عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - خوشابا سولاقا

صفحات: [1]
1
قالها فريدريك هيجل ... " القُوة هي القانون "
خوشابا سولاقا
في ظل الواقع الذي يعيشه بلدنا العراق من شيوع وإنتشار الفساد في كل مؤسساته العسكرية والأمنية والمدنية وعدم إحترام سلطة القانون وغياب هيبة الدولة وتجاوز المواطن على حقوق الدولة والممتلكات العامة أجد ضرورة قرأة هذا المقال بتمعن .
جورج فريدريك هيجل ( 1770 م – 1831 م ) هو فيلسوف ومفكر ألماني كبير ، ويعتبر من أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر . يعني عند هيجل مصطلح الفلسفة قبل كل شيء منهجاً لدراسة وفهم التاريخ ، ولذلك يبدو من شبه المستحيل التحدث عن هيجل بمعزل عن التحدث عن تاريخ البشر . انطلق هيجل في دراسته للتاريخ ومن ثم لفهمه له كما ينبغي من منهجه الديالكتيكي ( الجدل ) الذي بني عليه فكره وفلسفته كفيلسوف كبير له مكانته المرموقة بين أقرانه منطلقاً من أن الشيء ذاته ينبثق من التناقضات التي تحدث فيه ، أي بمعنى أن كل شيء يولد ، يولد معه نقيضه ، وأن تطور الحياة الطبيعية والاجتماعية ياتي من خلال صراع الأضداد داخل الأشياء ذاتها ، أي بمعنى صراع المتناقضات داخل الأشياء . كان لهذا الفيلسوف والمفكر الكبير واللامع دوراً تاريخياً كبيراً في تطور حركة الفكر والفلسة في العصر الحديث ، حيث اعتمد كارل ماركس ( 1818 – 1883 ) م كأعظم مفكر واقتصادي وفيلسوف وعالم اجتماع ألماني في القرن العشرين على منهج دايالكتيك هيجل ومادية الفيلسوف الألماني اللاديني لودفينك فيورباخ ( 1804 – 1872 ) م الذي عاصر هيجل في استكماله لأركان النظرية الماركسية الثلاثة في دراسة تطور التاريخ الاجتماعي ودراسة تطور الطبيعة بصياغته لثنائيته الرائعة ألا وهما " المادية التاريخية والمادية الديالكتيكية " الى جانب الركن الثالث ألا وهو الأقتصاد السياسي . ولغرض التدرج في الوصول الى لب الموضوع المطروح الذي نحن بصدده بعنوان مقالنا هذا ، لا بد لنا من التعرف على فكر هيجل في القانون وعلاقته الجدلية بمؤسسة الدولة كمؤسسة خدمية لكي نتمكن من معرفة العلاقة الجدلية بين القوة والقانون في إدارة الدولة في الحياة الاجتماعية الانسانية حصراً ، وبعكسه سوف يبقى الأمر مجرد الدوران في حلقة مفرغة .
عند هيجل ومنهجه الديالكتيكي يعتبر أن القانون هو أساس الدولة وعقلها الموجه ، وعليه كُثرت الأتهامات الموجه له من خصومه من المفكرين والفلاسفة في عصره وحتى من بعده من الديمقراطيين والليبراليين بأنه فيلسوف مروج للفلسفة التوتاليتارية أو الشمولية على حساب الديمقراطية والليبرالية ، الى درجة جَرتْ محاولات للربط بين فلسفة هيجل وصعود النازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا في النصف الأول من القرن العشرين . ولكن في الحقيقة والواقع وكما أثبتتْ وتثبتْ الأحداث والوقائع التاريخية لحياة المجتمعات الانسانية عبر مختلف الحقبات التاريخية وفي كافة بقاع العالم أن القانون هو التعبير الحقيقي عن إرادة الفرد وحريته وضميره لتحقيق إنسانية الانسان لمنعها من التلوث ، ومن دون القانون لا يمكن للحياة الانسانية أن تستقر وتستمر كما ينبغي أن تكون ، وأنه الحامي الأمين الأول والآخير لتلك الارادة والحرية من عبث العابثين ، ومنعهم من انتهاكها والتجاوز عليها وبالتالي التجاوز على الحقوق الانسانية للمجتمعات ، وذلك بوصف القانون أساساً مادياً وركناً حيوياً محورياً للدولة وسلطتها وسيادتها وهيبتها ، فالقانون ليس آلية خارجاً عن كيان الدولة ذاتها ، بل إن القانون هو الأرادة الحرة الحقيقية للفرد أختارها بكامل إرادته لكي تعبر عنه وتحقق له أكبر قدر من الأستقلالية والحرية الفردية المنضبطة الغير منفلتة .
لقد استخدمت بالفعل فلسفة هيجل ومنهجه الديالكتيكي ( الجدل ) بشكل مشوه ومحرف في تدعيم ومساندة وترسيخ بعض المفاهيم والأفكار الشمولية عن الدولة على يد بعض المفكرين والمنظرين في شؤون صياغة فلسفة الدولة الديكتاتورية الشمولية . حيث ذهب هيجل في وصفه للدولة الى حد إعتبارها أنها إكتمال لمسيرة الأله على الأرض ، أي كما تم تفسير هذا البعد في وصف هيجل وروج له بأن سلطة الحاكم في الأرض مستمدة من سلطة الله في السماء ، والى أن الدولة هي قوة العقل المحقق لذاته ، وأن واجب الفرد الأسمى هنا هو أن يكون عضًواً في الدولة تترتب عليه واجبات تجاهها وله حقوق مستحقة عليها .
بعد هذه المقدمة التاريخية المتواضعة عن فلسفة هيجل ومنهجه الديالكتيكي في نشوء وتطور وتفسير الأحداث التاريخية الاجتماعية نتمكن من الدخول في توضيح العلاقة الجدلية بين " القوة والقانون " في اطار مفهوم فلسفة الدولة في الحكم لحماية أمن المواطن الفرد والمجتمع والممتلكات العامة للدولة من عبث العابثين والمجرمين والمتجاوزين من عصابات الجريمة المنظمة وسُراق المال العام من الذين عاثوا في الأرض فساداً .
القانون هو بمثابة المعيار المحدد اجتماعياً وأخلاقياً مقراً من الجميع تعود إليه الدولة لتقييم أفعال الأفراد في المجتمع الوطني وفق مبدأ " الثواب والعقاب " بين أن تكون أفعال خيّرة تعود بالفائدة للمجتمع يستوجب تكريم فاعليها ، وبين أن تكون أفعال شريرة تعود بالضرر البَيّن للمجتمع يستوجب محاسبة ومعاقبة فاعليها . هذا هو مدلول ومعنى القانون كمعيار للتقييم وللتمييز بين الخير والشر في أفعال أفراد المجتمع لحماية الفرد والمجتمع ومصالحهما للوصول في نهاية المطاف الى حالة شعور الأفراد بالأمن والأمان والأستقرار والهدوء النفسي وأن القانون هو حاميهم وحارسهم الأمين من أي مكروه يصيبهم في حياتهم .
على خلفية هذه الحالة المفترضة والمطلوبة لأن تكون عليها حياة المجتمعات الانسانية المستقرة أمنياً ومعاشياً وثقافياً ، يستوجب حضور القانون في الساحة بقوة لفرض إرادته وسلطته وسطوته واحترامه وهيبته على أفراد المجتمع بكل طبقاتهم وشرائحهم الاجتماعية . من هنا تبرز أهمية وجود القوة الى جانب القانون لفرض سلطته وإرادته وهيبته لكي يتمكن من تحقيق أهدافه الانسانية المرجوة منه ، وعليه ولكل هذه المسوغات يكون وجود وحضور عنصر القوة هنا عنصر خير وأداة نبيلة تسعى الى تحقيق الخير والأمن والأمان للمجتمع كله كغاية نبيلة ، وليس عنصر شر يستهدف منه الى قمع وكبح ومصادرة الأرادات والحريات كما قد يتصور البعض من المبالغين بالحريات الفردية المبتذلة والمنفلتة التي تضر بمصالح وحريات الآخرين من أفراد المجتمع . إنه من غير المحبذ بل من غير المقبول عقلياً بل وليس حتى أخلاقياً أن يأتي توسيع إطلاق الحريات المبتذلة للفرد على حساب تقويض وتقليص والأضرا بالحريات العامة للمجتمع . لذلك يستوجب على الدولة ومؤسساتها القانونية والتربوية أن تعمل على إحداث حالة من التوازن  بين هذا وذاك في المجتمع وفق مبدء " الكل أحرار أمام القانون لنيل وممارسة حقوقهم وحرياتهم الطبيعية ، والكل في ذات الوقت ملزم باحترامه لحماية حقوق وحريات الآخرين " . في حالة سيادة هذه الثقافة القانونية بين أفراد المجتمع وبين القائمين على تطبيق القانون أي الدولة معاً ، المتآتية من نمو وتطور مستوى الوعي الثقافي بكل أشكاله لدى الفرد ، وشعوره بالمسؤولية تجاه الآخرين وتجاه كيفية التعامل مع القانون بشكل مسؤول ، يكون القانون في هذه الحالة قد تحول الى قوة مجتمعية كبيرة إن صح التعبير ، وعندها تنتفي الحاجة الى وجود سلطة البوليس أو أي شكل آخر لها من أشكال أدوات الدولة .
 القانون لا يمكن أن يصبح واقعاً معاشاً على الأرض وموضع احترام أفراد المجتمع بكل طبقاته من دون وجود قوة تسنده وتدعمه وتفرض سيطرته وسطوته وسلطته واحترامه وهيبته على المجتمع وتتحكم بسلوكيات الأفراد لكي يكون مفيداً ، أي بمعنى أن القانون لا يمكن له أن يعيش إلا بمعية القوة ، وهو والقوة توأمان يرتبطان بعلاقة عضوية جدلية تكاملية لا ينفصمان ولا يمكن لأحدهما أن يعيش وينتج خيراً للمجتمع أو يقلع منه جذور الشر من دون وجود الآخر بمعيته ، لأن القوة بكل أشكالها هي جوهر القانون وأداته لتحقيق العدالة والمساواة والأمن والأمان والأستقرار في المجتمع ومن دونها يولد القانون ميتاً . ومفهوم القوة وطبيعتها على أشكال تختلف من مجتمع الى آخر ومن مكان الى آخر .
فهناك قوة إيجابية بيضاء مسالمة نابعة من نمو وتطور مستوى الوعي الثقافي والاجتماعي بكل أشكاله لدى الفرد والمجتمع ، ونمو وتطور الشعور بالمسؤولية لدى الفرد تجاه الآخرين وتجاه الممتلكات العامة للدولة باعتبارها ملك عام للمجتمع عليه يكون حمايتها وصيانتها من العبث والجريمة من مسؤولية الجميع ، في ظل هذه الحالة يتحول القانون الى سلطة الفرد بذاته يمارسها على ذاته أولاً قبل غيره بحرص شديد ، وهنا وفي ظل هذا النمط من القوة تنتفي الحاجة الى اللجوء الى استعمال القوة القاهرة بكل أشكالها لتطبيق القانون . هذه الحالة الراقية لتطبيق القانون تمثل نموذجاً للقوة الايجابية البيضاء أي قوة القانون في المجتمعات المتقدمة والمتطورة الراقية في عالم اليوم . أما في حالة غياب هذه القوة الأيجابية البيضاء فليس أمام الدولة وسلطاتها المختصة من خيار آخر لتطبيق القانون وفرض سيادته وسلطته وهيبته كما ينبغي لحماية المواطن الفرد والمجتمع والممتلكات العامة للدولة والتصدي للجريمة بكل أشكالها إلا باللجوء الى إعتماد القوة القاهرة " قانون القوة " بحسب مستويات الأفعال المرتكبة من قبل العابثين والمتجاوزين على القانون بحق المجتمع والممتلكات العامة للدولة لوضع الأمور في نصابها الصحيح ، وهذه الحالة من استعمال للقوة القاهرة في تطبيق القانون تمثل تعامل القانون مع المجتمع في المجتمعات المتخلفة للغاية حتى بطبيعة تجاوزاتها القبيحة والهمجية والمبتذلة مع الممتلكات العامة للدولة حيث لا يعير الفرد فيها أية أهمية للقانون وحقوق الآخرين وحقوق الدولة ، ولا يقيم لها أي وزن واعتبار ولا يوليها أي احترام يذكر كأننا نعيش قي ظل شريعة الغابة على قول المثل " حارة كلمن إيدو ألو " ، والعراق نموذجاً للحالة المزرية هذه حيث المواطن يعبث بكل حق من حقوق الآخرين ، ويسيء على ممتلكات الدولة بوقاحة متناهية لا مثيل لها في أي بلد من بلدان العالم حتى المتخلفة منها التي كنا نتقدم عليها بعقود من الزمن قبل سقوط النظام السابق . بحكم هذه الممارسات الشاذة والمنكرة من التجاوزات على حُرمة القانون العام وهيبته تحولت ارصفة الشوارع ونصف الشوارع نفسها الى بسطات ومطاعم ومحلات لعرض ما لدى الباعة المتجولين واصحاب المحلات التجارية والمطاعم وباعة الخضراوات والفواكه والملابس ومشاوي السمك المسكوف وغيرها من االنشاطات المنافية للذوق العام ، إنها في الحقيقة حالة يرثي لها وتثير الأستغراب والأشمئزاز في النفس تُبكي الأعمى والأطرش وتُضحك الأعداء على ذقون المسؤولين العاجزين عن التصدي لهذه التجاوزات بقوة القانون  . بغداد الجميلة وشوارعها وأزقتها تحولت الى مكبات ومزابل للنفايات ، تصول وتجول فيها الحيونات السائبة مشاركة مع فقراء وبؤساء الشعب بحثاً عن فتات الطعام لتسُد بها رمقها وربما لا يجدوه فيها ، هذه الحالة المزرية والمعيبة يتحمل مسؤوليتها بالكامل المواطن قبل الدولة لأنها من صنعه ونتيجة سلوكه غير المسؤول تجاه نفسه أولاً وتجاه الدولة والوطن ثانياً ، إنه سلوك منحرف للمواظن لا يشعر بالمسؤولية تجاه الاخرين ، وهو سلوك مواطن أناني عبثي ثرثار وناقم من دون أن يعي نتائج أفعاله المشينة التي تخلق هذا الواقع القبيح لمدنه وشوارعها في ظل شبه الغياب التام لمؤسسات الدولة الخدمية وأدواتها ودورها الرقابي للتصدي لهكذا تجاوزات  ومحاسبة القائمين بها . ربما قائل يقول بأن هذا السلوك هو وليد الحاجة والعوز بسبب الظروف التي يمر بها العراق ، ونحن نقول كلا إنه ليس كذلك في أغلبه ، بل هي طبيعة تَطبع بها المواطن العراقي يلتجأ إليها عندما تضعف الدولة وتغيب قوة القانون وسطوته في العقاب الصارم ،  لأن صاحب المطعم والمحلات التجارية الكبيرة المملوءة بالبضائع المنزلية المستوردة المختلفة المناشئ والماركات التجارية ، وتجار المواد الأحتياطية للسيارات والمكائن والمعدات الثقيلة وغيرهم الكثيرين ليسوا تحت تأثير الحاجة والعوز والفقر وفقدان لقمة العيش  ليقوموا بالأستلاء على أرصفة الشوارع ونصف الشوارع أمام محلاتهم لعرض بضائعهم ، بل هي طبيعتهم العبثية وميلهم الفطري الموروث للنزوع الى التجاوز على ما لا يمتلكونه وليس من حقهم إستغلال ذلك في ظل غياب القوة التي تكبح عبثيتهم وهمجيتهم اللامحدودة . لماذا لم يتصرفوا كذلك في زمن النظام السابق ؟؟ نقول إنهم لم يفعلوا ذلك لأن العقاب المقابل من الدولة كان حاضراً وقاسياً وصارماً لذلك تجنبوا هذا السلوك المشين غير المسؤول خوفاً من قوة القانون ، لذلك كانت الأرصفة والشوارع بعيدة عن متناول التجاوزات الشاذة والأستغلال القبيح وكانت دائماً نظيفة من بقايا مخلفات بضائعهم . أما من جانب الدولة فإن الموازنات العامة للعراق ذات الأرقام الفلكية التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات الخضراء تجاوز مجموعها خلال السنوات الماضية من التريليون دولار ( ألف مليار دولار ) كما صرح به نائب رئيس مجلس الوزراء السابق الأستاذ بهاء الأعرجي للفضائية البغدادية في حينها في برنامج ستوديو - 9 الذي كان يقدمه الأعلامي المعروف أنور الحمداني ، ولكن بالمقابل لا نجد أن أمانة بغداد والدوائر البلدية في المحافظات قد قامت بتبليط حتى شارع واحد أو إنجاز أي مشروع حيوي خدمي ، وحالة الكهرباء والتربية والتعليم والصحة والمجاري والأتصالات والنقل وغيرها تسير من السيء الى الأسوء يوم بعد آخر ، والمليارات من الدولارات تذهب أدراج الرياح وتختفي في أرصدة الفاسدين في بنوك العالم !!! والحرب دائرة على مدار الساعة والشهداء من ولد الخايبة بالعشرات يومياً والخطف والقتل على الهوية فحدث ولا حرج ، إنها حالة تعايش وتصارع المتناقضات في بلد العجائب والغرائب ، بلد قصة ألف ليلة وليلة العراق المغتصب !! الذي بات لا نعرف من أين نبدأ وأين ننتهي بذكر مصائبه ومعاناته وأزماته ومشاكله لينام شعبه قرير العينين وليقولوا لحكامه " لقد أدرك شهرزاد الصباح فسكتتْ عن الكلام المباح " . بعد هذا العرض لتصحيح مسارات الحياة الأجتماعية في مختلف المجتمعات نستنتج أن القوة والقانون هما في علاقة عضوية جدلية تكاملية دائمة ، لا يمكن لأحدهُما أن يتواجد ويكون مؤثراً لوضع الأمور في نصابها الصحيح إلا بوجود الآخر معه وتوأماً له ... القانون من دون وجود قوة داعمة له لا جدوى من وجوده ، وعليه نحن نقول للحكومة الحالية التي يقودها الأستاذ مصطفى الكاظمي كان الفيلسوف والمفكر الألماني فريدريك هيجل مصيباً في قوله حين قال أن " القوة هي القانون " .

 خوشــابا ســـولاقا   
بغداد في  28 / حزيران /  2020 م

2
الحوار الأستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية
في ضوء إتفاقية الأطار الأستراتيجي التي تم التوقيع عليها بين البلدين في سنة 2008 م تم الأعلان منذ مدة بأنه سيتم عقد إجتماعات بين البلدين لأجراء حوارات إستراتيجية شاملة في كل مجالات التعاون الوارد ذكرها في هذه الأتفاقية في ضوء ما حصل من مستجدات وتغيرات سياسية وأمنية وعسكرية وإقتصادية وعلمية وغيرها من المجالات الأخرى خلال الفترة المنصرمة وتقييم المخرجات لأعادة وضع خارطة الطريق للعمل في أستكمال ما تم الأتفاق عليه في الأتفاقية المشار إليها أعلاه .
وفي 11 / حزيران / 2020 بدأت الأجتماعات تحت عنوان " الحوار الأستراتيجي " عبر الدائرة التلفزيونية المغلقة بين وفدي البلدين حيث كان الوفد الأمريكي برآسة نائب وزير الخارجية الأمريكية ومجموعة من المساعدين الأختصاصيين في محاور جدول الأجتماع ورأس الوفد العراقي وكيل وزارة الخارجية هشام عبدالكريم وضم بالتناظر مع الوفد الأمريكي مجموعة من الخبراء المختصين بشؤون محاور جدول الأجتماع المتفق عليه قبل بدأ الحوار ، وكانت هيكلية الوفدين تتضمن لجان تخصصية من الخبراء لكل محور من محاور جدول الاجتماع .
وقد إنتهت الجلسة الأولى من الحوار بإصدار بيان مشترك وكانت نتائج هذه الجلسة المعلنة بموجب البيان المشترك للجانبين إيجابية بحسب تقييم المراقبين والمحللين السياسيين وتقرر إستئناف الجلسة الثانية في شهر تموز يوليو المقبل . ومن خلال إستقرائنا ومتابعاتنا لمجريات هذا الحوار في ضوء الصراع المستفحل بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران  وإشكالياته المنعكسة على الواقع العراقي وأثارها السلبية على وحدة الموقف والقرار السياسي العراقي بحكم الولاءآت المتناقضة بين الكتل والقوى السياسية العراقية مما تزيد في موقف الحكومة والوفد العراقي في الحوار ضعفاً وتردداً وتشتتاً بشأن محاور هذا الحوار .
مما ورد ذكره أعلاه يستوجب أن نضع بعض النقاط على الحروف ونسلط بعض الضوء على ما يتطلب توضيحه للشعب العراقي بحسب رؤيتنا المتواضعة بخصوص الظروف الموضوعية والذاتية للعراق وتأثير مخرجات هذا الحوار لتحسين الوضع العراقي المتأزم من جميع النواحي ونوجزها بما يلي : - 
أولاً : ما كان معروفاً للطرفين العراقي والأمريكي منذ البداية هو أن الأجتماعات لهذا الحوار الأستراتيجي المهم سوف لا تنتهي في جلسة واحدة أو جلستين أو في أيامٍ معدودات كما كان يتصور البعض وإنما ستستمر الجلسات الحوارية لأمد أطول لربما تأخذ أشهر من الوقت لأنضاج الرؤية المشتركة بين الطرفين بما يخدم مصلحة البلدين وذلك حتماً يعتمد على مدى شفافية الطرفين وتجاوبهما الأيجابي لأنجاز محاور الحوار ، وأن هذه الحوارات ستكون صعبة وحساسة للغاية للوفدين بسبب ظروف العراق المعقدة لإعادة صياغة علاقة صداقة إستراتيجية منتجة بين البلدين في كل المجالات الواردة أصلاً في إتفاقية الأطار الأستراتيجي .
ثانياً : العراق سيكون حتماً وبحكم واقعه الحالي المتردي حيث يواجه تحديات كبيرة وعديدة وعلى أكثر من صعيد سيكون بلا شك هو الطرف الأضعف في هذا الحوار الأستراتيجي لأنه لا يمتلك أية ورقة ضغط لتقوية موقفه في الحوار بينما والولايات المتحدة الأمريكية ستكون هي الطرف الأقوى والأقدر في الحوار لأنها تمتلك كل أوراق الضغظ والتأثير ، مما يجعل موقف العراق حرج وصعب للغاية لا يُحسد عليه .
ثالثاً : العراق بوضعه الحالي هذا هو بأمس الحاجة إلى كل أشكال المساعدات والدعم الدولي ليتمكن من الخروج من تحت ضغط التحديات التي يواجهها الآن ، وإلا سيكون مصيره الأنهيار التام وما لا يحمد عقباه من تداعيات ، وهذا وضع لا يستطيع أن يتحمل مسؤوليته الوفد العراقي المتحاور ولا حتى الحكومة العراقية الحالية لوحدهما ، وهنا يتطلب الموقف من الجميع ، الحكومة وكل القوى السياسية العراقية الحريصة على مصلحة العراق وشعبه بمختلف إنتماءآتها وولاءآتها إنتهاج نهج العقلانية والواقعية البرغماتية للتوافق على صياغة القرار السياسي العراقي الوطني الموحد أزاء هذا الحوار الأستراتيجي المهم للخروج بموقف منتج لينقذ العراق من محنته العصيبة ، وأن تضع مصلحة العراق فوق كل شئ من الأعتبارات الأخرى ، وأن تتخلى كل القوي السياسية عن سياساتها الندية ومؤآمراتها الكيدية تجاه بعضها البعض على خلفية طائفية وعِرقية وحزبية في مثل هذا الظرف العصيب وأن تعيد النظر بكل القرارات والأحكام الصادرة على أساس ذلك وتحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية بين مكونات الشعب وإنجاز قانون العفو العام للسجناء وحل كافة الأشكالات المعلقة بين بغداد وأربيل لغرض توحيد ورص وتقوية الصف الوطني ، هذا هو ما يتطلبه الواقع الموضوعي للعراق اليوم من كل القوى الوطنية التي تحسب نفسها على العراق أن تعمل من أجله بإخلاص وإيمان وتفاني لكي يكون العراق قوياً ومقتدراً لخوض هذا الحوار المهم ليخرج منه منتصراً وإلا سيغرق مركب العراق وسيغرق معه الجميع .
رابعاً : ليعلم الجميع ممن يعتبرون أنفسهم سياسيين بأن الجهة الوحيدة في العالم التي بإستطاعتها وبإمكانها من خلال ما تمتلكه من الأمكانيات والقدرات والتأثيرات الدولية لحشد الدعم الدولي لمساعدة العراق لإنتشاله من براثن هذا الواقع المزري أمنياً وإقتصادياً ومالياً وعسكرياً وعلمياً وتكنولوجياً وغيرها من مستلزمات النهوض هي الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وأصدقائها في العالم والمنطقة وتحديداً دول الخليج العربي .
عليه ومن باب ضمان وحماية مصالح العراق الوطنية ليس أمامه خياراً أفضل ولا بديلاً آخر أقدر وأقل مرارة غير التعاون الايجابي مع الولايات المتحدة الأمريكية بقدر المستطاع عبر هذا الحوار الأستراتيجي على أساس تبادل المصالح المشتركة وإحترام السيادة الوطنية للعثور على مخرج من هذا النفق المظلم .
وهنا يستوجب على كافة القوى السياسية الوطنية العراقية والكتل البرلمانية لكل المكونات من دون إستثناء أي طرف منها أن يُغلبوا مصلحة العراق الوطنية على مقتضيات مصالح الرؤى السياسية المؤدلجة بمفاهيم ضيقة كالطائفية والعِرقية لأنقاذ العراق من الأنهيار ومن المستقبل المجهول التعاون المثمر مع الحكومة ودعمها بأقصى ما يمكن من الجهد لأنقاذ سفينة العراق من الغرق وإيصالها الى بر الأمان في هذا البحر المتلاطم الأمواج ... وإعلموا إن غَرِق العراق ستغرقون جميعاً .

خوشـــــابا ســــولاقا
بغداد في 24 / حزيران/ 2020   

     
                                                                                                                                                                     

3
تحقيق أطماع الجيران أم كسب صداقة الشيطان ؟
خوشـــابا ســـولاقا
من خلال تنشيط ذاكرة المتناسين للعودة الى قرأة التاريخ القديم من جديد بمنظار العقل والمنطق المتجرد عن روابط الدين والمذهب سنراه على صورة أخرى غير التي طبعناها في أذهاننا المريضة وذاكرتنا المذهبية حيث سنرى الجانب الأسود والأبيض فيها وسنرى الجزء الظاهر من جبل جليد الطائفية فوق سطح الماء ونخمن الجزء المغمور منه وسنضع إصبعنا على الجرح وسنضع النقاط على الحروف ، وعندها ستتكون لنا صورة جديدة مختلفة واضحة المعالم والأبعاد عن تلك التي طبعت في أذهاننا منذ قرون طويلة على خلفية مذهبية طائفية ، وتتوضح لنا معالم الحدود الوطنية على أرض الواقع وسندرك حينها بماذا يفكر الآخرين من جيران الشر والعدوان وماذا نريد ونبتغي من صداقة الشيطان في الكفة الثانية من الميزان لنخرج برأي واعي وناضج ومسؤول تجاه ما يهدد سيادة أوطاننا لنتمكن من حماية مستقبل أجيالنا ... لنعود الى التاريخ بإختصار
أولاً : إحتلوا الفرس الأخمينيين العراق لأول مرة بإسقاط عاصمته بابل سنة 539 ق م على يد كورش الأخميني ثم تلته في حكم العراق سلالات فارسية من ساسانية وفرثية وآخرها صفوية وغيرها الى أن تم إسقاط آخر سلالة لهم على يد العرب في زمن الخليفة عمر بن الخطاب في القرن السابع للميلاد وتم قتل قائدهم المشهور رستم على يد القائد العربي المسلم القعقاع وتم أخذ بنات كسرى سبايا الى الحجاز وتم تزويجهن الكبرى لسالم إبن أبو بكر الصديق والوسطى لعبدالله إبن عمر إبن الخطاب والصغرى للحسين بن علي إبن أبي طالب ، وهكذا على أرض الواقع إنتهت سلطة الفرس على أرض العراق إلا أنها بقيت في الأذهان والنفوس تتقد كالجمر تحت الرماد وتتحين الفرص لأستعادة الفرع الى الأصل ، وهذا ما صرحوا به علناً عبر وسائل الأعلام الكثير من قادتهم قبل فترة قصيرة وقالوا أن العراق هي أرض أجدادنا ومن دون تحفظ .
ثانيا : الترك من آل عثمان إحتلوا بغداد في سنة 1534م بقيادة السلطان سليمان القانوني بعد أن طردوا الفرص الصفويين بقيادة الشاه طهماسب ، وفعلوا العثمانيين ما فعلوا بأسم دولة الخلافة الأسلامية بأهل العراق من محاولات تتريك الأرض والسكان لمسح هويته الأصلية الى حين سقوط إمبراطوريتهم المجرمة على يد الحلفاء سنة 1918 م بنهاية الحرب العالمية الأولى وتم تقسيم هذا الجزء ( ما تسمى اليوم بالدول العربية ) بموجب إتفاقيات سايكس بيكو ولوزان الى دول وضعت تحت الأنتداب البريطاني والفرنسي وصار خط الحدود الفاصل بين تركيا الحالية والعراق وسوريا ما سمية بخط بروكسل ، وعندما تم وقف إطلاق النار بين الحلفاء والدولة العثمانية سنة 1918 م كانت ولاية الموصل العثمانية بيد الدولة العثمانية أي أنها من المفروض أن تبقى جزء من تركيا الحالية ، إلا أن الأصدقاء الشياطين ضموها الى العراق سنة 1924 م لغرض في نفس أبو ناجي إلا أن ذلك كان من صالح العراق بالنتيجة وصارت الحدود الدولية بيننا وتركيا بموجب خط بركسل حسب إتفاقية لوزان التي هي بموجبها تم التقسيم وليست إتفاقية سايكس بيكو كما يتوهم البعض ، وإتفاقية لوزان التي كان أمدها 99 سنة قد إنتهت وكان فيها بند ينص على أن هذه المنطقة الحدودية إذا لم تستقر ويستتب فيها الأمن وتشكل خطر أمني على تركيا يكون من حق تركيا التدخل وإستعادتها وهذا ما تقوم به تركيا اليوم بقيادة السلطان أردوغان .
ثالثاً : تناسوا الفرس وآل عثمان أن العراق لم يَكُن في يوم ما أرضهم وأرض أبائهم وأجدادهم كما يدعون ويتخيلون واهمين ، وإنما هي أرض السومريون والأكديون والبابليون والآشوريون والعرب أولاد النعمان إبن المنذر والمثنى بن حارثة الشيباني قبل أن تكون أرضاً لأية أمم أخرى قبلهم ولن سيكون لغيرهم اليوم ولا في المستقبل وأن أثار وشواخص أصحابها الحضارية تملأ أرض بيث نهرين - ميسوبوتيميا وكل متاحف العالم ... حلمكم لن يتحقق لأن العراقيين الشرفاء بكل مكوناتهم القومية والدينية والمذهبية عليكم بالمرصاد ، فعودوا الى أرضكم وكونوا لنا أصدقاء الخير وليس جيران الشر والسوء كما أنتم الآن .

[رابعاً : موقف العرب العراقيين والسوريين حصراً وصمت الآخرين من العرب عامةً المنقسم مذهبياً والموزع ولائياً للفرس والأتراك على أساس مذهبي شيعي وسني وعلى حساب التفريط بالحقوق الوطنية هذا ما يساعد الجيران أهل الأطماع التاريخية في أرض العراق وسوريا على إستغلال ولائكم المذهبي كعنصر فاعل لدعم تنفيذ مخططاتهم العدوانية الشريرة هو الكارثة التي يستوجب التوقف عنده والتفكير به ملياً بتجرد وتقديم المصالح الوطنية لبلدانكم على ولائكم المذهبي الطائفي ، وما التدخل التركي وعدوانه العسكري على الحدود العراقية والسورية والقصف الأيراني المدفعي المكثف بذريعة ملاحقة الكورد المعارضين لهما إلا دليل واضح وساطع على مدى أطماع كلٍ من تركيا وإيران في أرض العراق وسوريا العاجزين عن صد عدوانهما إلا من خلال كسب صداقة الشيطان الأقوى منهما وفق تبادل المصالح وبأقل الخسائر ... فماذا هو الخيار الأفضل والأحسن يا دعاة السيادة الوطنية من المذهبين وهل لديكم خيار آخر ؟ وأين صارت السيادة خط أحمر يا منافقون راوونا عرض أكتافكم لنصدق نفاقكم السياسي ؟ ..... تحياتي
[/b][/color][/size]

4
العلاقة العضوية بين القومية والأرض التاريخية ... كيف يجب أن تُفهم ؟؟
خوشابا سولاقا
عندما نطلع على تاريخ كل أمم العالم منذ فجر الحضارات الانسانية الأولى في التاريخ والى يومنا هذا من زاوية العلاقة بين الانسان والأرض سوف نجد أنه هناك علاقة عضوية جدلية تكاملية قوية وراسخة لا انفصام فيها بين الأرض والقومية التي تعيش عليها بالشكل الذي أما أن تأخذ الأرض كوطن الأسم القومي للأمة أو على العكس من ذلك أن تأخذ الأمة الأسم القومي لها من اسم الأرض ، وبما أن أرض الوطن ثابتة ومستقرة في مكانها جغرافياً لا يمكن ترحيلها من مكان الى آخر فتبقى بذلك حاملةً للأسم التاريخي معها مدى الدهر ، بينما من يرحل من ساكنيها الى أرض أخرى مسماة جغرافياً واجتماعياً ويتخذ منها وطناً بديلاً له كما هو اليوم حال بلدان المهجر سوف يتبنى المُهاجر شاء أم أبى الأسم الجديد للآرض التي اختارها وطناً له عليه واجبات مستحقة نحوها يستوجب أدائها كما هو حال السكان الأصليين ليحق له التمتع بما يتمتع به السكان الأصليين من حقوق وطنية وانسانية ، صحيح أن القادم الجديد يحمل الثقافة واللغة والتقاليد والعادات والطقوس العِرقية التي كان يعتز بها في وطنه الأم ويحاول المحافظة عليها وحمايتها من الأنصهار في بوتقة ثقافة وعادات وتقاليد وطقوس القومية الغالبة في الوطن الجديد في بداية الأمر إلا أن تقاليد الحياة الجديدة ومستلزماتها في الوطن الجديد تفرض علية التنازل والتراجع بشكل تدريجي ثم التخلي عنها شيءً فشيءً مع مرور الزمن ، وهكذا وبمرور وتعاقب الأجيال تبقى طبائع وثقافة وتقاليد وعادات وطقوس القومية الغالبة في الوطن الجديد هي السائدة وسيدة القرار في مجتمع الأمة المُهاجرة الى أن تنصهر بالكامل بعد جيلين أو ثلاثة على أبعد تقدير وهذا ما بدأت بوادره بالظهور جلياً في الأجيال الشابة من أبناء وبنات أمتنا الآشورية ممن هاجروأ أبائهم وأجدادهم أرضهم التاريخية قبل أربعين أو خمسين سنة وأكثر . 
 أيها القارئ الكريم إن عملية الأنصهار القومي والثقافي والأجتماعي للمُهاجرين من أرضهم التاريخية التي تحمل بصماتهم الحضارية في بوتقة الأمة ذات الأغلبية القومية المعينة في بلدان المهجر تأتي عبر عملية تراكمية تاريخية تأخذ وقتاً من الزمن وخير مثال على ذلك هو هِجرة الأوروبيين من بلدانهم الى العالم الجديد في القارتين الأمريكيتين وأستراليا ونيوزيلاندا ، حيث نجد أن القومية الغالبة ثقافياً وحضارياً كانت القومية الأنكليزية لذلك انصهروا كل الأوروبيين  المهاجرين الى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا الحالية في بوتقة الأمة الأنلكليزية الغالبة والمهيمنةً ثقافةًً ولغةًً وتقاليداً وعاداتاً وطقوساً وتشكلت على أثرها أمم جديدة بمقومات وخصائص اجتماعية وسمات ثقافية جديدة الى حدٍ ما تجمع عرقيات واثنيات وأديان مختلفة على شكل الأمة الأمريكية والأمة الكندية والأمة الأسترالية بجوهر انكليزي ، الجميع يتكلمون اللغة الأنكلزية لكونها اللغة الرسمية ولكن يرفضون أن يكونوا انكليزاً  قومياً ، وهكذا الحال في قارة أميريكا اللاتينية تشكلت أمم عديدة بأسماء سكان البلاد الأصليين وبجوهر اسباني وبرتغالي والجميع يتكلمون الأسبانية أو البرتغالية ولكنهم يرفضون كونهم اسبان أو برتغاليين  قومياً، هكذا وبمرور الزمن وتعاقب الأجيال وتطور الحياة الاجتماعية في تلك الأمم قد يتحول أسم الأمة في تلك البلدان الى أسم قومي وهوية قومية لسكانها المنحدرين من أعراق وأثنيات مختلفة . 
الهجرة حتماً في نهاية المطاف تنتهي بالمُهاجر شاءَ أم أبى وبناءً على متطلبات الحياة ومواكبة التفاعل والانسجام مع المجتمع الجديد الى التخلي عن لغته وعاداته وتقاليده وطقوسة ومقوماته القومية الآصيلة التي حملها معه من وطن الأم ويتبنى بدلاً منها ما هو سائد في الوطن الجديد للقومية الغالبة فيها ليتمكن من الأستمرار في العيش والأندماج في المجتمع الجديد ، وبعد جيل وجيلين أو ثلاثة أجيال في أحسن الأحوال وبسبب التفاعل والأختلاط الاجتماعي والتزاوج المتبادل سوف يكون المُهاجر المنحدر من أصول عرقية معينة منسلخاً بالتمام والكمال في سلوكه الاجتماعي وثقافته وحتى طبائعه عن تلك الأصول ، وربما سوف لا يتذكرون الأجيال اللاحقة والتي ولدت وتربت في المجتمع الجديد شيئاً عن أصولها العِرقية القديمة المنحدرين منها وبذلك تدخل الأمة قومياً في بلدان المهجر في مرحلة الغيبوبة والأحتضار والاستسلام للأمر الواقع وهذا قدرهم المحتوم لا مفر منه .
ولتوضيح هذه العلاقة العضوية أي علاقة القومية بالأرض التاريخية وكونها علاقة لا انفصام فيها نأخذ أمثلة من واقع الحال ومن مختلف قارات الأرض سوف نجد من خلالها حقيقة وواقع وماهية هذه العلاقة وكما يلي :-
•   أرض الأمة والقومية اليابانية الغالبة .... هي اليابان
•   أرض الأمة والقومية الهندية الغالبة ..... هي هندستان
•   أرض الأمة والقومية الباكستانية الغالبة .... هي باكستان
•   أرض الأمة القومية الأفغانية الغالبة ... هي أفغانستان
•   أرض الأمة والقومية الكازاخية الغالبة ... هي كازاخستان
•   أرض الأمة والقومية الطاجيكية الغالبة ... هي طاجيكستان
•   أرض الأمة والقومية الكوردية الغالبة ... هي كوردستان
•   أرض الأمة والقومية التركمانية والتورك الغالبة .... هي تركمانستان وتركيا الحالية .
•   أرض الأمة والقومية الروسية الغالبة .... هي روسيا
•   أرض الأمة والقومية الفرنسية الغالبة .... هي فرنسا
•   أرض الأمة والقومية الآيرلندية ( الآيرش ) الغالبة ,,, هي ايرلانده 
•   أرض الأمة والقومية الاسكوتلندية ( السكوتش ) الغالبة ... هي اسكوتلانده
•   أرض الأمة والقومية الأنكليزية ... هي اينكلاند England   
•   أرض الأمة والقومية الألمانية الغالبة .... باللغة الألمانية ( دوتش ) ... هي ألمانيا أي دوتشلاند .
•   أرض الأمة والقومية الأسبانية الغالبة .... هي اسبانيا
•   أرض الأمة والقومية الأيطالية الغالبة ..... هي إيطاليا
•   أرض الأمة والقومية البرتغالية الغالبة ..... هي برتغال
•   أرض الأمة والقومية الآشورية الغالبة في وقتها ..... هي آشــــور التاريخية .
•   أرض الأمة والقومية العربية الغالبة .... هي عربستان أي أرض الجزيرة العربية الحالية قبل الأحتلال العربي الأسلامي للبلدان المجاورة . 
هذه النماذج هي مجرد أمثلة بسيطة لأستعراض وتوضيح طبيعة الأرتباطات والأشتقاقات التسموية اللغوية إن جاز التعبير للعلاقة العضوية بين " القومية " الغالبة وأرض الوطن الأم ، حيث لا يمكن أن تكون هناك " قومية " ذات غالبية على غيرها من الأثنيات العِرقية تعيش في أرض ما من دون أن تأخذ هويتها القومية من هوية أرض الوطن .
في الأمم التي تشكلت حديثاً ومصدر سكانها هو الهجرة من البلدان الأخرى كما هو في حالة أميريكا وكندا واستراليا ونيوزيلاد وأمم أميريكا  اللاتينية وغيرها فإنها ما زالت في طور التكوين والتشكيل وتعيش مخاض اجتماعي ثقافي وحضاري في عملية انصهار الأثنيات العِرقية المُهاجرة في بوتقة القومية الغالبة المهيمنة اجتماعياً وثقافياً لولادة أمة جديدة بمقومات خاصة تختلف عن مقومات الأعراق الأصيلة لها .
بناءً على هذه المعطيات لا يمكن للفرد أن يحافظ على هويته القومية التي استمدها من هوية أرضه التاريخية إلا من خلال البقاء في أرض الوطن الأم وبعكس ذلك فإن متطلبات ومقومات الحياة في أوطان المهجر تفرض علية بل تجبره في نهاية المطاف بعد أجيال على تخلى أحفاده عنها واكتسابهم للهويه القومية من هوية الوطن الجديد في المهجر .
إن علاقة الأرض بالقومية كعلاقة الانسان المسيحي بالعماذ في الطقوس المسيحية ، ان كل قومية تُعمذ بعماذ الأرض التي نشأت عليها تاريخياً ، وبذلك لا يمكن لأي إنسان من أية قومية  كان أن يحافظ على هويته القومية التي عُمذ بها إلا في أرض عماذه التاريخية .

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد في 20 / حزيران / 2020



5
العلاقة العضوية بين القومية والأرض التاريخية ... كيف يجب أن تُفهم ؟؟
خوشابا سولاقا
عندما نطلع على تاريخ كل أمم العالم منذ فجر الحضارات الانسانية الأولى في التاريخ والى يومنا هذا من زاوية العلاقة بين الانسان والأرض سوف نجد أنه هناك علاقة عضوية جدلية تكاملية قوية وراسخة لا انفصام فيها بين الأرض والقومية التي تعيش عليها بالشكل الذي أما أن تأخذ الأرض كوطن الأسم القومي للأمة أو على العكس من ذلك أن تأخذ الأمة الأسم القومي لها من اسم الأرض ، وبما أن أرض الوطن ثابتة ومستقرة في مكانها جغرافياً لا يمكن ترحيلها من مكان الى آخر فتبقى بذلك حاملةً للأسم التاريخي معها مدى الدهر ، بينما من يرحل من ساكنيها الى أرض أخرى مسماة جغرافياً واجتماعياً ويتخذ منها وطناً بديلاً له كما هو اليوم حال بلدان المهجر سوف يتبنى المُهاجر شاء أم أبى الأسم الجديد للآرض التي اختارها وطناً له عليه واجبات مستحقة نحوها يستوجب أدائها كما هو حال السكان الأصليين ليحق له التمتع بما يتمتع به السكان الأصليين من حقوق وطنية وانسانية ، صحيح أن القادم الجديد يحمل الثقافة واللغة والتقاليد والعادات والطقوس العِرقية التي كان يعتز بها في وطنه الأم ويحاول المحافظة عليها وحمايتها من الأنصهار في بوتقة ثقافة وعادات وتقاليد وطقوس القومية الغالبة في الوطن الجديد في بداية الأمر إلا أن تقاليد الحياة الجديدة ومستلزماتها في الوطن الجديد تفرض علية التنازل والتراجع بشكل تدريجي ثم التخلي عنها شيءً فشيءً مع مرور الزمن ، وهكذا وبمرور وتعاقب الأجيال تبقى طبائع وثقافة وتقاليد وعادات وطقوس القومية الغالبة في الوطن الجديد هي السائدة وسيدة القرار في مجتمع الأمة المُهاجرة الى أن تنصهر بالكامل بعد جيلين أو ثلاثة على أبعد تقدير وهذا ما بدأت بوادره بالظهور جلياً في الأجيال الشابة من أبناء وبنات أمتنا الآشورية ممن هاجروأ أبائهم وأجدادهم أرضهم التاريخية قبل أربعين أو خمسين سنة وأكثر . 
 أيها القارئ الكريم إن عملية الأنصهار القومي والثقافي والأجتماعي للمُهاجرين من أرضهم التاريخية التي تحمل بصماتهم الحضارية في بوتقة الأمة ذات الأغلبية القومية المعينة في بلدان المهجر تأتي عبر عملية تراكمية تاريخية تأخذ وقتاً من الزمن وخير مثال على ذلك هو هِجرة الأوروبيين من بلدانهم الى العالم الجديد في القارتين الأمريكيتين وأستراليا ونيوزيلاندا ، حيث نجد أن القومية الغالبة ثقافياً وحضارياً كانت القومية الأنكليزية لذلك انصهروا كل الأوروبيين  المهاجرين الى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا الحالية في بوتقة الأمة الأنلكليزية الغالبة والمهيمنةً ثقافةًً ولغةًً وتقاليداً وعاداتاً وطقوساً وتشكلت على أثرها أمم جديدة بمقومات وخصائص اجتماعية وسمات ثقافية جديدة الى حدٍ ما تجمع عرقيات واثنيات وأديان مختلفة على شكل الأمة الأمريكية والأمة الكندية والأمة الأسترالية بجوهر انكليزي ، الجميع يتكلمون اللغة الأنكلزية لكونها اللغة الرسمية ولكن يرفضون أن يكونوا انكليزاً  قومياً ، وهكذا الحال في قارة أميريكا اللاتينية تشكلت أمم عديدة بأسماء سكان البلاد الأصليين وبجوهر اسباني وبرتغالي والجميع يتكلمون الأسبانية أو البرتغالية ولكنهم يرفضون كونهم اسبان أو برتغاليين  قومياً، هكذا وبمرور الزمن وتعاقب الأجيال وتطور الحياة الاجتماعية في تلك الأمم قد يتحول أسم الأمة في تلك البلدان الى أسم قومي وهوية قومية لسكانها المنحدرين من أعراق وأثنيات مختلفة . 
الهجرة حتماً في نهاية المطاف تنتهي بالمُهاجر شاءَ أم أبى وبناءً على متطلبات الحياة ومواكبة التفاعل والانسجام مع المجتمع الجديد الى التخلي عن لغته وعاداته وتقاليده وطقوسة ومقوماته القومية الآصيلة التي حملها معه من وطن الأم ويتبنى بدلاً منها ما هو سائد في الوطن الجديد للقومية الغالبة فيها ليتمكن من الأستمرار في العيش والأندماج في المجتمع الجديد ، وبعد جيل وجيلين أو ثلاثة أجيال في أحسن الأحوال وبسبب التفاعل والأختلاط الاجتماعي والتزاوج المتبادل سوف يكون المُهاجر المنحدر من أصول عرقية معينة منسلخاً بالتمام والكمال في سلوكه الاجتماعي وثقافته وحتى طبائعه عن تلك الأصول ، وربما سوف لا يتذكرون الأجيال اللاحقة والتي ولدت وتربت في المجتمع الجديد شيئاً عن أصولها العِرقية القديمة المنحدرين منها وبذلك تدخل الأمة قومياً في بلدان المهجر في مرحلة الغيبوبة والأحتضار والاستسلام للأمر الواقع وهذا قدرهم المحتوم لا مفر منه .
ولتوضيح هذه العلاقة العضوية أي علاقة القومية بالأرض التاريخية وكونها علاقة لا انفصام فيها نأخذ أمثلة من واقع الحال ومن مختلف قارات الأرض سوف نجد من خلالها حقيقة وواقع وماهية هذه العلاقة وكما يلي :-
•   أرض الأمة والقومية اليابانية الغالبة .... هي اليابان
•   أرض الأمة والقومية الهندية الغالبة ..... هي هندستان
•   أرض الأمة والقومية الباكستانية الغالبة .... هي باكستان
•   أرض الأمة القومية الأفغانية الغالبة ... هي أفغانستان
•   أرض الأمة والقومية الكازاخية الغالبة ... هي كازاخستان
•   أرض الأمة والقومية الطاجيكية الغالبة ... هي طاجيكستان
•   أرض الأمة والقومية الكوردية الغالبة ... هي كوردستان
•   أرض الأمة والقومية التركمانية والتورك الغالبة .... هي تركمانستان وتركيا الحالية .
•   أرض الأمة والقومية الروسية الغالبة .... هي روسيا
•   أرض الأمة والقومية الفرنسية الغالبة .... هي فرنسا
•   أرض الأمة والقومية الآيرلندية ( الآيرش ) الغالبة ,,, هي ايرلانده 
•   أرض الأمة والقومية الاسكوتلندية ( السكوتش ) الغالبة ... هي اسكوتلانده
•   أرض الأمة والقومية الأنكليزية ... هي اينكلاند England   
•   أرض الأمة والقومية الألمانية الغالبة .... باللغة الألمانية ( دوتش ) ... هي ألمانيا أي دوتشلاند .
•   أرض الأمة والقومية الأسبانية الغالبة .... هي اسبانيا
•   أرض الأمة والقومية الأيطالية الغالبة ..... هي إيطاليا
•   أرض الأمة والقومية البرتغالية الغالبة ..... هي برتغال
•   أرض الأمة والقومية الآشورية الغالبة في وقتها ..... هي آشــــور التاريخية .
•   أرض الأمة والقومية العربية الغالبة .... هي عربستان أي أرض الجزيرة العربية الحالية قبل الأحتلال العربي الأسلامي للبلدان المجاورة . 
هذه النماذج هي مجرد أمثلة بسيطة لأستعراض وتوضيح طبيعة الأرتباطات والأشتقاقات التسموية اللغوية إن جاز التعبير للعلاقة العضوية بين " القومية " الغالبة وأرض الوطن الأم ، حيث لا يمكن أن تكون هناك " قومية " ذات غالبية على غيرها من الأثنيات العِرقية تعيش في أرض ما من دون أن تأخذ هويتها القومية من هوية أرض الوطن .
في الأمم التي تشكلت حديثاً ومصدر سكانها هو الهجرة من البلدان الأخرى كما هو في حالة أميريكا وكندا واستراليا ونيوزيلاد وأمم أميريكا  اللاتينية وغيرها فإنها ما زالت في طور التكوين والتشكيل وتعيش مخاض اجتماعي ثقافي وحضاري في عملية انصهار الأثنيات العِرقية المُهاجرة في بوتقة القومية الغالبة المهيمنة اجتماعياً وثقافياً لولادة أمة جديدة بمقومات خاصة تختلف عن مقومات الأعراق الأصيلة لها .
بناءً على هذه المعطيات لا يمكن للفرد أن يحافظ على هويته القومية التي استمدها من هوية أرضه التاريخية إلا من خلال البقاء في أرض الوطن الأم وبعكس ذلك فإن متطلبات ومقومات الحياة في أوطان المهجر تفرض علية بل تجبره في نهاية المطاف بعد أجيال على تخلى أحفاده عنها واكتسابهم للهويه القومية من هوية الوطن الجديد في المهجر .
إن علاقة الأرض بالقومية كعلاقة الانسان المسيحي بالعماذ في الطقوس المسيحية ، ان كل قومية تُعمذ بعماذ الأرض التي نشأت عليها تاريخياً ، وبذلك لا يمكن لأي إنسان من أية قومية  كان أن يحافظ على هويته القومية التي عُمذ بها إلا في أرض عماذه التاريخية .

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد في 11 / ت1 / 2019 م



6
في التربية والثقافة السياسية
حول ... ما هي الفلسفة ؟
خوشــابا ســولاقا
في ظل الأوضاع التي تشهدها الساحة السياسية القومية لأمتنا بشكل خاص والساحة الوطنية العراقية بشكل عام من صراعات وحوارات ونقاشات ومناكفات فكرية وثقافية حول مختلف شؤون الحياة ، وبغرض تعريف وتقريب القراء الكرام من مضمون وادوات تلك الصراعات والحوارات والنقاشات وحتى المناكفات ، أصبح من الضروري جداً ويتطلب الأمر منا أن نسلط الضوء على تلك المفاهيم والمصطلحات الفكرية والفلسفية التي يتناولها القارئ والمثقف في حياته اليومية في مختلف مناحي الحياة الإنسانية ليكون لهذه المفاهيم جدواها وفعلها المؤثر على مسيرة الحياة الإنسانية ، وانطلاقاً من هذه الرؤية ولغرض تمكين القارئ بقدر الأمكان من الخوض في هذه التجربة نحاول تسليط الضوء بقدر المستطاع وحسب إمكانياتنا المتواضعة على مفهوم الفلسفة وتطوره عبر مختلف مراحل  التاريخ الانساني في هذا المقال المختصر .
يعني ما يعنيه مفهوم الفلسفة من الناحية الأشتقاقية هو محبة الحكمة ، ويعني بالمعنى العام له النظرة الشاملة التفصيلية الى المجتمع والحياة والوجود ، وبهذا المعنى العام يمكن القول بأن لكل إنسان فلسفته الخاصة به وبالتالي لكل مجتمع فلسفته الخاصة ولكل مرحلة تاريخية من حياة المجتمع الإنساني فلسفتها الخاصة بها . فالفلسفة ليست مجرد نظرة فردية خالصة بل هي خلاصة الخبرة والتجربة الإنسانية في كل مرحلة من مراحل التاريخ الإنساني ، ولهذا نجد أن لكل مرحلة من مراحل التاريخ ولكل مجتمع من المجتمعات البشرية فلسفاتها الخاصة بها ، والتي تلخص معارفها العلمية وتُبلور قيّمها الاجتماعية العامة .
إن الفلسفة لا تتنوع بتنوع مراحل التاريخ الإنساني وتنوع المجتمعات الإنسانية فحسب بل إنها تختلف باختلاف الأوضاع والخصائص الاجتماعية في كل مرحلة تاريخية وفي كل مجتمع من المجتمعات .
إن الفلسفة في الحقيقة تعبر في جوهرها عن الصراع الفكري والأجتماعي الدائر في مختلف المجتمعات وفي مختلف مراحل التاريخ ، ولهذا فإن تاريخ الفلسفة هو التعبير الفكري عن التاريخ الإنساني نفسه بكل ما يمتلئ به هذا التاريخ من تناقضات وإرهاصات وصراعات ، ويكاد ينقسم تاريخ الفلسفة تماماً كانقسام التاريخ الإنساني نفسه بين إتجاهين أساسيين ، إتجاه يعبر عن الأوضاع المتخلفة في المجتمع حيث يلخص خبراتها وتجاربها ومصالحها ويسعى لتثبيتها واستمرارها وإعطائها صفة الشرعية والأستقرار والخلود الأبدي ، وإتجاه آخر يعبر عن الأوضاع النامية والواعدة في المجتمع ويسعى الى التغيير والتقدم والتجديد المتواصل متجاوزاً القديم البالي المتخلف والآيل الى الزوال والأنقراض بحكم التطور التاريخي .
الأتجاه الأول هو ما يسمى وبات يُعرف بالأتجاه " المثالي " في الفلسفة ، والأتجاه الثاني هو ما يسمى وبات يُعرف بالأتجاه " العلمي المادي " في الفلسفة ، حيث يغلب على الأتجاه الأول المثالي المنهج الحَدسي المعادل للعقل ، أما الأتجاه الثاني العلمي فيغلب عليه المنهج العقلي العلمي .
وكما قلنا أن تاريخ الفلسفة في جوهره في الحقيقة هو تاريخ الصراع الفكري عبر التاريخ بين قوى التقدم من جهة وبين قوى التخلف من جهة ثانية في المجتمعات الإنسانية . في البداية كانت الفلسفة تُقدم رؤيتها عن المجتمع والطبيعة لا في صورة معارف متناثرة وإنما في صورة تنظيم نظري لهذه المعارف يجمعها نسق منطقي موحد وكانت الفلسفة بهذا النسق تتضمن مختلف العلوم ، ثم أخذت العلوم لاحقاً تستقل شيئاً فشيئاً عن هذا النسق النظري الفلسفي الموحد ، وتَكّون لها فروع متميزة من حيث المنهج والموضوع وبذلك خرجت العلوم من منهج التأمل الفلسفي النظري الى المنهج التجريبي العلمي وراحت تحدد لها قوانينها الخاصة بها المستخلصة إستخلاصاً علمياً تجريبياً . في القرن التاسع عشر استقلت العلوم جميعها عن الفلسفة ، وكانت فلسفة " فريدريك هيجل " في هذا القرن هي نهاية تلك الأنظمة الفلسفية الشامخة أي نهاية الفلسفة الكلاسيكية ، ولكن ماذا بقية للفلسفة بعد استقلال العلوم عنها .. ؟ لقد بقيت للفلسفة النظرة العامة بغير تخصص محدد ، ولهذا راحت تبحث في القسمات الشاملة والقوانين الأساسية للحركة العامة للوجود الإنساني والطبيعي على السواء .
ولكن هذا لا يعني أن الفلسفة قد إنعزلت عن العلم كلياً وأن العلم قد إنعزل عن الفلسفة بشكل مطلق بل بقيا معاً في حالة من العلاقة الجدلية التكاملية . إن الفلسفة في عصرنا الراهن تتخذ من نتائج النتائج العامة ومن القوانين الأساسية للعلوم كافة مادة أساسية لبلورة رؤيتها الشاملة للمجتمع والحياة والوجود وبهذا أصبحت الفلسفة فلسفة علمية من دون أن تتدخل في تفاصيل المعارف والتجارب العلمية ، ولكنها في الوقت ذاته لا تنعزل عنها ولا تتناقض معها ولا تفرض نفسها عليها ، وهذه الفلسفة العلمية هي التي تعبر في عصرنا الراهن عن حركة التقدم الاجتماعي ، بل تكون هي الأداة الفعالة الدافعة في دفع هذا التقدم نفسه نحو أهدافه المرجوة .
وفي مواجهة هذه الفلسفة العلمية تقوم فلسفة أخرى مناهضة للعلم ، فلسفة مناهضة للتقدم الاجتماعي تتذرع بها القوى الاجتماعية الرجعية المتخلفة لأشاعة روح القنوط والتشاؤم والتخاذل واليأس وبث النظريات الجزئية الجانبية التي تُحرم الإنسان المعاصر من الرؤية العلمية الشاملة للطبيعة وقوانين تطورها ومن التجربة الإنسانية بكل أبعادها التقدمية لأعادة بناء مجتمعات جديدة أكثر تقدماً وتطوراً .. ومن هنا نستطيع القول بأنه ليس هناك نظرية فكرية ثابتة أو نظرية فلسفية ثابتة تصلحان وتلائمان لكل زمان ومكان ولكل المجتمعات البشرية طالما أن الفكر والفلسفة هما جزء من البنية الفوقية المتمثلة بالثقافة لتركيبة النظام الاجتماعي المعين ولمرحلة تاريخية بعينها والتي هي بطبيعة الحال متغيرة بشكل مستمر ودائم ، عليه تكون الفلسفة والفكر متغيران تبعا للتغيرات التي تحصل في بنية المجتمعات السُفلية المتمثلة في شكل النظام الأقتصادي السائد ، وبذلك تسقط نظرية ثبوت وأزلية الفكر والفلسفة مهما كانت طبيعة ذلك الفكر وتلك الفلسفة .
شاهدت وتشاهد التجربة العراقية قبل وبعد سقوط النظام البعثي فشل كل المحاولات الداعية لثبوت نظرية الفكر القومي العروبوي الشوفيني أمام الأفكار الداعية الى التعايش السلمي بين مكونات الوطن الواحد ذات التعدديات القومية المختلفة وبذلك تم إسدال الستار على الفكر القومي العنصري الشوفيني ، وتشاهد التجربة العراقية اليوم نتائج فشل ثبوت وأزلية الفكر الديني السياسي الطائفي في العراق المتعدد الأديان والمذاهب والطوائف بجلاء وقد إنعكس ذلك في الفشل الذريع الذي منيت به أحزاب الأسلام السياسي الطائفي بشقيه الشيعي والسُني إن صح التعبير في بناء دولة المواطنة القوية والهوية الوطنية على حساب دولة المكونات الدينية والعِرقية والطائفية والهويات الفرعية المشوهة والمتهرئة والعاجزة عن تقديم أبسط أشكال الخدمات الاجتماعية وتوفير الأمن والأمان للمجتمع العراقي بسبب الخلافات والتناقضات والصراعات على المصالح والمناصب التي تمثل تلك المكونات المتعددة ، وهكذا تعيش بقية شعوب الشرق الأوسط العربية والأسلامية وبالأخص بعد ثورات ما سميت بثورات الربيع العربي حيث تشاهد صراعات عنيفة بين مكوناتها العرقية والدينية والمذهبية من خلال أدواتها المتمثلة بأحزاب الأسلام السياسي الطائفي وأحزاب القومية الشوفينية ، حيث أن الضحية الأولى لهذه الصراعات كانت الأقليات العددية القومية والدينية والمذهبية والشرائح المثقفة والعقول العلمية والفكرية المتنورة والكفاءات ، مما أسفر ذلك الى هجرة وتهجير تلك الأقليات والشرائح من الكفاءات لبلدانها التاريخية الأصلية والتشتت في المهاجر والعيش هناك على فتات الغرباء بمذلة بمعاناتهم القاسية من مرض الغربة والأغتراب والحنين الى الوطن الأم ، والمسيحيون بكل تسمياتهم خير مثال حي على ذلك حيث تناقص وجودهم الديموغرافي في بلدانهم الأصلية الى أكثر من 75% من عدد نفوسهم قبل عشرة سنوات خلت في بعض تلك البلدان كالعراق وسوريا . هذه هي النتائج الكارثية للدعوات الداعية الى ثبوت وأزلية الفكر والفلسفة وفرضها قسراً بالقوة على الآخر والتي تحصد نتائجها شعوب هذه البلدان اليوم .
إن التنوع والتعدد في مكونات الأمم ووجود الكفاءات والعقول الخلاقة والمبدعة هو مصدر قوتها وحيويتها وجمالها ودافعها وحافزها الفعال للتطور والتجدد ، وعليه فإن هجرتها وتهجيرها يكون بمثابة قطف الزهور اليانعة والجميلة من بستان البيت وترك الأشواك اليابسة تملئه وتسود أرضه ، هكذا هي الصورة النهائية لمن يعرف قراءة لغة الرموز .   

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد في 5 / آب / 2019 م   



7
دعوة الى تبني تسمية " الناطقين بالسُريانية " بدلاً من تسمية " المكون المسيحي "
خوشابا سولاقا
منذ سقوط النظام السابق في 2003 م ، وفي خضم الصراعات التسمياتية القومية والمذهبية الكنسية بين مكونات أمتنا من الكلدان والسريان والآشوريين على الساحة السياسية في العراق والتي لم ولن ترسينا على بر الأمان ولو بالحد الأدنى من المقبول والمفروض في ظل الظروف المرحلية الراهنة من أجل تثبيت هوية الوجود القومي كموكون له دلالاته القومية على الأرض طالما ليس هناك إجماع وقبول بتسمية من التسميات المتداولة حالياً بعينها ، فأن أبناء أمتنا من الكلدان والسريان والآشوريين يعيشون حالة من الفرقة والتشظي والتمزق بسبب هذه الصراعات والسجالات والمهاترات التي لا يحكمها منطق العقل والمصلحة القومية العامة وأحياناً تكون هذه السجالات والمهاترات مصحوبة بموجات من الأحقاد والكراهية المذهبية السقيمة والعقيمة حول التسميات القومية بين أن نتسمى بالتسمية الكلدانية أو بالتسمية السريانية أو بالتسمية الآشورية والكل لديه من الأسباب الراسخة في الذهن والثقافة والتربية لأن يَصرّ على كون تسميته هي التسمية القومية الموحدة المناسبة لمجموع مكونات أمتنا .
لكن واقعياً وعملياً هناك ما يجمع هذه المكونات الثلاثة لأمتنا وحتى كنسياً من الناحية المنطقية والتاريخية والطوبوغرافية والسايكولوجية ألا وهو وحدة " لغة الأم – السورث " التي لا اختلاف ولا خلاف عليها بين مكونات أمتنا ، وكل تلك السجالات والصراعات والحوارات الحارة المتطرفة منها والمعتدلة منها لن تُفضي  الى التوصل على نتيجة إيجابية لصالح تحقيق الوحدة القومية لأمتنا والأتفاق على تسمية قومية موحدة تُبنى عليها أمال الأمة في الحياة ككيان قومي أصيل في هذا البلد ، بل أن تلك الصراعات والسجالات والمهاترات قد جرتنا الى المزيد من الفرقة والتمزق وتعميق الخلافات والأحقاد والضغينة والأبتعاد عن الهدف المنشود أكثر فأكثر يوماً بعد آخر ، وانتهى الأمر بنا أخيراً الى القبول صاغرين  بالتسمية الدينية ألا وهي تسمية " المكون المسيحي " والتي تعني بمفهومها الشامل كل المسيحيين العراقيين من الكلدان والسريان والآشوريين والعرب والكورد والتركمان والأرمن وحتى الأجانب المسيحيين من قوميات متعددة ممن يحملون شهادة الجنسية العراقية من كل قارات العالم ، وهي تسمية ذي هوية دينية خالصة فضفاضة لا تشير بأي شكل من الأشكال لا من قريب ولا من بعيد الى خصوصية أية هوية قومية أو أية سِمة ذات مدلول قومي معين من الناحية القانونية والواقعية ، وبأعتماد هذه التسمية في الوثائق الرسمية للدولة العراقية فقدنا تسميتنا  القومية وبالتالي نفقد وجودنا القومي في العراق ، وقد تكلل وتجسد ذلك بوضوح في قانون الأنتخابات الأخير الذي بموجبه منحنا كوتا برلمانية باسم " الكوتا المسيحية " ، هذا القانون أعطى الحق لكل عراقي مسيحي أن يرشح نفسه لعضوية البرلمان العراقي من خلال هذه الكوتا ذي الخمسة مقاعد وذي الهوية الدينية المسيحية الخالصة مهما كان انتمائه القومي .
إن ما رافق ذلك أيضاً من خلافات وسجالات متناقضة عبر وسائل الأعلام المختلفة بخصوص تولي المنصب الوزاري في الحكومات المتوالية والمخصص للمسيحيين بموجب نظام المحاصصة السيئ الصيت المعتمد منذ سنة 2003 م قد زاد في الطين بله من طروحات عجيبة غربية لا يقبلها العقل السليم ولا المنطق القويم وصلت هذه المهاترات في بعض جوانبها أحياناً الى درجة تكفير الوزير المعين بسبب أفكاره السياسية وتجريده من مسيحيته التي ورثها عن أبائه وأجداده وأكتسبها عبر شهادة العماذ المسيحي الصادرة من كنيسته كما يكتسب كل مسيحي مسيحيته الرسمية بالهوية .
في ظل هذا الواقع المزري المضحك والمبكي لأمتنا وعَجزنا الواضح وفشلنا الذريع بامتياز في التوافق والأتفاق على التسمي بتسمية قومية موحدة كأن نتسمى كلداناً أو سُرياناً أو آشوريين بسبب عُقدنا النفسية المزمنة والتي ولَّدتها الظروف التاريخية لكنيسة المشرق بعد وصول البعثات التبشيرية الغربية الى مناطق تواجدنا التي عاشها أبناء امتنا في الشرق واقتران ذلك بمذاهبنا الكنسية اللاهوتية التي نختلف حولها بشدة وتطرف وعدم قدرتنا على تجاوزها في ظل الظروف الراهنة نقترح القبول بتبني  التسمية التي تجمعنا ولا نختلف عليها ولو بشكل مؤقت الى أن نهتدي الى طريق الصواب في إختيار التسمية القومية المناسبة لنا من تسمياتنا الثلاث ألا وهي تسمية " الناطقين بالسريانية " والتي لها مدلولات قومية واضحة والتي تشمل حصراً " الكلدان والسريان والآشوريين " بغض النظر عن مذاهبهم الكنسية اللاهوتية ولكون اللغة بحد ذاتها هي من أهم خصائص ومقومات القومية ، وبذلك نتخلص من كل اشكاليات وتداعيات التسمية بالمكون المسيحي . ندعو هنا ممثلينا في البرلمان العراقي الى تبني المقترح بعد التشاور مع كافة مرجعياتنا الكنسية لكل كنائس أمتنا ومرجعياتنا السياسية بكل أحزابها وكافة مؤسساتنا الثقافية والمجتمع المدني ومن ثم عقد مؤتمر عام لكل هذه المرجعيات والمؤسسات لأقرار التسمية ومن ثم رفع توصية الى رئاسة البرلمان لتبني هذه التسمية في كل الوثائق الرسمية للدولة العراقية بدلا من تسمية " المكون المسيحي " لحين توصُلنا الى فهم مشترك والتوافق على تسمية قومية موحدة من تسمياتنا الثلاتة في المستقبل .
خير لنا أن نتجمع ونتمحور حول القبول بتسمية لها مدلول قومي وتاريخي وديموغرافي ولو بأبسط صوره بدلاً من أن نتخالف ونتخاصم  حول ما يزيد من فرقتنا وتمزقنا قومياً كما هو حالنا اليوم ، ونترك للزمن فرصة مناسبة لأن يفعل فعله ويأتي بأفله في إذابة جبال جليد الخلافات والأختلافات والتناقضات المذهبية اللاهوتية الكنسية التي انعكست سلباً على التسمية القومية لأرتباط تلك التسميات القومية بالتسميات المذهبية وأصبحت رديفاً لها مما جعل المشهد القومي أكثر تعقيداً وأشد اضطراباً وأكثر هشاشةً وضعفاً .
نرى في تبني تسمية " الناطقين بالسريانية " رسمياً من قبل مؤسساتنا السياسية والكنسية والسعي الى اعتمادها في مؤسسات ووثائق الدولة رسمياً سوف تشكل خطوة البداية الصحيحة الأولى على طريق تحقيق الوحدة القومية بتسمية موحدة في المستقبل على شرط أن تصفى نوايا الساعين إليها وتوحيد خطاب ممثلينا في البرلمان .

     خوشـــابا ســـولاقا
بغداد في 31 / تموز / 2019 م   


8
في التربية والثقافة السياسية
حول مفهوم الثقافة والمثقف

خوشابا سولاقا

إن المفهوم الفلسفي والفكري والأجتماعي للثقافة هي كونها نظرة عامة وشاملة الى الوجود والحياة والأنسان في إطار علاقة جدلية تكاملية ، وقد يتجسد ذلك المفهوم للثقافة في عقيدة فكرية معينة أو في تعبير فني بشكل من الأشكال أو في مذهب اجتماعي أو في مبادئ تشريعية أو في مسلك أخلاقي عملي ، وبالتالي فالثقافة بشكل عام تعني كونها البناء العلوي أو الفوقي لبنية المجتمع الإنساني ويتألف هذا البناء أي الثقافة من الدين بكل أشكال العبادة التي يمارسها الإنسان والفلسفة والفكر والفن والأدب والتشريع والقيم الأخلاقية والعادات والتقاليد والطقوس الاجتماعية العامة السائدة في أي مجتمع إنساني كان ، والثقافة بالتالي هي نتاج لعملية تطورية تراكمية تاريخية لمختلف نشاطات المجتمع بكل شرائحه  .
يشير المعنى الأشتقاقي لكلمة " الثقافة " الى الأمتحان والتجربة والخبرة والعمل بكل أشكاله في الحياة الاجتماعية للإنسان ، أي أن المعنى الأشتقاقي هذا يربط الثقافة الانسانية بالعمل الانساني والخبرة الحية والتجربة والمعايشة الفعلية لمستجدات الحياة الاجتماعية ، وهذا هو ما يميز الثقافة عن التعليم ويميز المثقف عن المتعلم . فالتعليم هو تلقي معلومات بشكل منهجي ومنظم بطريقة مخططة لصياغة الفكر وتوجيه الوجدان الانساني وتحديد المسلك الأخلاقي على نحو معين ، وبالتالي إعادة تكرار صناعة صياغة سياقات الحياة الاجتماعية السائدة بشكل جديد ولكن بنفس المضمون القديم ، عليه فإن الثقافة هي ثمرة المعايشة الحية المباشرة مع مستجدات الحياة الانسانية والأستجابة التلقائية لمتطلباتها المتجددة في أغلب الأحيان ، وهي أيضاً ثمرة التمرس بالحياة والتفاعل الخلاق مع تجاربها وخبراتها المختلفة ، ويكون التعليم بحد ذاته أحد مصادر الثقافة الأساسية ووسيلة من وسائل بنائها ، ولكن ليس بالضرورة أن يكون كل متعلم مثقفاً ، ولكن كل مثقف بالضرورة يجب أن يكون متعلماً ، لأن التعليم هو أداة فعالة لبناء الثقافة . فالثقافة بهذا المعنى العام والشامل هي البناء الفوقي للمجتمع كما أسلفنا وهي بالتالي انعكاساً للبناء التحتي للمجتمع المتمثل في شكل النظام الأقتصادي وعلاقات الأنتاج السائدة في المجتمع ، أي ما بات يعرف اليوم بلغة السياسة والأقتصاد أن شكل النظام الأقتصادي وعلاقات الأنتاج تشكل البناء التحتي في بنية المجتمع والثقافة تشكل البناء الفوقي لبنية المجتمع الإنساني ، ولهذا تختلف الثقافة بطبيعتها باختلاف التجارب والخبرات والمواقف والطبقات الاجتماعية والمصالح الاجتماعية من مجتمع الى آخر ومن أمة الى أخرى ومن مرحلة تاريخية الى أخرى . لهذا فإن للثقافة بالضرورة طابعاً اجتماعياً طبقياً ، حيث أن الثقافة الرسمية السائدة تكون إنعكاساً لثقافة الطبقات الحاكمة المهيمنة والمسيطرة والمتحكمة والمحركة والموجهة للنظام الأقتصادي السائد ..
وعليه فإذا كنا نجد في فلسفة أرسطو إحتقاراً للعمل اليدوي فإن ذلك كان تعبيراً عن واقع حال إنقسام المجتمع الأغريقي القديم الى طبقتين ، طبقة الأحرار يتأملون وطبقة العبيد يعملون ويكدحون في مزارع وحقول النبلاء الأحرار مقابل لقمة العيش بحدها الأدنى ، وكان العبيد في ظل ذلك النظام نظام المجتمع العبودي جزءً من ممتلكات النبلاء الأحرار يتم بيعهم وشرائهم في سوق العبيد كأي حاجة من حاجات المجتمع الأخرى ، وإذا كنا نجد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر دعوات فردية في الأدب والفنون ودعوات نفعية في الأخلاق ودعوات تنافسية في الأقتصاد فإن هذه الدعوات هي إنعكاساً للأوضاع الراسمالية الجديدة الواعدة ، وإذا كنا نجد في المجتمعات الأشتراكية بعد قيام النظام الأشتراكي في بعض بلدان أوروبا الشرقية وآسيا وكوبا سيادة لروح الألتزام الجماعي في الأدب والفن والأخلاق والسياسة جميعاً ، فإن ذلك من دون شك يكون إنعكاساً لعلاقات الأنتاج الجديدة في المجتمع الأشتراكي التي تقوم على أساس الملكية العامة المشتركة لكافة وسائل الأنتاج .
من كل ما تقدم نلاحظ أن الثقافة هي تعبيراً عن الأوضاع الاجتماعية والأقتصادية السائدة في المجتمع ، ولكنها ليست تعبيراً أو إنعكاساً آلياً مباشراً كانعكاس صورة الشيء في المرآة ، إذ يدخل في تشكيل الثقافة عامل الإرادة الإنسانية والخلق والأبداع للإنسان ، إلا أن ذلك لا يتناقض مع كونها تعبيراً عن الواقع الموضوعي السائد وعليه فإن الثقافة ليست بحد ذاتها كما قد يتصور البعض مجرد وسيلة للتعبير عن الواقع بل هي كذلك وسيلة فعالة لتغييره .
الصراع الثقافي في المجتمع هو دائماً صراعاً إجتماعياً فكرياً يعكس التركيب الطبقي للمجتمع ، صراعاً بين أوضاع اجتماعية متناقضة ، صراع الأضداد صراع بين القديم البالي والجديد الواعد يتخذ مظهراً فكرياً أو أدبياً أو فنياً ، والصراع الثقافي هذا هو التمهيد لثورة اجتماعية قادمة تهدف الى تغيير الواقع القائم ، وهو وسيلة لتجديد الحياة الاجتماعية وتطويرها تصاعدياً نحو بناء مجتمع جديد أفضل وأكثر تقدماً وعدلاً ورفاهيةً لحياة الانسان ، وبذلك تكون الثقافة وسيلة للتعبير عن الواقع الاجتماعي القائم ، وفي ذات الوقت تكون اداة لتغييره ، ولهذا فالثقافة هي إلتزام وموقف فالثقافة إذن تشترك في الثورة الاجتماعية عندما يشتد الصراع بين المتناقضات في المجتمع من أجل تحرير الانسان وانعتاقه من قيود المجتمع القديم فإنها في ذات الوقت تشترك في تحرير نفسها فإن الثقافة بتحريرها للمجتمعات البشرية من عوامل التخلف والأستغلال والأستعباد والقهر الطبقي الاجتماعي لا تصبح مجرد متعة لفئات اجتماعية محدودة ومحظوظة من البشر وإنما تصبح غذاء الروح للملايين من الناس بل وتصبح غاية ووسيلة من غايات ووسائل التقدم البشري وهدفاً من أهدافه النبيلة الآصيلة للسمو .
لهذا نجد أن نهضة الأمم نحو التقدم الى الأمام في كافة مجالات الحياة لا يمكن لها أن تحصل إلا إذا سبقتها أولاً نهضة فكرية ثقافية شاملة ، أي بمعنى آخر إن العنصر الفاعل والحاسم في تقدم الأمم يبدأ بثورة فكرية ثقافية تقضي على أسباب التخلف الاجتماعي السائد في المجتمع ، تلك الأسباب التي هي من مخلفات الثقافة القديمة .
عليه نجد أن الأمم الأوروبية قد نهضت من سباتها الذي دام قرون طويلة تحت حكم الكنيسة الرجعي الأستبدادي الثيوقراطي وتقدمت بعد قيام ثورة الأصلاح الديني والتي هي بحد ذاتها شكلت إنطلاقة الثورة الثقافية لتحرير الانسان من قيود ذلك النظام الأبوي المقيت والسيء الصيت الذي كان مسيطراً على كل مقدرات الحياة في بلدان أوربا ونشر فيها التخلف والتأخر بكل أشكاله ، حيث تأخرت وتخلفت العلوم والأداب والفنون والأفكار الحرة والفلسفة وتم إضطهاد وحرق العلماء والمفكرين والفلاسفة والأدباء والفنانين بسبب تعارض أفكارهم وتوجهاتهم مع أفكار وتوجهات الكنيسة ، وعليه أطلق على قرون سيطرة الكنيسة على القرار السياسي في أوروبا بالقرون المظلمة لأنها سببت في تأخر وتخلف الحياة ، وأدخلت أوروبا في ظلام دامس من التخلف والتأخر ، ولولا تلك القرون لكان إنسان اليوم يعيش في الوضع الذي سوف يعيشه بعد إثنا عشر قرناً من تاريخ اليوم . لقد مهدت ثورة الأصلاح الديني في أوربا الى بزوغ فجر عصر جديد هو ما أطلق عليه بعصر النهضة الأوروبية الحديثة حيث فيه اطلق العنان للعلماء والمفكرين والفلاسفة والأدباء والشعراء والفنانين للعمل المبدع والخلاق فحصلت ثورة ثقافية هائلة وشاملة في كل مناحي الحياة أدت الى إنحسار مد نفوذ الثقافة القديمة ثقافة القرون المظلمة المغلفة بالرداء الديني من خلال هيمنة سيطرة الكنيسة على قرار الحكم في بلدان أوروبا . وقد مهدت هذه الثورة الثقافية الى إنطلاق الثورة الصناعية والتكنولوجية التي غيرت مسار التاريخ الإنساني ، وتغيرت بذلك ثقافة وحضارة تلك الأمم كماً ونوعاً وقضت على كل مرتكزات وأنماط الحياة الاجتماعية القديمة البالية التي كانت أصلاً تشكل عائقاً أمام نهضتها وتقدمها وتطورها . وهنا لم يبقى لنا إلا أن نقول متى تنهض أمم الشرق من سباتها وتقف على قدميها وتنظر بنظرة ناقدة الى الأمام لترى ألاخرين أين وصلوا وأن تفعل كما فعلوا الأوروبيين قبل خمسائة سنة ؟؟ ، وأن تكف عن السير الى الأمام والنظر الى الوراء بنظرة الحسرة الى ماضيها البالي المتخلف والبكاء على أطلاله المنهارة ليبدأ فيها عصر النهضة الثقافية ؟؟ ، وأن تعيد النظر بما مستحوذ على أفكارها وتطلعاتها ومعتقاداتها الساذجة والمتخلفة لتكتشف بأن سبب تأخرها وتخلفها عن الركب المتقدم للآخرين هو عودتها الى ثقافة الماضي للأجداد والأسلاف وتطبيق شرائعه وقوانينه متناسية أن ألحياة دائماً تسير الى الأمام ولا تتراجع القهقري الى الوراء ؟؟ . يا لمهزلة القدر يا لها من رؤية مشوهة وبائسة ، إنها تعاكس الحقيقة والواقع وتناقض منطق العقل والعلم وقوانين تطور الحياة ، وهنا من حقنا أن نتساءل لماذا لا نستفيد نحن أبناء الشرق من تجارب الآخرين من الأمم التي سبقتنا ؟ ونبدأ من حيث وصلوا وليس من الصفر كما نحاول أن نفعل ؟ لماذا كل هذا الأصرار الأخرق البليد للعودة الى الماضي بكل إيجابياته وسلبياته والأعتقاد بأن أجدادنا وأسلافنا هم أفهم وأدرى منا بمتطلبات حياتنا المعاصرة ؟ لماذا نخالف منطق وسنة قوانين تطور الحياة الإنسانية ونسبح عكس التيار ؟ أليس هذا هو الغباء بعينه ؟ الى متى نبقى أسرى لماضينا ووقوداً لنيران عاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا المتخلفة في جوانب كثيرة التي ورثناها من الأجداد التي أكل عليها الدهر وشرب بذريعة إحترام وحماية تلك الموروثات من إرث الأجداد ؟ لماذا لا نركب كغيرنا في مركب الحياة المتجددة الذي سوف يقودنا الى بر الأمان بسلام ؟ . إن العيش بأفكارنا وعقولنا في ماضي أجدادنا العتيد وأجسادنا في أرض الحاضر المتجدد لهو إنتحار والجنون بعينه ، وإن تحررنا من عبودية الماضي ليس رفضاً لكل ما فيه بالكامل بل علينا أن نأخذ من ماضينا كل ما هو إيجابي ويلائم حاضرنا ونطوره وما لا يلائم منه لحياتنا الحاضرة نضعه باحترام في متحف التاريخ في الحفظ والصون ونحترمه ونعتز به كتراث الأجداد ليس إلا .
هكذا يقول منطق العقل والحياة وسنة التاريخ إذا أردنا الحياة الحرة الكريمة اللائقة بنا كمخلوقات بشرية عاقلة واعية لوجودها الإنساني وواعية ومدركة لمسار تطور التاريخ الإنساني من الأدنى الى الأعلى ، وأن نصبح مجرد مخلوقات حية لا نختلف عن غيرنا من المخلوقات تتحكم بنا وبسلوكنا نواميس الطبيعة وتسيّرُنا دوافع الغريزة والعادة الموروثة ، وغياب الوعي الأنساني الذي يتميز وينفرد به الإنسان لوحده دون غيره من الكائنات هو الذي يجعل الإنسان مخيراً وليس مسيراً كما هو حال بقية الكائنات التي تسيرها غرائزها . الإنسان بامتلاكه للوعي يستطيع أن يميز بين ما هو صالح وما هو طالح لحياته ، ويختار ما يراه مفيداً له ، ويرفض كل ما هو ضار له . إن فهم حركة الحياة وقوانين تطورها والتعامل والتفاعل معها وفق منطق العقل والحكمة في علاقة جدلية تكاملية هي الثقافة بعينها التي تنتج في النهاية الحياة الجديدة التي تساير العصر وتليق بالأنسان المعاصر . فكلما كان الوعي الإنساني عالياً كلما كانت مخرجات العملية الثقافية أكثر نضجاً وأوسع شمولاً وأكثر فائدة للإنسان ، وكلما كانت العملية الثقافية أكثر نضجاً وشمولاً كلما كان الوعي الإنساني اكثر كمالاً وإدراكاً ، هكذا هي العلاقة بين الثقافة والوعي الإنساني علاقة جدلية تكاملية . عليه فإن الثقافة تنمي الوعي الإنساني وترصنه وتجعله قادراً على مواكبة تطور الحياة وإستيعاب كل متغيراتها ومستجداتها وعلاقاتها ببعضها بعقلانية ووعي وحكمة وليس بدافع الغريزة كما هو الحال لدى بقية الكائنات الأخرى في الطبيعة . وعلى ضوء ما تقدم فالمثقف هو من يصنع الثقافة ومن يستوعبها في مجمل تفاصيلها وظروفها المتغيرة الزمانية والمكانية في حركتها الدائبة ، ومن يتعامل مع مستجدات الحياة بموجب قوانينها ويواكب حركتها التطورية بكل تفاصيلها وجزئياتها ، ومن ليس كذلك لا يمكن تصنيفه بأي حال من الأحوال مثقفاً . 

