عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - ash19713839

صفحات: [1]
1
العراق مع الاسف ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

2
التعليم مهم ؟؟؟؟؟؟؟؟

3
النهاية
كان لتوجيه البطريرك الرجاء اليائس الى كافة الكنائس المسيحية في العالم، اكثر من مبرر،
بسبب الوقائع الحقيقية للصراع القائم في العراق بعد ان جعلت الحكومة العراقية من الصراع السياسي
بين العرب والاشوريين حربا بين الهلال والصليب.
اما مهام الميجر تومسون (الخبير بشؤون التوطين) فقد اصبحت الان لا اكثر من مهام حفار
القبور، ولا بد ان يحصل على تجديد العقد الاصلي لمدة اخرى قد تتجاوز الستة اشهر بالتأكيد وقيام
مفتش اداري ومسؤول محلى على مساعدته. ان منحه الامتيازات والصلاحيات التامة ليصبح المدعي
العام والقاضي في آن واحد ليست سوى صورة اخرى من صور التحكم والاستبداد. انه اجراء
اسطوري بدون شك ومع ذلك لربما سيحصل الميجر على منصب دائم في العراق.
وبالرغم من تدخل عصبة الامم المشلول، فان ما من جهة اخرى قامت بأخذ اقل اجراء لحمايتهم
او على الاقل تخفيف المصاعب الهائلة والآلام التي سيقوا اليها عمدا ومن ثم ليتركوا بدون نصير
ليقضي عليهم الجوع والرعب والامراض والمذابح.
29 - في تقرير الميجر تومسون (عضو الاستخبارات السودانية سابقا) رقم: ت . اس / 119
آب 1933 حول مخيم اللاجئين الاشوريين أدلى بالرغم من ميوله المعروفة بالمعلومات التالية:
" كانت لجنة مساعدة اللاجئين الاشوريين قد تم تشكيلها بتاريخ 20 آب 1933 . فوصلت اول دفعة
من دهوك يوك الاثنين 21 آب 1933 واستمرت يوميا .




















2010

4
اما المنافع الفائقة التي اغتنمناها من بسالتهم على كافة الجبهات ومقاومتهم المستمرة للاتراك
والاكراد والفرس فانها تفوق التصور، المقاومة التي كلفتهم اعدادا لا تحصى من الضحايا ... وشجعنا
مساعدتهم لنا من خلال الوعود العديدة التي قدمناها لهم بتعويض كل ما يفقدوه خلالها، وضمان حمايتهم
على النحو الذي يتمنوه. وبما اننا في الحقيقة كنا بحاجة الى المساعدة، وكانت الوعود كفيلة بضمانها،
فليس ثمة شك ألا نكون قد وعدناهم حينئذ بالوطن والحماية.
وليس بامكان القارئ المحايد الذي يقرأ نقاط جلسات عصبة الأمم والملفات الاخرى ،أن يتجنب
الشعور بأن الجهود المبذولة لايجاد مسكن مستقر دائم لهم بالرغم من عددها الهائل، لم تلاحق بالالحاح
والاخلاص الذي يتطلب تسديد ديون الشرق ...كان علينا استخدام اعداد أكبر من الجيوش في البلاد مما
استخدمنا حقا ولمدة أطول من الزمن لولا مساعدتهم لنا وتسهيلهم اعمالنا بأقل كلفة مادية .
... من الصعوبة للاعتقاد - كائنا من كان وعلى معرفة بطبائع ساسة عرب العراق - أن يكون
قد آمن بقيمة تلك الضمانات. ومن الصعب ايضا، في الجانب الاكثر شمولا، استيعاب قدرة ممثلينا في
جنيف، للتعبير عن الثقة التامة بمؤهلات العراق للاستقلال التام وترك الاقليات على جانب ...قد يقال
على سبيل الجدل، ان الكاتب من النادر ان يكون قد سمع المسؤولين الانكليز في العراق يتحدثون عن
العراقيين وسلطاتهم في الحكومة عدا عن عدم الثقة المطلقة، وعدم الرضى حتى في شؤون الحراسة
...ان السيد (بانفيل) أكد لي من خلال معرفته بالمناطق الجبلية عن امكانية توطين تجمعات كبيرة، وأن
مثل هذه التحضيرات ستلقى القبول ورضى البطريرك ...ان بقائهم كأمة وكنيسة على ماهم عليه الان
مهدد بالزوال ومخطط من قبل الحكومة العراقية ...
أما عن الاوامر بالهجرة الى سوريا فلم اسمع حتى الآن عن أي برهان قاطع عن كون تلك
الاوامر قد صدرت من مقر البطريرك في بغداد بينما كان موضوعا تحت المراقبة الدائمة ومحاطا
برجال المخابرات المدينة ليلا نهارا .
واما الدليل الوحيد القاطع الذي سمعت به، لهي المحاولة التي قام بها أحد المسؤولين في
الشرطة العراقية عن اشراك اشخاص مشبوهين للادلاء بالافادة عن شئ من هذا القبيل بحيث كانت
ستؤدي بالشعب للاعتقاد حتما أن البطريرك هو الذي اصدر الامر. الا انها تسمو فوق أي شبهة ألا
يكون بكر صدقي فعلا الذي أصدر الامر باطلاق النيران على الاثنى عشر آشوري بينما تدعي الحكومة
العراقية بأن المذابح الجماعية لم تكن الا من أعمال القبائل الكردية.
وما دام الامر هكذا ...فلماذا دعوا كافة الانكليز والاميريكان الذين كانوا اما من المقيمين في
تلك المناطق أو كانت مهامهم تأخذهم هناك، بالانسحاب منها وتحظيردخولها عليهم؟ لماذا انسحب
المبشر الاميريكي السيد كمبرلاند من دهوك القريبة من سميلي ؟ لماذا ابعاد الكابتن (سارجون )
مستشار الشرطة الانكليزية من الموصل الى بغداد والذي كانت مهامه تأخذه الى كافة انحاء المنطقة
؟لماذا منع ضباط سلاح الطيران البريطاني وفي تلك المرحلة المتأخرة من تجاوز الموصل بعد ان
توجهوا الى الشمال للاشراف على عمليات مساعدة عائلات المجندين الاشوريين؟ انها لاتدع أي مجال
للشك عنحقيقة حدوثها، ولربما ماتزال قائمة في قرى الشمال حتى الآن بينما تحاول الحكومة العراقية
اخفاءها بيأس. كانوا قد ابعدوا ( 7) من قادة الآشوريين من المنطقة الجبلية في الشمال الى مدينة
الناصرية بالرغم أن القادة لم تكن تربطهم بالعائلة البطريركية اي صلة. وكما اعرف فان الحادثة لم
يعلن عنها حتى الآن، ولا يعرف عنهم شيئًا.
اما عودة الجيوش المنتصرة، فان الحكومة العراقية لم تدخر وسعا لجعلها عملا قوميًا ودينيًا
مجيدا. كانت اقواس النصر قد اقيمت في الموصل، وتألقت بغداد بالاعلام واكاليل الزهور، وجعلوا من
البطيخات المحفورة على شكل رؤوس ملونة بالاحمر ومرفوعة على رؤوس الحراب والخناجر لتمثل
رؤوس الاشوريين، في كل مكان من الموصل بعد أن هيأت الصحف العراقية، الجموع العربية لهذه
اللحظة المناسبة.
وأعيد تذكير الجموع العربية بأن القتلى اللآشوريون انما مسيحيون (كفار) لا أكثر. وتلاشى
توقع أي رد فعل من جانب الحكومة العراقية حيال المذابح بعد منح بكر صدقي ترفيعًا، وضمان سنة
أسبقية لكافة الضباط الذين قاموا بالحملة. وظهر مرسوم خاص بتقديم القهوة والحلاقة المجانية للعامة
والخاصة خلال ثلاثة ايام ومن المتوقع أن تدفع الدولة تكاليفها.
ان علامات التحدي للعالم المتمدن ضمنا في الاستقبال الممجد العظيم للجيش المنتصر، ليست
الوحيدة عن غايات ومرامي الحكومة العراقية في تشويه حقيقة المسألة بأجمعها من خلالها. ان شعورها
بالذنب لسوء الحظ، جعلها تفقد الوعي المتزن اجمالا ... كما ولا تحمل تهاني بطريرك الكلدان
المغتصبة بالعنف (والتي ادخلت بهذا الشكل الفاحش) أي وزن على الاطلاق. والأهم في هذا الخضم
العاصف من التأكيدات المزعومة من المسيحيين العراقيين - غيرالآشوريين - ان يكون صوت
المبعوث الانجيلي الفرنسي المقيم في الموصل، ساكتا وحتى في تقارير الدولة.
ان الاقل الذي يؤمل به يكمن في احجام الحكومة البريطانية عن مساعدة الحكومة العراقية
للتمهيد في تقليل هول الاحداث التي تبعث على الاسى خلال الاشهر الفائتة. على اية حال فان هناك
عدد من الانكليز المقيمين في بغداد ممن يروا علائم عدم امتلاكنا الجرأة والشجاعة للاعتراف في
جينيف بأن تصاريح السنة السابقة أمامها كانت حمراء قانية حقًا، واننا قد نحاول بشكل ما، تغطية جدية
الاحداث التي تفرض علينا تنكب مسؤولياتها الخلقية فع ً لا."
في التقرير السري لأحد الشهود الانكليز في خدمة الحكومة العراقية كتب بعد ان رأى بأم عينه
ما حدث قائ ً لا:
" انني رأيت وسمعت الكثير من الاعمال المريعة المرعبة في الحرب، الا ان ما رأيت في سميلي
فأنه يفوق تصور البشر." على هذه الكلمات يجب اضافة شهادة امريكي مقيم في الموصل" ان الاكراد
والعرب الذين تلقي الحكومة العراقية على رقابهم مسؤولية قتل الآشوريين، كانوا قد انقذوا المئات من
النساء والاطفال من براثن الجيش العراقي."
صرح كل من جعفر العسكري وزير العراق في لندن ونوري السعيد الذين جاءوا من نفس الاصل
والمحتد، حيال المذابح ما يلي: لم تقم اي مذبحة في اي جزء من العراق. اما نساء واطفال المتمردين
واقاربهم لم يمسهم اي سوء بتاتًا." الا ان البعثة العراقية الى جينيف كانت قد اعترفت عن اقتراف
بعض الاعمال المرعبة. فمن الكاذب يا ترى ؟ في مقال السيد (جي . اس . ام . وود) المنشور في
(الديلي تلغراف) بتاريخ العاشر من تشرين الثاني 1933 جاء فيه ما يلي:
"كنا نحن وليس الفرنسيون او الايطاليون الذين وعدوا الاشوريين بالاستقلال الذاتي والحماية شرط
القيام بالثورة ضد الاتراك."علىالرغم من عدم ذكر فضل النساء الاشوريات خلال هذه الاشهر المؤلمة
،الا ان هذه الصفحات وبدون مبالغة مرغمة لتقديم الثناء للسيدة الوقرة (شيريني شماس داود
/طال/زوجة السيد كورييه يونادو /تخوما الاوسط /لآعمالها خلال التجارب المريرة.
كانت اخبار نفي البطريرك من العراق قد قابلتها الاوساط الاشورية في الموصل بالاستنكار. فقامت
السيدة شيريني بقيادة مظاهرة أمام قيادة الشرطة العراقية الذين كانوا على حافة تطبيق (الامر الجبان)
الذي اصدرته الحكومة العراقية، الا ان امر النفي كان قد اوقف حينها. واستمرت بقيادة المظاهرة حتى
مقر القنصل الانكليزي ومن ثم القنصلية الفرنسية حيث اعربت لهم عن رغبات الشعب الاشوري.
واذ بدأ اللاجئون بالتقاطر في الموصل من القرى المجاورة فقد سعت بكل طاقاتها لمساعدتهم.
فقدمت لهم الثياب التي كانت في حوزتها ،واطعمتهم القليل الذي كانت تملكه، وخصصت وقتها لخياطة
الملابس لهم وتمكنت خلال ثلاثة اشهر بمساعدة الخوري يوخنا من اطعام اربعين اشوري في الكنيسة
من خلال استجداء الطعام لهم وجمع مايتيسر من النقود من شقيقاتها الاشوريات .
اما ابنتها ريهاني فلم تكن تقل عنها اندفاعا في العمل العظيم، أوابنها يونادو كبرييل الطالب في
الجامعة الاميريكية في بيروت الذي يحضر لنيل شهادة الدكتور في الجراحة.
كان السيد زيا بيث مار شمعون - عم البطريرك -آخر رجل من العائلة البطريركية يغادر العراق
بعد استلامه اوامر النفي من البلاد. ان على المؤرخين الحاليين، أو من المستقبل الذين يرغبون دراسة
(الخيانة البريطانية ) او (بربرية عرب العراق) فما عليهم سوى دراسة المآساة الاشورية. ومع انني لم
احصل حتى نهاية هذا التقرير، لائحة كاملة عن عدد ضحايا المذابح ، الا آن التقارير المنبثقة عن
المصادر الانكليزية والاميريكية فتضع العدد بما يتجاوز ال ( 3000 ) نسمة بكثير.
التقرير (ك) يورد اسماء القرى الاشورية التي احرقت بعد صدور الاوامر الرسمية بايقاف
المذابح وبعد آمد طويل من تدخل عصبة الامم المتوقع. ومع ان عددا كبيرا من النساء والاطفال لاقوا
حتفهم وحتى بعد صدور الاوامر الرسمية بايقاف المذابح، الا ان الحصول على اسمائهم وتعدادهم
الصحيح في فترة الرعب والاهوال هذه فانها احدى المستحيلات.
يما يلي اسماء الرؤساء والاعيان الاشوريين الذين ألقي القبض عليهم ووضعوا تحت الاقامة
الجبرية في الناصرية :
-1 اسكندرقليثا (ماربيشو).
-2 شماس زكريا قاشا ايشا (ماربيشو).
-3 قاشا اسحاق ريحانا (غاردي).
- 4 مالك ساوا وردا (عشيرة طال).
- 5 ملكزدق شليمون مالك اسماعيل ( تياري).
- 6 كيوركيس حاجي (تشل).
- 7 الخوري عبد الاحد
- 8 مالك اندريوس مالك (جيلو).

5
ان اسباب الخروج الاخير هذا انما عديدة ..... كانوا قد بذلوا دماءهم من اجل عراق محايد
عادل. وبرهنت الخبرات المريرة الطويلة من الماضي، استحالة الاستقرار بين اواسط الاكراد بدون
تعديل خاص. وادركوا استحالة توقع أي مساعدة او تدخل عادل من حكومة مسلمة، وايقنوا عبر حادثة
مالك ياقو الاخيرة عن صحة اعتقاداتهم تلك، وفي الواقع فان الحكومة العراقية كانت قد اكدت شكوكهم
بما لايمكن الجدل فيها من خلال تسليحها الاكراد ضدهم بينما كانت تطالبهم بتسليم اسلحتهم قبل اي فئة
اخرى.
كان السير فرانسيس قد وعد البطريرك بالمساعدة للحصول على بعض المطالب لشعبه فيما اذا
مثل قضية شعبه امام عصبة الامم، واذ لم يتمكن من الحصول على اية امتيازات، فقد وعد مرة اخرى
بمعاملتهم على النحو الذي يرضيهم. ولكن ما ان وصل الخبير بشؤون التوطين الى البلاد فسرعان ما
وضع البطريرك على حدة، وأعلموه بعدم التدخل ... ولضمان ذلك فقد دعته الحكومة العراقية بالمجيء
الى بغداد، وألقت القبض عليه ووضعته تحت الاقامة الجبرية. فاعاد هذا الاجراء الاخير الى ذاكرة
الآشوريين القاء القبض المماثل في القسطنطينية على السيد هرمز شقيق البطريرك السابق واعدامه على
ايدي الاتراك ...
وقامت الحكومة العراقية الى جانب ذلك، على تعيين خمسة قادة جدد من مختلف العشائر ومنحت
معارضي البطريرك مراكزا مرموقة ورواتبا ضخمة، وتفضيل البروتستانت على الاخص، ووضعت
المطران مار سركيس من عشيرة جيلو موضع ثقتها - حاليا على علاقة غير ودية مع البطريرك - .
كما واتبعت الحكومة العراقية نفس المخطط في كافة القرى الاخرى. اما الذين كانوا على علاقة جيدة
مع البطريرك فقد تلقوا الاهانات والتعبير والقاء القبض عليهم بدون سبب أو جريرة ما.
ودعت رؤساء القرى المرة بعد الاخرى وبمختلف الحجج والذرائع بالتحول عن البطريرك بينما
وضعوا سكنه تحت المراقبة الدائمة وأنذر بعدم عقد أي اجتماع مهما كان نوعه. ولم يكن بمستطاع
الآشوريين قبول أي قائد جديد وتعريض انفسهم لاستبداد همجي، كما ولم يكن بمقدورهم التخلي فجأة
عن ولائهم للبطريرك ... أما الحكومة العراقية فقد جعلتها من الوضوح لهم أن مشروع دشتازي لن
يسع الا لعدد محدود فقط، وان على البقية قبول الاوضاع في الاماكن التي كانوا فيها. وبدا الميجر
تومسون الخبير بشؤون التوطين، منحازا نحو مخطط الحكومة العراقية.
كانت مسألة الاستيطان الكبرى على النحو الذي تصورها الآشوريون، قد تدنت الى اكثر من نقل
ما يقارب ستمئة عائلة من مكان الى آخر. أما التحامل يكفي انهم غير مرغوب بهم في العراق، وخلقت
الصحف العربية من خلال نشرها المقالات الملتهبة ضدهمم، اجواء مشحونة بأعمق المشاعر العدائية
بين السكان المحليين حيالهم. وتملكهم الهلع ازاء نشر الصحف الاميركية مقال المبشر كمبرلاند
المعروف، وقيام الصحف العراقية على ترجمته ونشره، وانحياز المطران غراهام براون مطران
اورشليم نحو سياسة الحكومة العراقية بدون تحفظ وادى كل ذلك ليشعر الآشوريون ان كنيستنا ايضا
كانت تقف ضدهم. كانت هذه الاسباب، واسباب اخرى اكثر جدية ، قد ارغمت الاشوريين بالتحرك
البائس لمغادرة العراق.
اما البقية فستتبع الدفعة الاولى الى سوريا ما أن توافق فرنسا على قبولهم، وفي الحقيقة فانهم
كانوا على استعداد بالتوجه منذ اوائل كانون الاول الماضي نحو ايران، الا انهم فضلوا وضع انفسهم
تحت الحماية الفرنسية التي ما تزال تحتفظ اعتبارها بالمحافظة على حماية حقوق الاقليات المضطهدة
في الشرق ... ومع ذلك فان هذه، ستكون كبوة اخرى للسياسة البريطانية في الشرق، والتي ستحكم
عليها الايام القادمة بدون رحمة وتخلدها سجلات التاريخ الى الابد."
أما المبشر (ار . سي . كمبرلاند) فقد كتب في رسالة سرية بتاريخ 26 آب 1933 موجهة الى
الدكتور (سبير) قائلا: ان سجلاتي ليست معي هنا في بغداد (ولربما لن اجدهم مرة اخرى) لذلك لا
استطيع القول عن تاريخ استلامي رسالتك الاخيرة.
ان اوضاعنا ليست بأفضل مما كانت عليها في السابق وما تزال وقف لمشيئة سكان بغداد
الممانعين. يوم الاحد، السادس من هذا الشهر اعلمني الكولونيل ستافورد المفتش الاداري في الموصل
هاتفيا بوجوب الذهاب الى الموصل مع زوجتي في الحال حيث فعلت ذلك اليوم ذاته ورجعت الى دهوك
يوم الثلاثاء. ويوم الخميس 17 منه وردتني برقية عاجلة من السيد (بادو) يعلمني فيها بوجوب مغادرة
الجميع الى بغداد عبر محطة الموصل وفي الحال بدون أي سؤال. ففعلنا ذلك جميعا ووصلنا بغداد
مساء يوم الثامن عشر.
انني المجرم في نظر ساسة العراق، أما وزير الخارجية فقد كتب الى رئيسنا الروحي السيد
(كنابيشو) متذمرا عن نشاطاتي السياسية ومطالبا بطردي من دهوك. ... لربما استطيع الاضافة عن
عجزهم من الاتيان بأدلة قاطعة عدا التهم المحدودة ... ويبدو لي بوضوح تام ان الحكومة العراقية لا
تريد ان يوجد مراقب اجنبي في دهوك ... وليس من المدهش ان تكون رغبة الحكومة بذلك اخفاء
الاوضاع الحالية القائمة هناك. انها مناظر في غاية البشاعة، ومرعبة بصورة مطلقة، وسأحاول جهدي
لأهييء عودتي الى دهوك حالما يمكن ذلك.
لربما سيكون من الافضل الآن لأكتب بالشمول الممكن عن الاوضاع القائمة قدر الامكان، اذ ان
مراقبة البريد ليست الا من الامور الطبيعية الان، ولربما يجب ان اضبط نفسي عن الكتابة حول بعض
الامور، كما سيكون من الافضل للرسائل الواردة من الولايات المتحدة، كتابتها بكل حذر وتحفظ. ومع
ان هناك آخرون اكثر جدارة لتقديم صورة رسمية وافية عن الاحداث، الا ان مركزي منحني احدى
أفضل الفرص النادرة لمراقبة بعض المشاهد الخاصة التي لم يرها الا القليلون.
ويمكن جعلها قضية راسخة، وفي رأيي مع هذا، آخذين بعين الاعتبار، الحقائق السياسية، فان
وقائع الاحداث الحالية كانت قادمة لا محالة. وما دامت هكذا، فانها الان فرصة مناسبة كأي وقت آخر،
ولربما يمكن الآن كتابة فصل ممتع جدًا، فيما اذا توفرت كافة المواد عن الوعود البريطانية الحقيقية
والمفترضة للآشوريين. وعلى الرغم من تقديم أفضل الفرص للبطريرك ... الا أن مركز الآشوريين
معكر حاليًا بسبب الانتصار الملموس ... الذي تحقق في (سميلي) من خلال التعصب الاسلامي
والكراهية المتأججة لذبح الآشوريين الابرياء...
اخيرا وعلى امل انقاذ القرويين من الابادة، فقد ذهب الكولونيل ستافورد الى القرية التي كان ما
يزال ياقو موجودا فيها، ووعده شخصيًا بالحماية التامة فيما اذا ذهب معه الى الموصل لتوقيع وثيقة عن
التصرف السليم حيث كانت تتطلب تقديم كفالة مالية بمبلغ ( 200 ) ليرة جاء بها السيد (بانفيل) ...
انني اؤمن بالرغم من نعت الصحف العراقية هؤلاء الآشوريين بالثوار، ان تلك النعوت غير
صحيحة عنهم ... وأعرف بالتأكيد ان الكل، أو على وجه التقريب، كافة قرى الاشوريين في السهول
منهوبة وبعضها خالي من نعمة الحياة. ان السرقة والنهب اجما ً لا قام بها الاكراد والبدو في حين قام
الجيش العراقي بأغلب حوادث القتل والابادة. ان مذبحة سميلي معروفة لديك، ولربما كان في القرية
بضعة (ثوار) آنذاك، الا ان هؤلاء (الثوار) لم يكونوا سوى اولئك الذين عبروا الى سوريا ورجعوا
منها.
كان الجميع قد حضروا بناء على اوامر الحكومة من كافة القرى المجاورة (لغاية) حمايتهم.
وكانوا جميعا بدون اسلحة ومع ذلك فان الجيش العراقي فتح النيران عليهم في برودة تامة. ان مثل هذه
البربرية الفائقة والتعصب المسعور، لا مثيل لها في التاريخ على الاطلاق. وبالاضافة الى هذه فانني لا
أعرف كم من ابرياء دهوك ابعدوا عن منازلهم ولم يعرف عنهم شيئا حتى الان ..
أما مذبحة سميلي والاحداث الاخرى المماثلة في المناطق المجاورة فقد اضافت بعدا آخر
للاوضاع . كانت قد حطمت ثقة الاشوريين والاقليات الاخرى وعلى الاخص المسيحية الموالية منها
بالحكومة العراقية.
يبدو ان الاعتبار الشخصي في خدمات الحكومة لتكوين ادارة مستقلة ،لاوجود له بتاتا. وللتأكيد،
فاننا كأميريكان، لسنا في مركز يمكننا من البدء بالرجم اولا، الا ان الغاية الحقيقية ستبقى مادام الفساد
في هذه البلاد شريعة أكثر مما هو استثناء بينما يفتقد الرأي العام ممن يملك قوة التأثير لتفقدها
واستنكارها. ان المستقبل قاتم شديد الحلكة.
ان اختيار الحكومة العراقية حاليا نكران الحقائق عن مذابح سيميلي، أقول وبكل أسف، غير مجدية
... واحدى اكثر الطبائع المخفية عن الاوضاع عامة ،لهي المشاعر المسعورة في الموصل على
الاخص حيال الاشوريين عامة بغض النظر عن ولائهم أو عدمه تجاه الحكومة. ان عددا كبيرا من
الاشوريين المستخدمين في شتى المجالات والاعمال المختلفة، طردوا من اعمالهم بدون أي سبب أو
مبرر عدا كونهم اشوريين ...
وبرهنت سميلي عما يمكن ان يكون عليه تعصب الاسلام، وما يمكن للحكومة العديمة المسؤولية
من القيام به. ليس بالامكان أن تصبح هذه الامور منسية عن قريب ...كما انها ليست من مشاكل
بريطانيا الرئيسية حتما .أما عن الكيفية التي سيقوموا على حلها فليست لدي ادنى معرفة بها، الا انك
ستستطيع الحصول عليها بالوسائل الاخرى عوضا عن مراسلاتي.
ولو كان الامر في أيدي الفئة الادارية والمستشارين الذين عرفتهم هنا لأمكن الوصول الى حل
حكيم، الا ان القضية ستؤخذ الى لندن وجنيف حيث ينفقد مثل هذا التفهم والمعرفة المسبقة وحيث
سيكون لفرنسا يد فيها ايضا بحكم علاقتها مع سوريا. وبالنسبة لفرنسا فانني لااثق بسياستها الاستعمارية
جذريا، ان الطبيعة الحقيقية للاحداث الاخيرة ستصبح معروفة بالرغم من نكران العراق لها، وليس
بالامكان التغاضي عنها كليا، كما ويجب استنكارها. انني لا اعتقد ان التدخل المسلح لن يكون له رد
فعل معاكس لذاك المرغوب فيه في هذه البلاد، الا اذا تدخلت عصبة الامم، أو تعيينها دولة ما على
استعداد للبدء في تشكيل ادارة اجنبية كاملة .
ستعطيك رسالة السيد (بادو) الى الدكتور شامبرلين حقيقة شاملة عن القضية، وكما اعلم فقد كتب
عنها السيد (ويلوباي) ايضا. كم كنت اتمنى لو منحتني الظروف فرصة الاحاطة بتقارير السيد بانفيل
الى رؤسائه، ومع ذلك فانني اعتقد أن بامكانك التطلع عليها. انني انهي رسالتي هذه قبل بضعة دقائق
من مغادرة الانسة ... البلاد آخذة معها هذه لتجنب رقابة البريد."
وكتب انكليزي آخر بتاريخ 22 ايلول ما يلي :
"لاتملك الحكومة العربية في العراق أي حق لتنعت هذه الهجرة بالثورة، كما لاتملك أي تخويل من
العصبة لفرض قرار الاستيطان من خلال مذابح أكثر من ( 3000 ) اشوري برئ.
أما وقد وافقت العراق لسحب اتهاماتها ضد الفرنسيين في سوريا لمنع تحقيق عالمي في الامر
وقررت بموافقة السفير الانكليزي لاخفاء الامور بالاعتذار للرسميين البريطانيين الذين تعرضوا للاهانة،
وتحمل نفقات تهجير فئة محدودة من الاشوريين بينما عزموا على اسكات الغالبية بسبب تهجير ألف
نسمة من البلاد، فقد صمموا على تصعيب الظروف لهم بأمل ارغام البقية بالمغادرة على نفقتهم
الخاصة، أو القضاء التام التدريجي عليهم. من سيدافع عن حقوقهم في محكمة العدل عن الوسيلة التي
حطمت العراق ضمانات عصبة الامم للأقليات؟
ان هذا الشعب ،هو نفسه الذي قاتل الى جانب الانكليز والامريكان والفرنسيين والايطاليين
والبلجيكيين والروس معا وضحى بثلثي تعداده وفقدان موطنه ومن ثم ليصبح لاجئا مشردا من خمسة
عشر سنة، وكرة بين اقدام السياسة العالمية. ان العالم بأسره ستتملكه الدهشة ويصيبه الهلع والرعب ما
أن تنكشف الحقيقة عن أبعاد المذابح على هذا المقياس الهائل ." وفي تقرير احد الكلدان المعتمدين كتب
بتاريخ 2 تشرين الاول ما يلي :
"لم يكف العرب ببقر احشاء نساء الاشوريين بالحراب وحسب، بل ووضعوا احشائهن على
رؤوسهن وهن في تلك الحالة من الألام والعذاب. وقضوا على الاطفال الواحد تلو الأخر يلقون بهم في
الهواء لتتلقفهم الحراب. في طريق العودة من الموصل، كان الجيش العراقي قد أخذ معه عددا كبيرا من
الفتيات، اسيرات ولايعرف شيء عن مصيرهم حتى الأن ."
بينما كان معسكر العداء ما يزال قائمًا، ذهب انكليزي معروف لمقابلة السيد (كاميرون) رئيس
تحرير (عراق تايمز) ليقدم الجانب الاخر من القضية بالنسبة للآشوريين. فأجابه رئيس التحرير: " ما
زلت املك مدة عشرة سنوات عمل اخر في العراق، أتريد ان تقطع باب رزقي؟" واعلم السير فرانسيس
احد الانكليز بأن المللك فيصل على استعداد لتقديم مبلغ 150 ليرة لمساعدة مؤسسته "فيما اذا أصم
اذنيه". الا ان الانكليزي رفض قبض " النقود الملوثة بالدماء" وصرح في كتاباته الى لجنة الشؤون
الخارجية للكنيسة الانكليكانية كما يلي: " ... كانوا قد استجابوا لدعوة الحلفاء خلال الحرب العالمية
الاولى بدون تردد، اذ كانت مشيئتهم خلال حقب طويلة، العيش تحت ظل حكومة مسيحية. كانت الدعوة
اص ً لا قد وجهها الروس او ً لا، ومن ثم الانكليز فيما بعد.
اما

6
اما الكهنة فقد لاقوا حتفهم بعد تعذيبهم بابشع الطرق البربرية التي لا يمكن ان يتصورها العقل،
ذبحًا كالنعاج بعد وضع عيوبهم في افواههم بينما امر القائد العراقي النساء بالتعري والمسير امامه
وارغام زوجة مالك ياقو على توقيع وثيقة تفيد ان النزوح الجماعي والمعركة على الحدود كانت قد
اعدت مع السلطات الفرنسية مسبقًا. اما الفتيات الآشوريات ما دون العاشرة من اعمارهن فقد احرقن
احياء بعد الاعتداء عليهن. واستمرت المذابح في كافة قرى العمادية وزاخو ودهوك وشيخان واقضية
الموصل واتبعوا فيها نفس الوسائل البربرية.
اما وحدات المجندين الآشوريين القائمة على حراسة المخيم الانكليزي في (سر عمادية) فقد
نقلت في تخبض عاجل الى المطار البريطاني على مقربة من سميلي ومن ثم الى بغداد دون ان يسمحوا
لهم معرفة ما كان يجري.
كانت الطائرات البريطانية اثناء الاحداث، تحلق فوق مناطق المذابح لتصوير ما كان يحدث دون
ان تتدخل في تقديم يد المساعدة بالرغم ان الغالبية منهم كانوا عائلات الآشوريين الذين كانوا ما يزالون
يخدمون مصالح بريطانيا في العراق.
كانت السلطات العراقية قد وضعت كافة الاجانب القائمين في لواء الموصل تحت الاقامة
الجبرية في مدينة الموصل، بينما كان وزير الداخلية ووزير الدفاع يترقبون في المدينة ذاتها، ورود
تقارير الساعة عن سير المذابح في حين كان المسؤولون العسكريون الانكليز في الجيش العراقي على
معرفة تامة بما كان يحدث حقا.
ومع ان البعض من رجال القبائل العربية والكردية قاموا بنهب الممتلكات الخاصة، فان
المسؤولين العرب بمرتبة القائم مقام وما دون، قاموا بالاستيلاء على النقود والممتلكات الثمينة بعد ان
تعرضت كافة القرى الآشورية للحرق والتدمير. اما آغات الاكراد في حين كان الخوف قد منعهم من
القيام بالرد نظرًا للعمليات العسكرية ضدهم بناء على اوامر المندوب السامي آنذاك، الا ان الفرصة الان
كانت سانحة حتمًا. وعوضًا عن التعرض للقرويين الآشوريين المعزولين في عشوائية الاحداث كما
كان من المتوقع، فقد قاموا على حمايتهم خلال المأساة وكان من بين هؤلاء الاغات، الشيخ نوري
بريفكاني، احمد آغا الاطروش وقادر آغا العقراوي. كما ان اكراد اربيل لم يتعرضوا للآشوريين بسوء
أو حتى استعادة ذكريات الامس القريب.
وخلال التحضير للعمليات العسكرية ضد الآشوريين قام عدد من الوزراء العرب بمقابلة الشيخ
محمود والشيخ أحمد في الادهمية لدعوتهما في الجهاد والانضمام الى القوات العراقية، الا انهما رفضا
ذلك رفضًا قاضعًا.
كان فيصل في هذه الاثناء مشغو ً لا في جنيف في مهمة اقتراض بضعة ملايين روبية من
الحكومة الانكليزية بينما كان السير فرانسيس يصطاد السمك حينما وردته اخبار المذابح. وقد ورد عن
فيصل ومن مصدر موثوق مطالبته المجلس الوزاري بالاستقالة حا ً لا، أو ايقاف المذابح. فكان الرد: ان
بامكانه ترك عرش العراق فيما اذا كانت سياسة الوطنيين العراقيين لا تلائمه بأي شكل ما وانه ليس
اكثر من مجرد لاجىء الى البلاد.
كان فيصل في اخر ايامه قد فقد الهيبة والمكانة نتيجة قبول العراق في عصبة الأمم ولم يكن
بميسوره اثر ذلك الاعتماد على الحراب الانكليزية كما كان يفعل في السابق. كانت السفارة الانكليزية
رغم معرفتها التامة بمجريات الاحداث في الموصل، قد وضعت البطريرك في ظلمة "ان مراسلاتي اما
هي تحت المراقبة أو قيد الحجز لذلك اجدني مرغمًُا لاستعمل الوسائل الغير مباشرة لارسال اخبار
الآشوريين الى خارج العراق."
ووردتني، بينما كنت في بيروت البرقية التالية والتي وجهتها في الاول من آب 1933 الى
عصبة- الأمم:" الآشوريون عامة في خطر نقطة. ارغام الآشوريون للعبور الى الحدود السورية نقطة.
انني موقوف وتحت الاقامة الجبرية في بغداد نقطة. اطلب تدخل عصبة الأمم حالا."
ان المذابح التي حدثت بعد ستة ايام من تاريخ البرقية لأمكن تجنبها فيما لو كانت حماية العصبة
بذات فائدة حقًا، اذ ان السلطات البريطانية كانت وفي تلك اللحظة قادرة على درئها، ليس من خلال
توجيه الجيوش الى الموصل لمواجهة النفير العام العراقي، ولكن ... توجيه وحدات المجندين الآشوريين
من بغداد الى الشمال، اذ ان وجودهم في تلك المنطقة لكان كاف بحد ذاته ليتردد الجيش العراقي من
الاجهاز على الآشوريين.
في 17 آب 1933 وجه البطريرك برقية اخرى الى عصبة الامم: " اعمل المستحيل لتتدخل
عصبة الامم في الامر حالا نقطة المذابح عامة، تشمل النساء والاطفال. بعض القبائل الكردية المعروفة
والمسلحة من قبل الحكومة العراقية تقوم بها."
ومع ان الادلة الواردة في التقارير الاولية كانت تشير ناحية الاكراد وكان لتصريح رئيس
الوزراء العراقي الفعال في تلك المرحلة من الاعتقاد بصحتها، الا انها صححت اخيرًا في رسالة
البطريرك الى عصبة الامم بتاريخ 12 ايلول 1933 . كانت البرقيات السابقة الموجهة الى عصبة
الامم في 17 آب 1933 قد وجهت في الوقت ذاته الى كل من:
صاحب الجلالة الملك جورج. سيادة رئيس جمهورية فرنسا. صاحب الجلالة الملك البرت
(بلجيكا). صاحب الجلالة الملكة ويلهلمينا (هولندا). الرئيس موسوليني. الفوهرر ادولف هتلر. صاحب
الجلالة الملك هاكون (النرويج).
وباستثناء البرقية الاخيرة التي لم تصل الى ملك النرويج، فان البقية كانت قد بلغت ابعادها.
في 14 آب كانت الاوامر قد وردت بايقاف المذابح بصورة رسمية ومع ذلك فليس بالامكان
القول انها اوقفت فعلا. في 16 آب 1933 اقرت الحكومة العراقية قانونا طارئا يقضي بنفي العائلة
البطريركية من البلاد. وفي 17 آب ابلغ البطريرك بالقرار الطارئ حيث اقلته طائرة بريطانية صباح
يوم الثامن عشر من آب الى قبرص عبر فلسطين برفقة ضابطين آشوريين، قائد المئة مالك
هرمز(تخوما) وقائد المئة ياقو ايليا.
كانت اوامر النفي مبنية على قانون الطوارئ الذي ينطبق فيما لو طبق نصا، على الملك غازي
ملك العراق الجديد الى جانب اكثر من المئة الف نسمة من السكان الذين دخلوا البلاد بعد الحرب
العالمية. أما القانون هذا فقد جاء كما يلي: يمكن طرد أي شخص أو عائلة من البلاد لم يكن (يكونوا)
من مقيمي العراق ما قبل الحرب عملا بهذا القانون."
اما القانون هذا فينافي:
- 1 معاهدة لوزان. 2 - الدستور العراقي. 3 - قانون الجنسية العراقية. 4 - ضمانات عصبة
الامم.
كان البطريرك قد وصل الى قبرص في 21 آب برفقة والده وشقيقه تيودور وانضممت اليه في
26 منه بسبب طردي من سوريا بعد يومين من وصول نوري السعيد وزير الخارجية العراقية الى
بيروت. أما المادة السابعة من الدستور العراقي فتنص على ما يلي:
" " سيضمن القانون، الحماية والحرية الشخصية لكافة سكان العراق، وسيضمن العدالة وعدم
التوقيف والسجن أو المعاقبة أو الارغام لتغيير مكان الاقامة أو المطالبة بتقديم الكفالة المالية أو الالزام
للخدمة في القوات المسلحة باستثناء ما ينص القانون."
كان قانون التجنس العراقي قد جاء الى الوجود في 9 تشرين الاول 1924 ، أي بعد شهرين
وثلاثة ايام من توقيع معاهدة لوزان. وقد نصت المعاهدة حيال سكان دولة العراق الحالية بأنهم بينما
كانوا رعايا الحكومة التركية السابقة بحكم الاقامة في المنطقة المسلوخة من تركيا، فقد اصبحوا الآن
بحكم الطبع، مواطني الدولة التي ضمت اليها المنطقة.
يقوم على مقربة من دهوك، تل تاريخي مشهور استشهد عليه الالاف من الآشوريين في العهود
السابقة، لتستشهد عليه خلال شهر آب الاف اخرى من الآشوريين كان من بينهم هاول اوديشو الذي
نجى من الموت بمعجزة ليخبر عما جرى على هذا التل بالذات من البربرية. وكتب لي احد المراقبين
حدث أن كان في (بيجي) آنذاك قائلا:
" في مساء التاسع من آب 1933 قام العمال العرب في شركة النفط العراقية بالهجوم على
الآشوريين العاملين في نفس الشركة وأسفر الهجوم على جرح ستة من الآشوريين وفرار البقية للالتجاءْ
الى امكنة اخرى لحماية انفسهم. فتدخل رجال الشرطة في الامر والقوا القبض على العرب واخذوهم
الى المحكمة في (تكريت) من لواء بغداد حيث اطلق سراحهم في الحال ليحكموا بالسجن على
الآشوريين لمدة عشرة ايام. كانت الاشاعات قد انتشرت في اليوم التالي عن هجوم وشيك سيقوم به
العرب المسلحين وكانت التعليمات تقضي بعدم ترك أي آشوري على قيد الحياة. فاضطرت الشركة
حيال ذلك لوضع الآشوريين في مكان واحد لحمايتهم، ونقل الآشوريين العاملين في نقطة /ك 2/ على
بعد خمسة اميال من /بيجي/ الى نفس المكان حيث بلغ عددهم ما يقارب 150 رجلا.
ومع ان الاشاعات عن الهجوم الوشيك كانت قد انتشرت بسرعة فائقة، الا انه لم يحدث يوم
العاشر من آب. وانتشرت الاشاعات في 11 آب عن قيام العرب العاملين في شركة النفط بالهجوم
انفسهم. فاضطر الآشوريون الذين لم يكونوا قد استعدوا لحماية انفسهم، بالالتجاء الى المستودعات
الانكليزية.
وبالرغم من وجود عدد من رجال الشرطة وحرس الشركة للحماية، الا انهم تركوا مراكزهم
حالما اطفئت الانوار حيث قام العمال العرب بشن هجوم مسلح على الآشوريين اسفر عن مقتل احد
الآشوريين وجرح اربعة عشر. كان احد العاملين العرب في شركة النفط قد دعى لحرق جثة الآشوري،
الا ان المسؤولين الانكليز لم يوافقوا معه.
لم تكن الاشاعات عن قيام رجال القبائل العرب بالهجوم قد تلاشت بعد. فقام عشرون من الخيالة
العرب بالاستعراض امام الضباط الانكليز على مواجهة مخيم الشركة. فاضطروا، بعد هجوم الحادي
عشر من آب لطلب حامية مسلحة حيث عززوا بعشرين شرطي، مسلحين بالرشاشات الخفيفة.
في 13 آب كانت الاشاعات عن الهجوم قد تلاشت على نحو ما، الا ان العمال العرب اضربوا
عن العمل وطالبوا بطرد كافة الآشوريين من الشركة. فانضم الى المضربين الذين بلغ مجموعهم ما
يقارب المئتين ما يقارب هذا العدد، من رجال العشائر العربية. فاتجهوا في مساء ذلك اليوم نحو المخيم
لبدء الهجوم رافعين العلم العراقي. فتدخلت الحامية والقت القبض على رئيس العصابة الذي سأل
الضابط الانكليزي بغض النظر عن المحاولة. واذ لم يوافق الانكليزي على ذلك فقد رجع المضربون
الى المحطة واضرموا النيران باحدى سيارات الشركة.
في الساعة التاسعة مساء، اتجهت سيارة مساعد قائد الشرطة نحو المحطة وطلبوا من
المضربين عن العمل بالانصراف، فامتنعوا عن ذلك ونهض احدهم وصاح بتحمس متطرف قائلا: لا
دين الا دين محمد، وهجم المضربون اثرها على مساعد قائد الشرطة الذي اجاب بالمثل مما اسفر عن
مقتل احد العرب وجرح اثنين منهم.
كانت شركة النفط العراقية قد وجهت طائراتها الخاصة الى بغداد في 14 آب ورجعت الى
(بيجي) وعلى متنها المتصرف وقائد شرطة بغداد، وقاما بمقابلة العمال العرب المضربين حيث ادت
لطرد كافة العمال الآشوريين باستثناء العدد القليل العامل في الشؤون المكتبية. كان احد الكلدان
(الكاثوليك) قد اصيب خلال هذه الفترة من الاضطرابات، بجروح بالغة ايضًا."
لم يكن تدخل الشرطة الانكليزية في الامر الا نتيجة ضغوط الشركة على الحكومة العراقية
بسبب تعرض مصالحها للخطر. ويؤكد صحة هذه الحقيقة، تغاضيها عن اعمال الحكومة العراقية القذرة
التي كانت تتبعها حيال الآشوريين في الاماكن الاخرى التي لم يكتشف النفط فيها.
( في سميلي لوحدها، قامت فرقة من العمال جيء بهم من الموصل، على دفن أكثر من ( 400
جثة قتيل في ثلاثة خنادق فقط. ولم يكن حتى هذا الدفن الجماعي ليحدث بناء على التصاريح الرسمية
للمسؤولين الاداريين - لو لا الشكاوي عن عدم تحمل روائح الجثث التي كانت تنهشها الاوابد في الليل.
اما في بغداد والاماكن الاخرى من العراق، فان السلطات العراقية قامت على تجريد وطرد كافة
الآشوريين العاملين في تمديد الخطوط الحديدية من اعمالهم، ليقاسوا الفقر والمجاعة.
كان متصرف الموصل قد أعلم المبشر (جون . ب . بانفيل) في ايار، ان خطة بكر صدقي
المنبثقة من بغداد كفيلة بتحطيم العائلة البطريركية. أما المبشر بانفيل الاميركي فيعطي في رسالته
المؤرخة في 31 تموز 1933 الاثباتات التالية: " ... ومع ان الآشوريين الذين غادروا العراق مع
عائلاتهم يمثلون ( 15000 ) نسمة فقط، فان الاف اخرى ما تزال بانتظار الانتهاء من الخدمة لمغادرة
البلاد ايضا، وسيبقى على وجه التقريب لا اكثر من ( 5000 ) نسمة من مجموع ( 40000 ) آشوري في
العراق.
كانت القرى الى الشمال من الموصل قد اصبحت مهجورة وتركت حقول الرز للجفاف، وقطعان
الاغنام على عاتق الخدم، بينما باعوا مقتنياتهم من حلي نسائهم بحيث يمكن القول ان هذا الخروج الثالث
لهذه الامة منذ الحرب العالمية الاولى انما عام وشامل.

7
انني ارفق مع رسالتي ردا على تصاريح نوري باشا واتمنى لو تعمل غلى نشرها. لم تردني
حتى الان اخبار البطريرك بالرغم من مرور عدد من الاشهر وسيسعدنا هنا فيما اذا حافظت على
احاطتنا بالاحداث الجارية اذ لا تردنا الاخبار هنا او حتى الجرائد.
المخلص ياقو مالك اسماعيل
كانت الاوساط الرسمية العراقية قد استغلت مقال مالك ياقو رغم صراحته ومع ذلك فانني سأقدم
بعض المقاطع منه لقيمته التاريخية.
نوري باشا: ان توقيف البطريرك لم يأت الا بعد حدوث الاشتباكات.
مالك ياقو: ان توقيف البطريرك في بغداد جاء رسميا قبل حدوث الاشتباكات بزمن طويل ولم يكن
مرد ذلك الا لامتناعه عن توقيع الوثائق التي املاها عليه وزير الداخلية. ولو صادقها البطريرك
لاعتبر خائنا حيال أمته ومع ان الاشوريين طالبوا الحكومة العراقية باطلاق سراحه، الا انها لم تنظر
في مطاليبهم.
نوري باشا: دخل مالك ياقو دهوك بقوة مسلحة لمجابهة الحكومة.
مالك ياقو: كان القائم مقام الذي دعاني الى دهوك ولم يكن معي أكثر من اثني عشر رجلا كان
للبعض منهم اعمال خاصة في دهوك وبالرغم من الدعوة فقد اعلمني القائم مقام من خلال مكتب عزرا
افندي انه لايستطيع مقابلتي بينما رفع الى السلطات الرسمية تقريرًا كاذبا عن امتناعي.
وبالنسبة للرجال الذين كانوا معي فانها عادة متبعة لرؤساء العشائر في شمال العراق وعلى سبيل
المثال فان سعيد آغا الجرماوي واحمد آغا براشي جاء معهما اتباع مسلحون حينما قاما بزيارة
الرسميين العراقيين.
نوري باشا: كان قائم مقام دهوك قد دعا مالك ياقو للحضور الى مكتبه الا ان مالك ياقو امتنع عن
الحضور.
مالك ياقو: سألني القائم مقام عن اختيار مكان للاجتماع فاقترحت (سوار اتوكا). اما امتناعي عن
الذهاب فلم يحدث الا بسبب اكتشاف وحدة من خمسين شرطي مسلح كانت الحكومة قد ارسلتهم هناك
لالقاء القبض علي، اننا نأسف للعفو الذي منح له.
مالك ياقو: في 26 حزيران جاءني الكولونيل ستافورد والميجر تومسون ومعهما برقية من وزير
الداخلية تفيد بمنحي الحماية التامة فيما اذا ذهبت الى الموصل وتقديم شكوتي الى المتصرف ضد القائم
مقام المعني، ففعلت ذلك ولكن بدون جدوى.
نوري باشا: ان رد فعل الآشوريين لم يكن نتيجة القاء القبض على البطريرك.
مالك ياقو: بالتأكيد ان ما حدث واضح تمام الوضوح وكان نتيجة المعاملة السمجة التي قامت بها
الحكومة العراقية حيال البطريرك. ومع انني اعلمت المتصرف والقائم مقامات شخصيًا بوجوب اطلاق
سراح البطريرك فيما اذا ارادوا حلا سلميًا للمسألة. فكان ردهم ان البطريرك قائد روحي لذلك يجب الا
يتدخل في الشؤون السياسية. ومن الجهة الاخرى فان نفس هؤلاء الرسميين كانوا يستخدمون المطران
سركيس والمطران يوآلا والقس يوسف قليثا والقس كينا في نفس الاعمال المحظورة على البطريرك،
فكيف يمكن التوافق بينهما ؟
ويأتي مالك ياقو في الختام قائ ً لا: وقبل ان آتي الى النهاية فانني اود القول:
انها احدى الامور الطبيعية أن يقوم وزير الدفاع العراقي بمنح الاوسمة للجيوش التي اشتركت في
المعارك ضدنا، لكن.. يجب ألا ينسى - وهذا أملي - أن مثل تلك الاوسمة يجب ان تحمل صور
الاطفال والنساء العزل التي انتصر عليها الجيش العراقي الباسل وقد برهن عن نفسه بينما كان في
خضم المعركة عند فش خابور، عن الجبانة التي لامثيل لها على الاطلاق، تلك الصفة التي امتاز بها
خلال عملياته في شمال العراق. "
ليس بوسعي أن انهي هذا الفصل دون الاتيان بمقطع صغير من كتاب " الازمة في العراق" انني
اعرف، ويعلم جميع الذين نجوا من المذابح، كما يجب ان تعرف الاجيال القادمة ان المذابح الجماعية
التي حدثت في العراق، لم تكن لتصبح ممكنة الحدوث لولا خيانة بريطانيا للآشوريين وتخطيطها لها.
بامكان قلة من الانكليز فقط ممن يستطيعون الادلاء بمثل هذا التصريح الخطير: " كان تدخل الاسراب
الأربع من سلاح طيران جلالته البريطانية في الاشهر الاخيرة، مقتصرا على القاء المناشير على
الاشوريين يطالبونهم بالاستسلام. أما وقد فعلوا ذلك فانهم تلقوا بعد يوم أو يومين منها الذبح والابادة في
برودة تامة."
لا اعتقد ان هناك آشوري في أي ركن من اركان العالم من سيشك بتصريح السير ارنولد. اما اذا
كان علينا ألا ننسى شهداءنا في سيميلي والقرى الاخرى، لذا يجب علينا تخليدها في سجلات ونضعها
في اطر (كما فعلت) ونعلقها في امكنة بارزة من بيت كل آشوري ليتعلم اطفالنا، نتائجها المريرة عن
الكيفية التي ردت انكلترا الصنيع للآشوريين الذين كانت تربطهم معها علاقة تمتد حقبا الى الوراء.
بربرية عرب 7 العراق
كانت مناشير عام 1929 الموزعة في كافة انحاء شمال العراق لاقامة المذابح للآشوريين عامة، قد
صاغها المسؤولون العراقيون الذين تسلموا المناصب الوزارية عام 1933 . ووفقًا لمسؤول الخدمات
الخاصة في الموصل فان اكتشاف هذه المناشير في رواندوز وفي الوقت المناسب أدى لانقاذ الموقف
الخطير. ولم يكن انقاذ الموقف قد حدث بسبب تدخل المسؤولين المحليين العرب الذين كانوا في عصبة
مع اخوتهم في بغداد، بل بفضل فطنة الاكراد انفسهم الذين اخذوا اثر معرفتهم بالأمر، موقفا حازمًا
ومهددًا في الوقت ذاته.
قام السير فرانسيس خلال زيارته للموصل عام 1930 بمقابلة ممثلي مختلف الاطراف في
المنطقة. وقد ضمت احدى هذه الفرق كلا من البطريرك مار شمعون والمطران يوسف غنيمة والقس
سليمان صائغ والخوري غريغورالارمني ومجيد آغا أحد رؤساء اكراد ميزوري /دهوك/ وأحد اكثر
التقدميين الاكراد والذي حاول دائمًا كسب صداقة الآشوريين، ورئيس احدى قبائل هيركي.
قال مجيد آغا في حديث حول الامور عامة: "ان المسؤولين العرب يحاولون خلق النزاع بيننا
وبين الآشوريين". كان الكابتن /هولت/ مترجم المندوب السامي قد تجاوز ترجمة هذه العبارة للسير
فرانسيس، وعندما ذكره الحاضرون بها فانه اعتذر للخطأ.
كانت التحضيرات لاقامة المذابح العامة لكافة المسيحيين في الموصل قد أعدت في اوائل نيسان
1931 ، وقد أدى تدخل قادة المسيحيين لدى مختلف الجهات ورفع التقارير عن مجرى الاحداث لتجنب
الكارثة، كما ان المدرعة الانكليزية التي سارت في مقدمة المسيرة الكبيرة في شوارع الموصل، كان لها
فضل كبير ايضًا.
في ايلول 1931 ، تلقت عصبة الامم انذارًا رسميًا بأن مذابح الاشوريين ما أن يصبحوا تحت
رحمة الحكومة العراقية، واقعة لا محالة. واعيد تذكير السير فرانسيس عن السابقة للمذابح، ورغم
اعترافه بها قال مؤكدًا: " ليس ثمة داع للخوف من رفع الانتداب. ان تأثير بريطانيا في العراق سيكون
أعظم مما عليه الآن، كما وسيفسح لي المجال كسفير انكلترا لأخصص متسعًا من الوقت لخدمة مصالح
الآشوريين والعمل على منع حدوث ما تخشوه."
فلم تقتنع عصبة الامم بصحة تقارير المسؤولين الانكليز حيال العراق، وعارضت بشدة اطلاق
سراح انكلترا للتخلي عن واجباتها ومسؤولياتها قبل ان تتأكد العصبة انها لن تصبح الوسيلة لما ادركوا
انه سيحدث لا محالة. ولتحطيم كافة العوائق الموضوعة في سبيل العراق، فقد قام السير فرانسيس
بادلاءْ تصريحه المشهور في جينيف قائلا:
"... أما اذا حدث وبرهنت العراق عن عدم جدارتها للثقة الموضوعة فيها، فان المسؤولية الخلقية
في هذه الحالة ستقع على عاتق حكومة جلالته البريطانية وليس على عاتق لجنة الانتدابات الدائمة."
فانفتح باب العصبة على مصراعيه أمام العراق رغم كافة التحذيرات، وأصبحت، تحت مختلف
الذرائع والحجج الباطلة، دولة مستقلة، دون ان تخشى الرقابة حيال حماية الاقليات العراقية وبالأخص
الآشوريين منهم.
صرح السيد (بيير اورتس) البلجيكي، محقق لجنة الانتدابات الدائمة، في 31 حزيران بما يلي:
/انظر نقاط الجلسة العشرين/
" كانت العراق قبل اثنتي عشر سنة خلت، معتبرة من بين الدول التي كان وجودها كدولة مستقلة،
معترفًا به بشرط وضعها تحت الاشراف المباشر وقيام احدى دول الانتداب على تأدية ذلك.
ان عدم منح العراق الاستقلال التام انذاك كان بسبب فقدان البلاد لتلك الروح المتسامحة بحيث
كان من المستحيل منحه اياها دون الاعتبار الواعي عن اقدار الاقليات القومية والدينية في المناطق التي
ضمت الى البلاد."
اما تصريح السير فرانسيس في 30 حزيران 1930 حيال الصلاحيات والنفوذ الذي سيكون
لبريطانيا العظمى كالافتراض الضمني عن "المسؤولية الخلقية" لحكومة جلالته على سبيل المثال، فقد
كان متضاربًا وبنود المعاهدة الانكليزية - العراقية التي لم تأت على ذكر أي من ذاك القبيل. الا أن هذا
كان سيتبع فيما بعد وبصورة أوضح وأوفى عبر تصريح وزير الخارجية البريطانية السيد (هندرسن)
قائلا:
" ... وحالما تصبح المعاهدة سارية المفعول فان مسؤولية بريطانيا العظمى لن تكون أعظم أو اقل
من مسؤولية أية قوة أخرى."
ولكن ... من يملك حقًا سلطة أعظم ؟ المعاهدة الشكلية الى مجلس النواب ومسجلة في عصبة
الامم وتعليق وزير الخارجية عليها ؟ أم التصريح الشفهي في الجلسة السرية أمام لجنة الانتدابات الدائمة
من الطرف الاوحد الذي يناصر قضية عرب العراق ؟ اما التعبير بالطرف الاوحد فدقيق للغاية، اذ ان
الحكومة البريطانية كانت قد تعهدت تمهيدًا للمعاهدة، للعمل بأقصى طاقاتها لضمان قبول العراق في
العصبة، وبذلك معيقة تحرك العصبة لادخال ضمانات الحماية عمدًا بينما لم يكن من المعقول للافتراض
قيام الاعضاء الاخرين في العصبة لأخذ البادرة في هذه المعضلة التي لم تكن تعني رعاياهم بشيء.
كان السير هنري دوبس قد شدد في مجلة (التايمز) على وجهة النظر بأن سير الاحداث التي يمكن
توقعها في العراق لن تكون على النحو الذي يبرر قبول بريطانيا "بالمسؤولية الخلقية" دون النفوذ التام
للتأثير عليها. وقد أكد السير ارنولد هندرسون المندوب السامي المدني في العراق وجهة النظر هذه. كما
ان البروفسور (فيزي فيتزجيرالد) عبر عن وجهة نظره امام جمعية /غروتيوس/ قائلا:
"لربما سيكون التنديد بالمعاهدة العراقية - الانكليزية الان اخلافا بالوعد لحلفائنا القوميين العرب،
كما ان توقيع المعاهدة أو حتى التمسك بها، فلن تكون سوى اخلافا بالوعد لعصبة الامم وكذلك لحلفائنا
الآشوريين المسيحيين الموالين بنفس المساواة." اما قداسته اسقف كانتربيري فقد اعلن ما يلي:
"انني آمل من الاعماق ان تقوم عصبة الامم بالالحاح الشديد للحصول على اقصى الضمانات
الممكنة لحماية الاقليات قبل رفع الانتداب ومنح الحكومة العراقية الاستقلال التام وقد يكون هذا أقل ما
يحق لنا لنلح عليه بالنظر الى التضحيات والمآسي التي عانتها هذه الاقليات." وجاء في رسالة الكردينال
(بورن) ما يلي:
" يرغب نيافته لاحاطتكم علمًا بأن اهتمامه التام منصب على مسألة الاقليات المسيحية في العراق.
ويعلم جيدًا ان قداسة البابا على معرفة تامة بما يحدث لتلك الاقليات." وعبر كل من اسقف دوبلن
والدكتور سكوت ليدجيت وهذا الاخير بالنيابة عن كنائس انكلترا الانجيلية الحرة، عن أملها بقيام العصبة
لضمان الكرامة القومية لهؤلاء المسيحيين والاقليات الاخرى.
كان الجهاد قد اعلن رسميًا في اوائل آب 1933 ، وقامت الحكومة العراقية عبر الصحف المحلية
بتحريض رجال القبائل العربية ومختلف طبقات السكان للتطوع في العمليات التحضيرية والتوجه نحو
الشمال لمقاتلة الآشوريين. فبدأ التجار يزودون المتطوعين بالذخيرة والسلاح حيث قدمت الحكومة
العراقية ثنائها لاعمالهم الوطنية وتدفقت الجمال بالمئات للاسهام في عمليات نقل الجيش لتمشيط مناطق
الاشوريين. اما الصحف فقد نشرت أكثر من مئتين وثمانين مقالة تدعو للجهاد ضد هؤلاء (الكفار)
كانت التعليمات الرسمية قد وجهت لرجال القبائل العرب والاكراد، وتخصيص ليرة انكليزية لرأس كل
آشوري يجلب اليهم، وعدم مطالبة الحكومة بتسليم ما سيستولوا عليه من المتاع بينما اعتبرت الذين لا
يشاركون في الجهاد خونة نحو دينهم وبلادهم.
قيل لنا حينما طلبنا "ضمانات" الحماية، انها وقف على "مسؤولية بريطانيا الخلقية" وتبين اخيرًا
من خلال العريضة الموجهة الى بريطانيا، ان هذه محطة من قيمة مسؤولياتها الخلقية، ولم يكن مصير
الشعب الآشوري الذي كان ما يزال يقوم على خدمة مصالحها، يعنيها بشيء.
لم يكن ثمة الآن ما يوقف بكر صدقي قائد العرب الذي دحرته الفرقة (آ) على الحدود، من البدء
في عمليات المذابح الجماعية المعدة مسبقًا منذ (قضية الحجارة) في ايار حيث بدأت قوات الشرطة منذ
ذلك الحين وبالتحديد منذ 30 حزيران وما بعد، بتجريد الآشوريين من السلاح بناء على اوامر قائم مقام
دهوك والعمادية.
في طريق عودته عبر القرى والمستوطنات الآشورية فان انظار بكر صدقي لم تكن تنقطع عن
رؤية جثث الرجال والنساء والاطفال الآشوريين ملقية في كل ركن وبيت ومكان. كان الجهاد يعني
الابادة للكبي  ر والصغي  ر، اما ما حدث فقد كان ذلك عينًا. وكان لا بد من تقليل الهول حتى بالنسبة
لهؤلاء .. السفاحين، فاخذوا البقية الذين وضعوا اقدارهم تحت رحمة الوعود بالعفو ووضعوهم في
شاحنات عسكرية واخذوهم الى الحدود السورية حيث اعدموا هناك بعد هول من التعذيب خلال الطريق
كانت الحكومة العراقية قد افادت في بيانها حول تطورات المعارك على الحدود عن مقتل 95
- آشوري خلال العمليات العسكرية. ومع ان خسائر الآشوريين لم تتجاوز العشرة، فان البقية - 85
الآخرين لا بد ان يكونوا قد لاقوا حتفهم تحت تلك الظروف السابقة.
يوم السابع من آب 1933 ، احتفلت الحكومة العراقية بالمذابح بشكل رسمي ومع هذا فان المذابح
لم تكن قد انتهت يوم السابع منه. كانت الحكومة العراقية قد وجهت تعليماتها للآشوريين القاطنين في
قرى سد زاري، ماناوي قصر يازدين، منصورية، تشماغور، خرب كولي، داري، سرشوري، كربلي،
وبسوريك للمجيء الى سميلي (اكبر قرية آشورية) من اجل حمايتهم من العرب والاكراد.
اما الخطة فكانت ترمي نحو حصر منطقة المذابح قدر الامكان وبذلك الحد من انتشار القوات
المسلحة على مساحة كبيرة. اما سميلي فكانت لتتألم اكثر على الرغم من وجود حامية من الشرطة فيها
وكانت الحامية قد عززت من جديد. ولم يكن مصير اولئك الذين امتنعوا عن المجيء بافضل من مصير
سميلي بالذات. ورغم كون كورييه يونان البازي من مؤيدي الحكومة العراقية مهما كان الثمن فقد كان
اول من اعدم بالرصاص على عتبة بابه بغض النظر عن الراية البيضاء وحمله سجلاته الثبوتية بين
يديه.
في احدى غرف منزله كانت تقبع احدى وثمانين جثة من رجال باز قام الجيش العراقي في
الثياب العسكرية على قتلهم بالمسدسات والخناجر. واكتشفت جثث جماعات اخرى من الرجال والنساء
في الغرف الاخرى من بيت كورييه والبيوت الاخرى من القرية، مشدودين بالحبال واطلقت عليهم
نيران الرشاشات.

