والتقاليد و الحياة الأخلاقية والقانونية من خلالها ). ‬وبعد ذلك نعود لقراءة فكرة فريدريك نيتشه 1844-1900  الذي أعطى فهم أعمق وأكثر جدلية بخصوص الحرية ومفهم الفرد، بدون أن يحدد ذَلِك بشكل مباشر في كتاب فلسفة الأخلاق الذي ترجمه للعربية الدكتور يسري ابراهيم، الذي نقد دور العقل في الفلسفة التقليدية ، وكتابه الثاني الأخلاق  والتحرر منها في آخر المطاف عبر Superman أو الرجل الخارق المنحل من الاعراف والتقاليد والعادات والاخلاق التي بُنيت عليها الانسانية عبر حقبة طويلة أراد هو أن ينسفها من الأساس، وأرتقائه بهذا الانسان الغير أخلاقي  للكمال المطلق، الذي قال أن الطبيعة الانسانية وغريزة حب السيطرة وإرادة القوة هي مكمن الأحكام التقويمية لا العقل. أن هيجل يتبنّى الى حد كبير وصف كانط للفرد الرشيد والاخلاقي ، لكنه يعتقد ان فهم كانط للفردية هو تعبير عن حقبة تاريخية محددة تتمثل بالعالم الحديث. ولهذا يُعتبر هيجل من اوائل فلاسفة الحداثة وخاصة الفهم الحديث للتاريخ، وفي ضوء صورة الفرد العالمي وظهور الفرد المتمتع بالحق الذاتي والحريّة الشخصية حتى في سلوكه العام وممارساته الخاصة. وقد عرض كانط في كتابه "الدين في حدود مجرد العقل" الصلة الوثيقة بين الأخلاق والدين، معتبراً أنّ الأخلاق ليست بحاجة إلى الدين من أجل قيامها، بل هي مكتفية بذاتها بحكم طبيعة العقل نفسه، وصحيح أنّ القانون الأخلاقي يفترض وجود كائن أسمى، ولكنّ فكرة هذا الكائن صدرت من الأخلاق دون أن تكون هي الأصل في ظهور الأخلاق ذاتها ويقول في دلالة خطيرة وعميقة، (إذا كان ثمة شيء يحق للإنسان الحديث أن يفخر به على سائر البشر السابقين؛ فهو إيمانه العميق بالحرية، بأنه كائن حر، لا يدين بقدرته على التفكير بنفسه، ومن ثمة على إعطاء قيمة خلقية لأفعاله أو لمصيره الخاص، إلى أية جهة كانت مهما علت أو بسطت هيبتها على عقولنا). بعد ذلك جاءت فلسفة جان بول سارتر 1905-1980، الذي سارت على نفس المنوال في تمجيد حرية الفرد في المجتمع دون اي عوائق وحواجز أخلاقية. من هذا الطرح السريع والإضاءات نستطيع أن نفهم أن الغرب اليوم، أميركا أوروبا استراليا ....الخ تسير على خُطى هؤلاء المؤسسين للفرد وليس للجماعة وتعطي أهمية بالغة للحرية وفق مفهوم الذات.  فأذا المسألة هي ديالكتيكية جدلية من الأصل ليست محددة بمفهوم الأخلاق الارضية التي وضعها الانسان وصار عبد لها. وصل الغربي الى هذه الفكرة عبر سجال طويل مرت بمراحل طويلة والذي تجلت في آخر الامر على هيئة حرية Freedomو ،إلانا ego ، والذات Self ،  تكون صادقة وتعبر بالضرورة على شخصية الفرد وذاته وتكون واعية بصدق دون مراوغة أو أحتيال عليها،  وهذا تطلب عمل شاق جداً ووعي وفكر مضني في أطار الموضوع  لانه ضد التيار وضد القيم السائدة وضد الطبيعة التي سارت في ركابها الحضارة من البداية وبنيت كل المفاهيم والتقاليد عليها تقريبا، وأزرتها ووضعت حجر الأساس لتلك القيم والتقاليد الديانات الشرقية بشكل خاص. وفي النهاية  تظل القضية بين مؤيد ومعارض  وتبقى مسألة المثليين موضوع معقد وشائك. 

90
الكلداني بين مَذْهبَيْنِ 
تشتتَ الكلدان في جميع أصقاع العالم ، خاصة بعد عام 2003 وسلسلة الحروب الطويلة والمستمرة الى اليوم، والتي سوفة تستمر الى أمداً بعيد. سافر وهاجر وهُِجر الكثير منهم، من كان طوعاً ومن كان بالاكَراهَ. في هذا الترحال التراجيدي المرير والشاق والمتعب، ظل الكثير مِّنْهُم ملتزم بطائفته وبعقيدته ومذهبه الكاثوليكي لا يحيد عنهم، ممارساً شعائره الكنسية الكلدانية إين ما وجد وفِي آي مَكَان، وهؤلاء كُثر بطبيعة الحال. ومنهم أيضاً من أخذته الأفكار  بعيداً  فابتعد عن محيطه ونعزل عن القطيع فأبحر مع الأمواج العاتية وذهب بعيداً، فبتعد رويداً رويداً عن منارة الإيمان. ومنهم من سَار وراء مذهب ديني مُغاير يبحر فيه بزورق من ورق،  وهم أيضاً كُثر، وهذا هو موضوعنا هذه المرة.
لو سئلتَ شخصً ما يتردد على الكنسية الإنجيلية في أمريكا أو استراليا أو كندا، ذوُ خلفية كلدانية ماذا تعرف عن هذا المذهب، وماذا تعرف عن عقائدهم  وطقوسهم، لجوابك  فوراً وقال  سهولة إصال كلمة الرب الى المستمع آي الشعب، التراتيل والمزامير الجميلة والمفعمة بالحب والإيمان ،البرامج الترفيهية ، موسيقى ، سينما ،مسرحيات ، سفرات عائلية، بالايضافة طبعاً الى الشاي والقهوة والوجبات الخفيفة. بمعنى أوضح يقول لك، لا يوجد تعقيد في الطرح الديني ، وسهولة شرح النصوص الإنجيلية، عدم التوغل في الماديات وطرح جدلية الاشتراكات والتبرعات والعشور والزكاة والتي أمست مشكلة الكنيسة الكلدانية خاصة في دول المهجر على حساب الكلمة والموعظة الهادفة، لأن ليس كل ما يُقال من على المنِبر هو هادف، والاهم من ذلك هو إشراك الشعب في الصلاة وليست محصورة بين الكاهن والشماس والباقين مستمعين، وهذا يدخل في نطاق الجذب والنفور للنَّاس. ولكن السؤال المحوريّ المطروح  ماهو مذهب الكنيسة الإنجيلية ، والاهم من كل ذلك ما موقفهم من حزمة العقائد الإيمانية ودرجة تمسكهم بِه، فيقف هذا المتحول حائراً بين هذا التخبط لا يُجدي جَوَاباً. وهنا لا بد أن أعطف قليلاً على موضوع  الجٌمل والدلالات اللفظية والعبارات المزدوجة ذات الطبيعة المغُايرة ، التي نظن أنها تعني عبِارة صحيحة لانها أضحت مترسخة  في اللاوعي ومع التكرار أصبحت شيء طبيعي، وَلَكِن في الحقيقة تعطي مدلول أخر تماماً، فمثلاً حين نصف فُلان أنه نبيه وذكي وعبقري نقول عليه انه شاطر، ويغيب عنا المعنى الأصلي للكلمة التي تعني لصْ أو ماكر، ومجموعة شَطار تعني مجموعة لصوص. أو سارت العادة أن نكتب في بطاقة التهنئة عبارة بالرفاه والبنين ، التي يذهب بِنَا الظن أنها جاءت من الرفاهية وعلوَّ الشأن وهذا غير صحيح قطعاً  فالصحيح هو بالرفاء والبنين وأصل كلمة رِّفاء دعاء للمتزوِّج بالالتئام والاتفاق وجمع الشَّمل وإنجاب البنين ،والرفاء هو التفاهم بين الزوجين وان يكون لهما افكار متقاربة، وقس على ذلك الكثير من المصطلحات التي لم نضبط دلالاتها المعرفية فأصبحنا نتخبط في لغوَّ من الأخطاء الكثيرة والتي أصبحت مع مرور الوقت من المُسلمات والبديهيات.   
أولاً الكنيسة الإنجيلية التي نحن بصددها، هي على المذهب البروتستانتي، والمذهب هو مجموعة الآراء والأفكار التي يراها أو يعتقدها إنسان ما، حول عدد من القضايا منها الدينة والعلمية والسلوكية والفلسفية، أرتبط بعضها ببعض أرتباطاً يجعلها وحدة منسقة، والاسم   هو البروتستانت، وليس البروتوستانت أو (البروتوستانتية) كما يخطئ البعض ويقول. والكلمة أصلها الإنجليزي هو: Protestant من كلمة Protest أي يعترض، فيصبح المعنى هو المعترضون أو المحتجون،يُطلق عليهم أيضًا الطائفة الإنجيلية، أو الإنجيليون (الإنجيليين). قام بهذه الحركة الإصلاحية الكبيرة من مارتن لوثر (1483-1546)، الذي كان راهبا أوغسطينيا، ومُدرِّساً للاهوت وحاصل على شهادتي دكتوراه في أصول الدين والكتاب المقدس، على أثر خلافات عديدة مع البابا ليون العاشر وأمنة سر الفاتيكان ، فأعلن عن مجموعة إصلاحات نشرها في عام 1517،والمؤلفة من خمس وتسعين نقطة تتعلق أغلبها بلاهوت التحرير وسلطة البابا في الحل من "العقاب الزمني للخطيئة، وصكوك الغفران. لا يتوانى المؤرخون عن الإشارة إلى جون كالفن (1509-1564) وهولدريخ زوينغلي (1484-1531)،  الذين أضافا الكثير على الحركة اللوثرية.  يتوزعون البروتستانت بالمجمل على ثمان عائلات ،وهي الأدفنست أو السبتيون، لوثرية، الإنجيلية،  والأنجليكانيّة، والمعمدانيّة، الكالفينية ، الميثودية، والمورمون. هذا هو الإطار العام لحركة الإصلاح الدينية ،ولكن يتسائل الكثير من الناس ما هو الفرق اللاهوتي والعقائدي بين المذهب الكاثوليكي والبروتستانتي ، وما سبب رفض الأخير للكثير من المعتقدات.
 يعتقد  البروتستانت مثل الكاثوليك بانبثاق الروح القدس من  الآب والابن وهذه العقيدة هي عقيدة التثليث ، من أقانيم الله الواحد، مع أقنوم الله الآب وأقنوم الله الابن ، وهذا شيئ أساسي وجذري وجوهري في العقيدة ومهم جداً. والاقنوم مشتق من السريانية قنوما وهي إحدى طبائع الله، تحمل عدة معاني ، طبيعة ، ذات، كيان، ماهية.
لا يعترف البروتستانت بأسرار الكنيسة السبعة وإن وجد عندهم شيء من ذلك، لا يسمونه سرًا. مثال ذلك، يوجد زواج  عندهم، ولكنه مجرد رابطة أو عقد بين اثنين، وليس سرًا كنسيًا. توجد عندهم معمودية ولكنها ليست سراً كنسياً، ويسمونها فريضة، ولا يؤمنون بكل فاعلية المعمودية، ولا علاقة المعمودية بالولادة الجديدة، وبالتبرير وغفران الخطايا، وهكذا تتحول المعمودية في البروتستانتية إلى اسم بلا مفعول، وكأنها أصبحت مجرد علامة أو مجرد طقس، بينما هم لا يؤمنون بالطقوس. ومع كل ذلك ليس كل  البروتستانت إيمان واحد في المعمودية، فمنهم من يوافق على معمودية الأطفال، ومنهم من يوافق أن المعمودية يجب أن تتم  بالتغطيس، مع أختلافات أخرى مُتشعبة في بعض الأحيان.
لا يقبلون الكهنوت، فهم إما ينادون بكاهن واحد في السماء وعلى الأرض، هو يسوع المسيح، دون أي كهنوت للبشر، وإما أن يقولوا إننا جميعًا كهنة، ولا فارق في ذلك بين إنسان وآخر، ومن يدعى (قسًا) من الطوائف البروتستانتية، لا يقصد به أنه كاهن، إنما هذا لقب يعنى عندهم أنه خادم أو راع، أو معلم، وليس كاهنًا يمارس الأسرار.
البروتستانتية ضد الطقوس، وبالتالي لا يعترفون بأية ليتورجيات كنسية ( صلوات طقسية).                                 
لا يؤمنون بالاعتراف ، ونقصد عدم إيمانهم بالاعتراف على الآباء الكهنة من جهة، لأنهم لا يؤمنون أصلًا بكهنوت البشر، ومن جهة أخرى، لأنهم يرون أن الاعتراف على الله مباشرة دون وساطة بشرية، ويتبع هذا طبعًا، أنهم لا يؤمنون بالتحليل الذي يقرأه الكاهن على رأس المعترف، ولا يؤمنون بسلطان الحل والربط جملة.
في البروتستانتية لا توجد قداسات، ولا ذبيحة إلهية، ولا يؤمنون باستحالة الخبز والخمر، إلى الجسد والدم الأقدسين، وهكذا لا يوجد تناول من هذه الأسرار المقدسة، وكل ما يفعلونه لتنفيذ وصية الرب (أنجيل لوقا 22:19) هو احتفال في بعض المواسم، فيه كسر الخبز، لمجرد الذكرى، ويدعون ذلك فريضة وليس سرًا كنسيًا.وهكذا فأنه لا يوجد مذبح في الكنائس البروتستانتية، لأنه لا توجد ذبيحة...يستثنى من ذلك الأنجليكان (الأسقفيين)، فعندهم مذابح وقداسات، ويؤمنون باستحالة الخبز والخمر إلى الجسد والدَّم.
لاوجد لنظام الرهبنة، إلا عند الأرثوذكس و الكاثوليك، أما الرهبنة فلا وجود لها في البروتستانتية، وكل رتب الخدام متزوجون. لا يؤمنون بشفاعة الملائكة، ولا العذراء، ولا القديسين، ولا شفاعة الموتى في الأحياء، لا وساطة إطلاقًا بين الله والناس. وهذا يقود إلى نقطة أخرى وهى، لا إكرام للملائكة ولا للقديسين، فلا يحتفلون بأعياد القديسين، وهذه  تقود بدورها إلى محل أخرى أبعد وهى عدم الإيمان والاعتقاد بوجود صور وأيقونات في الكنيسة، ولا بإيقاد شمعة أمام صورة أحد القديسين، ولا بنذر ينذر على اسمه، فهذا نوع من طلب شفاعة، وهم لا يؤمنون بالشفاعة.
لا تبنى كنيسة على اسم ملاك، أو شهيد، أو قديس، ولا تتسمى باسمه، إنما قد تتسمى الكنيسة، باسم المدينة نفسها التي فيها الكنيسة ،  مثلاً كنيسة أرض الملجأ أو الكنيسة الإنجيلية  الوطنية ... الخ.
لا يؤمنون بدوام بتولية العذراء ، بل يعتقدون أنها تزوجت بيوسف النجار، وأنجبت منه بنين، عرفوا باسم "أخوة يسوع" (إنجيل متى 13: 55، 56). ولا يكرمون العذراء، وكثيرًا ما يلقبونها باسم "أم يسوع"، ولا يوافقون على عبارة "الممتلئة نعمة" (لوقا 28:1)، بل يترجمونها "المنعم عليها"، وينكرون صعود جسد العذراء إلى السماء، الأمر الذي يعتقد به الكاثوليك ، ولا يحتفلون بأي عيد من أعياد السيدة العذراء.
 ينكرون الأبوة الروحية ،فلا يدعون أحدًا أبًا، ولا قسًا، ولا أسقفًا، معتمدين على فهم خاطئ لقول السيد المسيح للآباء الرسل: "لا تدعوا لكم أبًا على الأرض" (متى 9:23).
عقيدة الاختيار ، وفيها يؤمنون بعقيدة وَهِي، اختيار الله البعض للخلاص، منذ الأزل، وعلى مبدأ النعمة المطلقة، وعلى مبدأ سلطان الله المطلق. وكما يقولون: "أن الله بمجرد مسرته قد اختار منذ الأزل بعضًا للحياة الأبدية... فرز الله لبعض من الناس، وتعينهم بالقضاء الإلهي للحياة الأبدية.
كثير من المذاهب البروتستانتية، تؤمن باستمرار موهبة الألسنة، ويعتبرونها دليلًا على الملء بالروح، أو دليلًا على قبول الإنسان للروح القدس، والبعض يقبل وجودها، وانتشارها، ولزومها، ولكن ليس للكل. تتميز تعاليمهم بالمطلق بالتشديد على المعنى الحرفي لنصوص الكتاب المقدس، الذي يعتبرونه المصدر الوحيد للإيمان المسيحي.
 أخيراً كانت هذه بعض الإيضاحات  السريعة، سلطنا الضوء فيه على أهم ما يحيط بالمذهب البروتستانتي، مُتجاوزاً بذلك اللغوَّ الفارغ متحكما بالعلم والمراجع، لكي تصل الفكرة بشكل واضح ومُبسط. 






المصادر :-
الكتاب المقدس
 اللاهوت المقارن، قداسة البابا شنوده الثالث  (1923-2012) / كتاب.   
الألفاظ والاساليب : مجمع اللغة العربية/ القاهرة.
الموسوعة الميسرة، والموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة. 

91
ريان وزوبعة في فنجان 
أثرتُ حقاً أن لا أكتب آلا بمرور بعض الوقت وذلك لأطفاء نوع من المنطق للحالة المطروحة ، والتي طال السجال حولها، واستبيان مواقع الخلل والضعف فيه من زواية عدة. كنتُ في مقال سابق شرحتُ وبالتفصيل أسباب تعثر وتخبط وفشل  تشكيل نوع من قوة خاصة بالمسيحيين ، أو نوع من الميليشيات المسلحة اذا تصح التعبير، وأوعزت ذلك الفشل الى قلة الخبرة، ضعف الولاء والإيمان بالقضية، تشتت القيادة الصادقة الحكيمة اذا وجدت أصلاً، تبعية القادة المسيحيين الى قادة أحزاب أخرى لها كلمة الفصل في أتخاذ القرارات، تحدهم مصالح شخصية وضيق في الأفق ، توغل حزب البعث قديماً في قمع كل التيارات المناهضة له وإجهاض آي مشروع أو نشاط سياسي داخل الوطن ، مما أدى الى تهشيم الأفكار والطموحات على صخرة الواقع الصلبة. والكثير من الأسباب والتي ألات في أخر المطاف الى هكذا نهاية سريالية.
فصيل أو فوج بابليون المسلح، الذي يقوده المدعو ريان سالم الكلداني، هو أحد تشكيلات الحشد الشعبي الشيعي، الذي تأسس بعد سيطرة تنظيم داعش على جزء كبير من شمال وغرب العراق عام 2014 بعد فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقتها المرجعية الدينية من مدينة النجف، بعد أن أخذت الموافقات من ملالي طهران وقمْ طبعاً، وبأشراف مباشر من  قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني. صحيح إن الفوج كان موجود قبل الحشد الشعبي ولكن دون فعالية تذكر. أن الفوج الرياني هو شيعي بالأصل ، ومذهبي النزعة بامتياز،  ولا صلّة ألبتة  له بالمسيحيين  غير الاسم  فقط، والذي شارك في دعمه مادياً وتسليحه  وأضهاره على العلن  هو رئيس الوزراء العراقي السابق جواد نوري المالكي اللص الكبير من أموال السرقة والاختلاس والسطو على البنوك في وضح النهار. حينما صرح المدعو ريان أنه سوفة يأخذ بثأر مسيحي الموصل من أحفاد يزيد ،فهو يأُجج الطائفية،  ويخلق مناخ مشحون بنزعة دينية وحرب أهلية تُنذر بسوء، لا حاجة بالمسيحين الباقين في الداخل  لها الان  خاصة في هذه الظروف الصعبة والمفصلية من التاريخ . هذا من طرَف، من طرف أخر أن الديانة المسيحية تحمل في طياتها قيم  إنسانية عالية ، لا تتماه مع العنف السائد مهما حاول البعض إدخال العنف عليها. وهذا يَصْب في صلب العقيدة والتعليم  المسيحي الحقيقي، حيث لا وجود لمبدأ الأنتقام والقتل والثأر  (لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، (إنجيل لوقا 6: 28) بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ). هذه ليست كلمات أنشائية تُقال في موعظة قداس يوم الأحد، ولكن هي المتوّن الأصلية التي جاء وبشر  به السيد المسيح على هذه الأرض، والتي تشكلت على أساسه  الدينة المسيحي على مدار 2000 عام ويزيد. فالموضوع ليس ريان الكلداني ولا سلمان التكليفي ولا غيرهم الذين يبتغون الصعود على جماجم الناس، وسرقة المال العام ، ذويْ الأيادي القذرة الملطخة بدماء الأبرياء ، حالهم حال داعش والحشد فهم وجهان لعملة واحدة صكها الارهاب. يأتمرون بقادة الأحزاب الشيعية الكبيرة ، وهم رهنْ إشارتهم ، يصرحون بما يريدون وفِي آي وقت كان ما  تقرره هذه الأحزاب أو المرجعيات. ليفهم ريان وسلمان أن الوقت حرج والشعب  المسيحي في الوطن يمرّ بمنعطف حرج ، وهو الان في عنقْ الزجاجة يحاول الخروج بكل الوسائل المتاحة ، بعد أن بدأت تحرر مدنهم وقراهم، وبدأت تدب الحياة فيها ولو بوتيرة بطيئة، وأعادة رسم خارطة طريق جديدة بعد كل الدمار والخراب والمأسي والويلات التي لحقت بهم، خاصة خلال الأعوام الثلاث الاخيرة.  فلا يدعي أحد الوصية أو المسئولية عليهم، أو يدافع عنهم من منظوره الضيق الغبي ، يتحدثون ويصرحون بما لم ينزل الله بها من سلطان. الناس لها نصيب  من الهَم  والحزن والالم ما يكفي قارات بأكملها فلا يزيد عليهم أحداً. 

92
ماذا تبقىّ من علمانية البعث
نعرف أن الولاءات والالتزامات والمبادئ الحزبية تتغير مع تغير الزمان والمكان والظروف المُحيط بكل هذا. فمثلاً نشاهد شخص شيوعي ماركسي  في بدايته ثم ينقلب الى يميني متُطرف ، وآخر كان يساري يحمل لواء الثورة، ويُنظر لها في كل توجهاته وافكاره ثم فجأة ينقلب الى محافظ  ملتزم. وهذا متداول ومعروف في عالم السياسة ويعتمد أيضاً على المناخ  والجوّ السياسي الذي يُحيط بهذا البلد أو ذلك. ولكن الغريب حقاً أن حزب ذوُ منظومة علمانية كبيرة وتوجهات يسارية  تحمل في طياتها فكر لأبرز المنظرين للعلمانية من شعراء وكتاب ومفكرين في حقبة الستينيات والسبعينيات ومتلاها ، تنحرف أنحراف كبير ، وتنجرف بشكل سريع الى هاوية التطرّف. وذلك ما حدث لحزب البعث العربي الاشتراكي، حيث تمْ تفريغ محتواه وأيدلوجيته وفكره من العنوان الرئيسي وهو الاشتراكية الى عنوان آخر بعيد كل البعد عن مساره العام. وهذا ما لم يحدث لأحزاب كبيرة  واجهت الفشل والإخفاق في مسيرتها، ولكن ظلت ملتزمة بنفس السياق ،كالحزب النازي الألماني والحزب الشيوعي السوفيتي الذين حافظوا على أيدلوجيتهم وتوجهاتهم  مع تحطم عجلاتهم  وأنحسار مدهمْ ، ولكن ظل الفكر كما هو. حين وصل البعث الى سدة الحكم في العراق سنة 1968 كان هناك رهان قوي على انه سوفة ينجح لتوجهاته وتطلعاته الليبراليّة، والتي كانت سائدة في ذلك العصر بشكل كبير، حيث كان المواطن العادي يُشاهد تجلياتها في كل زاوية من الحياة العامة. فدورّ السينما تعرض أفلام ذات مغزى ادبي عميق، والبارات متواجدة بكثرة  والنوادي الليلية تفتح ابوابها الى ساعات الفجر الأولى. والضابط والمحامي والطبيب والأديب والمهندس يستمتع هو وعائلته من خلال نقاباتهم نواديهم التي كانت تعطي الكباب مع البيرة في جو يتسم بالانفتاح . وفِي مناهج التعليم خاصة المرحلة الابتدائية، آي مرحلة التأسيس للطفل ، حيث وضع المفكر القومي الكبير ساطع الحصري كتاب القراءة الخلدونية التي لم يحتوي على آي ذكر ديني ، لا أسم محمد ولا مكة ولا المدينة ولا قريش، بل يذكر التاريخ انه كان رافض بشدة تشييد مدارس دينية على الأقل حين كان مسؤول في وزارة المعارف. وفي الكليات والجامعات كان هناك توجه يساري سائد.
فِي المقابلة الاخيرة مع البعثي الكبير عبد الباقي السعدون سنة 2015 قال ( في سنوات السبيعنيات صدرت تعليمات مباشرة من صدام حسين تنص أن على الرفيق البعثي أن يحتسي الخمر ولا يصلي ،باستثناء عزت ابراهيم الدوري وذلك لأسباب صحية). الغريب في الامر كيف تحول كل هذا الى أقصى درجات التطرّف الديني والقتل والارهاب،  حيث لا يخفى على احد أنخراط عدد كبير من الرفاق بمستوى عضو فرقة فما فوق في صفوف التنظيمات الإرهابية خاصة في المناطق السنية كالموصل والرمادي مع داعش والقاعدة وجبهة النصرة وغيرهم . السؤال الأصلي ليس على صعيد الأفراد فهذا أوضحناه في بداية المقال،  ولكن الأهم على صعيد منظومة الحزب ككل، الذي كان في وقت ما يمسك بزمام بلدين العراق وسوريا. وربما قائل يقول أن رياح  التغيير هبتْ مع انطلاق الحملة الإيمانية سنة 1994 التي دعا أليها صدام حسين ، ولكن هذه تظل مرتبطة بحالة مرحلية مشروطة بظرف خاصّ تطلبت  هكذا رؤية. بعبارة أدقْ نقول ، كيف أن حزب بأكمله يختزل منضوره الثقافي تحت مظلة العلمانية وينزوي ثم يفشل في تطوير أدوات الهيمنة الثقافية كغطاء لإرجاع منظومة الاشتراكية التي نادى به طوال أعوام من مسيرته الطّويلة !. وهكذا فلم يبقَ شيء يتكئ عليه البعث الان بعد أن فشل بشكل كبير في بلورة بديل للرؤى والأفكار اليسارية ، وأصبح  محكوم  بقيادة تُنادي بالسلف الصالح والوهابية  والطرق الصوفية والدروشة. ففقد بالتقادم كل خصائصه التي نشأ عليها، وخطّ مفكرين علمانيين كبار أدبياتها، مستلهمين قواعدهم من الثورة الفرنسية.  في كل الأحوال أنتهى بريق الامس بسلسلة من الإخفاقات كانت كفيلة بمحو كل الماضي وجعله يضمحل ويزول مهما حاول البعض تجميل الصورة.   
 

93
 سيدي المطران دموعكَ غالية
قبل إيام قليلة أرسل أحد أصدقائي فلم قصير عن منزلنا في مدينة الموصل حي البكر في الساحل الأيسر، كان البيت قد تحول الى خراب من الداخل ، ومنهوب من كل محتوياته وأثاثه، وأثار الاطلاقات النارية الكثيرة  على الجدران حولته الى لوحة بشعة  تقطر دماً ، كأنه لم يعد ذلك المنزل الذي كنت أقطنه، وبات غريب وحزين وكئيب، المهم هو هذا الذي حصل معي ومع الكثير من الناس المسيحين وغير المسيحين ، وهذا هو ثمن الحرب الذي يدفعه الشعب المغلوب على أمره في جميع الحالات، فلم أُبالي كثيراً، مع أنه ضلّت هناك حسرة في أعماقي تشُدني الى مكان طفولتي ،وذكرياتي، وغرفة دراستي وحديقتي، ولكن عزيتُ نفسي بقليل من الأمل الباقي أنه يأتي يوم يعود الحقْ الى أصحابه الحقيقيون .لكن ألمني كثيراً وحزَ في نفسي ، وأسال الدموع من أحداقي، بكاء سيادة المطران مار نيقوديموس داؤد شرف ريئس أساقفة الموصل للسريان الأرثودكس، بحرقة وألم كبيرين وهو في وسط كنيسته في حي الشرطة المجموعة الثقافية ، بعد أن حررتها القوات العراقية من براثن تنظيم داعش، والتي تحولت الى حُطام حقيقي بمعنى الكلمة ، حتى الجدران نُزعت عنها البلاط، نُهبت بالكامل ، والأرض أصبحَت ساحة معركة لا كنيسة في وسط محافظة كبيرة . دخل ذلك الأسقف الجليل الى كنيسته والذي قبل سنوات قليلة رسُم به أسقفاً للموصل وتوابعها، دخل وهو يتكئ على عكاز الرعية  كأنه يقول لم تعد قدمايا تحملني من هول المنظر وحجم الدمار، أطرق برأسه الشامخ الى الأسفل يتذكر ذلك الزمان الذي كانت فيه الكنيسة ودار المطرانية مأهولة بالمؤمنين والرعية والنَّاس ، يُعيد شريط الفلم الى الوراء  فيتذكر زيارة الباطريرك الراحل مار إغناطيوس زكا الأول عيواص لمدينته الأم بعد غيب طويل ، يَرنُو الى نشيد الحزن بقلبً فطور كمْ وكم أسقف وكاهن وشماس مرَ من تحت هذا الباب الذي تهدم الان، فتسيل الدموع مدراراً كأنها كانت تنتظر هذه الساعة الأزلية لُتعبر عن ذاتها محصورة بين العين والقلب ، تنوء تحت ثقل المسؤولية الكبيرة و الرعية المُشردة في داخل الوطن وخارجه. في تلك الوقفة التاريخية بين الحديد والنار الحجارة والكلسْ المبُعثر والمطحون باقدام زُمر أرهابية ومجاميع تكفيرية، يتذكر أبناء الرعية أين حلَ بهم المقام بعد هذه السنوات العِجاف،  وكيف يعودون وقد أمست ديارهم خراب، وكنيستهم التي كانت تحتضنهم في السراء والضراء أطلال ، وهم الذين بنوها بعرق جبينهم وعلى حسابهم الخاص والاهم من ذلك مداواة  النفوس المجروحة بعد كل هذا. من يُعيد بناء ذلك الصرح الكبير ، ومن يُعيد ذلك الشعب المسكين  ويحميه ، من يرسم تلك الابتسامة البريئة على وجوه الأطفال وهي تلعب في باحة الكنيسة أيام الآحاد، من يُعايد من في الأعياد والمناسبات ،ومن يُِعزي من في قاعة التعازي، من يستقبل من في دار الضيافة التابع للمطرانية حين كان يستقبلنا بكل حفاوة وكرم سيادة المطران  صليبا شمعون. ماذا تبقى بعد من كل هذه الذكريات والايام الخوالي، أظن أن الأسقف الجليل قد دارت في خاطره كل هذه اللحظات السرمدية الفارقة من عمره وعمر وعمقْ المكان هذه الأسئلة الكبيرة  والتي لا إجابة لها الان.

94
المنبر الحر / محسن وبوش الأبن
« في: 22:08 03/02/2017  »
محسن وبوش الابن
في بحثي على منبر الجزيرة الالكتروني المختص بالشأن الثقافي العربي والعالمي ، قرأت بالصدفْ موضوع عن كاتب وقّاص  عراقي عاش ومات في محافظة الناصرية جنوب العراق. وتبين في بحثي عنه عبرَ ال Google  انه رائد من روّاد القصة القصيرة ، والروية ، والمسرحيات ، وتُرجمة أعماله الى عدة لغات ، ولكن ومع الأسف الشديد  ظل هذا المبدع  منسي الى أن وفته المنية مريض مكسور الجناح. والأكثر غرابة أن محسن الخفاجي أُعتقل وسُجن في سجن بوكا اكثر من ثلاث سنوات وهو بريء، فالصدفة وسوء الحظ الذي يلازم المثقف العراقي جرته الى ذلك المعتقل الرهيب في أقصى البصرة حيث قال( حتى السحابة بكت لإجلي). ويُضيف إذا وصلت إلى بوكا فتذكر أنك في الوادي المقدس؛ هنا تعذبت أرواح، وتوقفت أعمار طوقها الغزاة بسيل رصاص متواصل”، ثم يعدد عذابات السجناء من قتل برشقات رصاص، وحياة مهينة مع الذباب والفئران والعقارب. كان محسن  يتقن اللغة الإنكليزية من والى العربية ومترجم لها وقارئ نهم لأهم المؤلفات العالمية. في تلك السنوات وحين حطت القوات الأمريكية في الناصرية، ذهب القاص عن طيب خاطر وحسن نية لتقديم خدماته كمترجم لهم ، فتهموه بالارهاب ودعم المقاومة، وكانت الخلاصة أعتقال وألم ومرض ،أنهكته ثمَ قتلته ، وتجربة مريرة خرج بعده مكسوراً ومحطماً من الداخل والخارج. كتب عن تلك الفترة مجموعة قصصية بعد أن خرج تحت عنوان ( حمامة القنصل) وهي مفارقة إنسانية بين سجناء يعيشون في ظروف قاسية جداً وبين جنود الاحتلال. يقول الخفاجي ( هذا الزيف، ينبغي أن تعرف الأجيال هذه الجرائم التي لحقت بأبرياء لتتم محاكمة جثثكم في المستقبل) . وفِي مكان اخر يقول (ما أشبهني بخروف مزقته السّكاكين).
هو محسن الخفاجي من مواليد الناصرية عام 1950 بعد تخرجه من دار المعلمين عام 1967 عمل معلما حتى تقاعد في 1996. له العديد من الاعمال :- سماء مفتوحة إلى الأبد – 1974) و (ثياب حداد بلون الورد- 1979) و (طائر في دخان- 1996) و (إيماءات ضائعة – 2001). روائيا، اصدر الروايات التالية: (وشم على حجارة الجبل- 1983) و (العودة إلى شجرة الحناء- 1987) و (يوم حرق العنقاء- 2001).  (النازي الأخير وايفا براون- قصص) و (بيضة الغراب- رواية) و (حب اسود- رواية) و (دموع ذهبية- قصائد) و (لو كانت للأبد نهاية- رواية). حصل على جوائز منها جائزة الإبداع عن الكتاب القصصي إيماءات ضائعة 2001 – وزارة الثقافة والإعلام) و الجائزة الأولى عن القصص (الحافة 1968، اليوم الخامس في وادي الشمس 1983، و ميتة ذهبية في طروادة 1999، يوم حرق العنقاء –رواية- 2001).. كما حصل على ست جوائز تقديرية في القصة بين 1983 و 1989.
انطفأ بريق هذا الكاتب المبدع  هو مصاب بشلل نصفي أقعده طريح الفراش يتكئ على عكاز ، في  سبتمبر من عام 2014 في بيت قديم  كل ما يملكه من حُطام هذا العالم. وتظل رسالته الى الرئيس جورج بوش الابن نثراً مفعماً بالمعاني والشجون والغبن الذي طاله وهو من خلف القضبان الغليظة ينُاشد العالم. وهذا نص الرسالة:-
أيها الرئيس
أنا لست الفوهرور ولا وطبان أو علي كيماوي ولست موسليني أو بن لادن. أنا كاتب قصة ومحتسي شاي جيد وصانع حلم ورغبة وبها قدمت إليكم عساكم تستفادون من رؤى مخيلتي لإسقاط بعض أوهام المجيء إلى العراق.وفجأة وجدت نفسي مرميا في قفص من الأسلاك الشائكة. لا أريد أن اصف أيام الاعتقال الأولى فهي أكثر من محنة غير أنني بعد كل هذه الأزمنة الطويلة والتي اكتوت بها عذابات روحي لأقاد إلى شيخوخة مبكرة أقول أنا برئ سيادة الرئيس. لا امتلك من الذنوب ما أسيء به ألي البنتاغون والصقر النيفادي وليس في نيتي النظر شزراً إلى تمثال الحرية. أريد أن أعود إلى حضن وطني ومثل نوارس بلادي أريد أن أتمتع بحرية الطيران. بقيتم أم غادرتم هذا أمر مابات يعنيني هنا لأنني في قفص وذاكرتي مشدودة إلى تعداد الصباح والمساء. في خارج المعتقل هناك من يعنيهم هذا الأمر وأنا احلم مثلما يحلمون وأتمنى أن لا يصيب أحدهم ما أصابني من عزلة وقهر وكآبة.
سيادة  الرئيس
أنتظر أن تصلك رسالتي. وانتظر لأحد الطيبين والشرفاء الكثر في هذا العالم أن يترجمها ويوصلها إلى مكتبك البيضاوي بعد أم تمر خجلة بممرات البيت الرئاسي وترفع قبعة الاحترام لصورة الرئيس ويلسن صاحب مبادئ حقوق الإنسان الشهيرة وهي موجودة في القاعة الرئاسية الزرقاء وحتماً سيهب معها متضامنا ويدون بيد مرتعشة ورقة توصية من رئيس جد إلى رئيس حفيد وحتما ستتعامل معها بجدية وتقول: أطلقوا هذا الطائر من قفص.

القاص والروائي العراقي محسن الخفاجي سجن بوكا الثالثة ظهرا / المدينة العراقية أم قصر.

95
لمن تقرعْ أجراس الكنائس في الموصل
تتحرر الأحياء والمناطق في الساحل الأيسر من محافظة الموصل تباعاً ، ومعها أيضاً الكنائس ، التي أصبحت اطلال وخراب وأثراً  بعدَ عين. يتجول الأب كوركيس بنيامين المدبر البطريركي للكنيسة الشرقية القديمة ، ويزور كنيسة مريم العذراء في حي الشهداء التي هي في ذات الوقت دار مطرانية موصل ودهوك، يسيرّ القس في مُحيط كنيسته التي حولها تنظيم داعش الإرهابي الى آنقاض ودمار ،  وعاثَ فيها فساداً وفجوراً ، وأستباح المقدسات،  فأمست الحدائق الغناء في الماضي والكنيسة الواسعة ،  الى وكر لصناعة الارهاب ومصنع لتفخيخ السيارات والعبوات الناسفة ، حتى قبر المطران توما درمو لم يسلم من التخريب والدمار، والاستهتار والعبث طال الأحياء والأموات.
تتجول عدسة الفضائية العراقية في كنائس برطلة والحمدانية،  والتي حولتها المعارك بين الجيش وقوات التحالف والحشد الشعبي وبين تنظيم الدولة الاسلامي الى بقاية حَجر مبُعثر ، بعد أن كانت قبل سنتين ونصف مأهولة بالناس ويمارسون طقوسهم ومناسباتهم الدينية بكل حرية ، لمن سوفة تقرع الأجراس مجدداً. دير مار كوركيس في الحي العربي على الساحل الأيسر من المدينة، كان الى زمن قصير مضى، عامرً بالرهبان ،الشباب والكبار ، وملتقى العوائل المسيحي مساء الجمعة والأحد، خاصة بعد أن قامت رئاسة الدير ببناء سُوَر عالي يُحيط المكان من كل الجهات فأصبح مزار ديني ومرفق أجتماعي وترفيهي، كان فسحة للناس لقضاء أوقات جميلة. هل تعود حركة التاريخ الى الوراء مجدداً وتقرع الأجراس.  تتحول كنيسة الطاهرة في حي الشفاء على الساحل الأيمن من المدينة ، الى سجن ومعتقل، وفِي ساحتها تُنفذ الاعدامات والتصفيات الجسدية  بالأبرياء والعُزل، مع انها من اقدم كنائس الموصل ، وقريبة من قلوبهم لِمَا  لها من مكانة خاصة . هل تقرع مرة ثانية نواقيس كنيسة ومدرسة أم المعونة في منطقة الدواسة ،والتي بناها كلدان الموصل سنة 1945 شكراناً للرب والسيدة العذراء لانتهاء الحرب العالمية الثانية وانقشاع تلك الغيمة السوداء عن مدينتهم الحبيبة، والاهم من كل هذا لمن سوفة تقرع النواقيس بعد أن عرفت الخفافيش طريقها وطيور الظلام أوكارها وأشباح الليل مخابئها. من يضحك ومن يبكي ؟ الحكومة والجيش والشرطة الاتحادية  التي لم تصمد امام ثلة من اللصوص والمجرمين المأجورين من دول أخرى فولت هاربة تَجر أذيال الْخِزْي والعار وراءها، ولم تستطيع حماية نفسها ومواطنيها وعددهم يُحصى بالالف، ويقف الآن كبار الضباط والرتب العسكرية في باحات الكنائس ويتحدثون من وراء المكرفونات فرحين بِمَا حققوه من انتصارات.
هل تعود الحياة الى سابق عهدها في تلك المدينة التي لم تلملم يوماً جراحها النازفة ؟، من ذلك الذي يخففّ عنها سدفات الحزن والألم، وهل يظل مشروع العودة  حلم بعيد المنال  وقبساً من سراب ،والسؤال الأخير من يحمي من ، ومن يقتل منْ.     
   