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد -23  / تموز / 2019

9
في التربية والثقافة السياسية
حول مفهوم اليمين واليسار في العمل السياسي
خوشابا سولاقا
إن مفهوم اليمين واليسار يستعمل كثيراً في الحياة السياسية والفكرية والثقافية من قبل العاملين في هذه الحقول ، وكذلك يستعمل ويتم تداوله من قبل السياسيين وأشباههم وأنصاف المثقفين لمدح من يتفق معهم في الرأي والموقف والتوجه السياسي ولذم وتسقيط من يختلف معهم ، وكثيراً ما يأتي إستعمال هذا المفهوم من قبل البعض استعمال عشوائي وغير مسؤول وفي غير موقعه الصحيح ، أي بمعنى بغير ما من المفروض أن يعنيه في أغلب الأحيان ، لذلك وجدنا من الضروري بل من الواجب وحسب معرفتنا المتواضعة لهذا الموضوع ضرورة تسليط الضوء على تاريخ ومضمون ونشأة وتطور هذا المفهوم تاريخياً وسياسياً لتنوير قرائنا الأعزاء بما يعنيه مفهوم اليمين واليسار في العمل السياسي .
اليمين واليسار تعبيران يرجع نشأتيهما بالأصل تاريخياً الى وضع أو موقع نواب البرلمانات بالنسبة الى موقع رئيس البرلمان ، فالأعضاء الذين كانوا يجلسون الى اليمين من رئيس مجلس النواب تم تسميتهم أو وصفهم " باليمينيين " والأعضاء الذين يجلسون على يساره تم تسميتهم أو وصفهم " باليساريين " ، وعلى هذا الأساس يعتبر تعبير مفهوم اليمين واليسار بالنسبة للنواب تعبيراً موقعياً مؤقتاً وليس له مدلولاً سياسياً أيديولوجياً كما هو عليه الحال اليوم ، ويتعرض للتغيير بتغيير موقع جلوس النواب من رئيس المجلس ، حيث أن من كان في موقع اليسار من النواب بالأمس قد يصبح في موقع اليمين اليوم وبالعكس . هذه كانت البدايات الأولى لنشأة مفهوم اليمين واليسار تاريخياً في برلمان إنكلترا . أما بعد حدوث الثورة الفرنسية تغير مفهوم اليمين واليسار وإتخذا شكلاً وطابعاً ومضموناً سياسياً أكثر عمقاً وشمولاً مما كان عليه مع برلمان إنكلترا . وبسبب مخاضات وتناقضات وتداعيات الثورة الفرنسية والنتائج التي أفرزتها ولّدت الأسباب الموضوعية والذاتية على حد سواء للصراع على السلطة السياسية وتوجهات الدولة الجديدة المستقبلية ، فظهرت على أثر ذلك تيارات فكرية متصارعة داخل رحم الثورة نفسها ، حيث ظهر وتكون أيديولوجياً تيار يساري ليبرالي يؤمن بمبادئ الثورة الآصيلة ويدعو الى المحافظة عليها بعد أن ظهر تيار آخر يريد الأرتداد بالثورة عن هذه المبادئ . ولكن هذا اليسار الليبرالي نفسه بدأ يتجه الى اليمين حيث ظهرت حركة راديكالية ديمقراطية علمانية وقفت على يسار الحركة الليبرالية الداعية للعودة الى مبادئ الثورة الفرنسية الأولى والمساواة بين المواطنين في حق الأنتخاب ، ونجحت هذه الحركة واستمر نفوذها السياسي بالنمو والصعود واستقطابها للجماهير حتى بدأ نجمها بالأفول بعد سقوط باريس بأيدي القوات الألمانية النازية في عام 1940 ، حيث دبت الأنقسامات والانشقاقات في صفوف الراديكاليين الفرنسيين بسبب موقف حكومة الجنرال فيشي من الأحتلال النازي لفرنسا ، وإنهزموا في النهاية هزيمة منكرة في الأنتخابات الوطنية بعد تحرير فرنسا من قبل جيوش الحلفاء سنة 1945 ووصول أنصار المقاومة الوطنية الفرنسية بقيادة الجنرال شارل ديغول الى الحكم في فرنسا عبر الأنتخابات الديمقراطية .
بعد قيام ثورة أكتوبر الأشتراكية في روسيا سنة 1917 م ، ومن ثم ظهور وقيام المعسكر الأشتراكي من الأتحاد السوفييتي ودول أوربا الشرقية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أصبحت الأتجاهات الأشتراكية المختلفة تُكّون يساراً جديداً ثالثاً بمضمون سياسي أيديولوجي جديد مختلف عن المضامين المعروفة في السابق ، ويدخل بين هذه الأتجاهات الشيوعيين الذين يؤمنون بمبادئ الماركسية اللينينية كعقيدة سياسية لهم ، حيث يعتبر هذا اليسار الجديد المرحلة الثالثة لتطور مفهوم اليمين واليسار كمفهوم سياسي أيديولوجي طالما يعتبر مفهوم اليمين واليسار في العمل السياسي تعبيراً مطاطاً لأنه يتغير بتغير المرحلة التاريخية فإن أهداف اليمين واليسار تتغير تبعاً لذلك حتماً ، أي بمعنى آخر يتغير مفهوم اليمين واليسار تبعاً لكل مرحلة تاريخية ، ولذلك فمن الممكن القول بأن اليسار يشكل تيار المعارضة يدعو لتغيير الوضع القائم ثورياً ، بينما يدعو تيار اليمين الى المحافظة على هذا الوضع ، أو يريد الأرتداد بالوضع الى الوراء أي بمعنى أن تيار اليسار يريد التقدم بالوضع من خلال تغييره جذرياً نحو الأمام ويعتبر بذلك تياراً تقدمياً ، بينما تيار اليمين يريد الأرتداد بالوضع والعودة به الى الخلف ويعتبر بذلك تياراً رجعياً ، فهكذا إتخذ تطور مفهوم اليمين واليسار تاريخياً طابعاً أيديولوجياً واصبح مفهوماً مرادفاً لمفهومي التقدم والتخلف أو لمفهومي التقدمي والرجعي .
ويطلق الشيوعيون في الأحزاب الشيوعية والثورية مفهوم اليساري واليميني على الأجنحة المتصارعة في داخل الحركة الشيوعية والحركات الثورية الأخرى أو داخل الأحزاب ذاتها كما كان الحال في الحزب الشيوعي الروسي حيث كان الصراع محتدماً بين جناح ستالين من جهة وبين جناح تروتسكي من جهة ثانية يدور حول مفهوم الثورة الواحدة والثورة العالمية ، فكان ستالين يتهم تروتسكي باليسارية كما كان لينين يتهم كيرنسكي باليمينية ، وكذلك الأتهامات المتبادلة بين الصين ويوغسلافيا تدور حول هذا المعنى أيضاً فكلاهما يَتهم أحدهما الآخر باليمينية أو باليسارية . ويمكن تطبيق هذا المعيار نفسه على الأحزاب الوطنية والقومية في حركات التحرر الوطني في بلدان العالم الثالث ، كما هو الحال في حزب المؤتمر الهندي حيث ظهر فيه جناح يساري يطالب بالتوجه الى تبني الأشتراكية الماركسية وجناح آخر يميني يعارض التوجه نحو الأشتراكية . كذلك الحال في حزب البعث العربي الأشتراكي حيث تعرض الى الأنشقاق في صفوفه عام 1963 بعد إنهيار إنقلاب 8 شباط الفاشي في عام 1963 في العراق بسبب مطالبة البعض من قياداته بتبني الأشتراكية العلمية ورفض البعض الآخر للفكرة ، هذا الصراع الأيديولوجي في حزب البعث تمخض عن ظهور جناح يميني كحزب البعث العربي العراقي بقيادة البكر وصدام والموالين لهما من الكوادر القيادية في العراق الذين يؤيدون الزعامة التاريخية للحزب المتمثلة بميشيل عفلق ورفاقه السوريين ، وجناح يساري كحزب البعث العربي السوري بقيادة حافظ الأسد قائد الحركة التصحيحية في سورية ويؤيده الجناح اليساري في حزب البعث العراقي ، وكلا الجناحين من وجهة نظرنا المتواضعة من حيث الممارسات العملية على الأرض هما جناحين يمينيين بامتياز قولاً وفعلاً وتجاربهما العملية في الحكم تؤكد ذلك .
وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك في بلدان العالم الثالث المتحررة حديثاً من الأستعمار في آسيا وأفريقيا وأميريكا اللاتينية ، حيث ظهر في حركاتها وأحزابها التحررية أجنحة مختلفة وصفت بعضها باليمينية واخرى وصفت باليسارية تتصارع فيما بينها حول توجهاتها الفكرية ومنطلقاتها النظرية حول أسس بناء الدولة الحديثة المطلوب إنشائها في بلدانها بعد تحررها من الأستعمار الأجنبي ، وحول شكل إقتصادها الوطني المستقبلي بين أن يكون اقتصاد اشتراكي مركزي موجه ومخطط وبين أن يكون اقتصاد رأسمالي مبني على اقتصاد السوق الحر المفتوح وبين أن يكون أقتصاد مختلط .
هكذا أصبح العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مقسوم بين اليمين واليسار ، عالم ذو قطبين رئيسيين القطب اليساري يمثله الأتحاد السوفييتي وحلفائه في حلف وارسو والقطب اليميني تقوده الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في حلف النيتو ، فأصبح يُعرف العالم الأشتراكي الذي تُحكم بلدانه من قبل الأحزاب الشيوعية والعمالية والأشتراكية الثورية بالمعسكر اليساري التقدمي ، والعالم الرأسمالي بكل بلدانه بالمعسكر الرأسمالي اليميني الرجعي بلغة السياسيين والمفكرين الأشتراكيين والشيوعيين والثوريين والوطنيين وغيرهم من الأتباع والأنصار في مختلف بلدان العالم طبعاً ، وعلى اساس هذا التقسيم العالمي لمناطق النفوذ بين القطبين نشبت الحرب الباردة بينهما وأتخذت أشكالاً وأنماطاً مختلفة والتي دامت سنوات طويلة الى أن انتهت بانهيار النظام الشيوعي في المعسكر الأشتراكي ، وكان استمرار هذا الواقع قد جعل العالم يعيش في حالة من الخوف والقلق والرعب من نشوب حرب عالمية ساخنة في أية لحظة بين القطبين بسبب التوترات الكثيرة والمثيرة حول مناطق النفوذ والمصالح الأستراتيجية مثل أزمة خليج الخنازير في كوبا وتستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل بكل أنواعها والتي تؤدي الى فناء الجنس البشري من على وجه الأرض ، وإن نجا منها القلة القليلة بالصدفة سوف يكون سلاحها في الحرب العالمية الرابعة العصي والحجارة كما تنبأ العالم الفيزيائي العبقري ألبرت اينشتاين تهكما بذلك حينما سؤل عن نوع الأسلحة التي سوف تستخدم في الحرب العالمية الثالثة فكان جوابه لا اعلم ولكن سيكون في الحرب العالمية الرابعة الحجارة والعصي .
بعد إنهيار النظام الشيوعي والأشتراكي في نهاية القرن الماضي في الأتحاد السوفييتي وأوربا الشرقية وتفكك إتحاداتها وبلدانها واستقلالها من التبعية وضعت الحرب الباردة اوزارها وبذلك إنهار القطب اليساري من التقسيم العالمي ، فشهدت ساحة الصراع الفكري حول مفهوم اليمين واليسار هدوءً كبيراً ، ولكن حل محله الصراع الفكري بين تيار التشدد والتطرف الديني التكفيري ( الأسلام السياسي ) الذي يسعى الى فرض معتقداته وايديولوجته بالقوى والقسر على الاخرين ممن يخالفونه الرؤى والنظرة الى الحياة من جهة وبين تيار قيم الحرية والديمقراطية المحبة للسلام والتعايش السلمي بين البشر من كل المكونات الإنسانية القومية والدينية والأثنية من جهة أخرى على الساحة العالمية . هذا الصراع الدموي الذي أصبح عراقنا ضحية له وساحة نموذجية للقتل والذبح العشوائي على الهوية ، والذي أخذت دائرته تتوسع يوم بعد آخر لتشمل الكثير من دول الجوار وبلدان العالم من دون إستثناء ، وأخذت مخاطره تهدد التحضر والتمدن وقيم الحياة الانسانية ، وتهدد بتقويض أسس الحضارة الإنسانية بالدمار الشامل والعودة الى العصور الحجرية المظلمة ، وعودة الانسان الى عصر شريعة الغابة والقمع والطغيان والبربرية والهمجية التي لا تُقيم للإنسانية أية إعتبار .
كان التناقض الرئيسي في الصراع العالمي ذي القطبين في القرن الماضي بين اليمين واليسار بما يمثل ذلك من مفاهيم وأفكار في الفكر السياسي والفلسفة والأقتصاد . بينما أصبح الآن التناقض الرئيسي في الصراع العالمي ذي القطب الواحد بين الفكر الديني التكفيري المتشدد والمتطرف والذي يقود عمليات الأرهاب ويتخذ منه وسيلة لتحقيق أهدافه في السيطرة على العالم وتهديم حضارة الانسان وبين فكر قيم الحرية والديمقراطية والتعايش السلمي بين البشر دون التمييز القومي والديني والمذهبي والأثني والتساوي في الحقوق والواجبات أمام القانون ، وعلى ما يبدو سوف يسود هذا الصراع هذا القرن .
اليمين واليسار في أحزابنا القومية
بالنسبة الى أحزابنا القومية الكلدانية والسريانية والآشورية الحالية والتي جميعها وحسب رؤيتنا لها لا تمتلك فكر سياسي واضح ونظرية أيديولوجية معينة تعتمد عليها في صياغة منطلقاتها النظرية وأفكارها السياسية ولو بأبسط صور الفكر السياسي الحديث ، وإنما تعتمد على أفكار ورؤى ومزاجات أفراد معينين وعلى العواطف القومية والتعصب القومي العنصري التي تستغل كمادة تحريضية لدفع الشباب المتحمس غير الواعي لأفعاله للأنخراط في صفوفها ومن دون دراسة واقع الحال لأمتنا ، فهي بالتالي عبارة عن أحزاب ذات توجه قومي عنصري كما هو وكان حال الأحزاب القومية العربية والكوردية ، وعليه فهي وفق المعايير العصرية لمفهوم اليمين واليسار في العمل السياسي فهي بالتالي احزاب يمينية بأمتياز لا وجود لشذرات الفكر اليساري في توجهاتها ومنطلقاتها الفكرية لحد الآن . 
ومن باب التذكير بما قاله السيد نينوس بثيو ( كوركيس بثيو )  السكرتير العام السابق للحركة الديمقراطية الآشورية في آخر مقال له في رده على كيان " أبناء النهرين " الحديث التكوين في الدفاع عن نفسه حول أسباب جوهر خلافه التاريخي مع السيد يونادم كنا السكرتير العام الحالي للحركة الديمقراطية الآشورية ناخذ الوضع في الحركة الديمقراطية الآشورية على سبيل المثال وليس الحصر كأكبر احزابنا القومية حالياً ، حيث وصف السيد نينوس بثيو ذلك الخلاف بكونه خلاف فكري بينه كيساري في توجهاته وبين السيد يونادم كنا كيميني برجوازي في توجهاته ، هذا ما فهمته أنا مما ورد بهذا الشأن على لسان السيد نينوس بثيو فإن صدق هذا الأدعاء فإن ما حصل ويحصل في الحركة الديمقراطية الآشورية هو أيضاً من نتاج الصراع الفكري بين اليمين واليسار وليس لأسباب أخرى لربما قد تجنب السيد نينوس بثيو عن ذكرها لأسباب خاصة به شخصياً . لقد أسهبتُ كثيراً في عرض مثل تلك الأسباب التي تؤدي الى الصراعات الفكرية داخل الأحزاب والحركات السياسية في مقالي السابق الموسوم ( في التربية والثقافة السياسية ... حول الطبيعة التكوينية للأحزاب والحركات السياسية ) ، متمنياً من كل قلبي أن يصدق السيد نينوس بثيو في قوله وأن يكون الخلاف بينهما فكريا وليس خلاف مناصب ومصالح وغيرها كما هو معروف لدى كوادر الحركة . أنا شخصياً أستبعد أن يكون الخلاف بينهما إن وجد أصلاً خلافاً فكرياً حسب وصف السيد نينوس بثيو ، بل أميل الى القبول بان يكون الخلاف بينهما خلاف المصالح ، وإلا كيف استمر التوافق بينهما على قدم وساق كل هذه السنين لإقصاء الآخرين الكوادر القيادية المعارضة لتوجهات وسلوكيات ونهج السيد يونادم كنا !!! ؟ ، وأقتبس هنا من مقال السيد نينوس بثيو المعنون ( رد على إيضاح كيان أبناء النهرين لا أعطي الفتاوى بل أقدم المقترحات ) ما يلي :- "  أن حقيقة الموضوع هو أختلاف بيني (نينوس بثيو) وبين الرفيق (يونادم كنا) منذ بدايات زوعا يتأسس على خلفية فكرية وهي أنني أحمل أفكار يسارية وهو ذو توجه يميني بورجوازي , وأنعكاس هذا الاختلاف كان قائما بيننا في عموم مسيرة زوعا وقراراتها وكان يحصل بيننا نقاش حاد ثنائي وفي أجتماعات القيادة واللجنة المركزية والمكتب السياسي ولسنوات طويلة " . بينما في الحقيقة ومن وجهة نظرنا فإن الخلاف الداخلي في زوعا ليس خلافاً فكرياً بين اليمين واليسار ، وإنما هو خلاف حول أليات العمل وعلى السلوك المنحرف والانفراد بالقرار الذي تسلكه وتمارسه وتنهجه القيادة الحالية لزوعا بقيادة السيد يونادم كنا  ، ولا وجود لتوجهات يسارية في القيادتين الحاليتين لزوعا ، قيادة زوعة يونادم كنا أو قيادة زوعة أبناء النهرين .     
ومن خلال ما استعرضناه نستطيع أن نستنتج أن الحركة الشيوعية العالمية بأحزابها المتنوعة هي التي أعطت لمفهوم اليمين واليسار في الفكر السياسي العالمي الحديث طابعاً سياسياً وأيديولوجياً شاملاً في العمل السياسي وجعلت منه معياراً لتقسيم العالم فكرياً بين اليمين الرجعي واليسار التقدمي والذي سار ويسير الآخرين على هداه الى يومنا هذا

خوشــــابا ســــولاقا
بغداد في 17 / تموز / 2019 م

10
في التربية والثقافة السياسية
حول مفهوم النقد والنقد الذاتي في العمل السياسي

خوشابا سولاقا
إن أي عمل أو نشاط سياسي لأي كيان منظم مهما كانت طبيعته لا بد أن يخضع في النهاية الى عملية التقييم إيجابا أو سلباً ومن ثم تقويمه ، إن عملية التقييم والتقويم بحد ذاتها تخضع الى أسلوب البحث العلمي الرصين والدقيق بموجب معايير علمية مجربة لتحديد مواضع القوة والضعف والخلل ، وبالتالي يتم اختيار آليات التقييم والتقويم معاً بما يُمكّننا من وضع كل شيء في نصابه وموضَعِه الذي من المفروض أن يكون فيه ضمن العمل السياسي برمته دون أن يتقاطع أو يتعارض مع ما مخطط له في المنهاج السياسي لذلك الكيان . هذه العملية يطلق عليها في العمل السياسي المنظم والمنضبط بالنقد والنقد الذاتي ، وهي بالتالي تشكل عملية إعادة تنشيط حيوية وشباب العمل في الكيان السياسي إن صح التعبير ، وهي في ذات الوقت تعني عملية تطهير الذات من الأخطاء والانحرافات والخروقات وكل أشكال الفساد السياسي وإعادة بناء الذات الجديدة بالشكل الذي ينسجم مع واقع الحياة ومستجداتها في خضم العمل السياسي ، ومن دون عملية ممارسة النقد والنقد الذاتي ومراجعة الذات يتحول العمل السياسي داخل الكيانات السياسية الى عمل رتيب وممل يصيبه الجمود والتحجر ثم الأنهيار ، ويوجد الكثير من الأمثلة في تجارب الكيانات السياسية في مختلف بلدان العالم على ممارسة مبدأ النقد والنقد الذاتي في عملها السياسي . إن عملية ممارسة النقد والنقد الذاتي الحر هو شرط أساسي وضروري من شروط وأسس الديمقراطية السياسية التي من المفروض أن تلازم حياة وتجارب الأحزاب السياسية الرصينة والتي تريد الأستمرار وأن تقوي وتعزز وحدتها الفكرية والتنظيمية  ولأن تجدد بناء ذاتها مع تجدد متطلبات الحياة ، وعليه فإن الكيانات السياسية التي تؤمن بالديمقراطية وحرية الرأي وقبول الرأي الآخر وأن تتخذ منها منهجاً في حياتها السياسية عليها أن تضع مبدأ ممارسة النقد والنقد الذاتي في مقدمة أولوياتها في حياتها السياسية ، وبعكسه سوف يكون مصيرها الخيبة والفشل المحتم في تحقيق ما تصبو إليه من الأهداف على كافة الأصعدة  القومية والوطنية وحتى الفئوية منها . ونظراً لأهمية هذا الموضوع في العمل السياسي من وجهة نظرنا المتواضعة وددتُ أن أقدم شيء من التفصيل في تعريف مفهومي " النقد " و " النقد الذاتي " الى القارئ الكريم .
مفهوم " النقد " كما قلنا يعني تقييم الأيجابيات والسلبيات في العمل السياسي ومن ثم معالجة السلبيات معالجات جذرية بالقضاء على أسبابها وهذا السلوك يشكل الشرط الأساسي في أسس الديمقراطية السياسية ، كما يعتبر النقد أهم الضمانات لأشاعة ممارسة الحرية بكل أشكالها الايجابية ، والنقد الايجابي معناه أن نُقّوم العمل التطبيقي والأفكار العامة لنتبين شكل حركتها ولكي نكشف ونشخص بالتالي التناقُضات التي تشوبها أو التي نشأت فيها في خضم التطبيقات العملية في الحياة السياسية . النقد كضمان حقيقي لأشاعة حرية الرأي في العمل السياسي يستلزم تقييم وتقويم كل ماهو إيجابي وكل ما هو سلبي في التجربة السياسية القومية والوطنية معاً وعلى جميع مستوياتها لكونهما تجربتان متداخلتان ومرتبطتان إرتباطاً عضوياً تتأثران وتؤثران في بعضهما البعض بشكل متبادل لا إنفصام بينهما ، وكذلك يستلزم في عملية ممارسة النقد لكي يكون نقداً علمياً وبناءً وفعالاً تقديم مقترحات وحلول بديلة لكل ما يتم نقده لتأكيد وتعزيز ودعم الجوانب الايجابية ولتصفية وتطهير الجوانب السلبية في العمل السياسي على حد سواء من دون مجاملات أو رياء أو نفاق سياسي مراعة لمواقع المسؤولين القياديين في الكيانات السياسية على حساب إخفاء الحقيقة وطمسها عن الجماهير الشعبية ، لأن في مثل هذه الممارسات المنحرفة عن السياقات والأخلاق السياسية أضرار بالمصالح الحيوية القومية والوطنية وخيانة للمبادئ والقيم التي يؤمن بها الكيان السياسي . إن ممارسة النقد الحر كما أسلفنا هو أساس ضروري من أسس الديمقراطية السياسية في العمل السياسي ، عليه لا بد من أن تتوفر لهذه الممارسة ضمانات بمعرفة ما يجري بالتفصيل في التجربة السياسية التي يقودها الكيان السياسي المعين في الحقل القومي والوطني وبحسب طبيعة العمل السياسي من أعمال وأفكار ومن معلومات وأراء أخرى ، وهذا يستلزم توفر مستوى معين من التعليم في الكوادر العاملة والذي هو في حده الأدنى معرفة القراءة والكتابة، وتوفر القدرة المالية التي تمكن الكيان السياسي من الأستفادة من وسائل الأعلام لنشر الأخبار والأفكار والأراء للكيان السياسي وإيصالها الى الجماهير الشعبية بغرض إستقطابها للانخراط في العمل  . كما تحتاج عملية ممارسة النقد الايجابي الفعال الى توفر وعي سياسي جماعي يتبلور في وحدات جماهيرية قادرة على إحداث التغيير المطلوب بقدر ما هي قادرة على المطالبة بالتغيير .
هذا كان كل ما يتعلق بجانب ممارسة النقد من موضوعنا ، أما ما يتعلق منه بجانب ممارسة " النقد الذاتي " فهو أن النقد الذاتي يعني تقييم وتقويم للذات سواءً كانت تلك الذات تمثل فرداً بعينه أو تمثل جماعة أو كياناً سياسياً أم مؤسسة مجتمع مدني أم نظاماً سياسياً للدولة أو أي شكل من أشكال التكتلات الجماعية . في الوقت الذي يعتبر النقد تقييماً وتقويماً لأعمال وأفكار وأراء الغير ، فإن النقد الذاتي هو تقييم وتقويم لأعمال وأفكار وأراء وسلوك الذات أو الناقد نفسه مهما كانت طبيعة الناقد ، والنقد الذاتي مع النقد يعتبران أهم الضمانات لتأمين ممارسة الحرية والديمقراطية بشكل إيجابي في العمل السياسي ذات المنهج الديمقراطي ، فإذا كان النقد واجباً على كل مواطن منخرط في العمل السياسي وحقاً من حقوقه الطبيعية لحماية المصلحة القومية والوطنية فإن النقد الذاتي أوجب وأفرض وأحق عليه من ممارسة النقد بحق الآخرين . لكي يَعرف الفرد بنفسه أو لكي تَعرف الجماعة أو الكيان السياسي أو النظام السياسي بأنفسهم قيمة ما تعمله وما تفكر فيه وتعترف بما في عملها هذا وأفكارها تلك من أخطاء وانحرافات ونواقص ، فإن ذلك الأعتراف يشكل قِمة العمل الثوري النضالي ، وذلك هو أرقى أشكال محاسبة الذات على أخطائها وتقصيرها قبل محاسبة الآخرين على أخطائهم ونواقصهم وإنحرافاتهم ، فالتقييم والتقويم والمحاسبة لكي يكون لها مصداقية لدى الآخرين يجب أن تبدأ أولاً من الذات نفسها قبل غيرها .
كما أسلفنا أن النقد يستلزم ويلزم صاحبه بتقديم المقترحات والمعالجات والحلول البديلة لتصليح الأخطاء وتجاوزها وإبقاء المسيرة النضالية في مسارها الصحيح والتغلب على السلبيات ، كذلك يستلزم النقد الذاتي وبنفس القدر من الشفافية والصراحة والصرامة والجدية إن لم يستلزم أكثر من ذلك ، لأن في عملية ممارسة النقد والنقد الذاتي لتقييم وتقويم المسيرة النضالية لتجاوز كل المعوقات تتقدم أهمية وأولوية النقد الذاتي على أهمية وأولوية النقد ، حيث لا يمكن لمن لم يُقّيم ويُقّوم ويُصلّح ذاته أن يُقيّم ويُقُّوم ويُصلّح الآخرين . كما نود هنا أن نوضح بأن فكرة النقد الذاتي قد نشأت في التنظيمات والأحزاب السياسية القائمة على المبادئ والقيم الثورية كما هو الحال في الأحزاب الثورية اليسارية وأحزاب حركات التحرر الوطني التي تقتضي مهامها ذلك ، وأيا كانت تلك المبادئ فالنقد الذاتي هو بمثابة الأعتراف بالخطايا كما هو الحال في ممارسات بعض الكنائس بحسب العقيدة المسيحية ، حيث يعترف المؤمن المسيحي بما أقترفه من خطايا مهما كانت طبيعتها لكاهن الكنيسة وبشكل سري في مكان خاص مخصص لذلك طلباً للمغفرة من رب العالمين وتبرئة ذمته منها ، وإن كانت طبيعة النقد الذاتي الذي يمارس داخل الأحزاب والتنظيمات السياسية العقائدية ذات المبادئ الرصينة يشكل تعبيراً أرقى وأحدث في محاسبة الذات وجلدها مما عليه في الكنائس بكثير لأنه يأخذ طابعاً عملياً في محاسبة المخطئ والمقصر فوراً دون ترك الأمر لله إن صح التعبير !! ، وفي بعض الأحيان يكون النقد الذاتي كافياً لأعفاء الناقد المخلص الايجابي لنفسه من كل مهامه في تولي المناصب المسؤولة داخل الكيان السياسي بسبب ما اقترفه من الأخطاء وهذا المبدأ يسمى " محاسبة الذات " وهو ارقى شكل لممارسة النقد الذاتي .
وينبغي أن يكون النقد الذاتي نقداً متكاملاً يحدد ما حدث من جانب الناقد من أخطاء عملية أو فكرية ، ويحدد بدقة الأسباب والدوافع التي دفعت بالناقد الى الوقوع في تلك الأخطاء ، وأن يعطي تعهداً صادقاً بعدم الوقوع في نفس الأخطاء مرة أخرى .
هكذا ومن خلال ما استعرضناه من تعريف وشرح لمفهومي " النقد " و " النقد الذاتي " وعلاقتهما ببعضهما البعض في العمل السياسي فإن ممارسة النقد والنقد الذاتي هي عملية تقويمية وأخلاقية بمثابة تطهير الذات للكيان السياسي من الأخطاء وكل الممارسات والانحرافات التي تضر بمصلحته وتسيء الى سمعته ، وهي أيضاً ممكن أن تكون بمثابة العملية الجراحية في الطب لأستيصال كل المظاهر الشاذة لغرض المحافظة على سلامة الكيان السياسي قوياً موحداً معافاً ، وهي بالتالي تجديد لشباب وحيوية الكيان السياسي وإبقائه على خط السير المرسوم له في استراتيجيته العامة لتحقيق الأهداف التي يناضل من أجلها وبأقل تضحيات ممكنة ، حيث أن تقليل التضحيات البشرية والمالية وإختزال الوقت لصالح إنجاز الأهداف الأستراتيجية ياتيان من خلال تقليل واختزال الأخطاء والسلبيات في العمل السياسي اليومي . فكل من لا يمارس ولا يقبل بالنقد والنقد الذاتي بروح نضالية ثورية وبوعي من مبادئ الكيان السياسي الذي ينتمي إليه ليس من اللائق به الاستمرار في العمل السياسي . لأنه كما قالوا فقهاء السياسة من قبل أن السياسة هي فن الممكن ، فإن النقد والنقد الذاتي يشكلان روح ممارسة ذلك الفن النبيل ، وهما السمة التي يجب أن تلازم كل كيان سياسي ناجح ورصين .


خوشــابا ســولاقا
10 / تموز / 2019 
بغداد – العراق     

[/b][/size]

11
الأصلاحات والتغييرات ودور طابور الفاسدين المتباكين على الدستورغير المستور  !!!
خوشابا سولاقا
كما هو معروف لكل المهتمين بالشأن السياسي العراقي من العراقيين الوطنيين المخلصين الشرفاء منذ فجر العهد الجديد الذي دشنه السيد بريمر السيء الصيت بمجلس الحكم الأكثر سوءً . عندما تم تشكيل مجلس الحكم بحسب الرؤية الديمقراطية الأمريكية للواقع الديموغرافي للعراق المبني على أساس نسبة سكان مكونات الشعب العراقي والأتجاهات السياسية فيه حيث بموجب هذا المعيار تم اختيار أعضاء هذا المجلس الموقر جداً !!! والمكون من ( 25 ) عضواً وكان للست " وداد فرنسيس " التي كانت تعمل في مكتب السيد بريمر والتي تلقت الكثير من الهدايا الثمينة من أغلب أعضاء المجلس الموقر للتوسط لصالحهم لدى محبوبها السيد بريمر .
كانت المفاجأة الأولى والغريبة جداً للسيد بريمر الحاكم الأميريكي العام المطلق الصلاحيات في العراق بشكل خاص وللعراقيين بشكل عام ، هي عندما طلب السيد بريمر في أول جلسة من هذا المجلس الكوكتيلي الهزيل اختيار رئيساً له للفترة الأنتقالية من حكمه العتيد ، أختلف أقزام السياسة العراقيين فيما بينهم لأختيار رئيساً لمجلسهم الموقر من شدة إفراطهم في الوطنية والأخلاص لوحد العراق وشعبه ، لقد أخفقوا في ذلك وفق القواعد السياسية والأخلاقية والقانونية المعتادة ، لأن كل واحد منهم كان يطمح  لأن يكون هو الرئيس الأوحد للمجلس والعراق الجديد ، وعندما عجزوا عن اختيار الرئيس وفق القواعد المعتادة كان هناك منهم من طلب اعتماد اسلوب إجراء القرعة لاختيار فارس المجلس أي الرئيس الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من الوسائل الوقحة والمبتذلة ، مما أثارت استغراب ودهشة السيد بريمر على هذه الشهوة الجامحة الجنونية للسلطة لهؤلاء الأقزام !!! ، وأخيراً تم الأتفاق بينهم والسيد بريمر على أن تكون رئاسة المجلس تناوبية دورية شهرية يتم التناوب عليها بحسب الحروف الأبجدية لأسمائهم الذليلة !!! . خسئتم والله يا أقزام السياسة على هذا التواضع السلطوي ، خزيتمونا ونكستم عقال العراق إن صح التعبير ودنستم شموخه وكبريائه الوطني أمام محبوب الست " وداد فرنسيس " ، وكانت المفاجأة الثانية والأكثر خزياً ومذلةً هي عندما اجتمع بهم السيد بريمر في أول اجتماع له بهم بعد اختيارهم لعضوية المجلس لغرض التعرف والوقوف على مقترحاتهم وأفكارهم وأرائهم الوطنية النيرة لوضع برنامج شامل لأعادة بناء العراق الجديد بعد عهد الديكتاتورية الفردية للطاغية صدام حسين ، حيث كان بريمر مرتبكاً وخائفاً للغاية كيف تكون له المقدرة للأجابة على أراء واستفسارات هؤلاء السياسيين العراقيين الوطنيين الأفذاذ بشأن إعادة بناء وإعمار بلدهم المدمر من قبل جحافل بريمر وسيده بوش الأرعن !!! . سألهم بارتباك وخوف والقلق بادي على محياه وفي نظرات عينيه وهو جالسٌ على حافة مقدمة مقعده مرتبكاً يضرب الأخماس بالأسداس ليجد لنفسه طريقاً للخروج من مأزقه بإيجاد الأجوبة المقنعة لأرضاء خواطر هؤلاء الكبار من فطاحل السياسة  !!! ، فوجه لهم سؤآله بارتباك ، ما هو ما يدور في مخيلتكم من تساؤلات واستفسارات تريدون معرفة اجابتنا عليها بشأن اعادة بناء وإعمار بلدكم العراق الجديد ؟؟ ، فاستجمعت واختزلت كل تساؤلاتهم فيما قل ودل وسألوه عن مقدار الرواتب التي سيتقاضونها وهم في موقعهم الجديد هذا ( أعضاء في مجلس الحكم ) ، عندها تنفس السيد بريمر الصعداء وابتسم ابتسامته الصفراء الساخرة المعهودة بانشراح وجلس في مقعده متكئاً ظهره على مسند المقعد ( الكرسي ) مطمئناً مرتاح البال بانفراج أزمة ارتباكه وقال في نفسه أهؤلاء هم من سيحكمون العراق ويعيدون إعماره وبنائه ؟؟ أكيد قال في نفسه " حصلنا منكم يا أقزام ليس لكم ما تقولونه بشأن اعادة إعمار وبناء بلدكم غير مقدار رواتبكم " ، خسئتم يا نفايات التاريخ .
هذه الحماقات والسخافات المخجلة كان يجب أن تكون للعراقيين المؤشرات الأولى على أن هؤلاء لم يأتوا من الخارج خلف الدبابة الأمريكية وهم يلهثون ومُتَربين بغاية خدمة العراق والعراقيين وتعويضهم عما فقدوه وخسروه في زمن النظام الديكتاتوري السابق ، بل جاءوا كسراق ( حرامية ) متدربين مؤهلين ومحترفين في السرقة ليسرقون ماله وممتلكاته وآثاره في وضح النهار دون خجل ووجل هذه كانت بداية عهد الشؤم للعراقيين من وراء عودة الأبناء الضالين عودة الذئاب الجائعة لينهشوا البلاد والعباد بشراحة ووقاحة .
هنا نقول في ضوء ما تقدم لأبناء شعبنا العراقي المساكين والمغلوب على أمرهم ، أن كل من اشتركوا في مؤسسات شبه الدولة في العراق من المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية ودوائر وأجهزة الدولة المدنية والعسكرية والأمنية في بغداد وأربيل والسليمانية منذ عهد مجلس الحكم وما تلاه من عهود مروراً بعهد أياد علاوي والجعفري والمالكي والدكتور حيدر العبادي الى عهد الدكتور عادل عبد المهدي مارسوا الفساد لحد النخاع كلٍ بطرقته الخاصة وفق قاعدة " احميني واسترني أحميك وأسترك والله غفورٌ رحيم وشديد العقاب " باستثناء عدد محدود من الشخصيات الوطنية الشريفة الذين لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليدين من الذين وصلوا عن طريق الخطأ الى بعض مقاعد الحكم لتجميل وتلميع الصورة الكالحة للنظام ولم تُلطخ أيديهم بالدماء العراقية ولم تلوث جيوبهم بالسحت الحرام من الدولارات الأمريكية الخضراء ، ولكن حتى هؤلاء يعتبرون من المستفادين من الرواتب وامتيازات مواقعهم من مخصصات وسيارات وسكن مجاني في قصور النظام السابق في المنطقة الخضراء والعيشة المترفة التي منحتها لهم القوانين الجائرة التي شرعها البرلمان لصالح مافيات الفساد من مسؤولي مؤسسات الدولة ، ثم أخيراً الرواتب التقاعدية الفلكية التي تفوق رواتب موظفي الدرجة الأولى من أقرانهم في التحصيل العلمي في الدولة بأكثر من خمسة أضعاف على أقل تقدير .
أيها القارئ الكريم كل هؤلاء مستفادين من نظام المحاصصة الطائفية والأثنية المقيت وافرازاته بالحرام أو بالحلال وفق قوانين تُحلل الحرام وتحرم الحلال شرعوها لهذا الغرض.
عليه فإن أي إجراء اصلاحي سياسي يمس هيكلية هذا النظام وقواعده سيمس بالنتيجة الحالة المعيشية المترفة لكل هؤلاء المستفادين من القطط السِمان ويسحب منهم تلك الأمتيازات التي لا يستحقونها شرعاً وقانوناً ، لذلك يكون من الطبيعي جداً رد فعلهم على إجراءات الأصلاح السياسي والتغيير في بُنية النظام القائم معادياً لمصالح الفاسدين ويكون مرفوضاً بهذا الشكل أو ذاك من قبلهم ، وأن يشكلون طابوراً ولوبي نشط في مؤسسات الدولة للدفاع عن مصالحهم من خلال احتواء وعرقلة تنفيذ كل الأصلاحات والتغييرات المقترحة في بنية النظام القائم ما لم يتم مواجهتهم بحزم وصرامة بقوة وبسرعة قبل فوات الأوان ومنذ البداية وهم في جحورهم المظلمة من دون ترك لهم فرصة لأستعادة تجميع قواهم والتقاط أنفاسهم من جديد .
لذلك ندعو هنا السيد رئيس مجلس الوزراء الحالي الدكتور عادل عبد المهدي أو أي يكون مستقبلاً مخلصين وداعمين وساندين له كشعب عراقي إذا كان فعلاً عازماً وجاداً في السير الى الأمام الى نهاية المطاف في تنفيذ حزمة الأصلاحات التي يقتضيها الوضع المزري للبلاد في كل المجالات لوضع العراق على خط السير الصحيح ، أن يرفق هذه الحزمة بحزمة من الضرب بيد من حديد على رؤوس الفاسدين الكبار المتجذرين والمتعشعشين في دهاليز مؤسسات الدولة منذ عهد مجلس حكم السيد بريمر الى عهده اليوم وقطع أياديهم من خلال الآتي :
أولاً : قطع رأس الأفعى السامة التي بثت سموم الفساد المالي والاداري في جسد العراق بترسيخ نظام سرقة المال العام والعبث بمقدرات البلاد ألا وهو نظام " المحاصصة الطائفية والأثنية " المقيت ، نظام محاصصة الحرامية ، وذلك من خلال تعديل الدستور من خلال تشكيل لجنة من المختصين من القانونيين المستقلين لهذا الغرض لجعل الدستور دستوراً وطنياً عراقياً خالصاً بتنظيفه من كل أدران الطائفية السياسية والتوجهات القومية والدينية الشوفينية وتكريس الهوية الوطنية للعراقيين ومساواة العراقيين بكل تلاوينهم القومية والدينية والمذهبية وغيرها من الخصوصيات الفرعية أمام القانون .
ثانياً : إصلاح النظام السياسي للبلاد والقضاء على الفساد الذي يتطلب تنفيذه من خلال وجود قضاء مستقل عادل ونزيه غير مسيس ، وعليه تستوجب مرحلة تنفيذ الأصلاحات السياسية المطلوبة في هيكلية النظام السياسي الفاسد القائم على المحاصصة الى وجود هكذا قضاء ، لذلك ولغرض تطبيق الأصلاحات يتطلب الأمر الى اصلاح القضاء بتطهيره من الفساد والفاسدين أولاً وأخيراً ومن دون ذلك سوف لا تجد الأصلاحات السياسية طريقها الى النور .
ثالثاً : تشكيل محكمة الشعب الجنائية من قضاة مختصين ومخلصين ونزيهين مستقلين غير متحزبين ، وتشكيل مكتب المدعي العام بنفس المواصفات لأحالة الفاسدين من سراق المال العام وبأثر رجعي الى هذه المحكمة لمحاسبتهم بحسب استحقاقهم وفقاً لقانون الجنايات العراقي ، والعمل وفق القوانين الدولية لمتابعة وملاحقة الهاربين من الفاسدين والسُراق من خلال الأنتربول بغرض اعادتهم للأمتثال أمام القضاء لمحاكمتهم واستعادة ما سرقوه من أموال العراق المهربة الى خزينة الدولة العراقية .
رابعاً : تنص المادة رقم ( 5 ) من الدستور العراقي على " السيادة للقانون ، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها ، يمارسها بالأقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية . " . وبما أن الشعب هو الذي أعطي الشرعية القانونية للدستور من خلال الأستفتاء العام علية في اقتراع سري بمشاركة أقل من عشرة ملايين عراقي في حينه ، وبما أن عدد المنتفضين في عموم العراق منذ يوم الجمعة 14 من آب / 2015 كان أكثر من هذا العدد وطالبوا جميعاً بهتافاتهم بتعديل الدستور وفوضوا في حينه السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي بإجراء الأصلاحات ، فإن هذا التفويض بحكم القانون يمنح للسيد رئيس مجلس الوزراء الحالي الدكتور عادل عبد المهدي يعني أن سلطة الشعب أعلى وأسمى من سلطة الدستور الذي اتخذ منه ستاراً لتغطية سرقات الفاسدين من المسؤولين وما يؤيد تفسيرنا هذا أن كل القرارات الرسمية تتخذ باسم الشعب واستناداً الى الدستور وليس العكس ، أي بمعني ارادة الشعب أولاً ولها الحاكمية دستورياً وقانونياً والدستور ثانياً وليس العكس .
خامساً : حل هيئة النزاهة ومكاتب المفتشين العموميين التابعين لها في الوزارات ودوائر الدولة بأعتبارها كانت تشكل غطاءً لنشاط مافيات الفساد وسراق المال العام مقابل مشاركتهم في الغنيمة ، وتفعيل دور الرقابة المالية الداخلية والخارجية الذي كان سائداً منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في النظام الرقابي لمتابعة الصرف المالي في وزارات ومؤسسات الدولة . وإلغاء مجالس المحافظات ومجالس البلديات في المحافظات لكونها مصدر من مصادر الفساد وقنوات للسرقات والتجاوزات على أموال وممتلكات الدولة . 
إن تفويض الشعب من خلال التظاهرات المليونية في عموم العراق للحكومة من خلال شخص السيد رئيس مجلس الوزراء المحترم ودعوة المرجعيات الدينية الشيعية والسنية والمسيحية وغيرها من خلال خطب الصلواة أيام الجمعة والأحد في المساجد والجوامع والحسينيات والكنائس والمعابد ومطالبتهم له بالضرب بيد من حديد على رؤوس الفاسدين وسراق المال العام تجعله يمتلك صلاحيات مشروعة ومطلقة لتنفيذ الأصلاحات والتغييرات المطلوبة بالكامل من دون تأخير ، وإن تفويض الشعب له بهذا الأجماع هو فوق الدستور في ظل هذه الظروف المأساوية الصعبة ، وبعكس ذلك فإن الطرفين ، الشعب والمرجعيات الدينية كلها ستضطر الى تحميله مسؤولية التقصير والتردي في الوضع العام ومحاسبته على كل التداعيات .
كل العراق معكم يا سيادة رئيس مجلس الوزراء في تنفيذ الأصلاحات الشاملة في كل مفاصل النظام السياسي واجراء التغييرات الجذرية في مؤسسات الدولة للقضاء على الفساد والفاسدين وحماية أموال الشعب التي هي أمانة تاريخية في أعناقكم ودمتم للخير والصلاح لما فيه خدمة البلاد والعباد .
 إن من يتباكون على الألتزام بالدستور ويذرفون عليه دموع التماسيح في هذه الأيام من البرلمانيين وأعضاء الحكومات وسلطات القضاء من المتضررين من الأصلاحات ، هم في الحقيقة طابور الباطل وشركاء الفساد وشهود الزور لنصرة الفاسدين وسُراق المال العام وقوت الشعب ، وهم بالتالي يقومون بدور محامي الدفاع عن الشيطان ، نقول لهؤلاء المتباكين أين كنتم ودستوركم وقضائكم عندما أوصلتم العراق الى ما هو عليه اليوم من فساد وتراجع في نهضته وتخلفه وتأخره في كل المجالات  وتردي الخدمات في ظل صرف أكثر من ( 1300 ) مليار دولار خلال فترة حكمكم  الفاسد البغيض للعراق ؟؟ لماذا لم تنزل دموعكم الكاذبة عليه أيها المنافقون عندما سرقتموه وجعلتم خزينته شبه خاوية من آخر دولار عندما استلم الدكتور حيدر العبادي الحكم ؟؟ ... إن كلامكم هذا وبكائكم على الدستور غير المستور هو " كلام حق تريدون به باطل " . يا سيادة رئيس مجلس الوزراء لا تنصتوا إلى أصوات هؤلاء المنافقين ولا تتعاطفوا مع بُكائهم الكاذب إنهم منافقون ومراؤون ، ولا تأخذكم بهم رحمة ولا شفقة وعاملهم بالمثل كما فعلوا مع الشعب العراقي المسكين وسرقوه أمواله وقوت عيشه وتركوه فريسة سهلة للفقر والعوز والفاقة والمرض والنزوح في العراء بلا مأوى يَتقيهم قيض الصيف وبرد الشتاء ، ولا فراش لهم يفترشوه غير الأرض والسماء ، ولا غذاءً ليأكلوه ولا دواءً ليعالجون به أمراضهم وهم مواطنين لأغنى بلد في العالم بثرواته النفطية الهائلة . لا تترددون في قراراتكم الحازمة والصارمة لصالح الوطن والشعب في تنفيذ الأصلاحات واجراء التغيير الجذري ، وأن لا تأخذكم في الحق لومة لائم في مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين والمفسدين ، إنه هو طريق الحق بعينه الذي يجب أن تسلكوه مرفوعي الرأس شامخين وأن لا يستوحشكم سلوكه أبداً . سيروا الى الأمام والشعب معكم للنهاية في كل خطوة تخطونها نحو الأصلاح الشامل والتغيير الجذري في بناء العراق المدني الديمقراطي الجديد .

خوشـــابا ســـولاقا  ............. بغداد – 1 / نيسان / 2019 م


12
جدلية العلاقة بين الدين كفكر وبين السياسة كوسيلة
خوشابا سولاقا
بالنظر لكثرة الكتابات والحوارات والسجالات من قبل كتابنا ومثقفينا الأجلاء في هذا الموقع وغيره من المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي والدعوة فيها الى فصل الدين عن السياسة كردود أفعال لسلوك بعض السياسيين أو رجال الدين بتدخل من طرف في شؤون الطرف الآخر بحسب الأجتهادات الشخصية لمفهوم التدخل واعتبار ذلك التدخل خرقاً للخصويات الأختصاصية والتجاوز عليها من طرف للطرف الآخر ، حيث وجدنا أن بعض تلك الكتابات والحوارات قد تجاوزت في سياقها العام قواعد النقد السياسي والأدبي البناء المقبول وأخلاقيات الكتابة الرصينة المهذبة في احترام الخصوصية المهنية والرأي والرأي الآخر وقواعد الحوار الديمقراطي الشفاف باستعمال في أحيانٍ كثيرة مفردات ومصطلحات غير لائقة وليست في محلها المفترض ، مما اقتضى الأمر بنا ككاتب متواضع لأن نكتب هذا المقال لندلو بدلونا محاولين إلقاء الضوء بحسب وجهة نظرنا المتواضعة لتوضيح جدلية العلاقة بين الدين كفكر روحاني له أتباعه الكُثر وبين السياسة كوسيلة لترجمة أي فكر مهما تكون طبيعته الى تطبيق على أرض الواقع وبالتالي لبيان أن الفكر أي فكر كان والسياسة توأمان يتواجدان ويتفاعلان في علاقة جدلية في بيئة اجتماعية واحدة لا يمكنهما الأنفصال ولا يمكن لأحدهما أن أن يلغي الآخر وكذلك لا يمكن لأحدهما أن يتواجد من دون وجود الآخر ، وأن الدعوات التى يطلقها البعض من الكتاب والمفكرين للفصل بينهما بالشكل الذي يريدونه ويطالبون به ليست دعوات دقيقة بمعناها الفكري والفلسفي والاجتماعي وحتى ليس ذلك الطرح عملياً ، بل على من يدعي ذلك أن يعدل طلبه بمطالبة الفصل بين الواجبات الأختصاصية لرجل الدين وبين الواجبات الأختصاصية لرجل السياسة في المؤسسات الأختصاصية لكل طرف مع ضمان حماية حق كل طرف واحترام حرية الرأي لأفراده  كأعضاء في المجتمع يعنيهم أمر كل ما يعني المجتمع من الأمور والتدخل بالقول والفعل في شأنه دون أن تمنعه الصفة المهنية الأختصاصية التي يحملها كسياسي أو كرجل دين من ممارسة ذلك الحق الطبيعي والمشروع اجتماعياً وإنسانياً .
كانت الحياة منذ أن خُلق الانسان على وجهة الخليقة وما زالت عبارة عن صراع على المصالح المادية والمعنوية وبكل الوسائل المتاحة بما فيها الحروب الدموية التي خاضها الانسان سواءً بسبب مقتضيات السياسة أو بسبب مقتضيات نشر وحماية الدين والتي راح ضحيتها الملايين من أبناء جنسه على امتداد فصول التاريخ وما زال الحبل على الجرار ، وكان من يخلق أسباب ووسيلة هذا الصراع  غير المقدس وغير المشرف بكل المعايير والمقاييس الانسانية باعتبار أن الانسان هو أغلى وأعلى قيمة في الوجود هو الفكر بكل مدارسه كملهم ومحفز لدوافع وغرائز الانسان العدوانية واعتماد فن السياسة كوسيلة لتحريكه لخوض غمار هذا الصراع الأزلي الذي لا تنطفئ شعلته ، ولتوضيح ذلك لا بد من هذه التعاريف المتواضعة لجعل الصورة أكثرُ جلاءً شكلاً ومضموناً .
الفكر ... تختلف الأفكار من حيث طبيعتها في كل المجتمعات البشرية بين أن تكون أفكار مادية علمية منعكسة من أرض الواقع الطبيعي والاجتماعي وقابلة للتطبيق عملياً بغرض تغييره وتطويره من حالة الى حالة أفضل أي بمعنى الأفكار المستندة على العلم الحديث وتطبيقاته العملية ، وبين أن تكون أفكار مثالية طوباوية خيالية لا تمت بصلة بأية علاقة مباشرة بالواقع المادي والاجتماعي ولا يمكن تطبيقها على أرض الواقع ، وأفكار روحانية تتعامل وتتعاطى مع النفس البشرية لتغيير قناعات الناس النفسية والروحية التي يؤمنون بها في إطار التأمل الروحاني الخيالي الماوراء الطبيعة أي الأفكار الميتافيزيقية التي لا تربطها صلة بالواقع المادي والاجتماعي ، وتصنف الأفكار الدينية حصراً ضمن هذا الصنف من الأفكار . 
السياسة ... السياسة كما اتفق وأجمع على تعريفها كل فقهاء ومفكري العلوم السياسية الحديثة هي الوسيلة التي من خلالها يتم ترجمة وتطبيق الأفكار أية أفكار كانت على أرض الواقع الاجتماعي بغرض تغييره وتطويره من حالة الى حالة أفضل أو لربما تأتي الرياح بما لا تشتهي السَفنُ كما يقال في بعض الأحيان بسبب خلل أو انحراف ما في طبيعة الوسيلة ( السياسة ) المعتمدة أثناء التطبيق العملي وهي بالتالي وسيلة للدفاع عن المصالح والمنافع المادية والمعنوية في الصراع الأزلي بين الناس في الحياة ، وهذا ما تؤكده التجارب التاريخية للأمم في كل زمان ومكان .
في ضوء ما تم ذكره عن الفكر والسياسة ليس هناك فكر يكون هدفه وغاية وجوده لأن يعمل في الفضاء أي في الفراغ خارج حدود المجتمع الانساني ،  وعليه يتطلب الأمر ممن يسعون الى ترجمة الفكر لتطبيقه على أرض الواقع أن تكون لهم وسيلة لتحقيق ذلك ، وتلك الوسيلة بلغة التعامل مع الواقع الاجتماعي في أي زمان ومكان تُسمى " السياسة " ، وعليه فان للدين أي دينٍ كان " كفكر " له علاقة جدلية مباشرة تربطه بالسياسة  " كوسيلة " وعند دراستنا لتاريخ سيرة كافة الأديان المصنفة بالسماوية أو بالأبراهيمية وتلك المصنفة بالوضعية وكافة المعتقدات الفكرية والفلسفية التي تم تبنيها قديماً وحديثاً سوف يتأكد لنا وجود تلك العلاقة الجدلية العضوية بين الدين كفكر والسياسة كوسيلة ، وكما هو الحال مع الفكر الديمقراطي فكراً ومنهجاً كوسيلة سياسية لبناء دول ومجتمعات ديمقراطية مبنية على مبدأ تحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص لمواطنيها ، وعليه نستطيع القول أن الفكر والسياسة توأمان لا يمكن فصلهما ولا يمكن لأحدهما أن يغير المجتمع من دون أن يتواجد التوأم الآخر الآخر بجانبه .
في أي مجتمع من المجتمعات البشرية يوجد مؤسسات متنوعة كل منها مختصة بشأن من الشؤون الخدمية تسعى من خلال العاملين فيها الى تنفيذ واجباتها التخصصية للمجتمع بأكمل وجه ممكن ، وهنا تشكل المؤسسات الدينية جزءاً من مؤسسات المجتمع الخدمية تقوم من خلال بُناها التحتية والقائمين على إدارتها من رجال الدين بكل درجاتهم الدينية بتقديم الخدمات الروحية التي يفرضها الدين المعني لمن يتردد إليها من المؤمنين من الأتباع ، فهنا لا تختلف واجبات رجل الدين عن واجبات الطبيب والمهندس والمدرس والأستاذ الجامعي والعسكري ورجل الأمن وأي موظف آخر في مؤسسات الدولة المدنية في أداء واجباته الأختصاصية بما تمليه علية مؤسسته المختصة للمجتمع .
هنا يكون من غير الجائز ومن غير المقبول منطقياً وقانونياً أن يقوم المهندس بالتدخل في شؤون اختصاص الطبيب وبالعكس وكذلك الحال مع كافة الموظفين الآخرين ، وكذلك لا يجوز لرجل الدين التدخل في شؤون العمل السياسي المختص في المؤسسات السياسية المدنية ( التنظيمات والأحزاب ) وبالعكس أيضاً ، ولكن جميع هؤلاء القائمين على إدارة شؤون هذه المؤسسات الأختصاصية بدون تمييز أفراد متساوون  في الحقوق في المجتمع وليس من حق أي كان أن يحرم ويصادر حق أي فرد من أفراد المجتمع من ممارسة حقه الطبيعي المشروع قانوناً في إبداء رأيه في كل ما يخص ويعني مجتمعه ونقده بكل الوسائل المتاحة قانونياً من دون الأساءة على الآخرين والتجاوز على حقوقهم بإعتباره عضواً فيه .... رجل الدين فرد في المجتمع كالمهندس والطبيب والمدرس والأستاذ الجامعي والعسكري ورجل الشرطة والأمن وكأي موظف في الدولة له اختصاصه الروحاني ليس من حق الآخرين التدخل في شؤونه الروحانية ، وكذلك ليس من حق رجل الدين التدخل في الشؤون الأختصاصية للآخرين ، وعليه نقول أن من يدعو الى فصل الدين عن السياسة فهو مخطئ في فهمه ووصفه لهذه العلاقة وواهم في دعوته ، بل عليه أن يدعو الى الفصل بين الأختصاصات المؤسساتية في المؤسسات الاجتماعية ومساواة الجميع في الحقوق المجتمعية وعدم الربط بين الحق العام للفرد باختصاصة الاجتماعي الروحاني والمهني تجنباً للتجني على حقوق البعض على حساب حقوق البعض الآخرعملاً بالقول الشائع " كلمة حق يراد بها باطل " .
نعم للفصل بين الأختصاصات الروحية لرجل الدين وبين الأختصاصات السياسية لرجل السياسة تجنباً للأشكالات والتقاطعات في التنفييذ ... كلا لدعوات الفصل بين الدين والسياسة  لعدم موضوعيتها ، ولكن ولكون لكل  من الفكر الديني الروحاني  والفكر السياسي الوضعي بكل مدارسه أنصار وأتباع ومؤيدين في المجتمع لذا يتطلب الأمر من الجميع احترام قناعات ومعتقدات الجميع والتجنب عن فرض القناعات على الآخر بالطرق القسرية والعنفية تحت أية يافطة كانت وذلك للحفاظ على وحدة نسيج المجتمع ومنعه من التفكك والتمزق .


خوشــابا ســولاقا
بغداد 9 / آذار  / 2019


13
الارهاب هل هو فكر وثقافة أم هو سلوك يتسم  بالعنف الغريزي .. ؟؟
خوشايا سولاقا
" كل فكر يدعو الى التعصب والتطرف ويبشر بهما يفضي حتماً في النهاية الى ظهور فكر الارهاب الممنهج "
قبل الخوض في موضوع الأرهاب وتعريفه لمعرفة إن كان فكراً وثقافةً أم إن كان سلوكاً عنيفاً غريزياً ، لا بد من ضرورة تعريف مفهوم الأرهاب ، أي بمعنى أخر نقول بصغة سؤال ما هو الأرهاب .. ؟؟
بحسب وجهة نظرنا المتواضعة المستنبطة والمستمدة من نتائج العمل الذي يستوجب وصفه وتعريفه بالأرهاب نقول . أن أي عمل أو فعل او ممارسة  يؤدي بحياة الناس  والإضرار بحقوقهم ومصالحهم وممتلكاتهم ومصادرة إرادتهم وكبت حرياتهم وقمعهم باستعمال القوة القسرية المسلحة بكل أشكالها أو باستعمال القوة الفكرية واجبارهم على التخلي عن معتقداتهم الفكرية والسياسية والدينية والمذهبية ومنعهم من ممارسة طقوسهم وتقاليدهم التي تجسد خصوصياتهم وانتماءاتهم على كافة المستويات الوطنية والقومية والدينية وحتى الحزبية السياسية والقبلية والعشائرية ، وكذلك أي فعل من شأنه أن يلحق الضرر بالأرث الحضاري التاريخي والثقافي الانساني يعتبر إرهاباً ممنهجاً ،
والديكتاتورية واستبدادية الدولة من خلال سلطة الأحزب الحاكمة والتجاوز على ممتلكات الدولة واستغلالها خلافاً للقانون وسرقة المال العام تدخل بهذا الشكل أو ذاك ضمن الأطار العام لمفهوم الأرهاب لأنها بالتالي تشكل الإضرار بحقوق ومصالح وممتلكات الآخرين وبحياتهم ، وكذلك فإن ممارسات قمع الأراء وكَبتْ الحريات وكم الأفواه ومصادرة الارادات والانفراد بالقرارات والأستبداد بالرأي والتصفيات بكل أشكالها داخل التنظيمات السياسية الحزبية  الشمولية تشكل نمطاً متقدماً من الأرهاب الفكري والجسدي
.
كل هذه الممارسات تشكل نمطاً إرهابياً معيناً تختلف مع بعضها البعض بهذا القدر أو ذاك فقط في وسائل التنفيذ ، ولكنها تلتقي بالنتائج المتحققة بموجب معايير تعريف مفهوم الأرهاب .
إن المختلف في الأمر في تصنيف مفهوم الأرهاب ومعاييره وتحديد المشمول به وتمييزه عن المستثني منه هي تلك القوى الدولية المتحكمة والمسيطرة على تحديد مفهوم الأرهاب وهويته بحسب ما تقتضيه مصالحها الحيوية التي تختلف من مكان الى آخر ، ولذلك نجد إن ما يصنف هنا عملاً إرهابياً بامتياز نجده هو ليس كذلك في مكانٍ آخر ، وإن تعريفنا هذا لا يعني إطلاقاً أن نشاطات التنظيمات المتطرفة والمتشددة للآسلام السياسي بكل مذاهبه ومدارسه من قبيل امثال القاعدة وداعش والنصرة وبوكو حرام وغيرها الكثير ليست تنظيمات إرهابية بل هي كذلك بامتياز من دون أدنى شك ، ولكنها ليست الوحيدة بل هناك الكثير من أنماط وأشكال النشاطات الأرهابية الغير المصنفة وفق المعايير السائدة والمعتمدة حالياً للأسباب التي ذكرناها ... إن إرهاب القاعدة وداعش وأخواتُهّن في الحقيقة هو نتاج للأرهاب السياسي الذي مارسته الدول الديكتاتورية الأستبدادية من خلال سلطات أحزابها القومية الفاشية التي بسياساتها القمعية المناوئة للديمقراطية منعت ولادة أنظمة ديمقراطية حقيقية من جهة ، وتركت الساحة خالية ومهيئة لولادة القاعدة وداعش الارهابيتين واخواتهن من جهة ثانية ، ونحن اليوم مع الأسف الشديد نحصد ما زرعوه هؤلاء الحكام الديكتاتوريين القوميين الفاشيين ، إن " القاعدة + داعش واخواتهن = نتيجة ديكتاتورية سلطة الأحزاب القومية الفاشية " ............
أيها القارئ الكريم هذا هو الأرهاب المتكامل بكل حلقاته وجوانبه المتداخلة الذي يتحتم علينا معرفته وليس فقط حصره في جانب واحد كما يريدونه المستفادين منه أن يكون من دون تسليطنا للضوء على الجوانب الأخرى الباعثة له .   
بعد هذه المقدمة التوضيحية لمفهوم الأرهاب وأشكاله وتنوعه نقول لقد  أثبتت البحوث والدراسات العلمية التي أجريت على سلوك جميع الكائنات الحية في الطبيعة بضمنها الانسان بأن سلوك العنف الغريزي يلتجأ إليه الكائن مضطراً في حالات ثلاثة ، وهي أولاً في حالة غريزة الدفاع عن النفس عندما يشعر الكائن الحي بوجود خطر ما يهدد حياته في محيطه الطبيعي ، وثانياً في حالة تلبية إشباع غريزة الجوع ، وثالثاً في حالة الدفاع عن المصالح ومنطقة النفوذ ، وهذه الحالة تعددت أشكالها وتنوعت أنماطها بتعدد وتنوع المصالح وبتعدد وتنوع الكائنات في البيئة الطبيعية المحيطة ، وبذلك تطورت أشكال وأنماط سلوكيات العنف المستعمل ، وكان الكائن البشري في مقدمة المبدعين والمتفننين في إختراع وصناعة أشكال وسائل العنف التي استعملها في الدفاع عن النفس وفي تلبية غريزة الجوع وفي الدفاع عن المصالح ومناطق النفوذ .
إن الوسائل التي ابتكرها واخترعها وصنعها واستعملها الانسان كانت في حالة تغير وتطور باستمرار باستثناء غيره من الكائنات الأخرى التي احتفظت بوسائلها كما كانت ، لتلبية حاجات صراعه المستمر مع الذات أي مع بني نوعه ومع الكائنات الأخرى ومع الطبيعة لتسخيرها لصالحه  لأشباع حاجاته الغريزية وغيرها من أجل البقاء والتفوق وفرض إرادة الأقوى طيلة تاريخه ، هكذا تشكلت أو تضمنت تلك الوسائل في مجموعتين أساسيتين ألا وهي : -
أولاً : مجموعة الوسائل الفكرية والعقائدية التي شكلت العصب الحيوي والعمود الفقري في بناء البنية الاجتماعية للمجتمع في تحديد شكل النظام الأقتصادي وأنماطه الانتاجية المختلفة لانتاج الخيرات المادية للمجتمع كبنية تحتية من حيث من يمتلك تلك الوسائل ومن يُشغلها ، وهنا انقسم المجتمع الى طبقات ونشأ الصراع الطبقي بينها من اجل التوصل الى نظام أكثر عدلاً وانصافاً في توزيع الخيرات المادية بين أبناء طبقات المجتمع بحسب الجهد المبذول ، ومن ثم إنتاج الحاجات المعنوية المتمثلة بالثقافة بكل أشكالها وتنوعاتها كبنية فوقية للمجتمع ، وإن الحاجة الى انتاج وصناعة الثقافة أدت الى نشوء الشرائح الاجتماعية المثقفة والتي أرتبطت مصالحها الأقتصادية بأحدى طبقات المجتمع المشاركة في عملية انتاج الخيرات المادية ، فبذلك انقسمت الثقافة بكل تنوعاتها  والتيارات الفكرية والتنظيمات السياسية في المجتمع بين مؤيد ومعارض لهذه الطبقة وتلك ، وبحكم هذا الواقع تكونت ثقافات وأفكار وأحزاب طبقية كل منها سعى لتبرير سلوك الطبقة التي يمثلها في الصراع الدائر في المجتمع بين طبقاته .
ثانياً : مجموعة الوسائل العسكرية الحربية ، هذه الوسائل التي تطورت أشكالها وأنماطها بشكل نمطي وبسرعة هائلة جداً مع بداية عصر النهضة والثورة الصناعية في العالم ، في هذا العصر تطورت حاجة استمرار وديمومة حركة الصناعة الوليدة والمتصاعدة الى المزيد من مصادر المواد الخامة ومصادر الطاقة المحركة لماكنة الصناعة في البلدان الصناعية من جهة ، والى إيجاد أسواق جديدة لتصريف منتوجاتها الصنناعية من جهة ثانية ، لذلك بدأ عصر جديد بالظهور ، ألا وهو عصر الأحتلال والسيطرة على البلدان الأجنبية الأخرى ، أي عصر الأستعمار الكولونيالي  ، وهنا اشتد الصراع بين أقطاب البلدان الرأسمالية الصناعية تمخض الى نشوب حروب كثيرة دولية وأقليمية وعالمية مدمرة ومستهلكة للبشر وفي مقدمتها الحربين العالميتين الأولى والثانية والتي استخدمت فيها شتى أنواع الأسلحة بما فيها أسلحة الدمار الشامل بكل أنواعها منها السلاح النووي . صحيح إن اكتشاف وصناعة واستعمال سلاح الدمار الشامل والوقوف على نتائجه المدمرة لمستقبل البشرية وتعرضها للفناء الشامل قد وضع حداً للحروب العالمية الشاملة ، إلا أنه تم التعويض عنها بانتشار وتوسع الحروب المحلية  والأقليمية بالأسلحة التقليدية بشكل ملفت للنظر خلال الربع الأخير من القرن الماضي وبداية القرن الحالي حيث الغاية منها استمرار وديمومة صناعة الأسلحة في الدول المصنعة لها من جهة واستنزاف الموارد المالية للدول المنتجة للنفط  من جهة أخرى ، وذلك للمحافظة على التوازن الطبيعي بين دول الشمال الصناعية ودول الجنوب المستهلكة ، ومن جملة تلك الحروب الحرب على الأرهاب الذي صنعته الدول الرأسمالية الصناعية وتمارسة الدول المتخلفة المخدرة بثقافة التخلف النابعة من الموروث الثقافي التاريخي بكل تشكيلاته الاجتماعية والأقتصادية والفكرية والدينية لهذه المجتمعات .
إنطلاقاً من هذه المقدمة الفكرية التاريخية نستنتج أن الأرهاب كسلوك وممارسة ليس سلوك عنيف غريزي في كيان وطبيعة الانسان كما قد يتصور البعض بل هو نتاج فكر وثقافة موروث ينطلق الى ساحة العمل عندما يطلق له العنان ليأخذ دوره بشكله الذي نراه اليوم في ممارسات من باتوا يُعرفون بالتنظيمات الأرهابية المتطرفة اليوم عندما تتهيء وتنضج الظروف الموضوعية  وتتوفر الوسائل وتقتضي مصالح البعض من مصنعي الأرهاب لتسويق العنف الأرهابي البغيض ، وإن الأرهاب كسلوك عنيف غير موجود ولن يتواجد من دون وجود خلفية فكرية عقائدية تغذيه بكل مستلزماته تلك ، وعليه فإن السياسي الذكي والحاذق والمحنك المحصن بالقيم الوطنية والأخلاقية والانسانية يستطيع من خلال قراءته لواقع الحال على الأرض في منطقة الشرق الأوسط اليوم أن يرى بوضوح وجلاء ما هو الأرهاب وما هي خلفياته الفكرية والثقافية التاريخية ، ومن هو صانع الأرهاب الحقيقي ، ومن ينفذه ومن هم ضحاياه وما هو هدفه ومن هو المستفيد النهائي منه ؟؟ ، وعندها سوف يتوصل ببساطة ويُسر دون عناء الى الحلول الناجعة لاستئصال ظاهرة الأرهاب والعنف المجتمعي معاً . إن تشخيص المرض ومعرفة أسبابه يعني أكثر من نصف العلاج المطلوب هكذا يقول العقل السليم والمنطق القويم والنَصح الحكيم  .
إن محاربة ومكافحة الأرهاب سوف لا يأتي إطلاقاً من خلال الأكتفاء باستخدام القوة المسلحة والوسائل العنفية  لوحدهما أي مقابلة الشيء بالشيء ذاته وفق المنطق الأهوج للعسكر ولغتهم الوحيدة ، بل يأتي من خلال مقابلة الأفكار والثقافات المتخلفة بكل تنوعاتها بالأفكار والثقافات البديلة التي تؤمن بقبول الآخر المختلف والتعايش السلمي معه والأنفتاح على التنوعات الفكرية والثقافية في المجتمع الوطني والانساني على أساس الأنتماء للوطن والانسانية دون سواهما  .
  بحسب وجهة نظرنا المتواضعة هذه فإن الأرهاب هو ظاهرة فكرية وثقافية ذات جذور تاريخية اجتماعية ودينية وقومية ممتدة في أعماق المجتمع والتاريخ ، مما يتطلب الأمر من المرجعيات الدينية لكل الأديان والفقهاء وعلماء الدين بكل مذاهبهم ومدارسهم ، ومن النخب الثقافية والفكرية في المجتمع ، والمراكز التعليمية والتربوية والتثقيفية الرسمية وشبه الرسمية التابعة للدولة ، ومؤسسات المجتمع المدني ، والمراكز البحثية دراسة ظاهرة الأرهاب كظاهرة عصرية وليس كسلوك فردي أو جماعي فقط وأسبابها ومنطلقاتها الفكرية وخلفياتها الثقافية والعقائدية ودوافعها لأعادة النظر بثقافة وتربية الأجيال لبناء ثقافة جديدة قائمة على أسس فكرية تدعو الى المحبة والتآخي الوطني والإنساني بما لا يتفق مع ظاهرة الأرهاب كفكر وثقافة وسلوك ، وإلا فان ظاهرة الأرهاب سوف تستفحل وتقوى يوم بعد آخر وفي النهاية سوف يعجز المجتمع من التصدي لها وإيقافها عند حدها .

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد في 18 / شباط / 2019



14
في التربية والثقافة السياسية
حول صلة الحزب بالجماهير
خوشــابا ســولاقا
إن أي حزب سياسي ذي طابع جماهيري بوصفة القوة الطليعية المنظمة الذي يسعى الى قيادة وتوجيه نضال الجماهير الشعبية في المجتمع أنه بحكم هذا الواقع باتَ يضطلع بمسؤولية كبيرة وعالية المستوى أمام جماهير الشعب التي اتخذ منها الساحة الفعلية لعمله النضالي الطبيعي في تحقيق تطلعاتها وطموحاتها التي أقرها في منهاجه السياسي وألزم نفسه بتحقيقها ، لذا يكون من واجب هذا الحزب ومن المفروض عليه أن يُأمن لنفسه قيادة من العناصر الكفوءة والمخلصة والنزيهة والمثقفة من ذوي الخبرة والحنكة السياسية وبمختلف المستويات التنظيمية والتثقيفية لقيادة العمل لكي يَتمكن من تحقيق أهدافه الأستراتيجية بصورة دقيقة وصحيحة بالأستناد على قاعدة موضوعية راسخة لا تتناقض مع مبادئه وتصوراته الفكرية ومنطلقاته النظرية .
من هنا فإن الواجب الملقي على عاتق الحزب بكل منظماته وعلى عاتق كل الكوادر الحزبية بدون إستثناء من القِمة الى أصغر عضو عامل في القاعدة تفرض عليهم جميعاً أن تتقن فن كل أشكال النضال وطرق العمل التنظيمي باستمرار لغرض توسيع وتعزيز وتوثيق الصلات والعلاقات مع الجماهير الشعبية في المجتمع بتواصل ومن دون إنقطاع لأدامة زخم الدعم الجماهير للحزب والتفافها حوله في نضاله ، وهنا تعتبر الصلة الدائمة والمستمرة بالجماهير مصدر أساسي مهم لديمومة قوة الحزب وعنفوانه وتجدده ومناعته في المواجهة والتصدي للتحديات المختلفة التي تواجهه  في مسيرته النضالية ، لذلك تعتبر حجم قوة دعم الجماهير الشعبية له معياراً لفعاليتة وقوته وقدرته على العطاء ، وهي في ذات الوقت أكبر قوة في المجتمع ، فالذي يكسبها الى جانبه يكسب النجاح والاستمرار في تحقيق أهدافه ، والذي يخسرها سيخسر كل أدوات القوة في الصراع والتحدي وبالتالي يخسر كل شيء .
من المبادئ الأساسية في التربية والثقافة الحزبية أن تكون ثقة الحزب ومناضليه بكل مستوياتهم قوية وعميقة وراسخة بقوى جماهير الشعب الخلاقة والمبدعة بكل شرائحه وفئآته وطبقاته الاجتماعية ، أي بمعنى آخر أن تكون للحزب من خلال تنظيماته السياسية والمهنية امتدادات عميقة الجذور وواسعة الشمول والانتشار في المجتمع وذلك من خلال إقامة الصلات والعلاقات القوية والراسخة مع مكونات المجتمع ، ومن خلال هذه الصلات والعلاقات يكون الحزب وثيق الصلة بالجماهير الشعبية وبوجودها يتحول الى قوة نضالية وكفاحية جبارة وفعالة في المجتمع لايمكن زعزعته وقهره أو حتى عرقلة مسيرته النضالية ، وخصوصاً إذا كانت أهداف وتطلعات الحزب متناغمة ومتناسقة مع نفس أهداف وتطلعات الجماهير الشعبية ، وهنا تكمن قوة الحزب في الأستمرار والديمومة والسير بثبات راسخ نحو أهدافه عندما يتمكن من إقناع الجماهير الشعبية بأنه على تواصل معها وقريبٌ منها من خلال إنجازاته العملية على أرض الواقع وأن أهدافه وتطلعاته هي ذاتها أهدافهم وتطلعاتهم من دون خداعهم وتضليلهم إعلامياً ، وعليه يتطلب يتطلب الأمر من الحزب الغوص عميقاً في منابع الأبداع الشعبي المتدفق لجعل من تلك المنابع مصدراً ملهماً له ومدافعاً عنيداً عن أهدافه ومبادئه وحارساً أميناً له في ذات الوقت .
من هنا تأتي أهمية بناء وتوطيد وتوثيق وتعزيز الصلات والعلاقات بين الحزب والجماهير ، ومن هنا تأتي أيضاً أهمية المبدأ الثابت الذي يجب ان يكون دائم الحضور في حياة الحزب السياسي ومناراً يسترشد به قيادييه وكوادره ، ألا وهو الحضور والوجود الدائمين مع الجماهير لتعزيز الروابط والدوافع التي تجذبها وتشدها بقوة إليه والأنخراط للعمل في صفوف منظماته . لذلك على الحزب أن يدعو كوادره القيادية وأعضائه وأنصاره وحتى أصدقائه وأن يطلب منهم بضرورة وحتمية التمسك بحزم وقوة بهذا المبدأ ، لأن القانون الأساس في أي حزب يقتضي بخدمة الجماهير الشعبية والسهر على تحقيق وتأمين الحاجات المادية والمعنوية لها ورفع من مستوى الوعي الحزبي لديهم وتطوير مستوى نشاطهم السياسي ، وكما ينبغي على الحزب أن يوجه كوادره العاملة من خلال سلوكهم وتصرفاتهم التقليدية في تعاطيهم مع الجماهير أن يَكّنوا إحتراماً عميقاً لأفكارهم وأرائهم ورغباتهم المطلبية المتجددة وأن يتمتعوا بسعة الصدر وبطول الصبر والأناة ، وعلى الحزب أن يعرف كيفية الأستفادة من التجربة النضالية التاريخية المتراكمة للجماهير الشعبية ، لأن الحزبي الذي لا يعرف كيف يستفيد من التجربة التاريخية للجماهير لا يساوي شيئاً في العمل الحزبي الجماهيري وفق معايير العمل السياسي المنضبط والرصين ، كما ينبغي ان لا يغيب عن ذاكرة المناضلين الحزبيين الحقيقيين أبداً أن العلاقات الوطيدة والراسخة التي تربط الحزب بالجماهير الشعبية تساعده لأن يُقَيّم بصورة موضوعية أفضل حاجاتها  ومصالحها وتطلعاتها ، وكما نؤكد على أن مناعة الحزب وقوته تكمن في صلاته وعلاقاته  المتينة مع الجماهير الشعبية والقائمة على أساس توفرالثقة المتبادلة بينهما ، وهنا يمكن أن نعطي تحديداً دقيقا وتعريفاً شاملاً لشكل العلاقة العضوية التي ينبغي أن تكون أو أن تؤسس وتنشأ بين الحزب والجماهير وكما يلي :-
" العيش في أعماق الجماهير بصورة دائمة ، محاولة معرفة عقليتهم ، محاولة معرفة كل شيء فيهم يخص حياتهم وطريقة تفكيرهم ، محاولة فهم مزاجهم وتطلعاتهم المستقبلية واهتماماتهم الآنية ، محاولة معرفة أساليب التعاطي والتعامل معهم واحترام خصوصياتهم ومعتقداتهم وتقاليدهم وطقوسهم الدينية والاجتماعية ، السعي الجاد لكسب ثقتهم المطلقة بأفكار ومبادئ وأهداف الحزب وولائهم له لكون الحزب منهم وإليهم " ، ولغرض وضع هذا المبدأ السامي في العمل الحزبي والحياة الحزبية موضع التطبيق العملي اليومي والتعايش معه ميدانياً ، على القادة الحزبيين بمختلف مستوياتهم في الهيكل التنظيمي أن يكونوا هم القدوة التي يقتدى بها ، وأن لا ينفصلوا عن الجماهير التي يقودونها ، وكما ينبغي على الطليعة الحزبية المناضلة ونخبها المتميزة في ضبطها وتضحياتها ونكران الذات أن لا تنفصل عن مجمل جيش العمل في الحياة الحزبية ، فالمطلوب إذن هو العيش في وسط وأعماق الجماهير ومعرفة عقليتها وفهمها ، وبالتالي معرفة كيفية العمل مع الناس والتعاطي معهم لكسب ثقتهم بمبادئ وأفكار وأهداف الحزب ، كما وينبغي أيضاً التعلم من الجماهير الشيء الكثير .. إن هذا النهج في العمل الحزبي المنضبط يجب أن يكون أحد أهم المبادئ الأساسية في سياسة الحزب الجماهيري ، وليس بامكان أحد كائن من يكون ومهما كانت قدراته الذاتية ومكانته القيادية في الحزب أن يقود الجماهير من الخارج ، أي من خارج وسطهم عن طريق إصدار الأوامر الفوقية إليها ، بل يمكنه ذلك عن طريق تقديم المثال النموذجي العملي لهم في الميدان بنشاطه الشخصي وتأثيره المعنوي وبقدرته على الأقناع وبقوة تنظيمه وحسه برصد توجه مزاج الجماهير ، حيث يجب على الحزبي المحترف أن يعطي من شخصه مثالاً حياً وانموذجاً عن القائد الملهم الحقيقي للجماهير من خلال تواجده الدائم في وسطهم ومشاركتهم همومهم وأحلامهم وتطلعاتهم المستقبلية وإرتباطه العضوي بهم .
هنا نؤكد أن المرتكزات الأساسية التي يجب أن يرتكز عليها الحزب لتحقيق وتعزيز وتقوية صلاته وعلاقاته بالجماهير الشعبية هي المنظمات الجماهيرية والتربوية مثل النقابات المهنية ، إتحادات الشباب والطلبة والنساء ، الجمعيات الفلاحية والخيرية الأنسانية ، وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني ، والمؤسسات الثقافية والأعلامية مثل الصحافة والأذاعة والتلفزيون والفضائيات والمواقع الألكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي من خلال شبكات الأنترنيت وغيرها من وسائل التواصل الحديثة التي وفرتها تكنولوجية المعلوماتية ، حيث تعتبر هذه الوسائل مجتمعة أحزمة النقل والتبادل والتواصل بين الحزب والجماهير في كل ما يتعلق بشؤون الحياة ، وعليه يعتبر العمل داخل هذه المنظمات والمؤسسات لأكتسابها الى جانب الحزب هو من أولى أولويات المناضلين الحزبيين ومن اهم واجباتهم ومهامهم النضالية ، وفي هدى هذه الرؤى النضالية في صفوف الجماهير تكتسب قضية أساليب ومبادئ قيادة الحزب للمنظمات المهنية والاجتماعية والثقافية والتربوية والأعلامية أهمية خاصة ذي بعد ثوري نابض بالحياة والحيوية ، لأنها تشكل الطريقة المثلى للتقرب من الجماهير الشعبية والعيش في وسطها عن قرب ومن ثم اكتسابها للانخراط في صفوف الحزب والارتباط المصيري به ، لأن الحزب من المفروض أن يكون قد تولى قيادة هذه المنظمات الجماهيرية وأصبح معلمها وموجهها في نضالها ، فهو الذي يرسم لها الخط السياسي الصحيح ويحدد المهام واتجاه النشاط العملي لها وينسق عملها ويمدها بالقوة عن طريق تزويدها بالملاكات الحزبية المقتدرة والواعية والمستوعبة لمبادئ ومهام وأهداف الحزب وللنظرية الفكرية التي يسترشد بها في عمله الفكري وكونه هو المعبر الحقيقي عن مصالح وطموحات وتطلعات الجماهير الشعبية بأسرها ، ومن حيث كون الحزب يمثل العقل المفكر الجمعي لها فهو بالتالي مؤهل وجدير بأن يوجه عمل كل هذه المنظمات وأن يسخرها ويضعها في خدمة تحقيق أهدافه الأستراتيجية التي يناضل من أجلها ، وأن لا يَدعها أن تتحول الى ما هو أشبه بأن تكون مؤسسات ومكاتب تجارية ذات ملكية خاصة تُسخر من قبل البعض من القياديين المتنفذين في قيادة الحزب لأجل تحقيق مصالح ومنافع شخصية أنانية على حساب مصلحة الحزب والقضية الأساسية التي يناضل من اجلها كما هو الحال مع الأسف الشديد وكما بات معروفاً للقاصي والداني في الأحزاب التي تدعي تمثيل أمتنا وقضيتها القومية اليوم ، بل على الحزب وقيادته ان تضع هذه المؤسسات في خدمة جماهيرها وقضيتها المركزية التي تدعى النضال من اجلها ، ومن المفروض بالقائمين على قيادة تنظيمات الحزب بكل مستوياتهم أن لا يكونوا إلا مجرد موظفين لدى الحزب يؤدون ما عليهم من الواجبات الحزبية وليس إلا .

   خوشــابا ســولاقا
بغداد –  31 / ك2 / 2019       
 

15
صراع الأستراتيجيات في الشرق الأوسط
لمن سوف تقرع الأجراس في النهاية.... ؟؟
خوشابا سولاقا
تشاهد الساحة السياسية لبلدان الشرق الأوسط اليوم صراعات سياسية في شكلها الظاهر واقتصادية وعِرقية - دينية مصيرية في جوهرها المخفي ، تشترك فيها قوى دولية كبرى متحكمة بالقرار الدولي ، ومنظمات ذات ايديولوجيات عنصرية دينية توجه تلك الصراعات وفق خطة مدروسة ومحكمة تهدف من وراء الستار الى تحقيق أهداف بعيدة ذات مضامين روحية تفضي بنتائجها النهائية الى تفكيك الخارطة الجيوسياسية الحالية لهذه المنطقة ، ومن ثم إعادة تركيبها وترتيبها بهكلية جديدة وفق ما ينسجم ويُلائم متطلبات المصلحة الأستراتيجية للقوى المتحكمة بالقرار الدولي بهيئة دويلات متناقضة في أهدافها ورؤآها ومتصارعة مع بعضها البعض للأسباب التي تنطلق من الخلفيات  العِرقية والدينية والمذهبية وغيرها من الخصوصيات الفرعية لهذه الدويلات على المصالح المتناقضة بحسب ما تقتضي تحقيق الأهداف الأستراتيجية البعيدة للقوى والأطراف المخططة لهذه الصراعات .
إن الأستراتيجيات الدولية والأقليمية المتصارعة على ساحة الشرق الأوسط اليوم هي :-
أولاً : إستراتيجية الدول الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية
ثانياً: الإستراتيجية الأسرائلية بقيادة الحركة الصهيونية العالمية والمنظمات اليهودية
ثالثاً : الأستراتيجية الأيرانية الفارسية بقيادة النظام الأيراني الحالي ذات الطابع الديني المذهبي الراديكالي وذات الجوهر المخفي القومي الفارسي المدعومة من روسيا الأتحادية والصين بحكم تلاقي المصالح والمنافع في المنطقة
رابعاً : الأستراتيجية الغائبة عن الحضور في هذا الصراع المرير والمصيري هي إسترتيجية العرب .
                                      الطرف الأول من معادلة صراع الأستراتيجيات
إستراتيجية الدول الرأسمالية العالمية ، هي استراتيجية مصممة ومبنية على أساس ضمان السيطرة على مصادر الطاقة العالمية من النفط والغاز بأرخص الأسعار ولأطول فترة ممكنة ولحين ظهور المصدر البديل للطاقة التي تتحكم بمصير الصناعة والتكنولوجية ومصير الأقتصاد العالمي والموجودة بنسبة أكثر من 65 % منها في هذه المنطقة كأحد عناصر هذه الأستراتيجية وضمان الأمن القومي لدولة اسرائيل كعنصر آخر لها .
وانطلاقاً من هذه الرؤية لهذه الأستراتيجية لتحقيق أهدافها البعيدة والقريبة يتطلب الأمر استمرار بلدان هذه المنطقة في حالة من الفوضى وعدم الأستقرار باختلاق الصراعات والأقتتال العرقي والديني والمذهبي لأبعد مدى ممكن ، لأن في عدم حصول الأستقرار السياسي  واستتباب الأمن فيها يجعلها سهلة الأستغلال والأنقياد وصرف كل ما يأتيها من موارد مالية من بيع النفط والغاز لشراء الأسلحة لديمومة حروبها الداخلية على مستوى الدولة الواحدة أو حروبها الأقليمية فيما بينها على مستوى دول المنطقة لهذا السبب أو ذاك ، وبالتالي تخرج هذه الدول من هذا الصراع صفر اليدين وخزائنها خاوية كمن يخرج من المولد بلا حمص كما يقول المثل الشائع ، وبالتأكيد ولغرض ديمومة هذه الحالة من الفوضى واستمرارها في هذه البلدان لصالح إستراتيجية الدول الرأسمالية العالمية تكون تلك الأستراتيجية بحاجة ماسة الى توفر عنصرين أساسيين وهما الحلفاء والعملاء .
 تكون الحاجة للحلفاء وفق تشابه وتشارك وتلاقي المصالح الحيوية الأستراتيجية ، وهنا بحكم سيطرة الرأسمال اليهودي العالمي على المؤسسات المالية العالمية العملاقة والمؤسسات الأعلامية في العالم بشكل ملفت للنظر يكون الرأسمال اليهودي قد سيطر وفرض هيمنته على مراكز صنع القرار السياسي العالمي ، وبذلك تكون الأستراتيجية الأسرائيلية بقيادة الحركة الصهيونية العالمية ومنظماتها في موقع الحليف الطبيعي المؤهل والأجدر الذي تبحث عنه الأستراتيجية الرأسمالية العالمية للتحالف الأستراتيجي معه بحكم تلاقي المصالح المشتركة القريبة والبعيدة .
أما فيما يخص الحاجة الى تأمين عملاء للاستراتيجية الرأسمالية العالمية لخلق الأرضية المناسبة للأنطلاق منها في صراعها مع الخصم العنيد والمنافس الضعيف لأن تجعل منهم وقوداً لتلك الصراعات ليدفعوا الثمن بالنيابة عنها لأختزال خسائرها وتقليلها الى الحد الأدنى الممكن ، فإنها وجدت ذلك العنصر في تلك البلدان التي لا تمتلك استراتيجية معينة خاصة بها لخوض هذه الصراعات المفروضة عليها من قبل المتصارعين الكبار ، فكانت البلدان العربية المنتجة للنفط والغاز " مصدر الطاقة العالمي " هي من يناسبها هذا الدور باستحقاق وجدارة ، هكذا تَشكل الطرف الأول من معادلة صراع الأستراتيجيات في الشرق الأوسط المتمثل بأستراتيجية الدول الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها الأستراتيجية الأسرائلية بقيادة الحركة الصهيونية والمنظمات المنبثقة منها بكل تسمياتها المختلفة عبر العالم .
                             الطرف الثاني من معادلة صراع الأستراتيجيات
أما الطرف الثاني من المعادلة يتمثل في الأستراتيجية الأيرانية ذات الشكل الديني الأسلامي الشيعي الراديكالي ، وذات الجوهر القومي الفارسي التي تبتغي في النهاية الى بعث المشروع القومي الفارسي وإعادة أمجاد الأمبراطورية الفارسية التي بدأت بعهد كورش الكبير الذي أسقط بابل سنة 539 ق م وأمتدت لأكثر من ألفي وخمسمائة عاماً على كامل خارطة ما تعتبره أرضها التاريخية المدعومة من روسيا الأتحادية  والصين ، وهذا ما حدى ببعض كبار المسؤولين في النظام الأيراني قبل مدة من الزمن الى التصريح بأن المجال الحيوي لأمن إيران لا يتوقف عند حدودها الجغرافية القائمة حالياً بل يتعداها الى ما هو أبعد بكثير ، ومن ثم التصريح علانيةً بأن بغداد هي عاصمة الأمبراطورية الفارسية ، هذه التصريحات لم تكُن اعتباطية ولا عفوية ولا هي زلة لسان لأصحابها ، بل هي إشارات وتصريحات منطلقة من الرؤية الأستراتيجية لقراءة إيران لمستقبل المنطقة من جهة ، ولجص نبض ردود أفعال جيرانها العرب من جهة ثانية . الطرفان في معادلة صراع الاستراتيجيات في هذه المنطقة لرسم خارطة سياسية جديدة لمستقبله يلتقيان في قاسم مشترك واحد ألا وهو أدوات تحقيق وانجاز أهداف استراتيجياتهما والذي هو الأعتماد على ذلك الطرف الثالث المغلوب على أمره والذي لا يمتلك استراتيجية معينة خاصة به لأن يتعامل من خلالها مع هذا الصراع المصيري الذي يجري رحاه على أراضي بلدانه بكل جوانبه السياسية والاقتصادية والديموغرافية بهدف اضعافه واستنزافه واستسلامه في النهاية لقدره بخضوعه في قراره السياسي لإرادة الآخرين من المتصارعين من طرفي معادلة صراع الأستراتيجيات في الشرق الأوسط ، وهذا الطرف هو العرب والأقليات القومية والدينية في المنطق  ، وتكون الضحية الكبرى وكبش الفداء للمنظمات المتطرفة للأكثرية العربية هي الأقليات القومية والدينية في المنطقة لكونها تختلف دينياً وقومياً مع الأكثرية القومية والدينية العربية من من جهة وكونها دينياً قريبة التماثل مع دين المتصارعين
لقد عمل التحالف الأستراتيجي الرأسمالي العالمي والأسرائيلي الصهيوني بكل جد وبكل ما أوتي من القوة بكل أشكالها السياسية والاقتصادية والعسكرية على تفكيك وتمزيق أواصر الوحدة والقوة بين شعوب البلدان العربية المنتجة للنفط والغاز وتمزيق نسيجها الاجتماعي ، واشاعة الفرقة والكراهية بين أبناء شعوبها بأوسع حدودها على خلفية الأختلافات المذهبية والقبلية والعشائرية والعِرقية معتمداً في ذلك على البنية الاجتماعية المتخلفة لشعوب البلدان العربية القائمة على هذا الأساس ، سائراً في ذلك وفق المبدأ الأستعماري السيء الصيت " فرق تسد " فحقق هذا التحالف نجاحاً كبيراً منقطع النظير في إعادة زرع الأحقاد والكراهية والضغينة بين شعوب البلدان العربية المنتجة للطاقة ، سواءً كان ذلك على مستوى بين المكونات المتعددة للبلد الواحد منها أو على مستوى بين شعوب البلدان المختلفة ، فخلق وصنع بذلك أدوات محترفة هدامة ومدمرة للحضارة والثقافة والقيم الانسانية المتمثلة في التنظيمات الدينية المذهبية المتطرفة والمتشددة والتي اتخذت من القتل والذبح وسيلة ولغة وحيدة لها للتعامل والتفاهم مع الآخرين من الذين يخالفونهم في الرأي ووجهة النظر من أمثال منظمات القاعدة وداعش والنصرة وأخواتهنَّ بالعشرات المنتشرة من المغرب العربي غرباً الى العراق شرقاً فعاثت في الأرض قتلاً وذبحاً ودماراً وخراباً وفساداً بكل أشكاله لم يشهد لها التاريخ مثيلاً لا في الماضي القريب ولا في الحاضر ، وأوصلت شعوب البلدان العربية المنتجة للطاقة الى أدنى مستوى من القوة الذاتية في مواجهة تحديات تنظيمات الأسلام السياسي الأرهابية التي فرضت سطوتها بقوة السلاح على الواقع بعد ظاهرة ما باتت تعرف بثورات الربيع العربي التي تحولت بالتالي بقدرة التطرف الأرهابي الى صيف شديد الحرارة وغزير الدماء .
هذا الواقع جعل القوى السياسية الوطنية المدنية في طبيعتها الفكرية والثقافية في هذه البلدان لأن تبحث عن من يستطيع مد يد العون لها لأنتشالها من هذا الواقع المزري والمرير لانقاذ ما يمكن إنقاذه ، فاختارت الأرتماء في أحضان الحلف العالمي القوي المدني الذي يدعي الأيمان بقيم الحرية والديمقراطية مقابل الخلاص من طغيان وظلم سرطان القوى الأرهابية المتطرفة ، وما يحصل في مصر وليبيا وسوريا والعراق واليمن اليوم خيرَ نموذج ودليل ومثال على ما نقوله .
                                  دور الأستراتيجية الأيرانية في الصراع
 أما على الطرف الآخر من معادلة صراع الأستراتيجيات في دول الشرق الأوسط ، أي الطرف الأيراني ، عملت إيران وسعت في بناء استراتيجيتها القومية الفارسية البعيدة المدى على عنصر استثمار المذهب الشيعي مستغلة في ذلك شوفينية الأنظمة القومية العربية - الطائفية السنية وظلمها للطائفة الشيعية في جوانب كثيرة في البلدان العربية التي تتواجد فيها الطائفة الشعية مثل السعودية والبحرين وقطر والكويت واليمن والعراق وسوريا ولبنان ، عملت على طول الخط على كسب موالاة وتأييد هذه الطائفة لدعم استراتيجيتها بغطائها المذهبي على حساب اخفائها للجوهر القومي الفارسي لها ، تحت ستار هذه الأستراتيجية ، بدأت ايران تتمدد بنفوذها السياسي في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن ودخلت في صراع غير متكافيء على المدى البعيد مع الأستراتيجية الرأسمالية العالمية الأسرائيلية بقيادة أمريكا ، وبدأت تساومهما على ملف آخر أكثر أهمية لأمريكا واسرائيل مقابل غض النظر من قبل أمريكا عن هذا التمدد الأيراني في البلدان المذكورة على الأقل على المدى القريب وعندها سيكون لكل حادث حديث ولكل لعبة قواعدها تطرحها الظروف الموضوعية العالمية والظروف الذاتية لللاعبين الأساسيين الكبار ، وهذا الملف الحساس والمهم هو الملف النووي الذي يشكل تهديداًخطيراً على الأمن الأسرائيلي .
             الملف النووي الأيراني والولايات المتحدة واسرائيل والعرب
لقد سبق وإن قلنا بأن الأستراتيجية الراسمالية الأمريكية تهدف من هذا الصراع تحقيق هدفين أساسيين وهما ضمان السيطرة على مصادر الطاقة في المنطقة وضمان الأمن القومي الأسرائيلي من مخاطر امتلاك النظام الأسلامي الراديكالي في إيران للتكنولوجية النووية تمكنه بالتالي من امتلاك السلاح النووي الذي يشكل خطراً كبيراً على هذين الهدفين .
لقد بات هذا الملف الذي تهول له كل من أمريكا واسرائيل يشكل محوراً للمساومة عليه بين إيران وحلفائها من جهة وبين الولايات المتحدة وحلفائها بالتنسيق مع اسرائيل في مفاوضاتها الماروثونية التي طال أمدها من جهة ثانية ، وباعتقادنا الشخصي قد لعبت ايران دورها بذكاء ودهاء على عامل الزمن والنفس الطويل لكسب الوقت لصالحها ومراوغة الدول الغربية الأوروبية المفاوضة لها لأجبارها على تقديم أكبر قدر من التنازلات المتقابلة ، وحققت في ذلك نجاحاً كبيراً في هذا المجال .
إن تخوف أمريكا من هواجس قيام اسرائيل باقحامها في حرب شاملة مع إيران التي تهدد بها من خلال قيامها بتوجيه ضربة عسكرية وقائية صاعقة على المنشآت النووية الأيرانية إذا لم يتم وضع حد للنشاطات الأيرانية النووية بالطرق السلمية ، وإذا فعلت اسرائيل ذلك عندها حتماً سترد ايران بما تمتلكه من قدرات عسكرية بالستية تقليدية بضرب مصادر الطاقة في الخليج العربي واشعال النار في المنطقة بكاملها من جهة وتقوم بضرب عمق اسرائيل من جهة ثانية ، وهذا الواقع سيضع أمريكا وحلفائها الغربيين مرغمين أمام خيار صعب ووحيد لا بديل له ألا وهو شن الحرب الشاملة ضد ايران وعندها سوف تضع العالم على شفير اندلاع حرب عالمية ثالثة لا تُحمد عقباها .
كل هذه الهواجس ولأحتمالات  دفعت  بأمريكا وحلفائها على قبول التفاوض المباشر ولو على مضض كأفضل خيار مع النظام الأيراني الأسلامي الراديكالي ، وهذا الخيار كان الحل الوسطي الأمثل والممكن الذي من خلاله سعت أمريكا وحلفائها على تأجيل محاولات ومساعي النظام الأيراني لأمتلاك القنبلة الذرية على الأقل الى حين ، ومنع اسرائيل من ارتكاب أية حماقة تضع العالم على شفير الحرب الكونية الثالثة وتهدد مصير البشرية بالفناء الشامل .
بناءً على هذه المعطيات على أرض الواقع خُلقت قناعة مشتركة لدى طرفي معادلة صراع الأستراتيجيات في المنطقة على قبول المساومات وتبادل التنازلات المتقابلة من أجل حسم الحوار بالتوصل الى حل وسطي سلمي يرضي الطرفين على حساب مصالح طرف ثالث والذي هو العرب والأقليات القومية والدينية في المنطقة ، فقبلت أمريكا بالتخلي عن دورها ونفوذها في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن لأيران مقابل قبول إيران بضمان أمريكا وحلفائها لأمن مصادر الطاقة في الخليج وضمان الأمن القومي لدولة اسرائيل من خلال  تحجيم نشاطات إيران النووية وإخضاع كافة منشآتها النووية للمراقبة والتفتيش الدوليين وفق برامج متطورة تمنع ايران من التحايل عليها والخروج من سيطرتها .
كان الخاسر الأكبر في هذا الصراع هم العرب بسنتهم وشيعتهم والأقليات القومية والدينية الأخرى التي تعرضت أبنائها الى أبشع أشكال الجرائم من القتل والذبح والتهجير القسري من مناطق سكناهم وتعرضهم الى عمليات التطهير الديني والعرقي وفقدوا كل ممتلكاتهم كما حصل للمسيحيين من الكلدان والسريان والآشوريين والتركمان والكورد والأيزيديين والصابئة المندائيين والشبك والأرمن في كل من العراق وسوريا على يد داعش الأرهابية وشريكاتها التي هي من صنع وانتاج أمريكا واسرائيل من دون أن يرف للدول الرأسمالية والصهيونية العالمية واسرائيل جفنٌ ومن دون أن تذرف عيونهم دمعة .
إن البلدان العربية في الحقيقة والواقع هي من تمتلك أكبر قوة في العالم لو أحسنت استغلالها ألا وهي القوة الأقتصادية المعتمدة على ثروة النفط والغاز الطبيعي ، إلا أن سياسييها الجهلة لا يجيدون اللعبة السياسية في عملية حسابات الربح والخسارة ، وإنهم لا يجيدون كذلك اللعب في المنطقة الرمادية بين الأبيض والأسود من ساحة اللعب ، وليس لهم خيار وسطي بين اللونين ، ولا يجيدون قواعد السياسة البراغماتية للتراجعات والتنازلات عن المواقف عندما تقتضي الضرورة ذلك ، وعليه نستطيع القول جازمين على ضوء المعطيات المادية الموجودة على أرض الواقع في الشرق الأوسط أن اجراس الفوز قَرعتْ في نهاية المطاف لصالح كل من إيران واسرائيل وأمريكا وأوروبا على حساب العرب والأقليات القومية والدينية في صراع الأستراتيجيات هذا !!!! . هنا من حقنا أن نتساءل هل سيكون رد التحالف العربي الحديث الولادة بعد مخاض طويل وعسير دام عقود من الزمن المتمثل في عمليات " عاصفة الحزم " ضد التدخل الأيراني في شؤون العرب درساً مهذبا لأيران ويكون ذلك بمثابة جرَّة أذن لها لتعرف حدودها أين يجب أن تنتهي ؟؟ ، وهل سيكون قرار العرب في مؤتمر القِمة العربية الآخير في شرم الشيخ المصرية بخصوص  تشكيل " القوة العربية المشتركة " تلك القشة التي سوف تقصم ظهر البعير العربي ؟ وأن ينقض قرار العرب التاريخي في أن العرب قد اتفقوا دائماً على أن لا يتفقوا ؟؟ ويدخلون الى عصر جديد ليعمل العالم لهم ألف حساب باعتبارهم أصحاب القوة الأقتصادية الأعظم في العالم اليوم ؟؟ . . هل سيشكل ذلك بداية لعصر عربي جديد مختلف ؟؟ .