8
في اوائل تموز 1933 كانت كافة الاحزاب السياسية العراقية قد وحدت صفوفها للمشاركة في
معسكر العداء ضد الاشوريين. فقامت اذاعة بغداد على بث تصاريح تلك الاحزاب واصبحت انكلترا
مرة اخرى بؤرة التهجمات العنيفة وعومل استعراض سلاح الملكي بالاحتقار.
"ان الحل الوحيد للقضية الاشورية يكمن في اخذ الاجراءات الحازمة تجاههم بغض النظر عن
مواقف بريطانيا ووقوفها الى جانبهم. على الحكومة العراقية ألا تنظر على مواقف بريطانيا أو أي قوة
اخرى بالتردد أو اخذها بعين الاعتبار .لقد بلغ صبرنا اقصى الحدود وليس بالامكان الصبر أكثر من
ذلك بحيث يجب القيام بعمل رادع وبأسرع ما يمكن."
كانت الصحف العراقية قد نشرت بين الاول والرابع عشر من تموز أكثر من ثمانين مقال ومن
مختلف الطبقات والاوساط تطالب بالقضاء التام على الاشوريين .وتلقى الجيش العراقي المرابط في
الموصل تعليمات خاصة من المجلس الوزاري للاستعداد لحالة الطوارئ. وقامت الهيئات السرية
المشكلة خصيصا لهذه الغاية بالاتصال مع رؤساء العشائر العربية وآغات الاكراد لدعوتهم بالانضمام
الى الجيش.
كان مكي الشرباتي قد أعلن في الاجتماع الخاص في دهوك للرؤساء ووجهاء المسلمين، أن
الحكومة العراقية لن تقوم بأخذ أي اجراء -مهما كان نوعه - حيال أي اعتداء على المسيحيين،
وبالآخص على الاشوريين.
وعلى الرغم من معرفة دائرة التحقيقات الجنائية التي كان يقوم على ادارتها احد الانكليز، عما كان
يحدث في الخفاء وغاية الحكومة العراقية من ورائها، وبالرغم من تسلم السفارة الانكليزية نسخة عن
تقريره الخاص وتقارير عدد من الضباط الانكليز، فان العمل الوحيد الذي قامت به السفارة الانكليزية لم
يتجاوز التذمر لدى الحكومة العراقية حيال المقالين اللذين تعرضا بالتهجم ضد بريطانيا. وبالرغم من
حظر تلك الجريدة من الظهور بسبب نشر المقالين، الا أنها عادت بعد بضعة ايام لتشارك في معسكر
العداء ضد الاشوريين.
ومع ان الحد الفاصل بين مكتبي المتصرف والمفتش الاداري في الموصل لم يكن سوى فاصل
خشبي رقيق، فان ذلك لم يمنع المتصرف من نقل تعليماته الخاصة الى قائم مقامات المناطق عبر
الهاتف للاستعداد لمذابح الاشوريين الجماعية. كانت اوضاع الاشوريين العامة الآن قد أخذت شكلا
كريها جدا بينما كان صديقنا تومسون مايزال يقرع عرض الحائط برأسه. وقام الكولونيل
(ار.اس.ستافورد) الذي قضى معظم وقته في الجنوب ولم يكن على معرفة بالمشكلة الاشورية في
الشمال، بشغل منصب ويلسن الذي قام بأخذ اجازة مفتوحة. فجاء مالك ياقو الى الموصل بناء على
دعوة خاصة رسمية حيث ألقي القبض عليه وأمر بتقديم الضمانات عن (حسن السلوك ) بالنظر
للاشاعات العديدة المنتشرة عنه. فقام السيد (بانفيل ) المبشر الامريكي بتقديم الكفالة المالية لاطلاق
سراحه، ووجه مالك ياقو الى الحكومة العراقية رسالة على النحو التالي :
1" - أقدم هذه الوثيقة ضمانا بأن أعمالي وتحركاتي في المستقبل ستكون كما كانت في
السابق، بدون شائبة، الا اذا كنت مرغما عليها كما حدث في هذه المرة بسبب التقارير الكاذبة.
- 2 سأطيع وأحترم قوانين وعرف الدولة وأوامر المسؤولين الرسميين باعتبار ان تلك
الاوامر والقوانين لن تكون بأي شكل من الاشكال، ضد مصالح أمتي وباعتبار المسؤولين الرسميين لن
يكونوا من المتعصبين.
- 3 سأكون على اتم استعداد لمقابلة مسؤولي الدولة ليس في الموصل وحسب بل وفي
بغداد ايضا فيما اذا اقتضى الامر وذلك حالما يصل قداسة البطريرك والحكومة العراقية الى قرار
نهائي حول مطالب الاشوريين الذين يرغمونه على تمثيلها.
- 4 سأقوم على توجيه الاوامر الى رجالي بالانسحاب حالما تنسحب قوات الدولة من
مواقعها الحالية.
- 5 سيضمن المبشر (بانفيل) كل ما جاء في هذه الوثيقة وعليها اوقع."
في العاشر والحادي عشر من تموز 1933 كان قادة الاشوريين قد حضروا الاجتماعات الرسمية
المعدة من قبل الحكومة العراقية في مكتب متصرف الموصل.
ومع ان الغاية من وراء تلك الاجتماعات كانت لزرع الخلاف والشقاق بين قادة الاشوريين من
خلال استخدام بعض المأجورين للتسبب في خلق عراك اثناء الاجتماع، وشعور بعدم احترام القادة،
ومنحهم امتيازا بحمل المسدسات والتشديد على استعمال الكلمات البذيئة للتحرش بالقادة. الا أن هؤلاء
وقد صقلتهم الخبرة فقد عالجوا الموقف بحكمة وتجنبوا الغاية التي كانت تهدفها الحكومة العراقية.
قام في الاجتماع كل من خليل العزمي المتصرف بالوكالة وتومسون وستافورد بشرح وتوضيح
مشروع الحكومة العراقية المعروف بمشروع دشتازي. ومع ان المشروع لم يكن يسع لأكثر من مئتي
عائلة بينما تجاوز عدد الاشوريين اللاجئين ال ( 15000 ) نسمة، فقد وضعوهم أمام خيارين : الموافقة
على المشروع ضمن الحدود المخصصة، أو مغادرة البلاد في الحال.
وفي هذه الحالة فان ايران لن تحجم عن الايقاع بهم وتشريدهم ولن تقبل تركيا باعادتهم الى
ربوعها بينما لا تزال السلطات الفرنسية في سوريا مشغولة بمشكلة الارمن ولاتملك الاراضي الكافية
لتوطينهم "ان السماح للشبان الاشوريين بالعمل في صفوف جيوش المستعمرات الفرنسية قد تكون
صحيحة الى درجة ما، ولكن دعوني أقول لكم، ان مثل تلك الخدمات قاسية الى أقصى حدود التحمل
"واذ لم يبق لهم خيار آخر، وادركوا نيات الحكومة العراقية السيئة، واقتنعوا اخيرا بخيانة بريطانيا
لهم، فقد قرر قادة الاشوريين بقيادة مالك لوكو ومالك ياقو بمغادرة العراق. ومع ان البطريرك كان ما
يزال تحت الاقامة الجبرية، فقد وافق مالك ياقو ومالك لوكو بناء على طلب الحكومة العراقية بالذهاب
الى بغداد لاستشارة البطريرك. الا انهم احجموا عن الفكرة في اللحظات الاخيرة وقد استنتجوا ضمن
الاعتبارات الاخرى أن دعوة الحكومة لهم للمجئ الى بغداد لاستشارة البطريرك لم تكن الا خدعة
اخرى للايقاع بهم وقرروا عوضا عن ذلك مغادرة البلاد الى سوريا ووضع انفسهم تحت الحماية
الفرنسية.
فاتجهت فرقة من الاشوريين ليلتي 14 و 15 تموز نحو فش خابور على الحدود السورية عبر
دهوك وزاخو حاملين معهم بندقياتهم الانكليزية (صنع 1914 ) وقد اقتنعوا عن تسهيل الحكومة
العراقية مغادرة عائلاتهم واقاربهم البلاد بعد ان ارادت التخلص منهم. كان المتصرف وقائد الشرطة قد
عرفا بالأمر بعد ثلاثة ايام من ذلك ولم يتمكنا من معرفة وجهتهم الا بعد ان وجه الاشوريون الى
الداخلية الرسالة التالية :
23 تموز 1933
قرب خانقين
سيادة وزير الداخلية :
لما كانت احدى مهام اجتماع الموصل توضيح سياسة الحكومة العراقية حيال كليهما مشروع
التوطين وموقفها من البطريرك من جهة أومغادرة البلاد كما وضعها المتصرف علنا (بامكان كل من لا
يرغب بهذا المشروع، مغادرة البلاد في الحال ) لذلك رأينا مغادرة البلاد وفقا لما سبق بين حرية الخيار
بالمغادرة أوالقبول بالمشروع.
وبناء على ما سبق فان ما نطلبه من الحكومة العراقية هو السماح لكافة الراغبين بالانضمام الينا
وعدم سد الطريق امامهم. ليست لدينا اية رغبة أوغاية للحرب أوالمجابهة الا اذا أرغمنا عليها.
ياقو مالك اسماعيل (تياري العليا)، مالك بيتو (تخوما)، مالك لوكو (تخوما)، مالك وردا (ديز)،
ريس ايشا (نوجيا)، ريس اسحق (نوجيا)، مالك ماروكيل ( سارا)، توما دمخورا (باز)، يوشيا ايشو
(درينايا)، مالك سالم (بروار)، شماس اسماعيل (ليوان)، ريس ميخايل (سارا)، ايشو قليثا (تيمار وان).
كان آشوريون اخرون قد تبعوا الفرقة الاولى التي سنعرفها من الان فصاعدا بالفرقة (آ)، وكان
على آشوريي (تياري السفلى) و (تخوما) وبروار السفلى واشيثا حتى مرتفع (سلاباقين - العمادية)
وآشوريي رواندوز وآشوريي قوتشانس في دهوك وبوتان وجيلو وغاوار شيخان مغادرة البلاد
والانضمام الى الفرقة (آ) بقيادة كل من اوديشو ريس اوشانا وريس يوسف مروتي وقائد المئة خوشابا
وريس خوشابا (مرتفع برخو ممثلا مالك شمزدين المعتزل) وريس سيفو وريس مقصود لاغيبا.
وقدر مجموع التحرك بما يقارب الاربعين نسمة، او ما يمثل 95 % من المجموع العام. وكان على
آشوريي الجنوب تتبع نفس الطريق. الا ان الجيش العراقي تصدى لهم مهددا فيما اذا غادروا العراق.
كانت قيادة الشرطة العراقية قد نقلت من بغداد الى الموصل ويتمركز ثلثي قوى الجيش في لواء
الموصل كما قامت الحكومة العراقية بتسليح 1500 من العرب والاكراد غير النظاميين بينما كانت ما
تزال في الوقت ذاته تطالب الآشوريين بتسليم اسلحتهم.
اثر مغادرة الفرقة (آ) البلاد الى سوريا، قام ممثل حكومة جلالته البريطانية في لندن بالتوجه في
الحال الى باريس لبحث الاوضاع مع الحكومة الفرنسية، بينما طالبت الحكومة العراقية من السلطات
الفرنسية في سوريا بتجريد الآشوريين من السلاح وارجاعهم الى العراق بموجب المادة السادسة من
الاتفاقية المقيدة عام 1927 بين سوريا والعراق حيال تنظيم التحركات العشائرية على الحدود. فواجهت
السلطات الفرنسية في سوريا موقفا متأزما. و بالنسبة للمادة السادسة من الاتفاقية فانها لا تنطبق على
الفرقة (آ) بأي شكل من الاشكال، اذ ان الفرقة غادرت العراق بناء على موافقة الحكومة العراقية التامة
الى جانب تصاريح ممثلي العراق في فرنسا بأن الفرقة لم تكن في حالة ثورة ضد العراق كما ان المادة
الخامسة/الفقرة الثانية من الاتفاقية واضحة حيال هذه النقطة. الا أن غاية الحكومة العراقية كانت
منصبة على احراج الفرنسيين لتجريد الاشوريين من السلاح وارجاعهم الى الحدود العراقية للقضاء
عليهم قضاء تاما بدون أي مقاومة. فوجد الفرنسيون انفسهم في وضعية حرجة جدا، اذ لم يكن ارجاع
هذا الشعب المسالم الى العراق ليقضوا عليه، أمرا في غاية السهولة وبذلك ارغام فرنسا لتلويث ماضيها
المجيد بدماء الآشوريين الابرياء، وفقدان هيبتها في الشرق وجلب العار الاكيد لسمعتها الناصعة. ان
بريطانيا الوحيدة من بين الجميع بامكانها ان تفعل ذلك.
ان ما حدث فعلا يمكن تلخيصه بناء على تقارير الانكليز والفرنسيين والاشوريين والعراقيين
انفسهم، كما يلي :ان السلطات الفرنسية كانت على جهل بما كان يتعرض له الاشوريين من اضطهاد
الحكومة العراقية، الامر الذي حدا بهم للالتجاء الى اوضاع أكثر استقرارا في سوريا.
اخفاء الحكومة العراقية اعمالها الاجرامية بوضع البريد الاجنبي تحت الرقابة الشديدة لمنع تسرب
الاخبار خارج البلاد، كما ان المباحثات الانكليزية - الفرنسية في باريس، ونتيجة للحقائق المحرفة التي
قدمها ممثلو العراق الى السلطات الفرنسية في سوريا بعدم وجود أي خلاف بين الاشوريين والحكومة
العراقية و للضمانات التي قدموها بعدم التعرض لهم في حال عودتهم الى البلاد، فان الفرنسيين اعلموا
الاشوريين بوجوب العودة بحيث سيؤدي امتناعهم عن القيام بذالك الى أخذ المشكلة طابعا خطيرا.
فطلب كل من مالك لوكو ومالك ياقو وشقيقه شليمون والسيد ايشو قليثا من المسؤولين الفرنسيين عدم
ارغامهم للعودة الى العراق وان وجودهم في سوريا ليس الا من اجل تغيير اوضاعهم الحالية.
كانت اخبار بطش الحكومة العراقية بعائلات الفرقة(آ) وغيرهم من الاشوريين قد تسربت الى
خارج العراق فاضطر مالك لوكو ومالك ياقو والقادة الاخرين تحت وطأة هذه الاوضاع للموافقة بالعودة
الى العراق وانقاذ الموقف بتسليم اسلحتم.
ولاختبار الضمانات العراقية للمسؤولين الفرنسيين فقد قامت فرقة صغيرة بعبورالنهر مع بغالهم
وانتظروا هناك اجتياز الفرقة الاخرى. وما ان بدأت الفرقة الثانية اجتياز النهر فان الطيران العراقي
اعطى الاشارة للجيش الكامن في الخنادق حول المنطقة، فانطلقت النيران من كل الجوانب.
فرفع الاشوريون اعلاما بيضاء في تخبط عشوائي ونادى احدهم الاخر (لا تردوا على النيران
محبة باطفالنا وعائلاتنا في العراق). الا ان جثث موتاهم اقنعتهم اخيرا أنهم ما لم يردوا على النيران
دفاعا عن انفسهم فان الفرقة بأسرها ستباد عن بكرة ابيها. وليست تضحية القس ماروكيل برواري
(قوتشانس) البطولية وقد جعل نفسه الجسر الذي عبر عليه الاشوريون الا احدى البطولات العديدة التي
سيسجلها التاريخ في مجد ملتهب. في رسالة مالك ياقو للمؤلف مدعومة بشهود عيان يصرح ما يلي:
"وبالرغم من فقدان التغطية العسكرية، فان الجيش العراقي الباسل قام باظهار شجاعته الفائقة حالما
اطلقنا النيران، بالفرار المذعور للتحصن في معسكرهم القريب."
اما الجيش العراقي فقد استمر بشن الهجوم بعد الاخر من الساعة السادسة مساء الرابع من آب
حتى ليلة الخامس منه بدون انقطاع واستطاع الاشوريون بالبنادق فقط وفي حالة الدفاع عن النفس حتى
الان من دحر هجمات العدو وتكبيده خسائر هائلة في الارواح والجرحى بينما بلغ عدد شهداء
الاشوريين في المعركة العشرة فقط وثلاثة عشرجريح 5. قي حين بلغت خسائر العدو الثمانين قتيلا،
وتبين في تقارير لاحقة ان العدد كان اكبر من ذالك بكثير.
5 استشهد في المعركة: مالك بيتو- ريس زومايا دانييل- ججس ميشو- يوخنا خانو- ريحسوريشو- زومايا صليانا و-قشتو. بنيامين
قاشا ماروكيل- بادل داود - ماروكيل قرياقس.
الجرحى : مالك لوكو-عنتر جندو- موشي دانييل- ريس جليو نادر- ريس كيوركيس كيو- هرمز كيوركيس- نيسان يونان- شمعون
وردا- يوسف ايشو - انويا يونان - يوسف كانون - خيو جادو- مالك شيخو.
في الخامس من آب شن الاشوريون بقيادة مالك لوكو /تخوما/ هجوما عنيفا على الجيش العراقي
المحصن حول /تشاي بيخير/ احتلوا على اثره التل و انقذوا اولئك المعزولين على ضفة النهر، الا ان
الطائرات العراقية المشاركة في المعارك كانت قد دمرت الخيمة ومعها الضباط الثلاث الاسرى. اما
وقد افلحوا في انقاذ بني امتهم من الموت المحتم فقد قرر كل من مالك لوكو و مالك ياقو و شليمون و
ايشو بالتراجع وقد ادركوا استحالة التمسك بمراكزهم بعد نفاذ الطعام ونقصان الذخيرة بينما كان الجيش
العراقي ما يزال يتلقى الامدادات والذخيرة باستمرار.
وفي خضم المعارك الدائرة استطاع 250 اشوري من التسلل بين الجحافل العراقية والعودة الى
قراهم لحماية عائلاتهم هناك /انظ 6ر تقرير السير ارنولدويلسن في نهاية هذا الفصل/. اما الطائرات
العراقية فقد قامت بالقاء المناشير عن العفو العام الذي سيشمل كل من سيسلم سلاحه وعدم مسه بسوء،
فقام عدد كبير من الاشوريين بتسليم اسلحتهم للسلطات المدنية حيث اعدموا في الحال وبدون محاكمة.
اما في دهوك فقد اعدموا خمسة عشر اشوريا في السابع عشر من آب في احدى الحدائق بعد ربطهم
بالحبال واطلاق النيران عليهم بحضور واوامر القائم مقام بالذات.
كانت اذاعة بغداد تبث اخبار المعركة على النحو الذي كان يخدم مراميهم في الابادة التامة اينما
كان. وصرحت الحكومة العراقية ان الاشوريين كانوا البادئين باطلاق النيران عند فش خابور وانهم
مثلوا بجثث الضباط الثلاثة. ولكن لندع تصريحات الاشوريين والحكومة العراقية على حدة وناخذ تقرير
الميجر(الدواردس):
" ... كانت الفرقة (آ) قد اسرت الضباط العرب في المعركة الى جانب كميات هائلة من العتاد
والمتفجرات. وباستمرار المعركة فان الاشوريين لم يتمكنوا من اخذ الاسرى معهم بل ربطوهم بالحبال
في احدى الخيام الى جانب الذخيرة والعتاد المستولى عليه. وكان على سلاح الطيران ان يقوم بتدمير
الذخيرة حيث بدأ في الحال بالعملية مما اسفر عن مقتل الضباط الثلاثة".
في 24 ايلول 1933 وجه مالك ياقو للمؤلف الرسالة التالية:
عزيزي يوسف مالك
لابد ان تكون قد سمعت بدون شك عن الوسيلة التي اتبعتها الحكومة العراقية في اتمام وعودها
وتعهداتها لعصبة الامم حيال حماية الاقليات في البلاد. كان بودي ان اتصل بك قبل الآن ولكنني لم
استطع لسوء الحظ بسبب عدم معرفتي عنوانك حتى مؤخرا بعد ان حصلت عليه من السيد جلادات
بدرخان.

9
ان بريطانيا هي التي شجعت الاشوريين بعدم الولاء وسلحتهم لهذه الغاية، وهي التي قامت على
تشكيل جيش آشوري زماتزال تعدهم بالاسلحة، وليست استقالة مجلس الوزراء الانتيجة الازمة النابعة
عن المشكلة الاشوريو. اننا نطالب مجلس الوزراء بعدم الاستقالة، ونطالبه بمعالجة الاوضاع بيد من
حديد."
سأل يائب آخر رئيس الوزراء في نفس اليوم الذي ظهر فيه المقال عما اذا كانت الحكومة عازمة
على اقامة الاشوريين في مختلف المناطق من العراق أم لا، لأن عدم القيام بتوطينهم في مناطق متفرقة
من البلاد سيشكل خطرا كبيرا على العراق.
طالبت الصحف العراقية في 26 حزيران بوضع الاهمية الاولى على توطين العرب الرحل بدلا
عن توطين الاشوريين اللاجئين. وحيال مشكلة التوطين سئل رئيس الوزراء عن أدق التفاصيل بالنسبة
للأولوية في هذه المسألة الخطيرة.
بين 27 و 30 حزيران نشرت الصحف العراقية أكثر من 15 مقال مسموم ضد الاشوريين، بينما
تعالت الخطابات الحادة في مجلس النواب حول الموضوع نفسه كان من بينها :
" بريطانيا هي سبب الشقاش في العراق، وتختلق تحت ذريعة حماية الاقلية الاشورية، شتى
التعقيدات الهائلة في سبيل العراق لخدمة مصالحها الخاصة، ومع كل ذلك يقال عنها انها حليفة العراق.
انهم الانكليز الذين جاؤوا بفكرة فصل البصرة عن بقية العراق، وهم الذين يسببون الخلاف بين
السنة والشيعة وهم الذين يريدون خلق دولة شبه مستقلة في شمال العراق ايضا. يجب ألا ينخدع
الاشوريون بالمخططات الانكليزية والا فسيحدث لهم ماحدث للاومن فيما سبق. يجب عدم السماح
لتشكيل وحدات المجندين الاشوريين (ليفي) بحجة حماية المطارات الانكليزية، كما ويجب توطينهم وفق
مايراه العراق مناسبا لخدمة مصالحه. ان المداوالات في مجلس النواب حيال القضية الاشورية يجب ان
تضع العراقيون في يقظة تامة ولاننخدع بقبول العراق في عصبة الامم.
ان مجلس النواب ومن ورائه الشعب العراقي بأحمعه نطالب مجلس الوزراء بعدم الاستقالة وحل
المجلس، وعوضا عن الاستقالة فما علية الا القيام بالعمل الذي يجده ضروريا بغض النظر عن
العراقب. عليه ان يقاوم تشكيل وحدات المجندين الاشوريين أو توطينهم في البلاد.
أن الامة بأسرها على استعداد لبذل كل غال ونفيس من أجل الحفاظ على المجلس الوزاري الحالي
واستمراره في تنفيذ خططه تجاه الاشوريين. ان مالك ياقو على وشك الرضوخ للحكومة بسبب الضغط
المستمر عليه في الشمال، كما ان حاميات مخافر الشرطة في الموصل قد تمت تقوريتها، ووجهت
الجيوش لمجابهة الاشوريين واخذت كافة الاجراءات اللازمة لحماية السكان (كذا).
ان الاشوريين مجرمون لذا يجب التخلص من بعض العناصر منهم." في رد رئيس الوزراء على
اسئلة النواب وبالأخص البعض منهم قال: " لم يحجث من جانب الاشوريين أن تعد احد منهم حتى الآن
على السكان المدنيين، أما بالنسبة عن المصدر الذي يحصلون منه على الاسلحة فانني اعتقد انكم
تعرفون المصدر جيدا ومع هذا فليس هنال مايدعو للخوف على سلامة الشعب. وحيال توصيات عصبة
الامم فان تلك التوصيات لاترغمنا للقيام على توطينهم في مقاطقة خاصة بهم."
" ان الضباط الانكليز قائمون على تنفيذ مهامهم من وراء الستار، قال احد النواب، وان كانت
تحدث هذه الامور في السابق، فيجب ان تكون قد انتهت الآن بانتهاء الحكم السابق ويجب ان تنتهي
الآن. ان السؤولية في مثل هذه الامور باسرها ان تعرف واجباتها القومية حيال هذه القضايا، ويجب
عليها المشاركة فيها ايضا."
وحدثت عدة مداولات اخرى في مجلس النواب بتاريخ 28 حزيران جاء من جملتها مايلي:
" ان الانكليز هم الذين جلبوا هؤلاء الاشوريين الى العراق لخدمة مصالحهم الخاصة بينما لانزال
ننتظر بفارغ الصبر، العمل الرادع الذي تبنته الحكومة ضد البطريرك واتباعه. لقد انتهت حكومة
الانتداب باستقلال البلاد. وباما ان الحكومة العراقية كانت قد خصصت مبلغ ( 13000 ) دينار لتوطين
هؤلاء المجرمين لذلك يجب ان تقوم على توزيعهم في كافة انحاء البلاد. اما بريطانيا فترمي من خلال
مساعدتها للآشوريين، خلق مسألة صهيونية اخرى في العراق كما فعلت في فلسطين، لذا يقتضي الأمر،
بل ما يجب على الحكومة والأمة معا للقيام به انما هو المشاركة يد بيد لوضع حد لها. اننا على استعداد
للدفاع عن البلاد اذا اقتضت الاوضاع، وآمل ان تكون الاشاعات بتوطين ألف عائلة آشورية في الشمال
غير صحيحة. يجب تجريدهم من السلاح حالا والقيام بعمل رادع لمنع ذلك من الحدوث. اما توطينهم
في تجمع متجانس وفي منطقة خاصة بهم فأمر لن نرضى به ابدا، مهما كانت العراقب."
في اواخر حزيران 1933 كانت الاوضاع السياسية في العراق قد بلغت احدى اخطر المراحل حتى
الأن. كانت مشاريع التوطين قد ألغيت جميعها وحتى مشروع دشتازي واضافت محاولة تجريد
الاشوريين من السلاح بعدا آخر الى خطورة المرحلة. وعلى الرغم من قيام السلطات الرسمية في
العراق خلال الثورة العربية الكبرى حتى غاية 26 حزيران 1920 بجمع مايقارب ال ( 65435 ) بندقية
و ( 3 185 000 ) طلقة من عشائر العرب التي شاركت في الثورة، فان التقديرات الموضوعة في
حزيران 1933 عن عدد الاسلحة التي كانت في حوزة العرب انذاك كانت قد بلغت أكثر من ( 000
150 ) قطعة سلاح وكان الاشوريون على معرفى بها. ولم تكن معارضة مالك لوكو ومالك ياقو من
تسليم اسلحتهم المرخصة قانونيا الا بسبب ذلك، وبسبب ذلك فقد اعتبرت الحكومة العراقية والمسؤولين
الانكليز كلا من مالك ياقو ومالك لوكو (غير مطيعين للقوانين والسلطات الحكومية).
في 29 حزيران 1933 رفع البطريرك شكوى حيال تهجمات الصحف العراقية العنيفة والخطابات
النارية في مجلس النواب العراقي ضد الاشوريين، الى مختلف الممثلين الدبلوماسيين الاجانب في بغداد
ونسخة عنها الى السفير البريطاني في بغداد. (انظر الملحق (و)). ولو شاء السفير البريطاني انهاء هذه
المخازي وتجنب المذابح بينما كانت حكومته، المسوؤلة خلقيا تجاه حماية الاشوريين، لاستطاع من
خلال منصبة آنذلك درء هذه الكارثة والا .. فلماذا تبني (المسؤوليات الخلقية؟).
لم تكن الحكومة العراقية بالرغم من توقيعها عدد من الوثائق حيال احترام الاتزامات العالمية،
صادقة في رغبتها للقيام بها. وحينما اكتشفت عدم مبالاة السفارة الانكليزية بمصير الاشوريين، فقد
شجعت بعض العناصر المعروفة لاغتيال البطريرك. وبالنسبة لمعلية الاغتيال فقد قامت الجهات
البرطيانية بتحذير البطريرك من خلال الممثل الدبلوماسي وكذلك بطريرك الكلدان عن المحاولة. كان
من بين الخطط الموضوعة تدبير حادثة صدم سيارته بأخرى حيث فشلت، ولم تكن محاولة اخرى
لاغتياله في مقر اقامته - بين النهيدي مقر وحدات المجندين الاشوريين ومخيم الكيلاني المقطونة
بالاشوريين سوى احدى

10
الجزء الثاني
في 10 ايار 1933 كان الميجر ويلسن والمتصرف قد اوصيا الحكومة العراقية بوجوب استدعاء
البطريرك الى بغداد وتوقيفه في الحال مهما كلف الامر. وعندما نشرت الحكومة العراقية كتابها الازرق
لتلك السنة فانها قامت على طمس اجزاء منه وعدد من المراسلات الاخرى لتمكينها من اعطاء صورة
مغلوطة عن الاوضاع القبيحة التي احدثتها بينما كانت ماتزال تتوقع مساندة البطريرك لها. فجاء من
خلال احدى رسائل الميجر ويلسن الحرفة مايلي:
" اطلب من البطريرك للمثول أمام الحكومة في بغداد بحجة بحث قضايا مهمة وعاجلة ويجب ان
يتبع التوقيف في الحال حيث سينهي هذا الاجراء، الخطورة المترتبة من اقامة البطريرك في غير صالح
القضية العراقية.
ولانها تأثير العائلة البطريركية على الاشوريين فاننا ننصح الحكومة العراقية بزيادة عدد مفتشي
الشرطة الاشوريين من 6 الى 8 وفي الحال. ان مثل هذه الزيادة سيكون لها الدور الفعال حتما في هذا
الامر.
ترفيع الضباط المسيحيون ممن اشتركوا في المعارك مع الجيش العراقي ضد الشيخ محمود
البرزاني، حالا.
توجيه دعوة رسمية الى كل من سورما والكابتن ياقو القائمين على نشر الدعايات المناوئة للحكومة
العراقية بين القبائل الكردية، للمجيء الى بغداد والقاء القبض عليها وضبطها.
الضغط على البطريرك بكافة الوسائل لتوقيع وثيقة رسمية تفيد عن تنازله عن سلطاته المدنية.
وبالنسبة لمشروع الاراضي التي يطالب بها الاشوريون قرب، أو على الحدود السورية، فان موافقة
الحكومة على أي مشروع من هذا النوع ستكون مخاطرة وخيمة العواقب على العراق في المستقبل.
يجب أخذ كافة الخطوات الضرورية لارغام العائلة البطريركية للموافقة على مشروع دشتازي
وقبول المنطقة المخصصة."
في 12 ايار 1933 شنت الصحف العراقية حملة شعواء ضد السياسة البريطانية في العراق كان
من بينها :
"ليس ثمة مبرر لتنعم بريطانيا بالامتيازات الخاصة في العراق وقد اعترفت امام سبعة وخمسين
دولة عن مؤهلات العراق لنيل الاستقلال التام وكفاءتها لادارة شؤونها الخاصة. ان بقاء وحدات
المجندين الاشوريين في البلاد انما اشارة عن استمرار الاحتلال العسكري البريطاني، لذا يجب علينا ان
نعمل - بغض النظر عن العواقب - للتخلص منهم وباسرع ما يمكن." وتتابع الصحف العراقية الحملة
بدعوة قادة العراق لاستنكار السياسة الانكليزية، وعدم اظهار أي تسهيل لبلوغ تلك النهاية.
في 14 ايار طالبت الصحف العراقية بعدم اسماح لأي لاجيء اشوري دخول العراق كما وشنت
حملة اخرى ضد الاشوريين العامليين في سكة الحديد.
في 22 ايار طلب المتصرف من البطريرك بالتوجه الى بغداد في الحال لبحث مشروع التوطين مع
وزير الداخلية والميجر تومسن. ومع ان الطلب كان عاجلا فقد اضطر البطريرك للانتظار في بغداد
ستة ايام قبل موافقة وزير الداخلية حكمت سليمان (سابقا أحد اعضاء حزب الاتحاد والترقي التركي)
على المقابلة. اما مقر اقامته في بغداد / رابطة الشبان المسيحيين/ خلال هذه المدة فقد كان محاطا
برجال المخابرات ليلا نهارا.
في مقابلة البطريرك للمتصرف قبيل مغادرته لاموصل قال له المتصرف بأن الشكاوى التي رفعها
الى عصبة الامم بالنيابة عن الاشوريين لم تكن مما يمكن للحكومة العراقية أن تتغاضى عنها. وفي
تعبير آخر، كان عليه ان يدفع الحساب.
في بغداد كان وزير الداخلية قد أعلمه عن عدم رضى الحكومة العراقية حيال تصرفاته عامة وأن
عليه توقيع الوثيقة الخاصة التي كانت الحكومة قائمة على اعدادها.
في 31 ايار وصل تومسون الى العراق. فنشرت (العراق تايمز) خبر وصول الخبير بشؤون
التوطين في عدد الاول من حزيران. اما تومسون وقد تعاقد مع الحكومة العراقية لمدة ستة اشهر وكونه
صديق السير فرانسيس خلال سني الدراسة فقد كان من المتوقع منه لاعداد نفسه لتطبيق مشروع
دشتازي وسرعان ماقام باجراء المباحثات مع بعض الاشوريين ولكن بدون جدوى.
على الصفحة الخامسة من تقرير الميجر تومسون الى وزارة الداخلية، يعترف فيه عن فشل كافة
مساعيه مع الاشوريين حيال المشروع، جاء فيه:
" ان الجواب الرئيسي حول سؤال الاشوريين بالنسبة لمشروع التوطين كان دائما، باستثناء عدد
ضئيل جدا، هو ذاته: (اننا لاجئون. اما ان نقبل بالمشروع دون موافقة البطريرك فهذا امر غير ممكن
ونفضل ان نبقى لاجئين ما لم يخبرنا البطريرك بعكس ذلك)."
ان تصرفات الاشوريين هذه كانت نتيجة عنت وغباء الرسميين العراقيين ومستشاريهم الانكليز
بحيث كانت كافة مساعيهم المشبوهة محتومة لترتطم على منفذ مغلق. ولو ان تلك المساعي لتوطين
الاشوريين كانت صادقة حقا وسادت الاجتماعات جلسات حكيمة كالاستجابة للمطالب باطلاق سراح
البطريرك قبل البدء بأي مشروع، لأمكن عندئذ تجنب سفح الدماء. وعلى الرغم من عدم اعلان
تومسون عما جرى خلال اجتماع دهوك مثلا، ورد الاشوريين الحازم حول مشروع دشتازي بدون
البطريرك، فانه قام عملا بنصائح السلطات في الموصل، باستدعاء اربعين آشوري للادلاء بآرائهم حول
مشروع التوطين حيث حذر ستة وثلاثين منهم الميجر تومسون مغبة الوسائل التي يتبعها وانهم متفقون
على مايرضى به البطريرك. بينما اجاب الاربعة عن قبول أي مشروع ترتأيه الحكومة لهم. كان
الاربعة اسماعيل البازي المستخدم لدى المبشر كمبرلاند السابق ذكره، وكوريه ويونان البازي أعمام
عزرا افندي مساعد قائد الشرطة الذي لقى حتفه وغم ولائه الشديد للحكومة العراقية، اغتيالا في اوائل
آب 1933 على عتبة بابه، وهيدو البازي الذي كان ابنه معلما في مدرسة حكومية. كان يجب ألا تشجع
ما أدلى به هؤلاء الاربعة الميجر تومسون للاستمرار في المشروع العقيم، اذ لم يكن بوسعهم اعلان
عكس ذلك خشية الانتقام في المستقبل. كان على الميجر تومسون اولا ان يسعى لخلق الاجواء الملائمة
ومن ثم الشروع في تنفيذ مشروع التوطين. الا ان الحكومة العراقية لم تكن لتسمح بذلك بينما كانت تثير
الجلبة لسفح الدماء، ولم يكن بوسعها ان تجد وسيلة للقيام بمثل هذا العار الابدي أفضل من الميجر
تومسون بالذات.
في اجتماع دهوك كان تومسون قد سمع ماقاله ويس بير البازي وريس تيلو البازي وريس ادو
البازي وريس شيمو البازي وغيرهم عن تكذيب اولئك الاربعة المذكورين وسمع في الاجتماع الذي
حضره مارسركيس وخوشابا ومالك خمو وتشكو وكيو /تياري العليا/ رد الخوري يوخنا زيا /كوندكثا -
تخوما/ : "ان هؤلاء الحاضرين جميعا ليسوا سوى حفنة من المنافقين الكذابين. أما الاعتماد عليهم حول
مشروع التوطين بدون البطريرك فسيؤدي حتما الى نتائج خطيرة جدا."
كانت تلك، المشاعر السائدة بين الاشوريين حينما قرر تومسون بالتوجه الى بغداد ليبحث - رغم
فشله - بعض القضايا الهامة مع البطريرك، بينما استمر الرسميون العراقيون في تصعيد الحملة
السياسية المعادية تجاه الاشوريين عامة وخاصة. فمنع قائم مقام العمادية مالك ياقو من زيارة عشيرته
وطلب منه توقيعا خطيا بهذا الشأن. وقبيل اجتماع الموصل المنعقد في 10 تموز 1933 كان قائم
مقامات المنطقة قد اعلموا قادة الاشوريين ومن بينهم مالك ياقو، ان بامكان كل من لايرغب بالبقاء في
العراق، مغادرتها وان الحكومة العراقية ستتمحل كافة النفقات حتى مغادرتهم الحدود. كان مالك ياقو قد
وضح في رسالته الى قائم مقام العمادية بتاريخ 22 ايار هذه النقاط جيدا، وطلب منه التحقيق في
الدعايات المحرفة التي ينشرها عديمي الشرف والمروءة وبين فيها ان غايات الاشوريين لم تكن ابدا
مجابهة السلطات الحكومية.
28 ايار الى البطريرك، عن ممانعة الحكومة / افاد وزير الداخلية في رسالته رقم: سي 1104
العراقية للاعتراف بسلطاته الدنيوية. ومن الجدير بالاعتبار هنا، توضيح الشكوك التي تحيط بهذه
السلطات الغامضة.
كانت السلطات العثماينة تعتبر البطريرك القائد الروحي والممثل الدنيوي للأمة الاشورية واعترف
كافة السلاطين الاتراك المتعافبين بهذا الاعتبار.
اما الامتيازات التي كان يتنعم بها البطريرك فتتلخص فيما يلي:
. - 1 تعيين رؤساء العشائر الاشورية التالغة 25
- 2 اعتبار البطريرك المرجع الاخير للعدالة وحل الخلافات الداخلية دون الوجوع الى السلطات
الحكومية المحلية.
- 3 الوسيط لحل الخلافات الناشئة بين المسلمين والاشوريين.
- 4 تقديم منحة (اختيارية) الى السلطات الحكومية من خلال البطريرك.
- 5 اعفاء الاشوريين وبالأخص العشائر المستقلة من الخدمة العسكرية.
- 6 اعتباره الوسيط لحل الخلافات الناشئة عن سوء التفاهم بين السلطات المحلية والاشوريين
خاصة.
- 7 حق الرجوع الى السلطان مباشرة في حال اختلافه مع المسؤولين الرسميين.
- 8 الرجوع اليه في كافة القضايا الادارية أو المسائل التي تمس سياسة الحكومة العامة حيال
الاشوريين.
وقد تمتع بهذه الامتيازات كافة بطاركة الاشوريين حتى الايام الاخيرة من عهد مار بنيامين،
واستشهدت بها لجنة الكونت (طالقي) التي عينتها عصبة الامم حيث جاء على الصفحة 90 من تقريرها
الملاحظات التالية:
" اننا نشعر ان من واجبنا على اية حال، التوصية بوجوب ضمان اعادة الامتيازات القديمة التي
كانوا يتمتعون بها ماقبل الحرب. ويجب، مهما كان نوع الدولة الحالية الآن، منح هؤلاء الاشوريين
الاستقلال الذاتي والاعتراف بحقوقهم الشرقية لتعيين مسؤوليهم الرسميين، والاقتناع بتقدمة منهم تدفع
من خلال وكالة البطريرك.
ان وضعية الاقليات بالضرورة، تفرض نفسها للاعتراف بها وفقا للاوضاع الخاصة للبلاد، ونعتقد
ان الاستعدادات المتبنية من اجل الاقليات ستصبح، مالم تمارس بالاشراف المباشر المستمر، حبر على
ورق، ويمكن الاعتماد في هذه الحالة على مندوب تعينه عصبة الامم في المكان المباشر."
كان البطريرك قد فقد منذ دخول الاشوريون العراق عام 1918 وما بعد هذه الامتيازات الخاصة
كما ولم يطالب بها. أما السلطة الوحيدة التي كان يتمتع بها فلم تكن سوى احترام الشعب له والتي
استغلتها سلطات الانتداب البريطاني والحكومة العراقية في كافة المصاعب التي كانت تعترضهم.
وبالرغم من عدم التلميح لهذه السلطات الدنيوية اعتبارا من عام 1918 ، لكنها بدأت تتردد على الالسن
منذ وصول الخبير بشؤون التوطين الى العراق لعزل البطريرك عن الاشوريين على مختلف الاصعدة.
قام بومسون اثر وصوله الى بغداد بمقابلة البطريرك في مقر السير كينيهان كورن واليس ليعلمه،
انه باستثناء كونه موظفا في مركز المستشار، فانه لايملك سلطة رسمية لتغيير الامور، وفي كلمة
اخرى، ان الحكومة العراقية لم تكون ملزمة بتبني توصياته حيال مشكلة التوطين.
وجه تومسون في السابع من حزيران الى البطريرك يعلمه فيها عن مغادرته بغداد تلك الامسية الى
الموصل. وذكر تومسون البطريرك في تلك الرسالة عن بعض الاحاديث الخاصة التي جرت بينهما. اما
البطريرك فقد وجه في اليوم ذاته ودا على اختلاقات تومسون قائلا له ان مثل تلك التصرفات المعادية
المختلقة من جانب السلطات الرسمية في الموصل ستؤدي حتما الى أخطر المشاكل. اما اذا اراد النجاح
في مساعيه فيجب تغيير هذه الاساليب الملتوية بمواجهة الحقائق وعدم التحيز.
كانت المصادقة على البيان المنشور في الملحق (ه) الموجهة من قبل وزير الداخلية الى
البطريرك للتوقيع عليه تعني القضاء التام على الاشوريين والى الابد في حال الموافقة عليه كما كان، لا
لمضمون البيان فحسب بل وبسبب الرسالة المرفقة. وبما ان البطريرك كان قد ادخل عليه بعض
التعديلات لضمان مصلحة الطرفين فقد امتنع وزير الدخلية عن قبول تلك التعديلات.
في رد وزير الداخلية رقم: اس / 1239 على رسالة البطريرك الى تومسون حول تصرفات
المسؤولين الرسميينفي الموصل أجاب الوزير بأن تصرفاتهم كانت جيدة جدا وأن عليه ألا يتدخل في
الشؤون السياسية، وتجنب التدخل في عمليات مشروع التوطين.
من جهة، كانت السلطات العراقية تطلب تدخل البطريرك وتسأله المساعدة كلما تأزم الموفق، ومن
البطريرك الاخر، تعلمه رسميا بعدم التدخل في الشؤون السياسية على الرغم من كون الجهات الرسمية
التي كانت تطلب مثل هذا التدخل. فكيف يمكن التوافق بين هذين النقيضين؟
كانت اتصالات المسؤولين الانكليز بالبطريرك قد انقطعت خلال هذه الفترة، واحجموا حتى عن
زيارته مؤخرا لان القيام بذلك كان سيجلب نقمة اسيادهم العرب وفقدان مناصبهم الرفيعة التي لم يكونوا
ليحصلوا عليها في أي مكان آخر غير العراق.
ومع ان مجلس الولاية قام على وضع خطة سرية لتجريد الاشوريين من السلاح استعدادا لتنفيذ
غاياتهم الدنيئة بالقضاء التام عليهم، ورغم صدور الاوامر الى الصحف العراقية بتصعيد الحملات
المعادية لتهيئة السكان العرب والجيش للتحرك ضد الاشوريين حالما تعطى الاشارة، فان ما من تحرك
كان يحدث في العراق - مهما كانت نوقية التحرك أو طبيعته - دون معرفة وموافقة السلطات
البريطانية عليه أولا واخيرا.
في 16 حزيران 1933 طالبت الصحف العراقية الغاء المعاهدة العراقية - الانكليزية التي لم يكن
قد مر عليها أكثر من الثمانية اشهر. وقالت بأن العراق يجب ان يكون حر التصرف في كافة شؤونه
الادارية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والتشريعية بغض النظر عن الضغوط الخارجية أو
التهديدات العسكرية. مامن تهديد أو ضغط خارجي يجب اعتباره للتغاضي عن رؤية تعديل هذه
المعاهدة.
سئل رئيس الوزراء في 20 حزيران 1933 في اول مداولات المجلس حول مشكلة الاشوريين،
عن المصدر الذي يحصل منه هؤلاء على أسلحتهم والغاية من القنصلية الانكليزية في (ديانا) وعن
الوسائل المتبنية لردع الاشوريين من الاعتداء على السكان المدنيين. ومع ان هذه الاسئلة كانت قد
اعدت مع رئيس الوزراء مسبقا، الا ان الأمر كان يقتضي بوجوب طرحها على مجلس النواب لتأخذ
الطابع الرسمي ليس إلا ..
جاء في افتتاحية الصحف العراقية ليوم 25 حزيران 1933 مقالا بعنوان " الاشوريون والانكليز"
كان من جملة ما جاء فيه ما يلي :
انها بريطانيا التي أخلت بكافة تعهداتها للعرب. وانها بريطانيا التي لا تحترم الا تلك التي تعهدتها
لليهود في فلسطين وللآشوريين في العراق.

11
في اوائل ايار كان/ ريس زكريا - عين نوني/ قد تعرض للاهانة من قبل قائم مقام العمادية بسبب
زيارته للبطريرك، وفي نفس الوقت كان قائد الجيش العراقي المرابط في ديانا قد استدعى / آغا ايزريا
- ترغاوار/ احد الضباط الاشوريين سابقا والذي كان يقيم انذاك في ديانا قائلا له: " ان الجيش موجود
هنا ليلقنكم، لا الاكراد درسا لن تنسوه ابد الدهر. ان الجيش موجود هنا ليقتلع اعينكم." اما الامام الذي
رافق الجيش الى ديانا فقد حذر المسلمين من زيارة الاشوريين او دخول مقاهيهم لكونهم (كفار
وانجاس).
ان مدينة الموصل - مقر المتصرف - مرتبطة مع كافة المراكز الادارية الحساسة في اللواء
بشبكة هاتفية تنقل التعليمات الرسمية للاساءة الى الاشوريين دون ان تترك اي اثر رسمي عن كيفية
تخطيطها المسبق.
ومع ان التعليمات الرسمية من السلطات المركزية في بغداد كانت ترسل الى المتصرف بواسطة
البريد الرسمي عادة، ومن ثم يحيط مرؤسيه بها في كافة المناطق، الا انه كان وفي كافة القضايا
المتعلقة بالاشوريين، يوجه تعليماته الشفهية الى قائم مقاماته ومدراء نواحيه لغض النظر عن التعليمات
الرسمية، ورفع تقارير مفتعلة الى مركز كل لواء حيث كانت ترفع الى بغداد مصدقة من قبل المتصرف
وبالضرورة من قبل المفتش الاداري على ضوء غالبية هذه الردود الواردة.
في 12 ايار قام احد الضباط العرب المقيمين في محلات (شكر) من نفس الحي الذي كان يقيم فيه
البطريرك باثارة فتنة مفتعلة في المنطقة حيث زعم الضابط العربي الذي كان يقضي تلك الليلة مع
بعض الاخوة الضباط برفقة عاهرة، بالتعرض للرجم بالحجارة متهما العائلة البطريركية بالحادثة.
4 يبدو ان بكر صدقي كان يؤمن بنهج وسلوك بدرخان بك الكردي ومحمد الرواندوزي القاضي بالتخلص من السريان الاشوريين
الكلدان والاستيلاء على اراضيهم التي تحولت بالفعل الى كردية وضمت الى مشروعان كردستان!؟ (الناشر).
أما قضية الحجارة فيما اذا كانت صحيحة على أي نحو ما، فاما ان تكون من اعمال منافسي
الضابط العربي على العاهرة واما من قبل نساء مسلمات محترمات من تلك المنطقة. كانت حادثة
الحجارة لا اكثر من عذر لدخول
سكن البطريرك وتفتيشه، وكانت قد اعدت مسبقا مع الضابط العربي الذي لم يكن سوى أعز
اصدقاء بكر صدقي. كان رجال الشرطة قد اتهموا، على ضوء الادلة الواردة، كلا من الخوري اسحق/
معتمد البطريرك الخاص - نوجيا/ والسيد شليمون مالك اسماعيل شقيق مالك ياقو، وابنه اثناسيوس،
والسيد عنتر /قوتشانس/ المدعين عليهم في الحادثة.
بعد ثلاثة اشهر من الحادثة كان بكر صدقي قد أصبح القائد الاعلى للجيوش العراقية المرابضة
لمذابح الاشوريين حيث أمر الوحدات العسكرية بالتمركز في كافة المناطق الاستراتيجية من (عين
كبريت) حتى (غزلاني) واخلاء محلات (شكر) من الضباط العرب باستثناء ضابط كردي كان قد امتنع
عن المشاركة في تضحية الاشوريين على مذبح التعصب العربي.
فقام البطريرك باحاطة المتصرف بالتحضيرات العسكرية التي يقوم بها بكر صدقي للقضاء على
الاشوريين حيث عبر المتصرف عن اسفه للاوضاع العامة وقام بالاتصال ببكر صدقي ودعاه للمجيء
الى مقر المتصرف لاجراء مقابلة معه. اما بكر صدقي فقد أجاب المتصرف بأن الظروف لاتسمح له
لاجراء المقابلة في ذلك اليوم لانشغاله التام ببعض الامور الحساسة التي لايمكن تأجيلها وانه سيقوم
بالتأكيد على اجراء المقابلة في اليوم التالي.
الا ان اليوم التالي لاجراء المقابلة لم يكن ليأتي قط. أما وقد تبين للبطريرك الخطر المحدق
بالآشوريين فانه قام بتقديم شكوى الى كل من قائد السرب السيد (اومالي) وآمر الخدمات العامة
والقنصل الانكليزي في الموصل السيد (موني بني) ونائب آمر سلاح الطيران.
في 16 ايار 1933 قامت الشرطة العراقية بناء على اوامر المتصرف، باستدعاء كافة الاشوريين
لاعادة تسجيل اسلحتهم ومنحهم التراخيص الضرورية. ومع ان الاشوريين كانوا يملكون تراخيص
سارية المفعول للاسلحة التي كانت بحوزتهم، فان الاستدعاء لاعادة تسجيلها لم تكن الا خطة لتجريدهم
منها بحيث ستكون المقاومة حيال الانقضاض عليهم احدى المستحيلات.
وبما ان نائب آمر سلاح الطيران كان في الموصل آنذاك للتحقيق في قضية الحجارة بعد اتهام
وحدات المجندين الاشوريين بالاشتراك في الحادثة ايضا وبسبب امتناع الآشوريين عن تسليم اسلحتهم
وتطابق الوقت مع عرض البطريرك للاوضاع العامة، فان بكر صدقي لم يكن ليجد أسنح فرصة
للشروع في تنفيذ المذابح العامة التي نالت موافقة السلطات العليا في بغداد، أفضل من هذه. ولم يكن
تعيينه لقيادة المذابح قد جاء بسبب انعدام الضباط الافضل منه كفاءة بل لكون بكر صدقي الشخص
الوحيد المناسب للقيام بها.
كان البت في قضية الحجارة قد تأجل حتى موعد 13 ايار وانتهت في اليوم نفسه. اما وحدات
الشرطة المقامة في محلات شكر (لحماية الاشوريين) فقد وردتهم الاوامر في 19 ايار بالانسحاب حالا
واخلاء المنطقة.
في 12 ايار، وجهت الاوامر الى قيادات الشرطة لنقل الاشوريين العاملين فيها، من مقاطعات
زاخو والعمادية ودهوك وشيخان، الى المناطق النائية في الجنوب، وتجريد الاشوريين في شرطة
الموصل والمجندين في الجيش العراقي من السلاح.
وبينما كانت هذه الامور قائمة على قدم وساق فان المتصرف كان يبحث في مشروع التوطين،
ويتكلم عن مقاصد حكومته الطيبة وغاياتها النبيلة. وكانت خلال هذه الفترة ايضا حينما أوصى
المتصرف، البطريرك كما فعل ويلسن من قبل، لسن تشريع محلي للآشوريين.