96
المشكلة ليست في السهل بل في العقل
قبل ثلاثة سنوات ونِيفْ ، وحين كان الصراع محُتدم على سدة السلطة في بغداد ، أراد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إستمالة المكون المسيحي في البلاد، وكسب أصواتهم وثقتهم في الخارج والداخل ، فأطلق مبادرة شيطانية قديمة جديدة تُعرف  بسهل نينوى أو محافظة للمسيحيين، تكون على تخوم الموصل والقرى التابعة لها يديروها بحكم ذاتي ، فهلل الناس البسطاء الحالمين ببعث دولة آشور ونمرود من بين أنقاض التاريخ  بهذه المبادرة والتي لم تكن أكثر من مبادرة مزيفة وراءها مصالح حقيرة من مسؤول سافل وفاسد على أعلى هرم السلطة في العراق. وقامت الأحزاب والتنظيمات المسيحية بالتنظير لهذا المشروع ، بل ذهب البعض الى رسم خرائط تُبيَّن حدود المحافظة والى أين تصل وتمتد، وبثوها على المواقع الالكترونية والإنترنيت ، على أساس انه خلال أشهر قليلة سوف يكون لذلك المسيحي المُشرد والمنفي والمهُجر أن يحطّ رحاله اخيراً في أرضه ويستريح بعد عناء طويل تكبده، على بسيطة  تكون له هو، حر التصرف فيها ، وندفع  وراء هذا الوهم الكثير ، وسار وراء السراب أكثر. وفِي يوم من تلك الأيام التعيسة  سافر رئيس مجلس النواب العراقي السابق الثعلب أسامة النجيفي الى أميركا في زيارة رسمية ، والتقى بوفود وممثلين من أبناء شعبنا هناك ، وجاء الحديث عن السهل المزعوم فنبرى احد الأشخاص الطيبين المفتونين بأمل زائف وظل يدافع عن سهل نينوى  وعن محافظة خاصة للمسيحين ، وعلى ما يبدو تحمسَ قليلاً  وأخذته الحمية فما كان من النجُيفي آلا أن قال له باللهجة المصلاوية ( لا تروح زايد ) ، بمعنى انت يا أخ ذهبت الى حدود اللامعقول،  وانطلقت في أفقً بعيدة وحلقت عالياً دون أجنحة ، فقف وأعرف حدودك والى آي مدى تُحلق ،ولا يغرك التصريحات والوعود فكلها حبر على ورق . بعد ذلك بشهور حصل ما حصل وسيطر تنظيم الدولة الاسلامي داعش ، ليس على السهل  والقرى،  بل على ثلث العراق ، وأعلن البغدادي إمارته من ثاني أكبر محافظة فيه، وذهب الأخضر بسعر اليابس.
في بلدة عنكاوا مؤخراً قامت مجموعة من الشخصيات بتأسيس ماأسمته  مجموعة الضغط ( لوبي) لسهل نينوى والموصل تطلب فيه بالإدارة الذاتية المتطورة ( يظنون أنفسهم في سويسرا أو فلندا)  أو الحكم الذاتي لمكونات سهل نينوى. من ناحية المضمون والجُمل الرنانة التي جاء فيه البيان الختامي جيدة جداً ومُصاغة بشكل ممتاز، ولكن الفعل على أرض الواقع يقول غير هذا تماماً ، فالغالبية العضمى من الشعب المسيحي الذين يقطنون الموصل والقرى التابعة لها خارج الوطن أصلاً ولا بصيص أمل في العودة ، فالعوائل وصلت الى دول المهَجر  بعد حملة 2014 الداعشية وأستقر بها المقام وانخرطت مع المجتمع، ومن هم في الداخل أو في المخيمات او الكرفانات هم  أيضاً يفكرون في السفر، وكما يُقال قدم  في الداخل والأخرى على الخارج. آما من هم في الوسط آي المحطة ما قبل الاخيرة تركيا عمان لبنان ، فقد خاب ظنهم بعد بتحرير قراهم ومدنهم في حملة الموصل العسكرية فَقَد تبين انها  لم تجر وراءها غير دمار اكثر وسرقات اكثر وخراب أكثر، فباتت العوائل تتشبث هنالك بخيوط الرحيل نحو الأفضل.  يتحدثون عن سهل ؟!، حسناً لنأخذ مثلاً من الواقع المُعاش، كنيسة الروح القدس ، تقع ضمن أبرشية الموصل الكلدانية ، كانت تضمّ قرابة خمسة عشر حيّ سكني في منطقتها الجغرافية،  يترواح عدد العوائل الكلدان فقط  على 710 عائلة ، بدأ العدد يقل الى أن أنتهى في 2014 ولم يبقى ولا نَفَر واحد ، هل يستطيع واحد من هؤلاء ( مجموعة الضغط  ) أن تسترجع شخص واحد فقط وتأمن على حياته وحياة أسرته. قضاء بحجم الحمدانية هُجِّر وشُرد خلال ساعات معدودة. على من نضحك ، وعن آي سهل يتحدثون ،ما هكذا تورد الإبل ياجماعة. البقية الباقية من هم في الداخل وفي الإقليم لا تريد سهل ولا جبل ،  تريد دولة مدنية تحكمها مؤسسات تعترف بالمواطنة بعيداً عن الدين والطائفة والمذهب، دولة لا وجود لمواطن درجة أولى وثانية وثالثة ، الكل يمارس شعائره الدينة بكل حرية واحترام ، يقفون امام العدالة والقانون على درجة واحدة دون تمِيز، هذه هي الدولة  التي يصبوّ إليه المكون المسيحي يا شخصيات المقام الرفيع ، وليس سهل بدون مقومات.
 المسيحيون من كُل المذاهب والطوائف والمشارب، لم ينجحوا بعد السقوط في عام 2003 بتشكيل ميليشيا او قوة عسكرية تحميهم، وتحمي كنائسهم ، على غرار الآخرين كالشيعة والسنة والتركمان، لأنهم بعيدين عن لغة السلاح ، وحبال السياسة وخفاياها القذرة، جَلا غايتهم أن يعيشون  في ظل دولة قوية تحميهم وتحمي كل الأقليات،  فلم يقدروا على فعل شيئ سوا الانكفاء على ذاتهم ، سواء في الإقليم الكردي أو في القرى ذات الأغلبية المسيحية ، وحتى هنا لم يتركونهم لتسٍير شؤونهم ومعيشتهم البسيطة أصلاً، فهجروهم مرة ثانية ولكن هذه المرة كانت الجولة النهائية.
 المحطة الاخيرة ،أرجو أن لا ننساق وراء خيط واهي ، ومشاريع بعيدة عن الواقع الاليم الذي يعيشه المسيحين في هذا البلد المرُهق. والالتفاف خلف عامود من دخان على أساس يكون عمَاد البيت الجديد ، فنتفاجئ انه ليس أكثر من ضباب ينقشع مع أول القبس ، يجب تفعيل العقل والمنطق خاصة في هذا الفصل الحرج من التاريخ.     

97
طريق الكاهن نحو الأنثى
لم أكنْ أنوي الخوضَ في غِمار مثل هكذا مواضيع ، تكون بعيدة عن إهتمامتي الاساسية ، سواء منها الأدبية والسياسية والفلسفية،  والتي أحصرها في بوتقة الفكر المعرفي،  فتخرج على شكل مقالة أو مدونة، تنشر على موقع أو أكثر. ولكن أستفزني موْقف كاهن، فبتُ أفكر في ذلك الخواء الذي يلفه والذي حدَ به الى ترك الدين بعد طول خدمة والجري وراء الدنيا وتزوج من مطلقة وفِي معيتها ثلاث اولاد، فبات من الملح بل من الضروري ، أن أكتب عن حالة أصبحت في السنوات الاخيرة ظاهرة تسترعي التوقف والانتباه. وعلى السلطة الكنسية ( الكلدانية) والاباء الأساقفة الإجلاء التوقف عِندَهَا بكل شفافية ووضوح،  لإنها على ما يبدو ليست عابرة أو حالة شاذة واحدة، فيقول قائل بسيط، أن لكُل قاعدة شواذ، بذلك يوصد الباب للمزيد من الدراسة والتحليل والاستقصاء لبلورة رؤيةْ جديدة تتماهى مع العصر.
الموضوع هو زواج القسْ آي من هو أرتسمَ ونال الدرجة الكهنوتية وأنخرط في خدمة رعية مُعينة ، وبعد ذلك ينوي الزواج. وهنا الحالات لَيْسَت ضمن معيار واحد، بمعنى مَن درس وتخرج من معهد الكهنوتي ونال الإكليروس ، وبعد ذلك أصبح كاهن في خورنة تتبعْ ضمن الرقعة الجغرافية أبرشية معينة، وبعد سنتين أوثلاثة ينتبه أن الحياة  الكنسية لا توالمه فيعزم الخروج من الرعية والانخراط في الحياة العامة ويتزوج، والحالة الثانية من كان قساً على مدار خمسة وعشرين سنة ويزيد عليه، وهو يخدم الناس  والطائفة ، وبعد كل هذه الخدمة الرعوية الطويلة  يكتشف أنه لا يقدر بدون أنثى تلبي احتياجاته فيترك كل شيئ ويذهب ليتزوج.  والحالة الثالثة من كان آب لرعية في دول الهجرة الانتقالية ،آي العواصم ما قبل الاستقرار النهائي  مثل إستنبول ، دمشق ، بيروت ، عمان، ويخدم في تلك الكنائس الكلدانية ، ولا يستطيع الوصول ، فيجعل من الكنيسة سفينة وصول الى برّ الأمان كأمريكا وكندا وأستراليا وأوروبا ، بعد ذلك يترك السفينة هي والربان، ويدخل في لجة الحياة والنَّاس.  والذي كان هو قَبْلَ إيام يُعلم من على المنبر ويترأس الذبيحة الإلهية حسب الطقوس والليتروجية ، يصبح الان بين صفوف الشعب كآي إنسان عادي. وهذه حالات حصلت، وانا وغيري شُهوُد عليها.
الكنسية الكلدانية التي هي على المذهب الكاثوليكي المسيحي المنبثقة من ثلاثة مذاهب رئيسية ، الكاثوليكية والأرثودكسية والبروتستانتية، تشُكل إجمالي المسيحيين في العالم تقريباً. يقتبل الكاهن الكلداني سرْ الكهنوت وهو واحد من سبعة اسرار ، يبدأ من سرّ المعمودية، وسرّ الميرون ،وسرّ القربان المقدس الإفخارستيا ،وسرّ التوبة أو الاعتراف، وسرّ مسحة المرضى، وسرّ الكهنوت ،وسرّ الزواج. والتي حددتها الكنيسة مطلع القرن الثاني عشر بالاستناد الى اللاهوتي بيبر لومبار ، ثم أعلنت الكنسية اللائحة الرسمية للأسرار في مجمع ليون المسكوني سنة 1274 ، ومن بعده أكّد كل من المجمع الفلورنسي سنة 1439، والمجمع التريدانتيتي سنة 1547 على ضرورة الأسرار السبعة كمؤسسة حقيقية من الرب يسوع المسيح. المهم عندنا الان هو سرّ الكهنوت وسرّ والزواج ، ففي  قوانين الرسل القدّيسين (300) لا يُجيز ترك الزوجة عند الرسامة، غير أنّه يحظر الزواج بعد الرسامة، شرقاً وغرباً. وفِي سنة 386، أنعقد مجمع إقليميّ في روما مع الأسقف سيريسيوس (Sirice). وقد قرّر تحريم العلاقات الزوجيّة على القساوسة والشمامسة، ممّا يعني ضمناً أنّ الأساقفة كانوا من قبله لا يمارسونها.  وفِي القسطنطينية، أمر الإمبراطور يوستينيانس في القرن السادس بعدم الرسامة الأسقفية لمن لهم أولاد، وكان هدفه ألا تتوزع أملاكهم على أولادهم. وفي سنة 692، أنعقد في القسطنطينية مجمع ترولّو (أي “القبّة”)، فقرّر ألا يجوز للأسقف أن يعيش مع امرأته، فأمر بانسحابها في دير من الأديرة البعيدة منه، على أن يتكفّل بجميع احتياجاتها الماديّة. وعلى خلاف الأساقفة، كان القساوسة والشمامسة يعيشون مع زوجاتهم ويمارسون الحياة الزوجية بصورة طبيعيّة، وقد حرّم البابا غريغوريوس السابع (1073-1085) الزواج بعد الرسامة، معتبراً أيّ زواج من هذا النوع باطلاً، كما أنّه ألحّ في ضرورة الانفصال عن الزوجة. وأكّد على ذلك مجمع لاتران الثاني (1139). نجد من كل ما تقدم ان هنالك لغوّ وضبابية تخص المتون الأساسية،  ومصالح شخصية وأقتصادية كانت وراء القرارات. حيث لا نجد في أي نص من نصوص العهد الجديد ولا عند آباء الكنيسة فرضاً يحتّم البتولية. فليست البتولية في الكهنوت من باب “الواجب” أو “الضرورة”، بل هي من باب “الملائمة”، فإنها “تلائم” الحالة الكهنوتية (العلاقة مع المسيح والكنيسة) والخدمة الكهنوتية (العلاقة مع الشعب وخدمته). وليس التبتّل شرطاً مفروضاً على الأساقفة أو القساوسة أو الشمامسة. فحتّى القرن السابع كان الأساقفة الشرقيّون متزوّجين، وإن اتّجهوا نحو عدم معايشة زوجاتهم. وحتّى القرن الثاني عشر كان القساوسة الغربيّون متزوّجين. فأذاً لا رأيَ مُحدد وواضح في هذا السياق كما يبدو، فأشارة القديس بولس الرسول حين قال، (فأريد أن تكونوا بلا هم. غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب. وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي أمرأته)، ( 1 كو 7 : 32 ). ‫هنا يوضح بولس لماذا البتولية مفضلة عن الزواج. فإنها لا ترتبط بالجنس كأمر صالح أو خاطئ، إنما الموضوع هو القلق الذي تنزعه عن الفكر والتركيز على عبادة اللَّه[495] القديس ‬أغسطينوس. فالمسألة إذن تتعلق بالضمير والإيمان والخدمة الصادقة. أقول هذا لإنه لايوجد قانون جزائي واحد يُعاقب به من كان كاهن وتزوج، بمعنى أوضح حين يتزوج القس الفلاني لا يوجد إجراء قضائي ينص على حبس هذا الكاهن للفترة كذا لكونه أرتكب جنحة الزواج هو مُكرس لخدمة الكنيسة. يظل الموقف كما أشرت قبل قليل محصور بالايمان والضمير والخدمة الصّالحة، ويعتمد على دواخل القلوب والنية الصادقة في العطاء. ولكي نغطي الموضوع من جميع الزاوية يجب أن ننتبه الى الجانب السيكولوجي، ذلك الجانب العميق والمظلم من الطبيعة البشرية والمترسخ في اللاوعي. فرجل الدين في نهاية الامر بشرّ له رغبات وغرائز وإحتياجات بيولوجية، تحتاج للإشباع وترجمتها بشكل صحيح. نعم هي متفاوتة  بين شخص وآخر ولكن موجودة في جميع الأحوال ومحوها ليس بالأمر الهين أوالسهل ، ويمر الطريق في سبيل  ترويضها وإسقاطها عبِرَ فهم وعقل الموقف من البداية ، وهذا الأمر له أدواته العملية والفكرية والدراسية من لاهوت ومعرفة ، بحيث يتم تفريغ الشحنات وصهرها في الصلاة الحارة النابعة من قلب صافي نقي، يأتي بعد ذلك دور الفلسفة ، وعلوم العقائد وأصول الدين. ليصل الكاهن الى روح الخدمة الحقة، مبتعد عن كل ما يشغله في سبيل تحقيق رسالته، التي من أجلها ترك مُتع هذه الحياة.   
“كم من معاصرينا لم يتعرّفوا بعد إلى محبة الله، أو أنهم يَسعون إلى تغذية قلوبهم ببدائل لا قيمة لها. لذلك بات مُلحّاً وجود شهود للحبّ الذي يعكس المسيح.
يا أصدقائي غير المعمّدين أو الذين لا تعترفون بالكنيسة. أليس عندكم أنتم أيضاً عطش إلى المُطلق ؟ ألستم في إثر ” شيء ما ” يُكسِبُ وُجُودَكم معنى ؟ إلتفتوا إلى المسيح ولن تكونوا خائبين.”
           
رسالة القديس البابا يوحنا بولس الثاني في اليوم العالمي للشبيبة العشرين
                                                    سنة 2005
المصادر:-
التفسير التطبيقي للكتاب المقدس
الأب  فاضل سيداروس اليسوعي: مقالة

                         
 

98
المنبر الحر / سُراق فرحة العيد
« في: 00:35 25/12/2016  »
سُرَّاق فرحة العيد
في أوقات متزامنة خلال عطلة أعياد الميلاد ورأس السنة ، حدثت هجمات متفرقة في كل من مصر ، وألمانيا، وتركيا،  مقتل السفير الروسي ، وتم إفشال حادث كبير كان مخطط له ان ينجح لولة تدخل الشرطة واجهزة الأمن الأسترالية في ثلاث مواقع مزدحمة في ولاية فيكتوريا ملبورن ، وقد قال قائد شرطة الولاية غراهام آشتون إن الأشخاص كانوا يخططون لمهاجمة أماكن رمزية في العاصمة مثل محطة القطار وميدان الاتحاد وكاتدرائية سانت بول. ويضيف. آشتون من بين المشتبه بهم الخمسة أربعة ولدوا في استراليا من أصول لبنانية ، والخامس استرالي ولد في مصر وجميعهم في العشرينيات من العمر. شباب بعمر الزهر درسوا وعاشوا في بلد حر ، يحترم الانسان كونه إنسان ، ويحترم الاخر بغض النظر عن الدين والعرق واللون والمذهب، يسُاعد من يطلب المساعدة ، ويحتوي اللاجئ الأجنبي ويفتح له أبواب البلد على مصرعيها، في وقت يكون فيها هذا اللاجئ العربي ،اللبناني ،العراقي، المصري السوداني،السوري ، مُشَرَّد ومرذول ومتسول في دول مثل تركيا والأردن ولبنان ، فتحتضنه استراليا وتعتبره لاجئ انساني مُضتهد من ضروف معينة،  وتغدق عليه الراتب والسكن والرعاية الصحية ،وفوق كل هذا الأمان والراحة الذي يكون هو قد فقدهم في بلده الأصلي، الذي تحول الى رماد وخراب ولم يعد يصلح حتى للحيوان أن يعيش فيه. فماذا يفعل هذا الوافد الجديد للبلد المضُيِف وكيف يجازيه ، وكيف يفهم التجربة الغربية بكل حسناتها وسيئاتها ، وكيف يحول تلك الطاقة الى فعل يستفيد منه الناس والمجتمع بعد أن يكون قد أحتوى وفهم  فكرة الحرية وإين تقف عندما تتحول الى شرّ تفتك بالآخرين . فهؤلاء الاشرار الخمسة كانوا يردون مصادرة اروح الأبرياء في ايّام الأعياد وتحويل أفراحهم الى احزان وبثْ الرعب والخوف في نفوس المواطنين الذين يستمتعون في هذه العطلة. كما فعل التونسي سائق الشاحنة  في برلين،  والسبب هو المرض النفسي المزمن، وفهم النص الديني وتحويله الى وسيلة قتل ومعول للهدم ، والاستيعاب الخطأ للمرحلة الزمنية ، والتفكير المحدود. كل هذا ساهم في جعل العربي مصدر أزعاج وخوف ورعب بالنسبة للأفراد والدول الغربية ، ومحل شكّ ونظرة ريبة أين ما حلوا وذهبوا.
 هل يتعلم العرب الانصهار في المجتمعات الغربية والتأقلم والتكيف مع المجتمع في كل الظروف ، آم يبقى متقوقع حول ذاته المريضة والاعلاء الوهمي لها. هل يفهم الشرقي أن لا مكان له في الغرب دون فهم حركة وتطور التاريخ، وأن العمليات الإرهابية التي يقوم بِهَا لاتزيده غير كره واحتقار وندم  من الغربي الذي استقبله وأواه، الى متى يبقى العرب على التل.

99
التجربة السياسية المسيحية خارج المكان
لو قدرَ لنا أن  ننظر بعينْ الحكمة و الخبرة الى التجربة السياسية المسيحية في الساحة العراقية، وبنظرة نقدية فاحصة ، لوجدناها تترنح  على حبال السياسية الهشة أصلاً،  وآيلة للسقوط في بئر الفساد والمحسوبية. والنقد
الذي أرمي أليه  هو من أجل تحريك الساكن ووضع اليد على الألم المستفحل ، وفهم ما يجري حولنا من تلاعب في أوزان السياسية العراقية،  والإحاطة بخفاياها ودهاليزها المظلمة. وليس الغاية من الطرح هو الجدل العقيم والمناكفات الخائبة، والرد والصدْ، والتي لا تنفع أحد خاصة في هذا الوقت المحرج من تاريخ العراق.
 تأتي الملاحظات على التمثيل السياسي المسيحي  بعد عقد من الزمان وأكثر  ، وبالتحديد من سنة الاحتلال  في عام 2003 ، حيثُ جاء وعلى ظهور الدبابات مع قوات التحالف بقيادة أمريكا  كل الأفاقين والمتشردين في دول أوروبا وأمريكا ممن أدعوا معارضة النظام السابق، وتبين أنهم لصوص وعملاء لا اكثر ولا أقل، وفي النهاية أنقلبوا حتى على أسيادهم الأمريكان وذهبوا الى أحضان إيران. وجاء مع هؤلاء بعض ممن تشدقوا أنهم ممثلين للشعب المسيحي وحجزوا لهم مقاعد في مجلس الحكم الانتقالي آنذاك، وبعد أن أنتهى دور المجلس، نقلوا المقعد الى قبة البرلمان العراقي من ذلك الوقت الى حدْ الان كما فعل ويفعل النائب الأبدي يونادم كنّا. الذي لم يفعل شيء يستحق الذكر على مدار ثلاثة عشر عام ونيف. طيب السؤال المحوري لماذا كل هذا العجز والتهميش والضعف ، هل لأنهم أقلية مقارنة بكتل كبيرة تكتسح مقاعد البرلمان ؟، أم  لأنهم أصلاً ضعفاء،  والغاية الحقيقية من وجودهم هو أطفاء بعض الديموقراطية المزيفة على أجواء المجلس ، آم هو تكمالة  عدد فقط لا أكثر، بحيث يكون الاسم مبُطن وهو كوتة آي (الحصة) ، أم مجرد دعاية محلية وعالمية الغاية منها ، أن كل أطياف وأقليات ومكونات المجتمع العراقي متمثلين في نوابهم الموجودين في البرلمان. من يعرف ربما هو مزيج من كل هذا !!. ولكن بات من المؤكد ومن خلال التجارب،  هو أن هؤلاء النواب الخمسة  مع الأحزاب والحركات السياسية ،  ومنظمات المجتمع المدني لم تستطيع أن تحقق آي مكسب حقيقي على الارض الواقع . خاصة في ظل التغيرات الكبيرة التي حصلت مع سيطرة تنظيم الدولة الاسلامي على جزء كبير من البلاد وخاصة على قرى سهل نينوى  والتهجير القصري لهم ، والتي وقفت كل هذه الأحزاب عاجزة عن فعل شيئ يذكر للشعب المسيحي المُشرد. ناهيك عن وقوفها العاجز لصدْ قانون البطاقة الوطنية  الموحدة والمادة 26 المخزية، مروراً بتشريع قانون منع بيع وتداول الخمور. مع العلم أن من يتاجر ويستورد ويتناول الخمور هم من يريدون ان يمنعوه لغايات في نفس يعقوب ، أو ربما لترويج نوع جديد من الأفيون و الكوكايين. خلاصة القول وبعد هذه المدة  ، تبين أنه لا وجود لمشروع سياسي واضح المعالم ، لكل هذه التشكيلة من الأحزاب والحركات،  ولا خارطة طريق واضحة تُرسم لهذا الشعب المسيحي المنكوب، وتحقق جزءاً يسير من متطلباته المشروعة ، وتشعره أنه جزء أصيل من هذا الوطن ، وليس مُهمش ، ومواطن من درجة ثالثة أو رابعة حتى ، يكون على عتبة الباب، بعد أن كان يجلس في صدر البيت  قبل الغزو الاسلامي للعراق سنة 633م . على كل هؤلاء من البرلمانيين الخمسة،  و قادة الأحزاب والتنظيمات،  أن تضع في حسبانها وضمائرها،  مصائر وحقوق  الناس التي فوضتها،  وتدافع عنهم وعن حقوقهم الى آخر نفس مهمة كان الثمن غالياً، مبُتعدين عن المصالح الشخصية الضيقة، والمنافع المادية الزائلة ، والرواتب والسيارات الفارهة والحماية وكل هذه التفاهات التي لاتنفع.  قَبْلَ أن يأتي يوم لا يرحمهم أحد ، ويلعنهم الناس، لأنهم لم يقولوا قول حق في وقت الضرورة ، ولم يقدموا يد المعونة في يوم الشدة ، ويسجل التاريخ  أسمائهم في سجله الأسود.

100
جدلية الأخلاق المعاصرة
إِذا بيئةُ الإِنسانِ يوماً تغيَّرَتْ … فأخلاقُه طِبْقاً لها تتغيرُ
                                              صدقي الزهاوي
منذُ أن تفتق الوعي الإنساني على أنماط معينة من المفاهيم والأسئلة  الوجودية ، كالأخلاق والخير والشر والضمير والخوف والقلق ، وهو ما فتِئَ مٌحاولاً تغير مسارها لكي تتفاعل وتتناغم مع روح العصر، ويظل يتمحور داخل أناه العليا يستميت في تلوين صورة الحياة بالالوان التي  يجمع مادتها الاساسية من مفردات الواقع المُعاش التي تكون في أغلب الأحيان بالاسود والأبيض. ويحدث في أحيان كثيرة تغيرات  كبيرة لحياتنا ، خاصة في محيط منطقتنا العربية، فنواجه معها صعوبات جماَ تضعنا مباشرة أمام أسئلة صعبة ، نقف إزاءها حائرين دون إجابات تشفي الغليل ،والاجابات أن وجدت أصلاً  تكون مُتذبذبة  فتشكل عائق على العقل الإنساني  في طرحها حتى، كالوجود والعدم ،العادات والقيم  المتوارثة من الجدْ الى الأب، تعريف الأخلاق كفلسفة ، جوهر الآنا وهل هي موجودة من الأساس ، شخصية الفرد. كل هذه الأسئلة وغيرها تُكبل الانسان بأصفاد صدئة  ثقيلة تُعيق حركة التغيير وتقيد الروح من الانطلاق الى الأفق.
حين واجهت الأسرة العراقية مصيرها المحتوم والأزلي في السفر والهجرة والتنقل من بلد الى آخر ، خلال فترة المئة العام الآخيرة بشكل عام ، وخلال آخر خمسة عشر عام بشكل خاص ، أقول واجهت هذه العائلة سلسلة متُغيرات أخلاقية مركبة تخص التمدن، آي المدينة وقيمها وسلوكياتها اليومية العامة ، فقيمْ مانهاتن في أمريكا مثلاً ليست مثل قيمْ الكرادة في بغداد، وقيمْ وأخلاق سدني في أستراليا  ليست هي المعمول به في المجموعة الثقافية في الموصل مثلاً، وينطبق ذلك على الريف والمدينة. والقصد هنا ليس التشبيه أو المفاضلة بين بلد وأخر ،أو من هو الاحسن والاسوء، فلكل شعب تاريخه الذي سار عليه،  وأُسُسه التي بنية عليها هذه القيم والتقاليد ، وظرفه السياسي الذي أثر على الحياة المدنية. ولكن الاشكالية تكمن في كيفية فهم واستيعاب هذه الأفكار والقيمْ والاخلاق الغريبة عن هذا العقل العربي أو العراقي بالتحديد،لأنها في نهاية المطاف مفاهيم دخيلة على الفردّ اللاجئ ، وجدت لناس وشعب من نفس المكان ونفس الزمان، فتظهر بنسبة للعوائل حديثة الاستيطان على شكل أفعال وتصرفات شاذة.  كتلك التي ما أن وصلت الى استراليا تعرفت على شاب يصغرها بسنوات مع إنها متزوجة وصاحبة ثلاثة أولاد ، او ذلك الرجل الذي لم يكتفي بأمراة و احدة فأصبح يتنقل من بين النساء وبيوت الدعارة الى أن اكتشف انه مصاب بمرض الإيدز فمات، ليس من المرض ولكن من الخوف منه. والشاب العراقية الذي تزوج فتاة سويدية ، فأكتشف في ليلة  زفافهم انها ليست عذراء فطلقها على الفور، لأنه قاس الأخلاق من خلال غشاء البكارة. وذلك الذي يكذب على دوائر الاعانات الاجتماعية ، والتهرب من دفع الضرائب. والأمثلة لا تعد ولا تحصى. ونحن كالذي يريد الغوص في المياه وهو يرتدي بدلة سموكن فيغرق على الفور.
 أليست هذه وغيرها الكثير من القضايا الحية والمُعاصرة هي مقياس لعدم استيعابنا لحركة التمدن وإشكالية القيمْ التي سارت عليها الدول الغربية وأرست قواعدها من منطلق الحرية والحريّة الشخصية والصدق والامانة في التعامل مع الآخرين ، أليست أفعالنا هي خارج نهجْ  التاريخ وروحه. ومهمة بلغ بِنَا العيش في هذه الدول لن نستطيع اللاحاق بهذه المنظومة المعقدة من المفاهيم والقيمْ والعادات ، لانه بكل بساطة جاءت عبر صيرورة طويلة من التفكير العميق، حمل لواءها فلاسفة وحكماء ومفكرين كِبار كانوا منصات لإنطلاق مفاهيم وأفكار تتجه نحو تحقيق مستقبل أفضل، بغض النظر عن تلك الأفكار التي كانت سائدة في  ذلك العصر. 

101
من المهدي الى المطران   
لماذا يُخطفْ ويُغيب الفردّ في مجتمعاتنا العربية ، سواء من كان منها دينية أو أدبية أو سياسية أو ذات فكر حرّ، تأبى الانخراط مع القطيع فتشذ عنه وتشق لها طريق خاص ، لتعلن للناس عن مبادئها وحركاتها الإصلاحية.  فتغُيِّب  في بلادها الأصلية مكان ما زرعت لتجني ثمار مشاريعها ، أو بعيدة عنه فتظل في جوف المجهول تقبع هنالك ، وتبقى المبادئ وحدها صامدة. تُخطف ،وبعد ذلك تغيب على مدار عشرات السنين ، فتسقط من الوعي  والذاكرة  لردحٍ من الزمان ، وتُنسىَ من قِبل الناس لوقت معُين ، لكثرة الأحداث المتوترة في المنطقة، وضبابية المدلول في نقل الخبر،  فيكون هناك تضارب في الأنباء، لكن بين هذا وذلك تقفز من وقت لآخر الى الاذهان هذا القضايا العالقة وتصارع السؤال الأزلي ، إين هُمْ الان؟،  . ويبدأ التساؤل المُحير من جديد في دائرته الفارغة ، من خطفهم، ومن كان وراء أختفائهم ، ومن المستفيد الحقيقي من وراء تصفيتهم، لتبقى الأجوبة الخالدة وصمة عار على جبين الحكومات الفاسدة ومن كان متعاون معهم ومن لفَ لفهم ، لخنق القول الصادق وقتل الحقيقة في المهد وهي وليدة. 
سوفة أتناول في هذا المقال ثلاثة أمثله خطيرة من ناحية المضمون والشكل، لماَ لها من أهمية وبعد أخلاقي وقانوني تصل في أحيان كثيرة الى أعلى هرم السلطة سواء الملك أو رئيس الجمهورية. فمع كل هذه الأعوام  والأزمنة الغابرة تأبى أن تُزاح وتذهب الى المتروك والمنسي من الأحداث الكثيرة التي مرّت. هي  عمليات خطف وإختفاء ، تجاوزت الواحدة منها الخمسين عاماً ، لم يسُمع أو يعرف عنها شيء الى حد كتابة هذه السطور. أعرف ان القارئ الكريم سوفة يقول انه صُفيت جسدياً ونُسيت ، ويوجد أحداث كثيرة وكبيرة في العالم اليوم أهم من هذه القضايا لنسلط الضوء عليها في سياق ما يجري في منطقتنا، ولكن أقول ، ألا يَستحق منا التدقيق  والبحث قليلاً  بالمجهر الى صلب الموضوع لنعرف ونصل الى نوع من  الحقيقة، من إجل الحقيقة لا أَكْثَر ولا أقل ، فهنالك مئات من حالات الاغتيال السياسي كانت معروفة الدوافع ومفضوحة التنفيذ، ومن هي الدول الداعمة لها، مثلاً جيفارا الثائر الكوبي (1928-1967) حين أغتالته وكالة الاستخبارات الامريكية متعاونة مع الحكومة في بوليفيا صورته  وهو مُسجىّ على السرير ، لتعلن للناس انها تخلصت من ألد خصومها شراسة مهدد الأمة الامريكية. هذا ما حدث مع المُصلح الديني مارتن لوثر كينغ ( 1929-1968) الذي أغتاله جيمس إرل راي،  ولكن كان تقف وراءه وتوجهه بكل تأكيد المخابرات الامريكية. وحتى عملية أغتيال رئيس وزراء الاْردن السابق وصفي التل (1919- 1971) في قلب القاهرة ، نعم أعلنت منظمة إيلول الأسود مسؤوليتها عن الحادث ، ولكن كانت جُل الترتيبات والتسهيلات تقف ورائها إجهزة الأمن المصرية والاردنية. فكل هؤلاء والكثير من الشخصيات البارزة  كان معروف ومعلوم من يقف وراء أغتيالهم وتصفيتهم جسدياً.
المهدي بن بركة مفكر ومعارض  يساري  مغربي ، ولد عام 1920 بالرباط ومارس نشاطه السياسي الثوري مع حفنة من مثقفين ذلك الزمان ، حاول إصلاح بنية النظام الملكي في المغرب ومحاربة الفساد المستشري في الحكومة، سافر الى باريس لتصوير فلم وثائقي عن أفكاره ومحطات عن حياته ، أختفى عن الأنظار في فونتنى لو فيمونت شمال فرنسا عام 1965 ، والى اليوم لا أحد يعرف مصيره. كان معارض بارز لسياسة الملك الحسن الثاني وبتدبير من المخابرات الفرنسية والموساد والسلطات المغربية تم خطفه وأخفائه وبقية مجهول المصير.   
الامام موسى الصدر 1928 رجل دين شيعي ، مارس عمله الديني والسياسي ضمن منطقة جبل عامل في لبنان ، وصل  إلى ليبيا بتاريخ 25 أغسطس 1978 يرافقه أثنين من مرافقيه هم محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، في زيارة رسمية، وحلوا ضيوفاً على السلطة الليبية في بطرابلس . كان الإمام الصدر قد أعلن قبل مغادرته لبنان، أنه مسافر إلى ليبيا من أجل عقد اجتماع مع معمر القذافي شوهد في ليبيا مع رفيقيه، لآخر مرة، ظهر يوم 31 أغسطس 1978. بعدها  أنقطعت أخباره مع رفيقيه، أثيرت ضجة عالمية حول اختفاءهم، وأعلنت السلطة الليبية بتاريخ 18 أغسطس 1978 أنهم سافروا من طرابلس الغرب مساء يوم 31 أغسطس 1978 إلى إيطاليا على متن طائرة الخطوط الجوية الإيطالية. ولكن السلطات الإيطالية نفت ذلك بشدة وقالت لم يدخلوا الى أراضيها ، ضلت مصائرهم مجهولة،  وتضاربت الأنباء هو مكانهم ومن يقف وراء أختفائهم .
المطران يوحنا ابراهيم مواليد ( 1948) مطران حلب للسريان الأرثوذكس والمطران ابراهيم يازجي مواليد(1959)  مطران حلب للروم الأرثوذكس، خطفهما مسلحين من على الحدود التركية السوريا في 22/4/2013 حيث كانا معاً في سيارة واحدة  كانت تقلهم بين الدولتين في مفاوضات لإطلاق صراح كاهن مخطوف ،وبعد أن قتل الخاطفين السائق أخذوا الأسقفين الى مكان مجهول. ومع كل المناشدات العالمية لأطلاق سراحهم،  والوساطات الدولية لحلحلة الأزمة ، جَاءَت جميعها مخيبة للآمال. ومع هذا الاختفاء القصري لشخصيتان دينيتان لهم وزن في سوريا وخارج سوريا، يكون مسلسل الخطف والابتزاز مستمراً ، ولن ينتهي في آي وقت ، لان  لعبة المصالح للدول والحكومات والعصابات  فوق كرامة الإنسان، التي تسعى هي ذاتها الى خلخلة قيم القانون  وبث روح الفوضى، حينما تكون هذه السلطة بيد جهلة متعصبين ايدلوجيا ودينياً وهنا يكمن الخطر ،  فهو لا يرى غير ذاته ، ولا يعرف غير فِكْره المريض،  فيصادر حرية الآخر سواء بالقتل أو الخطف.

102
المنبر الحر / بِحار بلاْ مرافئ
« في: 11:50 23/11/2016  »
بِحار بلاْ مرافئ
تسقط قطرة من فنجان القهوة على الأرض بشكل عشوائي ، فيتشكل وجه إنسان له ملامح الصينيين ، أو يتراءى لنا ذلك!. شموع مُوقدة وآخرى منطفئة والأخرى على وشكْ الانطفاء، بجانب حائط عند تمثال السيدة العذراء فيرسم  الدخان المُتصاعد من الشموع صورة العذراء مع الطفل، أو نتمنى في سرنا أن يكون كذلك لنمتلئ إيماناً. شخص يولد في مكان ويعيش في مكان، وحين يلفظ أنفاسه الاخيرة يجد نفسه في مكان آخر بعيد منسي في تلك الإمكان اللامرئية من المجال اللامتناهي  للأقدار والذي يخاتله طيفاً من اليقين فنظل متوجسين الحياة التي ترسم لنا طريقنا. 
نتوهم في الأحيان الكثيرة أن الحياة والأقدار تسَير في خط واحد متوازي كالقطار، ونتوهم أيضاً إننا نُسيطر على مسار حياتنا ، فنحاول تشكيل الحاضر لننطلق كالبرق الى المستقبل متناسين أن للحياة كلمة الفصل ، وهي تحددّ المسير والخط والحظ معاً. فذلك الرسام العبقري توهم ، أو أوهم نفسه أنه لا شيء وأن رسوماته مجرد خربشة على ورقْ لا أكثر ولا أقل،  فيبيعها من أجل وجبة طعام ، ومن شدة سخطه على واقعه يقطع أذنه ويعطيها لمومس فترفض أخذها أحتقارا له ، وبعد موته يتحول الى أسطورة ، وفنه مدرسة ،  وتباع لوحاته بأثمان تفوق الخيال حتى . هل لدينا سلطان على الاقدار؟، أم أن عجلة الحظ والسخرية  تدور في دورانها الدائم والأزلي ، وأن أخذت في الكثير من المعاني شكل جديْ في التعامل مع مفردات الواقع اليومي. نحن في اللامكان  ونتوهم أننا في وسط الحقيقة المُطلقة كما تصور نرسيس أبن الأله الإغريقي كيفيسيا، أنه جميل فأصابه الغرور في مقتل، وظل يحدق في مرأته التي كانت دون إطار، طالَع وجهُه كما في كل صبّاح ، فكان مُتريث هذه المرة، الى أن أكتشف صورته معكوسة على صفحة النَّهر فأراد اللحاق بها فمات غريقًا.
نرسيس أنتَ لم تعد هُنَا ، أو حتى هناك ، أنتَ عابر داخل ذلك الوهم الذي صنعته أنتَ.
ولكن يسألني نرسيس... أوَليست أوهامنا جزءاً من حياتنا؟.   