خوشــــابا ســــولاقا
بغداد في 11 / ك2 / 2019 م



16
مأزق العراق وكيف الخروج منه ... ؟؟
خوشابا سولاقا
ما هي أسباب المأزق ... ؟؟
إن الأحداث الدراماتيكية التي حصلت في العراق في العاشر من حزيران من عام 2014 م وما تلاها من أحداث تكاد لا تصدق من عاقل ومدرك وكانت أحداث بمثابة زلزال هز أركان الدولة العراقية الهشة أصلاً وهدد وجودها في الصميم بعواقب وخيمة أقلها التهديد بالتقسيم الى أقاليم وربما الى دويلات طائفية وأثنية كل بحسب مقاسه وخصوصياته متناسين إنتمائهم الوطني العراقي ، وكانت كالبركان الثائر فجر قلب العراق النابض بالحياة والذي أدماه أقزام السياسة الذين لا يجيدون من فن السياسية غير المشاكسة البليدة الغير المنتجة للخير وتقسيم الغنائم والمناصب بين من لا يستحقوها ، وصار حال العراق كحال ذلك الشهيد اليتيم المجهول الذي لا يوجد من يرثيه ويبكيه ويواري جثمانه الثرى ، كل ذلك حصل في ظل عجز المتمسكين بسلطة الدولة لردع العابثين بأمنها وبأمن المواطن لأن ذلك ليس ضمن برامجهم التي يستقتلون من أجلها ليلاً ونهاراً ، بالتأكيد إن هذا الوضع المستجد في العراق الذي غابت فيه ملامح الهوية الوطنية سوف يلقي بظلاله القاتمة والمحزنة والمؤلمة على حالة الوضع العراقي وتركيبته الأجتماعية بجبال من الأحقاد والكراهية ورفض قبول الآخر بين مكوناته المذهبية والقومية والدينية للتعايش السلمي المشترك معاً بأمان وسلام على أساس الأنتماء الوطني ، ويعمق من حدة النزعات التناحرية وتعلوا الأصوات النشاز المنادية بالدعوة الى الأنفصال وتشكيل كيانات قومية وطائفية مذهبية  والتي لاحت بوادرها في الأفق بدعوة الأخوة الكورد الى إجراء الأستفتاء في 25 أيلول سنة 2017 م لإعلان إنفصال الأقليم وإعلان إستقلال كوردستان عن جسم العراق وقيام الدولة الكوردية المستقلة ، وربما سيلحق ذلك مستقبلاً إذا تطورت الأحداث على وتيرة ما هي عليه الآن الى قيام دولة سنية لعرب السنة ، وأخرى شيعية لعرب الشيعة ، ورابعة قومية للأخوة التركمان ، وربما دولة خامسة لما تبقى في العراق من المسيحيين من الكلدان والسريان والآشوريين وهم أحق من غيرهم بأن تكون لهم دولة على أرضهم باعتبارهم سكان العراق الأصليين تاريخياً ، ويكون ذلك حقاً مشروعاً في ظل هذا الواقع ، وربما يطالب الأخوة الأيزديين أيضاً بحق تقرير المصير بشكل ما ويكون ذلك من حقهم الطبيعي في ظل غياب حكومة قادرة على حمايتهم كما هو حال غيرهم من مكونات الشعب العراقي الأصلاء . وبعد هذه الأوضاع الغريبة والعجيبة سوف تعم العراق الفوضى وغياب الأمن والآمان ، وتسود ثقافة القتل على الهوية والثأر والأنتقام المتبادل التي زرعت بذورها سياسات الحكومات القومية الشوفينية في السابق وعمقتها بشكل واسع ومقرف سياسات الحكومات القائمة على المحاصصة الطائفية والأثنية المقيتة التي توالت على حكم العراق بعد سقوط  نظام صدام حسين في عام  2003 م ، وتركت هذه السياسات الحمقاء على أرض الواقع العراقي أثاراً سلبية لا يمكن محوها لعشرات السنين من الزمان .
كل هذا هو ما حصل في العراق فترة خمسة عشر عاماً الأخيرة واصبح واقعاً معاشاً ويعاني منه ومن تداعياته الكارثية المواطن العراقي في كل لحظة من حياته اليومية أشد المعاناة ، ولكن في الحقيقة ليس هذا هو المهم في الأمر ، بل إن ألأهم منه هو هل أن ما حصل كان بفعل عوامل داخلية وطنية بحتة ؟ ، أم كان بفعل عوامل أجندات خارجية لدول الأقليم والدول الكبرى المهيمنة على صنع القرار السياسي الكوني ؟؟ ، أم بفعل العوامل الخارجية ودعم العوامل الداخلية الوطنية ؟ لأن يكون العراق وغيره من البلدان التي لا تمتلك قرارها الوطني المستقل مثل سوريا ولبنان وليبيا واليمن وغيرها من بلدان الربيع العربي الضحية وكبش الفداء لمخططات تلك الأجندات الدخيلة والمشبوهة لأعادة رسم الخارطة السياسية الجديدة لمنطقة الشرق الأوسط الجديد ليؤدي بالنتيجة الى تقسيم المُقسم وتجزئة المُجزء الى دويلات أثنية وطائفية تسودها سياسة الثأر والأنتقام والقتل على الهوية القومية والدينية والطائفية يكون فيها  الخاسر الأكبر أبناء الأقليات القومية والدينية بالدرجة الأساس وشعوب المنطقة ، والرابح الأكبر فيها سيكون الأجنبي القوي القابع وراء حدود الأقليم وشركائه الأقليميين والعملاء في حكومات تلك الدول ؟.
بالتأكيد هناك عوامل خارجية والمتمثلة بأجندات سياسية لدول الجوار العراقي والقوى الدولية المهيمنة على القرار الكوني التي تقتضي مصالحها الأستراتيجية الحيوية لأن يحصل ما حصل في العراق وأن يستمر على هذا المنوال الى أبعد مدى ممكن ، إضافة الى وجود عوامل داخلية المتمثلة بتلك الأجندات السياسية الفئوية والشخصية التي إرتبطت مصالحها بمصالح القوي الأجنبية والأقليمية الطامعة بخيرات العراق الوفيرة وإرتضت لنفسها أن تكون أداة طيعة بيد الأجنبي والغرباء الطامعين وأن تكون خادمة لأجنداتها السياسية والأقتصادية وتشاركها في سرقة ونهب أموال العراق على حساب الأمعان في إفقار الشعب العراقي وإذلاله في لقمة عيشه وأن تزيد من بؤسه وشقائه ومعاناته يوم بعد آخر حيث تعددت وتوسعت وشملت كل مناحي الحياة العراقية ، وقد تجلى ذلك بأوضح الصور في حجم الفساد المالي والأداري المستشري في مفاصل كل مؤسسات الدولة والتطاول الفض من قبل كبار مسؤولي الدولة وزبانيتهم من القطط السمان على المال العام وتحويلة الى خارج الوطن بدلاً من أن يستثمر في الداخل في إعادة بناء البنى التحتية للأقتصاد الوطني كما هو حال سراق المال العام في أقليم كوردستان والتي هي نقطة إيجابية تسجل لصالح سراق المال العام في حكومة أقليم كوردستان ، لو كان الأمر كذلك لأصبحت حالة بغداد مثل حالة أربيل وليس لأن تكون مماثلة لحالة أية قرية عراقية في زمن مدحت باشا رحمه الله الوالي العثماني في بغداد . !!!!
كيف الخروخ من المأزق  ... ؟؟
لقد تراكمت سلبيات الحكومات المتعاقبة على سدة الحكم في العراق بعد عام 2003 م بفعل سياسات الأقصاء والتهميش والتمييز القومي والديني والطائفي بشكل خاص والتطبيق الأنتقائي لقانون المساءلة والعدالة بحق البعض دون البعض الآخر ، وسعي الحكومات المتوالية الى تحميل البعض مسؤولية ما قامت بة الحكومة الديكتاتورية السابقة من ممارسات مقيتة بحق الشعب العراقي ، مما عمقت من ثقافة الثأر والأنتقام بين مكونات الشعب العراقي .
هذه السياسات العقيمة والسقيمة الحمقاء هيئة الأرضية المناسبة والظروف الموضوعية الملائمة والأرض الخصبة وانضجت الظروف الذاتية والموضوعية لمن شملتهم هذه السياسات لأن تُعلن تمردها  على هذا الواقع أالمزري ودفعتها بحكم تلاقي الأهداف بمعاداة النظام القائم لأن تتحالف مع قوى الشر والأرهاب المتمثلة بالقاعدة وداعش وغيرها لأن تعلن ثورتها على النظام باعتماد كل السبل المتاحة .
إن ممارسات الحكومات التي توالت على العراق الغير متزنة وغير الحكيمة وغير الرصينة والمبنية على ردود أفعال غير محسوبة النتائج والتي لا تتسم بروح المشاركة الوطنية الحقيقية في صنع القرار الوطني ، واعتماد نهج سياسة الثأر والأنتقام وفقدان الثقة الراسخة بالشركاء في الوطن ، وعدم استجابتها للمطالب المشروعة لسكان المناطق التي لم تكُن تسيطر عليها الحكومة الأتحادية في أقليم كوردستان والمحافظات السنية وحتى بعض المحافظات الشيعية في الفرات الأوسط والجنوب هي التي كانت السبب التي أوصلت الأمور الى ما وصلت إليه اليوم الى هذه الدرجة من السوء والتي غدت تهدد مصير وحدة البلاد الجغرافية ، وهي التي جعلت الحكومات المتعاقبة في وادٍ والآخرين في وادٍ ِ آخر والجميع في حالة من الهيجان من المناكفات والمشاكسات وتبادل التهم في الفراغ تاركة العصابات الأرهابية المسلحة لتلعب لوحدها في الساحة كما تشاء وكما يحلو لها وتَمسُك بزمام المبادرة كما تنقله لنا الأحداث على الأرض وليس كما تنقله وسائل إعلام الطرفين بحيث أصبح عبور الخالص وسامراء وغرب بغداد لا يمكن للمواطن العراقي العادي عبورها نحو الشمال والغرب ، أين أصبحت السيادة الوطنية التي تقنع المواطن بوحدة العراق أرضاً وشعباً ؟؟ .
ليس بمقدور القاعدة وداعش وغيرهما من المنظمات الأرهابية ان تجد لنفسها موطئ قدم وتؤسس لحضور مؤثر وفعال بأبسط أشكاله ، وليس بمقدور الكورد وغيرهم من المكونات ان تجد من الأسباب والمبررات لنفسها لأن تطالب بالأستقلال والأنفصال عن جسم العراق إذا كان هناك في بغداد العاصمة حكومة وطنية تؤمن بالشراكة الوطنية الحقيقية وعادلة مؤمنة بالوطن لا تميز بين مواطنيها على أساس العِرق والدين والمذهب ، وتستند على الدستور والقانون في منح الحقوق وتوزيع الواجبات بين أبناء الوطن الواحد ، وبناء توازن وطني في توزيع المهام بين مكوناته ورفض المحاصصة بكل أشكالها وإعتماد مبدأ الولاء الوطني والهوية الوطنية . عندها سوف تنتهي داعش وتتبخر من أرض العراق في لمحة بصر دون الحاجة الى إراقة دماء الأبرياء (( ولد الخايبة )) وحرق المليارات من الدولارات لشراء الأسلحة وذمم ضعاف النفوس ، داعش وبكل التداعيات التي لحقت بالعراق بعد العاشر من حزيران هي النتيجة الحتمية للسياسات غير المتزنة وغير المدروسة نتائجها وعواقبها الوخيمة التي أدخلت البلاد الى نفق الحرب الأهلية الطائفية التي لم تنتهي لحد الآن ولا نعرف مداها ، وعليه نرى أن معالجة هذه النتيجة وإستئصالها من أرض العراق يأتي حتماً من خلال معالجة واستئصال الأسباب المنتجة لها . يا أيها السادة السياسيين الذين يستقتلون على الكراسي والمناصب الخائبة والخالية ممن يستحقونها من أشخاص يجيدون فن إدارة الدولة وحقن دماء أبناء الوطن وحماية أموال الشعب من النهب والسرقة والبذخ غير المجدي وغير المبرر كما هو عليه الحال اليوم . نقول للجميع محبة بالعراق وبعوائلكم التي من نتائج أفعالكم براء عودوا الى رشدكم وسلموا السفينة الى من تجدونه من بينكم كفوء ومخلص ونزيه يجيد قياتها ويتمكن من إيصالها الى بر الأمان بسلام ، فذلك يكون خير لكم وللعراق وللعراقيين الذين عانوا الكثير من المصائب والمهانة والتشرد في بلدان الغربة ومذلتها تاركين لكم نافذة ولو صغيرة تطل على مسرح التاريخ المُشرف لتذكرون بها بخير من الأجيال التي يورثون أرض العراق من بعدكم ، اتركوا لكم أثر وذكر طيب بعد رحيلكم .

خوشــــابا ســــولاقا
بغداد في 5 / ك2 / 2019 م

17
الكتابة الرصينة وثقافة الشَتيمة
خوشابا سولاقا
إن القارئ اللبيب والمتتبع الدقيق لما يكتب وينشر في هذا الموقع الكريم عينكاوه كوم وفي غيره من ألمواقع الألكترونية الخاصة بأبناء امتنا من كل مكوناتها بكل تسمياتها الجميلة من كلدان وسُريان وآشوريين من مقالات ومداخلات وتعقيبات وردود وما يدور من خلالها من حوارات وسِجالات إيجابية منها وسلبية ، وبالأخص ما يتعلق منها بتاريخنا وتراثنا وتسمياتنا القومية المتداولة حالياً ومذاهبنا اللاهوتية الكنسية المعتمدة سوف يجد الكثير من ملامح " ثقافة الشتيمة " المهذبة منها وغير المهذبة ، وقد تصل في بعض الأحيان عند البعض من الأخوة الكتاب مع شديد الأسف وبالأخص من يكتبون بأسماء مستعارة الى مستوى الشتيمة البينة والواضحة باستعمال مفردات نابية لا تليق بالكتابة المهذبة والرصينة ، وحتى لا تليق بقدسية القلم وبالكاتب الذي يحترم قلمه وفكره  والذي من المفروض به أن يكون مثقفاً ومهذباً قبل أن يكون كاتباً مرموقاً ومبدعاً ، لأن الأبداع في ظل غياب الرصانة والكياسة الأدبية والأحترام للذات وللغير وللكتابة ذاتها لا يساوي شيئاً بمعايير الأخلاق والثقافة .
هذا الواقع تلمسناهُ ونتلمسهُ شخصياً لمس اليد وعانينا منه في الكثير من الكتابات التي تم نشرها على صفحات هذا الموقع الكريم .
هذا الموقع بحسب وجهة نظرنا الشخصية يُمثل بحق منبراً حراً للحوار الديمقراطي لمثقفينا ومفكرينا وكتابنا لتناول كل قضايانا الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية ، وهو يمثل أيضاً خير تمثيل الحركة الثقافية لأمتنا ووطنا بجدارة من خلال مشاركة الكثيرين من الكُتاب والمثقفين والمفكرين المعروفين والمرموقين واللامعين من كل أبناء مكونات شعبنا العراقي في الداخل الخارج ، هذا التنوع الرائع الذي لا نجد له مثيلاً في غيره من المواقع الألكترونية لهو فخر لنا جميعاً لذلك نقول ومن دون تحفظ يتوجب علينا نحن الكتاب جميعاً أن نلتزم بقواعد وأخلاقيات وأصول الكتابة الرصينة وننبذ نهج وأسلوب " ثقافة الشتيمة " للتعبير عن أفكارنا وأرائنا ورؤآنا ، وبالأخص أصحاب تلك الكتابات المسيئة التي تتسرب في ظلام الليل من هذا الجحر أوذاك من بعض المنقبين والملثمين ومن وعاظ السلاطين من أبواق هذا التنظيم السياسي أو ذاك هنا وهناك بين حين وآخر .
لذلك يتوجب علينا ككتاب ورواد وإدارة الموقع ان نجد طريقة لحجب مثل تلك الكتابات التي تسيء الى ثقافتنا القومية والوطنية والانسانية وخلق ثقافة قبول الآخر والتعايش السلمي معه وإحترام الرأي والرأي الآخر وصيانة نُبل وتسامى الكتابة التي تخدم الثقافة القومية الوطنية للجميع .
هذا هو كل ما دفعنا الى كتابة هذا المقال وتحت هذا العنوان الذي يبدو غريباً نوعاً ما للبعض ، ولكنه من وجهة نظرنا المتواضعة يُعبر عن حقيقة ما يجري فعلاً وبشكل ملفت للنظر في ممارسة مهنة ثقافة الشتيمة والاساءة المبتذلة المباشرة أحياناً وغير المباشرة في أحياناً أخرى .
إن مانتفق عليه جميعاً نحن " الكلدان والسُريان والآشوريين " على الأقل مبدئياً أو شكلياً اليوم هو كوننا جميعاً أبناء أمة واحدة وشعب واحد له من الخصوصية القومية ما لغيره من الشركاء في الوطن ، ودليلنا على ذلك تجمعنا الكثير من المشتركات كما هو حال غيرنا من الشركاء ، بما في ذلك رابطة اللغة الواحدة بأبجدية واحدة ، ورابطة الثقافة القومية المشتركة والتراث التاريخي الموحد امتداداً من تاريخ حضارة سومر وأكد ، أكد سرجون الأكدي مروراً بحضارة بابل العظيمة بابل حمورابي ونبوخذنصر وإنتهاءً بحضارة آشور ونينوى التي أذهلت العالم في العصر الحديث بتراثها الفني والمعماري والحضاري وختاماً بحضارة كنيسة المشرق المسيحية قبل تفكيكها من قبل الغرباء القادمين من وراء البحار والمحيطات من العالم الآخر مبتغين شراً بها وبتراثها العظيم ، ورابطة الجغرافية الواحدة والمصير المشترك وأخيراً رابطة الدين الواحد ، وحتى الى عهد قريب جداً رابطة الكنيسة الواحدة بمذهب واحد ، كنيسة المشرق الجاثاليقية الرسولية الموحدة ، حيث كنا نتزاوج ونتصاهر مع بعضنا البعض من دون أية مشاكل وفوارق تعيق ذلك التمازج والتكامل الثقافي والاجتماعي بين أبناء الأمة الواحدة ، وكذلك هناك في ذات الوقت ما نختلف به عن بعضنا البعض والذي هو من صنع الغرباء مثل المذهب الكنسي اللاهوتي ، وما ظهر بيننا أخيراً من اختلافات حول التسمية القومية الموحدة لكل مكوناتنا بالرغم من ان تلك التسميات التي نتسمى بها اليوم والمطروحة في ساحتنا السياسية حالياً هي تسميات تاريخية عريقة وجميلة منبثقة من صميم تراثنا التاريخي نَعتز ونفتخر بها ، وورد ذكرها منذ آلاف السنين على أرض بيث نهرين المقدسة ، وجميعها تركت بصمات كبيرة على تراثنا التاريخي القديم والحديث والمعاصر .
عليه فإن ما موجود بيننا حالياً من اختلافات في الرؤى والأفكار والقناعات والأراء حول جزئيات تفصيلية معينة من تراثنا وتاريخنا وثقافتنا النهرينية ومسيحيتنا المشرقية فرضتها الظروف القاهرة علينا بعد أن تَدخل الغرباء في شؤوننا الكنسية لغرض تفرقتنا وتشرذمتنا وتمزيقنا بغرض القضاء على إيماننا المسيحي المشرقي هو مجرد إختلاف وليس عداء وتناحر مستديم ، أي بمعنى إن ما موجود بيننا اليوم من أسباب الخصام والتنافر هو إختلافات في الرؤى والفكر والرأي والقناعات وليس عداءً تاريخياً سرمدياً كما قد يتصور البعض من المتعصبين والمتطرفين للمذهب اللاهوتي وللتسمية القومية بعينها من كل مكوناتنا لا حل لها ولا خيار أمامنا للخروج منها بسلام ، لأنه في الحقيقة إن ما نختلف عليه اليوم يجوز أن نتفق عليه غداً إذا صدقت وصفت النوايا ، وإذا قرأنا التاريخ بوعي وعقل مفتوح ومتسامح بعيداً عن التعصب والتطرف طالما لدينا الوعي والشعور بالأنتماء الى أمة واحدة ، وإن ما يجمعنا من المشتركات بلغة العصر هي أكثر مما يجعلنا على اختلاف وخلاف دائم ، ولكن في كل الأحوال يجب أن لا نترك الأمور لأن تسير بنا من سيء الى الأسوأ الى أن تصل الأختلافات بيننا في الرؤى والأفكار والقناعات الى مستوى العداء والتناحر ، حتى بين أكثر العناصر تعصباً وتطرفاً لخصوصياتهم المذهبية اللاهوتية وتسمياتهم القومية ، وهذا ما نرجوه من كل كتابنا ومثقفينا النجباء لكي ننجو من الأنقراض في متاهات المهاجر ونصل الى شواطئ بر الأمان في أرض الأباء والأجداد " بيث نهرين – ميسوبوتيميا " .
 ليس من المهم اليوم ونحن على هذا الحال من التشرذم  والتمزق والخلاف ماذا نسمي أنفسنا قومياً " كلدان ، سُريان ، آشوريين " ، بل الأهم من ذلك كله هو نحن جميعاً نشعر كوننا أبناء أمة واحدة اي كانت تسميتها من تلك التسميات التاريخية الجميلة
، ونتكلم بلغة واحدة ونستعمل نفس الأبجدية في الكتابة بها ، ولنا نفس التراث والثقافة والعادات والتقاليد النهرينية الموروثة لنا من عهود امبراطورياتنا القديمة التي أسست أولى الحضارات الأنسانية في التاريخ ، وتركت بصماتها الكبيرة على التراث الإنساني العالمي تحت أي مُسمٍىً كان " كلداني ، سرياني ، آشوري " هذا قبل المسيحية ، أما بعد المسيحية فتراثنا المشرقي لكنيستنا المشرقية الذي انتشر بلغتنا السورث " الكلدانية ، السريانية ، الآشورية " من بحر الصين شرقاً والى شواطئ البحر الأبيض المتوسط غرباً فهو الآخر كان أعظمُ شأناً وتأثيراً في حياة البشرية جمعاء من تراثنا ما قبل المسيحية .
يكفينا اليوم أيها الأخوة المختلفين في رؤآنا وقناعاتنا وأفكارنا وأرائنا كوننا الورثة الشرعيين لذلك التراث العظيم ولذلك التاريخ المجيد مهما اختلفت مذاهبنا اللاهوتية وتسمياتنا القومية الحاضرة إلا أننا جميعاً في النهاية نبقى أبناء وورثة ذلك التراث الحضاري المجيد ، لأن تلك المذاهب والتسميات كلها مهما اختلفت تسمياتها ولدت من رحم ذلك التراث العظيم والتاريخ المجيد لأمتنا .
أما ما يكتب من قبل هذا وذاك من الكتاب عن وعي أو من دون وعي لعمق التاريخ هنا وهناك من أبناء مكونات أمتنا أو من قبل الغرباء بدوافع الحقد والكراهية والتعصب المذهبي والقومي وغيرهما من الخصوصيات مثل الولاءات السياسية للأحزاب التي يتكاثر عددها يوم بعد آخر فإنه في الحقيقة لا يعدو أكثر عن كونه مجرد عملية صب الزيت على النار لتزيده لهيباً وسعيراً ليحرق الجميع من دون إستثناء ، والتي هي في النهاية عملية لا نحصد من ورائها غير المزيد من الفرقة والتمزق والتشرذم وتوسيع هوة الأختلافات في الرؤى والأفكار والقناعات حول الجزئيات الثانوية وبالتالي تحويلها الى خلافات وعداء تاريخي يؤدي الى ضياع هويتنا القومية الآصيلة وفقداننا وخسارتنا لحقوقنا القومية المشروعة والقضاء على الوجود القومي لأمتنا في أرض وطن الأباء والأجداد أرض " بيث نهرين – ميسوبوتيميا  " أرض الحضارات العريقة .
لذلك وبمحبة خالصة ندعو الأخوة الكتاب الأعزاء من كل مكونات أمتنا في الداخل والشتات الذين يكتبون لهذا الموقع الكريم ولغيره من مواقع أمتنا الترفع عن إعتماد ما يصب من أساليب الكتابة في مجرى " ثقافة الشتيمة المهذبة وغير المهذبة " كأسلوب الطعن والتهجم الجارح باستعمال مفردات نابية لا تليق بمهنة الكتابة الرصينة والمهذبة ولا تليق بقدسية رسالة القلم مهما أختلفت وتعددت رؤآكم وأفكاركم وقناعاتكم حول أي موضوع كان ، واللجوء الى إعتماد أسلوب النقد البناء والحوار الأخوي الايجابي الديمقراطي ومقارعة الحجة بالحجة وبالمعلومة الموثقة للوصول الى الحالة المثلى من التقارب والتفاهم المشترك ، وتطابق الرؤى والقناعات حول ما نختلف عليه من المواضيع المتعلقة بتراثنا وتاريخنا ومذاهبنا اللاهوتية الكنسية المحترمة لغرض تقليص مساحة الأختلافات وتوسيع مساحة المشتركات بيننا ، وأن نعمل من أجل تأسيس لثقافة قبول واحترام الآخر بكامل قناعاته وخصوصياته من دون المساس بها بأي سوء ، وأن نتذكر دائماً قبل أن نتكلم وننبس بكلمة واحدة بحق بعضنا البعض أو أن نسطر جملة واحدة عندما نكتب عن تراثنا وثقافتنا وتاريخنا بأننا جميعاً بكل مكوناتنا وبمختلف مذاهبنا الكنسية وبكل تسمياتنا القومية بأننا أبناء أمة واحدة تاريخياً وجغرافياً سابقاً وحاضراً ، وكُنا ولا زلنا أبناء كنيسة واحدة وورثة كنيسة المشرق العظيمة ونتكلم لغة واحدة ونقيم كل طقوسنا الكنسية بها منذ القدم والى اليوم مهما أختلفت تسمياتها المتداولة ، وأن نتذكر دائماً بأن ما يجمعنا من المشتركات القومية والمذهبية هي أكثر وأقوى مما يفرقنا ، وأن نقف دائماً بعيداً جداً بل أن نبتعد أكثر ما يمكن عن خط الشروع لتحويل إختلافاتنا في الرؤى والأفكار والقناعات الى خلافات وعداء قومي ومذهبي مستديم بسبب إعتمادنا لثقافة الشتيمة والإساءة في كتاباتنا وحواراتنا وسجالاتنا وتعقيباتنا ومداخلاتنا وردودنا المقابلة الغير موزونة والتي تفتقر الى الكياسة وأبسط قواعد اللباقة والأحترام للكتابة الرصينة ، لأن ذلك لا يفيد أحداً منا بل يضر الجميع ضرراً بالغاً .

خوشـــابا ســــولاقا
بغداد في 26 / ك 1 / 2018 م

                                                 
 

18
الأفعال الثورية تقاس بنتائجها النهائية وليس بحسب الأهواء السياسية
خوشابا سولاقا
بدءً ذي بدء نقول لأصحاب الأهواء السياسية الحالمة ما قاله المثل الشعبي الدارج  .
أحياناً " تأتي الرياحُ بما لا تشتهي السَفَنُ " *
كثيراً ما يحصل في حياتنا اليومية حوارات ونقاشات تخص الأحداث الجارية في حياتنا الحاضرة وعن الأسباب المؤدية إليها والممتدة من ماضينا القريب وربما حتى البعيد ، وقد تنتهي هذه الحوارات والنقاشات والسجالات الى خلافات وملاسنات بكلمات لا تليق بمنطق الحوار والنقاش الديمقراطي المثقف ، لأن المواقف السياسية المؤدلجة للمتحاورين تحول الى احتدام الحدّية والعدائية بينهم وبالتالي الى إفساد هذه الحوارات والنقاشات وإخراجها من مسارها التي من المفروض أن تستمر عليه للوصول الى الهدف المخطط له ، ولهذه الأسباب في أغلب الأحيان تنتهي هذه الحوارات والنقاشات من دون نتائج تخدم الموضوع ذاته ، وتعود لتبدأ من جديد في يوم آخر وفي مكان آخر وبنفس الوتيرة وربما بوتيرة أشد عنفاً وتصلباً وتعنتاً في الرأي ، ولكن مهما تكون فهي تبقى أمور طبيعية تحصل في الحياة ، إلا أن ما يؤسف له فيها شديد الأسف هو أنها تكون جهود ضائعة لا تفضي الى نتائج إيجابية تخدم المجتمع وتميز بين الخطأ والصواب في عملية مراجعة وتقييم أحداث التاريخ على طول مساره كما ينبغي تقييمها لكي يتم وضع الأمور في نصابها الصحيح وتأشير الأخطاء لكي يتم تجنب تكرارها في الحاضر والمستقبل ، ولكي تؤشر في ذات الوقت الايجابيات ليتم تعزيزها وتطويرها بما هو أفضل في الحياة الحاضرة والأنطلاق منها الى المستقبل الأكثر زهواً واشراقا .
عندما نستعرض التاريخ العالمي الانساني بشكل عام والتاريخ العراقي بشكل خاص والذي هو صُلب موضوع مقالنا هذا ، سوف نرى أن الكثير من الأحداث التي كانت تبدو في شكلها العام أنها تنطوي على بعض الأيجابيات المؤقتة فهذا أمر طبيعي ولكنها على المدى الأبعد أفضت في النهاية الى نتائج سلبية للغاية أدت الى جلب الكوارث المتسلسلة للأمم والشعوب ، ولكن تم تقييمها من قبل القائمين بها والمستفيدين منها من المقربين والأنصار والمتضررين من الوضع السابق بأنها كانت تغييرات وتحولات ثورية عظيمة تستحق الثناء عليها بإجلال وتعظيم ، ولكنها في حقيقتها وبنتائجها النهائية لم تكُن كذلك لأنها لم تفضي الى تغيير النظام الاجتماعي جذرياً الى ما هو افضل وأكثر عطاءً لصالح  الأغلبية من أفراد المجتمع مما كان عليه في السابق ، فمثل هكذه أفعال لا يجوز وصفها بأفعال ثورية ونعطيها صفة الثورة الاجتماعية .
انطلاقاً من قانون السبب والنتيجة في عملية التطور الطبيعي والاجتماعي في الحياة ، فإن كل فعل هو نتيجة لسبب وكل نتيجة تتحول الى سبب لنتيجة جديدة قادمة وهكذا تستمر سلسلة التطورات على مسار  ذي شكل هلزوني صعوداً ونزولاً من مرحلة الى أخرى ، وعلية فإذا كانت النتائج النهائية للأفعال التي جرت في الماضي القريب إيجابية على الحاضر وتبشر بمستقبل أفضل يكون التقييم لأسبابها إيجابياً واعتبارها أفعال ثورية ، وعندما تكون النتائج النهائية سلبية بدرجة كبيرة وأحياناً كارثية على شعوبها كما حصل ويحصل للعراق اليوم وغيره من دول الربيع العربي يكون التقييم للأسباب التي كانت أفعال تغييرية بالأمس تقييماً سلبياً بأمتياز واعتبارها أفعال ثورية مقلوبة في الأتجاه .
عندما يتم تقييم هكذا أفعال وفق المنطق العقلاني الواقعي والنهج البرغماتي الذي يتيح للقادة الوطنيين الحقيقيين الأعتراف باخطائهم واخفاقاتهم سوف تعثر الشعوب وقادتها معاً على أسباب انتكاساتهم وفشلهم واخفاقاتهم في إنجاز ما هو مطلوب لتَقدُمه وتطورهم ، ولكن عندما يتم تقييم الأفعال وفق المنطق والنهج السياسي الدوغماتي – بمعنى الأصرار على صواب الخطأ مهما كان بائناً للعيان لمقتضيات سياسية أيديولوجية بحتة -  فعندها تستمر الأخطاء بشكل تراكم كمي تؤدي في النهاية الى إنهيارات نوعية كارثية في بنى المجتمع كافة ، وعندها يلتجؤون القادة المسؤولين عن ما آلت إليه الأوضاع الى تحميل الآخرين أسباب فشلهم وإخفاقاتهم وبذلك يخرجون من ازمة ليدخلون الى ازمة جديدة أعمق وأشدُ تأثيراً على تأخر البلاد في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والأقتصادية ، ويصفون أنفسهم وأنظمتهم الفاشلة بكونها ضحية للمؤآمرات الدولية وتدخل الآخرين في شؤون البلاد ، وتجدون مثل هكذا افتراءات جاهزة لديهم يتم ترويجها عبر وسائل اعلامهم المتنوعة المتعفنة عند كل فشل واخفاق لتضليل وخداع الشعوب بحقيقة الأمور . 
هذا المنطق الأهوج والسقيم هو السبب في كل ما حصل ويحصل لنا اليوم في العراق ، وهنا من حقنا أن نتساءل متى يستفيق المسؤولين والشعوب من سُباتهم الأزلي هذا ؟؟  ، ومتى تخرج من شرنقة جهلها السياسي والاجتماعي المزمن وتُفعّل وعيها الفكري والثقافي لأن تعيد تقييم حوادث تاريخها القديم والحديث بشكل علمي وسليم من دون نفاق ورياء سياسي ؟؟ ، ولأن تكتشف الأسباب الحقيقية وراء تراجعاتها في كل ميادين التقدم والتطور ، وتعترف بأخطائها  الكارثية القاتلة ، وأن تُسمي الأشياء بأسمائها الصحيحة التي تستحقها ؟؟ ، عندها فقط تستقيم حياتها وتستقر على مسارها الطبيعي .
عندما نستعرض تغييرات الوضع العراقي كمثل للقياس عليه منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عام 1921 م سوف نجد بوضوح وجلاء كيف أن ما حصل في العراق من تغييرات وتبدلات في طبيعة السلطة الحاكمة من خلال الانقلابات العسكرية الدموية التي أُريقت فيها الدماء العراقية الزكية بغزارة ومن دون توقف ، وتحول الوضع المعاشي في العراق في النهاية الى موضع التندر للآخرين بوصفه أغنى بلد بثرواته وأفقر شعب ، حيث يعيش اليوم بحدود 20 % وأكثر من أبنائه تحت خط الفقر وتخلف كل منظومات تقديم الخدمات الاجتماعية للشعب في كل المجالات .
على ضوء هذا الواقع نستطيع ان نوصف ما حصل في العراق من تغييرات في شكل النظام السياسي عن طريق الأنقلابات العسكرية منذ تغيير النظام الملكي الى النظام الجمهوري في 14 / تموز / 1958 ، وما ترتب على ذلك  من عدم الأستقرار السياسي بسبب الخلافات الحزبية المراهقة بين الأحزاب السياسية والتدخلات الأجنبية والأقليمية وكيف تم استثمار ذلك من قبل الأستعمار والقوى الدولية لخدمة اجنداتها الخاصة على حساب المصالح الوطنية العراقية ، والتي اوصلت العراق وشعبه الى ما هو عليه اليوم من جميع النواحي ، فيما إذا كانت تلك التغييرات ذات طابع ثوري أم أنها كانت مجرد نزوات البحث عن السلطلة وامتيازاتها المغرية باية وسيلة كانت ؟؟ . كل الدلائل على ارض الواقع تشير وتؤكد وفق كل النظريات الثورية في التاريخ التي تُجمع على تعريف أن الفعل الذي يؤدي الى إحداث تغييرات جذرية في طبيعة وشكل النظام السياسي الأقتصادي الاجتماعي الى ما هو أفضل وأرقى بكل المعايير يعتبر فعلاً ثورياً ، وتعتبر عملية التغيير بهذه المواصفات بأنها ثورة اجتماعية – سياسية ، وهذا ما لم يحصل في العراق إطلاقاً إلا في عقول بعض السياسيين الكلاسيكيين ممن فشلوا  في تحقيق أهدافهم النظرية والذين ليس لهم الأستعداد والشجاعة السياسية المبدئية الكافية للأعتراف بالأخطاء التاريخية التي ارتكبت بحق العراق وأوصلته الى ما هو عليه الحال من دمار وخراب وتخلف وشيوع الفساد في أجهزة الدولة وشيوع الجريمة بكل أشكالها  .
                       منجزات فترة عهد النظام الملكي
كانت حالة العراق في فترة عهد النظام الملكي الدستوري البرلماني بالرغم من شحة موارده المالية وأنتشار الأمية بين أبنائه وشبه الأنعدام التام للبنى التحتية والمرتكزات  الأقتصادية لموارده المالية ، كان عهداً يخلو من الفساد المالي بين طبقات رجال الحكم من المسؤولين وهذا أهم شيء في نظام حكم وطني وصالح ، وكان القضاء قوياً وحازماً وصادقاً وعادلاً ومنصفاً مع الجميع بدءً بالملك وانتهاءً بأبسط مواطن ، وكان هناك احتراماً كبيراً للقانون من قبل رجالات الدولة قبل المواطن ، وكانت صيانة الأمانة الوظيفية وعدم خيانتها في دوائر وأجهزة الدولة مقدسة لدى الجميع لدى الرئيس الأعلى قبل المرؤوس البسيط ، وكان عدم التجاوز على المال العام والأنتفاع من السحت الحرام شبه معدوم لدى رجالات الدولة بكل مستوياتهم ، والذي كان يتجاوز على المال العام وعلى ممتلكات الدولة كان القانون له بالمرصاد ، ولم يكُن المال العام مالاً سائباً لمن هب ودب بل كان محروساً بقوة القضاء والقانون ، ولذلك من النادر أن نعثر في أرشيف الدولة العراقية في تلك الفترة حالة مسجلة ضد مسؤول كبير بمستوى الوزير .
لقد شهد العراق خلال فترة النظام الملكي بالرغم من قصرها إنجاز الكثير من المشاريع الأقتصادية في مجال إنتاج وتصدير وتصنيع النفط وسعت الحكومة مع شركات النفط الأجنبية العاملة في العراق الى أمتلاك أكبر نسبة من واردات النفط حيث كانت حصة العراق أكثر من 50 % سنة 1958 م ، كما انجز الكثير من شبكات الطرق المبلطة وخطوط السكك الحديدية التي تربط المدن الكبرى ببعضها البعض وربط الأقضية والنواحي بمراكز المحافظات من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب ومن شرقه الى غربه ، كما شيدت الكثير من المدارس بكل مراحلها حتى في القرى والأرياف النائية ، وكان الطلاب فيها يستلمون الكسوة الشتوية سنوياً وتوزع لهم التغذية المدرسية يومياً وكنا نحن كاتب هذه السطور أحد التلاميذ في المرحلة الأبتدائية ممن عاصروا هذه الخدمة النبيلة ونحن في قرية نائية في أقصى شمال العراق وتوقفت هذه الخدمة مباشرة بعد 14 / تموز / 1958 م ، وكذلك قامت الدولة بتأسيس جامعة بغداد لتخريج الكوادر العلمية التي كانت الدولة بأمس الحاجة الى خدماتهم لتطوير أدائها في تقديم الخدمات للمواطنين ، وكانت البعثات على نفقة الدولة للطلبة المتفوقين في المرحلة الأعدادية من كل المكونات من دون تمييز للدراسة في أرقى جامعات العالم ، وكذلك قامت الدولة بإنشاء الكثير من المستشفيات العامة والمستوصفات والمراكز الصحية في مراكز المدن والأقضية والنواحي لتقديم الخدمات الصحية المجانية للمواطنين كافة ، وكان التعداد العام للسكان يجري كل عشرة سنوات لغرض الأستفادة منه في تخطيط موارد ومشاريع الدولة ولا زال تعداد عام 1957 م هو المعتمد رسمياً الى اليوم في العراق .
وقامت الدولة بإنجاز الكثير من المشاريع الأقتصادية العملاقة مثل إنشاء مشاريع الري والسدود والبزل ومحطات إنتاج الطاقة الكهربائية وتصفية المياه والصناعات النفطية مثل المصافي وغيره من المشاريع الصناعية والزراعية من خلال خطط مجلس الأعمار الذي كان يرأسه المرحوم نوري باشا السعيد شخصياً ، لقد تم تنفيذ قسم كبير من مشاريع هذا المجلس في العهد الملكي والقسم الآخر في بعض فترات العهد الجمهوري وقسم أخر منها ما زال قيد الأنتظار لتجد طريقها الى النور ، كان للنظام الملكي - مجلس الأعمار مشروع عملاق للأسكان رصد له مبلغ كبير قدره أربعمائة مليون دينار عراقي وهو مبلغ كبير جداً في ذلك الوقت لبناء سكن مناسب ينفذ من خلال شركات عالمية متخصصة توزع للمواطنين بأسعار مناسبة وبأقساط مريحة على شكل مراحل نفذت المرحلة الأولى منه بأسم اسكان غربي بغداد ، ومن ثم توقف المشروع بسبب اسقاط النظام الملكي قبل المباشرة بالمرحلة الثانية والتي ما زالت قيد الأنتظار الى يومنا هذا !!! . وكل ما ذكرناه كما يقال هو " غيض من فيض " من الأنجازات .
ندرج أدناه معلومات مهمة عن حقوق نواب البرلمان في العهد الملكي عام 1945 م لغرض الأطلاع والمقارنة مع نوابنا اليوم :-
1 - يستلم النائب راتب يعادل ما يستلمه مدير المدرسة الأبتدائية في ذلك الوقت .
2 - يتم قطع الراتب بعد انتهاء الدورة البرلمانية وهو غير مشمول بالتقاعد ويعود لمزاولةعمله السابق بعد انتهاء الدورة البرلمانية .
3 - لا يتمتع النائب بأي حماية وله الحق بحمل السلاح دون أن يمتلكه .
4 - يتم رفع الحصانة عن النائب ومحاكمته خلال أسبوع في حالة ثبوت ولائه لدولة أخرى .
5 - ليس من حق النائب شراء أي عقار أو العمل بالأستثمار طوال فترة عمله بالبرلمان .
6 - يمنع النائب من السفر دون عمل رسمي خلال فترة وجوده في البرلمان .
7 - في حالة غياب النائب بما مجموعه خمس جلسات بدون عذر رسمي يتم فصله من البرلمان

عزيزي القارئ الكريم أين نواب اليوم في هذا الزمن الأغبر من أولائك النواب في ذلك الزمان الذي لم تبقى لنا منه سوى الذكرى والحسرة والغصة في القلب !!! .
                              منجزات فترة عهد النظام الجمهوري
كانت من نتائج إنقلاب 14 / تموز / 1958 م بعد ايام من سقوط النظام الملكي نشوب خلافات تناحرية بين القيادات التي قادت التغيير ، الجناح القومي الموالي لقيادة جمال عبدالناصر مما يسمون بالضباط الأحرار والمدعوم من التيار القومي الناصري وحزب البعث من جهة وبين الزعيم عبدالكريم قاسم والموالين له من الضباط الأحرار في الجيش وبدعم من الحزب الشيوعي العراقي بالرغم من عدم مشاركة الشيوعيين في حكومة عبدالكريم قاسم وبعض الشخصيات الوطنية الديمقراطية المستقلة من جهة ثانية ، وتطورت هذه التناحرات والصراعات السياسية الى أحداث دموية في الموصل في 8 / آذار من عام 1959 م على أثر مؤآمرة العقيد عبدالوهاب الشواف على الحكومة ، وتكررت الأحداث الدموية في كركوك بمناسبة احتفالات الذكرى الأولى لـ 14 / تموز وتوالت من بعدها الأغتيالات السياسية  في الموصل ، وانتهت هذه الأحداث بالمجازر الدموية الأنتقامية في انقلاب  8 / شباط / 1963 م الفاشي الذي خطط له وقاده ونفذه بالتعاون مع المخابرات الأجنبية القوميين الناصريين والبعثيين التي أدت الى تصفية عبدالكريم قاسم ومؤيدية في المقدمة منهم الشيوعيين بطرق وحشية دموية بشعة على يد عصابات الحرس القومي الفاشي .
هذا الأنقلاب الدموي أدخل العراق في نفق مظلم لا بصيص للنور في نهايته ، وكان قد سبق انقلاب 8 / شباط / 1963 م نشوب خلاف سياسي كبير بين قادة الحركة الكوردية بقيادة المرحوم ملا مصطفى البرزاني وبين حكومة المرحوم الزعيم عبدالكريم قاسم حول مطالبة الكورد بالحقوق القومية المتمثلة في الحكم الذاتي ، إلا أن ضيق الأفق السياسي لعبدالكريم قاسم وقلة خبرته وضعف حنكته السياسية في فهم واستيعاب شرعية حقوق الكورد تغلبَ سلوكه وتربيته العسكرية على سلوكه كرجل دولة في قِمة هرم السلطة مما انتهى هذا الخلاف الى نشوب الحركة الكوردية المسلحة في شمال العراق في أيلول من عام 1961 م ، تلك الحركة التي استنزفت امكانيات الدولة الأقتصادية والمالية والعسكرية وادخلت البلاد في حالة من الركود الأقتصادي وتوقفت مشاريع التنمية وبذلك مهدت الأرضية لأنقلاب الثامن من شباط الدموية ، ثم توالى على حكم العراق نظام الأخوين عارف الهزيل والمتهرئ والذي اصبح جسراً لعبور البعثيين مرة ثانية الى السلطة في انقلاب 17 – 30 / تموز / 1968 م ، هذا النظام البعثي الجديد بدأ عهده بتصفية خصومه السياسيين من القوميين الناصريين حلفاء الأمس ، والشيوعيين حلفاء اليوم ، وأحزاب الحركة الكوردية أعداء الأمس واليوم ، وأحزاب الأسلام السياسي لاحقاً الأعداء الجدد بعد الثورة الأسلامية في إيران ، ومن ثم بعض قادة الحركة الديمقراطية الآشورية الوليدة ، بهذه السياسة الشوفينية الرعناء لنظام حزب البعث ادخل العراق في حروب عبثية مع إيران ثم مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على خلفية إحتلاله لدولة الكويت في 2 / آب / 1990 م وما ترتب على ذلك من فرض حصار اقتصادي دولي مدمر على البلاد ، وثم إحتلال العراق في عام 2003 م من قبل أمريكا وحلفائها وإقامة نظام المحاصصة الأثنية والطائفية السياسية الذي نشهد اليوم عروضه المبتذلة على أرض الواقع ، هذا النظام بسبب سياساته الطائفية الأقصائية سهل الأمر لعصابات داعش لأن تحتل أكثر من ثلث مساحة العراق وجعل العراقيين يعيشون في حالة من البؤس والفقر والمرض والقتل على الهوية وفقدان الأمن والأمان واستشراء الفساد المالي في مؤسسات الدولة وشحة الخدمات الاجتماعية في مجال توفير الماء الصالح  للشرب والكهرباء والتربية والتعليم والصحة وغيرها من الخدمات ، واخيراً معاناة أكثر من ثلاثة ملايين نازح من العراقيين يعيشون في ظروف قاسية للغاية لا تليق بحياة البشر في هذا العصر .
بالتأكيد هذا لا ينفي عدم حصول أو وجود أية انجازات ذات تأثير ايجابي كبير على وضع البلاد في مختلف الميادين في العهد الجمهوري وكان ذلك تحصيل حاصل لا بد أن يحصل بحكم الحاجة الاجتماعية والتطور التلقائي ، ولكن السلبيات كانت أكثر وأكبر وحرقت كل الأيجابيات وذهبت أدراج الرياح ، والحالة شبيهة بحالة ذلك الفلاح الذي يزرع الحقل بالحنطة يحرث الأرض ويبذر البذور ويسقيها ويرعاها وعندما يحل موسم الحصاد يشعل النار فيها ويحرق المحصول ويخرج من الحقل خالي اليدين ويشحذ لقمة عيشه من الآخرين !!! ، هكذا فعلت حكومات العهد الجمهوري من حكومة قاسم الى حكومة حيدر العبادي وربما حكومة الدكتور عادل عبدالمهدي اليوم ، وواقعنا الحالي يشهد على ذلك في كل مجالات حياتنا بالتفصيل الممل 
هكذا تعاقبت وتوالت الأحداث الأليمة والمحزنة على العراق وفق قانون السبب والنتيجة ، بحيث أن كل مرحلة ولّدت المرحلة التي تلتها . عليه فإن تقييمنا لفعل التغييرات التي حصلت في العراق ضمن هذا المسلسل الدرامي والدامي يفرض علينا ولكي نكون منصفين مع الجميع أن نقيّمه من نتائجه النهائية التي حصدها الشعب العراقي وليس بحسب أهواء ورؤى السياسيين من أنصار هذا الطرف أو ذاك وفق معطيات مرحلة بعينها كما تقرأها عقول السياسيين المؤدلجين ، وليس وفق معطيات جميع المراحل وهي في علاقة جدلية تكاملية كما ينبغي أن تقرأ لأستخلاص النتائج التي على ضوئها تقيم الأفعال بين أن تكون أفعال ثورية أو غير ذلك من المسميات . 
*السَفَنُ : تعني ربان السفينة أو قائدها أو القبطان

خوشــابا ســولاقا
بغداد في 17 / ك1 / 2018 م

19
الموت بكرامة حياة والحياة بمذلة موت
خوشــابا ســولاقا
كثيراً ما حصل من خيانات للمبادئ والأهداف المتفق عليها في العمل السياسي في تاريخ التنظيمات السياسية في الماضي في العراق وفي غيره من البلدان ، ويحصل اليوم أيضاً في الكثير منها ، وسوف يحصل في المستقبل حتماً ، ويحصل حتى في أي عمل ذات طابع جماعي كمنظمات المجتمع المدني والأتحادات العمالية والطلبة والشباب والنساء من قبل البعض من كوادرها ، ويحصل أيضاً الحنث باليمين الذي أقسموا به الشركاء الآخرين لأسباب كثيرة تؤدي بالبعض منهم الى التعاون مع الأعداء ، أحياناً تحت تأثير ما يتعرضون له من ضغوط كالتعذيب الجسدي والنفسي والتهديد بالتصفية الجسدية أو الحرمان من مصدر لقمة العيش من خلال الطرد والفصل من الوظيفة وغيرها من الأساليب اللاأخلاقية ، والذي هو أمر سائد في ظل الأنظمة الديكتاتورية المستبدة والقمعية ، مما يَضطرهم على الأعتراف بما يمليه عليهم الأعداء كذباً أو صدقاً والوشاية ببعض رفاقهم في العمل من أجل إنقاذ أرواحهم من الموت ، وأحياناً أخرى هناك من يتعاون مع الأعداء طواعية من دون التعرض الى التعذيب الجسدي والنفسي والتهديد بالتصفية الجسدية تحت تأثير المغريات المختلة التي تتفنن في استعمالها الأجهزة الأمنية والمخابراتية مع ضُعاف النفوس لأختراق التنظيمات السياسية من أجل إيجاد موطئ قدم لهم وخلق مصادر نوعية للمعلومات داخل تلك التنظيمات التي تُصنفها ضمن قائمة الأعداء الذين يشكلون خطراً على أنظمتها لتزويدهم بكل ما يُطلب من معلومات نوعية عن كل ما يجري داخلها لمراقبة تحركاتها خطوة خطوة ، وكذلك تقوم حتى بالوشاية بالعناصر البارزة والفعالة والنشطة في تلك التنظيمات لغرض إعتقالهم وتصفيتهم أو اغتيالهم ، وبالمقابل تقوم الأجهزة الأمنية والمخابراتية من خلال تلك المصادر العميلة ذاتها بحقن وتسريب معلومات كاذبة ومضللة الى داخل التنظيمات السياسية المستهدفة لتضليلها والتمويه عليها من معرفة حقيقة ردود أفعال السلطات الأمنية عليها .
من خلال دراسة تاريخ تجربة الأحزاب والتنظيمات لحركات التحرر القومي والوطني في العمل السياسي يتم فرز فئات مختلفة من العناصر وفق خصال ومواصفات تربوية وأخلاقية يتمتعون بها فطرياً والتي اكتسبوها من تربيتهم العائلية والبيئة الاجتماعية التي نشأوا وترعرعوا فيها وترسخت وتجذرت في شخصياتهم وتتحكم في سلوكهم بشكل كبير حيث تتغلب في أغلب الأحيان على ما أكتسبوه من تقاليد وطقوس نضالية في حياتهم السياسية عندما تحل عليهم ظروف قاهرة وهي كما يلي :-
أولاً : هناك عناصر تتحمل كل أشكال القهر والتعذيب الجسدي والنفسي وكل المغريات الحياتية ، وقد يصل الأمر بها الى قبول الموت والأستشهاد من دون أن تقبل المذلة والأهانة وأن تستسلم لأرادة الأعداء بقبول التعاون معهم وتزويدهم بما يطلب منهم من المعلومات وأسماء عناصر التنظيم ، وتتقبل الموت بشجاعة وبطولة نادرة وتفضله على الحياة بمذلة ، هؤلاء هم عناصر تقبل الموت بكرامة وعزة نفس لتخلد في حياة الباقين والأجيال القادمة كنجوم لامعة وساطعة في سماء الشهادة والتضحية بالنفس من اجل صيانة وحماية المبادئ التي أقسموا اليمين عليها من أي تشويه وتكون بذلك قدوة للآخرين ليقتدوا بهم ، ومن أجل أن يعيش الآخرين بكرامة وحرية ، أي بمعنى آخر يموتون بكرامة ليحيوا خالدين الى أبد الدهر في قلوب أبناء أمتهم محققين بذلك " الموت بكرامة حياة " .
ثانياً : هناك عناصر تضعف تحت تأثير أساليب القهر والتعذيب الجسدي والنفسي الذي يتعرضون له عند وقوعهم لأي سبب من الأسباب بيد الأجهزة الأمنية والمخابراتية للأعداء وحبهم للحياة تستسلم لإرادة الأعداء لانقاذ حياتهم من الموت وتقبل بالتعاون مع الأعداء وتزودهم بأقل ما يمكن من المعلومات غير المهمة وغير الحساسة والتي لا تؤثر على استمرار بقاء التنظيم قوياً ومتماسكاً ، والوشاية بالبعض من رفاق الدرب ممن هم خارج إمكانية أن تنال منهم الأجهزة الأمنية مقابل تحملهم لقدر من التعذيب الجسدي ، ومثل هذه العناصر يعرفون حدود تعاونهم مع الأجهزة الأمنية للأعداء ، ومثل هكذا سلوك يجب أن يتم تثقيف الكوادر السياسية به " ثقافة تزويد العدو باقل ما يمكن من المعلومات النوعية في الظروف القاهرة " .
مثل هذه العناصر تعيش تحت تأثير تأنيب الضمير ومحاسبة الذات والشعور بالذنب على محدودية قدرتهم على تحمل التعذيب وإخفاء المعلومات وعدم الأفراط بالهذيان بها للأعداء أثناء التحقيق معهم ، وعن عدم استعدادهم للتضحية بالنفس من أجل إنقاذ أو حماية الآخرين من رفاق الدرب .
إن مثل هذه العناصر تقبل الحياة بمذلة على مضض مقابل البقاء على قيد الحياة وترفض الموت بكرامة ، وأمثال هؤلاء  سيترددون في مواجهة رفاقهم الذين وشوا بهم ويتجنبون مواجهتم وقد يضطرون الى هجر المكان والأبتعاد الى مكان بعيد يخلو مِن تواجد مَن يتجنبون  مواجهتهم .
ثالثاً : هناك عناصر تقبل التعاون بإرادتهم مع الأجهزة الأمنية والمخابراتية للأعداء وتزودهم بكل ما يُطلبُ منهم وحتى بما لا يُطلبُ منهم من معلومات تحت تأثير المغريات المالية والمناصب وامتيازات السلطة والكراسي وغيرها التي تجود بها عادة أيادي أجهزة الأمن والمخابرات للعملاء الذين بالمقابل يجودون بعطائهم من دون استعمال وسائل العنف والتعذيب الجسدي معهم من قبل الأعداء .
هذه العناصر تعتبر بموجب منطق السياسة عملاء مأجورين للأعداء مع سبق الأصرار والترصد مقابل ثمن مدفوع من المال الحرام ، هؤلاء لا يتورعون في تزويد الأعداء بأية معلومات نوعية وحساسة مهما كان تأثيرها كبيراً ومدمراً على التنظيم وعلى حياة الآخرين من رفاقهم ، لأن ثمن هكذا معلومات يكون أغلى بالنسبة لهؤلاء المأجورين .
هؤلاء يقبلون وبإرادتهم الكاملة الحياة بمذلة ولا يعرفون للكرامة وعِزة نفس معناً أخلاقياً ليردعهم عن ممارسة الرذيلة المشينة مع سبق الأصرار والترصد ، وخير من قال قولاً مأثوراً بحق أمثال هؤلاء أولاد الرذيلة الزعيم النازي أودولف هيتلر حين قال " أحتقر مَنْ تعاونوا معي وساعدوني في احتلال بلدانهم " .   إن عمل هؤلاء العملاء يمكن إعتباره خيانة عظمي بحق المبادئ والقيم الأخلاقية يستحقون عليه الموت بمذلة .
وهنا من حقنا أن نتساءل ونوجه بسؤالنا للقارئ الكريم من هم الذين يقبلون بالموت وهم يعرفون أن " الموت بكرامة حياة " ؟؟ ، ومن هم الذين يقبلون بالحياة وهم يعرفون أن " الحياة بمذلة موت " ؟؟ ، ولغرض تسهيل الاجابة على هذه التساؤلات نعود معاً الى قول الأمام علي إبن أبي طالب الذي يقول فيه :-
" اطلب الخير من بطونٍ شَبعت ثم جاعَت لأن الخير فيها باقٍ ، ولا تطلبهُ من بطونٍ جاعَت ثم شَبعت لأن الخير فيها شحيح " .
الفئة الأولى : إن الذين يعرفون أن " الموت بكرامة حياة " هم أصحاب تلك البطون التي شَبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باقٍ لكونها قد إنحدرت في أصولها من بطونٍ مماثلة . 
الفئة الثانية : إن الذين يعرفون أن " الحياة بمذلة موت " هم أصحاب تلك البطون التي جاعَت ثم شَبعَت لأن الخير فيها شحيح لكونها قد إنحدرت في أصولها من بطون مماثلة .
وهكذا فإن الفئة الأولى تكون معطاء ومستعدة للموت والتضحية بنفسها من اجل الحياة الكريمة ، والفئة الثانية تكون أنانية ونرجسية وخسيسة وغدارة تبيع الفئة الأولى بأبخس ثمن وتقبل الحياة الرخيصة بمذلة .
أمنياتنا أن يكون أغلب أبناء أمتنا وأبناء شعبنا العراقي من الفئة الأولى وأن يتكاثر عددهم يوم بعد آخر ، وأن يتقلص عدد من هم من الفئة الثانية يوم بعد آخر الى أن يصبح صفراً مطلقاً ، وينعدم وجودهم والى الأبد ومن غير رجعة .

خوشـــابا ســــولاقا
بغداد في 3 / ك1 / 2018  م

                                                     


20
في التربية والثقافة السياسية
حول الطبيعة التكوينية للأحزاب والحركات السياسية
( الجزءالثاني )
خوشابا سولاقا
قُرائنا الأعزاء نبدأ معكم من حيث إنتهى الجزء الأول من مقالنا هذا
ثالثا : أحزاب وحركات سياسية نشأت وتكونت وتعمذت إن جاز التعبير على أساس معتقدات دينية مذهبية وخلفيات سياسية طائفية تاريخية تعمل من أجل تحقيق أجندات سياسية دينية مذهبية طائفية محددة وتحاول فرضها بالقوة على الاخرين بطرق شتى أو على الأقل إجبار الآخرين على الألتزام بطقوسها وتقاليدها وممارساتها في حياتها الاجتماعية ، عادة مثل هكذا أحزاب وحركات تكون متشددة ومتعصبة الى حد التطرف في أفكارها وطروحاتها ورؤآها الفكرية باعتبارها أفكار مستمدة ومنبثقة من روح العقيدة الدينبة ، ولا تقبل التأويل والأجتهاد ، وإن مثل هذه الأحزاب والحركات لا تؤمن مبدئياً بقبول الآخر والتعايش السلمي معه إلا قولاً من باب النفاق والرياء السياسي ، وهي تعمل في الحقيقة والواقع على تسييس الدين وتطييفه إن جاز التعبير بامتياز وفق العقيدة المذهبية التي يسترشدون بها وتجييره لصالحها .
هذه الأحزاب والحركات السياسية تجمع في تكوينها وتركيبتها نفس الشرائح الاجتماعية والمكونات القبلية والعشائرية الموصوفة في الصنف أولاً وثانياً فيما تقدم في الجزء الأول من هذا المقال ولكن وفق منظور مذهبي طائفي سياسي وهي بالتالي تكون أيضاً أحزاب وحركات سياسية ضعيفة في آواصر وحدتها وعناصر القوة فيها وتكون بالتالي تنظيمات هشة البنية معرضة للتمزق والتشرذم والتفكك والانشقاق على المدى المنظور ، وخاصة عندما تحين الفرصة للمنافع والأمتيازات جراء ممارسة السلطة في إدارة شؤون الدولة لأن تفعل فعلها في احتدام الصراع بين القيادات التاريخية لها على الساحة العملية من أجل المصالح والمنافع ، وخير مثال على هذا الصنف من الأحزاب والحركات السياسية هي الأحزاب ذات المعتقدات والتوجهات الدينية المذهبية الشمولية في إطار الطائفية السياسية المؤدلجة كحزب الدعوة الأسلامية والتيار الصدري والمجلس الأعلى الأسلامي العراقي كاحزاب شيعية ، وما حصل ويحصل فيها باستمرار وخصوصاً بعد ممارستها للحكم من تشرذم وتمزق وانشقاق وما إنبثق منها من أحزاب وتنظيمات جديدة تحت تسميات ويافطات مختلفة ذات توجهات وطنية إصلاحية خلال السنوات الخمسة عشر المنصرمة من حكم العراق بعد سقوط نظام حكم صدام حسين هذا في الجانب الشيعي ، وما حصل في الجانب السني في الحزب الأسلامي العراقي حصراً وغيره من التنظيمات المذهبية هو الآخر خير دليل على صحة هذه الرؤية التحليلية لواقع بنية هذا الصنف من الأحزاب الآيلة الى التشرذم والتمزق والتفكك بسبب عجزها عن قرأة الواقع الموضوعي السياسي والاجتماعي للمجتمع العراقي بشكل علمي وموضوعي ، وبالتالي عجزها عن تحقيق طموحات الجماهير المسحوقة من أبناء الشعب العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية المتعددة لأن هذه الأحزاب في حقيقتها الفكرية تكون مؤدلجة على أحادية الرؤية في تعاملها مع مكونات المجتمع .
إن ما نراه ونتلمسه ونعيش معاناته من شيوع الفساد المالي والاداري في مؤسسات الدولة التي تقودها هذه الأحزاب وفق نظام المحاصصة المقيت من جهة ، وغياب الخدمات الاجتماعية المختلفة وانتشار البطالة والجريمة بكل أشكالها والفقر والعوز بين صفوف الجماهير الشعبية من جهة أخرى جعلت هذه الأحزاب ( الأحزاب الطائفية للاسلام السياسي ) في وادٍ والجماهير الشعبية في وادٍ آخر ، من المؤكد وفي ظل هذا التناقض الصارخ أن الشعب سوف يقول كلمته الفصل في نهاية المطاف بحق هذه الأحزاب والحركات السياسية في الانتخابات البرلمانية القادمة بعد أن قال نصفها في الانتخابات البرلمانية الماضية قبل أشهر قليلة من هذا العام .
وهنا نقول لهذه الأحزاب تذكروا أن الشعوب هي التي تصنع التاريخ والقادة التاريخيين لها وليس الخطباء من على منابر الخطابة في ساحات المزايدات والمهاترات السياسية بكلامهم المعسول ووعودهم الكاذبة وكتابة الشعارات البراقة والخادعة التي تتبخر وتصبح في خبر كان بعد الأنتخابات ، كل ذلك من اجل الكراسي وما تدره لهم من المنافع الشخصية والأمتيازات المادية والمعنوية .
هذا النموذج من الأحزاب والحركات السياسية جسدت بوضوح تام كيفية استغلال المصلحة الوطنية العامة واستثمار الدين والمذهب والطائفة كوسيلة فعالة لتحقيق مصالح ومنافع خاصة حزبية وشخصية ، ولذلك نرى الحكومة تغض النظر عن ملاحقة ومحاربة ومحاسبة الفاسدين والمفسدين من كبار المسؤولين بكل المستويات من سراق المال العام في أجهزة الدولة ومؤسساتها لكون هؤلاء من نتاج هذه الأحزاب وأدواتها للأستمرار والبقاء في الحكم ، وكأن بقائها واستمرارها في الحكم مرهون ببقاء واستمرار الفساد المالي والاداري في مؤسسات الدولة . 
رابعاً
: أحزاب وحركات سياسية عقائدية مؤدلجة فكرياً نشأت وتكونت في ظل ظروف موضوعية تاريخية دولية وظروف ذاتية محلية استجدت بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها وفتحت بذلك الأفاق واسعة أمام الشعوب المقهورة للتطلع الى الحرية والأنعتاق من النير الأستعماري العثماني الشوفيني البغيض بفعل إيمان راسخ لمجموعة من المتنورين من أفراد المجتمع بعقيدة أيديولوجية سياسية وفكر سياسي معين وفلسفة سياسية منهجية معينة وكان للعوامل الخارجية الدور الحاسم في نشوء ونمو وتطور وانتشار هذه الأحزاب والحركات كالنار في الهشيم فتشكلت على خلفيتها حركة التحرر الوطني تحت قيادتها .
مثل هذه الأحزاب والحركات عملت على استقطاب وكسب أوسع الجماهير الشعبية المتضررة في المجتمع من الشرائح والطبقات الاجتماعية المتماثلة في مصالحها بدوافع طبقية وقومية ووطنية وتوعيتها بدورها الثوري التاريخي في إنجاز الثورة الأجتماعية لتغيير النظام الاجتماعي والسياسي القائم بآخر أكثر عدالةً لصالحها وبناء مجتمع جديد تسود فيه العدالة والمساواة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وفق معايير المواطنة دون سواها .
وكذلك عملت وناضلت هذه الأحزاب والحركات السياسية على توجيه الجماهير التي لها مصلحة في التغيير الاجتماعي للعمل من خلال مؤسساتها وتنظيماتها المهنية من أجل تغيير شروط معيشتها ودورها في قيادة المجتمع ضمن إطار العمل من أجل المصلحة الوطنية ، ولكن وفق منظور طبقي من خلال إقامة نظام سياسي ديمقراطي جديد يكون فيه للأغلبية الساحقة من محرومي الشعب المتعدد القوميات والأديان والمذاهب الدور الريادي والقيادي في إحداث التغيير الاجتماعي المنشود .
إن أواصر الوحدة العضوية وعناصر القوة في مثل هذه الأحزاب والحركات السياسية تكون أقوى كمياً وليس نوعياً مما هي في غيرها من أصناف الأحزاب والحركات التي تم ذكرها فيما تقدم من هذا المقال ، ولكن وجود الطموح الشخصي والنزعة الفردية الأنانية وحب الذات عند الانسان للارتقاء والتفوق والغيرة من الآخر بدافع السيطرة والتسلط وشهوة السلطة والحكم وتحقيق منافع وامتيازات شخصية معنوية كانت أم مادية ، معنوية مثل الشهرة والموقع الاجتماعي والوجاهة وغيرها من النوازع الانسانية التي تسيطر على تفكير وخلجان النفس عند البعض من الكوادر القيادية التاريخية لمثل هذه الأحزاب والحركات تؤدي الى ظهور أفكار متعددة ومتضاربة ومتناقضة لبعضها البعض أحياناً عندما تنضج الظروف الذاتية والموضوعية لذلك ، وبالتالي تتفاقم وتحتقن وتتوسع هذه التناقضات والخلافات الفكرية وتأخذ طابعاً تناحرياً عنيفاً يؤدي بالنتيجة الى حصول إنشقاقات في صفوفها ، وقد تتخذ هذه التناحرات والصراعات الانشقاقية من إعتماد أسلوب التصفيات الجسدية السرية بين الكوادر القيادية التاريخية لهذه الأحزاب والحركات وسيلة لتصفية الحسابات السياسية فيما بينها وتتحول رفاق الدرب بالأمس الى أعداء الداء اليوم عندما تلتقي المصالح المعنوية مع المصالح المادية ، وخير مثال على هذا الصنف من الأحزاب والحركات السياسية نراه في الأحزاب الشيوعية والأشتراكية والعمالية والحركات الثورية في حركة التحرر الوطني في مختلف بلدان العالم الثالث ، وتجربة الحزب الشيوعي السوفييتي والحزب الشيوعي الصيني وجميع الأحزاب الشيوعية والعمالية في أوربا الشرقية وغيرها من البلدان مثل اليمن الجنوبي في المنطقة العربية غنية للغاية بمثل هذه الصراعات والتصفيات الدموية المؤلمة وكانت الأسباب الباعثة لذلك في جميعها متماثلة ومتشابهة لحد التطابق الكامل وكأنها تجارب تعيد إنتاج نفسها وتتكرر على نفس المنوال هنا وهناك ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ولكي يكون المثال من الواقع العراقي القريب منا نأخذ ما حصل في الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه في 31 / آذار / 1934 والى اليوم وما حصل في صفوفه من تشرذم وتمزق والانشقاقات العديدة ولكن من دون يحصل أية تصفيات جسدية بين قياداته وكوادره لأن الحزب لم يستلم السلطة لتكون هناك تقاطع وصراع مصالح مادية تقود الصراعات والخلافات الفكرية بين القيادات الى التصفيات الجسدية وبذلك انحصرت الصراعات حول المصالح المعنوية التي تكللت بالأنشقاقات العديدة فقط ، لذا نرى كأن تجربة هذا الحزب كانت تكراراً وإنعكاساً لما حصل ويحصل في الحركة الشيوعية العالمية إضافة الى ما أضافته الخصوصية الوطنية من الأسباب الذاتية لحصول مثل تلك الانشقاقات الكارثية التي أخرت وعرقلة مسيرة الحزب السياسية التي منعته من الوصول الى السلطة في العراق بالرغم من نضوج الظروف الذاتية للحزب من جهة ونضوج الظروف الموضوعية له في العراق لأستلام السلطة من جهة ثانية .
وخلاصة ما نريد قوله من خلال ما تم عرضه في هذه المقدمة المتواضعة لرؤيتنا حول الطبيعة التكوينية للأحزاب والحركات السياسية في العراق بشكل عام وامتنا من الكلدان والسريان والآشوريين بشكل خاص هو أن ما تشهده الساحة السياسية والأقتصادية والاجتماعية من تناقضات وتناحرات وصراعات ومناكفات ومشاكسات مختلفة في المواقف السياسية ليست من أجل المصلحة العامة كما يفهمها عامة الناس مهما تكون طبيعة وتسمية تلك المصلحة العامة ، وطنية كانت أم قومية أم طبقية أو غيرها كما تدعي ممثلي القوى السياسية المتصارعة علناً في خطاباتهم السياسية في وسائل الأعلام المختلفة ، وإنما في حقيقة الأمر هي من أجل المصالح والمنافع الخاصة والشخصية للقيادات الحزبية المتنفذة متخذة من المصلحة العامة مجرد واجهة إعلامية ووسيلة رخيصة للتغطية على حقيقة الأمر وورقة التوت لستر عوراتهم ، كما يقول المثل البكاء ليس على الحسين وإنما على الهريسة  وهنا الأمثال تضرب ولا يقاس بها .
إن المصلحة العامة في هذا الزمان زمان الفساد والفاسدين باتت تردد للترويج الأعلامي كشعار وكلمة حق يراد بها باطل ، الباطل الذي هو المصلحة الخاصة والشخصية للكوادر القيادية المتنفذة للأحزاب والحركات السياسية العاملة في الساحة السياسية لإدارة شؤون الدولة ، هكذا سوف نرى حقيقة الأمر عندما نحلل الأمور تحليلاً موضوعياً علمياً ومنطقياً في ضوء معطيات الواقع القائم ، وما يجري الآن على الساحة العراقية من خروقات وتجاوزات على المصلحة الوطنية العامة ونهب المال العام وإستشراء الفساد المالي والاداري في أجهزة ومؤسسات الدولة الرسمية بشكل مريب وانتشار الجريمة بكل أشكالها وشيوعها في كل مفاصل الدولة والمجتمع وشبه الغياب التام للخدمات العامة وإنتشار الأرهاب وغياب الأمن والآمان وسلطة القانون كلها ظواهر تجسد خير تجسيد لهذه الرؤية ، رؤية صراع المصالح الخاصة والشخصية للقيادات السياسية الحزبية تحت غطاء المصلحة الوطنية العامة .
هذا الصراع الذي تقوده الأحزاب السياسية المتنفذة والمشاركة في الحكم يقود البلاد يوم بعد آخر الى الهاوية السحيقة والى الخراب في كل مجالات الحياة ، واخيراً نقول لكل هؤلاء وبصوت عالٍ ومسموع كفاكم رياءً ونفاقاً وتشدقاً بالمصلحة الوطنية العامة وبكاءً على الهريسة وذرف دموع التماسيح على الوطن كذباً ونفاقاً ، نقول عودوا الى رشدكم وأعلموا بأن العراق هو وطن الجميع وهو بحاجة الى جهود الجميع بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه وهو ليس الحديقة الخلفية لدور أبهاتكم لتلعبون بمقدراته وثرواته كما تشاؤون وكما يحلو لكم ، وأعلموا وكونوا على يقين بأنه هناك من العراقيين الوطنيين الأشراف والأحرار بأن صبرهم محدود وأنهم يراقبون الوضع عن كثب ممن سيقولون لكم حينما تحين الساعة توقفوا عند حدكم وكفاكم عبثاً يا من عثتم في أرض العراق فساداً وخراباً ودماراً لقد دنت ساعتكم واقترب يوم الحساب وأعلموا أنه عندما يُجرح الوطن يكون انتقامه قاسياً ومؤلماً لمن لا يُعتبر وعندها لا يفيدكم الندم .
   

خوشــابا ســولاقا
بغداد في 24 / ت 2 /2018 م         

21
في التربية والثقافة السياسية
حول الطبيعة التكوينية للأحزاب والحركات السياسية
( الجزء الأول )

خوشابا سولاقا
إن طبيعة الحياة الانسانية في صراع الانسان الأزلي من أجل البقاء تفرض عليه أن لا يعمل إن لم يكن له من وراء هذا العمل هدف معين ومن وراء الهدف غاية ومصلحة معينة ، وهذه الغايات والمصالح بطبيعتها تكون متنوعة في شكلها ومضمونها ، حيث قد يكون شكل المصلحة في العمل مصلحة عامة كأن تكون مصلحة وطنية أو قومية أو إنسانية أو مصلحة شعب معين أو مجتمع بعينه ، هذا قد يكون هو الظاهر للعيان من الوهلة الأولى ، ولكن يبقى الهدف الحقيقي غير ذلك بصورة غير ظاهرة والذي هو تحقيق مصلحة شخصية ، وقد تكون تلك المصلحة مادية أو قد تكون مصلحة معنوية مثل البحث عن الشهرة والسمعة والصيت والموقع الاجتماعي والمجد الشخصي وغيرها ، وفي أغلب الأحيان تكون الأثنين معاً ، ولكن ما لا يمكن أن يكون له وجود على أرض الواقع هو العمل من أجل مصلحة المجموع أو المصلحة العامة المجردة دون أن يكون هناك مصلحة خاصة ، وكذلك الحال لا يمكن أن يكون هناك وجود لعمل من أجل المصلحة الشخصية من دون أن يكون له علاقة معينة وإرتباط وثيق بالمصلحة العامة . وهكذا تبقى العلاقة بين العمل من أجل المصلحة العامة والعمل من أجل المصلحة الشخصية علاقة جدلية علاقة الغاية بالوسيلة ، ولكن عادة يكون الطرف الغالب في هذه العلاقة هو العمل من أجل المصلحة العامة وهنا تكون المصلحة العامة هي الوسيلة وتكون المصلحة الشخصية هي الغاية .
إن الآليات التي عادة تعتمد في تحقيق فعل هذه المعادلة في الحياة العملية في حقل السياسة وإدارة أنظمة الدولة المختلفة هي التنظيمات السياسية والجمعيات الاجتماعية المختلفة الأختصاصات من مؤسسات المجتمع المدني والأتحادات والنقابات العمالية والمنظمات الشبابية والطلابية والنسائية وأي أشكال أخرى من التجمعات المهنية .
حيث نرى عندما نستطلع مشاهد التاريخ الانساني السياسي إن الكوادر القيادية في مثل جميع هذه المؤسسات تعمل وتتصارع فيما بينها وتستقتل وتستميت في سبيل البقاء والاستمرار في مواقعها القيادية ، والكل يعمل وبشتى الوسائل المتيسرة والممكنة الشريفة منها وغير الشريفة وبما فيها التصفيات الجسدية لأقرب المقربين وإعتماد أساليب التشهير والإساءة على السُمعة بكل أنواعها وأشكالها لأزاحة بعضها البعض من هذه المواقع من أجل الأنفراد والاستئثار الكامل بسلطة القرار في تلك المؤسسات ، وهنا يفرض السؤال التالي نفسه ... هل من المعقول والمنطق أن تكون حماية ما يسمى بالمصلحة العامة في كل هذه الصراعات هي السبب في كل ذلك ؟؟  أم أن هناك شيء آخر أهم من المصلحة العامة غير ظاهر للعيان وغير معلن عنه ؟؟ ، والجواب المنطقي هو نعم يوجد هناك ما هو أهم بكثير من المصلحة العامة بالنسبة الى أمثال هؤلاء القادة ألا وهو المصالح والمنافع والأمتيازات الخاصة التي يحصلون عليها من خلال بقائهم في المواقع القيادية التي يقبعون فيها تقودهم الى خوض كل هذه الصراعات المريرة من أجلها . لو كانت المصلحة العامة وحمايتها هي السبب في هذه الصراعات لكان الانسحاب من هذه المواقع من قبل البعض لصالح البعض الآخر ممن هم أكفأ وأجدر بها هو الخيار المرجح وهو الخيار الأسهل والأنسب والأفضل من كل الخيارات الأخرى لحسم الأمور الخلافية بهدوء وسلام من دون شوشرة وسفك الدماء الغزيرة للمقربين على خشبة مسرح السياسة ، ومن دون اللجوء الى أساليب المكر والخديعة والعنف والتصفيات الجسدية وتدبير المكائد والمؤامرات والدسائس ضد بعضها البعض كما يحصل بين القيادات التاريخية التي تقود هذه المؤسسات السياسية المختلفة وغيرها ، والتاريخ مليء بمثل هذه الشواهد المرعبة التي تقشعر لها الأبدان .
إن الشيء الذي يهمنا التطرق إليه هنا على خلفية مقدمة هذا الموضوع الذي تم التعرض له بشيء من الأختصار ، هو إستعراض الطبيعة التكوينية للتنظيمات الحزبية والحركات السياسية التي تزرع العراق عرضاً وطولاً لغرض تسليط الضوء على الخارطة السياسية لواقع العراق الحالي وأفاق تطوره على المدى المنظور . وعليه وبناءً على هذه المنطلقات الفكرية تكون الطبيعة التكوينية لتركيبة هذه الأحزاب والحركات السياسية على النحو التالي :-
أولاً : أحزاب وحركات سياسية تكونت وتشكلت في بداياتها على أساس إلتقاء مجموعة كتل وفصائل سياسية متفقة في توجهاتها  الفكرية ورؤآها  وبالحد الأدنى من المشتركات سواءً كانت هذه المشتركات قومية أو وطنية أو غيرها من الخصوصيات وضمن إطار ما يسمى بالمصلحة الوطنية العامة أو المصلحة القومية العامة في مرحلة النضال التحرري القومي والوطني . لذلك فإن مثل هذه الأحزاب والحركات السياسية تكون أواصر الوحدة وعناصر القوة فيها ضعيفة وغير مستقرة وغير منسجمة بالمستوى المطلوب وتكون بنيتها هشة ومعرضة الى هزات سياسية في مسيرتها على المدى المنظور ، وتكون ظروفها الذاتية والموضوعية الداخلية مليئة وحُبلى بالأنفجارات الخلافية العميقة تؤدي بالنتيجة الى حصول إنشقاقات في صفوفها وعودة كل فصيل وتكتل فيها الى وضعه المنفرد . طبعاً يكون مصدر تلك الأسباب التي تبعث الى الانفصال والتفكك والانشقاق هي تعارض وتقاطع وتصادم المصالح الأنانية الشخصية أو الخاصة في تقسيم المنافع والأمتيازات المادية والمعنوية بين قيادات تلك الفصائل المكونة لمثل هذه الأحزاب والحركات السياسية ، وتزداد هذه الأسباب وتحتقن وتتوسع قاعدة إنتشارها في حالة مشاركة هذه الأحزاب والحركات السياسية في السلطة وإدارة الدولة بسبب زيادة وتوسع حجم المنافع والأمتيازات التي توفرها وتمنحها لهم إدارة الدولة وممارسة السلطة .
وعندها لا يكون بوسع ما يسمى بالمصلحة العامة مهما كانت طبيعتها من المحافظة على الوحدة الحزبية الفكرية والتنظيمية على حساب ردم هوة الخلافات والأختلافات بين القيادات التاريخية للفصائل المكونة لمثل هذه الأحزاب والحركات السياسية على المصالح والمنافع والأمتيازات الفردية . وخير مثال حي على مثل هذه النماذج من الأحزاب والحركات السياسية في العراق على سبيل المثال وليس الحصر حزب الأتحاد الوطني الكوردستاني الذي كان يقوده المرحوم مام جلال الطالباني والآن تقوده عائلته زوجته وأولاده ، وعادةً تصنف هذه الأحزاب ضمن نموذج الأحزاب الوطنية الديمقراطية واللبرالية العلمانية التوجه .
ثانياً : أحزاب وحركات سياسية تكونت وتشكلت بُنيتها الفكرية والتنظيمية على أساس الولاءات القبلية والعشائرية لقياداتها من إجل  تحقيق منافع إقتصادية ضمن إطار الأدعاء بالعمل من أجل المصلحة القومية العليا نظرياً ، ولكن عملياً وواقعياً تبقى مصلحة العشيرة والقبيلة والعائلة القائدة لها فوق كل المصالح والأعتبارات الأخرى ، أي تكون مصلحة العائلة القائدة في شخص زعيم القبيلة أوالعشيرة قرينة أو رديفة المصلحة القومية العليا ، أي بمعنى أن المصلحة القومية والوطنية والجماعة هي من مصلحة القبيلة وزعيمها . لذلك فان مثل هذه الأحزاب والحركات السياسية التي تقودها قادة وزعماء القبائل والعشائر تكون فيها هي الأخرى أواصر الوحدة وعناصر القوة ضعيفة وهزيلة وتكون بنيتها التنظيمية والفكرية هشة معرضة لهزات الخلافات والانشقاقات والتفكك ، وتتغير طبيعة هذه البنية بتغير حجم وطبيعة المصالح المتحققة لصالح القيادات القبلية والعشائرية المتنفذة والمهيمنة بل المسيطرة على القرار السياسي للحزب في قيادات مثل هذه الأحزاب والحركات السياسية إضافة الى مساعي الزعماء الأقوياء لإعتماد نظام التوريث لتولي قيادة الحزب ، وعليه عند حصول أي خلاف على المصالح والمنافع والأمتيازات بين القيادات القبلية والعشائرية المكونة لمثل هذه الأحزب والحركات السياسية يؤدي الى إعلان الأطراف التي تضررت مصالحها أو عند شعورها بذلك إنسلاخها وخروجها من الحزب وتشكيل حزب جديد خاص بها أو الأنضمام الى حزب مماثل يضمن لها مصالحها الخاصة .
وخير مثال حي وواضح على مثل هذا النموذج من الأحزاب هي الأحزاب ذات التوجه القومي والتي عادة وخصوصاً في بداية تكوينها وتشكيلها تدق على وتر تحفيز عناصر القبيلة والعشيرة والطائفة لغرض استقطاب وجذب وشد الجماهير البسيطة والساذجة حول محور التعصب القومي واستغلالها في صراعها مع الفصائل السياسية الأخرى المختلفة عنها في التوجه الفكري وخير مثال نموذجي على هذا الصنف من الأحزاب والحركات السياسية على الساحة السياسية العراقية الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحزب البعث العربي الأشتراكي والأحزاب القومية العربية التي تبنت توجهات الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر ، وغيرها من الحركات السياسية التي لم تكتمل بعد تشكيل بُنيتها الفكرية والسياسية والتنظيمية لتتحول الى أحزاب سياسية رصينة للمكونات القومية الصغيرة الأخرى لتكون قادرة على مواجهة التحديات التي تهدد وجودها القومي الطبيعي في أرض الوطن .
إن الصراعات والتصفيات الدموية والأنسلاخات التي رافقت التجارب التاريخية لهذه الأحزاب والحركات السياسية تقدم دليلاً ساطعاً وبرهاناً دامغاً على طبيعتها الفكرية والبنيوية غير المستقرة بسبب تذبذب المصالح الشخصية لقياداتها .

خوشابا سولاقا
بغداد في 22 / ت2 / 2018 م

نلتقيكم في الجزء الثاني وشكراً

22
في الدول المتخلفة ثقافياً وسياسياً واجتماعياً متى تَحِل ثقافة دولة محل ثقافة ثورة في الحُكم ؟
خوشابا سولاقا
الثورة بمفهومها الفلسفي ومنطقها الفكري ووفق كل الأعراف الفكرية والسياسية هي عملية تغيير جذري للواقع القائم الذي تتحكم فية مصالح أقلية مهيمنة ومتسلطة ليزيدها ثراءاً وتسلطاً على حساب بؤس الأكثرية المظلومة والمغلوبة على أمرها الذي يزيدها فقراً وبؤساً وشقاءاً وخضوعاً بغرض تحويله من حالة تنعدم فيها المساواة والعدالة الاجتماعية بين طبقات وشرائح المجتمع الى حالة مغايرة كلياً في معاييرها الانسانية والاجتماعية ، حالة أفضل من الحالة السائدة في تلبية حاجات وتحقيق طموحات وتطلعات الغالبية العظمى من الجماهير الشعبية المتضررة من الواقع القائم في الحياة الحرة الكريمة التي تليق بإنسانية الانسان ، وإذا حصل خلاف ذلك تكون الثورة قد فقدت مضمونها الاجتماعي ومعناها الثوري بالمعنى الصحيح ، أي بالأمكان تسميتها في هذه الحالة " باللاثورة " إن صح التعبير من النواحي الفلسفية والفكرية والسياسية والاجتماعية وحتى اللغوية ، وهذا الذي حصل في أغلب بلدان العالم المعروف بالعالم الثالث التي حكمتها أنظمة عسكرية سلطوية اغتصبت الحكم فيها عن طريق الانقلابات العسكرية الدموية في غفلة من الزمن تحت واجهات ويافطات وشعارات شوفينية قومية أو دينية أو الأثنين معاً أو بدعوات تحررية وطنية زائفة ومنافقة وأقامت من خلال ذلك  لنفسها أنظمة بثقافة دولة استبدادية فردية وديكتاتورية قمعية ظالمة استَعبدتْ عن طريقها شعوبها خير استعباد حيث كان هدفها الأول والآخير هو البقاء والأستمرار لأطول فترة ممكنة على كرسي السلطة للأنتفاع من أمتيازات السلطة لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح الشخصية والعائلية ، وسعت مثل هكذا دولة لتوريث السلطة بعد رحيل الجيل الأول من الأباء الى الجيل الثاني من الأبناء والأحفاد ، كما حدث في الكثير من الدول العربية والشرق أوسطية والأسلامية لتتحول بذلك من نظام الفرد الأستبدادي الحاكم الى النظام الثيوقراطي - الأبوي القريب جداً مما كان سائداً في النظام الأقطاعي الملكي
 ، وهذا الشيء ذاته أو ما هو قريب منه حدث في بلدان العالم الثاني أو ما كان يُعرف بالعالم الأشتراكي في أوروبا الشرقية والأتحاد السوفييتي وخارجها عندما تحولت قيادات أحزابها الثورية بعد وصولها الى السلطة بعد الثورة البلشفية في روسيا ودول المعسكر الأشتراكي بعد الحرب العالمية الثانية من قادة ثوريين الى ملوك وقياصرة من غير تتويج رسمي وأسست لنفسها امبراطوريات بأنظمة ثقافة دولة استبدادية وديكتاتورية قمعية مقيتة ساد فيها الفساد المالي والأداري وسرقة المال العام والأثراء الفاحش للنخب السياسية الحزبية الحاكمة على حساب إفقار وبؤس وشقاء واستعباد الطبقات الفقيرة من الشعب مقابل تأمين لها الحياة البسيطة بأبسط شروطها الانسانية ، حيث ظهرت حقيقة هذا الواقع واضحة للعيان بعد الانهيار الدراماتيكي لهذه الأنظمة الفاشلة في وقت قصير في نهايات القرن الماضي ببروز طبقة ثرية رأسمالية ضخمة ولدت من رحم الطبقة الحاكمة في السابق التي تعاطت الفساد ، طبقة فاحشة الثراء تنافس في حجم رأسمالها وتأثيرها أثرى أثرياء العالم وقد وضح حجم وتأثير الفساد الذي كان مستشرياً في النظام السوفييتي السابق ميخائيل غورباشوف آخر رئيس للأتحاد السوفييتي في كتابه الموسوم " البيروسترويكا " كنموذج  صارخ .
هذه الأنظمة  التي أنتجتها القيادات العسكرية الأنقلابية في معظم دول العالم الثالث والقيادات الحزبية الثورية في جميع الدول الأشتراكية في العالم الثاني أنتجت سلطة دولة استبدادية ديكتاتورية قمعية ظالمة وليس دولة المؤسسات الدستورية يحكمها القانون المدني ذي النهج الديمقراطي ، أي أنها أنتجت دولة سلطوية أي بمعني أنتجت دويلات داخل الدولة السلطوية كما باتت تسمى اليوم " بالدولة العميقة " ، المولود الشرعي لظاهرة الفساد لفرض واستمرار سطوة واستبداد وهيمنة الحاكم بأمره باستعمال كل وسائل القوة القسرية المتاحة من خلال الأجهزة الأمنية والعسكرية والمخابراتية لمصادرة إرادة الشعب واخضاعه لأرادته ولحماية واستمرار حكمه السلطوي وبالتالي حماية مصالحه الحزبية والشخصية وليس بناء دولة مؤسسات دستورية يحكمها القانون حيث يكون لكل مؤسسة من مؤسساتها ولكل سلطة من سلطاتها قانونها الخاص بها يحدد مهامها وواجباتها وصلاحياتها وحقوقها تحت سقف الدستور الذي يشكل المرجعية القانونية الوحيدة للفصل بين السلطات كما هو الحال في الدول الديمقراطية الحديثة التي أمّنَتْ وتُؤمن الحياة الحرة الكريمة لشعوبها بأقصى ما يمكن في كل مناحي الحياة بحسب مواردها المالية المتاحة .
هذا يعني أن الثورة أي ثورة حقيقية بعد أن تنجز التغيير المطلوب في طبيعة النظام القائم بالأساليب الثورية ووضع أسس النظام الجديد سياقات عمله ، على قادتها أن تبدأ بالأنسحاب التدريجي من ساحة السلطة بوضع الأسس الكفيلة لبناء دولة المؤسسات الدستورية المدنية الديمقراطية وترسيخها تدريجياً للعبور من مرحلة ثقافة الثورة الى مرحلة ثقافة الدولة وليس العكس أي تحويل ثقافة الثورة الى ثقافة ديكتاتورية الدولة السلطوية من خلال الأجهزة الأمنية والمخابراتية لأستعباد الشعب ومصادرة إرادته وكبح صوته وخنق حرياته .
الدولــــة
بمفهومها الشامل والمتعارف عليه بل والمجمع عليه من قبل فقهاء الفكر والقانون والسياسة وعلم الاجتماع في أرقى أنظمة الحكم في أكثر دول العالم المتحضر تقدماً وديمقراطيةً هي مؤسسة خدمية تسعى الى تقديم أفضل الخدمات المختلفة للشعب وبأقصى قدر ممكن من المساواة لتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع على أساس الهوية الوطنية من دون التمييز بين مواطني الشعب على أساس الأنتماءآت والخصوصيات الفرعية بكل تنوعاتها ، وعلى أن يتم ذلك في الأطار العام للدستور الوطني للبلاد وفق قوانين تُشرع لتصميم الهيكل التنظيمي لها من حيث توزيع السلطات الرئيسية ، ومن ثم سن أو تشريع قوانين خاصة لتفصيل هيكلية كل سلطة من السلطات الرئيسية التشريعية والتنفيذية والقضائية والهيئات المستقلة وتحديد مهامها وواجباتها وصلاحياتها التنفيذية والقانونية وحقوق منتسبيها لضمان التوازن بين مكونات الشعب بمختلف انتماءآتهم وفق معايير الكفاءة والنزاهة والأخلاص والأمانة الوظيفية والولاء الوطني في مختلف مناحي الحياة بدأً بالتربية والتعليم والضمان الأجتماعي والصحة والخدمات البلدية كافة كالماء الصالح لاستعمالات الانسان والكهرباء ونظام الصرف الصحي وحماية البيئة الوطنية من التلوث ومكافحة الفساد في مؤسساتها بكل أشكاله وملاحقة الجريمة بلا هوادة وتأمين الأمن والأمان للمجتمع وصيانة وحماية سيادة استقلال البلاد من خلال تأسيس أجهزة أمنية وعسكرية مخلصة وحرفية وفائها للوطن فقط وضمان حرية الرأي والنشر والصحافة ووسائل الأعلام ومواقع التواصل الاجتماعي الحديثة وضمان مع تقنين حرية نشاطات مؤسسات المجتمع المدني وفق القانون الذي يحدد مصادر وطبيعة تمويل نشاطاتها وذلك لحماية أمن البلاد من الأختراق من قبل جهات مخابراتية أجنبية تعمل تحت واجهات منظمات خيرية وإنسانية التي تسعى على استغلال تلك المؤسسات في الحصول على ما تبتغيه من معلومات لها مساس بالأمن الوطني .
أي أن الدولة في نهاية المطاف لتكون دولة بكل معنى الكلمة يجب أن تكون قاضي العدل الذي يحكم بالعدل وفق مبدأ الثواب والعِقاب وهذا ما يجعل الدولة مؤسسة ذي كيان وشخصية معنوية راسخة قائمة بذاتها لا تتغير بتغيير الأشخاص القائمين على  إدارتها .
في ضوء ما تم عرضه حول المفهوم الفلسفي والفكري والقانوني لكلٍ من الثورة والدولة ومقاربتهما مع وضع العراق الحالي سوف نجد أن الدولة بمعناها المذكور غائبة عن الوجود بسبب تسييس كل شيء في الحياة السياسية العراقية وفي المقدمة منها تسييس القضاء عملياً بامتياز ، وهذه الظاهرة الخطيرة أفضت بالضرورة الى غياب سلطة القانون وبالتالي غياب الدولة الراشدة صاحبة الصوت الأعلى في العراق وسيادة ثقافة الثورة الذي يعتمد أصلاً على القوة المسلحة التي تمتلكها الأحزاب السياسية المتنفذة والمهيمنة على القرار العراقي المتمثلة في الفصائل المسلحة بعناوينها المختلفة نيابة عن سيادة ثقافة الدولة ، وأن العراق في ظل هذا الواقع بات أسيراً لقواعد وضوابط منطق وثقافة الثورة يتم إدارته وفق هذا المنطق وليس وفق منطق وثقافة الدولة .