12
فحدثت خلال عام 1930 عدة حالات أكيدة بالتحول عن السياسة السابقة حيال الاشوريين.
كانت المعارضة من جانب وزير المالية مثلا، بالنسبة لاعفاء المستوطنين الاشوريين من الضرائب، قد
تصاعدت في اوائل عام 1930 بشكل عنيف. أما الرد وقد ذكر مجلس الوزراء بقرار الثامن من آذار /
1927 فقد كان بأن القرار ذاك كان ساري المفعول لتلك السنة فقط. وأن الاقترحات بالنسبة لضمان
الاعفاء للسنة الحالية يجب اعتبارها وفقا لمتطلباتها.
وأكد رئيس الوزراء للمندوب السامي في حينها، أن مثل هذه الاقتراحات ستؤخذ بعين العطف
والاعتبار، كما وقام مؤخرا على تأكيد هذه الضمانات اكثر من مرة."
في حوزة رئيس مكتب التحقيقات الجنائية في بغداد (الميجر ويلكنس) عدد لايحصى من التقارير،
تفيد أن " العديمي الشعور بالمسؤولية" كانوا وزراء ونواب في خدمات الادارة وموظفين رسميين في
الشرطة. ومع أن تقرير الميجر ويلكنس كان من الحذر بحيث لم يأت على ذكر الاسماء، لكنه يورد
ضمنا وبما لايدع أي مجال للشك ان رشيد عالي الكيلاني، رئيس الوزراء الحالي ورستان حيدر وزير
المواصلات والعمل ونوري السعيد وزير الخارجية وياسين الهاشمي وزير المالية وغيرهم، كانت
الشخصيات التي قامت على قيادة معسكر العداء ضد الاشوريين والاكراد معا.
ولم يكن عدم ذكر اسمائهم علنا الا لسبب واحد فقط وذلك لأن هؤلاء المتآمرين كانوا سيتسلمون
مهام الدولة في المستقبل عاجلا أم آجلا لذلك كان يجب ان تربط المندوب السامي علاقات صداقة حميمة
معهم.
قدم المفتش الاداري في الموصل والمسؤول عن الخدمات الخاصة / الاستخبارات/ تقريرا الى
مستشار وزارة الداخلية وامر سلاح الطيران/ قسم المخابرات العسكرية في بغداد جاء فيه ان تحسين
علي متصرف الموصل قام بالتجول شخصيا في منطقة زيبار / برازان/ مناديا بالجهاد ضد الاشوريين.
وقام في الوقت ذاته بتقديم تقرير الى وزير الداخلية زاعما فيه، قيام الكابتن ( بوليت كينغ) أحد
المسؤولين في مكتب الخدمات الخاصة / المخابرات المدنية / بتزويد الشيخ محمود بالسلاح والذخيرة
للاستمرار في المقاومة المسلحة ضد الحكومة العراقية.
كان تحسين علي قد نقل بعد عدة اشهر من ذلك الى لواء آخر على ضفة الفرات بزيادة في الراتب
مكافأة للخدمات (الرائعة) التي قام بادائها في لواء الموصل. من المعترف به في كافة الاوساط أن
تحسين علي الذي كان يعمل من قبل، حاجبا للملك فيصل، كان يتلقى التعليمات والاوامر مباشرة من
رئيس الوزراء الحالي. أما رستان حيدر المهاجر من بعلبك الى العراق والذي شغل مكانة سكرتير
الملك فيصل احيانا، ووزيرا خلال مذابح الاشوريين فقد صرح خلال الشق الاخير من عام 1932
لمراسل احدى الصحف المعروفة جيدا في بغداد:
"ان القضاء التام على الاقليات المسيحية والاكراد معا في لواء الموصل واقعة لامحالة. يجب
تضحية الاقليات على مذبح العروبة وعلى العراق ان تنظر عليه كواجب مقدس. وفي حال عدم سنوح
الفرصة المناسبة، لذلك يقتضي علينا ان نجد الوسيلة الملائمة للاتيان بها."
وأدى عدم اكتراث السير فرانسيس لمعالجة الاوضاع بينما كان الانتداب مايزال قائما، لجعل
الامور أكثر خطورة.. واصبح الرسميون العراقيون اكثر تشبثا بمواقفهم المتعصبة المتطرفة. اما
حوادث القتل التي اوردها التقرير الانكليزي فلا تشكل سوى جزء ضئيل مما كان يحدث فعلا.
27 نيسان 1930 ، الموجهة الى السير فرانسيس على / واحتوت القائمة المرفقة بالرسالة رقم: 350
اسماء 76 قتيل، ومع ذلك فانه لم يقم بأخذ أي اجراء ازاءها بل ولم يعترف بصحتها بتاتا. وعلى
الرغم من ايراد التقرير الرسمي عن كون اللصوص في الجانب التركي من الحدود، مقترفي تلك
الجرائم الا أن المنشور الصادر بعنوان (الكلدان) كان قد بدد تلك المزاعم بما لايدع أي مجال للشك.
أما تقارير السير فرانسيس فلم تكن مبنية على حقائق صحيحة بل على معلومات المفتش الاداري
في الموصل والذي كان يحصل عليها بدوره من مسؤولي المناطق العراقيين العرب والمحرضين
الاصليين لمثل تلك الجرائم. أن المفتش الاداري على اية حال، لم يكن يملك وسيلة اخرى للتأكد من
صحة تلك التقارير القذرة بينما كان يقوم لوحده على ادارة مساحة تقارب ال 14000 ميل مربع
تقطنها اكثر من 314000 نسمة.
كان السير فرانسيس ابان حدوث هذه المخازي قد رفع تقريرا الى عصبة الامم مثنيا على (
الحكومة العراقية السمحة) بينما لم يزعج نفسه لتصحيح اوضاع الاشوريين لكونه مشغولا دائما بحضور
المآدب الفخمة التي كان يقيمها فيصل ووزراءه له وبالضرورة عدم اتساع الوقت للانشغال بهم.
كان الضباط الانكليز قد حذروا السير فرانسيس المرة تلو الاخرى عن اوضاع الاشوريين وانها
ستكون مصحوبة بالكوارث مالم يقم على تقييم الامور قبل رفع الانتداب. وجاء في الرسالة السرية من
2 آب 1932 ) ما يلي: -34/ قبل احد الضباط الانكليز الاعيان الى السير فرانسيس رقم: (اس 7
" احيطك بمزيد من الاسى عما حدث بعد ظهر يوم 28 حزيران الفائت عن قيام 30 رجلا بقيادة
شخصين يعرف احدهما باسم حمزة والاخر باسم جاور اسماعيل بالاعتداء على اربعة مدنيين اشوريين
من قرية (كونة) قرب باب (جكجك) اسفر عن مقتل ثلاثة منهم، اسماؤهم : بيمال يعقوب وكيوركيس
يعقوب شابو، اما الرابع ويدعى لشكيري فقد اصيب بجروح بليغة.
كان الاعتداء قد حدث فجأة بينما لم يكن الاشوريون على استعداد لأي نوع من المشاكل مع
جيرانهم وبدون توقع بحيث لم يتمكنوا من تسليح انفسهم بالسرعة المناسبة أو الاستنجاد بالشرطة
للمساعدة. كانت الجرائم الاخيرة هذه قد سببت مقدارا هائلا من القلق والاضطراب بين صفوف
الاشوريين وزاد من تصميمهم لتركيز ما تبقى من امتهم في مقاطعة خاصة والاصرار على الرأي
بمعنى ان ابادتهم التامة في المستقبل لن تكون الا مسألة وقت فقط مادام قتل بني امتهم علنا وبهذه
السهولة امرا ممكنا بينما لاتزال سلطات الانتداب قائمة." كانت قد حدثت منذ عام 1930 أكثر من
اربعين جريمة قتل اخرى بحق الاشوريين، ولعل الجريمة الوحيدة التي سيق المجرم فيها الى العدالة
كانت في قضية احد كهنة الاشوريين من قرية (برسنك -اشيتا) ويهوديين آخريين.
اما سوق المجرم للعدالة حتى في هذه الجريمة المزدوجة فلم تكن لتحدث لولا الضرورة في ذلك اذ
كانت مشكلة الحدود بالنسبة لولاية الموصل ماتزال قائمة، وكان من الضروري ملاحقة القضية
ومحاكمة المتهم الذي اعدم في العمادية.
يأتي التقرير الخاص بالنسبة للضرائب مثلا على ذكر اعفاء المستوطنين الاشوريين الجدد بينما
يتغاضى عمدا عن ايراد اسم ياسين الهاشمي وزير المالية انذاك والذي عارض الاعفاء ونقض الاتفاقية
المعقودة مع السير هنري دوبس المندوب السامي السابق على العراق الذي اوصى باعفاء المستوطنين
الجدد من الضرائب لمدة خمسة اعوام لسببين:
-1 لتطوير الاراضي الصحراوية وجعلها صالحة للزراعة.
-2 لمساعدة المستوطنين الجدد بالاكتفاء الذاتي.
الا ان مدة الاتفاقية كانت قد خفضت لثلاثة اعوام فقط والغيت كليا بعد ان اصبح ياسين الهاشمي
يرتع في مركز السلطة ، وأمر بجباية الضرائب من كافة المستوطنين في الحال وذلك تهيئة للاوضاع
لاستعادة الاحداث الماضية. أن الاعفاء مع ذلك، لم يكن امتيازا للاشوريين وحسب بل كان يشمل بدون
التزام، كافة قضايا الاستيطان الاخرى.
/ صرح ويلسن الذي كان يحصل على معلوماته من أحط العرب في عصبته / التقرير رقم: 862
30 تشرين الاول 1932 / بأن قائد المئة كيوركيس شابو وقائد الخمسين اوديشو ناثان كليهما من وحدات
المجندين الاشوريين يخططون لفصل احدى المناطق بقوة السلاح فيما اذا اقتضى الامر، ولم تعطى لهم
سلما. كان المخبر ايليا مالك خمو بعد ان سحب كيوركيس شابو امواله من بنك ايليا الصغير بسبب
مشاحنة حادة حول علاقة عاطفية مشبوهة. اما ويلسن فيوصي في تقريره بتخصيص اراضي /دشتازي/
لتياري السفلى واشيثا لميلهن نحو الحكومة العراقية.
في برقية ويلسن السرية رقم: / اس - 865 / الاول من تشرين الاول 1932 / يزعم فيها عن عقد
مطارنة وملوك الاشوريين وضباط وحدات المجندين، اجتماعا خاصا ليلة 30 تشرين الاول قام في
الاجتماع ابن مالك اسماعيل بنشر دعايات مناوئة خطيرة. لكنه لم يستطع توضيح طبيعة الدعاية
الخطيرة أوايراد الحتمية المتداولة في الاجتماع.
4 تشرين الثاني 1932 / يدلي فيها بما مفاده -11 / في رسالة قائد شرطة الموصل رقم: / 1599
عن قيام مالك ياقو /تياري العليا/ ومالك لوكو /تخوما/ بالتجول كل على حدة، في دهوك والعمادية عدة
مرات وفي فترة قصيرة. اما ماذا كانت طبيعة مهمتهما فانه لم يستطع حتى تأويلها.
كانت الدعايات عن اتفاق كردي-اشوري قد انتشرت في هذه المرحلة واتهم داود مار شمعون قائد
القوات الاشورية ووالد البطريرك بتخطيط وتنفيذ الاتفاق مع الاكراد. / ان قائد القوات الاشورية كان
موفودا من قبل نائب آمر سلاح الطيران لزيارة وتفقد المجندين الاشوريين في تلك المناطق بحيث لم
يكن التأكد من صحة ذلك من الصعوبة لو لم تكن الغاية من وراء تلك الدعاية المعرضة، اهدافهم
المشبوهة./
22 تشرين الثاني يدلي فيه ويلسن عن المباحثات التي قام بها / في التقرير رقم /اس - 892
خوشابا مع قائم مقام دهوك الدكتور بابا حول مشروع دشتازي والنتيجة التي توصلوا اليها باقامة تياري
السفلى ضمن المنطقة المحددة في المشروع وعن توصياته في نفس الوقت بتعيين خوشابا، المسؤول
الرسمي على المشروع وتخصيص راتب جيد له لقيامه بهذا العمل.
21 كانون الثاني / يتساءل فيها عما اذا كانت تصرفات - في رسالة ويلسن السرية رقم: /اس/ 25
البطريرك مرضية على وجه الاجمال ويتهمه ايضا بمحاولات خلق مشاعر معادية بين شعبه اثر
رجوعه الى الموصل بعد زيارة البطريرك له. وادلى ايضا عن رفض البطريرك لاستقبال خوشابا
المتهم بالخيانة العظمى نحو الامة الاشورية كما وذكر عن مساندة خوشابا للحكومة العراقية واوصى
لالزام البطريرك بالمثول لدى بغداد.
23 كانون الثاني يتهم ويلسن البطريرك عن كونه المعلن عن / في الرسالة رقم: /اس - 28
20 كانون الثاني/ بناء / وصول الخبير بشؤون التوطين. يفيد ويلسن في الرسالة رقم: / اس - 39
على معلومات جاء بها خوشابا، عن طلب البطريرك من بعض الاطراف في (اشيثا) لرفض مشروع
دشتازي لكون المشروع خطة عراقية اخرى لعزل الاشوريين بين الاكراد على منطقة الحدود. كانت
الاشاعات عن هجرة الاشوريين من العراق الى ايران وتركيا وسوريا قد استمرت بشكل متزايد.
تأتي رسالة ويلسن رقم: / اس - 24 / الاول من شباط/ باتهامات اخرى ضد البطريرك حيال
/اشيثا/ بناء على معلومات من خوشابا. فاوصى فيها المتصرف بتوجيه دعوة الى ملوك الاشوريين
لشرح حسن نيات الحكومة العراقية لهم. كما اوصى بوجوب الزام البطريرك للمثول لدى بغداد والقاء
7 شباط / يدلي فيها ويلسن / القبض عليه فيما اذا استمر في تصرفاته. في الرسالة رقم: / اس - 48
عن حلول السيد شليمون مالك اسماعيل ضيفا عند المونسنيور عبد الاحد في دهوك يوم الثاني من شباط
حيث عبر للمونسنيور عن حتمية الاستقلال الذاتي الاكيد.
18 / كانت الحكومة العراقية قد حظرت نشر رسالة متصرف الموصل الغبية رقم: /اس - 28
كانون الثاني 1933 / كما ومنعت نشرها في كتابها الازرق (العظيم). افاد ويلسن في الرسالة رقم: /
1 شباط/ عن قيام البطريرك في التاسع من شباط بزيارته وزيارة المتصرف كرد لزيارة / اس - 50
قائد السرب (ريد) له. كما ذكر ان البطريرك كان قد عرض له الاعمال اللاشرعية التي يقوم بها
الرسميون العراقيون ومن بينها الاهانات واعمال العنف تجاه شخصيات اشورية معروفة ومن قبل قائم
مقام دهوك والعمادية.
كان ويلسن قد ادخل في رسالته وقبل التحقيق في صحة ماسبق، ملاحظة مفادها ان تلك الاعمال
اللاشرعية المذكورة لم تكن الا صورة مضخمة عن بعض الامور السطحية وان البطريرك اوصى
خلال الزيارة بوجوب القيام بخطة التوطين على اسس التجمعات العشائرية وليس كما تشاء الحكومة
العراقية لتشتيت هذه التجمعات اكثر مما هم عليه الآن.
في 14 شباط كانت (العراق تايمز) قد نشرت نقاط لجنة الانتدابات الدائمة حيال مشكلة توطين
الاشوريين لذلك تكون اتهامات الحكومة العراقية وويلسن وتومسون بعد شرح وتوضيح الاوضاع العامة
وقرار عصبة الامم للاشوريين، ساقطا كليا.
صرح كورن واليس في 16 شباط عن عزم الملك لتوجيه دعوة رسمية للبطريرك عن قريب
للمثول امامه وبحث عدد من القضايا الهامة معه. كما ذكر عن تعيين (ماكدونيل) احد المسؤولين
الرسميين في الحكومة المصرية الاخيرة، للعمل في العراق للاستمرار في تنفيذ مشروع دشتازي.
أما الصحف العراقية فقد نشرت في 18 شباط حملة مسمومة ضد الاشوريين والارمن متذرعة
باهانات مزعومة لتبرير مواقفها العدائية.
22 شباط /افاد بناء على معلومات ادلى بها (خمو) مالك باز / في تقرير ويلسن رقم: / اس - 16
عن سعي البطريرك لافشال مشروع التوطين، بينما ورد عن مار سركيس (وفقا لويلسن) قوله: (لو لم
تكن بسبب / خمو/ لنلت موافقة الحكومة العراقية منذ زمن طويل من خلال دعم /مكي افندي/ قائم مقام
دهوك. اما الحكومة العراقية فقد استمرت بالحاح لتجد (الطرف الموالي) الذي سيقدم لها البيانات
الضرورية ضد البطريرك.
في 25 شباط قام المتصرف بزيارة البطريرك وطلب منه حضور ما سمى ب (اللجنة المحلية
لمشروع التوطين) التي كان من خصائصها - فيما اذا كانت لها اي خاصية اخرى - تخويل المتصرف
الصلاحيات التامة من خلال تعيينه رئيسا لها، بينما كانت الخطة قد اعدت مسبقا وقبل عدة اشهر من
ذلك.
من بين اعضاء اللجنة كان السيد روفائيل افندي الضابط في الشرطة العراقية وعم البطريرك مما
حدى بالبطريرك للمعارضة على عضويته اذ أن روفائيل كان مضطرا بحكم وظيفته لأداء واجباته بما
تملي عليه الحكومة وبالضرورة الاساءة لمصالح الاشوريين. وحينما دعي البطريرك لحضور
الاجتماع، فان الرئيس ونائب الرئيس وسكرتير اللجنة كان قد تم تعيينهم مسبقا، وسئل عن رأيه بالنسبة
للاعضاء الستة الذين تنظر الحكومة العراقية نحو ترشيحهم، وقيل له ان بامكانه ترشيح عضو في
اللجنة أو عضوين الا ان ترشيح الاعضاء الستة وقف على الحكومة العراقية فقط. كانت الدعوة
(شكلية) ليس الا وبدون اية قيمة رسمية على الاطلاق.
في 28 شباط كان ويلسن قد رفع تقريرا الى بغداد قائلا ان البطريرك احجم عن احاطة نفسه
بأعمال اللجنة حول المشروع. صرح المتصرف المسؤول عن العدد الكبير من الاعمال الاثيمة بحق
الاشوريين في السادس من آذار، بناء على تقارير قائم مقام العمادية، أن مالك لوكو ( الاشوري
المتطرف) كان مايزال ينشر دعاياته المناوئة ضد الحكومة العراقية، بين الاشوريين.
صرح ويلسن في 18 آذار انه حث البطريرك للقيام على سن (قانون محلي) للآشوريين " على
غرار القوانين المحلية للمجتمعات الاخرى."
كانت الحكومة العراقية في الحقيقة تقوم على فرض مثل تلك القوانين على هذه المجتمعات لزرع
الخلاف وعدم الاستقرار بينما كما حدث مع اليهود والارمن على سبيل المثال حيث تمكنت الحكومة
العراقية بالتدخل من خلالها في كافة شؤونهم الخاصة، العائلية والدينية. أما المجتمعات الكاثوليكية فقد
قابلت محاولات الحكومة لفرض قوانين مماثلة عليها بالرفض التام.
وقابل بطريرك الكلدان ومطارنة السريان والارمن الكاثوليك في السابع من ايار 1932 توصيات
(درووير) التشريعية بالمعارضة الشديدة وغادروا مكتبه بحنق، مهددين بالمقاطعة مالم تقدم الحكومة
العراقية توصيات أفضل منها.
بين 15 و 23 نيسان زود ويلسن وقائم مقام دهوك بغداد بمعلومات اخرى كاذبة ضد البطريرك
ومالك لوكو ومالك ياقو واشوريين آخرين. رفع ويلسن في العاشر من ايار وقبل الشروع في اجازته
السنوية، تقريرا الى السلطات المختصة يزعم فيه: "ان استهزاء الاشوريين بالسلطات الحكومية
ستؤدي بالاكراد حتما للقيام بمثل تلك التصرفات في المستقبل. كما ان السماح للبطريرك قضاء
الصيف في (سر عمادية) سيكون خطئًا فاحشا لايمكن تصور عواقبه." واوصى بمنع ابن مالك اسماعيل
من زيارة لوائي الموصل واربيل وابعاد قائد المئة كيوركيس شابو /تخوما/ من الموصل.
كانت هذه التقارير الملفقة قد جعلت حياة المجتمع الاشوري غير محتملة، ولو ان الميجر ويلسن
كان قد اكتفى بارسال تقاريره الى رؤسائه الانكليز لكان الشر أهون على الاشوريين، لكنه لم يجد
غضاضة لئلا يتطلع عليها متصرفه العربي والذي رفع محتوياتها بدوره الى مرؤسيه ومن بينهم قائد
لواء الموصل بكر صدقي 4 الذي كان يترقب أدنى الفرص لينقض على الاشوريين.
ومع ان الحكومة العراقية كانت تنتظر منذ امد بعيد وحتى قبيل الحماية البريطانية الفرصة
السانحة للقضاء التام اولا واخيرا على الاشوريين، الا ان الخوف النابع من التدخل البريطاني كان قد
ارغمهم للاحجام عن المحاولة. اما وقد اكتشفت الآن مشيئة (الادارة البريطانية) وموافقتها بسحقهم ،
فانها لم تسمح لتضييع هذه الفرصة الذهبية النادرة وسرعان مابدأت بافتعال الاحداث لخلق عذر لاتمام
مراميها الدفينة.

13
كانت دلائل الخطة الشريرة التي تبنتها الحكومة العراقية ضد الاشوريين قد اصبحت براهين قاطعة
عندما وجه نوري السعيد رسالة الى البطريرك (مار ايشاي) انذاك في جنيف يدعوه فيها للقدوم الى
بغداد عن طريق الرطبة لمقابلة رئيس الوزراء ناجي شوكت لوضع حل للقضية، بينما كانت الاوامر
قد وجهت في الوقت ذاته الى كل من مخفري الشرطة على الحدود في سنجار والرطبة لتجريد
البطريرك من جواز سفره العراقي حال وصوله الى أي من النقطتين ومنعه من دخول العراق. الا ان
هذه الاوامر الاعتباطية المعتادة كانت قد ألغيت في تمام الساعة الحادية عشر بسبب التدخل البريطاني.
اما البطريرك فقد غادر جنيف في 19 كانون الأول 1932 فوصل بيروت 31 منه واتجه الى
دمشق في نفس اليوم. كنت معه في دمشق يوم الاول من كانون الثاني 1933 حيث طلب مني قراءة
قرار عصبة الامم المتخذ في 1933 وتوضيح نقاطه للحضور الذين قدموا الى دمشق لاستقباله.
غادر دمشق بعد قضاء يومين فيها متجها الى بغداد برفقة سكرتيره الخاص الخوري عمانوئيل
شمعون. في الرابع من كانون الثاني كان في استقباله على بعد ساعة من الرمادي أكثر من مئة ضابط
وكاهن آشوري جاؤوا في عشرين سيارة للاحتفاء بقدومه.
في الرمادي طلب رجال الشرطه منه توقيع وثيقة تفيد انه سيقوم بالمثول امام قائد الشرطة حال
وصوله الى بغداد، وحدث في نفس الوقت نشاط غير اعتيادي قام به رجال المخابرات المدنية على
جسر الخير قرب بغداد. اما البطريرك فقد استمر نحو هنيدي حيث حل ضيف الشرف عند المجندين
الاشوريين.
في 8 كانون الثاني استقبله رئيس الوزراء بحفاوة وأكد له انه سيعمل جهده (فيما اذا بقي في الحكم)
لتوطين 3 الاشوريين بشكل ملائم ومرض، لشعوره بالتعاطف معهم.
كان الملك قد استقبله بعد ذلك حيث ذكره بالحديث الذي دار بينهما في (سرعمادية). كان ملك
العراق قد وعد البطريرك في ذلك اللقاء ببناء قصر له وتخصيص راتب ضخم وباب واسع مفتوح
لأقاربه ومن يتوصى بهم في خدمات الحكومة مقابل الغاء رحلته الى جنيف. اما حينما سئل عما سيكون
مصير الاشوريين ككل، فان الملك تملص من الجواب.
3 ويقصد هنا توطين الاربعين الف اشوري الذين طردوا من المنطقة العراقية التي اغتصبتها تركيا (جبال هكاري)، وكما وضحنا في
كلمة الناشر، فان ما يقارب الخمسة الاف قد ابيدوا وقتولوا على ايدي الجيش العراقي في 7 اب 1933 ، وعشرة الاف من اصل
الاربعين الف طردوا الى منطقة الخابور في سوريا التي كانت تحت الانتداب الفرنسي. والباقين قد تم تهجيرهم تدريجيا لخارج العراق
وهم اليوم في امريكا وكندا وفرنسا وغيرها من دول الشتات. واشوريو (كلدان سريان) اليوم في العراق هم من السكان الاصليين
لمناطقهم في نينوى واربيل ونوهدرا وغيرها من المناطق. (الناشر)
يجب قبل الاستمرار أبعد من هذا، توضيح النقطة الرئيسية التي كانت لها العلاقة التامة بتوطين
الاشوريين على الاخص. على الصفحة الرابعة من تقرير الميجمر (دي. بي. تومسون) السري رقم :
1933 / الى وزير الداخلية - بغداد/ بعد تعيينه (الخبير الاجنبي) - تي. آي. سي. 172 / ايلول 28
لمشكلة التوطين، جاء ما يلي :
" تبين لي بشكل أكيد، وبعد المباحثات الاخرى مع هذا الشعب، صحة الفكرة التي كنت قد كونتها
مسبقا بأن البطريرك وممثليه لم يوضحوا للاشوريين عامة قرار عصبة الامم الاخير، بشكل تام
وصريح. ان الوسيلة الوحيدة لاقناع الاشوريين بالاوضاع الحقيقية للأمور، كانت بوجوب توضيح
القرار بملئ الرغبة والصراحة التامة.
فتقرر عقد اجتماع في مكتب متصرف الموصل في العاشر من تموز 1933 لكافة رؤساء ووجهاء
وملوك العشائر الاشورية لتوضيح قرار عصبة الامم المتخذ في 15 كانون الاول 1932 بالنسبة
للمطالب المتضمنة في عريضة البطريرك / ايلول 1932 ، حيث لم يتم في هذا الاجتماع توضيح نقاط
القرار وحسب بل وكذلك سياسة الحكومة العراقية حيال المواطنة وتوزيع الاراضي والمساحات
المقترحة الخ ...."
ومع ان تقرير الميجر (تومسون) المطنب الممل لايستحق التدوين بمجملة لكونه صورة منسوخة
عن تقارير المسؤولين المحليين في الموصل للاعوام السابقة والتي لايمكن الاعتماد عليها، فأن اعترافه
في رسالته الى الوزير عن عجزه في الامر يستحق الايراد :
اؤكد لكم عن استحالة بحث المسألة خلال المدة الممنوحة لي، بالصورة التامة الوافية التي كنت
اريدها فعلا." ومع ان المسؤولين الانكليز بالرغم من قضائهم عدة اعوام في العراق وفشلوا عن ادراك
الاهمية الفائقة للمشكلة الاشورية ... فكيف يمكن للميجر تومسون في مدة الشهرين المكتنفين
بالعواصف، ادراكها، أو كان بمقدوره حتى تكوين فكرة أولية عن القضية ككل؟. لكنه يجد في اتهام
البطريرك بالتخاذل عن توضيح خيبته في جنيف مهربا ملائما.
ومع هذا فان الميجر تومسون لو أخذ عناء البحث والتحقيق لأكتشف بين 10 و 29 كانون الاول
1932 - أكثر من ثلاثة عشر مقالة نشرتها الصحف العراقية بناء على اوامر الوزراء عن فشل
البطريرك. والظاهر ان الميجر تومسون كان يعتمد - كما يبدو - على المعلومات الغامضة التي كانت
تقدمها له المصادر العراقية ودون أن يتأكد من صحتها. ولربما كان يفتقد الشجاعة للتأكد من صحتها
لكونه الخادم وأجير الحكومة العراقية.
كان البطريرك قد توجه في الحادي عشر من كانون الثاني الى مقر الكرسي البطريركي في
الموصل ودعى لعقد اجتماع خاص لكافة القادة الاشوريين لاستشارتهم بخصوص قرار العصبة المتخذ
في 15 كانون الاول.
في رسالة عاجلة بتاريخ 12 كانون الثاني موجهة من قائد شرطة الموصل الى البطريرك يعلمه
فيها عن ضرورة الحصول على ترخيص قبل عقد الاجتماع. فتوجه في الثالث عشر منه كل من
الميطروبوليط مار يوسف والمطران مار سركيس الى المتصرف وحصلا على الترخيص.
وبسبب الاحوال الجوية وقصر المدة المحددة ليوم الاجتماع فان عددا من القادة لم يستطيعوا
الحضور في الوقت المحدد، الا انهم جميعا كانوا قد حضروا يوم السادس عشر باستثناء (خوشابا) /
تياري السفلى/ بعد ان ألزمه القائم مقام بعدم الحضور. كان البطريرك قد اعلن في هذا الاجتماع قرار
عصبة الامم، ولم يكن تصريح الحكومة العراقية المتضمن في الصفحة الثالثة / الفقرة الثالثة من كتابها
الازرق، للفترة بين 13 تموز 1932 و 5 آب 1933 سوى مغالطة فاضحة حيث وردت كما يلي:
" ليس هناك سبب للاعتقاد ألا يكون البطريرك قد اخفى عن اتباعه نتائج محاولاته في جنيف
وكذلك قرار عصبة الامم المتخذ في 15 كانون الاول 1932 ." ومع ان الكتاب الازرق ليس الا نتاج
اولئك الذين يتلقون معلوماتهم من الجواسيس الذين يقضون جل وقتهم بين الحانات والمقاهي ويقدمون
تقاريرا وهمية مصطنعة عن الاوضاع لتبرير الرواتب الهائلة التي يتقاضونها، الا أن التحريف الشنيع
في الكتاب الازرق لم يكن سوى جزء من خطة شريرة قذرة لبث الشقاق بين الاشوريين بينما كان
البطريرك مايزال في جنيف. وقد تبين فيما بعد أن 65 % من التواقيع على العرائض المرفوعة الى
السير فرانسيس لتقديمها الى عصبة الامم حيال القضية الاشورية، كانت مزورة، بينما حصلوا على بقية
التواقيع الاخرى بالوسائل المعروفة. والجدير بالأمر، ان تكون التواقيع السابقة، باسماء الاشوريين الذين
كانوا قد طلبوا من البطريرك قبل عدة اشهر خلت، بالسفر الى جنيف للدفاع عن قضيتهم.
توجه ادونيا الياس الى نوري السعيد بينما كان هذا رئيسا للوزارة ليتوسط له للحصول على وظيفة
ما. فأوصى به نوري السعيد، نقولا عبد النور الذي كان يشغل وظيفة مدير شؤون الدوريات قبل تهمة
الاختلاس لتعيينه في الدائرة بشرط ان يقوم على كتابة مقال تأييدا للعراق. فقام نقولا المعروف بشكل
أفضل باسم ثابت، على صوغ مقال مناوئ للآشوريين ارسله الى الصحف العراقية بعد الحصول على
توقيع ادونيا عليه وقد خدعه بأن الطلب كان للحصول على الهوية العراقية حيث لايمكن العمل بدونها.
فنشرته الصحف العراقية في الحال، ولما حاول ادونيا الرد على الاكاذيب والمغالطات في المقال
المنشور فأن محاولاته ذهبت ادراج الرياح.
كانت الحكومة العراقية قد خدعت مار سركيس و (خوشابا) الذين وقعا العريضة المنشورة في
الملحق (آ) مقابل عدة امتيازات منها : وعد خوشابا بجعله (شيخ مشايخ الاشوريين) وترقية ابنه يوسف
الطالب في الكلية العسكرية الى رتبة ضابط، وتعين ابنه الآخر داود في قوات الشرطة وفسح المجال
لاقاربه للتوظيف في دوائر الدولة، وتعين (لازار) زوج ابنته مدير ناحية دهوك، فيما اذا وافق على
مشروع دشتازي. بينما وعدت مار سركيس بمنحه قصرين احدهما في دهوك والاخر في (الخرشينية)
وراتبا بمبلغ ( 800 ) روبية في الشهر. وتعيين اخيه (اوراهام) ضابطا في الشرطة والبت في قضية
الارض التي كانت ماتزال قائمة خلال السنوات الاربع الاخيرة في صالحه. كل ذلك مقابل :
-1 التخلي عن البطريرك
-2 نقض الشكاوي المرفوعة الى عصبة الامم
-3 التوقيع على الوثائق التي ستطلبها الحكومة العراقية بين حين وآخر بما تفيد عن عدالة الحكومة
العراقية، والخدمات الثمينة التي تقدمها للآشوريين.
وبينما اشفق على خوشابا لطمسه ماضيه الناصع فانني استطيع ان اجد مبررا لاعماله اللاحقة. كان
خوشابا قد التجأ الى تركيا بعد قتل زوجته وطفليه بسبب تدخل البطريرك في القضية عندما احالها
(ويلسن) اليه. وحينما سمحت له السلطات العراقية بالعودة الى العراق، فانها تركت سجل الجريمة
مفتوحا لاستعماله كسلاح ضده في حال التنديد بأعمال الحكومة في المستقبل. أما بالنسبة لتصرفات مار
سركيس فليس ثمة مبرر لها. كان عليه ألا يصبح "اداة طيعة" في أيدي شلة من الانذال، قائمة على ابادة
الاشوريين.
في 21 كانون الثاني طالبت الصحف العراقية (بطرد كافة اللاجئين الاشوريين) العاملين في شركة
الخطوط الحديدية لكونهم (الجرثومة الخطيرة في بنيان العراق) بالرغم من (تعاطف) اولئك الرسميون
في الحكومة مع القضية الاشورية. جاء على الصفحة 277 من تقرير مكتب المستعمرات البريطاني
1931 ما يلي: " ليس ثمة شك في ان - الخاص الى عصبة الامم حول تطور العراق بين عام 1920
يكون التأثير النابع عن عدم المسؤولية لخلق الاضطرابات بين الاكراد والاشوريين، قائما بالعمل
وبالأخص في بغداد، الغاية منه كما يبدو تحويل كراهية الاكراد للعرب، نحو الاشوريين من جهة
واضعاف الطرفين من خلالها عملا بالمبدأ القائل : (فرق تسد) من الجهة الاخرى.
فقامت الحكومة العراقية على اخذ الخطوات الاولية لتفقد هذه المناورات الموصوفة ادناه لخلق
انطباع أكيد بعدم اعتبار الاعتداء على الاشوريين مهما كان نوع الاعتداء، مشكلة جديدة. فحدثت عدة
حالات قتل كان الاشوريون الضحايا فيها بينما لاتشكل حادثة اكتشاف جثث الاشوريين الخمسة قرب
راوندوز وتقاعس السلطات العراقية عن متابعة الجريمة المزدوجة، سوى خير دليل على سبيل المثال،
عن غايات الحكومة العراقية في الامر.
وحدثت في الموصل عدة جرائم اخرى ومن المحتمل ان يكون قد اقترف قطاع الطرق في الجانب
الاخر من الحدود مع تركيا، عدد منها، وقد يكون السبب الاوحد في مثل هذه الحالات، امتلاك
الاشوريين بنادق جيدة بحيث تغري اللصوص بالغنيمة.

14
الآشوريون في ايران وبلاد الرافدين
1919 - 1918
ان مقال الكولونيل (جي. جي. مكارثي) قائد البعثة العسكرية الانكليزية الى الاشوريين خلال
الحرب العالمية الاولى سيقدم الادلة الشاهدة على الخيانة البريطانية للآشوريين بما لايدع أي مجال
للشك، كما وسيبدد تصريحات الحكومة الانكليزية بادعائها أنها لم تكن التي سألت الاشوريين لمحاربة
الاتراك.
" لم تكن الا قبيل أو بعد مغادرته بغداد الى ايران حين اتصل الجنرال (دنسترفيل) بالآشوريين
قرب بحيرة اورميا بفكرة اعدادهم للانضمام الى قواتنا لمحاربة الاتراك. فوافقوا تلقائيا بشرط قيام
الضباط الانكليز على قيادتهم حيث لم يكونوا قد وثقوا بالروس الذين كانوا معهم حتى تلك المرحلة.
وتقرر ارسال بعثة قوامها ( 75 ) ضابطا انكليزيا الى بحيرة (اورميا) حاملا معه اوامر خاصة من
مركز قيادتنا في (همدان). ومع انني لم اتصفح الاوامر شخصيا، الا انني كنت على معرفة تامة انها
كانت تحمل تصديقا للتعهدات السابقة المكتوبة، ولاحاطة الاشوريين علما بقدومنا للانضمام اليهم.
كانت وصول الطائرة وانتشاو الخبر عن توجه القوات الانكليزية من ايران نحوهم، قد اعطت
الاشوريين بدون شك، فكرة مضخمة عن قواتنا في ايران، وفكرة خاطئة عن امنهم وسلامتهم بالذات.
وعلى الرغم من ذلك فانهم، لو لم يعتمدوا كليا على المساعدة التي كانوا نحو استلامها منا، ولم يأخذ
(آغا بطرس) كافة الاسلحة والذخيرة التي ارسلناها لهم، لنظروا الى مواردهم الخاصة بعين الاعتبار،
ولما اعتمدوا على مساعدتنا بهذا الشكل.
كانوا قد تمكنوا في عدة اشتباكات مع الاتراك، اكثر من الدفاع عن مواقعهم، وكانت المواد الغذائية
متوفرة. ولو قاموا برعاية الذخيرة التي كانت في حوزتهم لاستطاعوا الصمود امام اي هجوم تركي،
بينما لم يكن الاتراك حتى تلك المرحلة على استعداد لخوض الحرب، ولو فعلوا ذلك لكانوا خرجوا منها
في الحال. وحتى لو حدث الاسوأ وتمكن جيش متفوق بالعدة والعدد من دحرهم واخراجهم من المنطقة-
بينما لم يكن ذلك من المحتمل حتى ذلك الحين - فقد كان بمقدورهم التقهقر الى جبالهم المنيعة، وربما
الاتصال بالجيوش الانكليذية المرابطة عند الموصل. لكنهم لم يتقهقروا بسبب قوات متفوقة بكل تأكيد،
بل بسبب المناشير الكاذبة التي وزعها العدو ولاعتقاذهم ان (آغابطرس) قد هجرهم في (اورميا). ولو
لم تكن للاسباب السابقة فان الفرار المذعور والتشتيت لما كانت لتحدث على الاطلاق. الا ان ما يجت
تذكيره مرة اخرة، اننا كنا قوة صغيرة مقيمة في الريف، وكان الجنرال (دنسترفيل) مشغولا حينئذ
بالتحضير لعمليات الانزال في (باكو) بينما عينوا كافة الضباط للقيم بأعمال اخرى ولم يكن بالمستطاع
الحاثهم وفي اللحظات المناسبة بتلك الامكنة، الى جانب وجود فرقتين من المجندين الاشوريين
الايرانيين اللتين كانت بحاجة الى عدد كبير من الضبات وضبات الصف، كما وتسببت امتداد خطوط
الماصلات بين بغداد وبحر قزوين، لاستعمال عدد كبير آخر من الضباط.
كان علينا ان نعتمد في نقلياتنا على امقاولين المحليين كليا، وعلى الرغم من كونهم غشاشين، فقد
كانوا غير كفوئين للقيام بالعمل. أما العدد اللازم من الضباط لتبني المسؤولية في المهمة التي كان علي
قيادتها لم يكن متوفرا وبالاخص حينما كان التطوع الاختياري ضروري جدا وانتقاء العدد اللازم منهم
بحرص.
وعندما اصبح من المعروف ان الأمة باسرها كانت في تقهقر، فقد توجهت اليهم في الحال بقسم من
قواتي لاعادة الرجال المقاتلين منهم والسماح لعائلات بالاستمرار نحو (همدان). فالتقيت بهم وهم
يتقهقرون على جبهة واسعة، العائلات على الطريق الرئيسي بينما كان المقاتلون يمتدون على مسافة
اميال على على جانبي الطريق لحماية التراجع. كان من المستحيل الاتصال بغالبية المقاتلين المعتدين
بأنفسهم - كما كنت - على الطريق الرئيسي.
وبدا الى جانب تحرشات العدو، ان كافة امم العالم المعروف بأسره كانت تتصدى هذا الشعب
البائس من كا جانب. فمات الكثيرون بالتيفوئيد والدوسانتاريا والحصبة ومئات اخرى بسبب المشقات
والاهوال. كانت وؤية الاطفال ملقيين على جانبي الطريق وهم مايزالون على قيد الحياة، من الامور
الطبيعية، ولربما بسبب موت ابائهم وامهاتهم. أما الارض اينما حلوا، فقد كانت تكتسي في صبيحة اليوم
التالي بجثث الموتى واشباهها.
قلة قليلة جدا تدرك فعلا ماقاساه هذا الشعب البائس. الى جانب كل فان الاتراك كانوا قد قطعوا خط
الرجعة لما يقارب ال ( 10000 ) نسمة منهم- وكما اعرف - فان ما من خبر قد ورد عنهم مرة مرة
اخرى حتى الان. اخيرا، كانت البقية الباقية من هذه الأمة قد بلغت (همدان). اما الفكرة الوحيدة التي
كانت لدى جميع الذين قابلتهم خلال التراجع، فلم تكن الا انهم ذاهبون الى همدان للانضمام الى القوات
البريطانية الموعودة ومن ثم العودة حالا لطرد الاتراك واسترجاع بلادهم. كانت هذه، كل ماكان في
تفكير الجميع تماما.
بعد بضعة اسابيع من ذلك بينما كنت قائما على انشاء وحدة الطوارئ الاشورية، فقد اعتقد الرجال
جميعا انهم راجعون الى بلادهم لامحالة. لم يكن ذلك اعتقادا وحسب، بل كنت قد اعلمتهم بصورة
مطلقة، انهم سيؤخذوا الى بلادهم تحت اشراف الضباط الانكليز، وانني كنت الذي سيقودهم شخصيا.
ليس هناك اي مجال للشك بالتأكيد، كما انني على يقين تام بأن مامن احد في مركز المسؤولية بامكانه
ان يدحض في الزمان والمكان، حقيقة الأمر، بان الغاية عندما تم تشكيل وحدة الطوارئ الاشورية من
الجال المقاتلين ووضعها في معسكر منفصل خارج همدان بعد اجتياز التدريب المرهق الشاق تحت
توجيه الضباط الانكليز مباشرة، كانت من اجل تلك النهاية وبالتحديد، اعادتهم الى بلادهم.
كنا بحاجة ماسة الى السلاح والذخيرة. فارسلت الى طهران ضابطا انكليزيا لشراء البنادق
والذخيرة التي كان يبيعها الجنود الروس في الاسواق العامة، ويجب العول ان القيام بكل هذه الاعباء
وتدريب هؤلاء الرجال لم تكن من اجل حماية ايران على الاطلاق.
وعندما تقرر توجيه وحدة الطوارئ مرة اخرى الى بلاد الرافدين فقد اعلمت الرجال ان الغاية منها
كانت من اجل تدريبهم وتحضيرهم بصورة أفضل، وتسليحهم بالبندقيات الانكليزية عوضا عن الانواع
المختلفة المتعددة التي كانت بحوزتهم، حيث لن يكون تزويدهم بالذخيرة اللازمة في حال اعتراض خط
الرحعة الى بلادهم أو بعد بلوغها، امرا صعبا. كان من المفروض عدم الاحتفاظ بهم في بلاد الرافدين
أو استعمالهم للدفاع عن البلاد. لكنهم استعملوا لتلك الغاية اخيرا، وبرهنوا عن مقدرتهم الفائقة في اكثر
من مناسبة ومعركة.
بقيت آمرا لقوة الطوارئ الاشورية في بعقوبة لمدة ستة اشهر اخرى بعد توقيع الهدنة، وخلال كل
هذه المدة كانوا قد وضعوا بالرجال تحت تدريب مرهق شاهق حيث وضحت لهم ان استمرار التدريب
بعد انتهاء الحرب لم يكن لجعلهم أكثر فعالية لقيادة شعبهم الى بلادهم الخاصة فقط، بل ولجعلهم أكثر
قدرة للدفاع عن انفسهم بعد بلوغها ايضا. تلك كانت التوضيحات التي قدمت لي ايضا في مركز القيادة
العامة في بغداد. اما هذه، فقد استوعبوها بتفهم بحيث ان مامن جيوش اخرى قط كانت اكثر قابلية
للتعديل والتطوير، من هؤلاء الجبليين من (تياري) و (تخوما) بحيث ان كافة الضباط الانكليز الذين
يقلوا من مختلف الافواح للخدمة في وحدة الطوارئ الاشورية، كان قد اعياهم التعبير عن الميزات
الفائقة التي لمسوها ينهم.
كان وجود الاشوريين في اورميا قد ساعد، منذ البداية حتى فرارهم المذعور، على حصر تنقلات
العدو من ايران نحو الشرق والعودة منها، وشكلوا الحامية الكبيرة الوحيدة لخطوط مواصلات الجنرال
(دنسترفيل) بين كرمنشاه وهمدان خلال الجزء الاخير من عام 1918 . ولو اننا استطعنا الانضمام اليهم
في اورميا بحامية من الضباط الانكيز وعدد من الرشاشات الخفيفة، لكان بمقدورنا حماية (باكو) ضد
الاتراك بما لاتدع أي مجال للشك.
أما بالنسبة للتعديلات الاخيرة خول انظمة الاسلحة الانكليزية المرخصة واحتفاظ الاشوريين
بالنوعية المخصصة للجيش بالاضافة الى معارضة حكومة جلالته البريطانية وكذلك الحكومة العراقية
من ذهابهم الى سوريا أو أية جهة اخرى، باعتبار موافقة مضيفيهم لرغباتهم وتحمل التكاليف، فمن
الصعوبة رؤية الجريرة التي اقترفوها لتمنع عنهم البندقيات المستحقة شرعا ولينعتوا باثوار ايضا.
ان الغاية الوحيدة كما يبدو من وراء سعي الاتراك لتملك هذه البلاد على الرغم من صعوبة الحياة
في مرتفعات هيكاري كما يشير اليها الدكتور (ويغرام) في كتابه (معد الحضارة) عن خطر الفيضانات
وانزلاق الثلوج التي تهدد المزروعات على الجرود باستمرار، لم تكن الا لمنعها عن ملاكيها الحقيقيين،
بينما لم يكن لهم اي احتمال لاستعمالها في اي غرض آخر عدا ذلك.
أما وقد تفرر اخيرا للقيام بالاستعدادات اللازمة لتوطين الاشوريين في سوريا فانني ادرك جيدا ان
الحكومة الفرنسية على الرغم من قيامها بالتحضيرات الضرورية لتسلم اعداد محدودة منهم، فانها لن
تستطيع القيام برعاية الأمة باسرها، والاصح ما تبقى منها. كما ان تقسيم هذه الأمة على هذا النحو لن
تكون مرضية على الاطلاق، وليس من المحتمل موافقة البطريرك أو الشعب عليها.
أما اذا سمحنا للحكومة الفرنسية لاراحتنا من مسؤولياتنا وانهاء هذه المعضلة لنا، فانها لن تزيد من
هيبة بريطانيا في الشرق. ولكن يجب القيام، مهما كان الامر لتوطينهم في وحدة متجانسة، لا على النحو
الذي تريده الحكومة العراقية وذلك بوزيعهم بين اعدائهم، أو تهجيرهم الى سوريا.
أن لجنة الانتدابات الدائمة تأمل في حال البرهان عن استحالة توطينهم في وحدة متجانسة، عن
امكانية الزام الحكومة التركية لاعادة وطنهم في جنوب هيكاري اليهم، تلك المنطقة التي نكرت عنهم
بسبب خطأ في قرار عصبة الامم عام 1925 . أن هذا يبدو الحل الصحيح الافضل لهذه المشكلة في
حين يجب على انكلترا الخياربين احد امرين:
إما مواجهة الوضع القئم والضغط على تركيا، أو حتى تعويضها، لاعادة هيكاري الى اصحابها
الشرعيين، أو .. توطينهم في وحدة متجانسة في منطقة كردستان تحت رعاية البطريرك فيما اذا كان
من اسهل اظن عن مكانية الصلح مع الاكراد والعيش معهم بسلام.
لعد كان ولاؤهم للحكومة البريطانية السبب في طردهم من وطنهم، كما ان نكرانهم شرعية العودة
الى وطنهم لم يكن الا بسبب خطأ لجنة العصبة عام 1925 . انها احدى المستحيلات ان تسمح الحكومة
البريطانية للقضية بالبقاء حيث بلغت الآن، وستحاول بالتأكيد لاعادة وطنهم اليهم مهما كان الامر،
" . الوطن الذي وعدتهم به عام 1918
التوقيع
العميد الركن ج.ج. مكارثي - قائد وحدة الطوارئ الاشورية
1933 . نادي ديفون شاير / شارع سانت جيمس / 17 ت 2






منقول





اشوريونان داود
Ashur younan dawood
Master of Philosophy and Theology
Oceania\ NZ
ashuryounan@yahoo.com



15
اختطف جنديان عراقيان، امرأتين من نساء الكلدان بينما كانتا تجمعان بعض الوقود من غابة على
مقربة من زاخو وحملا المرأتين الى الغابة حيث بقرا بطونهن بالحراب. وكان على مقربة من مكان
الجريمة الوحشية، عدد من شهود عيان من الكلدان فلم يتجرأوا بالتدخل، الا انهم رفعوا الامر الى رجال
الشرطة. وقدمت الجريمة المحاكم بانتظار الحكم. وبسبب المظاهرة التي قام بها الجنود امام ابواب
المحكمة لمؤازرة اخوتهم في الجيش، فقد اعلن القاضي براءة المجرمين اللذين حملا على اكتاف الجنود
في نصر عظيم. لربما تكون هذه الجرائم البشعة قد غابت عن ذاكرة البريطانيين، ولربما لن يصدقها
احد، الا انني احث أيا كان بتحمل عناء البحث في ملفات عام 1925 . ومما يبعث عن الاسى لهي
الاوضاع التي يجد الكلدان انفسهم فيها. وما داموا قابعين تحت ابهام اسيادهم الرومان، فلن يكون
بمقدورهم التخلص من أر العرب. ورغم المآسي والالام التي لا يمكن وصفها، فقد قام الاسقف (درا
بيير) بتعليق الوسام البابوي على صدر (مزاحم الباباجي) عام 1931 حينما كان نفس الوزير يقوم
بمطاردة الاقليات المسيحية في الشمال. ومع انني لست من مدعي الانشقاق في الكنيسة، الا انني اؤمن
بعدم مقدرة رؤساء الدين الكلداني رغم ما يشعرون به من آلام شعبهم، عن اكتشاف علاج ناجح لها الا
اذا وحتى يكونوا بانفسهم، قادرين على تسيير امورهم بشكل يؤمن لهم حرية العمل. وفي حين كان
(درابيير) يلتمس روما بمنح ميدالية للوزير العراقي، فان احد اعيان الكلدان المعروفين كان يوجه الى
اوروبا التقرير التالي:
وضعية التعليم المسيحي في العراق
تأثير سياسة الحكومة العراقية الثقافية الاخيرة.
انها احدى الحقائق المعروفة ما قبل الحرب، ان الشبان المسيحيين في الموصل، كانوا أكثر الشبان
ثقافة، في حين كان الشبان المسلمين، باستثناء عدد ضئيل ممن تلقوا علومهم في المدارس المسيحية،
يعيشون في حالة من الجهل التام بالعلوم واللغات.
وحتى يرضي المرء نفسه عن صحة هذا، فيكفي لاضرورة اختبار أي شاب فوق الثلاثين،
وسيظهر حالا، ان جميع الذين يشغلون مراكزا محترمة في المجتمع، مدينون بها للثقافة الحريصة التي
تلقوها في المدارس المسيحية.
آنذاك كان المسيحيون الشعب الوحيد الذي يملك مدارسا متقدمة مزدهرة، ويقوم على ادارتها رجال
الدين والكنسيين ممن كانت لهم المامات جيدة في العلوم والمعارف، وبرهنوا على تفانيهم واخلاصهم
وتكريس طاقاتهم لها. في حين كانت مدارس الملالي، الوحيدة للمسلمين، وتقوم على تعليم القرآن
ومدرسة حكومية ابتدائية او اثنين حيث كانت اللغة التركية المادة الرئيسية الوحيدة فيها.
اما الشبان المسلمون الذين لهم رغبة حقيقة بالحصول على ثقافة جيدة، فقد التحقوا بالمدارس
المسيحية، وبالاخص مدارس الآباء (الدومينيكان) حيث كانت تضم آنذاك، اكثر من خمسمئة تلميذ،
ومدرسة (شمعون الصفا) الكلدانية ومدرسة (طهرا) السريانية، دون ان نذكر مدارس الكلدان والسريان
الاخرى، ومدارس احياء اليعاقبة في المدن للبنين والبنات، حيث كانت جميعها في ازدهار وتقدم
مستمرين واشتهارها بالسمعة الحميدة.
لقد كانت كل واحدة منها تضم بين الثلاثمئة والاربعمئة تلميذ، اما اليوم، فبامكان المرء ان يقول
حقا: ان المسيحيين لا يملكون اية مدرسة خاصة بهم، أكان ذلك في الموصل ... أم ضواحيها، بعد ات
سعت دائرة التربية على اكتساب ملكيتها جميعا، في حين ان الاوضاع هي ذاتها في كافة انحاء البلاد.
جميعا، في حين ان الاوضاع هي ذاتها في كافة انحاء البلاد. وقد استطاعت ارسالية (الدومينيكان) من
استرجاع مدرستهم منذ خمسة اشهر أو ستة على الاكثر، وضمت بالكاد، مئة وخمسين تلميذا.ام مدرسة
(اخوات الرحمة) الخاصة، فانها تضم مئة فتات تقريبا وتحاول الارساليات الاميركية البروتستانتية
بدورها، وبنجاح اقل او اكثر، لإعادة اعتبار مدارسها للبنين والبنات. الا ان هذه الاخيرة، كانت قد بدأت
مدارسها قبل الحرب بزمن قصير، ولم تكن تضم آنذاك عددا كبيرا.
اما اتباع الكنيسة الشرقية اللذين حلوا لاجئين في الموصل فقد بدأوا بعض المدارس بمساعدة عدد
كبير من الارساليات الانجيليكانية والاميركية.
لقد كان اعضاء ارسالية (الدومينيكان) الاصليين، يقومون على ادارة المدارس الابتدائية للبنات في
اكبر قرى الكلدان والسريان، امثال (تل كيف، قراققوش، بتناي، تلسقوف والقوش) وهذه ‘تظهر مقدار
تدني التعليم المسيحي الحر في العراق. وتخضع بغداد والبصرة لفنس هذه الاوضاع ايضا. وبعيدا عن
هذه المقاطعات، فان ابرشية الكلدان الكاثوليك تضم اكثر من ( 60 000 ) وابرشية السريان في الموصل
15 000 ) وابرشية الكلدان في كركوك ( 10 000 ) وفي عقرا ( 6000 ) وفي العمادية اكثر من ( 000 )
15 ) وفي زاخو ودهوك ما يقارب ( 20 000 ) الى جانب ثلاثة ابرشيات الكنيسة الشرقية في لواء
الموصل وتضم اكثر من ( 25 000 ) من الاتباع، يملكون اسميا، مدارسا وطنية، الا انها جميعا تخضع
لمديرية التعليم، ويقوم على ادارة جميعها تقريبا مدنيون، تلقوا علومهم في مدارس بغداد العادية، وفي
بعض الحالات في المدارس الاسلامية.
ويمكن حصر حدوث هذه الامور كما يلي:
- لقد كان من الطبيعي ان ينتهي عصر مدارس الاوربيين، اثر مغادرتهم البلاد بسبب نشوب
الحرب. وبوصول البريطانيين فقد كانت المدارس المسيحية الخاصة، في حالة يرثى لها، ولم يكن
للسلطات الدينية، الطاقات والامكانيات الضرورية اللازمة للحفاظ على بقائها، مع انها كانت ما تزال
تقوم على ادارتها، ومن الناحية الاخرى، فان الحكومة الموضوعة من قبل سلطات الاحتلال الانكليزي،
عملت بشتى الوسائل للسيطرة على هذه المدارس، واعادة تشكيل المدارس الاخرى التي كانت قد تلاشت
من كافة ارجاء البلاد، والاشراف عليها، الا انهم كانوا عاجزين كليا عن تقديم الطاقات التعليمية
اللازمة.
كان المسؤولون البريطانيون قد ادركوا بفطنة، ان الطريقة الوحيدة لاعادة اعتبار المدارس، تكمن
بالاعتماد على اخلاص وتفاني كنائس الكاثوليك التي كانت تضم عددا كبيرا جدا من التوجيهيين الكهنة،
بخبرات عملية واسعة في حقل التعليم لذلك سرعان ما بدأوا بمباحثات مع البطريرك والمطارنة حول
الموضوع، وتوصلوا الى اتفاق، تأخذ بموجبه السلطات الحكومية مسؤولية تقديم المصاريف المادية
للمدارس القائمة حاليا، او التي يمكن القيام بها في المستقبل بشرط موافقة السلطات الدينية على ضمان
استعمال المؤسسات وتزويدها بالهيئات الادارية والتعليمية الضرورية من رجال الدين للقيام بالعمل في
المدارس.
ودعت الضرورة ليوافق رجال الدين على قبول العرض، ووقعوا الاتفاق الذي كانت من بين مواده
الاخرى، ضمان توجيههم المدارس والزام الرسميين من رجال التربية، بعدم تغيير افراد هيئة التعليم
المناهج، دون اخذ موافقة رجال الدين اولا. يمكن الحصول على نسخة عن هذا الاتفاق، من البطريركية
الكلدانية أو من مطرانية السريان.
يجب ان تقال، ان رجال الدين كانوا سعداء جدا بالنسبة للاتفاقية ككل، ما دامت حكومة الاحتلال
قائمة. اما المسؤولين البريطانيين الذين توالوا الواحد بعد الاخر على مديرية التعليم، فقد اظهروا جميعا،
الاحترام والالتزام بكافة بنود الاتفاق، فسارت الامور بشكل طبيعي، وقام الكهنة على ادارة المدارس
وتعليم اللغة الأم.
وتغيرت الامور رأسا على عقب، حالما ‘شكلت حكومة عربية، ورغم الاحتجاجات، فان وزارة
التعليم لم تعير أي اهتمام بمضمون الاتفاق السابق، وتتصرف كما لو انها سيدة المدارسالمطلقة، ولم
تستشر احدا بالتغييرات التي قدمتها في مناهج التعليم، واعتبرت الكهنة الذين كانوا مدراء ومعلمين،
مجرد موظفين، فطردت البعض ونقلت البعض الآخر حسب ما املت الرغبة بذلك، ووفقا لخطة
مدروسة، فان الوزارة ابعدت رويدا رويدا ادارتها عنهم ومنحتها للمدنيين، وفي الحقيقة، فان كافة
المدارس التي تعود ملكية عقاراتها الى الكنيسة، يقوم الان على ادارتها مدنون من المسيحيين والمسلمين
ممن تلقوا تعليمهم في مدارس بغداد، ومصابون بالالحاد جميعهم، وفي بعض الحالات، باللاخلقية. وقد
احتفظوا بالمدراء شكليا الا انهم ادنوا منزلتهم الى معلمي الديانة، وترتب عليهم الاحتفاظ بها قسرا،
تحت رحمة الشبان الذين كانوا بالأمس تلامذتهم، وبدون شك، أقل منهم خبرة.
ان مؤسس ومدير مدرسة (شمعون الصفا) منذ خمسة وعشرين سنة الأب (ج نامو) مثلا، قد ‘ابعد
عن ادارتها ووضعت خلال الاعوام الثلاثة الماضية، ادارة رجل من كركوك يدعي شكري افندي، وانه
بالكاد يعرف العربية، بينما نقلوا الرجل الديني الضليع، الى قرية (تلسقوف) كمعلم شفهي، المنصب
الذي اضطر على قبوله كيلا يموت جوعا.
وانتقلت ادارة (طهرا) السريانية من توجيه الاب (رحماني) المجاز في الفلسفة ودكتور في اللاهوت
من جامعة بيروت، الى اشراف (جميل افندي) احد تلامذة اللاهوت السابقين، غير المجازين، والذي كان
معلما عاديا تحت ادارة الاب رحماني. ومثال آخر، جديد. لقد ‘انزلت مرتبة الاب (ج انديلا) مدير
مدرسة (مار توما) السريانية في الموصل، الى درجة معلم شفهي. لمدة خمسة وعشرين سنة، كان هذا
الرجل الضليع الفاضل، المعروف من قبل كافة افراد البلدة، مديرا للمدرسة، موضع الشبهات بالنسبة
لاخلاقه على الأقل.
وتم تعين احد المسلمين على ادارة مدرسة كلدانية في كركوك بحجة عدم معرفة المدير السابق،
اللغة التركية، في حين يوجد اكثر من عشرين كاهنا، يجيدونها بطلاقة.
ونتيجة لهذا، فان المدارس المسيحية في العراق لا تقوم، الا بالاسم فقط. وانتهى التلامذة من
الاشراف السليم، و‘خفضت ساعات تعليم الديانة لبضع دروس، واصبح تعليم اللغة الأم، اختياريا، ومن
الصعوبة ان تجد الآن في القرى المسيحية الاطفال، الذين يجيدون اللغة الكلدانية الآشورية، ليقوموا
بالخدمات الكنسية.
ان المعلمين، خريجي مدارس بغداد العربية، يملأون رؤوس الاطفال بالدعايات نحو القومية
العربية، ويضعفون فيهم الشعور بقوميتهم الخاصة. ان كتب التاريخ والقراءة والكتب الاخرى والاناشيد
التي يتعلموها، انما ‘وضعت لهذه الغاية، بقصد الاساءة والاضرار والقضاء على حقائق التاريخ،
واحتقار القومية الأصلية.
اما اذا استمرت هذه الاعما لبضع سنوات اخرى، فان كل ما سيبقى، انما نشئ جديد، لا يؤمن بالله،
ولا يحترم التقاليد والعادات القومية، وتصبح قضية العرب، غيرته الوحيدة.