103
المنبر الحر / ويبقىْ الأمل قائم
« في: 11:36 16/11/2016  »
ويبقى الأمل قائم
بقلم / سلوان ساكو
من لا يعيد قراءة مفاهيمه وتجاربه نقدياً لايتقدم ولا يتطور
جون سيمونس
خلال السنوات الماضية مرَ العراق بحربين كبيرتين ، ماعدا طبعاً النزاعات الكردية العربية  ، والتي سببت ألم وحزن للكثير من العراقيين ، ويكاد لا يخلو بيت عراقي من شهيد أو أسير أو مفقود من جراء تلك الحروب العبثية  من بداية الثمانينيّات والى حد هذا اليوم. والسبب هو سياسات فاشلة، تنبع من عقل قادة جهلاء ذوّ نظرة ضيّقة وسطحية  بعيدين كل البعد عن المنطق والعقل والحكمة،  بالاضافة الى موازين قوة كان لها الأثر في إشعال هذه النزاعات والصراعات الدموية ، وقوة ضاغطة  (lobby) كانت تحرك زعماء وقادة المنطقة خاصة دول الخليج  كأداة بيدها مثل الدمية من خلف الكواليس، على مدار ثلاثين عاماً أو يزيد فتأججت الحروب  لمصالح دولة كبرى، ودفع فاتورة الحساب في نهاية المطاف الشعب ذاته الذي كان يجري ويرقص وراء القائد. الان وبعد كل هذا الدمار وألة القتل التي طالت البلاد، آلا يجب أن يُعيد العراقيين قراءة واقعهم المرير من جديد،  وفق تصورات ثانية ، لا تشتّر وتتذكر الماضي،  ولكن تأخذ عبرة منه فقط ؟،  وأعمال العقل وتحريكه من سباته العميق كما قال ابن خلدون في مقدمته ( ينبغي أعمال العقل في الخبر) وتحكيم المنطق على الأقل خلال الفترة القادمة من الوضع المحرج خاصة بعد تحرير محافظة نينوى والتغير  الذي أصاب المدينة خلال سنتين ونصف السنة من الغزوة ، مما ترك ظلال قاتمة على السكان تظهر جلية على وجوههم . التقارير والصور والأخبار التي تتناقلها القنوات الفضائية عن أحوال الموصل لا تسر أحد، النازحين والمهجرين يركبون عربات نقل كبيرة  مثل الماشية وتنقلهم الى مكان المخيمات ، السكان الباقين في  المدينة مقطوعة عنهم كل الخدمات ويشربون الماء من نهر دجلة، المتورطين مع تنظيم داعش الإرهابي  والمناصرين له محشورين في زاوية وَاحِدَة،  القتال أو الهرب الى مقر الخلافة وعاصمتها الرَقة في سوريا. ومع كل هذه الصور السوداوية القاتمة هناك فسحة أمل وأن كانت ضئيلة الوهج  فهي تبشر بخير ، فهذه مشاهد حية تناقلتها العدسات عبرْ الفيس بوك توضح لنا ما لا يقبل الشك أن هنالك  شباب وفتية لم يتسلل خنجر اليائس الصدأ الى قلوبهم ونفسهم ، فبادروا بالنزول الى قريتهم وإعمار ما دمره الأشرار مبتدئين من دير القديسة بربارة في قرية كرمليس ، يشدّ من عزيمتهم ويعمل معهم يداً بيد كاهن غيور وراعي لهم  هو الأب ثابت الذي لم يتركهم ويفر مثل الكثيرين. كل هذا وغيره من الأمثلة  يدعونا الى قراءة جديدة للاحداث على ضوء المستجدات والتطورات . لَعَلَّه يخرج السياسي والمُشرع  والموظف في الدولة أو حتى المواطن العادي  بمفهوم جديد يستطيع به صياغة وعيْ  أفضل يكون بمثابة منصات فكرية  تنطلق نحو مستقبل واعد لأجيال لا تلعن وتشتم  وتطعن في سرها الأجيال التي سبقتها، تركت لها ميراث كبير من الأنتقام والضغائن والحقد والكراهية والثأر والشقاق بين أبناء الوطن الواحد تراكمت على مدار سنوات طويلة. فليتذكر العراقيين دوماً  أن الشمس تشرق كل يوم وفي ضيائها تجديد للحياة.

104
البحث عن ذات أسماعيل
بقلم /سلوان ساكو
القرود أكثر طيبة من أن يكون الانسان قد تحدَّر منها 
نيتشه
شاهد عيان خرج من وسط الجحيم الحقيقي الذي عاشته محافظة نينوى وأقضيتها على مدار سنتان ونيفّ. سوء تقدير، وتأخير في التوقيت وبطء في التحرك ، ترك الفتى أسماعيل متى أبراهيم وأمه الأرملة جاندارك بهنام ، في قبضة عناصر تنظيم داعش الإرهابي ، كلّ فترة سيطرة داعش على الموصل ، الى أن جاءت القوات العراقية ودخلت المدينة  وحررتهم مؤخراً. من يعرف!، لعلة القدر يريد أن يُسطِّر كلماته عن طريق شاهد عيان حيّ عاش وتعايش كل هذه الفترة من الحقبة السوداء التي مرت على المدينةِ ، وتاريخ البلاد الدموي يرغب أن يحفر وقائعه المأساوية بإزميل معدني على الحجر كي لا تزول مع مرور الأيام. ما قاله أسماعيل عن طريق موقع ankawa المحترم،  كثير ومروع في نفس الذات، وكاد يفقد حياته مرات عديدة هو ووالدته ولكن لم تشأ العناية الإلهية ذلك، فضلا على قيد الحياة ليحكيا. شاهد بأم عينه الدواعش يسقطون الصلبان ويهدمون القبب الكنسية، ورأى أيضاً عملية قتل بشعة بحق رجل بلغ من العمر عتيا لم يقبل تغير مذهبه فهو كان شيعي ، وأرادوا منه أن يصبح سنياً فأبت نفسه  ذلك مع أن المذهبيين من نفس الدين فرفض التغير ، فأردوه على الفور قتيلاً بدم بارد أمام أنظار جمعْ من العُزَّل من بينهم أسماعيل وأمه ، في مشهد حتى الحيوانات المفُترسة لا تفعله ، فهي تقتل من أجل الغريزة والعيش وليس من أجل إفناء النوع ، وألا لكانت الحيوانات قد أنقرضت من ملايين السنوات.
يجب على الفتى أسماعيل أن يتحدث ويقوم شخص بكتابة كل شاردة وواردة ، وتُوثق وتوضع في إرشيف ودار محفوظات لكي تتطلع عليها الأجيال القادمة وتكون وثيقة حية من قلب العاصفة والحدث ، كما هي الان موجودة آلاف الوثائق والشهادات والدراسات في دار المحفوظات في مدريد العاصمة ، وايضاً جامعة  Salamancaعن فترة تواجد العرب في شبه الجزيرة الأيبرية إسبانيا من 711 الى 1492 ، وكل الجرائم التي أرتكبوها بحق  الأبرياء المساكين وأجبارهم على أعتناق الاسلام أو القتل ، فكانت مجازر مهولة تندى لها الجباه وتُنكس لها الرؤوس من الخجل، كأن التاريخ يُعيد نفسه ولكن بحلة جَديدة ، وأشخاص خارج سياق الحضارة وروح العصر يُردون أحياء زمن الخلافة البائس من جديد ، وبعث ذلك الزمن المُظلم الذي ما كان يُقدر له أن يستمر لولا السيف المُشبع بالدماء. يجب على أسماعيل أن يتحدث وعلينا نحن  أن ننصت له بكل جوارحنا ونسمع شهادته الحقه، ويجب عليه أن يستفرغ خزان وعيه الأسن وأن يُقيم ذاتاً جديدة فوق رماد حياته القديمة مثل طائر الفينيق الأسطوري.

105
تتحرر الموصل هل يتحرر العقل !.
مع نهاية الحرب الكونية الثانية عام 1945، ومع دخول القوات المتحالفة الى العاصمة الألمانية برلين وسقوطها ، تم فصلها الى جزءان برلين شرقية وبرلين وغربية وفصل بينهم جدار تم هدمه لاحقاً على يد الألمان الأحرار في سنة 1989. في ذلك الوقت أراد قادة التحالف بناء ألمانية جديدة وأوروبا حديثة  تنبعث من رماد الماضي البغيض وتسموا فوق العنصرية والحزبية والنازية ، وتعلوا نحو عنان السماء ، فوضعوا خطة أطلقوا عليها مشروع مارشال الذي وضعه الجنرال جورج مارشال قائد الأركان الامريكية في ذلك الوقت. وكان المشروع لإعمار أوروبا، وقد ساهم هذا المشروع  في إعادة تشغيل المعامل والمصانع الكبيرة ورفدّ الطاقات الشابة في معترك الحياة والعمل من جديد في وتيرة سريعة لإعادة الإعمار والبناء في وسط خراب ودمار كبيرين ، وأجتاز الشعب الأوروبي تلك المِحنة الكبيرة والآلام العظيمة وتجاوزوها  بفضل وعيهم  وتفكيرهم العميق وحبهم لبلدانهم. 
بعد أن تنتهي العمليات العسكرية البرية والجوية  في الموصل،  سواء طالت أم قصرت ، ولكن لابد أن تنتهي المعاناة في نهاية المطاف وتعود المحافظة الى سكانها ويعودون هم إليها ، سواء من المخيّمات أو من إقليم كردستان ، ليشاهدون مدينتهم أمست اطلال ، وأصبحت مدينة اشباح ، تنعدم فيها كل الخدمات ، الطرق والجسور والبنية التحتية مخربة بالكامل ، حتى الهواء والجوّ ملوث بدخان النفط والإطارات المحروقة من قبل تنظيم داعش الإرهابي. ومع كل هذا  هل يعي الناس أن الحرب سوفة تنتهي عاجلاً أم آجلاً ، ولن تحتويهم سوى مدينتهم ولن تحن عليهم غيرها مهمة كانت قاسية .
هل ينتبهون الى أن الحروب الطاحنة التي خاضوها لم تُبقي ولم تَذرُ على مدينتهم شيئاً سوى رائحة الموت والجثث المتعفنة على الطُرقات تنهشُ منها الكلاب الحيوانية بعد أن قتلتها الكلاب البشرية ، وأصبحت حالها حل قندهار والصومال واليمن ، يعم الخراب والدمار في كل زاوية وكل زقاق ، وأكثر من تضرر من كل هذا هم أنفسهم دون سواهم  ، وشربوا من كأس المرارة حتى آخر قطرة منه ، وهم يعرفون هذا جيداً ، بعد كل ما تقدم هل يعي الناس أن الوقت حان لإخذ زمام المبادرة من جديد لبناء مدينتهم التي كانت جامعة للكل، المسلم والمسيحي واليزيدي والتركماني والشبكي والكاكي في لوحة ألوانها من جميع أطياف المجتمع. هل يبُادر الأهالي في التعالي والسمو فوق الأخطاء ومسامحة الغير ونبذ الطائفية المقيتة والمذهبية الكريهة  والعشائرية الحقيرة  التي لم ولن تجلب غير التخلف والجهل.
لقد آن الاوان الان وليس في آي وقت أخر لطي صفحة الماضي والبدء من جديد في بناء المدينة التي تجشمت الكثير من  المأسي والمعاناة  على مدار سنوات كثيرة ، ويقولون كفى للذل والمهانة وأنتهاك الشرف والحقوق بصوت واحد قَوِي. 

106
هل يتعظون أهالي الموصل !
يُقال أهلُ مكّة أدرى بشعابِها ، وانا من أهل الموصل.
الكثير من الناس تظن أن سقوط محافظة نينوى في عام 2014 في قبضة  تنظيم داعش الإرهابي هو الأول،  وهذا غير صحيح ، نعم هو الأكبر والأسرع والأوسع ، ولكن سبقه سقوطان مدويان الاول في عام 2003 على يدّ قوات التحالف بقيادة أمريكا ، والثاني بعده بأشهر بعد أن ظن الأمريكان أن الأمن قد أستتب،  والأمور قد أخذت مجراها الصحيح نحو مناخ ديموقراطي يلفْ البلد من الجنوب الى تخوم الشمال ، ولكن كان كل ذلك ضرب من الوهم. ففي عام 2004 سقطت المحافظة بيد ثلة من الجماعات الاسلامية المتشُددة ، وبقايا عناصر حزب البعث المنحل وبعض الضباط من الرتب المتوسطة ، التي لم تستطيع  الهرب الى سوريا أو تركيا أو اليمن ، فعاثوا في المدينة فساداً وحرقوا مراكز الشرطة ودوائر الدولة ، وقتلوا عناصر الأمن والجيش المتواجدين في وحداتهم.  وقد شاهتهم وهم يتجولون في الأحياء السكنية رافعين بنادقهم الرشاشة في الهواء يصرخون بفرح. لم تستمر تلك المحاولة طويلاً، فقد أعادة القوات الأمنية بمؤازرة القوات الأمريكية من فرض سيطرتها على المدينة، ولكن ظلت هنالك خيوط خفية تعمل في الخفاء بين كبار مسئولي المحافظة ، وشيوخ العشائر (السنية) طبعاً، تعزف على موال الدولة الاسلامية والمقاومة المسلحة حتى قبل ظهور داعش بوقت كبير ، وقامت تلك الجماعات مع بعض العناصر من أبناء عرب القرى المحيطة بالموصل بفرض أتوات ( خاوا) على الناس والمحلات والتجار ، بمبالغ كبيرة تصل الى الملايين، بحجة دعمْ المقاومة الوطنية ، وهم في الحقيقة يصرفون تلك الأموال في ملاهي سوريا وعلى (الكولية) والغانيات،  ومن لا يدفع يُقتل في الحال ، وقد ذهب الكثير من الناس ضحية ذلك. المهم أستمر هذا السيناريو الى أن جاء تنظيم داعش الإرهابي مُعلناً قيام الخلافة الاسلامية في النصف الاول من عام 2014، فأصبح  التحالف بين شيوخ العشائر وبعض الأغوات ورموز المدينة  أكثر قوة، يُشجعهم الكثير من أهالي الموصل نفسها متوهمين أن دولة الاسلام قادمة يدغدهم حلم إحياء إمارة عباسية أو أموية ، وهذا تبين لاحقاً أنه غباء وعدم فهم واضح للأمور كان له ثمن باهض هم أول من دفعه. فقد ظهر أن ذلك التحالف كان هشٍ وضعيف ومبنىَ على القتل والاجرام ، حيث هرب قادة التنظيم من المحافظة بعد أن سرقوا ونهبوا  كل الأثار والتوراة المكتوبة على جلد الغزال الأصلية  التي وصلت الى تل أبيب وهم آي الاسرائيلين يحتفلون بها علناً ، والذهب والاموال التي كانت في البنك المركزي، تاركين هؤلاء الشيوخ وكبار المدينة  في تخبط كبير لا يعرفون ماذا يفعلون وأين يولون وجوههم ، بعد أن صورهم التنظيم بالصوت والصورة في قاعة نقابة المهندسين وهم يُبيعون الخليفة ابو بكر البغدادي ودولة الخلافة، وبثوها عبرة  مواقعهم الالكترونية  ، وهي متوفرة على اليوتيوب للمشاهدة. لكي لا أحد ينُكر البيعة في المستقبل. وبالمناسبة هؤلاء ليس عددهم قليل فقد كانت القاعة مليءة بهم. نعم سوفة تشهد المحافظة بعد التحرير تصفيات جسدية للكثير من الناس ، وسوفة تجري دماء كثيرة في الأزقة  وتمتلئ  الشوارع من الجثث المتُعفنة من كان متعاون مع تنظيم داعش ، وأكيد كما هو معمول به في العراق سوفة يذهب الكثير من الضحايا الأبرياء يدفعون حساب غيرهم .
المحطة الاخيرة  قبل أسدال الستارة على دولة الخرافة ، هل يتخذ أهالي الموصل وعرب الْقُرَى المحيطة بها ، عبرة من كل ما حدث ويحدث لهم  ، وهل يشعرون أنهم  مخلب قطْ في يد الغرباء ودمية تُحرك خيوطها قوة خارجية تلعب بهم كما تشاء، وهل يعرف ( المصلاوي ) أنه الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الفاشلة ، وإن ثمة خطأ عظيم أرتكبه (المصلاوي )  حين أدخل الغريب الى بيته وأباح له عرضه وماله وأرضه،  فغتصبهم بإسم الدين وهو مرتاح الضمير !، وهو السبب الرئيسي في كل ما حدث له من ويلات وحروب دامية عصفت بمدينته ، مُشجعاً  كل من يعزف على وتر الدين والسلف الصالح  ، ويقف مع الغريب ضد أخه ، كأنه فاقد البصر والبصيرة. ولا مبدأ له في الحياة. هل يتعظون!!! سؤال كبير حقاً. 

107
المنبر الحر / الرَقة ياروسيا
« في: 08:37 17/10/2016  »
الرَقة ياروسيا
أخيراً بدأت عملية تحرير محافظة نينوى من تنظيم الدولة الاسلامية داعش ، والتي يُشارك به الكثير من  المقاتلين  من مختلف الجنسيات مع القوات العراقية  والحشد الوطني والحشد الشعبي والبيشمركة وبعض الفصائل المحلية المسيحية واليزيدية ، والتركمانية المدعومة من أنقرة  في محيط معسكر بعشيقة. والمعلومات المؤكدة من داخل الموصل  تقول أن التنظيم الإرهابي خلال الثلاثة الأشهر الاخيرة أخلى معظم مراكزه الاستراتيجية وأغلق الكثير من الدواوين ، ديوان الحسبة وديوان التربية وديوان نشر الدعوة وديوان الجزية....الخ ، ونتقل الى مقرات بديلة بين المنازل والسكان سواء في الموصل ، أو إنتقال ثاني أبعد قليلاً  عن المحافظة،  وهي الرقة عاصمة دولة الخلافة ومقر إقامة الخليفة ابو بكر البغدادي ومركز عمليات وقيادة  داعش العامة ، وعلى هذا الأساس تمْ سحب وتراجع  الكثير من القادة والامراء المهُميين الى هناك بغية أعداد خطة ثانية وبديلة لمواجهة القوات المُحررة.
عملية تحرير محافظة نينوى والقرى المحيطة به  لن تكون صعبة ولن تكون طويلة ولن تكلف الخسائر البشرية  مع كل التحضيرات وهذه الإمكانيات اللوجستية ، والعدد الهائل من القوات المشاركة في المعركة ، ولكن الخطر الحقيقي هو عودة تنظيم داعش الى الموصل  في المستقبل القريب  بعد أن ينظمون صفوفهم ويجمعون أشلائهم ويطلبون العون والمددّ من أنصارهم في السعودية وليبيا و أفغانستان و باكستان والشيشان  وباقي الدولة المتعاطفة معهم لإنها حرب شيعية سنية مذهبية ،  ويعادون الكرة من جديد منطلقين من أرض الرقة القريبة من حدود العراق فيكون السقوط الثاني مدوي ، وأكثر مأساوياً وأكثر فتكاً وأكثر إجراماً وأنتقاماً  من عام 2014 ، من هذا المنطلق وعلى هذا الأساس  يكون تحرير محافظة نينوى دون نفع كبير دون إستئصال الورم  السرطاني  من الجذر وأن كلّف غالياً.
يبقى أن نقول إن روسيا ( العظمى)  لم تحرك ساكن بشأن ولاية الرقة وقد طال الزمان والمكوث به ، وهذا الموضوع يلفه الغموض والسرّ، وهي على يقينْ أن تفتيت تنظيم الدولة الاسلامية وقهره لا يمكن دون تحرير المدينة من دنسْ الارهابين،  وروسيا تستطيع فعل ذلك بسهولة وخلال أيام قليلة ، ولكن يظل السؤال مطروح لماذا لا تفعل ذلك ، وماذا تنتظر كل هذا الوقت  ومن المستفيد من بقاء داعش في الرقة؟.

108
الفنجانْ والأطباق الطائرة
أذا ما تحدث العاَلم الألماني ألبيرت أنشتاين 1879-1955 عن النظرية النسبية العامة، والنظرية النسبية الخاصة، وتكافؤ المادة والطاقة، ونظرية التوحيد الكبير ، ومفعول الكهرضوئي في الفراغ ، والزمن والزمنكان ، والكائنات الفضائية ، والأبعاد الخمسة ، فكل هذا طبيعي ومن صميم عمله وبحثه الدؤوب طيلة حياته ، حيث أن أراءه المعُقدة التي تدخل في صيغْ بحث وجذب وتحليل ورفض وقبول ودراسات وسجالات علمية تخص مجاميع من علماء الفلك والفيزياء والرياضيات،  تنهك نفسها ونظرها في شرح هذه الاّراء والنظريات لتُبين مدى صدقها وصحتها  بالتالي الأخذ به أو ركنها على الرف، وهذا هو  مجال عملهم في نهاية المطاف. وإذا ما تحدث العالم البريطاني الدكتور ستيفن هوكينج 1942-      ) عن المَجراتْ والكون والنشوء والانفجار الكبير والكويكبات السيارة  وبداية تكوين الارض وفرضية إيجاد حضارة ثانية خارج المجموعة الشمسية ، في كتبه  تاريخ موجز للزمان، و الكون في قشرة جوز، والثقوب السوداء والأكوان الناشئة،  فهو يحُاكي عالم معظمه رمزي مجازي،  يعتمد في الطرح على أرقام ونظريات رياضية  منها سهل الفهم ومنها ما هو صعّب، تدور حولة صيغْ وعبارات وجُمل  غير مباشرة في الكثير من الأحيان  وهذا هو حَال أداب  الفلك والفيزياء وعلوم الفضاء بشكل عام.  أما أن يتحدث مسئول عراقي كبير بدرجة وزير وبصفة رسمية وبحتفال كبير وأمام حشد غفير من الناس، بمناسبة أفتتاح مطار ذي قار (الدولي ) في الناصرية وتتناقله الكثير من القنوات الفضائية والمحلية  فيُصرح وزير النقل كاظم فنجان الحمامي  في كوميديا سوداء من فصل من فصول المسح الحكومي العراقي الكبير ويقول وبدون مقدمات مباشرة أن أول مطار في التاريخ الإنساني بني في منطقة ذي قار قبل 7000 سنة وبناه السومريون قبل نحو 5000 سنة قبل الميلاد،  وزاد السيد الوزير من الدراما العراقية الهنديّة قائلاً أن المركبات الفضائية  كانت تقلع منه آي من مطار ذي قار في ذلك الزمان الى الكواكب الاخرى،  وأن المنطقة الان هي أمن مكان لهبوط وإقلاع الطائرات من أي بقعة في العالم ، بمعنى أخر هو أفضل من مطار هرثو ومطار أوهير ومطار هارتسفيلد ومطار بكين  ، وليزيد فنجان تخبطه في فنجانه أضاف أن السومريون اكتشفوا الكوكب رقم 12 الذي أعلنت عنه ناسا قبل بضعة أيام فقط.
على ما يبدو أن الوزير كان مُعجب ومحب للناصرية كثيراً ففاته أن يوضح للناس والمشاهدين عبر القنوات أين هي اطلال هذا المطار الكبير قبل 7000 سنة مثل أهرامات  الجيزة وسور الصين العظيم، ولماذا لم تُسجل تلك الزيارت المزعومة  في الرقُم الطينية والألواح السومرية مثل ما دوَّن الكثير من الأحداث في تلك الحقبة البعيدة ، ولم يوضح الوزير لماذا أختارت تلك المخلوقات الفضائية ذي قار بالتحديد وأين الوثائق والاحافير والشواهد على الأقل لدعم الادعاء ؟ وإذا كانت محافظة الناصرية بهذه الأهمية والمكانة ، لماذا هي مهُملة وتقف على حافة الفقر والقذارة، والمطار الذي تحدث عنه لماذا كان طوال هذه الفترة متروك ترعى به الأغنام والماشية ،ومكان لرمي القُمامة. أظن أن الوزير في صغره كان متابع جيد لإفلام  مغامرات الفضاء وحرب النجوم.

109
ماذا حدثَ لنانسي وناهض
بقلم سلوان ساكو
في زحلة لبنان أرادت  الفنانة نانسي عجرم إحياء حفلْ فني كبير في المدينة العريقة، فيتصل آحد عناصر تنظيم داعش الإرهابي الإسلامي ويُهدد بتفجير المسرح أثناء الأمسية ، فتضطر إدارة المهرجان أن تلُغي الحفل.
على أبواب محكمة العدل في العبدلي وسط عمان يلقى الكاتب الأردني اليساري ناهض حتر 1960-2016 مصرعه على يد إسلامي مُتشدد بسبب رسوم كاركتيرية ، أعتقد القاتل المعتوه أنها تمسْ الذات الإلهية وتحطّ من قيمة الدين. صور عديدة من هنُا وهنالك ومن بلدان عربية واجنبية ليس أخرها مجزرة جريدة شارلي إيبدو الفرنسية العالقة في الاذهان الى حدْ الان، تُسلط الضوء على ماوصلنا  إليه نحن  العرب من تخلف وقسوة وإجرام بعد أن أجتزنا القرن  العشرين بكثير، في نفس الوقت نلاحظ الى آي مدى أستفحل الاٍرهاب ووصل الى تفاصيل حياتية دقيقة، صار العربي يتوهم أنه ينشر رسالة الاسلام ويُطبق الشريعة ويضع الحدّ والعقوبة التي يراها هو صحيحة من منضوره الإرهابي المتشدد ويضرب عرض الحائط كل القوانين والاحكام  والتشريعات المدنية.
 هل وصلنا الى مرحلة صرنا فيها نخاف من كل ما يدور حولنا ، نلتفت يميناً  وشمالاً نتوجس خوفاً ، هل بات الإرهابي الداعشي والقاعدي والزرقاوي يتحكم في حركتنا ويفرض علينا آراءه وأحكامه ، هل جاء الوقت الذي صار فيه المفكر اليساري والماركسي والليبرالي يخاف على قلمه أن ينكسر على يدّ هذا الإرهابي اللعين؟. 
 في أكتوبر 1995 طُعن نجيب محفوظ 1911-2006  في عنقه على يد شابين قررا اغتياله لاتهامه بالكفر والخروج عن الملة بسبب روايته المثيرة للجدل أولاد حارتنا ولكن نجا من الحادث بأعجوبة. وفي 8 يونيو 1992 تم أغتيال الكاتب والمفكر المصري اليساري  الدكتور فرج فودة 1945- 1992 في القاهرة بسبب أفكاره وأراه العلمانية. وحين سُئل منفذ العملية من قِبل قاضي التحقيق، لماذا قتلت فرج فودة ، قال المُتشدد لإنه  ضد الدين الاسلامي ، فقال له القاضي هل قرأت له شيء لكي تحكم عليه بالكفر ،  فقال المجُرم لا ، فقال القاضي لماذا،  قَال لأنني لا أعرف القرّاءة والكتابة.

110
المنبر الحر / البغدادي في واشنطن
« في: 02:37 24/09/2016  »
البغدادي في واشنطن
يقُال أن آحد مساعدي الخليفة ابو بكر البغدادي المقربين منه سأله معاتباً ، يا أمير المؤمنين أن الساعة التي أرتديتها في معصمك الأيمن في جامع الموصل الكبير يوم البيعة ،  أثارت الشكوك والريبة حولك وانتَ أمير المجاهدين ، فنظر إليه الخليفة وبتسم قائلاً أنها هدية عزيزة على قلبي من جنرال أمريكي يوم كنتُ مسجوناً في بوكا.( طرفة)
رغم كل التقنيات والتطور المعلوماتي والاستخباراتي ،  وصور الأقمار الصناعية الموجه الى سوريا والعراق ، ورغم كل  العملاء والجواسيس الَّذِينَ  يسربون الخبر اليقين الى القوات الامريكية المرابطة في المنطقة ، مع كل هذا تقصف الطائرات المتحالفة مُعسكر للجيش السوري في دير الزُّور  فتقتل ثمانين جندي نظامي وتجرح الكثير ، بعد ذلك يصدر بيان خجول من البنتاغون يقول أن هذا خطإ استخباري غير مقصود. هل يعقل أن يكون خطإ بهذا الحجم؟. زعيم دولة الارهاب والقتل  البغدادي ، يتجول بسيارته البيضاء الهمّر في أزقة وشوارع الموصل في الساحل الأيمن من المحافظة وبالتحديد في حي الرسالة ، يشدّ من أزر الناس ويُحرض الأهالي على القتال ، ومقاومة الجيش العراقي والحشد الشعبي ، كل هذا يحدث في وضح النهار وأمام الملاء وتحت أعين وأبصار الطائرات المتحالفة والاقمار الصناعية، وفي سدُوف الليل يتوارى عن الأنظار،  مع كل هذا لم يرصده آي جهاز مع أنه المطلوب رقم واحد عالمياً!!!. أستطاعت الولايات المتحدة من قتل ابو عمر الشيشاني  وبعد ذلك ابو محمد العدناني وهم من الصف المتقدم في التنظيم الإرهابي داعش ، وغيرهم الكثير من القادة ، هل من المعقول والمنطقي أن لا تستطيع أمريكا وأجهزتها من رصد تحركات ابو بكر البغدادي طوال هذه الفترة الطويلة وهو المحصور في خط واضح  بين الرقة والموصل ، آم أن ساعته لم تحَن بعد؟.

111
المنبر الحر / هل مات العراق ؟.
« في: 12:42 15/09/2016  »
هل مات العراق؟.
لم يمتْ الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، بل مات ميتة حقيقية في 5 حزيران 1967، آي عام النكسة والفشل والهزيمة، الذي لحقَ به وبكل العرب ووصمة عار على جبين كل الزعماء. بعدها ظل عبد الناصر بقايا إنسان مهزوم يذرف دموعاً حارة من قلب مجروح،  وأحرقته خيانة وغرور صديقه المُشير الغير حكيم ،  يحاول أن يجمع ما تبقى من كرامة مبُعثرة على صحراء سيناء وشرم الشيخ والضفة الغربية وهضبة الجولان. ولكن حتى في لملمت الجراح لم ينجح،  وتبدد الأمل  العربي في ساعات ،  وضاع الحلم ، وأكتشفوا انهم كانوا يسيرون خلف سراب،  وجاء الكابوس مُتمثلاً  في واقع أليم لم تستفيق منه العرب الى حد الان.
لم يمتْ بلد كان أسمه عراق الان، بل حين قرار شخص مغرور جاهل  أن يستفرد بالحكم عن طريق القتل والقوة  ومنهج العصابات والحزب الواحد والعقلية الواحدة بدون الحرية وأستغنى عن مبدأ الاشتراكية.  مات العراق الكبير حين قررَ رئيس جمهوريته غزو دولة صغيرة متاخمة لحدوده  تحت ذرائع  واهية وتبريرات سخيفة تدل على مدى جهل وغباء قائده المُجاهد الناصر بالله، وجرَت بعد ذلك الدمار والخراب  عليه وعلى البلاد والمنطقة ككل. ماتت بغداد عاصمة الحضارة  ومنارة الفكر مرتين الاولى حين دخلها هولاكو سنة 1258 والثانية  حين  سلمتها أمريكا  الى العدو الأزلي الحاقد على البلاد والعباد أيران على طبق من ذهب مرصع بالألماس ، وهي آي الولايات المتحدة  تجر ورائها أذيال الهزيمة والعار لا تعرف كيفية الخروج من المسُتنقع العراقي. هل تبقىْ شيأ واضح من معالم  بلد كان في السابق بلاد ما بين النهرين وميزوبوتاميا؟. الميليشيات الإيرانية والمرشد الأعلى  والجنرال سليماني من يتحكم في القرارات السياسية والعسكرية  مباشرة من طهران.  تنظيم داعش الإرهابي يجول ويصول بحرية في ثاني أكبر محافظة من ثلاث سنوات ويسيطر على نصف محافظات الفرات الأوسط   مع كل المعارك الصحيحة والوهمية. الجارة الغير عزيزة  تركيا تُحاول أن تجد موطئ قدم  تغُيظ الكفار مع أنها هي من صنعت هؤلاء الكفار وسلحتهم  وعززت وجودهم على الساحة ، فتزيد من تواجدها العسكري في ناحية بعشيقة ويُصرح السلطان اردوغان  أنه هو من سوفة يُحرر مدينة  الموصل من دنس الاوغاد الدواعش  حسب أتفاقية أبرمت بين تركيا وبريطانية سنة عشرين من القرن المنصرم فيريد أحياءها وبعثها من الانقاض من جديد!!!. أتساءل ويتساءل معي الناس هل ظل شيء أسمه عراق ووطن كان في الماضي أرض الشمس.

112
المَثلية ومفهوم الحرية
بقلم / سلوان ساكو
تسعى دولة استراليا في الآونة الاخيرة الى تشريع قانون جديد يجيز للمثليين الارتباط رسمياً ، وبالتالي يكون لزماً على الدوائر المختصة من محاكم وبلديات تطبيق هذا القانون والالتزام به. المثلية أو المثليين Homosexualsو الذي كثر الحديث عنهم في الاعلام خاصة في الآونة الاخيرة ؟ وباتَ من الملح ومن الضروري تسليط الضوء عليها لرفع النِّقاب وكشف ما يحيطها من غموض ، وعلى آي أساس تعتمد ومن أين بدأت ، وكيف توصل الغرب الى مفهوم أو صيغة أو نمط أن يتزوج أثنين من نفس الجنس ويتقبل المجتمع من حولهم ذلك بكل طيب خاطر ، وكيف وصل الامر في بعض الدول مثل الولايات المتحدة ان تجيز ذلك ، حيث يعتبر باراك اوباما أول رئيس أمريكي يعترف بزواج المثليين وذلك في سنة 2012. ودول مثل أستراليا وإيرلندا يشرعون قوانين يُلزم المحاكم المدنية بعقد القران والاعتراف به.
وجدَ الباحث والمنقب في حفريات الأركيولوجيا في بعض المجتمعات القديمة من حياة الكهوف آي العصر ما قبل الزراعة والاستقرار أن هنالك بعض الرسومات على جدران تلك الكهوف مكونة من شخصان يتعانقان من نفس الجنس، والباحث في علم باليوأنثروبولوجيا آي علم الانسان القديم سوفة يجد الكثير من الشواهد والطقوس لممارسات جنسية من نفس النوع. وحتى في الملحمة السومرية جلجامش نلاحظ نوع من الحب المثلي ( وليس بالضرورة أن يكون جنسي ) بين البطل جلجامش ملك أوروك وصديقه الوسيم أنكيدو بعد النزال بينهم. وفي بابل القديمة كان هناك ظاهرة تسمى ( العهر المقدس) في معبد عشار للآلهة إنانا يحيث يمارسون الجنس بطرق خاصة. وفي حضارة وادي النيل نشاهد الثنائي حنمحوتب ونيانخم مزيني قصر الملك ني أوسر رع سادس ملوك الأسرة الخامسة حوالي عام 2400 ق.م. حيث ساد الاعتقاد بأنهما كانا مثليي الجنس بناء على رسم لما يصورهما يتعانقان أنفًا بأنف في مقبرتهما المشتركة. وفي حضارة اليونان تكلم الفيلسوف أفلاطون كتابه "‪Symposium‬" عن ذلك السلوك بواسطة حوار بين فلاسفة عن معنى و تضمن ذلك الحب المثلي، وانتقد المثلية بوصفها غير  طبيعية.
وفي العصر العباسي كان معروف عن الخليفة هارون الرشيد أنه يجمع حوله الخصيان والغلمان وكان أبو نواس يمدح الغلمان ويثني على الجمال الخنثوي، وأيضاً أشعار المتصوف المشهور ابن الرومي ، وفي عصر الصفويين في فارس 1501-1723 كانت هنالك بيوت خاصة لدعارة الذكور مرخصة قانونياً وتدفع ضرائب . فإذن الموضوع قديم جديد وله جذور تضرب عميقاً في كل الحضارات والمجتمعات بدون حصر . ولكن الموضوع يأخذ بعداً أخلاقياً أعمق من ذلك ، وأبعد من أن ينحصر في أطار الجنس وحده، لقد تأسس على مفاهيم فلسفية كبيرة وأن كانت مستترة خلف قناع الانسانية، فلا نستطيع فهم الفكرة من الأساس دون العودة الى مفهوم المصفوفة الاخلاقية خلال ما مرت به من تقلبات كثيرة ، والفلسفة بدورها لا تُفهم دون الرجوع الى غول الفلسفة هيجل 1770-1831 الذي أساس على مفهوم الحرية الذي كان هو بدوره متأثر بجان جاك روسو 1712-1778، حيث يمجد هيجل الفرد الحر من منطلق أنه سوفة يصل الى المثال ‫،(لأنها الهدف الأساسي للحياة ومن خلالها يشعر الإنسان بقيمته وبجانبه الروحي لأنه يمارس العادات والتقاليد و الحياة الأخلاقية والقانونية من خلالها ). بعد ذلك نعود ‬ لقراءة فكرة فريدريك نيتشه 1844-1900 الذي أعطى فهم أعمق وأكثر جدلية ، بدون أن يحدد ذَلِك مباشرة في كتاب فلسفة الأخلاق الذي ترجمه للعربية الدكتور يسري ابراهيم، الذي نقد دور العقل في الفلسفة التقليدية  والتحرر منها في آخر المطاف عبر  الرجل الخارق superman المنحل من الاعراف والتقاليد والعادات والاخلاق التي بُنيت عليها الانسانية عبر حقبة طويلة أراد هو أن ينسفها من الأساس وأرتقائه بهذا الانسان الغير أخلاقية للكمال الذي قال أن الطبيعة الانسانية وغريزة حب السيطرة وإرادة القوة هي مكمن الأحكام التقويمية لا العقل. أن هيجل يتبنّى الى حد كبير وصف كانط للفرد الرشيد والاخلاقي ، لكنه يعتقد ان فهم كانط للفردية هو تعبير عن حقبة تاريخية محددة تتمثل بالعالم الحديث. ولهذا يُعتبر هيجل من اوائل فلاسفة الحداثة وخاصة الفهم الحديث للتاريخ وفي ضوء صورة الفرد العالمي وظهور الفرد المتمتع بالحق الذاتي والحريّة الشخصية حتى في سلوكه العام وممارساته الخاصة. بعد ذلك جاءت فلسفة جان بول سارتر 1905-1980، الذي سارت على نفس المنوال في تمجيد حرية الفرد في المجتمع دون اي عوائق. من هذا الطرح نستطيع أن نفهم أن الغرب اليوم أميركا أوروبا استراليا ....الخ تسير على خُطى هؤلاء المؤسسين للفرد وليس للجماعة وتعطي أهمية بالغة للحرية وفق مفهوم الذات. فأذا المسألة هي ديالكتيكية جدلية من الأصل ليست محددة بمفهوم الأخلاق الارضية التي وضعها الانسان وصار عبد لها. وصل الغربي الى هذه الفكرة عبر سجال طويل مرت بمراحل طويلة والذي تجلت في آخر الامر على هيئة حرية    وإلانا العليا والذات ، تكون صادقة وتعبر بالضرورة على شخصية الفرد تكون واعية بصدق دون مراوغة أو أحتيال عليها، وهذا تطلب عمل شاق جداً ووعي مضني لانه ضد التيار وضد القيم السائدة وضد الطبيعة التي سارت في ركابها الحضارة من البداية وبنيت كل المفاهيم والتقاليد عليها تقريبا وأزرتها ووضعت حجر الأساس لتلك القيم والتقاليد الديانات الشرقية. وفي النهاية تظل القضية بين مؤيد ومعارض وتبقى مسألة المثليين موضوع معقد وشائك.‬‬‬

المصادر:-
أنطولوجيا الذات . أحمد برقاوي
فريدريك نيتشه ، مجدي كامل

113
خفايا الهجرة في زمن الحرب
بقلم / سلوان ساكو 
تسارعت وتيرة القبولات والاستيطان الى دول المهّجر مع بداية تحرير محافظة الموصل وقرى سهل نينوى، وبداية النهاية لتنظيم داعش الإرهابي على الأقل في العراق. فليس من الصدفة أن يتم قبول مئات العوائل الى كندا وأمريكا وأستراليا وأوروبا من المهجرين في دول الجوار كالاردن وتركيا ولبنان  من جراء سيطرت داعش على قراهم ومدنهم في 2014،  وليس من محضْ القسمة والقدر  أن يتم تفعيل أجراءات السّفر  بهذه السهولة خلال فترة وجيزة نسبياً !. أليست انعطافة خطيرة ، وفي الأمر ريَبة وشك في أن يكون هنالك نوع من التخطيط في إبعاد مكون أصيل له عمق تاريخي وثقافي وإجتماعي من وطنه الأم ، وصهره بعد ذلك في المجتمعات الكبيرة والرأسمالية وتقويض كل الفرص في أحياء ذلك المجد الغابر،  ومحوّ تاريخ كامل لشعب أسس وأستقر وتبنى حضارة تضرب جذورها في الارض عميقاً.
 لن نستطيع أن نفهم أبداً ما حدث للشعب المسيحي في بلاد الرافدين  خلال العشرين السنة الاخيرة من تهجير وقتل  واغتصاب للحقوق والحريات والتضييق عليهم  بشَتى الوسائل ، بدون العودة الى مسألة وملف  يهود العراق الاصلاء ، والكيفية التي تم بواسطتها تهجيرهم  وقتلهم حتى قبل مذبحة الفرهود سنة 1941، وأليات توطينهم قصراً في إسرائيل بواسطة أيادي خفية لها علاقة بالحكومة الملكية آنذاك. فحركة التاريخ وصيرورته الدائمة في إعادة نفسه وأن كانت بطرق مختلفة وتقنيات جديدة تواكب العصر فالمبدأ الأساسي  يظل كما هو، ففي ذلك الزمان كانت الحركات القومية العربية متعاطفة مع الحزب النازي في ألمانيا ، ومع ظهور حركة رشيد عالي الكيلاني صاحب الانقلاب الفاشل في بغداد، أجج الصراع الأيدلوجي الديني وألب الجمهور ضد السكان اليهود الامنين فتسببت الحركة  في مجزرة مروعة  راح ضحيتها الأبرياء المساكين. بعد ذلك ولتكتمل المهزلة العربية زار مفتى القدس المغرور والتافه أمين الحسيني  هتلر في قلب برلين مما أعطى فرصة لتأويل أفران الهلوكوست بحيث صار هو المشجع والمحرض لها، فستغلت المنظمات الصهيونية هذه الأحداث بتفوق وتخطيط  كبير بعد ذلك ، وتم تهجير الشعب اليهودي الى الدولة الوليدة بطرق مختلفة وقنوات سرية كان الغاية منها هو حشد أكبر عدد من الناس في اسرائيل بأي ثمن كان وفعلاً نجحوا في ذلك. فلم يبقى في العراق حسب أخر تقرير سوى 4 أشخاص من اليهود القدامة من عدد  135 الف  في الأربعينيات آي أثنان ونصف من المئة من عدد السكان الاجمالي ويذكر العلامة يوسف غنيمة أن حكومة الاحتلال الإنكليزي  قامت بإحصاء لسكان العراق في العشرينيات فكان عدد يهود العراق 87448 نسمة موزعين على خمسة عشر مدينة عراقية أكبرها مدينة بغداد. بمعنى أدق لم يعد وجود لمكوّن رئيسي من نسيج الشعب العراقي، وهذا هو الحال بنسبة للمسيحين وأن طال الأمد ،  فالوعي المؤسس للسلوك ذاته، والغاية من تخريب التعايش السلمي وتهشيم لوحة الفسيفساء السكانية الذي يمتاز به العراق هُو،   ولكن الزمان  والأشخاص الفاعلين تغيروا .