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد في 7 / ث2 / 2018 م


23
أسباب سقوط وانهيار الأمم
خوشــابا ســولاقا
أثبتت الدراسات التاريخية التي أجرتها مراكز البحوث والدراسات العالمية المختصة في العالم أن التاريخ الإنساني شاهد ظهور أمم وتصاعدها وبلوغها قِمم المجد والعظمة في كل المجالات الحضارية والعلمية والعسكرية وغيرها ، ومن ثم بدأ نجمها بالأفول ومسيرتها بدأت تتراجع وتتداعى شيئاً فشياً الى أن وصل بها الأمر الى حالة الأنهيار الحضاري والأخلاقي والسياسي ثم السقوط في الهاوية في نهاية الأمر على يد أضعف أعدائها وخصومها من الأمم الأخرى .
هنا لا نريد أن نأتي بأمثلة عينية محددة ، ولكن بامكان القارئ الكريم أن يستعرض تاريخ الحضارات القديمة في العراق منذ عهد سومر والى اليوم ومصر واليونان والهند والصين وحضارات شعب المايا في أميريكا وحضارات أمم في أوروبا وغيرها من الأمم العريقة بتاريخها القديم ومن ثم يتأمل من خلال ذلك ما هي أسباب سقوط تلك الأمم وانهيارها ثم اندثار قسم منها ؟؟ ، وعندها سوف يكتشف وبقناعاته التحليلية أن هناك مشتركات أساسية ذاتها بين الأسباب التي أدت الى سقوط وانهيار واندثار تلك الأمم التي كانت حضاراتها قد وصلت الى قِمة المجد والتطور والرقي في زمانها ، ثم نرى أن بفعل تلك الأسباب المشتركة التي ساهمت في سقوط الأمم وانهيارها واندثارها ووصولها الى الحضيض بالرغم من اختلاف الثقافات والتقاليد القومية والبعد الجغرافي فيما بينها أن هناك علاقة جدلية تؤدي الى ذات النتائج .
وبالمقابل ظهرت وتصاعدت أمم أخرى لم يكن لها شأناً في السابق ، وما زالت سُنة هذه العملية التاريخية التراكمية سائرة في مسارها الطبيعي في صعود أمم الى قِمم المجد والعظمة وسقوط وانهيار واندثار أمم أخرى الى مزبلة التاريخ بالتوالي . 
لقد حصل اجماع الأراء والرؤى أو شبه إجماع على الأقل بين الباحثين والدارسين على أن الأسباب الرئيسية لسقوط وانهيار واندثار الأمم ، والتي هي في حقيقتها وجذورها التاريخية أسباب ذاتية داخلية توارثت من جيل الى جيل وتراكمت وتضخمت الى أن باتت أسباب مدمرة وقاتلة ، وأن مؤشرات وملامح سقوط وانهيار واندثار الأمم يبدأ من خلال بروز الظواهر التالية :-   
أولاً : شيوع فساد القضاء والتربية والتعليم .
ثانياً : شيوع خيانة الأمانة الوظيفية الوطنية المسؤولة
ثالثاً : شيوع تعاطي النفاق والتملق والرياء السياسي بين مثقفي الأمم
.
أولاً : بالنسبة الى شيوع فساد القضاء يعني غياب القانون وضعف السلطته الرادعة للجريمة والتجاوزات بكل أشكالها ، وغياب القانون يعني غياب الدولة وموتها ونهايتها كما قال إبن خلدون " فساد القضاء يفضي الى نهاية الدولة " ... إذن في ظل شيوع فساد القضاء يعني انتشار الجريمة بكل أشكالها ، وغياب الأمن والآمان والسلم الاجتماعي ، وسيادة قانون شريعة الغاب الذي في ظله القوي يأكل الضعيف والثري يشتري ذمم الفقراء ويسخرهم لخدمة مصالحه الشخصية ، ويتحول المجتمع الى ساحة لصراع الأرادات الخبيثة والبقاء حتماً سيكون للأقوى والأخبث والأكثر شراً ونفاقاً ورياءً ، هكذا تكون الصورة النهائية المأساوية للمجتمع في ظل شيوع فساد القضاء حيث يسود مبدأ الميكيافيللي الشرير " الغاية تُبرر الوسيلة " .
أما الكارثة الكبرى ستحل بالأمم والشعوب عندما يفسد نظام التربية والتعليم باعتماد معايير متخلفة مبنية على أسس المحسوبية والمنسوبية والخصوصيات الفرعية في القبول في الجامعات والتعيين في الوظائف ومنح الفرص ، هذا الأسلوب ينتج أجيال فاسدة وفاشلة تكون سبباً لشيوع كل أشكال الجريمة الأجتماعية وبالتالي فإن شيوع هذه الظاهرة تؤدي الى انهيار النظام الأخلاقي ونظام القيم الوطنية والأخلاص في العمل وتدني مستوى التعليم والكفاءة في الأداء وهذا ما نشهده اليوم بموجب نظام المحاصصة السيء الصيت في عراقنا .
ثانياً : أما بالنسبة الى شيوع خيانة الأمانة الوظيفية الوطنية المسؤولة بكل أشكالها في ظل غياب دولة قوية لها سطوتها التي تستمدها من قوة القانون وتفرض احترامها وهيبتها على الجميع بغض النظر عن الموقع الأجتماعي للفرد ومستوى مسؤوليته في مؤسسات الدولة يعني تفكك آواصر قوة الدولة والقانون وتماسكها مؤسساتياً ومهنياً ، وتعتبر خيانة الأمانة الوظيفية للمسؤول شرخاً كبيراً يؤدي الى خراب وانهيار بُنية الدولة ومن هنا تبدأ بداية النهاية للدولة المؤسساتية التي يستوجب أن يحكمها القانون . 
في تقديري أن أسوء أشكال الفساد هو خيانة الأمانة الوظيفية للموقع المسؤول واستغلاله للمصلحة الشخصية للمسؤول ، وهذا يعني فتح الباب أمام شيوع الفساد وانتشاره في الحلقات الأدنى منه باعتبار أن فساد المسؤول الأعلى يشجع الأدنى لممارسة وتعاطي الفساد وكما يقول المثل العسكرى " الوحدة العسكرية بقائدها " ، إن خيانة الأمانة الوظيفية الوطنية المسؤولة يجب أن تردع بأقصى وأقسى المحاسبات القانونية لتصبح درساً بليغاً لمن يُعتبر ويرعوي .
ثالثاً : أما بالنسبة الى شيوع تعاطي النفاق والتملق والرياء السياسي بين مثقفي الأمم من خلال وسائل الأعلام فإن هذا العامل يُعتبر من أكثر العوامل خطراً يؤدي الى سقوط واندثار الأمم في مرحلة ما عندما يستفحل هذا الفعل ويتحول الى مهنة تحترف تحت واجهات مختلفة الألوان ، لأن هؤلاء في الحقيقة هم من يصنعون خائني الأمانة والفاسدين وسراق المال العام من خير وجه حق ، وهم من يفسدون القضاء بأقلامهم وكلامهم ونفاقهم وريائهم النزق غير المسؤول المنطلق من خلفيات المصلحة الشخصية أو من خلفيات عنصرية قومية أو دينية أو مذهبية أو حزبية أو أية خصوصيات اخرى يشترك بها مع المسؤول الفاسد من دون مراعاة للأعتبارات الوطنية والأخلاقية ، لأن الفساد هو فساد لا ترجمة أخرى له ولا دين ولا قومية ولا مذهب له مهما كانت طبيعته وحجمه وشكله وآليات ممارسته في أجهزة الدولة والمؤسسات السياسية والأجتماعية والدينية وفي مقدمتها منظمات المجتمع المدني الممولة مالياً من قبل جهات مجهولة الهوية لربما مخابراتية بواجهات خيرية إنسانية  ... وهنا نستطيع القول أن " ثالثاً " هو من ينتج " ثانياً + أولاً " ، وعليه ولغرض القضاء على أسباب سقوط وانهيار واندثار الأمم علينا بالقضاء على النفاق والتملق والرياء السياسي والمتعاطين معها وذلك بالتصدي لها بنشر الثقافة المناقضة لثقافة النفاق والتملق والرياء السياسي التي تبرر وتبرئ الفاسد والفساد والخائن وخيانة الأمانة الوظيفية الوطنية المسؤولة لكي يتم من خلال ذلك حماية وصيانة الأمانة الوظيفية الوطنية المسؤولة في مؤسسات الدولة من استغلالها لصالح المسؤول ، وبالتالي حماية وصيانة القضاء من الفساد لأعادة قوة سلطة القانون الى مؤسسات الدولة وفرض هيمنتها واحترامها على أفراد المجتمع من دون النظر الى الموقع والمكانة الاجتماعية والموقع المسؤول للفرد وفقاً لمبدأ ليس هناك من هو فوق القانون وانما الجميع متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات مهما أختلفت مواقهم المسؤولة وموقهم الاجتماعي .
هذه الشريحة الاجتماعية الرثة ، شريحة المنافقين والمتملقين والمرائين والأنتهازيين من وعاظ السلاطين ومحامي الشيطان من المثقفين تحديداً هي من أكثر الشرائح الاجتماعية خطراً على إفساد السلطة وتنشأة الديكتاتوريات السياسية ، حيث تحول الجاهل الساذج بالتطبيل والتزمير لأخطائه الى سلطان جائر متغطرس لا يفلت وطني شريفٍ من جوره وظلمه وشره ... المثقفون المنافقون المتملقون والمراؤون هم صناع الطغاة الديكتاتوريون المجرمون لأنهم هم من يؤسسون لثقافة تمجيد وعبادة الفرد المسؤول وتأليهه ويحولون الأحمق الى جبار متغطرس لا يرى الآخرين أكثر من مجرد حشرات وضيعة وحقيرة تحت أقدامه ليدوس عليها من دون رحمة ورأفة .
مع الأسف الشديد هذا هو ما يجري الآن بحذافيره في العراق ، يجري بخطى حثيثة من قبل الكتاب المثقفين المنافقين والمتملقين والمرائين من وعاظ السلاطين ومحامي الشيطان في عملية اعلامية جبارة لصنع الفاسدين وسراق المال العام ومرتكبي الجريمة المنظمة وغسيل الأموال وتهريبها الى خارج الوطن .
صحيح قد أصبح الفساد هو السِمة الغالبة في مؤسسات شبه الدولة العراقية الحالية ، إلا أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال خلو تلك المؤسسات من الشرفاء الوطنيين المخلصين الأحرار من الذين يعملون ويواصلون الليل بالنهار من دون كلل وملل في مواقهم بجد واخلاص لملاحقة وكشف الفاسدين وأساليبهم الشيطانية الذين يحاولون سَتر عورتهم التي باتت مكشوفة بورقة التوت المتهرئة .
الفاسد يكون سارقاً حتماً بالنتيجة ، ولكن ليس بالضرورة أن يكون كل سارق فاسداً في نظر القانون ، إن أشنع أنواع الفساد الذي يشكل جريمة جنائية ترتقي الى مستوى جريمة الخيانة العظمى هو خيانة الأمانة الوظيفية المسؤولة واستغلالها لأغراض منفعية شخصية ( استغلال الموقع المسؤول للأنتفاع الشخصي ) لأنه ليس مضطراً عليها ، وهذه هي عِلة المسؤول الكبير في العراق ، بينما السارق الذي يسرق بدافع العوز والجوع والحاجة الملحة من أموال الدولة أو من ممتلكات الآخرين لا تشكل سرقته هذه جريمة جنائية يحاسب عليها القانون بحسب وجهة نظرنا الشخصية لأنه مضطراً عليها على العكس من المسؤول الكبير ... ليعرف الجميع أن الدولة تُمهل ولا تُهمل مهما طال الزمن ، وإن الجرائم الجنائية لا تسقط لا بالتقادم ولا حتى بالوفاة ... إن يوم الحساب لقريبٌ وقادمٌ سوف ياتي لا محال عاجلاً أم آجلاً .
خوشابا  سولاقا
بغداد في 1 / ت2 / 2018
 

24
      الشراكة الإيمانية مع روما وضرورة وحدة كنيسة المشرق
خوشابا سولاقا
في ظل الظروف الصعبة والمأساوية المعقدة والمزدوجة في طبيعتها التي تمر بها أمتنا من الكلدان والسريان والآشوريين من جهة ، وكنيستنا كنيسة المشرق بكل فروعها ومسمياتها الحالية  في كل من العراق وبلاد الشام وفي العالم ، وفي ظل تصريحات قداسة أبينا البطريرك مار لويس ساكو الأول في 23 / حزيران / 2015 م من جهة أخرى ، بات موضوع تحقيق الوحدة الكنسية بين كنائسنا ذات الجذور المشرقية ضرورة موضوعية عقائدية مسيحانية وقومية ووطنية وانسانية ملحة للغاية بغرض تحقيق وتثبيت خصوصية هويتنا ووجودنا القومي والكنسي  العقائدي المسيحاني في أرض أبائنا وأجدادنا التاريخية لا تحتمل التأجيل لأي سبب من الأسباب  لأن تأجيلها تكون نتائجه في أحسن الأحوال هي المساهمة في تسريع وتهيئة الظروف والأسباب لزوال وانقراض وجودنا القومي التاريخي من جهة ، وضياع واختفاء الأرث الحضاري والتراث الروحاني لكنيسة المشرق العظيمة  مهد المسيحية في الشرق وانقراضه في موطن الأباء والأجداد منذ عام 48 م من جهة ثانية ،  وحتى  تشتته على أقل تقدير في المهاجر مع تشتت أبنائها بعد حين ، ثم ينتهي  ويزول من الوجود الى غير رجعة بنهاية الأجيال المهاجرة من أرض الوطن ، لأن مصير الأجيال القادمة من الأبناء والأحفاد في تلك المهاجر يكون الأندماج والأنصهار الكامل في بوتقة مجتمعات المهاجر الغريبة ، وإن بوادر وملامح وأفاق هذه الظاهرة المؤلمة والمحزنة والخطيرة باتت ظاهرة للعيان وجلية على أرض الواقع ، وكل أب وأم يعيشون في المهاجر صاروا يعايشون هذه الظاهرة بألم مع أبنائهم وأحفادهم اليوم ، عليه فإن إنجاز مشروع الوحدة بين كنائسنا المشرقية الجذور ولو بأبسط صيغها صارت ينظر إليها بمثابة قارب النجاة لأنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا هذه الأمة المحطمة والمشردة قومياً وهذه الكنيسة الممزقة مذهبياً من الزوال والأنقراض والسقوط في هاوية النهاية من خلال التشبث بكل الوسائل الممكنة للبقاء في أرضنا التاريخية ، وربما ستشكل الوحدة الكنسية حافزاً قوياً لأستمرار هذا البقاء الذي قد يمد جذوره عميقاً في الأرض لينبت وينبعث ليثمر خيراً وبهاءً لهذه الأمة ولهذه الكنيسة من جديد ، وليدوم ظل هذه الشجرة الفردوسية الوارفة في أرض " بيث نهرين " الطاهرة خالداً خلود بابل وآشور ونينوى وأور وكل صروحنا التي تحدت عوارض الزمن لألاف السنين .   
وقبل الخوض في تفاصيل العلاقة بين " الشراكة الإيمانية المسيحانية " ووحدة كنيسة المشرق لا بد من المرور على شريط الذاكرة التاريخية للتذكير ببعض الثوابت العقائدية المسيحانية البديهية لكي لا يتيه القارئ الكريم بين تلافيف البدع التضليلية للأجتهادات اللاهوتية المفتعلة التي لا تمت بصلة الى جوهر العقيدة المسيحية الروحانية من قبل بعض القائمين على إدارة الكنيسة لغرض في نفوسهم المريضة لتحقيق مأربهم الشخصية الأنانية على خلفيات سياسية تاريخية ، كالأجتهادات اللاهوتية حول الأقانيم الثلاثة وعلاقاتها ببعضها البعض ، والأجتهادات حول طبيعة السيد المسيح بين أن يكون له طبيعة واحدة وهي طبيعة إلاهية أي أنه إله كامل وهو الله الأب ، وهنا نتسآءل هل يجوز للمخلوق مريم أن تولد الخالق الله الأب ؟؟ وبين أن يكون له طبيعتان طبيعة إلاهية وطبيعة إنسانية وبالتالي انعكست هذه الخلافات حول طبيعة السيد المسيح الى خلافات حول تسمية أمه العذراء مريم المقدسة بين أن تسمى " مريم أم الله " كما عند الكاثوليك عموماً وبين أن تسمى " مريم أم المسيح " كما عند كنيسة المشرق بشطريها وربما آخرين ، هذه الأجتهادات السقيمة والعقيمة المبتذلة الى حدِ ما وغيرها هي التي أدت الى تمزق وانشقاق كنيسة السيد المسيح له المجد كلها وليس في كنيسة المشرق لوحدها ، والمسيحيون جميعاً وفي جميع أرجاء العالم المعمورة حيثما وجدوا من الصين شرقاً الى سواحل قارتي الأميريكيتين على محيط الباسيفيك ( المحيط الهادئ ) غرباً ، ومن شواطئ السويد والنرويج وفنلنده وروسيا عند القطب الشمالي شمالاً الى رأس الرجاء الصالح في قارة أفريقيا وشيلى في أقصى جنوب أميريكا اللاتينية جنوباً ، كلهم يؤمنون  بالثالوث المقدس " الأب والأبن والروح القدس " وتبدء صلواتهم ودعواتهم بترديده ورسم علامة الصليب على صدورهم ، ويقرأون نفس الأناجيل الأربعة متى ومرقس ولوقا ويوحنا ويؤمنون بما فيها من كلام الرب يسوع المسيح ويعترفون بنفس التلاميذ الحوارين الأثني عشرة والتلاميذ الأثنين والسبعين الحاملين لروح القدس للتبشير بكلام الرب في كل جهات الأرض ، وقِبلة المصلين من جميع الكنائس تتوجه نحو الشرق والجميع لها نفس الصيغة الأيمانية بوحدانية الله ، وكلهم يؤمنون بوحدانية الأقانيم الثلاثة في وحدة الأب ، ولهم نفس الايمان بحياة الآخرة والجنة والنار ، والجميع يؤمنون ويقرون  بأن الحواري مار بطرس الرسول هو من قال له السيد المسيح " أنت الصخرة التي عليها أبني كنيستي وكل ما تعقده في الأرض معقوداً في السماء ، وكل ما تَحِلهُ في الأرض محلولاً في السماء " وهذا لا يعني اطلاقاً أن الجالس على الكرسي الرسولي لبطرس في روما أن يحكم كما كان يحكم يوليوس قيصر في زمانه !!! بل عليه أن يكون كما كان الرسول مار بطرس نفسه وليس سواه ، وهذا ما لم تفعله الباباوات خلفاء بطرس الرسول الذين توالوا الجلوس على كرسي روما من بعده مع الأسف الشديد لذلك لم يتمكنوا من المحافظة على أمانة الرب يسوع المسيح في المحافظة على وحدة كنيسته التي أسسها مار بطرس الرسول صخرة السيد المسيح له المجد ، كما والجميع يؤمنون بموت المسيح على الصليب وقيامه من بين الأموات في اليوم الثالث ومن ثم صعوده الى السماء في يوم الصعود بعد أربعين يوماً من القيامة ، وهنا أيضاً السؤآل يفرض نفسه فإن كان السيد المسيح هو الله وهو مات على الصليب .... هل يجوز أن يموت الله ؟؟؟ ، اي بمعنى أن جميع الكنائس في العالم تؤمن بالثوابت العقائدية المسيحية مئة في المئة ، فأين هو إذن الأختلاف في الجانب الروحاني الأيماني المسيحاني لكي نضعه شرطاً للشراكة الايمانية مع كنيسة روما لتحقيق الوحدة مع كنيسة المشرق ؟؟ ، إن الشراكة الايمانية متحققة أصلاً بين المؤمنين بالمسيح كافة من لحظة نطقهم بأسم الأب والأبن والروح القدس ورسم علامة الصليب على صدورهم لتلاوة الصلوات وتناول القربان المقدس ، ومنذ قبولهم للعماذ المسيحي . ما المطلوب أكثر من ذلك فعله من قبل أي مؤمن مسيحي لتكتمل شراكته الأيمانية مع أخيه المسيحي في كنيسة روما ؟؟ .
كل الكنائس الرسولية هي كنائس جامعة أي بمعنى كاثوليكية ، هل من الضروري أن يكون المسيحي في المشرق أو غيرها تابعاً ومطيعاً لإرادة وسيطرة وسطوة أسقف كنيسة الفاتيكان في روما مؤسساتياً وادارياً لكي تكتمل شراكته الأيمانية مع اخيه المسيحي الآخر ؟؟ ، إن هذا الفرض والذي هو من وضع وصنع البشر هو شكل من أشكال العبودية والأستعمار والنظام العبودي المناقض لجوهر العقيدة المسيحية السمحاء ، وإن هذا النهج لا يختلف قطعاً عن ما كان معتمداً وسائداً في نظام روما الوثني القديم قبل تحولها الى المسيحية على يد قسطنطين الأكبر سنة 324 م ، المسيحية بكل مضامينها ومفاهيمها تعني تحرير ذات الانسان من كل أشكال الظلم والعبودية والقهر الطبقي والعرقي والجنسي وأي شكل من أشكال التمييز التي تسلب حريته وإرادته وتجرده من انسانيته .
لذلك نجد أن الشراكة الايمانية بين المسيحيين المعمذين باسم الأب والأبن والروح القدس كاملة غير منقوصة لا تحتاج الى أية إضافات بشرية جديدة تكرس مضامين ومفاهيم العبودية الوثنية لروما القديمة بالخضوع لارادة أي طرف كان مهما تكون تسميته ، وإن المسحيين بعد نيل العماذ المسيحي يصبحون أخوان متساوون في الحقوق والواجبات على الأرض ، وفي يوم الدينونة عندما تحين ساعة الحساب عندها يقف المسيحي كائن من يكون بين يدي الرب الديان ، وسوف لا يشفع له ولا يفيده شيئاً غير أعماله بحسناتها وسيئآتها على الأرض في هذه الحياة .
إن تمزق وانشقاق كنيسة السيد المسيح له المجد لم يأتي بسبب اختلاف المسيحيين في عقائدهم الدينية ليختلفون في شراكتهم الايمانية كما يروج لها من قبل من يريدون  الاستمرار في فرض سيطرتهم الدنيوية المطلقة على غيرهم لسلب حريتهم وقمع ارادتهم ومصادرة حقوقهم واستقلالهم الاداري والمؤسساتي لأدارة شؤونهم الكنسية في أوطانهم بشكل مستقل ، بل أن التمزق والأنشقاق كان نتيجة لاختلافاتهم في الشراكة المؤسساتية لأدارة شؤونهم الكنسية بسبب مساعي الكنيسة الرومانية المستميتة لفرض سطوتها وسيطرتها الأستبدادية على الكنائس الوطنية الأخرى في باقي البلدان وإخضاعها المطلق لأرادة الكرسي الرسولي الروماني ، حيث بسبب هذه السياسة التسلطية الهوجاء المعتمدة من قبل روما والتي هي نتاج تفكير واجتهاد البشر من القائمين على هذه الكنيسة لأخضاع الآخرين لأرادة الجنس اللاتيني الروماني منذ القرون الأولى للمسيحية أدت الى تمزق وتشظي كنيسة السيد المسيح  له المجد بدءً بالكنيسة الأورثوذكسية والبروتستانتية وكنيسة المشرق والأنكليكانية الأنكليزية والمورمونية وغيرها من الكنائس وآخرها الكنيسة الأنجيلية  والحبل على الجرار ، وروما ما زالت تستميت في احتكار السلطة المؤسساتية الأدارية في الكنيسة الكاثوليكية وتجريد شركائها في الأيمان منها .
عليه نقول إن العائق الوحيد الذي الذي سوف يقف حائلاً أمام تحقيق الوحدة بين كنائسنا المشرقية بمختلف تسمياتها سوف يكون " الشراكة المؤسساتية الأدارية " التي تسعى كنيسة روما انتزاعها من الكنائس الأخرى تحت ستار " الشراكة الأيمانية " كما فعلت مع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية الحالية التي في الحقيقة لا تمت بصلة الى الشراكة الأيمانية ، لأن الشراكة الأيمانية شيء والشراكة المؤسساتية شيء آخر مختلف تماماً .
ولغرض أن تتطور الكنائس كل الكنائس ذات الهوية القومية الوطنية المشتركة والتي لها شراكة إيمانية مع روما ، يجب أن يكون لها استقلالية مؤسساتية ادارية قائمة بذاتها لأدارة شؤون كنائسها بشكل مستقل بما يلائم واقعها الاجتماعي الوطني أو القومي ، وهذا لا يتعارض ولا يتقاطع مع وجود شراكة ايمانية مسيحانية أممية تتجاوز حدود الأنتماءات القومية للأمم والحدود الجغرافية للأوطان والبلدان مع روما كمركز لكرسي بطرس الرسول .
نتمنى أن تكون رؤية وتفسير أبينا قداسة البطريرك مار لويس ساكو الأول في مبادرته المؤرخة في 23 / حزيران / 2015 م للفقرة الخاصة " بالشراكة الأيمانية مع روما " على هذا النحو الذي وضحناه في هذا المقال وليس سواهُ لتبقى كل الأبواب مُشَرّعة أمام انجاز مشروع الوحدة بين كنائس المشرق بكل تسمياتها الحالية ، وأن يكون قداسته قد استلم الضوء الأخضر بالموافقة على هذه المبادرة الكريمة من روما لأن من دون ذلك سوف لا تعدو العملية برمتها أكثر من مجرد زوبعة في فنجان وجعجعة بلا طحين والدوران في حلقة مفرغة مثل سابقاتها ويخرج الجميع من المولد بلا حمص .
كما ونتمنى أن تكون كنيسة روما في عهد قداسة البابا فرنسيس الحالي  قد تخلت عن نهجها في  فرض سلطتها المطلقة على من يشاركها في الشراكة الأيمانية من الكنائس الأخرى ، وأن تعتق شركائها في الأيمان من قيود التبعية والخضوع المطلق لسلطتها ، وأن تعيد النظر جملة وتفصيلاً بكل سياساتها الحالية تجاه الآخرين من الكنائس المختلفة معها في الماضي ، وصياغة سياسة جديدة أكثر عقلانية وموضوعية وواقعية تراعي فيها مصلحة واستقلالية الشركاء في الايمان وأن تتماشى مع طبيعة الحياة العصرية القائمة على مبدأ التحرر والأستقلال في تقرير المصير ، وأن تستوعب بروح مسيحية خالصة كل مستجدات ومتغيرات ومستوجبات العصر والتحديات الكبيرة التي تواجة المسيحية والكنيسة في العالم بشكل عام ومستقبلهما في الشرق الأوسط بشكل خاص  .
لأن الأستمرار في هذه السياسة القديمة – الجديدة ذات النهج التسلطي والأحتكاري للسلطة المؤسساتية الأدارية سوف تقود المسيحية والكنيسة الى مصير مجهول لا تُحمد عقباه على مدى الخمسين سنة القادمة .
ولكي تتجسد وحدة الكل في وحدة المسيح كما أرادها الرب ، على كنيسة روما كأكبر الكنائس المسيحية بعدد أتباعها في العالم أن تفعل ذلك لأنها الأقدر من غيرها على فعله ، ومن يسعى هذا المسعى هو من يكون كبير الكل وخادم الكل كما فعل السيد المسيح في حضرة العشاء الرباني لتلاميذه عندما أقدم على غسل أرجلهم وضرب بذلك مثلاً رائعاً في التواضع بين البشر ليكون كبيرهم خادمهم .

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد – 24 / ت1 / 2018

 

25
الديمقراطية وظاهرة عبادة الفرد في العمل
السياسي وأين أحزاب أمتنا منها ... ؟؟
خوشابا سولاقا
إن عملية كيل وإغداق المديح والتبجيل من باب النفاق والرياء لفرد ما على نحو مبالغ فيه ووصفه بصفات تعلو فوق قدرة الأنسان الفرد والاقتراب به من مرتبة التقديس والتأليه المزيف ووصفه بمميزات خارقة ونعته بصفات لا تليق بقدراته وإمكانياته الفعلية ولا تنسجم مع سلوكه الحقيقي في تعاطيه مع الحياة ، إن هذا السلوك المنحرف والمنافق من قبل المحيطين والمقربين من رأس الهرم في العمل السياسي يؤدي بالنتيجة الى نشوء ظاهرة تقديس وعبادة الفرد في العمل السياسي وتشكل نقطة البداية لظهور وسيادة ديكتاتورية الفرد القائد .
هذه الظاهرة تتعارض مع الايديولوجية الديمقراطية كفكر وكمنهج وكممارسة عملية في العمل السياسي ، الديمقراطية التي تنادي بسيادة سلطة المجموع وليس سلطة الفرد وتؤمن بأنه يستحيل على الفرد مهما بلغ من القدرة والفطنة والذكاء الخارق وبعد النظر لن يكون الفرد مهما بلغ من شأن هو لوحده القوة المحركة للتقدم والتطور الأجتماعي ، فتطور التاريخ يكشف بوضوح وجلاء أن الفرد مهما يكون عظيماً وخارق الذكاء والقدرة يعجز عن تحديد مجرى تطور التاريخ والمجتمع ، وإن الشعب وحده بكامل شرائحه وطبقاته هو الذي يحرك ويصنع التاريخ وهذه هي سنة الحياة الطبيعية للتطور والتحول المتسلسل للحياة من الأدنى الى الأعلى في مسار هلزوني ، وهو الذي يرسم أفاق المستقبل ويحدد مسار تطور التاريخ البشري . إن الديمقراطية بطبيعتها تتعارض وتتقاطع فكراً ومنهجاً وسلوكاً وبشكل صارخ مع ظاهرة عبادة الفرد وتأليهه في العمل السياسي ، إلا أن التجارب البشرية عرفت هذه الظاهرة خلال سنوات طويلة من حكم الشعوب قديماً وحديثاً ، وخير مثال عليها في التاريخ الحديث فترة الحكم النازي الهيتلري في ألمانيا وحكم موسوليني الفاشي في إيطاليا والحكم الفاشي الديكتاتوري لفرانكو وسلزار في كل من اسبانيا والبرتغال وحكم ستالين ومن تلوه في الأتحاد السوفييتي السابق وبقية البلدان الشيوعية في أوربا الشرقية وكوبا والصين كانت خير دليل على إنتشار وسيادة ظاهرة عبادة الفرد في العمل السياسي .
هناك نماذج مماثلة في الشرق العربي الإسلامي والعالم الثالث أمثال جمال عبدالناصر في مصر وحافظ الأسد في سوريا والقذافي في ليبيا وصدام حسين في العراق الذي جسد مثالاً بارزاً لظاهرة عبادة الفرد وتأليهه وتقديسه والأمثلة كثيرة ومتنوعة .
أوجه التشابه بين ستالين وصدام حسين
نتوسع قليلاً في مقارنة أوجه التشابه في تجربة حكم صدام حسين في العراق وتجربة حكم ستالين في الأتحاد السوفييتي السابق لا لسبب معين بل لكونهما قريبة جداً من بعضهما الى حد التطابق وتأثير وجود ظاهرة عبادة الفرد على طبيعة نظام الحكم والكوارث التي توالت على شعوب البلدين جراء استفحال هذه الظاهرة المقيتة وإنسحاب آثارها على من خلفها في إدارة البلاد
.
من خلال المقارنة الموضوعية بين التجربتين سنكتشف أن تجربة صدام حسين في الحكم كأنها كانت امتداد طبيعي لتجربة جوزيف ستالين وتكراراً لها في الحكم في الممارسات الديكتاتورية وتجسيد ظاهرة عبادة الفرد .
في الاتحاد السوفييتي انتشرت هذه الظاهرة إنتشاراً واسعاً بين أعضاء الحزب الشيوعي الحاكم أنفسهم بما فيهم القيادات العليا ومنظماته المهنية وأجهزته العسكرية والأمنية ، وعلى أرضية هذه الظاهرة أنشأ ستالين نظام ديكتاتوري ذات الضبط الحديدي الصارم وانتقلت الظاهرة نوعاً ما بالإيحاء والتأثر والممارسة الى بعض أفراد وشرائح المجتمع . ويقول الزعماء السوفييت بهذا الشأن أن عبادة الفرد وتقديس شخص ستالين أديا الى التقليل من دور الشعب في قيادة وتوجيه الدولة والمجتمع ، وأديا أيضاً الى انتهاك خطير للقوانين الاشتراكية وقواعد الممارسة الديمقراطية وبالتالي شكلت إنتهاكاً خطيراً لطبيعة النظام الديمقراطي وجرّت تلك الانتهاكات الى عيوب كبيرة في التطبيق في ممارسة الحكم ، وعند المقارنة مع حكم صدام ، نجد أن هذا ما كان يحصل بالضبط  في العراق في المرحلة الصدامية وكأن الأحداث كانت تتكرر على نفس النسق وبنفس المنوال في العراق بالرغم من الفارق الزماني والمكاني بين المرحلة الستالينية والمرحلة الصدامية ، وبالرغم من الأختلاف الكبير بين طبيعة المجتمعين في كافة المجالات الحياتية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها .
حيث أن في المرحلة الستالينية في الأتحاد السوفييتي كان يعزى كل نجاح وكل إنجاز يحرزه الشعب السوفييتي في بناء النظام الاشتراكي وترسيخ الأشتراكية من أكبرها الى أصغرها والذود في الدفاع عن البلاد ضد الأعداء الى شخص ستالين لوحده حتى أصبح ستالين في نظر أنصاره ومؤيديه ومحبيه أنه شخص معصوم من الخطأ ، وإنه فوق مستوى البشر ، وأن في استطاعته أن يقود البلاد بمفرده دون العودة والاستشارة بقيادة الحزب الشيوعي الحاكم آنذاك في الأتحاد السوفييتي ، ومن دون العودة الى الشعب من خلال مؤسساته الرسمية كمجلس السوفييت الأعلى والمؤسسات النقابية والمهنية ، وخلق بذلك أساليب بيروقراطية في القيادة حالت دون ممارسة النقد والنقد الذاتي والأبتعاد إن لم نقل التخلي الكامل عن نهج وآليات ممارسة الديمقراطية داخل تنظمات الحزب وأجهزة الدولة والتي أدت بالتالي الى سيطرة وهيمنة السلطة الديكتاتورية في الحزب والدولة من خلال إطلاق يد عصابة وزير داخلية ستالين " بيريا " وأجهزة امن الدولة ليفتك بكل صوت وطني حر ممن يعارض بالنقد سياسات ستالين الفردية ، وهذا ما كان يحصل بالضبط في العراق على يد صدام وجلاوزته من أجهزة الأمن والمخابرات بكل أشكالها . لقد ارتكبت عصابات ستالين القمعية مخالفات وجرائم فاضحة ضد القانون وحقوق الانسان وفتكت بعدد كبير من أبناء الشعب السوفييتي وخيرة قادة وأعضاء الحزب من الوطنيين المخلصين والمفكرين والكتاب والمثقفين وقادة الجيش لا لسبب ولا لجرم أرتكبوه بحق الوطن والشعب بل لأنهم قالوا لا لديكتاتورية ستالين وأبوا عن عبادة وتقديس شخصه المجنون المصاب بداء جنون العظمة حيث كان بحق هيتلر الأتحاد السوفييتي بامتياز ، وكما ارتكبت عصابات " بيريا " جرائم بشعة يندى لها الجبين وادت أساليب وممارسات ستالين الأنفرادية الأستبدادية الى الوقوع في أخطاء كبيرة وفادحة بالنسبة لبعض نشاطات قطاع الدولة التي لها مساس مباشر وفعال في مسيرة الأقتصاد الوطني كما حصل مع النشاط الزراعي على وجه الخصوص مما عاق الى حد ما نمو الأقتصاد والمجتمع السوفييتي إبان سنوات حكمه الديكتاتوري الذي دام زهاء الثلاثين عاماً ، ونلاحظ عند مقارنة ما حصل في زمن حكم ستالين نجده يتكرر في زمن صدام حسين في العراق بحذافيره ، وإنه حقاً شيء ملفت للنظر من تقارب تطابق الممارست بالنتائج والوسائل المتبعة من قبل الأثنين وحتى مواقع الأشخاص المنفذة لأرادة الدكتاتور الفرد المعبود ، كما أنه هناك تشابه مطلق بين موقع ودور " بيريا " وموقع ودور " علي حسن المجيد " الملقب علي كيمياوي ، إنه أمر غريب حقاً ما هذا التشابه ؟ هذا يدل على أن كل الديكتاتوريين أينما وجدوا وفي أي زمان ومكان هم متشابهين ومتماثلين في كل شيء فكراً ومنهجاً وسلوكاً وممارسةً .
ويرجح الساسة والمفكرين وعلماء الأجتماع وعلم النفس السوفييت هذه الظاهرة " ظاهرة عبادة الفرد " في بلادهم الى ظروف تاريخية موضوعية وشخصية معاً ، والظروف الموضوعية بعضها دولية مردها أن الأتحاد السوفييتي بصفته أول دولة عرفت النظام الأشتراكي ظل طوال سنوات عديدة موضع حصار البلدان الرأسمالية وهدفاً لتهديداتها المستمرة ، والبعض الآخر مردها داخلي يرجع الى أن الصراع الطبقي الذي استمر مدة طويلة بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا 1917 دون أن تَخفت حِدّتُهُ ، والى ما كان يوجد داخل الحزب الشيوعي نفسه إتجاهات سياسية متضاربة حول مختلف القضايا الملحة لبناء النظام الأشتراكي القائم على مبدأ " من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله " ومن ثم الأنتقال الى بناء النظام الشيوعي القائم على مبدأ " من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته " ، كل هذه الظروف والخلافات غير المحسومة قد دفعت الى وجوب قيام تنظيم قوي ذي ضبط حديدي وقيادة مركزية قوية واعية ومتمكنة ليتمكن من مواجهة التحديات الداخلية من جهة ومواجهة تحديات العدوان الخارجي من البلدان الرأسمالية من جهة أخرى لتثبيت أسس النظام الاشتراكي الجديد .
إن أغلب أصحاب هذا الرأي كانوا من الموالين لنهج ستالين ومن المؤيدين له ، وبُناءً على ذلك ولتأمين المتطلبات الضرورية لأنجاز هذه المهمة وتجاوز هذه المرحلة العضيبة والعبور بسفينة بناء النظام الأشتراكي الى شاطئ الأمان تولى ستالين تصفية العناصر المعارضة لسياساته الفردية الأستبدادبة ورؤآه الشخصية في الداخل جسدياً داخل أجهزة الحزب والدولة والمجتمع من دون رحمة كما حصل ذلك لأغلب قادة الحزب الشيوعي ومن ضمنهم رفيقه تروتسكي ووزيره الداخلية " بيريا " وغيرهم بالمئات ، وهذا ما قام به صدام حسين أيضاً في انقلابه على رفاقه في حزب البعث سنة 1979 عندما أزاح البكر من الرئاسة وقام بتصفية أكثر من خمسين من قيادة حزب البعث دفعة واحدة وبطريقة بشعة من المعارضين لنهجه الديكتاتوري الأستبدادي ، وكذلك تصدى ستالين بحزم وصرامة وصلابة لمجابهة المؤامرات للبلدان الرأسمالية في الخارج ، فاكتسب بذلك إحترام وثقة وتقدير البسطاء من المواطنين السوفييت الذين يجهلون ما يدور في خلجان نفس ستالين وأقبيته ودهاليز أجهزته القمعية ، وبذلك حصل على نفوذ واسع وشهرة كبيرة أهلته الى تنفيذ مشروعه الشخصي في الحكم على إقامة أكبر ديكتاتورية على وجه الأرض وقتل خلالها أكثر من إثنا عشر مليون إنسان سوفييتي ، كل ذلك فعله ستالين من أجل مجده الشخصي والذي على أثره دخل الى متحف التاريخ من أوسع أبوابها ولكن أية متحف للتاريخ إنه بالتأكيد متحف التاريخ الأسود ، هكذا يجب أن يكرم هؤلاء القتلة المجرمين السفاحين ليكونوا عبرة ودرس لمن يُعتبر ولكل من يسلك طريق الديكتاتورية وعبادة الفرد طريقاً للمجد وللمرور عبر مسالك الحياة السياسية ، والحكيم هنا بالاشارة يَفهمُ .
أما الظروف الشخصية فترجع الى شخص ستالين ذاته وطبيعة شخصيته المعقدة ، ويرى هؤلاء الساسة أنه كان إنساناً يتصف بالصلف والكبرياء والغرور والتعالي وحب الهيمنة والسيطرة وفرض الأرادة الذاتية على محاوريه  وعدم إحتمال النقد ، وهذه هي سِمات مشتركة تلازم كل الديكتاتوريين قديماً وحديثاً في كل بقاع الأرض .
هذه العوامل مجتمعة أدت الى ظهور ونمو ظاهرة العبادة الشخصية لستالين ، وهنا  مرة أخرى نرجع لأجراء مقارنة ومقاربة بين ستالين من حيث الظروف الموضوعية والظروف الشخصية مع صدام حسين لنجد أن هناك تطابقاً كاملاً في كل التفاصيل لنصل من خلالها الى استنتاج أن كل من صدام وستالين كانا شخصان في شخص واحد في كل صفاتهما وخصالهما وعاشا في بيئتين مختلفتين وزمنين مختلفين وكأن التاريخ يعيد نفسه ويعيد إنتاج شخصياته الشريرة على نفس النسق ولو بعد حين .
غير أنه إحقاقاً للحق وإنصافاً للتاريخ ينبغي أن لا يغيب عن البال أن ظاهرة عبادة الفرد وإن كانت في جوهرها تنافي القيَّم والمفاهيم الاشتراكية والديمقراطية والإنسانية والاخلاقية معاً فإنه من الخطأ الجسيم والضرر البالغ الخلط بينها كظاهرة كريهة وبين ظاهرة إحترام وتقدير الزعماء والثقة بهم ممن خدموا شعوبهم والبشرية بافكارهم وعطائهم وتضحياتهم وإنجازاتهم الفريدة وإبداعاتهم العلمية الفذة التي قادة البشرية الى ما هي عليه اليوم من رقي وتقدم ، هؤلاء غير أولائك الأشرار .
فالديمقراطية لا تهدد ولا تحجم الدور الذي يمكن أن يلعبوه ولعبوه هؤلاء القادة والمفكرين والعلماء والمثقفين الأفراد الأفذاذ في بناء المجتمعات الإنسانية عبر التاريخ ولا تنكر لهم إسهاماتهم الفعالة في التطور والتقدم الأجتماعي في بلدانهم ، ومن واجب الشعوب والأمم تكريم زعمائه وقادتها وشخصياتها ممن كرسوا جهودهم لخدمتها ، وممن يكرسون أنفسهم لخدمة البشرية ولا يدخرون جهداً ولا وقتاً في بذل كل ما باستطاعتهم فعله من أجل قضية الحرية والديمقراطية في العالم ، ويزخر تاريخ البشرية بأمثال هؤلاء الزعماء الأفذاذ العظام الذين فرضوا إحترامهم بأفضالهم وأفعالهم على البشرية جمعاء ، وهنا لا أريد ذكر أسماء البعض دون الآخرين لكي لا يشكل ذلك تنقيصاً بحق من لم نأتي على ذكر أسمائهم . ولكن الخطر من الديمقراطية يأتي عندما تُستغل من قبل ذوي النزعات الفردية من بعض القيادات للتسلق عبر آلية الانتخابات الى قِمة الهرم حيث منها تسعى وتنطلق لتكريس ظاهرة عبادة الفرد وإقامة ديكتاتوريتة الفردية .

ظاهرة عبادة الفرد والواقع العراقي اليوم وأحزاب شعبنا 
إن ما تم ذكره بخصوص نشوء ظاهرة عبادة الفرد والمقارنة بين تجربة نظام ستالين في الأتحاد السوفييتي وتجربة صدام حسين في العراق في تجسيد هذه الظاهرة الكريهة يمكن لنا مقارنتها بما يجري الآن في واقع العراق على مستوى الأحزاب والتنظيمات السياسية من جهة وعلى مستوى الدولة من جهة أخرى ، حيث سنلاحظ بوضوح وجلاء أن ظاهرة عبادة الفرد وتقديسه موجودة على مستوى الأحزاب السياسية ولو بنسب متفاوتة من حزب لأخر ولكنها لا تنعدم في أي حزب من الأحزاب من أقصى اليسار الى أقصى اليمين من أحزاب اليسار وأحزاب اليمين القومي الى أحزاب الأسلام السياسي من كل الطوائف المذهبية من دون إستثناء . حيث نرى في هذه الأحزاب أفراداً في قِمة القيادة لهم سطوتهم وسلطتهم المستبدة على الآخرين من القادة وإنفرادهم في القرار في فرض ما يريدونه ورفض ما لا ينسجم مع تطلعاتهم وقناعاتهم الشخصية ، وكل ما ينقص هؤلاء القادة لتجسيد ديكتاتوريتهم الفردية والتي من خلالها تتجلى وتنجلي ظاهرة عبادة الفرد هو فقط وصولهم بأية طريقة كانت على سدة الحكم وجلوسهم على كرسي السلطة ، كما هي الآن ظاهرة على من يحكم العراق حيث يجري تجميع السلطات الأمنية والعسكرية في يد شخص رئيس مجلس الوزراء وخضوع السلطة القضائية لأرادته لدعمه في شرعنة كل ما يريد فرضه على الآخرين من الخصوم السياسيين والمعارضين .
إن الخارطة السياسية الحالية للعراق توحي وتؤشر بالسير نحو قيام ديكتاتورية من نوع جديد حيث يتجسد فيها يوم بعد آخر ظاهرة عبادة الفرد .
أما فيما يخص واقع أحزابنا الكلدانية السريانية الآشورية بمختلف تسمياتها فالأمر لا يختلف كثيراً عن واقع الأحزاب العراقية من حيث إنفراد بعض قياداتها بسلطة القرار في العقد والحل والتسلط على مراكز القيادة فيها وفق الطرق الديمقراطية التي يفصلونها حسب مقاساتهم والتي تبقيهم في مواقعهم الى أن يأخذ الله أمانته !!! ، فإن ذلك لا يحتاج الى مناقشة وجدال فتلك المواقع كأنها مسجلة بأسمائهم ولهم بها سند طابو إن صح التعبير !!! ، وليس من حق الآخرين أن ينافسوهم عليها ، وحتى أن ينتقدوهم أو يعارضوهم في الراي وإن فعلوا فإن الفصل والطرد والأقصاء وتشويه السمعة سيكون من نصيبهم ومن حظهم العاثر ، ونستطيع القول أن هؤلاء المطرودين من جنة المستبدين في أحزاب شعبنا محظوظين جداً ويحبهم خالقهم لكون الأنفراديين والديكتاتورين المستبدين في أحزابهم لا يمتلكون صلاحيات الحاكم الديكتاتور المستبد كما كانت لستالين وصدام للأعتقال وتوجيه تهمة الخيانة العظمى بحقهم بسبب تجاوزاتهم وأنتقاداتهم لحضرات قادة الضرورة لهذه الأحزاب المقدسة !!! ، ومن ثم تنفيذ حكم الأعدام بهم ، ولو كان لهؤلاء الديكتاتورين مثل هذه الصلاحيات لكان الكثير منا اليوم ينتظر يوم القيامة !!! . تصوروا إن القائد الحزبي لأحد هذه الأحزاب قد أقام دعوى قضائية في المحاكم الرسمية وهو ممثل شعبنا في البرلمان أستمد سلطتة من أصواتنا التي أوصلته الى موقعه هذا الذي يستقوى به على عضو لجنة مركزية ورفيق سابق مقرب منه ويطالبه بتعويض مالي قدره مئة مليون دينار لمجرد أنه إنتقده نقداً لاذعاً في وسائل الأعلام لتجاوزاته وخروقاته لسياقات التنظيم وسلوكه الانفرادي وتحكمه بمقدرات الحزب واستغلالها لمصالحه الشخصية ، أسألوا هذا القائد الفذ أين هو وحزبه من قواعد وأخلاق الديمقراطية التي يوسم بها تنظيمه ؟؟ ، تصوروا فرضاً لو كان لهذا القائد الحزبي سلطة الحاكم الأول في الدولة الديكتاتورية مثل دولة صدام حسين ودولة جوزيف ستالين ودولة الأسد والقذافي . هل كان يتورع ويتأخر لحظة واحدة عن تنفيذ حكم الأعدام برفيقه عضو اللجنة المركزية كما فعل كل من صدام وستالين من قبله بحق الكثيرين  من رفاقهم ؟؟ ، نحن لا نعتقد ذلك ، لأن هؤلاء جميعهم من طينة واحدة لا يطيقون النقد ولا يقبلون بالرأي الآخر ، بل يستميتون ويتشبثون بكل الوسائل للأستمرار في مواقعهم وفي الدفاع عن مصالحهم الشخصية وأمتيازات مناصبهم الرمزية التي يصدّقون بها عليهم الآخرين في السلطة . وخلاصة القول أن ظاهرة عبادة الفرد مهما كان دور وموقع الفرد المعبود في العمل السياسي سواءً كان ذلك داخل حزب سياسي أو في مؤسسة الدولة هي ظاهرة كريهة وسلبية لا بد من أن تتظافر كل الجهود الخيرة لمكافحتها وإستئصال جذورها منذ اللحظة الأولى لظهورها في العمل السياسي للحزب أو للدولة قبل استفحالها وتحولها الى سرطان قاتل يقضي على الحزب السياسي أو على الدولة في حالة ممارسة الحكم . الديكتاتوريون كلهم من ملة واحدة لا يختلفون عن بعضهم البعض باختلاف الزمان والمكان إلا بالصلاحيات  التي تخولهم بها مواقع السلطة التي يتبؤونها كما فصلنا ذلك فيما ذكرناه في هذا المقال . 

خوشــابا ســولاقا
25 / أيلول / 2018 م


26
التناقض الآشــوري بين الفكــر والواقــع
خوشــابا ســولاقا
كما هو معروف أن شكل وطبيعة النظام الأقتصادي والأجتماعي لأي مجتمع بشري يشكل البنى التحتية لواقع ذلك المجتمع ويشكل الفكر والثقافة بكل مكوناتها من آداب وفنون وطقوس وتقاليد وعادات وخصوصيات قومية وعقائدية البنى الفوقية له والتي هي انعكاساً للبنى التحتية  وليس نقيضاً لها كما هو حالنا نحن الآشوريين اليوم ، وبالرغم من حساسية طرح ومناقشة وتحليل هذا الموضوع عند البعض من أبناء أمتنا عند التطرق إليه بالشكل المباشر وكما هو واقع الحال لكونه مؤسف ومؤلم من جهة ولكون ما نتطرق إليه لا ينسجم ولا يتماشى مع رؤية البعض من مثقفينا الآشوريين للموضوع من جهة ثانية ، إلا أنه بالقدر نفسه لهو من الأهمية بمكان لأن نتناوله بالمباشر بموضوعية وواقعية من دون مراعاة لأية اعتبارات أخرى ومزاجات شخصية مهما كان وزنها وموقعها في المجتمع الآشوري لغرض وضع النقاط على الحروف ووضع الأصبع على الجُرح النازف الذي تعاني منه أمتنا الآشورية ، وكما ينبغي تعرية حالة هذا التناقض والأزدواجية التي يعيشونها أبنائُنا الآشوريين لمعرفة الذات كما هي من دون رتوش تجميلية أو بالعكس منها وذلك لفضح ريائنا ونفاقنا وكذبنا ودجلنا القومي كمرجعيات سياسية وكنسية واجتماعية بشكل خاص وكمجتمع بشكل عام بين ما يفكرون به ويتحدثون عنه ليلاً ونهاراً في كل المناسبات صادعين رؤوس سامعيهم بصراخهم وعويلهم وبكائهم على أطلال آثار أبائهم وأجدادهم في آشور ونينوى وبابل ونمرود وبين ما يفعلونه في واقعهم تجاه بعضهم البعض تحت واجهات التسمية القومية والمذهبية اللاهوتية الكنسية لتدمير وهدم ذلك الصرح التاريخي لتراث حضارة أبائهم وأجدادهم القدامى .
 إنه حقاً ووفق كل المعايير والمقاييس الاجتماعية والفكرية والقانونية وحتى الأخلاقية تناقض صارخ ومخجل وإزدواجية مقرفة تُدمي منها القلوب وتُدمع لها العيون فأين دور وفعل الضمير القومي لنا الذي نتشدق به جهاراً ونهاراً بين هذا وذاك يا أبناء أمة آشـــور الآيلة الى الزوال والأنقراض في متاهات المهاجر الغريبة وأنتم نياماً نوم أهل الكهف !!؟؟ ماذا سيكون جوابكم مستقبلاً لأبنائكم وأحفادكم والتاريخ إذا سألوكم عن ما آلت إليه أمتهم ؟؟ ، هذا إن بقى في ذاكرتهم ووعيهم شيءً أسمه الأمة الآشــورية التي صدعتم بها رؤوسهم عندما كانوا أطفالاً صغار ؟؟ .
الجميع رجالاً ونساءً شباباً وشيباً فتياناً واطفالاً في كل أماكن تواجدهم وفي لقاءاتهم في المناسبات العامة والخاصة وكل جلساتهم في المقاهي وحانات الشرب واللهو وحتى وهم على موائد الأفطار والغداء والعشاء وفي كنائسهم وهم يؤدون الصلاة لربهم وربما حتى في أحلامهم وهم نياماً في فراشهم يتحدثون بأعلى صوتهم بحرقة ومرارة مع ترقرق الدموع في حدقات عيونهم عن مجد وعظمة حضارة أبائهم وأجدادهم الآشوريين القدامي وفضل تلك الحضارة العريقة على البشرية جمعاء ، وهذا شيء لا ينكر بأنه شعور جميل وطيب وهو ما يجعل الانسان يلتصق أكثر وبقوة واصرار بجذوره وتاريخه ووطنه وينمي في كيانه استعداده للتضحية من أجل استمرار آصالة الأنتماء الى تلك الأمة وحضارتها في أرضها التاريخية ، أي بمعنى الوطن التاريخي ، هذه الخصال هي ما جعلت أبناء أمتنا الآشورية عندما كانوا مقيمين في أرضهم في قصباتهم وبلداتهم وقراهم الصغيرة والمعزولة في وديان الجبال الشاهقة يتميزون به عن المجتمعات الأخرى التي تشاركهم العيش لأن يحافظوا على وجودهم القومي وتراثهم وثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم ولغتهم وكل خصوصياتهم القومية قبل أن ينتقلوا للعيش في حضائر وحضائن المدن الكبرى التي جعلهم العيش فيها يشعرون بنوع من الغربة وعدم الانسجام مع شركائهم المختلفين عنهم في أمور ومعتقدات كثيرة ، إضافة الى دور الغرباء من المستعمرين الغربيين الذين غذوا ونموا وعززوا فيهم شعور عدم الرضى واستحالة التعايش مع شركائهم المختلفين عنهم قومياً ودينياً لغرض في أنفسهم ، لذلك بدأوا بالبحث عن بديل آخر أكثر قرباً منهم وأكثر انسجاماً  مع معتقداتهم الدينية وبعض خصوصياتهم الانسانية والاجتماعية من دون أن يدركوا بأنهم وضعوا أنفسهم بواقعهم الجديد هذا في تناقض مع ما كانوا وما زالوا يفكرون به من انتمائهم القومي والحضاري والتاريخي ، وبالنتيجة أصبحوا غرباء عن الوطن الأم وحتى عن الأوطان البديلة وحتى غرباء عن حقيقة مشاعرهم الداخلية ويعيشون حالة من الصراع النفسي بين الهروب من ماضيهم العتيد الذي يلاحقهم في كل خطواتهم وبين أرضاء متطلبات واقعهم الجديد في المهجر ، إنها في الحقيقة ازدواجية الحياة الصعبة للموائمة والملائمة بين ما هو راسخ ومتجذر في الذهن والمشاعر والأحاسيس الانسانية في الكيان الانساني للفرد الآشوري وبين ما يُمني نفسه به بكل تناقضاته المفروضة على الحياة على أساس القبول بالأمر الواقع  كما هو كتحصيل حاصل .
عندما نأتي ونطبق ما ورد في أعلاه على واقع حياة الآشوريين في مواطنهم الأصلية نجدهم كما ذكرنا يتكلمون كثيراً عن الوطن التاريخي وعن حضارتهم العريقة وتراثهم الفكري وأثره الكبير في الحضارات الانسانية إلا أنه نجدهم في المقابل قليلي وشحيحي في عملهم من أجل تحقيق وترسيخ ما يتكلمون عنه كثيراً وبلا حدود وفي ذات الوقت نجدهم شديدي الرغبة والأندفاع نحو الهجرة في ظل وجود أسباب وعدمها وترك الوطن لأتفه الأسباب والمبالغة في أكثرها وتهويلها أو اختلاقها في أحيان كثيرة لا نعرف دوافع أغلب الناس من وراء هذا السلوك الذي يفضي في النهاية المحتملة الى إنقراضهم كأمة من الوجود ، ونرى أبنائها اليوم يتوسلون على أبواب السفارات والقنصليات الأجنبة طلباً للهجرة واستعطاف مشاعر الآخرين لقبولهم وإيوائهم في بلدانهم كلاجئين لا مأوى لهم يقيهم برد الشتاء وحر الصيف ، إنه حقاً الخيار الصعب المجهول لمستقبل أمة تدعي بأنها تريد الأنبعاث واستعادة مجدها التاريخي في كيان خاص بها قائم بذاته ، وهي لا تدرك مخاطر وتداعيات خيار الهجرة على مصير الوجود القومي لها في الوطن والمهجر معاً .... هذا هو التناقض بعينه وتلك هي الأزدواجية في السلوك الغير متحضر بين ما تفكر به أبناء أمتنا الآشورية عند الكلام عن التاريخ والآصالة والحضارة والحقوق القومية وغيرها من الأحلام الوردية وبين لهاثهم وتوسلاتهم على أبواب القنصليات والسفارات الأجنبية طلباً للهجرة أينما يكون المكان !!! .
هذه هي ازدواجية وتناقض الموقف في رؤية الفرد الآشوري مع ما يريده ويتمناه  ويحلم به وبين ما يفعله ويقوم به في واقعه على الأرض . هذا التناقض وهذه الأزدواجية بين الفكر وبين السلوك تؤشر على عبثية وعشوائية الانسان الآشوري المعاصر وفقدانه لبوصلة التوجه وغياب الوعي والنضوج الفكري القومي الحقيقي لديه لمعرفة ما يريده وما يناسبه من أهداف على المدى الأستراتيجي للنضال القومي والعمل السياسي والاجتماعي الآشوري .
عندما نُقّيَم الهجرة لا بد لنا أن نُقييمها من خلال النظر إليها من منظارين مختلفين ، فعند النظر اليها بمنظار الفرد أي هجرة الفرد وعائلته لأي سببٍ كان وكل ما يهمه من أمور من دون ربط ذاته بأمة فعندها تكون كل الأسباب والأعذار والمبررات التي تدفع الانسان الفرد لأن يهاجر وطنه التاريخي مقبولة ومبررة ولا عتب عليه ، أما عند النظر الى الهجرة بمنظار الأمة على ضوء بقائها أو انقراضها من الوجود كما هو حال هجرتنا لأرض الوطن فعندها يختلف الأمر كلياً وجذرياً وسوف تكون كل الأعذار والأسباب والمبررات موضع عدم الرضا والقبول من وجهة النظر القومية والقانونية والاخلاقية والانسانية ، لأن في مثل هذا الوضع سوف نكون أمام خيارين لا ثالث لهما وهما رفض الهجرة على حساب بقاء الوجود القومي لأمتنا في أرض الأباء والأجداد التاريخية ، أو قبول الهجرة على حساب انقراض الوجود القومي للأمة في ارضنا التاريخية وانصهار المهاجرين منا قومياً واجتماعياً وسلوكياً في بودقة مجتمعات المهاجر 
إن أغلب الأباء والأمهات المولودين في الوطن والمقيمين حالياً في المهاجر يعانون ويقاسون كثيراً من سلوكيات أبنائهم وأحفادهم المولودين أو المتربين في المهاجر حيث هناك بون GAP  شاسع بينهما في كل شيء ، من هنا تبدأ الخطوة الأولى الى جانب عدم التحدث بلغة الأم نحو الأنصهار القومي والضياع الاجتماعي لكل خصوصياتنا القومية ، لقد صدمتنا صورة مسجلة فيديووياً للدبكة الفلوكلورية الآشورية من الكونفينشن الآشوري ما قبل الآخير المُقام في ولاية أريزونا الأمريكية والمرسلة إلينا من قبل أحد الأصدقاء الطيبين مشكوراً ، بأي زيٍ كانت !!! أكيد لم يكن الزي الآشوري الفلكلوري المعتاد كما قد يتوقع البعض ، هذه المظاهر وغيرها من السلوكيات الغريبة هي مؤشرات واضحة لمستقبل أبناء أمتنا في المهاجر وأين سوف ينتهي بهم الدهر !!! ، كانت الصورة تعبيراً وتجسيداً حقيقياً لنموذج الأنصهار المتوقع في مجتمعات المهجر فكراً ونهجاً وعملاً .
هكذا هو التناقض الذي يعيشه الانسان الآشوري وازدواجيته بين القول والفعل وهو ما يقودنا الى الزوال والأنقراض والأنصهار مستقبلاً ، متى نستفيق من هذه الغفوة ونعود الى رشدنا لنرى طريقنا في الحياة لننقذ ما يمكن إنقاذه من مجد أجدادنا العِظام في أحضان الوطن التاريخي ؟؟؟ .   

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد في 14 أيلول / 2018 م 

27
في الثقافة ... ماذا يعني الوعي ؟؟
خوشابا سولاقا
إن ما يميز الكائن البشري " الإنسان " عن بقية الكائنات الحية الأخرى في الطبيعة هو امتلاكه لما نسميه " الوعي " والذي هو النتاج الطبيعي لنشاط الدماغ البشري الذي يستلم الأشارات الصادرة من الأفعال وردودها من محيطه الخارجي عن طريق الحواس الخمسة ليحللها ومن ثم بصوغها وفق نسقٍ محدد ليعكسها كسلوك إنساني بوعي عقلي متحكم به ومسيطر عليه وغير خاضع لإرادة فعل الغريزة كما هو عليه الحال لدى غيره من الكائنات الحية الأخرى في الطبيعة .
هذا الوعي الذي من خلاله يستطيع الإنسان أن يفهم ماهية الأشياء ودوافع الأفعال التي تحصل من حوله ، وسلوك من تعيش معه من الكائنات التي تشاركه الحياة في الطبيعة ، ويفهم ما يدور حوله من النشاطات والافعال في الحياة الاجتماعية ويميز فيما بينها دون سواه من الكائنات الأخرى التي تُسيّرها وتُوجهها وتتحكم بأفعالها وردود أفعالها الغرائز المختلفة مثل غريزة إشباع الجوع والعطش والدفاع عن النفس وغيرها ، ومن خلال الوعي يحدد الانسان لنفسه رأياً بكل فعل من الأفعال التي تصدر من حوله مهما كانت مصادرها وطبيعتها ، ويكَّون له موقف تجاهها وتجاه ما يحصل من الظواهر الاجتماعية والطبيعية ، والوعي بالتالي لدى الانسان هو عبارة عن رد فعله كإنسان تجاه كل الأفعال والظواهر في الطبيعة والمجتمع ، وكذلك هو رد فعله تجاه بني جنسه كفرد في الحياة الاجتماعية وكيفية التعامل والتعايش والتآلف مع تلك الأفعال جميعها وتطويعها وتوجيهها والسيطرة عليها وتسخيرها ووضعها في خدمته كإنسان أو كفرد ، وبالنظر للتميز الفريد الذي ينفرد به الانسان ألا وهو إمتلاكه للوعي العقلي دون غيره من الكائنات الحية هو الذي يعطيه السيادة المطلقة والتحكم  بحركة تطور الحياة الاجتماعية ، وهنا نحاول أن نقدم ولو بشكل مبسط ومقتضب تعريف وشرح عن مفهوم الوعي وأشكاله المختلفة .
الوعي الحقيقي : هو ما يتكون لدى الإنسان من أفكار ووجهات نظر ومفاهيم وانطباعات عن الحياة الاجتماعية وعن الطبيعة وظواهرها من حوله في مختلف نواحيها وجوانبها المتنوعة المتآلفة والمتوافقة منها أحياناً والمتصارعة والمتناقضة منها أحياناً أخرى في عملية التطور التاريخي للحياة الاجتماعية والطبيعية على حدٍ سواء تجعله قادراً على فهم كل الأفعال وردود الأفعال الصادرة من محيطه الطبيعي والاجتماعي ، والتمييز فيما بينها وأستيعابها ومن ثم التعامل معها بالشكل الذي تخدم أغراضه وتطلعاته المستقبلية .
الوعي الزائف : يتكون الوعي الزائف عندما تكون أفكار الأنسان ووجهات نظره وانطباعاته ومفاهيمه التي تكونت لديه غير متطابقة وغير مستوفية  لفهم ما يحصل في محيط الواقع المادي الحي للحياة من حوله ، أي عندما تكون الأفكار ووجهات النظر والمفاهيم التي تكونت لديه جامدة وقاصرة وغير واقعية وموضوعية وفعالة في متابعة حركة تطور هذا الواقع تاريخياً على امتداد مراحل الزمن .
الوعي الجزئي : يتكون الوعي الجزئي عندما تكون أفكار الإنسان ووجهات نظره وانطباعاته ومفاهيمه مقتصرة على جوانب أو نواحي معينة ومحددة من الحياة دون غيرها من الجوانب الأخرى ، أوغير شاملة لكل الجوانب والنواحي المترابطة بشكل جدلي والتي تؤثر وتتأثر ببعضها البعض في عملية التطور التاريخي للحياة .
الوعي الطبقي : يكون هذا الوعي وعياً طبقياً محدداً عندما يرتبط بمصالح ومنافع طبقية معينة وقتية ، كأن تعي طبقة الأقطاعيين ضرورة استمرار سيطرتها واستغلالها لطبقة فقراء الفلاحين المعدومين في استثمار الأرض وخيراتها من دون أن تأخذ بنظر الإعتبار مصلحة طبقة الفلاحين العاملين في الأرض والمنتجين لخيراتها المادية بأن تكون شريكة لها ( طبقة الأقطاعيين ) بشكل ما وأن تكون لها  حصة فيما تنتجه جهودها من تلك الخيرات ، أي بمعنى أن طبقة الأقطاعيين تؤمن بأن كل ما تنتجه الأرض من خيرات مادية تعود بالتالي الى من يمتلكها وليس الى من يفلحها ويزرعها ويسقيها ويجمعها .
كذلك تعي الطبقة البرجوازية الرأسمالية الصناعية ضرورة استمرار استغلالها واستثمارها لجهود الطبقة العاملة في مصانعها ومعاملها وورشها الصناعية ومشاريعها الانتاجية لتعظيم فائض القيمة لصالحها من دون مراعاتها للحقوق الطبيعية والقانونية وضمان مستقبل تلك الطبقة التي تُشغل تلك المصانع والمعامل والورش والمشاريع وتنتج ما تنتجه من خيرات مادية بأن تكون شريكة لها فيما تنتجه وأن يكون لها حصة منصفة فيها ، بل تسعى من خلال استغلالها الظالم للطبقة العاملة على مضاعفة فائض القيمة لقوة عمل الطبقة العاملة لزيادة أرباحها على حساب إفقار وبؤس هذه الطبقة التي لا تمتلك غير قوة عملها في عملية الأنتاج الرأسمالي الصناعي ، حيث يؤدي ذلك الى زيادة الطبقة البرجوازية الرأسمالية ثراءً وظلماً وزيادة الطبقة العاملة فقراً وبؤساً وشقاءً ، وهذا هو العامل الثوري الفعال الذي يُنَضج الظروف الموضوعية والذاتية للطبقة المستَغَلة لتفجير ثورة إجتماعية شاملة ضد ظالميها لتغيير النظام الأجتماعي القائم وإقامة نظام أجتماعي جديد أكثر عدلاً وإنصافاً ويقلص من هوة الفوارق الاجتماعية بين الطبقتين الاجتماعيتين مالكي وسائل الأنتاج والعاملين على تشغيل تلك الوسائل .
وعي التحرر من الظلم : كذلك هناك وعي تفرضه الضرورة الإنسانية لخلق القدر الأكبر من العدالة الاجتماعية والانصاف والمساواة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة في المجتمع الإنساني التي تشترك في عملية الأنتاج للخيرات المادية له ، مثلاً كأن تعي طبقتي الفلاحين والعمال المنتجتين للخيرات المادية للمجتمع ضرورة تحررها من الأستغلال الظالم لطبقتي الأقطاعيين والبرجوازيين الرأسماليين الصناعيين ونيل كامل حقوقهما التي تجعلهما تعيشان بكرامة من دون مذلة وبؤس وشضف العيش مع ضمانهما لحقوق طبقتي الأقطاعيين والبرجوازيين الرأسمالين الصناعيين لتضييق هوة تفاوت مستوى المعيشة وشروط الحياة الحرة الكريمة بينهما وليس المساواة الكاملة في كل شيء كما قد يعتقد البعض ، بل ضمان العيش بكرامة للجميع من دون مصادرة وهدر لإنسانية الإنسان لأي طرف من أطراف عملية الانتاج للخيرات المادية للمجتمع وفق مضمون نظرية العقد الأجتماعي بين الطبقات الاجتماعية المتناقضة مصالحها لخلق نمط من التوازن الاجتماعي المقبول في المجتمع .
الوعي الإنساني الشامل المتقدم : فهو يتضمن تلك الأفكار ووجهات النظر والمفاهيم والثقافات التي تضع مصلحة الإنسان كإنسان فوق كل الأعتبارات الأخرى ، والتي تتطابق وتتوافق مع شروط الواقع المادي الموضوعي في حركته والتي تتطور باستمرار مع تطوره ، لا يحدها في ذلك أية نوازع من قبيل تعصب منهجي جامد ، ولا أي تعصب أثني قومي عنصري شوفيني ، ولا أي تعصب ديني متشدد ومتطرف ، ولا أي تعصب مذهبي طائفي مغالي في أحقاده وكراهيته للآخر المختلف ، ولا أي تعصب طبقي قصير النظر وضيق الأفق ، ولا أي مصلحة مادية عابرة ، وإنما يجب أن يبقى الشعور الإنساني هو المهيمن والمسيطر على كل أفعال وردود أفعال الإنسان والمتحكم بها من أجل بناء الحياة الحرة الكريمة التي تليق بهذا الكائن العظيم الشأن " الانسان " .
بالرغم من أن الوعي الإنساني ينشأ في النهاية كنتيجة حتمية لتأثير العوامل المادية في الحياة على الإنسان ، إلا أنه من الممكن أيضاً أن ينشأ في أحيان أخرى وبالأخص خلال فترات الانتقالات التاريخية من تاريخ تطور المجتمع البشري نتيجة لأنعكاس أفكار ووجهات النظر ومفاهيم تاريخية على الإنسان ذاته .
كل إنسان عاقل هو على درجة معينة من الوعي ، الحقيقي الكامل أو الزائف أو الجزئي  أو الطبقي أو التحررمن الظلم أو الانساني الشامل  ، إلا أن التعليم يبقى يساهم بنصيب ملموس مؤثر في خلق هذا الوعي بالأضافة الى دور تأثيرات العوامل المادية والتاريخية في تكوين الوعي الإنساني وتطويره وتغييره كماً ونوعاً من مستوى أدنى الى مستوى اعلى .
هكذا نرى في النهاية أن الوعي هو حالة إنسانية فكرية متغيرة تتغير بتغيير الحياة وتتوسع حدودها بتوسع مستجدات ومتغيرات وتطورات الحياة الإنسانية نفسها وتتوسع أيضاً بتوسع ونمو رغبة الإنسان الجامحة وطموحاته اللامحدودة الآفاق للمعرفة والعلم لأكتشاف المزيد من أسرار الحياة والطبيعة والكون ، وإن قوة إرادة الإنسان على التفوق والتطلع الى أبعد آفاق المعرفة هي المصدر الملهم لوعيه الخلاق اللامتناهي ..
 بالتالي في الوعي الإنساني تتجسد قوة إرادة الحياة الإنسانية في مواجهة التحديات الكونية بمختلف أشكالها وأنماطها ، وإن اختراعات واكتشافات الإنسان العلمية في العصر الحديث لهي خير دليل على قوة وفعالية وعظمة وعيه على تحقيق التفوق على ما دونه من الكائنات الأخرى ، وقهره لتحديات الطبيعة في صراعه الأزلي معها على امتداد تاريخه الطويل الى أن وصل الى ما وصل إليه اليوم من تطور علمي إعجازي في كل المجالات والحقول العلمية من دون استثناء ومنها عملية غزو الفضاء الكوني اللامتناهي والتي نحن اليوم نتمتع بفوائد تلك الانجازات الرائعة والتي جعلت من كوكبنا قرية صغيرة نصول ونجول فيها بيُسر من خلال كل وسائط النقل والأتصال والمشاهدات المرئية عبر شبكات التلفزة الفضائية الهائلة وشبكات الأنترنيت الغير محدودة القدرة للتواصل الاجتماعي ، حقيقة نحن نعيش اليوم في عصر المعجزات العلمية الحقيقية التي حققها الإنسان العظيم الغير محدود القدرات والذي اعتبره أرقى كائن في الوجود الكوني ، وخالق كل ما يحتاجه في هذه الحياة من وسائل الراحة والتواصل وللعلماء بمختلف إختصاصاتهم مكانة لا يرتقي إليها غيرهم من جلالة العظمة لمن يدرك بوعي ماذا أنتجت عقولهم وماذا قدمت للإنسانية من منجزات جليلة .
وفي الختام نحب أن نقول للقارئ الكريم ، إن الإنسان موجود بوجود وعيه العقلي ومن دون وعيه العقلي فهو غير موجود والوعي هو نتاج الفكر العقلي ، كما لخص ذلك  الفيلسوف الفرنسي العظيم  رينيه ديكارت في قوله المشهور " أنا أفكر إذن أنا موجود " . حيث أن الفكر كما قلنا يشكل العنصر الأهم في عملية تشكيل وخلق الوعي الإنساني . 


       خوشــابا ســولاقا
 بغداد في  8 / أيلول / 2018             
 


28
الأعتدال هو المنهج القويم لتحقيق التقارب الفكري بين مثقفي مكونات أمتنا لتمهيد الطريق لتحقيق وحدتنا القومية والكنسية المشرقية
خوشابا سولاقا
لقد تعلمنا من التاريخ وتجاربه المُرّة والحلوة الكثير من الدروس والعبر والحكمة ، وعَلّمنا الشيء الكثير من المفيد من تلك التجارب ، علمنا بأن كل الحوارات والنقاشات والمحاولات التي حصلت في الماضي البعيد والقريب بين مكونات أمتنا من الكلدان والسُريان والآشوريين كانت حوارات ونقاشات قائمة ومبنية على القناعات والأنطباعات والتصورات الشخصية الموروثة أب عن جد ، أو المستقاة بانتقائية مبتذلة ومشوهة من معطيات التاريخ والواقع المُعاش بما ينسجم مع ما مترسخ في أعماق النفس والتربية الشخصية  من قناعات موروثة التي تؤيد وتنسجم وتتفق مع قناعات ورؤى كل مكون من المكونات دون الآخر .
كل هذه المحاولات قد باءت بالفشل الذريع من دون تحقيق أي تقارب يذكر بين مكوناتنا لردم هوة الخلافات المتراكمة تاريخياً فيما بينها على الخلفية المذهبية الكنسية ، لأنه كانت كل تلك القناعات والأنطباعات والتصورات بالنتيجة تزيدهم تطرفاً وتشدداً وتعصباً للخصوصيات الفرعية التسمياتية والمذهبية على حساب اختزال مساحة المشركات التي يبنى عليها آمال وركائز الوحدة القومية والكنسية الفكرية الشاملة لمكونات الأمة .
 كان دور الأحزاب والحركات السياسية التي تأسست قبل وبعد 2003 م دوراً سلبياً فاعلاً في هذا المجال لتكريس الفرقة وثقافة الكراهية للآخر بين مكوناتنا كما لاحظناه في السابق ونلاحظه اليوم من خلال ما دار ويدور من السجالات السياسية السقيمة وتبادل التهم من على صفحات مواقعنا الألكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي من أجل المصالح والمكاسب الشخصية لقياداتها الأنتهازية الذين لا تعنيهم القضية القومية للأمة بشيء كما هو ظاهر بجلاء في سلوكياتهم البرلماني وعملهم الميداني في المجتمع ، لذلك فإنها ( الأحزاب ) مع الأسف الشديد ساهمت بشكل فعال وكبير في بعث خلافاتنا التاريخية المدفونة وتعميق أسباب اختلافاتنا القومية والمذهبية الكنسية ووسعت من هوة الفرقة والتمزق والتشضي بين مكونات أمتنا من الكلدان والسُريان والآشوريين وتشتيتهم وجعلتهم أعداء ألداء بدلاً من تقربهم من بعضهم البعض وأن توحد كلمتهم وخطابهم السياسي ، وبالأخص في الفترة بعد سقوط النظام السابق عام 2003م بسبب توسع مساحة المصالح والمنافع الشخصية والحزبية  لقيادات تلك الأحزاب والتنظيمات .
انطلاقاً من هذه الأرضية التي باتت معروفة وجلية للقاصي والداني من مثقفينا من الكتاب والمفكرين والأدباء والفنانين وكل المهتمين بالشأن السياسي والقومي والكنسي يتطلب الأمر من الجميع من كافة مكونات أمتنا من دون تمييز ضرورة انتهاج منهج جديد وقويم في التعامل والتعاطي مع بعضنا البعض بما يقودنا الى بر الأمان ، ألا وهو منهج الأعتدال والعقلانية المؤسسة على فهم واستيعاب الواقع الديموغرافي لأمتنا في الحوارات والنقاشات والخطابات السياسية من خلال ما يكتب وينشر في وسائل الأعلام وفي خطابنا السياسي والكنسي في التعاطي مع الآخرين سواءً كانوا الآخرين من مكوناتنا القومية " الكلدان والسُريان والآشوريين " أو من الشركاء في الوطن من المكونات القومية والدينية والمذهبية الأخرى في العراق ، لأن مصيرنا مرتبط إرتباطاً عضوياً معهم يجمعنا الوطن الواحد ونح سكانه الأصليين .
لذلك فإن اعتماد منهج الأعتدال وثقافة الأعتدال في طرح الأراء وعرض وجهات النظر في الحوارات والنقاشات فيما بيننا يتطلب منا جميعاً في التعاطي مع كل ما يحقق التقارب والانسجام الفكري بين مثقفي وكتاب ومفكري أمتنا هو التخلي عن مبدأ التعاطي مع ما تقدمه المعطيات التاريخية ووثائقها المكتوبة لا لكونها جميعا خاطئة بل لكونها غير مقبولة ولا تلاقي الترحيب بها من قبل جميع أبناء مكوناتنا لكونها غير منصفة الى حدٍ كبير ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى لربما كتاب تلك الوثائق كانوا في الغالب منحازين لقناعاتهم الشخصية بحكم الأنتماء التسمياتي والمذهبي الكنسي والقبلي والعشائري والمناطقي التي تتلاقى مع قناعات طرف بعينه وتتقاطع مع قناعات الطرف الآخر اليوم ، مما يجعل هذه الوثائق موضع شك وعدم اليقين المطلق لا يُعتدّ بها لأنتاج حوار مثمر يخدم قضيتنا المشتركة .
ولغرض اعتماد منهج الأعتدال في حواراتنا ونقاشاتنا علينا التعاطي مع واقع القناعات والانطباعات الراسخة في وعي وتفكير وثقافة وتقاليد أبناء مكوناتنا القومية والمذهبية اليوم واخضاعها للدراسة وفق منهج التحليل العلمي والعقلاني الرصين لنجعل منها مدخلاً لمناقشة وتحليل الأمور والمواضيع الأكثر تعقيداً ، لأن الأعتدال  هو الطريق الأقصر لخلق انطباعات ورؤى مشتركة لتحصيل مخرجات أكثر دقة وواقعية ومقبولية للوصول الى مبتغانا لبناء قناعات جديدة مؤسسة على وحدة تجاذب المشتركات وليس على أساس تعدد وتنافر الأختلافات والخلافات الموروثة من التراث التاريخي البعيد والقريب كما هو الحال في واقع الحياة ، هذا المنهج يفرض على جميع كتابنا ومفكرينا ومثقفينا من كافة مكونات أمتنا من الكلدان والسريان والآشورين إعادة النظر بخلفيتهم الثقافية الموروثة وتبني ثقافة قبول الآخر والأعتراف به كما هو بتسميته القومية ومذهبه اللاهوتي الكنسي وبكل خصوصياته التي يُؤمن ويُعتقد بها ، والتخلي عن مبدأ الألغاء والأقصاء والتهميش والأبعاد القسري في كل خطاباتنا السياسية والاجتماعية والكنسية ونشاطاتنا الثقافية ، ومحاربة كل ما من شأنه يحرض على التطرف والتشدد والتعصب والأساءة على خصوصيات الآخر وعدم احترامها في أي مجال كان .
بالتأكيد أن إعتماد وتبني كتابنا ومفكرينا ومثقفينا لهذا المنهج ، منهج الأعتدال ، في تعاطيهم مع واقع حياتنا السياسية والفكرية والثقافية سوف يفتح الباب واسعاً أمام الجميع من مثقفين ومن عامة الناس لتجاوز الكثير من الخلافات والأختلافات المصطنعة ويهيئ أرضيةً خصبة لزرع ثقافة جديدة بكل مضامينها القومية والمذهبية والانسانية بين بسطاء الناس ، وهذه الحالة تشكل نقطة البداية لأنطلاق نهضتنا الفكرية والثقافية نحو الوحدة الشاملة بين مكونات أمتنا .
إن اعتماد هذا المنهج سوف يحافظ بموجبه كل مكون بخصوصياته غير منقوصة ولا يشعر بالتهميش والأقصاء من قبل أي كان من المكونات الشقيقة الأخرى لأمتنا ، ولكن في نفس الوقت سوف يشعر كل فرد في أي مكون وكل مكون من مكوناتنا بأنه جزء صغير في " كلٍ واحد موحد " أكبر منه ومن مكونه يجسد شخصيته الثقافية وهويته المستقلة بدليل وحدة اللغة والجغرافية والتاريخ ووحدة المصالح المشتركة والمصير المشترك ووحدة التراث والثقافة والأرث التاريخي المجيد والآصالة الوطنية في امتلاك الأرض كحق تاريخي شرعي وقانوني وأن وجوده كمكون مرتبط ترابطاً عضوياً تكاملياً مع المكونات الشقيقه التي تشاركه المصير والمستقبل وذلك هو الأهم في الموضوع كله  .
الحياة علمتنا وما زالت تُعلمنا بأن سُنتها مبنية على قاعدة الأخذ والعطاء ، وأن كل شيء فيها يكون خاضعاً للقبول أو للرفض وفق مبدأ الحوار والنقاش للخروج بما هو أفضل ومشترك للجميع ، وهذا يتطلب من الجميع تقديم بعض التنازل عن بعض القناعات والتصورات مما باتت تسمى بالثوابت القومية والمذهبية الكنسية ، والتخلي عن بعض الأطروحات الفكرية الغير المستوعبة لواقع حياتنا القائم والتحرر من قوقعة الماضي من اجل الوصول الى القاسم المشترك الأكبر لبناء أسس مستقبل مشرق الذي يحقق للمتحاورين جميعاً ما يمكن أن يقبله الجميع ويخدم مصلحة الجميع ، وهذا هو ما يطلق عليه في السياسة والحياة منهج الأعتدال في الحوارات والنقاشات المنتجة للخير العام للأمة .

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد في 1 / أيلول / 2018 م

29
طبيعة العلاقة العضوية بين مكونات أمتنا من الكلدان والسريان والآشوريين
خوشابا سولاقا
إن الكلدان والسريان والآشوريين هي ثلاثة مكونات في كيانٍ واحد ترتبط ببعضها البعض بعلاقة عضوية جدلية تكاملية شاءت أم أبتْ قائمة على أساس وحدة المقومات القومية المتمثلة في وحدة اللغة والثقافة والتراث والأرث الحضاري والعادات والتقاليد الاجتماعية والتاريخ والجغرافية والمصالح المشتركة والمصير المشترك لا يمكن الفصل بين بعضها البعض ، لأن الكل متجسدة في كيان قومي واحد لا يمكن للغريب ان يفصل فيما بينها ، أو أن يُميّزها  عن بعضها من أي جانب من الجوانب الاجتماعية وغيرها من الأمور الحياتية ، لأن جميعها تشترك الى حد التطابق في المقومات القومية الواحدة بالرغم من تعدد تسمياتها التي كانت وليدة الأختلافات المذهبية اللاهوتية الكنسيية السقيمة والعقيمة .
إن الخصائص القومية التي يتصف بها الكلداني حالياً في أية بقعة من العالم هي ذاتها نفس الخصائص القومية التي يتصف بها السرياني والآشوري بغض النظر عن الأختلافات الجزئية الطفيفة في اللهجات المحكية محلياً ، وفي أمور جانبية أخرى دخيلة ، وهذا أمر طبيعي جداً وموجود ويحصل عند كافة القوميات المجاورة والمتعايشة معنا .
لا يمكن للكلداني أن يكون موجوداً ككيان قومي قائم بذاته خارج الأطار القومي العام الذي يتضمن ويحتوي الوجود القومي السرياني والآشوري ، وكذلك الحال مع الوجود القومي للسرياني وللآشوري ، لأن الثلاثة تشترك في طبيعة واحدة كاملة تعيش في جسد واحد لا انفصام بين الثلاثة إطلاقاً ، وإن انفصام أي مكون منها عن الجسد الواحد يفضي الى موت الجسد كله .
إن أمتنا بحسب رؤيتنا الفكرية هي كلاً واحداً موحداً بثلاثة كينونات تسموية تاريخية منبثقة من تراثنا الحضاري التاريخي الموحد في أرض بيث نهرين ، وبثلاثة مذاهب كنسية ولكنها تشترك بطبيعة عضوية قومية واحدة ، وأن هذه العلاقة قريبة الشبه جداً بعلاقة " الأقانيم الثلاثة " ببعضها البعض في العقيدة المسيحية ، ثلاثة كينونات متساوية بطبيعة واحدة في حالة من الوحدة الكلية لا انفصام بين بعضها البعض .
إن كل المؤشرات والمعطيات التاريخية والديموغرافية والثقافية والتراثية والعادات والتقاليد الاجتماعية تشير وتدل بشكل قاطع لا يقبل الشك والجدل ووفق كل المعايير والمواصفات المعتمدة في جميع أنحاء العالم لتحديد الهوية القومية للمجموعات البشرية نجزم أن مكوناتنا الثلاثة هي من عِرق وجذر قومي واحد ومن أصول قومية واحدة ، وليست ثلاثة قوميات كل منها قومية قائمة بذاتها كما يدعي ويريد البعض من المتعصبين والمتطرفين على خلفية أنتماءآتهم المذهبية الكنسية مع شديد الأحترام لرؤآهم وقناعاتهم الروحية . 
إن المقومات القومية التي يشترك بها الكلدان والسريان والآشوريين عضوياً ووجدانياً وثقافياً واجتماعياً في بلورة وبناء كيانهم القومي الموحد تاريخياً وحضارياً وواقعياً اليوم هي أكثر وأقوى وأمتن من تلك المقومات القومية التي يشترك بها وتجمع وتوحد المكونات العربية والتركية والفارسية والكوردية والأسرائيلية التي تشاركنا العيش في هذه المنطقة الجغرافية لبناء كياناتها القومية الموحدة ، ونتساوى معها إن لم نكُن أقل منها في خلافاتنا المذهبية ، ولكن كل هؤلاء نجدهم اليوم أشد تماسكاً وولاءً لأنتمائهم القومي ، وأكثر تمسكاً وتشبثاً بالأرض والبقاء فيها منا بكثير ...
ما هو السر في تخلفنا عنهم في هذا الجانب ، في الوقت الذي نحن بُناة أرقى وأعظم وأقدم الحضارات في التاريخ في هذه المنطقة ، وفي ذات الوقت نحن في أمس الحاجة أكثر منهم إلى مثل هذا التماسك والولاء للأنتماء القومي  والتمسك بأرضنا كأصحابها الأصلاء والشرعيين  في ظل واقعنا الحالي وظروفنا القاسية التي نمر بها في هذه المرحلة التاريخية من حياة أمتنا ؟؟ ، إن في ذلك الشيء الكثير من المفارقات الغريبة والعجيبة المضحكة والمبكية .
جميع القوميات تبحث عن الوحدة وتتحدث عنها باسهاب وبإيمان راسخ  ويصنع لها من الأسباب ما تزيدها قوةً وتماسكاً وتمتيناً ، بينما نحن نسعى الى العكس من ذلك ، حيث نسعى الى صنع من الأسباب ما تزيدنا ضعفاً وتمزقاً وتشرذما وتفككاً ، أي نحن نبحث عن كل ما يقودنا الى السقوط في هاوية الأنقراض والفناء !!...  هل هذا هو قدرنا المحتوم أم ماذا ؟؟ . 
لكن ما هو مؤسف جداً ونحن نعيش هذه الأوضاع المزرية اليوم ، أن مؤسساتنا السياسية والكنسية والثقافية والاجتماعية سعت منذ سقوط النظام البعثي الشوفيني ، وتسعي بهذا الشكل أو ذاك من حيث تدري أم لا تدري الى زيادة أسباب الفرقة والتمزق وتعميقها في نشر الأحقاد والكراهية بين مكونات أمتنا على خلفيات قومية ومذهبية ، حيث كان مع الأسف الشديد للتنظيمات السياسية دوراً كبيراً وبارزاً بسبب سياساتها الفجة الغير الناضجة فكرياً وغير الموزونة في رؤيتها  القومية للتعامل مع تركيبة واقعنا القومي ، وعدم استيعابها  لدور التركة الثقيلة المتخلفة التي ورثناها من الخلافات المذهبية الكنسية وثقافة الهرطقة عبر التاريخ ، هي من جَرّت مكوناتنا الى ما نحن عليه اليوم من تناقضات وتناحرات وتعقيدات وخلافات ، وبعثت فينا سموم تلك الأحقاد والكراهيات المذهبية من جديد ، بحيث باتت الوحدة القومية والحديث عنها حلماً نرجسياً بعيد المنال حتى على المدى البعيد .
وهنا نقول أن الدين والمذهب اللاهوتي الكنسي هو معتقد فكري يعتنقه عن قناعة في ظروف تاريخية معينة أي فردٍ كان مهما تكون قوميته ويمكن له أن يغير ذلك المعتقد الفكري الديني والمذهبي متى ما تغيرت قناعاته الشخصية بضرورة تغيرهما ، بينما القومية هو شعور وجداني للفرد بالأنتماء الى مجموعة بشرية تماثله في مقومات محددة تحدد هويته القومية لا يمكن له أن يغيرها أو يستبدلها بأخرى كما هو الحال مع المعتقد الفكري الديني والمذهبي . مثلاً يمكن للفرد الكاثوليكي أن يتحول الى المذهب الأرثوذوكسي وبالعكس ويمكن للسُني أن يتحول الى المذهب الشيعي وبالعكس ويمكن للمسيحي أن يتحول الى الأسلام وبالعكس بحسب تغيير قناعات الفرد المتحول ، كما هو الحال في التحول من حزب سياسي ذات أيديولوجية معينة الى حزب آخر ذات أيديولوجية مخنلفة عندما تتغير القناعات الفكرية لدى الفرد المتحول ، بينما لا يمكن للفرد العربي أن يتحول من القومية العربية الى الفارسية أو التركية أو الكوردية أو غيرها لأنه ليس هناك عناصر التماثل بين المقومات القومية التي يتميز بها كل فردٍ منهم بينما التماثل في المقومات القومية بالكامل موجود بين الفرد الكلداني والسرياني والآشوري وهذا يؤكد أنهم أبناء قومية واحدة لهم لغة واحدة وتاريخ واحد وجغرافية واحدة وتراث وثقافة وتقاليد ومصالح وعادات موحدة لحدٍ كبير ومصير واحد مشترك وهو الأهم لأنه على امتداد التاريخ أعداء أمتنا لم يميزوا بيننا على أساس المذهب بل سيوفهم كانت مسلطة على رقاب الجميع دون تمييز وجرائم داعش غير دليل على صحة ما نقول .     