منقول


اشوريونان داود
Ashur younan dawood
Master of Philosophy and Theology
Oceania\ NZ
ashuryounan@yahoo.com


16
كان السيد (جود اول) المعلم الانكليزي في الموصل قد رفع بعض هذه الاعمال الدنيئة في تقرير
موجه الى الميجر ويلسن والذي بدوره لم يستطع ازاءها عمل اي شيء سوى رفع التقارير الى جهات
اخرى. تلك هي الاخلاق التي كانت تعلم للاطفال المسيحيين في مدارس العرب الحكومية. وخلال فترة
قصيرة ستصبح بدون شك، التعاليم المسيحية المحتضرة صفحة قديمة من التاريخ.
لقد كانت كافة الصعوبات الممكنة والعراقيل توضع عمدا في سبيل المسيحيين. ففي عام 1928
مثلا، قدم مطران زاخو (بطرس عزيز) طلبا لفتح مدرسة لتعليم الفتيات، كان سيقوم على ادارتها
راهبات من العراق. وملاحقة الطلب على مدى ثلاثة سنوات من قبل مار عمانوئيل في بغداد والمطران
يوسف غنيمة في الموصل الا انه قبل بالرفض اخيرا. وبرر المتصرف العربي الرفض بالكتابة الى
بغداد قائللا:
"...وبسبب ترعرع الراهبات في جو فرنسي، فاننا نخشى من نشر الاعلام الموالي لفرنسا في تلك
المنطقة."
انني لا اعتقد ان فرنسا بحاجة الى خدمة راهبتين من العراق لنشر الاعلام الموالي لها، او عن
سوء معاملة - الغير عرب -. ان اجحاف الرسميين العراقيين العرب كاف بحد ذاته ضدهم. ولم تكن
هذه طبعا، الا احدى الذرائع لاعاقة اعمال البعثات التبشيرية، ولارغام الفتيات المسيحيات بالذهاب الى
المدارس الحكومية ليتعلموا فيها التربية والاخلاق التي علمت للاطفال.
في كثير من القرى المسيحية، حرمت اعداد كبيرة جدا حتى من التعليم الابتدائي بحجة عدم توفر
الامكانيات اللازمة. وقرى اخرى حيث حشدوا اكثر من اربعمائة طفل بين جدران ثلاثة غرف صغيرة،
مع ان قرى كهذه تساهم بمبالغ طائلة الى الميزانية العامة. اما العذر برفض اكثر من مئة وخمسين طفلا
في قرية اخرى لم يكن سوى عدم توفر الغرف الكافية لاستيعابهم.
ان الذرائع بعدم توفر الامكانيات اللازمة في هذه المدارس ليست الوحيدة فحسب، بل واضافة على
ذلك، فانها لا تملك صفوف مرحلة كاملة، والتي تتكون عادة من ست صفوف تمكنهم في حال انتهاء
المرحلة الابتدائية، للانتقال الى المرحلة المتوسطة. ان الزمن آت حين سيملك العرب ثقافة عالية تفوق
ثقافة - غير العرب - وذلك بحصر كل الطاقات والامكانيات وتهيئتها من اجلهم. وستتمكن الحكومة
العراقية من تحقيق اهدافها الكامنة وراء غلق ابواب الفرص آليا بوجه المسيحيين والاقليات الاخرى
لمنعهم من تحصيل قوت الحياة بالسهولة مثل العرب.
وفي القرى العربية التي يقل عدد سكان اكبرها عن اية قرية من قرى - غير العرب - فنجد فيها
عادة، اكثر من مدرسة ابتدائية كاملة الصفوف، قائمة بالعمل. اما في المدارس المتوسطة فان تعليم
القرآن فيها امر الزامي.
ومن المعتاد ممن يرغب الانضمام الى المدرسة الحصول على تصريح من الهيئة الاختيارية
للمنطقة تفيد عن مقدرته على دفع الاقساط المدرسية. وقد طرأت حالات كثيرة - للحد من نسبة
المتعلمين من / غير العرب / - برفض طلباتهم للانتساب الى المدرسة رغم تقديمهم التصاريح
المصدقة بوضوح من قبل الهيئة الاختيارية المعروفة، في حين تقبل طلبات تلامذة العرب في الحال،
والتي تكون موضع الشبهات حول صحة تواقيع الهيئة.
ان التأثير الآني، والتأثير الاكثر فعالية في المدى البعيد يتبنى تلك الخطط، تكمن في اقلال الغالبية
المسيحية في المدارس المتوسطة في الموصل مثلا، الى (اقلية) في حين ان المدرسة باعتبارها ذات
الغالبية المسيحية كانت تغلق بعد ظهر ايام الآحاد وطوال ايام الجمعة، بعد الغاء عطلة ايام الآحاد في
هذه المدارس، واعتبار الجمعة العطلة الرسمية.
الم يكن السير (همفري) يعلم هذه الحقائق؟ ام ان قصر كاظم باشا كان بعيدا، ليرى الامور على
حقيقتها..؟؟.
حدث ان شغرت بعض المناصب في وزارة التعليم عام 1929 فقدمت احدى واربعون معلمة، من
بينهن سبعة وثلاثين معلمة مسيحية طلبات لها. ففي حين اجتازت ستة وثلاثون معلمة مسيحية، الامتحان
بتفوق، ورسبن المعلمات العربيات الاربعة، فلم يتم تعين الاربعة الاخيرات فحسب، بل اعلموا
المعلمات المسيحيات (بعدم وجود شواغر لهن).
ورغم التقارير الرسمية العديدة التي قدمها الميجر (ويلسن) من نفس الفترة بالذات، الى جانب كون
شقيقة السيد (..) احد السريان الكاثوليك، والتي تشغل الغرفة المجاورة لغرفة الميجر ويلسون احدى
المعلمات المسيحيات اللواتي اخبرن بعدم وجود الشواغر لهن. الى جانب هذه التفرقة والتعصب الاعمى
من جانب الحكومة العراقية ككل، فقد ملك السير (فرانسيس همفري) الشجاعة، ليصرح امام الهيئة
الدائمة للانتداب (بعدالة) الحكومة العراقية تجاه رعيتها. ومن خلال الضغط الاقتصادي السلاح الاكثر
هولا في ايدي العرب (العادلين) فان الفلاح الكلداني يجد نفسه دائما تحت رحمة رؤسائه المسؤولين
والمساومين العرب، وقد ادنوا مرتبته الى منزله رقيق الارض ليس اكثر.
لقد اكد السير (لونغ ريغ) مفتش المالية العام آنذاك صحة سجلات المفتشين الاداريين الرسمية في
العراق، بان الاداريين العرب اللذين كانوا في الوقت نفسه مدراء للجباية يؤمنون عن قيام الاداريين
السابقين بجمع الضرائب الباهظة - غير الشرعية - لاظهار فائض ضروري للمتطلبات المتزايدة في
الميزانية، على التحصيلات القانونية، بغية الحصول على الترقيات الممنوحة على اسس المعطيات. كما
جاء في هذه السجلات، ان المسؤولين العرب انفسهم لا يفهمون قوانين المالية الموضوعة من قبل
السلطات المركزية في بغداد فحسب بل ويتوقعون منهم فرضها على هذه المناطق النائية.
ان هذه الحالة من الامور، ادت دائما الى مشاكل اقتصادية نحو الفلاحين من - غير العرب -
اللذين ليس بمقدورهم ضمان العدل والمساواة عن طريق رفع الامور الى السلطات العليا. الا ان
هؤلاءيجدون بعض الراحة من خلال الرشوة، حيث اصبحت ممارستها في مديريات المالية العراقيةن
احدى الامور الطبيعية. وقد اعترفت بها في مطلع هذا العام الجريدة الرسمية، واخذت الحكومة العراقية
بعض الخطوات بعين الاعتبار - على الورق - للحد من ممارستها. وستكون هذه الاجراءات بدون
فائدة حقيقية، ولن تقدم حلا، لان ... المرؤوسين انما يقتدون بخطى رؤسائهم، الولعين بهذا النشاط. اما
مصدر الثروات الهائلة التي اقتناها هؤلاء فواضحة كعين الشمس بحيث لا تحتاج الى براهن. ويكفي
القول ان مدير المالية العام الحالي والذي تنظر اليه الامة العراقية باستثناء الاكراد، كمخلص من (النير
البريطاني) انما هو الطفل الوضيع الاوحد من بين الجميع، وقد اصبح بالوسائل الدنيئة المعروفة، مالكا
لخمسة وثلاثين مضخة مائية للري على نهري دجلة والفرات. كانت قد اعدت هذه الحقائق قبل اربعة
اعوام في لواء بغداد، وبدون شك فان عددها يجب ان يكون قد ازداد، عما كان عليه منذ ذلك الحين
حتى الان.
اما القتل فامر عادي في العراق وثمانون بالمئة من الجرائم التي يقترفها العرب يقع ضحيتها
المسيحيون والاقليات الاخرى، وتمر بدون ملاحقة قانونية، لان الرسميين العرب يقتسمون في اكثر
الحالات الغنائم مع المجرمين انفسهم. واذا حدث وساقوا المجرمين الى العدالة - على غرابة ذلك -
فانهم ينجون باحكام طفيفة جدا. اذ بامكان الواحد ان يجد امام ابواب المحاكم القضائية، وعلى الاخص
في بغداد، عددا كبيرا من العرب على استعداد مقابل حفنة من النقود يتفق عليها مسبقا للادلاء بافاداتهم،
مع او ضد اية قضية اجرامية تشملها مواد القانون المدني رغم الادلة والوقائع. ولكن .. لن تجد امام
تلك الابواب احدا من الاكراد، او - غير العرب - .
ان القضايا التالية تشمل نسبة ضئيلة جدا من اصل الجرائم المرتكبة، ومع انها ليست في غاية
الكتاب تقديم قائمة كاملة بها، حيث ستتطلب مجلدات هائلة لايرادها، انما الغاية منها منح القارئ اللبيب
لمحة عن (سير العدالة والمساواة) في العراق.
في عام 1930 توجه اربعة من الآشوريين الكلدان العزل من السلاح من قريتي (القوش) و (تل
كيف) المسيحيتين نحو (العمادية) لشراء بعض المواد الغذائية للقريتين.
فتعرض لهم في طريق العودة قطاع الطرق العرب، فربطوهم بالحبال صفا واحدا، يواجه كل اثنين
منهم احدهم الاخر واطلقوا رصاصة واحدة اخترقت الاربعة، عملا بما يقوله العرب: ان (الكفار) لا
يستحقون اكثر من رصاصة واحدة. فقام رجال الشرطة كالعادة بتحقيق بسيط جدا، وافادوا في تقريرهم
ان اللصوص الاتراك قاموا بارتكاب هذه الجرائم البشعة.
ان مكان الجريمة يبعد تسعين كيلو مترا من اقرب نقطة من الحدود التركية. وعلى افتراض صحة
رواية الشرطة العراقية في التقرير، وفي هذه الحالة، فان ادانة الفرع كانت احدى الامور التي تستلزم
ذلك، اذ كيف تمكن لصوص الاتراك من اجتياز مئة وثمانين كيلو مترا يقودون احدى عشر دابة محملة
للمسيحيين، دون ان تلاحظها شرطة المخافر العراقية؟ ان اللصوص العرب قد ارتكبوا تلك الجرائم
البشعة، بدون اي شك وعلى ارض العراق. ومرة اخرى باعتبار تصديق رواية الشرطة العراقية في
هذه الحالة لا بد ان يكون هؤلاء قد شاركوا قطاع الطرق الاتراك على اقتسام الغنيمة كما يفعلون عادة.
وفي اغلب الاحوال حين يكون - غير العرب - الضحايا، فان المسؤولية دائما تلقى على رقاب
(الكماليين) لارغام اقربائهم بالكف عن طلب العدالة، ولان البت فيها كان يؤخذ مرة كل ستة اشهر.
بوصول الشرطة الى مكان الجريمة التي وجدوا فيها جثث الاربعة، فانهم اكتشفوا على مبعدة امتار
منها جثة اخرى نهشتها الاوابد، وتأكدوا بواسطة غطاء الرأس انها جثة احد الآشوريين. اما (هرمز
شيوتا) احد الكلدانيين فقد لقى مصرعه بنفس الطريقة الشنيعة، ولم تقم السلطات العراقية بأخذ اي اجراء
او تحقيق لسوق المجرمين الى العدالة.
وبما ان السؤال في هذه الفترة عن تحرير العراق كان المحور في كافة الامور، فقد ارتقبت
الاقليات اسوء الشرور للمستقبل، وبسبب تقديمهم العرائض الى عصبة الامم مسبقا فقد اخذت الحكومة
العراقية اجراءات وخطوات مشددة لتهديدهم بالانتقام فيما اذا اصروا على متابعة العرائض.
اما اقرباء الضحايا الاربعة، فقد ارغمهم قائم مقام المنطقة المعنية بارسال البرقية التالية:
"ان الجهود الجبارة (كذا) التي بذلتها حكومتنا المقدسة (كذا) لاكتشاف جثث اقرباءنا الاربعة
الابرياء، والبحث عن دوابهم، تدعونا لنعبر عن فائق شكرنا بواسطة الصحافة وبالاخص (مكي بيك
الشرباتي) قائم مقام دهوك و (مجيد بيك) قائم مقام العمادية المحترمين."
ان قائم مقامات المناطق انفسهم يقومون على صوغ مثل تلك البرقيات، وبسبب الخوف من انتقام
المسؤولين العرب في المستقبل، فان المعنيين يضطرون للتصديق على صحتها بوضع اختامهم
وتواقيعهم عليها. اما الجهود الجبارة التي تستشهد بها البرقية، فلا اساس فيها من الصحة بتاتا. فقد
اكتشف اقرباء الضحايا الجثث، وليس رجال الشرطة كما بدا، واهتمام هيئة الانتداب الدائم باقدار
الاقليات آنئذ، فان برقيات كهذه كانت ضرورية جدا لخدمة القضية العربية.
في الخامس من ايلول عام 1930 نشرت جريدة (يونيفرس)، اللندنية ومن مصدر موثوق من
السلطات الدينية الكاثوليكية في الموصل بهذه المعلومات:
"تعرضت قرى الكلدان في مقاطعة زاخو وحدها خلال مدة ثلاثة اعوام فقط، لاثنتين وعشرين غارة
ذهب ضحيتها ثمانية عشرة قتيلا ومثلوا بجثث ثمانية آخرين وخسارة الف وثمانمئة من الاغنام.
وتعرضت (سينات) لغارة اخرى في عام 1929 ذهب ضحيتها (يوسف بتو وجوزيف غاردي
ويونان داؤود).
وغارة اخرى عام 1930 قتل على اثرها (ابو توما - 15 سنة و يوسف ميخا - 12 سنة) وسوق
مئتين من الاغنام. وفي طريق العودة فان اللصوص صادفوا راعيا مسيحيا اخر (ابراهيم شمو) فقتلوه
بطريقة وحشية.
ان نفس القرية تعرضت للنهب للمرة الخامسة والعشرين خلال الاشهر الستة الماضية، وسيقت منها
اكثر من خمسمئة من الاغنام."
وليست هذه القرية الكاثوليكية الوحيدة التي تتعرض للغارات والنهب. وتقاعس الحكومة العراقية
عن اخذ الاجراءات لردعها، ينبع من هدفها غير المشكوك فيه ... بالقضاء التدريجي على هذا الشعب
البائس.
اما حين تعرض منزل (رشيد عالي الكيلاني) للسطو، حالما اصبح رئيسا للوزارة، فان المتهمين
العرب سرعان ما قدموا للعدالة خلال اربعة وعشرين ساعة من الحادثة.
والمتهم في سرقة (رستان حيدر) - هذه الحشرة اللاجئة الى العراق تحت وصاية الملك - فقد القي
القبض على المتهم حالا. فهل بامكان القارئ، ومعرفته بالحقائق ان يؤمن بتصاريح الحكومة العراقية
وصحتها وعن قناعة الكلدان وتأييدهم لها ؟.
خلال الاسبوع الثاني من ايار عام 1933 تعرض ثلاثة من الكلدان لابشع جريمة قتل على ايدي
(الحديديين) العرب من قرية (باسيفني) شرقي عين سيفني من قضاء شيخان في لواء الموصل.
كان الظلام قد حل على (متى تشونا و كبرئيل مقدسي واسطيفان شمعون تاتا) من بلدة (القوش) قبل
وصولهم الى منازلهم. فاضطروا تلك الليلة ليحلوا ضيوفا على جيرانهم العرب. وبعد ان قدم لهم
مضيفيهم القهوة، انكفأوا على انفسهم للحصول على بعض الراحة. وفي حدود الساعة التاسعة من تلك
الليلة، تسلل المضيفين عليهم وهم نيام، فعملوا فيهم بالسكاكين والخناجر، وحملوا جثثهم والقوها بعيدا
عن طريق عابري السبيل. الا ان اسطيفان شمعون تاتا نجا من الموت بمعجزة ليخبر عن مصير رفاقه
المؤلم. ان الدافع وراء هذه الجرائم لم تكن السرقة حتى تصنف (عادية). وبالنسبة لمعاقبة هؤلاء
المجرمين فانهم سيظلوا كما في الحالات السابقة بدون ملاحقة. ولربما سيحاكمون بموجب قوانين
الجرائم والنزاعات المدنية المحلية. وبما ان باب الرشوة والفساد واسع جدا تحت هذه الانظمة والقوانين،
فان هدية لا تعدو الخمسين ليرة تكفي لاعلان برائتهم.

17
ان سكان الجزيرة وآشور والعراق على اختلاف مذاهبهم هم كلدان آشوريون جنسا ووطنا. وقد
دعوتهم كلدانا آشوريين لأن هذين الشعبين هما في الاصل شعب واحد، نظرا الى الديانة والعادات
والشرائع والآداب والصنائع. فضلا عن ان اسم الكلدان والآشوريين اطلق دون تمييز على شعب واحد
في التواريخ القديمة اذ كانت الدولتان تتضامان غالبا فتصبحان دولة واحدة.
ومما يستحق الاستغراب والتأسف ان نرى بني وطننا المتسلسلين من ذاك الشعب الكلداني
الآشوري خالين من المحبة لجنسهم ولا يفقهون انهم نازلون من ظهر شعب شريف قد فاق شعوب العالم
كله في بأسه وآدابه وصنائعه. نرى الاسلام الوطنيين قد نسوا لغتهم واصلهم تماما ولا يدرون انهم
كلدانا آشوريين. نرى اليعاقبة والسريان الكاثوليك الموجودين في بلادنا هذه يلقبون انفسهم بالسريان
الغربيين كأنهم انما من سوريا قد اتوا واستوطنوا هذه البلاد.
ونرى الكلدان انفسهم ولا سيما الذين يسكنون المدن كالبصرة وبغداد وكركوك والموصل ودياربكر
وغيرها عوضا عن ان يجتهدوا بدرس لغة اجدادهم الشريفة واحكام آدابها فهم يحتقرونها ويستهزئون
بالقرويين والجبليين الذين لا يزالون يتكلمون بها الى اليوم.
ولما رأيت ان اعظم الدواعي الى محبة الوطن هو ان يقف الانسان على مجد بلاده القديم وان هذا
لا يقوم إلا بمطالعة الاخبار السالفة، دفعتني الغيرة الجنسية ان اتحف بني الوطن بهذا الكتاب الذي
ضمنته الكلدان والاشوريين حتى اذا ما وقفوا على اخبار اجدادهم الآولين، اقتدوا بهم واقتفوا آثارهم
فيبلغون ما بلغوا اليه من الفلاح والنجاح.
اضطر الكلدان، نظرا للظروف والاوضاع المحيطة بهم وتخلصا من الاضطهادات، الالتجاء في
القرن السادس عشر الميلادي الى حماية روما القوية حيث كانت الارساليات الكاثوليكية التي تقوم
بالعمل في سوريا قد بسطت اعمالها التبشيرية الى البصرة في الجنوب ومن ثم الى الشمال في مناطق
الكلدان حتى القرن الماضي وضمهم الى رعيتها. اما لقب الكلدان فقد اطلق اصلا على اتباع كنيسة
المشرق الاشورية من سكان العراق، اولا: لوجودهم الجغرافي ، وثانيا لما يحيطها تاريخيا. ولا يزال
بحوزة الكنيسة الشرقية ختما تاريخيا يعود قرونا الى الوراء حيث استعمله البطاركة بختم كل الوثائق
الصادرة عن الكرسي البطريركي كتبت عليه: "شمعون المتواضع، بطريرك المشرق بالنعمة، يخدم
كرسي (ثاديوس) - آداي - "
اما بطريرك الكلدان (مار عمانوئيل توما الالقوشي) المعروف ببطريرك بابل، فانه يشرف على
الثمانين من عمره و‘يعتبر - حصان السباق - في العراق. وكانت لرعيته البالغة الثمانين الفا عدة
امتيازات تحت الحكم التركي الا ان الحكومة العراقية الغت هذه الامتيازات تدريجيا حالما اصبح فيصل
ملكا على العراق. وعلنا انذرت الحكومة العراقية الكلدان، ومرة تلو الاخرى بما معناهن ان اقدارهم لن
تكون افضل من اقدار الارمن في الماضي - مجازا على المذابح - فيما اذا رفعوا اصواتهم مطالبين
باي نوع من الامتيازات. ووصفت احدى جرائد بغداد (مار عمانوئيل) منذ ثلاثة اشهرن بالحرباء
المتلون، ولم تأخذ الحكومة كالعادة اية اجراءات قانونية بحق الكاتب وسوف لن تدهشني في المستقبل
القريب لاسمع عن ارغام مار عمانوئيل بالذهاب الى جنيف للدفاع عن " العراقيين الطيبيين" او الزامه
للادلاء ببيان يدافع فيه عن " الحكومة العراقية الخيرة " فان هذه حصلت من خلال الرشوة والفساد
والتهديد على مثل هذه البيانات، حيث كان السير (فرنسيس همفري) قد رفعها الى عصبة الامم. ومما
يرثى له، انخداع العصبة" بزيف هذه البيانات والتصريحات، وعادة يتم تحضيرها مسبقا، وتقدم للمعنيين
بتوقيعها ليجدوا انفسهم بين شرين: تهمة الخيانة نحو العراق ان امتنعوا، وان صادقوها فانهم نحو خيانة
شعبهم. ولو ان الاسباب التي دعت الى نفي مار شمعون، قام بدراستها شخص حيادي، سيظهر له بما
لا يقبل الشك، ان امتناعه عن توقيع مثل تلك الادعاءات، كانت احدى الاسباب الرئيسية التي حدت
بوزارة رشيد عالي الكيلاني لاصدار الامر بالنفي.
لنعد الى الكلدان. ففي حين يعتقد بطريرك الكلدان انه من الافضل تضحية بعض اتباعه - كل شهر
- لرصاص العرب وخناجرهم من تضحيتهم دفعة واحدة، إُلا انه يدرك جيدا ما تعنى الحالتين من ابادة
شعبه بدون شك.
وعندما قابلته لاخر مرة في الموصل برفقة الكابتن (ماثيو كوب) عضو البحرية الملكية، ايقنت انه
في مركز حرج جدا وكانت اخر كلماته لي:
"انني اوافق، ان اوضاعنا ابان الحكم التركي كانت افضل بكثير مما نحن عليه الان، تحت نفوذ
الحكومة العربية في العراق، واعلم اننا سنكون موضع الاضطهاد والتنكيل حالما ينتهي الانتداب
البريطاني. وفيما اذا طالبنا ببعض الحقوق والامتيازات والتي قدمتها كتابة الى اللورد (كيرزون) خلال
مقابلتي له في لندن، فهل بامكاننا ان نثق بالمساعدة البريطانية لنا.. ؟
ان افضل ما يمكنني ان استشهد به في هذه الحالة لهي القضية الاشورية، وتعرف مقدار تضحياتهم
والخدمات الثمينة التي قدموها وما زالوا، او كانت النتيجة سوى خيانة البريطانيين لهم ؟ اما اذا طالبنا
بحقوقنا السياسية دون اي مساعدة مخلصة، فعالة فلن يبقى احد منا رجل او طفل يحمل العبء". فيما
يلي بعض المطاليب التي قدمها مار عمانوئيل الى اللورد (كيرزون)، النص الاصلي بالفرنسية":
سعادة اللورد كيرزون - وزير الشؤون الخارجية والهجرة
بريطانيا العظمى - لندن
69 شارع فكتوريا
6 حزيران 1920
(انني اعبر من خلال هذه الاسطر القليلة عن المحبة الدفينة والشكر العميق الذي نكنه لسيادتكم
بالنظر الى عواطفكم النبيلة بشأن المطاليب التي قدمتها اليكم اثر تخريب ستة من ابرشياتي المذكورة في
تقريري المؤرخ في 25 من شهر شباط.
سأغادر لندن يوم الاثنين من هذا الشهر متجها الى روما وفي حوزتي تذكار جميل من بلادكم
العظيمة، كما انتهز هذه الفرصة السانحة لأوجه انظاركم الحريصة الى الاسطر القليلة الآتية:
ان سيادتكم تعرف حقا المرتبة والمكانة الاولى التي كانت لنا نحن الكلدان الكاثوليك في ارض
الرافدين، في بلاد الكلدان وفي العراق. وفي هذه الاماكن الثلاثة فاننا نشكل الغالبية الساحقة، كما غالبية
الاتباع المسيحيين في كردستان وفي ايران تابعون لأبرشيتنا.
ومنذ نيلنا مرتبة الكهنوت فقد اصبحت معروفة جيدا، ليس من قبل روما فحسب، بل ومن السلطات
العثمانية عن المكاسب الخاصة التي حصلنا عليها الى جانب محافظتنا على لغتنا القومية وادبنا
ومدارسنا، علما اننا نعيش من وراء التجارة التي نقوم بها والحرف الاخرى والزراعة، ونقطن المدن
والقرى في المناطق المذكورة اعلاه. وباختصار، اننا امة واحدة بحد ذاتها منذ اجيال، حرة ومتميزة عن
كافة المذاهب الاخرى التي كانت قائمة تحت نظام الامبراطورية العثمانية، وخير دليل على ذلك لهي
(الفرمانات) التي منحها لنا سلاطنة الاتراك. لذلك فاني آمل ان تأخذ السلطات البريطانية بعين الاعتبار
حقوقنا القومية التي هي لنا.
ومرة اخرى فاننا نعبر عن فائق شكرنا ملايين المرات، كما ونتمنى بحرارة في هذه الاثناء دوام
الاستمرار والسعادة لسيادتكم، وندعو بلهفة لتنالوا ارفع الاوسمة التي تليق بمقامكم).
بطريرك بابل للكلدان
ان رسالة مار عمانوئيل السابقة تتطلب بعض الايضاح. فان قداسته لم يتوانى قط عن المطالبة
بحماية مصالح رعيته الا ان مطاليبه تلقتها آذان طرشاء. واحاط قداسة البابا بكل الاحداث على مختلف
المراحل. اما الاسقف (بير) فقد دعم، بحضوري، مطالب الكلدان التي قدمها مار عمانوئيل اصلا،
وبالاخص حين كانت المعاهدة الانكليزية - العراقية في 30 حزيران عام 1930 قد وضعت قيد
الاعتبار. ووجه الميجر (ويلسون) المفتش الاداري في الموصل، اعتبارات الاسقف (بير) الى السير
(كنيهان كورن واليس) مستشار وزارة الداخلية /بغداد/ والذي كان مؤيد فيصل مهما كان الثمن، فانه
اهمل كل هذه الاعتبارات لانه "لم يكن باستطاعته الا يكون موافقا مع احد وزرائه العرب" حول قضايا
تهتم لمصالح الاقليات، والتي ستؤثر على المصالح البريطانية التي تغطيها المعاهدة الجديدة، وتضعه في
مركز حرج، خطير قد يؤدي الى فقدانه شعبيته مع اصدقائه ومستخدميه العرب.
ولكن عندما دعت الحاجة لطلب مساعدة مار عمانوئيل ومن قبل نفس المستشارين ضد الاتراك
مثلا، فان الحكام المحليين والسير (كينيهان) لن يترددوا لطلب مساعدته حين اوفدت عصبة الأمم
(ليدونير) الاستوني للتحقيق في المآسى التي حدثت في منطقة (غويان) حيث ذهب ضحيتها اكثر من
ثلاثة آلاف من الكلدان. وفي الحقيقة، فان امثال السادة (لويد) و (جاردين) من المسؤولين البريطانيين
دفعوا لمار عمانوئيل وللاخرين، ومن معتمد شعبة المخابرات البريطانية كلفة البرقيات الطويلة الباهظة
الموجهة الى عصبة الأمم ضد الاتراك.
وعلى الرغم من عدم ثقة مار عمانوئيل بالانكليز والعرب فان مبادئه، مداراة السوء بالحسنى نادرا
ما اثمرت. ففي حين كان مقتل الكلدان على ايدي العرب كثيرة الحدوث، وعندما كانت قرى الكلدان
امثال سينات وغيرها عرضة للنهب بين وقت وآخر، وحين كان الدين المسيحي موضع الهزء
والسخرية علانية، فقد ارغمت مار عمانوئيل ليقوم على استقبال فيصل في دير مار اوراها عام 1931
استقبالا حارا وبالقرب من الاماكن التي حدثت فيها ابشع جرائم القتل تجاه الكلدان منذ زمن قصير.
أوتفاجئ عصبة الأمم، أو روما اذا ارغم مار عمانوئيل ومطارنته على توقيع وثائق تثني على حكومة
(سيدي فيصل) لتسامحها وعدالتها كما قال (فرنسيس همفري)..وعن الرغبة الملحة الا يصيب الوحدة
العراقية الخلل، وان الذين يدعون عكس ذلك ليسوا سوى دعاة للخطر والسوء..؟.
ان مركز مار عمانوئيل اليوم ومركز اللذين سيخلفوه على الكرسي، يماثل حقا مركز قداسته،
جبرائيل تبوني بطريرك السريان الكاثوليك عندما كان مطران ماردين. كان هذا الاخير وسط المذابح
الارمنية عام 1915 واضطر لتوقيع وثيقة في صالح السلطات الحاكمة آنذاك تفيد: "ان كل شئ على ما
يرام، اما التقارير عن المذابح الارمنية فلا اساس من الصحة فيها بتاتا." فاذا امكن تصديق وثيقة
قداسته، تبوني، فلن يكون هنا ادنى شك بتصديق مار عمانوئيل. وقداسته. بطريرك الموارنة، ارغمه
جمال باشا السفاح خلال الحرب العالمية الاولى ليعلن عن قناعة ورضى اللبنانيين، في حين كانت
الالوف من رعيته يبيدها الجوع نتيجة حصار جمال باشا.
وبامكان عرب العراق، الورثة الحقيقيون للنظام البربري السفاح من انتزاع مثل هذه التصاريح
(الكل على ما يرام) تحت فوهة البندقية.
ان توضيح موقف مطارنة الكلدان صعبة جدا. ففي حين كتب المطران (فرنسيس) بالامس
القريب، الى رجال الدين الكاثوليك المرموقين ان الامور ليست على ما يرام اطلاقا وان حياة شعبي
معرضة للخطر في كل لحظة نجده الان مكرسا جل وقته على صوغ تقرير (صادق) يزعم عن استقرار
وهدوء الامور بحيث لا يمكن تكذيبه. وكاحد المرشحين للكرسي البطريركي فقد وجدت الحكومة
العراقية في شخصه، صديقا مخلصا حيث تعلم، رغما عنه، كيفية صوغ وتوقيع الوثائق وتزويرها. في
بداية عام 1933 كان مار (فرنسيس) قد اعلم السيد (ايشو قليثا) في احدى المناسبات قائلا:
"يستحيل على اي مسيحي، كائنا من كان ومن اي طائفة، الحياة في استقرار في العراق، ومن
الافضل لكل القادرين على مغادرة البلاد، مغادرتها في اسرع وقت ممكن".
وليس المطران (جرجس دلال) للسريان الكاثوليك، ولا المطران (اسطيفان) مطران الكلدان في
قارب افضل. فبدون مدح وملاطفة (الحكومة العراقية العادلة، السمحة) ومداهنه الرسميين العراقيين
العرب، فليس هناك ادنى شك انهم سيقاسون بمرارة على ايدي الحكومة الارهابية كما حدث مع اخوتهم
الآشوريين.
ان تبني الحكومة العراقية وبالاخص، ياسين الهاشمي سياسة التخلص من المسيحيين والأقليات
الاخرى اللذين يشغلون حتى ادنى المراتب في خدمات الدولة، لم تكن إلا نتيجة التعصب الاعمى،
والحقد نحوهم والتخلص منهم كان سيفسح المجال لأقربائه الخادميين واصدقاء اقاربه، فالاقارب اولا،
وسير الامور فليس من الضروريات.
ان اقل عذر يكفي لطرد أي مسيحي خارج الباب. اما المتقاعدون، فسرعان ما يشغل مناصبهم
العرب، واللذين يفارقون الحياة، فان تعييين اقارب الوزير واتباعه في مراكزهم فامر محتوم رغم انعدام
حتى اقل المؤهلات لديهم.
اما الكلدان فكانوا ليقاسوا اكثر من غيرهم، اذ انهم كانوا يشغلون عدة مناصب في مراكز الدولة
منذ ايام الاحتلال. ومع ان الترقيات كانت تمنح على اسس المعطيات والجدارة الا انها كانت صعبة
التحصيل بالنسبة للمسيحيين جدا. وقد طرأت مؤخرا عدة حالات حيث تم تعيين عدد من العر ب في
_دوائر حكومية معروفة، وبدون ان يكون لهم اية خبرات سابقة. وبالمقارنة مع الموظفين المسيحيين في
نفس الدوائر، بخبرات طويلة جدا تتجاوز الخمسة عشر سنة في الادارة، فان الاولوية قد منحت لهؤلاء
القادمين الجدد.
جاء في احد تقارير السيد، (حاردين) المفتش الاداري في الموصل، السرية النصف سنوية، عن
مسؤول مسيحي جدير كان يشغر منصب القائم مقام وبانتظار الترقية ما يلي:
"ان مؤهلاته تخوله ليشغل منصب المتصرف، الا ان مسيحيته طبعا تقف ضده."
ومما هو جدير بالاعتبار، كون هذا التقرير قد كتب في الفترة التي كانت انكلترا ما تزال تنتدب
العراق، اما السيد (جاردين) فقد ادرك من خلال تجاربه مع السلطات العربية العليا في بغداد، واطلاعه
الواسع على الامور، ان "الحكومة العادلة" لن ترضى لتجد احد المسيحيين يشغل منصبا حكوميا رفيعا
مهما كانت مؤهلاته ومقدرته.
وكما سبق وقلت فان اي عذر، يختلقه العرب من ذوي المناصب الرفيعة، يكفي بوضع - غير
العرب - خارج الباب. وفي الطرف الآخر فان اكثر التهم الموجهة ضد المسؤولين العرب رغم الادلة
والاثباتات الكافية، فان هؤلاء المسؤولين بمنزلة الحاكم وما دون، لم يفقدوا مراكزهم ما دام هناك (
وزير شريف) او (وساطة) لحمايته.
لقد كانت معاهد الكلدان التربوية التي استشهد بها (مار عمانوئيل) في رسالته الى اللورد (كيرزون)
افضلها على الاطلاق تحت النظام التركي. الا ان الحكومة العراقية ارغمته بوضع تلك المعاهد تحت
ادارتها.
ورغم رفض الحكومة العراقية عن تقديم اي دعم مادي لهذه المعاهد، حيث كانت تنعم بالحرية
الادارية تحت النفوذ التركي، وحرية وضع المناهج التعليمية الى جانب المساعدات المالية المخصصة
من الميزانية العامة، فقد اغلقت (الحكومة العراقية العادلة) ابواب الرزق بأوجه المتخرجين منها. وقد
اضطر مار عمانوئيل للاسباب ذاتها بتسليم المعاهد قسرا الى الحكومة العراقية من خلال ممثلها لدى
البطريرك السيد (ساطع الحصري) مدير التعليم العام آنذاك.
ان احد رجال الدين الكاثوليك من ذوي الخبرات بالموضوع قدم تقريرا وافيا عن الاوضاع الى
الاسقف (بوبان) وهذا بدوره احاط قداسة البابا بشكل اوفى واشمل حول القضية المهمة. ان اللغة
والمدارس الوطنية الخاصة لا وجود لها الان في العراق. اما اثاث المدارس المسيحية فينتهي بها
المطاف في المدارسالاسلامية، واذا حصل وتذمر المعلمون المسيحيون وقدموا الشكوى، فليس اسهل من
طردهم، ورغم هذه التفرقة والتعصب ، فان "اصدقاءنا" البريطانيون يريدون ان نختلط في هيكل العراق
السياسي.
اما الاداريين والمعلمين العرب فقد اقترفوا احط الاعمال المشينة بحق اطفال الكلدان، ومن بينها
القيام باعمال الدعارة معهم. ففي حين قدم اولياء الاطفال الشكاوى الى بطريرك الرعية والذي رفع
بدوره تقريرا عنها الى السلطات العراقية العليا، ورغم البراهين فلم تقم الحكومة العراقية باخذ اي
اجراء قانوني بحق هؤلاء المجرمين. وكما هي الحالة مع المسؤولين الرسميين، واشتراكهم في مثل هذه
الحالات المشينة، ولكونهم في عصبة الواحد مع الاخر فأن الاجراءات القانونية لم تكن من السهولة قط.
اما اولياء الاطفال ورؤساء الدين فلم يكن بمقدورهم الا ملاحقتها الى ابعاد محدودة جدا، وتجاوزها،
فكان يعني نحو تعريض انفسهم للانتقام في الايام القادمة.

18
كان سقوط نينوى سنة 606 ق.م قد حدث بسبب عدة عوامل داخلية منها، تخاذل وخيانة المسؤولين
الرسميين في المملكة الذين كانوا بحكم الظروف واتساع الامبراطورية، من غير الاشوريين، وقد سعوا
دائما لافشاء اسرار الدولة العسكرية الى الماديين، مسببين بذلك انهزام وسقوط الامبراطورية الاشورية
العظيمة. ولكن ماذا حدث لهذه الأمة بعد سقوط نينوى؟
ان ما تبقى من الامبراطورية الاشورية، بناء على التاريخ المسجل للملك (ابجر التاسع) الاشوري،
كان قد اصبح تحت الانتداب الروماني في حين ان الملك ابجر التاسع نفسه كان يحكم (اديسا) في زمن
المسيح بالذات، حيث قام في هذه المملكة الصغيرة، تسعة وعشرون ملكا آشوريا. كان اربعة منهم من
بيت (ابجر) وخمسة عشر من بيت (مانو).
استمرت المملكة الاشورية الصغيرة هذه حتى سنة ( 336 ) للميلاد. واثر احدى المعارك الرئيسية
في اواسط القرن الرابع الميلادي بين الفرس والرومان، فان المملكة سقطت بايدي الفرس، فتشرد
الاشوريون في انحاء آسيا الصغرى نتيجة الاضطهادات الدينية من جانب الفرس، والتجأ بعضا منهم
الى سوريا واحتمى البعض الاخر في مناعة جبال آشور وظل قسم كبير منهم تحت الحكم الفارسي.
اما الذين احتموا في مناعة جبال آشور (هكاري) فقد استمتعوا بالحرية والادارة الذاتية حتى عام
.1914
وحين اشتعلت نيران الحرب الكونية الاولى، فقد اضطروا نظرا للظروف والاوضاع الخاصة ان
ينضموا الى جانب الحلفاء، فارغموا على الفرار من اماكن سكناهم، شمال نينوى العاصمة، الى بلاد
فارس حيث تمكنوا من حماية انفسهم حتى اواخر عام 1918 . وارغموا مرة اخرى وفقا للوعود
البريطانية بالتقهقر الى بلاد الرافدين، آملين تحت الحماية البريطانية بنيل الاستقلال الذاتي في ارض
اجدادهم.
تلقى الاشوريون خلال هذه الفترات السيئة من تاريخ هذه الأمة العظيمة وعودتهم الى بلاد آبائهم،
اقسى الظروف واسوأ معاملة بحيث لم تؤد الى فقدان بلادهم واملاكهم فحسب، بل وتلاشى ثلثي تعدادهم
السكاني ضحية التلاعبات الانكليزية والمذابح والارغام منذ التجائهم الى الحماية البريطانية، وسيجد
القارئ العزيز ما يكفي من البراهين عن دور هؤلاء في احداث هذه الأمة على صفحات هذا الكتاب.
ضم مجلس الاجرام العراقي الذي وافق بالاجماع على مذابح الاشو ريين عقب اعلان (الجهاد) كلا
من:
رشيد عالي الكيلاني رئيس الوزارة
حكمت سليمان وزير الداخلية
ياسين الهاشمي وزير المالية
نوري السعيد وزير الشؤون الخارجية
محمد زكي وزير العدل
جلال بابان وزير الدفاع
رستان حيدر وزير المواصلات والعمل
سيد عبد المهدي وزير التعليم
وفيما يلي المسؤولين البريطانيين الذين بفضلهم كأداة وغير مبالاتهم، اصبحت المذابح ممكنة.
فرانسيس همفريس سفير جلالته البريطانية في بغداد. (الجرثومة الرئيسية في كافة الاحداث)
الكابتن ف . هولت السكرتير العام لشؤون الشرق في السفارة الانكليزية / بغداد/
كينيهان كورن واليس مستشار وزير الداخلية، رئيس الهيئة الادارية العامة للتفتيش، والمستشار
الخاص للملك فيصل.
الميجر ج. ادموندس مستشار كينيهان كورن واليس ومساعده الاول.

الاشوريون في بعقوبة ومندان
فيما يلي مختصر عن احد تقارير الكولونيل (ف.-كانليف اووين.) آمر رابطة النسر الابيض
الصربي وآمر مخيم الاشوريين، بامكانه ان يعطي رأيا عادلا لا يدحض من خلال تجاربه مع
الاشوريين خلال الثلاثة اعوام التي قادهم لانشاء الوطن القومي.
اما الصرح الذي يستدل به الكولونيل (كانليف) في بداية الفصل، كان العرب قد دمروه حالا بعد
اخلاء المخيم. ومع ان ذلك ليس من الامور الغريبة بالنظر الى الحقيقة، ان عرب العراق ذهبوا ابعد من
هذا بكثير، حيث قاموا بتدنيس منبش قبور الموتى من الاتراك والاشوريين والبريطانيين في العراق.
ويبدو ان هناك تعبير خاطئ عن صعوبة التعامل مع الاشوريين او النفوذ عليهم بغير النفوذ البريطاني،
وتظهر هذه على نقيض الحقائق المعروفة عنهم بتساهل السوريين ومحبتهم لهم، او في الولايات المتحدة
والبرازيل حيث يعيشون في سعادة واستقرار كمواطنين مخلصين متمسكين بالانظمة والقوانين. اما
الحكومة التركية فقد احترمت الادارة الذاتية التي استمتعوا بها حيث استطاعوا الحفاظ على كنيستهم
وكيانهم القومي حتى تدخلت الايادي البريطانية الدنسة واستعملتهم كقوة عسكرية في المنطقة. "على
الرابية المطلة على نهر ديالي قام صرح ابدي يخلد شكر الاشوريين للحماية الممنوحة لهم من قبل
السلطات البريطانية، بعد تجاربهم المريرة على ايدي الاتراك والفرس والاكراد والالمان 2 خلال الحرب
العالمية الاولى.
لقد شق هؤلاء الاشوريين النبلاء طريقهم عبر فلول اعدائهم ببسالة لا نظير لها في التاريخ، ووجد
اربعون الفا منهم ملاذا في مخيم بعقوبة الواسع الارجاء على مرأى من مكان الصرح الذي المحت اليه.
وقيض لي ان تقع على عاتقي مسؤولية المخيم وقيادة الحركة الاشورية حتى آخر ابعادها خلال
السنوات الثلاث الاخيرة. وخلال هذه الفترة من الزمن فان فكرتي الوحيدة كانت اعادتهم بشكل أو باخر
الى الاراضي التي سكنوها لعدة قرون، أو بالقرب منها على قدر ما تسمح الظروف والاوضاع.
والاكثر من هذا فقد كان يجب اعادتهم كشعب متحد للحفاظ على كيانهم القومي وعاداتهم، وفي هذه
الحالة فان الكثيرين ممن تشتتوا في اماكن متفرقة سينضموا اليهم.
ولسوء الحظ كما سابين فان الاحداث لم تسمح لبلوغ الهدف حينئذ، ويبدو ان حظهم قد ولى
ومستقبلهم تبدد بسبب خطأ كائنا من كان. وفي رأيي بكل ما تستحق فان الخطأ لا يقع على الاشوريين،
وليس على عاتق الحكومة العراقية بل بالتأكيد فان الخطأ يقع على عاتق الحكومة والسلطات البريطانية
بالذات، وقد أنهت الانتداب وفشلت بترحيب الفكرة والحقيقة ان هؤلاء الاشوريين لن "يختلطوا" تحت اي
نفوذ مهما كانت الظروف عدا البريطاني.
لنرجع الى بعقوبة. كانت الحكومة البريطانية قد تصرفت في تلك الفترة بسخاء، ودفعت مبالغا
كبيرة من المخصصات العامة لمساعدة اللاجئين الاشوريين والارمن. وبوصولي الى المخيم في اوائل
2 اخيرا وبشكل امر واقسى على يد البريطانيين.
ايار من عام 1919 فقد وردتني الاوامر باقتطاع المصاريف قدر الامكان. فقمت بتوحيد مكتبي آمر
القيادة ورئيس الاركان حيث كان يشغلهما ضابطان من الرتب العالية، في مكتب واحد، وشرعت، على
اية حال نحو جهات اخرى، ولاحظت بمقدم الخريف امكانية استعاضة المشرفين البريطانيين في اكثر
الحالات بالاشوريين انفسهم، وهؤلاء كانوا سباقين للقيام بأخذ المسؤولية في المخيم بين ايديهم واتمامها
على اكمل وجه، ومؤهلين لملئ الشواغر المهمة الاخرى ايضا. واظهرت بعض الارباح التي يمكن
وضعها مقابل مصاريف المخيم. فتدنت المصاريف في اواخر عام 1919 الى الثلث والنصف، الى
جانب انتعاش المجتمع بشكل جيد جدا.
كانت قد تشكلت كتيبتين من الجنود حتى تلك الفترة، حيث قامت احداهما بعمليات جيدة على
الحدود. ووجدوا متطوعين للخدمات الاخرى في المناطق التي شغلوها، آنذاك كان الامل بالمستقبل
عظيما، واعطى تمسك الشعب بالقوانين والانظمة الموضوعة افضل النتائج من أي مخيم مركز في
جنوب افريقيا ابان حرب -البووير-. واستمتع العدد الاكبر من الاطفال والنساء بقسط وافر من السعادة
والصحة الجيدة في المخيم.
الا ان الامور كانت تقضي بالتحرك نحو الهدف الاخير بالنسبة للجميع، وبالتحديد، اقامة الوطن،
1920 بجهد، الشروع لوضع خطة اولية من اجل هذه النهاية. - والذي حاولنا خلال شتاء عام 1919
وبالاتفاق مع الاكراد والايرانيين، باستثناء تركيا التي لم تكن تعد شيئا آنذاك، فان مشروعا بدا
ينجلي، والذي يسمح للاشوريين بالعودة الى بلادهم الخاصة، مشروعا لم يكن من السهولة بشئ، إلا انه
كان ممكنا، والذي وجد لدى بغداد، الموافقة.
كان سيقوم بالمشروع الاشوريين انفسهم، تحت بعض الاشراف والمساعدات المادية الاخرى خلال
الطريق. وبقدوم الربيع من عام 1920 بدت الامور على اكمل وجه، وقامت بعض التحركات المبدئية
في اوائل الصيف الى مشارف الموصل.
ولكن واحسرتاّه!... ففي هذه الاثناء من تلك السنة، جاء هدير الثورة العربية فتعرضت المخافر
على الحدود وفي الاماكن الاخرى للهجمات وليشمل من ثم عدم الاستقرار كافة الارجاء، وكان على
قافلتنا ان تتوقف عن المسير. وبدا ان هذه الثورة قد منحت الاشوريين الفرصة بتسليم قسم الاشارة الى
اصحابها البريطانيين...
انتشرت الثورة لتعم شاملة بدءا من بعقوبة. فتراجعت الجيوش البريطانية لحماية بغداد، اما
آشوريونا فقد اصبحوا معزولين في وحشة هذا المخيم الواسع الكبير بدون حماية، معرضين للهجوم من
كل الجوانب. وفوق هذا، فان عددا كبيرا من الرجال كانوا على مراحل في طريقهم نحو اقامة الوطن
حاملين السلاح والذخيرة، وظل في المخيم النساء والاطفال، وعدد محدود من البنادق القديمة جدا، ذات
الطلقة الواحدة بذخيرة عشر طلقات للبندقية الواحدة.
وتعرض المخيم لمدة اسبوع أو عشرة ايام، لنيران الرشاشات والاسلحة الاخرى التي استولى عليها
العرب من القافلة الانكليزية - الهندية. وكما لم يرعب أي شيء رجال القبائل الاشوريين، كذلك كان
الأمر مع نسائهم، كما لا انسى الثناء للارمن ايضا. كان قد تعرض للقتل عدد كبير من المرضى وهم
في المستشفى، واطلقت النيران على النساء وهن يجلبن المواد الغذائية لرجالهن، وبتأزم الموقف وقد
اصبح اكثر خطورة، فقد استطاعت فئة مقاتلة من شق ثغرة بين جحافل العرب، فاستولت على كميات
كبيرة من الذخيرة التي كنا بأمس الحاجة اليها، ولتصبح بفضلها اخبارا. وانقلبت بسبب هذا الموازين،
ولم يكن بالميسور ايقاف الاشوريين من اخلاء منطقة الريف، وفي الحقيقة فقد ساعدت هذه على تسهيل
الازمة في بغداد ذاتها، ماديا. اما الوحدات الاخرى، التي كانت في الطريق لاقامة الوطن، فقد ساعدت
بعدة مواقف على الجبهة لدحر غارات العرب، وبسبب تصرفاتهم هذه فان السلطات العسكرية قدمت لهم
اسمى الثناء.
وبضياع الوقت، وحلول الفصل باكرا فقد كان من الطبيعي ان تتأثر تحركاتنا لاقامة الوطن، ومع
ذلك فقد استمرت ببطئ وفي آواخر تشرين الاول، اكتملت التحضيرات الضرورية وبذلنا جهودا خارقة
لدفعها نحو الامام ولكن ... بعد فوات الاوان. ورغم الحقيقة، ان الاشوريين كانوا قد خرجوا قليلا عن
نطاق الانضباط، وقدمت السلطات المحلية شكاوى بهذا الشأن الا ان هذه السلطات المحلية بالذات، وفي
اكثر الحالات، هي نفسها التي دعمت المشروع اصلا، ولربما يكون مردها على اية حال حلولهم حول
. الموصل لفصل الشتاء للتحضير من اجل مقاييس وخطط جديدة، ضرورية لربيع عام 1921
ان الرغبة الملحة الحقيقية الوحيدة بالتطلع نحو الاشوريين القادرين لم تكن الا لتجنيدهم (ليفي) في
كوادر عسكرية، نظرا لمقدراتهم، وبالنسبة لهذه فقد ذكرت مرارا وتكرارا من قبل ضباطهم البريطانيين.
اما العائلات فقد اقيمت في الريف، بشكل مدروس، شمالا والى الشرق من الموصل ولاح مستقبلهم اكثر
تبشيرا على الرغم انه لو يكن كما ارادوه كالخطة التي فشلت تماما.
ولكن الاعوام، لاي استيطان راسخ كأمة متحدة قد تلاشت بعيدا، وبانسحاب الضبط البريطاني،
لربما انتهى الآن والى الأبد ولكن ... (ثمة بالتأكيد دولة في عهدة الامبراطورية البريطانية الجبارة،
بامكانها ان تعمل على مساعدتهم اذا كان بارادتنا ان نأخذ المسؤولية ولا نتركهم لرحمة عصبة الأمم،
حيث تعني من خلال تسميتها الصالح حقا، الا ان الضرورة تنحيها، لتشابك المصالح الهائلة المتضاربة.
والمسؤولية هذه، لهي مسؤولية بريطانيا).