114
طريق هلاري للبيت الأبيض
بقلم / سلوان ساكو
حسبي  أن الطريق للرئيس القادم  للولايات المتحدة الامريكية هلاري كلنتون باتَ معبداً، وهي  الان تحزم حقائبها وأمتعتها والملفات العالقة لتحطّ الرحال بعد أشهر قليلة في المكتب البيضاوي. فبات من المؤكد الأن أنها الأكثر قرباً من أسوار البيت الأبيض من المرشح الجمهوري ورجل المال والأعمال  دونالد ترانب ، الذي يبدو انه أضاع بوصلة الرئاسة بعد مؤتمر الحزب العام الأخير،  والذي بان مدى سطحيته وعدم فهمه في دواخل السياسة الامريكية المعقدة والصعبة وصار  يتخبط في وحلها الثقيل ، حتى زوجته الشابة الجميلة  لم تضبط الخطاب الافتتاحي الذي يفترض ان تكون  السيدة الاولى  بعد أشهر أمام آلاف المحتشدين من أنصار ترانب الجمهوريين فكان مقتبس طبق الأصل من خطاب ميشيل أوباما قبل سنوات فظهر كأنه سرقة وسبب أحراج شديد كان من السهل جداً تجنبه . هلاري ليست المرشح الأفضل لقيادة الولايات المتحدة  وليست بتلك الدرجة من الكفاءة لتولي قيادة العالم صحيح انها أمرأة مأسسات وتبوأت مناصب عديدة ليس اخرها وزيرة للخارجية ،لكن منصب الرئيس شيء اخر.  ضعف برنامج المرشح الجمهوري ترانب وسذاجته في طرح الأفكار بشكل مباشر وهو خطأ فادح يتجنبه السياسي المحنك والمكيافيلي  ، وتصريحاته التي تفتقر الى الكياسة هو الذي رجح كفة الميزان وأعطى دفعة قوية لكلنتون بتجاه المكتب البيضاوي.
تغيرت الكثير من البديهيات وأصول اللعبة في خطوط السياسة الامريكي في السنوات العشرين الاخيرة فبات الناخب الامريكي يحتار لمن يصوت هل للديمقراطيين  الذين لم يحركوا ساكن في مصير دول هزتها الصراعات الدموية مثل سوريا والعراق واليمن ام للجمهوريين الذين هم من كان السبب في هذه الصراعات والحروب من الأساس.
أرى أن الولايات المتحدة  لن تستعيد عافيتها ومكانتها كقوة عظمى  في العالم ما لم ترتب البيت الداخلي من الاول وتعيد بناء وفهرست كل السياسات الخاطئة التي كانت  السبب في كل هذا التخبط الذي تعيشه الان ، والعودة مجدداً الى المسكّ بزمام الأمور كقوة  يحسب لها حساب.

115
المنبر الحر / وجه داعش الآخر
« في: 13:22 09/08/2016  »
وجه داعش الآخر 
بقلم / سلوان ساكو
أذا ما عُدنا الى أرشيف مدرسة الإعداد الحزبي في دمشق لوجدنا بين الوثائق والمذكرات نصْ الحوار الذي دار بين الرئيس الراحل حافظ الأسد وبين محمد عايش وزير الصناعة وقت ذك آي في عام 1979 ، حيث ارسل صدام حسين الوزير عايش الى سوريا لغرض شرح أسباب المؤامرة المزعومة من قبل الجناح البعثي في سورية ضد الجناح البعثي في العراق ، وتقول الوثائق أن الأسد الأب  كان يستمع الى محدثه بكل هدوء وتمعن ، وحين انتهى المتكلم من سرد الاتهامات الباطلة ضد الحكومة في دمشق ، قال حافظ الأسد له دعك من كل هذا فهو محض أفتراء ،  أنتَ  شخصياً ماذا تقول ، هل الاتهامات الموجه لنا صحيحة ، فأجاب عايش أنا فقط أنقل رسالة الرفيق صدام حسين  لكم ، وسوفة أنقل له جوابكم  فخامة الرئيس.  فنظر له الأسد بعمق وقال بعد دقائق،  نصيحة لك أن تبقى في ضيفتنا فترة أسبوعين لا أكثر وسوفة تشاهد ما سوفة يحدث في بغداد ، وتركه وخرج . ولكن عايش عاد الى بغداد وبدأ مسلسل الدم المسفوك ، فكان أول عرض على خشبة مسرح قاعة  الخُلد ، وكبش الفداء والضحية الرئيسية الوزير محمد  عايش نفسه.
حين حَل الحاكم المدني بول برايمر الجيش العراقي وكل المؤسسات الأمنية والعسكرية  وأجهزة الشرطة والأمن ، كان هنالك ال مئات بل ألوف من الرتب المتوسطة بين نقيب وعقيد والكثير منهم بل معظمهم منتسب في صفوف  حزب البعث. هؤلاء فجأةً وبعد خدمة تمتد بين خمسة عشر عام الى عشرين عاماً وجدوا أنفسهم مطرودين وبدون راتب تقاعدي يضمْن لهم حياة كريمة بعد الخدمة ، وملاحقين من قبل الأمريكان والمليشيات التي تريد تصفيتهم بسبب وبدون سبب ، فكان من الطبيعي أن ينخرط الكثير منهم في صفوف التيارت المتطرفة الجهادية التكفيرية في وقت مبكّر من السقوط 2003- 2004  بل الأنكى من هذا أنهم أصبحوا  هم القياديين في مناطقهم  كم حصل مع الزرقاوي في نواحي الرمادي فكل مساعديه من البعثيين والضباط السابقين ، توجه الى الى خط التطرّف بامتياز. والسبب يعود في جزء كبير منه الى الادارة الامريكية ومجلس الحكم  الانتقالي (الانتقامي) ، فالكثير من قادة داعش الان في الموصل مثلاً هُمْ  رفاق وضباط في السابق ، كانوا يتجولون في الأحياء بالزِّي الزيتوني والمسدس يتدلى من الحزام ، وبعد أن سيطرت التيارت الاسلامية التكفيرية على المحافظة ساروا في نفس الركبْ  بداعي تحقيق شرع الله ونشر الدعوة  وتحقيق العدل، وأن كان عن طريق قتل الأبرياء وسفك دمائهم الذي لم يتوقف على مدى التاريخ الحديث. هزائم البعثيين كثيرة وفشلهم أكبر وفي هذا الشهر تمرْ الذكرى السادسة والعشرين  لهزيمة غزوة  الكويت،  التي كانت لعنة على العراق وعلى المنطقة ، جرت الويلات والدمار لشعب لم يعرف الراحة والطمأنينة من ذلك الوقت والى حدْ اليوم  بقرار من رئيس مغرور وغبي همه الوحيد تحطيم وسحق العراق.
النازية أعلت ورفعت في وقت من الأوقات من شأن المواطن الألماني ، ووضعته في أعلى المراتب وفوق كل الأعراق  مع كل السلبيات والدمار الذي سببته  ، أما بعث صدام  فكان جُل  توجهاته هو الحطّْ من شأن الشعب وإذلاله وإهانته.

116
خالد بن الولد في روان 
بقلم / سلوان ساكو
في جريمة بشعة وغير أخلاقية يندى لها الجبين وتهتز لها القيمْ الانسانية وترتعد أركان البشرية بعد هذا العصر الطويل من الحضارة والتمدن. وقعت أحداثها في مدينة الموصل على سنوات الاٍرهاب العِجاف من عام 2007 ، حيث قام شاب وبالتنسيق مع عصابة للقتل والابتزاز والسرقة والتي كانت منتشرة في أرجاء البلدة ولا تزال الى حد الأن، بخطف أخيه الأكبر منه، وبعد أن طلب الفدية من أهله عن طرق شريكهم في الاجرام ، قام بقتله آي قتل أخيه ، وبعد مرور فترة من الوقت قام القاتل بالزواج من زوجة الأخ المغدور وظل معها قرابة سبعة أشهر حسب ما نشرته الصحف في حينها ، الى أن تم إلقاء القبض عَلَيْه في جريمة أخرى والاعتراف بالجرائم الكثيرة التي أرتكبها ، ومن المهازل العراقية الكثيرة أنه وبعد صدور حكم الإعدام بحقه فرَ من سجن بادوش. ويحتمل أن يكون الان واحد من قادة داعش.
الذي حدث وسوفة يحدث لاحقاً من جرائم في ألمانيا وبلجيكا وفرنسا وأمريكا،  وعموم العالم هو نتفْ قليلة مما كان يحصل في فجر الاسلام وعلى أيدى الصحابة المؤسسين للدين الجديد.  والذي قتل الأبرياء في مقاطعة بافاريا الألمانية ، كان المعلم الاولى له وصاحب الخبرة والمثال الصالح الذي يقتدي به  هو سيف الله المسلول خالد بن الوليد وواقعة مالك بن نويرة هي أكبر دليل على مدى الاجرام وسفك الدماء،  فقد قتل خالد مالك وقطع رأسه وبعد ذلك أمر بطبخ الرأس في قدر كبير وأكل منه ، وبعد ذلك تزوج من أمرأة بن نويرة ليلى بنت سنان وهي حائض آي زنا بها، هذا هو البطل الذي ينشده الشباب الأن  ويطبقونه بحذافيره. والثاني الذي جزْ رأس الكاهن المسكين هو طاعن في السن ويقيم الصلاة في بلدة نائية في الريف الفرنسية مع نَفَر قليل من كبار السن ،  فقام احد الشبان الغيارى  على الدين الاسلامي بتطبيق حد الشريعة وشحذْ هِمَام المسلمين في العالم عبر صورة بائسة طبقها من قبل نبيه محمد بن عبد الله ولكن بسيناريو أخر ولكن المبدأ واحد هو القتل مع  صفية بنت حيي بن أخطب بن سعية بن ثعلبة اليهودية حيث قتل زوجها وأبوها وأخواتها وجميع ذكور تلك الاسرة وذلك في معركة أوطاس وذلك في سنة 8 هجرية ، وأيضاً  واقعة خَيْبَر والفتاة ريحانة بنت زيد بن عمرو بني النظير وكانت متزوجة من رجل اسمه (الحَكَم ) وصاحبة جمال ، أعدم الرسول زوجها في مجزرة بني قريظة سنة 5 هجرية. وهذه الوقائع وغيرها الكثير تاريخية ومدونة،  وليست مجرد أقوال وحكايات تناقلتها الأجيال ،  وليس الغاية منها الحطْ من قيمة أحد أو شخص بذاته ولكن للحقيقة   والحقيق فقط لتنجلي وتوضع الأمور   في نصابها الصحيح ، وليفهم القتلة والذباحيين والسفاحين والساقطين أن أوان القتل والاغتيال والاغتصاب والسبايا قد انتهى وولىَ الى غير رجعة،  ويجب أن تتغير المفاهيم القديمة،  وان السلف غير صالح بكل القياسات،  ولن يكونوا صالحين بتلك الأفكار الاجرامية التعبوية المنحطة التي لم تكن ابداً صالحة، وسرقة وفرض أتاوات ومنفعة. حان الآوان ليتغير كل تلك الاّراء البالية وترُكن على الرفوف في المخازن الخلفية  التي سوفة يأكلها العث ، دون أحياء ذلك الماضي البغيض وفتح قنوات الدماء من جديد ، وآلا سوفة تكون الكارثة كبيرة والمأساة مؤلمة على الجميع بُدون أستثناء.
 



المصادر :-
سيرة ابن هشام. 
المغازي للواقدي الجزء الثاني ص 521.
سيف بن عمر ( الردّة والفتوحِ).
الإستيعاب في أسماء الاصحاب للإمام العلامة أبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي ( الجزء الثاني).
أسد الغابة في معرفة الصحابة :- عز الدين أبن الأثير أبي الحسن الجزء الخامس.

117
شخصية السلطان اردوغان
بقلم/ سلوان ساكو 
في أحدى ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب بداية العام الجاري كانت هنالك محاضرة للدكتور عبد الرحمن شلغم  مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة قبل انشقاقه عن نظام معمر القذافي، وصانع قرار في إبان حكمه وقريب من الادارة السياسية ، وهو شاعر وأديب في نفس الوقت وله مؤلفات عديدة. وعلى هامش اللقاء  جاء على ذكر الزعيم الليبي السابق فقال أن القذافي كان يخاف ويخشى من تكرار سيناريو الزعيم الروماني نيكولاي تشاوتشيسكو ( 1918 -  1989) رئيس رومانيا الأسبق في  مهرجان في العاصمة  بوخارست، فخلال ساعات قليلة قلب الشعب عليه وأيدهم الجيش والشرطة في الساحة العامة وطالبوا بعزله. ثم حكم  بالإعدام  في أسرع محاكمة  لدكتاتور في القرن العشرين  مع زوجته أمام شاشات التلفزيون.
الذي حدث في تركيا ليس أنقلاباً  بالمعنة التقليدي الاكلاسيكي للأنقلابات التي كانت تحدث في الماضي. الذي حصل هو أقرب الى أنتفاضة من بعض عناصر الجيش أرادت الخلاص من مشروع دكتاتور أراد بسط سيطرته على عموم البلاد،  ونجح في ذلك على الاقل الى حد الان. الإخفاق الذي منُيت به الوحدات العسكريّة يعود الى عدة أسباب أهمه هو عدم التنسيق بين الوحدات المرابطة في المدن الكبيرة مثل أنقرة وإسطنبول ، وعدم وجود شخصية كبيرة أو جنرال في داخل الجيش له وزن وأسم كبير يقود الانقلاب بالاضافة الى ضئالة العدد ، هذا من جهة، من جهة أخرى دهاء وذكاء اردوغان نفسه فقد فوت الفرصة على الانقلابين حَيْث عجل في الذهاب الى المكان الرئيسي للحدث ولم يهرب كما أشاع ، وتحدث الى الجماهير في أسطنبول مباشرة وطلب منهم النزول الى الشارع وقطع الطريق على الخونة كما سماهم، وفعلاً أستجابت تلك الجموع ونزلت الى الشوارع تحمل الاعلام ، مما يعني أنه يحتفظ بمكانة جيدة وثقة عالية  لدى الناس فهو أبن المدينة وواليها القديم.
اردوغان سياسي بارع ورجل دولة عصامي بدأ من تحت الصفر، فمن بائع للبطيخ على عربة أبيه ، أستطاع أن يصل الى سدة الحكم خلال فترة قصيرة نسبياً ويفرض شخصيته وسطوته على كل التيارات والأحزاب السياسية، طبعاً مع كل السلبيات والمناكفات الموجودة وهذا شيء طبيعي في عالم السياسة.
تركيا تمر الان في فترة عصيبة لم ترى مثلها من قبل ، السجن والاعتقالات والطرد من سلك الدولة طال شريعة واسعة من الموظفين والعسكريين والمدنيين ، والكثير منهم أبرياء لم يشاركوا في شيئ،  وهؤلاء من المؤكد أن لهم أقرباء وعوائل واصدقاء فمن الطبيعي أن يحقدون على الحكومة وبالتالي على شخص الرئيس مما يخلق جو مشحون بالحقد والكراهية تظهر على شكل أعمال شغب وتخريب. البلاد الان تغلي وهي على فوهة بركان في آي وقت ينفجر ، ورجب طيب ادخل تركيا في حالة طوارىء لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتجديد ، وهو الان يغربل  كل مؤسسات الدولة من الجيش مروراً بكل الوزارات  ، الذي ليس معنا فَهُو صدنا، لا يوجد حيادي  ولا مستقل،  الكل في دائرة الاتهام والكل تحوم عليه الشبُهات والشكوك، حتى أصدقاء أمس أصبحوا أعداء اليوم، ولم نسمع اي تصريح من رئيس الوزراء السابق دَاوُدَ اوغلو مع العلم أنه أقرب شخص للرئيس ، ما حدث له يبقى سؤال مطروح على كل الاحتمالات ، حتى تصريح عبد لله كول كان خجول وضعيف ، مما يعني أن في داخل حزب العدالة والتنمية الاسلامي الحاكم،  هناك تصدعات وتشققات كبيرة وأن كانت غير معلنة.
 أخطاء اردوغان كثيرة  وكبيرة  مع كل الإنجازات الاقتصادية التي وفَرها لتركيا خلال العشر سنوات الاخيرة ، ولكن السلطة مفسدة كما يقولون وطيور الفساد والرشوة  تحلق فوق رأس أبنه بلال وهي بملايين الدولارات. وأردوغان  يسعى الى تتويج نفسه خليفة جديد وبثْ روح السلطنة من رمادها القديم، وخلق جيش أشبه بميليشيا أو ذراع مسلح تابع لحزبه يكون موازي للجيش الذي فقد الكثير من هيبته وجنرالاته وقدرته. ومع كل ذلك يبقى الأمل موجود في أن تتعافى تركيا من كبوتها وتعود الى الساحة الدولية مجدداً فهي لاعب أساسي في الشرق الأوسط وأسيا وهي دولة أقتصادية كبيرة تحرك جزء من النظام العالمي ، وسد في وجه تدفق للاجئين الى عموم أوروبا. 

118
هل بقيَ للعربْ ضمير
بقلم / سلوان ساكو
حينما كنتُ في سوريا وانا ذاهب في طريقي الى دائرة الهجرة  والجوازات في العاصمة دمشق لتجديد الإقامة ، أنعطفت السيارة من أمام مبنى دائرة التجنيد العامة في شارع مرشد خاطر المزدحم، قال لي سائق التكسي ، بعد أن عرف أني لاجئ عراقي ، في سنة  1981 أرسلت لنا المخابرات العراقية وبعلم من صدام حسين نفسه سيارة مفُخخة مع سائق عراقي أراد إيقافها عند مبنى إدارة التجنيد وسط البلد وبعد ذلك بوقت قصير تنفجر.  وكان توقيت العملية عند الساعة الثامنة صباحاً ، آي عند بداية الدوام الرسمي ، وأضاف سائق التكسي قائلاً، حين شاهد الإرهابي العراقي الناس وهي متجه الى أعمالها ، والطلاب الى مدارسهم،  والموظفين الى دوائرهم والكل بحال سبيله يسَير، أيقن في ساعة صحوة ضمير كان ميت قَبْلَ  ثواني واستيقظ الأن في الوقت المناسب ، أن هؤلاء البشر جميعهم أبرياء وليس لهم علاقة بالصراعات الأيدلوجية والحزبية بيت شقي البعث ، فتوجه  فوراً  الى أقرب مخفر شرطة وأبلغ عن نفسه وعن السيارة.
لو فكر الإرهابي الدنيئ الذي أوقف السيارة المفُخخة في الكرادة التي خلفت  مأساة كبيرة وترك ثكالى تندب أبناءها الشباب الى الأبد ، والضابط والشرطي الذي سمح له في الدخول والعبور،  والموظف في وزارة الدفاع الذي أبرم عقود جهاز كشف المتفجرات الذي تبين انها فاسدة ولا تعمل  مروراً الى الوزير ذاته والى رئيس الحكومة الفاشل،  هل يظل هنالك ضمير حي ويعمل بصلاحية ، وهل هنالك مسؤولية لمسؤول يشعر ولو لدقيقة وَاحِدَة أن هناك شعب فوضه وخوله ووضع جلُ ثقته به من أجل توفير الأمن له السهر على راحته. أحداث الكرادة وغيرها هي سلسلة متواصلة من الضمير العراقي الميت الذي أصبح كفتاة عاهرة لم يعد يأتيها الشبق الجنسي من كثرة الممارسة فأصبح الموضوع هو عادة لا أكثر وإيقاع لروتين الحياة اليومي مثل الرشوة والفساد والمحسوبية والسرقة،  كل شيء يحدث هو عادي،  وعادي جداً الى درجة أنه لم يحصل ولا تحقيق واحد في آي أنفجار حصل سواء كان في بغداد أو غيرها،  كأن هؤلاء القتلى هم جرَاد أو نمل بدون اي قيمة تُذكر والموضوع بكل بساطة أنهم شهداء عند ربهم يرزقون وانتهى الأمر. ويتشدق المسؤول الكبير على الشاشات الفضائية بتشكيل لجان فرعية للتحقيق منبثقة من اللجان الرئيسية التي هي بدورها تابعة لورش عمل ،  ودوامة لا تنتهي من المصطلحات والجمل في أخر المطاف  يتبين انه لا يوجد أصلاً  لجان ولا ورشَ عمل ، ولكن المسؤول  على الشاشة ويجب أن يتحدث وأن يكون متكلم لبقْ فهو في أخر الأمر عضو نائب في المجلس الموقر ومسؤول في الداخلية والدفاع ، وخبير في خافية الأمور واحوال العباد،  ويجب عليه أن يغُطي الأحداث من جميع الزاوية وان كانت كل تصريحاته  كذب وخداع ، ولا يقل إجرام عن الإرهابي ذاته أن لم يكن أكثر منه متوغل في الارهاب والقتل. هذه الصفات تضرب جذورها في عمق الشخصية العربية والإسلامية على حد سواء. أن كانت في برلين أو في بغداد أو في جنيف أو آي بلد أخر، وأحداث مدينة نيس الفرنسية هي أكبر دليل على ذلك ولن تكون الاخيرة بالمناسبة،  فسوف يشهد العالم أحداث وعمليات وتفجيرات وقتل ، عملية نيس بنسبة لها مقُبلات ما قبل الوجبة ، وهذا الذي حدث في أمريكا وتركيا وبلجيكا ليس غير تمهيد للذي سوفة يحدث لاحقاً. هل بقيت قيمْ أخلاقية وضمير حي يُحدد ويوجه بوصلة  العربي  المسلم الى جادة الصواب ، أشك في ذلك.  لقد سقطت الاقنعة وبانت الوجوه الحقيقة بُدون رتوش تجميلية فظهرت الصورة الوحشية للحيوان البشري الذي يفتك ويقتل من أجل الوصول الى الاله الأسمى عن طريق فريضة الجهاد التي هي  أم الفرائض قبل الصلاة  والصوم  والزكاة. والماراثون الى حور العين والغلمان وأنهار الخمر.
 لقد انتهى العرب ولم تعد لهم مكانة في قطار الحداثة والعلمانية والفكر والجمال والفلسفة، لقد تحطمت أمالهم في دولة مدنية راقية على صخرة الغرور الزائف ، نحن خير أمةٍ أخرجت للِناس ، والإعلاء الوهمي للذات ، وتحقر الآخرين والحط من شأنهم وتكفيرهم وبالتالي قتلهم.  كل هذا ساعد على أنقراض وتخلف العرب المسلمين. 

119
أدب / ثمرة الكستناء المحروقة
« في: 10:24 29/06/2016  »


ثمرة الكسَتناء المحروقة

قصة قصيرة

سلوان ساكو

مستوحاةّ من مأسيْ شعب أعزل توالتْ عليه المِحنْ والمصائب، كان يظنْ أنه في مأمن من الأشرار في ذلك الركن البعيد أقصى البلاد، ولكن فجأةً وبدون مُقدمات يبدأ سفر جديد من الألم والضياع والهجرة ، تمتزج فيها دماء القتلى بدماء العذارى ، بُكَاء الرجال بنحيب الثكَالَى ، أزيز الرصاصْ بصرخات الأبرياء الفارين نحو المجهول، الأقدام الحافية تتمزقْ على ذلك الحجر المُلتهب. كل هذا يتجسد عبر صورة أزلية  للشر، في تراجيديا دموية كان عنوانها الموت والدمار واللاإنسانية.
   
إهداء
الى كل أبرياء هذا الوطن من قُتلْ على يدّ المتعصبين والتكفيريين.
                                                       
                                                   
                                               

( الشيئ الوحيد الذي يجعل الشر ينتصر هو أن يظل الخير ساكناً لا يفعل شيئاً)                                           
                                                  أدموند بورك
                              ***
 