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد 26 / آب / 2018 م

30
خيانة بريطانيا للآشوريين ونكثها لوعودها لهم
( الجزء الثاني والأخير )
خوشابا سولاقا
نبدأ معكم في هذا الجزء من حيث إنتهينا في الجزء الأول . عند التمَعُن بروية وببُعد النظر في الواقع الفعلي المستجد للآشوريين بعد الثورة البلشفية الروسية وانسحاب الجيش الروسي المفاجئ من الحرب رسمياً وبالأخص من جبهة بلاد فارس من جهة وتنامي العداء العثماني الفارسي الكوردي تجاه الآشوريين من جهة أخرى ، وما ورد في إعلان العقيد المخابراتي البريطاني ف . د .غريسي في اجتماع اورميا في أوائل كانون الثاني من عام 1918 باسم حكومة بريطانيا من جهة ثالثة سنستنتج أنه لم يكن هناك أمام الآشوريين من خيار آخر أفضل من القبول بما ورد في إعلان غريسي ووضع كل ثقتهم بأقواله التي سمعوها منه في الاجتماع المذكور وأن يصدقوا كلُ ما قاله وسمعوه منه على رؤوس الأشهاد بشأن مستقبل الشعب الآشوري .
بهذا القبول الآشوري بما ورد في إعلان غريسي يكون غريسي قد حقق هدفه الأول الذي جاء من أجله ، ألا وهو إقناع الآشوريين بالاستمرار في الحرب الى جانب الحلفاء حيث قطع الوعود المعسولة الكاذبة والمخادعة لهم التي تعزز ذلك الاستمرار بعد أن غاب عن باله الأهمية البالغة لما قاله وما وعد به وأقره باسم حكومة بريطانيا بخصوص مستقبل الشعب الآشوري بالعودة الى موطنه الأصلي في حيكاري وإقامة كيانه المستقل في مناطق سكناه ، ولكن يبدو أنه صاغ وعوده بخبث وذكاء ودبلوماسية انكليزية مخادعة منسجماً مع قول المثل " كلام الليل يمحيحه النهار " .
وبناءً على موافقة الآشوريين على الأعلان البريطاني هذا تم تجنيد من الشباب الآشوري ما يقارب الـ ( 5000 ) متطوع ، وبعد تهيئة كل هذا العدد من المتطوعين بدأت تظهر في الأفق بعض المعوقات الفنية بشأن صنف الضباط وحجم ونوعية العُدد والمعدات الحربية التي من المفروض أن توفرها بريطانيا للتشكيلات الآشورية الجديدة والتي كانت قليلة جداً لا تفي بالغرض المطلوب ولا تتناسب مع عدد الجنود ومتطلبات العمليات الحربية وحجم الأخطار المتوقعة والمحدقة بالآشوريين من الأعداء في قادم الأيام .
الفرس من جانبهم نظروا الى هذه التشكيلات الآشورية بعين الشك والريبة والحذر فعَدتها تهديداً للمسلمين ، ودول الحلفاء لم تَقُم بما يجب القيام به من العمل الدبلوماسي اللازم لتهدئة خواطر الفرس وطمأنتهم لتبديد مخاوفهم بالطرق الدبلوماسية المتعارف عليها بشأن وجود هذه التشكيلات الآشورية على أراضيها والتي لا تشكل في النهاية أي خطراً عليهم أي على الفرس .
وقد كان هذا التقصير من قبل دول التحالف ربما مقصوداً ومخططاً له وذلك لوضع الآشوريين في موقف محرج وصعب لدفعهم أكثر الى اللجوء الى الحلفاء طلباً للحماية ومن ثم القبول بما تمليه عليهم بريطانيا وحلفائها من شروط وتقديم المزيد من التنازلات عن ما وعدوهم به في إعلان غريسي .
بعد كل هذه الظروف الصعبة التي خلقها الأنسحاب الروسي من جبهات القتال في بلاد فارس ضربت العزلة أطنابها على أورميا وحواليها ، وتنامت الدعاية المضادة والمغرضة من دول المحور بين أوساط الجماهير الفارسية بشكل مفزع ومضخم ومبالغ به لتصعيد العداء والكره للآشوريين ، فتوالت المشاهد المأساوية ونزلت المصائب على رؤوس السكان المحليين من الآشوريين ، كما انتشرت الأمراض والأوبئة والمجاعة وأنزلت مراسيها في طول البلاد وعرضها ، فاستفحلت أعمال النهب والسلب والقتل والجريمة بكل أشكالها في أورميا وحولها وحصلت الكثير من المجازر الدموية وأعمال القتل والأنتقام والأغتصاب بحق الآشوريين بشكل خاص وبحق المسيحيين بشكل عام أينما وجدوا في بلاد فارس وأصبح قتل المسيحيين مباحاً بسبب غياب السلطة وقدرتها على فرض القانون وهيبتها .
على ضوء هذا الواقع المزري والمفزع للآشوريين والمسيحيين ، تحالفوا الأكراد مع بعضهم البعض من جهة ومع الأتراك والفرس من جهة ثانية للأنتقام من الآشوريين والتنكيل بهم وإبادتهم وإستئصالهم أينما وجدوهم .
هذا الواقع المرير المؤلم فرض على البطريرك الآشوري مار بنيامين شمعون خيارات صعبة للغاية أحلاها مُرّ لغرض إنقاذ شعبه من الأخطار المحدقة به من كل صوب وحدب ، وبغرض تحييد الجيران من الأكراد الشيكاكيين وتأمين جانبهم من خلال عقد اتفاق معهم تقرر السفر لعند المجرم الغدار الكوردي سمكو آغا الشيكاكي لمفاوضته حول عقد الصلح والسلام بين الطرفين . وكان العقيد غريسي قد مَهَدَ ورتب لمثل هذا اللقاء بين الرجلين  بذريعة إنهاء حالة العداء واحلال السلام والوئام بين الجانبين عند قدومه من مدينة وان الى أورميا .
وبناءً على ذلك اقترح غريسي على الآشوريين عقد تحالف مع آغا قبائل الشيكاك الكوردية اسماعيل آغا سمكو وقد أبلغهم بانه عند عودته من وان الى أورميا زار سمكو في مقره وناقش معه الموضوع وأبدى الأخير استعداده ورغبته في عقد مثل هكذا اتفاق .
عليه وبتاريخ 16 / آذار / 1918 ذهب البطريرك مار بنيامين شمعون وبصحبته بعض الضباط الروس وسرية من الحرس الآشوري الشجعان قوامها أربعون مقاتلاً شجاعاً ومعهم أخوه داوود لمقابلة المجرم الغدار سمكو آغا في مقره في مدينة " كوني شهر " القريبة من مدينة " ديلمان " وقد استقبل البطريرك والوفد المرافق له عند وصولهم الى مقر سمكو أغا بحفاوة بالغة واحترام من قبل المجرم سمكوأغا ، وبعد إنتها ء المقابلة رافق سمكو البطريرك حتى الباب الخارجي لمقره فودعه بقبلة على يديه والتي كانت كقبلة يهوذا الأسخريوطي للسيد المسيح له المجد ، وعندما هَمَّ البطريرك بالركوب في عربته رجع المجرم سمكو وتناول بندقيته وأطلق النار على البطريرك من الخلف وأصابه في ظهره وأرداه شهيداً ومن ثم أطلق شقيقه رصاصة أخرى من مسدسه عليه لضمان مصرعه ، وانهمر على الوفد المرافق لقداسته وابل من الرصاص من على أسطح البنايات المحيطة وكان المارشمعون قد سقط قتيلاً على الأرض مضرجاً بدمائه الزكية الطاهرة و، ومن ثم تم قطع أصبعه بغرض نزع وسرقة خاتمه البطريركي المقدس يا لدناءة نفس القتلة الأوغاد وغدرهم .
هكذا وبهذه الخيانة الدنيئة إنتهت حياة حبر جليل عظيم وإبناً باراً لكنيسة المشرق حيث ضحى بحياته في سبيل أمته الآشورية ، وبذلك بات هذا البطريرك رمزاً خالداً في ذاكرة الأمة الآشورية وأحد الرموز الكبيرة في التضحية والذي باستشهاده وإنطفأ ضياء نور عينيه خسر الآشوريين بطلهم القومي المقدام وقائدهم الأمين ، وباستشهاده مَثَلَ وجَسَدَ رمزياً شخصية السيد المسيح له المجد في التضحية بنفسه من أجل خلاص شعبه ، كنت المسيح بذاته يا شهيد الأمة الآشورية الخالد بتضحيتك هذه ، لن ينطفئ نورك الى مدى الدهر وتبقى شعلة أبدية وهاجة ومنيرة في طريق أجيالنا يا مار بنيامين العظيم يا أمير الشهداء الذي قتل بوحشية لا مثيل لها في التاريخ لقد أعطيت باستشهادك مثلاً رائعاً للتضحية من أجل المبادئ والقيم السامية النبيلة ليقتدي بها من يريد أن يخدم أمته .
وبعد هذا الأغتيال الجبان الغادر حصل هرج ومرج في صفوف سرية الحماية فقتل العديد من الجانبين وتمكنوا الفرسان الأبطال الشجعان من قبيلتي تياري وتخوما وعلى رأسهم دانيال إبن ملك اسماعيل من حمل الجثمان الطاهر لمار بنيامين على الأكتاف ونقلوه الى أحدى كنائس الأرمن القريبة الواقعة في المنطقة ، حيث تم دفنه هناك لاحقاً وفق الطقوس والتقاليد المرعية في كنيسة المشرق وحسب استحقاقات درجته الدينية في الأيام التالية لأستشهاده ، طيب الله ثراك يا مار بنيامين يا شهيد الأمة الآشورية المجيدة وكنيسة المشرق العظيمة .
كان استشهاده صدمة عظيمة لشعبه الآشوري وكان ذلك صدمة أكبر لأخته سورما خانم فسببت لها حزناً عميقاً وجرحاً مؤلماً رافقاها كل ايام حياتها الى يوم مماتها .
لقد القت سورما خانم بمسؤولية الأغتيال على عاتق السلطات الفارسية التي خططت لهذه الجريمة البشعة ونفذتها بوحشية وجبن خسيس ، لأن السلطات الفارسية كانت تحاول دوماً وتسعى للتخلص من شخصية البطريرك مار بنيامين شمعون لما كان له من دور رائد وفعال في التصدي لمؤامرات ودسائس الحلفاء الفرس والعثمانيين والكورد ضد الآشوريين ، لقد صرح المجرم سمكو فيما بعد أن دوره في عملية الأغتيال كان فقط التنفيذ أي أنه كان مجرد آلة التنفيذ وليس إلا .
لقد أخطأت السلطات الفارسية في تبنيها لراي التخلص من مار شمعون بنيامين ، لأن البطريرك الشهيد كان دوماً يعمل ليدفع بعيداً كل ما من شأنه أن يُدخل الآشوريين في أزمات مع الفرس أو في مواجهات مباشرة معهم .
ولكن وكما قلنا سابقاً هناك معلومات مؤكدة تؤكد بأن العقيد الملعون غريسي عند لقاءه مع المجرم سمكو أغا في طريقه من وان الى أورميا قد نسق عملية اغتيال مار شمعون بنيامين معه ومع الحكومة الفارسية لغرض إضعاف القيادة الآشورية وتسهيل عملية استغلال الآشوريين لخدمة مخططات بريطانيا لما كان لمار بنيامين من دور فعال ومحوري ومؤثر في المحافظة على وحدة الصف والقرار الآشوري وإن تصفيته  سيجعل الآشوريين في موقف اضعف يدفعهم ذلك للخضوع للأمر الواقع الذي تفرضة عليهم إرادة المصالح الحيوية البريطانية في الحرب ولأستغلالهم بأقصى درجة ممكنة مقابل أقل الحقوق وهذا ما حصل فعلاً فيما بعد .
وبعد استشهاد مار بنيامين شمعون تم في 24 / نيسان / 1918 في مدينة سلامس إنتخاب أخيه مار بولس شمعون بطريركاً للآشوريين وجرت مراسيم التنصيب والجلوس على الكرسي البطريركي في كاتيدرائية مارت مريم في أورميا في 29 / نيسان / 1918 . 
بعد أن انتهت الحرب ووضعت أوزارها وجدوا الآشورين أنفسهم وبأقل من نصف عدد نفوسهم ساعة مغادرتهم لموطنهم في حيكاري في مخيمات بعقوبة في العراق محطمين القدرات وخائبين الآمال تنهش بهم الأمراض والأوبئة وتفتك بهم الحاجة والفاقة والعوز بعد رحلتهم الطويلة رحلة الآلام والأحزان والمآسي الدامية واستقروا في مخيمات بعقوبة التي أعدتها لهم القوات البريطانية من دون قيادة مقتدرة توحدهم ، وتدب في صفوفهم الخلافات العشائرية والقبلية في صراعات من اجل السلطة كما خططت له بريطانيا وشجعته وفق مبدأها السيء الصيت " فرق تسُدْ " من خلال وعودها لزعماء هذه الأطراف لتولي القيادة العسكرية للبعض والزعامة الدنيوية للبعض الاخر في حالة وقوفهم الى جانب فصل السلطة الزمنية عن السلطة الدينية التي يتولاهما البطريرك ، وهذا ما حصل بعد وفاة البطريرك مار بولس شمعون في 27 / نيسان / 1920 ، اشتدت الخلافات حول رسامة البطريرك القادم فاراد المعارضون للبيت البطريركي بزعامة آغا بطرس وملك خوشابا رسامة مار طيماثيوس مطران مليبار – الهند بطريركاً لكنيسة المشرق خلفاً للمرحوم مار بولس شمعون ، وأصرت الجبهة المؤيدة للبيت البطريركي على بقاء الكرسي البطريركي في عائلة مار شمعون ، وآخيراً حسم الموقف لصالح البيت البطريركي وتم رسم الطفل مار إيشاي شمعون ذي الأثني عشر ربيعاً من العمر بطريركاً على كنيسة المشرق وتعيين مار طيماثيوس قييّما ووصياً عليه لحين بلوغه سن الرشد وأصبح البطريرك رقم ( 21 ) في العائلة المارشمعونية الكريمة ، وبذلك أصبح البيت البطريركي خاوياً من السلطة الزمنية القوية الحازمة والحكمة الرشيدة التي كان قد صنعها وأسس لها وامتلكها الشهيد الخالد مار بنيامين شمعون ، وهنا وكتحصيل حاصل لهذا الفراغ في ممارسة السلطات الزمنة للبطريرك وللمؤهلات التي كانت تمتلكها وتتمتع بها سورما خانم وثأثيرها ومكانتها المرموقة لدى العائلة وشعبها والثقة الكبيرة بقدراتها وذكائها الخارق وايجادتها اللغة الانكليزية بطلاقة توسع دورها في ممارسة السلطات الزمنية بالنيابة عن البطريرك الطفل الغائب عن الساحة السياسية الآشورية ، وهذا ما أثار غيظ  وغضب وحنق الجبهة المعارضة أكثر وعمق من خلافاتهم مع البيت البطريركي ، والذي كان في نفس الوقت فرصة ذهبية للانكليز لأستثمار هذا الخلاف لصالح تحقيق مآربهم وغاياتهم الدنيئة لأستغلال الآشوريين بأقصى ما يمكن .
وبأغتيال مار بنيامين وتفكك القيادة الآشورية وتشرذمها الى أشلاء متناحرة تحقق الهدف الثاني للعقيد " غريسي " وهو الوصول بالآشوريين الى بلاد ما بين النهرين كما خطط  له الانكليز للدفاع عن مصالح بريطانيا النفطية في هذه البلاد .
ولأهمية إدانة بريطانيا على خيانتها القذرة اللاأخلاقية للآشوريين ونكثها لوعودها الكاذبة التي قطعتها لهم في إعلان العقيد " ف . د .غريسي " المنوه عنه سابقاً والذي فيما بعد دحض ونفى واقعة انه باسم بريطانيا العظمى وعد الآشوريين بتأسيس الدولة الآشورية المستقلة .
ولغرض دحض اكاذيب غريسي انقل لكم شهادات بعض الحاضرين في اجتماع أورميا الذي انعقد في أوائل كانون الثاني من عام 1918 وهم كل من الدكتور بول كوجول رئيس البعثة الطبية الفرنسية ونائب القنصل الروسي باسيل نيكيتين كما أوردتها الكاتبة الفرنسية كلير ويبل يعقوب في كتابها الموسوم ( سورما خانم ) وهي كما يلي :- 
أولاً : شهادة الدكتور بول كوجول رئيس البعثة الطبية والأسعاف الفوري الفرنسية في أورميا .
إستناداً الى رسالة البطريرك الشهيد مار إيشاي شمعون الموجه الى الدكتور بول كوجول المؤرخة في 18 / كانون الثاني / 1934 يقول الدكتور كوجول في رسالته الجوابية المؤرخة في 19 / كانون الثاني / 1934 ما يلي :
(( جواباً على رسالتك المؤرخة في 18 / ك 2 / 1934 أخبرك بأنني لا زلت أحتفظ في ذاكرتي باحداث الاجتماع الذي أشرت إليه . كما أني أرى نفسي قادراً على أن أثبت دقائق الأحداث بدقة تامة وموثقة بتواريخها .
انعقد الاجتماع في أورميا في شهر كانون الأول عام 1917 أو في اوائل كانون الثاني عام 1918 . دُعيت الى الاجتماع واشتركتُ فيه مع كل من السيد نيكيتين نائب القنصل الروسي في أورميا والعقيد " ف . د . غريسي " الذي كان يعمل باسم الأستخبارات البريطانية وكان قد قَدم الى أورميا من " وان " حيث توجد دائرته الرئيسية ليحث الآشوريين على الموافقة على تنظيم مقاومتهم للقوات التركية والأستمرار في الحرب . إنه قد تَحَمّلَ باسم بريطانيا العظمى مسؤولية التوفير الفوري لكل المبالغ الضرورية لتغطية مرتبات الجنود وضباط الصف ، كما وعد الآشوريين في هذا الاجتماع ايضا باعلان الاستقلال الناجز للشعب الآشوري وتأسيس دولتهم المستقلة ))
.
التوقيع
بول كوجول
الرئيس السابق للبعثة الطبية والأسعاف الفوري الفرنسية


ثانياً
: شهادة نائب القنصل الروسي باسيل نيكيتين في أورميا فقد كانت إجابته لقداسة البطريرك الشهيد مار إيشاي شمعون في 31 / ك 2 / 1934 كما يلي :
(( إني أشهد أن العقيد " ف . د . غريسي " رئيس البعثة العسكرية البريطانية لأرمينيا وكوردستان والمرتبطة بالقيادة العامة للقوات المسلحة الروسية في القوقاز ، قد قَدم من مدينة " وان " في أواخر عام 1917 الى أورميا ودعى لعقد اجتماع عام حول القضية الآشورية ، حضره ممثلون لجهات أجنبية . خلال الاجتماع دعى العقيد " ف . د . غريسي " الآشوريين لحمل السلاح واعداً إياهم بكل صراحة بالمساعدة المالية والسياسية تقدمها لهم حكومته أثناء الحرب ، بعد ذلك تنظم الأمور بعد إستتباب الأمن والسلام بصورة نهائية .
بناءً على دعوة وجهها لي العقيد " غريسي " حضرتُ الاجتماع بصفتي قنصل روسيا ، وحضر الاجتماع أيضاً ممثلون أجانب. خلال الاجتماع صرحتُ أن في حالة حمل الآشوريين للسلاح ضد العدو فيجب عندئذ الأخذ في الحساب قضيتهم من ضمن نتائج ما بعد الحرب أي منحهم الأستقلال التام الذي استحقوه بجدارة ، وقد تحدث العقيد غريسي في هذا الاجتماع وقال أن الآشوريين باستمرارهم في الحرب الى جانب بريطانيا يمكنهم الأطمئنان بالحصول بعد انتهاء الحرب على الدولة المستقلة التي يستحقونها بكل جدارة ))
التوقيع
باسيل نيكيتين

هذه الرسائل كان قد طلبها قداسة المار إيشاي شمعون عام 1934 من هؤلاء بعد أن تم نفيه الى خارج العراق  لغرض متابعة القضية الآشورية لدى عصبة الأمم بعد مذبحة سُميل الرهيبة لغرض تقديمها كوثائق تؤكد على وجود وعود بريطانية للآشوريين بمنحهم الأستقلال الكامل في مناطق سكناهم في حيكاري وأورميا والعراق ، ولكن مع الأسف الشديد وكما ذكرنا في مقالات سابقة كانت الرسائل المزورة للآشوريين الخونة  المتعاونين مع الحكومة العراقية الكيلانية آنذاك قد سبقتها الى عصبة الأمم والتي يرفض فيها مرسليها تمثيل المار شمعون لهم وإتهامه بتزوير تواقيع من يدعي تمثيلهم من رؤساء العشائر الآشورية ، وإنهم يعيشون بأمن وسلام ورفاه في ظل رعاية حكومة دولة العراق ، وكان كل ذلك قد جرى بتدبير من الحكومة العراقية الكيلانية وبدعم وتخطيط الانكليز لأنقاذ بريطانيا نفسها من المسؤولية الأخلاقية والتاريخية التي ترتبت عليها جراء مذبحة سميل الرهيبة بحق الآشوريين .
هكذا أيها القارئ الكريم وضعت القضية الآشورية وإنشاء دولتهم المستقلة فوق الرفوف العليا والمنسية من أرشيف عصبة الأمم يعلوها الغبار بمسعى بريطانيا وتعاون حكومة رشيد عالي الكيلاني وبعض الخونة المتعاونين من أبناء شعبنا الآشوري وأصبحت جزء مهمل من الماضي .
وما يؤسف له أكثر إن نفس السيناريو يتكرر اليوم بين مكونات أمتنا بسبب الخلافات المذهبية بين كنائسنا من جهة وبين قادة تنظيماتنا السياسية من أجل المصالح ومنافع السلطة التي وصلت بهم الى درجة التفريط بالمصلحة القومية من جهة ثانية ، ومن مفارقات الزمن نقول ما أشبه اليوم بالبارحة ، إنه لمن مهازل القدر ان تتكرر الأمور وتتناغم على نفس المنوال ولكن بوجوه جديدة مختلفة !!! .

(( المجد والخلود لشهداء الأمة الآشورية ))

خوشابا سولاقا
15 / آب / 2018 م           


31
خيانة بريطانيا للآشوريين ونكثها لوعودها لهم
( الجزء الأول )
خوشابا سولاقا
ملاحظة : بمناسبة الذكرى 85 لمجزرة سُميل سنة 1933 م ننشر هذا المقال لأهميته التوثيقية  ولكونه يشكل الخلفية التاريخية لهذه المجزرة وكل ما جرى قبلها وبعدها من اجتماعات وحوادث ودوافع الأنكليز الحقيقية عن خيانتهم للآشوريين ونكث وعودهم لهم .
 
قلنا في مقالٍ سابق كان قرار روسيا بعد الثورة البلشفية سنة 1917 م بالانسحاب من الحرب كارثة كبرى حَلتْ بالحلفاء على الجبهة الفارسية بشكل عام ، كانت أيضاً في ذات الوقت كارثة حَلتْ بالشعب الآشوري المغلوب على أمره بشكل خاص على وجه  التحديد ، أدت بالنتائج وباللغة العسكرية والحرب بالنسبة للحلفاء الى فراغ هذه الجبهة الستراتيجية المهمة من أي وجود عسكري معتبر لقوات الحلفاء ، أما بالنسبة للآشوريين فإنقلبت الأمور على عقب أي بمعنى على عكس ما كانت تسير إليه قبل الأنسحاب . لذلك حُضيت التطورات السياسية المستجدة في روسيا باهتمام الانكليز والفرنسيين على حدِ سواء .
لذا ولغرض توكيد اهتمامهما الكبير بالوضع العام والتغيير الطارئ على الوضع الستراتيجي العسكري في جبهة بلاد فارس ، قامتا الدولتان بريطانيا وفرنسا بجهد مشترك لدعم هذه الجبهة التي اصبحت كالخنجر في خاصرتيهما ونقطة ضعفهما بتكليف مندوبيهما الموجودين في تلك الجبهة القيام بمهمة خاصة للتعويض عن النقص الذي خلفته إنسحاب القوات الروسية من هذه الجبهة تتركز في الأساس على تشجيع الآشوريين الحلفاء السابقين للروس ودفعهم لأعادة الحياة والفاعلية لفصائل القوات الآشورية ، أي الأفواج التي شكلت بدعم الروس والتي قاتلت مع قواتهم قبل انسحاب روسيا من الحرب ببسالة وشجاعة نادرة وحققت لها  انتصارات كبيرة على هذه الجبهة ضد القوات العثمانية للاستمرار في مقاتلة ومنازلة عدوهم اللدود الذي يتربص بهم شراً وانتقاماً ألا وهو القوات العثمانية وخوض المعارك ضدها دفاعاً عن النفس ولتحرير موطنهم والعودة إليه .
ولتحقيق هذا الهدف المهم في استراتيجية الحلفاء في كسب الحرب على هذه الجبهة المهمة وصل بلاد فارس في 25 / كانون الأول / 1917 العقيد الفرنسي " كاز فيلد " حاملاً أوامر صريحة من حكومته لتشكيل أفواج آشورية جديدة وكان كله أمل بالظفر بمساعدة الدكتور " بول كوجول " رئيس البعثة الطبية والأسعاف الفوري الفرنسية التي كانت سابقاً مرتبطة بالقوات الروسية العاملة في مدينة اورميا ، وبالنظر لثقة الحكومة الفرنسية بالدكتور بول كوجول أنيطت به مهمة تشكيل الأفواج الآشورية الجديدة ، وعليه قام الدكتور " كوجول " بنشاط كبير ومنظم ، فنظم حملات عديدة لجذب الآشوريين وترغيبهم للتطوع والانخراط في تلك الأفواج العسكرية الجديدة المزمع تشكيلها والتي ستعمل تحت أعلام الحلفاء وقواتهم العاملة في بلاد فارس . وكما قلنا في مقالنا في مقالٍ سابق الموسوم ( روسيا القيصرية والثورة البلشفية وانعكاساتها السلبية على الوضع الآشوري ) الذي نشرناه في هذا الموقع الكريم ، كان للانكليز المتمركزين في بلاد ما بين النهرين وجنوب بلاد فارس اهتمام خاص بأهمية احياء هذه الجبهة وجعلها نشطة لأنها كانت تهدف الى المحافظة على طريق سالكة وأمينة الى القارة الهندية حيث لها مصالح استراتيجية حيوية هناك لا تريدها أن تتعرض الى اية مخاطر محتملة من تقدم قوات دول المحور نحوها عبر هذه الجبهة التي أصبحت مفتوحة أمامها بعد الأنسحاب الروسي من الحرب . لذا قام الانكليز أيضاً بدورهم بارسال مبعوثهم الخاص في كانون الأول من عام 1917 الى أورميا . كان هذا المبعوث كما ذكرنا في مقالنا المنوه عنه أعلاه ضابط في المخابرات البريطانية ألا وهو العقيد الشهير " ف . د . غريسي " ( gracey  ) .
وصل الملعون غريسي ومعه كما قلنا سابقاً أوامر صريحة تقضي بتشكيل فرق عسكرية آشورية مسلحة وباسرع ما يمكن من الوقت للتعويض عن القوات الروسية المنسحبة . لذلك قام غريسي بتنظيم لقاء مع الآشوريين لأقناعهم على ضرورة الأستمرار في الحرب كحليف الى جانب الحلفاء ضد العثمانيين وتولي مسؤولية الحفاظ على جبهة قتال نشطة وفعالة متحالفة مع الأرمن وبعض الأكراد – هنا إشارة الى التعاون مع عشائر سمكو الشيكاكيين - . من اجل تحقيق هذا الهدف . وقبل وصول العقيد غريسي الى أورميا كان قد قام بلقاء مع سمكو آغا واستشارته بشأن خطته لتفعيل هذه الجبهة المهمة .
وبسبب الظروف المناخية القاسية التي اجتاحت منطقة أورميا والتي أثرت بشكل كبير على أوضاع الآشوريين الصعبة وزادتها صعوبة العيش انتشار الأوبئة والأمراض فانجبرت سورما خانم بسبب ذلك على التقرب من البعثة الأمريكية ، في الوقت الذي كانت الأجراءات تتخذ على قدم وساق من قبل مندوبي بريطانيا وفرنسا لعقد اجتماع مهم جداً مع الآشوريين لمناقشة أمورهم الآنية ومستقبلهم الغامض والمجهول !! .
إن مجمل الأوضاع المستجدة على خلفية انسحاب الروس من الحرب لم تكن إيجابية أي أنها كانت في غير صالح الآشوريين ، وتسارعت التطورات نحو الأسوأ من يوم لآخر بسبب مغادرة القوات الروسية لجبهات القتال في بلاد فارس وشرق الأناضول ، وأصبح وضع الآشوريين في الحضيض وعل أسوأ ما يكون من جميع الجوانب ، وأصبحوأ وحيدين في ميدان القتال في مواجهة أسوأ الأعداء ألا وهم القوات العثمانية الشرسة التي بدأت تهاجم مناطق تواجد الآشوريين إضافة على ذلك عداوة الفرس للآشوريين أخذت تتنامى مع الأيام واصبحت الحياة الآمنة ليوم الغد لهم لم تعد مضمونة .
كانت أمام سورما خانم وشقيقها البطريرك مار بنيامين شمعون أمال كبيرة بنتائج الأجتماع المقبل إنعقاده مع ممثلي الحلفاء بريطانيا وفرنسا لأيجاد مخرج للآشوريين للخروج من هذا المأزق والمحافظة على سلامتهم من إعتداءآت الأعداء التقليديين الكورد والعثمانيين والفرس .
وعلى أثر وصول العقيد غريسي الى أورميا عقد اجتماع موسع في بناية البعثة الأمريكية في أورميا في بداية كانون الثاني من عام 1918 وحضره كل من :-
1 ) ممثل أمريكا الملازم مكدافيل والدكتور شيد وزوجته – رئيس البعثة الطبية الأمريكية كرئيس لجلسة الاجتماع .
2 ) سيادة المطران سونتاك رئيس البعثة اللعازارية .
3 ) السيد باسيل نيكيتين – نائب القنصل الروسي ممثل روسيا .
4 ) الملازم الفرنسي كاز فيلد ممثل فرنسا .
5 ) الدكتور بول كوجول – رئيس البعثة الطبية والأسعاف الفوري الفرنسية في أورميا .
6 ) البطريرك الآشوري مار بنيامين شمعون ممثل الآشوريين رئيس الوفد الآشوري في الأجتماع .
7 ) سورما خانم شقيقة البطريرك الآشوري عن الجانب الآشوري .
8 ) مبعوث حكومة بريطانياالعقيد ف . د . غريسي ممثل بريطانيا العظمى .
كانت الأجواء المخيمة على المجتمعين أجواء كئيبة للغاية بسبب القلق الذي ينتاب النفوس وبسبب خطورة الموقف على جبهة الحرب مع القوات العثمانية وكان موقف بريطانيا حرج وصعب للغاية وكان على غريسي إنقاذه باختلاق وإيجاد حل للخروج من عنق الزجاجة التي اخذت تضيَّق الخناق على عنق بريطانيا وفرنسا ، المناقشات التي دارت في الاجتماع أشرت بوضوح على الصعوبات والتحديات الكبيرة التي كانت تواجه الحلفاء من قدوم القوات العثمانية نحو أورميا التي تهدد مصير الحرب على هذه الجبهة ، كل هذه الصعوبات والتحديات وضعت المجتمعين أمام خيارات صعبة لتقديم تنازلات متبادلة من أجل إتخاذ القرار الصائب والمناسب والمطلوب لأنقاذ الموقف على جبهة الحرب بالنسبة للجميع بما فيهم الآشوريين .
بقى المطران سونتاك معانداً على الرأي الذي يفترض " حيادية الفرس " بينما كل الوقائع على أرض الواقع أثبتت وتثبت بشكل قطعي ومنذ زمن بعيد أن هذه الفرضية غير واقعية وهي مستندة على ادعاءات شفهية فقط . حيث أن بعضاً من الفرس كانوا يتآمرون ويتعاونون من وراء الستار مع العثمانيين من أجل انتزاع السلطة في المنطقة .
العقيد " غريسي " علق على الموضوع في اجابته للجميع بالقول " إن وزراء الحلفاء أمسكوا بزمام حكومة بلاد فارس في طهران ، وأكد أن لا إعتراض لتلك الحكومة على تدخل الحلفاء في بلاد فارس .
الآخرون ومنهم سورما خانم أخت البطريرك بقوا يؤكدون على النقص الكبير في المال والذخائر والمؤن والسلاح ، وكذلك في أعداد المقاتلين . وعندما تم التطرق الى موضوع الأكراد ودورهم في العملية ، علق البطريرك مار بنيامين شمعون ، أن لا أهمية لوجودهم – يقصد الأكراد – كقوة مقاتلة منضبطة تقبل العمل النظامي المنضبط وإطاعة الأوامر والتعليمات العسكرية بدقة لأنها في الحقيقة على العكس من ذلك  ، وكان في الحقيقة تشخيصاً ذكياً ودقيقاً من قداسته ، وهنا اكد البطريرك وبكل وضوح أنه هناك حاجة ملحة لتدخل قوات الحلفاء بشكل مباشر وبثقل مؤثر وحاسم تعويضاً للنقص الذي خلفته انسحاب القوات الروسية من جبهات القتال في بلاد فارس وعدم الأعتماد فقط على افواج المتطوعين الآشوريين ، وهنا كانت غاية قداسته ضمان استمرار دعم الحلفاء للجبهة بالمستوى المطلوب وعدم التضحية بالأفواج الآشورية عند حالات الضيق .
العقيد غريسي المبعوث البريطاني أكد ذلك ووافق على كل النقاط المطروحة في هذا الاجتماع بما فيها ملاحظات بل مقترحات قداسة البطريرك مار بنيامين شمعون ، حيث صرح غريسي في بداية حديثه بأنه يتكلم باسم البعثة العسكرية البريطانية لدى الجيش الروسي في القوقاز ، ثم تابع حديثه باسم حكومة بريطانيا حيث قال أن بريطانيا تعتبر الآشوريين حلفاء متساوون لها في الصراع ضد المانيا وتركيا وطلب طرد كافة الضباط الروس من الجيش الآشوري وإن بريطانيا سوف تعوض عنهم بضباط انكليز ، وإن بريطانيا سوف تساعد الآشوريين في تأسيس الدولة الآشورية المستقلة بعد إنتهاء الحرب إذا تابعوا الآشوريين الحرب الى جانب الحلفاء .
هكذا قطع العقيد غريسي الوعود باسم الحكومة البريطانية ، وإن الألتزام الأهم الذي قدمه وبصوت متحمس كان " الأهتمام بمستقبل الآشوريين " هنا صرخ قائلاً موجهاً الكلام بصورة مباشرة لممثلي الآشوريين المشاركين في الاجتماع عن قصد قائلاً " ارجو أن لا ينسى الآشوريين أن كفاحهم هو من أجل تحقيق حريتهم ، لذا فمن واجبهم الألتفاف حول زعيمهم الأعظم البطريرك ، طالما ليس هناك آشوري فارسي ولا آشوري جبلي فالجميع آشوريين يكونون شعباً واحداً ، هذا ما أوفدتني حكومتي لأبلغكم به وهذا يعني أيضاً كافة الشعوب الصغيرة الأخرى ، الجميع هنا يحارب من اجل حريتهم ، وهذا ما أبلغته للأرمن من قبلكم أيضاً ، جميع المصاريف سيتحملها ويغطيها الحلفاء . هذا ما تم الأتفاق عليه مع حكومة القوقاز الجديدة ، إنكم ستحصلون على كل السلاح الضروري والذخيرة اللازمة وكذلك المعونة العسكرية عند طلبها . الحرية هدف ثمين لذا فإن الحصول عليها يحتاج الى التضحية ، إنكم سوف لن تحصلوا عليها إلا بقوة إرادتكم وبطولاتكم هذا إن كنتم حقاً تهدفون السيادة على موطنكم الغني بثرواته وخيراته ، إنه موطن العسل واللبن .
إن إعلان غريسي لم يعط الصورة الواضحة للأستقلال المستهدف لموطن الآشوريين فقط بل وعدهم أيضاً بالمال والسلاح والذخيرة والدعم العسكري الفعلي .
لقد كان لهذا الأعلان الوقع الكبير والتأثير القوي على السامعين الجالسين في الاجتماع ، وعليه فور سماع النص كاملاً سرت همهمات الموافقة في أرجاء القاعة رغم أصوات المعارضة التي أبداها بعض القلة . ولكن مع ذلك كان هناك خوف وهلع من هجوم تركي كاسح متوقع الوقوع بين ساعة وأخرى لأعادة احتلالها لمقاطعة أورميا .
البطريرك مار بنيامين شمعون وأخته سورما خانم إشترطا على غريسي مقابل موافقة الآشوريين على الأعلان الذي تلاه أمام الحاضرين وصول المساعدات المالية والدعم العسكري قبل تنفيذ التعاون الذي تطلبه بريطانيا والحلفاء من الآشوريين ، وأخيراً تمت الموافقة على الألتزام بالتعهد المشار إليه في إعلان غريسي نظراً لما احتواه من إمكانيات تسهل العودة الى الديار أرض الأباء والأجداد جبال هيكاري الحبيبة .. وهنا كان الخطأ القاتل الذي إرتكبته القيادة الآشورية المتفاوضة مع الحلفاء وغريسي بالذات في الأجتماع ، كان من المفروض أن يطلب من غريسي والحاضرين تثبيت إعلان غريسي الذي تلاه باسم الحكومة البريطانية في محضر رسمي  مكتوب موقع من الحاضرين كوثيقة ملزمة التنفيذ ، لو كان ذلك قد تم لكان فعله للآشوريين كفعل " وعد بلفور " لليهود ، إلا أنهم مع الأسف الشديد لم يفعلوا ذلك لأنهم تعاملوا مع غريسي الملعون وفق منطق وفلسفة العشيرة وليس وفق منطق السياسة التي كان الانكليز فقهائها وسادتها في حينها .
لذلك كان موقف الآشوريين لاحقاً في مؤتمر الصلح في باريس للسلام ضعيفاً يفتقر الى وجود أية وثيقة رسمية مكتوبة تلزم بريطانيا والحلفاء بتنفيذ ما تعهدت به في إعلان العقيد غريسي في اجتماع أورميا في أوائل كانون الثاني من عام 1918 ..

خوشـــابا ســــولاقا
بغداد في 11 آب / 2018 م

نلتقيكم في الجزء الثاني


32
علاقة الجغرافية والتاريخ بمفهوم القومية
خوشابا سولاقا
ان مفهوم القومية مفهوم هُلامي يفقد خاصيته عندما لا يكون مرتبطاً بعلاقة جدلية تكاملية بالجغرافية والتاريخ ، أي بمعنى آخر ارتباطه بالأرض التاريخية ، أي أن القومية تكون موجودة فعلاً ككيان معنوي وهوية عندما تكون مرتبطة بالأرض تاريخياً ولها بصمات حضارية عليها ولها شواخص ومعالم أثارية تؤكد ذلك الوجود المعنوي ، وعندما لا تكون كذلك لا تكون هناك قومية كواقع تاريخي واجتماعي وانساني وحتى قانوني .
القومية من حيث المفهوم الإيديولوجي هي انتماء مجموعة بشرية ذات خصائص ومقومات مشتركة كاللغة الواحدة يتكلمون بها ويرتبطون ببعضهم البعض بمصالح مصيرية مشتركة وينشاؤون فيما بينهم تقاليد وعادات وطقوس اجتماعية مشتركة وتجمعهم رابطة الأرض ، وبالتالي يؤسسون على تلك الأرض تاريخ مشترك يشكل تراثهم القومي وثقافتهم القومية التي تميزهم عن غيرهم من المجموعات البشرية ، فرابطة التاريخ بالأرض هو العنصر الحيوي الأهم في بنية كينونة القومية .
أن التاريخ والتراث الثقافي المرتبطان عضوياً بارض محددة جغرافياً سوف يشكلان الشرعية القانونية التاريخية للوجود القومي لأية مجموعة بشرية وتعطي للهوية القومية لتلك المجموعة البشرية طابعاً ومضموناً قومياً متكاملاً ، أما في حالة فقدان ارتباط التاريخ والتراث بالأرض فإن القومية سوف تفقد مضمونها القومي الحيوي وتصبح عارية من أي غطاء قانوني تاريخي لوجودها ، وبذلك سوف لا تمتلك مبررات وجودها ككيان قومي متكامل المقومات كما هو حال كل الأمم القومية التي تمتلك وطناً ولها بصمات حضارية على أرضه .
في مثل هذا الوضع ، وضع فقدان الأرض سوف لا يكون للمجموعة البشرية حق المطالبة بأية حقوق قومية في أية ارض أخرى من بلدان المهجر لأنهم يعيشون كرعايا في أرض غريبة ليست أرضهم التاريخية ، وعندها في مثل هذه الحالة سوف تنحصر حقوقهم في حقوق الرعايا الاجتماعية والحقوق الإنسانية وبحسب قوانين تلك البلدان والقوانين الدولية ليس أكثر من ذلك .
انطلاقاً من خلفية هذه الرؤية فإن الأرض التي أنشاؤوا عليها أبائنا وأجدادنا من الكلدان والسريان والآشوريين القدامى تراثهم وثقافتهم وتاريخهم وحضارتهم العريقة وتركوا عليها بصماتهم الحضارية وتركوا عليها شواخصهم ومعالمهم الأثارية منذ أكثر من سبعة آلاف سنة هي أرض " بيث نهرين " وليست أية أرض أخرى على هذا الكوكب ، وبذلك من المفروض والمنطق أن تبقى أرض " بيث نهرين " هي مهدنا كما كانت دائماً ، وأن تبقى هي لحدنا ومثوانا الأخير كما ينبغي أن تكون ، ليكون لنا حقاً الهوية القومية ، ويصبح ارتباطنا بها ارتباطاً مصيرياً لكي نجسد بذلك للأصدقاء من الشركاء في الوطن حقيقتنا القومية المتكاملة المقومات ، وكوننا نحن هم السكان الأصليين لهذه الأرض ، ونثبت  في ذات الوقت للأعداء الغرباء الذين يتربصون بنا شراً منطلقين من خلفياتهم الثأرية والأنتقامية التاريخية بأننا باقون خالدون فيها لا نتخلى عنها الى آخر يوم من حياتنا مهما كلفنا الأمر من تضحيات ، ونكون بذلك نخوض صراعاً وجودياً من أجل البقاء والثبات في الوطن لنخيب آمالهم وأحلامهم المريضة .
هنا نستطيع القول أنه إذا أردنا لأمتنا البقاء والأستمرار علينا قبول التضحيات والتشبث بالبقاء في أرض الوطن وأن نتحمل المعاناة والمصاعب والمصائب التي تواجهنا كما تواجه الآخرين من الشركاء في بقليل من الصبر والأناة وأن لا نستسلم في لحظة اليأس والضعف للقدر العبثي الذي يقودنا الى الأنتحار القومي الجماعي والهلاك في دهاليز المهاجر الغريبة كأمة لها مجدها واعتبارها التريخيين وأن لا نترك مدننا وقصباتنا وقرانا التي تحمل كل ذكرياتنا الجميلة للغرباء ونتوجهه الى المجهول الذي يُفقدنا وجودنا القومي على المدى البعيد ونعيش غرباء ونخسر كل غالٍ ونفيس في حياتنا .
عندما ندرس تاريخنا القريب وليس البعيد ، تاريخنا في القرنين الأخيرين القرن التاسع عشر والعشرين بإمعان سوف تذهلنا تضحيات أبائنا وأجدادنا في مقاومة الأعداء ومواجهة الصعاب في سبيل المحافظة على الأرض التي كانوا مرتبطين بها ارتباطاً مصيرياً ، وكانت هجرتهم المأساوية لمواطن سكناهم في حيكاري بعد اندلاع  الحرب الكونية الأولى صوب أرض بابل ونينوى وآشور وفقدوا على أثرها أكثر من نصف تعدادهم في معركتهم من أجل البقاء والعودة الى أرض الأباء والأجداد سنجدها أنها كانت خير مثال للتضحية من أجل الأرض ، وبذلك تمكنوا أن يؤسسوا لنا موطئ قدم لنستقر ونتطور ، ولكن مع الأسف الشديد كنا غير جديرين بتلك الثقة وتلك التضحيات ونحن اليوم لم نستطع من المحافظة على تلك الأمانة التي وضعوها بين أيدينا وتَرِكنا أرضنا التي سقوها بدمائهم الزكية في سبيل الحياة السهلة والمبتذلة نعيشها في بلدان الغربة معرضين وجودنا القومي الى عملية الأنصهار والأنقراض والزوال متذرعين بأسباب مفتعلة ومبالغ بها وكاذبة في أغلبها لا تشكل في خطرها على حياتنا شيئاً مقارنة بتلك المخاطر التي واجهوها أبائنا وأجدادنا في مسيرة الآلام من حيكاري الى بابل ونينوى وآشور قبل قرن من الزمان ، متناسين أن الحياة الخالية من التضحيات تكون كالطعام من دون ملح ، وهنا يحضرني قول الزعيم الهندي الكبير الخالد الذكر المهاتما غاندي حين قال " إن البذرة التي لا يسحق بذارها لا تنبت " كم هو قول عظيم لمن يحب ويقدس الحياة بكرامة .
نحن الكلدان والسريان والآشوريين والعرب من أكثر شعوب الأرض يتكلمون عن القومية ويبالغون بتعصبهم القومي واعتزازهم بقوميتهم ، ولكننا أقلهم فهماً لمضمونها وجوهرها وأهميتها في حياتنا وأقل من يضحي في سبيلها ، ونحن أكثر من يتهرب من المسؤولية القومية ويخونها من أجل أتفه مغريات الحياة وهنا نريد أن نقول ونحن نشعر بألم شديد يعصر قلبنا وهو راينا الشخصي طبعاً بصدد هذا الموضوع ، أن الهجرة بحد ذاتها من أرض الوطن مهما كانت أسبابها ودوافعها تعتبر خيانة عظمى للأمة بكل المقاييس الأخلاقية والقانونية والانسانية ، وأنها تشكل خنجراً مسموماً في قلب الوجود القومي لأمتنا ، والبقاء في أرض الوطن هي أعظم وأقدس تضحية للمحافظة على استمرار هذا الوجود للأمة ، فأين نحن من كل هذا أيها الأخوة الأحبة ؟؟.

                                                خوشابا سولاقا
بغداد في 2 / آب / 2018 م

33
مفهوم الأمة ونشوئها وتطورها وإرتقائها
خوشابا سولاقا
لكي نفهم بصورة صحيحة وعلمية ودقيقة طبيعة القضية القومية وتطورها التاريخي وعلاقتها بنشوء الأمة ، ولكي نفهم ونستوعب وسائل وآليات حلها لصالح مجتمع معين ، يجب علينا أولاً معرفة النظرية العلمية لنشوء وتَكَون وإرتقاء الأمم الحديثة بدقة ، تلك النظرية التي تربط عضوياً أصل الأمة بأسباب وطابع الحركات القومية وتطور علاقاتها الثقافية والاجتماعية التي تؤسس لنشوء وتشكيل الأمة ككيان إجتماعي متكامل ذات سِمات متميزة .
لقد سبق نشوء الأمم ظهور الجماعات البشرية الأخرى التي تربط أفرادها ببعضها البعض علاقات إجتماعية وإقتصادية محددة وقوية بدافع المصالح المشتركة والمصير المشترك في عملية الصراع مع غيرها من التجمعات البشرية الأخرى التي تجاورها في مكان السكن والعيش ، وهذه التجمعات تشمل القبيلة والعشيرة وغيرها من المسميات والخصوصيات ، وبالتالي معرفة العلاقة الجدلية التكاملية بين مفهوم القومية كعِرق وبين مفوم الأمة ككيان اجتماعي في إطار وحدة الوطن .
وبما أن الأمة شكل جديد ومتطور لتجمع الجماعات البشرية المختلفة على أساس وحدة المصالح المشتركة والتي ظهرت بمفهومها الحديث مع عصر ظهور الدولة البرجوازية الوطنية التي ولدت من رحم إنهيار النظام الأقطاعي الأبوي الثيوقراطي القائم أصلاً على التشكيلات الاجتماعية القبلية والعشائرية السائدة ما قبل ظهور الأمم وبداية عصر البرجوازية الرأسمالية القائم على أساس تشكيلة الأمة الواحدة في البلدان المتطورة اقتصادياً .
هذا التطور أدى الى ظهور العصر الاستعماري الكولونيالي أي عصر سياسة الأضطهاد والقهر القومي للأمم الضعيفة والمتخلفة التي تمارسها برجوازية الدول الرأسمالية بحق الأمم المستعمِرة من أجل إستغلال ثروات بلدانها وجعلها دول تابعة وسوق مستهلكة لتسويق منتوجاتها .  هذه السياسة الرعناء الظالمة للدول الرأسمالية هي التي كبحت نهضة الأمم المقهورة الأقتصادية والثقافية والعلمية والاجتماعية والسياسية فتأخر بذلك تطورها وإنصهار تشكيلات القبيلة والعشيرة في تشكيلة الأمة في كل البلدان التابعة والمستَعمرة .
تنشأ الأمم وتتطور مع زوال وإنهيار النظام الأقطاعي القائم على أساس الأقطاعيات والأمارات المستقلة أي عندما يبدأ ظهور النظام البرجوازي الرأسمالي على قاعدة التطور الأقتصادي الرأسمالي فتخلق بذلك حياة اقتصادية مشتركة تجمع تشكيلات الأمة المتمثلة في الاقطاعيات والأمارات ككيانات مستقلة لتنصهر وتندمج في كل متجانس فتؤلف بذلك القبائل والعشائر والأقوام المختلفة كيان جديد وهو " الأمة " .
يمكن أن تتكون الأمة من وحدة قبائل وعشائر " لقومية واحدة " أو " لعدة قوميات " وتنصهر في بعضها البعض مشكلة أمة واحدة كبيرة تربطها وتجمعها ببعضها البعض وحدة المصالح الاقتصادية المشتركة والمصير المشترك في تحديها وتنافسها مع الأمم الأخرى التي تنافسها وتنازعها على المصالح كما كان الحال بعد عصر النهضة الأوربية وقيام الثورة الصناعية وكما هو الحال اليوم في عصر الأمبريالية الليبرالية والعولمة .
إن اهم ميزات الأمة الواحدة هي وحدة المصالح الاقتصادية المشتركة لأن ذلك هو ما يجعلها موضع التحدي مع الأخر من أجل الوجود ككيان قوي قادر على البقاء والأستمرار ، وهكذا تكونت الأمم وتبلورت ونمت   وتتطورت مع تطور الرأسمالية وظهور الأسواق والمراكز والتكتلات الاقتصادية القومية والوطنية الضخمة هذه هي الميزة والسمة الغالبة للأمة ، أما الخصائص الأخرى التي تتميز بها الأمة كاللغة المشتركة والأرض المشتركة والسمات القومية الواحدة التي تعبر عنها خصوصيات الحياة الاجتماعية والثقافية بما فيها من عادات وتقاليد وطقوس قومية ودينية التي تنفرد بها كل أمة من الأمم فأنها لا تشكل مصادر للصراعات التاريخية بين الأمم كما هي المصالح الأقتصادية وهذ ما يؤكده التاريخ .
يجب علينا ان لا نخلط  بين مفهوم الأمة وبين مفهوم العِرق ، الأمة قد تتكون من عرق قومي واحد أو من مجموعة اعراق قومية بينما العِرق هو علم أصل الأنواع البشرية ويعود ظهوره الى المراحل البدائية الأولى لظهور وتطور الإنسان والمجتمع البشري ، ويرتبط نشوء وتكون الأعراق البشرية بما تتميز به وتتنوع عن بعضها البعض من فروقات في بنية الجسم من خواص الأنسان الجسدية بالشروط البيئية الجغرافية والمناخية التي عاشها الأنسان ، وقد إنقسم الناس خلال مراحل تطورها عبر آلاف السنين الى جماعات متنوعة معزولة عن بعضها البعض ، وبذلك تكونت السمات الظاهرة الخاصة بكل عرق من الأعراق البشرية التي تميزها ومن ضمن هذه السمات مثل لون الجلد والبشرة وشكل شعر الرأس وشكل الرأس وحجمه ونسبة طوله على عرضه وشكل ولون العينين وشكل الأنف وطول القامة وغيرها من الصفات الأنثروبولوجية وكل هذه الصفات تتأثر بالمحيط الجغرافي والبيئة المناخية وتغيراته النوعية والكمية .
لقد قاد نزوح المجتمعات البشرية بسبب الظروف المعاشية والتقلبات الثورية المناخية في الطبيعة والحروب والغزواة الى تمازج وتداخل وتعايش السلالات البشرية ببعضها البعض وظهور تنوعات من السلالات البشرية الجديدة هجينية بخصائص وصفات مختلفة ، وأستمرت العملية التطورية للجنس البشري بين الضمور والأختفاء لسلالات معينة والصعود والأرتقاء لسلالات أخرى الى أن وصلت الى ما وصلت إليه اليوم ، وبشكل عام يقسم الجنس البشري اليوم من حيث لون البشرة ومعظم الصفات الانثروبولوجية الى ثلاثة أجناس رئيسية وهي :-
1 -  الجنس الزنجي ذات البشرة السوداء .
2 - الجنس الأبيض ذات البشرة البيضاء .
3 - الجنس الأصفر ذات البشرة الصفراء .
لقد أظهرت جميع البحوث والدراسات العلمية التي اجروها العلماء ان التفوق في الذكاء لا يتعلق ولا علاقة له إطلاقاً بأي شكل من الأشكال بنوع الجنس البشري من حيث لون بشرته وجنسه من حيث كون الأنسان ذكراً ام انثى ، ومع ذلك يبشر الكثيرين من الأيديولوجيين الرجعيين بمفاهيم عنصرية تتناقض مع منطق العلم حول وجود سلالات بشرية " متفوقة " وسلالات بشرية " منحطة " ، وبزعمهم هذا أن بعض السلالات المتفوقة قد تتميز بطبيعة السيطرة والذكاء بينما الأخرى المنحطة يتوجب عليها الخضوع والأستسلام والخنوع لإرادة السلالةالمتفوقة وهذا الفهم ينطلق أصلاً من قاعدة " الغاية تبرر الوسيلة " ، ومثال على ذلك دعوة الدول الأستعمارية في العصر الكولونيالي الى التبشير برسالة الجنس الأبيض ( أي رسالة الرجل الأبيض كما تسميه بعض المصادر )  لتبرير إحتلالها واستعمارها لبلدان الأمم الأخرى ، بينما في الحقيقة تعود أسباب حالة التخلف لبعض الأمم المستعمرة الى أسباب اقتصادية وإجتماعية ترتبط قبل كل شيء بالنير والقهر القومي الذي قاسته تلك الأمم طيلة قرون طويلة حيث أعاق تطورها الأقتصادي والاجتماعي والثقافي مما سبب في تخلفها وتأخرها ، ولا يعود سبب التخلف إطلاقاً الى موروث الخصوصيات العرقية القومية والجنسية والدينية كما يدعي المفكرين والمنظرين البرجوازيين عند تبشيرهم برسالة الجنس الأبيض إلا بقدر ضئيل جداً .
لقد عمل الأيديولوجيون الرجعيون العنصريون القوميون والمتدينون ولا زال يعملون كل ما في وسعهم من شأنه أن يكرس أفكارهم واطروحاتهم ليقدموا قاعدة شرعية قانونية وأخلاقية للنير والقهر القومي الذي تمارسه أحزابهم السياسية ومؤسساتهم الاجتماعية والتربوية والخيرية في التمييز العنصري وإقامة أنظمة الفصل العنصري على أساس التفوق العِرقي لغرض تبرير سياساتهم اللاإنسانية واللاأخلاقية والقائمة على أساس إستغلال الإنسان لأخيه الإنسان بكل بشاعة خلافاً لكل القوانين والأعراف الانسانية كما حصل في جمهورية جنوب أفريقيا وزيمبابوي ( روديسيا سابقا ً ) ، وذلك من خلال خلط بين ماهية الأمة وماهية الجنس وبين ماهية الأمة وماهية القومية لكي يطابقوا ماهية الجنس مع ماهية الأمة ويستبدلون المحتوى الاجتماعي للأمة بمحتوى بايولوجي لتكريس مبدأ تفوق عِرقِ معين على عِرقٍ آخر ، وبعض هؤلاء العلماء الاجتماعيون والسياسيون الرجعيون العنصريون يحددون مفهوم الأمة " بالوعي والإرادة القومية " بطريقة مبتذلة ومشوهة ومناقضة لمنطق العلم والعقل وبالمعنى المجرد للمصير وليس بموجب مجمل الشروط الموضوعية التاريخية والمادية التي فيها تتكون وتنشأ الأمم .
هؤلاء يُعَرفون الأمة بأنها مجموعة أفراد تجمعهم وحدة الطابع المرتكزة على وحدة المصير المشترك ، وبالتالي اعتبروا الأمة بأنها الوحدة الثقافية لمجموعة أفراد معاصرين دون أية علاقة بالأرض حيث ليس للجنسية من حيث جوهرها أي شيء مشترك مع بقعة الأرض المحددة جغرافياً ، وبالتالي فإن الأمة كما يراها هؤلاء هي " ظاهرة روحية بحتة " ولم يعط علم الاجتماع البرجوازي بسبب إتجاهه الطبقي حتى أيامنا هذه تحديداً صحيحاً واضحاً لمفهوم الأمة .
يجيب البعض من المفكرين البرجوازيين على السؤال " ما هي الأمة ؟ " فيقولون " إنها محددة بالأراء الذاتية للأشخاص المعنيين بها " ومثل هؤلاء يقولون " إن قرار تكوين الأمة يسبق نشوءها "  ويردون بذلك ماهية الأمة الى مفهوم الوعي القومي والإرادة الذاتية في الاتحاد ، ويعتبرون الوعي القومي مجرداً عن أي شيء ، ولا علاقة له بشروط حياة المجتمع التاريخية والمادية .
هذه هي الشروط المادية والظروف الموضوعية التاريخية لنشوء الأمم وتطورها وارتقائها في عملية تراكمية تاريخية نوعية وكمية ، ونجد في النهاية أن الأمة والقومية مفهومان مرتبطان ببعضهما بعلاقة جدلية تكاملية لا يمكن لأي منهما أن يكون موجوداً من دون وجود الآخر لأن أحداهما يكمل شروط تكوين الآخر .
على ضوء هذه الرؤية فإن الكتلة البشرية المتكونة من الكلدان والسريان والآشوريين التي تتماثل مكوناتها في الشروط الموضوعية للأمة تشكل أمة واحدة شئنا أم أبينا مهما اختلفنا على التسمية الموحدة ، وهي في ذات الوقت تشكل قومية واحدة لأن شروط القومية الموحدة الأساسية تتماثل وتتكامل وتتشارك في جميع هذه المكونات ، وما تختلف به هذه المكونات عن بعضها البعض هو اللاهوت الديني المذهبي الكنسي الذي أصبح بؤرة الخلاف والأختلاف بين مكونات أمتنا وقوميتنا منذ قرون قليلة وليس منذ نشوئها التاريخي حيث فرقنا عن بعضنا وجعلنا أعداء ألداء من حيث لا ندري وتلك هي المصيبة في أمة يسودها غياب الوعي القومي وسيادة ثقافة الكراهية المذهبية الكنسية ، ولكن ليس هناك أمام العقل الإنساني وحكمته في صياغة حياته الجديدة ما يعيق أبناء أمتنا الغيارى من إنجاز المستحيل إن توفرت لديهم الإرادة السياسية الحرة والمؤمنة بالتطور وحسن النوايا في فهم الحقيقة التاريخية ومتطلبات الحياة الحاضرة في تقرير المصير والمحافظة على الوجود القومي لأمتنا العظيمة ذات التاريخ المجيد والحضارة التي أخرجت البشرية من الظلمات الى النور وهذا ما تقره متاحف أمم العالم الزاخرة والعامرة بأثارنا الجليلة .

خوشــابا ســولاقا
28 / تموز /2018 م 

34
تظاهرات الشعب العراقي تمهيداً لتطبيق الشرعية الثورية لأجراء التغيير المنتظر
خوشابا سولاقا
الوضع العام في العراق
كان الوضع العام في العراق قبل 2003 م وضعاً بائساً مأساوياً حيث يخرج العراق من حرباً ليدخل حرباً جديدة أكثر دماراً ومأساتاً على شعبه المغلوب على أمره بسبب السياسات الحمقاء والطائشة والعبثية التي كان يعتمدها نظام الحكم الصدامي الديكتاتوري الأستبدادي ، وكانت قوافل الشهداء تتوالى من جبهات القتال باللآف من شبابه ، وبات الموت يدق أبواب العوائل العراقية لحظة بعد لحظة ليأخذ منهم عزيزاً ويترك ورائه الثكالى واليتامي بمئات الالآف واستمرت الحالة هذه لسنوات طويلة منذ تولى صدام حسين وانفراده بالحكم في العراق عام 1979 بعد الأنقلاب على حكومة المرحوم أحمد حسن البكر الذي شاهد العراق في عهده نهضة كبيرة من البناء والعمران والتقدم وانجاز الكثير من المشاريع التنموية والأصلاحات الادارية في بنية الدولة العراقية ، حيث تحول العراق الى ورشة عمل كبيرة من أقصاه الى أقصاه . لكن بعد انقلاب صدام حسين على البكر عام 1979م وانفراده بالحكم بدأ العراق بالتراجع بشكل قفزات والتوجه باتجاه تبني سياسات الحروب العبثية المدمرة مع دول الجوار بالرغم من عدم التيقن من أسباب تلك الحروب وجدواها ومسببيها بدلاً من التوجه الى سياسات التفاوض والحوار الدبلوماسي السلمي لحل كل ما كان موجوداً من الأسباب والمشاكل العالقة بين العراق وتلك البلدان بدلاً من اللجوء الى قوة السلاح وشن حروب عسكرية شاملة تطول لسنوات ، وتستنزف كل طاقات البلاد البشرية والأقتصادية والمالية ، وبالتالي إغرق البلاد في جملة من المشاكل الأجتماعية والأقتصادية والمالية الخانقة ليخرج منها منهكاً وهزيلاً منهار القوام ومديوناً بأكثر من 125 مليار من الدولارات للدول الأجنبية لديمومة واستمرار تلك الحروب العبثية الحمقاء ، والتي التهمت أكثر من نصف مليون من الشهداء من شباب الوطن من خريجي الجامعات بأغلبهم ، وأضعافهم من المعوقين والأرامل والعوانس واليتامي والثكالى .
كل هذه الكوارث وآثارها المدمرة على مستقبل البلد توقفت وانتهت باسقاط النظام الصدامي على يد قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع مجموعة من العملاء وخونة الوطن ليس حباً بالعراق بل بمصالحها في التاسع من نيسان 2003 م واحتلال بغداد وفرض نظام الأحتلال على العراق ، وبالتالي تسليم العراق على طبق من ذهب لدول الجوار وتدخلاتها وفرض إراداتها على قراره .
بانتهاء هذه المرحلة الصدامية تنفس غالبية الشعب العراقي من البؤساء المتضررين من الحروب العبثية للنظام الصدامي الصُعداء ، وتوقعوا أن يحصل انفراج في الوضع العام للبلاد لينتقل العراق الى مرحلة نوعية جديدة تبشر العراقيين بالخير والسلام والأمان ليبدأوا حياة جديدة بعيدة عن الحروب والموت الدائم الذي كان يُداهم بيوتهم ليأخذ منهم عزيزاً غالياً عنوةً  ، وأن تصبح موارد البلاد في خدمتهم لزيادة رفاهيتهم الاجتماعية لتعوضهم عن ما عانوه في الأيام العجاف ، وأن يتولى حكم البلاد من قبل أبنائه الغيارى من الوطنيين الشرفاء من الذين ذاقوا الأمرين في ظل النظام السابق ليبنوا عراقاً جديداً مزدهراً متطوراً ومتقدماً لا مكان فيه للفقر والعوز والمرض والحرمان والبطالة والجريمة والأمية والشحذ في الشوارع .
هكذا كان الحلم الذي يراود العراقيين بكل مكوناته بعد السقوط ، إلا أنه مع الأسف الشديد هذا الحلم لم يطول كثيراً وسرعان ما تلاشى وتبخرت أمالهم وذهبت أدراج الرياح في موجة من الفوضى والعبث بالمقدرات والجريمة بكل أشكالها ، وسرقة المال العام للبلاد من قبل أغلب كبار المسؤولين في الدولة الذين قفزوا الى سُدة الحكم بمساعدة المحتل في ظلام الليل غفوةً ليقيموا نظامهم الجديد نظام المحاصصة الطائفية والأثنية المقيت الذي جلب للعراق وشعبه الدمار والخراب والموت ، ودب في ظله الفساد بكل أشكاله في كل مفاصل أجهزة ومؤسسات الدولة الرسمية العسكرية والأمنية والمدنية ، وانتشرت الجريمة بكل أشكالها وشاع القتل على الهوية وباتت شوارع المدن العراقية مكبات للنفايات ومقابر لجثث المغدور بهم من أبناء العراق الأبرياء ، وبات توفير الخدمات الاجتماعية مثل الكهرباء والماء الصافي الصالح للشرب والمجاري الصحية لصرف المياه الثقيلة ، والخدمات الصحية والبلدية والخدمات التربوية وبُناها التحتية من المدارس الملائمة شبه معدومة في عموم العراق ، وأخيراً وليس آخراً تكللت سياسة الحكومات الطائفية الأنتقامية المقيتة المتوالية وبالأخص بعد عام 2005 م ، وردود الأفعال عليها من الطرف الآخر الى تسليم أكثر من ( 40 % ) من مساحة البلاد الى العصابات الأرهابية المجرمة – داعش ، ونزوح أكثر من ثلاثة ملايين من العراقيين لمناطق سكناهم في تلك المحافظات المحتلة من قبل الشراذم الأرهابية الداعشية ، وباتوا مشردين تحت رحمة العوز والمرض والفقر والحرمان من دون معيل ومستجيب لمتطلباتهم الحياتية الآنية بأبسط أشكالها ، وختمت نتائج حكم هذه الحكومات المحاصصية الهزيلة بأقحام البلاد من جديد في حرب شاملة مدمرة لتحرير البلاد والعباد من براثن العصابات الأرهابية والتي تكلف العراق يومياً الملايين من الدولارات والمئات من الشباب على حساب إفقار البلاد وزيادة معاناة ومأساة شعبه بسبب غياب الروح الوطنية المؤمنة والصادقة للحاكمين الجدد !!! .
وباختصار شديد هكذا  بات الوضع العام في العراق والمشاكل والمعاناة والمأسي تطحن بأبنائه المغلوب على امرهم ، والحرب دائرة في كل بقعة من أرجائه من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه من دون توقف ، ومن دون وجود بصيص من الأمل للخروج قريباً من هذا النفق المظلم الذي أدخله فيه الحكام والسياسيين الطائفيين من جميع الأطراف ، وبات كل شيء في العراق له مساس بحياة مواطنية بخصوص توفير الخدمات المختلفة ومستلزمات الحياة بأبسط أشكالها في حالة من التراجع والتداعي المستمرين  من سيء الى أسوء يوم بعد آخر ، وبذلك باتت الظروف الذاتية والموضوعية في العراق مهيئةً وناضجةً للحراك الجماهيري الوطني للخروج الى الشوارع ومطالبة السلطات  بتوفير الخدمات بأبسط مستوياتها طالما كانت الدولة ومؤسساتها المختصة عاجزة عن القيام بما هو مطلوبٌ منها تجاه الشعب ، ثم الأرتقاء بها تدريجياً وصولاً بها الى مستوى الطموح الذي يليق بشعبِ بلداً يمتلك ثروات نفطية هائلة تقدر بمئآت المليارات من الدولارات سنوياً ، تلك الثروات التي باتت تعبث بها سُراق المال العام  من المسؤولين الكبار في إدارة الدولة والأحزاب المتنفذة في تلك الادارة ، لذلك كان المطلب الآخر لجماهير الشعب في تظاهراته العارمة هو محاربة الفساد المستشري الذي ينخر في جسد الدولة والقضاء علية وإحالة الفاسدين الى القضاء لينالوا جزائهم الذي يستحقونه لقاء ما أقترفوه من جرائم سرقة المال العام ، وتطبيق بحقهم قانون " من أين لك هذا ؟؟ " ، لأن تردي الأوضاع في العراق في كل ما تم استعراضه في هذه المقدمة وبات البلد على وشك الأنهيار في كل المجالات هي نتيجة طبيعية لانتشار الفساد بكل أشكاله في كل مفاصل الدولة ، وعليه فإن نقطة البداية على خط الشروع بعملية الأصلاح الشامل لأوضاع البلاد يجب أن تبدأ بمكافحة الفساد والفاسدين والقضاء عليهما قضاءاً مبرماً ونهائياً ، ومن دون ذلك لا يمكن للعراق أن ينهض من كبوته وأن يقف على قدميه من جديد ليخطو الى الأمام لبناء مستقبلاً زاهراً يليق بشعبه  .
الحراك الشعبي والتظاهرات الجماهيرية
تعتبر التظاهرات الشعبية السلمية العفوية التي يشهدها البلاد في هذه الأيام ، والتي تنظمها الجماهير الشعبية الساخطة من مختلف شرائح وطبقات المجتمع العراقي على الأوضاع المزرية الحالية السائدة والتي تعم البلاد ، في بغداد العاصمة ومحافظات الوسط والجنوب لمطالبة السلطات  بتوفير الخدمات الاجتماعية ومكافحة الفساد المستشري في مفاصل الدولة هي حق دستوري مكفول للجماهير الشعبية ، وبذلك تمتلك الشرعية الدستورية ،  وبالتالي تعتبر هذه التظاهرات الشعبية المرحلة الأولى من استعمال الشرعية الثورية للجماهير الشعبية للتفاوض مع سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية والضغط عليها لتلبية حقوقها المشروعة دستورياً وإنسانياً .
عليه فإذا كانت سلطات الدولة العراقية مؤمنة وملتزمة حقاً بمواد الدستور الذي أقره الشعب في استفتاء عام وهي منحازة لمصلحة الشعب الذي أوصلها الى مواقعها في سُدة الحكم ، وهي حريصة على مصلحة الوطن ، عليها أن تعتبر هذه التظاهرات الشعبية العارمة بمثابة تنبيه وجرس انذار مبكر لما يعانيه البلاد من ويلات وما مقبل إليه من أحداث جسام لا يُحمد عقباه كما وصفها السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي المحترم في إحدى خطاباته ، ولأن تتعامل معها بجدية وايجابية وعقل متفتح وصدر رحب وحكمة سياسية لرجال دولة لأيجاد الحل المناسب لتجاوز ما يعاني منه البلاد والشعب في هذه المرحلة العصيبة للرسو بسفينة البلاد الى بر الأمان ، وأن تبتعد السلطات عن أسلوب المراوغة والمماطلة والتسويف والوعود الكاذبة المخدرة للمشاعر الناقمة للجماهير واللجوء الى مواجهة المتظاهرين باستعمال القوة والوسائل العنفية والتي حتما ستزيد الطين بله ، لأن اعتماد مثل هذه الأساليب سوف تكون حلول مؤقة وذات عواقب وخيمة ونتائج معكوسة تقود في النهاية الى أنفجار جماهيري شعبي ثوري أقوى وأعنف من التظاهرات السلمية الحالية ، بل سوف تتحول التظاهرات السلمية الى انتفاضات ثورية شعبية التي قد تتسم بشكل أو بآخر بطابع من العنف الثوري تقود الجماهير المنتفضة الى المطالبة بتغيير النظام السياسي القائم على الفساد جذرياً باعتماد وسائل قسرية وفق الشرعية الثورية للشعب التي يمنحها له حق الحياة الحرة الكريمة التي اغتصبها منه حكامه الطغاة الفاسدين والفاشلين الذين يمعنون في إفقاره وحرمانه من حق الحياة الكريمة وقتل أبنائه وإذلاله وظلمه واستغلال ثرواته الهائلة لصالحهم الشخصي من غير وجه حق عندها سوف لا يفيدهم الندم .
لذلك نرى أن من واجب السلطات الرسمية بكافة اختصاصاتها أن تأخذ الأمور بجدية بالغة ، وتتعاطى معها بروية وحكمة وحِنكة سياسية عالية لأنقاذ ما يمكن إنقاذه وإعادة الأمور الى نصابها الطبيعي ووضع البلاد على مساره الصحيح بدلاً من الأستمرار في غييّها والسير الى سياسة حافة الهاوية ، وعلى السلطات أن تدرك بأن السَيّلُ قد وصل الزُبى وأن الكيلَ قد طفحَ ، وأن غضب ونقمة الجماهير البائسة والغاضبة قد وصل الى حده الأقصى من التحمل ، وإن موجة الغليان الثوري في الأعماق في حالة تصاعد يوم بعد آخر وربما ينفجر البركان الشعبي الهائج في أية لحظة ليحرق الأخضر باليابس في العراق إذا لم يتم تنفيسه بحِكمة وتعقُل وروية من قبل السلطات في الوقت المناسب قبل فوات الآوان ، وأن ذلك الوقت لربما يكون في البداية هو الوقت الأنسب قبل أن تستفحل الأوضاع وتصل الأمور الى حالة الأنفجار الثوري ويحرق كل شيء عن بكرة أبيه .
وأخيراً ندعوا منظمي هذه التظاهرات الى عدم شخصنتها وحصرها في شخص مسؤول بعينه كما هو الحال مع شخص وزير الكهرباء السيد قاسم الفهداوي أو غيره من المسؤولين وأنما تعميمها شمول النظام برمته بكل مؤسساته ، لأن شخصنة التظاهرات ليس من صالحها لأن ذلك يعني أن هذا الوزير هو لوحده فقط المقصر وهذا غير صحيح ، بينما النظام بكل مؤسساته وسلطاته مقصر في أداء مهامه حتى بأدنى المستويات ، نأمل أن تؤخذ ملاحظتنا هذه بنظر الأعتبار من قبل منظمي التظاهرات وسحب كل شعارات الشخصنة من التظاهرات ، كما ندعو الجماهير المنتفضة الى عدم اللجوء الى المساس بممتلكات الدولة بشكل عام لأنها ملكهم والى عدم المساس بالممتكات الخاصة للأفراد لأنها هي ملك الوطن باستثناء منها ما لها رمزية خاصة بتلك الأحزاب التي قادت عمليات الفساد وسرقة المال العام والتي أوصلت البلاد الى ما هو عليه اليوم لتعطي بذلك رسالة مباشرة لهم ولمن يساندهم للكف عن الأمعان في أفقار وإذلال الشعب العراقي ليرعووا ولأن يعيدون النظر بقواعد وسلوك حكمهم الذي بات مرفوضاً من غالبية الشعب العراقي ، كما ندعو المنتفضين الى المطالبة بإلغاء كل القوانين والتشريعات التي تم تشريعها لشرعنة منح الأمتيازات لأعضاء البرلمان والوزراء وكان آخرها القانون الذي تمت المصادقة عليه يوم أمس لمنح النواب أمتيازات تقاعدية خلافاً للدستور والأعراف الدولية .
تذكروا أيها المتظاهرون المنتفضون من أبناء الشعب العراقي الكريم أن مبلغ ألف ومئتي وخمسين مليار دولار التي دخلت خزينة الدولة خلال السنوات الأربعة عشر الماضية يكفي لبناء دولة متقدمة صناعياً وزراعياً وحضرياً وعمرانياً بمستوى أية دولة أوروبية مثل هولانده أو السويد أو فنلنده أو النمسا وحتى إيطاليا وكوريا الجنوبية وتركيا ، لأن كثير من تلك البلدان بُنيت بمبلغ أقل من هذا المبلغ ، أسألوا حكامكم بعد عام 2003م أين ذهببت كل تلك المليارات من الدولارات والعراق يعاني من كل هذه المشاكل في بناه التحتية ويواجه الأنهيار المالي والأقتصادي ؟؟ ، أين صرفت كل هذه المليارات وفي أية حسابات مصرفية تم توديعها ؟؟ وعندها قرروا ما المطلوب القيام به ، لأسترداد كل هذه المبالغ لأعادة بناء عراق جديد مزدهر ومتطور ليتمكن من اللحاق بركب أقرانه من الدول النفطية في المنطقة الأقل مواردها النفطية منه مثل دول الخليج العربي !!! .
نصيحة مخلصة للسلطات الحاكمة في العراق ... أجراس التنبيه والتحذير تقرع بقوة في كل مدن وقصبات العراق وبات صوتها يصل بقوة الى كل دار عراقية لتقول لهم أنهضوا من سباتكم واستفيقوا من نومكم أيها البؤساء لقد حانت الساعة ، ساعة الحسم والخلاص مما أنتم فيه من معاناة التي طالت وأثقلت عليكم بحملها الثقيل .... ماذا تنتظرون يا جياع الشعب ؟؟ ألم يُذكركم انقطاع الكهرباء والماء بما أنتم فيه ؟؟ 
خوشـــابا ســـولاقا
22 / تموز / 2018 م

35
المبدأ الأساسي في قيادة التنظيم السياسي
أين تنظيماتنا القومية والوطنية منه ... ؟؟
خوشابا سولاقا
هناك مبادئ أساسية معروفة لكل العاملين في مجال عمل التنظيمات السياسية بكل تنوعاتها الأيديولوجية يجب أن تعتمد في قيادة هذه التنظيمات الحزبية السياسية ألا وهي ، الديمقراطية والمركزية ، النقد والنقد الذاتي ، خضوع الأقلية للأكثرية ، الألتزام الصارم في تنفيذ القرارات الحزبية الصادرة من هيئات التنظيم القيادية تدرجاً من الأعلى الى الأدنى بدقة ، وغيرها من المبادئ والتقاليد والسياقات التنظيمية التي تُقوي من وحدة التنظيم الداخلية الفكرية والتنظيمية وتزيد من تماسكه وتعزيز دوره وفعاليته في المواجهة والتصدي للتحديات التي تواجهه في ساحة عمله النضالي من أجل إنجاز مهماته الأستراتيجية المحددة وتحقيق أهدافه ، وياتي في مقدمة هذه المبادئ الألتزام الصارم بالقواعد التنظيمية الداخلية المعتمدة في حياة التنظيم السياسي ، ولكن بالرغم من أهمية كل ما تم ذكره من المبادئ والقواعد والسياقات التنظيمية يبقى مبدأ " القيادة الجماعية الديمقراطية " هو المبدأ الأساسي في قيادة التنظيم السياسي ( أي تنظيم كان ) وحيوته وتجدده لتجاوز كل عوامل الضعف والتفكك التي تحصل أثناء العمل في هذا المفصل أو ذاك ، وعليه سنتناول هنا بشيء من التفصيل هذا الموضوع لأهميته الحيوية في بنيان وديمومة الوحدة الفكرية والتنظيمية واستمرار تنامي وتجدد القدرات للتنظيمات السياسية مع تنامي وتجدد متطلبات الحياة الاجتماعية  للمجتمع ومدى التزام تنظيماتنا السياسية القومية ( تنظيمات أمتنا ) بشكل خاص وتنظيماتنا الوطنية العراقية بشكل عام بهذا المبدأ عملياً في حياتها وأين موقعها منه على وجه التحديد .
إن القيادة الجماعية المتجانسة فكرياً في فهمها ورؤيتها وتحليلاتها لمستجدات وتطورات الحياة الاجتماعية ومقتضيات العمل السياسي التنظيمي لمواجهة ما يحصل من المتغيرات هي احدى أهم مبادئ القيادة الحزبية الناجحة ، ولقد بينتْ وأثبتتْ التجارب الطويلة للتنظيمات السياسية في مختلف البلدان وعبر مختلف الظروف التاريخية لحياة الشعوب أنه فقط بالمحافظة على هذا المبدأ المهم وبالارتكاز عليه والتمسك النزيه والحازم والصارم بقيَمِهِ ومنهجه فقط يمكن إطلاق وتوجيه المبادرات الخلاقة لكوادر التنظيم ومنظماته السياسية والمهنية بمرونة وإبداع خلاق وتحليل الوضع القائم بشكل علمي صحيح وتقييم نتائج العمل المنفذ بشكل موضوعي لأستنتاج المطلوب لأستمرار المواجهة مع تحديات الواقع ، وبغير ذلك سيكون الفشل هو المصير المحتم لعمل التنظيم .
إن القرارات المتخذة جماعياً تعطي قوة كبيرة وزخم هائل لقيادة التنظيم وتسمح في ذات الوقت بتوحيد وجمع مواهب وخبرات المنخرطين في تنظيماته السياسية والمهنية بكل مستوياتهم ، وتحمي أيضاً هيآته وقادتها من عوامل الضعف والوهن والخلل والزلل والعمل بعشوائية وانتقائية ومن اللجوء الى أنصاف الحلول التوفيقية والأحادية الجانب عند إتخاذها للقرارات الأستراتيجية الحاسمة .
إن توافق الأراء بحرية وبأسلوب ديمقراطي خيراً من قرارات فردية تتخذ من قبل هذا المستبد الديكتاتوري أو ذاك مهما يكون مستوى ذكائه وفطنته في تحليل الأوضاع وتقييمها وتقديم المعالجات الصائبة السليمة .
إن مبدأ القيادة الجماعية هو شرط أساسي لا غنى عنه للنشاط الطبيعي لأي تنظيم سياسي ينشد الديمومة والاستمرار قوياً بكل منظماته السياسية والمهنية ويسعى الى تربية الملاكات الحزبية المقتدرة المستقبلية بصورة صحيحة وممنهجة للعمل بين صفوف الجماهير بصورة فعالة ومؤثرة لتأطير نشاط أعضاء التنظيم وفعاليتهم الذاتية بصورة دائمة ومستمرة .
إن الأساس الذي يجب أن يستند إليه مبدأ القيادة الجماعية في التنظيم السياسي هو تبني النظرية الفكرية العقائدية التي يسترشد بها وبفكرها ويعتمدها والتي بغيابها  يبقى التنظيم مجرد جسد من دون طاقة محركة التي عليها يرتكز أصلاً الدور الحاسم الذي تلعبه الجماهير الشعبية في العملية التاريخية لأعادة صياغة قواعد ومبادئ الحياة الاجتماعية التي يناضل التنظيم من أجل تجديدها وتغييرها نحو الأفضل .
على الجماهير هنا كصانعة للتاريخ أن تَدرُك دورها التاريخي كشرط حاسم في بناء المجتمع الجديد بقيادة تنظيم سياسي يتمتع بقيادة جماعية ونظرية فكرية عقائدية يسترشد بمنطلقاتها ، وإن كل ذلك لا يتحقق إلا من خلال الأبداع الجماعي الخلاق لها وفي تدفق طاقتها التي لا تَنفذْ وفي تجربتها المليئة بالحكمة والخبرة المستنبطة من معاناة ومخاض الحياة اليومية لها في ظل وجود هكذا تنظيم .
عليه فإن القيادة الجماعية بطبيعة الحال تنبثق من صميم طبيعة التنظيم الجماهيري الذي رشحتهُ الجماهير لأن يكون القائد السياسي لها لينظمها ويربيها على أسس العمل الجماعي المنظم لكي يقودها بنجاح ، ولكي يلعبُ التنظيم دوره القيادي السياسي التاريخي في عملية التغيير ينبغي عليه أن يستند في عمله بكامله على مرتكزات ديمقراطية حقيقية ليتواصل إرتباطه الجدلي مع الجماهير ، أي بمعنى هناك علاقة جدلية تكاملية بين القيادة الجماعية والنظرية الفكرية العقائدية للتنظيم وبين الجماهير ، ومن دون هذه العلاقة يتحول التنظيم الى مجرد جمعية أو نادي إجتماعي ليس إلا  .
القيادة الجماعية الحقيقية هي تلك القيادة التي تؤمن بصورة مطلقة بضرورة وجود الرصانة والشفافية والأمانة في وضع القرارات المتخذة من قبل التنظيم موضع التنفيذ الكامل دون تأخير أو تلكؤ أو تأجيل ، أي بمعني أن كل قرار يجب أن ينفذ في زمانه ومكانه المحدد وفق الآليات المقررة سلفاً ، وأن تؤمن القيادة بمبدأ تطوير التنظيم كأرقى  شكل من أشكال التحول الاجتماعي وكقوة قائدة لأنجاز الثورة الاجتماعية في المجتمع .
من خلال مبادئ العمل الجماعي وسياقاته داخل التنظيم وفي مجرى المعالجات للأحداث المستجدة في مسيرته النضالية  وفي ممارسة مبدأ النقد والنقد الذاتي بحرية وأمانة وشفافية بين أعضاء القيادة من جهة وبين القيادة واجماهير من جهة ثانية تتكون وتتبلور السِمات النضالية الحقيقية للمناضلين السياسيين من الطراز المبدع والخلاق التي يحتاجها التنظيم الثوري الحقيقي لأنجاز الثورة الأجتماعية المنتظرة في المجتمع .
إن مبدأ القيادة الجماعية المتجانسة فكرياً هو لوحده فقط يتجاوب مع متطلبات استمرار وديمومة التنظيم قوياً وديناميكياً موحداً ويصونه ويحافظ على وحدته الفكرية والتنظيمية وبالتالي إبعاده عن الأخطاء والمنزلقات الخطيرة التي تحصل أحياناً في حياة التنظيمات السياسية عند هذا المنعطف أو ذاك خلال المسيرة  النضالية لها .
ومن شروط ومستلزمات تحقيق القيادة الجماعية للتنظيم السياسي ينبغي أن يتوفر في صفوف أعضائه مناخاً مناسباً من الحرية وجواً من الديمقراطية الحقيقية للتبادل الحر في الأفكار والأراء والمناقشات المفتوحة والحوارات الصريحة في كل شأن من الشؤون وبقدر عال من الشفافية والمصارحة والمكاشفة ، وأن لا يحق لأي عضو في القيادة أن يحاول فرض رأيه أو وجهة نظره بالقوة وأساليب المراوغة والخديعة والمكر على الآخرين مهما كان موقعه في القيادة أو أن يضع نفسه فوق الجماعة ، لأن ظهور أو وجود مثل هذه النزعة تقود الى ظهور نزعة قيادة فردية استبدادية ، وبالتالي تظهر ظاهرة تأليه وعبادة الفرد ومن ثم قيام ديكتاتورية فردية مقيتة بدلاً من ترسيخ مبدأ القيادة الجماعية الديمقراطية ، وسيادة الديكتاتورية  ستلغي مبدأ الديمقراطية لحساب ترسيخ المركزية الصارمة في إتخاذ القرارات داخل التنظيم ، وستلغي مبدأ خضوع الأقلية للأكثرية في حياة التنظيم الحزبي وهذا يعتبر أخطر ظاهرة تهدد كيان التنظيم السياسي الحزبي في المحافظة على وحدته الفكرية والتنظيمية وتقوده بالتالي الى التفكك والأنحلال ثم الأنهيار ، وعليه إذا رأت الهيئة القيادية للتنظيم أن وجهة نظر أحد أعضائها القياديين مهما كان موقعه بينهم بما فيهم رأس الهرم التنظيمي غير صائبة وذات توجهات انفرادية عندها يكون من واجب هذه الهيئة معالجة وكبح هذه النزعة بإلزام هذا العضو بالخضوع لإرادة الأكثرية ومنعه بكل الوسائل من القيام بالتبشير بوجهة نظره الشخصية على حساب رأي الأكثرية في القيادة ..
بتأمين هذا الشرط تعكس القرارات المتخذة فعلاً التجربة والخبرة والمعرفة الجماعية المتوفرة لدى الهيئة القيادية للتنظيم الحزبي المستوحات من من إرادة الجماهير الشعبية .
هكذا تعتبر القيادة الجماعية للتنظيم الحزبي والمرتكزة على النظرية العقائدية التي يتبناها هي المبدأ الأساسي في القيادة السياسية التي تتيح الفرصة المؤاتية لتحقيق كافة الأهداف التي حددها التنظيم الحزبي في برنامجه السياسي ، وعليه يكون فرضاً على الجميع في التنظيم الحزبي أن تحرص أشد الحرص على أن تنفذ قرارات التنظيم الحزبي الصادرة من المؤتمرات العامة والأجتماعات الموسعة والكونفرنسات الحزبية بدقة من قبل الجميع كل حسب موقعه وبقدر ما يمليه عليه ذلك الموقع من الواجبات والألتزامات التنظيمية الحزبية ، وعلى أن تعمل كل الهيئات الحزبية وفق مبدأ القيادة الجماعية بصورة طبيعية وعلى أن لا تَحِل الأعتبارات الشخصية وعلاقات المحسوبية والمنسوبية وعلاقات القرابة والولاءآت للخصوصيات الاجتماعية وتأثير المصالح والمنافع الشخصية مَحَلْ قراراتها الحزبية المتخذة جماعياً لصالح قضية عليا مشتركة قومية كانت أم وطنية في عملها التنظيمي .
أما في مجال بناء كوادر حزبية مقتدرة لتولي مهام القيادة الجماعية لهيئات التنظيم الحزبي من أعلى مستوى الى أدناها مستقبلاً ينبغي على التنظيم الحزبي بأسره وقياداته العليا بشكل خاص أن تهيئ بصورة دائبة ومنتظمة ومستمرة أشخاص أكفاء لتولي قيادة هذه الهيئات ، وأن ينظر بإمعان الى نشاطات كل مرشح الى هذا المنصب القيادي العالي ، وأن يُعرف أيضاً سماتهم الشخصية وميزاتهم وأخطائهم ونجاحاتهم وإخفاقاتهم خلال مسيرتهم النضالية في التنظيم الحزبي والمجتمع قبل توليهم لمهام ذلك المنصب .
بهذه الصورة وبها فقط تعطى لجماهير المناضلين من أعضاء التنظيم السياسي وموآزريه وأصدقائه قوة التأثير في التنظيم الحزبي وليس عن طريق الأختيار الكيفي من قبل حلقة ضيقة وفق مبدأ المحسوبية والمنسوبية وعلاقات القرابة وغيرها من الخصوصيات ، وإنما بتأمين الأمكانية الكافية لمعرفة المؤهلين والأكفاء لتولي تلك المواقع القيادية ووضع كل شخص منهم في المكان المناسب له وفق معايير االكفاءة والمقدرة والنزاهة وحسن السلوك ونكران الذات والأستعداد للتضحية وسمو الأخلاق وقوة الشخصية ( الكاريزمة ) .
إن العمل الجاد لجذب واستقطاب أوسع قاعدة من جماهير التنظيم الحزبي للمشاركة في صياغة وصناعة القرارات المهمة واستخلاص رأي الأكثرية منها والأستناد عليها والتعبير عن إرادتها ورأيها هو مبدأ تنظيمي وأساسي لحياة التنظيم الحزبي ، لأن ذلك يضمن الوصول الى قرارات ناضجة وصائبة تعبر عن إرادة الأكثرية ، وأن تهميش وإقصاء وخرق هذا المبدأ في الحياة الحزبية يؤدي لا محال الى إنفصال قيادات التنظيم الحزبي على كافة المستويات في الهيكل التنظيمي  للتنظيم وقادة هيئآته المختلفة عن الجماهير الحزبية وبالتالي يؤدي الى تبني قرارات غير مدروسة وخاطئة تؤدي الى إخفاق التنظيم الحزبي في تحقيق أهدافه المرسومة في منهاجه السياسي .
إن الطريقة العلمية التي يجب إتباعها لمعالجة قضايا القيادة الجماعية في التنظيم السياسي تفترض أيضاً الحل الصائب لمعالجة القضايا المتعلقة بهيبة وشخصية قادة وزعماء التنظيمات المهنية التي تمثل في نشاطها المهني التنظيم السياسي الذي انبثقت منه ، وإن تلك المعالجات سوف لا تهمش الدور الهام الذي تلعبه قيادات هذه التنظيمات في إعادة بناء مجتمع جديد على أسس جديدة وفق رؤية التنظيم السياسي ، بل ستعزز هذا الدور وتدعمه .
إن تطبيق مبدأ القيادة الجماعية في عمل كل الهيئات الحزبية المنتخبة ديمقراطياً وفق الأصول والسياقات التنظيمية وتأمين عملها المنتظم والمنسجم مع النظرية العقائدية للتنظيم يجب أن يبقى دائماً موضع إهتمام الحزب وأن يعتمد مبدأ القيادة الجماعية كقانون أساسي في حياة الحزب الداخلية وكشرط ضروري لنشاط منظمات التنظيم الطبيعي .
إن فلسفة عبادة الفرد وخرق قواعد الديمقراطية داخل التنظيم الحزبي ينتج عنها ما لا يمكن أن يسمح به في حياة التنظيم الداخلية لأنها تتناقض مع المبادئ والقواعد التنظيمية الداخلية لحياة التنظيم . حيث على التنظيم أن يتمسك بهذه المبادئ بحزم لضمان ديمومة القيادة الجماعية في العمل التنظيمي وأن يتم تثبيت ذلك في النظام الداخلي ويطبق بحذافيره بدءاً بأصغر وحدة تنظيمية في القاعدة وإنتهاءاً بأعلى هيئة قيادية في قِمة الهرم للهيكل التنظيمي للتنظيم بحزم وصرامة وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب على الجميع .
ويقتضي من تطبيق مبدأ القيادة الجماعية في العمل السياسي المنظم بأن يبادر أعضاء التنظيم على كل المستويات التنظيمية الى توجيه النقد بغرض تقويم وإصلاح هذا القائد أو ذاك في الوقت المناسب عندما تقتضي الضرورة ذلك وفق القواعد والسياقات التنظيمية وأن لا يفسحوا المجال لأن تتحول السلوكيات الشخصية الخاطئة الى أخطاء قاتلة للتنظيم من دون أن يكون هناك أية روادع وإجراءات تعيق هكذا ممارسة في توجيه النقد بغرض تقويم القائد الذي ينحرف عن مبادئ التنظيم .
كما ينبغي على القادة الإصغاء بروح نضالية حزبية الى الملاحظات الأنتقادية التي توجه إليهم وأن يتقبلوا تلك الأنتقادات بصدر رحب وبروح رياضية وأن يتخذوا الأجراءات والتدابير الضرورية لتقويم عيوبهم وسلوكهم ذاتياً وفق مبدأ النقد والنقد الذاتي ، وأن تتخذ المعالجات الصائبة والسريعة لوضع حد للأخطاء التي يرتكبها هذا القائد أو ذاك في الهيئات القيادية وعلى مختلف مستويات المسؤولية في التنظيم الحزبي طابعاً تثقيفياً شاملاً ، وعليه تبقى الثقافة الذاتية التنظيمية  والسياسية والاجتماعية للفرد في التنظيم الحزبي هي المصدر والمنبع لبناء كوادر مقتدرة قادرة على تقبل مبادئ وقواعد وشروط القيادة الجماعية بمفهومها السياسي الواسع من دون مضاعفات سلبية .
وكل ما ذكرناه بشأن القيادة الجماعية وأهميتها الأستراتيجية في العمل التنظيمي السياسي وتَصدر أولويتها على غيرها من الأولويات المبدئية في عمل التنظيم السياسي نراه بجلاء غائباً بشكل مطلق في حياة كل تنظيماتنا السياسية التي تدعي القومية العاملة في ساحة أمتنا بكل مكوناتها ومختلف تسمياتها وتصنيفاتها مع الأسف الشديد ، حيث نرى بالمقابل القيادات لهذه الأحزاب في حالة من التشرذم والتفكك والصراعات والمناكفات وتبادل التهم غير المبررة ونزوعهم الى التفرد بالرأي والقرار في كل شأن من شؤون أمتنا ، كل ذلك من أجل المصالح والمكاسب والمنافع الشخصية الأنانية التي  تُؤمِنُها وتَمنحُها لهم هذه التنظيمات من خلال المشاركة الرمزية المذلة في مؤسسات السلطات الرسمية على حساب المصلحة القومية العليا لأمتنا ، إضافة الى غياب الثقافة السياسية لدى أغلب الكوادر الرئيسية من الخط الأول والثاني في الهيكل التنظيمي لهذه التنظيمات بسبب عدم إهتمام ورغبة تلك القيادات لخلق وبناء كوادر مثقفة ومؤهلة ومقتدرة للمستقبل لكي تَضمُنْ لنفسها استمرارهم وبقائهم الى أطول فترة ممكنة في تصدر قيادات المشهد السياسي لأمتنا والأستفادة القصوى من الدجاجة التي تبيض لهم ذهباً . وكذلك هو الحال في معظم التنظيمات الوطنية العراقية المتنفذة لكل المكونات الأخرى للشعب العراقي .

خوشــــابا ســـــولاقا
17 / تموز / 2-18 م

36
العلاقة بين الديمقراطية والمركزية في العمل السياسي

خوشــا با ســولاقا

إن مفهومي الديمقراطية والمركزية مفهومين سياسيين وفلسفيين مترابطين بعلاقة جدلية وهما في حالة من المد والجزر وفق الظروف الموضوعية والذاتية لساحة العمل ... إنهما مفوهمان يُعتمدان في أي عمل سياسي منظم سواءً كان ذلك العمل على مستوى التنظيمات والأحزاب السياسية أو على مستوى الإدارة السياسية لشؤون الدولة ، وذلك من خلال إعتماد آليات تجعل فعلهما مترابط ومتكامل لبعضهما البعض ويكونا متداخلين أحياناً ومتعارضين بنسب متفاوتة أحياناً أخرى حسب متطلبات تكتيك تحقيق الأهداف المرحلية والإستراتيجية للعمل السياسي ، ولكن في كل الأحوال وفي كل الظروف أن فعل أحداهما يكون إمتداداً وتكاملاً لفعل الآخر ولا يلغيان بعضهما البعض في أي حال من الأحوال بشكل مطلق ، ولكن يتعايشان في حالة من المد والجزر كما ذكرنا وفقاً للظروف الذاتية والموضوعية المحيطة . 

الديمقراطية : في حالة إعتماد الممارسة الديمقراطية كنهج في العمل السياسي يعني بالضرورة الأنفتاح على أوسع قاعدة ممكنة من الأفراد من ذوي العلاقة من المنخرطين في العمل سواءً كان ذلك في التنظيم السياسي أو في ادارة شؤون الدولة لغرض مشاركة رأي الأكثرية في بلورة وصنع القرار الأستراتيجي الذي يحدد الإطار العام وأهداف وآليات العمل عبر حوار ومناقشات للأراء المتعددة والمختلفة في مضامينها ومن دون تهميش وإقصاء وإلغاء أي رأي من الأراء  من أجل الوصول في النهاية الى الرأي المشترك الجامع والسديد .

في ظل هذه الممارسة ، أي الديمقراطية التي يكاد أن يكون فيها مساحة ممارسة المركزية في صنع القرار قد وصل الى مستواه الأدنى ، ويكاد أن يكون فعلها المؤثر في صنع القرار الأستراتيجي قد تلاشى وإنصهر في بوتقة وحدة الرأي الجامع للأكثرية .   
المركزية : بشكل عام في حالة إعتماد نهج الممارسة المركزية في العمل السياسي يعني تركيز أو حصر الصلاحيات والسلطة أي سلطة القرار بحلقة ضيقة من القيادات العليا من المقربين لرأس الهرم في التنظيم السياسي أو بالرأس الأعلى في إدارة شؤون الدولة ، وقد تحصر الصلاحيات والسلطة والقرار أحياناً بشخص واحد ، وهذا يكون أسوء ما في السلطة والأدارة المركزية لأن هذه الظاهرة المقيتة تنتهي طبيعياً بظهور الديكتاتورية الاستبدادية الفردية التي تلغي كل مظاهر الديمقراطية عملياً ولا يبقى لها أي مظهر من المظاهر في الحياة الحزبية أو في الأدارة السياسية للدولة من حيث الممارسة العملية في سياقات العمل المعتمدة . 
تتعايش ممارسة الديمقراطية والمركزية معاً في الحياة العملية السياسية الحزبية والادارية لشؤون الدولة في حالة من المد والجزر وفقاً لمستوى نضج الوعي الثقافي والقانوني والسياسي للأفراد المنخرطين في العمل والمتواجدين في الساحة المعنية . فعندما يكون مستوى نضج الوعي الثقافي للأفراد عالياً تكون هناك استجابة لمتطلبات تطبيق القانون في الحياة عالية المستوى أيضاً كماً ونوعاً ، وعندها سوف يكون هناك مداً كبيراً لصالح الممارسة الديمقراطية ، بالمقابل يكون هناك جزراً كبيراً يقوض من فعل ممارسة المركزية الصارمة ، وعندما يكون مستوى نضج الوعي الثقافي للأفراد متدنياً يكون مستوى الأستجابة لروح تطبيق القانون في الحياة السياسية متدنياً أيضاً كماً ونوعاً ، وعندها يحصل جزرا كبيراً في فعل الممارسة الديمقراطية على حساب مداً كبيراً في فعل الممارسة المركزية الصارمة في الساحة السياسية من أجل ضبط الأوضاع المنفلتة على أرض الواقع ومحاولة إبقائها في إطارها المحدد والمقبول على الأقل بحدوده الدنيا في حدود القانون .

هكذا يبقى قانون فعل هذان المفهومان في الحياة السياسية الحزبية أو في إدارة شؤون الدولة مرتبط إرتباطاً عضوياً وثيقاً في علاقة جدلية تكاملية بمستوى نضج الوعي الثقافي الجمعي للأفراد المنخرطين في العمل في الساحة المعنية أيضاً في حالة المد والجزر .
هنالك حالات وسطية بين المد الكامل والجزر الكامل لهذان المفهومان ، حيث يكون هناك مَداً مُحدداً في مجالات معينة لتطبيق الممارسة الديمقراطية ويقابله جزراً محدداً في ذات الوقت لتطبيق الممارسة المركزية ، وحالات أخرى على العكس من ذلك تماماً ، وهناك حالات يحصل فيها توازي أو توازن بين الحالتين .

السياسي الناجح والبارع ورجل الدولة الناجح والبارع هو الذي يتمكن من تشخيص دور وقوة الظروف الذاتية والموضوعية وحجم الأمكانيات المتاحة وتحديد الزمان والمكان المناسبان وتحديد إتجاه القوى الفاعلة في الأحداث على أرض الواقع وبالتالي يتمكن من تحديد ورسم الحدود الفاصلة بين ممارسة الديمقراطية والمركزية على خارطة ساحة العمل السياسي لغرض التمكن من التحكم العقلاني الممنهج بتوجيه دفة تسيير العملية السياسية في التنظيم السياسي أو في الأدارة السياسية للدولة بشكل سليم وفق متطلبات تنفيذ القرار الأستراتيجي وتحقيق الأهداف المرسومة ، حيث يتمكن من خلال هذه الرؤية أن يجعل من الديمقراطية كابحاً قوياً للمركزية الصارمة لمنع ظهور الديكتاتورية الأستبدادية للفرد القائد للحزب أو للدولة ، وأن يجعل من المركزية الايجابية كابحاً للديمقراطية العبثية المنفلته لمنع ظهور نظام الفوضى والجريمة للغوغاء . هكذا نرى أن متطلبات تطبيق الديمقراطية الايجابية أو تطبيق المركزية الايجابية كنهج في ساحة العمل السياسي تتغير وفقاً لتغير متطلبات الحياة في الساحة ، ويتبعها أيضاً تَغَير في آليات العمل وسياقاته المعتمدة لأجل إبقاء عملية الأصلاح والتطوير في البنى الاجتماعية والأقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها في المجتمع في مسارها الصحيح والمحدد سلفاً في القرار الأستراتيجي للتنظيم السياسي أو للأدارة العليا للدولة ، وبعكسه سوف يصيب العمل برمته بالفشل المحتم .

عليه فإن تغليب الممارسة الديمقراطية على الممارسة المركزية بشكل مطلق في العمل السياسي أي كان العمل يؤدي الى إشاعة الحرية الفردية المفرطة والمنفلتة وبالتالي غياب سلطة القانون وسيادة نظام الفوضى والتي في ظلها يكون المناخ مهيئاً وخصباً لظهور الجريمة الأجتماعية بكل أشكالها بما فيها الجريمة المنظمة من خلال عصابات المافية والفساد المالي والأداري في أجهزة التنظيم السياسي أو في أجهزة الدولة على حدٍ سواء ، وهذا بحد ذاته يشكل خطراً يهدد أمن المجتمع واستقراره وخصوصاً في المجتمعات ذات المستوى الثقافي والوعي الأجتماعي الجمعي المتدني أو المتوسط .

وعليه في هذه الحالة يكون لوجود مركزية بمستوى معين ومسيطر عليها ضمن أطر قانونية ضرورة اجتماعية حتمية للمحافظة على التوازن الأمني والسلم الأهلي الاجتماعي في المجتمع ، ففي مثل هذه الحالة وفي ظل هكذا ظروف يكون تعايش الديمقراطية والمركزية على ساحة واحدة أمراً محتماً وضرورياً يفرضه واقع الحال للحياة ..
أما في حالة تغليب الممارسة المركزية الصارمة تحت طائلة أي ظرف من الظروف السياسية والاجتماعية فإن ذلك يؤدي الى تركيز وتمركز السلطة في يد فئة قليلة في قيادة التنظيم السياسي المعين على مستوى الحزب أو في قيادة الدولة إن كان ذلك على مستوى الإدارة السياسية للدولة فإن ذلك يشكل بالتالي تمهيداً لتشكيل سلطة وإدارة ديكتاتورية الفرد الواحد سواءً كان ذلك على مستوى رئيس أو الأمين العام للتنظيم السياسي أو على مستوى رئيس الدولة ، وظهور الديكتاتورية يعني إطلاق رصاصة الرحمة على جسد الديمقراطية وبالتالي القضاء على حرية الفرد وكبت الرأي الحر وكم الأفواه ومصادرة الأرادة الحرة لأفراد المجتمع وإقامة مجتمع الرعب والخوف والأرهاب والملاحقات السياسية والتصفيات الجسدية للخصوم والفقر والعوز والجريمة وإثراء الأقلية القليلة المسلطة من القيادة على حساب إفقار الأغلبية الساحقة من الشعب وزيادة بؤسها وشقائها والأمعان في إذلالها بلقمة عيشها مستغلة لسلطتها في إدارة الدولة لنهب وسرقة المال العام في ظل غياب المؤسسات الدستورية الممثلة لسلطة الشعب في الرقابة والمحاسبة والتي من المفروض أن تلاحق وتحاسب الحكومة في إدارة الدولة على كل خروقاتها وتجاوزاتها للقانون وحقوق الشعب ، ونفس الأمور تحصل داخل التنظيمات والأحزاب السياسية ذات الفكر والتوجهات الشمولية التي تُغلب مبدأ ممارسة المركزية الصارمة على مبدأ ممارسة الديمقراطية في عملها التنظيمي كما كان الحال في حزب البعث العربي الأشتراكي في العراق سابقاً وغيره من الأحزاب في بقية الدول العربية وكما كان عليه الحال أيضاً في الأحزاب الشيوعية والأشتراكية في المعسكر الأشتراكي حيث كانت ظاهرة تأليه وعبادة الفرد سائدة بقوة في قياداتها ، وبالمقابل كانت الممارسة الديمقراطية مغيبة كلياً عن حياة تلك الأحزاب وأنظمتها السياسية في إدارة بلدانها .
 