19
المقدمة : مع اشتعال شرارة الحرب العالمية الأولى عام 1914 ، بدأت تتوضح الخطط الشيطانية لاقتلاع الآشوريين
الكلدان السريان والارمن من أراضيهم التي قطنوها منذ أن آتب التاريخ. وعمل العثمانيون بالتعاون مع الاآراد
على ابادة او طرد االسريان (الكلدوآشوريين) من منطقة أعالي ما بين النهرين بحجة تعاونهم مع الروس والانكليز!؟
ويحدثنا الكاتب (يوسف مالك) في آتابه هذا الذي بين ايديك عزيزي القارئ (الخيانة البريطانية للآشوريين)
عن اللعبة السياسية الدنيئة التي استهدفت طرد الآشوريين من أعالي ما بين النهرين أثناء انتشار الفوضى والقلاقل
التي تزامنت مع نشوب الحرب العالمية الأولى. أما ابطال هذه اللعبة فكانوا من البريطانيين والاتراك والسلطات
العراقية انذاك. وعلى رغم تناقض وتنافر مصالح هؤلاء مع بعضهم البعض، إلا أنهم، بشكل أو بأخر، اتفقوا
واجمعوا على تحديد الضحية وتقديمها قربانا لمشاريعهم واطماعهم التي انكشفت مع تقادم الزمن! ويعالج المؤلف
مسالة ومعاناة فئة آشورية تنتمي للمذهب النسطوري وهي (آنيسة المشرق الاشورية)، وآانت هذه الفئة (وتعرف
عند البعض بالنسطورية) تشكل 90 % من سكان جبال هكاري الجنوبية حتى بدء الحرب الكونية الاولى. وشكلت
هذه الفرقة الآشورية (السريانية) على مر القرون حاجزا قويا في وجه الانتشار الكردي من بلاد فارس (بوابة
اورميا) باتجاه أراضي الجزيرة السورية المغتصبة من قبل الاتراك. فكان من الطبيعي ان يتحالف الاآراد مع
الاتراك وحتى الفرس في سبيل القضاء على أشوريو هكاري وآذلك اشوريو المناطق الاخرة مثل طورعبدين
وماردين وأمد (ديار بكر) والرها،  بلغ تعداد هذه الفئة الآشورية التي هي موضوع الكتاب أآثر من ( 250 ) الفا، يتوزعون في جبال هكاري نزولا
الى القرى المحاذية لمنطقة نوهدرا (دهوك) و (زاخو)، ويتزعمها البطريرك الآشوري مار بنيامين شمعون، الذي
اضطر خلال الحرب الحرب العالمية الأولى، بسبب تزايد هجمات الاآراد والاتراك وبتحريض مباشر من الروس
والانكليز، للوقوف الى جانب الحلفاء ضد محور الشر الذي ضم المانيا الى جانب ترآيا وبعض الفصائل الكردية،
املا ورغبة بالتخلص من الاستعمار الترآي والظلم الكردي.
وبعد أن خمدت نيران الحرب العالمية الاولى، وجه العثمانيون قطعات جيوشهم – بمساندة من العشائر الكردية
المسلحة - باتجاه الآشوريين في جبال هكاري بهدف ابادتهم عن بكرة ابيهم والاستحواذ على اراضيهم. فظاعة
ودموية هذه الحملة التي جرت عام 1918 أجبرت اشوريي هكاري على النزوح الجماعي من مناطقهم التاريخية
صوب منطقة (أورميا) في اذربيجان الايرانية طمعا بالحماية الروسية. وعلى طول الشريط الممتد ما بين هكاري
واورميا، تعرض الآشوريين الى حملات تصفية وقتل وابادة قامت بها العشائر الكردية المسلحة على طرفي الحدود
(الفارسية – الترآية). وترك هذا النزوح الجماعي الآشوري وما تخلله من موت وقتل وذبح للاطفال والنساء
والشيوخ، صورا ومشاهدا مأساوية بشعة التصقت في الذاآرة الشعبية، وآتب عنها الكثير من المبشرين
والدبلوماسيين الآوربيين، في آتب نشرت تباعا في اوربا بعد الحرب العالمية الأولى.
والجدير ذآره ان الجماعة الاشورية النازحة التي اصطحبت معها قطعانها وأسلحتها 1 جلبت سوء الطالع للقرى
الآشورية الكثيفة في مناطق اورميا وسلامس (اذربيجان الايرانية)، وتعرضت هذه القرى الاشورية بدورها الى
حملات ابادة وتطهير عرقي، ليس من قبل الاآراد فحسب، بل وآذلك من قبل الاذريين وفرس اورميا، بسبب قيام
البعض باستغلال المشاعر الدينية لهؤلاء من خلال الترويج لأفكار غير صحيحية تتضمن ان الآشوريين (الكفرة)
قدموا الى اذربيجان (بلاد فارس) بغية احتلال مناطق الاذريين، وبالطبع ان المروجين لهذه الاشاعات آانوا من
الاتراك والاآراد على حد سواء، وربما البريطانيين الذين لم يرغبوا في بقاء هؤلاء في منطقة اورميا لأسباب باتت
معروفة اليوم، وهي استغلال وتجنيد الخبرات القتالية العالية لآشوريو هكاري في خدمة المشاريع الاستعمارية
البريطانية في العراق الذي آان يعرف وقتذاك ببلاد ما بين النهرين.
بعد تزايد وتيرة المذابح والقتل ضد أشوريو هكاري النازحين اضافة الى الآشوريين المحليين في اذربيجان
الايرانية، قرر ما يقارب المائة الف من اشوريو اذربيجان وهكاري بالتوجه نحو روسيا وجورجيا وارمينيا.. أما
المجموعة الثانية واغلبيتهم من أشوريو جبال هكاري، وبعد فشلهم في الصمود بوجه الهجمات الكردية الترآية
الفارسية المشترآة، توجهوا الى بلاد ما بين النهرين، حيث اقام لهم الانكليز مخيمات آبيرة بالقرب من بعقوبا شمال
بغداد لايوائهم واطعامهم، ومن ثم تجنيدهم الى جانب العرب والاآراد في قوات (الليفي) لكي تخدم المصالح
والمشاريع البريطانية الاستعمارية في العراق.
هذا ويقول المؤرخون ان عدد الاشوريين النازحين من جبال هكاري - وهي منطقة عراقية اغتصبتها ترآيا –
45 الفا من أصل 250 الف اشوري هكاري. بيد انه اضيف الى – الذين وصلوا لمخيم بعقوبا بشمالي بغداد بلغ 40
عدد اللاجئين الآشوريين في بعقوبا ما يقارب خمسة عشر الف ارمني نزحوا من اذربيجان مع الاشوريين هربا من
1 يقول الاكراد ان اشوريو هكاري اثناء نزوحهم من هكاري باتجاه اورميا في ايران، وفيما بعد في شمال العراق، ارتكبوا اعمال قتل
ضد الاكراد او الاتراك، محاولين بذلك تشويه الحقائق والتعتيم على مأساة هؤلاء وتجاهل المذابح والقتل الذي تعرضوا له على ايدي
الاكراد والاتراك. فمثلا، يحكي لنا المبشر الانكليزي وليم ويكرام في كتابه (حليفنا الصغير، ص 47 ): (كما ان سلب معقل الآغا سوتو
"زعيم من اكراد اذربيجان ايران" في اورامر أعاد اليهم "أي للاشوريين" نسبة لا بأس بها من الأشياء التي كانت قد سلبت من قرى
جيلو "منطقة آشورية في هكاري"). ويضيف ويكرام: (والواقع ان الآشوريين نهبوا يمنة وشمالا، لكنهم بالتأكيد كانوا يملكون كل
الأعذار، لأنهم كانوا حشدا جائعا من الرجال المسلحين، الذين خسروا وطنهم وممتلكاتهم على ايدي اولئك المسلمين الذين أعلنوا
"الجهاد" ضدهم...وهناك ثمة شيء آخر علينا أن نذكره لصالح سجلهم وسمعتهم، فقد رأينا أي نوع من الذكريات كان لا يزال عالقا في
آذهانهم فيما يخص بالمعاملة الوحشية التي تعرضت لها نسائهم عند وقوعهن بأيدي اعدائهم. فالان كانت الجولة لهم، اذ ان مجموعات
كبيرة من قرى المسلمين كانت تقع تحت رحمتهم اثناء زحفهم في تلك الديار، بيد أنه ولا في حادثة واحدة بدرت حتى اية شكوى باهانة
امرأة مسلمة أو معاملتها بقسوة على أيدي أي آشوري، ص 77 ). ونضيف على ما ذكره ويكرام عندما قام الاشوريين بحملة للانتقام
من الزعيم الكردي الايراني سمكو اغا بسبب اغتياله للبطريك الاشوري مار بنيامين وثلاثمائة من اتباعه عام 1918 ، وجودوا في
القرى التابعة لسيمكوا نساء اشويارت كن اختطفن سابقا من قبل الاكراد اضافة الى اعداد كبيرة من الاسلاب الاشورية التي نهبت سابقا
بالغارات الكردية على القرى الاشورية.
شعارات "الجهاد". ونظراً للظروف القاسية وانتشار الامراض والاوبئة في مخيم بعقوبا مات الكثيرون وابيدت
عائلات اشورية بكاملها.
ولعل المفارقة هنا هي بتحول قضية هؤلاء النازحين الى مشكلة حقيقة في طريق الدولة العراقية الحديثة، أو قل
هكذا تم تصويرها، وتمحور صلب الخلاف حول نقطة أساسية واحدة، وهي مطلب الاشوريين بتوطينهم في شمالي
العراق الى جانب ابناء جلدتهم المسيحيين وبشكل متجانس. هذا المطلب اعترضت عليه السلطات العراقية ورفضه
الاآراد الذين آان لهم يد طويلة فيها متمثلة ب بكر صدقي الكردي وعائلة بابان وغيرهم. والطريقة التي اتبعها
الجيش العراقي النظامي حيال الاختلاف حول هذه القضية آانت واضحة حيث قامت وحدات من الجيش العراقي
بقيادة بكر صدقي بارتكاب أول مذبحة جماعية وحملة تطهير عرقي ضد الآشوريين العراقيين الذين نقلوا سابقا من
مخيم بعقوبا الى منطقة سميل بالقرب من نوهدرا. وذهب ضحية هذه الحملات الدموية التي اشترآت بها بعض
العشائر الكردية والعربية الاف الابرياء من الاشوريين الكلدان. وهاجر على اثرها عشرة الاف لاجئ الى منطقة
الخابور في سوريا هربا من القتل، اضافة الى هجرة الاف أخرى الى امريكا بعد سحب الجنسية العراقية من
بطريرك الكنيسة الاشورية مار ايشاي واتباعه.
ولسحب البساط من تحت اقدام يعض المتصيدين بالماء العكر، نقول ان نزوح او انتقال اشوريو هكاري من
منطقة عراقية اغتصبت من العراق وضمت الى ترآيا، لا تبرر للبعض اتهام هذه الفئة بانها غريبة عن العراق، هذا
من جهة. ومن جهة أخرى، لا يمكن ربط وخلط مسالة قدوم "نزوح" هؤلاء الآشوريين الهكاريين مع الوجود
التاريخي للآشوريين الكلدان السريان بشمالي العراق بحدوده الحالية، وخصوصا في مناطق نوهدرا "دهوك"
والموصل واربيل وآرآوك. فالقرى الكلدانية والسريانية الآشورية معروفة بسكانها الرافدينيين منذ الاف السنين مثل
برطلة والقوش وتلكيف وعينكاوا واينا دنونيه وعشرات المناطق المسيحية التي وجد فيها ابناء شعبنا منذ ان وجد
التاريخ.
45 ) الفا، - ومن المهم ذآره أن أغلبية النازحين الآشوريين والذي قدر عددهم حسب مختلف المصادر ب ( 40
قد قتل او طرد معظمهم من العراق، واغلبية الكلدوآشوريين المتواجدين اليوم في شمالي العراق او وسطه هم من
السكان المحليين ولم يأتوا للعراق من مكان آخر، آما يذهب اليه البعض. علما ان منطقة الاشوريين في هكاري
آانت عراقية. وساهم الاشوريون في حسم مسالة الصراع على ولاية الموصل لصالح العراق بعد قيام ترآيا بضم
جبال هكاري العراقية اليها. والقطعات الاشورية العسكرية لعبت دورا حاسما في طرد العثمانيين لخارج الحدود
العراقية قبل ان تحسم مسألة النزاع على التخوم الفاصلة ما بين العراق وترآيا بشكل نهائي في بروآسل عام
.1924
بقي أن نذكر أن كتاب (الخيانة البريطانية للآشوريين) يقع في 389 صفحة من القياس الوسط وقسم
الى جزئين، نشر لأول مرة باللغة الانكليزية سنة 1933 وترجمه للعربية مشكورا الاستاذ يونان ايليا
يونان سنة 1981 . وقامت دار سركون عام 1995 باعادة نشر بعض الفصول المختارة من الكتاب.


بقلم: شمعون دنحو - السويد








اشوريونان داود
Ashur younan dawood
Master of Philosophy and Theology
Oceania\ NZ
ashuryounan@yahoo.com

20
احلام وعود ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

21
الغلاءوالبطالة في العراق العظيم

22
اعادة الاعمار 2030م !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

23
ينتسب الآشوريون لآشور الابن الثاني لسام بن نوح، وهم من القبائل السامية التي هاجرت من شبه الجزيرة العربية إلى شمال بلاد ما بين النهرين وكانت عاصمتها الأولى مدينة آشور ثم صارت نينوى، واندمجت ثقافياً مع البابليين ثم توسعت لتصبح امبراطورية خلال السنوات 1950 ـ 1750 ق.م.، لكنها انحدرت بعد ذلك حتى كان عام 1500 ق.م حين انتعشت ثانية لتبدأ مرحلة الجديدة من التوسع والفتوحات، فاحتلت مدينة بابل سنة 300 ق.م.، ثم تركزت هذه الفتوحات خلال السنوات 1116 ـ 1078 ق.م إبَّان عهد الملك تغلات فلاصر الأول الذي أوجد دولة بيروقراطية ذات قوانين صارمة، وأيضاً إبَّان عهود شلمنصر الثالث 858 ـ 824 ق.م. وتفلات فلاصر الثالث 746 ـ 728 ق.م. وفي عهد هذا الأخير شهدت آشور أوسع غزواتها عندما وصلت إلى أرمينيا سواحل المتوسط بما في ذلك سورية ومصر. وفي عهد صرغون الثاني (721 ـ 705 ق.م. وآشور بانيبال (68 ـ 633 ق.م.) وصل الفن والعمارة الآشوريين إلى ذروتهما، وبعد موت هذا الأخير سقطت الإمبراطورية الآشورية بأيدي الفرس الميديين.

ظهرت حضارة جديدة إلى شمال بابل وعلى بعد ثلاثمائة ميل منها. وأجبرت أهل البلاد التي نشأت فيها هذه الحضارة أن يحيوا حياة عسكرية شاقة أرغمتهم عليها القبائل الجبلية التي كانت لا تنفك تهددهم من جميع الجهات. وما لبثوا أن غلبوا هؤلاء المهاجمين واستولوا على المدن التي كانت مهدهم الأول في عيلام وسومر وأكاد وبابل؛ وتغلبوا على فينيقيا ومصر، وظلوا مائتي عام كاملة يسيطرون بقوتهم الوحشية على بلاد الشرق الأدنى. وكان موقف سومر من بابل وموقف بابل من آشور كموقف كريت من بلاد اليونان وموقف بلاد اليونان من روما. فقد أنشأت المدينة الأولى حضارة، وتعهدتها الثانية وأتمتها حتى بلغت ذروتها، وورثتها الثالثة، وأضافت إليها من عندها، وحمتها، وأسلمتها وهي تحتضر هدية منها إلى البرابرة الظافرين الذين كانوا يحيطون بها. ذلك أن البربرية تحيط على الدوام بالحضارة، وتستقر في وسطها ومن تحتها، متحفزة لأن تهاجمها بقوة السلاح، أو بالهجرة الجماعية، أو بالتوالد غير المحدود. وما أشبه البربرية بالغابة المتلبدة في البلاد الاستوائية تحاول أشجارها على الدوام أن تقضي على معالم الإنسان المتحضر وتقاوم جهوده، ولا تعترف قط بهزيمتها، بل تظل قروناً طوالاً صابرة تترقب حتى تتاح لها الفرصة لاستعادة ما فقدته من أرضين بفعل الإنسان المتحضر.

نشأت الدولة الجديدة حول أربع مدائن ترويها مياه نهر دجلة وروافده، وهي آشور ومحلها الآن قلعة شرغات، وأربلا وهي أربيل الحالية، والكلخ وهي الآن نمرود، ونينوى وهي قوير نجك، على الضفة المقابلة لمدينة الموصل مينة الزيت. وقد عثر المنقبون في أطلال آشورعلى شظايا من السبج ـالحجر الزجاجي الأسودـ وعلى سكاكين وقطع من الفخار الأسود عليها رسوم هندسية توحي بأنها من أصل آسيوي، وكل هذه من مخلفات عصر ما قبل التاريخ. وكشفت بعثة أثرية حديثة في تبي جورا، بالقرب من موقع نينوى عن بلدة يرد كاشفوها الفخورون تاريخها إلى عام 3700ق.م رغم ما فيها من هياكل وقبور كثيرة، وأختام أسطوانية متقنة النقش، وأمشاط وحلي، ورغم ما عثروا عليه فيها من نرد وهو أقدم نرد عرف في التاريخ. وتلك مسألة جديرة بتفكير المصلحين في هذه الأيام. وخلع الإله آشوراسمه على مدينة من مدنها «ثم على القطر كله آخر الأمر»؛ وفي هذه المدينة كان يسكن أقدم ملوك هذه الأمة، وظلوا يقيمون بها حتى اضطروا بسبب تعرضها لحر الصحراء اللافح ولهجمات جيرانهم البابليين إلى إنشاء عاصمة ثانية لهم في مكان أقل من العاصمة الأولى حرارة. وكانت هذه العاصمة الثانية هي نينوى؛ واسمها هي أيضاً مأخوذ من اسم إله من آلهتهم هو الإله نينا إشتار الأشورييّن. وكان ثلاثمائة ألف نسمة يسكنون فى نينوى أيام مجدها في عهد آشوربانيبال كما كان ملوكها ـملوك الأرض عادةـ يتلقون الجزية من جميع بلاد الشرق القريبة.

وكان سكان المنطقة عبارة عن خليط من من الساميين الذين وفدوا إليها من بلاد الجنوب المتحضرة «أمثال بابل وأكاد»، ومن قبائل غير سامية جاءت من الغرب «ولعلهم من الحثيين أو من قبائل تمت بصلة إلى قبائل ميتاني»، ومن الكرد سكان الجبال الآتين من القفقاس، وأخذ هؤلاء كلهم لغتهم المشتركة وفنونهم من سومر، ولكنهم صاغوها فيما بعد صياغة جديدة جعلتها لا تكاد تفترق في شيء عن لغة أرض بابل وفنونها. بيد أن ظروفهم الخاصة باعدت بينهم وبين النعيم المخنث الذي انحدر إليه البابليون؛ ولذلك ظلوا طوال عهدهم شعباً محارباً مفتول العضلات، ثابت الجنان، غزير الشعر، كث اللحى، معتدل القامة، يبدو رجاله في آثارهم عابسين، ثقيلي الظل، يطئون بأقدامهم الضخمة عالم البحر المتوسط الشرقي. وتاريخهم هو تاريخ الملوك والرقيق، والحروب والفتوح، والانتصارات الدموية والهزائم المفاجئة. واغتنم ملوكهم -الكهنة الأوائل- وكانوا أقيالاً خاضعين لأهل الجنوب سيطرة الكاشيين على بابل فاستقلوا عنها، ولم يمض إلا القليل حتى ازدان أحدهم باللقب الذي ظل ملوك آشور يتباهون به طوال عهدهم وهو «الملك صاحب الحكم الشامل». ويبرز أمامنا من بين هؤلاء الأقيال أفراداً تهدينا أعمالهم إلى معرفة السبيل التي سلكتها بلادهم في نمائها وتطورها.

فبينما كانت بلاد بابل تتخبط في ظلمات حكم الكاشيين ضم -سلما نصر الأول- دويلات المدن الشمالية تحت حكمه، واتخذ الكلخ عاصمة له. على أن أول الأسماء العظيمة في تاريخ آشورهو اسم -تغلت فلاصر الأول-. كان هذا الملك صياداً ماهراً، وإذا كان من الحكمة أن نصدق أقوال الملوك فإنه قد قتل وهو راجل مائة وعشرين أسداً، وقتل وهو في عربته ثمانمائة، وجاء في نقش خطه كاتب أكثر ملكية من الملك نفسه -أنه كان يصيد الأمم والحيوانات على السواء-: «وسرت في بأسي الشديد على شعب قموة، وفتحت مدائنهم، وسقت منها الغنائم، واستولت على ما لا حصر له من بضائعهم وأملاكهم، وحرقت مدنهم بالنار، ودمرتها وخربتها... وخرج أهل ادنش من جبالهم واحتضنوا قذمى، وفرضت عليهم الجزية». وقد ساق هذا الملك جيوشه في كل اتجاه، فأخضع الحثيين والأرمن وأربعين أمة غيرهما، واستولى على بابل، وأرهب مصر فأرسلت له الهدايا وهي قلقة وجلة، «وكان منها تمساح ألانه كثيراً وخفف من غضبه». وبنى من الخراج الذي دخل خزائنه هياكل لآلهة الأشوريين وآلهاتهم، ولم تسأله هذه الآلهة عن مصدر هذه الثروة كلها كأنما كان همها كله أن تكون لها هياكل تقرب فيها القرابين. ثم خرجت بابل عليه، وهزمت جيوشه، ونهبت هياكله، وعادت إلى بابل تحمل معها آلهته أسرى. ومات تغلت فلاصر خزياً وغماً.

وكان حكمه رمزاً للتاريخ الآشوري كله وصورة مصغرة منه: حرب وجزية فرضهما على جيران آشورثم فرضا على آشورنفسها. واستولى آشورناصر بال على اثنتي عشرة دولة صغيرة، وعاد من حروبه بمغانم كثيرة، وسمل بيده عيون خمسين من الأسرى، واستمتع بنسائه، ومات ميتة شريفة. ومد سلما نصر الثالث هذه الفتوح حتى دمشق، وحارب عدة وقائع تكبد فيها خسائر فادحة، وقَتَل في واقعة واحدة ستة عشر ألفاً من السوريين، وشيد الهياكل، وفرض الجزية على المغلوبين. ثم ثار عليه ابنه ثورة عنيفة وخلعه. وحكمت سمورامات أم الملك ثلاث سنين، وكان حكمها هو الأساس التاريخي الراهن لأسطورة سميراميس اليونانية، التي تجعل منها نصف إلهة ونصف ملكة، وقائدة باسلة، ومهندسة بارعة، وحاكمة محنكة مدبرة. وتلك الأسطورة هي كل ما نعرفه عن هذه الملكة. وقد وصفها تيودور الصقلي وصفاً مفصلاً بديعاً. وجيَّش تغلث فلاصر الثالث جيوشاً جديدة، واستعاد أرمينية، واجتاح سورية وبابل، وأخضع لحكمه دمشق والسامرة، وبابل. ومد ملك آشورمن جبال القفقاس إلى مصر. ولما مل الحرب وجه همه إلى شؤون الحكم، فأثبت أنه إداري عظيم، وشاد كثيراً من الهياكل والقصور، وساس إمبراطوريته الواسعة سياسة قوية حازمة، وأسلم روحه وهو في فراشه. وجلس على العرش سرجون الثاني، وهو ضابط من ضباط الجيش، على أثر «انقلاب سياسي نابليوني»، وقاد جيوشه بنفسه، وكان في كل واقعة يتخذ لنفسه أشد المواقف خطورة، وهزم عيلام ومصر، واسترد بابل. وخضع له اليهود والفلسطينيون بل واليونان سكان قبرص، وحكم دولته حكماً صالحاً، وناصر الفنون والآداب، والصناعة والتجارة، ومات في واقعة نال فيها النصر على أعدائه، ورد فيها عن آشورغارات الجحافل الكمرية المتوحشة التي كانت تتهددها بالغزو.

وقضى ابنه سنحريب على الفتن التي ثار عجاجها في الولايات المجاورة للخليج الفارسي، وهاجم أورشليم ومصر دون أن يلقى نجاحاً، ونهب تسعاً وثمانين مدينة، وثمانمائة وعشرين قرية، وغنم سبعة آلاف ومائتي جواد، وأحد عشر ألف حمار وثمانين ألف ثور، وثمانمائة ألف رأس من الغنم، ومائتين وثمانية آلاف من الأسرى وهي أرقام لم يستخف بها الكاتب الرسمي الذي كتب سيرته ثم غضب على بابل لنزعتها إلى الحرية فحاصرها، واستولى عليها، وأشعل فهيا النار فدمرها تدميراً، ولم يكد يبقى على أحد من أهلها رجلاً كان أو امرأة، صغيراً كان أو كبيراً، بل قتلهم عن آخرهم تقريباً، حتى سدَّت جثثهم مسالك المدينة، ونُهبت المعابد حتى لم يبق لديها شاقل واحد، وحُطِمت آلهة بابل صاحبة السلطان الأعظم القديم، وسيقت أسيرة ذليلة إلى نينوى. وأصبح مردوخ الإله الأكبر خادماً ذليلاً للرب آشور. ولم ير من بقي حياً من البابليين أنهم كانوا مبالغين في تقدير قوة مردك وعظمته؛ بل قالوا لأنفسهم ما قاله الأسرى اليهود بعد مائة عام من ذلك الوقت، قالوا إن إلههم قد شاء له تواضعه أن ينهزم ليعاقب بذلك شعبه. واستخدم سنحريب غنائم نصره وما نهبه من البلاد المفتوحة في إعادة بناء نينوى، وحول مجرى النهرين لحمايتها من الاعتداء، وبذل في إصلاح الأرض البور من القوة والنشاط ما تبذله الدول التي تشكو عدم وجود فائض لديها من غلاتها الزراعية، ثم قتله أبناؤه وهو يتلو الصلوات.

وقام ابن له من غير القتلة وهو عسر هدن وانتزع العرش من إخوته السفاحين، وغزا مصر ليعاقبها على ما قدمته من المعونة للثوار السوريين، وضمها إلى أملاكه، وأدهش غربي آسية بسيره المظفر من منف إلى نينوى ومن خلفه ما لا يحصى من الغنائم؛ وجعل آشورسيدة بلاد الشرق الأدنى بأجمعها، وأفاء عليها من الرخاء ما لم يكن لها به عهد من قبل، واسترضى البابليين بإطلاق آلهتهم الأسيرة وتكريمها وإعادة بناء عاصمتهم المخربة، كما استرضى عيلام بتقديم الطعام إلى أهلها الجياع. وكان ما قدمه من الإغاثة على هذا النحو عملاً لا يكاد يوجد له مثيل في التاريخ القديم كله. ومات عسر هدن وهو سائر إلى مصر ليخمد فيها ثورة بعد أن حكم إمبراطوريته حكماً لم تر له في تاريخها شبه الهمجي مثيلاً في عدله ورحمته.

وجنى خلفه آشور بانيبال -وهو الذي يسميه اليونان سردنا بالوس- ثمرة هذه الأعمال، فوصلت آشور في خلال حكمه الطويل إلى ذروة مجدها وثروتها. ولكن بلاده بعد وفاته فقدت هذا العز، فوهنت قوتها وفسدت أمورها لطول عهدها بالحروب المنقطعة التي خاضت غمارها أربعين عاماً، وأدركها الفناء، ولما يمض على موت آشور بانيبال عشر سنين. وقد احتفظ لنا أحد الكتاب بسجل سنوي لأعماله، وهو سجل ممل ينتقل فيه من حرب إلى حرب، ومن حصار إلى حصار، ثم إلى مدن جائعة وأسرى تُسلخ جلودهم وهم أحياء. وينطق هذا الكاتب نفسه آشور بانيبال فيحدثنا عما خربه من بلاد عيلام ويقول: «لقد خربت من بلاد عيلام ما طوله مسير شهر وخمسة وعشرين يوماً. ونشرت هناك الملح والحسك «لأجدب الأرض» وسقت من المغانم إلى آشور أبناء الملوك، وأخوات الملوك، وأعضاء الأسرة المالكة في عيلام صغيرهم وكبيرهم، كما سقت منها كل من كان فيها من الولاة والحكام، والأشراف والصناع، وجميع أهلها الذكور والإناث كباراً كانوا أو صغاراً، وما كان فيها من خيل وبغال وحمير وضأن وماشية تفوق في كثرتها أسراب الجراد، ونقلت إلى آشور تراب السوس، ومدكتو، وهلتماش وغيرها من مدائنهم. وأخضعت في مدة شهر من الأيام بلاد عيلام بأجمعها؛ وأخمدت في حقولها صوت الآدميين، ووقع أقدام الضأن والماشية، وصراخ الفرح المنبعث من الأهلين. وتركت هذه الحقول مرتعاً للحمير والغزلان والحيوانات البرية على اختلاف أنواعها».

وجيء برأس ملك عيلام القتيل إلى آشور بانيبال وهو في وليمة مع زوجته في حديقة القصر، فأمر بأن يرفع الرأس على عمود بين الضيوف، وظل المرح يجري في مجراه، وعلق الرأس فيما بعد على باب نينوى، وظل معلقاً عليه حتى تعفن وتفتتَ. أما دنانو القائد العيلامي فقد سلخ جلده حياً، ثم ذُبح كما يُذبح الجمل، وضرب عنق أخيه، وقطع جسمه إرباً، ووزعه هدايا على أهل البلاد تذكاراً لهذا النصر المجيد.

ولم يخطر قط ببال آشور بانيبال أنه ورجاله وحوش كاسرة أو أشد قسوة من الوحوش، بل كانت جرائم التقتيل والتعذيب هذه في نظرهم عمليات جراحية لابد منها لمنع الثورات وتثبيت دعائم الأمن والنظام بين الشعوب المختلفة المشاكسة المنتشرة من حدود الحبشة إلى أرمينية، ومن سورية إلى ميديا، والتي أخضعها أسلافه لحكم آشور. لقد كانت هذه الوحشية في رأيه واجباً يفرضه عليه حرصه على أن يبقى التراث سليماً. وكان يتباهى بما وطده في ربوع إمبراطوريته من أمن وسلام، وبما ساد مدنها من نظام. والحق أن هذا التباهي لم يكن على غير أساس. على أن هذا الملك لم يكن مجرد ملك فاتح أسكره سفك الدماء، وشاهِدَ ذلك ما شاده من المباني وما بذله في تشجيع الفنون والآداب. فقد بعث الملك إلى جميع أنحاء دولته يدعو المثالين والمهندسين ليضعوا له رسوم الهياكل والقصور ويزينوها كما فعل بعض الحكام الرومان بعد أن استولت روما على بلاد اليونان. وأمر عدداً كبيراً من الكتبة أن يجمعوا وينسخوا كل ما خلفه السومريون والبابليون من آداب، ووضع ما نسخوه وما جمعوه كله في مكتبته العظيمة في نينوى، وهناك وجدها علماء هذه الأيام سليمة أو تكاد بعد أن مرت عليها خمسة وعشرون قرناً من الزمان.

وكان مثل فردرك الأكبر يفخر بملكاته الأدبية كما يفخر بانتصاراته في الحرب والصيد. ويصفه تيودور الصقلي بأنه طاغية فاسق خنثى، ولكنا لا نجد في جميع الوثائق التي وصلت إلينا على كثرتها ما يؤيد هذا القول. وكان آشور بانيبال إذا فرغ من تأليف ألواحه الأدبية خرج إلى الصيد في اطمئنان الملوك وثقتهم بأنفسهم وليس معه من السلاح إلا سكين وحربة، فقابل الأسود وجهاً لوجه. وإذا جاز لنا أن نصدق ما كتبه عنه معاصروه فإنه لم يكن يتردد قط في أن يتولى قيادة الهجوم عليها بنفسه، وكثيراً ما سدد الضربة القاضية بيده. فلا عجب والحالة هذه إذا افتتن به الشاعر بيرن ونسج حول اسمه مسرحية نصفها أسطوري والنصف تاريخي، صوَّرَ فيها ما بلغته آشور في أيامه من الثروة والمجد، وما داهمها بعدئذ من خراب شامل، وما حل بملكها من قنوط.



24
العودة إلى لبنان

عاد الأمير فخر الدين إلى لبنان عام 1618، أي بعد غياب خمس سنين قضى منها سنتين في توسكانا، وثلاث سنوات في أراضي تابعة لإسبانيا، وكانت أقوى دول أوروبا في ذلك الحين. وخلال هذه المدة اتصل فخر الدين برجال فرنسا، بالمراسلة، واتصل بالكرسي الرسولي بواسطة رجال الدين الموارنة المقيمين في روما. كان ظهور فخر الدين في إيطاليا، كأمير للطائفة الدرزية غير المعروفة حتى ذلك الوقت، قد أثار فضول أوروبا، فانتشرت شائعة في الغرب تزعم بأن الدروز - الهائمين في الجبال - هم أحفاد الصليبيين، حتى أنهم نسبوا اسم الدروز إلى الكونت "درو" (بالفرنسية: Dreux‏)، ويبدو أن فخر الدين نفسه طرب لهذه التنغيمة التي جعلت منه موضع اهتمام كبير في الغرب. ما أن سرى نبأ عودة الأمير إلى لبنان حتى اهتزت البلاد، وعم السرور جميع الناس فتوافدوا افواجا لمشاهدته والسلام عليه، بعد أن ازدادت ثقتهم وكبر أملهم فيه بعد المصائب التي حلّت بلبنان أثناء غيابه.وبالرغم من جميع جهود فخر الدين، فإنه لم يستطع أن يحقق غايته الأولى من رحلته، وهي الاستعانة بقوى الدول الأوروبية لمقاومة الدولة العثمانية، ولكن هذه الإقامة في أوروبا كان لها تأثير كبير في سياسته الداخلية والخارجية فيما بعد، حيث أنها ساعدته على بناء دولته وتدريب جيشه وفق التنظيم الأوروبي.

إمارة فخر الدين في أقصى اتساعها
لم يحدّ النفي الطويل من مطامح الأمير فخر الدين الثاني في توسيع دولته، بل زاده هذا النفي تصميما على تحقيق فكرته، وخاصة أن توسيع دولته سيخلصه من بعض الأمراء الذين سرّوا بابتعاده عن إمارته، واضطهدوا أنصاره. وفي مقدمة هؤلاء يوسف سيفا أمير طرابلس وعكار. وكان آل سيفا قد أغاروا في غياب الأمير، على دير القمر مقر أسرة الأمير، وهدموا قصره، وأحرقوا مزارع أنصاره. فعزم الأمير، إثر عودته من أوروبا، على مهاجمة آل سيفا، فحشد الرجال وزحف إلى عكار، حيث قصور آل سيفا، فهدمها ونقل حجارتها الصفراء الجميلة، من عكار إلى ميناء طرابلس، ومنها نقلتها المراكب إلى الدامور، ومنها نُقلت إلى دير القمر فأعاد بناء قصره وقصور آل معن بها. ولا تزال الحجارة الصفراء موجودة في هذه القصور حتى اليوم. اضطر يوسف سيفا عندئذ أن يُصالح الأمير على مبلغ كبير من المال، بعد أن تنازل له عن مقاطعتي جبيل والبترون. وكان ابن سيفا يُماطل الدولة العثمانية في دفع الديون المطلوبة منه، فعينت الدولة على طرابلس واليا جديدا. ولكن هذا الوالي الجديد لم يتمكن من تسلّم المدينة إلا بعد أن استنجد بالأمير فخر الدين، فجهز الأمير حملة لمساعدة الوالي العثماني. وما كاد ابن سيفا يعلم بأنباء هذه الحملة حتى تخلّى عن طرابلس. واستغل الأمير ضعف ابن سيفا، فاستولى على منطقة بشري وضمها إلى إمارته، كما اغتنم عجز الوالي الجديد عن تحصيل الضرائب من أهالي عكار والضنية فتولى الأمير هذه المهمة وضمهما إلى إمارته. ولما توفي يوسف سيفا عام 1625 عرضت الدولة العثمانية ولاية طرابلس على الأمير فخر الدين، فنالها باسم ولده حسن من زوجته "علوة" بنت شقيق يوسف سيفا. وسعى الأمير إلى إنعاش الحياة التجارية والصناعية في طرابلس، فأوعز إلى تجار صيدا بالانتقال إلى طرابلس، فازدهرت أسواقها بعد أن كانت ضعيفة في عهد ابن سيفا. إن تصفية حكم آل سيفا في طرابلس لم تشغل الأمير فخر الدين عن البقاع وأمرائه من بني حرفوش، الذين كانوا حلفاءه قديما، ثم انقلبوا عليه في غيابه، ولما رجع من إيطاليا خافوا من انتقامه، فما كان منهم إلا أن وشوا به لدى مصطفى باشا والي دمشق، وبالغ يونس حرفوش أمام الوالي في تصوير الخطر المحدق بالوالي والدولة العثمانية من توسّع الأمير، ومن اتصاله بالدول الأوروبية. وما زال به حتى أقنعه بوجوب التخلص من الأمير، فوعده الوالي بأن يُساعده على خصمه. وما لبثت جموع آل حرفوش وقوات مصطفى باشا، أن احتشدت في البقاع، وكان عددها يبلغ 12 ألف مقاتل من أبناء ولاية دمشق والإنكشارية والتركمان والبدو، وكان فخر الدين يُراقب تحركات آل حرفوش وينتظر هذه الفرصة، فأسرع مع حلفائه آل شهاب، وتصدى لجموع خصومه في قرية عنجر بجيشه المؤلف من خمسة ألاف مقاتل لبناني، من جميع المناطق اللبنانية الواقعة تحت حكمه، ومن جميع الطوائف. بدأت المعركة عندما تقدم والي دمشق بجيشه مناوشا قوات الاستطلاع بقيادة الشهابيين، ولقد أثار ذلك القلق بن الشهابيين ولكن فخر الدين اصدر أمره للاستطلاع بالانكفاء إلى مجدل عنجر. فقامت معظم فرق الدمشقيين والانكشاريين باللحاق بهم إلى برج الخراب الواقع بالقرب من مجدل عنجر التي احتلوها. على الأثر بدأ فخر الدين بتنفيذ خطته حيث أرسل مئة خيّال للتحرش بخيالة مصطفى باشا والانكفاء أمامهم ليستدرج كل خيالة مصطفى باشا لتعقب خيالته بحيث ينكشف مشاة والي دمشق امامه في سهل عنجر. وهذا ما حصل بالضبط، لأن ما أن بدأ خيالة الأمير المئة بالانكفاء حتى تعقبهم الف من خيالة الوالي. وزاد من نجاح المناورة ارسال باقي الخيالة الدمشقيون إلى برج الخراب للقضاء على قوات الاستطلاع. وما أن انكشف مشاة الوالي في سهل عنجر بدون حماية الخيالة، حتى أرسل الامير كل جيشه الباقي من خيّالة ومشاة للقضاء على جيش الوالي وانهاء المعركة. فتقدمت مجموعة مدبر الأمير برجاله من جبل عامل من وراء التلال بمعية رجال الأمير علي ابن فخر الدين، مهاجمين جيش الوالي. أما رجال الامير يونس فاقفلوا خط الرجعة على جيش الشام. وما أن رأى جيش الوالي أنه أصبح مطوقا، حتى ولّوا الأدبار وأرغم الوالي على إعطاء الأوامر بالانسحاب، فتضعضع جيشه وسقط مئات القتلى وقتل أربعة من كبار قواد جيش الوالي وطورد المنهزمون حتى الزبداني على الحدود اللبنانية السورية الحالية. بعد هذه المعركة العنيفة بين الطرفين، وقع الوالي مصطفى باشا أسيرا بين يدي الأمير. ولكن الأمير أحاطه بالإكرام والحفاوة، فقابله الوالي بأن اعترف بجميل الأمير وولاّه على البقاع، وأباح له أملاك آل حرفوش. وهكذا تمّ لفخر الدين ما أراد، فبعد أن كان لبنان أربع عشرة مقاطعة، أصبح في عام 1623 دولة واحدة، لها أميرها الكبير، ويرفرف فوق شمالها وجنوبها وسواحلها وبقاعها علم المعنيين.

امتداد الإمارة نحو باقي بلاد الشام

أدرك فخر الدين تقلّب السياسة العثمانية واضطرابها، فحرص على أن تبقى علاقاته مع الدولة العثمانية متصلة، وقوّى مركزه في إسطنبول واعتمد على بعض الوزراء وذوي النفوذ، الذين أغدق عليهم الهدايا والأموال، فكان في الأعياد، وعند الترقيات والتعيينات في مناصب الدولة، يُسرع إلى إرضاء كل من يحتاج إليه أو يتعامل معه. وهكذا ضمن فخر الدين عواطف رجال الحكم في العاصمة. عندما اطمأن الأمير إلى متانة مركزه لدى الدولة، طمع بما وراء حدود لبنان، وشجعه على ذلك وجود ولاة ضعاف وأمراء عاجزين في المقاطعات المجاورة لإمارته. وكان والي دمشق، إثر معركة عنجر، قد جدّد له سنجقيات صفد والجليل ونابلس، وزاد عليها غزة وعكا والناصرة وطبريا وعجلون. وهذه مناطق غنية خصبة أفادت فخر الدين مالا وفيرا وأمدّت جيشه بالرجال. وبعد أن امتدت إمارة فخر الدين في الجنوب، انصرف الأمير إلى التوسع شمالا، فاستولى على سلمية وحمص وحماة، ثم بلغ نفوذه حلب وأنطاكية، فبنى قلعة قرب حلب، وقلعة في أنطاكية، وقلعة في تدمر ما تزال تعرف حتى اليوم باسم "قلعة ابن معن". وكان قد استولى قبل ذلك على حوران، وبنى في صلخد قلعة لحماية أراضي حوران الخصبة التي ضمها إلى إمارته وهكذا شملت إمارة فخر الدين لبنان كله، وسوريا وفلسطين وشرقي الأردن، واستطاع الأمير أن يتغلب على والي حلب ووالي دمشق بجرأته وذكائه، وأن يكسب في الوقت نفسه رضا الدولة العثمانية فينال عام 1624 لقب "سلطان البر" وهو نفس اللقب الذي ناله جده فخر الدين الأول، قبل أكثر من مائة سنة، من السلطان سليم الأول. وأطلق السلطان على فخر الدين لقبا كبيرا أخر هو "أمير عربستان" أي أمير بلاد العرب. غير أن فخر الدين كان يُفضل أن يُلقب بلقب عزيز على نفسه هو "أمير جبل لبنان وصيدا والجليل".

التنظيم العسكري

هذه المساحة الواسعة من الأرض التي استطاع فخر الدين أن يحكمها، لم يكن إخضاعها سهلا لو لم يكن فخر الدين يملك جيشا قويّا وافر العدد جيّد التدريب. ولم يكن الأمير يستطيع أن يُحافظ على البلاد التي ضمها إلى إمارته، لو لم يُنشئ شبكة من القلاع والحصون، في المواضع الحربية المناسبة. ولم يهمل فخر الدين السلاح، فجهّز جنوده بأفضل الأسلحة التي عرفها عصره، وزوّد قلاعه بأوفر الذخائر والعتاد. نظّم فخر الدين جيشه على أحدث الأساليب التي عرفها القرن السابع عشر، مستعينا بخبراء استدعاهم من فرنسا وتوسكانا، وزوّده بأسلحة جلبها من إسبانيا. كان جيش فخر الدين نوعين: وطني، ومرتزقة. وهذان النوعان هما عماد الجيش النظامي. أما الجيش الوطني فكان مؤلفا من اللبنانيين على اختلاف مناطقهم وأديانهم، من غير أن يشعروا تحت لوائه بأي فرق أو تمييز، ولم يكن يُعكر صفاء هذه الوحدة إلا الانقسام الحزبي بين القيسيين الذين هم أنصار الأمير، واليمنيين الذين كانوا يناصبونه العداء إلى جانب هذا الجيش الوطني، استأجر فخر الدين جنودا من السُكمان وغيرهم من المرتزقة، ومن هؤلاء المرتزقة كان بعض العاصين على الدولة العثمانية، فهؤلاء كانوا قد يئسوا من عفو السلطان، فأقبلوا على الأمير: يخدمونه، ويُهاجمون جيوش أعدائه من الولاة العثمانيين. وقد صمدت قوات السُكمان في القلاع صمودا رائعا، بعد سفر الأمير إلى أوروبا، ورفض رجالها وعود الحافظ وإغراءاته. وكان الأمير فخر الدين يعتمد أحيانا على قوات حلفائه من الأمراء كآل شهاب، وآل حرفوش عندما كانوا معه، وقبائل العرب في عجلون وحوران. وكان عدد الجنود في جيش فخر الدين، يتفاوت بين وقت وآخر، فعندما سافر إلى توسكانا كان جيشه لا يزيد على عشرين ألفا. أما في أيام مجده الأخيرة فقد بلغ نحوا من أربعين ألف جندي مدرّب، وكانوا يتناولون الرواتب بانتظام. وكان في وسع فخر الدين، زمن الحرب، أن يجهّز أكثر من سبعين ألفا. وإلى جانب هذا الاستعداد العسكري في عدد الجنود الوافر، وإلى الشجاعة التي اتصفوا بها في القتال، فقد كان لبسالة الأمير وعنفه في المعارك، أثر كبير في انتصاراته التي حققها.

كان جيش فخر الدين النظامي يتألف من مشاة وخيالة. أما المشاة فكانوا يلبسون أخف الثياب، ويحملون البنادق والسيوف ذات النصال العريضة. وأما الخيّالة، فكان الفارس منهم يلتف بعباءة واسعة ويحمل البدقية ذات القدّاحة، ويُعلق السيف على جنبه، ويمسك ترسا يقيه الضربات. وكان لدى الأمير عدد قليل من المدافع أحضرها من توسكانا، ونصبها في قلعة الشقيف كما كان لديه عدد أخر من المدافع الإسبانية جاءته هدية من ملك إسبانيا. وكان الأمير في مخابراته مع ملوك أوروبا وأمرائها يلح عليهم بأن يوفدوا إليه خبراء في صناعة الأسلحة وصب المدافع. والظاهر أن هذا الطلب لم يتحقق. ولم يكن الأمير يملك قوة بحرية يستطيع بها أن يُقاوم الأسطول العثماني، وكان لهذا النقص البحري أثر في تحديد مصير الإمارة فيما بعد. وقد حجز الأمير مرة مركبين حربيين لقراصنة مالطة لأنهم اعتدوا على شواطئ لبنان، فاستخدمهما في حماية جيشه البري عندما يسير على الطرق الساحلية، كما استخدمهما في نقل البضائع والذخائر والجنود بين الموانئ اللبنانية  لم يكن الأمير فخر الدين يُقدم على إعلان الحرب إلا بعد أن يبحث الأمر مع مستشاريه، ورجال إمارته، وزعماء الإقطاع المخلصين له. وكان يستدعيهم إلى قصره للمشورة، حتى إذا أجمعوا على إعلان الحرب أوفدوا إلى القرى رسلا، أو صعد المنادون إلى أعالي الجبال واستنهضوا أبناء القرى المجاورة للتجمع، أو أشعلوا النار على قمم الجبال، وهي إشارة تعني أن الناس مدعوون إلى التجمع في قصر الأمير. وكان الأمير فخر الدين هو القائد العام لجيشه، فإذا تغيّب عن المعركة، ناب عنه ابنه علي، أو أخوه يونس. وجعل فخر الدين للجيش النظامي قادة دائمين، أشهرهم أبو نادر الخازن، وكان كل إقطاعي من الأمراء والمقدمين والمشايخ قائدا على رجاله، تحت إمرة الأمير. وكان شعار الجيش المعني العلم الأحمر، وهو شعار القيسيين كلهم. حمى فخر الدين أراضي الإمارة بشبكة من الحصون والقلاع والأبراج والأسوار، ووزع جنوده في هذه الحصون والقلاع ودرّبهم على إطلاق المدافع وقذف المواد المتفجرة على المحاصرين. وقد بنى فخر الدين بعض هذه الحصون. أما بعضها الأخر فكان قد بناه الصليبيون أو من سبقهم، ورممه فخر الدين وجعله صالحا للتحصن داخله. ومن مهمة هذه القلاع والأبراج أن تحمي طرق المواصلات في بلاد الإمارة من اللصوص، وتكافح قطاع الطرق، وتؤمن راحة المسافرين والتجار. وأشهر قلاع فخر الدين هي








25
تحالف فخر الدين مع أوروبا

كانت الدول الأوروبية، في العقد الأول من القرن السابع عشر، راغبة في الاتصال بالشرق، لاستعادة نفوذها الذي زال بانتهاء الحروب الصليبية. وكان في مقدمة الأمراء الأوروبيين الذين كانوا يتابعون أحوال الدولة العثمانية وولاياتها: فرديناندو الأول دي ميديشي، دوق توسكانا، الذي أراد أن يوثق روابط تجارته بالشرق ويوطد فيه نفوذه. وكان التجار التوسكانيون منذ سنة 1602 يحاولون الإقامة في طرابلس، ولكن سوء سياسة ابن سيفا ومزاحمة تجار البندقية للتوسكانيين أرغماهم على الانسحاب منها. وكان فرديناندو الأول قد اتصل بوالي حلب علي جانبولاد وعقد معه معاهدة تجارية حربية، ولكن انهزام جانبولاد أمام الجيش العثماني لم يتح لهذه المعاهدة أن تُنفذ.

المحالفة مع توسكانا

أوفد فرديناندو الأول، سنة 1608، بعثة إلى الأمير فخر الدين برئاسة سفيره "هيبوليت ليونشيتي" تحمل إليه ألف بندقية. وبعد أن استقبل فخر الدين البعثة في قصره في صيدا، بحضور القنصل الفرنسي بصيدا، الذي كان يتولى الترجمة، تمّ الاتفاق بين الفريقين على التعاون ضد الدولة العثمانية. واشترط فخر الدين في هذه المعاهدة ما يأتي:

يضع فرديناندو الأول تحت تصرف فخر الدين خبراء في صب المدافع.
يفتدي فرديناندو الأول الأسرى التوسكانيين الثلاثة، من مراد باشا، الصدر الأعظم، وهؤلاء الأسرى كانوا قد حصّنوا بعض قلاع فخر الدين، وبقاؤهم لدى الدولة العثمانية يُشكل خطرا على فخر الدين لأنهم كانوا يعرفون أسرار حصونه.
يستحصل فرديناندو الأول من البابا على براءة يأمر فيها مسيحيي لبنان أن يقفوا مع فخر الدين في الحروب القادمة ضد العثمانيين.
يضع فرديناندو الأول تحت تصرف فخر الدين في ميناء صيدا مركبين، ليستخدمهما الأمير في تبادل الرسائل والوفود بينهما، ونقل أمواله إلى توسكانا إذا اضطر إلى ذلك.
يمنح فرديناندو الأول الأمير فخر الدين جواز سفر يخوّله دخول توسكانا متى شاء.
لبّى فرديناندو الأول مطالب فخر الدين بارتياح: فشرعت المراكب التوسكانية ترسو في مينائي صيدا وصور، حاملة إلى الأمير البنادق والمدافع، ثم كانت تبحر عائدة بالحرير والزيت والصابون. واستصدر فرديناندو الأول براءة من البابا بولس الخامس دعا فيها موارنة لبنان إلى المحاربة تحت لواء فخر الدين. أما الأمير فخر الدين فقد بدأ بإعداد جيش كبير، ليكون على استعداد لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه مع دوق توسكانة. وبعد شهور قليلة من توقيع المحالفة، مات فرديناندو الأول فخلفه ابنه كوزيمو الثاني الذي أعلن التزامه بسياسة أبيه تجاه فخر الدين، فأرسل إلى الأمير أسطولا محملا بالعتاد الحربي، من بنادق ومدافع ومتفجرات وغيرها.
وفي سنة 1611 أوفد الأمير فخر الدين المطران جرجس بن مارون الإهدني إلى كوزيمو الثاني وإلى البابا بولس الخامس، لتجديد معاهدة التحالف مع كل منهما. ولكي لا تثير علاقات فخر الدين بتوسكانة قلق الدولة العثمانية، فإنه كان يواصل دفع الضرائب المطلوبة منه في مواعيدها بل قبل مواعيدها أحيانا. ولكن هذه العلاقات لم تبق سرّا..فما لبثت الدولة العثمانية أن اطلعت على تفاصيلها، من جواسيسها، ومن بعض التجار الأوروبيين، ثم تأكدت منها بعد تكاثر المراكب التوسكانية في مينائيّ صيدا وصور. قلقت الدولة العثمانية من نشاط الأمير فخر الدين، وقررت أن تضع حدا لمطامحه. وكان آل سيفا من ناحيتهم، لا يستقرون على حال وهم يرون نفوذ الأمير المعني يتسع وعلاقاته تمتد إلى الخارج، فاتصلوا بأحمد الحافظ باشا، والي دمشق الجديد، وأوغروا صدره عليه، بسبب سياسته المعادية للسلطان ولاتصاله بالدول الأوروبية، التي ترسو سفنها في صيدا وصور من غير استئذان الباب العالي.

حملة الحافظ باشا

ولمّا حذّر الحافظ فخر الدين من استمراره في التعاون مع الدول الأوروبية، نشأت بينهما خصومة عنيفة، فلجأ الحافظ إلى أغاظة فخر الدين بأن عزل شيخيّ سنجقيّ حوران وعجلون، وهما من أنصار فخر الدين. ولكن فخر الدين أعادهما إلى منصبهما عنوة غضب الحافظ لهذا التحدي، وعزم على البطش بفخر الدين، ووافق نصوح باشا الصدر الأعظم على خطة والي دمشق، وأمده بجيش برّي، يدعمه الأسطول العثماني من البحر، وكذلك وافق 14 من الباشاوات الأخرين على هذا الأمر  وحاول الوسطاء من آل شهاب وبني حرفوش أن يصلحوا بين الأمير والباشا، فلم يفلحوا. وحاول الأمير أن يسترضي الوالي فأرسل إليه وفدا من أعيان صيدا وبيروت ومعهم رسالة وديّة من الأمير، ومبلغ من المال. ولكن الحافظ ردّهم ردّا قاسيا. وكان الأمير فخر الدين قد بدأ بتحصين كثير من القلاع وتزويدها بالجنود استعدادا لمثل هذا اليوم. غير أنه لم يكن يتوقع أن يأتي ذلك اليوم بسرعة. زحفت جيوش الحافظ من دمشق ومعها رجال حسين سيفا، ابن يوسف سيفا، نحو أراضي الأمير المعني. واستطاع الحافظ أن يسيطر على الموقف، وبدأ الجنود الإنكشارية يعتدون على القرى والحقول. وكان الأمير خلال ذلك، ينتقل مع جنوده من حصن إلى حصن، من غير أن يتمكن الحافظ من التغلب عليه. وأقبل الأسطول العثماني يفرض حصارا على المرافئ اللبنانية، ليمنع الإمدادات من الوصول إلى الأمير. وبدأ البحارة العثمانيون ينزلون إلى البر ويعتدون على أراضي الإمارة. عندئذ دعا الأمير فخر الدين أنصاره إلى اجتماع يُعقد في الدامور، فلبّى دعوته الأمراء المعنيون، والتنوخيون، ومشايخ المقاطعات، والمقدمون، وآل الخازن، وطلب إليهم أن يجددوا قواهم لقتال الحافظ، ولكن ما وصفوه من الأهوال التي نزلت بأتباعهم وممتلكاتهم، دفعه أن يقرر مغادرة البلاد، ويترك لابنه عليّ زمام الحكم، على أن يُعاونه عمه الأمير يونس، شقيق فخر الدين الأصغر. ومن صيدا أبحر الأمير فخر الدين، في سبتمبر 1613، على ثلاثة مراكب، اثنان منها فرنسيان، والثالث هولندي، ترافقه حاشيته المؤلفة من زوجته "خاصكية"، ومستشاره الحاج كيوان بن عبد الله، ومن نحو خمسين رجلا، بعد أن اغتنم فرصة انشغال الأسطول العثماني بملاحقة الأسطول الإسباني الذي أسر سبعة مراكب عثمانية. وكان قد أمر أخاه يونس بأن ينقل مقر إقامته إلى دير القمر من بعقلين التي كانت مركزا لأملاك المعنيين، فأصبحت دير القمر منذ ذلك الحين، عاصمة الإمارة اللبنانية. تابع الأمير علي بن فخر الدين، وعمه يونس، مقاومة الحافظ، بما لديهما من الحصون والرجال، وقد أنهكت هذه الحصون الحافظ وجنوده، واستعصت عليهم: فقد حاصر قلعة الشقيف 84 يوما وأصرّ على احتلالها متوهما أن أموال الأمير مودعة فيها، ثم تراجع عنها يائسا بعد أن صمدت حاميتها فيها. وحاصر الحافظ أيضا قلعة بانياس من غير جدوى أيضا. وعندئذ اشتد غيظه، فسكت عن رجاله وهم يتلفون الزرع ويحرقون القرى ويسفكون دماء الأبرياء، فتعرضت البلاد لمجزرة رهيبة، ضرب بها المثل فقيل "سنة الحافظ". ولما رأى أنصار الأمير فخر الدين ما حلّ بالبلاد، فكروا في إرضاء الحافظ: فتوجهت إليه السيدة نسب والدة الأمير، وقد بلغت السبعين من العمر، وعرضت عليه ثلاثمائة ألف قرش، لقاء انساحبه من البلاد. رضي الباشا بهذا العرض، فسلمته السيدة نسب مائة وخمسين ألفا، ودفع الأهالي مئة وثلاثين ألفا، وبقي من المبلغ عشرون ألفا، فصحب الباشا السيدة نسب معه رهينة إلى دمشق ريثما يسدد رجال الأمير المبلغ الباقي.