مع بزوغ خيوط الفجرالأولى، ومع صيحات الديك المُتتالية التي لا تهدأ ، تنهض بفرين بتمَهل كي لا تصدر أي حركة وصوت فينهض الباقون من أفراد الأسرة . تتجه نحو غرفة المعيشة الصغيرة بهدوء وتوقد التنور الحطبي بسهولة ، وتأخذ قدر العجين الذي كانت قد أعدته قبل هذا الوقت بأربع ساعات. تجلس مفترشة الارض قبالة النار التي بدأت تخمد ، وبدأ الجمر يتخذ شكله الأحمر القاني، في حركة من يديها البيضاء الخفيفة تفتح كرات العجين وتجعله على شكل أقراص متوسطة الحجم وترميه فوق قطعة الصاج الحديدية  فيتحول بعد دقائق الى خبز طازج لذيذ له مذاق الحطب.
ينهض زوجها خيري من سباته العميق عند الساعة الثامنة والنصف صباحاً ، ويغتسل بصنبور الماء في الباحة الأمامية للبيت، ينظر وهو يستقيم وقطرات الماء تسيل من على وجهه الى قِمم الجبال البعيدة وهي تُعانق عنان السماء، لطالما أعجبه هذا المنظر وهو صغير حيث كان يطلب من أبيه الغائب أن يحمله على كتفه ليشاهد الجبال ، لقد مرَ وقت طويل على ذلك قال لنفسه، أتجه الى المطبخ ووقف أمام زوجته قال لها وهو يُنشف رأسه بمنشفة رمادية اللون ، صباح الخير ، ردت عليه بالمثل وهي تبتسم، أخذ قطعة من الخبز الحار وصار يمضغها متجهاً الى غرفته ليرتدي ملابس الخروج. تنهض أمه العجوز بصعوبة من على السرير  معصوبة  الرأس وهي تأن من آلام الركبة والمفاصل. الأولاد بعدهم نيام لم يصحوا ، فالدوام في المدرسة لم يبدأ بعد. يجلس الثلاثة مفترشين الأرض على صينية الأفطار المكونة من جبن جبلي من حليب الماعز وعسل أسود تشتهر به تلك المنطاق وبيض مَقلي على دهن حر من دجاجات المنزل وخبز حار طري. ينهض خيري من على الصينية مودعاً زوجته ومقَبلا رأس أمه التي تذكره أن لا ينسى مسُكن المفاصل حيث لم يتبقى في العلبة سوى حبتين وهي لا تقدر بدونه، يحرك رأسه بالإيجاب وينطلق الى عمله في المستوصف الصحي الصغير للقرية البعيدة على الحدود العراقية السورية التابعة من الناحية  الادارية  لقضاء سنجار ، والتي يقطنها عدد قليل من السكان القرويين الطيبين يأكلون ما يزرعون وما تجود به الأرض من خيرات، ويشربون ما يخمرونه من كحول بلدي مُعتق ، كأن العالم قد نسيهم هناك في هذا الجيب الجَبلي البعيد.
 عند حلول الظهيرة  يعود خيري الى بيته الطيني المكون من غرفتان صغيرتان واحدة له ولزوجته مع أبنتهم والاخرى لأمه وأولاده الأثنين بالاضافة لصالة جلوس أكبر من الغرف قليلاً ، وفي الفناء الخارجي حضيرة متوسطة الحجم لتربية الدجاج مع معزتين وثلاثة خراف. فكل بيوت القرية السبعة والاربعين هي من الطين المخلوط بحليب الماعز، حيث يكون في الصيف بارداً وفي الشتاء دافئاً. يفتح خيري الباب الحديدي الأخضر المتأكل عند الحواف ويدخل الى المطبخ حيث تعد زوجته طعام الغداء وأمه في الباحة الخلفية للبيت تُطعم الدجاجات من بقايا فُتات خُبز الصباح، وأولاده الاثنين يلهون مع الديك الذي بات يعرفهم ويحبّ أن يلعب معهم ويُشاغبهم دون أذية. أبنته الطفلة ذات السنة والنصف والشبيهة بأمها تجلس على قطعة من صوف الخروف وتراقب حركات والدتها الرشيقة. حين ترى بفرين خيري وهو يدخل عليه تنفتح أساريرها وتأخذ من يده أكياس الخُضار والفواكه ، يبتسم لها وهو يأخذ أبنته من الارض ويقبلها من وجهها وهي تضحك مسروره ،تطلب بفرين من زوجها أخراج جاني الى أشعة  الشمس لحين الأنتهائي من أعداد الطعام.
                                ***
بفرين أمرأة في السابعة والعشرين من العمر تملك قدر كبير من الجمال ، بيضاء البشرة من الولادة وعلى هذا الأساس دعوها بفرين الذي يعني الثلج ، متوسطة الطول لها عينان زرقاوان كبيرتان، وشعر أسود داكن ، يقُال أنها ورثتهم من جدّ أمها حيث كان بهي الطلعة حسن الوجه طويل القامة ذوْ ملامح حاده، يُحكى في القرية على لسان كبار السن  أنه جاء من تخوم أرمينيا على حصان أشهب مع مال وفير من ليرات ذهب رشادي وأستقر في هذه القرية البعيدة بعد أن تزوج من ثلاث نساء أحبهم جميعاً  وأنجب منهم ذرية كبيرة.
 إلتقت بفرين بزوجها خيري أول مرة في عيد رأس السنة سري صال في مزار شرف الدين شمال جبل سنجار صدفة ، فأبتسمت له وأبتسم لها وأرخت العينان الواسعتان الى الأرض علامة الحياء والخفرْ، في تلك الساعة دقْ القلبان معاً في نفس الوقت. لم ينم خيري ليلتها ، وظل يفكر في الفتاة ، الى أن طلع الصباح وأخبر أمه ما جاش في صدره من حب في عيد رأس السنة ، لم تدخر باران الوقت فذهبت برفقة أختها وعمْ خيري الكبير الشيخ بركات علي شمو لخطبتها ، فوافقت بفرين دون تردد. مع أن خيري شاب قصير القامة صغير العينين معقوف الانف في  السادسة والعشرين من العمر وهي بنت الثامنة عشر ، ولكنها أحست أنه طيب القلب نبيل المشاعر ونقي السريرة ذوّ نفساً صافية ويحبها كثيراً ، وفعلاً  لم يخيب ظنها.  بعد أقل من شهر تمت المراسيم ، ودقت الطبول وصدحْ المزمار العالي في وسط القرية ، وذبُحت سبعْ خراف سمينة  لأطعام  الناس والضيوف الذين جاءوا من البلدات والقرى المجاورة للمشاركة في العرس ، كل واحد يحمل معه ما تيسر من هَدايا أكراماً للعريس وحباً فيه. هكذا كانت العادات والتقاليد في تلك النواحي. تم كل ذلك في نهاية ربيع عام 2001.
خيري  هو الأبن الثالث في ترتيب الأسرة من الزوج الثاني ، فأمه باران كانت متزوجة من رجل أخر ، مات في البرية  مسموماً حيث لدغته أفعى صغيرة سامة وهو  يجمع فطر الكمأ في موسم الربيع. لم تفلحْ محاولات أصدقائه في أنقاذه فمات مُخلفاً ورائه أرملة شابة مع فتاتين كانت الكبيرة في السابعة والاخرى في الخامسة من العمر. ظلت باران عازفة عن الزواج الى أن تقدم إليها درويش علي شمو أبن خالة زوجها الاول وصديقه الحمَيم بعد ذلك الحادث بسنة ونصف ، كان درويش متزوج من واحدة أخرى ولم ينجب منها ذرية ، لم يشأ أن تتربى بنات صديقه وابن خالته في كنف رجل غريب ، فاعتنى بالفتاتين مثل بناته الى حين تزوجا. أنجب من باران بعد الزواج بعامين ولد أسماه خيري وبعد ذلك بسنة فتاة  ثم فتاة أخرى.
في شتاء عام 1986 والثلوج تُغطي قِمِم الجبال البعيدة ، والليل في الهزيع الاول منه حيث كان جميع  أفراد العائلة مجتمعين حولة نار المدفأة الخشبية يتحدثون ، والاولاد  يلعبون، والأب يُقلب ثِمار الكستناء التركي على القطعة المعدنية التي كانت فوق المدفأة  بمخرز حديدي ويثقشرها ويوزعها  على أبنائه.
فجأةً يدق باب البيت الخارجي بقوة  فينقبض قلب باران وتمسك يده راجيه أن لا يذهب، فقد أحست أن كارثة سوف تقع هذه الليلة.  ولكن هو مسحَ يدها بهدوء وأعطاها المخرز الحديدي،  وأسرع الى الباب ، سأل عن الطارق قبل أن يدير العروة، فجاءه صوت  صديقه شوان حجي كئيباً ، حين فتح الباب رأى صديقه مع مختار القرية وأثنان في زيّ مدني وسيارة لاندكروزر بيضاء اللون موحلة واقفة تنتظرهم مع السائق. حين شاهدهم  درويش هكذا دهمته الحيرة وأرتبك فقال بعد أن جال نظره على الجميع تفضلوا الى الداخل ، فقال واحد من العناصر مباغتاً ، "شكراً  لك ، هي شغلة دقائق" ، تدخل المختار على عجل  وهو مكَفهر الوجه حزين من لا حول ولا قوة له، الجماعة من معاونية أمن سنجار يودون أن يستفسروا منك على بعض الأمور ، أستغرب خيري من هذه المفرزة في هذه الوقت ، فهو حسب علمه لم يخالف أمراً طوال حياته، ولم يقع في آي مشاكل مع الحكومة ، صحيح هو غير منتمى لحزب االبعث ولكن ليس ضده على أية حال ، وهو في سراية الدفاع الوطني (الفرسان)  حاله حال كل أقرانه وكل رجال القرية ويحمل هوية خضراء اللون مختومة بالاحمر على صورته الشخصية تُثبت ذلك. وهو في لَجة أفكاره شارد الذهن،  قاطعه صوت عريض أجش ذوّ لكنة عربية  قروية  لعنصر الدورية ، قائلاً له بهدوء شاخصاً الى عينيه ، لا تقلق هي مُجرد أسئلة وأستفسارات بسيطة نأخذها منك في المعاونية وتعود الى بيتك بعد ساعة.  كان العنصر المتكلم أسمر الوجه ضعيف البنُية  يكاد ينقطع من الوسط ، ذو نظرات حادة مُخيفة ، أسنانه مُصفرة من دخان السكائر، نظر درويش الى المفوض فتوجسه الشك والريبة، ولكن ما العمل فليس باليد حيلة ، فانصاع للأمر وطلب من المفوض أن يرتدي ملابسه فقد كان بملابس البيت، فسمح له العنصر بالدخول ولكن دون تأخير وأشعل سجارة مطأطأ رأسه نحو الأرض، دخلَ خيري الى البيت ممُتقع الوجه يكاد يخلو الدم منه، فسألته زوجته ما الخطب فقال وهو تَائهِ البال حائر الفكر ، إن أمن سنجار يطلبوني للتحقيق سوف أذهب معهم وأعود بعدة ساعة انتِ أغلقي الباب جيداً وأطعمي الاولاد لن أتأخر سوف أعود قبل منتصف الليل ،أخذ فروته الصوفية ومحفظة  نقوده وخرج. أجلسوه في الوسط وأحكموا أقفال الأصفاد على يديه ، كأنه مجرم خطير، وقبل أن يتحرك السائق تلاقت نظراته بنظرات صديقه شوان عبرَ نافذة السيارة وعلى ضوء مصباحها ، فازادد أضطراباً وتوجس قلبه خوفاً ، لم يرى شوان كما رآه الليلة وبتلك النظرات النصف مُغمضة. سارت السيارة بهم بتمهل على الطريق الترابي قبل أن تنطلق مسرعة في الشارع العام. في ذلك المساء الرهيب وفي غرفة باردة من الطابق الثاني في معاونية أمن ناحية سنجار أجريت معه التحقيقات ألاولية حول أتصاله مع مجموعة تنتمى للحزب الشيوعي ، أنكر درويش كل التهُم الموجه إليه وقال أنه لا يعرف شيئاً عن هذا الموضوع ولم يسمع عنه في نواحي قريته ، نظر إليه الضابط بأشمئزاز وقال وهو ينقرّ بأصابعه الأربعة على مكتبه  نقرات خفيفة (راح أخليك تحجي ياحيوان ) ، وخرج ، بعد قليل دخل عليه رجلان ضخمان  فضربوه بشدة وعذبوه كثيراً وحين أنزلوه من على المروحة السقفية وهو يصرخ من الوجع قال كلمة واحدة والدم يسيل على  شفتيه ما هي تهمتي، فأجابه المفوض بحقد بالغ قائلاً ، التخابر مع سورية الدولة العدو للعراق والحزب والثورة وتشكيل نواة حزب شيوعي ثم بصق في وجهه، لم يعلق على  آي شيء فقد أيقن أن واحدة من هذه التُهم الملفقة تُؤدي الى غَياَهب السجون والمُعتقلات والأعدام. بعد قليل دخل الضابط  الخَفر وهو يتجه الى مكتبه وقال دون أن ينظر إليه الأن يجب أن توقع على أعترافتك ونشاطك السياسي المعارض ونفخ دخان سكارته في وجه خيري ، بيدّ ترتجف أمسك القلم ووقع على الورقة البيضاء التي سقط عليها نقطة دمْ صغيرة  كانت على طَرفَ شَفتَيِه لم ينتبه لها الضابط. مشى به المفوض  الى غرفة  التوقيف ، وقبل أن يُغلق الحارس الباب الحديدي الثقيل ويسحب المزِلاج الفولاذي . قال له المفوض وهو يبتسم بخبث ظاهر، تعرف من وَشَى بك ؟ صديقك الحَميم شوان ، وأغلق الباب بقوة وخرج .  في ذلك المساء الشتوي البارد ، جلس خيري على أرضية الغرفة وحيداً وهو يأن من التعذيب والألم، يفكر بكلمات المفوض التي قالها عن صديقه ،هل صحيح هو الذي وَشَى به ، ولكن لماذا ، فهو حقاً ليس لديه أي علاقة بكل هذه التهم وبعيد كل البُعد عن السياسة ويكرهها ولا يعرف شيئ عن الشيوعية والشيوعيين، ولكنه لاحظ في الفترة الاخيرة بعض التصرفات الغربية على شوان ويتحدث عن الثورة الاشتراكية والماركسية وشاهد في يده كتاب صغير الحجم أحمر اللون قرأ عنوانه العريض على الغلاف السميكّ، المادية والمذهب النقدي التجريبي وفي الأسفل لينين ، ولكن لم يُعير للأمر آي أهمية ولم يخطر على باله ابداً أن هذا النوع من الكتب ممنوع من التداول. أيقن بعد فوات الاوان أن شوان صديقه العزيز جعله كبش فداء وشوان هو الشيوعي الحقيقي. أصابه دوار شديد ، وبات يُفكر في أولاده الاطفال وزوجته ، ومصيره المجهول الذي لا يعرف أحد أين سيكون وكيف سوف ينتهي مع هؤلاء الذئاب ، فصار يبكي من الحسرة والألم والغبُن الذي لحق به وهو البريء ، حتى الحارس سمع صوت نحيبه العالي، وتبلل ثوبه الدامي  بدموعه الحارة حتى جفت المقلتين من العبَرات. هنالك في ذلك الركن من التوقيف أقصى العراق كانت صورة للرئيس المُفدى مُعلقة فوق رأس درويش ، جالساً القرفصاء يشرب الشاي في بيت من القصب وهو يبتسم في كبرياء وشمُوخ يُدخن  السيكار الكوبي الثمين.
 فجر اليوم الثاني رُحل درويش الى مديرية أمن نينوى وبعد ذلك بثلاثة أيام الى دائرة الأمن العامة في بغداد ، هناك حُشر بين مئات المساجين والمُعتقلين، لم يسأله أحد عن تهمته، وبعدة شهرين   وجُهت له تهمة التخابر مع دولة معُادية وأنشاء خلية شيوعية، وقع على هذه الافادات أمام قاضي التحقيق في محكمة الثورة وأغلق الملف نهائياً ولم يُحقق معه أحد بعد ذلك، تحول درويش خلال هذه الفترة  بين مديرية الامن العامة ، ومعتقل الرضوانية. وبعد رحلة طويلة من العذاب والمعاناة أستمرت أربعة عشر عام فارق الحياة في أقبية سجن أبو غريب ، ولم يعرف به أحد ، ولم يتوصل شخصاً الى مكانه ابدأ، دُفن مع كثيرين في مقبرة جماعية على نواحي صحراء الرمادي.
                           ***
خلال هذه الفترة مرت الأعوام ودارت الفصول ، وأنهى خيري دراسته المتوسطة ثم الاعدادية في قضاء سنجار بمعدل مقبول وتم قبوله في معهد التمريض والطبابة  في مدينة الموصل ، يسكن في غرفة  مع طلاب من نفس المعهد  وفي عطلة نهاية الاسبوع يعود الى قريته ، الى أن أنتهت الدورة التدريبة بعد سنتين ، تعين بعدها في مستشفى قضاء تلعفر العام  ونقُل بعد سنة ونصف الى مستوصف القرية. تزوجت أختاه وشقيقتيه ، وأصبحت أمه عجوز مُسنة ، ونُسيا الأب ألا من قلب الأم ، فقد كانت تنتظر عودته وتشعر في قلبها  أنه ذهبَ ضحية دسائس دنيئة ليس له علاقة بها  ،وكل ما تتذكر تلك الليلة المشؤومة من ذلك الشتاء البعيد، تعود الى فتح تلك العلبة المعدنية التي بها حبات الكستناء وهي ملفوفة بقطعة قماش بالية من أثر الزمان مع المخرز الحديدي ، تنظر اليهم ثم تسكب الدموع متُذكرة ما حصل تلك الليلة البعيدة.
 سارت كل الامور طبيعية في تخوم تلك القرية المنسية.  وأخذت حصتها من الحصار الصعب الذي ضرب البلد من أقصاه الى أقصاه ، والذي كان بسبب تهور قائد مجنون  تصور أن العالم سوف يسامحه على تصرفاته وحمقاته. فبان في  تفاصيل الحياة اليومية للناس من قلة في الدواء والغذائية ، وشحة في  المواد الاولية. الى أن أنقضى ذلك العصر المرير وفتحت حقبة جديدة من زمان أفضل ، أو هكذا كانت الناس تتصور حيث دخلت الجيوش الغازية بأساطيلها وبساطيلها حضارة ميزوبوتاميا العريقة ، وسقط القائد المعبود من عليائه وكبريائه وبان الكذب والخداع على وجوه الرفاق ، ففر الكل وإنهزم الرئيس المقدام. وتغيرت البلاد وتشتت العباد وأصبح العراق  مرتع لكل اللصوص والسراق. كل هذا والقرية المنسية لم تتغير ، كأن ساعة الزمان قد توقفت فيها. حصل بعض التحسن في المعيشة ولكن النسق العام للحياة ظل كما هو. بعض شبان القرية أنخرطوا في الشرطة المحلية وأخرين في صفوف الحرس الوطني وقوة البيشمركة الكردية ، ومنهم من ترك البلدة وهاجر الى البلاد البعيدة حيث يحلمون أن الأمل والفردوس المفقود هنالك. كل هذا تمّ خلال عقدّ واحد فقط. ظل خيري في عمله الطبي وطرأ تحسن كبير على راتبه الشهري ، حيث أثث البيت من جديد ودهنه وأشترى تلفزيون كبير، وكان في نيته أن يوسع البيت من الجهة الخلفية حيث ضاق بهم المكان بعد أن رُزقت زوجته  بمولودة ثانية.  ولكن حصل  ما لم  يكن في الحسبان والتوقعات أبداً ، حيث  سقطت محافظة نينوى  ثاني أكبر مدينة في العراق ذات المليون والنصف نسمة ، وأنهارت دفاعات الجيش والشرطة الكبيرة مثل بيادق ورقية  خلال  ساعات  ، ودخل الأرهابيين الأسلاميين المُتشددين الى كل نواحي المدينة ، كان ذلك في 10 حزيران 2014. وبعد ذلك بأسبوع تمت السيطرة على كل مفاصل ودوائر المحافظة والبلدات التابعة لها ، وباتّ الارهابيين يزحفون الى جهات الشمال والجنوب والشرق والغرب ، والحصون والوحدات العسكرية  تتهاوى أمامهم كأنها صُنعِت من رمال، ورايتهم السوداء ترفرف عالياً فوق مركباتهم الحديثة، الى أن وصلوا الى قضاء تلعفر في 19 حزيران، وسيطروا على المدينة بعد معركة خاسرة مع لواء العقرب الذي  كان يمسك بزمام الامور في تلك النواحي بقيادة اللواء الركن (محمد القريشي ابو الوليد). أنتهت  المعركة في 22 حزيران  بهزيمة القوات الحكومية وفرار اللواء، منُسحبين تاركين المدينة تغرق في الفوضى والخراب على يد تنظيم داعش، الذي أنتهكها وأستباح حرمتها. في هذه الفترة واصل تنظيم  الدولة الاسلامية تقدمه الى باقي أجزاء المناطق المتُاخمة للحدود العراقية السورية، فدخلوا قضاء سنجار في صبيحة 3 أب  2014. منسحبة من أمامهم القوات الكردية والجيش الوطني والشرطة المحلية،  فعاثوا في الارض فساداً وسرقوا البيوت وخطفوا النساء والفتيات وتم سبيهنّ، قتلوا الرجال الشباب أين وجدوهم  دون رحمة أو شفقة ، في مجزرة مُروعة. أصبح الهواء والتراب في تلك النواحي ممزوجان بدماء الناس الأبرياء ، وفزعْ الناس وخافوا، فهرب من أستطاع الى  نواحي الجبال القريبة ، مخُلفين ورائهم  القتلى  والنساء المسبيات.
 ألاخبار المُفجعة والكارثية تأتي سريعة ،وصوت أزيز الرصاص تحمله الرياح الى بقية القرى، والناس مُصابة بالفزع والخوف الشديد. وسكان القرية المنسية الفقراء يتخبطون في لجة  أفكارهم ومخاوفهم وماذا سوف تؤول له الساعات القادمة ، أخبار الفتك والقتل والسحل والاغتصاب المأساوية بأقربائهم في سنجار وباقي البلدات تصلهم متعاقبة من سيء الى أسوأ . هم الأن بين فكي كماشة ، والحصار مُطبق عليهم فحتى الحدود السورية المجاورة لهم تحت سيطرة تنظيم الدولة ، والكثير من القرى العربية المتاخمة لهم تؤيد التنظيم الأرهابي، فظلت الناس تتوجس شِراً وترتعش خوفاً.
مع حلول ظهيرة اليوم التالي ، وشمس آب الصيفية تِحرق الأرض وما عليها  وتُحول الحجارة الى حِممْ مُلتهبة ، دخلت ثمان سيارات رباعية الدفع ، يعلوها رايات سوداء تُرفرف في الهواء الحار، وأحاطت بالقرية التعيسة وظلت تدور وتدور مشكلة حلقة من الغُبَار الكثيف تحجب الأنظار وتغطي عينْ الشمس. الناس من شدة  الهلع والخوف بدأت تفر بكل الاتجاهات بدون هَدىَ ، ورشقات الرصاص الكثيف تُعبئ الجو وتخلق فوضى عارمة. في ظل هذا السَّعير المَحتدم أتجه القرويين  نحو الجبال القريبة يحتمون هنالك، ولكن فتكْ وقتل  عناصر داعش لهم كان أسرع منهم ،  فحصدوا من الارواح البريئة الكثير، وقتلوا العُزَّل من الرجال  والعجائز من النساء في باحة القرية.  الفرار أصبح صعب ، وبات الناس يتخبطون في مشهد مُرعب لا يعرفون ماذا يحدث لهم، الصراخ والعويل يعلو كأن يوم القيامة قد دَنا. حل الرعب والخوف في عائلة خيري وحاولوا الفرار باتجاه الجبل والاحتماء به لفترة الى إنِجِلاء الأمور. ولكن عندَ الخروج من  البيت  الطيني ، وخيري يدفع  أبنه أمامه ومن ورائه أمُه العجوز تجِرَّ حفيدها البكر ممسكا بيده ، وورائهم  بفرين تلفّ الطفلة الصغيرة على صدرها بقوة. عند الباب الخارجي تعثرت الأم  ساقطة على جانبها الأيمن مُتعثرة بالدكة ، فصرخت مستغيثة أسرع خيري إليها وساعدها على النهوض وأستأنفوا الجري. في أثناء ذلك شاهدهم الارهابيين وهم يركضون مرعوبين فصوب أحدهم مدفعه الرشاش من على سيارة البك أب ورشقهم  بزخة من الرصاص فأردوا خيري على الفور قتيلاً ، سقط على الارض وهو يحمل أبنه ذوّ السبع أعوام بين أضلعه . حين رأته أمه وزوجته يُقتل أمامهم  قامتا بالصُراخ والعويل والضرب على  رؤوسهن. دارت حولهن ثلاث سيارت رباعية الدفع وهن في وسط دائرة من التراب تعمي البصر وتشل الحركة ، نزل الاوباش عليهم مثل ذئاب جائعة تُشاهد حملان مُرتعبة ، وقفوا فوقهم مصوبين بنادقهم على رؤوس النساء ، قال أحدهم مخاطباً الجموع وعيناه تقدحان شر، نأخذ الفتاة ونقتل العجوز مع الغلام ، فأجاب واحد من الواقفين، دعّْ  العجوز لأنها حتماً سوف تموت من الحر  ، أو تأكلهم الكلاب عند حلول الليل، لنأخذ المرأة ونرحل. وافق الأول وسحب بفرين من ساعدها ، ولكن أبت أن تنهض وقاومت بكل بقوة ، أستغرب هو من شدة عنَادها فصفعها بكفه الكبير على وجهها ، نظرت إليه نظرة أحتقار وبصقت عليه ، فاستشاط غضباً وجن جنونه فركلها برجله على بطنها، وأمر مجموعته أن يحملوها الى السيارة ، ظلت بفرين  تصرخ  وتبكي وتجلجل عالياً ولم تدع أبنتها تنفلت منها ، رموها بقوة في حوض السيارة الخلفي ، وساروا يحصدون المزيد  القتلى الأبرياء ، تاركين جثة خيري وأمه والولدان. رحلوا بعد أن عاثوا في القرية فساداً وأخذوا منها النساء والفتيات سبايا لهم ، وسرقوا كل ما يمكن حمله من أثاث ونقود وذهب التي أعتبروها غنائم حرب ، متجهين الى قضاء تلعفر الذي أصبح مقر عمليتهم ومركز إنطلاق الى تلك القرى ونواحيها.
                              ***
 في أعدادية للبنات وسط القضاء، زجوّا بالسبايا  كمجموعات في كل صف ، وأوصدوا الابواب عليهم وهنَ يبكين ويصرخنَ من الهلع والرعب.
في ذلك النهار الدموي والتاريخ يكتب سفره الجديد من المأساة الإنسانية في هذا القرن، وبعد مغادرة الأرهابيين المكان  ظلت باران مُغمى عليها وهي جاثمة فوق صدر أبنها ، والصبي الذي كان بيدها يُداعب شعر جدته يُحاول إيقاضها. عند حلول العصر عمْ  الهدوء في القرية بعض الشئ ، فرجعت مجموعة من الرجال الذين هربوا بتجاه الجبال والتلال القريبة لإنقاذ ما تبقى من النساء المختبأت وأجلاء الجرحى، فوجدوا العجوز وأبنها المقتول عند أول القرية قرب دكاكين البقالة القليلة ، أرادوا أخلائها هي والصبي من المكان كي لا يعود المجرمين ويقتلونهم أو تأكلهم الذئاب أوالكلاب عند قدوم الليل ، مدّ واحدا من الشبان ذراعه محاولاً  سحبها ففتحت عينيها وأستفاقت من غيبوبتها ونظرت حولها مُتشبثة بجثة خيري وهي تبكي وتصرخ  تأبى أن تترك أبنها الوحيد مرمي هكذا على الارض ، ولكن صُراخ أحد الرجال الذي فقد زوجته وقُتل أبنه ، بدأ يضرب على رأسه ويصرخ ويُمزق أسماله البالية بشكل هستيري غطى على بكاء الأم . تم أخيراً وبقوة فصلها عن خيري هي والولد الباقي على قيد الحياة. قبلَ المغادرة وفي ظل هذه المأساة المُروعة ومع أنكسار أشعة الشمس الحارقة لمح أحدهم  طفل مرمي بين أحضان جثة أبيه وهو مُعَفر بالتراب لا يكاد يبين ، فارتمى عليه محاولاً جره ، ولكن حين شاهد جماد عيني الطفل المفتوحتين وأزرقاق الشفتين ، إيقن أنه قد قُتل هو الأخر مُصاب بطلق ناري أثناء الهروب. ففارق الإثنَين الحياة  معناً. قال واحد من المجموعة لننهل عليهم بعضاً من التراب ونرحل فقد حل المساء. أخذوا العجوز والصبي الذي كان معها  وتجه نحو الحدود السورية ، لتبدأ من هنالك معاناة جديدة.
                             ***
عند صبيحة اليوم الثاني من الهجوم على القرية المنسية ، وفي مدرسة اعدادية البنات ، فتح الارهابيين أبواب الصفوف وأخرجوا النساء السبايا الى باحة المدرسة ، وصفوهم على شكل مجموعات. كل مجموعة مكونة من سبع فتيات مربوطين معاً بسلاسل حديدية عند الاقدام وأوقفوهم جميعهم على خط  الاصطفاف الصباحي، وكان عددهن يُقارب الستين جميعهن من القُرى المحيطة بالمنطقة. وقفنَ في الباحة الخارجية وهن يرتعدن خوفاً. بفرين كانت واقفة أخر الصف تقريباً وهي مشدوهة من الصدمة لا تعرف ماذا يحدث لها  وأين الان هي حماتها وما حل بجثة زوجها وأين أولادها. الطفلة الصغيرة نائمة على صدرها  من شدة الجوع والتعب. على هذه الصور المأساوية أنفتح مذياع أدارة المدرسة وتكلم  صوت أجَش ثقيل، عَرف النساء أنهم الأن في ظل دولة خلافة المسلمين وتحت حمية الخليفة أبي بكر البغدادي ، الذي بايعه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها خليفة عليهم ، وأنه يحكم الناس بالعدل والقسطاس ويوصي السبايا أن يطيعوا أمر الله ورسوله والمقاتلين المجاهدين الذين يريدون إعلاء شأن الاسلام والمسلمين ورفع راية الله عالياً ، وبعد البسملة والتعوذ بالله من الشيطان قام المُتحدث بقراءة سورة النساء  وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. وسط تكبير وتهليل المقاتلين الذين بدأوا يرفعون بنادقهم في الهواء ويصرخون بصوت عالي الله أكبر الله أكبر. مع هذا المشهد المُثير والمُحفز للمقاتلين نزلت مجموعة منهم تختار لهم سبايا حسب الشريعة والفتوى التي أطلقها لهم شيخهم. بعض النساء رفضن الذهاب مع المقاتلين فتم جرهن بالإكراه ، والاخريات سحبوهم من السلسلة الحديدية التي في يديهم وأرجلهم، في ظل صراخ وعويل يمُزق عَنان السماء  والمجاهدين  يضحكون مسرورين بهذه الغنائم. الى أن وصل الدور أخيراً الى بفرين التي لفت وجهها بشال أبيض كان معها من  ليلة  أمس، وحين أقترب أحدهم منها وشاهد بياض البشرة والقوام الرشيق ، طاب قلبه لها واشتهاها ، مع أن ثيابها كانت موحلة وعيونها حمراء من البكاء ، ووجهها مكروب من الالم. ألا أنه رغبَ بها فشدها من ساعدها الأيمن، ولكن أبت هي أن تتحرك كأنها مسمرة في الارض، فشدها بقوة أكبر الى أن أستيقظت الطفلة التي كانت نائمة وقامت بالبكاء. حين شاهد الرجل صُراخها وعنَاد الأم، دفعها الى الخلف بذراعه فتهاوت على الأرض ساقطة وهي تحاول حماية أبنتها من الارتطام، وقفزّ عليها  مثل المجنون يُريد أن يأخذ البنت الصغيرة ، ولكن صوت ثقيل جاءه من الخلف قائلاً  له ، أتركها لي ، نظر الاخير في عين صديقه بحزم وقوة ، وقال بعربية ركيكة تشبه تلك التي يتكلم به المقاتلين الأفغان ، لم يشتد عودك بعد تحتاج الى تدريب أكثر، وصرخ  بوجهه  تدنا جانباً. طأطأ الاول راسه ووقف على جنب ، ذهب إليها الثاني بهدوء وعيناه تقدحان شرارة وغضب من وسط وجه مُغطى معضمه بالشعر الاسود الفحمي. مد يده الكبيرة يُريد أن يأخذ الطفلة ، ولكن حين شاهدت بفرين كل هذا  الشر يتطاير من الوجه القبيح  تشبثت بأبنتها  أكثر ، ولكن كان هو قوية البنية بشكل كبير، ففتح ذراعها بيد والتقط بيده الاخرى الطفلة وأخذها وسط صراخها وبكاء أمها الذي بدأ يعلو في المكان مما أسترعى أنتباه الموجودين هناك محّولين أنظارهم إليها. أمام هذا الحشد وهذا الصخب وتوسلات الأم وبكائها الذي يفلق الصخر رفع الارهابي الطفلة في الهواء عالياً بكلتا يديه وشدها الى الوراء ورماها بكل ما أوتي من قوة  الى إحدى الأعمدة الاسمنتية ، فارتطم رأسها الغضّ به وتمزقت جمجمتها وتناثرت على الأرض أشلائها مع جريان دمائها. ساد سكون قاتل له رائحة الموت لدقائق، بعدها عاد التكبير والهتاف. نظر القاتل الى ناحية الاول وقال له وهو يلهث ، أنها لكَ الأن فخذها. حين شاهدت بفرين ما حدث لإبنتها صرخت ومزقت الكون من شدة الالم والوجع وزحفت بتجاه العامود  تُريد لملمت بقايها المتناثرة بين بُرك الدماء ، وهي تضرب على رأسها وتمزق ثيابها التي تلطخت بدماء طفلتها، الى أن جاءها الداعشي ذوّ الملامح الشيطاني وجرها من شعرها حاولت  أن  تركله وهي تصرخ وتضرب على صدرها ودماء أبنتها على وجهها وبين ثنايا أصابعها ، ولكن خارت قواها وغابت عن الوعي فسحلها من شعرها جاراً خلفها خط عريض من الدماء الى أن وصل غرفة فراش المدرسة ففتح الباب وأدخلها وأوصده عليها بأحكام وذهب. كانت غرفة الفراش صغيرة في ركن المدرسة تحتوي على بساط أحمر قديم تعفن من شدة الرطوبة ، وتلفزيون صغير نوع قيثارة ، ومدفأة علاء الدين مركونة عند أقصى الزاوية، وبعض الوسائد والبطانيات تعود الى أصحاب المكان. ضلت بفرين هناك مغشياً عليها فاقدة الوعي بكل ما حولها.
عند الهزيع الأخير من  الليل جاءها الشخص ذو الوجه الشيطاني واللحية السوداء نفسه ، فاتحً الباب بهدوء متسلسلاً الى الداخل. نظر إليها وهي فاقدة الوعي غائبة عن هذا العالم، فأخذ وسادة قذرة كانت هنالك ووضعها أسفل الظهر ونزع عنها ما يسترها من ثوب خارجي ، وحين وصلت يداه الأثمة الى السروال الداخلي إستيقظت بفرين وفتحت عيناها فشاهدت وجه قبيح وقد أخرج لسانه ذوّ الشقين يلعق وجهها، تجمدت من الخوف والرعب وأختلطت عليها المشاهد والصور بين أجزاء أبنتها الممزقة قبل ساعات وهذا المسخْ القبيح فلم تستطتيع ان تُحرك ساكن وظلت جامدة كالصخر، فخلع عنها السروال الداخلي الطويل ، وكممْ فمها بيده الأخرى كاتماً أنفاسها كي لا تصرخ ، بعدها أخرج قضيبه من مخدعه ، ووضعه بين أفخاذها محاولاً أن يولجه فيها ، ولكن القضيب ظل ساكن كأن الدماء فرت منه أو كانه حبل مُبلل بالماء ، حاول مرة ثانية وثالثة ولكن دون جدوى، فأدخل الأصبع الوسطى داخل مهبلها وواصل اللعب به دون أن ينتصب قضيبه، واصل لمس صدرها الغضّ ولكن دون فائدة الى أن استعادت  بفرين بعضاً من قواها الخائرة، وجمعت ما يمكنها من لعاب في فمها وبصقته في وسط وجهه بكل قوة. حين شاهد هو ذلك لم  يتكلم أو يفعل شيء مسحَ البُصاق بأكمام سترته ونظر الى القضيب الميت وتأكد من أنه عنين عاجز فتركها على هذا الوضع وخرج مغلقٍ الباب عليها. سحبت هي السروال قليلاً الى الاعلى وسترت جسمها، وأذرفت دموعاً حارة كانت هي الباقية تسيل على خديها في خط محفور من الشقاء والبؤس الى أن لاحت تباشير الفجر، ودخلت أشعة الشمس عبرَ النافذة الصغيرة. أستجمعت كل ما تبقى لديها من طاقة ونهضت واقفة تبحث في أركان الغرفة، فلمحت المدفأة النفطية ، هرعت إليها وفتحت الخزان ، كان مملوءاً الى النصف تقريباً ، رفعت الغطاء المعدني وأفرغت المادة الحارقة على ملابسها فبلل الجزء الخارجي. جالت بنظرها في محيط الغرفة عساها أن  ترى علبة الكبريت ، ولكن لم تجد شيئاً ، قَلَبتْ الوسائد والبطانيات بقلب مفطور جريح ولكن دون جدوى ، نظرت بتجاه التلفزيون فلمحت علبة الكبريت ، فهرعت إليها وفتحتها رأت بداخلها أربع أعواد ثقاب ، شعلت الاول ولم يحترق ثم الثاني ولم يحترق هو ايضاً ، في المرة الثالثة أشتعل عود الكبريت، نظرت أليه بتمعن دام جزءاً من الثاني ولكن كان بالنسبة لها العمر كله يحترق أمامها وهي تنظر الى اللهب  المُنبعث من العود الصغير، وفي حركة أنتقامية لشرفها وكبريائها ولزوجها المُقتول المرمي في العراء تنهش جسده الكلاب ولأطفالها الأبرياء وحماتها العجوز ، والفرار من ذاتها ومن شرور هذا العالم وقبُحه ، قربت عود الثقاب المشتعل الى ملابسها ، فأخذ الثوب يشتعل بسرعة لإنه كان من قماش الستان والنايلون، أخذت النار تأكل أنحاء الجسم كله ، كأنه بيدر حقل  يابس. ودون وعي منها ومن شدة الألم والوجع تمرغلت على البساط الاحمر فاشتعل هو أيضاً ،واصلت النار في الأنتشار فأخذت الوسائد تحترق ، وشبت النيران في جميع أثاث الغرفة ، ظلت بفرين تصرخ بلا أنقطاع الى أن سمع أحد الحراس الصراخ وأشتم رائحة الدخان المنبعث من تحت الباب. ففتح باب الغرفة والتي أصبحت ألان كورة من نار ملتهبة ، أحرقت ألسنة الهب وجه الداعشي فرجع الى الخلف وهو يلعن.  من وسط هذا اللهيب الحارق والدخان الكثيف خرجت بفرين من الغرفة  وقد أصبحت كتلة من نار مُشتعلة من كل جانب مثل طائر الفينيق يخرج من رماده وينبعث من جديد في ولادة ثانية ، ركضت  وسط الساحة كأنها تُطهر نفسها ، وتغسل عارها بنار الأبدية. هرع متراكضاً من كان  موجود في الساحة من الخوف والفزع ، أتجهت بفرين الشعلة ناحية مقتل أبنتها على نفس العامود ، هناك أنهارت وتكَّومت على جسدها محُتضنة بقايا الطفلة مفارقة الحياة وقد تفحم الجسد بأكمله.
 بعد ساعة ونصف انطفأت النار وسكنت، ذهب إليها خمسة من عناصر تنظيم الدولة ، ونظروا على الجثة وقال كبيرهم ، لندع السبايا يحملون الجثمان ويرمونه من هنا ، فحرام علينا لمسها فهي عاصية وكافرة، وبصق على الجثة  التي ما يزال يخرج منها دخان وذهبوا. جاءوا بعد قليل بثلاث نساء بائسات من الصف المجاور وأمروهم أن يضعوا بقايا الجسد في بطانية كانت معهم ففعلن وهن صاغرات وألقوها في حوض سيارة كانت واقفة قربهم.  أعادوا النساء الى الصف وسارت السيارة الى مكان غير بعيد  أشبه بمكب للنفايات ، نزل أثنان من العناصر وسحبوا البطانية مع  الجسد ودحرجوها على الأرض بأرجلهم  ورحلوا منطلقين.
 عند مغيب الشمس ، وفي ساعة الشفق الكونية، ظهر ضوء ساطع من وسط السمَاء يشبه الشُهُبْ المُذنبة متجهاً الى مكان الجسد المُتفحم وعائداً الى السماء من جديد بسرعة فائقة ، أثار هذا المشهد المُثير أنتباه من كان قريب من المكان ، فذهبت ثلة من العناصر الداعشي  تتفقد الموقع فوجدوا البطانية دون جثمان بفرين. نظر الواحد نحو الآخر بتعجب وأستغراب الى أن قطع الصمت أحدهم باستهزاء قائلاً ، لم تدعها الشياطين ترقد على هذه الأرض فأخذوها الى جهنم  وبأس المصير، فقال الثاني وهو يبتسم،  معك الحق ، ضحك الأخرون وعادوا أدراجهم.

120
المنبر الحر / نهاية كوكب الأرض
« في: 08:00 18/06/2016  »
نهاية كوكب الارض
بقلم/ سلوان ساكو
أذهب الى ساحل البحر القريب ، أعود للبيت ، تعلق في أذني اليُسرى عِنْدَ  الاستحمام حبة من رمال البحر جداً صغيرة  تكاد لا تُبيَّن ، فأتأملها بتمعن وهي تتدحرج ذاهبة الى فتحة تصريف المياه الى مكان معُتم ترتبط في دائرة لا نهائية مع غيرها من الحبيبات. أشرد لحظة من الزمن تجعلني أشُبه  هذه الحبة  بكوكب الارض بما عليها من جماد وحيوان آي كل شيء حي بما فيه الانسان. وأتأمل في شرور هذا الكائن البشري وغروره وعنجهيته الفارغة،  وظلمه الغير متناهي وجبروته اللامحدود في صب جام غضبه على أخيه الانسان البائس. وأتذكر أن شمسنا واحدة من أكثر 200 مليار نجمة في مجرتنا درب التبانة ، ومجرة درب التبانة بدورها واحدة من 225 مليار مجرة موزعة في الكون المرئي ، والأرض بِمَا عليها تتبع المجموعة الشمسية الواحدة من تلك المليارات التي تتمركز فيه الشمس، فإذا ليس هناك كون واحد إنما توجد ملايين من الأكوان في الفضاء الخارجي الذي ليس له بداية أو نهاية،  ومساحات لم يكتشف الانسان منها سوى خمسة بالمئة فقط. والإنسان يبقى أحمق ويظل يتعالى في كبرياء أجوف فارغ، فواحد لا يعجبه مثِلي الجنس،  مع العلم كان هو في السابق واحد منهم ويفعل أفعالهم وأَلْعَن منها بكثير، وليكفر عن ذنوبه يدخل الى ملهى ليلي ويفتح النار من بندقيته الرشاش ويقتل خمسين ويجرح خمسين بدم بارد دون أن يرف له جفن ، كم هو شرير هذا الانسان فيتصور أنه قيم عليهم وعلى أخلاقهم. والآخر يطعن شرطي مع زوجته الشرطية أيضاً فيرديهما قتلىْ دون ذنب سوى أن القاتل شعر لحظةً أنه يحقق الشريعة الدينية التي أفتى به أحد المشايخ فذهب يطبقها في العلن ليصل لجنان الُخلد. والآخر تفطن بعد عمر طويل قضاه في الحياة الدنيا ينهلُ منها ما طاب له من نساء وخمر وميّسر،  شارحاً صدره لكل الملذات الارضيّة  ، وفجأة يشعر انه كان في طريق الظلال والظلام  وصرخات القبور تقلق مضجعه ، وأبواب الجحيم مُشرعة  في وجهه ،  فيريد أن يُكفر عن ذنبه فلا يجد وسيلة اقرب وأسهل الى تحقيق ذلك غير بالحزام الناسف فيكون بذلك قد نال الشهادة وتقرب من حور العين والقضيب الحديدي وأنهار الخمر. عبثية الفرد وازدواجيته في العيش  وتفكيره تجعلان منه نصف أنسان يصل في كثير من الأحيان الى مستوى أدنى بكثير من مرتبة الحيوان ، فالحيوانات تقتل لتعيش ولتكتمل  دورة الحياة في الطبيعة، وليس لفناء الصنف وأنقراضه ، الانسان يقتل ويفتك بإخيه الانسان ليمحوه من على وجه البسيطة ويتمنى بداخل سريرته أن يُفنى هذا الكائن المُسمة إنسان فهو حشرة لا تستحق العيش ويحقق ذلك عبرَ طريقين أما السياسة والحروب أو الدين.
سؤال لو دخلت الأرض بمَا عليه من حمل  في ثقب أسود من تلك الثقوب الكثيرة في المجرة وابتلعها مثل ما ابتلعت فتحت تصريف المياه الثقيلة  حبة الرمل ، هل يشعر أحد بذلك ، وهل يوجد كائن حي يقول كان هنالك  كوكب أسمه الارض من الأصل ، أو هل وجُد من الأساس. نحن لا نتعدى بكل هذا الوهم  والخداع والكذب  الذي نحن به هذه الذرة من الرمال ، ولم نرتوي بعد من دماء بَعضُنَا البعض،  ولم نكف عن تهشيم جماجم بَعضُنَا البعض ، ولم نكتفي بعد من نهّش وتمزيق وأكل أجساد بَعضُنَا البعض على مدار أزمان و عهود وأجيال طويلة ، ونهار لم يرى كسوف الشمس وليل لم يستحي من ضوء القمر ، وجداول تحولت مياهُها  حمراء من دماء البشر ، ووديان تقيأت جسدْ الانسان، وهنالك في البراري عاشت الذئابُ مع الحملان ، وفي الجبال يحلق العقِاب مع الحمام ، ويسير الغزال برفقة الاسد،  والإنسان يظل كما هو لا يتغير ولا يتذكر أنه لن يعيش سوى مرة واحدة على هذه الارض وبعدها يذهب الى العدم.

121
إبتلاء الغرب بالعرب
بقلم / سلوان ساكو
صرحَ وزير الهجرة الأسترالي مؤخراً (بيتر دتون) من على شاشات التلفزيون بتصريح أثار ضجة أعلامية ، حيث خصَ العرب، ويجب الإشارة هنُا أن العرب لَيْس المقصود بهم المسلمين وحدهم كما يتصور البعض، القصد هو كل من جاء من دولة عربية أو من خلفية وثقافة عربية ، حيث قال الوزير ( أنهم لن يكونوا على المام بالقراءة والكتابة والحساب في لغتهم فما بالك باللغة الانجليزية). آي بمعنى أدق أنهم أميون جهلة ماذا نفعل بهم !!!، وكان هذا ردً على اقتراح من حزب العمال المعارض بزيادة عدد المهاجرين الى أستراليا.
يسألني البعض لماذا، تزايد عدد الهنود والصينيين والنيباليين  في ولاية ملبورن بشكل ملحوظ وبوتيرة عالية خاصة في الآونة الأخيرة، آي قبل خمس أو ست سنوات وبالمقابل تقلص عدد العرب من لبنانيين وعراقيين خاصة ، أو قلّ منَحهم حق اللجوء مما أسترعا الانتباه والتوقف والملاحظة. الكثير من الناس والمهاجرين ذوي الخلفيات العربية ، تضن أن اللجوء والهجرة والاستيطان في بلد ثاني هو أمر هين وبسيط وأجراء روتيني، ومجرد ركوب الطائرة والنزول منها لا أكثر. حتى انك تُصادف شخص يقول لك ، لماذا دولة كبيرة مثل استراليا لا تقبل كل العراقيين وهي بهذه المساحات الشاسعة ماذا ينقصها. أو واحد أخر يقول بثقة ، لو كنُت مكان وزير الهجرة لأرسلت طائرات خاصة الى أربيل أو بغداد وأحضرت كل المسحيين الى كندا فهية كبيرة ، ويضن هذا الشخص أن الموضوع بالمساحة والشوارع ، والى ما هنالك من هذه السذجات والأقاويل الغير مسؤولة التي لا تنفع آلا في المقاهي لقتل الوقت لا غير.
حين يُهاجر شخص أو عائلة ما الى دولة أخرى ويستوطن به يكون قد استوفى بذلك كل الشروط المطلوبة، وله كامل الحقوق حاله حال أي مواطن أخر، وبعد المدة المنصوص في اللوائح الداخلية يحصل على الجنسية ، فأنه ومن البداية قد أبرمناهذا العقد مع هذه الدولة المُضيفة ووقِع هذا العقد Forms الذي نحن أسميناه مع دائرة الهجرة عن طريق السفارة أو القنصلية، وهو بمثابة عقد شراكة ينص على جملة واجبات وحقوق ، منها أن نحترم القوانين ونحافظ على السلم الأهلي ، وندافع عنه في الحرب والسلام ، ونصون حق وحرية الآخرين دون المساس بكرامة أي إنسان ، ونكون بذلك مسؤولين أمام القانون والعدالة عن كل مخالفة تصدر منا تخرق هذا الميثاق المكتوب. ولكن ومع الأسف الشديد أن الكثير من الناس حين تطأ  قدمها أرض المطار تنسى العهد وتمزق هذا الميثاق ، ولا تحسب له آي حساب وكأنه غير مبُرم ، فيتصرفون كأنهم في نفس الدولة العربية التي جاءوا منها ونفس الفوضى والعبث ، لا يستوعبون أن البلدان تتغير من مكان الى آخر، والشعوب تتبدل من دولة الى أخرى، والمعايير الاخلاقية نسيبة ، وبذلك يضعون ( العرب) حواجز كونكريتية بينهم وبين هذه الثقافات والشعوب لا يتفاعلون معها. ولكن هناك أشياء لا تعرفها الاغلبية من الناس ولا المهاجرين الجُديد ، ولا يقدرون عواقبها الوخيمة على الفرد أولاً وعلى الجالية ككل ثانياً، فهنالك في كل مكان دوائر ولجان ومكاتب وأشخاص تُقيم وتقدر كل الجاليات والإثنيات والاعراق والطوائف وحتى المذاهب والديانات، وتضع دراسات وأبحاث حولْ هذه الشعوب، وفق قياسات وحسابات تصبّ في مصلحة البلد والأمن القومي والنظام في نهاية الامر. فتدخل المحاكم وأقسام الشرطة والسجون    والمعاهد والمدارس والكليات وشركات التأمين والضرائب، والتهرب منها ، تغطي وتبحث في كل ما يخص هذه الجاليات الوافدة الى البلد، وتقدم بها دراسات الى الحكومة والبرلمان والهيئات العامة ووزارة الهجرة ، وهؤلاء يقررون على ضوء ذلك من يستحق أن يمنح حق اللجوء ومن لا يستحق ، فهم في أخر المطاف لا يريدون مواطنيين أو شعوب لا يحترمون القوانين والنظام والدستور، يعتدون على العامة والأبرياء في وضح النهار كاشرين عن أنيابهم الحيوانية ، مثل ذلك الذي قام بضرب سيارات التكسي بمضرب الهوكي في وسط مدينة ملبورن وحين سألوه لماذا تفعل ذلك قل أنا خليفة أسامة بن لادن في المدينة. ، وذلك المستهتر محمد حسان الذي تجاوز بسيارته السرعة المطلوبة بكثير وهو مخمور فصدم أمرأتان في عمر الشباب وأودى بحياتهم وهو على فعلته غير نادم ، والصورة الثالثة ذلك العربي الذي أعتدى على الكنيست اليهودي وعلى الحاخامات في نفس المدينة أيضاً، في وضع مخجل حقاً. ويتساءل الناس لماذا لا يزيدون عدد التأشيرات بنسبة للعرب ، وتحريك ملفات اللاجئين العالقة في لبنان والأردن.
أخشى أن يأتي يوم نصبح فيه عبء وثقل على أنفسنا أولاً وعلى الدول الغربية ثانياً، لأننا بعيدين كل البعد عن روح العصر وحضارته وثقافته، الى أين نمضي يا ترى ؟ أضعنا الماضي هل نِضُيع المستقبل أيضاً.

122
نقد المجلس والحركة
بقلم / سلوان ساكو
أن مشُكلتنا الحقيقة ليست في الاحداث والمصائب التي تهل علينا من كل حدب وصوب، ولكن في فهمنا العام لها وفهم أصل العلة ومكمن الخطإ ، والإحاطة بالمضمون الأصلي وعدم الإعلاء الوهمي للذات والنفس، هو بذاته التشخيص الصحيح وعين الصواب لكي نرى بوضوح وموضوعية الصورة الحقيقية من حولنا دون رتوش وألوان زائفة. فالأحداث الجِسام والمشاكل الكبيرة والخطيرة التي تمر بها المنطقة والعراق خاصة، والحروب الدائرة رحاها الأن، والمعارك الاخيرة لتنظيم داعش الإرهابي ، وسقوط أجزاء ومناطق شاسعة تحت سيطرتهم ، ليستّ غير نتيجة حتمية وطبيعية لبدايات كانت مقروءة من أصغر محلل سياسي ، ومعروفة نتائجها الكارثية سلفاً من نكسة أنتخابات عام 2010 للكثير من المتابعين للتطورات السريعة والاحداث الخطيرة ،فرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي لم يبقِ ولم يذر على أحد في هجومه الوقح والعنيف ، من طائفة الى مذهب الى دين. أتهم السنة ، الاكراد ، المسيحيين ، التركمان ، الإيزيدين، ضرب الجميع مع الجميع وأتهم الكل بدعم وإيواء الإرهابيين ، العلواني الهاشمي العلاوي الشهواني ، والمالكي هو وحده البرئ من دم أبن يعقوب براءة الذئب. حتى الانتفاضة في الأنبار كانت في بدايتها سلمية وبسيطة ، جلَ المطالَب هي إطلاق سراح بعضاً من معتقلات سجن أبو غريب، ولكن تصدي الحكومة والجيش وميليشيا المالكي لهم بخشونة وقوة مفرطة هيجْ الساحة وأشعل الدنيا بحريق الطائفية والعشائرية والمذهبية ، فدخلت التنظيمات الداعشية والقاعدية وغيرها وأندست بين صفوف الناس والمنتفضين على الظلم ، حيث رأت المناخ ملائم والارض خصبة للعمل ونار الفتنة متقُّدة لهبها يُعانق السماء، فغاصت في وحل الاجرام والقتل والاغتصاب الى الأذنين. وحتى تفجير كنيسة سيدة النجاة ببغداد في 31 ت الاول 2010 والمجزرة المروعة التي حصلت داخلها حيث كل الدلائل والقرائن الحسية والملموسة تُشير بأصابع الاتهام الى حكومة وميليشيات المالكي ، وألا كيف نُفسر أنسحاب المفرزة المكلفة بحماية الكنيسة قبل الحادث بقليل ومن أعطى الأوامر بذلك؟.
الذي يحدث الأن هو تخبَط ولَغَط كبير تقع به الأحزاب المسيحية، من الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا)  والمجلس الشعبي، الى ما هناك من تيارات وحركات يؤيدون التسليح الامريكي، ضمن خطة فات الاوان عليها كثيراً وأصبحت ورقة خاسرة ، وهم آي زعماء هذه الأحزاب ( المسيحية) لا يعرفن أن أمريكا وأوروبا وأسرائيل وحتى دول عربية مثل السعودية وغيرها يسلحون ويمولون ويدعمون الأكراد وقوتهم المسلحة البيشمركة وليس أحد ثاني ، فالأكراد رأس حربة في كل قتال ونزال ، وحصان طروادة بنسبة للغرب يدخلون من خلاله . وموضع ثقة يعول عليه كثيراً، على الأقل في الوقت الراهن ، والمصالح تتطلب هذا التحالف وتوثيق عُراه. السلاح الثقيل والمتوسط يصل أليهم باستمرار ، الأقمار الصناعية وصور التحركات تنظيم داعش مرصودة عبر غرفة عمليات أمريكية أسرائيلية كردية مشتركة ، تنطلق الطائرات المقاتلة من مطار أربيل الدولي لضرب الأهداف في الموصل ونواحيها، التقدم وتحرير القرى والأراضي في محافظة نينوى على قدم وساق. إين هم قادة الأحزاب المسيحية من كل هذا ، ألا يخجلون حين يؤيدون القرار الامريكي الأخير، ولا يعرفون اللعبة الحقيقة من وراء ذلك ، الى متى تستمر هذه السذاجة وهذا الاستهزاء بعقول الناس، لم يعد شيء مخفي سقطت الاقنعة في الوحل فبانت الوجوه الحقيقية، والكثير من الخفايا ، حتى إيران قالت كلمتها عبَر الجنرال قاسم سليماني وهو يظهر على الشاشات مع بداية معارك الفلوجة والفرات الاوسط،  ليقول أنا من يدير المعارك هناك، والعراق بحكومته وجيشه وميليشياته هو جزء من إيران والحرب طائفية بمتياز. وفي مكان أخر وفي نفس سياق الحرب هذه أمريكا وبغطاء وروسي أوروبي تدعم القوات الكردية في سوريا بكل قوة رغم أنف الأتراك ومعارضتهم ذَلِك.
المسألة ليست مطالب وأمنيات وأحلام وردية لإقامة وطن قومي،  وتسليح فصيل أو فوج أو وضع الخطط لإنشاء سهل يجمع الكل. انه توزيع جديد للأدوار حسب متُطلبات المرحلة الراهنة محكوم بتصارع القوى الكبرى التي تحكم العالم، ورسم خرائط جديدة وتقسيمات على أرض الواقع لمن بيده مفاتيح الحل والربط وموازين القوى، والبقاء سوفة يكون للمنتصر في النهاية..