وخلاصة القول أن ممارسة الديمقراطية المطلقة والمركزية الصارمة مرفوضتان كنظام لتسيير التنظيم السياسي وإدارة شؤون الدولة لأنهما تخلقان مجتمعات لا يتوفر فيها الأمن والآمان والسلم الأهلي والحرية الفردية الايجابية وبالتالي الرخاء الأقتصادي والرفاه الاجتماعي والعيش الرغيد والكريم للمجتمع .

إن المطلوب والمقبول إجتماعياً وأخلاقياً وقانونياً وإنسانياً هو أن تتعايش الديمقراطية والمركزية معاً بشكل متوازن بينهما مد وجزر حسب متطلبات تأمين الحرية الفردية الايجابية للإنسان وغياب الجريمة بكل أشكالها وحماية حقوق الإنسان وحريته في الرأي وتأمين الرخاء الأقتصادي والرفاه الاجتماعي للمجتمع بكل مكوناته وطبقاته وشرائحه المختلفة ، وأن تكون السلطة كل السلطة والسيادة للقانون بمؤسساته الدستورية وحده دون سواه .

إن الأفراط في توسيع مساحة الممارسة الديمقراطية في ظل ضعف نضوج الوعي السياسي المجتمعي للمسؤولية تجاه الآخر وضعف الثقافة الديمقراطية على حساب التضييق على ممارسة المركزية يعتبر تطرف وإنه بالتالي امراً لا يخدم المجتمع والإنسان ، حيث يصبح الإنسان في ظل هذه الحالة كائن عبثي لا يعي نتائج سلوكه وعمله ولا يُقيم للأخلاق والسلوكيات الإنسانية أية إعتبار ولا يعطيها أية قيمة حضارية تمدنية ، حيث يصبح القتل والجريمة أعمال وسلوكيات مشاعة ومباحة وتصبح سمات للمجتمع الذي تسود فيه هكذا شكل من الممارسة الديمقراطية العبثية والسلبية في نتائجها النهائية ، حيث يكون المجتمع مجتمع تحكمه شريعة الغابة ، أي مجتمع كما يقول المثل المتداول " حارة كلمن إيدو الو " .

أما الافراط في ممارسة مركزية السلطة والقرار على حساب ترشيد الألتزام بقواعد ومبادئ الديمقراطية في العمل يعتبر أيضاً تطرف في منح الثقة والسلطة والصلاحيات لمن يسيء إستخدامها بتعسف ، وعندها تكون هذه الممارسة التعسفية للمركزية أمراً مرفوضاً لا يخدم هو الآخر المجتمع والإنسان لأن ذلك يؤدي حتماً الى ظهور الديكتاتورية الأستبدادية التي يتحول في ظلها الإنسان الحر الى عبد مطيع مسلوب الإرادة وفاقداً لإنسانيته ... حيث تتحول الحياة الحرة الكريمة للانسان الى حياة القهر والعبودية والؤس والشقاء يضطر فيها تحت طائلة الحاجة لأن يُتاجر بإنسانيته التي تعتبر أغلى قيمة في الوجود وأثمن رأسمال على الاطلاق .

في ضوء ما تم عرضه من شرح فإن المطلوب المقبول كما قلنا هو المجتمع المتوازن الذي فيه تتعايش الديمقراطية الايجابية المعتدلة والمركزية المعتدلة وفق الآلية التي تخلق التوازن الاجتماعي وتمنع ظهور سلطة الفوضى والغوغاء وسلطة الديكتاتورية الاستبدادية للفرد وتعطي ما هو ايجابي ومفيد لتقدم وتطور المجتمع والإنسان معاً .

خوشــابا ســولاقا
13 / تموز / 2018 م


37
الحقوق القومية والثقافية والسياسية والدينية للأقليات
في ظل سـلطة الأكثريات
خوشــابا ســولاقا
إن أكثر المشاكل تعقيداً التي عادةً تعاني منها البلدان المتعدد ة المكونات القومية والعرقية والدينية ، وتكون تلك المشاكل مصدراً للصراعات بين هذه المكونات وتتسم في غالب الأحيان بطابع العنف المسلح الذي يؤدي الى عدم استقرار الوضع الأمني والسياسي والأقتصادي فيها ، وبالتالي تؤدي الى تأخر وتخلف تلك البلدان اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً . عليه يبقى حل كل هذه المشاكل مرهون بحل مشكلة الحقوق القومية والثقافية والسياسية والدينية للأقليات ومن دون ذلك لا تستطيع ان تتمتع حتى الأكثريات بحقوقها الطبيعية عند النظر الى تلك المشكلة ( مشكلة الأقليات ) التي تكون عادة مشكلة مزمنة ومعقدة وحساسة في طبيعتها بنظرة وطنية تحليلية شاملة في اطار الرؤية الوطنية المتكاملة .
لغرض ايجاد الحلول الناجعة لحل مشكلة الحقوق القومية والدينية للأقليات لا بد من دراسة الوضع الديموغرافي للبلاد بشكل متكامل ، ودراسة طبيعة الثقافات القومية والدينية للمكونات كافة في المجتمع الوطني من حيث التفاعل الأيجابي وقبول الآخر والتعايش السلمي معه  في اطار الرؤية الوطنية المتكاملة لبناء مجتمع وطني متجانس ومتآخي . بعد إجراء هذه الدراسة يمكن أن يتم فرز تلك الثقافات ومعرفة طبيعتها ، والوقوف على أسباب تناقضاتها وتفاعلاتها ومن ثم تصنيفها على أساس ما هو منها يقبل بالتعايش القومي والديني والمذهبي مع الآخر المختلف في ظل الدولة الوطنية الديمقراطية المدنية ذات المؤسسات الدستورية يحكمها القانون المدني الذي يتعامل مع المواطن على أساس الهوية الوطنية دون سواها ، وما هو منها رافضاً لذلك التعايش الوطني في أطار الدولة الوطنية الديمقراطية المدنية الموصوفة .
في مجتمعات البلدان المتعددة المكونات القومية والدينية كانت المهيمنة والمسيطرة والحاكمة هي الثقافات القومية والدينية للأكثريات ، وكانت تلك الثقافات دائماً ثقافات عنصرية وإقصائية وتهميشية واستعبادية وإلغائية لثقافات الأقليات القومية والدينية بأقصى الحدود ، وبالتالي حرمان تلك الأقليات من أبسط حقوقها القومية والدينية والثقافية والسياسية والأقتصادية وحتى الانسانية أحياناً الى درجة الغاء دورها بشكل كامل في المشاركة في ادارة الدولة وصنع قرارها السياسي . وأحياناً كانت اجراءات الأقصاء والألغاء للأقليات أجراءات مزدوجة قومية ودينية معاً وبذلك كانت تلك الأقليات تعاني الأمرين مثل أبناء أمتنا والأيزيديين والصابئة المندائيين ، وكان هذا الوضع يمثل قِمة الظلم والتعسف والاجحاف بحق أبناء الأقليات القومية والدينية ، وبالتالي حرمانها من أبسط الحقوق بما فيها الحقوق الانسانية ، هذا الواقع المذل والمهين للخضوضية القومية والدينية دفع بأبناء الأقليات الى هَجر بلدانهم الى المهاجر الغريبة مرغمين .
إن التجارب الكثيرة  والمتنوعة من حيث طبيعتها في مختلف بلدان العالم بشكل عام والبلدان العربية والاسلامية بشكل خاص تعطي للباحث مؤشراً قوياً حول استحالة امكانية حل المشاكل القومية والثقافية والسياسية والدينية للأقليات في ظل هيمنة وسيطرة سلطة الثقافة القومية الشوفينية التي تقودها التيارات القومية المتطرفة التي تؤمن بإقصاء وإلغاء الآخر على أساس قومي وعِرقي ، وهي في ذات الوقت لا تؤمن بأبسط المفاهيم الديمقراطية وحرية الانسان وحقوقه ، ويكون الحال كذلك تماماً بل أسوء منه في ظل هيمنة وسيطرة سلطة الثقافة الدينية الطائفية الشوفينية التي تقودها التيارات الدينية المتطرفة التي لا تؤمن بالتعايش السلمي مع من يخالفها المعتقد الديني بل تعتبره كافراً ، وتعتبر الديمقراطية كفراً وإلحاداً وهي من نتاج الفكر الغربي الكافر . إن ما يجري اليوم من أحداث دامية ومرعبة بهذا الخصوص على أرض الكثير من البلدان العربية والأسلامية لهو خير مثال حي على ما نقول .
إذن لا الفكر القومي العنصري الشوفيني المتطرف ، ولا الفكر الديني الشوفيني والتكفيري - لأي دينٍ كان – صالح ومؤهل لحل مشكلة الحقوق القومية والسياسية والثقافية والدينية للأقليات ، لأن العنصرية الشوفينية مهما كانت طبيعتها سوف تَعمي البصر والبصيرة لكل من يحملها في فكره ويؤمن بها ويتخذ منها وسيلة ومعيار للتعامل والتعاطي مع الآخر المختلف عنه وتُحوله بالنتيجة الى أداة للجريمة البشعة .
في ضوء ما تم ذكره تبقى الديمقراطية الليبرالية الحرة ، والفكر الديمقراطي الليبرالي الحر الذي لا يصنف البشر على أساس الأنتماء القومي والديني والمذهبي والجنس واللون والمستوى الطبقي الاجتماعي ، هو الفكر الوحيد لحد الآن القادر الى تقديم أفضل وأنجع الحلول الانسانية لحل مشكلة الحقوق القومية والثقافية والسياسية والدينية للأقليات والأكثريات القومية والدينية في البلدان والمجتمعات المتعددة المكونات بشكل أكثر إنصافاً وعدلاً . وعليه فإن تركيز النضال الوطني والقومي لأبناء البلدان المتعددة المكونات من أجل إقامة النظام السياسي الديمقراطي الليبرالي الحر في إطار الدولة الديمقراطية المدنية ذات المؤسسات الدستورية الرصينة يحكمها القانون يجب أن يكون في مقدمة الأولويات لنضالات أبناء الأقليات قبل الأكثريات لكونها المستفيد الأكبر من هكذا نظام الذي سوف يعطيها ما فقدته من الحقوق هذا من جهة ، ومن جهة ثانية لكون النظام الديمقراطي هو الطريق الأقصر للوصول الى ما تصبو إليه الأقليات من الحقوق القومية والثقافية والسياسية والدينية والاجتماعية والانسانية  .
أما الحلول الأخرى التي نسمع عنها من هنا وهناك ، وتطرح من قبل هذا المناضل المجاهد أو ذاك !!! المتاجر بالدعوات القومية الطوباوية عبر وسائل الأعلام والمواقع الالكترونية في داخل الوطن وخارجه في المهجر وهو قابع في غرفة مغلقة وراء الحاسوب وهو يطالب بإقامة منطقة الحكم الذاتي أو فيدرالية لأبناء أمتنا في المثلث الآشوري دون معرفته للحقيقة الواقعة على أرض الواقع الموضوعي كما يفعل البعض من الغارقين في أوهام الخيال أو المطالبة باستحداث محافظة خاصة بنا في سهل نينوى كما يريد البعض الآخر في لحظات الضعف واليأس كلما تنزل كارثة ما بأمتنا  المنكوبة ، فإن تلك المطالبات مهما بلغت من التأثير في تهييج مشاعر الجماهير لا تعدو كونها أكثر من مجرد مزايدات وتهريجات اعلامية فارغة وزوبعة في فنجان ، ويروج لها هواة السياسة ليسوقوها في سوق المزايدات الأعلامية من الذين لا يحملون أي مشروع سياسي قومي ووطني عملي متكامل قابل للتحقيق على أرض الواقع ، وبالتالي فان هكذا تهريجات وتخريفات ومزايدات فارغة مع احترامي الشديد لمطلقيها ومروجيها لا تفضي الى حلول منطقية وعقلانية مقبولة قابلة للتحقيق ، بل تشكل نوعاً من الخداع والتضليل لأبناء الأمة وتجعلهم يعيشون حلماً وردياً على أمل تحقيقه مستقبلاً لكي لا تتهمهم بالفشل وتسخير قضية الأمة وجعلها وسيلة رخيصة لتحقيق منافع ومصالح شخصية أنانية .
نحن هنا للمعلومات لسنا من الرافضين لهذه المطالبات لكون أمتنا لا تستحقها ، بل لكونها مطالبات غير واقعية وغير قابلة للتحقيق ولكونها مطالبات في غير زمانها ومكانها ، حيث من المفروض بمن يتعاطى مع السياسة أن يعيش في الحاضر وعلى أرض واقعه الديموغرافي في أرض الوطن وأن لا يعيش في الأحلام الوردية بحسب الطموح وينسج لنفسه في الخيال أوطاناً وهمية كما يحلو له من دون أن يشاهد أمواج المياه الآسنة للهجرة اللعينة وهي تجري من تحت أقدامه ، وسفنه تمخر عُباب البحار والمحيطات شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً لتحط مراسيها على شواطئ برّ الأمان بحثاً عن أوطاناً جديدة بديلة عن أرض الأباء والأجداد لتأوي يتامى أمتنا الضائعة في متاهات المهاجر .
الأرض التي لم ترتوي بدمائنا وليس لنا تراث وتاريخ فيها ولم نترك بصماتٍ على أحجارها لا يمكن أن تصبح وطناً صالحاً لنا ليأوينا وبيتاً أمناً يحمي هويتنا القومية وتراثنا القومي بكل مقوماته القومية وسنبقى فيها غرباء أبد الدهر وسوف ترفض حتى أن تكون قبراً مريحاً لرفاتنا .... ومتى ما أدركنا هذه الحقيقة نبقى مؤهلين لأن يكون لنا وطن وأن نبحث عنه لنعود إليه ليحتضننا ويأوينا آمنين مطمئنين على هويتنا القومية ووجودنا القومي وبغير ذلك يكون مصيرنا الأنصار والزوال والأنقراض . 


خوشـــابا ســــولاقا
6 / تموز / 2018   

38
دولة العراق الجديد وثقافة " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب "
خوشابا سولاقا
مقدمة تعريفية
إن معيار مدى نجاح الدولة المؤسساتية الحديثة وسيادة القانون وتحقيق العدالة والمساواة فيها يَكمنْ في ضَمان " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " .
في جميع العصور عبر التاريخ الانساني سعَ علماء وفقهاء الفكر السياسي والاداري والأقتصادي الى بناء هياكل مؤسسة الدولة بالشكل الذي تكون ذات فعالية ديناميكية كفوءة لأنتاج مؤسسة دولة الخدمات الناجحة في تقديم الأفضل للمواطنين من جهة ، ولترسيخ في ذات الوقت اركان النظام السياسي للسلطة التي تديرها مهما كانت طبيعة ذلك النظام السياسي أيديولوجياً وبأية نظرية فكرية يسترشد في توجُهاته ومنطلقاته في إدارة شؤون الدولة والسلطة ، بين أن يكون ذلك النظام ، نظاماً ديمقراطياً ليبرالياً أو أن يكون نظاماً ديكتاتورياً فردياً واستبدادياً ، وبين أن يكون نظاماً برجوازياً رأسمالياً ، أو نظاماً اشتراكياً ديمقراطياً ، او نظاماً اشتراكياً شيوعياً شمولياً ، أو أن يكون نظاماً عنصرياً شوفينياً وشمولياً قومياً أو دينياً او طائفياً من جهة أخرى  .
 لقد استند هؤلاء الفقهاء والمفكرين في سعيهم الحثيث لتحقيق الهدف النبيل " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " لبناء دولة المواطنة والخدمات الكفوءة في ادائها والنزيهة بعناصرها التي من خلالها تُدير شؤونها وتؤسس لدولة المؤسسات الدستورية وسيادة القانون والعدالة والمساواة بين مكونات الشعب المختلفة وحصر السلاح فيها بيدها دون سواها ، وليس التأسيس لدولة المكونات القومية والطائفية والميليشيات الحزبية المسلحة التي تنشر الفوضى والعبث في طول البلاد وعرضه .
إن تطبيق هذا المبدأ يتطلب توفر في الشخص المسؤول المناسب ، عنصر الولاء الحقيقي للوطن ، عنصر الأخلاص في العمل ، عنصر النزاهة في الأداء ، وعنصر الحرص والأمانة على المال العام ، وعنصر الكفاءة والخبرة ، وعنصر التحصيل العلمي الأختصاصي  في المهام التي يتطلبها  الموقع المسؤول ، وعنصر حسن التعامل والأخذ والعطاء مع الرؤساء والمرؤوسين في العمل أي بمعنى حُسن العلاقات العامة مع العاملين والعملاء ، ومن الضروري جداً أخذ بنظر الأعتبار عنصر العمر في هذا الجانب ، لأن العمر له دور في النضوج الفكري وتكامل البناء النفسي لكارزما الشخص المسؤول وتراكم الخبرة المهنية . نعتقد أن توفر هذه المواصفات تشكل الأرضية الصلبة المناسبة لأختيار الشخص المناسب للمكان المناسب في بناء الهياكل الكفوءة والفعالة في أدائها لبناء مؤسسات دولة المواطنة والخدمات الكفوءة في ادائها ، ومن غير ذلك لا يمكن أن تكون هناك ما تسمى بدولة الخدمات بكل أشكالها وأنواعها .
بحسب ما قرأنا عن الحرب الباردة بين القطبين العالميين ، القطب الرأسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها والقطب الأشتراكي الشيوعي الشرقي بقيادة الأتحاد السوفييتي السابق وحليفاته الذي ظهر للوجود بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها. قيل أن أحد المبادئ الأساسية الذي اعتمدوه المخططين الأستراتيجيين في صياغة استراتيجية المعسكر الرأسمالي الغربي لتدمير وتفكيك البنى التحتية للمعسكر الأشتراكي الشيوعي ، كان السعي الى نشر الفساد المالي والاداري في المؤسسات الرسمية لدول هذا المعسكر من خلال العمل على وضع مبدأ " وضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب " موضع التطبيق ، مستغلين في ذلك هشاشة البنى التحتية لهذا المعسكر ( المعسكر الأشتراكي ) من خلال استثمارهم لتدني مستوى المعيشة لشعوب بلدانه بسبب تدني مستوى رواتب العاملين فيه ، وعجز مؤسسات دوله في توفير الحاجات المادية والمعنوية والخدمية الأساسية ولو بمستوى الحد الأدنى لشعوبها . وعند الأطلاع على ما ورد في كتاب الرئيس الروسي الأسبق ميخائيل غورباتشيف " البيريسترويكا " سوف نلاحظ هذا الأمر بوضوح وجلاء وكيف كان الفساد بكل أشكاله ينخر في جسد دول المعسكر الأشتراكي بسرعة مطردة من سنة لأخرى من جهة ، وتضخم ديون الدول الرأسمالية بذمة دوله وانهيار قيمة العُملات المحلية أمام العُملات الغربية فيها  بسبب غياب " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " من جهة أخرى ، ستلاحظون كيف أسهم ذلك بشكل كبير وفعال في النهاية في انهيار المعسكر الأشتراكي  وبالتالي في إنهيار النظام الشيوعي في أوروبا الشرقية بسرعة هائلة ، وأحسن ما في هذا الأنهيار أنه حصل من دون إراقة للدماء ، وذلك بسبب قناعة قادة الأنظمة الشمولية الحاكمة والشعوب في تلك البلدان بعدم جدوى من استمرار هذا النظام المتفسخ والمتهرئ لأنه عجز عن تقديم ما وعد به الشعوب .
هكذا قدمت البشرية من خلال أسباب سقوط وانهيار النظام الأشتراكي في الأتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا بعد تجربة دامت أكثر من سبعين عاماً من العمل الدؤوب خير نموذج لسوء عدم العمل بضرورة تطبيق مبدأ " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " ، وكيف أن عدم تطبيق هذا المبدأ يجعل المجال مفتوحاً أمام الفاشلين والفاسدين من المتنفذين في أحزاب السلطة للقفز على مواقع المسؤولية في مؤسسات الدولة الرسمية وينشرون فيها الفساد المالي مستغلين مناصبهم الرسمية في سرقة المال العام والعبث بممتلكات الدولة واستثمارها في خدمة مصالحهم الشخصية ومصالح اقربائهم والمقربين منهم من الأنتهازيين ومن ضعاف النفوس من الشرائح الاجتماعية الرثة في المجتمع التي لا تمتلك الوعي الوطني الناضج .

                                            قراءةً في واقع العراق تاريخياً

في ضوء ما تقدم بخصوص ثقافة تطبيق مبدأ " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " في التجربة العراقية ، لو درسنا واقع العراق من حيث مدى تطبيق هذا المبدأ لوجدناه بشكل عام ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في سنة 1921 م ولحد هذا اليوم واقع بعيد كل البعد عن ما يقتضيه تطبيق هذا المبدأ في توزيع المهام والمسؤوليات الوظيفية في مؤسسات الدولة العراقية الفتية ، ولذلك لم نلاحظ صورة للدولة المؤسساتية المدنية الديمقراطية القوية التي يسود فيها القانون إلا بشكل نسبي يختلف مستواه من مرحلة الى اخرى وكما يلي .
أولاً :- في ظل مرحلة التكوين مرحلة النظام الملكي الدستوري من عام 1921 م الى عام 1958 م كان السعي لتطبيق هذا المبدأ أفضل بكثير مما صار عليه في المراحل اللاحقة ، حيث كان يتم اختيار الكوادر القيادية العليا في المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية وفق معايير ومواصفات الشخص المناسب للمكان المناسب التي ذكرناه في متن المقدمة التعريفية أعلاه ، أو بالأحرى فإن الأجراءات بهذا الشأن كانت تجري على وفق ما معتمد في انكلترا من المعايير والمواصفات بهذا الخصوص ، لذلك كانت استجابة مؤسسات الدولة في أدائها لمتطلبات مهامها في تقديم خدماتها للمواطن في كافة المجالات كانت أقرب الى المطلوب وشبه مقبولة من لدن المواطن العراقي ، وكان الفساد المالي وسرقة المال العام الذي نادراً ما سمعنا أو قرأنا عن حصوله في تلك المرحلة ، وكان شبه معدوم بالرغم من ضئآلة امكانيات الدولة المالية مقارنة بالمراحل التي تلتها ، وكانت ثقافة التطبيق لهذا المبدأ هي السائدة على غيرها من الثقافات في هذه المرحلة من حياة الدولة العراقية الحديثة بحسب وجهة نظرنا الشخصية بالرغم من كونها دون مستوى الطموح  .
ثانياً :- ثقافة التطبيق في ظل مرحلة النظام الجمهوري منذ 14 / تموز / 1958 م ولغاية 9 / نيسان / 2003 م ، حيث بدأ العد العكسي لتداعي وتراجع ثقافة تطبيق هذا المبدأ في عهد النظام الجمهوري عما كان عليه في عهد النظام الملكي الدستوري في كافة مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية ، حيث بدأت مرحلة عمليات حشر المقربين الحزبيين من أحزاب ورجالات السلطة الحاكمة وبحسب مبدأ المحسوبية والمنسوبية والأنتماء القبلي والعشائري أي بحسب مبدأ " الأقربون منهم أولى بالمعروف " في أجهزة الدولة ، ولكن بالرغم من سيادة وشيوع هذه الظاهرة في معظم أجهزة مؤسسات الدولة بشكل ملفت للنظر وبالأخص في المؤسسات العسكرية والأمنية ، إلا أن التعيين في كثير من المواقع المهمة والحساسة التي يتطلب توليها كفاءات اختصاصية مقتدرة لضمان نجاحها واستمرارها بقيت مثل هكذا تعيينات خاضعة الى معايير الكفاءة والأختصاص العلمي والخبرة والأقتدار والنزاهة والأخلاص ، وكان ذلك جلياً وواضحاً للعيان في عهد عبدالكريم قاسم وعهد الأخوين عبدالسلام وعبدالرحمن عارف وحتى في عهد حكومة البعث بالرغم من أن النظام البعثي كان يعطي الأولوية في التعيين للعناصر البعثية في الحالات التنافسية عند تكافوء المواصفات المعيارية الأخرى ، إلا أنه بقيت الكفاءة والخبرة والأختصاص والنزاهة هي ما يعول عليها الى حدٍ كبير في توزيع المهام والمسؤوليات وتولي المناصب الأدارية المهمة في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية والأمنية أي بمعنى كان تطبيق هذا المبدأ محدوداً نسبياً محصوراً في مجالات معينة دون أخرى وكان بمستوى أدني مما كان عليه في العهد الملكي الدستوري .
ثالثاً :- ثقافة التطبيق في ظل المرحلة الحالية ، أي منذ سقوط النظام السابق في التاسع من نيسان من عام 2003 م ولغاية اليوم ، أي مرحلة نظام المحاصصة الطائفية والأثنية السياسية التي بات الكذب والرياء السياسي فيها سِمةٌ تلازم سيرة وسلوك أغلب السياسيين والمسؤولين في مؤسسات الدولة المختلفة منهجاً وسياق عمل لهم . حيث تميزت هذه المرحلة من تاريخ العراق الحديث في شؤون إدارة الدولة بسقوط الدولة ذاتها بمفهومها القانوني والاجتماعي والعِرفي المتعارف عليه ، وغياب القانون والضوابط والتعليمات الادارية التي تتحكم بسلوك المسؤولين والمواطنين معاً للسيطرة عليهم والحد من انحرافاتهم عن الصيغ القانونية التقليدية المعتمدة وتجاوزهم عليها بشكل سافر ، وحلت محل دولة المواطنة والقانون دويلات المكونات الطائفية والأثنية والقبائل والعشائر ، وحل محل القانون الفوضى وسيادة قانون صاحب السلاح الأقوى في الشارع ، وتحولت وزارات الدولة ومؤسساتها الرسمية ودوائرها الى أشبه ما تكون بالأمارات والأقطاعيات في زمن نظام المجتمع الأقطاعي ، إمارات لأشخاص بعينهم أو لأحزاب سياسية بعينها يتم التصرف بمقدراتها بحسب ما تقتضيه المصالح الشخصية أو الحزبية للشخص المسؤول ، حيث يتم التعيين في مختلف مواقع المسؤولية في تلك الوزارات – الأمارات الأقطاعيات - بحسب مزاجات وقناعات القائمين عليها في رأس الهرم خلافاً للضوابط والتعليمات والسياقات والمعايير الوظيفية المهنية التي كانت معتمدة ولو بأدنى مستوياتها في المراحل السابقة من تاريخ الدولة العراقية . هكذا أصبح كل سياق عمل معتمد اليوم يشكل سياقاً خارج إطار القانون والضوابط الأدارية والمالية والقانونية الصحيحة للدولة المدنية الديمقراطية العصرية الحديثة ، وبمعنى أكثر شمولاً أصبح حتى السلوك الأجتماعي للمواطن سلوكاً منفلتاً أنانياً غير مسؤولاً وغير متحضراً اتجاه الممتلكات العامة للدولة بشكل خاص واتجاه قيم وتقاليد وطقوس المجتمع بشكل عام بسبب غياب قوة الدولة وهيبتها من خلال تطبيق القانون بعدالة . كذلك غابت المواصفات الفنية الرصينة في تعاملات مؤسسات الدولة في استيراد المعدات والأجهزة والمواد الغذائية والدوائية وغيرها من الأحتياجات الأخرى التي يتم استيرادها من خارخ العراق وفي تنفيذ أعمال المشاريع العامة في خضم سيادة الفساد المالي والرشاوي التي يتقاضاها المسؤولين من الشركات المجهزة للمواد والمنفذة للأعمال مقابل قبولهم للبضائع الفاسدة المجهزة لمؤسسات الدولة واستلامهم للأعمال المنفذة المخالفة للمواصفات الفنية المطلوبة في ظل الغياب التام للرقابة النوعية الوطنية على المستوردات والأعمال المنفذة ، وهنا لهيئة النزاهة ومكاتب المفتشين العموميين في وزارات ومؤسسات الدولة دوراً كبيراً في التستر على حيتان الفساد المالي المستشري في أجهزة الدولة ، هذه الأجهزة الرقابية باتت بدلاً من ان تكون أجهزة رقابية تتابع وتلاحق الفاسدين والمفسدين من منتسبي الدولة بكافة درجاتهم الوظيفية في مؤسسات الدولة وتحيلهم إلى القضاء لينالوا جزائهم تقوم بغالبية كوادرها بدور الحماة للفاسدين والمفسدين والتستر عليهم ويساومونهم مقابل ما تجود به أياديهم القذرة من السحت الحرام المقسوم .
 هكذا أصبحت في ظل غياب تطبيق مبدأ " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " الأجهزة الرقابية شريكاً وحامياً للفاسدين وسُراق المال العام . 
في ظل هذا الواقع المزري الذي فيه الفساد المالي والأداري سيده المطلق وبات سرقة المال العام سمته وهدف المسؤولين ، فَقدَ الأختصاص والشهادة والخبرة والأخلاص والنزاهة والكفاءة والأقتدار والأستقامة والأمانة الوظيفية والولاء الوطني قيمتها ومكانتها ودورها في اختيار الأفضل والأحسن والأنسب لوضعه في المكان المناسب . لذلك نلاحظ أن اغلب المسؤولين القياديين والكوادر القيادية في مؤسسات دولة العراق الجديد أن اختصاصاتهم بموجب شهاداتهم لا علاقة لها بمهام وطبيعة عمل واختصاص مناصبهم ، وأن خبرتهم العملية لا تؤهلهم لتولي تلك المناصب الكبيرة بالمسؤولية بموجب مبدأ " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " ، ولكن عبثية وهمجية وتخلف فلسفة نظام المحاصصة أو فلسفة الديمقراطية التوافقية العرجاء التي أنتجت غياب المعارضة الوطنية الأيجابية في النظام البرلماني العراقي كما يحلو لهم تسميتها لغرض تلميع وتجميل وجه نظام المحاصصة الطائفية والأثنية القبيح الذي يبيح ويبرر لهم كل شيء ، كأن يتم تعيين على سبيل المثال وليس الحصر مهندس في منصب وزيرالداخلية ، وأن يتم تعيين طبيب في منصب وزير الخارجية ، وأن يتم تعيين طبيب في منصب وزير المالية وهكذا دواليك مع بقية الوزارات من دون مراعاة لتوافق الأختصاص الأكاديمي للمسؤول مع طبيعة ومهام واختصاص المنصب ، لأن فلسفة ومنطق نظام المحاصصة المتخلف يقتضي اعتماد هذا السياق الأهوج لخلق ما يسمى بالتوازن بين المكونات العراقية حتى وإن كان ذلك يتعارض مع منطق العلم والعقل للادارة الرشيدة لدولة الخدمات ، بينما الضرورة من أجل ضمان الأداء الأفضل للموقع تقتضي تحقيق توافق مهني بين اختصاص المسؤول وطبيعة مهام المنصب ، إضافة على ذلك أن وجود هذا التوافق يساعد المسؤول على اكتشاف بؤر الفساد المالي والفاسدين ويحجم من دورهم . وليكُنْ الله في عون الشعب العراقي للخروج من هذه المحنة .

    خوشـــابا ســــولاقا
 16  / أيار / 2018 م

39
ضرورة الأصلاح والتغيير في فكر ونهج الأحزاب السياسية في العراق
خوشابا سولاقا
بعد السنوات الطويلة التي عاشها شعبنا العراقي بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية وهو سجين القمع والظلم والقهر والديكتاتورية المقيتة وعانى ما عاناه من مظالم واضطهاد قومي وديني ومذهبي وكم الأفواه وكبت الحريات وإسكات الأصوات الحرة ومنع الناس من الكلام عن ما كان يجري لهم في بلدهم إلا ما كان منه يمجد ويمتدح شخص الديكتاتور المتغطرس والحزب القائد والتفاخر بهزائم الحروب العبثية القذرة التي إفتعلها وشنها الديكتاتور ونظامه خلال فترة حكمه الأسود على إنها انتصارات باهرة وناجزة على القوى الظلامية التي تهدد وجود العراق من الشرق والغرب والشمال والجنوب ، ومن كل صوب وحدب وكذلك من أجل إرجاع الأجزاء السليبة من الأرض العراقية التاريخية ،  ومن أجل محاربة القوى الأمبريالية العالمية الشريرة الطامعة بخيرات وثروات العراق ، ومحاربة الأعداء التارخيين للعرب والعروبة من الصهاينة والفرس المجوس كما كان يدعي النظام ، وكذلك أراد النظام أن يصور تلك الحروب التي شنها ظلماً وعدواناً على الآخرين والتي لا يمتلك فيها الشعب العراقي لا ناقة ولا جمل على إنها حروب وطنية مقدسة وحروب بين الخير المتمثل بالنظام والشر المتمثل بالأعداء المفترضين من غير القوى الموالية للنظام والقوى المتحالفة معه والساندة والداعمة له ، وعلى أنها حروب بين القوى المؤيدة للحق العربي المغتصب في فلسطين وبين الصهيونية العالمية والقوى الأمبريالية العالمية الداعمة لها ولمشاريعها التوسعية على حساب العرب والأمة العربية لأقامة دولة إسرائيل الكبرى التي تمتد حدودها من نهر النيل الى نهر الفرات تحقيقاً للحلم التوراتي لقادة الصهيونية العالمية ، وكذلك على إنها حروب بين جبهة الحق وجبهة الباطل ، جبهة الأيمان كله ضد جبهة الكفر كله ، مما يقتضي من الشعب العراقي والعرب الحقيقيين والشرفاء في العالم المشاركة والمساهمة بما يمليه عليهم ضميرهم وبقيادة النظام الصدامي قائد جيش السبعة ملايين باسم " جيش القدس " لتحرير بيت المقدس من براثن إسرائيل والصهيونية ليدخل صلاح الدين العصر على صهوة جواده الأبيض على رأس جيش المنتصرين حاملاً راية العروبة والأسلام الى القدس من جديد ، ولقد دفع الشعب العراقي ثمناً باهضاً من دماء أبنائه جراء هذا الحلم القيصري الأخرق . كل هذه الأحلام الفارغة والخاوية قادت النظام وأزلامه الى إرتكاب حماقات وجرائم بحق العراق والعراقيين يندى لها الجبين وجلبت لهما الويلات والكوارث والنكسات والمأسي المريرة ، حيث لا تخلو عائلة عراقية من ضحية وفقدت عزيز لها من أب أو إبن او زوج أو اخ أو غير هؤلاء من الأعزاء المقربين والأصدقاء ، وتركت الملايين من الثكالى والأرامل واليتامى تجوب الشوارع والأزقة بحثاً وراء لقمة العيش ، إضافة الى ما عانته كل عائلة عراقية من شضف العيش والحرمان والبؤس والشقاء في كل قطاعات الحياة وعانت الأمرين من سياسات النظام الحمقاء والغبية والعقيمة ، سياسات الويلات والنكسات والكوارث والمأسي ، وخرجت البلاد من تلك الحروب العبثية عشية القرن الواحد والعشرين مدمرة الأقتصاد والبنى التحتية والخدماتية وهي غارقة بالديون الثقيلة والتي تزيد عن مائة وخمسون مليار من الدولارات ترهق كاحلها ، ومرهونة الثروات وفاقدة للسيادة الوطنية ، والشعب المثخن بالجراح يلعق جراحه ويئن تحت وطأة الحصار الأقتصادي الجائر المفروض على العراق بموجب القرارات الدولية على أثر إحتلال جيش النظام لدولة الكويت في الثاني من آب 1990 .
أما قطاع الخدمات الاجتماعية المختلفة فتلك قصة أخرى لا تحكى لما فيها من الغرائب والعجائب حيث لا يرى من خلالها المُشاهد الغريب العراق إلا ذلك البلد المدمر المحطم الخرب كأنه بلد في بداية عهد الأحتلال العثماني ، إنها حقيقة مهزلة تدمع لها العيون وتُدمى لها القلوب المجروحة . أما في مجال الفساد المالي والإداري الذي كانت تمارسه أجهزة وشخصيات النظام السابق كانت تضرب أطنابه كل أجهزة ومرافق الدولة ومؤسساتها الرسمية المختلفة ، وسرقة المال العام كان مباحاً لرجالات النظام دون أن يكون شاملاً لكل موظفي الدولة ، والرشوة كانت فريضة يدفعها المواطن لقاء إنجاز أية معاملة رسمية له لدى دوائر الدولة الصدامية التي وفرت الحماية لسراق المال العام ووفرت الأمن للمواطن دون أن تعطيه الأمان في العيش الرغيد والمريح .
كل هذا حصل للعراق والعراقيين عشية دخول القوات الأمريكية المحتلة الى عاصمة الرشيد بغداد وهي تجوب شوارعها بآلياتها العسكرية الثقيلة وطائراتها تملأ الأجواء بأزيزها المرعب بحرية وأمان دون أن يعترضها أحداً من أزلام النظام الذين كانوا أقوياء قساة على أبناء شعبهم الذين أذلوهم وأهانوهم ، ولكن من دون أن يقولوا لجيش الأحتلال وهو يجوب شوارع عاصمتهم على عينك حاجب يا المحتل الغاصب الغريب ، وبعد أن أحتلت هذه القوات مطار بغداد الدولي وتقدمت صوب مركز بغداد والقصر الجمهوري لأسقاط الصنم في ساحة الفردوس كانت أبواق النظام من خلال وزير إعلامها المدعو محمد سعيد الصحاف يتحدث بلغة سمجة وهابطة عن الانتصارات الصدامية على قوات الأحتلال من العلوج على طريق المطار وفي ساحة جامع ام الطبول ويوعد الشعب المغلوب على أمره بالنصر المؤزر على يد قائد الضرورة عبدالله المؤمن قريباً ، يا للهول ويا للمهزلة الأعلامية السخيفة والرعناء التي كان الصحاف يحاول من خلالها تحقيق ما قاله وزير الأعلام الهتلري غوبلز  " اكذب اكذب حتى يصدقك الآخرين " إلا أنه ولسوء حظه التعيس والعاثر لم يصدقه أحداً من العراقيين . خرج العراق والعراقيين من خضم هذا الصراع المرير مع النظام بعد سقوطه على يد القوات الأمريكية في التاسع من نيسان عام 2003 فرحين متأملين بزوغ فجر عصر جديد خالِ من الديكتاتورية والقمع والاضطهاد والمعتقلات والملاحقات الأمنية والكوارث والفقر والمرض والعوز وخالِ من كل مظاهر القهر والتخلف التي تركتها السنين العجاف على الواقع العراقي ، وكَبُر حلمهم مع الأيام بتأسيس دولة القانون والمؤسسات الدستورية وتناوب السلطة سلمياً من خلال الأنتخابات الديمقراطية الحرة النزيهة على أنقاض الدولة الصدامية الأستبدادية المنهارة ، إلا أن ذلك الحلم الجميل سرعان ما تلاشى وتبخر وغاب وراء الأفق البعيد واصبح مجرد حلم ينتظر التحقيق وتحويله الى واقع معاش . توالت الأيام وتوالت الحكومات في العصر الجديد بدءً بحكومة مجلس الحكم والسيد بريمر الى حكومة علاوي مروراً بحكومة الجعفري وانتهاءً بحكومة المالكي الأولى والثانية الى الحكومة الحالية برآسة الدكتور حيد العبادي أي عصر ما بعد الصدامية التي أذاقت العراقيين المُرّ الزعاف ، ويلاحظ المواطن العراقي المثقف والسياسي والبسيط أن كل شيء باقِ على حاله دون أن تَطالهُ يد التغيير والأصلاح بل اصبح أسوء مما كان عليه في زمن النظام السابق في الكثير من المجالات التي لها المساس المباشر بحياة المواطن وعم الفساد المالي والأداري كافة أجهزة الدولة العراقية  وصار سلوك وثقافة المسؤولين الكبار ، حيث إنتهى عهد أسود وظالم وأعدم صدام وسقط نظام حكمه الأستبدادي البغيض ، ولكن لم تنتهِ ولم تسقط ولم تعدم الصدامية في الحياة العراقية كنظام سياسي في إدارة شؤون الدولة العراقية لغاية اليوم ، بل هي باقية وتعمل بقوة بكل سماتها المعروفة للقاصي والداني كالفساد المالي والاداري والرشوة في أجهزة الدولة والصراع على السلطة وتصفية الخصوم السياسيين بالوسائل العنيفة والتصفية الجسدية من خلال الميليشيات المسلحة غير الشرعية التي تمتلكها أغلب الأحزاب السياسية الحاكمة تحت مسمياة مختلفة ، وشيوع المحسوبية والمنسوبية وغيرها من الخصوصيات في منح الأمتيازات والمناصب والوظائف بأقصى مستوياتها وبصورة مبتذلة ، وسيادة سياسات الأقصاء والتهميش والاستئثار بالسلطة والتمييز بين المواطنين على أساس نظام المحاصصة الطائفية والأثنية والهويات الخصوصية الفرعية وغياب مفهوم دولة المواطنة والهوية الوطنية ، وغيرها الكثير من هذه المظاهر المتخلفة والمرفوضة أخلاقياً ووطنياً وإنسانياً ، فكل الأحزاب والقوى السياسية التي قفزت على كراسي الحكم بعد سقوط النظام الصدامي باسناد ودعم المحتل لا تختلف عن بعضها البعض في شمولية أفكارها وأسلوب حكمها عن شمولية وأسلوب حزب النظام السابق ، حيث لم تتمكن هذه الأحزاب من خلال حكوماتها المتعاقبة أن تقدم شيئاً جديداً ومتميزاً للشعب والوطن أفضل مما قدمه النظام السابق ، بل إن كل ماحصل هو تكرار لصورة الماضي البشعة بألوان جديدة من القهر والبؤس والشقاء والحرمان . حيث فقد الشعب الأمن والأمان وشاع القتل على الهوية وضرب الأرهاب بكل أشكاله ومسمياته بأطنابه كل مناحي الحياة العراقية ، وتوسع الفساد المالي والاداري بشكل أوسع وأشمل مما كان عليه في زمن النظام السابق ، وشاعت الرشوة وارتفع مستواها وأساليبها لتشمل كل مستويات الدرجات الوظيفية بشكل غريب ومريب من دون أن يردعها رادع قانوني ولا وازع أخلاقي ، وتوسع الصراع على السلطة والكراسي وامتيازاتها بين القوى السياسية الحاكمة وإتخذ أوسع مدياته ، وأعتمد مختلف الأساليب بما فيها فبركة التهم بكل أنواعها ضد بعضها البعض والأغتيالات السياسية ، وبالمقابل زاد الشعب فقراً ومرضاً وعوزاً وبؤساً وشقاءً وقهراً وحرماناً ، وتفشت البطالة بين شرائح المجتمع المختلفة وبالأخص شبابه المتعلم وغير المتعلم وأصبح الكل يبحث عن لقمة العيش بكل السبل المتاحة ، مما جعله صيداً سهلاً لقوى الأرهاب والجريمة المنظمة ليقتنصه ويستخدمه في تنفيذ جرائمه وعملياته الأرهابية التي عمت في طول البلاد وعرضها ، بحيث أصبحت قطاعات واسعة من شرائح المجتمع العراقي مع الأسف الشديد تترحم علناً على النظام المقبور الذي أذاقهم السُم الزعاف ، يا للمفارقة الغريبة والعجيبة !!! إنه حقاً لأمر مضحك ومبكي في ذات الوقت !! . على خلفية هذا الواقع المأساوي الذي كان يعاني منه العراقيين نلاحظ نمو ظاهرة إشتداد التنافر والرفض بين الجماهير الشعبية من مختلف الشرائح الاجتماعية المتضررة وبين الأحزاب السياسية المستحوذة على السلطة والمتعاونين معهم ، حيث وصل رد الفعل الرافض للجماهير الشعبية لهذه الأحزاب الى حد المطالبة بابعادها وإقصائها عن إدارة الدولة وحكم البلاد لكونها أحزاب شمولية لا تختلف عن سابقاتها بنهجها وبأساليب عملها المخالفة للقانون والدستور وإستغلالها لثروات البلاد لصالحها وإثرائها على حساب سرقة المال العام في الوقت الذي عجزت من أن تقدم شيئاً ملموساً لجماهير الشعب المتضررة من سياسات النظام المقبور وأن تعطي لهم صورة مغايرة لتلك الصورة التي كان قد طبعها النظام السابق في مخيلتهم وأذهانهم والتي تعيش ظروف معاشية وخدمية مزرية ، أي بعبارة أخرى نستطيع القول أن هناك تناقض بين تطلعات وهموم وأحلام الجماهير العراقية التي تعيش حوالي 20 % منها حسب الأحصائيات الدولية تحت خط الفقر وبين ممارسات الأحزاب السياسية القابضة على دفة السلطة والموارد المالية للبلد والتي هي عاجزة من أن تقدم ما يلبي تلك التطلعات المستقبلية الشرعية للطبقات الفقيرة والكادحة من المجتمع العراقي حتى بأدنى مستوياتها والتي ولدتها الحروب العبثية للمرحلة الصدامية . هكذا تتوسع هوة التناقض والخلاف بين الطرفين يوماً بعد آخر مع مرور الزمن وإستمرار الوضع المزري من سيء الى أسوء ، بحيث بدأت بوادر الدعوات والمطالبات القوية والعلنية الملحة من داخل صفوف هذه الأحزاب لأجراء الأصلاح والتغيير في هيكلية وفكر ونهج وأسلوب وآليات عملها ، وأخذت هذه الدعوات والمطالبات تتوسع وتشتد وأصبحت تهدد بقاءها على ما هي عليه الآن إن لم تطالها يد التغيير والأصلاح الجذري لتصبح أحزاب قادرة ومؤهلة للعمل بين الجماهير وتستجيب لمطالبها المشروعة .
لذلك شاهدت الساحة العراقية ومنذ سقوط النظام السابق الكثير من حركات الانشقاق والتمزق والتفكك طالت معظم الأحزاب السياسية وظهرت على أثرها أحزاب وتيارات سياسية إصلاحية جديدة لها خطاب سياسي مستقل ومختلف عن ذلك الخطاب التقليدي الذي نشأت وتربت عليه ، واتخذ خطاب هذه الأحزاب والتيارات الجديدة طابعاً إصلاحياً وطنياً ديمقراطياً ومدنياً وحتى علمانياً الى حد ما بعد أن كان في السابق طابع الخطاب السياسي لها طابعاً قومياً عنصرياً أو دينياً مذهبياً طائفياً متعصباً راديكالياً
. وإرتفعت الدعوات والأصوات في الشارع العراقي الى المطالبة بفصل الدين عن السياسة حماية لمقدسات ونقاء وسمعة الدين من أي تلوث وتشويه وإساءة من أفعال السياسة الشنيعة من جهة ، وأن تكون الدولة مجرد مؤسسة خدمات توفر الحماية للوطن والشعب من أي عدوان خارجي على حدوده وسيادته وتقدم الخدمات المختلفة للمجتمع وتوفر فرص العمل والعيش الكريم لأبنائه لكي يعيشوا بعز وكرامة من جهة أخرى . وكذلك إرتفعت الأصوات المنادية بضرورة إعادة تشكيل الهوية الوطنية العراقية وترسيخها والتعامل مع المواطن في منح الحقوق وتوزيع الواجبات لأقامة العدل والمساواة بين أبناء الشعب الواحد على أساسها بدلاً من تمجيد وتكريس الهويات الخصوصية الفرعية الأخرى ، وكذلك دعت هذه الأصوات الوطنية الشريفة إلى أن تكون الدولة العراقية الجديدة دولة المواطنة ودولة القانون والمؤسسات الدستورية بدلاً من أن تكون دولة المكونات والجماعات والأحزاب والأشخاص أي دولة الخصوصيات القومية والدينية والمذهبية الطائفية ، وكذلك إرتفعت الأصوات وأطلقت الدعوات الى تأسيس حياة وثقافة الشراكة الوطنية الحقيقية في الوطن الواحد تتساوى فيه جميع أبناء مكونات الشعب العراقي في الحقوق والواجبات ويكون الحاكم الفيصل بينهم القانون والدستور على أساس المواطنة وليس على أي أساس آخر كالمحاصصة الطائفية السياسية والأثنية الشوفينية .
وظهرت هناك الشيء الكثير من مثل هذه المؤشرات في الحياة السياسية العراقية التي تدل على ضرورة وحتمية إجراء الأصلاح الجذري والتغيير الشامل في برامج وأفكار وأيديولوجيات ونهج وأهداف واساليب وآليات العمل والبنى التركيبية لهيكلية أحزاب المؤسسة السياسية العراقية وتحررها من قيود الجمود العقائدي وظاهرة تأليه وعبادة الفرد وتراكمات الماضي الذي تغير اليوم وتحول الى حاضر . لذا فإن هذه الأحزاب كل الأحزاب الكلاسيكية المشبعة بالفكر الشمولي الأقصائي الأستئثاري عليها أن تتغير لتتمكن أن تعيش في هذا الحاضر الجديد وتتحرر من قمقم الماضي المتخلف ، وإلا فإن مصيرها بشكلها وتكوينها الحالي سيكون التفكك والضمور والزوال ودخول متحف التاريخ ، أو أن تتحول الى دكاكين تجارية للقيادات المتنفذة وحاشيتهم من الأقارب والمقربين المنتفعين من المصفقين والمداهنين لهم ، أو أن تتحول إلى مجرد مقاهي اللهو يتجمع فيها المسنين من كوادرها ليستذكرون في جلساتهم ذكريات الماضي التي ذهبت أدراج الرياح ولن تعود لهم حتى في أحلام اليقضة
إن المثقفين من الكوادر الحزبية لهذه الأحزاب الكلاسيكية من ذوي النزعات الحرة ومن المتطلعين الى المستقبل المشرق والحريصين على مصالح الشعب والوطن بإمكانهم إذا نظروا بنظرة حيادية فاحصة لمجريات الأمور في العراق بشكل عام ، والى ما يجري داخل أحزابهم من تفكك وتشرذم وتمزق وتناقض بين القول والفعل وصراع الأفكار والرؤى بسبب تقاطع المصالح والصراع على المناصب وكراسي الحكم بين القيادات سوف يجدون أن المستقبل الذي سيؤول إليه مصير أحزابهم المتهاوية والآيلة الى الأنهيار والسقوط لا يبشر بالخير وإنما ينذر بالشؤم وبما لا يحمد عقباه من تداعيات وإنهيارات غير متوقعة وتجربة الأحزاب الأشتراكية والشيوعية في أوروبا الشرقية خير مثال حي على ذلك الأنهيار ، ومن هنا سيجدون أنفسهم أمام مسؤولية تاريخية تجاه شعبهم ووطنهم ، وإن الواجب تجاه جماهيرهم يلزمهم للقيام بعمل ما لأنقاذ ما يمكن إنقاذه حفظاً لماء وجوههم أمام مواجهة الجماهير وحكم التاريخ الذي لا يرحم المقصرين والمتخاذلين والمغفلين وخونة الأمة والوطن والشعب . وعليه فإن الأصلاح والتغيير الجذري سيكون خيارهم الوحيد والأوحد لأنهما قادمان لا محال شاءوا ذلك أم أبوا وليس أمامهم من خيار أو بديل أفضل ..
إن نظرة فاحصة الى واقع الشعارات والعناوين المطروحة والمرفوعة على الساحة السياسية العراقية عشية الأنتخابات البرلمانية القادمة بعد أيام  والتحضيرات التي تمهد لها القوى السياسية العراقية تجري المساعي لها من قبل القوى المنتفعة من الحكم اليوم بذرائع شتى ، ومقارنتها بما كانت عليه في الأنتخابات البرلمانية السابقة سوف نجد بوضوح وجلاء أن هناك في المركز وفي الأقليم أن هناك فروقات كمية ونوعية في طبيعة البرامج والأفكار والشعارات والأطروحات السياسية والخطاب السياسي للقوى والكتل السياسية المتنافسة وحتى في رمزية تسميات الكتل والقوائم الأنتخابية قد حصلت بشكل ملحوظ المعالم  وأن الفرز في الاتجاهات العامة لسياسات هذه القوى هو الآخر قد تجلت معالمه للعيان  ، ومؤشرات أفاق التطورات في المستقبل نحو الأصلاح والتغيير الجذري للنظام السياسي في العراق تكون هي السمة الغالبة لها وهي الأخرى واضحة وجلية . كل ذلك حصل بفعل استيعاب المثقفين الواعين من قيادات والكوادر المتقدمة للكتل والأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة للعناصر الفاعلة والمؤثرة والحاكمة في معادلة التناقض بين تطلعات الجماهير الشعبية وطموحاتها في مستقبل أفضل والعيش الكريم من جهة وبين أفكار ونهج وأساليب عمل أحزابها التي أصبحت بالية ومتخلفة وعاجزة عن مواكبة مستجدات ومتطلبات الحياة الجديدة وضرورة التفاعل معها بشكل إيجابي وعقلاني من أجل تلبية متطلبات الحياة الجديدة التي زادت سوءً بعد سقوط النظام الديكتاتوري من جهة ثانية .
كل هذه المؤشرات والأسباب والتطورات التاريخية الدراماتيكية التي حصلت في حياة العراق السياسية بعد سقوط النظام الصدامي وتحرير العراق من طغيان وهمجية داعش تضع الأحزاب السياسية أمام واقعها المزري بعد أن أثبتت التجربة العملية في إدارة الدولة أنها قد فقدت صلاحيتها للبقاء والأستمرار . عليه إذا أرادت فعلاً لنفسها البقاء والأستمرار في العمل في الساحة السياسية أن تجري إصلاحات وتغييرات جذرية في أفكارها ومنطلقاتها الفكرية والنظرية وأيديولوجياتها ونهجها السياسي وأساليب وآليات عملها وهياكلها التنظيمية بالشكل الذي يقربها أكثر من عمق الجماهير الشعبية وتطلعاتها وطموحاتها المستقبلية في الحياة الحرة الكريمة الخالية من الفقر والعوز والبطالة والقهر ، وأن تجعل من قياداتها أن تكون فعلاً قيادات جماعية وجماهيرية أكثر من أن تكون قيادات فردية إستبدادية ديكتاتورية تؤمن بنظرية تأليه وتقديس الفرد وتكريس نهج إختزال كيان الحزب السياسي في شخص الفرد القيادي الذي يقبع على رأس الهرم التنظيمي كما هو عليه الحال في الأحزاب الشمولية الحالية . 
جدلاً إن أنتجت الأصلاحات والتغييرات السياسية الشاملة في الأحزاب قيادات جماعية وجماهيرية تكون تلك القيادات وبالتالي أحزابها موضع ثقة واحترام وترحيب الجماهير الشعبية تثق بها وتعيد إختيارها عن قناعة وإيمان راسخين قادة ورواد لقيادة نضالهم السياسي من أجل إنجاز وبناء مجتمع العدل والمساواة وتكافوء الفرص والرخاء الاجتماعي والرفاه الأقتصادي ، عندها فقط تتحول الأحزاب الى أدوات ثورية فعالة للأصلاح والتغيير الاجتماعي لبناء دولة المواطنة المدنية الديمقراطية ، دولة القانون والمؤسسات الدستورية المدنية ، وبالتالي كل ذلك يفضي الى بناء المجتمع الديمقراطي المدني المنشود في العراق عراق كل العراقيين من دون تمييز
.


خوشـــابا ســـولاقا
8 / آيار / 2018 م           

40
الفكر وحركة تطور الحياة الإنسانية
خوشابا سولاقا
لغرض مناقشة هذا الموضوع الذي يعتبر في غاية الأهمية بالقدر الذي هو في غاية التعقيد والصعوبة بكل جوانبه المتعلقة بالحياة الإنسانية ، من اجل الوصول الى معرفة العلاقة الجدلية بين الفكر كنتيجة إنعكاسية لحركة تطور واقع الحياة الإنسانية وبين تطور الحياة الطبيعية ذاتها، لابد لنا من الوقوف عند ما قالوه بعض المفكرين والفلاسفة وعلماء الأجتماع المرموقين الكبار ممن لهم مساحة معتبرة على جغرافية الفكر الإنساني إن جاز التعبير ولهم دور كبير ومشهود له في مسيرة الحركة الفكرية الإنسانية العالمية ، ونحن هنا نتجنب ذكر الأسماء لهؤلاء العظماء الخالدون لإعتبارات خاصة تخدم موضوع المقال من جهة ولكي نستطيع من خلال ذلك أيضاً المحافظة على حياديتنا في الطرح دون أن نتهم بالانحياز الى مدرسة فكرية بعينها دون سواها من جهة ثانية ، وعليه نكتفي بذكر المقولات لهؤلاء دون ذكر أسماء قائليها ، لأن هذه المقولات ليست هي المادة الأساسية والجوهرية في موضوعنا المطروح للنقاش ، ولكنها تشكل مؤشراً قوياً للآستدلال من خلالها الى بيت القصيد من موضوعنا .
قال أحد المفكرين والفلاسفة الكبار الأنكليزي الجنسية الذي له سمعة وصيت عالميتين يعرفه كل مثقف ومهتم بشؤون الفكر والفلسفة والسياسة ما يلي :-
" في كل الأحوال من المفيد بين الحين والآخر أن نضع علامات إستفهام على الأشياء التي كانت ثوابت على المدى الطويل " .
وقال مفكر وفيلسوف واقتصادي الماني كبير دوخت أفكاره ونظرياته الفكرية والأقتصادية العالم الى يومنا هذا ويحتل مساحة كبيرة جداً على ساحة الفكر وعمت شهرته كل بقاع المعمورة منذ أكثر من قرنين من الزمان حيث قال وفي نفس السياق ما يلي : " ليس كل ما هو صحيح يكون واقعاً ، وليس كل ما هو واقع يكون صحيحاً دائماً " عند قراءتنا لهاتين المقولتين بدقة وعمق وبعد نظر وبحيادية فكرية نجدهما أنهما مقولة واحدة تعبران عن ذات المضمون ، أي بمعنى آخر مقولتين بمضمون واحد وبمفردات مختلفة بالرغم من كون القائلين لهما ينتميان الى مدرستين فكريتين مختلفتين وبينهما فارق زمني كبير ، لأن المقولتين تقصدان الموضوع ذاته من حيث المضمون الفكري ، وهذا يعني أنه ليس هناك شيء في الحياة سواءً كان ذلك في الحياة الأجتماعية او في الحياة الطبيعية ثابت لا يتغير ، وليس هناك ما هو صحيحاً أو واقعاً على طول الخط بالمطلق ، وإنما مفهومي الصحيح والواقع هما نسبيان وذلك مرتبط إرتباطاً عضةياً بحركة تطور الحياة نفسها ، لذلك تؤشر المقولة الأولى على ضرورة وضع علامات إستفهام على الأشياء التي كانت ثوابت لمدى طويل من الزمن بحسب معايير ذلك الزمن والمكان ، لأنها ستتغير حتماً في المستقبل وتصبح على غير ما هي عليه الآن . وتؤشر المقولة الثانية على كون ما هو صحيح اليوم ليس بالضرورة أن يكون واقعاً على الأرض في نفس الوقت ، وما هو واقع على الأرض ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً وفق المعايير السائدة في واقع اليوم ، كل شيء معرض للتغيير والتبدل الدائم .
بالتالي يعني الأمر أن الأشياء في حالة تغير مستمر لا ثبات لها وهي في حالة حركة دائبة ودائمة لا تتوقف ، وذلك التغير مرتبط بحركة تطور الحياة الإنسانية بكل مكوناتها ..
في كل النظم الاجتماعية التي سادت المجتمعات البشرية عبر التاريخ تشكل الثقافة والفكر والأدب والفن والفلسفة والقيم والتقاليد والأخلاق الاجتماعية البنية الفوقية للنظام الاجتماعي الأقتصادي السياسي السائد ، وبطبيعة الحال تكون هذه البنية أي البنية الفوقية عبارة عن إنعكاساً لواقع التفاعلات والتجاذبات والصراعات والتناقضات للبنية التحتية لذلك النظام والمتمثلة في شكل وطبيعة النظام الأقتصادي السائد ، والذي بالتالي يحدد علاقة وسائل الانتاج للخيرات المادية والمعنوية للممجتمع بالقوى العاملة المفعلة لوسائل الانتاج ، وإن  شكل وطبيعة النظام الأقتصادي يعتبر الأساس المادي لحركة تطور المجتمع وبالتالي هو الأساس لحركة تطور الحياة الإنسانية بكل مكنوناتها ، وعليه فإن البنية الفوقية تشكل تلك الوسائل التي تستعمل لتبرير شرعية نظام الأنتاج السائد واستمراره وحمايته والدفاع عنه . هكذا تتشكل العلاقة الجدلية التكاملية بين البنية الفوقية والبنية التحتية للنظام الاجتماعي ، وعند العودة الى دراسة تاريخ تطور وتحول النظم الاجتماعية التي مرَّ بها تاريخ المجتمع البشري سوف نجد أن هذه العلاقة تعبر عن نفسها بوضوح وجلاء في البنية الفوقية للنظام الاجتماعي لكل مرحلة من مراحل تطور التاريخ ، لذلك يكون أي تغير تطوري يحصل في أي مفصل من مفاصل البنية التحتية للنظام الأجتماعي ينعكس بالضرورة حتماً على شكل وطبيعة البنية الفوقية له ، وبذلك لا يمكن أن يكون هناك من ثابت مطلق في أي مفصل من مفاصل البنية الفوقية للنظام الاجتماعي ، فكل شيء في حالة تغير مستمر دائم بما في ذلك حركة الفكر كون الفكر جزء من مكونات البنية الفوقية للنظام الاجتماعي . إن الأحداث التي تحصل في الطبيعة وفي الحياة الاجتماعية بحكم صراع الأضداد والمتناقضات بسبب تصارع وتناقض المصالح تفضي بالضرورة الى تغير وتبدل وإختفاء أشياء وظهور أشياء أخرى جديدة بشكلها وطبيعتها التي تقتضيها متطلبات الحياة الجديدة . هذه الحركة تجعل الإنسان الذي من المفروض به أن يتصدى لها ويستوعبها ومن ثم يتوائم معها ويطاوعها لمتطلبات حاجاته الحياتية الجديدة ، عليه أن يفكر وأن يعيد صياغة أفكاره بأنماط ونسق جديدة تلائم الوضع المستجد ، وهذا المنطق في البحث وراء حقيقة تبدل وتغير الأشياء هو الذي مكن الإنسان من إنجاز أعظم الأختراعات العلمية في كل مجالات العلم في الطبيعة والمجتمع ومكنته من إكتشاف الكثير الكثير من أسرار الكون وقوانين الطبيعة وأفعالها ، ومكنته من صياغة نظريات فكرية وفلسفية عديدة ومختلفة وكل نظرية تعبر عن ما تضمنته النظرية التي سبقتها وأضافت إليها ما أستجد في الحياة ، أي بمعنى إن التطور يسير على شكل متسلسل بحلقات متوالية إحداها تكمل التي سبقتها وتصبح أمتداداً للتي تليها ، هكذا يستمر تطور الحياة الطبيعية والاجتماعية على هذا النسق ، نسق التبدل والتغير الدائم والتحول الكمي والنوعي في حركة تصاعدية على مسار هلزوني من الأدنى الى الأعلى نحو الأمام ، وتجعل الأشياء في حالة من الصراع والتناقض فيها كل قديم يولد نقيضه الجديد الأفضل وبالتالي فإن هذا الصراع التطوري والحراك الاجتماعي يفضي بالضرورة الى بقاء الأقوى والأصلح ويزول الضعيف القديم البالي ويتراجع وينزوي الى متحف التاريخ . هذه هي سنة الحياة ومنطقها العلمي في التطور التصاعدي ، كل قديم الى الزوال سائراً والجديد لا بد أن يولد من رحمه .
بإلقاء نظرة عامة على مسيرة التاريخ سوف نلاحظ بوضوح وجلاء تام صحة هذه النظرية ، ولكن قرأة  هذه المسيرة تختلف من شخص لآخر حسب مستوى تطور وعيه الأنساني للوجود بحد ذاته وقناعاته وإيمانه بما هو سائد من الأفكار والطقوس والتقاليد والأعراف في المجتمع الذي يعيش فيه ومتطبع بطبائعه وقيمه وأخلاقه .
خلاصة القول إن ما نريد قوله هنا هو أنه ليس هناك من فكر أو فلسفة تمتلك وتجسد الحقيقة المطلقة بكاملها كما يفكر بعض السذج من الناس والمخدرين بافيون الفكر المثالي الذي يقدس ثبات الأشياء ، وإنما مهما بلغت درجة الرقي والكمال والمعرفة فهي بالتالي لا تعبر إلا عن جزء من الحقيقة ، أي بمعنى آخر ليس هناك فكر متكامل يصلح لحل مشاكل الإنسان في كل مكان وزمان مهما كانت كينونة وطبيعة ذلك الفكر ، ولا يستطيع فكر يدعي الثبات والكمال أن يعيش ويتعامل ويستمر بالبقاء مع واقع متغير لأن ذلك مخالف لمنطق العقل والتاريخ وسنن الحياة ، ولكن بإمكان القائمين على هكذا أفكار والدعاة لها والمبشرين بها أن يطاوعوا تلك الأفكار مع واقع الحياة المتجددة وليس العكس ، أي مطاوعة الحياة لمتطلبات ثبات تلك الأفكار ، لأن ذلك لا يعني بلغة العلم والمنطق إلا شكل من أشكال العبث الأحمق غير الواعي بقيم الحياة ومنطق العلم والعقل وحرية الإنسان كما يفعل البعض ممن يقرأون التاريخ بصورة معكوسة ومشوهة .
إن الحياة هي الرحم الحاضن لمصدر الأفكار وتفاعلاتها وهي المنبع التي منها تولد الأفكار ولتأكيد هذه الحقيقة سوف نجد عند قراءتنا للتاريخ الإنساني أن جميع النظريات الفكرية والفلسفية والأقتصادية والاجتماعية وحتى المعتقدات الدينية ولدت في خضم الصراعات والتناقضات التي حدثت في المجتمع الإنساني بسبب تعارض وتصارع وتقاطع المصالح الأقتصادية للطبقات والشرائح الاجتماعية في كل زمان ومكان ، وبالتالي سوف نجد أن الأفكار كانت دائماً على امتداد التاريخ عبارة عن أدوات ووسائل للأستحواذ على أكبر قدر ممكن من المنافع الأقتصادية والمصالح الحيوية والسيطرة على مصادر الثروة والهيمنة على العالم تحت واجهات براقة مختلفة والدفاع عن تلك المصالح والمنافع وحمايتها من سطوة الآخرين ، بمعنى آخر أستعملت الأفكار والمعتقدات كأدوات نبيلة في الصراع لتحقيق غايات غير نبيلة من أمثال المنافع والمصالح والسيطرة على العالم تحت واجهات ذات شكل خيري وإنساني وذات مضمون نفعي إستغلالي غير أخلاقي يتنافى مع قيم الحضارة والحرية والعدالة والمساواة وحقوق الأنسان والديمقراطية . هكذا كان الحال مع الأفكار التي سادت التاريخ الإنساني وأصبحت أيديولوجيات ظالمة لحكام طغاة عبر مختلف فصول التاريخ في جميع بقاع الأرض دون إستثناء ، والذين لا يقنعهم هذا الطرح عليهم العودة الى قرأة التاريخ من جديد ليجدوا أن ما تم ذكره لا يشكل إلا القليل من الحقيقة الكاملة التي من المفروض أن تقال هنا .

ملاحظة : هذا المقال هو تمهيد لمقالنا القادم المعنون " ضرورة الأصلاح والتغيير في فكر ونهج الأحزاب السياسية في العراق " ..

خوشـــابا ســـولاقا
7 / آيار / 2018 م
 


41
أثر المدلولات التاريخية في إثبات الانتماء القومي للمجموعات البشرية ... الآشوريون نموذجاً

خوشابا سولاقا

في جميع المجتمعات البشرية ونحن الآشوريون منهم ، هناك في حياتهم الاجتماعية تقاليد وطقوس فلكلورية كثيرة عميقة في تأثيرها في تكوين وبناء شخصيتهم القومية تمارس بشكل فطري موروث لهم أب عن جد كتقاليد شعبية لا يدركون مضامينها ومدلولاتها وامتداداتها التاريخية والسوسيولوجية ، ولكن ترى البعض في أحيان كثيرة تتمسك بقوة وبتقديس وبمبالغة شديدة بتلك الممارسات والطقوس الفلكلورية بأعتبارها موروث وإرث الأباء والأجداد القدامى ، مما يتطلب من الأجيال التمسك بها وحمايتها للمحافظة على هويتهم وثقافتهم القومية وإرثهم التاريخي وفي ذات الوقت  يوصمون بالعار من لا يتمسك بها ويتجاوزها بأعتبارها باتت تقاليد قديمة بالية لا تتماشى مع تقاليد وطقوس الحياة العصرية وتغيراتها المستمرة التي يتطلب مواكبتها . ونرى كثيراً أن طبيعة المفهوم المعتقدي يتغير بتغير معتقدات العبادة كما حصل معنا نحن الآشوريين عندما تحولنا  من العبادات الآشورية الأصيلة القديمة الى اعتناقنا للديانة المسيحية ، فباتت الكثير من تلك التقاليد الفلكورية الموروثة التي كانوا الناس يعتزون بها لرمزيتها القومية التاريخية التي كانت تمارس وفق مفهوم معتقدي معين في السابق استمرت تمارس لاحقاً وفق مفهوم ومضمون الديانة المسيحية الجديدة ، أي باتت تمارس كتقاليد وطقوس مسيحية لتكون مقبولة في المجتمع الآشوري المسيحي الجديد . هذا الشيء حصل أيضاً مع الآخرين من الأمم والشعوب ومن الديانات والعبادات الأخرى التي شاركتنا العيش في هذه المنطقة الجغرافية عبر آلاف السنين عندما غيرت معتقداتها العبادية ، لأنها وبحسب وجهة نظرنا المتواضعة وقناعتنا الشخصية ظاهرة سوسيولوجية طبيعية ترافق حياة البشر في بناء حياتهم ومجتمعاتهم في رفض ولفظ كل شيء يعتقدونه بالياً ومتخلفاً وقبول كل ما هو ضروري ومفيد وله مدلولاته التاريخية والسايكولوجية القيمة التي تربط حاضرهم بماضيهم ويمُد جسوره للعبور الى المستقبل لتستمر وتتواصل السلسلة العرقية من دون أن تنقطع . هذا هو المفروض على كل الأعراق والأثنيات الأصيلة ليستمر وجودهم من جيل الى جيل . هذا ما حصل بالكمال والتمام معنا نحن الآشوريون عبر التاريخ ، ولكي نثبت ذلك نعود الى عمق مجتمعنا ونتابع نماذج معينة من تلك التقاليد والعادات والطقوس الفلكلورية لنأخذ منها نماذج على سبيل المثال لا الحصر لأثبات ترابطنا التاريخي غير المنقطع مع أجدادنا الآشوريون القدامى بالرغم مما مورس علينا من قبل الأعداء من المحاولات والضغوطات والظلم بعد دخولنا في المسيحية لمحو وإزالة أثار كل ما كان يربطنا بماضينا الآشوري ما قبل المسيحية بإعتباره وثني الطابع يتنافى مع المضمون المسيحي ، إلا أنه بَقتْ لنا شذرات طيبة من ذلك الأرث والتراث الحضاري العملاق لأجدادنا العظام لتذكرنا دائماً من نحن ومن نكون ومن كنا والى أين نحن سائرون اليوم ؟؟ . لغرض الخوض في هذا الحوار الذي هو حوار المنطق والعقل ، حوار المقارنة بين الذي كان في الماضي وبين ما هو موجود ومعاش في الحاضر للأستدلال من خلال نتائجه الى أقرب ما يكون للحقيقة الموضوعية بكل أبعادها بخصوص انتمائنا القومي ، قبل أن يكون حوارنا هذا سجالاً وحواراً تاريخياً عقيماً غير مبني على منطق العقل والمنطق والتحليل العلمي التاريخي حول أحداث ووقائع التاريخ المدونة من قبل المؤرخين بشكل مزاجي أحياناً ومتأثرين بهذا العامل الاجتماعي أو ذاك أو بانحياز الى هذا الجانب أو ذاك لأسباب كثيرة لغرض في نفس الكاتب أحياناً أخرى .
نبدأ بعرض وتحليل هذه المدلولات التاريخية لوضع التسميات على مسمياتها القريبة  من الحقيقة . متمنين أن نتوفق في هذه المهمة وأن تنال محاولتنا هذه قبول ورضا المثقفين من أبناء أمتنا الأعزاء من كل مكوناتها ، وإن كل ما نقدمه بهذا الخصوص يمثل وجهة نظرنا ورؤيتنا الشخصية للأمور ليس إلا .
              أولاً : " باعوثه دنينواي " - مطلب أهل نينوى من الأله
لقد أثبتت البحوث والدراسات الأركولوجية التاريخية الحديثة التي أجريت على بلاد النهرين أن فيضاناً كبيراً غمر بلاد النهرين القديمة ، مما يؤكد أن ما ورد في الكتب الدينية عن ما يسمى بقصة الطوفان كغضب الاهي على البشر كان فيضاناً طبيعياً للأنهار الهائجة والجامحة بسبب غزارة الأمطار المنهمرة والثلوج المتساقطة والرياح العاتية كأحدى ظواهر الطبيعة التي تحصل مثلها اليوم بالعشرات في جميع بقاع الأرض ، وإن قصة الطوافان بحسب سفر التكوين من التوراة مأخوذة بحذافيرها من أدب الأساطير السومرية والبابلية والآشورية القديمة التي كانت تمتاز بوصفها للظواهر الطبيعية عن وصف قصة سفر التكوين التي أمتازت في تصويرها لقصة " الطوفان – الفيضان " في إطار الفكرة الألهية ، وإن ما لا يمكن نكرانه أن الكتابات القديمة لا يمكن أن تكون مستمدة من التوراة لأنها أقدم منها بأثني عشر قرناً . كما أثبتت هذه الدراسات أن ما تسمى اليوم بشبه الجزيرة العربية مرت بعصور مطيرة تسببت في فيضانات غامرة إجتاحت بقوة بلاد النهرين وهددت مدنها العامرة منها مدينة نينوى العظيمة عاصمة الآشوريين بالغرق والزوال من على وجهة الأرض بسبب ارتفاع مناسيب نهر دجلة ، مما دفع الخوف من الغرق بأهلها شيباً وشباباً رجالاً ونساءً الى الصوم من الأكل والشرب والصلاة في معابدهم ( ليست كنائسهم أو مساجدهم ) راكعين على ركبهم على مدار الأيام يتضرعون الى إلاههم آشور لمساعدتهم في إنقاذ مدينتهم العزيزة على قلوبهم من الغرق والدمار ، وبعد ثلاثة أيام من الصوم المستمر والصلاة توقفت الأمطار وانخفض منسوب مياه نهر دجلة وهدأت الحالة المناخية وتجاوز الخطر الذي كان يهدد العاصمة نينوى بالغرق ومرت الأمور بسلام وآمان ليس استجابة لصومهم وصلواتهم بل إنها دورة الطبيعة . وعلى خلفية هذه الحادثة ترسخ في عقل الشعب الآشوري في كل أنحاء الأمبراطورية أن الأله استجاب لمطلبهم ، مما يتطلب منهم تكريم هذه الذكرى على مر الأجيال ، فبات بذلك تقليد صوم " باعوثة نينوى " تقليداً وطقساً قومياً يمارسه الآشوريون على مدار السنين الى يومنا هذا .
بعد سقوط الأمبراطورية الآشورية وعاصمتها نينوى سياسياً عام 612 ق . م ومن ثم اعتناق الآشوريين لاحقاً للمسيحية ظَلَ هذا التقليد يمارس من قبل الآشوريين أينما حلوا ولكن بطابع ديني مسيحي . من كل هذا التقليد نستدل أن طقس باعوثة نينوى هو طقس آشوري أصلاً وليس طقس مسيحي كما قد يعتقد البعض اليوم ، ولكنه طبع بالطابع المسيحي للمحافظة على بقائه واستمراره ، وخير مثالاً على صحة ذلك إن طقوس باعوثة نينوى لا يمارس من قبل المسيحيين من غير الآشوريين بكل مذاهبهم في العالم والمنطقة .
في النهاية ماذا نستدل من ممارسة هذا الطقس على مر التاريخ بدءً من الآشورية ما قبل المسيحية الى الآشورية المسيحية المشرقية اليوم ؟ نستدل منه أن كل من يصوم اليوم كمسيحي هذا الصوم مهما كان مذهبه الكنسي فهو من عِرق قومي آشوري مهما تكون تسميته الحالية .
               ثانياً : تقليد تكريم الطبيب الآشوري "ّ برّصرفيون "
كان الطبيب " برصرفيون " طبيب آشوري قديم يمارس الطب الشعبي لمعالجة المرضى وجرحى الحروب باستعمال الأعشاب الطبيعية الطبية التي كان يجمعها من الطبيعة ، وكانت شهرته وصيته قد ذاعتا بين الآشوريين تسبقه أينما يذهب ويحل ، رحيلهُ ، وتأتيه المرضى والجرحى من شتى أنحاء الأمبراطورية طالبين  مساعدته لمعالجة مرضاهم ، وبذلك بات برصرفيون شخصاً مشهوراً ومرموقاً ومعروفاً ومحترماً ومحباً من قبل الناس وباتت شهرته أشهر من نار على علم ، ولذلك عندما وَفتّهُ المنية حزن الجميع عليه كثيراً وقرروا تخليد ذكراه تكريما لأفضاله عليهم ، وتولى أقاربه المقربين رعاية إحياء تخليد هذه الذكرى العزيزة على نفوس وقلوب الآشوريين الذين عاصروا الطبيب الكبير " برصرفيون " وسمعوا عنه كطبيب ناجح أعطى لشعبه أكثر مما أخذ منه . المهم في هذا التقليد أن إحياء هذه الذكرى استمر مع الأيام قبل وبعد المسيحية الى يومنا هذا . حيث كان هناك عائلة آشورية من قبيلة " تياري السفلى – عشيرة بني كبه " كان جدها الأكبر الذي يحمل بيده صليب " برصرفيون " بعد أن صُبغ التقليد بطابع ديني مسيحي والذي أتذكره وأنا طفل صغير في القرية يتجول في قرانا ويجمع ما يتبرع به الناس لتخليد ذكرى " برصرفيون " اسمه  " بثيــو دبرصرفيون " له الرحمة والراحة الأبدية والذكر الطيب ومن بعده تولى أداء المهمه أبنه " هرمز بثيو دبرصرفيون " وكان يسكن منطقة كراج الأمانة في بغداد وحالياً سافر الى خارج العراق لا أعرف أين يَقيم اليوم .
ماذا نستدل من استمرار ممارسة هذا التقليد بين عشائر قبيلة تياري السفلى التي هي من أكبر وأقوى القبائل الآشورية ؟؟ أليس أن أقل ما يستدل عليه ممارسة هذا التقليد هو أن هؤلاء البقايا اليوم هم استمرار لنسل أولائك الأجداد بالأمس ؟؟ . بالطبع إن الجواب هو نعم هم كذلك . 
                    ثالثاً : استمرار الزي الشعبي التقليدي
عندما نمعن النظر بدقة في التماثيل والمنحوتات المكتشفة في العواصم الآشورية سوف نلاحظ التشابه والتماثل الكبيرين  في زي النساء والرجال الظاهرة في تلك التماثيل مع الزي الذي كان وما يزال يرتديه المسنين رجالاً ونساءً من سكان قصبات وقرى سهل نينوى وشمال العراق حيثما يتواجد أبناء أمتنا . حيث نرى أن قبعات الرأس ( كوسيثه ) الظاهرة في التماثيل الآشورية للملوك والرجال تحديداً تشبه الى حد كبير والى درجة التطابق التام مع تلك القبعات التي كانوا أجدادنا نحن أبناء عشائر التيارية بشكل خاص يضعونها على رؤوسهم وذات الشكل المخروطي مقطوع الرأس قليلاً والبيضاء اللون المصنوعة من صوف الغنم الناعم الملمس ( بالذات من صوف الطلي الصغير الذي لا يتجاوز عمره السنة أي القصة الأولى لصوفه الناعم ) وإن النموذج الحالي ذات اللون الأسود الذي يستعملونه التياريين وغيرهم من القبائل الآشورية في المناسبات فهو نموذج مطور لما كان يستعملونه بشكل دائم في تياري خاصةً وهيكاري عامةً . وعند المقارنة في زي النساء سوف نجد التشابه والتماثل ذاته كما عند الرجال حيث تظهر بجلاء في تماثيل النساء الآشوريات قديماً " الميزاره " الذي يعلق على صدور النساء ويمتد الى ما فوق الركبتين على أقل تقدير هو " الميزاره " ذاته الذي كانت ترتديه نساء قرى وقصبات سهل نينوى وقرانا في الشمال ومازلنْ المسنات مِنهُنَّ يرتدينهُ مع بوشي الرأس الشبيه بالعمامة ( كونكْثه ) بشكله الحالي الجميل .
على ماذا نستدل من هذا التشابه والتماثل الكبير في الزي الشعبي التقليدي بين الماضي العريق البعيد والقريب والحاضر ؟؟ أليس ذلك رمزاً لأثبات النسل والعِرق بين ذاك وهذا ؟؟ لماذا لم يظهر هذا التشابه والتماثل في الزي الشعبي التقليدي في الزي الشعبي للآخرين من الشركاء  في السكن على هذه الأرض الطيبة ؟؟ ، أليس إنفراد أبناء أمتنا وتشبثهم بالتمسك بهذا الرمز شكل من أشكال الصراع من أجل البقاء والأستمرار ؟؟ .
                       رابعاً : كتاب حِكمْ أخيقار الحكيم
اخيقار الحكيم هو فيلسوف صاحب حِكم ومنطق أخذ من حِكمه وأفكاره الكثيرين من المشهورين بضمنهم الأمام علي بن أبي طالب ( ر ) ، وكان أخيقار حكيم الملك الآشوري سنحاريب الذي كانت فترة حكمه ( 704 – 682 ) ق . م ، هذا الكتاب بحكَمِه ظل مصدراً للحكمة والأمثال عند أبناء أمتنا بكل مكوناتهم وتسمياتهم تتناوله الأجيال من جيلٍ الى آخر منذ ذلك الوقت والى اليوم ، ويتذكرونه بفخر واعتزاز كإرث ثقافي وحضاري من صميم تاريخ أبائهم وأجدادهم العتيد والمجيد . لماذا ظلْ هذا الكتاب وبهذا المستوى من التقدير والأحترام متداولاً بين أبناء أمتنا كل هذه السنين إن لم يَكُنْ رمزاً قيّماً ومهماً من رموزنا التاريخية ويجسد إرثنا الثقافي وهويتنا القومية الآشورية ؟؟ .
الى ماذا يستدل بقاء واستمرار هذا الكتاب متداولاً ومتنقلاً بهذه القوة بين الأجيال منذ ما يقارب الثلاثة آلاف سنة كما قلنا ؟؟ أليس لكونه وثيقة تاريخية تثبت هويتنا القومية وانتماءُنا القومي ، والى أي عِرق تاريخي أصيل نعود نحن الذين أحتفظنا به في مكاتبنا البيتية كل هذه المدة ؟؟ . 
                       خامساً رأس السنة الآشورية البابلية 6768
المعروف تاريخياً إن أجدانا الآشوريين والبابليين كانوا يحتفلون ولمدة أسبوعين متتاليين من بداية الربيع في الأول من نيسان بحسب تقويمهم إحتفاءً بحلول الربيع متأملين أن يأتيهم من خيرات الأرض الشيء الوفير من الحبوب والأثمار والماشية ومنتوجاتها ، لذلك كانوا يقيمون مهرجانات واحتفالات للفرح ويذبحون الذبائح ويقدمونها نذوراً لأرضاء الأله لأن يجعل الأرض معطاءة في عطائها من الخيرات . كانت احتفالات أجدادنا بعيد الربيع " اكيتو" تجري على هذا النمط عندما كانت السلطة بأيديهم ، ولكن عندما فقدوها أنحسرت هذه الأحتفالات بشكل تدريجي لأن المحتلين الأجانب كانوا يمنعونهم من القيام بأي نشاط أو احتفال يرمز الى إعتزازهم بمجد أبائهم وأجدادهم وتاريخهم الآشوري ، وعليه باتت الناس تحتفل بهذه المناسبة كل بطريقته الخاصة ، وآخر ما وصلنا شخصياً من هذا التقليد من أجدادنا عندما كنا أطفالاً صغاراً في القرية ، كان جدنا له الرحمة والراحة الأبدية والذكر الطيب يخرج منذُ الصباح الباكر الى أقرب حقل للقمح او للشعير ويقلع رزمةً أو قبضة من الحنطة أو من الشعير من جذورها وياتي بها ليعلقها فوق عتبة الباب الخارجي لمدخل البيت ، وكان يقول لنا إن هذه الرزمة ثمثل ذقن ( لحية ) نيسان نعلقها فوق الباب ليأتينا هذا الربيع بالخير الوفير من الحقول الخضراء ، وهذا اليوم هو يوم رأس السنة القديمة لأجدادنا ما قبل المسيح ولم يكُن يعرف بأنها رأس السنة القومية الآشورية ، لأن الثقافة المسيحانية التي لقنوها لهم بموجب تعاليم وتخريفات العهد القديم ( التوراة اليهودي ) مسحوا من ذاكرتهم التاريخية القومية الآشورية كل ما يرمز ويوحي لهم بارتباطهم بأجداهم الآشوريين القدامى بإعتباره ذلك ارثاً وثنياً  " عبدة الأصنام – سَخذاني دصنمي " كما كنا نسمع منهم وعندما كنا نستفسر منهم ماذا تعني " صنمي " كانوا يردون علينا بمعنى أنها تماثيل لكائنات خرافية منحوتة من الحجر كانوا يعبدونها أجدادنا بدلاً من عبادة الله الذي نعبده نحن اليوم . وبعد مجيء البعثيين عام 1968 م الى الحكم في العراق ، قاموا باحياء هذه الأحتفالات بأسم أعياد الربيع في مدينة الموصل تحديداً لغرض العودة بحاضرهم وربطه بتاريخ الماضي العريق في محاولة منهم لأعادة كتابة تاريخ العراق من جديد وتعريبه من أوله الى آخره ، وبذلوا جهوداً وأموالاً كبيرة في هذا السبيل ، وسخروا خيرة العلماء الآثاريين والمؤرخين العراقيين لتنفيذ هذا المشروع التعريبي لتاريخ العراق الآشوري ، ولكن هيهات لهم هؤلاء العابثين وأحفادهم من الدواعش الأرهابين من الحمقى والمشعوذين المجانين من طلاب الشهرة والمجد والسلطة . من أن ينالوا من هذا التاريخ العظيم للآشوريين .
الى ماذا تستدل رمزية بقاء الشذرات البسيطة لهذا التقليد القومي الأصيل ، من مهرجانات كبيرة تدوم لأسبوعين متتاليين الى الأكتفاء برزمة من القمح أو من الشعير تُعلق فوق عتبة الباب الخارجي للبيوت في قرانا النائية كما كان يفعل جدنا رحمه الله تأملاً منهم أن ترزقهم الأرض بالخيرات الوفيرة من عطاء الحقول الخضراء ؟؟ إنها من المؤكد تَدلنا الى معرفة حقيقة من نحن ومن هم أجدادنا وأسلافنا القدامى ؟؟ ومن نكون ؟؟ ومن كنا في الماضي ؟؟ والى أي عِرق قومي ننتمي ؟؟ . 

سادساً : تقليد إحاطة فِراش المرأة بعد الولادة بالحبل الأسود ووضع الخنجر تحت رأس مولودها
كان لأجدادنا الآشوريين القدماء تقليداً بحسب المصادر التاريخية من حوليات ملوك الأشوريين ، يقومون  بأحاطة فراش المرأة الحديثة الولادة بحبل أسود مصنوع من شعر المعز ومتيناً نوعاً ما قريب الشبه بالتنين في الظلمة لمدة أربعين يوماً من وضعها للمولود لحمايتها من الأرواح الشريرة ، حيث كانوا يعتقدون ويروجون بوجود كائن بشري أنثوي خرافي مشعر وذي أنياب وأظفار طويلة سوف يأتي ويؤذي الأم ويسرق منها مولودها  الصغير ، كان في زمانناً ونحن أطفال يسمى ذلك الكائن الخرافي الأنثوي " ليليثا" . كان بإعتقادهم أن الحبل المحيط بالأم الحديثة الولادة يمثل تنين يحرس الأم ومولودها من شر ليليثا لأنها تخاف من التنين ويرعبها مظهره ، وبذلك تتجنب التقرب من مكان الأم والمولود الصغير  . أما بالنسبة الى رمزية وضع الخنجر أو السكين تحت رأس المولود الصغير تعني لكي يكون عند بلوغه شخصاً مقاتلاً شجاعاً . هذا التقليد كان يمارس من قبل عشائر قبيلة التياري السفلى الى يوم مغادرتنا لقرانا عام 1961 م بعد اندلاع الحركة الكوردية والأستقرار في المدن الكبرى .
الى ماذا يَستدل بقاء واستمرار هذا الثقليد لدينا ربما لا تنحصر ممارسته بالتياريين فقط ، وقد تمارسه قبائل آشورية أخرى لم نعايشها شخصياً ، وربما يمارس هذا التقليد ذاته في قرى وقصبات سهل نينوى بشكل آخر وله نفس الجوهر . إنه رمز يستدل منه بحكم ممارسته عبر الأجيال الى شيء واحد ألا وهو الأنتماء الى نفس العرق القومي .
           سابعاً : تردد وتوارد الأسماء والمفرات اللغوية
كما هو معروف لدينا أن أبناء أمتنا عندما أعتنقوا الديانة المسيحية في النصف الأول من القرن الأول الميلادي وهم كشعب يعيش تحت وطأة ظلم سلطة الأجنبي الوثني الغريب المحتل ، والذي يحمل في أعماقه حقداً تاريخياً عليهم ويبتغي الأنتقام والثأر منهم ، وجدوا في المسيحية فكراً ونهجاً طريق الخلاص من هذا الواقع الظالم والأليم الذي بات يهدد وجودهم بالأنقراض ، ولذلك حاولوا في حياتهم المسيحية الجديدة قطع كل صلة لهم تربطهم بماضيهم الآشوري الوثني كما بات يُعرف ظلماً بعد المسيحية ، فتخلوا عن الكثير من العادات والتقاليد والطقوس التي تعتبر وثنية بطبيعتها ، والتجأوا الى التعويض عنها بالبدائل الجديدة من أرث وثقافة الديانة المسيحية والتوراتية فكانت في مقدمة تلك التوجهات هو التخلص من الأسماء الآشورية القديمة باعتبارها أسماء وثنية والتسمي بالأسماء المسيحية الوارد ذكرها في العهد القديم ( التوراة اليهودي ) مما يسمى  بالكتاب المقدس اي التسميات اليهودية كما هو واضح وظاهر في تسميات أبناء أمتنا في القرون ما قبل طغيان الثقافة العربية الأسلامية على المنطقة  وبلاد ما بين النهرين  ، حيث أجبروا الناس على الخيار ما بين اعتناق الأسلام وبين دفع الجزية وبين حد السيف ، لذلك فإن غالبية الفقراء منهم كان خيارهم الوحيد هو اعتناق الأسلام ، أما الآخرين من المتمكنين مالياً فقبلوا بدفع الجزية مقابل الحفاظ على دينهم الأصلي وحياتهم . إلا أن هذه الحالة والخوف والتوجس مما هو أسوء من الجزية بدأت عملية التحول نحو التعريب من خلال التحول الى إعتماد اللغة العربية في حياتهم وطقوسهم الدينية ، وتغيير أسمائهم القومية والمسحية الى اسماء عربية لأزالة الشبهة المسيحية عنهم في أماكن عملهم ومسكنهم وهذا الشيء ليس بخافياً على الجميع من المطلعين على التاريخ وخفاياه الأليمة .
إلا أنه بالرغم من كل هذه المصاعب والمعاناة والأضطهادات والمظالم ظلت بعض العوائل الآشورية المسيحية تتداول الأسماء القومية وتسمي أبنائها بها في الفترات ما قبل اكتشاف الآثار الآشورية في نينوى ونمرود وآشور وغيرها من المدن الآشورية القديمة من قبل المكتشفين الأوروبيين وفي مقدمتهم السير هنري لايارد الأنكليزي الجنسية ، ونورد نماذج من هذه التسميات على سبيل المثال لا الحصر ، مثلاً المرحوم " نمرود دبيث مارشمعون " عم البطريرك الشهيد مار بنيامين وعمته سورما خانم رحمهما الله وهو من مواليد النصف الأول من القرن التاسع عشر ، وهناك الكثير من الأسماء الآشورية تداولت قبل عصر اكتشافات السير هنري لايارد . أما من حيث المفردات اللغوية سوف يجد الباحث الكثير من مفردات اللغة الآشورية - الأكادية  التي كانت تكتب بالخط المسماري موجودة في اللهجات الآشورية المحكية اليوم ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر نورد بعض تسميات أعضاء جسم الانسان ، مثلاً ( نخيرا – الأنف - بوقا بالسرياني ) و ( ناثا – الأذن - اذنه بالسرياني ) و ( أقلا – الرجل - رغلا بالسرياني ) و غيرها بالمئات من المفردات والمختصين باللغات أدرى منا بذلك  .
استمرار التسمي بأسماء الآشوريين القدامى وتداول مفردات كثيرة من لغتهم ماذا يعني الآن ؟؟ أليس مؤشراً يستدل منه أن هؤلاء هم أحفاد وسليلي أولئك الأجداد القدامى وورثتهم الشرعيين في هذا العصر ؟؟ ، إنهم كذلك بلا شك  .
إن هذه المدلولات التاريخية الراسخة في أعماق ثقافة وتقاليد وممارسات وطقوس مجتمعنا الآشوري اليوم يستدل منها وجود ذلك الترابط العضوي بين الماضي الآشوري وحاضره ، وهذا الترابط يكفي لنا نحن من ندعي الآشورية اليوم لتبرير شعورنا بانتمائنا القومي الآشوري ، ولكل من يشعر كذلك من أخوتنا ممن ينتمون الى مذاهب كنسية غير مذهبنا ، ومن لا يشعر من أخوتنا بما نشعر به نحن شخصياً في كل الأحوال سوف نحترم شديد الأحترام شعورهم بأي انتماء قومي يختارونه لأنفسهم من غير الأنتماء القومي الآشوري لأنهم أحرار في تقرير اختيار ما يرونه مناسباً وملائماً لهم من تسمية قومية ، لأننا جميعاً بحسب وجهة نظرنا الشخصية مهما اختلفت تسمياتنا الحالية نشترك بالشعور بالأنتماء الى وحدة اللغة والثقافة والتاريخ والجغرافية والمصالح المشتركة والمصير المشترك ، والأهم من كل ذلك أن سكاكين ذباحي البشر بأسم الله من الداعشيين الأرهابيين لا تفرق بين رقابنا بحسب تسمياتنا القومية والمذهبية الكنسية فهي تقطع الرقاب من الوريد للوريد بلا رحمة ولا شفقة ودون خوفاً من خالقهم . ليعلموا المتطرفين من كل مكونات أمتنا هذه الحقيقة . إن توافقنا على مقومات أختيارنا للتسمية القومية الموحدة التي تناسبنا وتضعنا في قلب التاريخ الحقيقي الغير مزيف مذهبياً وقومياً سوف يوحد ويقوي خطابنا السياسي في تعاملنا مع الشركاء في الوطن لبناء مستقبلاً زاهراً لأجيالنا القادمة جميعاً .