فخر الدين في أوروبا

توجهت مراكب فخر الدين إلى دوقية توسكانا الواقعة في القسم الشمالي من شبه الجزيرة الإيطالية، فدخلت ميناء ليفورنو في أكتوبر 1613. وبعد أن مكث فخر الدين في ليفورنو أسبوعا توجه إلى فلورنسا عاصمة توسكانا، فاستقبله كوزيمو الثاني استقبالا حافلا شهده الأمراء والأعيان، ثم أنزله وحاشيته في "القصر العتيق" (بالإيطالية: Palazzo Vecchio) وهو من أجمل قصور آل ميديشي أمراء توسكانا. طلب الأمير إلى كوزيمو الثاني قوة عسكرية يستعيد بها بلاده من أيدي العثمانيين، فكان جواب كوزيمو الثاني أن أوفد بعثة من الخبراء إلى لبنان ليستطلعوا أخباره، قبل أن يتخذ موقفا محددا من طلب الأمير. ولما عادت السفينة التي تحمل الخبراء إلى توسكانا في أبريل 1614 حملت معها عددا من رجال الأمير. وقدمت البعثة تقريرها إلى كوزيمو الثاني وأنبأته بمحبة الناس لفخر الدين، وقوة حصونه، فزاد ذلك من إكرام كوزيمو الثاني للأمير واهتمامه بمطالبه. أما رجال الأمير الذين جاءوا مع بعثة الخبراء فقد طالبوه بأن يعود إليهم، معلنين ندمهم على خذلانهم له، وأبدوا استعدادهم للدفاع عن بلادهم تحت رايته. وكان الأمير يفاوض كوزيمو الثاني على ضرورة تجهيز حملة تشترك فيها أكثر الدول الأوروبية ليُكتب لها النجاح. ولكن كوزيمو الثاني كان يُفضل أن يقوم بهذه الحملة العسكرية منفردا، ما دامت الدول الأوروبية متنازعة فيما بينها، وغير متحمسة لتحقيق رغبات الأمير. عندئذ يئس الأمير فخر الدين من المساعدة الحربيّة الفعّالة، وشعر بفتور حماسة كوزيمو الثاني نحوه، فأرسل مستشاره الحاج كيوان بن عبد الله إلى لبنان ليعقد صلحا مع الدولة العثمانية، مؤجلا تحقيق آماله إلى فرصة قادمة. وكانت الدولة العثمانية قلقة من وجود فخر الدين في توسكانا، ومن اتصاله بسفراء الدول الأوروبية المعادية للعثمانيين. من أجل ذلك، لم يكد كوزيمو الثاني يوفد رسولا إلى نصوح باشا، الصدر الأعظم، في إسطنبول، ليفاوضه في العفو عن فخر الدين، حتى أبدى نصوح باشا استعداد السلطان لأن يعفو عنه، شرط أن لا يعود إلى لبنان، بل يعود إلى إسطنبول فيجعله حاكما على إحدى ولايات بلاد اليونان. ولم يثق فخر الدين بهذا العرض؛ ولو وثق به فإنه لم يكن مستعدا لقبوله، فهو ليس طالب وظيفة حتى يُغرى بولاية من الولايات، ولكنه يُطالب باستقلال وطنه، وطن آبائه وأجداده وتحسن الجو بين الدولة العثمانية وبين المعنيين، فقد قُتل نصوح باشا بأمر من السلطان، وعُزل الحافظ عن ولاية دمشق، وكلاهما كان عدوّا لفخر الدين، وتولى ولاية دمشق محمد جركس باشا سنة 1615. وكانت بينه وبين فخر الدين مودة، فأطلق سراح السيدة نسب من سجن دمشق وسلّمها "فرمان" العفو أو "براءة العفو" عن فخر الدين. وهذا الفرمان يُخوله العودة إلى بلاده ومنصبه. أرسلت السيدة نسب براءة العفو إلى فخر الدين في توسكانا، ولكن الأمير كان قد غادرها إلى صقلية، ولو وصل إليه نبأ العفو عنه وهو في توسكانا لعاد إلى لبنان فورا، ولكن لجوءه إلى صقلية، وكانت تابعة لملك إسبانيا، عدوة الدولة العثمانية، اضطرّ فخر الدين إلى البقاء ثلاث سنوات أخرى في المنفى. كانت الأساطيل الإسبانية تقلق الدولة العثمانية بنشاطها المريب في البحر المتوسط، وباعتداءاتها على السفن التجارية والحربية العثمانية. فقررت الدولة العثمانية أن تهاجم سواحل صقلية ردا على هذه الاعتداءات.فلمّا وجه الدوق دسّونا نائب ملك إسبانيا في صقلية، دعوة إلى الأمير فخر الدين يستضيفه لديه، كان يرمي من ذلك إلى إيهام الدولة العثمانية أنه يُعد، مع فخر الدين، حملة عسكرية على شواطئ لبنان وفلسطين، فتضطر الدولة العثمانية إلى تحويل أسطولها عن سواحل صقلية إلى سواحل لبنان وفلسطين لمنع الخطر الموهوم.
لبّى فخر الدين دعوة الدوق دسّونا، وانتقل من توسكانا إلى صقلية في أغسطس 1615. وفي صقلية عاوده الحنين إلى وطنه، فأعد له الدوق دسّونا بضع سفن أقلته إلى صيدا حيث قابله أهله وأنصاره، ثم عاد مسرعا قبل أن ينتشر نبأ زيارته.وفي طريق عودته عرّج على جزيرة مالطة حيث أعد له فرسانها استقبالا حافلا. ولمّا وصل إلى مسينا عاصمة صقلية، كان الدوق دسّونا قد نُقل إلى نابولي، فدعاه إلى مرافقته، فانتقل فخر الدين معه إليها، ونزل في قصر جميل يطل على البحر. وحاول الدوق دسّونا أن يستميل فخر الدين إلى التعاون مع إسبانيا، وتسليمها صور وصيدا، ولكن الأمير كان يتخلص بلباقة ومرونة. وأخيرا عزم على العودة إلى وطنه، فأطلع الدوق على رسالة وردته من والدته السيدة نسب تحثه فيها على العودة. وكان ملك إسبانيا قد عرض على فخر الدين البقاء في إسبانيا وحكم مقاطعات اسبانية، ولكن فخر الدين ردّ عليه قائلا: "لم آت لحكم ولا لملك، انما اتيت لحماية لبنان".




26
الأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير هو أحد أمراء لبنان من آل معن الدروز ، الذين حكموا إمارة الشوف من حوالي عام 1120 حتى عام 1623 . عندما وحد فخر الدين جميع الإمارات اللبنانية. يُعتبر فخر الدين الثاني أعظم وأشهر أمراء بلاد الشام عموما ولبنان خصوصا، إذ أنه حكم المناطق الممتدة بين يافا وطرابلس باعتراف ورضا الدولة العثمانية، وينظر إليه العديد من المؤرخين على أنه أعظم شخصية وطنية عرفها لبنان في ذلك العهد وأكبر ولاة الشرق العربي في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
يُعتبر فخر الدين الثاني الأمير الفعلي الأول للبنان، إذ أنه هو الذي ضمّ جميع المناطق التي تُشكل لبنان المعاصر تحت لوائه، بعد أن كان يحكمها قبل عهده أمراء متعددون، وبهذا، فإنه يُعتبر "مؤسس لبنان الحديث". كان فخر الدين سياسيّا داهية، فقد استطاع أن يمد إمارته لتشمل معظم سوريا الكبرى، ويحصل على اعتراف الدولة العثمانية بسيادته على كل هذه الأراضي، على الرغم من أن الدولة في ذلك الوقت كانت لا تزال في ذروة مجدها وقوتها ولم تكن لترضى بأي وال أو أمير ليُظهر أي محاولة توسع أو استقلال أو ما يُشابه ذلك. تحالف فخر الدين خلال عهده مع دوقية توسكانا ومع إسبانيا، وازدهرت البلاد طيلة أيامه وكثرت فيها أعمال التجارة مع أوروبا والدول المجاورة، وعاش الناس في رخاء وراحة، إلى أن عاد السلطان العثماني مراد الرابع ليرى بأن فخر الدين يُشكل خطرا على السلطنة بعد أن ازدادت سلطته وذاع صيته في أرجاء الدولة وتحالف مع أوروبا، فأرسل حملة عسكرية تمكنت من القبض على الأمير وإرساله إلى إسطنبول حيث أعدم .

هو فخر الدين بن قرقماز معن، يُعرف بالثاني لأن جده كان يُدعى فخر الدين أيضا، ويُقال له الكبير لأنه أعظم أمراء لبنان في القرنين السادس عشر والسابع عشر، ولم يحصل أن كان هناك أمير لبناني أخر بعظمته من قبل، ولم يأتي أمير بعده مماثل له، إلا بعد 153 سنة، وكان هذا الأمير بشير الثاني الشهابي. يرى بعض المؤرخين أن "فخر الدين" ليس اسماً وإنما هو لقب للأمير المعني؛ مثل "صلاح الدين" و"نور الدين" وغيرهما من الألقاب التي كان الأمراء يتلقبون بها في القرن السادس عشر وما قبله، ويقول هؤلاء المؤرخون أن اسم فخر الدين الأول هو "عثمان"، وبالتالي فإن فخر الدين الثاني قد يكون اسمه عثمان أيضا تيمنا بجده. وليس ما يمنع أن يكون هذا الرأي صحيحا. وعلى كل حال فقد غلب لفظ فخر الدين على كلا الأميرين وأصبحا لا يُعرفا إلا به.
قُتل الأمير قرقماز، والد فخر الدين، على يد والي مصر إبراهيم باشا، عام 1584، بعد أن اتهمه أمير طرابلس وعكار يوسف سيفا، وأمير البقاع ابن فريخ، بحادثة سرقة قافلة تحمل خراج مصر وفلسطين إلى إسطنبول، بالقرب من جون عكار، ولاقت هذه التهمة قبولاً لدى الباب العالي، على الرغم من عدم صحتها. وعند وفاة الأمير قرقماز، لم يكن ابنه البكر فخر الدين قد جاوز الثانية عشرة من عمره، وفي ذلك الوقت أراد إبراهيم باشا أن يسلم حكم الشوف إلى أحد الزعماء اليمنيين، ولكن الأمير سيف الدين التنوخي، خال فخر الدين، استطاع بهداياه أن يسترضي إبراهيم باشا، وأن يُقنعه بجعل الشوف إقطاعا له، أي لسيف الدين.

وهكذا ناب سيف الدين التنوخي عن فخر الدين في حكم الشوف حتى بلغ سن الرشد وزال عنه خطر العثمانيين.

عاش فخر الدين في رعاية خاله الذي كان يقيم في بلدة عبيه، بعيداً عن عيون أعداء والده، وكان يتلقى دراسته، ويتدرب على طرق الحكم، ويطلع على أوضاع البلاد وميول الناس ويتعرف عن كثب على كل ما ينبغي له أن يعرف.

الصراع ضد اليمنيين وتوسيع الإمارة : وجد الأمير الشاب نفسه وسط أمراء متعددين، يحكم كل منهم مقاطعته على هواه. ورأى أن أقوى هؤلاء الإقطاعيين هما يوسف سيفا في طرابلس، ومنصور بن فريخ في البقاع، وقد تحالفا لابتلاع مقاطعات الزعماء الذين يُجاورونهما. فما كان من فخر الدين إلا أن جمع أشتات الحزب القيسي في حلف قوي يمنكه أن يقف في وجه الزعيمين اليمنيين: ابن سيفا، وابن فريخ. ومن هؤلاء الحلفاء آل شهاب أمراء وادي التيم، وآل حرفوش أمراء بعلبك. وجذب إلى صفه بعض مشايخ العرب في حوران، وعجلون في شرقي الأردن. وكان فخر الدين يستعين، لبلوغ أهدافه السياسية بثلاث وسائل: القوة والمال والمصاهرة. لقد جهّز الفرسان والمشاة ووجّه الحملات لإخضاع خصومه، وبذل المال والهدايا لاستمالة الولاة العثمانيين، وصاهر آل شهاب، بل رأى يوما أن من الخير له أن يُصاهر أسرة خصمه ابن سيفا.

القضاء على ابن فريخ
 
صيدا، منظر للمدينة القديمة التي اتخذها الأمير فخر الدين مقراً له.رأى فخر الدين أن يُزيح ابن فريخ من طريقه أولاً، فاغتنم مرور مراد باشا القبوجي بصيدا، في طريقه إلى دمشق لتسلم منصبه والياً جديداً عليها، وتوجّه للترحيب به وقدم إليه الهدايا، فاطمأن الوالي للأمير المعني واستمع إلى رأيه في ابن فريخ وسوء سياسته. ولم يلبث مراد باشا أن استدرج منصور بن فريخ إلى دمشق وقبض عليه وقتله، وكان هذا عام 1593. وعندما حاول ابنه أن يحل محله، أوعز مراد باشا إلى الأمير فخر الدين بأن يُهاجمه، فهاجمه وقضى عليه. وبذلك انتقلت أراضي بني فريخ إلى بني حرفوش حلفاء فخر الدين ولما رأى فخر الدين أنه اكتسب صداقة مراد باشا القبوجي، والي الشام، رغب إليه أن يُقطعه سنجق بيروت، وكان تابعا لابن سيفا، وسنجق صيدا، وكان العثمانيون قد انتزعوه من المعنيين إثر حادثة القافلة العثمانية في جون عكار عام 1584، فوافق مراد باشا على طلب فخر الدين. عادت صيدا إلى ظل المعنيين بعد تسع سنوات من انتزاعها منهم، وكانت أراضي السنجقين تمتد من نهر الكلب إلى عكا شاملة بلاد جبل عامل. ومنذ ذلك الوقت اتخذ فخر الدين صيدا مقراً له. محاربة ابن سيفا
كان ضم بيروت لإمارة فخر الدين تحدياً شديداً لوالي طرابلس يوسف سيفا، الذي كانت بيروت تابعة له من قبل. فظل ابن سيفا يترقب الفرص حتى أقصي مراد باشا القبوجي عن ولاية دمشق. عندئذ حاول ابن سيفا استرجاع بيروت، ولكن فخر الدين وحلفاؤه الشهابيين وبني حرفوش باغتوه في ممر نهر الكلب وهزموا جيشه وطاردوه حتى كسروان والفتوح واحتلوهما عام 1598. وبعد أن تدخل والي دمشق الجديد، وبعض المصلحين، أعاد فخر الدين كسروان والفتوح وبيروت إلى ابن سيفا، لقاء إخلائه إلى الهدوء، وامتناعه عن مناوأة فخر الدين، ففضل فخر الدين صداقة ابن سيفا على عداوته.
وعندما اطمأن فخر الدين إلى إمارته الشمالية، انصرف إلى التوسع جنوباً، فضمّ عام 1600 سنجق صفد، وكان يشمل قسما كبيرا من شمال فلسطين. غير أن ابن سيفا لم يُحافظ على عهده طويلاً، فقد هاجم قرى آل حرفوش حلفاء فخر الدين، وأحرق قرى بعلبك وسلبها. عندئذ عزم فخر الدين على أن يؤدب خصمه، فتوجه إليه بجيش كبير كان قد أعاد تنظيمه، وعززه بالرجال والسلاح، فاشتبكت قوى الفريقين في جونية عام 1605، في معركة شديدة انتهت بانهزام ابن سيفا واستعادة فخر الدين لكسروان والفتوح وبيروت. ولكي يُحافظ فخر الدين على مكاسبه الجديدة، أخذ يغمر والي دمشق بالهدايا، فاعترف الوالي بإمارة فخر الدين على المناطق التي استولى عليها.

محالفة فخر الدين وعلي جانبولاد
بالرغم من انتصار فخر الدين، فإن ابن سيفا ظل يسيطر على مقاطعات لبنان الشمالي وسوريا الوسطى، من جبيل إلى اللاذقية. فهو ما زال قويّا، وما زال يسيطر على مساحات واسعة من البلاد. ولما كان فخر الدين لا يستطيع وحده أن يتخلص من هذا الخصم الذي وقف في طريقه وفي وجه توسيع إمارته، فقد عقد محالفة مع الزعيم الكردي علي باشا جانبولاد الذي كان واليا على حلب من قبل العثمانيين ثم احتفظ بها لنفسه وثار على دولته التي كانت مشغولة في حروب البلقان وبلاد فارس. وكتب يوسف سيفا إلى الدولة العثمانية يطلب إليها أن تجعله أميرا على سوريا كلها، وهو يتعهد لقاء ذلك بالقضاء على علي جانبولاد والي حلب الثائر. فوافقت الدولة العثمانية على ذلك توجه يوسف سيفا بجيشه لمحاربة جانبولاد، فالتقى الفريقان في سهول حمص، وأسرع فخر الدين وحلفاؤه الشهابيون والحرافشة إلى نصرة حليفهم، فاحتلوا طرابلس وسدوا الطريق على ابن سيفا، الذي كان قد عاد منهزما من معركته مع جانبولاد. فلما وجد بلاده قد احتُلّت، أبحر إلى قبرص، ومن هناك، توجه إلى غزة، فدمشق آملا أن يُعد جيشاً جديداً ولكن علي باشا جانبولاد والأمير فخر الدين لحقا به إلى دمشق وحاصراها، فهرب ابن سيفا منها ولجأ إلى حصن الأكراد، فتعقبه علي جانبولاد وحده بعد أن رجع فخر الدين إلى مقر إمارته. حاصر جانبولاد حصن الأكراد، فاضطر ابن سيفا إلى استرضائه، فقدم له الهدايا وصالحه، ليتفرغ لمواجهة العثمانيين. ووافق فخر الدين على هذا الصلح، وتمت بينه وبين آل سيفا مصاهرة، فقد تزوج فخر الدين ابنة شقيقة يوسف سيفا. ولم تلبث الدولة العثمانية أن عقدت هدنة في البلقان وهدنة في بلاد فارس، وفرغت لشؤون سوريا، فوجهت جيشا بقيادة الوزير مراد باشا القبوجي الذي كان والياً على الشام لقتال جانبولاد. ولما شعر جانبولاد بضعفه، فرّ من حلب، فدخلها مراد باشا وأنهى بذلك ثورة جانبولاد على الدولة. كان الوزير يريد محاربة فخر الدين، ولكن فخر الدين الذي سبق له أن تعامل مع مراد باشا، كان يعرف مواطن ضعفه، فبعث له بهدية مالية ذهبية مغرية، حملها إليه ابنه الفتى علي، وبرفقة مستشار الأمير، الحاج كيوان بن عبد الله. وسرّ الوزير بالهدية، وسكت عن فخر الدين، وجدد له ولايته على صيدا وبيروت وكسروان عام 1607. استطاع فخر الدين في العهد الأول من حياته، أن يوطد أركان الإمارة المعنية، فتحالف مع أصدقائه الشهابيين وبني حرفوش، وتخلص من خصميه: ابن سيفا، وابن فريخ. ولم يعد في لبنان كله شخص قوي غير فخر الدين الثاني، الذي أصبح أمير معظم المقاطعات اللبنانية، بعد أن كان أمير الشوف. ولكنه رأى أن كل الوسائل التي سلكها للمحافظة على إمارته، أو لتوسيع رقعتها، لم تكن كافية لتحقيق مطامحه. فالحصون والقلاع التي أقامها، والجيش المعني القوي، ومحالفاته مع جانبولاد والأمراء، وصداقاته مع الولاة العثمانيين المتبدلين دائماً، كلها ساعدته على إنشاء إمارته، ولكنها لم تستطع أن تؤمن له الاستقلال عن الدولة العثمانية. وكان لا بد له من أن يتطلع إلى دولة قوية تزوّد جيشه بالعتاد الحربي الفعّال





27
شُّور ولا يعرف معنى الاسم بالضبط وقد ورد هذا الاسم في الكتاب المقدس للدلالة على: (1) اسم ثاني أبناء سام وأبي الآشوريين(تك 10: 22). (2) آشور ينطبق أيضاً على بلاد آشور(تك 2: 14) وعلى شعب آشور(أش 31: 8). وبلاد آشور الأصلية تقع على الجزء الأعلى من نهر الدجلة. وكان الآشوريون مزيجاً من أجناس عدة فقد قطن البلاد في حقب مختلفة، السومريون والحوريون والميتانيون. ولكن في النهاية سادت العناصر السامية وبخاصة الاكاديون والبابليون وامتلكوا البلاد. وأولى عواصم شور هي مدينة آشور نفسها(وهي اليوم قلعة شرقات) على الشاطئ الغربي لنهر الدجلة. وقد كشف التنقيب عن هيكل للآلهة ((أشتار)) مما يدل على وجود الأثر السومري في آشور، وقد بنى هذا الهيكل حوالي سنة 2900 ق. م. أما العواصم الأخرى التي صارت عواصم لآشور من بعد فكانت جميعها تقع شرقي الدجلة وتبعد كثيراً إلى الشمال. وهذه العواصم هي ((كلة)) (وهي اليوم نمرود) ودور شردكين(وهي اليوم خورسباد) ولكن أهم العواصم جميعاً هي نينوى(تل كوينجك الآن) وهذه العواصم كلها قد أصبحت خرباً. وقد ظلت آشور مشتبكة في حرب ضد البابليين في الجنوب، وضد الحثيين في الشمال الغربي لمدة أزمنة طويلة. وانتهت حروب آشور في سوريا إلى اتصالها بإسرائيل. وتشير السجلات التاريخية الآشورية إلى عدد من ملوك إسرائيل، والذين جاء ذكرهم هم : عموي وآخاب وياهو ومنحيم وفقح وهوشع، وبعض من ملوك يهوذا وهم عزيا وحزقيا ومنسى. وقد دفع معظم هؤلاء الملوك جزية لآشور. أما ملوك آشور الذين اتصل تاريخهم بتاريخ إسرائيل فهم: شلمناصر الثالث(859- 824 ق. م.) وقد حارب آخاب ملك إسرائيل وحارب الآراميين في معركة قرقر سنة 854 ق. م. وأخذ جزية من ياهو. وتغلاث فلاسر الثالث(745- 727 ق. م.) وقد افتتح الجليل وجلعاد وسبى شعبهما إلى آشور(2 ملو 15: 29) وشلمانصر الخامس(727- 722 ق. م.) وهو الذي بدأ حصار السامرة(2 ملو 17: 5) وسرجون الثاني(722- 705 ق. م.) وهو الذي أخذ السامرة نهائياً ونقل الإسرائيليين من بلادهم إلى أجزاء أخرى متفرقة في الامبراطورية الآشورية(2 ملو 17: 6). وسنحاريب(705- 681 ق. م.) وقد أخذ لخيش في يهوذا ولكنه لم يتمكن من أخذ أورشليم (2 ملو 18: 3- 19: 37). وأسرحدون(681- 669 ق. م.) وقد أتى بأناس من أجزاء متفرقة من امبراطورية آشور وأسكنهم السامرة(عزرا 4: 2). وآشور بانيبال وهو آخر الملوك العظام في آشور(669- 626 ق. م.) وقد نقل قوماً من أجزاء أخرى متفرقة وأسكنهم في السامرة أيضاً(عزرا 4: 10) ويذكر ناحوم في نبواته ص3: 8و10 ان أسرحدون أخرب (نو آمون) في مصر. وفي النهاية تحالف البابليون والماديون وحاربوا الآشوريين وأخذوا مدينة نينوى سنة 612 ق. م. فحلت بابل محل آشور كالدولة العظمى في الشرق الأوسط. ويشير كثيرون من أنبياء العهد القديم إلى آشور فيونان النبي وهو من إسرائيل وقام بعمله النبوي في أوائل القرن الثامن قبل الميلاد، نادى في نينوى عاصمة آشور وأعلن قضاء الرب عليها ما لم تتب فتابت ورجعت عن شرها. وتتنبأ كل من عاموس (ص5: 27و6: 14) وهوشع(10: 6و11: 5) بأن آشور ستغزو إسرائيل وتأخذ شعبها من السبي وبأن هذا هو قضاء الله العادل على شر إسرائيل. وجاء الوعد لآحاز الملك على فم أشعياء النبي بأن الآشوريين سينقذون يهوذا من الآراميين والإسرائيليين الذين كانوا تحالفوا لعمل حرب ضد يهوذا في ذلك الحين(ص7: 1- 20) أي أنها الوسيلة التي يوقع بها الله العقاب على شعوب ذلك العصر، ولكنه يعلن بأن دور آشور لا بد آت وبأن العقاب سيحل بها لسبب كبريائها(ص 10: 21). ولما حاصر الآشوريون أورشليم جاء الوعد للملك حزقيا على فم أشعياء النبي بأن الله سيدافع عن المدينة. وفعلاً مات عدد كبير من جنود آشور وانسحب سنحاريب بقواته ونجت أورشليم(أش ص 36و37). وتعلن نبوة ناحوم مجيء الخراب الذي سيقع على نينوى حتماً بسبب قسوتها في نهب وسلب وتخريب بلاد كثيرة. وقد كان لآشور ثقافة ناهضة في كثير من النواحي المادية ولكنها كانت ناقصة كثيراً في النواحي الخلقية والمعنوية. واللغة الآشورية إحدى اللغات السامية، وهي قريبة الشبه جداً باللغة البابلية. وكان الآشوريون يكتبون على لوحات طينية أو حجرية وكانوا يكتبون أحرفاً تشبه المسامير في شكلها ولذا سمي خطهم بالخط المسماري Cuneiform وكانوا يشبهون البابليين في كتابتهم. وتثبت السجلات الآشورية التاريخية الدقيقة الكثير من الحقائق المذكورة في أسفار العهد القديم وتؤيدها. وتكمل التاريخ المدون فيها وبخاصة في سفري الملوك وفي الأسفار النبوية. وقد حفظ الكثير من الآداب السومرية والبابلية في المكتبة الآشورية التي كانت في نينوى. ومن ضمن هذه الآداب قصة للطوفان فيها أوجه شبه كثيرة مع قصة الطوفان في أيام نوح. أما في إقامة مبانيهم العامة فقد كان الآشوريون يستخدمون الحجارة واللبن، بينما كان البابليون يستخدمون اللبن فقط. وقد اتبع الآشوريون نهج البابليين في بناء منابر هياكلهم. زكانوا يزخرفون أبنيتهم كالبابليين وكانوا يستخدمون في هذه الزخرفة البلاط اللامع أو الحجر أو الرخام المنقوشين نقشاً بارزاً. وكانت هذه الزخارف ذات رونق وجمال فائقين وبخاصة في الآثار التي جاءت من عصر آشور بانيبال. وقد اكتشفت في كثير من المدن الآشورية تماثيل هائلة الحجم مصنوعة من الحجر، وكانت توضع على جانبي أبواب الهياكل والقصور. وكان الآشوريون يسمون هذه التماثيل ((شيدو)). وكانت تمثل حيوانات لها رؤوس بشرية وأجنحة وأما أجسامها فكانت أجسام أسود أو ثيران. ويرى بعض العلماء شبهاً كبيراً بين هذه التماثيل ((شيدو)) وبين وصف حزقيال للكروبيم(حز 1: 5- 14). وكان الآشوريون يعبدون آلهة كثيرة. أما إلههم الرئيسي فكان آشور وهو اله الحرب وكانوا يمثلونه في شكل رامٍ للسهام داخل دائرة تمثل قرص الشمس ولها أجنحة. وكانت أشتارا الآلهة العظيمة للحرب والخصب وكانت الآلهة الأخرى تمثل قوى الطبيعة. وكان ((أنو)) يمثل قوة السماء و(0بل)) يمثل الأرض و((ايا)) تمثل المياه و((سين)) يمثل القمر و((شماش)) تمثل الشمس و((رمان)) تمثل العاصفة، والخمسة الكواكب السيارة التي كانت معروفة حينئذٍ. وكان معظم هذه الآلهة يعبد في بابل فيما عدا الاله ((آشور)). ويفخر ملوك آشور في سجلاتهم بقوتهم الحربية ومعاملتهم الأمم المغلوبة على أمرها بكل صنوف القسوة. وكانوا كذلك يباهون بوسائل التعذيب التي كان يعذب بها الأسرى الذين يقعون في أيديهم وقد أدخلوا وسائل جديدة وآلات للحصار لم تكن معروفة من قبل، وكانوا أول من قام بترحيل شعوب الأمم المنهزمة على نطاق واسع من بلادهم إلى بلاد أخرى وإحلال شعب آخر محلهم كما فعلوا بإسرائيل.







28
ديانة الصابئة هي اول الاديان السماوية خلقاً ، واتباعها يتبعون نبي الله ورسولة آدم اب الذرية البشرية عليه السلام ، واتباع هذا الدين كانوا منتشرين في بلاد الرافدين وفلسطين ما قبل المسيحية ولا يزال بعض من أتباعها موجودين في العراق حيث أن مقر رئاسة الطائفة يقع في بغداد في العراق كما أن هناك تواجد للصابئة في إقليم الأحواز في ايران إلى الآن ويطلق عليهم في اللهجة العراقية "الصبّة" كما يسمون وكلمة الصابئة فهي مشتقة من الجذر (صبا) والذي يعني باللغة المندائية اصطبغ, غط أو غطس في الماء وهي من أهم شعائرهم الدينية وبذلك يكون معنى الصابئة أي المصطبغين بنور الحق .

بعض علماء اللغة اختلف في أصل كلمة الصابئة وأرجعها إلى الجذر العربي (صبأ) والذي يعني خرج وغير حالته في حين يدعم البعض نظرية الأصل الآرامي المندائي نظرا للعثور على آثار مندائية قديمة  تدعو الديانة الصابئية للإيمان بالله ووحدانيته ويسمى بالحي العظيم أو الحي الأزلي حيث جاء في كتاب المندائيين المقدس كنزا ربا أن الحي العظيم أنبعث من ذاته وبأمره وكلمته تكونت جميع المخلوقات والملائكة التي تمجده وتسبحه في عالمها النوراني كذلك بأمره تم خلق آدم وحواء من الصلصال عارفين بتعاليم الدين المندائي وقد أمر الله آدم بتعليم هذا الدين لذريته لينشروه من بعده.

يؤمن الصابئة بعدد من الأنبياء وأن الله قد أوحى لهم بتعاليم المندائية وهم :

آدم، شيت بن آدم (شيتل)، سام بن نوح، يحيى بن زكريا (يهيا يوهنا).

ولكن اسمهم ارتبط النبي إبراهيم الخليل الذي عاش في مدينة اور السومرية ـ مدينة الهة القمر إنانا ـ منتصف الالف الثالث قبل الميلاد، وكان إبراهيم عليه السلام أول من نبذ الاصنام ودعا لرب واحد عظيم القدرة اطلق عليه السومريون اسم [ لوگـال ـ ديمير ـ آن ـ كي ـ آ ] ملك الهة ما هو فوق وما هو تحت [ رب السماوات والأرض]. آمن الصابئة المندائيون بتعاليم إبراهيم واحتفظوا بصحفه ومارسوا طقوس التعميد التي سنها لهم واستمروا عليها إلى يومنا هذا. وقد هاجر قسم منهم مع النبي إبراهيم إلى حران والقسم الآخر بقي في العراق، وقد عرفـوا فيما بعد بـ [ ناصورايي اد كوشطا ] اي حراس العهد الذين أسسوا بيوت النور والحكمة [أي ـ كاشونمال ] ـ بيت مندا أو (بيت المعرفة) فيما بعد ـ على ضفاف الأنهار في وادي الرافدين لعبادة مار اد ربوثا (الله ـ رب العظمة)، واتخذوا من الشمال (اباثر) الذي دعاه السومريون ((نيبورو)) قبلة لهم لوجود عالم النور (الجنة).

كما ارتبطت طقوسهم وبخاصة طقوس الصباغة المصبتا، بمياه الرافدين فاعتبروا نهريها ادگـلات وپـورانون (دجلة والفرات) انهارا مقدسة تطهر الارواح والاجساد فاصطبغوا في مياهها كي تنال نفوسهم النقاء والبهاء الذي يغمر آلما د نهورا (عالم النور) الذي اليه يعودون.

ورد مفهوم الاغتسال والصباغة في العديد من النصوص المسمـارية حيث كتب الشاعر السومري في مرثية مدينة اور: ((شعب الرؤوس السوداء ما عادوا يغتسلون من أجل اعيادك، اناشيدك تحولت إلى أنين، مدينة اور مثل طفل في شارع مهدم، يفتش لنفسه عن مكان امامك)).

كتب الصابئة المقدسة :  للصابئة كتب مقدسة اهمها كتاب الله جنزاربا او كتاب گِنزاربا " مبارك اسمه " وكتاب دراشا اد يهيا مواعظ وتعاليم النبي يحيى بن زكريا .

كتاب كنزاربا : الكنز العظيم : كتاب گِنزاربا : هو الكتاب المقدس الرئيسي لطائفة الصابئة عربياً يكتب جنزاربا ويلفظ گِـنـزاربا ويعني اسمة الكنز العظيم ويسمى باللغة الصابئية ب ( صحف آدم ، الكنز العظيم ، الكتاب الاول ) ، وهو كتاب يجمع صحف آدم وسام وشيت ونوح وأدريس ويحيى مباركة اسمائهم ، ويقع في 600 صفحة وهو بقسمين يمين وشمال ، من جهة اليمين يتضمن اسفار التكوين ، وتعاليم الحي العظيم ، والصراع الدائر بين الخير والشر ، والنور والظلام ، و هبوط النفس في جسد آدم (م . أ ) وكذلك يتضمن تسبيحات للخالق وأحكام فقهية ودينية ، ويشمل الشمال قضايا النفس وما يحقها من عقاب وثواب واحكام اخرى ، الكتاب تم ترجمته من اللغة المندائية الى اللغة العربية عام 2000 نشر مؤخراً على شبكة الانترنت ترجمة هذا الكتاب على موقع نداء الحق الصابئي .

أركان الديانة : ترتكز الديانة الصابئية على خمسة أركان هي:

التوحيد (سهدوثا اد هيي) وهي الاعتراف بالحي العظيم (هيي ربي) خالق الكون.
حيث جاء في كتاب الصابئةالمقدس كنزا ربا { لا أب لك ولا مولود كائن قبلك ولا أخ يقاسمك الملكوت ولا توأم يشاركك الملكوت ولا تمتزج ولا تتجزأ ولا انفصام في موطنك جميل وقوي العالم الذي تسكنه}

الصباغة(مصبتا) يعتبر من أهم أركان الديانة الصابئية واسمهم مرتبط بهذا الطقس وهو فرض واجب على الصابئي ويرمز للارتباط الروحي بين العالم المادي والروحي والتقرب من الله.
و يجب أن يتم في المياه الجارية والحية لأنه يرمز للحياة والنور الرباني. وللإنسان حرية تكرار التعميد متى يشاء حيث يمارس في أيام الآحاد والمناسبات الدينية وعند الولادة والزواج أو عند تكريس رجل دين جديد. وقد استمد المسيحيون طقس الصباغة اي كما يسمونة التعميد من الصباغة الصابئية حين صبغ نبي الله يحيى بن زكريا عيسى في نهر الاردن .

و قد حافظ طقس الصباغة على أصوله القديمة حيث يعتقد بأنه هو نفسه الذي ناله عيسى بن مريم (المسيح) عند صباغتة من قبل يهانا الصابغ بالدين الصابئي ، يحيى بن زكريا باللغة العربية والاسلام و(يوحنا المعمدان بالدين المسيحي ).

الصلاة (ابراخا) وهي فرض واجب على كل فرد مؤمن يؤدى ثلاث مرات يوميا (صباحا وظهرا وعصرا) وغايته التقرب من الله. حيث ورد في كتابهم المقدس {و أمرناكم أن اسمعوا صوت الرب في قيامكم وقعودكم وذهابكم ومجيئكم وفي ضجعتكم وراحتكم وفي جميع الأعمال التي تعملون } ، ويختلف الصابئة عن غيرهم من الاديان بعدم وجود صلاة جماعية كما في الدين الاسلامي عندما يام الإمام بالمسلمين يوم الجمعة او عند المسيحيين عندما يرتل القس الصلاة ويرددها بعدة الحضور يوم الاحد .
و يسبق الصلاة نوع من طقوس الاغتسال يدعى (الرشما) وهو مشابه للوضوء عند المسلمين حيث يتم غسل أعضاء الجسم الرئيسية في الماء الجاري ويرافق ذلك ترتيل بعض المقاطع الدينية الصغيرة. فمثلا عند غسل الفم يتم ترتيل (ليمتلئ فمي بالصلوات والتسبيحات) أو عند غسل الأذنين (أذناي تصغيان لأقوال الحي).

الصيام وله نوعان
الصيام الكبير (صوما ربا) وهو الامتناع عن كل الفواحش والمحرمات وكل ما يسيء إلى علاقة الإنسان بربه ويدوم طوال حياة الإنسان. حيث جاء في كتابهم { صوموا الصوم العظيم ولا تقطعوه إلى أن تغادر أجسادكم، صوما صوما كثيرا لا عن مآكل ومشرب هذه الدنيا.. صوموا صوم العقل والقلب والضمير}.
الصيام الصغير وهو الامتناع عن تناول لحوم الحيوانات وذبحها خلال أيام محددة من السنة تصل إلى 36 يوما لاعتقادهم بأن أبواب الشر مفتوحة تكون عندها مفتوحة على مصراعيها فتقوى فيها الشياطين وقوى الشر لذلك يسمونها بالأيام المبطلة.
الصدقة (زدقا) ويشترط فيها السر وعدم الإعلان عنها لأن في ذلك إفساد لثوابها وهي من أخلاق المؤمن وواجباته اتجاه أخيه الإنسان. حيث جاء في كتابهم {أعطوا الصدقات للفقراء واشبعوا الجائعين واسقوا الظمآن واكسوا العراة لان من يعطي يستلم ومن يقرض يرجع له القرض} كما جاء أيضا { إن وهبتم صدقة أيها المؤمنون، فلا تجاهروا إن وهبتم بيمينكم فلا تخبروا شمالكم، وإن وهبتم بشمالكم فلا تخبروا يمينكم كل من وهبة صدقة وتحدث عنها كافر لا ثواب له}.
يتجه الصابئة المندائيون في صلاتهم ولدى ممارستهم لشعائرهم الدينية نحو جهة الشمال لاعتقادهم بأن عالم الأنوار (الجنة) يقع في ذلك المكان المقدس من الكون الذي تعرج إليه النفوس في النهاية لتنعم بالخلود إلى جوار ربها, ويستدل على اتجاه الشمال بواسطة النجم القطبي.


المحرمات
•التجديف باسم الخالق (الكفر)
•عدم أداء الفروض الدينية
•القتل
•الزنا من الكبائر المؤدية إلى النار
•السرقة
•الكذب، شهادة الزور، خيانة الأمانة والعهد، الحسد، النميمة، الغيبة، التحدث والإخبار بالصدقات المُعطاة، القسم الباطل
•عبادة الشهوات
•الشعوذة والسحر
•الختان
•شرب الخمر
•الربا
•البكاء على الميت ولبس السواد
•تلويث الطبيعة والأنهار
•أكل الميت والدم والحامل والجارح والكاسر من الحيوانات والذي هاجمه حيوان مفترس
•الطلاق (إلا في ظروف خاصة جدا)
•الانتحار وإنهاء الحياة والإجهاض
•تعذيب النفس وإيذاء الجسد




29
القديسه صوفيا وهي قديسه قبطية من مصر ،ذاع صيتها في العالم كله وتم بناء كاتدرائيه على اسمها قي عهد الامبراطور قسطنطين بالقسطنطينيه وتم نقل جسدها لتتبارك القسطنطينيه بهذه القديسه وظلت هذه الكاتدرائيه مقرا لبطريركيه القسطنطينيه إلا انه في ظل العهد العثماني خربت وتحولت إلي مسجد إسلامي ويطلق علي هذه الكاتدرئيه الآن آيا صوفيا في اسطنبول.

حياتها : ولدت القديسه صوفيا قي مدينة البدرشين بمصر وكانت في بداية حياتها تعبد الاوثان. وكان يوجد بجوارها جارات مسيحيات يعشن بروح المحبه والوداعه، مواظبات على الذهاب إلى الكنيسه وقد حركتهن مشاعرهن لتعليم صوفيا طريق الحياه الابديه والذهاب إلى الكنيسه ومبادئ الدين المسيحي فقبلت صوفيا هذا الايمان وبخاصة انها لمست فيهن روح المحبه فأمنت وأخذت تسير معهن حتى بعد ايام ليست بكثيره طلبت سر المعموديه وعمدها أسقف منف ونمت قي الفضيله ملازمه الصلاه والصوم ومحبة الفقراء.

وقد رامت أخبار إلى أقلوديوس الوالى بأن صوفيا الوثنيه صارت مسيحيه فأمر بأحضارها ومحاكمتها، فلما مثلت بين يديه سألها عن معتقدها، اجابته بأنها عمياء، وانها كانت تعبد الاوثان ثم أنها ابصرت وصارت مسيحيه. لقد أعطانها يسوع المسيح حياه من بعد موت. فرأي انها بذلك قد اغضبط الالهه بكلامها هذا وأمرها بالعوده إلى عبادة الاوثان لكى لا تجلب الغضب عليها، وأجابته صوفيا بأن هذه الالهه لا تزيد عن كونها حجاره لا تنفع ولكن تضر فكيف تأخذها لك إلهه فهى ليس بها مشاعر لكى تغضب كما تقول لى أما أنا فلن أغضب الاله يسوع المسيح.

عندما سمع الوالي ما قالته صوفيا أمر جنده بضربها بسياط من اعصاب البقر. ومع ذلك كانت صوفيا تصلى لكى يعطى ربها نعمة البصيره الروحيه للجميع كما نعمت بها هي ولم يكتفى هذا الوالي بضرب السياط بل تمادى في التعذيب وأمر بكى مفاصلها بالنار، ولكنها اصرت علي ديانتها المسيحيه وكانت تصرخ بأنها مسيحيه أثناء عذابها وتكرر في اعترافها بالديانة المسيحيه وأرسل أقلوديوس الوالى زوجته تلاطفها وتعدها بمواعيد كثيرة، فلم تمل إلى كلامها حتي أمر الوالي بقطع لسلنها، ثم حبسها قي سجن مظلم بينما كانت صوفيا تصلي لربها طابه غفران للذين عذبوها واضطهدوها.

أخيرا أمر الوالى أقلوديوس بقطع رأسها فصلت صوفيا صلاة طويلة وسألت ربها أن يسامح الملك وجنده بسببها. ثم أحنت عنقها للسياف فقطع رأسها. وأخذت أمراه قبطيه آخري كانت ترافقها جسدها بعد أن أعطت للجنود مالا كثيرا ولفته بلفائف ثمينة، ووضعته في منزلها، وكانت تظهر منه عجائب ومعجزات كثيرة. وكانوا يوم عيدها ينظرون نورا عظيما يشع من جسد القديسه صوفيا وتخرج منه روائح طيبة وتمت معجزات كثيرة من جسد القديسه.

سمع الملك قسطنطين وأمه الملكه هيلانه بالكثير من المعجزات التي تتم علي اسم القديسه وجسدها في مصر ،أمر بنقل جسد صوفيا القبطيه إلى مدينة القسطنطينية بعد أن بنى له كنيسة عظيمة ووضعوه فيها تكريما لها. تعيد الكنيسه القبطية المصرية بعيد أستشهادها قي السادس من شهر توت حسب التقويم القبطي.


كاتدرائيه آيا صوفيا : آيا صوفيا أو آجيا صوفيا بمعني القديسة صوفيا هي كاتدرائية سابقة ومسجد سابق وحاليا متحف يقع بمدينة إسطنبول ،بدأ الإمبراطور جستنيان في بناء هذه الكنيسة عام 532م، وأستغرق بنائها حوالي خمس سنوات حيث تم أفتتاحها رسمياً عام 537م، ولم يشأ جستتيان أن يبني كنيسة على الطراز المألوف بل كان دائما يميل إلى ابتكار الجديد. فكلف المهندسين المعماريين Miletus of Isidoros وAthemius of Tracies ببناء هذا الصرح الدينى الضخم وكلاهما من آسيا الصغرى ويعد ذلك دليلا واضحا على مدى تقدم دارسي البناء في آسيا الصغرى في عهد جستنيان بحيث لم يعد هناك ما يدعو إلى استدعاء مهندسين من روما لإقامة المباني البيزنطية.

الكنيسة بنيت على أنقاض كنيسة أقدم أقامها الأمبراطور قسطنطين العظيم لجسد القديسة صوفيا القبطية. وقد احترقت الكنيسة القديمة في شغب، مما جعل الإمبراطور جستنيان يبدأ في إقامة هذه الكنيسة الرائعة.

كان بناء كنيسة أيا صوفيا على الطراز البازيليكى المقبب أو الـdomed Basilica ويبلغ طول هذا المبنى الضخم 100 متر وارتفاع القبة 55 متر أي انها أعلى من قبة معبد البانثيون، ويبلغ قطر القبة 30 متر. وقد جمعت كنيسة أيا صوفيا العديد من الافكار المعمارية التي كانت موجودة في ذلك الوقت بل هي تعتبر قمة المعمار البيزنطى في مجال البازيليكات. فالكنيسة مستطيلة الشكل على الطراز البازيليكى بالإضافة إلى وجود القبة في المنتصف على جزء مربع ،و يتقدم المبنى الـ Atrium الضخم الامامى المحاط بالـ Porticus من الثلاثة جوانب ثم الـ Natthex والـ Esonarthex ثم الصالة الرئيسية Nave والصالات الجانبية Aisles، ترسو فوق الصالة الرئيسية القبة الضخمة التي تستند على المبنى مربع سفلى، أو كانه عبارة عن دعامات ضخمة تحمل فوقها عقود كبيرة تحصر بينهما المقرنصات أو الـ Pendentives التي تحمل قاعدة القبة. وتستند القبة من الشرق والغرب على انصاف قباب ضخمة وترسو بدورها على عقود ودعامات سفلية تخفف الضغط على الحوائط, القبة من الداخل مغطاه بطبقة من الرصاص لحمايتها من العوامل الجوية، وكما سبق ان وضحنا تفتح في اسفلها النوافذ للاضاءة. تقع الحلية في الشرق أيضا وهي مضلعة الشكل في حين ان المعمودية في الجنوب.

ويوجد بالفناء درج يؤدى إلى الطابق العلوى المخصص للسيدات اضيف لهذا المركز الدينى بعد ذلك مجموعة من المبانى الدينية الملحقة به والتي كانت تتصل بطريقة ما بالمبنى الرئيسى، فنجد مجموعة من الكنائس الصغيرة أو Chapelsالتي تحيط بالمبنى والعديد من الحجرات سواء كانت لرجال الدين أو لخدمة أغراض الصلاة.





30
أحداث مجمع خلقيدونية : بدأ مجمع خلقيدونية أعماله في الثامن من تشرين الأول سنة 451 في خلقيدونية. وتكون من عدد كبير من الاساقفة في مختلف ارجاء سوريا وما حولها.
الوفد الأنطاكي: وتألف الوفد الأنطاكي السوري من مئة وثلاثين أسقفاً وذلك على الوجه التالي:

أساقفة سورية الأولى: مكسيموس أسقف أنطاكية وماراس أسقف خناصير (جنوب شرق حلب على بعد ستين كيلومتراً عنها) وثيوكتيستوس أسقف حلب ورومولوس أسقف قنسرين وبوليكاريوس أسقف جبلة وبطرس أسقف الجبّول ومكاريوس أسقف اللاذقية وسابا أسقف بلدة وجيرونتيوس أسقف سلفكية.
أساقفة سورية الثانية: دومنوس أسقف أبامية ومرقس أسقف الرستن وتثموثاوس أسقف بلنياس وافتيخيانوس أسقف حماه وملاتيوس أسقف شيزر وبولس أسقف مريمين إلى شرقي المشتى ولمباذيوس أسقف رفنية وافسابيوس أسقف جسر شغور.
أساقفة أسورية: وهم اثنان وعشرون أولهم باسيليوس أسقف سفلكية الساحلية ويأتي بعده يعقوب أسقف أنيموريون واكاكيوس أسقف أنطاكية.
أساقفة قيليقية الأولى: ثيودوروس أسقف طرسوس وفيليبوس أسقف ادنه وثيودوروس أسقف أوغسطة وخمسة آخرون.
أساقفة قيليقية الثانية: كيروس أسقف عين زربة ويوليانوس أسقف الإسكندرية وباسيانوس أسقف موبسوستي ويوليانوس أسقف أرسوز وخمسة آخرون.
أساقفة الفرات: اسطفانوس اسقف منبج وقوزمة قورش وتيموثاوس أسقف دولك وداود أسقف جرابلس ويوحنا أسقف مرعش وبتريقيوس أسقف صفين وماراس أسقف روم قلعة واثناثيوس أسقف بيرين ومايانوس أسقف الرصافة وروفينوس أسقف سيمساط واوراتيوس أسقف سوريه وسوره على الفرات وايفولغيوس أسقف بلقيس.
أساقفة الرها: نونوس أسقف مدينة الرها ودانيال أسقف بيرة جك ودميانوس أسقف الرقة وإبراهيم أسقف كيراسيوم ولعلها قرقيسيون بالقرب من الرقة عند مصب الخابور في الفرات وصفرونيوس أسقف قسطنطينية ويوحنا أسقف حران اعالي الجزيرة السورية وقيومة أسقف مركوبوليس ويوحنا أسقف العرب.
أساقفة ما بين النهرين: سمعان أسقف أمد وماراس أسقف غزى (وهي مجهولة الموقع) وقيومة أسقف آنجل ونوح أسقف كيفا وزبنوس أسقف ميافارقين وافسابيوس أسقف صوفانة.
أساقفة العربية جنوب سوريا : قسطنطين أسقف بصرى وبروكلوس أسقفة درعا ومالك أسقف مسمية، وثيودوسيوس أسقف القنوات وسُليم أسقف قسطنطينة اللجا منطقة اللجا جنوب سوريا في السويداء، وماراس أسقف السويداء ويوحنا أسقف الصنمين وزوسيس أسقف حسبان واناستاسيوس أسقف حران وبلانكوس أسقف جرش وغيانوس أسقف مادبا وسويروس أسقف نوى وغوطوس أسقف مشنّف مشنف في السويداء وافلوجيوس أسقف عمان وهورميداس أسقف شهبا ونونوس اسقف اذرع.
أساقفة فينيقية الأولى والساحلية: فوطيوس أسقف صور والكسندروس أسقف طرطوس وبولس أسقف أرواد (جزيرة أرواد مقابل طرطوس) وايراقليطس أسقف عرقة وافستاثيوس أسقف بيروت ويورفيريوس أسقف بترون وبطرس أسقف جبيل وفوسفوروس أسقف عرطوز واوليمبوس أسقفبانياس وتوما أسقف النبي يونس Porphyreon وبولس أسقف عكا ودميانوس أسقف صيداوثيودوروس أسقف طرابلس.

أساقفة فينيقية الثانية : ثيودوروس أسقف دمشق ويردانوس أسقف سوق وادي بردى (في الغوطة) وثيودوروس أسقف مهين وأورانيوس أسقف حمص وتوما أسقف جوارين ويوسف أسقف بعلبكبعلبك وافسابيوس أسقف يبرود وفاليريوس أسقف قطيبة ويوحنا أسقف تدمر وافستاثيوس أسقف العرب.
الوفود الأخرى: وتألف الوفد الروماني من الأسقفين باسكاسينوس ولوشنتيوس والقسين بونيفاتيوس وباسيليوس وانضم إليهما يوليانوس أسقف جزيرة كوس للمرة الثانية. وجاء ديوسقوروس ووراءه سبعة عشر أسقفاً. وانضم إلى هؤلاء أساقفة آسية وتراقية واليونان واليرية وأفريقيا. ومثل الدولة الرومانية أناتوليوس القائد الكبير وبلاذيوس برايفكتوس الشرق وتاتيانوس برايفكتوس العاصمة وخمسة عشر موظفاً.

الجلسة الأولى
افتتحت أعمال المجمع في الثامن من تشرين الأول في كنيسة القديسة افيمية في خلقيدونية بحضور هذا العدد الكبير من الأساقفة (وصل عدد الآباء في هذا المجمع لـ 600) ووجود عدد من وجهاء الدولة والاساقفة السوريون في صدر المجمع أمام الباب الملوكي وعن يسارهم نواب رومة القديمة وأناتوليوس أسقف رومة الجديدة فمكسيموس أسقف أنطاكية وعن يمينهم ديوسقوروس أسقف الإسكندرية يوبيناليوس أسقف أورشليم ثم سائر الأساقفة من الجهتين.

وبعد الافتتاح قام باسكاسينوس ووقف في وسط المجمع وقال لعظماء الدولة: "إن أسقف مدينة الرومانيين الرسولي الجزيل الغبطة رأس جميع الكنائس أمرنا أن نخاطبكم بأن لا يجلس معنا ديوسقوروس أسقف الإسكندرية. فإما أن يخرج هو وإما أن نخرج نحن". فرأى ممثلو السلطة أن يجلس ديوسقوريوس في وسط المجمع فجلس. ثم وقف افسابيوس أسقف دورلة ودفع كتاباً مضمونه ملخص ما جرى من التلصص في أفسس. وبعد أخذ ورود اقترح ممثلو السلطة قطع كل من ديوسقوروس الإسكندرية ويوبيناليوس أورشليم وثلاثيوس قيصرية وافسابيوس أنقيرة وافستاثيوس بيروت وباسيليوس سلفكية باعتبارهم زعماء التلصص في أفسس. ثم ارتفعت الجلسة فخرج الآباء يرددون: "قدوس الله قدوس القوي قدوس الذي لايموت ارحمنا" وهي أول مرة يرد فيها ذكر التريصاجيون في تاريخ الكنيسة. وهتفوا بعد ذلك قائلين: "لتكن سنو الأمبراطور عديدة! المسيح أسقط ديوسقورس القاتل! قدوس الله قدوس القوي قدوس الذي لا يموت ارحمنا".

الجلسة الثانية
في العاشر من تشرين الأول وظل ديوسقوروس ويوبيناليوس وسائر المتهمين بأعمال التلصص في أفسس خارج المجمع. فطلب ممثلو السلطة من الآباء المجتمعين أن ينظروا في أمر الإيمان وأن يتفقوا على صيغة نصبح هي المعول عليها. فذكر الآباء أن المجمع المسكوني الثالث حرم أي تعديل في قانون الإيمان النيقاوي. ولكن نظراً لإلحاح السلطة فإن الآباء أصغوا إلى نصوص رسائل كيرلس إلى نسطوريوس ويوحنا وإلى "الطوموس" رسالة لاون إلى فلابيانوس الشهيد. فهتف معظم الآباء هذا هو إيمان الآباء هذا إيمان الرسل. جميعنا هكذا نؤمن. الأرثوذكسيون هكذا يؤمنون. محروم من لا يؤمن هكذا. بطرس نادى بهذا التعليم بواسطة لاون. كيرلس هكذا علم. محروم من لا يؤمن هكذا. وتردد أساقفة فلسطين وطلبوا شرح الطوموس ولم يتخذ أساقفة مصر موقفاً معيناً نظراً لتغيب رئيس وفدهم ديوسقوروس. وقبيل ارفضاض الجلسة هتف بعض الاليريين للأساقفة المتهمين.