123
المنبر الحر / تسليح أم تفريغْ
« في: 15:07 26/05/2016  »
تسليحْ آم تفريغ
ثارت في الآونة الاخيرة مسألة تسليح الميليشيات المسيحية، بعد أن أقرت الأدارة الامريكية ذلك قبل أيام . أولاً وقبل كل شيء لا الولايات المتحدة ولا حلفاؤها يهُمهم المسيحيين العراقيين أو غير العراقيين وهذا جَليّ للعيان لا يقبل الطعن . فأمريكا ومن خلال تجربة مريرة وطويلة من بعد السقوط 2003 وهي متواجدة على أرض العراق، لم تقدم آيَ مساعدة حقيقية أوتمد يد العون لهم ، بل بالعكس من ذلك ، كانت تحمل معاول للهدم في تحقيق أي مبادرة من آي نوع تصب في مصلحتهم، وتسد كل الطرق والمنافذ عليهم في الداخل من أجل دفعهم الى الخروج والهرب وترك كل ما يملكونه ورأهم، طبعاً هذا يتم بالتنسيق مع الحكومة في بغداد التي هي نفسها ميليشيات مسلحة، وألا كيف نفسر هذا الهروب والهجرة الجماعية حتى قبل قدوم وظهور تنظيم داعش الارهابي. مع العلم كان بستطاعت أمريكا أن تحَول وتجعل العراق دولة علمانية قوية ذات سيادة ، وهذا كان مطروح في بداية الاحتلال من قبل شخصيات عراقية معارضة وطنية ، ولكن أسُكت وخُنقْ هذا الصوت الحر، ولم يبقى غير أولئك الأفاقين واللصوص والمتشردين والجواسيس والشواذ الذين كانوا في سوريا وإيران ولبنان ينفذون أوامر دوائر المخابرات في تلك الدول ، وشَرعت أمريكا لهم أبواب البنوك ومتاحف الاثار لسرقتها ونهبها وبيعها ، بعد ذلك أعطت العراق حين أصبح مرتع خصب وحضانة جيدة لكل إرهابيي العالم، لإيران لتتحكم به كيف ما تشاء وتفعل ما تراه يناسب مصالحها. وهكذا أغُلق الباب أمام بقاء المكون الأصيل وأستقرارهم في بلادهم ووطنهم الأصلي، وأمريكا تتحمل الجزء الكبير ولو بصورة غير مباشرة بتهجير وأضطهاد وقتل المسيحيين من خلال ميليشيات وعصابات مدعومة منها وتأتمر بأوامرها وهي التي صنعتها ووظفتها لتحقيق أهدافها. وفي مقام أخر كنتُ قد كتبت عن تفجير مطرانية الكلدان في الموصل ( حي الشفاء ) عام 2005 والذي استمر الإرهابيين يزرعون المتفجرات والعبوات الناسفة والصواريخ داخلها لساعات ، والقوات الامريكية كانت متواجدة و بالقرب منهم وعلى بعد أمتار ولم تحرك ساكن ، الى أن فُجرت وحُرِقت بالكامل. والان وبعد كل الذي حدث ويحدث من فوضى وتغير ديموغرافي هائل وتنكيل وأقصاء وتهميش لهذا الشعب الاعزل المسكين وخاصة في مدينة الموصل ، تُريد الولايات المتحدة تسليح المسيحيين،؟ الان بعد خراب مالطا، طيب أين كانت قبل هذا الوقت ولماذا لم تُفَعل هذا القرار من قِبل ، ولصالح من تفعل ذلك، ومن المستفيد الحقيقي منه ، ولا أحد يقول لي كل هذا لعيون المسيحيين الخضر فهذه كذبة كبيرة فالأمريكان لا يهمهم غير مصالحهم، ومصالحهم فقط . الغاية من هكذا قرار هو تهجير البقية الباقية منهم، أو في حالة أخرى تحويلهم الى كبش فداء في معركة الموصل القادمة لا محالة. ولا بأس بتسمية الأمور بأسمائها الصحيحة حتى لو بدا ذلك غير مستحب للبعض، فالمسيحيون بصورة عامة ، سواء من كان منهم في العاصمة بغداد أو في الأقليم الكردي لا يتعدون في أحسن الاحول 300 أو 400 الف مواطن، نصفهم مهُجر ومُبعد عن قراهم ومدنهم ، يبحثون عن وطن أخر بديل ، أكثر أمناً واستقراراً وهذا حقهم الشرعي، والنصف الأخر مستقر في الشمال الكردي والأمور والحياة والمعيشة تسير جيدة ، فعلى أي أساس يبحث عن المتاعب ووجع الرأس والقيل والقال وتراهات وأرهاصات الأحزاب. ومن جهة ثانية أكثر منطقية نقول أن كل العوائل المسيحية تقريباً لها هاجس السفر والرحيل وحلم الوصول الى بلد أخر، وقدمْ في الداخل والأخرى في الخارج، ولا يوجد عائلة ليس لها أقارب خارج البلد تريد اللحاق به ،مما أضعف شعور المواطنة والانتماء والولاء الحقيقة للأرض وترك كل ما هو أصيل. الأمر الأخر هو ضعف وهزل الأحزاب السياسية المسيحية والتمثيل الهش لهم في الحكومة ، وعدم وجود رؤية واضحة ، مما أعطى شعور عام أنهم غير مؤهلين للقيادة، وعديمي الثقة ولا يهمهم شيء سوا مصالحهم الخاصة الضيّقة وبالتالي أصبحوا مصدر ازعاج وتشتت وتفريق أكثر منه وحدة، وهذا هو السبب في عزوف الكثير من الشباب عن الانخراط في صفوف تلك الأحزاب و القوات الغير نظامية . وهنُا لم نتطرق الى ملف الفساد المالي والاختلاسات والسرقات ، حالهم حال بقية رجال الأحزاب وأعضاء الحكومة والبرلمان العراق.
من عام 2003 والى حد هذا اليوم لم يعرف الشعب المسيحي راحة بال ولم يهدء لهم مضجع، ولم تَنم ْلهم عين قريرة ، على طول الخط من تهجير الى قتل الى أغتصاب للحرمات الى دفع جزية بإسم الدين ، وهم بين نارين نار العصابات والميليشيات ونار المخادعين والدجالين من أبناء جلدتهم . بين مطرقة اللصوص والميليشيات المسلحة وسندان الحكومة التي لم تفعل شيء لهم يستحق الذكر والقول . جلَ أمال المسيحيين ومبتغاهم هو العيش في سلام وأمان، وممارسة الشعائر الدينية بحرية واحترام وهذا هو أبسط حق من حقوقهم المدنية والاجتماعية، بعيدين عن مزايدات وارهاصات وخداع الأحزاب التي أثبتت فشلها الذريع، وخسَرت تأيد الشعب لها قبل كل شيء.

124
بانوراما الفكر العربي
بقلم / سلوان ساكو 
لو عرفَ المصلح الديني والثوري مارتن لوثر 1483- 1546  ما حصل من مجاز وذبح  وأعتداء في سنوات 1517 وما تلاها من حروب الفلاحين والفقراء التي أغرقت الإمارات والمقاطعات الأوروبية في  بحر من الدماء بأسم فكرته الإصلاحية ضد الكنيسة الكاثوليكة وكرسي البابوية، ما كان أسس المذهب البروتستانتي أبداً ولا روج له  . ولو علم علي ابن ابي طالب ماذا يفعله أتباعه من الشيعة الان ، ما كان تشَيعْ  أصلاً وفضل أن يذهب الى سقيفة بني ساعدة لاختيار الخليفة بدلاً من ان يذهب ليدفن النبي هو والعباس بن عبد المطلب ويترك المهمة لغيره ، وما كان دخل معارك الصفين والجمل التي كانت  بين السنة والشيعة  والتي أستمرت من ذلك الوقت والى حد اليوم.  لو علم ميشيل عفلق ما حدث ويحدث لحزبه ما كان أسسه أصلاً، فحين جلس هو وصلاح البيطار في المقهى على شارع الرشيد وسط دمشق عام 1947 بعد أن عادا من دراستهما في باريس يحملن أفكاراً تنويريا كبيرة واحلام  شباب ثوري لم يكن يتصورا أن الحال سوفة  تؤول الى هكذا مأساة بأسم البعث.  وفضل أن يكون أستاذ للتاريخ والفلسفة في جامعة السوربون. فالانطلاقة الاولى كانت جيدة وتنبع من دوافع نبيلة وتحمل قيم عالية،  لأنها تأسست على أعمدة علمانية متأثرة بشكل كبير  بالثورة الفرنسية من خلال المؤسسين الأوائل ، أندمج البعث في سنة 1952، مع الحزب العربي الاشتراكي الذي كان يرأسه أكرم الحوراني في حزب واحد أصبح اسمه "حزب البعث العربي الاشتراكي" كحزب قومي عربي يسعى لخلق جيل عربي جديد يؤمن بوحدة أمته ، ويتطلع لبناء وطن واحد عن طريق القومية العربيّة. ومن البدايات والحق يُقال ، كان البعث يحمل جيل حالم يتطلع الى الامام من الشباب  الجامعي والكوادر المثقفة والشعراء الكبار أمثال سليمان العيسى وشفيق الكمالي ، وشبلي العيسمي الذي اخطتفته  المخابرات السوريا في لبنان،   وكثيرين غيرهم،  ولكن آلة القتل والتصفيات الجسدية خنقت كل القيم والمبادئ  وأجواء الثقافة الحرة والقضاء على كل ما هو حضاري وعلماني في عمق البعث ، وتكريس أطباع  وعادات أبناء الريف من الرفاق الوافدين  الى المدينة العصرية في ذلك الوقت ، وعدم تحمل عقولهم  القروية  مفهوم التمدن والعصَرنة ، وهذا هو  المفهوم  الذي أوصل صدام حسين الى سدة الحكم في العراق، ولم يستطيع أبداً ان يتخلص من أصوله القروية  مع انه أراد ذلك بكل قوة،   وما حدث ويحدث من ويلات وخراب ودمار ليس سوى ثمرات ذلك الفكر المناطقي والعشائري والفئوي الضيق والعفنْ.  وَهُو آي صدام حسين أول الخاسرين  ، فقد  أهم  شيء يعتز به الرجل الحر وهو الكرامة ، فأين تلك الشوارب المفتولة التي كان يتحدث به بعد أن ظهر العريف الامريكي  وهو يبحث في شعر الرئيس ، مرتدي القفازات البيضاء،  لعله يجد السلاح  الكيماوي  والصواريخ والنووية والذرية ، ومنصات إطلاق البراغيث على إسرائيل. حتى الانتحار لم يقدر عليه.  لا أحد على ما يبدو من الشعوب العربية،  يأخذ عبرة من حركة التاريخ  وصيرورته الأزلية في تتابع الأحداث ولكن من وجوه مُختلفة تبدو في الكثير منها متطابقة لحد بعيد ، حتى بشار الأسد لم يفهم  خطوط اللعبة جيداً،  ويضن انه باقي تحت مظلة إيران وروسيا وهو لا يعلم انه منتهي الصلاحية  من مدة طويلة ، ك زين العابدين ومبارك  وصالح  والقذافي.  والاشكال الكبير،  أن العربي لا  يقول أنا مخطئ أبداً ويضن أنه مُلم بكل شيئ ، وهو من اليقين على أقرب نقطة،  ولكنه في حقيقة الأمر هو  أبعد عنها حين يكون في وسَطَها. أفضل شيئ يفعله العربي في هذا الوقت بالذات أن  يعود الى  أم كلثوم ويسمع  أغنية  فات الميعاد  فهية  تُخدر أحساسه وتُنسىيِ بعضاً من همومه  الكثيرة  ونكساته الكبيرة.

125
ملهى أشبيلية وليالي الأندلس
بقلم / سلوان ساكو
يجلس شخصان في أحدى المقاهي من عام 2175 بعد الميلاد في دولة الكويت الصغيرة ، فيقول أحدهم وبيده كوب القهوة الساخن،  لقد كانت هذه المنطقة في سالف الزمان أمارة وأسرة تحكمها ذرية مبارك الصباح، فيستغرب الثاني ويرفع حاجبيه دون مبالاة. هذا هو ما كان يحدث لو قدر لغزوة صدام حسين للكويت في أب من عام 1990 أن تنجح.
لو سألنا رجل في العقد الخامس أو السادس من العُمر عن الاندلس فسوفة يقول على الافور ياسلام ما أجملها من أيام وليالي ويستعيد تلك الايام الخوالي عن ملاهي والنوادي الليلية التي كانت تحمل أسم الاندلس وأشبيلية والمتوزعة على محافظات البلاد . واذا سألت واحد أخر عن طليطلة أو قُرطبة فيذهب مباشرة الى تلك الفنادق التي كانت منتشرة في البصرة والموصل وبغداد، وأذ وجتّ خمسة شباب يصرخون فعلم أنهم في صددْ نادي ريال مدريد وفريق برشلونة لكرة القدم ليس أكثر. لا أحد يقول لك ما معنى تلك الاسامي وما تعنيه وكيف دخل وأنتشر الأسلام في داخل الجزيرة الأيبيرية أي أسبانيا والبرتغال ، وكيف تم تغير ديموغرافية الارض على مدى ثمان قرون ، وما كانت عليه في السابق قبل الغزو الاسلامي الكبير لها. وكيف وصلت الجيوش الغازية الى مشارف فرنسا ، وكيف تم تحريرها وانهاء التواجد العربي الاسلامي في ما يعرف بحروب الاسترداد.
كان مطامع  العرب في شبه الجزيرة الآيبيرية ( إسبانيا والبرتغال)  منذو بداية الأنتشار الاسلامي ، والتوسع الكبير والسريع الذي حصل ، فأول من فكر في عبور المضيق من جهة المغرب كان عقبة بن نافع أيام الخليفة عثمان بن عفان سنة 64 هجرية آي في فجر الدعوة ومع بداية الغزوات والحروب، ولكن لم تنجح أو لم يحن وقتها ، لم تُفعل الحملة  الى إسبانيا آلا مع قدوم الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك الجالس على رأس الامامة في دمشق من 705 الى 715، وقائده على شمال إفريقيا موسى بن نصير في القيروان. خطة الغزو كانت كبيرة، والاحلام كانت ترُاود القادة والخليفة الشاب ، والغاية هي أخضاع القارة الاوروبية برمتها وجعلها تحت راية الأسلام ، وبالتالي محاصرة روما ودولة الفاتيكان وكرسي البابوية وهذا ما صرح به طارق بن زياد مع بداية أنطلاق الحملة. وهذه ليست ملفات قديمة أود فتحها الأن ولكن ليعيَ  ويعرف الناس ما حصل في الماضي الغير بعيد وما هو التاريخ الصحيح ، وما يحصل الان في منطقتنا العربية ليس غير أمتداد لذلك ونفس السيناريو المتبع ْ، فقط الظروف والاليات في التحرك  تغيرت،  ولكن ظل المبدأ نفسه هو هو. ولأن تاريخنا مُزور ومُغلوط ، يكتبه الاقوياء وصناع القرار، لم نفهم منه شيء على الأطلاق. ولأن مادة التاريخ في المدارس الابتدائية وحتى الكليات الجامعات بعيدة عن الحقيقة  ومنُظورة من جهة واحدة فتصور لنا طارق بن زياد أنه فاتح عربي بطل ، وقائد كبير، وفارس شجاع ، ونظنه نحنُ كذلك لاننا سذج وغير واعين ، ونجحوا في تكريس الفكرة في عقولنا الصغيرة  وشوهة  كل الحقائق ، ولم يقل لنا أحد كم كنيسة حرقت، وكم مسيحي كاثوليكي قُتل، وكم  واحد دخل الاسلام عنوة وغصب ، وكم جزية دفُعت ، وكم فتاة أغتُصبت وسُبيَت على يد الغزات وكم من دمار وخراب حلّ في تلك المناطق. ومع هذا نراه نحن ذلك الفارس المغوار ذوَّ لحية سوداء مشذبة ، يعتمر قبعة من درعْ حديدي تلمع تحت الشمس ، ويقف على رابية وينظرنحو المضيق  بتجاه إسبانيا بعمق وكبرياء كأنه أله حرب أغريقي. ولكن الحقيقة والواقع شيئ مخزي ومخُجل حقاً ،  والمصادر التي أستقيتوها  في البحث والكتابة  موجودة في نهاية المقال، والذي يحدث في هذه الفترة هو نفس المسلسل لم ينتهي من ذلك العصر الى حد الان ، فقد أعلن ابو بكر البغدادي ولاية الرقة السورية عاصمة الخلافة الاسلامية في العالم وعين نفسه أميراً للمؤمنين فيها سنة 2014، وكذلك عبد الرحمن الداخل أعلن نفسه خليفة والاندلس دولة الخلافة الأموية في سنة 138هجرية 756م.
دخلت الجيوش الأسلامية وغزت أسبانيا في سنة 92 هجرية سنة 711ميلادية ، في زمن ثانية  خلافة بعد موت محمد وهي الدولة الاموية وأستمر حكم الأمويين من سنة 41هج / 662 م الى 132هج / 750م بمعنى حكموا حوالي 91عام  أسسها معاوية بن أبي سفيان بعد مقتل علي أبن أبي طالب وأنتهت على يد مروان بن محمد. كانت الاندلس قبل مجيء المسلمين تحت حكم الإمبراطورية الرومانية ثم حكمها قبائل إسكندنافية تُدعى الفاندال فسميت الأرض فندالوسيا ثم أندلوسيا ثم الأندلس عن المسلمين.  قاد الحملة طارق بن زياد الامزيغي بأمر من موسى بن نصير الذي يتابع سير المعارك من مقره في القيروان معه سبعة الاف مقاتل لعبور المضيق في أربع  سفن والتحشد في وادي لكة حيث حشد الملك الاندلس لذريق هناك جيش كبير ولكن تم القضاء على جيش القوط الغربيين بسرعة، بعد ذلك توغل طارق بن زياد في العمق الإسباني سريعاً فغزا قرطبة وطليطلة عاصمة القوطيين والبيرة وشذونة ، كأنهم حصون من ورق أمامه وجياد من خشب، هو معه سبعة الاف مقاتل من مرتزقة والبربر ، وفي هسبانيا  يوجد أكثر من مئة الف مقاتل مُدرب ، نفس الشيئ يحدث الان مع تنظيم داعش في غزواته للموصل وسنجار والرمادي وتدمر ودير الزور. أندهش طارق بن زياد لضعف وهزل الدفاعات في طريقه فشجعه ذلك للكتابة لموسى بن نصير ما معنها أن كل الطرق سالكة ، هيئ موسى جيش وأنطلق بتجاه طارق وألتقيا في  مدينة البيرة ومن هنالك استكملا غزو مدينة سرقسطة في إقليم أرغوان ، أخترق موسى جبال البرينيه الفاصلة بين إسبانيا وفرنسا فدخل ولاية سبتمانيا ووادي نهر الرون ووصل الى مدينة ليون، في حين  أجتاز طارق وادي الأبرو ودخل جليقية. عند الحدود الفرنسية شمالاً  وتوقف ، تلقى موسى وطارق أمراً من الخليفة بوقف العمليات العسكرية والعودة فوراً الى دمشق ، قبل مغادرة الاراضي الإسبانية عين موسى بن نصير أبنه عبد العزيز حاكماً نيابة عنه والذي أستكمل الحملة الى لشبونة في البرتغال والتي عرفت بغربي الأندلس ، وظل المسلمون به آي البرتغال الى أن أستولى عليه ( الفونسو هنريك وأنهى التواجد الاسلامي في البرتغال ,واعلن نفسه ملكً عليه عام 541هجرية 1147م.
 توالت بعد ذلك الامارات الاسلامية تتداول الحكم على شبه القارة الأيبيرية. 
1-عهد الولاة ، ,استمر 44 سنة وحكم 22 والياً في هذه الفترة .
2-عهد الإمارة الأموية
3-عهدالخلافة الأموية
4-الدولة العامرية وملوك الطوائف ، بعد انهيار الدولة العامرية نشب صراع على السلطة في الأندلس، انتهى بتقسيمها إلى سبع ممالك صغيرة, ثم قُسمت بعد ذلك إلى اثنتين وعشرين مملكة أو دويلة تحكم أسرة كل واحدة منها, ومن أشهرهم بنو عباد وبن الأحمر.
5-دولة المرابطين
6-دولة الموحدين.
بعد سقوط دولة الأمويين في دمشق عام 132هجرية على يد العباسيين وفرار عبد الرحمن الداخل الى المغرب الذي مكث به ست سنوات  توجه بعد ذلك الى الأندلس ليؤسس دولته الأموية سنة 756م هناك. كانت تلك الفترة من اقسى الفترات وأقوى العصور فقد  أخضع عبد الرحمن كل الممالك تحت قيادته وحول الكثير من الكنائس الى جوامع وقتل وهجر الكثير من السكان،  وأسلم الكثيرين  من الناس حتى الإمبراطور شارلمان 742-814 فشل في الاستيلاء على سرقسطة ومن الغريب أن تمثال عبد الرحمن الداخل الى حد الأن ينتصب في بلدة المنكب على شواطئ غرناطة. ظلت دولة الأسلام في الأندلس طيلة ثماني قرون وهي بذلك تعتبر أطول دول الاسلام عمراً. بدء الانحلال والتنازع وحب الذات والمصالح الشخصية والفساد والنزاعات والخلافات والخلافات  تظهر على القادة والحكام في عموم الأندلس. ففي 1085م أستطاع ألفونسو السادس ملك قشتالة من الاستيلاء على طليطلة. وفي عام 1118 أسترجع ألفونسو الاول سرقسطة. وفي 1236 أعاد فرنانود الثالث ملك قشتالة قرطبة الى الحضيرة فتهاوت بعد ذلك معظم المدن التي كانت تحت سيطرة المسلمين. 
ظل ملوك غرناطة من بني الأحمر يدفعون الجزية لمملكة قشتالة ومع اتحاد مملكتي قشتالة وأراجون بزواج ملك الأولى فرناندو بوريثة عرش الثانية إيزابيلا سقطت غرناطة أخر حصون المسلمين في جميع إسبانيا وكان ذلك في 2 يانير من عام 1492م وبذلك انطوت صفحة من صفحات الغزو في شبه الجيرة الإيبيرية ولكن لم تنتهي فكرة العودة أليها فهي موجدة في أدبيات العرب وفي أشعارهم وكتبهم وهي لاتزال حاضرة في أذهان العرب ،لاحظ برنامج أمير الشعراء على قناة أبو ظبي كم قصيدة تُلقى بخصوص الاندلس وأشبيلية ، ,ايضاً في الأعلام العربي الموجه وفي أسماء الشوارع  والمناطق ، جميعها تخاطب وتنُاجي تلك الأحلام والأوهام في ماضي ولىَ ولن يعود.


المصادر :-
الأرشيف الوطني الإسباني
الأرشيف العام لسيمانكاس
مكتبة جامعة سلامنكا
عبد القادر قلاتي : الدولة الإسلامية في الاندلس من الميلاد الى السقوط : ص 86-87
أبن الاثير : الكامل في التاريخ : المكتبة الوقفية.
مخطوطة تطوان ( المجهول)

126
معركة تلسقف الاولى
لا أحد يستطيع أن يجَزم ما يحصل من أحداث في بلدة تلسقف ، فرغم الانتصار الذي حققه المدافعين عن القَرْيَة فهنالك بعض المعُطيات والاستنتاجات ، فقوات البيشمركة هي من دافعت بكل قوة وبسالة عن البلدة مدعومة من قبل طيران التحالف والدليل أنها أعطت أكثر من 13 شهيد وضابط برتبة مقدم ، وأن دورّ القوات المسيحية كان محدود الى حد كبير .  هذا يعطينا مؤشر أن تنظيم الدولة الإرهابي داعش مازال يمسك بزمام الأمور ، وكان له الوقت الكافي لتفخيخ مستشفى البلدة وتفجيرها ، وزرع الكثير من العبوات الناسفة في المنازل وأبقاء العشرات من الانتحارين بين أحياء البلدة ، مع العلم أن هنالك جبهة أخرى مفتوحة في قاطع مخمور ، ويتمركز به مئات من القوات الكردية  والجيش العراقي وخبراء عسكريين أجانب ، وفي محور بعشيقة أيضاً هناك مُتمركز الحشد الوطني بقيادة الاخوين نُجيِفي مدعومين من القوات التركية المتواجدة في تلك الناحية . يريد التنظيم من معركة تلسقف أن يخترق التحصينات الكردية من جهة القوش ويضعفها لكي يُخفف الضغط المُستمر على جبهة مخمور، لذلك يزج بأنتحاريه ومقاتليه بدون تردّد وهو آي داعش مُجهز بمجموعات كبيرة من الانتحارين هُم رهن أشرته يستعملهم في آي وقت يشاء مع مجموعات كبيرة من أبناء عشائر الموصل التي باتت تحت تصرفه وموالية له ، وهذا ما يُبرر فشل أختراق الموصل الى حد الأن مع كل هذا القصف الجوي منذو أكثر من سنة. سوفة تشهد الأيام القليلة القادمة معارك بين تنظيم داعش الإرهابي من جهة وقوات البيشمركة مدعومة بكل قوة من قبل القوات المتحالفة بقيادة أمريكا ، ولكن لن تكن سهلة أبداً ولا أحد يستطيع التكهن ماذا سوفة تسفر عنه النتائج الاخيرة.

127
الخليفة وكنيسة الساعة
بقلم / سلوان ساكو
لماذا نتوقع أن الجيش العراقي ، أو القوات الاجنبية المتحالفة بقيادة أمريكا ضدّ تنظيم الدولة الاسلامية ، سوفة تنتصر . ومن قال أن هذه المعارك، سواء كانت في سوريا أو العراق هي تحرير من دنسْ الأعداء؟. ومن همْ هؤلاء الاعداء ، أليس هم جزءً واحد من تلك البيئة التي جاءوا منها ،والتي حَبلت بهم التنظيمات الأرهابية من نفس البُنية؟. وكيف يتشَدق ويتفلسف البعض، خاصة في المكانات العامة ، من أن كل الذي يحصل هو مؤامرة وتخطيط أمريكي يُنفذ على الأرض من قبل  داعش وأخواتها. وأن الذي يحصل من تدمير وتخريب وتفريغ  في الشرق الاوسط هو صنِيعة صهيونية أسرائيلية ماسونية ، تقف ورأه كل أجهزة المخابرات العالمية. لا بل يربَط المُتكلم ويتحدث بكل ثقة ، أن الذي يحصل للمسيحين  في الشرق وخاصة في العراق( الكلدان)  من قتل وتهجير وأبادة ، ما هو ألا أنتقام من اليهود الحاليين، بسبب السبي البابلي لهم  سنة 597 ق.م على يد نبوخذنصر. وما الى هنالك من هذه الخُزَعبلات والاعتقادات الواهية التي لا تستند على شيء منطقي، وتسطيح الأمور، والاهتمام بالقشور، والابتعاد عن جوهر الموضوع الحقيقي والتي تُغيب الوعي العام . ويُمكن أن تكون هذه ثقافة درجَ عليها الكثير من الناس وأصبحت من أهم سماتهم. 
أن الذي يحدث الأن في العراق أو سوريا أو ليبيا هو شيء طبيعي لو تتبعنا حركة التاريخ في سياقه ألاسلامي ضمن جغرافية المنطقة ، وهو ناتج فعل طبيعي لردّ فعل المكان ، آي شبه الجزيرة العربية التي كانت قائمة على حروب الكرّ والفرّ والغزو، وهذا هو وضعها الطبيعي. فالاسلام ومن التأسيس ألاولى قائم على مبدأ سياسي بحت، وأنطلق هذا البرنامج بالتحديد من السقيفة ( سقيفة بني ساعدة) وأستمر الى حد اليوم، وهو يستمدّ قوته من الشريعة والايات القرآنية والتنزيل. حيث  أرادوا به المؤسسين نظاماً سياسياً للحكم في كل زمان ومكان ويرونه صالح في كل وقت وعصر ،  وهذه النظام معمول به من سنة 1437 والى حد الأن ، ويُدرس كمنهج رئيسي لطلبة كلية الازهر للشريعة والفقه الاسلامي في مصر ، وهو يُغذي الفكر السلفي التكفيري الجهادي عن الشبان المتحمسين للدين ، وفي مدارس عديدة داخل الوطن العربي وخارجه. وهي تحرض على القتال والجهاد،  فمثلاً (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) سورة الفرقان: 52 (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} سورة النساء: 74 ) (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المتقين) سورة التوبة ،( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) سورة البقرة الاية 193 ،(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) سورة التوبة الاية 5، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} سورة البقرة . 216( فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًاعَظِيمًا) سورة النساء: 74. كل هذه الآيات وغيرها الكثر ، هي خير عون للقتال والغزو والجهاد عند المُسلم، وهي جزءً لا يتجزء من العقيدة الاسلامية ، والمَتنْ الذي تقوم عليه. وهي كانت الدافع القوي والمبدأ في تحريك تلك الجيوش الاسلامية الصغيرة نسبياً في وجه أمبراطوريات كبيرة كانت سائدة من فترات طويلة وتحكم الارض بالنار والحديد وهزمتها ، وهذا ما حصل مع عمرو بن العاص في خلافة عُمر بن الخطاب حين دخل مصر سنة 21هج ، 642 م وغزاها بقوة 4000 مقاتل وأنتصر على الإمبراطورية البيزنطية القوية وجيشها المكون من 30 الف مقاتل المُدرب ومُسلح جيداً، والذي أنهى بذلك العهد البيزنطي. وهذا خالد بن الواليد يغزو  العراق سنة 11 هجرية 633 ميلادية، في زمن خلافة أبي بكر الصديق، وتنهار من جراء هذه المعارك والغزوات  الإمبراطورية الفارسية الساسانية الكبيرة والمُترامية الاطراف. وهذا أبو عبيدة بن الجراح يدخل الشام سنة 15 هج 633 م وينهي حُكم الإمبراطورية البيزنطية هنك. فلا نستغرب ما يحصل الأن في العراق من تدمير لدور العبادة وأضطهاد للمسيحين ، وما هو ألا أمتداد لذلك العصر ، ففي فترة الخليفة عمر عبد العزيز ( 717-720) هدم الكنائس وحدد الحريات وفرضَ قيوداً على ملابس المسيحين، وهذا المتوكل على الله ( 853-858) حبس البطريرك  ثيودوسيوس فترة طويلة وفرض على المسيحين أرتداء أشارة صفراء على أذرعهم، كما منعهم من ركوب الخيل والتبضع بالاسواق والكثير الذي لا يحُصى. ونظر عزيزي القارئ أن التواريخ الهجرية كلها تدل على أن الأسلام كان في بواكيره الاولى،  فلم تمضي سَوى  سنوات قليلة حتى تم تنظيم الجيوش، وبدأت تزحف الى الشمال والجنوب والشرق والعرب،  وتُدمر حضارات، وتُزعز دول  كانت قائمة من سنوات عديدة. حتى أحتلال الاندلس بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير سنة 92هج  711 م والذي أستمر800 كان له الاثر السلبي الكبير على عموم المنطقة ووصلت جيوشهم  الى مشارف فرنسا لو تحلف أوروبا في الوقت المناسب. وهذا الجزء من التاريخ المُظلم لا يعرفه الكثيرين من الناس  مع الاسف الشديد ، ولو سئلت آي شاب عن أسبانيا ومملكة القوط، فسوفة يذهب مباشرة في تفكيره الى نادي برشلونة الرياضي  أو فريق أتليتكو مدريد، وهذا ريالي وهذا برشلوني. ولو قلت هل تعرف  أشبيلة أوغرناطة، فسوفة يظن أنهم سينَمِات ودور عرض. ولا أحد يقرأ التارخ بشكل صحيح ومنطقي.
خَلاصَة القول أن الذي يحصل اليوم هو شبيه بأمس فقط أختلفت الاسماء وأليات القتال ، وتطورت الاسلحة ، ولكن الفكر  ظل هو نفسه يتخذ من الدين مسند له ، ويتعاطة مع الاحداث بنظرة ذلك الزمان والسلف الصالح ، وأتكاء على أحداث الماضي بعتبار أن التارخ هو الشاهد على ذلك. وأذا سيطرة تنظيمات سلفية متطرفة مثل القاعدة وأنصار السنة وجبهة النصرة وعصائب أهل الحق وداعش، على مقُدرات الدول  وأستباحت أرضها وشعبها ، ما هو ألا تحصيل حاصل في ضرورية النتائج في سياقها التاريخي. 