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد – 26 / نيسان / 2018 م


42
الخارطة الانتخابية في العراق وفرصة التغيير المنتظر الى أين ... ؟
خوشابا سولاقا
بعد مرور خمسة عشر عاماً على تغيير النظام الديكتاتوري في العراق على يد القوات الأجنبية ، ودخول أكثر من تريليون وربع من الدولارات الأمريكية الى الخزينة المركزية العراقية خلال هذه الفترة الزمنية ذاتها ، إلا ان ما حصل بالمقابل من تغيير على أرض الواقع العراقي عن ما كان عليه قبل التغيير في كافة المجالات كان تغييراً نحو الأسوء بكل المقاييس والمعايير المعتمدة في التقييم وذلك بشهادة الجميع من أهل الأختصاص وغيرهم . حيث زاد الفقر والعوز والبطالة بمستويات قياسية بحسب احصاءات مراكز عالمية فوصلت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في العراق اليوم الى أكثر من ( 25 % ) ، وعدد العاطلين عن العمل بالملايين من خريجي الجامعات وغيرهم ، وعدد الذين هاجروا البلاد لأسباب أمنية ومعيشية وغيرها أيضاً بالملايين ، وأما بخصوص تفشي الفساد المالي والأداري وسرقة المال العام في أجهزة الدولة فحدث ولا حرج ، وانتشار الجريمة بكل أشكالها والتي تقودها في معظمها مع الأسف الشديد النخب السياسية المتنفذة في عملية صراعها المستميت على كراسي السلطة وسيل دولارات النفط التي تدخل جيوب قادتها التي لا قعر لها أصبحت معروفة ومكشوفة للقاصي والداني لا تحتاج الى برهان ولا دليل . كل هذا الكم من المساوئ والفشل والتراجعات والتداعيات في كل مجالات التنمية الوطنية المستدامة ، وتردي مستوى الخدمات الاجتماعية المختلفة المعروفة للجميع ، وتصاعد وتائر الأرهاب بكل أشكاله ةتنوع أنماطه والذي أصبح يضرب بأطنابه كل أنهاء البلاد في أي مكان وزمان بضربات نوعية تدل على مدى ضعف وهشاشة سلطة الدولة وشبه غياب لدور القوى الأمنية وانتقال المبادرة بيد قوى الأرهاب للعصابات المسلحة المنفلتة من محاسبة القانون . كل هذه المؤشرات السلبية جعلت الشعب العراقي يعيش في حالة من التذمر والضجر والرفض لكل أنظمة الحكم التي توالت على حكم العراق خلال الخمسة عشرة من السنوات الماضية  ، لأن جميعها عجزت من أن تقدم ما هو أكثر وافضل مما قدمته الأنظمة السابقة ، لذلك تغيرت إنطباعات الناس التي تكونت لديهم في بداية تغيير النظام الديكتاتوري وخابت أمالهم وتبددت أحلامهم الوردية بنهاية عصر الديكتاتورية والمظالم والتمييز الطائفي والقومي ، عصر الفقر والمجاعة والطحين الممزوج بالتراب وأعلاف الحيوانات والحروب العبثية مع الجيران ، والتحول والأنتقال الى عصر جديد من الرخاء والرفاهية والتقدم الأقتصادي والخدمات الاجتماعية المتطورة والأستقرار بعد أن عانت ما عانته الكثير في ظل النظام السابق . ولكن مع الأسف الشديد بعد خمسة عشرة سنة كل هذه الآمال والأحلام ذهبت أدراج الرياح وطواها النسيان بين أكوام الهموم والمآسي والمعاناة وأصبحت الناس تترحم على النظام السابق وتتذكره بخير ما قدمه لهم بالرغم من كل ما قام به من مظالم وجرائم بحقهم بعد ان شاهدت ما شاهدته من إنهيار البنى التحتية للبلاد في كافة المجالات الأقتصادية والصناعية والزراعية والتربية والتعليم والصحة بالرغم من الأرقام الفلكية للموازنات السنوية العامة والتي تجاوزت بمجموعها الترليون وربع الترليون دولار كما ذكرنا ، والأعتماد الكلي على الأستيراد لكل ما يحتاجه البلاد من الخارج من مأكل وملبس ومشرب حتى في أبسط المنتجات الزراعية التي كان العراق في السابق مُصدراً لها للدول التي نستوردها منها اليوم ، وأصبح اقتصادها إقتصاد مشوه ريعي أحادي الجانب يعتمد على صادرات النفط الخام بحيث صارت واردات النفط خلال هذه الفترة تشكل أكثر من ( 96 %  ) من مصادر تمويل الموازنة العامة السنوية للدولة العراقية . وبسبب السياسات الفاشلة والحمقاء التي اعتمدتها الحكومات المتتالية بعد سقوط النظام الديكتاتوري السابق القائمة على مبدأ الثأر والانتقام والأقصاء والتهميش للآخر والتي فرضها على الحياة السياسية العراقية نظام المحاصصة الطائفية والأثنية والحزبية والقبلية والعشائرية المقيتة ، هذا النظام الذي أدخل البلاد في نفق الأزمات المتتالية الذي فيه كل أزمة تولد أزمة أكبر منها والذي بالنتيجة خلق المقدمات وهيئت الممهدات لدخول البلاد في أزمة وطنية لا تحمد عقباه ، ونقل البلاد الى موقع الخيارات الصعبة لتقرير مستقبله بين الدخول في حرب أهلية طائفية وبين تقسيم البلاد الى دويلات المكونات الطائفية والأثنية على حساب دولة المواطنة الموحدة أرضاً وشعباً وماءً وثروةً ومصيراً . حيث وصلت الأمور اليوم في العراق الى حد من السوء والخلاف لا يمكن فيه الأتفاق والتوافق على أبسط الأمور المتعلقة بحياة الشعب ومصير التنمية الوطنية الأقتصادية في البلاد مثل المصادقة على قانون الموازنة العامة التي يتوقف عليها مشاريع خطة التنمية القومية ومعيشة المواطنين . الى أية درجة من الأستهتار والعبث بحياة الناس وصلت مهاترات ومناكفات النخب السياسية الرثة المتحكمة بقرار البلاد ؟ ، والتي يمكن تصنيفها وفق كل المعايير الأخلاقية من حيث الأثار السلبية بأنها لا تقل عن كونها مؤآمرة وعملية مبرمجة مقصودة لتدمير البلاد من خلال مؤسسات الدولة الرسمية التي يتولون إدارتها وقيادتها .
في الحقيقة إن الانتخابات الديمقراطية والنزيهة هي ظاهرة حضارية وأخلاقية يتم من خلالها وبشكل حر اختيار ممثلي الشعب في أعلى سلطة في البلاد ألا وهي مجلس النواب ( نواب الشعب ) لتمثيله في الدفاع عن مصالحه وسيادته واستقلاله وحقوقه الوطنية المشروعة .
سوف تكون الانتخابات كذلك وسيلة للتغيير والأصلاح السياسي الجذري عندما يكون اختيار الناخب لممثليه في مجلس النواب قائم على أساس الكفاءة والمهنية والنزاهة والأخلاص والوفاء للوطن والشعب من دون تفضيل إنتماءاته الخصوصية الفرعية على إنتمائه الوطني والهوية الوطنية ، لأن العودة في الانتخابات في اختيار ممثلي الشعب الى معايير الخصوصيات الفرعية تجعل الانتخابات بلا معنى ولا جدوى تفقد غرضها الوطني والانساني وحتى الأخلاقي بكل المعايير والمقاييس ، وتجعل من الديمقراطية وسيلة لعبور الفاشلين والفاسدين والمنافقين المرائين الى سُدة الحكم ، وعندها تؤدي الانتخابات في الحقيقة الى تكريس الفساد وتبرير الفشل واستمراره وتكراره دورة بعد أخرى ، وتؤدي كذلك الى تكريس الواقع المتجزء على أساس الخصوصيات الفرعية وتعززه وتجعله أمراً واقعاً لا يمكن تجاوزه بالرغم من أضراره البليغة بالمصلحة الوطنية وليس الى توحيده على أساس الأنتماء والولاء الوطني كما ينبغي ويفترض أن يكون ، ومحاسبة الفاشلين والعابثين بالمال العام لنهبه واستغلاله لتحقيق مصالح شخصية أنانية كما هو عليه الحال اليوم في عراقنا الجريح حيث تنهش به ضباع العابثين من كل صوب وحدب دون خجل أو وجل وخوف من ردع القانون لهم ، وسوقهم الى حيث يجب سوقهم لينالوا جزائهم العادل

على ضوء المعطيات التي تم ذكرها عن واقع الحال السياسي في العراق نستطيع رسم الملامح الأساسية للخارطة الانتخابية للعراق في الانتخابات التي جرت خلال السنوات الخمسة عشرة المنصرمة سواءً كان ذلك على مستوى مجلس النواب العراقي عموماً أو على مستوى مجالس المحافظات ، حيث كانت الخارطة الانتخابية بامتياز ومن دون تحفظ خارطة طائفية وأثنية مولودة من رحم نظام المحاصصة المقيت ، ولم تكُن خارطة وطنية لمكونات الشعب العراقي مولودة من رحم الهوية الوطنية والولاء للوطن ، كانت انتخابات الولاءات للخصوصيات الفرعية كالقومية والدين والطائفة والقبيلة والعشيرة ، ولم تكن انتخابات للبرامج السياسية الوطنية والهوية الوطنية للكتل المتنافسة على مقاعد البرلمان . وعليه أقل ما يمكن أن توصف به نتائج تلك الانتخابات على ضوء واقع الحال القائم اليوم في العراق هي ولادة مجلس نواب هش وضعيف منقسم على ذاته غير قادر على النهوض والقيام بمهامه الأساسية كمؤسسة تشريعية لتشريع القوانين التي يتطلبها إعادة بناء دولة عصرية حديثة على أسس المؤسسات القانونية والدستورية كما ينبغي وعاجزٌ عن مراقبة ومتابعة نشاط الفساد والفاسدين والعابثين بمقدرات العراق حيث تحول البرلمان كوسيلة لحماية الفاسدين بدلاً عن محاسبتهم ، وبذلك فشل في متابعة ومراقبة أداء الحكومة لمعالجة كل الأنحرافات وكل التجاوزات والخروقات على الدستور التي تحصل هنا وهناك من هذا الطرف أو ذاك في أجهزة الدولة ومحاسبة المقصرين منهم وفقاً للقانون دون محاباة ، لأن ذلك دائماً وكما لاحظنا في جلسات مجلس النواب يصطدم ويتناقض مع متطلبات نظام المحاصصة الطائفية والأثنية لخلق التوازن المحاصصي ، وبالنتيجة كان مجلساً مشلولاً وعاجزاً وفاشلاً لا يمتلك إرادة سياسية وطنية في إتخاذ القرار المفيد ، ومثل هكذا برلمان أدى الى ولادة حكومة توافقية ضعيفة هزيلة غير متكاملة القوام ، وغير منسجمة ومنتجة للأزمات وعاجزة عن إتخاذ قرارات تخدم المصلحة الوطنية كمحاربة ومكافحة الفساد والفاسدين في سبيل المثل وليس الحصر .
لذلك لم  يتمكن أيٌ من مجلس النواب والحكومة من أن يحصد أية نتائج إيجابية لصالح الوطن والشعب تستحق الذكر غير خلق الأزمات المتوالية وخلق المناخات الملائمة لاستشراء الفساد المالي والاداري في أجهزة ومؤسسات الدولة ، والتجاوز على المال العام  وأنتشار الجريمة بكل أشكالها ، وتواصل الأرهاب وتصاعد وتائره كماً ونوعاً بصيغ جديدة بالرغم من الأنتصار العسكري عليه الذي أدى الى تحرير المحافظات المحتلة من داعش الأرهابي ، كل هذه الأحداث أدت الى دخول البلاد في نفق مظلم لا أمل للخروج منه على المدى المنظور إلا بتظافر جهود الجميع وتحقيق المصالة الوطنية الحقيقية على أرض الواقع نأمل أن تكون انتخابات 2018 هي نقطة البداية لتدشين هذه المسيرة الطويلة وأن لا تكون عكس ذلك أي تكرار لما مضى .
هذه الصورة القاتمة لواقع البلاد بعد خمسة عشر سنة من العبث والتلاعب العشوائي ربما المقصود بمقدرات البلاد جعلت الشعب العراقي بكل مكوناته وطبقاته الاجتماعية لأن يعيش حالة من الغليان والغضب والتمرد والرفض والدعوة الى ضرورة إجراء تغيير شامل في بنية نظام الحكم القائم على المحاصصة ، وإقامة نظام وطني مدني ديمقراطي يرعى شؤون ومصالح أبناء مكونات الشعب العراقي جميعها من دون تمييز ، ويقوم بوضع نظام عادل ومنصف لتوزيع واستثمار الموارد المالية للبلاد في كافة مناطقه ومحافظاته تحكمه ضوابط التنمية الاقتصادية والأجتماعية والثقافية للنهوض بالبلاد لأنتشاله من الواقع المرير والبائس والتعيس الذي خلقه نظام المحاصصة والذي يعيشه أبنائه منذ خمسة عشر سنة .
إن التغيير لا يمكن له أن يحصل من خلال ما يرفع من الشعارات الرنانة والطنانة المنادية بحب الوطن والشعب وإدانة القائمين على إدارة البلاد والتباكي على أطلال الماضي ومن خلال تغيير تسميات الأحزاب والكتل والأئتلافات من التسميات الأسلاموية والطائفية الى تسميات مدنية واصلاحية ووطنية كما تؤشره خارطة الانتخابات الحالية ، بل على أبناء شعبنا العراقي بكل مكوناته أن يعرف حق المعرفة ما هو الدافع والغاية من كل هذه التغييرات في طبيعة التسميات وأن يدركوا بوعي وعمق إن الذين أوصلوا البلاد الى ما هو عليه اليوم تم إيصالهم الى سدة الحكم بأصواتهم عندما قاموا بانتخابهم على أساس الولاء للخصوصيات الفرعية كالقومية والدين والطائفة والقبيلة والعشيرة وليس على أساس البرامج الأنتخابية والولاء للوطن والهوية الوطنية في انتخاب الكفوء والنزيه والمخلص والشريف كما تفرضه الارادة الوطنية الحرة ومحبة الشعب والوطن من كل مواطن شريف يتحلى بالأخلاق الوطنية السامية .
عليه فان التغيير لا يأتي من خلال تغير التسميات بل يأتي من خلال تغيير العقول والأفكار وذلك يأتي من خلال تغيير الوجوه الفاشلة العفنة من سراق المال العام والعابثين بمقدرات وأموال البلاد في البرلمان والحكومة الأتحادية وحكومة الأقليم والحكومات المحلية المتمثلة بمجالس المحافظات وكل المؤسسات الرسمية المدنية والعسكرية والأمنية ، وتطهير أجهزة الدولة بكل مستوياتها من الفاسدين والمفسدين ، ومن ثم تطبيق المبدأ " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " وهذا يشمل كل مكونات الشعب العراقي بأكثرياته وأقلياته من دون استثناء . كل هذا سوف لا يحصل تلقائياً بل إنه سيحصل من خلال صوت الناخب المواطن الشريف حيث ندعوه الى ما يلي في الأنتخابات المقبلة والتي نحن على أعتابها في الثاني عشر من شهر آيار القادم ، والى ذلك اليوم الموعود يا أيها العراقيُ الشهم الغيور لكي نطهر البلاد من الفاشلين والفاسدين وسراق المال العام والمجيء بمن تثق بهم وهم مخلصين وكفوئين ونزيهين لتولي مقاليد حكم البلاد بالشكل الذي يخدم الوطن والشعب ، وليس مصالحهم الشخصية كما فعل الحكام الحاليين والسابقين في ظل ديمقراطية القطط السمان :-
أولاً : ندعوكم الى المشاركة بكثافة في الانتخابات والتصويت لمرشحي البرامج الوطنية ، وللكفوء والنزيه والوطني المخلص الشريف ، ولمن يحمل الهوية الوطنية ممن تعرفونه عن تجربة وعن قرب وليس للفاشلين المخضرمين السابقين أي المجرب لا يجرب .
ثانياً : تغيير معاييركم لاختيار المرشحين من معايير الولاء للخصوصيات الفرعية التي هي سبب البلاء لكل ما نحن فيه اليوم بمعايير الولاء للوطن والهوية الوطنية  لاختيار المرشح المناسب الذي لا يميز بين العراقيين على أساس الهويات الخصوصية الفرعية .
فاليعلم الجميع من أبناء شعبنا العراقي الكريم أن التغيير آتٍ لا محال ، وإن الليل الطويل لا بد أن ينجلي وإن القيد الثقيل لا بد ان ينكسر إذا أردتم الحياة الحرة الكريمة ، كل ذلك سيأتي بيسرٍ من دون عناء بأصواتكم الذهبية إذا أحسنتم الأختيار في يوم الأنتخابات في الثاني عشر من آيار القادم ودمتم بخير ليوم الحسم العراقي .

خوشـــابا ســــولاقا
بغداد – 13 / نيسان  / 2018 م 


       


43
الأمة المظلومة لا يمكن لها أن تصبح أمة ظالمة
خوشابا سولاقا
إنها مقولة رائعة جداً ومؤثرة للغاية في نفس وتفكير كل انسان ثوري حقيقي  يرفض الظلم ويبحث عن الحرية والتحرر والأنعتاق لأمته وللانسانية جمعاء ، مقولة أطلقها انسان ثوري عظيم كان له دور كبير في تثوير الفكر الانساني لرفض الظلم والطغيان وتغيير مسار التاريخ في العصر الحديث . نتعمد هنا عدم ذكر اسمُهُ لكي لا تقرأ هذه المقولة انطلاقاً من خلفية أيديولوجية سياسية ضيقة ، بل لكي تقرأ بشكل مجرد من أية خلفيات فكرية وسياسية للمحافظة على مضمونها الذي قيلت من أجله . بالتأكيد إن المقصود بهذه المقولة هنا هم الأخوة الكورد في أقليم كوردستان العراق كأمة بشكل عام وقادة الأحزاب الكوردية كنخب سياسية تقود حكومة الأقليم منذ أكثر من سبعة وعشرين عاماً وهم أصحاب القرار السياسي فيه بشكل خاص .
يتكون شعب أقليم كوردستان حالياً من مكونات قومية ودينية ومذهبية عديدة مثل الكورد والتركمان والعرب والآشورين والكلدان والسريان والأيزيديين والأرمن والصابئة المندائيين والشبك والكاكائيين ، هذه هي التركيبة الديموغرافية الاجتماعية لما يسمى بأقليم كوردستان العراق وعاشوا متجاورين ومتشاركين في السراء والضراء منذ سنوات طويلة ، ومنذ أن انطلقت الثورة الكوردستانية في أيلول عام 1961 شارك أبناء جميع هذه المكونات القومية والدينية الى جانب الأخوة الكورد في الكفاح المسلح الذي قاده الخالد الذكر مصطفى البرزاني وتحملوا مع الكورد كل ما أصابهم من مأسي ومعاناة وتهجير قسري جراء الحرب الدائرة لسنوات طويلة مع السلطة المركزية ، وكان للآشوريين والكلدان بشكل خاص مشاركة فعالة في هذه الثورة منذ البداية من خلال مشاركتهم في العمليات العسكرية ضد قوات الأنظمة القومية الفاشية في بغداد لغاية سقوط النظام البعثي الصدامي في التاسع من نيسان من عام 2003م  على يد قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، وقدموا خلال مسيرة الثورة الكوردستانية النضالية المئات من الشهداء الى جانب شهداء قوات البيشمركة الكوردية على مذبح الحرية .
إن القيادات الحزبية الكوردية الحالية التي تدير الحكومة في الأقليم تعرف ذلك جيداً وتعرف كذلك كم هو عدد شهداء أمتنا الذين انخرطوا في صفوف الحركة الكوردستانية أو المنخرطين منهم في صفوف أحزاب وتنظيمات الحركة الوطنية العراقية التي قاتلت الحكومات الفاشية في العراق الى جانب قوات البيشمركة الكوردستانية في جبال كوردستان دفاعاً عن حقوق شعب كوردستان بشكل خاص والشعب العراقي بشكل عام ، إضافة الى من شارك منهم في الثورة الكوردية من خلال تنظيماتنا القومية في السنوات الأخيرة من الثورة والمنضوية في " جوقد " .
هذا الأستعراض المختصر أردنا منه توضيح دور المكونات القومية والدينية القاطنة فيما يسمى حالياً بأقليم كوردستان العراق في الثورة الكوردستانية لنيل حقوق شعب كوردستان العراق بكل مكوناته القومية والدينية ، وقد أدى الجميع ما كان مطلوباً منهم على أكمل وجه ودفعت الثمن غالياً وسالت دمائهم الزكية على أرض كوردستان ، وقدموا التضحيات الكبيرة في خسارتهم وفقدانهم لأموالهم وحلالهم وأرضهم وأولادهم وهاجروا قراهم وقصباتهم حالهم حال أخوانهم الكورد وعلي سبيل المثال وليس الحصر أن قرى عشيرة كاتب هذه الأسطر شردشت وهلوه نصارى في ناحية برواري بالا قضاء العمادية محافظة دهوك قدمت ستة وعشرون شهيداً بسبب الثورة الكوردستانية عام 1961 ، وليس حال القرى الأخرى لأبناء أمتنا في عموم الأقليم بأفضل من حال قرانا المنكوب . بعد سقوط نظام البعث الصدامي حصدت الثورة الكوردستانية حصادها الوفير ونال الأخوة الكورد استحقاقهم في كل شيء وصار لهم حكومة فيدرالية في أقليم كوردستان العراق بالكمال والتمام من دون نقيصة .
ألم يكُن من الأنصاف أن ينال الآخرين الذين شاركوا الكورد في الحصاد أن يشاركوهم أيضاً في نيل ما يستحقون من الحقوق في المشاركة الحقيقية في مؤسسات حكومة الأقليم كما هو حال مشاركة الكورد في حكومة العراق الأتحادية اليوم ؟؟ وليس الأكتفاء فقط بمشاركة التمثيل الرمزي الأنتقائي من خلال تعيين بعض التوابع من أبناء أمتنا في مؤسسات حكومة الأقليم كما كان يفعل نظام البعث الصدامي مع الكورد أيام زمان . أيها السادة الأحبة حكام أقليم كوردستان الحاليين لماذا تريدون لغيركم من الشركاء من أبناء القوميات الأخرى والآصيلة من أصحاب الأرض الحقيقيين تاريخياً في الأقليم ما رفضتموه من غيركم في الحكومة الأتحادية حالياً أو من الحكومات العراقية السابقة ؟؟ ، ما هذه الأزدواجية في سياستكم في حكم الأقليم والكيل بمكيالين ؟؟ وهنا أليس من حقنا أن نتساءل ما هو الفرق بينكم وبين من كان يفعل الشيء ذاته معكم كنظام حزب البعث الصدامي ومن سبقوه ؟؟ عندما كانوا يُنصبون توابعهم من عملائهم منكم ممثلين لكم في حكوماتهم رغماً عنكم  لتأتون اليوم بمن هو تابع وعميل لأحزابكم السلطوية من أبناء أمتنا وتنصبونهم ممثلين لنا في مؤسساتكم الحكومية في أقليم كوردستان في ظل وجود ممثلين شرعيين منتخبين ديمقراطياً من قبل أبناء أمتنا في برلمان الأقليم دون أن يؤخذ رأيهم في ترشيح من يمثل أمتنا في أية مؤسسة لحكومة الأقليم وكما حصل في تمثيلنا في المفوضية العليا للأنتخابات كمثال لذلك ليس إلا . أليست هذه المقولة الحكيمة والعظيمة " الأمة المظلومة لا يمكن لها أن تصبح أمة ظالمة " صائبة وفق النهج والفكر الديمقراطي الذي تنادي به أحزابكم الحاكمة لأكثر من نصف قرنٍ من الزمان ؟؟ أم أنها مقولة تغضون النظر عنها لأنها اليوم لا تتماشى مع أجنداتكم السياسية الشوفينية الأقصائية ؟؟ ، حيث أنكم تشاركون الآخرين فقط في صيد الفريسة وتقصونهم من المشاركة في الوليمة !!!  . حقيقة أن التجارب الكثيرة تاريخياً في مختلف البلدان أثبتت بشكل قاطع أن الأحزاب القومية والدينية ذات الطبيعة الشمولية الشوفينية لا يمكن لها أن تتحول وتصبح أحزاب ديمقراطية حقيقية عندما تصل الى سُدة الحكم في بلدانها وهذا ما تؤكده تجربتكم في حكم الأقليم باقصائكم لشركاء العيش اليوم وشركائكم في الثورة والنضال بالأمس القريب .
بهذه المناسبة نوجه نداءُنا الى فخامة السيد رئيس حكومة الأقليم الأستاذ نيجيرفان البرزاني المحترم وكافة قيادات الأحزاب الكوردية المشاركة في برلمان وحكومة الأقليم المحترمين وندعوهم بمحبة الآن ومستقبلاً الى إعادة النظر في سياستهم في حكم الأقليم في تسمية ممثلينا في مؤسسات حكومة الأقليم على أن تتم تسميتهم من قبل ممثلينا في برلمان الأقليم ودمتم سالمين للنضال من أجل خدمة شعب أقليم كوردستان بكل مكوناته القومية والدينية والمذهبية دون تمييز ، أملنا كبير بقادة ألأمة الكوردية التي عاشت مظلومة طيلة تاريخها لا يمكن لها أن تصبح أمة ظالمة لغيرها ممن شاركوها مظالمها ومآسيها طيلة تاريخها المعاصر لتعيشون بسلام وأمان حبوا لغيركم ما تحبونه لنفسكم .

                                                 خوشـــابا ســـولاقا
29 / آذار / 2018 م – بغداد

44
التطرف والتعصب ظاهرة تدمير الأمم وحضاراتها
خوشابا سولاقا
إن التطرف والتعصب ظاهرة اجتماعية وهي نتيجة طبيعية لأمور أخرى  وتكون في الغالب ردَ فعلٍ لأسباب عِرقية ودينية ومذهبية وجنسية ولون البشرة واقتصادية وثقافية تدعو لها وتبشر بها فلسفات ونظريات فكرية وايديولوجيات شوفينية متطرفة ، وتأتي أحياناً هذه الظاهرة نتيجة لقصر النظر والفهم الساذج والسطحي للمعتقدات التي يدعو إليها من يمارسون التطرف والتعصب بكل أشكاله وألوانه .
ظاهرة التطرف والتعصب تُولدها الظروف الموضوعية المحيطة وتُنضِجُها الظروف الذاتية والسايكولوجية  للشرائح الاجتماعية والأفراد الذين يروجون لظاهرة التطرف والتعصب ويمارسونها على أرض الواقع باعتبار ذلك معياراً للأعتزاز بالأنتماء للخصوصية المعنية قومية كانت أو دينية أو مذهبية ، والذين هم أيضاً نتاج التحولات والتغيرات التي تحصل في المجتمع التي تؤدي الى رفض وعدم قبول الآخر والتعايش معه بسلام متساوين في الحقوق والواجبات على أساس الأنتماء الإنساني والتماثل في الخلق .
          أين يظهر التطرف والتعصب ؟
يظهر التطرف والتعصب بكل أشكاله ويكون على أشده في المجتمعات المتخلفة التي تعيش في مرحلة مخاضات التحولات والتغيرات الكمية والنوعية في شكل وطبيعة الأنظمة السياسية والاجتماعية للأنتقال من نظام سياسي معين الى نظام سياسي جديد بسمات جديدة ، أي في مرحلة ما باتت تُعرف بالمرحلة الأنتقالية ، لأن في تلك المرحلة المفصلية المهمة والحساسة والحاسمة من حياة الأمم والمجتمعات تضعف قوة سلطة الدولة الرادعة للظواهر السلبية بكل أشكالها التي تخالف القانون العام للحياة المنظمة والمنضبطة ويضعف مستوى الولاء للهوية الوطنية  وتُنَضجْ في ذات الوقت الظروف الموضوعية والذاتية لأن ينطلق مارد التطرف والتعصب المصحوب بالعنف من عقاله بقوة وشدة ويسود في المجتمع ويتحكم به كبديلاً لسلطة القانون والدولة ، وأن دور الدولة في مثل هذه المرحلة يصبح دوراً مهمشاً ومقصياً ويكون الصوت الأعلى فيها للتطرف والتعصب للخصوصيات الفرعية في المجتمع الوطني ، وعلى خلفية هذه السيادة شبه المطلقة للتطرف والتعصب ينتشر الخوف والرعب وتنطلق الجريمة بكل أشكالها ، ويَشيع القتل الكيفي على الهوية بدوافع التعصب العِرقي والديني والمذهبي والثأر والانتقام وغيرها من الأسباب ، وتنشط الجريمة المنظمة لحماية وتعزيز المصالح الشخصية تحت ستار تلك الدوافع في المجتمع ، لأن الدولة الرادعة للعنف والتطرف والتعصب تكون في ظل هذه الظروف ضعيفة للغاية إن لم تكون مهمشة ومقصية وغائبة كلياً عن الساحة في المجتمع ، وبذلك تتصاعد وتتنوع وتائر التطرف والتعصب وممارسة العنف المنظم وتسود لغة السلاح وثقافة القتل العشوائي على الهويات الخصوصية الفرعية التي تبرر للتطرف والتعصب والعنف والجريمة بكل أشكالها في المجتمع ، وتختفي لغة الحوار والتسامح والأعتدال على أساس الهوية الوطنية والولاء للوطن وحده ، وعلى أثر هذا الوضع الجديد يسود نظام الفوضى وينتشر الفساد بكل أشكاله في مؤسسات واجهزة الدولة الرسمية بسبب غياب العنف القانوني لسلطة الدولة إن صح التعبير من خلال تطبيق القانون بحزم وصرامة لردع المسيئين الفاسدين المروجين والممارسين للتطرف والتعصب والعنف بكل أشكالها التي تسعى الى إلغاء مؤسسة الدولة كمرجعية أعلى لتطبيق القانون وسيادته .
      من تكون ضحية التطرف والتعصب ؟
تكون الأمم والمجتمعات ذات التعدديات القومية والعرقية والدينية والمذهبية والمتخلفة ثقافياً واجتماعياً والتي ينتشر بين أبنائها السلاح غير المرخص كتقليد قبلي وعشائري وكرمز للرجولة والشجاعة بالدرجة الأساس هي ضحايا التطرف والتعصب المصحوب بالعنف الجسدي .
كذلك ينتشر العنف والتصفيات الجسدية في الأمم والمجتمعات المتخلفة التي يوجد فيها تعدديات عرقية ودينية ومذهبية بين التنظيمات السياسية ذات الأيديولوجيات والتوجهات الشمولية العنصرية التي تتخذ من العنف والتصفيات الجسدية وسيلة واللغة الوحيدة للحوار للتخلص من خصومها السياسيين بسبب تطرفها وتعصبها الأيديولوجي ، وهذا النمط من التطرف والتعصب يعتبر بحسب وجهة نظرنا المتواضعة من أخطر أشكال وأنماط التطرف والتعصب ، لأنه يكون موجه ومغطى بغطاء فكري وفلسفي أو ديني ومذهبي يبرر له بشعارات قومية أو وطنية أو دينية مذهبية أو بجميعها معاً في أغلب الأحيان بالرغم من زيفها وبطلانها الواضح في الممارسة العملية على أرض الواقع ، وتجربة العراق التاريخية منذ تأسيسه والى اليوم خير مثال حي على ذلك .
    ظاهرة التطرف والتعصب ظاهرة مقيتة ومرفوضة
في كل الأحوال أن ظاهرة التطرف والتعصب بكل أشكالها وألوانها ، ومهما كانت الأسباب والمبررات التي يسوقها المروجين لها هي ظاهرة مقيتة ومرفوضة وغير مبررة وفق كل المقاييس والمعايير الدولية الاجتماعية والأخلاقية والإنسانية ، لأنها لا تجلب للأمم وللمروجين لها وللآخرين غير الخراب والدمار والكوارث والمآسي .
إن ما هو مؤكد وما هو معروف والذي لا يحتاج الى برهان ودليل تكون أولى ضحايا هذه الظاهرة شعوب ومكونات الأمم التي ينتشر فيها وباء التطرف والتعصب بشكل عام ، وتنال بالدرجة الأساس المكونات القومية والدينية والمذهبية الصغيرة حصة الأسد من الظلم والأضطهاد والتضحيات بشكل خاص ، والتجارب القريبة والبعيدة في التاريخ عبر القرون كثيرة  وهي خير شاهد على ما نقول . كانت أمتنا من الآشوريين والكلدان والسريان عبر تاريخها القديم والحديث من أكبر ضحايا ظاهرة التطرف والتعصب القومي والديني والمذهبي منذ سقوط نينوى عام 612 ق . م وسقوط بابل عام 539 ق . م والى يومنا هذا .
هنا نستطيع القول بما أن المبادر بممارسة التطرف والتعصب القومي والديني والمذهبي بغرض تهميش وإقصاء الآخر من المكونات في الأمة الواحدة عادة يكون الأكثريات الحاكمة ضد الأقليات المستضعفة في ظل الأنظمة السياسية الشمولية القومية والدينية والمذهبية الطائفية ، عليه تنقسم المجتمعات على نفسها الى ظالمين ومظلومين ، أي هناك من يمارس الظلم تحت ستار الأعتزاز بالقومية والدين والمذهب ، ومن يتلقى الظلم ويعاني منه بسبب اختلافه عن من يمارس االظلم بالأنتماء القومي والديني والمذهبي ، وهنا من المفروض والمنطق العقلاني نقول إذا سنحت الفرصة للأقليات المظلومة ووصلت الى موقع ممارسة الحكم والسلطة أن لا تكون ظالمة وتمارس بحق ظالميها والآخرين ما كانت تمارسه الأكثريات بحقها من مظالم ، وأن لا تقابل كل شيء بالمثل ، وإلا بماذا تختلف عن ظالميها ؟؟ لأنها إن فعلت ذلك تكون قد بررت وشرعنة أفعال ظالميها بحقها ، بل عليها أن تكون على العكس منهم ، أي أن تقابل الظلم بالأحسان والتطرف والتعصب بالتسامح والمحبة ، كما قال أحدهم من رواد الفكر الحديث لا أحبذ ذكر اسمه لأسباب تتعلق بمضمون المقال " لا يمكن لأمة مظلومة أن تكون ظالمة " . أي كما قال السيد المسيح له المجد " أفعل في الناس ما تريده أن يفعلوه فيك " ، حيث أن هذين القولين أحدهما يعبر عن الآخر ويجسده بالتمام والكمال . إنهما أقوال عظيمة وحكيمة بعظمة وحكمة قائليها .
          الملاحظات والأستنتاجات
عندما نقرأ واقعنا على المستوى الوطني العراقي نجد بوضوح أن هناك الكثير من مظاهر التطرف والتعصب القومي والعِرقي والديني والمذهبي الطائفي تمارس هنا وهناك من قبل الكثير من الأحزاب ذات الفكر الشمولي من الأحزاب القومية من كافة مكونات الشعب العراقي من دون أستثناء عملياً او تبشيرياً فكرياً بحسب حجمها ودورها وتأثيرها في الساحة السياسية في صياغة وصنع القرار السياسي ، وكذلك من قبل الأحزاب الأسلاموية الطائفية ( الأسلام السياسي ) من كل الطوائف في العراق الأتحادي وأقليم كوردستان ، وكان مشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري خير مثال يجسد الفكر المتطرف والمتعصب والأقصائي الذي يجتاح عقول ونفوس من يعيش في دهاليز الماضي المظلم ممن هم يمسكون بقرار العراق التعددي في مكوناته القومية والدينية والمذهبية اليوم .
أما على المستوى القومي لأمتنا فإن ملامح ووتائر التطرف والتعصب للخصوصيات الفرعية القومية المزاجية والمذهبية اللاهوتية الكنسية ووالقبلية والعشائرية منذ سقوط النظام في عام 2003 فهي في حالة تصاعد مستمر وتكاد أن تصل الى مستوى التناحر ، وذلك ظاهر للعيان بجلاء في الحوارات والكتابات التي تكتب وتنشر في المواقع الألكترونية التي تخص أمتنا من قبل كتابنا ومثقفينا الأجلاء ، وكان للصراعات السياسية من أجل المصالح الشخصية الآنية بين القيادات المتنفذة للتنظيمات السياسية لأمتنا دوراً أساسياً في تعميق أسباب التطرف والتعصب بكل أشكاله وإذكاء نار الحقد والكراهية والفرقة بين مكونات أمتنا من جهة ، واستضعافنا أكثر من قبل الأحزاب الشمولية للشركاء في الوطن بعد إكتشافهم لظاهرة استعداد قادة أحزابنا السياسية للمساومة والمتاجرة بحقوقنا القومية مقابل ضمان مصالحهم الشخصية والبقاء في كراسيهم الوثيرة من جهة ثانية . هذا ما دفع بأصحاب القرار السياسي العراقي من ذوات الفكر الشمولي المتطرف والمتعصب الى الأمعان في إقصائنا وتهميشنا أكثر فاكثر الى حد الأذلال .
التطرف والتعصب والمغالاة بهما ، والغرق في أحلام اليقضة والتأمل المثالي لا يجديان لأمتنا نفعاً في ظل ظروفها الحالية ، بل إن ما يجدي نفعاً هو نبذ ورفض ومحاربة كل أشكال التطرف والتعصب على المستوى القومي والوطني ، والدعوة الى إشاعة ثقافة التسامح القومي والديني والمذهبي بين مكونات امتنا بشكل خاص ومكونات الشعب العراقي بشكل عام ، والعمل على إقامة نظام سياسي ديمقراطي مدني حقيقي يعمل من أجل تحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين مكونات الأمة العراقية من خلال بناء دولة مدنية ديمقراطية قائمة على أساس المؤسسات الدستورية والقانونية يكون فيها المعيار الوحيد للتعامل مع المواطن في منح الحقوق وتوزيع الواجبات الولاء الوطني والهوية الوطنية وليس غيرهما ، ويتم فيها تناوب السلطة بالطرق السلمية عبر صناديق الأنتخابات الديمقراطية النزيهة التي تسد كل الطرق والأحتمالات الممكنة أمام عودة الديكتاتورية الأستبدادية مرة اخرى ، دولة يشعر في ظلها الجميع بأمن وأمان ويعمل الجميع من أجل إعادة البناء والأعمار لما هدمه الأشرار وسراق المال العام . ندعو جميع أبناء العراق من جميع مكوناته القومية والدينية والمذهبية أن يفهموا ويدركوا جيداً ، إن ما يضر ويفيد العراق يضر ويفيد الجميع ، وإن ما يضعف ويقوي العراق يضعف ويقوي الجميع ، وعليه على الجميع أن يعمل من اجل الجميع ، وإن التطرف والتعصب نار يحرق الجميع لا ينجو من لهيبة وسعيره أحداً وبذلك فهو لا يفيد احداً بل هو يضر الجميع فاقلعوا عنه وقدرنا نحن العراقيين بكل خصوصياتنا أن نعيش سوية في عراق واحد موحد عراق الجميع للجميع .

خوشــابا ســولاقا
بغداد – 22 / آذار /  2018 م 


45
العراق ... يحتاج أحزاب دولة لا دولة أحزاب
خوشابا سولاقا
الدولة ، أية دولة حديثة تدعي الديمقراطية من المفروض بها أن تكون مؤسسة خدمية رصينة تقدم خدمات لمواطنيها على أساس المواطنة فقط بأفضل صورة وتعمل على حمايتهم من أي عدوان خارجي أو تآمر داخلي يستهدف أمنهم وزحزحة استقرارهم وسيادتهم الوطنية ووحدة أراضيهم ، وحماية ممتلكاتهم وأموالهم وأرضهم وعِرضهم من عبث العابثين وسراق المال العام والفاسدين والمتجاوزين بقوة القانون وأحكام الدستور .
فالدولة هنا كمؤسسة هي خادمة الوطن والمواطن وحاميتهما ، لذلك فأن بناء دولة فاعلة بكل مؤسساتها بهذه المواصفات تصبح هي الغاية بحد ذاتها ، ولبناء هكذا دولة لا بد من وجود آليات تفضي الى هذا البناء الرصين القوي المقتدر للدولة التي تفرض احترامها على المجتمع بقوة القانون ويهابها الجميع كحكام وكشعب في آنٍ واحد من دون استثناء لكي يرى فيها الجميع بأنها الحامي والحارس الأمين على ممتلكاتهم ومصالحهم ومستقبلهم ومستقبل أجيالهم القادمة ، ومن تلك الآليات التي تساهم في بناء هكذا دولة هي ضرورة تأسيس لثقافة سياسية وطنية وخلق وعي الشعور بالمسؤولية تجاه الآخر والحرص على أموال وممتلكات الدولة وتقديم المصلحة الوطنية العامة على المصالح الفرعية والخاصة لدى الحاكم والمواطن لأن وجود هكذا ثقافة مجتمعية وهكذا وعي وهكذا شعور بالمسؤولية لدى المواطن والمسؤول يضمن بناء دولة الخدمات بأرقى مستوياتها .

من الذي يؤسس وينشر هكذا ثقافة سياسية وطنية ؟؟
إن الذين من المفروض بهم أن يؤسسون وينشأون وينشرون هكذا ثقافة هي المؤسسات الثقافية والتربوية والتعليمية والمهنية الرسمية وغير الرسمية مثل الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني بكل تنوعاتها والنقابات والأتحادات والجمعيات .
من هنا وانطلاقاً من هذا الفهم الشامل لمفهوم الوطنية الحقة يكون من واجب الجميع أن تسعى الى وضع الأسس الرصينة وتهيئة الأرض الخصبة لنمو وانتشار هكذا ثقافة سياسية وطنية وشعور وطني بالمسؤولية في المجتمع الوطني لضمان حقوق الوطن والمواطن من المصادرة والتطاول عليها .
في جميع بلدان العالم ذات الأنظمة الديمقراطية الرصينة تأتي عناصر مؤسسات الدولة التشريعية المتمثلة بالبرلمانات والتي منها تنبثق السلطتان التنفيذية المتمثلة بالحكومة بكل مؤسساتها والقضائية بكل تفرعاتها وتخصصاتها من خلال انتخابات شعبية حرة نزيهة لتمثل الشعب كمصدر للسلطات .
هكذا يصبح الشعب مصدر وصاحب السلطة الحقيقي وما البرلمان والحكومة والقضاء إلا موظفين لديه يعملون بموجب الدستور ويطبقون القانون بحرفية ومهنية عالية بالتساوي على الجميع بحسب مبدأ الثواب والعقاب . هذه هي التراتُبية التي يجب أن يسير عليها بناء دولة الخدمات وفق النهج الديمقراطي والفلسفة الديمقراطية في الحكم . اما الأنتخابات فهي مجرد آلية أو وسيلة لاختيار ممثلي الشعب في المؤسسة التشريعية باختيار الشخص المناسب للمكان المناسب في السلطات الثلاثة بحسب معايير الكفاءة والنزاهة والأخلاص في العمل والتحصيل الدراسي والولاء الوطني .
لكن من يقرر نتائج هذه الآلية ؟؟ ، إنهم بالتأكيد الفائزون من المتنافسون في الانتخابات الوطنية العامة من أحزاب ومؤسسات المجتمع المدني التي يتوزع دعمها وتأييدها لهذه الأحزاب ذات الأيديولوجيات المختلفة التي تختلف حتماً حول صياغة آليات بناء دولة الخدمات ولكنها من المفروض بها أن تكون متفقة على وحدة الهدف الوطني ألا وهو خدمة الوطن والشعب ، وأن لا يكون الهدف لأي حزب أو تنظيم سياسي من الفوز في الانتخابات والوصول الى السلطة هو استغلال وتسخير مؤسسات الدولة ومواقع المسؤولية لصالحها كأحزاب ولصالح قياداتها تحديداً .
إن أحزاب الصنف الأول هي من نسميها " أحزاب دولة " لأنها تهدف من خلال وصولها عن طريق الانتخابات الديمقراطية الحرة الى السلطة الى بناء دولة الخدمات المبنية على المؤسسات الدستورية والقانونية لخدمة الوطن والشعب ، وأما أحزاب الصنف الثاني التي تصل الى السلطة عن طريق الانتخابات بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة التي تهدف الى استغلال الدولة بكل مؤسساتها ونهب أموالها والعبث بمقدراتها خلافاً للقانون وتحويلها من دولة الخدمات الى " دولة أحزاب " ، يحكمون ويتصرفون بشؤون الدولة كأن الدولة ملكاً صرفاً لهم وكأنها كعكة يتقاسمونها فيما بينهم ولا يعنيهم أمر الشعب لا من قريب ولا من بعيد بشيء .
هكذا هي طبيعة العلاقة الجدلية التكاملية بين " أحزاب دولة " و " دولة أحزاب " في هذه المعادلة المعقدة . لقد سبق وإن بينا أن بناء دولة فاعلة بكل مؤسساتها لخدمة الوطن والمواطن وحمايتهما هي " الغاية بحد ذاتها " ، فإن وجود الأحزاب السياسية المتنافسة في الأنتخابات والمدعومة من مؤسسات المجتمع المدني للفوز بالسلطة هي " الوسيلة " التي تبني تلك الدولة ، فالأهم هنا في هذه العملية هو الباني أي " الوسيلة " وليس البِناء أي " الغاية " ، فإذا كانت الوسيلة الخالقة نبيلة وشريفة وصالحة تكون الغاية الوليدة نبيلة وشريفة وصالحة والعكس صحيح أيضاً .

ما الذي ينطبق على وضع العراق الحالي ؟؟
عندما نفرش وضع العراق القائم بعد 2003 م على هذه الخارطة بحسب الوصف الذي ذكرناه ونقارن خطوط التشابه والتلاقي والتقاطع بين الحالتين سوف نجد تطابقاً كاملاً  مع حالة " دولة أحزاب " وليس مع حالة " أحزاب دولة " ، حيث نجد أن في العراق اليوم أحزاب تتصرف بمزاجية وعبثية المراهقين السياسيين بعيدين كل البعد عن المنهج السياسي الوطني الناضج والقويم في إدارة شؤون الحكم والدولة ونراها هي في وادٍ والشعب في وادٍ آخر ، كان وضعاً في مختلف حلقاته وضع لا يتسم باحترام المسؤولية الوطنية  والألتزام بقواعدها حيث لا فيه احتراماً للقانون ولا لحقوق الشعب ولا للسيادة الوطنية ولا لأستقلالية القرار الوطني وضع هيمن عليه قانون القوي على الضعيف الذي أفضى بنتائجة النهائية الى انتشار واستشراء الفساد المالي والأداري في كافة مؤسسات وأجهزة الدولة وانتشرت الجريمة في المجتمع بكل أشكالها الجنائية والأخلاقية والمالية وغياب سلطة الدولة وموت القانون .
حكمت هذه الأحزاب وتحكم بسياسة عشوائية وبمنهج الثأر والأنتقام وقادت البلاد من ورائها الى الخراب والدمار والهلاك ، وبات مصير ومستقبل العراق مجهولاً كالريشة في مهب الرياح العاتية ، وهي لا تبالي بما يحصل من حولها من كوارث وحروب وقتل وسفك للدماء البريئة لشبابه ، بل أن  كل همها مُنصب  للأستحواذ على أكبر قدر ممكن من السحت الحرام على حساب تعاسة وبؤس الشعب العراقي  المبتلي بشرهم اللعين .
إن الأحزاب المتنفذة للأسلام السياسي الشيعية والسنية والأحزاب القومية الشوفينية لكافة القوميات الكبيرة والصغيرة المشاركة في العملية السياسية العرجاء التي تحكم العراق اليوم ، وتتحكم بقراره السياسي ومقدراته وأمواله هي جميعها من دون استثناء ليست " أحزاب دولة " ، أي أنها ليست أحزاب مؤهلة فكرياً وقادرة على بناء دولة خدمات ديمقراطية متطورة حديثة تخدم الوطن والمواطن على أساس الولاء الوطني وحده ، وتحميهما وتصون كرامتهما وسيادتهما الحرة المستقلة ، بل هي أحزاب حولت العراق الى ملك خاص بهم تتصرف به كما تشاء وحسب ما تقتضي مصالحها الحزبية ومصالح قياداتها الشخصية ، أي باتت دولة العراق " دولة أحزاب " كسوق تجاري يخضع لقانون العرض والطلب والربح والخسارة ، وعليه نعتبر الأحزاب المتنفذة الحاكمة في الدولة الأتحادية وفي الأقليم بأنها كانت نقمة على العراق وليست نعمة كما ينبغي أن تكون ، ولذلك تداعت أوضاع العراق الأمنية والسياسية والأقتصادية بشكل مريع وتراجع نحو الخلف سنوات طويلة بالرغم من تعاظم موارده المالية من مبيعات النفط للسنوات الماضية ، وبات شعبه يعيش في فقر مدقع كأفقر شعب في أغنى بلد في العالم ، وبات العراق وشعبه موضع تندر الآخرين في هذا المجال !!! ، وهو اليوم مهدد بالأنهيار والأفلاس المالي كما تنبأت بذلك بعض التقارير المالية الدولية والأممية وكما تشير كل المؤشرات على أرض الواقع ، إنها حقاً الكارثة بعينها التي ستحل بالعراق جراء هذه السياسات الحمقاء والقصيرة النظر .
في ظل هذا الواقع المزري والخطر المحدق بالعراق من حقنا أن نتساءل كما يتساءل كل مواطن عراقي حريص على وطنه ... ما هو الحل الأمثل ومن هو المنقذ والمُخلّص ؟؟ ، نحن نرى ونقول إن الحل الأمثل والأفضل والذي لا بديل له هو :-
أولاً : اصلاح وتغيير النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والأثنية إصلاحاً جذرياً الى نظام الدولة المدنية الديمقراطية الوطنية  الحرة والمستقلة في قرارها الوطني . واصلاح وتطهير القضاء والمحافظة على استقلاليته ، واجتثاث الفساد والفاسدين في مؤسسات الدولة ، وحصر السلاح بيد القوات المسلحة الرسمية التابعة لأجهزة الدولة دون سواها لكي لا تكون هناك دويلات عصابات الجريمة المنظمة داخل الدولة .
ثانياً : فصل السياسة عن الدين كلياً وعدم تسييس الدين واستغلال رموزه لأغراض سياسية وذلك للمحافظة على نقاء الدين  ولكي لا يلوثه ويَسيء إليه السياسيين بحسب أهوائهم الدنيوية ، وذلك بغرض  تغيير النظام نفسه الى النظام الذي يخدم العراق وشعبه ويحمي الدين في نفس الوقت بشكل حضاري متمدن .
ثالثاً : تعديل الدستور الحالي من خلال تشكيل لجنة مختصة من القانونيين المستقلين عن الأحزاب السياسية الحاكمة لهذا الغرض وكتابة دستور وطني جديد مبني على مبدأ ورؤية تحقيق العدالة والمساواة والانصاف بين مكونات العراق القومية والدينية والمذهبية من دون تمييز وفق الخصوصيات الفرعية مهما تكون طبيعتها وكينونتها .
رابعاً : حل كل المشاكل والخلافات السياسية والأقتصادية والأدارية العالقة من خلال الحوار الوطني الصادق بين سلطات الأقليم والدولة الأتحادية تحت سقف الدستور وحصر كل الصلاحيات السيادية بيد الحكومة الأتحادية لترسيخ سيادة الدولة على كل ما له علاقة بالهوية الوطنية العراقية مع ضمان الحقوق القومية والدينية والثقافية للأقليات القومية والدينية والمذهبية الأصيلة في الدولة الأتحادية والأقليم وفق مبدأ تحقيق العداله والمساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين كافة على أساس الهوية الوطنية العراقية وحدها وليس على أساس أية هوية فرعية أخرى .   
في ظل هذا الواقع في العراق يكون المنقذ المُخلّص الوحيد هو الشعب نفسه وذلك من خلال استمراره في تظاهراته الثورية المليونية بقوة وبعنفوان للضغط على قيادات النظام القائم باتجاه تعميق وتعزيز وترسيخ الأصلاحات الجذرية الحقيقية بأفعال وأعمال على الأرض وليس فقط بأقوال ووعود حتى وإن جاء ذلك على مراحل متوالية بحسب متطلبات الظروف الذاتية والموضوعية للعراق وما يعانيه من التحديات الكبيرة ، وليبدأ ذلك بالأنتخابات القادمة بانتخاب أهل الكفاءآت والمشهود لهم بالنزاهة والأخلاص في العمل والمعروفين بولائهم الوطني ومن غير الملوثين بالفساد وسرقات المال العام ومن غير الملطخة أياديهم بدماء العراقيين .

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد – 14 / آذار  / 2018

 

46
التاريخ كيف كُتب وكيف يجب أن يُقرأ ... ؟؟
خوشـــابا ســـولاقا
توطئة : في كتابة مقالاتي التاريخية السابقة والتي نشرتها خلال السنوات القليلة الماضية ، عانيت الكثير في كتابتها ، من جملة تلك المعاناة إنتقاء الكلمات والمفردات والعبارات والجمل الرصينة التي تعبر بأكبر قدر ممكن من المصداقية والواقعية والموضوعية التي تجعل مهمة القارئ سهلة وسلسة في فهم ومتابعة الأحداث التاريخية واستيعابها وفق تسلسُلها الزماني والمكاني هذا من جهة ، ومن جهة ثانية كنت حريصاً جداً أن لا يمس ما أكتبه بأي شكل من الأشكال وبأي قدر كان مشاعر القراء الكرام ممن قد لا يتفق  ما أكتبه مع قناعاتهم حول الأحداث التاريخية المعنية لكونها تخص بشكل أو بآخر بصورة مباشرة أو بشكل مبطن بالتلميح والإيحاء أو بالاشارة كيفما يقتضيه سرد الأحداث أناس في إنتماءاتهم الفرعية الذين كان لهم دور في صناعة تلك الأحداث وما آلت إليه أوضاع الأمة من تداعيات وإنتكاسات خطيرة لاحقاً .
في ذات الوقت كنتُ حريصاً كل الحرص على نقل مضمون ما حصل في تلك المراحل من تاريخ أمتنا بأمانة من دون إنحياز لباطل طرف على حساب حق الطرف الآخر . كل تلك المعاناة عانيتها وأردتُ أن أكون حيادياً وناقلاً لأقرب ما هو للحقيقة التاريخية للحدث التاريخي المعني . إلا أنه مع ذلك نلتُ إنتقادات لاذعة ولاسعة أحياناً وبكلمات نابية وجارحة في بعض الأحيان بالرغم من قلتها والتي لا تليق أولاً بقائليها وبأدب وأخلاقيات الكتابة الرصينة وحرية الرأي وإحترام الرأي الآخر مهما كان الأمر حتى في حالة عدم توافق رأي الكاتب مع رأي هذا البعض ثانياً ، ومع ذلك أعتبر كل هؤلاء أخوة لي وأحبائي وإن اختلفنا في الرأي مهما كانت وسائل ولغة التعبير بيننا قاسية فإنها في النهاية سوف لا تفقد بيننا في الود قضية . وبناءً على ذلك قررت كتابة هذا المقال وتحت هذا العنوان الذي يعني الكثير لمن يتعصب في رأيه إن أحسنَ قراءته ، متمنياً أن أوفق في إيصال المطلوب فيه الى أذهان المعنيين به وأن ينال رضا وقبول القراء والكتاب من الباحثين عن الحقيقة التاريخية . وهنا لا أريد أن تفوتني الفرصة لكي أقدم الشكر والتقدير والعرفان بالجميل الى كل من ساهموا في إغناء ما كتبته من المقالات التاريخية من خلال مداخلاتهم وتعقيباتهم الثرة بما لديهم من مزيد المعلومات التاريخية القيّمة التي كنت اجهلها ، والى كل من كتبوا لي كتابات مشجعة ومحفزة لتقديم المزيد من العطاء . وإن دلَ ذلك التشجيع وتلك المشاركات الايجابية على شيء إنما يدل على نبل أخلاقهم وسمو مشاعرهم ومحبتهم لأمتهم ولمن يضحي ويبذل الجهود مهما كانت متواضعة لخدمة قضية الأمة ، وكما أقدم الشكر الجزيل للقراء الكرام الذين شاركونا في قرأتهم لما كتبته ، لمن يوافقنا الرأي أو لمن يخالفنا الرأي على حدٍ سواء . 
إن التاريخ دائماً ومنذ اقدم العصور قد كُتب من قبل ثلاثة شرائح من الكتاب والمؤرخين من الناس في المجتمع في أغلب الأحيان ، إلا ما ندر في حالات إستثنائية قليلة دخلت شريحة رابعة على خط تدوين وكتابة التاريخ ولكن هؤلاء قليلون جداً ولم يأخذوا قسطهم من الشهرة والأنتشار لكونهم يتقاطعون ويتعارضون بمنهجهم في تدوينهم للتاريخ مع االشرائح الثلاثة الأخرى لأنهم يضرون بمصالحهم المادية والمعنوية ، ولذلك عملتْ تلك الشرائح الثلاثة على عزلهم ومنعهم من الأنتشار والشهرة وتهميشهم بل وحتى إقصائهم من المجتمع ولذلك كان دورهم في إبراز الحقيقة التاريخية وترسيخها في أذهان المجتمع محدوداً ومحصوراً وغير مؤثراً أو يكاد يكون منسياً لا يذكر وبالتالي بقيت كتاباتهم حبيسة حدود العائلة كمذكرات شخصية من دون ان تنشر .
فالشريحة الأولى
من الكتاب والمؤرخين ممن كتبوا ودونوا التاريخ هم أولائك المؤرخين الذين إنطلقوا في كتاباتهم من ولاءاتهم وانتماءاتهم للخصوصيات الفرعية إبتداءً بالوطن والقومية والدين والمذهب والقبيلة والعشيرة وغيرها من الخصوصيات في البناء الهيكلي للمجتمعات الأنسانية ، والتي تظهر للقارئ أن للتاريخ تأثيراته الواضحة والكبيرة على نهج وأسلوب ورؤية الكاتب والمؤرخ في كتابة وتدوين التاريخ وذلك من خلال انحيازه الواضح للخصوصيات الفرعية على حساب الأمانة التاريخية والحيادية ، وتلك هي أولى الأمراض في كتابة التاريخ الحقيقي للأحداث التاريخية وتشويه وتزييف حقيقتها . وسيلاحظ قارئ التاريخ هذا الأنحياز للخصوصيات الفرعية للكُتاب والمؤرخين واضحاً وجلياً في كل كتاباتهم ، وهذا الأنحياز ليس فقط لدى كتابنا ومؤرخينا فقط بل وهو لدى كتاب ومؤرخين كل الشعوب والأمم وليس حصراً بالبعض منهم دون الأخرين وفي كل العصور والأزمنة ، حيث أن هذه الشريحة من الكتاب والمؤرخين يبالغون بإفراط في إبراز الأيجابيات للطرف الذي هم جزء منه بالأنتماء  الفرعي وينحازون إليه دون أن يذكرون شيئاً عن سلبياته بل بالعكس يسعون الى تحويل السلبيات إلى إنجازات تاريخية عظيمة تستحق الثناء عليها حتى وإن كانت تضر بالمصلحة القومية لأمتهم، ويبالغون في ذات الوقت في إبراز السلبيات للطرف الآخر بمبالغة وبإفراط أيضاً دون أن يذكرون شيئاً عن إيجابياته حتى وإن كانت إنجازات حقيقية وعظيمة لصالح الأمة عندما يكتبون أو يؤرخون لنفس الحدث التاريخي ، لذلك يكون القارئ لتاريخ ذلك الحدث مشوشاً وحائراً في أمره كباحث في التاريخ للوصول الى الحقيقة التاريخية لذات الحدث والوقوف عليها كما يقتضي البحث.
هكذا فتلك النوازع والنواميس الأنسانية الراسخة في كينونة وطبيعة الأنسان وثقافته المجتمعية تجعل الأنحيازات للفرعيات عند هؤلاء تتناقل من جيل الى آخر ، وهذا الشيء أعتبره غريزي عند الانسان ، وطبيعي ان يتطبع به سلوكه في الحياة ويكون ذلك مقبولاً الى حد ما عندما يكون في حدود معينة وفي قضايا محدودة وعندما لا يتجاوز حدود الأضرار بالمصلحة العامة للحلقات الأوسع والأعلى في أولويات بنية هيكل المجتمع ، وكذلك عندما لا يتجاوز حدود الأمانة التاريخية في كتابة التاريخ ، لأنه عندها يتحول الأنحياز من حق ومماسة إنسانية للفرد الى جريمة شنيعة وخيانة عظمى بحق المجتمع والأمانة التاريخية في كتابة وتدوين التاريخ للحدث التاريخي المعني .
والشريحة الثانية من كتاب التاريخ والمؤرخين هم شريحة  وعاظ السلاطين ومحاميي الشيطان ، هؤلاء كتبوا أحداث التاريخ بحسب وجهة نظر السلطان ورؤيته لأحداث التاريخ مقابل ثمن مدفوع ، أي أنهم كتبوا التاريخ كما أراده الحاكم أن يُكتب وليس كما هو في الحقيقة ، وهؤلاء هم الغالبون وأخذت كتاباتهم القسط الأوفر حظاً من الدعم والشهرة والأنتشار في تدوين أحداث التاريخ مثل أصحاب الموسوعات التاريخية ، ولكون هذه الموسوعات ذات طابع رسمي أو شبه رسمي نالت دعماً مالياً ومعنوياً كبيرأ من لدن الدولة ، لذلك دونت أحداث التاريخ كما يخدم ذلك سمعة ومصالح السلطان الحاكم أي النظام السياسي الحاكم ، وإلقاء المزيد من الظلال المعتمة على الجوانب السلبية والمُخزية من تاريخ السلطان لتضليل الآخرين ومنعهم من الأطلاع على الحقيقة التاريخية وهذا النمط من المؤرخين كانوا هم أهل المصادر التاريخية السائدة والمرجحة لقراء التاريخ .
أما الشريحة  الثالثة من الكُتاب والمؤرخين والتي عدد أعضائها يكون عادة قليل جداً في المجتمع فهم يمثلون أصحاب العقائد والمبادئ الفكرية المستقلة عن تأثيرات السلطان ومن المنسلخين من تأثير الولاءات الفرعية ، فهؤلاء يكتبون عن الحدث التاريخي بحسب مبادئهم ومعتقداتهم الأيديولوجية ورؤآهم الفكرية المستقلة ، وهؤلاء أيضاً لهم إنحيازهم الخاص تحت تأثير تلك المعتقدات والأيديولوجيات التي يحملونها  ويؤمنون بها بمبالغة وديماغوجية مفرطة ، ولكنهم يكونون في كتابتهم وتدوينهم للحدث التاريخي أقرب الى مكمن الحقيقة من الشريحتين الآخرتين . وعليه فإن التاريخ الذي نقرأه يحمل أوجه عديدة متعارضة ومتقاطعة وأحياناً متناقضة وإجتهادات عديدة وتفسيرات كثيرة لا يمكننا من قرأته من خلال الأعتماد على أي كتاب تاريخي معين كمصدر للرسو الى الحقيقة التاريخية للحدث التاريخي المعني والتي يمكن لنا أن نستند عليه ونعتبره نقطة البداية للمسيرة البحثية الحيادية التي نسير بها الى الهدف المنشود من قرأة التاريخ لبناء حاضر مزدهر وبناء جسور متينة الأسس وقوية البنية للعبور من خلالها الى المستقبل بأكبر النتائج الإيجابية وبأقل الخسائر من دون إعادة وتكرار أخطاء الماضي في حاضرنا ومن ثم ترحيلها الى مستقبلنا في عملية إعادة إنتاج التاريخ وتكرار حوادثه المأساوية والأليمة .
لذلك أقول لكتابنا ومؤرخينا والقراء الكرام عندما يقرأؤون التاريخ من مصادر متعددة عليهم الأنتباه الى هذه المؤثرات التي كتبوا السابقين التاريخ تحت تأثيرها وإنعكاساتها السلبية على مدى مصداقية المصادر التاريخية لكي لا يقعون في ذات الأخطاء ويعيدون نفس الكوارث والمأسي في حاضرهم ومستقبلهم ، بل عليهم أن يقرأوا التاريخ بمنهجية الجمع بين المشتركات من مختلف المصادر التاريخية التي تتعارض وتتقاطع مع بعضها البعض في جوانب كثيرة وتلتقي وتتفق في جوانب أخرى عندما كتبوا وأرخوا لنفس الحدث التاريخي للخروج بنتيجة أقرب الى الحقيقة التاريخية . على القارئ والباحث والمحلل للتاريخ أن لا يهمل أي مصدر تاريخي بل علية دراسته ، ومن ثم القيام بالأعتماد على مبدأ المقارنة والأستنباط والأستنتاج الموضوعي والعقلاني والتحرر الكامل من قوقع الخصوصية الفرعية لأعادة صياغة ما كتب من أجل التقرب من قلب الحقيقة التاريخية للحدث التاريخي . هذا هو المنطق العلمي السليم في قرأة التاريخ بحسب رأي المتواضع . وبغير هذا المنطق تكون عملية المحاولة للوصول الى الهدف مجرد عملية عبثية وتضليل للذات وإغراقها في متاهات الأوهام يصنعها الكُتاب لأنفسهم لكي يرون التاريخ بمنظارهم الشخصي وكما يعجبهم وكما يحلمون  به أن يكون وليس كما ينبغي أن يكون أو بالأحرى كما هو عليه واقع الحال للحدث التاريخي .
ولغرض تبسيط ما أردتُ قوله تحت هذا العنوان (( التاريخ كيف كُتب وكيف يجب أن يُقرأ ... ؟؟ )) نحاول قراءة تاريخنا المعاصر وما حصلت فيه من أحداث دراماتيكية مأساوية وكارثية أليمة أوصلتنا الى ما نحن عليه اليوم من واقع مزري ومهبط للآمال بأي مستقبل مشرق لأجيالنا القادمة يجسد وجودنا القومي المستهدف من قبل الآخرين في أرض الأباء والأجداد بيث نهرين في كيان سياسي معين يجسد هويتنا القومية والوطنية . المحاولات التي تجري على الساحة العراقية في ظل الهجرة اللعينة لتهميشنا وإقصائنا وخلع جذورنا من أرضنا التاريخية وحصرنا في كيان ديني تابع لهذا الطرف أو ذاك في عملية الصراع الجارية بين تلك الأطراف من أجل الأرض ، كل ذلك يجري بسبب إصرارنا على قراءة التاريخ وإعادة إنتاجه وصناعة أحداثة بإعتمادنا لنفس المنهج الذي اعتمدوه أبائنا وأجدادنا المؤسس والمستنبط من الولاء للخصوصيات الفرعية على حساب الولاء للخصوصية القومية العامة في سلوكنا غير المتحضر ، ومازال الفعل الحاسم الذي يحركنا للعمل هو فعل وعقل القبيلة والعشيرة والمذهب الكنسي وليس الفعل والعقل القومي المتزن والرصين . وهنا أحاول أن أدرج بأكبر قدر ممكن من البساطة بعض الأمثلة القريبة من تاريخنا المعاصر عن التاثير السلبي على المصلحة القومية من وراء الولاءات للآنتماءات الخصوصية الفرعية .
إن مشاكلنا ومصائبنا كانت ولا تزال كامنة في سلوك من يُتاجرون بأسم الأمة والشعارات القومية الرنانة وهذا السلوك المنحرف ضيع علينا كما يقال شعبياً " رأس الشليلة " إن صح التعبير ، يظهرون بمظهر الخراف الوديعة ولكنهم في حقيقتهم من الداخل تراهم ذئاب مفترسة وجائعة لا يشبعون ، وينهشون من دون رحمة بجسد الأمة وتكون الضحية الناس الأبرياء من ذوي النوايا الطيبة والصافية النقية الذين ينخدعون بشعاراتهم القومية البراقة ووعودهم الكاذبة تحت تاثير عواطف الولاء للخصوصيات الفرعية ، وهذا ما حصل في الماضي ويحصل اليوم وكل الذي تغير في الأمر بالرغم من الفارق الزمني الكبير بين الماضي والحاضر وربما المستقبل هو تغير الواجهات الأمامية لشخوص الصورة وآليات عملها وتبقى الضحية ثابتة وهي الشعب المؤمن بقضيته القومية ، والذي من شدة حبه لقوميته وتمسكه بها ينخدع ويخضع بسهولة إنقيادية لأبتزاز واستغلال هؤلاء المرابين المنافقين المتاجرين بالقضية القومية في سوق المزاد العلني لبيع الوعود الكاذبة ، وهكذا تتكرر الأحداث على نفس النسق وبنفس الوتيرة والآليات مع الأسف الشديد .
منذ أن بدأنا في بداية سبعينيات القرن الماضي نحن مجموعة من الشباب المتحمسين لقوميتنا في بغداد على خلفية الأنشقاق الذي حصل في كنيستنا الشرقية  وما كان ينشر في الصحف العراقية آنذاك من كتابات مسيئة لقادة الأنتفاضة الآشورية في سُميل سنة 1933 من بعض بقايا أنصار الكيلاني وما كانوا يوصمون بها قادة الأنتفاضة من نعوت الخيانة للوطن العراقي والعمالة للانكليز كُنا نحترق غيضاً وغضبا على هذا السلوك المارق المشين ونتناقش ونتحاور بعمق وإيمان راسخ هذا الأمر مع بعضنا ونتوصل بعد حين من النقاش الحامي والمكثف الى نفس النتيجة والتي هي من يكون صادق ومخلص ومؤمن بقضيته القومية يكون الضحية وهذا أمر طبيعي في التقاليد النضالية من أجل حرية الأمة وانعتاقها ، ويكون المتاجرين بالشعارات القومية بواجهات قبلية وعشائرية ومذهبية هم الفائزون بثقة العموم من الناس ، وهم الحائزون على حصة الأسد من ولاء الناس لهم تحت تأثير العواطف للانتماءات القبلية والعشائرية والمناطقية والمذهبية الكنسية على حساب الولاء للأنتماء القومي الهش . وما حصل في سُميل عام 1933 وما قبلها وضيَّعنا بسببه فرصتنا الذهبية الآخيرة التي كانت في متناول أيدينا في تأسيس كيان قومي لأمتنا في إقامة منطقة حكم ذاتي ضمن وحدة العراق الجغرافية كان بسبب أن إرادة الولاء للأنتماء إلى القبيلة والعشيرة والمذهب من أجل مجدٍ شخصي لقادة العشائر قد حالت دون تحقيق ذلك لأنها تغلبت على إرادة الولاء للأنتماء القومي . وتكرر الحدث مرة أخرى في عام 1964 مع كنيستنا الشرقية  حيث تشظت وانقسمت الى كنيستين المشرق الآشورية والشرقية القديمة على خلفية ٌقرار أكليروس الكنيسة بالأغلبية الساحقة بإعتماد التقويم الغريغوري في طقوس الكنيسة  بدلا من التقويم اليولياني القديم الذي كان معتمداً في طقوسها  ، إلا أن في الحقيقة كانت أسبابها إمتداداً لأسباب مذبحة سُميل عام 1933 حيث على أثرها إنقسم المقسوم وتجزأ المجزء فانقسمت القبيلة والعشيرة والعائلة بين موالي ومعارض لهذه الكنيسة وتلك وإنتشرت على أثر الأنقسام الكراهية والأحقاد بين أبناء القبيلة الواحدة والعشيرة الواحدة والعائلة الواحدة . كان التغيير الوحيد على الصورة العامة للحدث بين 1933 وعام 1964 فقط في شخوص الواجهة الأمامية للصورة ، وكانت الضحية مرة أخرى هي هي أي كان الشعب .
وإن ما يجري اليوم على الساحة القومية ومنذ سقوط النظام البعثي في عام 2003 هو أيضاً تكرار آلي للماضي بنفس الواجهات السابقة ( القبيلة ، العشيرة ، المذهب الكنسي ) وبإضافة واجهات جديدة ألا وهي ( الأحزاب والحركات السياسية الشمولية الأقصائية ذات القيادات الفردية الأستبدادية وذات التوجهات للولاءات الخصوصية الفرعية ضمناً وممارسةً وللقومية شكلاً ) والنية في السلوك الحقيقي والمتجسد على الأرض اليوم متجهة نحو إعادة إنتاج الماضي بكل تناقضاته وسيئاته وترحيله للمستقبل وكأن الأمر أصبح سُنة حياتية يجب أن تتكرر وفق قانون طبيعي وما علينا إلا قبوله كأمر واقع وحتمي وليس أمامنا من خيار بديل آخر .
هذه هي مصيبتنا يا أعزائي القراء الكرام . لكي نتقدم ونتطور ونحقق أهدافنا القومية علينا أن نكون أقوياء وأن نتحرر من أسر تأثيرات التاريخ وأن نعيش في الحاضر وأن نتفاعل بما نحن عليه ، ولكي نكون أقوياء علينا أن نتغير بتغيير ثقافتنا ونظرتنا للحياة وعلاقاتنا ببعضنا البعض ، ولكي نتمكن من تحقيق ذلك كله علينا أن نغير ولاءاتنا للأنتماء للخصوصيات الفرعية الى ولاءات للأنتماء القومي الموحد ، عندها يتغير كل شيء من حولنا ونجد أن وحدتنا القومية قد تحققت بيُسر دون معوقات التي تطحن إرادتنا القومية وتجعلنا نتقوقع في قوقع خصوصياتنا الفرعية . وأن نتصدى للهجرة العبثية اللعينة التي تزتنزف وجودنا القومي في أرضنا التاريخية أرض الأباء والأجداد " بيث نهرين " أم الحضارة والأمجاد .

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد في 5 / آذار / 2018 م



47
التمازج والتداخل الثقافي والعِرقي والاجتماعي بين الموجات البشرية في بلاد " بيث نهرين "
خوشـــابا ســـولاقا
إن هذا المقال ليس مقالاً تاريخياً كما قد يتصور البعض بل هو مقالاً فكرياً وتحليلياً واستنتاجياً وفق المنطق العلمي التاريخي لأحداث التاريخ في بلاد "  بيث نهرين " قديماً قبل المسيحية وبعد المسيحية بحسب معطيات التاريخ ذاته ، وهو يعبر عن وجهة نظرنا الشخصية ليس إلا ، وذلك لغرض الأسترشاد والأهتداء الى الحقيقة الأقرب الى المعقول والقبول فيما يخص الأصول العِرقية لسكان ما يسمى العراق حالياً . ووجهة نظرنا هذه لا نسعى الى فرضها على الآخرين بأي شكل من الأشكال ، بل قد تكون نوع من السعي للانفتاح على الآخر بروح ديمقراطية وباسلوب يتسم بالهدوء والواقعية ومواجهة الحقائق التاريخية كما هي من دون تعصب واستعلاء ، ومن دون تهميش أو اقصاء لأحد في التعامل مع أحداث التاريخ بهدف الوصول الى هدف نبيل بوسائل نبيلة وليس العكس . وقد تشكل هذه المحاولة وسيلة ناجعة تساعدنا على تجاوز عُقدنا النفسية في تعاملنا مع التسميات التي بسببها بتنا أسرى لأوهام وافتراضات الماضي المصطنع الذي نقرأه من خلال نَظّارات سوداء والذي لا نرى فيه إلا السيء منه ونهمل الايجابي فيه من دون قصد ، ونأمل أن تكون محاولتنا هذه موضع اهتمام مثقفينا الأجلاء .
كما هو معروف لدى جميع المطلعين على التاريخ بشكل عام وتاريخ بلاد بيث نهرين بشكل خاص ، أن هذه البقعة من الكرة الأرضية التي تعرف اليوم بالعراق لربما تكون الموطن الأول لنشوء البشرية في التاريخ قبل غيرها من بقاع الأرض ، وهذا الموضوع بحد ذاته موضعْ البحث والنقاش والجدل من قبل الباحثين وعلماء التاريخ والأنثروبولوجيا ، ولكن مهما كان الأمر فان حضارة بيث نهرين تعتبر من أقدم وأعرق الحضارات الانسانية في التاريخ بإجماع جميع المؤرخين ، وهذا إن دل على شيء وانما يدل على مدى أصالة وعراقة وعظمة هذه الحضارة ، وكذلك يدل على تعدد الموجات البشرية من مختلف الأعراق والأجناس التي اجتاحت هذه البقعة من الأرض وعاشت فيها وشاركت الحياة مع مَن كانوا قبلها فيها على مر التاريخ ، وبذلك نستطيع القول بأن مجتمعات هذه البلاد قد عانت من مخاض التمازج والتداخل والأندماج الثقافي والعرقي والاجتماعي بين ما كان سائداً وبين الدخيل الذي قَدِمَ إليها لأنتاج مجتمع جديد بسمات مركبة جديدة ليس فيها سمات عِرقية معينة غالبة على سمات بقية الأعراق .
أولى التجمعات البشرية التي أنشأت حضارة عريقة موغلة في القدم في بلاد  بيث نهرين في جنوب العراق الحالي كانوا السومريون وأقاموا في أور أشهر وأقدم مدن العراق الصروح الحضارية مثل " الزقورة " وغيرها والتي ما تزال قائمة ، ومن ثم الأكديون الذين أقاموا أول امبراطورية كبيرة في زمن ملكها العظيم" سرجون الأكدي " ، ومن ثم تلتهما امبراطورية سُلالة بابل الأولى من الآموريون وكان من أشهر ملوكهم العظماء " حمورابي الآموري " الذي سن أول قانون في التاريخ الذي عرف " بمسلة حمورابي " . ثم تلتها الأمبراطورية الآشورية في المنطقة الشمالية من بلاد بيث نهرين وأقاموا هناك امبراطوريتهم القوية عسكرياً وبنوا مدنهم الكبيرة مثل آشور ونمرود وخورسباد ونينوى العظيمة وتركوا للبشرية الرموز والشواخص التاريخية العملاقة التي ترمز للقوة والذكاء والسرعة كالثيران المجنحة ( لاماسو ) وغيرها من الصروح ، وسقطت السلطة السياسية للأمبراطورية الآشورية سنة 612 ق. م . ثم تلتها امبراطورية سُلالة بابل الثانية والتي كان من أشهر ملوكها " نبوخذنصر " والتي سقطت سلطتها السياسية على يد ملك الفرس قورش سنة 539 ق . م . خلال هذه الفترة من التاريخ ، أي منذ العهد السومري والى سقوط بابل. مَرّتْ هذه المجتمعات ، السومرية والأكدية والبابلية والآشورية بصراعات مريرة دموية فيما بينها على السلطة السياسية والمصالح الأقتصادية ، وكانت نتيجة تلك الصراعات سقوط امبراطورية وظهور أخرى جديدة على أطلالها ، واختفاء بعض  القيم الحضارية وسيادة أخرى جديدة محلها . خلال هذه الفترة التاريخية أيضاً اجتاحت بلاد بيث نهرين موجات وغزوات بشرية كثيرة من أعراق وأجناس متنوعة ومختلفة في ثقافاتها وتقاليدها وعباداتها وطقوسها ، مثل الكيشيين والآموريين والحثيين والفرس الساسانيين والميديين وغيرهم اضافة الى ما جيء بهم من أسرى وسبايا بعشرات الآلاف من اليهود والآراميون ، وعاشوا بين ظهران السكان القدماء الأصليين تأثروا وأثروا بهذا القدر أو ذاك ببعضهم البعض ثقافياً ولغويا وعِرقياً واجتماعياً وتزاوجوا فيما بينهم مما نتج جراء ذلك مجتمعات مزيجة ثقافياً واجتماعياً وعرقياً ، وما ساعد كثيراً على حصول مثل هذا التمازج والتداخل لحد الأندماج هو غياب الوعي والأحساس القومي بالشكل الذي نشعر ونحس به ونفهمه نحن اليوم ، أي غياب المفهوم القومي المعاصر بمضامينه الفكرية وأطره الحديثة ، حيث كان الجانب المعنوي الذي يتحكم بمشاعر وأحاسيس الناس في ذلك الزمان هو الولاء للآله الذي يعبدونه وليس الأنتماء العِرقي، وكان المنتصر في الحرب يحاول أن يفرض عبادة الهته على الخاسر . لذلك وبحسب استنتاجنا من معطيات التاريخ أن التسمية التي كانت تطلق على أرض الوطن أي الأرض التي كانوا يعيشون عليها وعلى الأمبراطورية التي تمثل كيانهم السياسي كانت تسمية تمت الى الآله في الغالب ولم تكن تمت الى العرق القومي للسكان بصلة بأي شكل من الأشكال لكون المفهوم القومي الحديث غير معروف وغير متداول بينهم آنذاك كما أسلفنا .
هذا كان واقع الحال قبل المسيحية ، وبعد ظهور المسيحية وانتشارها في الشرق في بلاد بيث نهرين تحديداً ، وفرضها من قبل الأمبراطور الروماني قسطنطين الأكبر على رعايا الأمبراطورية الرومانية بالقوة والقضاء على المعتقدات القديمة تعمقت ولاءات الناس للدين الجديد وبتطرف ومبالغة مغالِ بها اكثر من أي ولاءات أخرى الى درجة قاموا أتباع الدين الجديد في بلاد بيث نهرين بتدمير وحرق كل ما يمت بصلة الى معتقدات أبائهم واجدادهم القدامى وحتى تنكروا لتسمياتهم الأصيلة باعتبارها تسميات وثنية لا تليق بمسيحيتهم كما تروي لنا أحداث التاريخ ، هذا ما حدث فعلاً في الشرق حيث عملوا على تطويع تاريخهم وثقافتهم وتقاليدهم وأسمائهم التاريخية باعتبارها وثنية لمتطلبات مفاهيم وقيم الدين الجديد ،  وبذلك تم طمس معالم حضارتنا وثقافتنا ما قبل المسيحية واعتمدوا في معرفة تاريخ أجدادهم القدامى حصراً على تشويهات التوراة اليهودي لذلك التاريخ الحضاري العظيم الذي أفاق الغرب والشرق من نومهما السرمدي على أصداء تلك الحضارة العظيمة وبقاياها بعد تنقيبات الأثاري البريطاني السير هنري لايارد في مدن الآشوريين نينوى ونمرود وآشور واكتشافاته المذهلة لأقدم وأعرق حضارة في العالم . اما ما حصل في الغرب بخصوص التعاطي مع المسيحية فكان على العكس مما حصل في الشرق ، حيث قام الغربيون بعد اعتناق المسيحية بتطويع مفاهيم الدين الجديد لمتطلبات حماية التراث الوثني لأبائهم واجدادهم والمحافظة عليه من التدمير والحرق .
بعد انتشار المسيحية في بلاد ما بين النهرين واعتناق الغالبية من سكانه للدين الجديد تبنوا ثقافة التسامح والتعايش السلمي الأخوي مع الاخرين من الأخوة في الدين مهما كان عِرقهم وجنسهم ولون بشرتهم ، وبذلك أصبحت الديانة المسيحية ماء الحياة الجديدة التي غسلتْ وطَهرتْ مشاعرهم وأحاسيسهم وقناعاتهم من كل دنس وأدران الماضي الوثني بالتخلص من أي شكل من أشكال الأنتماء الى أي شيء آخر غير المسيحية التي بحسب قناعاتهم الجديدة هي طريق الخلاص من براثن خطايا الوثنية ، وطريقهم الوحيد الى ملكوت الرب . بهذا الفهم الساذج للمسيحية تعاطوا أجدادنا مع تاريخ أبائهم واجدادهم الوثني . في هذه الفترة من التاريخ التي دامت زهاء الخمسمائة سنة كانت الثقافة الوحيدة السائدة التي يقبلها المجتمع البيث نهريني بتطرف مبالغ به وعن قناعة وايمان خالص ، هي الثقافة المسيحية ويرفض بقوة كل ما عداها وخاصة ما يربطه بتاريخ وتراث أبائه وأجداده الوثنيين . استمرتْ الحالة هكذا الى تاريخ انعقاد مجمع أفسس المسكوني سنة 431 م حيث دبت الخلافات اللاهوتية في مجلس الكرادلة لكنيسة روما وتحديداً حول طبيعة السيد المسيح له المجد وتسمية السيدة العذراء بين أن تسمى ام الله أم تسمى أم المسيح ، ثم انتقل هذا المرض الى كنيسة بيث نهرين ، كنيسة المشرق ، ودبت الخلافات فيها هي الأخرى أيضاً ، وعلى أثر ذلك انشطرت كنيسة المشرق سنة 1552م بشكل رسمي ونشأت المذاهب بتسميات مختلفة ومتنوعة تم ربطها من قبل الغرباء بالأسماء التاريخية في بلاد بيث نهرين بشكل عشوائي للتمييز بينها شكلاً  ولغاية في نفس يعقوب ضمناً ، ونشبت على أثرها صراعات تناحرية بين فروع كنيسة المشرق استعملت فيها كل الوسائل بغرض الأساءة المتبادلة على الآخر وتشويه سمعته وتاريخه ، وبسبب هذه الأختلافات والولاءات المذهبية تمزقت القبائل والعشائر والعوائل وحتى الأسرة الواحدة في انتماءات أبنائها المذهبية بين هذا المذهب وذاك وانتهت الى ما نحن عليه اليوم .
بعد ظهور الدعوة المحمدية الى الدين الاسلامي في نهاية القرن السادس الميلادي وبدء ما سُميت بالفتوحات الأسلامية لبلاد الشام وبلاد بيث نهرين وفرض الأسلام على سكان هذه البلدان بقوة السيف اضطر الكثيرين ممن لم يتمكنوا من دفع الجزية الى اعتناق الأسلام مرغمين ، ومن ثم تلى الغزو العربي الأسلامي الغزو المغولي الهمجي الذي سعى الى إبادة المسيحيين ، ومن ثم تلاه الغزو العثماني المعروف بقساوته وعنصريته الدينية والقومية . أي بمعنى أنه توالت الموجات البشرية على أرض بيث نهرين من كل حدب وصوب بلا توقف ، وحصل جراء ذلك تمازج وتداخل واندماج ثقافي ولغوي وعِرقي واجتماعي بين تلك المجموعات البشرية عبر هذه الحقب التاريخية الطويلة التي تزيد عن ستة آلاف سنة بالشكل الذي لم يَكُنْ في استطاعة أي عرق قومي من المحافظة على نقائه واصالته كما قد يتصور البعض من المتطرفين القوميين المغالين بتطرفهم القومي حالياً . حيث من الممكن أن يكون العِرق القومي لهؤلاء المتطرفين المغالين بقوميتهم حالياً من اصل قومي آخر ، وربما قد يكون عِرقهم الحقيقي من تلك الأعراق التي يحتقرونها ويذمونها اليوم !!! ، والعكس صحيح أيضاً . في هذه المعمعة التاريخية التي يتجاوز عمرها أكثر من ستة آلاف سنة لا نمتلك أي دليل علمي يثبت تطابق أعراقنا القومية التي ندعي الأنتساب إليها اليوم مع تلك الأعراق القومية القديمة مثلاً  كتطابق الحمض النووي dna ، وإذا أجرينا مثل هكذا فحوصات قد تُصدمنا النتائج وتقلب الأمور على عقب وتجعل كل حساباتنا معكوسة لا تُطابق حسابات البيدر كما يقول المثل . أما ما ورد في كتب ومصادرالتاريخ التي تُصفحها أناملنا فهي استنتاجات المؤرخين الشخصية الى حد كبير ، وليس بالضرورة أن تكون تحمل في طياتها الحقيقة التاريخية التي يحلم بها كل واحد منا اليوم ، والا لماذا تختلف وصف ذات الأحداث التاريخية من مصدر الى آخر ؟؟ . أكيد لأن كتاب التاريخ بحسب وجهة نظرنا يصفون التاريخ ويكتبونه بحسب قناعاتهم التي تتطابق وتتماشى مع مصالح أممهم ، وبذلك يتم تسييس التاريخ بحسب مقتضيات تلك المصالح كما فعلوا اليهود في توراتهم وسيّرْ أنبيائهم ، ولذلك نحن أيضاً عندما نكتب عن أحداث التاريخ نتعمد أن ننتقي من المصادر التاريخية تلك المصادر التي تدعم وتسند قناعاتنا الفكرية ووجهات نظرنا الشخصية التي تخدم وتتماشي مع مصالحنا وأهدافنا ونغض النظر عن تلك المصادر التي لا توافقنا الرأي ، وهذه طبيعة البشر
بهذ الشكل المتسلسل توالت احداث التاريخ على أرض بلاد بيث نهرين منذ عهد سومر وأور وأكد وبابل وآشور والفرس والمغول والعرب المسلمين والمغول والعثمانيين الى ان حلت الكارثة بتقسيم أبناء أمتنا وكنيستنا المشرقية الى مذاهب لاهوتية في منتصف القرن السادس عشر الميلادي وتركت لنا أكوام من المعطيات والمعلومات التاريخية التي يتطلب منا أن نحللها ونعيد ترتيبها بأسلوب علمي رصين لنهتدي من خلالها الى اكتشاف ما يفيدنا منها في حياتنا الحاضرة وليس العكس  .
في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وقبل الحرب العالمية الأولى . كانوا أبناء امتنا من سهل نينوى جنوباً والى جبال هيكاري شمالاً ومن اورميا وسهولها شرقاً والى شواطئ البحر المتوسط غرباً لا يعرفون شيئاً عن المفهوم القومي بمضمونه الحالي ، ولم يكُن له حضوراً في حياتهم اليومية وتربيتهم وثقافتهم الاجتماعية ، بل كان ولائهم بالمطلق للدين والمذهب وكل تسمية متداولة بينهم كانت حصراً ذي منظور ومفهوم ديني ومذهبي وليس سواهما ، وعندما كان يُسأل اي واحداً منهم ابتداءً من فلاح بسيط الى أكبر رجل دين من اي مذهب كان ، من أنت ؟؟ ومن تكون ؟؟ يجيب بسرعة البرق ووبساطة متناهية من دون تفكير ، أنا ( سورايا ) بمعناها الديني الروحي ( أنا مسيحي) ليس إلا ، ولا تعني سورايا عنده شيئاً قومياً غير المسيحي ، وكانت عندهم ( سورايا = مسيحي ) . وبعد وصول مفهوم القومية والدولة الوطنية الى سكان الأمبراطورية العثمانية من غير الترك عن طريق البعثات الغربية بغرض تهيئة الأرضية المناسبة لتفكيك الأمبراطورية العثمانية من خلال تحريض الأقليات القومية والدينية فيها  الى الثورة ضد السلطة العثمانية المقيتة . بدأ مضمون المفهوم القومي ينتشر كالنار في الهشيم بين أبناء أمتنا ، وانطلقت الدعوات من القيادات الدينية والعشائرية للعودة الى أرض الأجداد وجمع الشتات المجزأة مذهبياً واقامة كيان قومي لهم في أرضهم التاريخية إلا ان تلك الدعوات اصطدمت من جديد بالصخرة المذهبية الصماء من جهة وبجدار الغدر والخيانة البريطانية لهم من جهة ثانية . وهكذا انتهى الحلم الوردي لأبناء أمتنا بسبب دسائس ومؤآمرات الانكليز وتعاون بعض قياداتهم الميدانية مع الحكومة الكيلانية الفاشية المستعربة بمأسات كارثة مذبحة سميل سنة 1933 م ، وأسدل الستار بعد ذلك التاريخ المشؤوم على قضيتنا القومية وكياننا القومي المستقل وذهبت تضحياتنا الجسام أدراج الرياح .
في ضوء هذه المقدمة التاريخية نستنتج الآتي :-
أولاً : لا يمكن لأي قوم من الأقوام التي اجتاحت بلاد بيث نهرين ( العراق ) واستقرت فيه ولو لفترة منذ فجر التاريخ ودخلت في هذه المعمعة التاريخية الهائلة من التمازج والتداخل والأندماج الثقافي والعِرقي واللغوي والاجتماعي من أن يحافظ على نقاء عِرقه القومي وتراثه الثقافي والاجتماعي كما يتمنى البعض من السكان الحاليين للعراق ، وكل ما عداه هو هراء الحمقى .
ثانياً : لا نمتلك أي دليل أو اثبات علمي بتطابق انتماءاتنا القومية التي ندعي الأنتماء إليها حالياً مع تلك الأعراق القومية التاريخية القديمة مثل تطابق الحمض النووي dna  لكي يبرر لنا تعصبنا وتطرفنا للانتماء القومي المعين من دون غيره ، وغياب هذا الدليل يجعلنا عاجزين أمام التاريخ لأثبات ذاتنا وهويتنا القومية ، ولكن نمتلك كل الأدلة لأثبات وجودنا الوطني العراقي وهويتنا الوطنية وعلينا العمل ضمن هذا  الاطار بما نحن عليه الآن خير من الدوران في حلقة مفرغة التي لا تختلف بشيء عن فلسفة " البيضة من الدجاجة أم الدجاجة من البيضة " لنقل أيها الأخوة أن البيضة من الدجاجة ونسى الدجاجة من أين !!! فذلك أفضل لنا وأفيد .
ثالثاً : في ضوء هذا الواقع لا نجد ضيراً في القبول بأية تسمية قومية من تسمياتنا الجميلة الحالية لأن في ذلك لا يوجد خاسر بيننا بل الجميع رابح والخاسر الوحيد سوف يكون من لا يريد مصلحتنا القومية في البقاء في أرضنا ارض وطن الأباء والأجداد أرض بيث نهرين الطيبة ، أرض العراق مهد  البشرية.