الجلسة الثالثة
التأم المجمع في جلسته الثالثة في الثالث عشر من تشرين الأول وفي كنيسة مجاورة لكنيسة القديسة افيمية تضم رفاة بعض الشهداء. وتغيب ممثلو السلطة. ونهض افسابيوس أسقف دورلة وقرأ مذكرة جديدة يبين فيها هفوات ديوسقوروس وذنوبه. ثم تلاه أربعة اكليريكيين اسكندريين انتقدوا ديوسقوروس من حيث موقفه من أسرة سلفه كيرلس وقساوته وظلمه ومن حيث طمعه بالمال وجشعه في جمعه. فدعا المجمع ديوسقوروس ثلاث مرات فلم يحضر فقال باسكاسينوس -مترأس المجمع- لقد دعي ديوسقوروس ثلاث مرات ولم يحضر فماذا يستحق هذا الذي يزدري بالمجمع؟ فقال المجمع: يستحق جزاء العصاة. ثم قال لوقيانوس أسقف بيزا ونائب أسقف هرقلية: لقد أجرى المجمع المسكوني السابق أعمالاً ضد نسطوريوس فلنقف على إجراءاته ولنعمل بموجبها. فقال باسكاسينوس: أتأمرون أن نطبق في حقه عقوبات كنسية؟ فقال المجمع: "إننا نوافق على ما هو حسن". وخاطب الأسقف يوليانوس وفد رومة وطلب إلى رئيسه باسكاسينوس أن يبين القصاص المعين في القوانين. فقال باسكاسينوس: إني أكرر ماذا تستحسنون؟ فقال مكسيموس أسقف أنطاكية العظمى: "كل ما يستحسنه برّكم نوافق عليه". فاقترح باسكاسينوس قطع ديوسقورس لأنه برَّأ أوطيخة وقبله في الشركة قبل اجتماع افسس ولأنه لم يسمح بقراءة رسالة لاون إلى المجمع ولأنه أصرّ على قطع العلاقة مع الأرثوذكسيين. فقال أناتوليوس أسقف رومة الجديدة: إني أعتقد في كل شيء مثل الكرسي الرسولي أوافق على قطع ديوسقوروس. وقال مكسيموس أسقف أنطاكية: إني أضع ديوسقوروس تحت العقاب الكنسي الذي فاه به لاون أسقف رومة القديمة وأناتوليوس أسقف رومة الجديدة. ووافق كثيرون آخرون فحكم على ديوسقوروس بالقطع. أما الأساقفة الباقون من المتهمين فإنهم قدموا ندامة ونالوا الصفح.

الجلسة الرابعة والخامسة
بحث الآباء في الجلستين الرابعة والخامسة أمر العقيدة. فنظروا في طوموس لاون على ضوء دستور الإيمان الذي سُنَّ في المجمعين المسكونين الأول والثاني وعلى ضوء تحديدات القديس كيرلس كما جاءت في أعمال المجمع المسكوني الثالث.وحاول برصوم أن يدافع عن ديوسقوريوس ولكنه لم يُفلح. فإنه ما كاد يطل على الآباء المجتمعين حتى تعالت الأصوات بوجوب خروجه. فقال البعض: "إلى الخارج أيها القاتل إلى المرسح المدرج إلى الوحوش الضارية". فخرج برصوم والوفد الذي كان يرافقه.

وأُلِّفت تمثل جميع الآراء في المجمع لتعد صورة اعتراف يبت في قضية الطبيعة الواحدة التي أثارها أوطيخة. فقامت هذه اللجنة بالمهمة الموكولة إليها خير قيام وتقدمت من المجمع في جلسته الخامسة بمشروع اعتراف هذا نصه:

إننا نعلّم جميعنا تعليماً واحداً تابعين الآباء القديسين. ونعترف بابن واحد هو نفسه ربنا يسوع المسيح. وهو نفسه كامل بحسب اللاهوت وهو نفسه كامل بحسب الناسوت. إله حقيقي وإنسان حقيقي. وهو نفسه من نفس واحدة وجسد واحد. مساوٍ للآب في جوهر اللاهوت. وهو نفسه مساوٍ لنا في جوهر الناسوت مماثل لنا في كل شيء ماعدا الخطيئة. مولود من الآب قبل الدهور بحسب اللاهوت. وهو نفسه في آخر الأيام مولود من مريم العذراء والدة الإله بحسب الناسوت لأجلنا ولأجل خلاصنا. ومعروف هو نفسه مسيحاً وابناً وربّاً ووحيداً واحداً بطبيعتين بلا اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال من غير أن يُنفى فرق الطبائع بسبب الاتحاد بل إن خاصة كل واحدة من الطبيعتين ما زالت محفوظة تؤلفان كلتاهما شخصاً واحداً واقنوماً واحداً لا مقسوماً ولا مجزّءاً إلى شخصين بل هو ابن ووحيد واحد هو نفسه الله الكلمة الرب يسوع المسيح كما تنبأ عنه الأنبياء منذ البدء وكما علّمنا الرب يسوع المسيح نفسه وكما سلّمنا دستور الآباء.

الجلسة السادسة
في الخامس والعشرين من تشرين الأول حضر الأمبراطور بشخصه وخطب في الآباء فحضهم على استقامة الرأي والسلام. وتلي تحديد المجمع فأمضى عليه الآباء وصدق الأمبراطور على القرارات والنتائج.
نتائج مجمع خلقيدونية
نفي البابا ديوسقورس فجعل اقامته جبرية في كنغريس افلاغونية
انفصال تدريجي لكنائس مصر والحبشة وسوريا وأرمينيا قسمت الكنيسة إلى شطرين :

- الكنائس الغير خلقيدونية: وتضم الكنيسة القبطية (ومعها الحبشية)، وكنيسة أنطاكية ،وكنيسة أورشليم، وكنائس آسيا الصغرى -عدا القسطنطينية التي كنائس آسيا الصغرى- ظلت متمسكة بقرارات المجامع الأولى ومعتقدات أثناسيوس وكيرلس وديسقوروس في طبيعة واحدة للمسيح أي اتحاد اللاهوت بالناسوت بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. (وحالياً الكنائس الشقيقة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية هي الكنيسة الحبشية والإريترية والسريانية والهندية والأرمنية).

2- الكنائس الخلقيدونية: تضم كنيسة رومية، وكنيسة القسطنطينية - اللتين اعتنقتا المعتقَد القائل بأن للمسيح طبيعتين ومشيئتين.



صور وبيروت: ونظر الآباء في الجلسة الرابعة في الدعوة التي أقامها فوطيوس أسقف صور على افستاثيوس أسقف بيروت. وخلاصة هذه الدعوة أن أناتوليوس أسقف القسطنطينية وهب افستاثيوس أسقف بيروت لمناسبة ارتقائه إلى رتبة متروبوليت الرئاسة على أسقفيات جبيل والبترون وطرابلس وعرطوز وعكار وطرطوس وذلك بعد أن كانت هذه جميعها خاضعة لمتروبوليت صور. فلام المجمع أناتوليوس على هذا التعدي وحكم بإرجاع هذه الأسقفيات إلى متروبوليت صور.
ثيودوريطس وإيبا: وفي الجلسة الثامنة فاه ثيودوريطس أسقف قورش لأول مرة بقطع نسطوريوس "وكل من لا يدعو مريم العذراء والدة الإله يجعل من الابن الوحيد اثنين". وحذا حذوه كل من صفرونيوس أسقف قسطنطينة الرها ويوحنا أسقف مرعش. فعرف المجمع جميع هؤلاء أرثوذكسيين. وفي الجلسة العاشرة تبرأ إيبا.
كنيسة أورشليم: وكان الآباء القديسون المجتمعون في نيقية في المجمع المسكوني الأول قد خصوا أسقف أورشليم بامتيازات معينة نجهلها وحافظوا في الوقت نفسه على حقوق متروبوليت الأبرشية أسقف قيصرية. وكان يوبيناليوس منذ أن تسلّم عكاز الرعاية قد بدأ يمارس صلاحيات أوسع بكثير مما سمح به العرف والتقليد. فإنه تشوّف إلى ممارسة السلطة في العربية وفي فينيقية فساك الأساقفة في هاتين الأبرشيتين. وزوَّر الوثائق وأبرزها في أفسس ليثبت حقاً لم يعرف به أحد. واعترض كيرلس سبيله وكشف أمره فسكت وبات ينتظر فرصة موآتية. فلما تعكّر الجو واجتمع الآباء لينظروا في أمر أوطيخة عاد إلى سابق مطلبه. وفي الجلسة السابعة من جلسات المجمع الخلقيدوني المنعقدة في السادس والعشرين من تشرين الأول سنة 451 تفاهم الأسقفان الأنطاكي والأورشليمي فاعترف مكسيموس بسلطة يوبيناليوس على أمهات المدن ببسان وقيصرية والبتراء. وامتنع يوبيناليوس عن المطالبة بأية صلاحية في فينيقية والعربية.
أسقف رومة الجديدة: وفي الجلسات الحادية عشرة إلى الرابعة عشرة حلَّت مسائل تتعلق بأساقفة آسية. وفي الجلسة الخامسة عشرة سنَّ المجمع ثلاثين قانوناً لا تزال سارية المفعول. وجاء في القانون التاسع أنه إذا وقع خلاف بين اكليريكي وبين متروبوليت الأبرشية يرفع إلى اكسرهوس الولاية وإلى الجالس على كرسي القسطنطينية. وجاء مثل هذا في القانون السابع عشر. ونص القانون الثامن والعشرون بالمساواة في الكرامة بين أسقفي رومة الجديدة ورومة القديمة. فاعترض الوفد الروماني على هذه المساواة.





اشوريونان داود
Ashur younan dawood
Master of Philosophy and Theology
Oceania\ NZ
ashuryounan@yahoo.com


31
انعقد سنة 451م يُعتبر من أهمّ المجامع، إذ نجم عن هذا المجمع انشقاقٌ أدّى إلى ابتعاد الكنائس الشرقيّة (: القبطيّة والأرمنيّة والسريانيّة) عن الشركة مع الكنيستين الرومانيّة والبيزنطيّة الذين يرون أن مجمع خلقيدونية المجمع المسكوني الرابع.
الكنائس الشرقيّة رفضوا اصطلاح "طبيعتين" الذي كان يوازي عندهم لفظة (شخصين). وكانوا يفضلون عليها تعابير أخرى وردت عند البابا كيرلّس مثل عبارة "طبيعة واحدة" في قولته الشهيرة: "طبيعة واحدة للإله الكلمة المتجسد"..
الخلقيدونيين يقولون إنه إن كان مجمع خلقيدونية سنة 451م قد سبب شقاقًا في الكنيسة، فإنهم يرون أن ما حدث كان رد فعل لمجمع أفسس الثاني عام 449م، الذي دعاه لاون أسقف روما بالمجمع اللصوصي، ويتهم المؤرخون واللاهوتيون القديس ديوسقورس بالعنف.

لسنة 449م إذ اقتنع الامبراطور الروماني ثيؤدوسيوس الثاني بعقد مجمع طلب من ديسقورس أن يمارس سلطته في المجمع كرئيس، وطلب من يوبيناليوس أسقف أورشليم وتلاسيوس أسقف قيصرية كبادوكية أن يكونا رئيسين شريكين معه.

إعاد مجمع أفسس الثاني اعتبار أوطيخا عقد المجمع الجلسة الأولى في 8 أغسطس عام 449م، وحضره 150 أسقف برئاسة البابا ديسقوروس وبحضور الأسقف يوليوس ممثل بابا روما، وجيوفينال أسقف أورشليم، ودمنوس أسقف أنطاكيا وفلافيان بطريرك القسطنطينية. وبعد استعراض وقائع مجمع أفسس الأول 431م، ومجمع القسطنطينية المكانى 448م، وقراءة اعتراف مكتوب لأوطيخا بالإيمان الأرثوذكسى قدّمه إلى المجمع مخادعاً. وبعد الاستماع إلى آراء الحاضرين؛ حكم المجمع بإدانة وعزل فلافيان بطريرك القسطنطينية ويوسابيوس أسقف دوروليم وبتبرئة أوطيخا وإعادته إلى رتبته الكهنوتية. كما حكم المجمع بحرم وعزل كل من هيباس أسقف الرها وثيئودوريت أسقف قورش وآخرين. حكم علي البابا ديسقورس فيما بعد ظلما في مجمع خلقيدونية سـنة 451م ومات في المنفي.

1.لم يعقد المجمع (أفسس الثاني) بناء على طلب البابا ديسقورس، ولم توجد بينه وبين الأباطرة رسائل مسبقة في هذا الشأن. هذا يعنى أن القديس ديوسقورس لم يكن يبغي نفعًا شخصيًا خطط له.
2.لم يصف الخطاب الإمبراطوري القديس ديسقورس بألقاب تكريم أكثر من غيره. هذا يعنى عدم وجود اتفاقات مسبقة بين الإمبراطور والقديس ديسقورس.
3.تكشف الرسائل الملوكية عن وجود اضطرابات لاهوتية متزايدة في إيبارشية القسطنطينية. كان طلب الإمبراطور من القديس ديسقورس هو الإسراع لوضع حد للمتاعب اللاهوتية. هذا ومما يجب مراعاته أن ديسقورس لم يعلن عن صيغة إيمان جديدة، بل كان يسعى للمحافظة على الصيغة التقليدية للإيمان الكنسي.
4.أُخذت القرارات بالتصويت، ولم نسمع أن أسقفًا من الحاضرين احتج أو انسحب من المجمع (غير فلابيانوس ويوسابيوس عند إصدار الحكم).
5.في الكلمة الافتتاحية التي ألقاها يوبيناليوس الأورشليمي، وصف لاون أسقف روما بـ "القديس"، "محب الله"، وأعطى لدومنوس أسقف إنطاكية لقب "محب الله"...هذه الألقاب تكشف عن روح المجمع.
6.عندما سأل لاون أسقف روما إمبراطور الغرب فالنتينوس وأمه وأخته بولشاريا للتوسط لدى ثيؤدوسيوس الثاني ليعقد مجمعًا آخر أرسل الأخير رسالة يمتدح فيها مجمع أفسس بأن خوف الرب كان يحكمه، وأن أعضاءه تمسكوا بالإيمان الحق وقوانين الآباء، وأنه قد فحص الأمر بنفسه وهو راضٍ.
7.في الرسالة الملوكية في افتتاح المجمع أعلن الإمبراطور منعه ثيؤدورت أسقف قورش من الحضور بسبب الآلام التي يعانيها المؤمنون، حتى الذين في القرى، من النساطرة. في الواقع لم يكن ديسقورس عنيفًا بل النساطرة كما شهد الإمبراطور نفسه بذلك.
8.لم ينطق القديس ديسقورس حتى اللحظة الأخيرة من انعقاد المجمع بكلمة ضد روما، بينما لاون في رسائله يشير إلى القديس ديسقورس بأنه "السفاح المصري" و"معلم أخطاء الشيطان" والباذل بقوة جهده لبث التجاديف وسط اخوته. وسنرى كيف أن أناطوليوس أسقف القسطنطينية وغيره قد رفضوا نَسْب الهرطقة للبابا الإسكندري.
9.من الطبيعي أن ينسب النساطرة العنف للبابا الإسكندري ليخفوا سلوكهم العنيف في مجمع القسطنطينية كما شهد الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني وأيضًا سلوكهم القاسي مع أوطيخا وأعوانه، وقد كتب أوطيخا في التماسه للأساقفة أنه [أكد أثناء محاكمته رغبته في إتباعه ما قد صمموا عليه، ولكن فلابيانوس رفض الالتماس، كما اعترض على العنف الذي استخدم ضده في المجمع وما بعد المجمع بواسطة العامة]. ونحن نعلم أن فلابيانوس قد حرم كثيرًا من قادة الرهبان لأنهم سندوا أوطيخا ضد الثنائية النسطورية.
10.إعادة اعتبار أوطيخا لم يكن خطأ ديسقورس أن المجمع أعاد اعتبار أوطيخا، وذلك للأسباب الآتية: أ. كتب لاون أسقف روما إلى بولشاريا قائلاً بأن أوطيخا انزلق في الهرطقة عن جهل منه، إن تاب فليعامل حسنًا. ب. أعلن أوطيخا عبارات أرثوذكسية مثل قوله: [فإنه هو نفسه، كلمة الله، نزل من السماء بلا جسد، صار جسدًا من ذات جسد العذراء دون أن يتغير أو يتحول، بطريقة هو نفسه يعلمها ويريدها. وهو الإله الكامل قبل الدهور هو بعينه صار إنسانًا كامل .

الخلاف العقيدى :
البحث الدقيق يبرهن أن البابا ديسقوروس لم يكن أوطاخياً، ولهذا لم يحكم عليه مجمع خلقيدونية لأسباب عقائدية، كما ذكر أناتوليوس بطريرك القسطنطينية رئيس المجمع في جلسة 22 أكتوبر عام 451م. كما أن البطريرك فلافيان والأسقف يوسابيوس لم يكونا نسطوريين. بعد وفاة البابا ديسقوروس انتخب في 16 مارس 457م البابا تيموثاوس الثاني (الشهير بأوريلُّوس) خليفة وتمكن في عهد الإمبراطور "باسيليسكوس" من عقد مجمع عام آخر في أفسس سنة 475م (يلقبه البعض مجمع أفسس الثالث) حضره 500 أسقف من سوريا واسيا الصغرى وغيرها. هذا المجمع حرم تعاليم أوطيخا وتعاليم نسطور ورفض مجمع خلقيدونية. وقد وقّع على قرار هذا المجمع 700 أسقف شرقى. لذين اتحدوا مع باباوات الإسكندرية جهاراً من بطاركة القسطنطينية هم: أكاكيوس 481م، وأفراويطاس 491م، وتيموثاوس الأول 511م، وأنتيموس 535م، وسرجيوس 608م، وثيوذوروس 666م، ويوحنا 721م.. وخلاف ذلك تقّر كنيسة القسطنطينية بالمذهب الخلقيدوني.

ثمّة مساعٍ بين هذه الكنائس كافّة لإعادة الوحدة فيما بينها نتج عنها تحقيق بعض الخطوات في هذا النحو. بعد قانون الوحدة -الذي وضعه لاهوتيّون من أنطاكية والإسكندرية- حصل اختلاف حول بعض التعابير الواردة فيه حسم البابا شنودة الثالث الخلاف العقيدى بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وبين الكاثوليك في هذه النقطة مع الكاثولـيك وتم الأتفاق بـأن المسـيح طبيـعة واحدة متحدة من الـلاهوت والناسوت بغير اختلاط ولا امتـزاج ولا تغيير لم تؤمن الكنيسة المصرية بالصورة التي وُصِفَت في مجمع خلقيدونية. وكانت ذلك يعني في المجمع، الإيمان بطبيعة واحدة. أما الأقباط فيؤمنون أن السيد المسيح كامِلاً في لاهوته، وكامِلاً في ناسوته، وهذان الطبيعتان مُتَّحِدَتان في طبيعة واحدة هي "طبيعة تَجَسُّد الكلمة"، والتي أوضحا البابا كيرلس السكندري. الأقباط إذن، يؤمنون بطبيعتان: "لاهوتية" و"ناسوتية"، وهما مُتَّحِدَتان بغير إختلاطٍ ولا إمتزاجٍ، ولا تغيير وهذا من الاختلافات التي حسبت ضد الكنيسة القبطية.

أسباب عقد مجمع خلقيدونية

تم رفض قرارات مجمع أفسس الثاني من قبل بابا روما واعداد كبيرة من الاساقفة ودعى الإمبراطور مرقيانوس والإمبراطورة بولخيريا لانعقاد مجمع خلقيدونية بناء على طلب أسقف روما فتم عقد مجمع خلقيدونية في مدينة خلقيدونية سنة 451 وحضره 330 أسقفاً (في رواية) و600 أسقف في روايةأخرى.
ويعتبر مجمع خلقدونية أكبر المجمعات، واتخذ قرارت هامة وذهب البعض إلى ان أوطاخي قد "دلّس به وخدع آباء المجمع الذين أقرّوا بأرثوذكسيته، وهذه الكنائس هي التي رفضت لاحقاً مجمع خلقيدونية وإن كان آباؤها قد قاموا في ذلك المجمع (خلقيدونية) بالحكم بهرطقة أوطاخي، أما الكنائس التي اعترفت بخلقيدونية فتطلق على مجمع إفسس الثاني المجمع اللصوصي  وترفض نتائجه. اعلن لاون (أسقف روما) طومسه قبل المجمع، وقام الإمبراطور مرقيون والإمبراطورة بوليخاريا بجمع التوقيعات عليه منذ عام 450 م - بغرض إعداد ورقة أساسية ضد اللاهوتيين الإسكندريين وإتهامهم بأن الأقباط اعتنقا البدعة الأوطاخية الذي سقط في الهرطقة أثناء مقاومته للنساطرة (ظن أوطاخى أن لاهوت المسيح (كلمة الرب الإله) أبتلع ناسوته أوجسده، أو أن جسده ذاب في لاهوته)، وحاول لاون أسقف روما تشوية صورة الكنيسة المصرية بنسب الأوطاخية لآبائها.

ويرى بعض المؤرخين ان مجمع خلقيدونية لعب دوراً هاماً في التأثير على الكنيسة أو أن رؤساء بعض الكنائس وجهت السياسة لصالحها على أى حال يقول Aloys Grillemeier الألمانى تحت الضغط المستمر من جانب الإمبراطور مرقيون وافق آباء خلقيدونية على وضع صيغة جديدة إيمانية.

البابا ديوسقورس ومجمع خلقيدونية

لم يقبل البابا لاون الأول نتائج مجمع أفسس الثاني 449م ومنح الحل الكنسى لثيئودوريت أسقف قورش وأعاده إلى الشركة. () وحدث أن الإمبراطور ثيئودوسيوس قد سقط من على ظهر جواده، مما أدى إلى وفاته في 28 يوليو عام 450م وتولت أخته بولكاريا السلطة وتزوجت من القائد مركيان، وأعلنت مركيان إمبراطوراً في 28 أغسطس من نفس العام. وفى 15 مايو عام 451م صدر المرسوم الإمبراطورى بعقد مجمع عام في نيقية. وبحلول أول سبتمبر وصل الأساقفة إلى نيقية ولكنهم أمروا أن يتجهوا إلى خلقيدونية القريبة من القسطنطينية. فاجتمع حوالي 500 أسقف في كنيسة القديسة أوفيمية، وعقدت الجلسة الأولى للمجمع في 8 أكتوبر عام 451م.

في تلك الجلسة نُوقش البابا ديسقوروس بشأن عقيدة أوطاخى الذي برأه مجمع أفسس الثاني 449م ؛ فقال "إذا كان أوطاخى يتمسك بمفاهيم ترفضها عقائد الكنيسة، فهو يستحق ليس العقاب فقط بل حتى النار (أى جهنم) أيضاً. ولكن اهتمامى إنما هو بالإيمان الجامع الرسولى وليس بأى إنسان أياً كان".

وقال أيضاً في نفس الجلسة من المجمع الخلقيدونى: "أنا أقبل عبارة من طبيعتين بعد الاتحاد  وهو في تأكيده على الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة أراد أن يثبت عدم التقسيم بين الطبيعتين من بعد الاتحاد، وفى قبوله لعبارة "من طبيعتين بعد الاتحاد" أراد أن يؤكّد ما أكّده القديس كيرلس الكبير عن استمرار وجود الطبيعتين في الاتحاد وعدم امتزاجهما أو إختلاطهما.

وقد عبَّر ر. ف. سيلرز عن أن بطريرك الأسكندرية "أعلن إيمانه الأرثوذكسى، بأنه لا يعلِّم بأى اختلاط للاهوت بالناسوت في المسيح"  وذكر صأمويل نفس الحقيقة بأن القديس ديسقوروس قال "إننا لا نتكلم عن اختلاط ولا تقسيم ولا تغيير، فليكن محروماً من يقول بإختلاط أو تغيير أو مزج".

فمن الواضح أن القديس ديسقوروس أعلن حرماً ضد الهرطقة الأوطاخية في وقائع مجمع خلقيدونية، وإن كان قد سُمح له بإكمال خدمته الرسولية كمدافع عن الإيمان وإن كان قد تم الأخذ بصيغه الإيمانية وضمنت، لما حدث انقسام في الكنيسة بعد مجمع خلقيدونية، وكان هذا سوف يعد دفاعاً تضامنياً عظيماً ضد الهرطقة الأوطاخية يقف إلى جانب المجمع المسكونى الثالث في أفسس 431م. كان يمكن للمجمع أن يوفق بين بابا روما وبابا الأسكندرية بواسطة حل مشكلة ثيئودوريت أسقف قورش وتعليمه ضد القديس كيرلس السكندرى. لكن المحزن هو أن البابا ديسقوروس قد تم عزله ونفيه.

وكان أناطوليوس أسقف القسطنطينية قد أعلن في الجلسة الخامسة للمجمع أن "ديسقوروس لم يتم عزله بسبب عقيدته، إنما بسبب أنه قد حرم لاون".

الجدير بالذكر ان أسباب مجمع خلقيدونية المعلنة لعزل البابا ديوسقورس أسباب عقائدية لاهوتية وأسباب إدارية تتعلق بموقفه في مجمع أفسس الثاني حيث اعاد اوطاخي للشركة وتمت الاساءة لفلافيان. وكان لابد من مجمع خلقدونية.



اشوريونان داود
Ashur younan dawood
Master of Philosophy and Theology
Oceania\ NZ
ashuryounan@yahoo.com


32
ظهر البرج الجنوبي في تسجيل شريط فيديو صورا للجهة الشمال الشرقية للمبنى فظهرت صفوف من التفجيرات على الواجهة الشرقية في مستوى الإنهيار الأول. وأخذ المبنى يسقط على الأرض وبميل 30 طابقا علويا ناحية الجنوب حيث فقد تقريبا نصفه العلوي قبل أن ينهار بقية الهيكل أسفله – وأصاب المباني المجاورة. وكان واضحا أن التفجيرات كانت تلقي بعنف الغبار والشظايا من سقف لسقف وكانت تتحرك بسرعة لأسفل المبنى. وكان البرج الشمالي قد إنهار من الناحية الشمالية الشرقية للمبنى. ويجب الملاحظة أن الصلب الإنشائي عند درجة حرارة 550 مئوية تكون قساوته وصلابته 60% من صلابته ويفقد جزءا من مرونته، وهو في درجة الحرارة العادية وهذا الضعف للصلب يفترض أنه السبب في انهيار برجي مبنى التجارة العالمي. لكن الخبراء يقولون أن الصلب لو بلغت صلابته 60% فانه يظل قادرا على تحمل ثلاثة أضعاف الحمولة المفترضة ولكي ينهار هيكل من الصلب لابد وأن يصل معدل الصلابة (معامل المرونة) 20% من قوته وهو بارد وهذا المعدل ليصله لابد وأن تصل درجة الحرارة أعلى من 720 درجة مئوية ليفقد الفولاذ مرونته ويتداعى هيكل المبنى الفولاذي. فلقد قام الخبراء في أوروبا وأمريكا واليابان بإسلوب المحاكاة إجراء حريق مماثل في ثلاث بنايات متعددة الطوابق ومصنوعة من هياكل الصلب كان الحريق في سيارات بها مواد بترولية سريعة الإشتعال وكان بجوارها عدة سيارات وأقصى درجة حرارة بلغها الحريق 360 درجة مئوية، وظل الصلب محتفظا بصلابته ومرونته، ومقاومته للحرائق طالما أن الحريق كان لمدد محدودة وكان الصلب بالبنايات ليس معزولا عن الحرارة كما في صلب مركز التجارة العالمي وكان البرج الشمالي قد إرتطمت به الطائرة من ناحية الشمال في الدور 93 الساعة8,45 صباحا والبرج الجنوبي إرتطمت به طائرة ثانية الساعة 9,03 صباحا في الدور 80.

الذين خططوا للعملية استخدموا وقود الطائرات في صهر الصلب بدلا من استخدام نيران لحام الأوكسجين والأستيلين ولحام الكهرباء أو أفران الكهرباء العالية الحرارة. فأول طائرة إرتطمت بالبرج الشمالي. ولما إرتطمت الطائرة الأولى بكل حمولتها من الكيروسين بالبرج الشمالي الذي إشتعل وكان اللهب متوهجا يتصاعد منه الدخان الأسود الذي تحول لدخان أبيض تصاعد من النوافذ كما بدا في الصور. والبرج الجنوبي الذي إرتطمت به الطائرة الثانية إختفى اللهب منه وتصاعد دخان أسود. وهذا يبين أن الحريق الثاني خمد لكن شيئا ما، ما زال يحترق جزئيا ليترك الهباب الأسود يتصاعد بالدخان وهذا الدخان القاتم (السخامي) sooty smoke سببه قلة الحرارة أو الأوكسجين. لكن الساعة 10:29 كانت النيران بالبرج الشمالي قد أتت على الصلب الذي يدعم البناية الضخمة فصهرته الحرارة في سلسلة تفاعلات بالمبني جعلته ينهار على الأرض. وبأقل وقود إنهار البرج الجنوبي تماما بعد47 دقيقة من ارتطام الطائرة الثانية. وهذه نصف المدة التي استغرقها انهيار البرج الشمالي. وكان الصلب بالمبنى يعادل 200 الف طن.

وصمد أحد البرجين لمدة 55 دقيقة قبل أن ينهار، بينما صمد البرج الثاني ساعة وأربعين دقيقة. فمن المعروف أنه ينصهر عند درجة 1535مئوية (2795 فرنهيت). فدرجة 800-900 مئوية تلائم لتسخين ولتشكيل الحديد العادي بكير الحداد وليس لصنع فولاذ ناطحة سحاب skyscraper. لكن البروفسور ادواردو كوسل Eduardo Kausel أستاذ الهندسة المدنية والبيئية مقتنع بأن نيران الكيروسين يمكنها صهر الصلب لكنه لم يبين الدرجة التي عندها ينصهر الصلب، والوقت الكافي لصهر آلاف الأطنان. وكان خبراء الطب الشرعي قد تعرفوا على 1585 من بين رفات 2749 ضحية من ضحايا كارثة مركز التجارة عن طريق الأحماض الأمينية DNA للأشلاء البشرية في موقع الكارثة. وقال العلماء في مؤتمر لجمعية الكيمياء الأمريكية، أن أدخنة كلورية سامة ظلت لشهرين تنبعث من بين ركام الحطام للبرجين بسبب التفاعلات الكيماوية بين أطنان من الأسمنت والزجاج والأثاث والسجاد ومواد العزل والحاسبات والأوراق والمعادن السامة والأحماض والأوراق والبلاستيك في مساحة الميل المربع لمبنى برجي مركز التجارة.


مبنى البنتاكون  في 11 سبتمبر كانت طائرتان قد أقلعتا من مطار بوسطن في طريقهما إلى لوس أنجيلوس.لكن إحداهما إرتطمت بالبرج الشمالي لمبنى مركز التجارة العالمي، والثانية بعدها ب 18دقيقة إرتطمت بالبرج الجنوبي للمركز وبعد حوالي ساعة إرتطمت طائرة بالجانب الغربي لمبنى البنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية) وسقطت الطائرة الرابعة قرب بيتسبرج ببنسلفانيا ولم تلتقط صورة واحدة للطائرة التي أدعت أمريكا أنها سقطت ونشرت صورة حفرة دائرية مخلفة عن صاروخ مجهول ولم يعثر على حطامها وكانت السلطات الأمريكية قد أعلنت أنها كانت في طريقها لضرب البيت الأبيض في واشنطن. وطبقا للسرية التي أحيطت بأحداث 11 سبتمبر وقلة الشواهد التي تدل على أن مبنى البنتاجون إرتطمت به طائرة ركاب نفاثة بالجدار الحجري المقوى بالأسمنت المسلح. وكل الصور التي التقطها المصورون بالمباحث الفيدرالية لموقع الإرتطام بالبنتاجون أظهرت بوضوح أن ثمة قطعة من مروحة توربينية صغيرة القطر أمكن التعرف عليها بسهولة. ويعتقد البعض أن البنتاجون لم يدمر جانبه بطائرة بوينج 757 ويرى المؤمنون بنظرية المؤامرة أن الهجوم ربما كان من طائرة حربية.

ومن خلال الصور شوهدت أن تفجيرات البنتاجون كانت من داخل المبنى لحظة ارتطام الطائرة. من على بعد 77قدما من الحائط الذي ارتطمت به الطائرة ولم يكن هناك في موقع الاصطدام بمبنى البنتاجون أي أثر لإرتطام طائرة من طراز بوينج 575. وكانت المخابرات الأمريكية فد سحبت كاميرات التصوير من فوق المباني المواجهة لمبنى البنتاجون والكاميرات حول مبنى البنتاجون لم تصور أي طائرة قادمة باتجاهه. حتى الصور التي بثتها الصحافة وشرائط الفيديو بينت أن فتحة الإرتطام كانت 65 قدم وجناحي الطائرة بوينج 757 طول عرضهما 160 قدم من الجناح إلى الجناح وفوق هذه الفتحة كان سقف البنتاجون لا يزال قائما لم ينهار حتى وصول رجال الإطفاء الذين أبدوا دهشتهم ولاسيما وأن الحديقة حول المبنى ظلت كما هي منسقة لم تمس ووجدت قطعة مستديرة قطرها أقل من 3 قدم بجوار ما يبدو أنها قطعة من موقع بناء المكان الذي سكنت فيه ماكينة الطائرة وقطع سميكة من مادة عازلة. لكن طائرة البوينج 757 لها ماكينتان كبيرتان، كل واحدة قطرها 9قدم وطولها 12قدم ومقدمة (رأس)المروحة قطره 78,5 بوصة. وهذه القياسات لم تر في صور المبنى. لهذا فإن الناس لم يصدقوا الرواية الرسمية من أن طائرة بوينج 757 بماكينتيها الضخمتين وكابحها عند الهبوط landing gear طارت قرب مستوى سطح الأرض وإرتطمت بجدار البنتاجون الضخم.

لم ير أحد عجلات الهبوط في مكان الحادث. وثمة 5 صور فصلت من فيلم فيديو التقطته الكاميرات الأرضية المثبتة بمبنى البنتاجون بينت أن ثمة جسم أبيض صغير يقترب من مبنى البنتاجون وأحدث انفجارا مدويا عند الإرتطام به. ولم تر طائرة في الصور ولاسيما وأن طائرة البوينج وزنها 60 طن ولم تظهر في شرائط الفيديو التي التقطتها كاميرات البنتاجون والتقطت صورة هذا الجسم الصغير. وكان أحد الذين شاهدوا الواقعة قد صرح لصحيفة الواشنطن بوست أن الطائرة كانت صغيرة وصوتها أشبه بصوت طائرة مقاتلة نفاثة لايمكن أن تحمل أكثر من 12 راكب بأي حال من الأحوال. والذين قالوا أنها طائرة صغيرة أو طائرة بدون طيار من طراز جلوبال هوك Global Hawk التي تسببت في الهجوم على البنتاجون من خلالها يمكن التعرف على القطعة التي ظهرت في الصور وتحدبد نوع الطائرة التي هاجمت البنتاجون. فطائرة جلوبال هوك لها ماكينة واحدة قطرها 43.5 بوصة وتطير بدون طيار وتوجهها الأقمار الصناعية.

وقد كانت الجهة التي تحطمت بها الطائرة تخضع للتصليح وإعادة الإنشاء لذا كانت معظم مكاتبها فارغة. ويجدر بالذكر أنه لم يوجد بعد الحادث أي حطام للطائرة ما عدا أجزاء صغيرة جدا ومحرك واحد فقط.
وزد على ذلك أن هناك بعض النوافذ الزجاجية في مبنى البنتاجون القريبه من موقع الأرتطام لم تتهشم أو تصاب بضرر.



اشوريونان داود
Ashur younan dawood
Master of Philosophy and Theology
Oceania\ NZ
ashuryounan@yahoo.com


33
أحداث 11 سبتمبر 2001 هي مجموعة من الأحداث الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة في يوم الثلاثاء الموافق 11 سبتمبر 2001 م. تم تحويل اتجاه أربع طائرات نقل مدني تجارية وتوجيهها لتصطدم بأهداف محددة نجحت في ذلك ثلاث منها. الأهداف تمثلت في برجي مركز التجارة الدولية بمنهاتن ومقر وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون). سقط نتيجة لهذه الأحداث 2973 ضحية 24مفقودا، بالإضافة لآلاف الجرحى والمصابين بأمراض جراء استنشاق دخان الحرائق والأبخرة السامة.

يوم الثلاثاء الموافق 11 سبتمبر 2001 م قام بتنفيذها 19 شخصا على صلة بتنظيم القاعدة، حسب الرواية الرسمية للحكومة الأمريكية. انقسم منفذو العملية إلى أربعة مجاميع ضمت كل منها شخصا تلقى دروسا في معاهد الملاحة الجوية الأمريكية. وتم تنفيذ الهجوم عن طريق اختطاف طائرات نقل مدني تجارية، ومن ثم توجيهها لتصطدم بأهداف محددة. وتمت أول هجمة في حوالي الساعة 8:46 صباحا بتوقيت نيويورك، حيث أصطدمت إحدى الطائرات المخطوفة بالبرج الشمالي من مركز التجارة العالمي. وبعدها بدقائق، في حوالي الساعة 9:03، اصطدمت طائرة أخرى بالبرج الجنوبي. وبعد ما يزيد عن نصف الساعة، أصطدمت طائرة ثالثة بمبنى البنتاجون. الطائرة الرابعة كان من المفترض أن تصطدم بهدف رابع، لكنها تحطمت قبل الوصول للهدف.
أحدثت تغييرات كبيرة في السياسة الأمريكية عقب هذه الأحداث، والتي بدأت مع إعلانها الحرب على الإرهاب، وأدت هذه التغييرات لحرب في أفغانستان وسقوط نظام الحكم طالبان فيها، والحرب على العراق، وإسقاط نظام الحكم هناك أيضا.
وبعد أقل من 24 ساعة على الأحداث، أعلن حلف شمال الأطلسي أن الهجمة على أية دولة عضوة في الحلف هو بمثابة هجوم على كافة الدول التسع عشرة الأعضاء. وكان لهول العملية أثرا على حشد الدعم الحكومي لمعظم دول العالم للولايات المتحدة ونسي الحزبين الرئيسيين في الكونغرس ومجلس الشيوخ خلافاتهما الداخلية. أما في الدول العربية والإسلامية، فقد كان هناك تباين شاسع في المواقف الرسمية الحكومية مع الرأي العام السائد على الشارع الذي كان أما لا مباليا أو على قناعة أن الضربة كانت نتيجة ما وصفه البعض «بالتدخل الأمريكي في شؤون العالم».
بعد ساعات من أحداث 11 سبتمبر، وجهت الولايات المتحدة أصابع الاتهام إلى تنظيم القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن.

ومن الجدير بالذكر أن القوات الأمريكية إدعت أنها عثرت فيما بعد على شريط في بيت مهدم جراء القصف في جلال آباد في نوفمبر 2001 يظهر بن لادن وهو يتحدث إلى خالد بن عودة بن محمد الحربي عن التخطيط للعملية. وقد قوبل هذا الشريط بموجة من الشكوك حول مدى صحته .و لكن بن لادن -في عام 2004 م- وفي تسجيل مصور تم بثه قبيل الانتخابات الأمريكية في 29 أكتوبر 2004 م، أعلن مسؤولية تنظيم القاعدة عن الهجوم  وتبعا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، فإن محمد عطا -والذي يسمى أيضا محمد عطا السيد- هو الشخص المسؤول عن ارتطام الطائرة الأولى ببناية مركز برج التجارة العالمي. كما اعتبر عطا المخطط الرئيسى للعمليات الأخرى التي حدثت ضمن ما أصبح يعرف بأحداث 11 سبتمبر أو ما يطلق عليه بعض الكتّاب غزوة منهاتن.

مركز التجارة العالمي :  تركيبة برجا مركز التجارة العالمي من حيث طريقة البناء كانت من تراكيب المباني الحديثة، وقُلد بناؤهما في أماكن عديدة من العالم. وبلغ ارتفاع البرجين في نيويورك 417 و 415 مترا. وهما أعلى بنايتين في العالم وقت الشروع في بنائهما عام 1970. وهندسة مركز التجارة العالمي رغم حجم الكارثة أنقذت أرواح الآلاف لأن البرجين التوأم ظلا منتصبين وصمدا لأكثر من ساعة بعد اختراق الطائرتين لهما مما أتاح الفرصة لخروج ونجاة الآلاف الذين كانوا في الطوابق السفلية، كانت البنية المعمارية لمبنى كل برج مكونة من قاعدة فولاذية تربط بعمود قوي (الجذع المركزي) من الفولاذ والاسمنت وسط هيكل كل برج وكل عمود توجد فيه المصاعد والسلالم وتتفرع عنه قضبان فولاذية كعوارض خفيفة أفقية ترتبط بأعمدة فولاذية عمودية الشكل ومتقاربة ويتكون منها الجدار الخارجي للمبنى في شكل إطار فولاذي يشكل محيطه. وتحمل هذه الأعمدة الأفقية السقف الاسمنتي لكل طابق وتربط الأعمدة المحيطية بالجذع المركزي مما يمنع هذه الأعمدة من الانبعاج للخارج. وأرضيات الطوابق كانت من الاسمنت وقد غطى كل الفولاذ بالاسمنت لإعطاء رجال الإطفاء فرصة تتراوح بين ساعة وساعتين ليستطيعوا القيام بعملهم. ولاسيما وأن خبراء شركة (تاهمدسو) المعمارية والإنشائية يؤكدون على إن أي بناء هيكلي من الصلب أو غيره لابد وان يصمم ليتحمل ثلاثة أضعاف حمولته وأنه يخضع لمعاملات السلامة للمواد المختلفة (Safety Factors of Various Materials)، فكل سقف لابد وأن يتحمل وزنه ووزن الأسقف التي فوقه.

يرى البعض أن الطائرتان اللتان هاجمتا البرجين بلا نوافذ مما يجعل البعض معتقدا بفرضية أن الطائرتين كانتا طائرتين حربيتين وكان في أسفل كل منهما ما يشبه الصاروخ وهذا الشكل لايرى في الطائرات المدنية، كما شوهد في شريط الفيديو للحادث أن ثمة وهجا تم قبل لحظات من الارتطام الطائرتين الارهابي، وهذا يبين حدوث انفجار قبل الإرتطام ،وكان ارتطام الطائرة الأولى، قد دمر عددا من الأعمدة المحيطة لطوابق عدة من البناية، حول نقطة الارتطام مما أضعف هيكل المبنى أو تسببت الصدمة في انهيار جزء من الجذع المركزي. فيكفي انهيار طابق واحد لتسقط كل الكتل التي فوقه من الطوابق العليا وتضرب بقية أجزاء البناء الذي تحتها بقوة صدمات مع كل انهيار لأحد الطوابق، مما أدى إلى انهيار البرج بكامله طبقة تلو الأخرى وبسرعة كبيرة جدا على شكل ضربات وصدمات متتالية. والبرج الجنوبي الذي أصطدمت به الطائرة الثانية مال وإنهار أولا ،ليعقبه البرج الشمالي الذي أرتطمت به الطائرة الأولى في الإنهيار عموديا بعد عشرين دقيقة يوم 11 سبتمبر.

من خلال تحليلات تسجيلات الفيديو لارتطام الطائرتين أظهر الدكتور إدواردو كاوسل، أستاذ الهندسة المدنية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بأمريكا أن سرعة الطائرة الثانية لحظة أرتطامها بالبرج الجنوبي كانت 865 كم/ساعة، وسرعة الطائرة الأولى كانت 705 كم/ساعة. ومن المعروف أنه توجد علاقة مباشرة بين كل من سرعة الطائرة لحظة الارتطام وقوة الصدمة، والزمن الفاصل بين الإرتطام والإنهيار. ومستوى الإرتطام في البرج الشمالي كان يعلو مستوى الإرتطام في البرج الجنوبي ب 15 طابق. ورغم كل الفرضيات والحدسيات لا يعرف ما إذا كان الإنهيار قد بدأ بالأعمدة المحيطية أم بالجذع المركزي، وربما إجتمع أكثر من عامل من هذه العوامل. وقد يكون انهيار سقوف أحد الطوابق هو الذي أدى إلى انبعاج الأعمدة المحيطية به بالخارج. ولكن هذا التدمير وحده ليس كافيا لتبرير انهيار البرجين بهذه الطريقة. وكذلك انتشار النار بالطوابق العليا، جعل الفولاذ أقل قساوة وغير قابل لتحمل الثقل الذي فوقه عند درجات هذه الحرارة العالية فانثني وقل تحمله للثقل. وهذه الرواية تبدو لأول وهلة منطقية وتعليلية لكن الخبراء لهم نظرتهم الفاحصة والمنطقية المتفحصة لكل شيء في مسرح الكارثة. وقال مهندسوا البناء والمعماريون إن استخدام مواد بناء أقوى كان سيسمح للأشخاص المحاصرين في الطوابق العليا أن يغادروا البرجين، أو ربما منع إنهيارهما كليا. ولكن المهندس لزلي روبرتسون الذي صمم برجي مركز التجارة العالمي ليقاوما ارتطام الطائرة من نوع بوينج 707 وكانت أكبر طائرة موجودة وقتها، قال: لم يضع في حساباته ثقل الوقود الذي تحمله فما بال الوقود الذي كانت تحمله طائرتا البوينج 767 التي طالت البرجين، وأدى للحرائق التي كانت سببا في انهيار البرجين وكان يوجد حريق في الأدوار الوسطى وليست العليا للمباني المجاورة للبرجين قبل أن يسقطا عليها، ولايعرف سبب هذه الحرائق.

شوهدت كميات ضخمة من المعادن المصهورة فوق الأرض بين أنقاض الهياكل المعدنية للبرجين ومركز التجارة العالمي للمباني الثلاثة المنهارة بعد إنهيارهم، ولقد نشرت عدة ملاحظات على هذه المعادن، ونشرها بعد عام من الكارثة دكتور كيث ايتون في مجلة الهندسة الإنشائية The Structural Engineer فلقد شاهد صورا لهذه المعادن المنصهرة. فظهر منها ما هو ما زال متوقد أحمرا بعد أسابيع من الحادثة. وكونت المصهورات وقتها بحيرة معدنية منصهرة لأن الأرض تحتها كانت ملتهبة، وشوهدت ألواح من الصلب سمكها أربعة بوصات وقد انتزعت وألتوت بسبب الإنهيار للمباني الضخمة. وبعد ستة أشهر من يوم 11 سبتمبر ظلت الأرض هناك تتراوح درجة حرارتها بين 600 – 1500 فرنهيت. وخلال الأسابيع الأولى كان العمال ينتزعون عوارض الصلب وأطرافها تقطر صلبا منصهرا وما زال لونها برتقاليا محمرا بعد ستة أسابيع من 11 سبتمبر. فهي أشبه بالحمم البركانية في قلب بركان والتي تظل ساخنة ومنصهرة لزمن طويل طالما أنها معزولة تحت الأرض والصلب ينصهر فوق 2000درجة مئوية. لكن كانت تقارير الحكومة تبين أن حرائق المباني لم تكن كافية لصهر دعامات الصلب، فكل التقارير الرسمية لم تجب على هذا الغموض مما جعل هذا لغزا محيرا حول كيفية انهيار المباني الشاهقة. وهذا ما أكده البروفيسور توماس ايجر Prof. Thomas Eagar من أن حريق مركز التجارة العالمي لا يصهر الصلب ولم يتسبب في انهيار المبنى رغم أن وسائل الإعلام وكثير من العلماء يعتقدون أن الصلب إنصهر. لأن وقود الطائرات يشتعل عند درجة 1000درجة مئوية والصلب ينصهر عند درجة 1500درجة مئوية.

كان حطام الصلب يزن 185101 طن وقد أرسل ليعاد تصنيعه من دون فحصه وكان 80% منه جيدا ولم يعط فرصة للخبراء لفحصه للتعرف على أسباب الإنهيار للبرجين التوأمين وأكتفت سلطات المدينة المنكوبة في التحقيق بالصور وشرائط الفيديو وروايات شهود العيان. وصور قليلة ما زالت تبين أن ثمة مواد متفجرة قذفت من البرجين وأسمنت مجروش وقطع من صلب الأعمدة كان يلقي بها في المراحل الأولى من الإنهيار. فصور البرج الجنوبي أظهرت حلقات واضحة للتفجيرات وخروج الحمم حول المبنى وتحت مكان نقطة الإنهيار تماما وكأن التفجيرات أشبه بتفجيرات للبراكين. وكانت المقذوفات من الكثرة مما يبين أن هذا التفجير تم داخل المبنى. ومما كان ملفتا للنظر غير انهيار البرجين الحجم الهائل للمواد التي قذفت أثناء المراحل الأولى للإنهيار وكميات قطع الصلب التي سقطت وسط سحب الغبار من بينها أعمدة طوابق كاملة وهذه الأعمدة كانت ملتحمة بعمق في ألواح بطول كل سقف لكنها تحطمت بطريقة ما في نفس الوقت وألقي بها بالهواء بسرعة عالية. فهذا التوافق بين قذف الحطام والغبار والدخان المتصاعد بسرعة كلها تبين أن ثمة تفجيرات أسفرت عن هذا كله. فالصور التي التقطها بيجرت Biggert تبين أن المبنى تحول إلى تراب قبل أن ينهار لأن كميات هائلة من الغبار تصاعدت بالجو وبسرعة مكونة سحابة سوداء هائلة في سماء نيويورك.

اشوريونان داود
Ashur younan dawood
Master of Philosophy and Theology
Oceania\ NZ
ashuryounan@yahoo.com

34
لقد تجمعت في شخصية ابن خلدون العناصر الأساسية النظرية والعملية التي تجعل منه مؤرخاً حقيقياً - رغم أنه لم يول في بداية حياته الثقافية عناية خاصة بمادة التاريخ - ذلك أنه لم يراقب الأحداث والوقائع عن بعد كبقية المؤرخين، بل ساهم إلى حد بعيد ومن موقع المسؤولية في صنع تلك الأحداث والوقائع خلال مدة طويلة من حياته العملية تجاوزت 50 عاما، وضمن بوتقة جغرافية امتدت من الاندلس وحتى بلاد الشام. فقد استطاع، ولأول مرة، (اذا استثنينا بعض المحاولات البسيطة هنا وهناك) أن يوضح أن الوقائع التاريخية لا تحدث بمحض الصدفة أو بسبب قوى خارجية مجهولة، بل هي نتيجة عوامل كامنة داخل المجتمعات الإنسانية، لذلك انطلق في دراسته للأحداث التاريخية من الحركة الباطنية الجوهرية للتاريخ. فعلم التاريخ، وان كان (لايزيد في ظاهره عن أخبار الايام والدول) انما هو (في باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، لذلك فهو أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق(المقدمة). فهو بذلك قد اتبع منهجا في دراسة التاريخ يجعل كل أحداثه ملازمة للعمران البشري وتسير وفق قانون ثابت.

يقول: فالقانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران ونميز ما يلحقه لذاته وبمقتضى طبعه وما يكون عارضا لا يعتد به وما لايمكن أن يعرض له، وإذا فعلنا ذلك، كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، والصدق من الكذب بوجه برهان لا مدخل للشك فيه، وحينئذ فاذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله مما نحكم بتزييفه، وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرى به المؤرخون طريق الصدق والصواب فيما ينقلونه.

وهكذا فهو وان لم يكتشف مادة التاريخ فانه جعلها علما ووضع لها فلسفة ومنهجا علميا نقديا نقلاها من عالم الوصف السطحي والسرد غير المعلل إلى عالم التحليل العقلاني والأحداث المعللة بأسباب عامة منطقية ضمن ما يطلق عليه الآن بالحتمية التاريخية، وذلك ليس ضمن مجتمعه فحسب، بل في كافة المجتمعات الإنسانية وفي كل العصور، وهذا ما جعل منه أيضا وبحق أول من اقتحم ميدان ما يسمى بتاريخ الحضارات أو التاريخ المقارن.إني أدخل الأسباب العامة في دراسة الوقائع الجزئية، وعندئذ أفهم تاريخ الجنس البشري في إطار شامل...اني ابحث عن الأسباب والأصول للحوادث السياسية. كذلك قولهداخلا من باب الأسباب على العموم على الأخبار الخصوص فاستوعب أخبار الخليقة استيعابا...وأعطي الحوادث علة أسبابا.


أصبح من المسلم به تقريبا في مشارق الأرض ومغاربها، أن ابن خلدون هو مؤسس علم الاجتماع أو علم العمران البشري كما يسميه. وقد تفطن هو نفسه لهذه الحقيقة عندما قال في مقدمته التي خصصها في الواقع لهذا العلم الجديد وهو علم مستقل بنفسه موضوعه العمران البشري والاجتماع وأصبح الإنساني، كما أنه علم يهدف إلى بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد أخرى، وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيا كان أم عقليا واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة غزير الفائدة، أعثر عليه البحث وأدى اليه الغوص... وكأنه علم مستبط النشأة، ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة .

ويبدو واضحا ان اكتشاف ابن خلدون لهذا العلم قاده اليه منهجه التاريخي العلمي الذي ينطلق من أن الظواهر الاجتماعية تخضع لقوانين ثابتة وأنها ترتبط ببعضها ارتباط العلة بالمعلول، فكل ظاهرة لها سبب وهي في ذات الوقت سبب لللظاهرة التي تليها. لذلك كان مفهوم العمران البشري عنده يشمل كل الظواهر سواء كانت سكانية أو ديمغرافية،اجتماعية، سياسية، اقتصادية أو ثقافية. فهو يقول في ذلك :فهو خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة هذا العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن الكسب والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال. المقدمة،وهنا يلامس أيضا نظرية النشوء والارتقاء لدى داروين وان لم يغص فيها. ثم أخذ في تفصيل كل تلك الظواهر مبينا أسبابها وتنائجها، مبتدئا بأن بإيضاح أن الإنسان لا يستطيع العيش بمعزل عن أبناء جنسه حيث: ان الاجتماع الإنساني ضروري فالإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية... وهو معنى العمران.

ثم تعرض للعمران البشري على العموم مبينا أثر البيئة في الكائنات البشرية وهو مايدخل حاليا في علم الاتنولوجيا والانثروبولوجيا. ثم بعد ذلك تطرق لأنواع العمران البشري تبعا لنمط حياة البشر وأساليبهم الإنتاجية قائلا: ان اختلاف الأجيال في أحوالهم انما هو باختلاف نحلتهم في المعاش. مبتدئا بالعمران البدوي باعتباره أسلوب الإنتاج الأولي الذي لا يرمي إلى الكثير من تحقيق ما هو ضروري للحياة ...ان اهل البدو المنتحلون للمعاش الطبيعي... وانهم مقتصرون على الضروري الاقوات والملابس والمساكن وسائر الأحوال والعوائد.

ثم يخصص الفصل الثالث من المقدمة للدول والملك والخلافة ومراتبها وأسباب وكيفية نشوئها وسقوطها، مؤكدا أن الدعامة الأساسية للحكم تكمن في العصبية. والعصبية عنده أصبحت مقولة اجتماعية احتلت مكانة بارزة في مقدمته حتى اعتبرها العديد من المؤرخين مقولة خلدونية بحتة، وهم محقون في ذلك لأن ابن خلدون اهتم بها اهتماما بالغا إلى درجة أنه ربط كل الأحداث الهامة والتغييرات الجذرية التي تطرأ على العمران البدوي أو العمران الحضري بوجود أو فقدان العصبية. كما أنها في رأيه المحور الأساسي في حياة الدول والممالك. ويطنب ابن خلدون في شرح مقولته تلك، مبينا أن العصبية نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا، ذلك أنها تتولد من النسب والقرابة وتتوقف درجة قوتها أو ضعفها على درجة قرب النسب أو بعده. ثم يتجاوز نطاق القرابة الضيقة المتمثلة في العائلة ويبين أن درجة النسب قد تكون في الولاء للقبيلة وهي العصبية القبلية ... ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نصرة كل أحد من أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة التي تلحق النفس في اهتضام جارها أو قريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النسب، وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء. أما إذا أصبح النسب مجهولا غامضا ولم يعد واضحا في أذهان الناس، فإن العصبية تضيع وتختفي هي أيضا. ... بمعنى أن النسب إذا خرج عن الوضوح انتفت النعرة التي تحمل هذه العصبية، فلا منفعة فيه حينئذ. هذا ولا يمكن للنسب أن يختفي ويختلط في العمران البدوي، وذلك أن قساوة الحياة في البادية تجعل القبيلة تعيش حياة عزلة وتوحش، بحيث لا تطمح الأمم في الاختلاط بها ومشاركتها في طريقة عيشها النكداء، وبذلك يحافظ البدو على نقاوة أنسابهم، ومن ثم على عصبيتهم.

... الصريح من النسب انما يوجد للمتوحشين في القفر... وذلك لما اختصوا به من نكد العيش وشظف الأحوال وسوء الموطن، حملتهم عليها الضرورة التي عينت لهم تلك القسمة... فصار لهم ألفا وعادة، وربيت فيهم أجيالهم... فلا ينزع اليهم أحدا من الأمم أن يساهم في حالهم، ولا يأنس بهم أحد من الأجيال... فيؤمن عليهم لأجل ذلك منت اختلاط انسابهم وفسادها. أما إذا تطورت حياتهم وأصبحوا في رغد العيش بانضمامهم إلى الأرياف والمدن، فإن نسبهم يضيع حتما بسبب كثرة الاختلاط ويفقدون بذلك عصبيتهم. ... ثم يقع الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم وفسدت الانساب بالجملة ثمرتها من العصبية فاطرحت ثم تلاشت القبائل ودثرت فدثرت العصبية مدثورها وبقي ذلك في البدو كما كان. وهكذا نخلص للقول في هذا الصدد بأن العصبية تكون في العمران البدوي وتفقد في العمران الحضري.