128
مرّ على وجود سعد في مرسيليا الأن أكثر من سبعة شهور ، يدرس اللغة الفرنسية  في مدرسة قريبة  للمهاجرين الجدد ، ويستلم المعونات المالية من الحكومة ، وفي أوقات الفراغ كان يذهب الى مكتبة المنطقة . مع توالي الأيام أصاب الفتور العلاقة بين الأخوين ، وكان السبب الرئيسي هو لاتيسيا ، حيث كان يرجع كرم الى البيت  مصطحب الفتاة كل يوم تقريباً ، ويدخلان الى الغرفة ولا يخرجان الى نهار اليوم التالي ، حيث يكون سعد قد ذهب الى المدرسة ، وفي بعض الاحيان يمضي أسبوع أو أكثر  دون أن يرى واحد الأخر .. الى أن جاء ذلك اليوم ، حيث كان كرم عائد من العمل منزعج، وعلى ما يبدو كان هناك مشكلة بينه وبين زملاءه في العمل  كان يجهلها سعد . دخل كرم الى البيت مساءاً وهو مستاء ، وكان هذه المرة لوحده ، حين شاهد  سعد أخاه  متوجهاً الى غرفته ، أستوقفه قائلاً ، كرم أريد أن أتحدث معك في موضوع هام ، فأجابه وأمارات الضيق والتعب على ملامحه ،هل تسطتيع  أن تُأجل الموضوع الى وقت أخر ، على الفور ردّ سعد  قائلاً  الموضوع لا يتحمل التأجيل ، نظر كرم الى  أخوه بنزعاج واضح وقال هات ما عندك ، قال سعد بدون آية مقدمات أريد منك أن تنهي علاقتك  بهذه الفتاة التي أسمها لاتيسيا.. نظر له كرم بستغراب وقال لماذا هل رأيت منها شيء مزعج . قال كرم وكأنه معلم في مدرسة وأمامه تلميذ يوبخه ، علاقتكَ معها غير شرعية ،هل هي زوجتك قلُي .. قال كرم وهو الى حد اللحظة  لم يفقد أعصابه بعد .. هي صديقتي ونحب بعضنا. قال سعد ، لماذا اذاً لا تتزوجها.
أجاب  كرم بعد تنهيدة عميقة ، هنُا في فرنسا هذه الامور طبيعية وكل شاب له صديقى أو أكثر وهذا شيئ عادي .
قال سعد ولكن هذا النوع من العلاقات محرمة شرعاً.
أجاب كرم وهو يجر الكلمات من فمه جرّ، هُنا لا يوجد حلال وحرام ، المهم هو التفاهم والأنسجام  بين الشخصين ،هناك في العراق تستعملون هذه المصطلحات القديمة البالية التي عفا عليها الزمان.
قال سعد ألا يمكن أن تكون قد مارست الجنس مع غيرك قبل أن تتعرف عليها أنت ، من ترضى أن تهب نفسها لرجل من المؤكد أنها سوفة تهب نفسها لغيره . قال كرم وبدأ صبره ينفذ تدريجياً ، هذا غير مهم ما دامت هي معي فأنا متأكد أنها لا تخونني ، ولو شعرت يوماً أنها تخونني مع شخص أخر سوفة أتركها فوراً .
أضاف سعد وكأنه يطلق الرصاصة الاخيرة في علاقته مع كرم ، ولكن هذه تسمى في أعرافنا عاهرة آي قحبه ، هنُا أستشاط  كرم غضباً وقال بحدة ماذا  أنها أشرف من الكثيرين ،على الاقل لا تكذب وتُصارحني بكل شيئ ، حتى عنك قالت أنها لم ترتاح لكَ منذو البداية ولكن فَضَلت السكوت وأحترام خصوصياتي أسمعني يا سعد جيداً وأخذ نفساً عميقاً ، اذا أرت أن تستمرعلاقتنا يجب عليك أن تحترم هذه الانسانة ، أنا لا أستطيع تركها. وأضاف كأنه مرجل بُخار مضغوظ وأنفجر ، يبدو أن الازمة التي مررت بها قصرت عليك وعلى نظرتك الى العالم من حولك، صعق سعد  من الهجوم المباغت الغير متوقع من أخيه ، وقال عن أي ازمة تتحدث .. قال كرم وخيال أبتسامة باهتة على زاوية شفتيه، خيانة زوجتك لكَ مع بائع الخضار، هل نسيت ذلك الحادث في البصرة، وأردف قائلاً ، أسمعني يا سعد  وأصبحت نظرته تقدح شرارة ، أذا كنت تريد العيش معي تحت سقف واحد  يجب أن تتحمل تصرفاتي ، وهذه حياتي أنا متُعود عليها وحراً كيفما أحياها ، لا تنقل أفكاركَ الباليه حيث ذهبت ، أنت هُنا في فرنسا يجب أن تتغير ، وأن لم ترغب بذلك ولم تتماشى مع العصر والحياة الجديدة  تستطيع أن تذهب لحالك وتعيش كما تريد فأنت تعرف الأن ما فيه الكفاية وعليك الاعتماد على نفسك ، موجهاً سيل كلماته الجارحة بوجه سعد الصامت دون حراك ، كأنا سُمْ الكلمات بدأ يشل أوصاله.  بعد هذا خرج كرم من البيت وأغلق الباب الخارجي بقوة ورأه ، تاركاً  أخوه جالساً وهو منذهل من شدة الصعقة ، غارقاً في بئر أسن ليس له قرار، كان حديث كرم له  مثل سكاكين جزار حادة ، فتحت كل الجروح القديمة وصارت تنزف دماً دون توقف ، مستحضراً كل الماضي الذي ظن  أنه قد ذهب دون رجعة ، ولكن تفاجئ اليوم أن الماضي لا يمُحى من الذاكرة أبداً مهما طال الزمان ، والأن  أقرب من حوله  يذكره به. ظل في لجة أفكاره وفي حديث أخوه ، وهل هو صحيح مُعقد نفسياً ، وهل ضلت خيانة زوجته تؤثر على تصرفاته دون أن يشعر بذلك مُترسخة في اللاوعي .. هل أصبح عالة على كرم ولم يمضي على تواجده في فرنسا سوى أشهر، ومطالب الأن بترك المنزل والبحث عن مكان أخر. أم هو فعلاً لم يستسيغ الحياة والأفكار والعصر والمجتمع الجديد، أهو غير مؤهل لذلك حقاً وليس في مقدوره فهم الحرية وأحترام خصوصية الأخرين ، تساءل مع نفسه ، ومن قال له أنه وصى على تصرفات كرم ، أليس هو من ساعده في أزمته حين تخلى عنه الجميع. هل هو يشتّر فعلاً الأفكار القديمة البالية التي لم تعد موجودة على حد قول كرم والتي حملها معه من العراق .. وأخيراً فكر في عرض أخيه في أن يتقبل الوضع كما هو عليه أو أن يغادر المنزل ، بمعنى أصح هو فضل صديقته لاتيسيا عليه ، هكذا فسر العرض. كل هذه الأفكار والخواطر جالت في عقله دون أن يصل الى آية نتيجة.. كان وقع الصدمة عليه كبير ولم يدرك كم فات من الوقت وهو على هذه الحالة، الى أن سمع صوت الباب الخارجي وهو يفتح ، لاحت لاتيسيا تدخل ومن حولها كرم ، ويبد أنه ثمل ، حين دخلا معاً لم ينظر كرم ناحية جلوس سعد بل تجاهله عمداً وتجه الى غرفته وأغلاق الباب ورأهم، سعد جالساً دون حراك لا يعرف ماذا يقول أو يفعل ، فقد كانت هذه أشارة واضحة من كرم أن الفتاة باقية في البيت سواء شاء ذلك أم أبى .. نهض بعصبية ودخل الى غرفته وحمل حقيبة السفر التي جاء به من سوريا ، عزم أن يترك البيت ويخرج ، ولكن عند باب الغرفة توقف وسقطت الحقيبة من يده دون وعي ، وبدأت الدموع تسيل على خديه ، عاد أدراجه مطأطأ الرأس ، فهو لا يعرف أين يذهب ولا آي أتجاه  يسير ، حتى اللغة  الفرنسية لا يتقنها.. جلس على حافة السرير وشبك رأسه بيديه وصار يبكي بحرقة وألم .
ظلت العلاقة بين الأخوين جامدة ورتيبة ، يكاد ينقطع بينهم حبل الوصل.  خلال هذه الفترة العصيبة  مرّ الكثير من الماء تحت الجسر، وتغيرت الكثير من الامور التي سوفة يفهمه سعد لاحقاً .. وكرم يمارس حياته بشكل عادي مع صديقته ، ولا يتحدث مع أخوه ألا نادراً ، وهنا أصبحت القطيعة لا تحتمل وجو البيت مشحون الى درجة الأنفجار على مدى ثلاث شهور ، في الشهر الأخير بدأ كرم يتغير نحو الأسوأ وبدى أنه يواجه مشاكل في عمله ، فقد كان يتأخر في العودة الى المنزل ليلاً ، وحين يجلس في البيت ويكون متوتر وقلق جداً ، وفي أحدى المرات سقط عند الباب الخارجي  من شدة الشرب فساعده سعد وأدخله الى السرير ونزع عنه أحذيته وملابسه ودثره في الشرشف ، وحين أراد أن يعلق سترته على المحمل سقط منها كيس صغير به مادة بيضاء اللون مثل الطحين ، فعرف أن أخاه يتعاطى المخدرات ، في صباح اليوم التالي حين صحى كرم من النوم واجهه سعد بالكيس فقفز وأخطتف الكيس من يد أخوه وقال له ملوحاً بسبابته أنت ابقى بعيداً عن هذه المسائل ، وخرج من البيت مسرعاً . وفي مرة ثانية سمعه يتحدث مع أحدهم بالموبايل باللغة العربية  القريبة من المغرب العربي ، يسبْ ويلعن ويهدد بأن يقتل كل من يحاول أن يصل أو يقترب من منطقته. حاول سعد أن يستفسر عن هذا الأتصال وهذه التهديدات ، ولكن كانت أجابات كرم موجزة وسريعة، لا يفهم منها شيئ  سوى أنها مشاكل تخص العمل لا غير . وفي ليلى باردة ماطرة والرعود تقصف في السماء معلنة هطول المزيد من الامطار، دخل كرم الى الشقة وكان بصحبته فتاة غير لاتيسيا وأدخلها غرفته وهو بحالة هستيريه ، ولم يكن ثملاً ، بعد خمس دقائق سمع سعد وهو في غرفته صراخ الفتاة ، في البداية ظن أن الصراخ والتأوهات من شدة الجنس والجماع  ، ولكن أصبح الصراخ يصحبه تكسير بالزجاج وضرب وبكاء ، الى أن خرجت الفتاة عارية من الغرفة وكدمات كثيرة على وجهها ، تسيل منها الدماء، أرتدت ما ستر جسمها من ملابس وخرجت مسرعة ، خرج كرم من الغرفة وهو يلهث من التعب وأنفاسه متقطعة ، قال أبنة العاهرة هي من دلْ صالح زرماني وعصابته على مكان تواجد بضاعتي ، ولكن لن أدعهم مهم حصل ، كأنه يتحدث مع نفسه ، أراد سعد أن يفهم أكثر، ولكن خروج كرم مسرعاً يجري خلف الفتاة حال دون ذلك.. في هذه الفترة علمَ  سعد أن كرم متورط في قضايا كبيرة ، تجارة وتهريب المخدرات ، عضو في عصابة  تنشط في مرسيليا تتاجر في السلاح .. في اليوم التالي عند الظهر تقابلا الأثنين عند مدخل العمارة وعلامات الخوف بادية على كرم ، فوراً وبدون مقدمات قال لسعد لقد أشتكت الفتاة التي ضربته أمس الى الشرطة ، وهم يبحثون عني الأن ،  يجب أن تغادر الشقة أنت ايضاً ، فأنت في نظر القانون  مشترك معي في قضية أغتصاب وأعتداء على فتاة. وأضاف متلفتاً الى كل الجهات ، خذ كل الأوراق الثبوتية التي تخصكَ ولا تتصل بي ابداً ، لا تتصل بي ، أتفهم ، أنا سوفة أتصل بكَ ، هي أسرع  الأن.. على وجه السرعة صعد الأخوين الى الشقة واخذ سعد الاوراق وجواز السفر والحقيبة ، وقبل الخروج من الباب ناول كرم أخاه رزمة من المال ونزلا مسرعياً ،عند رأس الجادة وعلى باب سيارة الأجرة قال كرم له لا تعود الى الشقة مطلقاً . من فافذة السيارة سدد كرم  نظرة الى عين أخيه، أحس سعد أنها النظرة الاخيرة ،وتحركت السيارة به ..  بعدهم بدقائق داهمت الشرطة المكان، فلم يجدوا أحداً، الكلاب البوليسة التي معهم دلتهم الى أكياس الكوكايين والحشيش الفارغة ،فأخذوه ورحلوا .
                                    ***
في غرفة صغيرة في أحد الفنادق الرخيصة وسط المدينة ، جلس سعد على السرير يُخاطب نفسه ، الى أين وصلت به الامور، فهو الأن ملاُحق من قبل الشرطة  دون جريرة ،لا يعرف ماذا يفعل أو بمن يتصل، مصير كرم مجهول  لا يدري ماذا حصل له ، وفوق كل هذا لا يملك المال الكافي لدفع نفقات الفندق ، صحيح أن الغرفة رخيصة نوعاً ما ، وأخوه أعطاه بعض من المال ، لكن الى متى سوفة تستمر الحالة هكذا . حاول الاتصال بكرم ولكن الخط خارج الخدمة .. مرّ عليه وهو في هذا الكهف المعُتم يستنشق هواء افكاره الفاسدة في شرود وشتات ذهني وأسبوعان. فقرر العودة الى معهد تدريس اللغة. الى أن جاي  يوم حضر فيه شخصان الى أدارة المعهد وطلبا أحضار سعد  ، في غرفة المديرة دخل سعد فوجد رجلان يلبسان الزي الرسمي ، تحدث أحدهم بالفرنسية وقال هل أنتَ سعد ، جال هو ببصره بين الحضور وقال برتياب وخوف نعم أنا. كانت مديرة المعهد موجودة أيضاً ، طلب نفس الشخص منه الجلوس وطلب من المديرة أن تغادر الغرفة . قال الثاني بعد أن أغلق باب الأدارة ، انا الملازم فارتان سينيه وهذا المُحقق ماجلي كاردون ، أراد سعد أن يقول  أنه لا يتكلم الفرنسية ، ولكن الملازم فارتان قال فوراً أعرف انكَ لا تجيد اللغة الفرنسية، سوفة نطلب لكَ مترجم لا تقلق .. وأخرج هاتفه جوال من جيبه وطلب رقم  وبعد أن تحدث مع شخص على الجانب الاخر من الخط أعطى الجهاز لسعد .. كانت فتاة  تتكلم العربية بطلاقة أخبرته أن الرجلان الذين معه هم من مكتب التحقيقات الجنائية ويودون أن يخبروك بشي مهم جداً ..وقالت له أعطني الملازم سينيه رجاءاً .. تحدث معها الضابط لدقائق  بعد ذلك أعطى  الجهاز مرة أخرى الى سعد ما أن وضع السماعة على أذنه حتى قالت الفتاة هل لديك أخ أسمه كرم  وأسمه الحركي الثاني أدريان يسكن معكَ في نفس الشقة على هذا العنوان ، وقالت له عنوان الشقة ،  أجاب سعد نعم أنه اخي ، وهنُا أمتقع وجهه  وأصفر من شدة الخوف .. قالت الفتاة بشكل ميكانيكي كأنها تقول شيء متعودة على قوله كل يوم ، يؤسفنا  يا سيد سعد أن نقول لكَ أن اخوك كرم قد قُتل، وقد وجدت الشرطة جثته مطعونة بسكاكين ، ومرمية في أحد الأزقة المتروكة  قبل أربعة أيام من الأن .. وقالت أعطني المُحقق الذي بجانبك  ..  أعطى سعد الجهاز ماداً  ذراعه اليمنى والذي كاد أن يقع من يده من شدة الصدمة ، فأخذه المحقق كاردون وتحدث  مع المترجمة .. غاب سعد عن الواقع في تلك الثواني،  وأن كانت عيونه مفتوحة ، صُعق من الخبر المفجعْ، وكادا أن  يجهش بالبكاء،  ولكن لم يعرف لماذا لم يبكي ، عائق داخلي يمنعه من أطلاق العنان لدموعه .. وهو الأن  بين الحلم والكابوس بين الحياة والموت .. لم يشعر آلا ويد  المحقق تنكزه ، مناولاً له الهاتف  .. تحدث مع الفتاة مرة ثانية وقالت له بسرعة ، يجب عليكَ الأن أن تذهب برفقة الرجلان الى دائرة المباحث الجنائية ، وهناك سوفة يستكملون الأجراءات المتبقية معكَ، وأنهت قائلة ، شكراً لك. أخذ المحقق الهاتف وبعد بضع  كلمات قصيرة أغلق الخط  .. اقتادوا سعد معهم في سيارة سوداء مسرعة ، كان هو جالساً في المقعد الخلفي ينظر الى المارة والشوارع وأشارات المرور التي كانت تتحول الى اللون الأخضر  فجأة ، لاحت من بعيد قبب كنيسة كبيرة وعبر مبنى لا فيي شاريتيه المشهور، الى أن وصلوا الى مركز الدائرة ،كان المبنى كبير جداً ويبعث على الهيبة والرعب في الفنوس.  أدخلوه مباشرة الى غرفة التحقيقات الجنائية في الوسط  طاولة واحدة  وعلى الجوانب ثلاث  كراسي، كان الجدار الفاصل  عبارة عن زجاج عازل. ظل لوحده نصف ساعة لا تستقر أفكاره المتراطمة على مرسى.  الى أن دخل عليه شخص في الستين من العمر طويل القامة يحمل معه ملف أصفر اللون معه فتاة  في ربيع العمر ، حين رأهم  سعد أراد النهوض ولكن أشار له الرجل بيده أن يجلس ، سحب الكرسي بثقة عالية وجلس ووضع الملف أمامه ، وتكلم  بهدوء توحي أن له السلطة في كل شيء ، وقال أنا العقيد لِمان موريس من دائرة الجرائم الكبرى ، وهذه الشرطية إيلين سوفة تترجم  لكَ الحديث الذي سوفة يدور بينناً. وقال ناظراً أليه بعمق، أنتبه لي جيداً يا سيد سعد، من خلال متُابعتنا الأمنية للمغدور كرم الذي هو أخاكَ أكتشفنا انه كان عضو في شبكة كبيرة لتهريب المخدرات والتجارة بالسلاح بالبشر ، ليس هنُا في فرنسا فقط ، ولكن تمتد الى دول الأتحاد الاوربي، وترجمة الشرطية الكلام ، أكمل العقيد .. لقد تعرفنة على قاتل كرم وألقينة القبض عليه قبل مغادرته مرسيليا حيث كان يريد الهروب مع واحد من أخطر  عصابات المافيا التي تنشط في هذه المنطقة  وقد تم تبليغ الانتربول الدولي بملاحقة باقي أفراد الشبكة  في كل من أيطاليا ورومانيا والمانيا والمجر، حيث يتوزعون. وسيتم القاء القبض عليهم قريباً ... وسكت حيث تكلمت إيلين ما قاله العقيد .. بعدها فتح لِمان الملف الأصفر،  وقلب في أوراق كثيرة وأخرج كيس ورقي أبيض متوسط الحجم ، ووضعه  فوق الملف ، وقال سوفة أعرض عليكَ صور عديدة  ويجب عليكَ أن تتعرف على جثة كرم  .. وأخرج الصور من الكيس وأعطاه الى إيلين وهي بدورها ترجمة الكلام وبعدها أعطته الصور .. تناولها بأصابع مرتعشة ، وحين شاهدها كاد أن يغُشى عليه فقد كانت لمغدورين والوجوه جمعها مشوها. واحده من الصور كانت لجثة شاب صغير محجرّ عينه اليسُرى فارغ حيث أخترقتها الرصاصة ونفذت الى الجانب الأخر من الرأس .حين شاهد صورة جثة كرم وهي مرمية على الأرض وأثار طعن السكاكين  بارز في أعلى الصدر، لم يستطيع أستكمال مشاهدة الصور حيث رماها على الطاولة وأجهش بالبكاء فجأة ، نظر العقيد لِمان الى الشرطية إيلين وأخذ الصور وأرجعها الى الملف ، بعد دقائق هدأ سعد ومسح دموعه بكم قميصه البالي وتطلع  لهم. أخرج  الضابط  ورق صحي نظيف من جيب سترته وأعطاه لسعد ليمسح دموعه به، وقال له مُخففاً من حدة كلامه ، لقد  تابعناك خلال هذه الفترة ، ولم نرصد بحقكَ آي أشارة سيئة أو ما يستوجب توقيفك ،على هذا الأساس لا يوجد تهمة موجه لكَ ، بعد الأنتهاء من هذا التحقيق  سوفة يرافقكَ رقيب من دائرتنا الى مصلحة الطب الشرعي لتتعرف على القتيل ، بعدها تسطيع المغادرة ، وبعد خمسة أيام سوفة نتصل بكَ لتتسلم الجثة وتقوم أنت بأجراءات الدفن، أرجو منك أن لا تترك مرسيليا بهذه الفترة. ونقلت الشرطية التفاصيل. بعدها نهض العقيد موريس ، وهنُا أصبح وجهه أكثر أنسانية ومودة ، وتخلى عن صفته الرسميه التي كان به قبل ثواني ، وقال أنا أسف حقاً لما حصل لك ، ولكن أخوك كان شخص خطير جداً ، أتمنى أن  تتجاوز هذه المحنة القاسية  وتعود الى حياتك الطبيعية ، الأن بمقدورك أن تُغادر، سوفة ترافقكَ  إيلين الى غرفة الرقيب ، ومد يده مسلماً عليه ، حين تصافحا  شعر سعد بدفئ غريب من يد الضابط يسري في كيانه .. سار الرقيب معه بسكوت وهو مطأطأ الرأس الى باب الدائرة الخارجي. كانت السيارة متوقفة ركب الاثنان معاً في المقعد الخلفي ، بعد أقل من خمسة دقائق كانوا أمام مستشفى الطب العدلي  ، في الممر المفضي الى ثلاجة الموتى كان سعد يستحضر كل الماضي ، يستحضر الحوادث التي وقعت لهم ،لتدمع عيناه في صمت. ثلاجة الموتى الباردة داخل مشرحة الطب العدلي ، يسحب الموظف الدرج الألي ويفتح سحاب كيس رمادي اللون فتظهر جثة مُتجمدة عليها علامات طعن بالسكين ، يطلب الشرطي منه أن يتعرف على ملامح القتيل حين ينظر سعد الى أخاه يقع مغشاً عليه. بعد قليل يستعيد وعيه ويتمتم  بكلمات ثقيلة أن الجثة تعود لكرم. أوصله الرقيب الى خارج البناية وتركه، مشى مسافةً غير بعيدة من المكان وأوقف سيارة أجرة وأعطى للسائق قصاصه ورقية به عنوان  الفندق . 
                                   ***
في سكونه المُر، وعلى أرضية غرفة الفندق جلس سعد وهو في عالم أخر تائه الذهن ، تهادت الى عقله ذكريات بعيدة  عقله يسافر إلى طفولة كرم الأولى . مستحضراً صور بانوراميا للحاضر والماضي ، تذكر أول يوم أصطحب كرم فيه الى المدرسة الابتدائية في البصرة وكان يبكي بشدة لا يريد ترك  يد سعد  ، الى أن جاءت المعلمة وقالت له ، أن جميع الاطفال في بدايتهم هكذا لا تقلق ، أذهب أنت وتركه بعد قليل سوفة يتعود ، غير أن سعد أبى أن يترك أخاه وظل واقفاً في شمس الظهيرة الحارقة ، الى أن أنتهى الدوام  وخرج كرم ثم أرجعه الى البيت ، في الطريق توقف عن محل البقالة وأشترى له بعض الحلوى .. وفي موقف ثاني ، حين جرى مسُرعاً واحداً من التلاميذ الى بيت سعد وابلغهم أن الاولاد مجتمعين حول كرم يحاولون ضربه ، فخرج فوراً الى نجدت أخوه ، وضرب تلك الزمرة من الاولاد بقوة وعنف . ومن تلك الساعة لم يجرئ أحد في المدرسة من الأقتراب من كرم ابداً . كل هذه الحوادث وغيرها مرت بمخيلته مثل فلم سينمائي كأنها تحدث الأن . فجأة أخذ يضحك على موقف حصل لكرم حين كان صبي صغير .. ولكن بعد دقيقة أخذ يبكي ، وسالت دموعه  كأنفجار ماء العين.. ظل ثلاثة أيام وهو على هذه الحالة صامتاً، دون أن يخرج من الغرفة أو يتحرك ،يعيد شريط  ذكرياته الماضية،  يسأل نفسه أحياناً أيعقل أن يكون كل هذا مجرد أوهام  وتهيؤات. الى أن جاءه أتصال من دائرة الطب العدلي يطلبون منه أستلام  جثة  أخيه غداً  الساعة العاشرة  والنص  صباحاً ، وعليه أن لا يتأخر على الموعد، وأغُلقَ الخط  بقوة .
بعد هذا الأتصال وعند المساء تحركت عنده غريزة الجوع والعطش ، فخرج من حجرته وهو شارد الذهن، توجه الى باب الفندق بغير هدى، وسار فاقداً أحساس الواقع من حوله  لا يعرف الى أي صوب يتجه ، كل أليات الوعي عنده مُعطلة ، فقط غريزة الأكل البدائية تعمل .. على بُعد مسافة غير بعيدة من الفندق شاهد كشك لبيع الأكلات السريعة ، ورائحة الشواء تفوح من المدخنة ، توقف عند الشباك وأشار بيده على سيخ اللحم المُعلق ، ففهم صاحب المحل ما يريد ، أعطاه  رغيفاً من الخبز في وسطه لحم ملفوف بورق سلوفان ، ناوله سعد ورقة  نقدية من فئة العشرين  يورو وذهب ، حاول البائع أن يسترجع الباقي ولكن  كان سعد قد سار في خطى ثقيلة يجر جسده المنهمك.
 على رصيف الشارع المحاذي للكشكْ الذي  قلت به الحركة  في هذه الساعة ، جلس سعد  يأكل قطعة الرغيف مع ورق السلوفان، مع كل لقمة يمضغا كانت الصور التي فردها الضابط  أمامه تمر في مخيلته ، وخاصة صورة ذاك الشخص  ومحجره الخالي من العين. بعد أن ترك نصف رغيفه مرمياً على الأرض ، نهض وأرد العبور الى الحديقة التي في الجانب الأخر من الشارع  ينام على إحد المقاعد الموجودة هناك، مشى دون أن ينظر بآي أتجاه هو ودون أن يعلم أنه خارج خطوط العبور المخصصة للمشاة. سيارة جمع القمُامة كانت تسير بالقرب منه، حين رأه السائق حاول جاهداً أن يتفاده ولكن كان سعد يتجه نحوه مثل الفراشة التي تنجذب للهب ، فصدمه في  الجانب  الاقصى من مقدمة السيارة.
غابَ عن الوعي تماماً لمدة ستة أسابيع  قضاها سعد طريح الفراش في أحدى المستشفيات ،لا يتذكر شيئاً من حياته الماضية ولا أين هو الأن .. في هذه الفترة كانت دائرة الطب العدلي تحاول الاتصال به دون جدوى ، وفي أخر المطاف وحسب القانون الفرنسي المعُمول به تم إحراق جثمان كرم ووضعوا رماده في قنينة زجاجية مختومة.
 راهبة تعمل ممرضة في نفس المستشفى الذي أودعْ سعد به ، شاهدته على هذه الحالة المأساوية المحزنة فأشفقت عليه ، أرادت معرفة من هو ومن أين ولماذا  صامت وشارد الذهن طوال الوقت ، ولكن لم تصل الى آي نتيجة ، فاتحت أبرشيتها بحالة سعد، فوافقوا على  نُقله الى دير للرهبان في منطقة الألب على جبال جوراس.
في صباح يوم مشُمس بهي، والثلوج تُغطي قمِم الجبال البعيدة وراء الأفق البعيد، والطيور تزقزق في عُرس أزلي ، والمروج  الخضراء الزاهية  تسحَر الناظر أليها، في لوحة جميلة رسمتها يد فنان محترف، والرهبان في حركة مستمرة لا تهدأ من أول قبس النهار الى الضياء الأخير من الغروب ، جلس سعد هناك ينظر الى كل هذه المشاهد الرائعة من الشرفة المُطلة، يركب صور عالمه الجديد في هدوء وسكينه.

129
المنبر الحر / خيانات مشروعة
« في: 08:32 22/04/2016  »
خيانات مشروعة / بقلم  سلوان ساكو
أزدادت في الآونة الاخيرة  ظاهرة العُنف الأُسَري  والخيانات الزوجية بين العوائل العراقية في دول المهجر ، أو على الأقل هكذا رصَدها المجهر الدقيق عندي ، والذي يكون مُزعج في بعض الأحيان والذي يلحْ على قلمي أن يكتب ، حيث وصل الامر في بعض الحالات  الى القتل ، أَي قتل الزوجة بعد أن يراها الزوج في حالة تلبّس ووضع حميمْ مع شخص أخر ، ويذهب ضحية  هذا الاستهتار عوائل بأكملها ، وأطفال مزقتهم الصراعات الأُسرية ، ينشؤون وهم يحملون فيروس  العداء والكراهية لذواتهم  أولاً  والى المجتمع ثانياً ، وبالتالي يريدون أن ينتقمون من هذا المجتمع ، فيكون طريق الاجرام  والمخدرات والحشيش هو الطريق السالك أمامهم والسبيل الوحيد لمستقبلهم  فينخرطوا به.
السؤال المطروح بقوة هو لماذا أزدادت  هذه الحالات الشاذة  ووصلت في بعض  والدول ، خاصة أمريكا وأستراليا  الى ظاهرة تسترعي التوقف والانتباه ، والبحث عن الأسباب والجذور الحقيقة لكي لا تستفحل القضية ويصعب معالجتها في النهاية ، وكل ماوضعنا أيدينا على مكامن الخطر أسرع ، كل ما كان العلاج أسهل . حسناً لو عدنا الى الوراء  قليلاً  أَي الى الوطن الأم العراق لرأينا أن القوانين الجنائية المعدلة أو الثابتْ منها بخصوص الخيانات الزوجية  وواقعة الزنا ، تقف في صف الرجل مهمة بلغت درجة الحكم النهائي ، وأقصى مدة يقضيها القاتل في السجن لا تتعدى الستة  أشهر أو سنة أذا  كان الحُكم مشددّ، وهذا يُدعى الحق العام  أو حق الدولة ، بعد ذلك يفُرج عن المتهم ويعود الى الحياة العامة وهو مرفوع  الرأس. بمعنى أدق أن النصوص القانونية المعمول به  أتجاه الخيانات الزوجية في حالة أن يكون (الِمرْودُ في المكْحُلِة)   كما يُقال في لغة القضاء تصبْ  في مصلحة  الرجل  وليس في صف المرأة  فيصبح النطق بالحكم من هذا المنطلق ، من هنُا وعلى هذا الأساس تكون وعي جماعي عام للمجتمع في بنُية الأفراد وتفكيرهم من أن هنالك سلوكيات وأفعال تخدش بشكل مباشر منظومة الأخلاق وتهدد القيم  وتكون العقوبات بخصوص ذلك وخيمة العواقب  على المُسيئ ، ويكون الحامي لهذه المنظومة هو  التشريع  والقانون في المحاكم الجنائية اذ ما  أصاب هذه الأخلاق وهذا النظام ضررّ مُعين . على هذا المبدأ تجرأ المُشرِّع العربي سواء في العراق او مصر أو الاردن ..... الخ  أن يسنْ هذه القوانين واللوأح ويُشرعها ، وتصبح هي الضابط القوى لإقاع الحياة والميزان  لمنظومة القيمْ الاخلاقية،  وتصبح مع الأيام مرجعية ثقافية لتلك الشعوب حتى تستقر في اللاوعي، وتسدّ الطريق على العابثين بأعراض وحُرمات الناس. طبعاً أنا لا أقول أنه لا يوجد خيانات ومشاكل زوجية في الدول العربية ، ولكن القصد من القول أن الفاعل أو الفاعلة  يُفكرون مرتين قبل أن يُقدمون على فعل أي شَيْء.
حسناً هذه المنظومة السلوكية كَانت هنالك في البلد الأصيل ،  وحين سافرت العائلة العراقية الى دول المهَجر ، أمريكا ، استراليا ، كندا،  أختلفت الوضعية ،  وأنفرط عقد المنظومة ككل  ، وتبدلت التشريعات والنصوص ، وأصبح القانون الجديد المعمول به يَصْب في مصلحة الشخص لذاته هو ، هو من  يتحكم في تصرفاته وأفعاله ،  المعير الاول  هو الضمير والحريّة الشخصية  وليس في وسّع احد مصادرة  هذا الحق مهما كان ، فأصبح هناك فوضى في السلوكيات والقيمْ الاخلاقية ، أنعكست سلباً على المُهاجر الجديد، ففهمت المرأة أن الخيانة مع رجل أخر هو حرية ، وتعويضاً عن شبابها الذي ضاع مع زوجها، فتبدأ البحث عن شاب يصغرها سناً،  خاصة اذا كان هذا الزوج سكيِر و مُدمن قِمار فيكون هنالك عذراً  للفعل الشنيع ، وهذا ينطبق على الرجل أيضاً  حيث يفهم أن العلاقات النسائية خارج مؤسسة الزواج هو حق من حقوقه يجب أن يُعوضه الان بعد أن  أصبحَ  يملك الحرية الكاملة  وأنفتحت له الاجواء وبات الان المجال  أوسع ، والظروف مواتية له فيفعل ما يحلو له ، ضارباً بعرض الحائط إلتزاماته الاخلاقية .
 هذا الخلل ليس في القوانين والتشريعات ، ولكن في التطبيق الخاطئ له ، وترجمته على أرض الواقع بشكل جاهل وغير منطقي ، مما أدى الى هذا التخبُط والفوضى ،  حيث  لم يفهم هذا المهاجر الجديد أن  المبدأ  الأساسي كان  مبني على قواعد أنسانية أستمدت قوتها من وعي الغرب لها عبر صيرورة زمنية و ذهنية طويلة الى أن تجلت قي أخر المطاف على هذا الشكل من الإجراءات التطبيقية التي تدور في فلك الانسان.
 السؤال الخطير هو ، هل يفهم المهاجر ذو الخلفية والثقافة العربية معنى كل هذا ،  وأن الفضيلة ليست في الأخلاق، والجنس ،  ولكن في عدم الكذب والخداع والاحتيال ، سواء على البنوك أو على دوائر الاعانات الاجتماعية أو سواها،   وكل ما يحط من كرامة الانسان . ويظل  الفرد في الغرب له كل  الحرية وهنا المعِير والقاعدة الذهبية ،  والضمير يجب أن ضمير إلانا  القوي  الذي يُحدد ويوجه البوصلة نحو الصواب ويُصحح الخطأ . هل يفكر الانسان مرة وأثنتين وثلاثة قبل أن يقوم  بفعل يكون وصمة عار على جبينه طول العمر. يحتاج هذا الأمر الى دراسة وبحث مستُفيض من جوانب عدّة لكي نخرج بأجوبة شافية. 

 

130
المنبر الحر / بقايا الدوريْ
« في: 08:13 11/04/2016  »
بقايا الدوري
حينما أنهار النظام وسقط العراق في 4/9/ 2003 تشرذم الرفاق وتبعثر الأصدقاء وفُقِدت السيطرة على ارض الواقع ، فذهب كل واحد من أعضاء ورفاق الأمس الى مخبأ ودفن رأسه من الْخِزْي والعار الذي لحق بهم من الفشل الذريع والانهيار السريع في اقل من أسبوع . وأصبحت قوات الاحتلال الأمريكية تطاردهم بين الجحور من مكان الى اخر الى ان قبضت عليهم واحد تلو الاخر ، وكان قائد الضرورة في جِحر للجرذان بدون ماء ولا هواء وأخرج منها وعُرض على الشاشات العالمية في أبشع صورة لزعيم عربي في التاريخ. أنتقل الباقي من كبار المسؤولين الى سوريا مثل سبعاوي ابراهيم الحسن الذي أوقف على الحدود في معبر اليعربية ولم يتم ادخاله، فرجع وقبض عليه الأمريكان وأعدم في أخر الامر . بعد ذلك توجه الكثير من القادة العسكريين والاعضاء الحزبين الى دمشق وحلب ومنهم النائب عزت الدوري الذي اصبح له مكانه أكبر من السابق بعد السقوط فاستقر هنالك لفترة ، وكان ايضا متواجد في العاصمة السورية عضو القيادة يونس الأحمد ويشكل نواة قيادة قطرية فأصبح هنالك قيادتان قطريتان ، واحدة صنِيعة المخابرات السورية جناح الأحمد ، والأخرى تحالف مع تنظيم القاعدة والطريقة النقشبندية وصغار الضباط الذين لم يجوا ما يفعلونه بعد الانهيار. لم يحتمل السوريين هذا الوضع الشاذ فأبُعد جناح عزت الدوري الى اليمن وكان برعاية على عبدالله صالح مع رهط من العسكريين والحزبين، وأصبح يتنقل بين العراق واليمن لفترة قصيرة ، وفي أخر المطاف ظل متُواجد في محافظة الرمادي وقاطع ديالى، يتنقل بحرية كاملة ، وأيضاً في الإقليم الكردي عبر أصدقاء ومسؤولين أكراد يتنقل ويتعالج من سرطان الدم المُزمن. بعد أن تغيرت الخارطة السياسية الداخلية ، ودخول قوات وميليشيات كثيرة في الصراع الدامي على الارض ، لم يبقى للبعث زخمه الأولي في ساحة المعركة ، وبالتالي فُقدت بوصلة التوجيه وأنتهى دور الحزب الفعلي والحقيقي على مجُريات الأحداث وأصبح بقايا تنظيم سريْ وعصابات لا غير . في المقابلة مع عضو القيادة السابق عبد الباقي السعدون في 15/ 4 /2015 على قناة العراقية يُظهر مدى الانشقاق والتصدع الذي أصاب هيكلية الحزب ، وتفرد الدوري في القرارات، والتصفيات الجسدية التي أمر به هو ، ومدى السرقات والنهب والابتزاز الذي أرتكبه الأعضاء.
الحكايات التي نسُجِت حولة عزت الدوري ، ودور الحزب في العملية السياسية والمعارضة الوطنية يتخللها الكثير من الكذب والوهم والخداع ، ولا دور أصلاً للبعث على ارض الواقع خاصة مع ظهور وصعود تنظيم داعش الإرهابي . وقيِل ان سقوط الموصل المدوي تم على يد داعش والبعثيين جناح الدوري ، وتبين بعد ذلك انها كذبة كبيرة ، لا بل تم إعدام بقاياكبار البعثيين في الموصل من قبل داعش مع كل محاولات الدوري للحيلولة دون ذلك، ولو كان هو موجود لإعدام هو الأخر ومًُثِلت بجثته في شوارع المدينة. أن بقاء الدوري على قيد الحياة هذا في يد الله وحده ، ولكن يوجد بعض التيارات المعارضة للحكم تراه رمزْ من رموز النظام السابق ، ومرجعية بعثية تريد الالتفاف حوله، مع انه لم يبقى للبعث مرجعية ولا مفكرين من أعوام السبعينيات وما تلاها من مصائب وأنشقاقات في الصفوف البعث. وما دمر الحزب هو الانتهازية والتفرد بالسلطة. أن الذي يظهر الان على شاشات التلفزيون ويرتدي الزيتوني، ويحمل رتبة فريق أول ركن، وورأه أثنين من الالوية، ليس غير بقايا إنسان مهزوم يبحث في أنقاض الماضي على سلطة الحكم التي ذهبت ولن تعود أبداً.

131
الفارس الأشوري الحزين

لم أكُن أرغب أبداً في الكتابة عن هذا الموضوع أو الخوضْ في غمِار هذه القضية الحساسة ، ولكن أخذ الموضوع  جزءاً من تفكيري ، خاصةٍ في الآونة الاخيرة، وبتُ أراه من منُطلق حركة التاريخ، وسياقه ( الماركسي ) النقدي ، والذي يُجرد المادة من مثالياتها ويعطيها بُعدها الحقيقي، والذي يُفجر في الذهن أسئلة هامة وخطيرة. وأن ألآت في النهاية الى تراجيديا حزينة ، في وقتْ كان المشروع برمته أقرب للنجاح في ظل تسويات ومُعاهدات ومصالح  مع الدول العُظمى في ذلك العصر، وأن كانت صعبة بمكان، ولكن كان بالإمكان تذليلها وترويضها بشكل منطقي وعملي، وبالتالي كان يُمكن توظيف القضية بالأتجاه الصحيح من الناحية السياسية وحتى والدينية ويُصار تشكيل نوة دولة أو حتى أقليم وأدارة ذاتيّة لشعب عانة كثيراً وكان قاب قوسين وأدنى مْنهَا.
الأخطاء التي أرتُكبتْ في ذلك الزمان هي التي بعثرت الأوراقْ وأضاعة الفرصة ، وباتَ ذلكْ الفارس المغُوار بلا جواد ، وأنكسرت رِماحه ، وصدئ سيفه وتبعثرت تروسه، وتشتت جيشه ، وفي آخر المطاف ترجل عن حِصانه وخفّ الصهيل. وهِجر ذلك الشعب الأصيل من وطنه ، والذي باتَ في المهَجر يتغنى على أطلال ذلك الزمان الضائع.
كانت البدايات في تلك الجبال البعيدة على الحدود، في هكاري وأورميا وسالامس والقرى التابعة لهم حيث كان يسكنون ويعيشون ، ومع هبَوب رياح الحرب العالمية الاولى العاتية التي أطاحت بقراهم  وأيقظت مضاجعهم ، وفي سنة 1915 أرتكبَ العثمانيين مذبحة دامية بحق الشعب المسيحي عُرفت بمذابح سيفو آي عام السيف. في العام 1917، تراجع الروس، بسبب أحداثهم الداخلية والثورة الشيوعية التي قامت ضد القيصر نقولا الثاني، فانسحب الجيش الروسي من الجنوب وانسحب معه الثوار الآشوريون، ولم يعد لهم من داعم سوى الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، فأقاموا جسرا مع البريطانيين القادمين للحلول محل الأتراك، بعد أن دخل الإنكليز بغداد في مارس من العام 1917. في بداية شهر أذار من عام 1918 أغتيل البطريرك مار شمعون بنيامين على يد قائد الأكراد “سمكو أغا ” غدراً، وبذلك فقدت الأمة الآشورية قائداً كبير ورمزاً تاريخياً عظيمْاً  لن يتكرر ابداً. هجَّر الآشورين بعد تلك الأعوام الى مخيمات في بعقوبة وحبانية ، وفي عام 1925 تم توطينهم في قرى سوريا والعراق من قبل البريطانيين. خلال هذه السنوات كان البطريرك مار شمعون الثالث والعشرون يُطالب بحكم ذاتي للآشوريين في شمال العراق ، وعرض البطريرك هذه المطالب على عصبة الأمم في العام 1932. وفي 16 يونيو من العام 1932 بعد أن اجتمع البطريرك مع قادة الآشوريين في “العمادية” ورفع المجتمعون وثيقة إلى الحكومة العراقية وعصبة الأمم تدعو إلى الاعتراف بالآشوريين واستخدام تعبير “شعب” ضمن مكونات العراق. وطالبت الوثيقة بإنشاء منطقة حكم ذاتي للآشوريين، والاعتراف بمار شمعون زعيماً روحياً ودنيوياً عليهم. رفضت الحكومة العراقية هذه المطالب، وقال نوري سعيد قولته المشهورة، (إن الآشوريين لا يشكلون سوى ربع مسيحيي لواء الموصل، ولذا لا يحق لهم بالمطالبة بمقعد في البرلمان العراقي)، بعد شدّ وجذبْ ومعارك هُنا وهنالك  بين الحكومة والقوات الأشورية حصلت مجزرة سميل 12 كم عن دهوك من آب عام 1933 ، في حكومة الكيلاني ، بقيادة الجنرال بكر صدقي وكان على رأس وزارة الدفاع جلال بابان. مما أضطرهم إلى الهجرة عبر الحدود إلى بتجاه سوريا على مجرى نهر الخابور وسكنوا هنالك ، نفي مار شمعون الثالث والعشرون إيشاي وعمته سورما خانم وأفراد العائلة الدينية الى قبرص من نفس العام وسُحبت الجنسية العراقية منهم ، وبذلك أنطوت صفحة المطالبة الحقيقية بدولة أو حكم ذاتي للشعب الآشوري وأن بذل البطريرك قصارى جهده في المحافل الدولية ولكن لم تجدى  نفعاً.
من التأسيس الاول لفكرة إنشاء وطن يجمع الكل ، كانت هنالك بوادر أزمة ، وعدم قراءة صحيحة لبلورة المستقبل ، وشرخ كبير بين الكنيسة المتمثّلة بعائلة مار شمعون إيشاي وعمته سورما خانم من جهة  والقادة الميدانين والعسكرين أمثال الجنرال البازي أغا بطرس ، وملك خوشابا ، ومالك زيا شمزدين ، ومالك جكو من (تياري العليا )من جهة ثانية. وتم تضِيعْ كل الجهود المبذولة والذي أدى الى أضعاف عُرى التحالف بينهم ، مما زاد من تشظي الفكرة وضياع الفرصة. لن نتوغل كثيراً في التاريخ كي لا ندخل في متاهات الماضي ودهاليزه وتشتيت القضية المطروحة.
السؤال المَطروح هو لماذا لم يحققْ الآشوريين دولتهم المنشودة، وحلمهم في الحصول على وطن قومي يجمعهم وأرض يستقرون به ، رغم تلك التحالفات والصداقات مع دول ذات سيادة وسطوى في ذلك الزمان كروسيا الذي أصبح ( الاتحاد السوفييتي)  وبريطانية وفرنسا ، لهم كلمة الفصل في نهاية الامر على مجريات الأحداث ، فلم تنجز لا القيادة الدينية ولا العسكرية  شيئاً ملموساً على أرض الواقع ، وظلت معاركهم سواء العسكرية أو الإعلامية منها في أروقة عصبة الأمم،  تتأرجح بين الإخفاقات أو النجاح الوقتي الآني في أحسن الأحوال. فمنذو عام 1922 حيث بدأ التهجير والأضطهاد وقبل ذلك كانت هناك نواة أولى حقيقية لتأسيس دولة أشورية ذات أرض وسيادة وهو ما أجعْ عليه الكثيرون ، ومحولات جادة لإيجاد كيان سياسي ، ووطن قومي وخيمة كبيرة تُظلل هذا الشعب المُشرد، ولكن باءت كل هذه المحاولات بالفشل لأسباب كثيرة لا يمكن حصرها الان، ولكن كان أهمها هو الاضطرابات الداخلية والمناكفات السياسية والسِجال العقيم بين القادة أنفسهم ، والجدل البيزنطي الذي لا يفُضي الى شَيْء، وعدم الثقة بينهم ، مما أدى في نهاية المطاف الى أجهاض العملية  وتضِيع الجهود التي بذلها مار شمعون إيشاي في المحافل الدولية ، وأفشل المشروع  برمته، مع  الإحاطة أنه  كانت دولة  أخرى تتبلور هي هذه الحقبة ، كأسرائيل التي كانت تتشكل كفكرة  في عقل تيودور هرتزل، وحارب من أجلها  1901قابل    سنة 1898 القصير الألماني فيلهلم الثاني ، وسنة   السلطان عبد الحميد الثاني، ولم يوافقوا على الطلبه في توطيين اليهود في فلسطين ، وليست فلسطين هي وحده كانت المطروحة  فقد كان هناك فريق يؤيد الذهاب الى أوغندا أو الارجنتين الى أن أستقر المقام وجاءت الفرصة ، وتم توظيف الخطاب الديني مع الخطاب السياسي ، وصدر وعد بلفور الشهير عام 1917،  وبعد أخفاقات وخسائركبيرة  نجح المشروع في نهاية الامر، وأستقر الشعب على أرض الميعاد. ولو قدرَ لي أن أسأل السير أرثر جيمس بلفور لاقلت له (لماذا لم تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف على الشعب الآشوري وإقامة وطن قومي لهم ويبذل غاية جهده لتسهيل هذه الغاية). لا نتصور أبداً أن أسرائيل كانت كما  هي الان ، ففي بداية الأمر لم  تكن سوى أرض خالية من كل مظاهر التحضر والتمدن، وحالها حال الدول العربية المُحيطة، ترضخ تحت وطأة الجهل والفقر والاستعمار الذي فرضته الحرب العالمية الاولى ، ومن حارب وسيطر على الأرض كان من عصابات هاشومير ومنظمة الهاجاناه التي لم يتجاوز عدد أفرادها ال 100 في أحسن تقدير، تُحارب ايضاً عصابات عربية وبدوية أكثر عدداً وعدة.  وليس كما هي الأن أي أسرائيل ، جيش نظامي كبير وترسانة  أسلحة هي الاولى في العالم،وخاضت حروب شرسة 67 و73،  وتطور هائل في التكنولوجيا والمعلومات. بمعنى أدق تمخضت دولة أسرائيل من رحمّ العذاب والتعب، فمات هرتزل عام 1904 دون أن يرى ثمرة تعبه ولكنه أسس لمبدأ ظل الشعب اليهودي  يُقاتل من أجله، وهنُا نخرج من موضوع الاشادة والتقدير وندخل الى الهدف المنشود والغاية تبُرر الوسيلة كما هو حال السياسة دائماً . وهناك ايضاً في وسط تلك الصحراء القاحلة حملَ لورانس العرب سيفه وأمتطى جواده وأرتدى العقال والكوفية مع الاسرة الهاشمية والشريف حسين ملك الحجاز الى أن تحققت مطالبهم في عام 1916 وتم طرد العثمانين من الحجاز ، وهذه دولة الاْردن هي ثمرة ذلك التحالف الى حدّ الأن ، وكما في الجزيرة العربية  كان العقيد لورانس يُخطط ويُنفذ وينُسق، كان هناك في جبال هكاري مع الآشوريين الأب والضابط والرحالة الانكليزي المعروف وليم ويكرام المرسل من قبل الحكومة البريطانية.؟
والأكراد هم أيضاً كانت أول دويلة صغيرة لهم في مهاباد شمال غرب أيران  سنة 1946 أعلان عنها القاضي محمد والملا مصطفى البارزاني،  وأن لم تستمر سوى بضعت أشهر ولكن كانت بمثابة تأسيس أولي لدولة الكُرد الى أن حانت الفرصة مرة ثانية فستثمروها مع أختلال موازين القوى،  وصعود القطب الواحد الامريكي بعد أن تم أجهاض المشروع الشيوعي والأممية العالمية بقيادة السوفيت في عام 1990،  فتسنى للأكراد حينئذ أعلان أقليم لهم في كردستان العراق مع بعض الصداقات والتحالفات والمصالح الامريكية والاسرائيلية من نفس العام الأخير.
وحتى في الزمن القريب فهذه جنوب السودان كيف أخذت استقلالها سنة 2011 بعد تضحيات جِسام وقتال مرير،  راح ضحيته الكثير منهم على مذبح الحرية والكرامة  ومن أبرزهم جون كرنك زعيم الحركة الذي أغُتيل عام 2005 ، ولكن لم تُشل حركتهم ولم يتوقف نظالهم وما يصبون أليه وحققوا المطالَب وأخذوا استقلالهم سنة 2011 وأصبح لهم جوبا العاصمة  وعلم في هيئة الامم المتحدة ، ومعترف بهم في جميع دول العالم.
وأخيراً أرجو أن لا يُساء فهمي من خلال هذا المقال المتواضع ،وأقصى غاية  كانت تنبعْ من دوافع أنسانية ونبيلة،  لشعب كان يستحق بصدق وأمانة أن يكون له دولة وكيان سياسي وعلم يرفرف في سماء نيويورك.