خوشـــابا ســـولاقا
25 / شباط /  2018 م   
       

48
الآراميون واللغة الآرامية القديمة وعلاقتها باللغة الحديثة المحكية بين الكلدان والسريان والآشوريين
خوشــابا  ســـولاقا 
بدءً ذي بدء نود أن نُذكّرْ القُراء الكرام والمختصين الأجلاء باللغة الآرامية القديمة واللغة الحديثة المحكية المتداولة بين أبناء شعبنا من الكلدان والسريان والآشوريين حالياً ، والمختصين بالتاريخ القديم والحديث لسكان بلاد ما بين النهرين وسوريا والشام بأننا شخصياً لسنا مختصين وضليعين باللغة الأرامية القديمة واللغة الحديثة المحكية ، وكذلك لسنا من المختصين بالتاريخ إلا بالقدر الذي يهمنا الأطلاع عليه كمثقفين وسياسيين مستقلين لأغناء معلوماتنا بالمستوى الذي نستطيع من خلالها خدمة وحدة قضيتنا القومية في ضوء الأشكالات القائمة حولها اليوم لكي نجعل من أنفسنا القاضي المنصف والعادل للحكم بين ما هو الأصل وما هو الفرع قومياً ولغوياً من التسميات المطروحة في الساحة القومية والتي يدور حولها الجدل البيزنطي اليوم بين مثقفينا عبر وسائل الأعلام المتنوعة .
في حقيقة الأمر نحن شخصياً انسان عادي وسياسي مستقل ولنا وجهة نظر فيما يدور من حولنا ومولعين بقراءة تاريخ هذه المنطقة وعلى وجه التحديد تاريخنا القومي وعلاقته بالآخرين من المحيطين بنا والمرافقين لمسيرتنا تاريخياً وتحليل أحداثه من جميع الجوانب لغرض اكتشاف المشتركات في تلك الأحداث بين الأقوام التي صنعوه بما هو عليه بين أيادينا اليوم لكي نتمكن أن نطرح ما يتبلور لدينا من تساؤلات الى المختصين من أبناء أمتنا المهتمين بالتاريخ واللغة لوضع حداً لما يجري بيننا من خلافات وسجالات سقيمة وعقيمة التي تزيدنا تشرذماً وتمزقاً يوم بعد آخر ولكي نتمكن بالتالي من إعادة ترتيب وتركيب أحداثه بالشكل الذي تعطينا صورة أوضح لما وصَلَنا منها بهدف الوصول الى الحقيقة الأكثر واقعية ومقبولية بشأن الجذور الأصلية لهذه الأقوام وعلاقتها ببعضعا البعض قومياً ولغوياً وحضارياً وأين موقعنا منهم وهذا أعتبره من حقنا الطبيعي وكما هو لغيرنا .
على ضوء ما تم ذكره أطرح هذا الموضوع مشروعاً للبحث والدراسة والحوار والمناقشة أمام المختصين والمثقفين من أبناء أمتنا ، ونشترط  على من يرغب أن يشترك في المساهمة اعتماد الأسلوب الرصين والحيادي واعتماد نهج الأعتدال وعدم الأنحياز المسيس في طرح الأراء ووجهات النظر في تسويق الأدلة والقناعات التاريخية بشأن الموضوع ، لكي تكون الحوارات والمناقشات هادئة ومنتجة تقودنا الى بناء فهم مشترك لأعتماده في الخروج بالتالي من مأزق التسمية الذي نحن بصدد تجاوزها والرسو الى بر الأمان .
نبدأ موضوعنا هذا باقتباس مضمون الكلام وليس الكلام بكل تفاصيله كما أورده الكاتب والمؤرخ السوري الأستاذ محمود حمود أستاذ الدراسات الفلسفية والأجتماعية وتاريخ الشرق القديم في جامعة دمشق والعامل في مجال التنقيب عن الأثار فقط لغرض إثبات الوجود الآرامي في سوريا القديمة وذلك تجنباً لحشك كلام لا علاقة له بما يتطلبه موضوعنا في رسالته لنيل درجة الماجستير الموسومة (( الحياة الأقتصادية والأجتماعية في الممالك الآرامية السورية من القرن التاسع وحتى القرن السابع قبل الميلاد )) عن الآراميين ودورهم في التاريخ . حيث يقول المؤلف في مضمون كتابه أعلاه يرجع الآراميون في أصولهم الى قبائل بدوية عاشت وتنقلت في البادية السورية قبل أن تستقر على أرض الرافدين وبلاد الشام ، وظهروا على مسرح التاريخ في الشرق القديم منذ الألف الثاني وربما منذ أواخر الألف الثالث ق . م ، ولكنهم لم يستطيعوا أن يؤسسوا لهم دوراً سياسياً ودولياً في المنطقة إلا في الألف الأول ق . م ، إذ كانت لهم دويلات وامارات في سورية ولكن دورهم السياسي لم يطل أمده أكثر من أربعة أو خمسة قرون على أبعد حدْ ، ولم يتمكنوا خلال هذا الأمدْ القصير نسبياً من إنشاء لهم امبراطورية ذات ركائز قوية رغم محاولاتهم الحثيثة والمتكررة بسبب ضعف وتخلف وهشاشة الأسلوب المعتمد في تنظيم السلطة ومنهجيتها ، وقد زال نفوذهم وانهار سلطانهم منذ ظهور الأمبراطورية الآشورية القوية عسكرياً والتي شكلت بظهورها خطراً داهما وكبيراً عليهم ولوجود ممالكهم وعلى جيرانهم من القبائل الأخرى من غير الآراميين .
لقد أدى الآراميون دوراً مهماً في تاريخ سوريا القديم خلال الألف الأول ق . م إذ قاموا بعد استقرارهم في المناطق السورية المختلفة بتأسيس لهم إمارات وممالك حاكمة مثل مملكة بيث بخياني  ومملكة بيث عديني  ومملكة بيث زماني ومملكة أغوشي وآرام حماة وآرام دمشق وغيرها من الممالك والأمارات القبلية . وشكلوا هذه الممالك والأمارات الصغيرة في منتصف القرن التاسع ق . م تحالفاً عسكرياً للوقوف في وجه الآشوريين الذين عقدوا العزم على بسط سيطرتهم على سوريا وقد تمكن التحالف الآرامي من اعاقة الآشورين من بسط  سيطرتهم لفترة من الزمن ، ولكن فيما بعد تمكنوا الآشوريين من القضاء على مقاومة بقايا تحالف الممالك الآرامية . إلا أن بقايا تلك الممالك تابعت تطورها كممالك خاضعة للآشوريين وحققت إنجازات على الصعيدين الأقتصادي والأجتماعي مستفيدة من الأرث الحضاري للسكان المستقرين الذين قابلوهم في نفس الأماكن . غير أنهم احتفظوا بمظهر من حضارتهم وهو " اللغة " التي قدر لها أن تأخذ دوراً بالغ الأهمية في حياة غرب آسيا فيما بعد وهذا هو الجانب المهم في موضوع مقالنا هذا . 
ويمضي المؤلف بقوله في مضمون سياق كتابه ، واصل الآراميون بالتدريج بالسيطرة وبسط نفوذهم على المناطق الواقعة غربي الفرات ومناطق الجزيرة الواقعة بين الخابور والفرات المسماة " آرام نهرين " ونجحوا في شق طريقهم في اتجاهات متعددة نحو أرض بابل ونحو شمال سورية وجنوبها ، وباتت هذه المحاولات الآرامية تقض مضاجع الأمبراطورية الآشورية القوية عسكرياً يوم بعد آخر مما حدا بها الى تنظيم حملات عسكرية كبيرة وبشكل متواصل للقضاء على كل محاولات الآراميين لتوسيع نفوذهم شرقاً . وكانت تلك الحملات الآشورية قد توالت في زمن كل من الملوك اريك دين إيلو ( 1325 – 1311 ) ق . م ، والملك الآشوري تيغلات بلاصر ( 1112 – 1074 ) ق . م وفي زمن الملك أدد نيراري ( 1074 – 1035 ) ق . م ، وهكذ استمرت الحملات العسكرية الآشورية على الممالك والأمارات الآرامية بدون انقطاع الى أن تمكنوا من القضاء على سلطة ونفوذ الممالك الآرامية قضاءً مبرماً ، وعلى أثر هذه الحملات الآشورية أتوا بعشرات الألاف من الآراميين أسرى وسبايا الى نينوى وغيرها من المدن الآشورية ، وتم استغلالهم واستخدامهم بكثافة في أعمال الزراعة والحرف الفنية المختلفة لما يتمتعون به الآراميون من المهارات المختلفة . وعلى خلفية هذا الواقع الأجتماعي المستجد حصل هناك تمازج وتزاوج وتداخل بل واندماج ثقافي واجتماعي بين المجتمع الآشوري والآراميون الذين أتوا بهم الى بلاد آشور ونتج جراء هذا التمازج والأندماج والتداخل الثقافي والاجتماعي مجتمع جديد إن صح التعبير ( آشوري – آرامي ) يحمل الكثير من سمات المجتمعين وبالأخص اللغة فدخلت الكثير من مفردات اللغة الآشورية التي كانت تكتب بالخط المسماري الى اللغة الآرامية وحصل العكس أيضاً . ومن جملة التطورات النوعية التي حصلت جراء هذا التمازج والتداخل الثقافي والاجتماعي هو قيام الآشوريون في زمن الملك الآشوري سنحاريب منتصف القرن الثامن ق . م بتبني أبجدية اللغة الآرامية وليس اللغة الآرامية كما قد يتصور البعض بدلاً من الخط المسماري في الكتابة لبساطة هذه الأبجدية وأفضليتها على الكتابة المسمارية التي كانت معتمدة لديهم . وبحكم هذا الواقع الثقافي والاجتماعي الجديد دخلت الكثير من المفردات الآشورية الى اللغة الآرامية وبالعكس كما أسلفنا وهذا أمر طبيعي حصل في الماضي ويحصل اليوم في المجتمعات المختلطة كما حصل مع اللغة العربية ولغات الأمم الآخري التي اعتنقت الدين الاسلامي ، وكما حصل مع اللغة التركية في زمن سيطرة الدولة العثمانية على الأمم الأخرى ، وكما حصل مع لغات الدول الأستعمارية بعد عصر النهضة الأوربية في عصرالغزو الأستعماري للبلدن الأجنبية في مختلف قارات العالم وكما حصل مع اللغات الفرنسية والانكليزية والأسبانية والبرتغالية وغيرها . إن تبني الآشوريين للأبجدية الآرامية لا يعني أبداً في أي حال من الأحوال تبني اللغة الآرامية بالكامل والتخلي عن لغتهم القومية الآشورية ، بل إن الكتابة في الدواوين الرسمية أصبحت تكتب بالمفردات الآشورية وبأبجدية الخط الآرامي .
من خلال هذه المقدمة المبسطة نستنتج التالي :-
أولاً : أن الأراميين الذين ظهروا كممالك وامارات صغيرة في سوريا والشام وبلاد ما بين النهرين منذ أواخر الألف الثالث ق . م كما أسلفنا لم ينقرضوا كما يدعي البعض من ذوات الدوافع الأقصائية الخاصة من دون دراية ودراسة لأحداث التاريخ بشكل ممنهج ، بل لا زال هناك بقايا للعِرق القومي الآرامي في كل من سوريا والعراق وفلسطين ولبنان بالرغم من كل ماحصل من المحاولات للقضاء عليهم ، لأن مبدأ الأنقراض الشامل للأعراق والأمم كما يدعي البعض من المغالين في شوفينيتهم القومية والمذهبية كما نلاحظها في بعض الكتابات المتطرفة في طرحها يخالف منطق التاريخ والحياة .
لا يحق لأحد كائن من يكون أن ينفي أو يلغي هذا الوجود ، ومِن حق مَن يشعر بالأنتماء الى ذلك العِرق أن يعتز ويفتخر به ويدافع عنه ، وعلى الآخرين أن يحترموا ذلك الانتماء . كما وليس من حق كائن من يكون من المكونات التي تشارك الآراميين بأبجدية اللغة أن يلغي أو يقصي الآراميين ، وعلى الآراميين بالمقابل أن يحترموا خيارات وانتماءات الآخرين القومية واللغوية . وخير دليل على وجود وبقاء العرق الآرامي القومي هو قيام دولة اسرائيل مؤخراً بالأعتراف بالقومية الآرامية مهما كانت نوايا ودوافع اسرائيل السياسية والتاريخية في محاولاتها لالغاء ومحو تاريخ من لا يروقها بقائهم من الأقوام في هذه المنطقة بدوافع انتقامية تاريخية على خلفية السبي الآشوري والبابلي لليهود كالآشوريين والبابليين .
ثانياً : إن اللغة الآرامية القديمة ( لشانه عتيقة ) التي تكلموا بها الآراميين القدماء في ممالكهم واللغة الحديثة ( لشانه سوادايا ) بكل لهجاتها الكلدانية والآشورية في جميع أنحاء العالم والسريانية المحكية في مدن وقصبات سهل نينوى وبعض مناطق سوريا ولبنان تشترك مع اللغة الآرامية القديمة بنفس الأبجدية من حيث التسمية وتختلف في رسم بعض الحروف بحكم التطور الزمني في رسم الحرف لأسباب موضوعية وتقنية كثيرة ، ولكن هناك اختلافاً كبيراً جداً بين المفردات المتداولة في اللغة الآرامية القديمة ( لشانا عتيقا ) اللغة التي كتبت بها بعض الكتب الدينية المسيحية وبين اللغة الحديثة ( لشانا سوادايا – بمعنى اللغة العامية ) التي يتكلم بها الكلدان والآشوريين وبعض السريان كما أسلفنا يصل الى نسبة ( 50 % ) تجعلهما في نظر المتلقي لهما كأنهما لغتان مختلفتان جملةً وتفصيلاً . وقد يكون الأختلاف الوحيد بين هذه اللغات المحكية هو في لفظ بعض الحروف مثل حرف ( الحاء ) يلفظ ( خاء ) عند البعض وحرف ( الألب ) يلفظ ( واو ) عند البعض الآخر ..  من هنا نستطيع أن نستنج أن الذين يتكلمون اللغة الآرامية القديمة ( لشانا عتيقا ) أينما وجدوا اليوم هم عرقياً آراميون ومن أصول الاراميين القدامى ونقول لهم مبروك لهم اكتشافهم لذاتهم القومية بعد قرون طويلة . ومن لا يتكلم باللغة الآرامية القديمة ويتكلم بأحدى لهجات اللغة الحديثة ( لشانا سوادايا ) هم من عِرق قومي غير أرامي أي بمعنى لهم عِرق قومي آخر نتفق عليه أو سنكتشفه لاحقاً في المستقبل اذا سعينا إليه بروية وتعقل من دون تطرف وتعصب على خلفية المذهب اللاهوتي . فهؤلاء لا صلة لهم بالعرق القومي الآرامي لا من قريب ولا من بعيد . ولغرض تعزيز هذه الفكرة نورد بعض المفردات لبيان الأختلافات الجوهرية بينها بحسب اللغة الآرامية القديمة واللغة الحديثة كأمثلة بسيطة وليس الحصر وهي تسميات لأعضاء الجسم لتكون قريبة من الذهن . 
1 ) الأذنْ ... بالأرامية القديمة – أذنه ... بالحديثة – ناثه
2 ) الأنفْ ... بالآرامية القديمة – أنفه ... بالحديثة – نخيرا ... أو بوقا
3 ) الرجلْ ... بالآرامية القديمة – رَغله ... بالحديثة – آقله

وهناك الآلاف من المفردات من اصول اللغات الأكادية والبابلية والآشورية الموجودة في اللغة الحديثة ( لشانا خاثا - سوادايا ) وليس لها وجود في اللغة الآرامية القديمة ( لشانا عتيقا ) التي يطلق عليها لغة السيد المسيح له المجد . وعليه فإن الآراميين قوم ٌقائم بذاته والكلدان والآشوريين وبعض السريان ممن لا يتكلمون الآرامية القديمة قومٌ آخر لا يربطهم بالآراميين رابط عِرقي قومي غير رابط أبجدية اللغة . اي بلغة المعادلات الرياضية :
{ الكلدان = السريان = الآشوريين } قومياً ... وهذا لا يساوي الآراميين
ايها الأخوة الأعزاء القراء الكرام إن ما كتبناه هنا هو وجهة نظرنا الشخصية على ضوء تحليلنا لأحداث تاريخنا ليس إلا ، والموضوع مطروح للمناقشة والحوار وبيان الرأي بحرية وبروح ديمقراطية رياضية وكل شيء فيه قابل للحوار والنقض وطرح البديل والبقاء للأصلح والأصح هكذا يقول المنطق العقلاني .

خوشـــابا ســـولاقا
20 / شباط / 2018 م


49
الأقليات والحقوق القومية والدينية والوطنية في العراق

خوشـابا سـولاقا

بدءً ذي بدء نادراً ما موجود على وجه الأرض في أي بلد من البلدان امة من الأمم تعيش على أرض محددة مكونة من قومية واحدة خالصة نقية الدم كما يدعي القوميين المتعصبين المغالين في عنصريتهم القومية وتعصبهم وتطرفهم القومي الأهوج وتعتنق عقيدة دينية واحدة ومنتمية لطائفة مذهبية واحدة كما يريدها المتشددين المتطرفين من المتدينين الغارقين في الجهل والتخلف والحقد والكراهية المتأصلة في كيانهم على غيرهم ممن لا يوافقونهم في رؤآهم ومعتقداتهم الدينية والمذهبية ، لأن مثل هذا الوضع النموذجي الاستثنائي كما يريده البعض يعتبر وضعاً مثالياً فريداً شاذاً لواقع الحياة الإنسانية الطبيعية ، ولا أعتقد له وجود على أرض الواقع ، بينما على العكس من ذلك هو الوضع الطبيعي في كل البلدان . وعليه فإن جميع أمم الأرض فيها تعدد وتنوع قومي وديني وعِرقي ومذهبي وقبلي وغيرها من الخصوصيات تجعل مصالحها ومعتقداتها المختلفة تتقاطع وتتعارض لهذا السبب أو ذاك مع بعضها البعض أحياناً وتلتقي وتتشارك وتتحد أحياناً أخرى ، وهكذا يحصل توازن طبيعي ويتعايش هذا الخليط الإنساني المتنوع المتعدد المكونات بانسجام وتفاهم ويشترك الجميع في المصير الواحد أمام تحديات العدو المشترك متناسين خلافاتهم بحكم الخصوصيات جانباً . هذا هو واقع الحال لجميع أمم الأرض حالياً في مختلف البلدان التي تؤمن شعوبها بمبادئ التعايش السلمي المشترك على أرض الوطن الواحد . لقد مرَّ التاريخ البشري بعصور من الاضطهاد والقهر القومي والديني والمذهبي ومات الملايين من البشر وسالت دماء غزيرة في حروب عبثية لأسباب ودوافع قومية ودينية ومذهبية بحكم استئثار إحدى القوميات أو أحدى المكونات  الدينية  أو المذهبية  بالسلطة السياسية في هذا البلد أو ذاك ، وبحكم هذا الواقع عاشت الأقليات القومية والدينية والمذهبية في ظل سلطة المكون القابض على الحكم حياة القهر والاضطهاد والعبودية محرومة من كل الحقوق القومية والدينية والمذهبية وحتى من الحقوق الإنسانية الى حدٍ بعيد ، واُرتكبت بحقها المذابح والمجازر الجماعية وحصل لها الكثير من الأنتهاكات المريعة لا لسبب مبرر ولا لذنب أو لجرم إرتكبته بحق غيرها وإنما لمجرد كونها أقلية مغلوبة على أمرها ، والتاريخ مليء بمثل هذه الشواهد الصارخة والمؤلمة والكوارث الإنسانية المرعبة والبشعة ، ولا يخلو تاريخ أي أمة من أمم الأرض من مثل هذه المظالم التي يندى لها الجبين ويخجل منها التاريخ الإنساني ، وما ما ارتكب منها بحق أمتنا والأرمن في عهد الدولة العثمانية على يد المجرمين بدر خان ونورالله وسمكو وغيرهم من عتاة القتلة المجرمين من الترك والفرس والكورد بتحريض ودعم الحكومات العثمانية والفارسية المغالية في حقدها وعنصريتها القومية والدينية تجاه الآخرين من مواطنيها وسكوت حكومات الدول الأوربية المسيحية بحكم ترابط المصالح خير مثال صارخ على إضطهاد وقهر الأقليات القومية والدينية ، وكانت حصة أمتنا والأخوة الأرمن حصة الأسد من رصيد مذابح ومجازر الأبادة الجماعية بدوافع دينية ممنهجة ( الجينوسايد ) والمنظمة برعاية الدولتان العثمانية والفارسية المجرمتان عبر قرون طويلة ، ولذلك يتطلب الأمر من الذين يدعون تمثيلنا من الأحزاب والمؤسسات الحقوقية في الداخل والمهجر التحرك لدى المؤسسات الحقوقية الدولية والأمم المتحدة لتثبيت ذلك في سجلات الجرائم الجنائية في محكمة لاهاي المعنية بجرائم الحروب والأبادة الجماعية طالما لدينا الكثير من الوثائق التي تثبت هذه الجرائم ومطالبة الدول المعنية بها اليوم ( الدول الوريثة ) بتعويض المتضررين من أبناء أمتنا كما يفعل أخوتنا الأرمن .
كانت تلك المرحلة مرحلة نظام الأمبراطوريات والدول القومية والوطنية التي كانت ثقافة التعصب القومي والديني هي الثقافة السائدة فيها والتي كانت سمة تلك المرحلة وفلسفة الحكم حينذاك ، ولذلك كانت الضحية الأولى لسيادة هذا النمط من أنظمة الحكم هي أبناء الأقليلت القومية والدينية والمذهبية ، وكان الشرق مثالاً حياً لمثل هذه الممارسات العنصرية الفاشية الشاذة والبغيضة لأضطهاد الأقليات القومية والدينية في كنف الأمبراطوريتين الفاشيتين الفارسية والعثمانية وما زالت لغاية اليوم . بالتأكيد أن كُثرة الأضطهادات القومية والدينية والمذهبية قادت المفكرين والعلماء والفلاسفة والسياسيين الى البحث عن إيجاد أنظمة حكم أكثر عقلانية وأخلاقية وإنسانية لتخليص البشرية من واقع القهر والأضطهاد القومي والديني والمذهبي وبالتالي تحرير الإنسان من ظلم وقهر واستغلال أخيه الإنسان وإنعتاقه من العبودية ونشر أفكار الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة وإقامة السلم الأهلي والتعايش السلمي بين الأمم ومنح الأقليات حقوقها القومية والدينية والوطنية والإنسانية المشروعة .
فكانت النتيجة ظهور ملامح النظام الديمقراطي العالمي وإنبثاق عصبة الأمم ومن ثم صدور مثاق الأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة المنبثقة منها ، وظهرت مؤسسات حقوق الإنسان وصدور الأعلان العالمي لحقوق الإنسان وبدأ العالم الجديد بالتَشكُل وفق أسس ومعايير جديدة أكثر عدالة وإنسانيةً والذي فيه تعتبر إنسانية الإنسان هي أعلى قيمة كمعيار لتقييم الحياة الإنسانية ، واخيراً صدور إعلان حماية حقوق القوميات الأصيلة عام 2007 من الأمم المتحدة والذي من المؤكد سيكون لتطبيقة أثراً كبيراً لأمتنا لكوننا قومية أصيلة في بلاد النهرين لو تحركت مؤسساتنا السياسية والكنسية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني لأمتنا التحرك الجاد والفاعل لتشكيل لوبي للتأثير على مؤسسات صنع القرار في الدول الكبرى والأمم المتحدة لوضع هذا الأعلان موضع التنفيذ الفعلي بدلاً من المناكفات والمشاجرات على التسميات ومقاعد " الكوتة " المهينة التي صَدَّقوا بها الأقوياء للضعفاء اليتامى من أبناء أمتنا الأًصيلة لتلهيتهم في صراعاتهم الجانبية والأبتعاد عن حقوقهم الجوهرية . ولذلك ندعو هنا من يدعي تمثيلنا في مجلس النواب الى المطالبة بتعديل الدستور الحالي وتضمينه بمواد إضافية تقر وتعترف بشكل صريح بوجودنا القومي كقومية أصيلة حسب إعلان الأمم المتحدة المشار إليه أعلاه وضمان كامل حقوقنا القومية والدينية والسياسية والثقافية وتشريع ذلك بقانون كما فعل المجلس مع الأخوة التوركمان .. إلا أن الشرق بالرغم من كل هذا التغيير النوعي في النظام الحقوقي الدولي مصر أن يبقي شرقاً متخلفاً لا يقبل أن تهب عليه رياح التغيير الإنساني والاجتماعي ، بل إنه يريد أن يبقى على ما هو عليه متقوقعاً ومتشرنقاً داخل صومعة التخلف ويقاوم رياح التغيير للنظام الدولي الجديد بإصرار وعناد لكون النظام الجديد حسب رؤية ومنهج فقهاء الرجعية والتخلف والعنصرية نظام قائم على رؤى وفكر وثقافة غربية غريبة ودخيلة على ثقافتنا وتقاليدنا القومية والدينية الشرقية وبالتالي أن ذلك سيؤدي حتماً الى تدمير منظومتنا الأخلاقية والقيمية الأصيلة ومحو ثقافتنا واستبدالها بالمستورد الغربي منها . هكذا وتحت هذه الشعارات الرجعية المتخلفة تصدرت المؤسسات القومية والدينية للتصدي للنظام الديمقراطي العالمي الجديد التَشَكُل وثقافتِهِ التقدمية وسَعت بالمقابل الى إعادة إنتاج وترسيخ مفاهيم وأفكار أسس وثقافة النظام الرجعي القديم القائم على أساس القهر والأضطهاد والقمع القومي والديني والمذهبي والتمييز الطبقي وإشاعة العنصرية بكل تلاوينها وأنماطها في مجتمعاتنا الشرقية وتكريس التمييز الجنسي بين الرجل والمرأة وإبقاء المرأة حبيسة البيت حالها حال أية حاجة من حاجات الرجل المنزلية . وبذلك أصبحت الأقليات القومية والدينية والمذهبية مرة أخرى مسلوبة ومهضومة الحقوق بكل أشكالها ومضطهدة ومقموعة ومصادرة الارادة  ومحرومة حتى من الكثير من حقوقها الإنسانية . كان العراق خير مثالاً ساطعاً لأمة لها تعددية قومية ودينية ومذهبية نموذوجية وكيف عاشت هذه المكونات المتنوعة دون مستوى المكون القابض على السلطة من حيث الحقوق في البلد عبر عقود من الزمن تحت الأضطهاد والقهر القومي والديني والمذهبي الطائفي . وبالتأكيد كيف أن المؤسسات السياسية والتربوية من أحزاب وجمعيات التي نشأت في ظل سيادة وهيمنة ثقافة القهر والصهر القومي تأثرت أكثرها في صياغة أفكارها وخطابها وبرامجها السياسية ومناهجها التربوية في المدارس والجامعات الى هذا الحد أو ذاك بتأثيرات تلك الثقافة التي كانت سائدة في المجتمع والتي لم تتحرر من تبعات وتقاليد ثقافة القهر والصهر والأضطهاد القومي والديني والطائفي . فولدت من رحم هذه الثقافة أحزاب ذات أيديولوجيات عنصرية قومية متعصبة وشوفينية وأخرى ذات أيديولوجيات دينية ذات توجهات مذهبية طائفية حاقدة تعادي الأديان والطوائف المذهبية الأخرى . وقد سادت بل طغت ثقافة تلك الأحزاب بعد قيام الدولة العراقية الحديثة منذ بداية القرن الماضي في عام 1921 على مؤسسات الدولة الرسمية ، وكانت الحكومات التي أستلمت السلطة بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 هي الأخرى مشبعة لحد النخاع بالفكر القومي الشوفيني القائم على قاعدة إلغاء وإقصاء الآخر وهضم كل حقوقه القومية وحتى نكران لوجوده القومي في العراق كمكون أصيل منذ آلاف السنين ، وكانت أنظمة حكم أحزاب القوميين العرب وحزب البعث العربي الأشتراكي خير تجسيد حي ومثالي لهذا النموذج القهري من الفكر الأقصائي بحق الأقليات القومية الاصيلة في العراق . وبعد سقوط نظام البعث الصدامي كنظام سياسي عروبي فاشي على يد القوات الدولية عام 2003 لم تسقط معه الثقافة الصدامية الشوفينية الشمولية الأقصائية المعادية للأقليات القومية والدينية والمذهبية الطائفية كفلسفة ومنهج للحكم بل بقيت تمارس  بنفس الآليات من قبل من استلم السلطة بعد صدام ولكن بواجهات أخرى سواءً على مستوى الحكومة المركزية في بغداد أو على مستوى حكومة أقليم كوردستان في أربيل . حيث الأقصاء والتهميش وصناعة البدائل الهيكلية المزيفة والمشوهة لتمثيل أبناء الأقليات القومية والدينية والطائفية في مؤسسات الدولة والأقليم الدستورية من مجلس النواب العراقي والمجلس الوطني لأقليم كوردستان وفي السلطة القضائية  والسلطة التنفيذية ( الوزارة )  مستمرة على قدم وساق ، وحيث الغياب التام للمشاركة الفعلية الحقيقية لأبناء تلك الأقليات بالشكل الذي يمثل مشاركتهم الفعلية كما ينبغي أن تكون والتي تعكس وتجسد وجودهم القومي التاريخي والديني ، وحيث نرى أن من يمثلهم اليوم في مؤسسات الدولة المركزية والأقليم لا يَهمهُم من تلك المشاركة الرمزية غير مصالحهم الشخصية والانتفاع من امتيازات ذلك التمثيل المشوه الهزيل والمهين على حساب إهمالهم للمصالح القومية الحقيقية لمن يدعون تمثيلهم ، وبالنسبة لممثلي أمتنا أصبحوا رسمياً ممثلي المكون المسيحي ولا يمثلون مكون قومي له هويته القومية المتميزة وهذا يعني عملياً إلغاء أي إعتراف بوجدنا القومي كقومية أصيلة !!! .
 كما لا نجد للديمقراطية على مستوى التطبيق الفعلي والمارسة العملية على أرض الواقع أي أثر يذكر غير كونها مجرد شعارات سياسية إعلامية تضليلية مرحلية لخداع النفس لرافعيها أولاً ولخداع الآخرين من أبناء الأقليات والرأي العام العراقي  والعالمي بديمقراطية النظام القائم ثانياً . لذا نرى في حقيقة الأمر أن العراق وشعبه يتخبطان في حالة من نظام الفوضى العارمة في ظل تفشي الجريمة بكل أشكالها  والفساد المالي وسرقة المال العام في وضح النهار لا أول لها ولا آخر . ولأجل حل مشاكل عراقنا العزيز وتخليص شعبنا مما يعانيه من المعاناة الرهيبة والمشاكل الجمة المستعصية التي تضرب بأطنابها كل مفاصل الحياة العراقية اليومية لا بد لنا من أن نتعلم ونستفاد من تجارب الآخرين ممن سبقونا في هذا المضمار ، وان نختار ما يلائمنا ويناسبنا منها من نظام سياسي لأدارة الدولة ويحل مشاكلنا ويستجيب لمتطلبات حياتنا ، وإن ذلك إن فعلناه ليس عيباً نعاب عليه ولا يقلل من عظمة حضارتنا وتراثنا التاريخي ولا يحط من قدرنا وشأننا عند الآخرين بل على العكس من ذلك طالما فية مصلحتنا الوطنية ، ولكن ما هو معيب لنا هو بقائنا على ما نحن عليه نتخبط في مشاكلنا ومعاناتنا وندور في حلقة مفرغة الى ما لا نهاية واستمرار هذا الواقع المأساوي ، هذا هو ما يجب أن نخجل منه وأن لا نقبل به على أنفسنا وعراقنا منبع أول حضارة إنسانية أنجبت العجلة الآشورية وأنجبت أول مسلة قانون على الأرض وهي مسلة حمورابي في بابل وأنجبت أول ألة موسيقى على الأرض وهي القيثارة السومرية عند مواجهتنا للآخرين من الشعوب ، لأن الأخذ والعطاء هو سنة الحياة وهو القانون الأساسي لصيرورتها وتطورها والسير الى الأمام بخطوات ثابتة . إن العمل على تأسيس وبناء النظام الديمقراطي التعددي العِلماني الحقيقي  (( نظام لا قومي ولا ديني مسيس  ولا مذهبي طائفي )) القائم على أساس المساواة والعدالة بكل أشكالها وإلغاء نهج الأقصاء والتهميش للآخر وبناء دولة المؤسسات الدستورية ، دولة تكون فيها السيادة لسلطة القانون وحده ، دولة المواطنة وليس دولة المكونات والميليشيات المسلحة ، دولة يكون فيها السلاح بيد سلطة القانون فقط ، دولة تضمن وتحمي حرية المواطن في التعبير عن رايه عبر الوسائل السلمية بالكلام والكتابة والتظاهر ، دولة تتساوى بين مواطنيها في الحقوق والواجبات وفق القانون والدستور والهوية الوطنية ، ووفق المعيار الوطني بالانتماء الى العراق قبل أي إنتماء فرعي آخر ، هذا النظام لوحده هو الذي يجعل من العراق وطن الجميع وللجميع من شماله الى جنوبه من شرقه الى غربه بعربه وكورده وتركمانه وآشورييه وكلدانه وسريانه وإيزيدييه وصابئته وشبكه وطن زاهر خالي من الظلم والقهر والتمييز القومي والديني والطائفي والطبقي والجنسي وخالي من الأرهاب والأرهابيين والقتل على الهوية وخالي من الفقر والجهل والأمية والمرض والعوز والبؤس .
في ظل هكذا نظام والثروات الطبيعية والبشرية الهائلة التي يمتلكها وينعم بها وطننا العراق " بيث نهرين – بلاد النهرين  " عندها فقط نستطيع إسقاط الشعار الذي قيل بحقنا من قبل الآخرين  من الأصدقاء والأعداء (( العراق أغنى بلد وأفقر شعب )) وعندها فقط نغسل العار من على جبين العراق وشعبه بكل مكوناته يا أيها الأعزاء المغالين والمتطرفين في تعصبهم القومي والديني والمذهبي الطائفي .. النظام الديمقراطي والثقافة الديمقراطية هما الضامنان للتآخي القومي والديني والمذهبي وإحترام حرية الرأي وقبول الآخر والتعايش السلمي معه في الوطن الواحد ، وهو الذي يحمي الخصوصيات مهما كانت تلك الخصوصيات وتزدهر في ظله ، وفي ظله وحده فقط يصبح العراق وطن حر وشعبه ينعم بالحرية والسعادة والعيش الرغيد ... النظام الديمقراطي هو النظام الوحيد الذي يقر ويحقق الحقوق القومية للأقليات وللأكثريات القومية على حد سواء وهو طريق الأمم المتعددة المكونات القومية والدينية والمذهبية للخلاص من القهر القومي والعبودية والظلم والتمييز العنصري والحروب ، فليكن هذا الخيار هو خيارنا نحن العراقيين الوطنيين الشرفاء من كل المكونات لننعم بالحياة الحرة الكريمة الخالية من إراقة الدماء البريئة والموت المجاني اليومي بعد معاناة دامة قرابة المئة عام من الحروب والأقتتال والقتل على الهوية الفرعية ، لنحمل فقط الهوية الوطنية العراقية في جيوبنا وقلوبنا ونفوسنا وثقافتنا عندما نتجول في ربوع وطننا العراق ، عندها فقط سوف نحل ونتخلص من كل مشاكلنا القومية والدينية والمذهبية الطائفية وتصبح جزء من الماضي في خبر كانَ . 

خوشـابا سـولاقا
14 / شباط / 2018 م

50
أحزابنا السياسية هل هي النموذج المطلوب أم هي إنعكاساً لصورة الواقع الاجتماعي المرفوض .. ؟؟
خوشـــابا ســـولاقا
إن واقع الحياة الاجتماعية للأمم وما يحتويه من صراعات وتناقضات قومية ودينية ومذهبية وقبلية وعشائرية واجتماعية وسياسية واقتصادية هي في الحقيقة صراعات من اجل المصالح بين المكونات المختلفة للمجتمع . هذا الوضع الاجتماعي الغير المستقر وغير المتوازن والهش يخلق ظروفاً ذاتية وموضوعية ملائمة لظهور الحاجة الملحة الى ضرورة البحث عن وسائل مناسبة وفعالة لتغيير الواقع الاجتماعي القائم والمتخلف باتجاه تجاوز تلك الصراعات والتناقضات للعبور الى واقع جديد له سمات يستجيب لمتطلبات الحياة الجديدة بشكل أفضل وأكثر إنصافاً وتوازناً لتحقيق العدالة بين مكوناته ، سواءً كان واقع المجتمع مكون من قومية واحدة  ومن دين ومذهب واحد أو مكون من قوميات واثنيات متعددة وأديان ومذاهب عديدة . إن المجتمعات المتعددة المكونات تعيش حالة التصارع والتناقض والتفكك والتشرذم اكثر بكثير من المجتمعات الأحادية المكون ولذلك تكون المجتمعات المتعددة المكونات أكثر خصوبة لنمو وإنتشار الصراعات المصلحية المتعددة الجوانب منها الصراعات القومية والدينية والأجتماعية والثقافية إضافة الى المصالح الاقتصادية  فيما بينها وقد تصل هذه الصراعات الى حد التناحر والحروب الأهلية مما هو عليه الحال في المجتمعات الأحادية المكون حيث تنحصر صراعاتها في الجوانب المذهبية والاقتصادي الطبقية وبعض الجوانب الثقافية والاجتماعية ولكنها قد لا تصل الى مستوى التناحر إلا ما ندر وذلك يكون مرتبطاً بمستوى الوعي الثقافي والسياسي في المجتمع . هذه الصراعات والتناقضات تحصل في المجتمعات في الحالتين بسبب تصادم المصالح بين المكونات الاجتماعية للمجتمع ، حيث تشكل وسائل إنتاج الخيرات المادية لأفراد المجتمع أي شكل وطبيعة النظام الأقتصادي السائد الذي يحدد طبيعة العلاقة بين مالكي وسائل الأنتاج وبين مشغلي ومحركي تلك الوسائل البنية التحتية للمجتمع ، بينما تشكل الثقافة والفكر والفنون والسلوكيات السائدة والقوانين المختلفة التي تنظم العلاقات بين افراد المجتمع كافة البنية الفوقية للمجتمع والتي تكون بالضرورة إنعكاساً للبنية التحتية له ، وهذه العلاقة بطبيعة الحال  هي علاقة جدلية بين البنيتين ، أي بمعنى عندما تتغير البنية التحتية للمجتمع يتغير شكل النظام الاقتصادي من خلال عمليات ثورية إجتماعية بسبب صراع المصالح كما قلنا تتغير بالضرورة البنية الفوقية للمجتمع تبعاً لذلك لتستجيب الى متطلبات تنظيم العلاقات الجديدة التي تنشأ بعد ثورة التغيير الاجتماعي . في ضوء هذه الوقائع كانت الإستجابة الطبيعية لأكتشاف مثل تلك الوسائل الفعالة لأجراء التغيير الثوري المطلوب في البنية التحتية للمجتمع ، هي ظهور التنظيمات والحركات السياسية العقائدية التي بدورها تعكس فكر وتطلعات ومصالح الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية التي لها المصلحة الكبرى في تغيير شكل العلاقة الاجتماعية القائمة بين الطبقات المالكة لوسائل الأنتاج والمتحكمة بمقدراته وبين الطبقات المحركة لأدوات إنتاج الخيرات المادية للمجتمع ، أي بمعنى آخر تغيير شكل البنية التحتية للنظام الأقتصادي وهذا التغيير بدوره يؤدي الى تغيير شكل البنية الفوقية للنظام الأجتماعي القديم وولادة نظام إجتماعي جديد ببنى تحتية وفوقية جديدة تختلف عن ما كانت عليه في النظام الأقتصادي السابق . وهكذا تغيرت أشكال النظام الاقتصادي لأنتاج الخيرات المادية للمجتع عبر التاريخ من نظام المشاعية البدائية الى نظام العبودية والأقنان الى النظام الاقطاعي الأبوي الى النظام الراسمالي البرجوازي الى النظام الأشتراكي الشيوعي الى النظام الراسمالي الأمبريالي الليبرالي الحر نحو نظام العولمة نظام نهاية التاريخ كما يدعي فوكوياما الياباني الأصل والأميريكي الجنسية .
بعد هذه المقدمة التاريخية لتطور الأنظمة الأقتصادية والاجتماعية عبر التاريخ والتي كانت تناقضاتها وصراعاتها تشكل الأسباب الموضوعية لولادة وظهور التنظيمات والأحزاب والحركات السياسية التي قادت التغيرات الثورية والاجتماعية الكبرى في التاريخ ، نستطيع على ضوئها تقييم طبيعة وبنية التنظيمات والأحزاب والحركات السياسية لأمتنا هل هي ( الأحزاب والحركات السياسية ) مجتمعات مصغرة تمثل النموذج المطلوب الذي نطمح إليه والتي من المفروض بها أن تعكس علاقات وقيم وسلوكيات من طراز جديد مغايرة لما كانت سائدة وقائمة على أساس متطلبات الولاء للخصوصيات الفرعية أم على العكس من ذلك  ؟؟ . أن تلك المجتمعات المصغرة النموذوجية المتمثلة بالتنظيمات والأحزاب والحركات السياسية قد طُليت بطلاء التقاليد والعادات والثقافات السائدة في مجتمعنا المتخلف قومياً والمتعصب دينياً ومذهبياً وقبلياً وعشائرياً . بما أن مجتمعنا في أغلبيته الى نهاية السبعينيات من القرن الماضي كان مجتمعاً فلاحياً قروياً يعيش في القرى والأرياف ويعتمد إقتصاده المتخلف الى الزراعة وتربية المواشي بالأعتماد على الوسائل البدائية في زراعة الأرض واستثمارها ، وبحكم هذا الواقع كان مجتمعاً تسود فيه وتتحكم بسلوك افراده العلاقات القبلية والعشائرية والمذهبية المتسمة بطابع التعصب والتشدد للخصوصيات الفرعية  وبطابع الحقد والكراهية وعدم قبول الاخر مهما كانت قومية ودين هذا الآخر ويكاد يكون الولاء للقومية فيه شبه معدوم في الممارسات اليومية وفي الثقافة المجتمعية . كانت ولاءآت أفراد مجتمعنا القروي للخصوصيات الفرعية هي المعيار لتقييم الشهامة والشجاعة والرجولة والأعتزاز بالنفس وغيرها من هذه القيم البالية ، وكانت الكراهية المذهبية والتمييز القبلي والعشائري سمات شبه مقدسة لدى أفراد المجتمع وكان تجاوز تلك الولاءآت خطوط حمراء لا يمكن لأي كان المساس بها وإلا يتم وصم المتجاوز بالعار ويعتبر منبوذاً في مجتمعه الفرعي ، مثل التجاوز في حالات الزواج المتبادل بين المكونات من اصغرها الى أكبرها في بنية هيكل المجتمع القومي الكبير . وكان الولاء للخصوصيات المختلفة قد جعل من تشضي وتشرذم وتفكك المجتمع القومي لأمتنا وفقاً لذلك امراً واقعاً ومعاشاً ومحاطاً بهالة من القدسية الكريهة بالرغم من حصول حالات شاذة استثنائية هنا وهناك لدى بعض العوائل المثقفة نسبياً والأسر السياسية التي لا تعير قدراً كبيراً من الأهمية للتزمت والتمسك بتقاليد الخصوصيات الفرعية حيث أنها قد تجاوزت هذه البنية الاجتماعية التحتية المؤسسة على الولاء للخصوصيات الفرعية . ولكن كانت القاعدة في مجتمعنا الفلاحي القروي هي التشرذم على أساس الولاء للخصوصيات الفرعية والتوجه نحو الوحدة القومية والوحدة الدينية هي السمة الشاذة والأستثنائية . هكذا كانت البنية الفوقية ( الثقافة والتربية ) لأمتنا تعكس ثقافة وتربية وقيم التشرذم والتفكك والتمزق القومي لحساب تثبيت وترسيخ ثقافة وتربية وقيم وأخلاق الخصوصيات الفرعية في عقول ونفوس الأجيال الناشئة من أبنائنا على حساب ثقافة وقيم الوحدة القومية .       
على خلفية إندلاع الحركة الكوردية في عام 1961 ونزوح أغلب ابناء أمتنا من قراهم الى المدن الكبرى والأختلاط  بمجتمعات المدن وتأثرها بها وتوسع إنتشار التعليم بكل مستوياته بين الشباب من أبناء أمتنا ، وعلى أثر الانشقاق الذي حصل في كنيسة المشرق الآشورية في عام 1964 م على خلفية التحول على اعتماد التقويم الغرغوري الحديث في ممارسة طقوس الكنيسة بدلاً من الأستمرار على اعتماد التقويم اليولياني القديم وما كان ينشر في الصحف المحلية العراقية من مقالات مسيئة الى إنتفاضة الآشوريين عام 1933 وقادتها وما حصل من شحن المشاعر والعواطف والتعصب القبلي والعشائري ومعاداة بعضها للبعض الآخر حتى بين أعضاء الآسرة الواحدة خلق وضعا إجتماعياً متفجراً ومحتقنا بالأحقاد والضغائن والكراهية المتبادلة بين أنصار الطرفين ، ومن ثم جاء تاسيس النادي الثقافي الاثوري الذي كانت لنشاطاته الثقافية والأجتماعية والفنية المختلفة  دوراً رائداً وبارزاً في تأسيس ونشر الثقافة القومية والوعي القومي بين الشباب الجامعي بشكل خاص وشبابنا الآشوري والمجتمع بشكل عام ، وما تركته عودة البطريرك الشهيد مار إيشاي شمعون من منفاه لزيارة العراق ومن بعده عودة المرحوم ملك ياقو ملك اسماعيل بناءً على دعوة من قبل الحكومة العراقية آنذاك من أثر بالغ لنمو وانضاج الوعي القومي بين شبابنا المثقف ، ثم جاء قرار منح الحقوق الثقافية للناطقين باللغة السريانية من الكلدان والسريان والآشوريين كنوع من التعزيز المباشر لما كانت جذوره قد امتدت في أعماق مشاعر شبابنا  وتجذرت في كيانهم ، كل هذه الأحداث المتوالية والمتزامنة مع النهضة القومية المعاصرة لأمتنا أثرت بشكل مطرد في نمو الوعي القومي وتبلوره بين أبناء أمتنا ، عندها بدأت الحاجة بحكم الضرورة التي فرضها هذا الواقع المتشرذم مذهبياً وقبلياً وعشائرياً الى ظهور المبادرات الأولى بالدعوة إلى تأسيس التنظيمات والأحزاب والحركات السياسية لتقود نضال الأمة لنيل حقوقها القومية والتي دعت أبناء الأمة الى الأنخراط في صفوفها للنضال من إجل نيل تلك الحقوق والأعتراف بوجودنا القومي في العراق ، وكانت كل تلك الدعوات مبنية على أساس الولاء المطلق للثقافة والوحدة القومية بهدف العبور من فوق ثقافة الولاء للخصوصيات الفرعية بكل أشكالها الى خصوصية الولاء القومي للأمة . لهذا السبب كانت استجابة الجماهير الشبابية المثقفة منها عن وعي وإرادة قومية لهذه الدعوات كبيرة وقوية ، وكانت استجابة الجماهير البسيطة منها عن الشعور بالتعاطف القومي الغريزي لدعوات هذه الأحزاب والحركات السياسية بحماس وإيمان من دون خوف بالرغم من قساوة النظام في العراق . وبعد إنشاء المنطقة الآمنة شمال خط العرض 35 وتشكيل حكومة كوردستانية مستقلة في هذه المنطقة تحت حماية التحالف الدولي ومشاركة أحزابنا السياسية التي كانت موجودة آنذاك بشكل رمزي في تلك الحكومة وظهور المنافع من وراء المناصب جراء هذه المشاركة الهزيلة في ظل غياب الوعي القومي الحقيقي والفكر والنهج السياسي السليم للعمل المنظم والممنهج لدى هذه الأحزاب والحركات سارت الأمور على غير مسارها الطبيعي أي سارت بالأتجاه المعاكس للمطلوب ، فتشكلت أحزاب كثيرة ذات تسميات رنانة ودخلت قياداتها في صراعات ومناكفات ومنافسات من أجل المناصب والمنافع ، وتوسعت وانتشرت هذه الظاهرة ظاهرة توالد وتعدد الأحزاب والحركات السياسية ذات الهويات المذهبية بشكل سافر بين مكونات أمتنا ، واتخذت الخلافات والصراعات فيما بينها طابعاً تناحرياً حاداً وطافت على السطح مشكلة التسمية القومية والتي وصل فيها الخلاف الى نقطة اللاعودة الى الوحدة القومية بتسمية قومية موحدة وانتهى الأمر بالتوافق على القبول بالتسمية القطارية " الكلداني السرياني الآشوري " التي لا تحمل سمة وهوية قومية تاريخية محددة لا شكلاً ولا مضموناً . كل ذلك في الحقيقة جرى ويجري بين المتنفذين من قيادات هذه الأحزاب والحركات  تحت يافطات وشعارات قومية براقة من أجل المناصب والمنافع الشخصية . هكذا فبدلاً من تنتقل الثقافة القومية والسلوك القومي المتجرد من الولاء للمذهبية والقبلية والعشائرية وغيرها من الممارسات المرفوضة من تلك المجتمعات النموذوجية المتمثلة بالتنظيمات والأحزاب والحركات السياسية الى المجتمع العام لتطبعه بثقافتها وتقاليدها القومية كما ينبغي أصبحت تلك الأحزاب والحركات السياسية حاضنات حامية للثقافات والسلوكيات الخصوصية الفرعية السائدة في المجتمع وتطبعت هي بها لحد النخاع ، وتحولت بذلك تلك الأحزاب والحركات الى أدوات ووسائل للفرقة والتشرذم في المجتمع وأصبحت فريسة لثقافة المجتمع بدلاً من أن تكون أدوات وأسباب لبناء الثقافة والوحدة القومية في المجتمع بسبب طموح وتطلع وسعي بعض القيادات الأنتهازية فيها الى التفرد بالقرار لتحقيق مكاسب ومنافع شخصية على حساب المصالح القومية للأمة ، فاتخذت التنظيمات والأحزاب والحركات السياسية بتسمياتها المختلفة شكلاً معبراً للخصوصيات الفرعية بدلاً من أن تكون نموذجاً معبراً للوحدة القومية الشاملة  فأصبح كل حزب يمثل بالاسم وبالعمل والسلوك خصوصية مذهبية معينة ويتخندق مع هذه الطائفة المذهبية ويتحلى بعاداتها وتقاليدها وأخلاقها بالضد من الطائفة المذهبية الأخرى ، وهذه الصورة للأحزاب ترسخت في عقول ونفوس وتفكير وشخصية أبناء أمتنا ، وبالنتيجة أصبحت القومية والثقافة القومية الحقيقية مجرد شعارات  تذكر وترفع في المناسبات وفي الصراعات والمناكفات والمهاترات للمتاجرة بها بين بعض القيادات على المناصب والمصالح والمنافع ، واصبحت بذلك القومية خارج إطار النهج والفكر والسلوك القومي السياسي لتلك الأحزاب والحركات إلا بالقدر الذي يخدم أجنداتها المصلحية الشخصية ، وبالتالي أصبحت هذه الأحزاب والحركات السياسية تحمل هوية الخصوصية الفرعية هوية المذهب بعينه سياسياً وعملياً وبحسب ما تقتضي المصالح الشخصية للمتنفذين من القائمين على قياداتها بدلاً من أن تحمل الهوية القومية للمجتمع القومي المنشود ، كما هو حالها اليوم التي أصبحت تجسد الولاء للخصوصيات الفرعية على حساب الولاء القومي ، وكرست حالة التمزق والتشرذم والتفكك وأعادت إنتاج الكراهيات والأحقاد القديمة التي كانت سائرة الى الأنقراض والزوال بحكم تطور ضرورات الحياة العصرية ونمو الوعي القومي قبل دخول الأمة الى عصر الأحزاب والحركات السياسية التجارية التي تتاجر بعض قياداتها بالمصالح القومية من دون أن تحقق شيئاً ملموساً على أرض الواقع لصالح الأمة وانتهى الأمر بهذه الأحزاب والحركات الى الركون والقبول بتسميتنا بالمكون المسيحي في مؤسسات الدولة الرسمية والحبل على الجرار كما يقال .

خوشــابا ســولاقا
بغداد في 7 / شباط / 2018 م
     

51
الأنتخابات والتحالفات بين الأحزاب العراقية ... هل هي تحالفات وطنية أم أنها تحالفات مصلحية ؟
خوشابا سولاقا
لغرض الخوض في تحليل ومناقشة هذا الموضوع كظاهرة سياسية مستهجنة بموضوعية وحيادية وبلغة بسيطة قريبة من ذهن من يعنيهم الأمر من الناس بشكل خاص ومباشر أي بمعنى فقراء جماهير الشعب ننطلق من هذا المثل العراقي الشعبي الذي يقول " السفينة التي تكثُر ملاحيها تغرق " ولكي لا نتجني على البعض ونظلم أحداً بجريرة غيره ، ولكي نفرز بين الغث والسمين وبين الرث والجيد الأصيل وبين السيء والأسوء وبين المرفوض والمقبول لا بد أن نكون منصفين وفي غاية الموضوعية في الطرح والتحليل والأستنتاج واستخلاص النتائج التي تلتقي مع الهدف العام ألا هو إنتاج برلمان وطني عراقي منتج لصالح الشعب والوطن وليس لصالح الشخص المنتخب لعضوية البرلمان .
بعد صدور قانون الأحزاب والتنظيمات السياسية من مجلس النواب العراقي تم تسجيل أكثر من 205 حزب سياسي وتم إجازتها من قبل وزارة العدل العراقية للعمل بشكل علني ، ومن ثم تم تسجيلها لدى المفوضية العليا المستقلة للأنتخابات لتصرح لها بالمشاركة في عملية الأنتخابات البرلمانية وانتخابات مجالس المحافظات والأقليم .
هذا التوسع الأفقي في عدد الأحزاب عندما ننظر إليه من الزاوية الديمقراطية وحرية الرأي وحقها في تمثيل الشعب نجده مبرراً ومقبولاً ويعكس قِمة الديمقراطية في التعبير عن الرأي وممارسة الحريات الشخصية ، ولكن عندما ننظر إليه من زاوية المصلحة الوطنية والمنطق العقلاني نجده على صورة أخرى مختلفة في الشكل والمضمون عن ما قلناه ولا يمكن تفسيره بغير أن يكون هذا التوسع في النهاية لا يعني غير كونه شكل من أشكال الفوضى السياسية العشوائية التي لا تمت بصلة الى الديمقراطية ولا الى المصالح الوطنية ، وبالتالي فإن كل ما نتمكن استنتاجه من هذا التوسع الأفقي هو أن قادة أغلب هذه الأحزاب مع احتراماتي للجميع يجدون في تنظيماتهم هذه وسيلة شرعية وقانونية لتحقيق مصالح ومكاسب شخصية ضيقة حتى وإن تحققت على حساب المصالح الوطنية العليا ، وبالتالي تَجُر هذه الأحزاب العملية الأنتخابية الى لعبة سياسية قذرة للمتاجرة بالمصلحة الوطنية من أجل مكاسب شخصية لقادة تلك الحزيبات المغمورة التي ظهرت فجأة بين ليلة وضحاها وملئت الدنيا بصخبها وهرجها وضجيجها وثرثرتها الفارغة . على أية حال فإن ظاهرة التوسع والتضخم في تعدد وكترة الأحزاب السياسية باسمائها الوطنية الرنانة كان الأمر غريباً وعجيباً ومضحكاً  وملفتاً للنظر حتى لعابر السبيل من بسطاء الناس الذي لا يمت بصلة لا من قريب ولا من بعيد الى لعبة السياسة والأنتخابات ، وبذلك بقي هذا التوسع موضَعْ استهجان واستخفاف وازدراء وتندر المواطنين من جهة ورفض وشجب القوى السياسية الرصينة والمعتبرة ذات التاريخ النضالي الوطني الطويل من جهة ثانية ، وتحديداً بسبب كون هذا التوسع العشوائي من صنع الأحزاب الدينية التي فشلت في إدارة الدولة فشلاً ذريعاً وأساءت التصرف بأموال الشعب بشكل فساد منظم ولذلك وبغرض الهروب من تحملها للمسؤولية لما حصل للعراق سعت الى تدوير نفاياتها لأعادة إنتاج حزيبات بعباءة جديدة تحمل نفس المضمون ولكنها بتسميات أخرى وطنية ومدنية وإصلاحية وليبرالية وديمقراطية !!! ... هذه هي اللعبة من وراء كل هذا التوسع الأفقي العشوائي والتضخم في عدد الحزيبات ، أي إعادة إنتاج القديم الرث والفاسد والفاشل بنفس المضمون ولكن بتسميات نمطية جديدة تتماشى مع ما يطرحه الشارع من شعارات في تطلعاته الوطنية المستقبلية حول الأصلاح السياسي الذي بات مطلباً وطنياً ضاغطاً وملحاً .     
منذ سقوط النظام البعثي الصدامي على يد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة سنة 2003 م وسقوط العراق في براثن الأحتلال الأجنبي كانت الأحزاب المهيمنة على السلطة لإدارة الدولة والبلد هي أحزاب الأسلام السياسي بمذهبيه وهي أحزاب ذات طبيعة وتوجهات طائفية مؤسسة على اعتماد سياسة الثأر والأنتقام كمنهجاً لها في الحكم بالنسبة للأحزاب العربية الشيعية والسنية ، وذات طبيعة وتوجهات قومية ودينية بالنسبة لأحزاب بقية المكونات العراقية من الكورد والتركمان والآشوريين وغيرهم ، وهذه الحالة المزرية التي قادت البلد الى ما هو عليه اليوم هو ما عكسه واقعها السياسي في الممارسة خلال السنوات المنصرمة ما بعد سقوط النظام السابق ، ومن أسوأ نتائج هذه السنوات العجاف التي فيها ذاق العراقيين الأمرين هي ولادة وليد العار " داعش " الأرهابي الذي سيطر على أكثر من 40 % من أرض العراق وشرد أكثر من خمسة ملايين إنسان من مناطق سكناهم وجعلهم يشحذون أبسط حاجاتهم الحياتية اليومية من دول الجوار ودول العالم الأخرى أي جعل شعب العراق لهذه المناطق يعيش المعاناة والمأساة الرهيبة .
بعد تحرير الأرض والانسان عسكرياً من طغيان داعش الأرهابي وقرب حلول موعد الأنتخابات البرلمانية والمحلية في بداية شهر أيار المقبل من هذا العام 2018 م وشعور أحزاب الأسلام السياسي في بغداد بفشلها وكونها تتحمل مسؤولية ما جرى للعراق بسبب سياستها الطائفية وأحساس الأحزاب القومية والأسلامية للأقليم بالفشل في السير بسفينة الأقليم الى بر الأمان وعلى خلفية الضغط الشعبي في الشارع ونمو وتوسع المطالبات بمكافحة الفساد وإجراء الأصلاح السياسي في بنية النظام السياسي القائم انفجرت الرغبة بالتغيير في بنية النظام السياسي القائم من جهة ، وفرضت الحاجة لغرض حماية مصالح ومكاسب تلك الأحزاب الفاشلة وقياداتها في بغداد وأربيل الى إعادة إنتاج ذاتها بواجهات جديدة مقبولة لدى جماهير الشعب المطالبة بالأصلاح الشامل ومكافحة الفساد والفاسدين من جهة أخرى ، فكانت النتيجة ولادة 80 % من هذه الأحزاب " القديمة – الجديدة " وتشكلت في تكتلات وتحالفات انتخابية عجيبة غريبة وبتسميات براقة في الديمقراطية والوطنية بعيدة بشعاراتها عن الطائفية السياسية والشوفينية القومية والدينية ، وهنا بدأت لعبة التحالفات لهذه الأحزاب كلٍ بحسب قواعد وقوانين لعبته على أساس ما تقتضيه المصالح الشخصية لقيادات تلك الأحزاب مع من تلتقي ومع من تتقاطع وليس على أساس مشتركات المصلحة الوطنية كما ينبغي أن تكون وكما هو الحال في كل بلدان العالم المتحضر التي تتخذ من النهج الديمقراطي سبيلاً لها للعمل الوطني المشترك .
                                            لماذا التحالفات ؟
كما هو معروف على مستوى القوى السياسية من أحزاب وحركات وتنظيمات سياسية بكل أشكالها وتسمياتها وعلى مستوى الشارع جماهيرياً أنه ليس هناك تنظيم أو حزب سياسي قادر لوحده من الفوز بالأغلبية من مقاعد البرلمان لكي يتمكن من تشكيل الحكومة لوحده دون تحالفه ومشاركته مع الآخرين لضمان الأغلبية العددية المطلوبة لتمرير مشاريع القوانين التي يقوم بطرحها لتنفيذ برنامجه الأنتخابي للتصويت عليها في جلسات البرلمان أو اسقاط أي مشروع قانون يطرح من قبل الآخرين لا يريده أن يمر لذلك باتت الحاجة الى التحالفات ملحة ومفروضة لا بد منها ، وهذا أمر مشروع تقتضية المصلحة الوطنية والواجب الوطني لا غبار عليه على الأطلاق ، ولكن التحالف مع من يكون ؟ بين من ومن ؟ وعلى أي أساس يتم ؟ ، هنا هو الهدف والمأزق في آنٍ واحد .
من المفروض أن يكون لجميع الأحزاب ثوابت مبدئية وطنية وقومية وطبقية ولها نظرية فكرية تهتدي وتسترشد بها لتصوغ برنامجها وخطابها السياسي واستراتيجيتها وتكتيكها على هدى ذلك لتحقيق ما تصبو إليه من أهداف على مختلف الأصعدة .
على ضوء هذا الطرح يجب أن تكون التحالفات لكي تكون مثمرة ومنتجة لصالح البرنامج الوطني المشترك والمجمع عليه ضمناً بين الأحزاب التي تتماثل وتتشابه في البرامج السياسية المطروحة وتتقارب في استراتيجياتها وفي رؤآها الفكرية لكي تختزل احتمالات التقاطع في تكتيكات وأساليب وادوات العمل الوطني المشترك مستقبلاً ، وليس أن تكون بين أحزاب متخالفة ومتعارضة في برامجها السياسية وطروحاتها الفكرية الى حد التعارض والتقاطع .
أما ما جرى من تحالفات بين القوى والأحزاب السياسية في العراق فهي في أغلبها ليست من ذلك القبيل من التحالفات التي تؤمن التماثل الفكري والتوافق في المشتركات الوطنية وفق الأسس المذكورة بل جرت وفق أنتماءآت مذهبية ومناطقية ومصالح شخصية لقياداتها الأنتهازية التي تحلم بعضوية البرلمان لجني مكاسب وامتيازات شخصية حتى وإن كانت على حساب المصلحة الوطنية .
هذا النمط من التحالفات الأنتهازية الذي اعتمدته أغلب الأحزاب السياسية لكل مكونات الشعب بغض النظر عن حجمها السكاني هو الذي قاد العراق بذريعة بناء الديمقراطية التوافقية المقيتة في إطار نظام المحاصصة الطائفية السياسية والأثنية الشوفينة المفرق والمفكك لتماسك الوحدة الوطنية الى ما هو عليه من خراب ودمار وتفكك نسيجه الاجتماعي ومصادرة استقلالية قراره السياسي وتبعيته بشكل أو بآخر الى الإرادات الأقليمية والدولية وزرع في جسده سرطان الفساد لينخر به نخراً ... وعليه ولغرض تجاوز هذا الواقع اللاوطني المزري بكل مساوئه وأمراضه يتطلب الأمر الى إعادة النظر بأسس التحالفات الأنتخابية بين الكيانات السياسية لأن تكون وفق البرامج السياسية لأطرافها وليس وفق مقتضيات مصالح قادتها بغرض انتاج برلمان صحي قادر لتقييم وتقويم وتصحيح مسارات العملية السياسية الجارية برمتها من ألفها الى يائها لتحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية والخروج في النهاية من هذا المأزق ، وإلا فإن مسيرة العراق ستجري باتجاه من السيء الى الأسوأ في كل مفاصلها .

خوشـــابا ســـولاقا
بغداد في 26 / ك2 / 2018 م   
         



52
لكي لا ننسى...
المسألة القومية وحركات التحرر القومي
خوشابا سولاقا
لكي نعرف ما هي المسالة القومية ، نشأتها وإتجاهاتها العامة وطابعها التحرري وما هي السبل الناجعة للتصدي لها وحلها بالتالي حلاً جذرياً دائمياً شاملاً ، لا بد لنا أن نعرف وبوضوح تام ما قد سبق ظهور الحركات التحررية القومية ، وما هي ميزاتها السياسية واتجاهاتها الرئيسية وطابعها ، وقد انطلق الفكر الثوري التقدمي في تحليل جوهر وطابع وميزات واتجاهات الحركات القومية التحررية من واقع الظروف الذاتية والموضوعية التاريخية الملموسة لها ، والتي تكونت ونشأت فيها هذه الحركات بطابعها ومحتواها الطبقي . يتجلى طابع هذه الحركات بطرق متنوعة في مراحل شتى من تطور المجتمع التاريخي ، وبذلك نشأت الحركات القومية التحررية في العصر الذي بدأت فيه المرحلة الأقطاعية بالضمور والزوال ، وبزوغ عصر الرأسمالية البرجوازية بالنشوء أي مرحلة تكوين الأمم الموحدة في دولة واحدة ، وتدفع عملية تصفية إرث التجزأة الاقطائية للنظام الاجتماعي الاقطاعي المبني على مجموعة إقطاعيات الشبه مستقلة الى تطور الانتاج الرأسمالي البرجوازي ثم الى نشوء الدول القومية الوطنية الموحدة المستقلة على أنقاض وحطام الدويلات أو الأمارات الاقطاعية المنهارة . في هذه المرحلة من تطور التاريخ البشري بالذات وتحت وطأة هذه الظروف الذاتية والموضوعية الناضجة تلعب الحركات القومية للشعوب المتطلعة الى الحرية والتحرر والانعتاق القومي دوراً تقدمياً رائداً في تطور المجتمع وتوحيد أفراده في أمة واحدة ، سواءً كانت هذه الأمة احادية القومية أو متعددة القوميات والاثنيات .. في هذه المرحلة التاريخية من حياة الأمم تدعو العوامل الأقتصادية الأساسية بالحاح الى مثل هذا النشوء للدول القومية الوطنية المستقلة . لهذا السبب وغيره من الأسباب فإن نشوء الدولة القومية الوطنية هي ظاهرة عادية وطبيعية أقتضتها ضرورة مرحلة نشوء وتصاعد البرجوازية الوطنية الرأسمالية ، أي بمعنى أن ظهور الدولة القومية الوطنية رافق ظهور وسيادة النظام الرأسمالي البرجوازي وإنهيار النظام الاقطاعي ، أي أن الدولة القومية الوطنية ولدت من رحم النظام الرأسمالي البرجوازي . في أوربا ظهرت الدول القومية الوطنية البرجوازية المستقلة مثل إنكلترة وفرنسا والمانيا وإيطاليا وغيرها من الدول . وقد شهد التاريخ أيضاً نشوء وولادة أمم في إطار الدول المتعددة القوميات والأثنيات في الجانب الشرقي من أوربا مثل روسيا القيصرية والدولة العثمانية . وباشرت فيما بعد مجموعة من الشعوب المحكومة بتأسيس أمم خاصة بها في قلب الدولة المتعددة القوميات ، وتوجهت الأمم التي هي في طور التكوين الى السعي لأنشاء دول قومية مستقلة خاصة بها ، ولكنها إصطدمت في محاولاتها وتطلعاتها المشروعة هذه بمقاومة الطبقات الحاكمة في الأمة " السيدة " التي تسيطر على أرض البلاد بمجملها . وتشكل المسألة القومية في الأمم المتعددة القوميات والاثنيات في مرحلة الرأسمالية البرجوازية " مسألة داخلية " ، ولكن بعد تطور الرأسمالية البرجوازية وإنتقالها الى مرحلة الأمبريالية تحولت الدول القومية البرجوازية الى أمم متعددة القوميات بعد أن سيطرت على أراضي أجنبية لأمم أخرى وجعلتها جزء من دولها ، وبذلك تحولت الرأسمالية من محررة للأمم المظلومة في نضالها ضد النظام الأقطاعي الى أشرس مضطهَد للأمم المستضعفة في مرحلة الأمبريالية . بسبب هذا التطور النوعي والكمي في شكل وطبيعة النظام الرأسمالي الأمبريالي وقعت بلدان عديدة ضحية للاستعمار ، وحتى قارات بكاملها وقعت تحت نير الاستعمار الأجنبي ومثالاً على ذلك كما قيل عن بريطانيا بأنها الأمبراطورية التي لا يغيب عنها الشمس بسبب توسع رقعتها الجغرافية عبر القارات وما وراء البحار ، وعندئذ أصبحت المسألة القومية " مسألة حقوق ومصير " ليس فقط للأقليات القومية فحسب بل لأكثرية البشرية التي إستعبدتها الأمبراطوريات الاستعمارية الكبرى بالقوة الغاشمة بكل أشكالها العسكرية والثقافية والاقتصادية والتكنولوجية والحيلة والهيمنة الكاملة على كل مقدراتها ومصادرة إرادتها وحريتها وقرارها المستقل . في هذه المرحلة من تطور الرأسمالية تعني " الأمبريالية " التي هي أعلى مراحل الرأسمالية أن الرأسمال قد تخطى حدود الدولة القومية الوطنية وأصبح الأضطهاد والقهر القومي يتفاقم ويتعاظم وفق قاعدة تاريخية جديدة ألا وهي " الرأسمال المالي " وأصبح ذلك السمة المميزة والمرافقة لهذه المرحلة التاريخية ، مرحلة الأمبريالية من تطور النظام البرجوازي الرأسمالي ، وقد اصبح نظام تقسيم الأمم بين أمم " مضطهِدة " وأخرى " مضطهَدة " هو جوهر الأمبريالية بحد ذاتها ، وقد تميز العصر الأمبريالي باستعباد استعماري مالي مارسته أقلية ضئيلة من الدول الأمبريالية المتطورة بحق الأكثرية الساحقة من شعوب الأرض مخالفة في ذلك كل معايير حقوق الإنسان .
بسبب الأضطهاد والقهر القومي أتخذ النضال القومي لحركات التحرر القومية للشعوب المضطهدة والمقهورة في البلدان المستعمَرة والتابعة طابعاً ثورياً وأهمية عالمية في عصر الأمبريالية ولم تعد " المسألة القومية " بعد " مشكلة داخلية " بحتة كما كانت توصف في مرحلة  الرأسمالية البرجوازية بالنسبة للدول المتعددة القوميات . هكذا يتحول نضال حركات التحرر القومي والوطني الى نضال ضد الأمبريالية يخوضه الشعب بكامله بكل قومياته وتنوعاته الاثنية والدينية والمذهبية .
إن الأضطهاد والقهر القومي المزمن الذي تمارسه القوى الأمبريالية العالمية بحق القوميات المستضعفة والمتخلفة لا يثير في قلب جماهيرها الشعبية الكادحة إلا المزيد من الحقد الثوري ضدها وعدم الثقة بالأمم المضطهِدة ويشتد الحقد الثوري وعدم الثقة والريبة بين الجماهير المقهورة ضد مضطهديها الأمبرياليين عندما تخون شرائح الأشتراكية الديمقراطية الوطنية مصالح الطبقات الكادحة من شعوبها وتظهر نفسها بمظهر الخادم الأمين لبرجوازيتها الأمبريالية الوطنية بتأييدها حق هذه الدول – الدول الأمبريالية الأجنبية – في اضطهاد شعوب المستعمَرات والبلدان التابعة .
من خلال دراسة المسألة القومية بكل أبعادها السياسية والاجتماعية وتحليل طابع الحركات القومية الوطنية نجد أن لطابع هذه الحركات قانون الاتجاهين المتضادين ، في مرحلة الراسمالية يبيح معرفة هذا القانون الموضوعي معرفة المسألة القومية في مختلف مراحل تطورها ، حيث يعبر عن الأتجاه الأول في هذا القانون من خلال وعي الحركات القومية وإندفاعها ومن ثم النضال ضد الأضطهاد والقهر القومي في سبيل خلق الدولة القومية المستقلة ، ويتميز الاتجاه الثاني من القانون بتطور العلاقات الاقتصادية وغيرها بين الأمم وبرفع الحواجز فيما بينها . ويشكل هذان الاتجاهان قانون الراسمالية العالمي فيسود الأول في بداية تطور الرأسمالية والثاني في مرحلة الأمبريالية ، والأثنان تقدميان بمعناهما التاريخي في العصر الذي تتكون فيه وسائل الأنتاج الرأسمالية حيث يبدأ النضال ضد الأقطاعية ، فتكوين الأمم والدول القومية ووعي حركات التحرر القومي والوطني تعبر كلها موضوعياً عن حاجة عملية للتطور الاجتماعي ، ولا يزول الاتجاه الأول في ظروف الرأسمالية الاحتكارية بل يظهر بقوة جديدة في توق شعوب البلدان المسعمَرة والتابعة الى التخلص من نير الأمبريالية لكي تكوَّن دولها القومية المستقلة الخاصة بها ، ويتركز الاتجاه الثاني بتوحيد مختلف الأمم والشعوب ضمن علاقات التقسيم العالمي للعمل وبعلاقات التبادل المتكافئ في كل الميادين .
الطابع العلمي للمسألة القومية   
نعني ما نعنيه بموضوع المسألة القومية بمفهومها العلمي تصفية الاضطهاد والقهر القومي ، أي مسالة تحرر الشعوب من النير والظلم الأمبريالي أو اي شكل من اشكال إستغلال الأنسان لأخيه الأنسان وإقامة مجتمع الكفاية والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات دون ربط ذلك بالجنس والعرق واللون وأن يسود المجتمع التعاون الأخوي والانساني بين القوميات والشعوب ، وقد عالجوا مفكري الماركسية نظرياً (( لا أقول عملياً كما كان الحال في دول حلف وارشو )) هذا الموضوع أي المسألة القومية بدقة علمية ووضعوا فيها النقاط على الحروف أكثر من غيرهم من المفكرين من الأتجاهات والمدارس الفكرية الأخرى في عصر ظهور الدول القومية الوطنية وعصر إنبعاث القوميات وإنعتاقها من تحت أنقاض وركام المظالم في عصرالاقطاعية  ، وقد عالجوا مفكري الماركسية مسألة النضال القومي للشعوب من وجهة نظر تاريخية ، فأبرزوا العلاقة التي لا تنفصم ما بين المسائل القومية والاجتماعية وبرهنوا على أن الأضطهاد والقمع والأعتداءات القومية أنتجتها التناقضات الاجتماعية الموجودة في صلب النظام الراسمالي وسيادة الطبقة البرجوازية ، أو أي شكل آخر لنظام سياسي قائم ويؤمن بنظرية التفوق العِرقي والاستعلاء القومي ذات التوجه العنصري الشوفيني كما هو الحال في بلدان الشرق العربي  والأسلامي ، حيث عانت الأقليات القومية والدينية فيها أشد أنواع الأضطهاد والقهر والتمييز القومي والديني وما زالت تعاني الى يومنا هذا والعراق اليوم خير مثال على ما نقول .
وقد أشاروا مؤسسوا الماركسية الى حقيقة ألا وهي ان المسألة الرئيسية في حل المسألة القومية للقوميات ليست تلك التي تتعلق بالأمة التي يشكلون جزء منها بل هي تلك التي تتعلق بمجتمعهم القومي ، أي بمسألة التحول الاجتماعي الثوري للمجتمع وتأسيس نظام سياسي لا يظلم فيه إنسان إنسان آخر بسبب العِرق واللون والجنس ، ويخلو بالتالي من كل أشكال الأضطهاد والقهر والأجحاف والتمييز القومي كما ورد ذلك في البيان الشيوعي وغيره من وثائق الماركسية التي تقول " اقضوا على إستثمار الإنسان للإنسان تقضون على إستثمار أمة لأمة أخرى "  " ويوم يزول تناحر الطبقات الاجتماعية داخل الأمة تزول معه العداواة بين الأمم " وقد عبروا مفكري الماركسية أيضاً عن العلاقة الجدلية بين ما هو قومي وما هو وطني وبين ما هو أممي من خلال هذه المقولة التاريخية الرصينة والتي لا غبار عليها وتدل على مدى عمق الفهم الإنساني لجوهر المسألة القومية متى ما  وأينما وكيفما كانت " إن شعباً يضطهَد شعوباً أخرى لا يمكن له أن يكون شعباً حراً ، وإن الأمة المظلومة لا يمكن لها ان تكون أمة ظالمة " . ولتحقيق كل هذا ووضعه موضع التطبيق العملي على ارض الواقع يتطلب من الشعوب التي تنشد الحرية نضالاً دؤوباً مستمراً وبشتى الوسائل المتاحة واستثمار كل الطاقات وعلى كافة المستويات ضد كل أشكال استثمار واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان وشعب لشعب وضد كل أشكال الانكماش والانزواء التقوقع  القومي ، وكذلك ضد امتيازات أمة على حساب أمة أخرى لكي يحصل التحرر القومي الناجز ويتساوى أبناء البشرية في هذا الكوكب وبعكسه تكون الحروب بكل أطرها الوطنية والأقليمية والقارية والعالمية بسبب تصارع المصالح الاقتصادية هي المصير المحتم للأمم وشعوب الأرض وقد تكون نتائجها وخيمة تقود البشرية الى الفناء إذا ما استخدمت أسلحة الدمار الشامل وعندها سوف تتحقق مقولة العالم الفيزيائي العبقري الكبير ألبرت أينشتاين حينما سؤل ماذا ستكون بتقديركم الأسلحة التي سوف تستخدم خلال الحرب العالمية الثالثة فأجاب لا اعرف ماذا ستكون تلك الأسلحة بل سأجيبكم عن الأسلحة التي سوف تستعمل في الحرب العالمية الرابعة ستكون " العصي والحجارة " . فالحالة التي تشمل بلدنا العراق المتعدد القوميات والأديان والمذاهب لحل المسألة القومية فيه ضمن إطار الدولة الوطنية الموحدة هي توجيه النضال القومي والوطني وتكثيف الجهود لكل المكونات من أجل بناء الدولة المدنية الديمقراطية دولة القانون والمؤسسات الدستورية تكون فيها السيادة للقانون وحده ويتم تناوب السلطة سلمياً من خلال صناديق الأقتراع ويتساوى فيها الجميع أمام القانون في الحقوق والواجبات وأن يكون فيها ولاء المواطن للهوية الوطنية وليس للهوية الخصوصية الفرعية


خوشــابا سـتولاقا
15 / ت 1 / 2013


53
          لكي لا ننسى .... 
العلاقة بين الديمقراطية والمركزية في العمل السياسي

خوشــا با ســولاقا

إن مفهومي الديمقراطية والمركزية مفهومين سياسيين وفلسفيين يُعتمدان في أي عمل سياسي منظم سواءً كان ذلك العمل على مستوى التنظيمات والأحزاب السياسية أو على مستوى الإدارة السياسية لشؤون الدولة ، وذلك من خلال إعتماد آليات تجعل فعلهما مترابط ومتكامل لبعضهما البعض ويكونا متداخلين أحياناً ومتعارضين بنسب متفاوتة أحياناً أخرى حسب متطلبات تكتيك تحقيق الأهداف المرحلية الإستراتيجية للعمل السياسي ، ولكن في كل الأحوال وفي كل الظروف أن فعل أحداهما يكون إمتداداً وتكاملاً لفعل الآخر ولا يلغيان بعضهما البعض في أي حال من الأحوال بشكل مطلق ، ولكن يتعايشان في حالة من المد والجزر وفقاً للظروف الذاتية والموضوعية المحيطة . 
الديمقراطية : في حالة إعتماد الممارسة الديمقراطية كنهج في العمل السياسي يعني بالضرورة الأنفتاح على أوسع قاعدة ممكنة من الأفراد من ذوي العلاقة من المنخرطين في العمل سواءً كان ذلك في التنظيم السياسي أو في ادارة شؤون الدولة لغرض مشاركة رأي الأكثرية في بلورة وصنع القرار الأستراتيجي الذي يحدد الإطار العام وأهداف وآليات العمل عبر حوار ومناقشات للأراء المتعددة والمختلفة في مضامينها ومن دون تهميش وإقصاء وإلغاء أي رأي من الأراء  من أجل الوصول في النهاية الى الرأي المشترك الجامع والسديد . في ظل هذه الممارسة التي يكاد أن تكون فيها ممارسة المركزية في صنع القرار قد وصلت الى مستواها الأدنى ، ويكاد أن يكون فعلها المؤثر في صنع القرار الأستراتيجي قد تلاشى وإنصهر في بوتقة وحدة الرأي الجامع للأكثرية .   

المركزية : بشكل عام في حالة إعتماد الممارسة المركزية كنهج في العمل السياسي يعني تركيز أو حصر الصلاحيات والسلطة أي سلطة القرار بحلقة ضيقة من القيادات من المقربين لقِمة الهرم في التنظيم السياسي أو بالرأس الأعلى في إدارة شؤون الدولة ، وقد تحصر الصلاحيات والسلطة والقرار أحياناً بشخص واحد ، وهذا يكون أسوء ما في السلطة والأدارة المركزية لأن هذه الظاهرة المقيتة تنتهي طبيعياً بظهور الديكتاتورية الاستبدادية التي تلغي الديمقراطية عملياً ولا يبقى لها أي مظهر من المظاهر في الحياة الحزبية أو في الأدارة السياسية للدولة من حيث الممارسة العملية في سياقات العمل المعتمدة . 
تتعايش ممارسة الديمقراطية والمركزية معاً في الحياة السياسية العملية الحزبية والادارية في حالة من المد والجزر وفقاً لمستوى نضج الوعي الثقافي والقانوني والسياسي للأفراد المنخرطين في العمل والمتواجدين في الساحة المعنية . فعندما يكون مستوى نضج الوعي الثقافي للأفراد عالياً تكون هناك استجابة لروح متطلبات تطبيق القانون في الحياة عالية المستوى أيضاً كماً ونوعاً ، وعندها سوف يكون هناك مداً كبيراً لصالح الممارسة الديمقراطية ، ويكون هناك بالمقابل جزراً كبيراً يقوض من فعل ممارسة المركزية الصارمة ، وعندما يكون مستوى نضج الوعي الثقافي للأفراد متدنياً يكون مستوى الأستجابة لروح تطبيق القانون في الحياة السياسية متدنياً أيضاً كماً ونوعاً ، وعندها يحصل جزرا كبيراً في فعل الممارسة الديمقراطية على حساب مداً كبيراً في فعل الممارسة المركزية الصارمة في الساحة السياسية من أجل ضبط الأوضاع المنفلتة على أرض الواقع ومحاولة إبقائها في إطارها المحدد والمقبول على الأقل بحدوده الدنيا في حدود القانون . وهكذا يبقى قانون فعل هذان المفهومان في الحياة السياسية الحزبية أو في إدارة شؤون الدولة مرتبط إرتباطاً عضوياً وثيقاً في علاقة جدلية تكاملية بمستوى نضج الوعي الثقافي الجمعي للأفراد المنخرطين في العمل في الساحة المعنية أيضاً في حالة المد والجزر . هنالك حالات وسطية بين المد الكامل والجزر الكامل لهذان المفهومان ، حيث يكون هناك مَداً مُحدداً في مجالات معينة لتطبيق الممارسة الديمقراطية ويقابله جزراً محدداً في ذات الوقت لتطبيق الممارسة المركزية ، وحالات أخرى على العكس من ذلك تماماً ، وهناك حالات يحصل فيها توازي أو توازن بين الحالتين . السياسي الناجح والبارع ورجل الدولة الناجح والبارع هو الذي يتمكن من تشخيص دور وقوة الظروف الذاتية والموضوعية وحجم الأمكانيات المتاحة وتحديد الزمان والمكان المناسبان وتحديد إتجاه القوى الفاعلة في الأحداث على أرض الواقع ، وبالتالي يتمكن من تحديد ورسم الحدود الفاصلة بين ممارسة الديمقراطية والمركزية على خارطة ساحة العمل السياسي لغرض التمكن من التحكم العقلاني بتوجيه دفة تسيير العملية السياسية في التنظيم السياسي أو في الأدارة السياسية للدولة بشكل سليم وفق متطلبات تنفيذ القرار الأستراتيجي وتحقيق الأهداف المرسومة ، حيث يتمكن من خلال هذه الرؤية أن يجعل من الديمقراطية كابحاً قوياً للمركزية الصارمة لمنع ظهور الديكتاتورية الأستبدادية للفرد القائد للحزب أو للدولة ، وأن يجعل من المركزية الايجابية كابحاً للديمقراطية العبثية المنفلته لمنع ظهور نظام الفوضى والجريمة للغوغاء . هكذا نرى أن متطلبات تطبيق الديمقراطية الايجابية أو تطبيق المركزية الايجابية كنهج في ساحة العمل تتغير وفقاً لتغير متطلبات الحياة في الساحة ، ويتبعها أيضاً تَغَير في آليات العمل وسياقاته المعتمدة لأجل إبقاء عملية الأصلاح والتطوير في البنى الاجتماعية والأقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها في المجتمع في مسارها الصحيح والمحدد سلفاً في القرار الأستراتيجي للتنظيم السياسي أو لأدارة الدولة ، وبعكسه سوف يصيب العمل برمته بالفشل المحتم . عليه فإن تغليب الممارسة الديمقراطية على ممارسة المركزية بشكل مطلق في العمل السياسي أي كان العمل يؤدي الى إشاعة الحرية الفردية المفرطة والمنفلتة والتي في ظلها يكون المناخ مهيئاً وخصباً لظهور الجريمة الأجتماعية بكل أشكالها بما فيها الجريمة المنظمة من خلال عصابات المافية والفساد المالي والأداري في أجهزة التنظيم السياسي أو في أجهزة الدولة ، وهذا بحد ذاته يشكل خطراً يهدد أمن المجتمع واستقراره وخصوصاً في المجتمعات ذات المستوى الثقافي والوعي الأجتماعي الجمعي المتدني أو المتوسط . وعليه في هذه الحالة يكون لوجود مركزية بمستوى معين ومسيطر عليه ضرورة اجتماعية حتمية للمحافظة على التوازن الأمني والسلم الأهلي الاجتماعي في المجتمع ، ففي مثل هذه الحالة وفي ظل هكذا ظروف يكون تعايش الديمقراطية والمركزية على ساحة واحدة أمراً محتماً وضرورياً يفرضه واقع الحال للحياة .. أما في حالة تغليب الممارسة المركزية الصارمة تحت طائلة أي ظرف من الظروف السياسية والاجتماعية فإن ذلك يؤدي الى تركيز وتمركز السلطة في يد فئة قليلة في قيادة التنظيم السياسي المعين على مستوى الحزب أو في قيادة الدولة إن كان ذلك على مستوى الإدارةالسياسية للدولة ، وبالتالي يشكل ذلك تمهيداً لتشكيل سلطة وإدارة ديكتاتورية الفرد الواحد سواءً كان ذلك على مستوى رئيس أو الأمين العام للتنظيم السياسي ، أو على مستوى رئيس الدولة ، وظهور الديكتاتورية يعني إطلاق رصاصة الرحمة على جسد الديمقراطية وبالتالي القضاء على حرية الفرد وكبت الرأي الحر وكم الأفواه ومصادرة الأرادة الحرة لأفراد المجتمع وإقامة مجتمع الرعب والخوف والأرهاب والملاحقات السياسية والتصفيات الجسدية للخصوم والفقر والعوز والجريمة وإثراء الأقلية القليلة المسلطة من القيادة على حساب إفقار الأغلبية الساحقة من الشعب وزيادة بؤسها والأمعان في إذلالها بلقمة عيشها مستغلة لسلطتها في إدارة الدولة لنهب وسرقة المال العام في ظل غياب المؤسسات الدستورية الممثلة لسلطة الشعب في الرقابة والمحاسبة والتي من المفروض أن تلاحق وتحاسب الحكومة في إدارة الدولة على كل خروقاتها وتجاوزاتها للقانون وحقوق الشعب ، ونفس الأمور تحصل داخل التنظيمات والأحزاب السياسية ذات الفكر والتوجهات الشمولية التي تُغلب مبدأ ممارسة المركزية الصارمة على مبدأ ممارسة الديمقراطية في عملها التنظيمي كما كان الحال في حزب البعث العربي الأشتراكي في العراق سابقاً وغيره من الأحزاب في بقية الدول العربية وكما كان الحال أيضاً في الأحزاب الشيوعية والأشتراكية في المعسكر الأشتراكي حيث كانت ظاهرة عبادة الفرد سائدة بقوة في قياداتها ، وبالمقابل كانت الممارسة الديمقراطية مغيبة كلياً عن حياة تلك الأحزاب وأنظمتها السياسية في إدارة بلدانها .
وخلاصة القول أن ممارسة الديمقراطية المطلقة والمركزية الصارمة مرفوضتان كنظام لتسيير التنظيم السياسي وإدارة الدولة لأنهما تخلقان مجتمعات لا يتوفر فيها الأمن والآمان والسلم الأهلي والحرية الفردية الايجابية وبالتالي الرخاء الأقتصادي والرفاه الاجتماعي والعيش الرغيد للمحتمع . إن المطلوب والمقبول إجتماعياً وإنسانياً هو أن تتعايش الديمقراطية والمركزية معاً بشكل متوازن بينهما مد وجزر حسب متطلبات تأمين الحرية الفردية الايجابية للإنسان وغياب الجريمة بكل أشكالها وحماية حقوق الإنسان وتأمين الرخاء الأقتصادي والرفاه الاجتماعي للمجتمع بكل مكوناته وطبقاته وشرائحه المختلفة ، وأن تكون السلطة كل السلطة والسيادة للقانون بمؤسساته الدستورية وحده دون سواه . إن الأفراط في توسيع مساحة الممارسة الديمقراطية في ظل ضعف نضوج الوعي السياسي المجتمعي للمسؤولية تجاه الآخر ، وضعف الثقافة الديمقراطية على حساب التضييق على ممارسة المركزية يعتبر تطرف وإنه امر لا يخدم المجتمع والإنسان ، حيث يصبح الإنسان في ظل هذه الحالة كائن عبثي لا يعي نتائج سلوكه وعمله ولا يُقيم للأخلاق والسلوكيات الإنسانية أية غعتبار ولا يعطيها أية قيمة حضارية تمدنية ، حيث يصبح القتل والجريمة أعمال وسلوكيات مشاعة ومباحة وتصبح سمات للمجتمع الذي تسود فيه هكذا شكل من الممارسة الديمقراطية العبثية والسلبية في نتائجها النهائية ، حيث يكون المجتمع مجتمع تحكمه شريعة الغابة ، أي مجتمع كما يقول المثل المتداول " حارة كلمن إيدو الو " .
وإن الافراط في ممارسة مركزية السلطة والقرار على حساب الأسترشاد والألتزام بقواعد ومبادئ الديمقراطية في العمل يعتبر تطرف أيضاً في منح الثقة والسلطة والصلاحيات لمن يسيء إستخدامها بتعسف ، وعندها تكون هذه الممارسة التعسفية للمركزية أمر مرفوض لا يخدم هو الآخر المجتمع والإنسان لأن ذلك يؤدي حتماً الى ظهور الديكتاتورية الأستبدادية التي يتحول في ظلها الإنسان الحر الى عبد مطيع مسلوب الإرادة وفاقداً لإنسانيته ، والحياة الحرة الكريمة تتحول الى حياة القهر والعبودية يضطر فيها الإنسان تحت طائلة الحاجة لأن يتاجر بإنسانيته التي تعتبر أغلى قيمة في الوجود وأثمن رأسمال على الاطلاق . على ضوء ما تم عرضه إن المطلوب المقبول كما قلنا هو المجتمع المتوازن الذي فيه تتعايش الديمقراطية الايجابية المعتدلة والمركزية المعتدلة وفق الآلية التي تخلق التوازن الاجتماعي وتمنع ظهور سلطة الفوضى والغوغاء وسلطة الديكتاتورية الاستبدادية للفرد وتعطي ما هو ايجابي ومفيد لتقدم وتطور المجتمع والإنسان معاً .

خوشــابا ســولاقا
13 / ت 2 / 2013


54
ظاهرة الفساد في دولة العراق
خوشابا سولاقا
الفساد المالي والأداري كظاهرة اجتماعية مرفوضة قانونياً وأخلاقياً كانت وما زالت موجودة منذ الأزل عبر التاريخ في كل بلدان ومجتمعات العالم منذ أن نشأت مؤسسة الدولة بأبسط أشكالها كمؤسسة خدمية والى ما هو علية اليوم إلا أنها تختلف بحجمها  وشكلها من بلد الى آخر بحسب قوة سلطة الدولة والقانون في مكافحة هذه الظاهرة واستئصالها ، فكلما ضَعَفتْ قوة الدولة وسلطتها القانونية توسعت واستفحلت هذه الظاهرة وكلما قَوَتْ سلطة الدولة والقانون وزادَ عزمها انحصرت وتقلصت ظاهرة الفساد ، والفساد شكل من أشكال الأرهاب وهما صنوان ووجهان لعملة واحدة لا انفصام بينهما .
فإذا كانت هذه الظاهرة تنحصر في فساد فرد مسؤول في أي موقع كان من مستويات المسؤولية في الدولة أو موظف صغير في اجهزتها  ممن يرتضى لنفسه أن يخون الأمانة والمسؤولية الوظيفية لأسبابه الشخصية الخاصة أو في مجموعة أشخاص فعندها تُعتبر ظاهرة الفساد ظاهرة فردية وهي بالتالي لا تشكل خطراً كبيراً على مصلحة الدولة والشعب والوطن ، ولكن عندما تكون هذه الظاهرة ظاهرة فساد البنى التحتية للنظام السياسي الحاكم في البلاد فعندها تكون بطبيعتها وفعلها كطبيعة وفعل المرض العُضال الذي يفتك بجسد الانسان حيث أنها تفتك وتنخر بجسد الدولة والمجتمع يصعب معالجتها بالطرق التقليدية إلا من خلال استئصالها بعملية جراحية ، ويأخذ الفساد في مثل هذه الحالة شكلان على أرض الواقع وكما يلي :-
أولاً : الفساد المشرعن
الذي يمارس عبر القوانين والتعليمات التي تُشرعها وتُصدرها الطبقة السياسية الحاكمة الفاسدة من خلال تحديد سقف عالي غير منطقي وغير عقلاني للرواتب والأمتيازات والمنح التي تُمنح للمسؤولين من الدرجات الخاصة في مؤسسات الدولة وللبطانة من الذين يتم حشرهم في مكاتب هذه الدرجات بعناوين مختلفة خلافاً للقانون من المقربين والموالين بأعداد كبيرة دون حاجة العمل الفعلية الى خدماتهم حيث تتجاوز رواتب هؤلاء أضعاف مضاعفة على ما يمنح لموظفي الدرجة الأولى بأعلى المستويات في سلم الرواتب ، هذا النوع من الفساد يرهق كاحل ميزانية الدولة من دون مقابل ، وهذا النوع من الفساد نراه شائعاً في البلدان ذات الأنظمة الشمولية الديكتاتورية والبلدان غير المستقرة سياسياً وأمنياً وإدارياً والعراق من بين تلك البلدان حيث يعم فيه هذا النوع من الفساد بشكل واسع وملفت للنظر .
ثانياً : فساد سرقات أموال الدولة واستغلال ممتلكاتها بطرق شتى من خلال توجيه ورعاية المفسدين من كبار المسؤولين في سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية وذلك من خلال استغلال المفسدين للفاسدين من الخط الثاني في إدارات مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية ممن يرتضي لنفسه أن يكون أداة طيعة بيد المفسدين مقابل فتات موائدهم ، وهؤلاء ينفذون ما يقرره ويخططه المفسدين الكبار على  رأس هرم المؤسسات ( الرئيس الأعلى ) مقابل عُمولات بنسب عالية عبر إعلان المناقصات لتنفيذ المشاريع الأستثمارية والخدمية والأحالات التجارية لأستيراد مستلزمات السوق المحلي من معدادات وأسلحة وأجهزة وكماليات ومواد غذائية وغيرها هذا من جهة ، ومن جهة أخرى من خلال سرقة المواطنين بفرض الرشاوي عليهم تدفع لموظفي الدولة مقابل ترويج وإنجاز معاملاتهم الرسمية ... هذا النوع من الفساد عندما يعم مؤسسات الدولة تصبح الدولة بأموالها وممتلكاتها أسيرة ورهينة لحيتان الفساد وتصبح عملية محاربة الفساد والقضاء عليه عملية صعبة للغاية إن لم نقُل شبه مستحيلة لأن طبيعة القوانين والتعليمات النافذة والمتحكم بها من قبل المفسدين الكبار تصبح هي العائق المعرقل تُحجم أي إجراء قانوني بحق المفسدين والفاسدين بحكم الضغوطات والتهديدات بالتصفية الجسدية التي تمارس على الأجهزة الرقابية والأدارية والأدعاء العام والقضاء باستغلال المال السياسي من قبل المفسدين فيتم وأد الأجراءات وهي في المهد ، وإن وقع الفاسد بيد القضاء تجعل عملية تقديم الأدلة الدامغة بالأدانة ضده صعبة أو مستحيلة وبذلك يتم إطلاق صراح الفاسد بقرار قضائي لعدم كفاية الأدلة التي يستوجبها القانون الجنائي .... وبتبرئة الفاسد لعدم كفاية الأدلة القانونية يبفى المفسد الحرامي الحقيقي رائد الفساد الأول في مأمن من مساءلة القانون وحر طليق لأنه ليس هو السارق المباشر بالجرم المشهود وليس هناك ما يثبت عليه جريمة السرقة بشكل مباشر وبالدليل الملموس ، وهنا يبقى الدليل الوحيد لأدانته محصور ومرهون باعترافات الفاسدين أمام القضاء أو من خلال تشريع قانون " من أين لك هذا " وتفعيله من خلال قضاء وطني نزيه وعادل بعد تطهيره من الفاسدين والمرتشين حيث يجر المشكوك في أمرهم الى المساءلة القانونية أمام القضاء  .
في ضوء ما تقدم فإن الفساد الذي يضرب بأطنابه في طول وعرض البلاد في أجهزة ومفاصل الدولة العراقية هو ليس من نوع فساد الأفراد بل هو من نوع فساد البنى التحتية لمكونات النظام السياسي الحاكم في العراق حيث تمارسه غالبية الكبار من مسؤولي الدولة من الطبقة السياسية الحاكمة بأحزابها المتنفذة الى الغالبية من صغار موظفيها من الأنتهازيين الموالين للطبقة السياسية الحاكمة كلٍ بطريقته الخاصة كلما سنحت له الفرصة الى ذلك من دون خوف ولا خجل من محاسبة القانون ، وذلك بسبب ضعف سلطة الدولة أمام سلطة نفوذ المفسدين والفاسدين  في ملاحقة  ومحاسبة حيتان الفساد الكبار وطفيلياتهم .
ولمحاربة الفساد والمفسدين والفاسدين بشكل حازم وصارم من هذا النوع في العراق ولتأمين وتوفير مستوجبات تطبيق القانون وتعزيز سلطته ودعم القضاء  يتطلب الأمر ما يلي :-
-   تشريع قانون " من أين لك هذا " مع وضع الآليات والضوابط التي تسهل تطبيقه بفعالية وحرفية من قبل مجلس النواب .
-   تنظيم قوائم بأسماء المشكوك بذمتهم في تعاطيهم بالفساد وسرقة المال العام والأنتفاع من ممتلكات الدولة وعقاراتها بحكم مواقعهم ونفوذهم السياسي في المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية والعسكرية والأمنية .
-   منع السفر لكل من هو في دائرة الشك من المسؤولين الكبار في أجهزة الدولة وسحب جوازاتهم الدبلوماسية وتجميد أرصدتهم وأرصدة عوائلهم المالية داخل العراق ووضع اليد على أموالهم المنقولة وغير المنقولة لحين الأنتهاء من التحقيق معهم وتبرئتهم من قبل المحكمة بقرار قضائي .
-   التنسيق مع الدول الصديقة والمؤسسات المالية والقانونية الدولية والأمم المتحدة والأنتربول وفق مقتضيات القانون الدولي لملاحقة المجرمين الهاربين وتجميد أرصدتهم المالية في البنوك العالمية ووضع اليد عليها بغرض إعادتها الى خزينة الدولة العراقية بعد صدور قرار الحكم القضائي بحق أصحابها .

خوشـــابا ســـولاقا
7 / ك2 / 2018 م