132
أدب / الزَنبقْ الأبيض الدَاميّ
« في: 10:43 28/03/2016  »
                          الزنَبقْ الأبيضّ الداميَ
توطئةْ
حين عزمتْ على كتابة أدب القصة القصيرة أرتُ بذلك تخطي السردّ النمطي التقليدي للنصْ المكتوب، وتهميش تلك الحواجز بين الكاتب والقارئ ، وكَسر التابوهات من القوالب الأخلاقية الجاهزة التي حُشر في داخلها العقل البشري والتي كبلتْ يديه في المُضيَ قدُماً ، والخروج من دائرة التكرار والجمود، في نصوص تلاُمس الواقع المُعاشْ في تفاصيله، وشخصيات مُهمشة أجتماعياً نتعايش معها كل يوم وأن كانت تخفي في طياتها ما قيحّ  الجروحّْ من ألالم وأذابت الروح من السَقمُّ ، وتكاثرت عليها المحَنْ والشدائد حتى أوهنتها.
راودتني فكرة كتابة (الزنبق الأبيض الدامي) وهي من جنسْ القصة القصيرة ، والتي نويتُ نشرها على فصلان ، لبطل مُتخيَل من بنات أفكاري ، أقحمته الحياة  رغماً عنه في عالم موغل بألام والبؤس ، مرتبطة بمسارات مختلفة وبتحولات كبيرة ، تُصادف البطل ذاته ، والذي كان يتصور أن العالم عبارة عن يوتوبيا وعالم طوباوي لا وجود للشرّ به ابداً. تتداخل هُنا الصور الممزوجة  بالفرح  والحزن في لوحة تختلط بها المشاعر المتناقضة وتتمحور عبر سيَلّ جارف من الاحداث السريعة في فترة زمنية قصيرة نسبياً. وهُنا كان لابد من الولوج الى تلك الزواية المُظلمة في داخل النفسْ البشرية التي تتوقّ الى من يسبرْ أغوارها ويزيح النقاب عنها وتحريرها من أصفادها، والذي تتطلب الأمر في بعض الحالات الأستعانة  بالخيال الروائي ، وكما قال خورخي لويس بورخيس ( إننا بحاجة إلى الخيال كي نواجه تلك الفظاعات التي تفرضها علينا الأشياء). وأخيراً كان لابد في كتابة هذا السرد القصَصي والحبكة الدرامية من بعض المشاهد الجنسية لإعطاء الأبطال حقهم الكامل ، وأقناع المُتلقي أن الأحداث واقعية.
سوفة نُشاهد في نهاية القصةْ أسئلة خفية بين ثنايا السطور ، تتصارع بهدوء داخل سعد البطل وهو ينظر الى العالم من زاوية أخرى بعد أن أستقر به المقام في دير للرهبان ، لعلة أبرزها يتعلق بذات الأنسان، وجوهره والمعنى الحقيقي من وجوده.

 
                               الفصل الأول

         طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات   
                                                           متى

ليست الحياة خيرة أو شريرة ، بل هي مجرد مكان للخير والشر .
                                           ( ماركوس أوريليوس )

ثلاجة الموتى الباردة داخل مشرحة الطب العدلي ، يسحب الموظف الدرج الألي ويفتح سحاب كيس رمادي اللون فتظهر جثة مُتجمدة عليها علامات طعن بالسكين ، يطلب الشرطي منه أن يتعرف على ملامح المطعون، حين يشُاهد سعد الوجه يقع مغشياً عليه.

ساحة المرجة ، وسط العاصمة  السورية دمشق . ضجيج  السيارات وصُراخ الباعة  المتجولين ، وطرقْ مساحين الأحذية على صناديقهم يعلو في صخب يمتزج مع  وصوت عامل النظافة العجوز يلعن كل من يرمي القمُامة على الارض .. على المقهى المُطل على نصب برج الساحة الذي شَّيدَ عام 1907 على أيام الوالي العثماني حسين ناظم باشا وتصميم الفنان الايطالي بابلو روسيني وفي أعلاه ينتصب مجسم لجامع هو الاصغر في العالم .. جلس سعد يشرب الشاي وهو يفكر في أتصال جاءه من  أخيه الاصغر كرم الذي يعيش في فرنسا منذو أحد عشر عام ، يبُشره خيراً ، حيث أن أجراءات الفيزا قد أخذت مجراها الصحيح ، وقد تنتهى خلال الاسابيع القليلة القادمة ، ويجب على سعد أن يكون قريب من هاتفه النقال، فلا يعرف متى تتصل به السفارة الفرنسية في دمشق. وأضاف كرم لأخيه أنه أرسل له مبلغ من المال لتيسير أمره وتهيئة الأمتعى خلال هذه الفترة .
سعد رجل في بداية الخمسين من العمر، متوسط الطول، ذو وجه دائري ، خفيف الشعر، يملك عينان غائرتان  قليلاً  ،ممتلئ الجسم ، شمس البصرة الحارقة قد جعلت ملامحه سمراء تميل الى السواد في بعض الاحيان ، طيب القلب ، أو هكذا يراه أصحابه على الاقل . بعد دراسة صباحية  ومسائية تخرج من كلية الأدارة والاقتصاد جامعة البصرة . تزوج من ابنة خاله ،  هو كان يحبها ومتعلق به كثيراً ، أمه بذلت جهوداً جبارة في سبيل تحقيق رغبات أبنها ، حيث  كانت الفتاة  تحب بائع الخضار الجوال في الحي ، التي كانت تخرج على إقاع صوته الشجي حين ينادي على بضاعته ، ويفتعل أصوات وألحان خاصة لها .. ولكن تحت ضغط العائلة والاخوة تزوجت سعد بالاكراه. ولكن كان قلبها ورواحها عند زاهر  بائع الخضار . كان الزوج  يُلبي كل طلبات زوجته ويدللها وينفذ كل ما تريده وهو سعيد بذلك. الى أن جاء ذلك اليوم ، وهو عائداً الى البيت مبكراً على غير عدته .. حيث كان يعمل محاسب  في مطعم وسط منطقة العشار، نفذت اسطوانات الغاز، فقرر صاحبه  أن يغلق المطعم ذلك النهار.. قبل أن يتوجه سعد الى البيت  ذهب الى السوق واشترى بعض  الخضَر والفواكه الطازجة حيث كانت زوجته تحب الموز .. وقال في سرهَ عسى أن تكون حامل وهي تتوحم على الموز، هكذا كان يفكر وهو في سيارة الاجرة . حين وصل الى البيت ، فتح سعد الباب ودخل الى المطبخ أستغرب من هدوء المكان ، نادا على زوجته ولكنها لم تسمع ، ترك الاكياس على الطاولة الصغيرة التي في المطبخ واقترب اكثر من غرفة نومهم، حيث كان البيت صغير مكون من غرفتان وصالون مع حمام ومطبخ صغير .. حين ذهب سعد لخطبتها  أول شيئ طلبته  هو أن يأخذ لها مسكن خاص حتى وأن كان أيجار ، المهم أن يكونان  لوحدهم ، هكذا قالت أو كانت تخطط مع عشيقها على المكان الذي يلتقون به . سمع سعد صوت تأوهات تصدر من غرفته فسترق السمع ووضع أذنه على الباب الخشبي فسمع رجل يلهث ويقول بصوت شبق ، هذه المرة سوفة أتيكِ من الدبر أستديري . هُنا جنا جنونه وعلى الفور أدار أكرة الباب، ولم يكن مُغلق فشاهد زوجته مع بائع الخضار في السرير عاريين تماماً ، أهاله المشهد الفضيع وتجمدة الدماء في عروقه  من الصدمة ، وكادت روحه تُغادر المكان.  ما أن شاهد العشيقان  سعد واقف في وسط الغرفة ينظر لهم حتى لفت كواكب نفسها بالشرشف ، في هذه الثواني كان زاهر يفكر في كيفية الخلاص من هذه الورطة بأسرع طريقة ممكنة.... زوجة سعد المخلصة في نظره والتي كان يفكر قبل دقائق انها حامل ، هي الان مع شخص غريب وفي سريره  واصواتهم الشبقية تَملَأ أركان المنزل ، فجأة وبحركة بهلوانية خفيفة  وثبة زاهر من على السرير واخذ ملابسه الداخلية والخارجية وحذائه ليهرب خارجاً ، سعد حين رأه يقفز حاول أن يصده ، ولكن الشاب كان قوي البنية  فدفعه ارضاً بقوة وجرى نحو صالة البيت ارتدى ما يمكن ارتدائه وأكمل الباقي في الممر الواصل من المطبخ الى باب البيت  الخارجي ، حين أصبح خارج السكن سار بشكل عادي  كأنة شيئاً لم يحدث .. حتى النسوة الجالسات عند الابواب لم تنتبه له. في هذه الاثناء كان سعد يحاول النحوض من كبوته ويهجمْ على  زوجته لضربها ، ولكن كانت كالهرة الخائفة حيث قفزت من على السرير وهي عارية ، حاول مسكها ولكن كانت هي اسرع منه .. على الطاولة القربية من السرير كانت هناك زجاجة ويسكي فارغة التي شربها ليلة أمس ، فأخذتها وصوبتها نحوه ، كانت الضربة سديدة فجاءت القنينة على رأسه وهو واقف،  فوقع مغشياً عليه .. أرتدت كواكب ملابسها وأخذت حقيبتها الصغيرة  وخرجت من المنزل مسرعة الخطى  متوجه نحو أهلها في منطقة الطويسة.. في بيت الأهل وبين الاخوة والأب والأم ، أدعت أنها حين عادت من السواق الى المنزل رأت سعد مع أمرأة في غرفة النوم وهم  ويمارسون الجنس ، فصرخت عليه وضربته بالحذاء وبصقت في وجهه وخرجت من البيت .. أخذتها الأم بين أحضانها وهي تبكي ، وقالت أنه رجل سافل أنسان حقير من أول يوم لم أكن موافقة على هذا الزواج ولكن ماذا أفعل لعمتكِ تلك الحرباء .  الأب أرغى وأزَبد وقال سوفة يطلقكِ فوراً .. أراد أحد الاخوة أن يذهب الى بيت سعد ويضربه ولكن منعه الاب وقال وهو واثق من نفسه سوفة نأخذ حقنا في المحاكم.
بعد نصف ساعة أفاق الزوج من غيبوبته ، واضَعَاً يده اليسرى على جبينه محاولاً تذكر ما حصل .. اجال ببصره في أرجاء الغرفة فرأها مبعثرة ، حاول النهوض من بين  بقايا الزجاج المُحطم على ملابسه ، فنفضها وقام جالساً على الكرسي القريب .. أخذ جهاز الموبايل وتصل على هاتف زوجته ولكن كان مغلق ، أتصل على خط أخيها ورد هذا عليه شاتماً ومتوعداً ، أراد سعد أن يقول له أن اخته هي المذنبة ولكن الاخ لم يسمعه، فصرخ عليه بشدة وأغلق الجهاز في وجهه .. في هذه الاثناء كانت الاخبار قد انتشرت بين الأسرتان،  أن الزوجة قد ضبطت الزوج متلبساً بالخيانة في غرفتهم .. حاول هو أن يقول الحقيقة ولكن كانت هي بكيدها ودموعها قد أقنعت أهلها ، بعد تهديد ووعود  بين العائلتين  المتُصاهرة وتحت ضغط أهله لم يجد سعد سوى أن يرضخ لطلبهم فطلق كواكب  بعد مرور شهر على الحادث .. قرر سعد  بعد هذه الصدمة التي سوفة  تكون جرحاً واسعاً في حياته ، أن يسافر الى سوريا ومن هناك وبمساعدة أخوه الاصغر منه كرم يرحل الى فرنسا أو هكذا كان يخطط  لرسم طريقه .. كواكب بعد الطلاق أخذت راحتها مع العشيق فكان يتقابلان كل ما سمحت لهم الظروف عند محل أسكافي يملكه  قريب زاهر بائع الخضار  ، وفي أحيان أخرى كان يراها في   الحدائق العامة اذا أمكن مع قيض البصرة الذي لا يحتمل .. الى أن جاء ذلك اليوم وهو متوجه فجراً الى علوة الخضار الكبيرة كعادته كل فجر للتسوق  ، فمر رتل للقوات البريطانية المتواجدة في مدينة البصرة متوجها الى ثكناتها العسكرية ،عبوة ناسفة مزروعة  في طريق الرتل ، خطأ في التوقيت أخر أنفجارها عليهم، حين مرّ زاهر مع  سائق سيارة البيك أب أنفجرت العبوة عليهم فأصبحوا أشلاء متناثرة في الهواء ولم يبقى شيء ، لا من الجسدان ولا من السيارة.
كواكب بعد حادث عشيقها المروع ، فقدت الرجل الذي يحرث لها أرضها ويرويها ، وهي تعرف تضاريس جسدها الثائر الذي لا يصبر بدون رجال ، فتزوجت من أول  شخص يطرق باب بيتهم .
                                    ***
عاد سعد الى مسكنه في مدينة جرمانا بريف دمشق ، كان مكون من غرفة واحدة في الطابق الأرضي ، مع حمام صغير ومطبخ، يفصلهم عن بقية الغرفة حاجز من خشبي ، كانت العمارة ملك لعائلة درزية تسكن في الطابق الثاني . في ركن المطبخ الصغير يوجد اسطوانة غاز صغيرة  مع كيس سكر وحليب وشاي وبعض الخبز الذي تعفن بسبب تركه هنالك، فهو دائم الأكل خارجاً .. على الرفّ المقابل بعض الكتب التي جلبها معه من العراق ، أخذ ديوان لمحمود درويش سرير الغريبة وفتحه على قصيدة  لم أنتظر أحداً واراد ان يقرأ ولكن لم يستطيع  بسبب بائع الماء الجوال ذو الصوت الحزين  الذي يضع مكبر صوت في مقدمة سيارته.  رمة الكتاب جانباً ووضع أبريق الشاي على رأس أسطوانة الغاز،  ورتمه على السرير وبيده قدح الشاي الاسود  وبدأ يفكر الى أن غلبه النعاس . صحة مع أذان العشاء غسل وجهه ، وارتدى ملابسه وخرج الى سوق المدينة حيث يتكاثر العراقيين ويسرون في افواج ، حتى أن بعض السوريين قالوا أن منطقة جرمانا تحولت الى حي من أحياء  بغداد. لم يجد أحد في عند ساحة السيوف  سوى واحد كان قد تعرف عليه في دائرة الهجرة والجوازات ولكن لم يوطد علاقته به كثيراً ، بعد حديث عابر وعادي عن الايقامة وترحيل العراقيين الذين لا يملكون ورقة الحماية من  الأمم  المتحدة  ومصاعب الهجرة، تركه ومضى.  في طريق العودة أشترى زجاجة ويسكي من النوع الرخيص وبعض المقبلات وعاد الى غرفته .. أدار التلفزيون على قناة  الافلام وبدأ يشرب بهدوء ويفكر في حياته و المستقبل المنتظر في فرنسا  ، حين داهمته هذه الفكرة أنتعش وصب المزيد الويسكي ، الى أن نام على المقعد والكأس بيده . جفل على رنة هاتفه النقال فقد دقّ أكثر من مرة وحين أرد المتُصل ان يغلق الخط  فتحه سعد فقد كانت السفارة الفرنسية في دمشق تبلغه أن لديه  مقابلة بعد يومين في الساعة العاشرة صباحاً .. سُرَ جداً بهذا الاتصال الصباحي ،  فسوفة يصل الى بلاد النور والشعراء والملابس الراقية والعطور أخيراً،  أنها باريس هكذا كان يحدث نفسه . اتصل فوراً  بأخيه وأبلغه عن  أتصال السفارة.. طلب كرم منه أن لا يخاف ولايتردد في الاجابة على الأسئلة وسوفة تسير الامور على ما يرام.
بعد يومين قضاهم سعد وهو قلق من المقابلة ،  ذهب الى مقر السفارة قبل الموعد بثلاث ساعات يحمل كل أوراقه الثبوتية . عندما دخل الى المبنى أستقبله موظف سوري شاب، أخذ الجواز الاوراق التي معه، وأعطاه ورقة صغيرة خضراء به رقم ، وقال له رجاءاً أجلس في صالة الانتظار لحين موعدك  ، كان في الصالة عائلة كردية من العراق ، وفتاة لبنانية  لوحده،  ورجل فرنسي يبدو أنه أضاع  جوازه ، بعد أقل من ساعة  نادوا على الرقم الذي يحمله فذهب الى شباك صغير تجلس خلفه سيدة في الستين من العمر،  فرنسية  تتكلم  بعض العربية. كانت كل أوراق سعد موضوعة  قربها تنظر لهم  ثم  تنظر الى شاشة الكنبيوتر، وتسأل سعد عن هروبه من العراق ، ومن تهديد المليشيات المسلحة له وقتل زوجته وغتصاب ابنته . ذهل هو من هذه المعلومات الخاطئة التي لم تحدث ، ولكن كان يهز رأسه موافقاً على كل ما تقول الموظفة  خلف هذا الشباك وأستغرب أكثر كيف صدقته بكل هذه البساطة ، بعد  مقابلة  دامت أقل من عشرين دقيقة قالت له الموظفة سوفة نستكمل الاجراءات ونعاود الاتصال بك لتأخذ الفيزا. عاد الى بيته وهو مغتبط  سعيد ، فقد أحس أن كل الامور تسير في الأتجاه الصحيح. عند دوار الريس حيث انزله الميكرو باص رأى صاحب البيته الدرزي الطاعن في السن ، سأله خير أراك اليوم سعيد انشاء الله خير، فقال له سعد فرحاً ، لقد كنت في السفارة الفرنسية أكُمل أوراق السفري ، نظرة له الشخص نظرة غريبة ذات مغزى  ومضى دون أن يقول شيء .. لم يعرف سعد ما معنى هذه النظرة ، وأن ظل يستحضرها في مخيلته بين فترة وأخرى.
جاءت التأشيرة مختومة على الجواز العراقي بعد أسبوعين ، ونافذة  لمدة ستة أشهر ، ظل سعد يتوجس من مشكلة أقلقته  ، فهو خائف جداً من ركوب الطائرة. على الفور أتصل بكرم وأخبره عن الموافقة ، وأفصح مخاوفه من الجوّ ، ضحك الأخ الاصغر كثيراً على الأخ الاكبر وقال له هون عليك أنها أربع ساعات فقط  وتكون في باريس ، وأضاف لقد أرسلت لكَ ألفين يورو، أستلمهم انت بالدولار الامريكي وذهب مباشرة وقطع تذكرة سفر لرحلة واحدة ..  شكر سعد أخوه على كل  هذه المواقف النبيلة ، والذي بدونه لكان الأن ضائع في هذه المساحة من الحياة القاسية.
مطار دمشق الدولي ، السادسة والنصف مساءاً ، . يصعد سعد على متن الطائرة وهو يرتجف من الخوف ، حين جلس على المقعد المخصص له أصابه صداع  شديد ، طلب من المضيفة  الجميلة  أن تناوله حبة مسكن لآلام الرأس،  في أقل من دقيقة كانت حبتان أسبرين على طبق أبيض صغير وكأس ماء وصوت لطيف يقول له ، يبدو عليك أن هذه أول مرة تركب به طائرة .. لم يجب سعد فقد كان ينظر اليها ساهماً من انوثتها الطاغية وصدرها الناهد وعطرها الفواح ، شعرت بحرجه ، أبتسمت  وقالت أن كل شي على ما يرام لا تخف ، فخلال فترة قصيرة سوفة نكون في باريس . تمنى أن تظل قربه ، يحدثها في أمر ما ، لا يعرف لماذا شعر معها بالأمان.. تناول الحبتان دفعة واحدة وشد الوثاق ونظر الى جناح الطائرة من النافذة  وأستغرق في التفكير ، بعد دقائق كان الطائر العملاق يحلق في الجو عالياً.
باريس الساعة العاشرة والربع ليلاً ، مطار شارل ديغول ، سار سعد وراء الركاب في أروقة  المطار المُترامية ،  وهو ينظر في كل الاتجاهات الى أن وصل الى شباك الجوازات ، بعد أجراءات روتينية عادية خرج الى صالة الانتظار حيث كان كرم ينتظره . حين تقابلا الاخوين ركض الواحد نحو الأخر وتعانقا بحررة وسالت الدموع من المقُل ، سار الاثنان معاً الى الى محل تنزيل الحقائب، حمل كرم حقائب أخيه وخرجا ، ستقلا القطار السريع من باريس الى مرسيليا حيث كان يسكن هناك .. لم يشعرا بالطريق ولا حركة الميلان الشديدة ، فقد قضيا الوقت في الحديث عن السفر والأجراءات وأحوال العراقيين في سوريا، الى أن وصلَ القطار الى المحطة الاخيرة في المدينة الكبيرة .. كانت سيارة كرم الرينو الحديثة متوقفة هناك ، توجها مباشرةً الى الشقة. كانت الساعات الفجر الاولى تلوح في الأفق.
شقة جديدة في حي راقي ، أثاثها جميل ، ينمْ عن ذوق من هم حديثي النعمةَ ، عبارة عن غرفتين ومطبخ واسع، وصالون للجلوس كبير يطل من الجانب الشمالي على حديقة البلدية ، وحمام على الطراز الايطالي،  أشتراها كرم  قبل سنتين بمبلغ كبير. وضعا الحقائب  في الغرفة المخصُصة لسعد، وقال له كرم هذه غرفتك الخاصة ،أدخل الأن وأستحم، الى أن أجهز أنا الفطور، نظر سعد الى عين أخيه واراد أن يقول  شيء ولكن الكلمات لم تسعفه فقد عَبَرِتْ عيناه تحكي عما يجيشْ في خاطره من مشاعر أتجاه كرم . دخل سعد وستحم كأنه لم يستحم من سنوات عديدة ، أو كأنه يريد أن يغسل ذلك الماضي الاليم  ويُطهر جروحه بالماء الحار ، ويبدأ بعثه وميلاده الجديد ..  ومن شدة  فرحه أخذ يغني بصوت عالي  وهو في الحمام حتى وصل صوت غنائه  الى مسامع كرم في  المطبح  فبتسم الأخير في سره .. حين خرج الى الصالة وهو في روبْ الحمام الأبيض ، كانت المائدة عامرة بكل أصناف الأكل اللذيذ ، من زبدة فرنسية، وجبنة إيطالية، وعسل وبيض وشرائح لحم محشو فستق ، ونقانق ، وخبز حار طري .. جلس الأخوين يتناولان الطعام  ويتحدثان في أمور عامة.. بعد الانتهاء من وجبة الفطور  ساعد سعد أخوه في جمع الاطباق ووضع ما تبقى منه  في البراد ، بعد ذلك أعد كرم القهوة وشربها معاً في الشرفة المُطلة على الحديقة.  أصبحت الساعة تقريبا الحادية عشر صباحاً، قال كرم  لسعد، يجب عليَ الذهاب الى العمل الان ، انتَ خذ قسطاً من الراحة الى أن أعود ،  لن أتأخر كثيراً ، فقال سعد أنا اسف حقاً لقد أتعبتك معي  .. أبتسم له الأخ علامة العتاب ، وقال لا عليك ، يجب أن نكون معاً من الان فصاعداً لقد أضعنا الكثير من العَمر، وخرج.
 دخل  سعد الى غرفته ، وغطا  في نوم عميق  وشعور لذيذ ينتابه ، تأخذه الأحلام  الدافئة الى  عوالم  جميلة  يشعر معها  أنه  في الفردوس. على صوت كرم  صحى سعد من النوم ، وهو يناديه عند المساء .. كان الأخ قد جلب معه بعضاً من زجاجات البيرة وعشاءاً .. وقال له سوفة أخذ حمام سريع وبعد ذلك نعد المائدة معاً  لكي نسهر هذه الليلة .. قبل الساعة  العاشرة  كان كل شيء جاهز ، جلس الاخوان يتسامران على صوت الاقداح ، وبعد أن دارة الخمرة  دورانها في الرؤوس، أصبح سعد  يحكى حكايته الاليمة، وخيانة زوجته ، وكيف لم يصدقه أحد ، وصدقوها هي، والضروف الصعبة التي مر بها، والعار الذي تحمله ، ونظرة الاحتقار التي كانت في أعين الناس أتجاهه، حتى فكر في الانتحار أكثر من مرة ، ولولا مساعدة  كرم في الوقت المناسب ومد يد العون  له  لكان ألان في داخل قبر بارد  .. بعد أن أستمع كرم له بكل حواسه ، وإيقن مدى عمق جراحه النفسية ، والمعاناة  التي تكبدها نظر له محدقاً فيه بقوة ، وقال لا عليك، يجب أن تنسى كل الماضي وتبدأ من جديد .. وأمسكه من معصمه ألايسر وأضاف، أسمعني يا سعد يجب أن تولد من جديد، يجب أن تُبعث من الرماد مثل طائر الفينيق وتترك كل هذه الذكريات ورائكَ ، هنُا الحياة عسيرة  وتتطلب عزيمة وأرادة لكي تبقى، المعيشة ليست بهذه السهولة كما تتوقع ، أنا سوفة أفتح لكَ أبواب المال والعلاقات، يجب أن تكون ذئب ، أتسمع يجب أن تكون ذئب ، الضعيف هنا لا يعيش، نحن في غابة، والبقاء يكون فيها للقوي. لم يفهم سعد ماذا كان يجول في خاطر كرم في هذه الساعة أو الرسالة التي كان يريد إيصالها له لتداخل المشاعر وتقليب المواجع وتكريك الساكن.. لكن سوفة يكتشف بعد ذلك كل ما دار من كلام  مُبهم وخطير في هذه الأمسية. هزّ سعد رأسه والدموع تُرقرق في مقلتيه.
                                    ***
في  صباح اليوم التالي  خرجا الاثنين معاً ، وأكملا كل أوراق الاقامة الضرورية .. بعد ذلك فتح كرم حساب لسعد في البنك ، وأشترى له شريحة مع جهاز موبايل ، وعند الظهر تناولا وجبة الغداء عند مطعم إسباني في وسط البلد.
بعد هذا المشوار عادا الى الشقة ، وقال كرم نأخذ قسطاً من الراحة  وبعد ذلك نخرج  ونسهر  في أحد البارات ، في البداية لم يوافق  سعد على الخروج ، لأنه لا يحب هذه ألاماكن ، ولكن مع أصرار كرم ، خضع  لرغبته  .. قبل الخروج من البيت وعند الباب أستدار كرم وقال لسعد وقد تغيرت ملامحه بعض الشيء ، في البار لا تناديني كرم أسمي بين أصدقائي هو أدريان ، أستغرب سعد من هذا الطلب ، ولكن لم يعطي للأمر أهمية تُذكر. وكانت تلك أو أشارة يلتقطها عقله الباطن ويخزنها في الذاكرة التي سوفة تسُتحضر لاحقاً.
دخلا بار كبير يعج بالجاليات الأجنبية من مختلف المشارب  ، مغاربة ، أتراك ، أرمن ،إيطاليين، عراقيين . جلسا على طاولة في وسط البار، وطلب كرم  زجاجة ويسكي ، في هذه الأثناء جاء نحوهم  شاب ملامحه عربية ، طويل القامة أسمر الوجه ، بالكاد يبان وجهه من ظلمة المكان، فقط عيناه تلمعان بحمرار من شدة الشُربْ ، تتأبط ذراعه  فتاة متوسطة الطول ، بيضاء البشرة نحيفة الوجه ، من تلك الدولة الاسكندنافية ، مدّ المغربي يده بتجاه كرم وقال له بالفرنسية ، أين أنت يا أدريان ، لم نراكَ من وقت طويل يارجل ، أجاب كرم بَتجَهُم واضح ، كنت مشغول مع أخي ، لقد وصل فرنسا منذ يومين ، وأشار على سعد، سلم على سعد وقال بعربية ركيكة ، أسمي عمر برتاس ، وهذه صديقتي أليتا ، نهظ سعد وسلم على الاثنين متمتماً بكلمات غير مفهومة وجلس .. تحدث عمر مع كرم على أنفراد وبعد ذلك رحل هو وصديقته .
جلس سعد ينظر الى الحضور ساهماً، الكل مشغول ، ذلك مع  صديقته ، والأخر مع رفيقه، يحتسون المشروبات ويضحكون، مطلقين قهقهات عالية. في هذه الدوامة المتلاطمة من المشاهد الغربية على عالم سعد أقبلت فتاة على طاولتهم وألتفت حول كرم وطوقته بذراعيها وطبعت قبلة على خده الأيسر بقوة  .. أستغرب سعد من هذه الجراءة التي أعتبرها وقاحة ، لكن كرم عالج الموقف سريعاً حين شاهد أستهجان أخوه وقال هذه صديقتي لاتيسيا ديفوس ، مدت الفتاة  يده مبتسمة تصافحه ، نظر اليها سعد منُبهراً بجمالها الأخاذ .. كانت في عمر  السادسة والعشرين تقريباً، متوسطة الطوال ، لون بشرتها يميل الى السمار الخفيف، ذات شعر أسود قصير، وعيون بنية كبيرة توحي بالثقة اذا ما ركزت فيهم . سحبت كرسي وجلست بجوار كرم يتهامساً . مع توالي الكؤوس والدخول في القسم الثاني من الليل أصبحت لاتيسيا أكثر تحرراً ، وأصبحا يقبلان بعضاً بحرارة أمام الناس، حاول سعد أن يتحاشاهم ويغض الطرف عنهم ، ولكن الأن أصبح العناق والقبل الحارة في كل زاوية من البار ، الى أن قال لأخيه بعصبية ،لقد تأخر الوقت يجب أن نعود الى البيت ، نهض كرم مع الفتاة ودفع الحساب وخرج الثلاثة معاً .. مسافة الطريق بين البار و الشقة كان كرم يغني على إيقاع أغنية من مسجل السيارة وبصوت عالي ولاتيسيا كانت تصفق وتصرخ فرحاً ، وسعد جالساً في المقعد الخلفي يبتسم لهم دون أن يعليق فقد عرف أن أخاه  ثمل جداً. في الشقة أدخل كرم الفتاة الى غرفته واستأذن أخوه غامزاً له وأغلق الباب .. ذهب سعد الى غرفته وبدل ملابسه فاتحاً الباب قليلاً ، وأخرج من حقيبة السفر رواية الباب الضيق لأندريه جيد التي شتراها من دمشق،  وتمدد على  السرير يقرأ . في الغرفة الثانية كانت لاتيسيا قد نزعت ملابسها وأصبحت فقط بالسروال الداخلي الأحمر ذو النقاط السوداء مع حمالة  الصدر السوداء ذات الحواف الذهبية ، واقفة عند المرآة تتعطر وتُعدل تسريحة الشعر، وتتمايل بغنج ودلال مثيرة بذلك الخلاية الجنسية الساكنة ، حين شاهد كرم الجسد الغَضّ الأملس وشم رائحة العطر النسائي الفواح،  وألوان ملابسها الداخلية، سال لعُابه وستيقظ في داخله الثور الهائج ، فسحبها  الى السرير بقوة ، ممزقاً سروالها بعنف، حاولت هي خلع حمالة الصدر ولكن كان هو أسرع منها  فاخرج قضيبه الذي كان منتصباً تلك اللحظة وأولجه فيها مطلقة  صرخة مدوية وصل صداها الى غرفة سعد ، مع أنها لم تكن عذراء وليست المرة الاولى التي يمارسان الجنس فيها . بعد أن نام الذئب في داخله ، صارحته مازحة أنها وضعت له مسحوق حبة الفياجرا في كأس الويسكي دون أن يعرف حين كانا في البار معاً ، لم يعلق على  شيء من شدة الجهد والنشوة. بعد ذلك هدأ وغطَاَ  في نوم عميق .
صباح اليوم التالي أستيقض سعد باكراً، وبعد أن غسل وجهه ، ذهب الى الصالون وفتح التلفزيون وأخذ يقلب فيه وأبقاه على قناة مغربية تعرض أغاني قديمة .. صحت لاتيسيا قبل كرم  متعُبة وخرجت من الغرفة مرتدية الروب الشاموار الشفاف ذاهبة الى المطبخ ، حين شاهدت سعد جالساً في الصالون سلمت عليه بالفرنسية ، ولكن هو لم يعرف كيف يرد فهز رأسه مفتعلاً ابتسامة باردة .. في المطبخ أشغلت جهاز القهوة الكهربائي ووضعت الماء والحليب فيه ، صنعت لها كوب كابتشينو كبير. من المطبخ سألته مؤشرة على الكوب بأصبعها هل يشرب معها القهوة ، فرفض بجفاء ، هُنا أحست أن سعد صدها مرتين خلال دقيقة واحدة  .. فأنتابها  شعور خفي لا تعرف مصدره، أن الوضع في البيت غير مريح في وجود هذا الرجل .
جلس كرم وهو يتثاءب بتثاقل على الفراش ، ولاتيسيا جالسة على حافة السرير بيدها كوب الكابتشينو ، أخذ الكوب منها وشرب منه رشفى ، بعد ذلك نهض ودخل الحمام ، ارتدت هي  ملابسها وحملت بقايا السروال الممزق المتناثر على الارض ورتبت السرير والشراشف. خرجا معاً حيث لم يبارح سعد مكانه ، سلم كرم عليه وجلسا معاً دون حديث يشاهدان نشرة الأخبار.. في أقل من نصف ساعة كانت المائدة جاهزة للفطور ، الذي أصبح بعد تلك الساعة غداء .. على الطاولة  قال كرم مخاطباً أخوه اليوم هو عُطلة ، سوفة نخرج في جولة الى المدينة ونذهب الى الحديقة  الكبيرة بعد ذلك الى الميناء ، يجب أن ترى معالم مرسيليا الجميلة، وأضاف بالفرنسية ناظراً بتجاه لاتيسيا  أليسا  كذلك، فحدقته بعينين فيها ريبّ وعدم أقتناع ، أرادا سعد أن يقول لندع النزهة الى يوم  ثاني، ولكن لم يفعل، فقد لاحظ أن أخاه كان مسرور به جداً ولم يرغب بأفساد هذه الفرحة.                                                         
                              ***

133
الاتحاد الأوربي الى أين  يمضى
أمتلأ  قلبي أسى على أحداث  كولونيا في ألمانيا يوم  31 ديسمبر 2015 حيث حصل أعتاد على نساء وفتيات بريئات كُن يتظاهرن من أجل حقوق المرأة ، في تلك الأحداث التي شهدت تجمع نحو  ألف شخص  كان بينهم  عرب ، ومن شمال أفريقيا والشرق الأوسط  تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاما في الميدان الواسع بين كاتدرائية كولونيا ومحطة القطارات المركزية، والتي أرتكب بها لاجؤون  أوباش سكارى من بينهم سوريين وعراقيين  117 حالة تحرش جنسية، بينها حالتا أغتصاب مُتعمد. والآن وبعد احداث بروكسل الاخيرة ازداد يقيناً من أن   الاتحاد الأوروبي غير أمن بالمرة ، بعد هذا الهجوم  الشرس والمُباغت ، الذي خلف غصة ألم في صدور النَّاس. وهنُا يجب أن نعرف أن لرمزية المكان  الذي حاول الارهابين الاعتداء عليه،  وهو بناية  الاتحاد الأوربي أي قلب أوروبا النابض  وهو ذات مغزى ورسالة واضحة أراد الإرهابيين إصالها الى كل العالم مفادها نحن موجودون هُنا بقوّة ، ونفعل ما يحلو لنا.  لقد أثبتت الهجمات الاخيرة أن الأجهزة الأمنية في العواصم الكبيرة والمُهمة مثل باريس وبروكسل ولندن وبرلين ، غير كفؤه بالقدر الكافي وغير مسؤولة  عّن أمن وحماية مواطنيها بما هو مطلوب ، وقل