العصبية والسلطة في مرحلة العمران البدوي

بعد أن تعرض ابن خلدون لمفهوم العصبية وأسبا وجودها أو فقدانها، انتقل إلى موضوع حساس وهام، مبينا دور العصبية فيه، ألا وهو موضوع ((الرئاسة)) الذي سيتطور في ((العمران الحضري)) إلى مفهوم الدولة. فأثناء مرحلة ((العمران البدوي)) يوجد صراع بين مختلف العصبيات على الرئاسة ضمن القبيلة الواحدة، أي ضمن العصبية العامة حيث: ((..ان كل حي أو بطن من القبائل، وان كانوا عصابة واحدة لنسبهم العام، ففيهم أيضا عصبيات أخرى لأنساب خاصة هي أشد التحاما من النسب العام لهم مثل عشير واحد أو أهل بيت واحد أو أخوة بني أب واحد، لا مثل بني العم الأقربين أو الأبعدين، فهؤلاء أقعد بنسبهم المخصوص، ويشاركون من سواهم من العصائب في النسب العام، والنعرة تقع من أهل نسبهم المخصوص ومن أهل النسب العام، ألا أنها في النسب الخاص أشد لقرب اللحمة)). ومن هنا ينجم التنافس بين مختلف العصبيات الخاصة على الرئاسة، تفوز فيه بطبيعة الحال العصبة الخاصة الأقوى التي تحافظ على الرئاسة إلى أن تغلبها عصبة خاصة أخرى وهكذا.((...ولما كانت الرئاسة انما تكون بالغلب، وجب أن تكون عصبة ذلك النصاب (أي أهل العصبية الخاصة) أقوى من سائر العصبيات ليقع الغلب بها وتتم الرئاسة لأهلها... فهذا هو سر اشتراط الغلب في العصبة، ومنه تعين استمرار الرئاسة في النصاب المخصوص)).

يحدد ابن خلدون مدة وراثة الرئاسة ضمن العصبية القوية بأربعة أجيال على العموم، أي بحوالي 120 سنة في تقديره.((ذلك بأن باني المجد عالم بما عاناه في بنائه ومحافظ على الخلال التي هي سبب كونه وبقائه، وبعده ابن مباشر لأبيه قد سمع منه ذلك وأخذ عنه، ألا أنه مقصر في ذلك تقصير السامع بالشئ عن المعاين له ثم إذى جاء الثالث كان حظه في الاقتفاء والتقليد خاصة فقصر عن الثاني تقصير المقلد عن المجتهد ثم إذا جاء الرابع قصر عن طريقتهم جملة وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها وتوهم أن أمر ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولاتكلف، وإنما هو أمر واجب لهم منذ أول النشأة بمجرد انتسابهم وليس بعصبية... واعتبار الأربعة من الأجيال الأربعة بان ومباشر ومقلد وهادم)).وبذلك ينهي ابن خلدون نظريته المتعلقة باسلطة أثناء مرحلة ((العمران البدوي)) ويخلص إلى نتيجة أن السلطة في تلم المرحلة مبنية أساسا على العصبية بحيث لا يمكن أن تكون لها قائمة بدونها.

العصبية والسلطة في العمران الحضري

انطلاقا من نظريته السابقة المتعلقة بدور العصبية في الوصول إلى الرئاسة في المجتمع البدوي، واصل ابن خلدون تحليله على نفس النسق فيما يتعلق بالسلطة في المجتمع الحضري مبينا أن العصبية الخاصة بعد استيلائها على الرئاسة تطمح إلى ما هو أكثر، أي إلى فرض سيادتها على قبائل أخرى بالقوة، وعن طريق الحروب والتغلب للوصول إلى مرحلة الملك ((... وهذا التغلب هو الملك، وهو أمر زائد على الرئاسة... فهو التغلب والحكم بالقهر، وصاحبالعصبية إذا بلغ رتبة طلب ما فوقها)). معتمدا في تحقيق ذلك أساسا وبالدرجة الأولى على العصبية حيث إن ((الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك)). فهذه اذن المرحلة الأولى في تأسيس الملك أو الدولة، وهي مرحلة لا تتم إلا من خلال العصبية.

بالوصول إلى تلك المرحلة يبدأ ((العمران الحضري)) شيئا فشيئا وتصبح السلطة الجديدة تفكر في تدعيم وضعها آخذة بعين الاعتبار جميع العصبيات التابعة لها، وبذلك فانها لم تعد تعتمد على عامل النسب بل على عوامل اجتماعية وأخلاقية جديدة، يسميها اب خلدون ((الخلال)). هنا تدخل الدولة في صراع مع عصبيتها، لأن وجودها أصبح يتنافى عمليا مع وجود تلك العصبية التي كانت في بداية الأمر سببا في قيامها،(يتراءى لنا مبدأ نفي النفي في المادية الجدلية<إضافة رابط المادية الجدلية ان وجد>). ومع نشوء يتخطى الملك عصبيته الخاصة، ويعتمد على مختلف العصبيات. وبذلك تتوسع قاعدة الملك ويصبح الحاكم أغنى وأقوى من ذي قبل، بفضل توسع قاعدة الضرائب من ناحية، والأموال التي التي تدرها الصناعات الحرفية التي التي تنتعش وتزدهر في مرحلة ((العمران الحضري)) من ناحية أخرى.

لتدعيم ملكه يلجأ إلى تعويض القوة العسكرية التي كانت تقدمها له العصبية الخاصة أو العامة(القبيلة) بإنشاء جيش من خارج عصبيته، وحتى من عناصر أجنبية عن قومه، وإلى اغراق رؤساء قبائل البادية بالأموال، وبمنح الإقطاعات كتعويض عن الامتيازات السياسية التي فقدوها. وهكذا تبلغ الدولة الجديدة قمة مجدها في تلك المرحلة، ثم تأخذ في الانحدار حيث أن المال يبدأ في النفاذ شيئا فشيئا بسبب كثرة الانفاق على ملذات الحياة والترف والدعة. وعلى الجيوش ومختلف الموظفين الذين يعتمد عليهم الحكم. فيزيد في فرض الضرائب بشكل مجحف، الشئ الذي يؤدي إلى إضعاف المنتجين، فتتراجع الزراعة وتنقص حركة التجارة، وتقل الصناعات، وتزداد النقمة وبذلك يكون الحكم قد دخل مرحلة بداية النهاية، أي مرحلة الهرم التي ستنتهي حتما بزواله وقيام ملك جديد يمر بنفس الأطوار السابقة اغلتي يجملها اب خلدون في خمسة أطوار. ((... وحالات الدولة وأطوارها لا تعدو في الغالب خمسة أطوار. -الطور الأول طور الظفر بالبغية، وغلب المدافع والممانع، والاستيلاء على الملك وانتزاعه من أيدي الدولة السالفة قبلها.فيكون صاحب الدولة في هذا الطور أسوة بقومه في اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة عن الحوزة والحماية لا ينفرد دونهم بشيء لأن ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها الغلب، وهي لم تزل بعد بحالها.

الطور الثاني طور الاستبداد على قومه والانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة.ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنيا باصطناع الرجال واتخاذ الموالي والصنائع والاستكثار من ذلك، لجدع أنوف أهل عصبيته وعشيرته المقاسمين له في نسبه، الضاربين في الملك بمثل سهمه.فهو يدافعهم عن الأمر ويصدهم عن موارده ويردهم على أعقابهم أن بخلصوا إليه حتى يقر الأمر في نصابه

الطور الثالث طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر اليه من تحصيل المال وتخليد الآثار وبعد الصيت، فسيتفرغ وسعه في الجباية وضبط الدخل والخرج، وإحصاء النفقات والقصد فيها، وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة، والامصار المتسعة، والهياكل المرتفعة، واجازة الوفود من أشرف الأمم ووجوه القبائل وبث المعروف في أهله. هذا مع التوسعة على صنائعه وحاشيته في أحوالهم بالمال والجاه، واعتراض جنوده وادرار ارزاقهم وانصافهم في اعطياتهم لكل هلال، حتى يظهر أثر ذلك عليهم ذلك في ملابسهم وشكتهم وشاراتهم يوم الزينة...وهذا الطور آخر أطوار الاستبداد

الطور الرابع طور القنوع والمسالمة ويكون صاحب الدولة في هذا قانعا بما أولوه سلما لأنظاره من الملوك واقتاله مقلدا للماضين من سلفه... ويرى أن الخروج عن تقليده فساد أمره وأنهم أبصر بما بنوا من مجده.

الطور الخامس طور الاسراف والتبذير ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفا لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه، واصطناع أخدان السوء وخضراء الدمن، وتقليدهم عظيمات الامور التي لا يستقلون بحملها، ولايعرفون ما يأتون ويذرون منها، مستفسدا لكبار الأولياء من قومه وصنائع سلفه، حتى يضطغنوا عليه ويتخاذلوا عن نصرته، مضيعا من جنده بما أنفق من أعطياتهم في شهواتهم... وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه..أي أن تنقرض)).(المقدمة) واذن فان تحليل ابن خلدون بولادة ونمو وهرم الدولة هو ذو أهمية بالغة، لأنه ينطلق من دراسة الحركة الداخلية للدولة المتمثلة في العصبية، تلك المقولة الاجتماعية والسياسية التي تعتبر محور كل المقولات والمفاهيم الخلدونية. فقد اعتمد عليها اعتمادا أساسيا في دراسته الجدلية لتطور المجتمعات الإنسانية((العمران البشري)) وكأنه يبشر منذ القرن الرابع عشر بما اصطلح على تسميته في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بـ ((المادية الجدلية)). وفي غمرة انطلاقت العلمية الرائعة الرائدة وضع إصبعة على العصب الحساس والرئيسي ،وان لم يكن الوحيد في تطور العمران البشري







اشوريونان داود
Ashur younan dawood
Master of Philosophy and Theology
Oceania\ NZ
ashuryounan@yahoo.com

35
بالسريانية: ܒܪ ܥܒܪܝܐ ، لاهوتي وفيلسوف وعالم سرياني ولد عام 1226 م في مدينة ملاطية، ولقب بابن العبري لأن جده أو والده قدم من قرية (عبرى) الواقعة قرب نهر الفرات، بينما يذهب البعض للاعتقاد بأنه عبراني (يهودي) الأصل، ولكن ابن العبري نفسه ينفي ذلك في بيت شعر يقول (بعد تعريبه) : إذا كان ربنا (المسيح) سمي نفسه سامرياً فلا غضاضة عليك إذا دعوك بابن العبري لأن مصدر هذه التسمية نهر الفرات .

حياته : عام 1243 م انتقل مع أسرته إلى أنطاكية ومن ثم إلى طرابلس الشام، وهناك درس علم الطب والبيان والمنطق. كما أنه درس كذلك لغات عدة فكان ملماً بالسريانية والعربية والأرمنية والفارسية. عام 1246 م نال رسامته الكهنوتية على يد بطريرك الكنيسة السريانية الأرثوذكسية آنذاك إغناطيوس داود الثاني ثم أصبح أسقفاً لبلدة جوباس، وهو شاب يافع في العشرين من العمر. ثم أسقف لبلدة لاقبين، وبعد خمس سنوات نصب مطراناً على حلب.

عام 1264 عين مفرياناً (كاثوليكوس) للكنيسة السريانية في المشرق، وفي عهد مفريانيته اهتم بشؤون أتباعه متنقلاً بين مناطقهم في نينوى ودير مار متي وبغداد والموصل ومراغة وتبريز. كما أنه قام خلال حياته بسيامة إثني عشر أسقفاً وأفتتح كنيستين وديراً. كما أنه مر على غربي أرمينيا مرتين وعلى بغداد كذلك، وزار تكريت عام 1277 في الوقت الذي لم يزرها مفريان أو أسقف منذ ستين سنة. توفي في مراغة بأذربيجان بتاريخ 30 يوليو/تموز 1286 وهو في الستين من عمره.


أعماله : وضع ابن العبري الكثير من الكتب والمؤلفات معظمها باللغة السريانية ضاع بعض منها. وفيما يلي ذكر لكتبه الباقية حتى يومنا هذا:

كتب لاهوتية: "مخزن الأسرار" و"منارة الأقداس" الذي اختصره في كتاب "الأشعة".
كتب تاريخية: "تاريخ شامل" منذ بدء الخليقة حتى أيامه وقسم الكتاب إلى التاريخ السرياني والتاريخ الكنسي؛ ثمَّ ترجم التاريخ السرياني بنفسه إلى اللغة العربية بتصرف وذلك قبل وفاته بفترة قصيرة.
كتب علمية: "كتاب الصعود العقلي في شكل الرقيع والأرض"، وشَرَحَ كتاب المجسطي لبطليموس القلوذي في علم النجوم وحركات الأفلاك، "كتاب الزيج الكبير" أي معرفة حركات الكواكب لاستخلاص التقويم السنوي وتعيين الأعياد المتنقلة، "كتاب المفردات الطبية"، "منتخب كتاب جامع المفردات أي الأدوية المفردة"، "كتاب منافع أعضاء الجسد".
كتب فلسفية: "زبدة الحكمة"، وأوجزه في "تجارة الفوائد"، و"حديث الحكمة"، و"الأحداق" ورسالتان في النفس البشرية.
كتب أخلاقية ونسكية: "الإيثيقون" و"الحمامة".
كتب في القانون الكنسي: "الهدايات".
كتب في الصرف والنحو: "الأضواء أو اللمع"، و"الغراماطيق"، و"الشّرار" (لم يتمه).
كتب أدبية: "القصص المُضحكة" وهذا الكتاب كما هو مبين من عنوانه يتناول أخبار وقصص طريفة.


اشوريونان داود
Ashur younan dawood
Master of Philosophy and Theology
Oceania\ NZ
ashuryounan@yahoo.com

36
تحتفل كنيستنا الأشورية بالصليب المقدس ويسمى عيد اكتشاف الصليب على يد الملكة هيلانة في القرن الرابع . وبدأ الاحتفال بهذا العيد في كل سنة منذ ذلك الوقت، وسبب ذلك أن في القرن السابع في عهد الإمبراطور هيراكليوس الذي استطاع أن يطرد الفرس من مصر، وفي ربيع 614 هم عائدون مرّوا على كنيسة القيامة بالقدس وأحرقوها وسرق أميرهم (خسرو الثاني) الصليب المقدس كرهينة فاهتزت أركان مملكة الروم لهذا الحدث، وذهب به إلى بلاد فارس، ودفنه في فناء قصره الملكي الكائن في مدينة هيرابوليس لكي يخفيه، وعندما سمع هيراكليوس بذلك ذهب بجيشه إلى بلاد فارس وهزم الفرس مرة أخرى، وذهب يبحث عن الصليب، وعلى حسب ما دونه التاريخ أن فتاة شابة أخبرت الإمبراطور هيراكليوس عن المكان الذي دفن فيه خسرو الثاني ملك الفرس الصليب المقدس إلى أن وجده، فحمله وسار به إلى مدينة ببرية حلب، ثمّ إلى حمص فدمشق، ومنها إلى طبرية فالقدس التي دخلها من الأرجح في 21 مارس 630، وبعد إنهاء الترميمات في كنيسة القيامة التي سببها هجوم الفرس هذا، عاد الصليب المقدس إلى موضعه في المكان الذي رُفع عليه لأول مرة على يد الملكة هيلانة، فارتدى الإمبراطور هيراكليوس الملابس الملوكية وتاجه وحلله العظيمة، وأراد أن يرفعه بنفسه كنوع من أنواع تكريم الصليب المقدس، فحدث أمر غريب أنه لم يستطع الدخول به إلى الكنيسة، لأنه شعر بثقل الصليب المقدس عليه، فتعجب جمهور الحاضرين من هذا المشهد العظيم .


أولاً:- معني الصليب:

في الحقيقة توجد كلمتان مستعملتان للتعبير عن آلة التعذيب التي نُفّذ بها حكم الموت على مخلّصنا يسوع المسيح: اكسيلونxylon   ومعناها خشبة أو شجرة؛ استاوروس stauros ومعناها الصليب. واكسيلون وردت في العهد الجديد عادة للتعبير عن الشجرة كمادة. وهي الكلمة التي وردت في سفر التثنية " فلا تَبِتْ جُثَّتُه على الشَّجَرَة، بل في ذلك اليَومِ تَدفِنُه، لأَنَّ المُعَلَّقَ لَعنَةٌ مِنَ الله، فلا تُنَجِّسْ أَرضَكَ الَّتي يُعْطيكَ الرَّبَّ إِلهُكَ إِيَّاها ميراثًا " (تث21/23)، وهي التي اقتبسها بولس الرسول إِنَّ المسيحَ افتَدانا مِن لَعنَةِ الشَّريعة إِذ صارَ لَعنَةً لأَجْلِنا، فقَد وَرَدَ في الكِتاب: مَلْعونٌ مَن عُلِّقَ على الخَشَبَة" (غل 3/13). وفي تلك الحالات فإن كلمة اكسيلون في العهد الجديد هي مرادفة لكلمة استاوروس، التي استخدمت في الأناجيل أثناء حكم الموت على مخلصنا الصالح، وفي رسائل بولس الرسول للتعبير عن آلام وموت المسيح.

ويقول القديس بطرس الرسول في المجلس أمام رئيس الكهنة: "إِنَّ إِلهَ آبائِنا أَقامَ يسوعَ الَّذي قَتَلتُموه إِذ علَّقتُموه على خَشَبَة"(أع 5/30)، وأيضًا في بيت كرنيليوس يقول: ونَحنُ شُهودٌ على جَميعِ أَعمالِهِ في بِلادِ اليَهودِ وفي أورَشَليم. والَّذي قَتَلوه إِذ عَلَّقوه على خَشَبة" (أع10/39). ففي الحقيقة كلمة اكسيلون تقودنا للتفكير في شجرة الحياة الكائنة في وسط الجنة: " وأَنبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرضِ كُلَّ شَجَرَةٍ حَسَنَةِ المَنظَر وطَيِّبَةِ المأكَل وشَجَرَةَ الحَياةِ في وَسَطِ الجَنَّة وشَجَرَةَ مَعرِفَةِ الخَيرِ والشَّرّ " (تك2/9)، وهذه الشجرة لها مفهوم آخر إذ سطر القديس يوحنّا الإنجيلي في سفر الرؤيا: " مَن كانَ لَه أُذُنان، فلْيَسمَعْ ما يَقولُ الرُّوحُ للكَنائِس: الغالِب سأُطعِمُه مِن شَجَرةِ الحَياةِ الَّتي في فِردَوسِ الله" (رؤ2/7)، ويسطر يوحنا الرائي عن أورشليم الجديدة" وفي وَسَطِ السَّاحَةِ وبَينَ شُعبَتَيِ النَّهرِ شَجَرَةُ حَياةٍ تُثمِرُ اثنَتَي عَشرَةَ مَرَّة، في كُلِّ شَهرٍ تُعْطي ثَمَرَها، ووَرَقُ الشَّجَرَةِ لِشِفاءِ الأمَم" (22/2) والأبرار وحدهم لهم سلطان على هذه الشجرة: " طوبى لِلَّذينَ يَغسِلونَ حُلَلَهم لِيَنالوا السُّلْطانَ على شَجَرَةِ الحَياة ويَدخُلوا المَدينَةَ مِنَ الأَبْواب" (22/14).

 

ثانيًّا: الصليب في الكتاب المقدس:

على حسب نص الكتاب المقدس الطبعة البيروتية وردت كلمة "صليب" لأول مرة  في سفر حزقيال النبي: "أُقتُلوا الشَّيخَ والشَّابَّ والعَذراءَ والطِّفلَ والنساءَ حَتَّى الفَناء، ولكن كُلُّ مَن عَليه الصَّليبُ لا تَدْنوا مِنه. إِبتَدِئوا مِن مَقدِسي. فابتَدَأَوا مِنَ الرِّجالِ الشُّيوخِ الَّذينَ أَمامَ البَيت" (9/6). ثم توالت على صفحات العهد الجديد مرتين لدي بشارة القديس متى(27/40 و42)، ثلاث مرات لدي بشارة مرقس (15/ 30 و 32 و46)، وثلاث مرات لدي بشارة لوقا (23/ 26، 39، 53)، ومرتين لدي بشارة يوحنا(19/ 19 و31)، وست مرات في رسائل بولس الرسول( 1 كو 1/ 18، غل 5/ 11، أفسس 2/ 11، فيلبي 2/ 16، كولوسي 2/ 14، عب 12/2).  

 

ثالثًا: ظهور الصليب المقدّس:

على حسب ما سطّره يوسابيوس القيصري أبو التاريخ الكنسي أن الملك قسطنطين الكبير كان يحارب في مدينة روما، وفي سنة 312 انطلق الإمبراطور مكسانس وسأل الله النصر. وعند ظلمة أول الليل، ظهر فوق النجم الأول صليب من نور وعبارة: "بهذه العلامة تنتصر" فاستولى الدهش على قسطنطين وجنوده، ولكنهم لم يفهموا معنى ذلك. وفي الليل، ظهر المسيح للإمبراطور في الحلم مع العلامة نفسها، وأمره بأن يجعلها شعاره العسكري، وأن يحملها في معاركه فينال منها الحماية. وفي 27 أكتوبر312، انتصر قسطنطين على عدوّه ودخل روما ظافرًا. وأمر بأن يوضع الصليب في كلّ مكان، وتحته عبارة تذكر الرومانيين بأنهم تحرروا من نير الطغيان بهذه العلامة. ولمّا عَمَّ السلام في المسكونة كلّها، ينقل لنا التقليد الكنسي أن الملك قسطنطين اتفق مع والدته الملكة هيلانة، أن تذهب إلى الأراضي المقدسة، وتبني هناك كنائس لعبادة يسوع المسيح. وقد وهب الأموال الوفيرة لهذا العمل. وعندما وصلت إلى القدس، هدمت الهياكل الوثنية. ثم أخذت تسأل عن مكان صليب يسوع المسيح، وأين هو؟ فأرشدها مكاريوس أسقف أورشليم يومذاك، بمساعدة شيخ يهودي اسمه يهوذا، إلى مكان الصليب، وكان مكانه مقلب مزبلة هائلة، ويشهد بذلك المؤرخ الكنسي سقراط(380-450)  إذ يسطر: أنّ اليهود تعمدوا إخفاء معالم هذا المكان بعد أن كان يحج إليه مسيحيون كثيرون، فكانوا يلقون الأتربة والقاذورات حتى تكون فوقه ما يشبه الهضبة المرتفعة، وأقيم فوقها معبد للإله فينوس إمعانا في إخفاء مصدر إيمان وعزاء المسيحيين. وعلاوة على ذلك يسطر غريغوريوس أسقف لاطور(+594) أن الذي دلّ على مكان الصّليب هو يهوذا الذي سُميّ بعد المعمودية كرياكوس. وأيضًا يضيف المؤرخ الكنسي روفينوس(345-410): أن تمّ اكتشاف خشبة الصليب المقدس عن يد الملكة هيلانة في البطريرك مكاريوس الأورشليمي(313-334)   فأمرت الملكة هيلانة برفع  هذه المزبلة والأتربة، فوجدوا ثلاثة صلبان، ولوح الكتابة:« هذا ملك اليهود»وأدوات الصلب، فاحتار الرئيس والمرؤوس لا بل كل الحاضرين قائلين:« أيّ  خشبة لمخلصنا الصالح في الثلاثة صلبان» وفيما هم محتارون قدموا أشخاص يحملون ميتًا فقال مكاريوس بطريرك أورشليم:« لنضع جثة هذا الميت على أيّ صليب والصليب الذي يُقيم الميت هو صليب الرب يسوع!»، وبهذه الطريقة عُرفت خشبة الصليب المجيد!، فكان ذلك اليوم عيدًا، ويشهد بذلك الأحداث المؤرخ الكنسي سوزمين في إرهاصات القرن الخامس. تُعيِّد في كل سنة بعيد ظهور صليب مخلصنا يسوع المسيح في يوم 17 توت. وعلى حسب ما سطرته الراهبة إيجيريا الأسبانية في القرن الرابع أثناء زيارتها للأراضي المقدسة في زمن أسبوع البسخة المقدسة قالت الآتي:« أن في الساعة الثامنة صباحًا كل مؤمن يلمس خشبة الصليب المقدّسة، لأنها نافعة للخلاص، وكانت تُوضع خشبة الصليب واللافتة المنقوش عليها: " هذا هو ملك اليهود" في صندوق فضيًّا مطليًّا من الذهب، ويوضع على منضدة لكي كل الحاضرين يأخذون منه البركة المقدسة، وخلفه أسقف مدينة أورشليم، وهو ممسك بأطراف الخشبة المقدسة، ومن حوله الشمامسة حارسين حراسة مشددة على الخشبة المقدسة، وسبب ذلك أن أحد الأشخاص وهو يأخذ البركة من الخشبة قطع قطعة من الخشبة وسرقها، فكان طقس البركة من الخشبة المقدسة أن المؤمن يحنى برأسه ويلمس الخشبة المقدسة واللافتة أولاً بجبهته، ثم بعينيه، ثم يُقبّل خشبة الصليب، ثم يجدون بجواره شمّاسًا ممسك بخاتم سليمان والقرن الذي كان يُمسح به الملوك فيُقبِّلون الخاتم والقرن، فكان الدخول من باب والخروج من باب آخر». وبدأ الآباء الكنسيون يشيرون في عظاتهم عن اكتشاف خشبة الصليب وفي مقدمتهم القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو (339-397) الذي ألقى هذه العظة في سنة 395، ويعتبر أول من ربط بين البحث عن الصليب وبين الملكة هيلانة، والقديس يوحنّا ذهبي الفم(347-407)، وبولينوس الأسقف من نولا بفرنسا(353-431)، كما أخذت نصيب الأسد في عظات الصليب المقدس القديس كيرلس الأورشليمي (315-386) عن اكتشاف خشبة الصليب، بالإضافة إلى ما سطر من المؤرخين سقراط(380-450)، وتيودوريت(393-458) والذي ذكر أن هيلانة وجدت في القبر المقدس المسامير التي سمرت بها يدا المخلّص ورجلاه وأرسلتهما إلى قسطنطين الذي ثبت مسمارًا منها على الخوذة الملكية التي كان يلبسها وهو خارج لخوض المعارك الحربية. وألغى قسطنطين الإعدام بالصلب، ولن يُعِده ملك آخر بعده.  وحاليًا خشبة الصليب في روما وذلك على حسب الخطابيين المحررين عام 599 من الطيب الذكر الحبر الروماني غريغوريوس الكبير(540-604)، الأول: إلى ريتشارد ملك أسبانيا، والثاني: للملكة ثيئودوليندا ملكة لمباردز. وقطعتان من خشب عود الصليب المقدس الذي صلب عليه يسوع المسيح

رابعًا: الصليب ورشمه في فكر آباء الكنيسة:

1- القديس ترتليانوس (155-220):

"في جميع أعمالنا، حين ندخل أو نخرج، حين نلبس، أو نذهب إلى الحمّامات، أو نجلس إلى المائدة، أو نستلقي على السرير، أو نأخذ كرسيًّا أو مصباحًا، نرسم إشارة الصليب على جباهنا. لم تأمر الكتب المقدسة بممارسة هذه العادة، لكن التقليد يعلّمها، والعادة تثبتها، والإيمان يحفظها".

2- العلاّمة أوريجانوس لونيدس السكندري (185-245):

"إنها العلامة التي يصنعها المسيحيون على جباههم سواء قبل الصلاة أو قبل قراءة الأسفار المقدسة".

3- القديس أنطونيوس الكبير(251-356):

" إن الشياطين توجه هجماتها المنظورة إلى الجبناء. فارسموا أنفسكم بعلامة الصليب بشجاعة ودعوا هؤلاء يسخرون من ذواتهم. أما أنتم فتحصّنوا بعلامة الصليب".

4- القديس أثناسيوس الرسول( 279- 358):

"بعلامة الصليب يقف كل سحر، وكل عرافة تفقد قوتها... وكل شهوة باطلة تنصد، وعلامة الصليب تذكار الانتصار فوق الموت وفوق فساده"

5- القديس أفرام السرياني:( 306-373)

"بدلاً من أن تحمل سلاحًا أو شيئًا يحميك، احمل صليبك وأطبع صورته على أعضائك وقلبك، وارسم به ذاتك لا بتحريك اليد فقط بل ليكن برسم الذهن والفكر أيضًا. ارسمه في كل مناسبة: في دخولك وخروجك، في جلوسك وقيامك، في نومك وفي عملك، ارسمه باسم الآب والابن والروح القدس".

6- القديس كيرلس الأورشليمي (315-386):

"لا نخز إذًا أن نعترف بالمسيح مصلوبًا بل ليت إشارة الصليب تكون ختماً نصنعه بشجاعة بأصابعنا على جبهتنا، وعلى كل شيء، وعلى الخبز وعلى كأس الشرب،  وفى البيت، لا تحتقروا الختم من أجل مجانية العطية، بل بالحري كرّموا صاحب الفضل".

7- القديس باسيليوس الكبير(330- 379):

"تعلمنا من التقليد أن نرسم الصليب على جبهتنا وعلى سائر الأمكنة"


اشوريونان داود
Ashur younan dawood
Master of Philosophy and Theology
Oceania\ NZ
ashuryounan@yahoo.com

37
رينيه ديكارت ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

38
تسلسل وظيفي للعرب 2011

39
تبادل تجارى مع العراق !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

40
العراق مع الاسف الشديد !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

41
ايـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــران ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

42
قضية فلسطين!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

43
انتعاش معامل الثلج في ظل غياب التيار الكهربائي !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

44
صاحب رأي مختلف ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

45
الرئيس الباكستاني !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

46
اعادة تكرير ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

47
ماما امريكا !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

48
تاجر مواد غذائية ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

49
زاوية الكاريكاتير / أزواج 2010
« في: 11:53 23/08/2010  »
أزواج 2010

50
سيدة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

51
جدار الأعتراضات والشكاوي ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

52
الرئيس قدوة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

53
عالم عراقي قرر عدم الهجرة والعمل من أجل العراق

54
دعم ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

55
الشات في رمضان !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

56
أيام رمضان !!!!!!!!!!!

57
رمضان كريم ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

58
الحد الأدنى للأجور ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

59
الكراسي اليوم وغداً و في المستقبل ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

60
قانون الارهاب ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

61
من شروط الحصول على وظيفة!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

62
الحكومة الالكترونية ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

63
بلوتوث !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

64
زاوية الكاريكاتير / الرشوة 2010
« في: 11:48 02/08/2010  »
الرشوة 2010

65
مستشفى خاص؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

66
وجهات النظر!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

67
زاوية الكاريكاتير / عرب 2010
« في: 11:33 02/08/2010  »
عرب 2010

68
فحص البطيخة !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

69
تفتيش مفاجىء !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

70
الاحلام ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

71
صيام مقبول

72
سوبر ماركت

73
الدوائر الحكومية في رمضان .......................

74
بنات اليوم !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

75
بعض الطالبات ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

76
ومن السهر ما قتل ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

77
عمليات التجميل اليوم !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

78
شركة كهرباء العراق العظيم ............

79
فيديو كليـــــــــــــــــــــــب ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

80
الارهـــــــــــــــــــاب والعراق ..............

81
التواضع خلق حميد وجوهر لطيف يستهوي القلوب !!!!!!!!!!!!!!!

82
وهكذا تستمر الحياة !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

83
الانتظار والانتظار والانتظار وووووووووووووووووووووووووووو!!!!!!

84
عمليـــــــــــــــــــــــــــــات تجميل !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

85
مشروع ازالة قشرة موز؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

86
اجراءات مشددة في المطارات الامريكية تستهدف 14 دولة !!!!!!!!

87
العرب 2010 ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

88
سجن أبو غريب في العراق !!!!!!!!!!!!!!!

89
الشات !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

90
هل حقاً العالم قرية صغيرة !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

91
مالفرق بين الطالب الذكي والطالب الموهوب......

92
هل حقا أن العراق بلد نفطي ؟

93
معرض للفقراء

94
الطالب الذكي !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

95
المستهلك !!!!!!!!!!!!!!

96
الخطة الأمنية !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

97
العراقي 2010 ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

98
انتحاريات العراق ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

99
ناس وناس ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!

100
الى متى يبقى العراق هكذا؟؟؟!!!

101
يقولون ( و من الحب ما قتل )


102
دول الخليج العربية

103
السعادة الزوجية !!!!!!!!

104
منك المال ومنا الحلال ؟؟؟؟؟؟

105
عكس الحقيقة

106
صدق مافيه شي ببلاش في الدنيا ؟

107
سياسي بارع و ممتاز ؟؟

108
الصحة للجميع ؟

109
العراق العظيم سنة 2002-2003

110
فرق بين السماء والارض ؟

111
 الغني و الفقير 

112
البرلمان العربي ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

113
المناهج الدراسية ؟؟؟؟؟؟؟؟

114
موقع الزواج !!!!!

115
مثقف حقيقي .......

116
منتديات !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

117
عيد الحب (فالنتين)

118
الشيف فراس ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

119
SMS !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

120
الجمال الداخلى !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

121
اذا كان الكلام من فضه فالسكوت من ذهب هل هذه المقوله دائما صحيحه ؟؟؟؟$$$$$$$

122
مبرووووووووووووووووووووووووووووووك !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

123
رجيم بس على الطريقة KFC ..................

124
بعد ما أعلنت الولايات المتحدة الأميركية ودول حلف الشمال الأطلنطي حربها على الإرهاب، شهدت أفغانستان وصول موجة عارمة من المنصرين تدفقوا من كل حدب وصوب "لينقذوا شعبا يقف على عتبة الموت من دون المسيح"، ومجتمعا "لا توجد فيه كنيسة واحدة"، وأرضا "بحاجة إلى أن تحاصر بالصلوات المسيحية"!.

إذا تصفحنا أدبيات مؤسسات التنصير في أفغانستان فسنجدها تتغذى من السياسة، وهي ليست إلا تكتيكا لتحقيق إستراتيجية الاحتلال والهيمنة. بعد مرور أربعين سنة على تشييد أول كنيسة للبروتستانت في أفغانستان ثم تخريبها بالجرارات، تجدد حديث التنصير مرة أخرى في تلك البلاد التي لم تكن لها تجربة مع المسيحية على امتداد تاريخها الطويل.

لم يكن الدين دافعا وراء بناء الكنيسة التي شيدت على مرمى حجر من سفارة الاتحاد السوفياتي بطلب من الرئيس إيزنهاور الذي زار البلاد في أواخر ستينيات القرن المنصرم، بل كان الهدف منها كما ذكرته المخابرات الأفغانية في حكومة الملك محمد ظاهر شاه نصب أجهزة التنصت للتجسس على أنشطة السوفيات ومراقبة تحركاتهم عن قرب.

فكما كان لبناء أول كنيسة في كابل العاصمة علاقة بالسياسة والصراعات الدولية، فكذلك حقيقة التنصير السياسي الذي يقومون به اليوم لا يمكن فهمه إلا من خلال قراءتنا لكتاب الهيمنة والاحتلال.


إن ما قاله القسيس الملاوي تشارلز دومينغو قبل مائة سنة في حق الاستعمار يتكرر اليوم مرة أخرى على أرض أفغانستان. دومينغو كان يقول إن ثالوث الاحتلال يتكون من الواجهات الثلاث: القوات العسكرية، الشركات التجارية، وإرساليات التبشير المسيحي. إن التنصير ليس إلا عملية تنويم للشعوب حتى يتسنى للمحتل سحب الأرض من تحت أقدامها.

كان الرئيس الكيني الأسبق جوموكينياتا يقول: "عندما جاء الإنسان الأبيض إلى بلادنا كانت الأرض بيدنا والإنجيل بيدهم. ثم قال لنا: تعالوا لنصلي معا، نحن صدقناه وأغمضنا أعيننا لكي نصلي. وعندما فتحنا أعيننا وجدنا الأرض بيدهم والإنجيل بيدنا".


الاصطياد في الماء العكر
الاحتلال السوفياتي لأفغانستان لم يساعد فقط على نشر الفكر الشيوعي، بل إنه فتح أبواب التنصير في البلاد، وذلك بدفع ملايين الأفغان إلى باكستان والهند والدول الغربية ليتحولوا إلى لقمة سائغة للمنظمات النصرانية ذات الإمكانيات الهائلة.

إن مراكز التبشير في إسلام آباد كانت بمثابة النواة الأولى لتنصير الأفغان الذين كانوا يئنون بين شقي الرحى؛ المد الشيوعي الزاحف من الشمال والموجة التنصيرية القادمة من الجنوب.

فباكستان كانت تحتضن حركة الجهاد الأفغاني من جهة والهيئات التنصيرية الغربية من جهة أخرى. فالإنسان الأفغاني كان يعاني من كارثة الاحتلال والشيوعية من جهة والفقر والأمية والحروب والمرض والقبلية والمخدرات والتخلف من جهة أخرى، بالإضافة إلى انعدام الدولة التي يمكن أن تتولى الدفاع عن مقومات المجتمع.

لقد مر الشعب الأفغاني بخمس مراحل وهي: صناعة الكوارث على يد القوى الدولية المهيمنة واختلال نظام المجتمع وتوازنه أولا، ثم التدخل بحجة تأمين الأوضاع ثانيا، وبعد ذلك فتح أبواب التنصير لقطع علاقة الشعب بمحيطه الإسلامي وجذوره الحضارية ثالثا، ويليه التجسس الذي غطى كل زوايا المجتمع رابعا، وفي النهاية استخدام شعار حقوق الإنسان لحماية (الأصدقاء) ودعمهم خامسا.


حقيبة الاحتلال
الاحتلال الأميركي لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل إنه يحمل معه حقيبة متكاملة تتكون من خطط عمل سياسية وقانونية وثقافية وإعلامية ودينية. فعندما احتلت القوات الأميركية كوريا الجنوبية بعد الحرب العالمية الثانية جاءت الكنيسة الأميركية لتنصر ربع سكان كوريا كما حدث مع سكان الفلبين.

وفي مقابلة لرئيس الولايات المتحدة الأميركية وليام مكنلي أيام احتلال الفلبين أجريت سنة 1903 قال: "وفي وقت متأخر من إحدى الليالي تلقيت إلهاما ربانيا يقول لي: لا يمكن أن نرد الفلبينيين إلى الإسبان لأن ذلك سلوك مشين، ولا يمكن أن نسلمهم إلى فرنسا وألمانيا اللتين تنافسان الولايات المتحدة في تجارة الشرق لأنه عمل مخز، ولا يمكن أن نتركهم ليحكموا أنفسهم بأنفسهم لأنهم لا يصلحون للحكم الذاتي الذي سيؤدي إلى الفوضى وسوء الإدارة وسيكون ذلك أسوأ من حروب الإسبان عليهم، ومن ثم لم يبق لنا خيار إلا أن نأخذ جميع الفلبينيين ونثقفهم ونرفع من مستواهم ونجعلهم متحضرين ونحولهم مسيحيين، وبفضل الرب نقدم لهم كل ما نستطيع أن نقدمه لإخواننا في الإنسانية الذين مات المسيح من أجلهم".


الصليب والسلاح
ثمة أدلة تؤكد لنا التناغم بين مؤسسات الدولة والكنيسة البروتستانتية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية. وزارة الدفاع مثلا وهي مؤسسة حساسة لم تكن في مأمن من هذه العلاقة المتبادلة. فنائب وكيل وزارة الدفاع اللواء وليام بويكن في خطاب ألقاه في اليوم العاشر من شهر أبريل/نيسان عام 2008، قال: "أريد أن أقابل المسيح عند أبواب الجنة والدماء تسيل من يدي وركبتي والرمح بيدي وأقول له: انظر! أنا جئت من المعركة، أنا كنت أقاتل من أجلك.."، ثم هتف الجنرال على مسامع الحضور قائلا: "أيها السيدات والسادة! خذوا دروعكم وخوضوا غمار الحرب".

وذات يوم وقف في كنيسة بولاية أوريغن وهو يرتدي الزي العسكري وقال: "نحن في جيش الرب وبيت الرب ومملكة الرب ترعرعنا لمثل هذه المرحلة، العدو ليس قادة الإرهاب فقط، بل العدو هو الديانة نفسها"، وفي مناسبة أخرى قال بالحرف الواحد إن إلهه أقوى من إله المسلمين.

لم تكن العلاقة الوطيدة بين الصليب والسلاح من ميزات فترة حكم الجمهوريين، بل في ظل إدارة الرئيس أوباما وفي الأسابيع الأولى من العام الجاري 2010 كشفت قناتا "سي أن أن" و"أي بي سي" الأميركيتين أن شركة تريجيكان التي تعتبر من الشركات الأساسية لتزويد الجيش الأميركي بالسلاح والعتاد، تصنع أسلحة سماها البعض ببندقية المسيح، حيث طبعت عليها إشارات من آيات الإنجيل. وعرضت القناتان صورة بندقية مكتوب عليها الآية رقم 12 من الإصحاح الثامن لإنجيل يوحنا التي تقول: "ثم كلمهم يسوع قائلا أنا نور العالم"، كما أنها عرضت منظارا للقوات الخاصة في أفغانستان طبعت عليه الآية السادسة من الإصحاح الرابع لرسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس والتي تقول: "لأن الله الذي قال أن يشرق نور من ظلمة هو الذي أشرق في قلوبنا لإنارة معرفة مجد الله في وجه يسوع المسيح".

وقبل هذا بسنتين عرضت الجزيرة وبعض القنوات الأميركية مشاهد لموعظة حماسية كان يلقيها رئيس أساقفة الجيش الأميركي في أفغانستان هينسلي وهو يخاطب الجنود في قاعدة بغرام الجوية قائلا: "إن القوات العسكرية الخاصة تصطاد الرجال، ونحن كمسيحيين نفعل الشيءَ نفسَه، نحن نصطاد الرجال للمسيح.. أجل، إننا نلاحقهم ونقتنصهم، نوجه إليهم سهام الهداية كي يقعوا في شباك مملكة المسيح، هذا ما سنفعله وهذه قضيتنا".

وفضيحة تورط الجنود الأميركيين في توزيع نسخ من الإنجيل باللغتين الفارسية والبشتونية على السكان المحليين في أفغانستان ربما تكون حاضرة في أذهان الكثيرين.


التنصير ولعبة الغميضة
نشاط التنصير في أفغانستان بدأ على يد قسيس إيراني المولد وأميركي الجنسية اسمه الدكتور وليام ويلسون حيث دخل أفغانستان سنة 1951 وطرد منها بعد 22 سنة. وقد قام هذا القسيس ببناء مستشفى النور للعيون ومؤسسة للمكفوفين، بالإضافة لتدريسه اللغة الإنجليزية لولي العهد الأفغاني آنذاك.

لقد أخبرني مندوب أفغانستان السابق في الأمم المتحدة الدكتور فرهادي أن رائدة الفضاء السوفياتية ترشكوفا قد زارت أفغانستان سنة 1969، ولكنها رفضت أن تدخل جناح مدرسة المكفوفين في معرض كابل الدولي، لأن تلك المدرسة في نظر السوفيات كانت لها علاقة بالمخططات السرية للولايات المتحدة الأميركية.

ففي مجتمع مغلق كالمجتمع الأفغاني -الذي يجد فيه المنصر الرسمي نفسه أمام أبواب مغلقة- فكرت الكنيسة في خطة تساعدها على الدخول عبر النوافذ والأبواب الخلفية، ومن ثم تبنت منهج "صناع الخيام" الذي ساعد المنصرين على إخفاء هوياتهم في أفغانستان.

والمصطلح مأخوذ من العهد الجديد (آية 3، إصحاح 18، سفر أعمال الرسل)، ويشير إلى حكاية من بولس الرسول الذي كان يدعو إلى المسيحية في مدينة كورنث اليونانية ويعيش من "صنع الخيام". ويقصد بهذا المصطلح اليوم المهنيون الذين يقومون بمهام تنصيرية إلى جانب عملهم الرسمي كالطب والهندسة والتعليم والتجارة وغيرها، ولا يتلقون أي دعم من المنظمات الكنسية.

بالإضافة إلى نشاط "صناع الخيام" الذين يتواجدون في أفغانستان منذ عشرات السنين، قام الاحتلال الأميركي بفتح أبواب ونوافذ كثيرة أمام المنصرين الرسميين وغير الرسميين الذين أتوا من كل حدب وصوب مثل بعثة المساعدة الدولية، والرؤية العالمية، ومجلس البعثة الدولية، ومجتمع كنيسة أنطاكية، والعلاج الدولي، والعناية الدولية، والمأوى العاجل، ومنظمة الخدمات، وإنجيل السلام، وأوكسام، وسماريتن، والمعمدانية الجنوبية لتكساس، وغيرها الكثير.

قناة الجزيزة

125
بدون تعليـــــــــــــــــــــــــــــــــــق !!!!!!!!!!!!!!!!

126
زمن الحرية بين نظام الديمقراطية وسلطة المرجعية !!!!!!!!!!!

127
ادمان الانترنت !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

128
زواج كبار السن من فتيات صغيرات؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

129
العالم العربي الى متى !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

130
الزواج الحقيقي !!!!!!!!!!!!!!!!!!

131
بدون تعليـــــــــــــــــــــــــــــــــــق !!!!!!!!!!!!!!!!

132
الناس هذه الايام !!!!!!!!!!!!!!!!!!

133
دعوة الى حوار الثقافات ؟؟؟؟؟؟؟

134
القله القليله من المعارضات الوطنيه العراقيه لها تاريخ وباع طويل في مقارعة الانظمه السابقه والدكتاتوريه والتفرد بالسلطه والمهام والقرارات في العراق منذ مطلع الخمسينات من القرن الماضي .

بعد الحرب العراقيه - الكويتيه والحصار الذي فرض على الشعب العراقي في بداية التسعينات تشكلت وقامت وانطلقت العديد من المعارضات البعض منها كانت معروفة وواضحة البرامج والنهج السياسي لها , والقسم الاخر من المعارضات الغير معروفه التي دخلت الساحة باسماء وعناوين الى ان وصل عددها الى اكثر من 80 اسما وعنوانا وكيانا وفصيلا وتجمعا . . .

لندن وبعض العواصم العربيه كانت الحاضنه الاولى للمعارضات المعروفه بتاريخها النضالي كما عرفناها وعرفها المواطن العراقي والعالم بوجود لديها خط واضح ومعلن الا وهو خدمة العراق وشعبه ومستقبله والنهوض به الى الامام والتقدم والديمقراطيه واحترام الانسان والمواطنه . . .

هذه المعارضه التي قارعت النظام السابق لاكثر من 3 عقود من الزمن التي ضحت بكوادرها وعناصرها واعطت تضحيات جسيمه وماديه على الساحه العراقيه بعملها السري والعلني وفي مقدمة ذلك كان الدكتور اياد علاوي الذي تعرض الى عدة محاولات قتل واغتيال وتصفيه جسديه الى ان مكث لاكثر من عام في احدى المستشفيات لتلقي العلاج اللازم .

ايران واجهزة مخابراتها احتضنت وتبنت العديد من المعارضه العراقيه ممن هم اليوم في السلطه والحكومه الجديده , ودعمت ايران ايضا بعض العناصر والمنظمات الارهابيه واحزاب طائفيه في المنطقه .
استغل النظام الايراني هؤلاء جميعا قبل سقوط النظام السابق في العراق , كما استغلت عملائها في افغانستان لاسقاط نظام طالبان وبالتعاون ايضا سرا مع الولايات المتحده الامريكية وتعاونها كذلك في اسقاط نظام صدام حسين في العراق . . .

اوصل النظام الايراني المتعاونين معه في انتخابات 2005 الى سدة الحكم في العراق بواسطة الدعم اللوجستي والمالي والامني والمخابراتي وبمباركة بعض الشخصيات والمراجع الدينيه في كل من ايران والعراق .

منذ عشرات الاعوام شاهدنا وقرانا وسمعنا الاف البرامج التلفزيونيه والاذاعيه والمقابلات والمقالات والندوات والمؤتمرات ومؤتمرات المعارضه العراقيه التي انعقدت في لندن وصلاح الدين - شمال العراق ودول اخرى ومئات الشخصيات السياسيه ولن نسمع باسم السيد نوري المالكي اوانه كممثل لاحد الاحزاب والتجمعات او قادة او اعضاء لحزب الدعوة الذي سمعنا به قبل سقوط النظام السابق بعشرات السنين . . .

لو فرضنا جدلا ان السيد المالكي كان احد رموز واعضاء الحزب الذي انطلق من ايران منذ قيام الثورة الاسلاميه عام 1979 , فهذا يعني ويدل على وجود تنسيق وتفاهم قوي وسري وعلني ما بين اجهزة النظام الايراني مع المعارضه التي ترعرعت في احضان قادة التنسيق والعمليات الخارجيه قبل وبعد عام 2003 .

عرابوا الطائفيه والمذهبيه في العراق لا يستطيعون الخروج من الغطاء والهيمنه والنفوذ والسيطره والاوامر الايرانيه وفي مقدمتهم السيد نوري المالكي بالرغم من ادعائه بدولة القانون وخلافاته مع الائتلاف العراقي وخاصة الصدريين . . .

قال البعض ان السيد المالكي تخلص من تلك الهيمنه والسيطره الايرانيه عليه بدليل دخوله الانتخابات بمعزل عن الائتلاف والاحزاب الدينيه الاخرى ! نقول هنا - انها مغالطة وحاله غير صحيحه لانه لا يزال هو ومن معه وغيره تحت المطرقه وتوجهات اجهزة النظام الايراني وما هو مخطط ومرسوم تنفيذه .

لا يقرا لا يشاهد لا يسمع :
.............................
* السيد المالكي , لا يقرا ولا يشاهد ولا يسمع عن ما يقال في الشارع العراقي والاقليمي والدولي , السنوات الاربعه التي مرت من حكم عرابوا الطائفيه في العراق كانت من اسوا واقسى وابشع سنوات الحكم التي مرت على العراقيين منذ انشاء الدولة العراقيه الحديثه في العشرينات من القرن الماضي .

* السيد المالكي , لا يشاهد ولا يقرا ولا يسمع عن المليارات التي نهبت وسرقت وضاعت من خزينة العراق وبنوكه التي تتعرض يوميا الى الاقتحامات والسرقات بمساعدة اجهزة الحكومة المخترقه , وهذه الاموال التي كانت ضحية الفساد هي اموال الشعب العراقي وليست لهذا الشخص او ذاك , او لهذا الحزب او ذلك , ولا لهذه الطائفه وتلك والخ . . .

* السيد المالكي , لا يسمع ولا يشاهد ولا يقرا عن ما حل بباقي مكونات الشعب العراقي الاصيل من الصابئه والايزيديين والشبك والمسيحيين الذين لا ناقة لهم ولا جمل بهذا الصراع الدموي للسيطرة والهيمنه على مقدرات العراق وهذا الهجوم الوحشي لافتراس العراق وتحويله الى غابه وغنائم .

* السيد المالكي , لا يشاهد ولا يسمع ولا يقرا عن ما تقوم به اجهزته الخاصه التي وصل عددها الى العشرات وتحت اشرافه وسيطرته وقيادته وهي بعيدة كل البعد عن رقابة وصلاحيات وزارة الداخليه والعدل ودوائر الرقابه والمحاسبة والبرلمان . . . , اليست هذه صفه وحاله من الدكتاتوريه المعروفه كما كانت في ايام النظام السابق والانظمه الاستبداديه التي تقوم على سياسة الحزب الواحد والقائد الملهم وما الى ذلك من الممارسات القمعيه ? .

* السيد المالكي , لا يقرا ولا يشاهد ولا يسمع بما حل بالجيش والشرطه ووزارة الداخليه والدفاع والاختراقات والولاءات التي اصبحت للاحزاب والطائفه والمذهب وليس للانتماء الوطني وخدمة العراق والعراقيين والحفاظ على امنهم وممتلكاتهم وعرضهم وكرامتهم . . .

* السيد المالكي , لا يسمع ولا يقرا ولا يشاهد عن ما يقوله المواطن العراقي يوميا الذي يلعن ويسب ويشتم من كان السبب لمعاناته وتردي اوضاعه وفقدان حتى بطاقته التموينيه وخدمات الصحه والتعليم والسكن وهذا الارهاب والقتل والتهجير والبطاله وغيرها من السلبيات التي اصبحت لا تعد ولا تحصى بحيث صار يعرف العراق / بالبلد الغير امن / .

* السيد المالكي , لا يشاهد ولا يقرا ولا يسمع عن السجون السريه التابعه لاجهزته ورئاسته ورقابته وما يجري فيها وبداخلها من عمليات اغتصاب وتعذيب وابتزاز اموال وهذا باعتراف العديد من بلدان العالم والمنظمات الحقوقيه وغيرها .

* السيد المالكي , لا يسمع ولا يقرا ولا يشاهد بان العراق اصبح مقسما طائفيا وقوميا وعرقيا وشمال العراق خارج السيطرة الحكومية وحزبه القائد الذي يصول ويسرح ويمرح ويجول من الفاو الى الموصل ماعدا وباستثناء شمال العراق الذي لايستطيع تحريك او ادخال شرطي او جندي واحد الى تلك المحافظات المعزوله . . .

* السيد المالكي , لا يقرا ولا يشاهد ولا يسمع بان من دول القضيه العراقيه كانت حكومة الاربع سنوات المالكيه وبسبب عدم الدخول في مباحثات ومفاوضات حقيقيه لا مع الامم المتحده ولا مع مجلس الامن ولا مع اميركا او اية دوله ومنظمه لها علاقه بالفصل السابع لكي يتخلص العراق منه ونتائجه الكارثيه وما حصل مؤخرا للطيران العراقي واعلان افلاسها والكويت والتعويضات وتلك التصرفات الغير مسؤوله وقتل الصيادين في المياه العراقيه من قبل ايران والكويت وبعض التجاوزات والاستهتار الحدودي وابار النفط / الفكه / التي لازالت تحت النفوذ والسيطره الايرانيه وانتهاءا بمشكلة الاكراد وكركوك والاراضي / المتنازع !! عليها وغيرها من الاشكالات التي اوجدتها حكومة الفساد والسرقات والتجاوزات وعرابوا الطائفيه . . .

* السيد المالكي , لا يسمع ولا يشاهد ولا يقرا بانه يريد ايصال العراق الى الهاويه والكارثه خاصة بعد انتخابات 2010 وخسارته فيها وهو يحاول بشتى الوسائل والطرق عرقلة تشكيل الحكومة وتكليف القائمه العراقيه واستخدامه الطرق الملتويه والغير مسؤوله للنيل من العراقيه التي فازت باصوات الملايين من الشعب العراقي من الجنوب الى الشمال واتت برقم 91 مقعد في البرلمان القادم , وتلك الممارسات والضغط على المحكمه وعلى هيئة المساءله والعداله السيئة السيط والسمعه والمشبوهه وارتباطها بايران , بالرغم من كل المحاولات التي باءت بالفشل ونتوقع هذه الايام بمصادقة محكمة التمييز على نتائج الانتخابات وان تبقى العراقيه شامخة ومرفوعة الراس برقم 91 دون تغيير وتبديل . . .

* اخيرا / ربما السيد المالكي قد يشاهد ويقرا ويسمع عاجلا ام اجلا بان هناك عراق حر جديد قادم وحكومة وطنيه ومستقبل زاهر للعراقيين , وستكون هناك محاسبة ومعاقبة لكل من سرق وعبث فسادا واجرم ومن كان السبب بهذا التدهور في العراق وقتل وتهجير مئات الالوف من العراقيين داخل وخارج العراق وفتح الملفات التي اخفيت سرا , ولن يكون هناك من هو فوق القانون والدستور والمحاكم ولجان التحقيق والعداله التي تنتظر كل مجرم وارهابي على ارض العراق الشامخ



135
تم حذف المقال وشكرا لكم


2010

136
            الى متى يبقى الحال هكذا ؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!!!!


137
لقد كنتُ مفتوناً بفكرة السلام العالمي ، إنها فكرة عظيمة وعندما بدأت بالسفر حول العالم و لقاء الناس وجدت أنه لا يوجد شيء مادي ملموس يمكن أن يُطلَق عليه اسم (سلام )، ليس العالم هو الذي يحتاج لأن يكون مستقراً وثابتاً بل الناس .
عندما يكون الناس في سلام داخلي سيكون هناك سلام عالمي . في الوقت الحاضر لا يزال الناس ميالين للحرب .

تبدأ الحرب بالرفض و الاستنكار ، فريق يقرر أن أسبابه أعظم و الفريق الآخر أسبابه غير موجودة  و تتعاظم الأسباب بينما يتضاءل الإنسان ليصبح لاشيء . يحارب الناس لأنهم يعطون لأسبابهم شرعيّة أكثر من حياة الناس . و في تبريراتهم يقلّلون من قيمة حياة الإنسان . و عندما ظهرت فكرة أن الحرب أهم من حياة الإنسان انقلب الميزان  و مازال الأمر مستمراً نحو الأسوأ .
يحارب الناس عندما يعجزون عن إدراك غاية الحياة ، لأننا في الحرب نبدد الحياة ، الحرب لا توجد فقط في ساحة المعركة ، في البيت و بدون حرب نحن نبدد الحياة ، وتبدو الحرب الخارجية أليفة بالمقارنة مع ثورة المعركة في داخل الإنسان ، في هذه المعركة تُهدَر الأعمار و يُضَحّى بأثمن اللحظات . المعركة الداخلية هي المعركة الكبرى . نحن بحاجة لأن نكون في سلام مع أنفسنا لأن قسماً كبيراً من الإنسان دُمِّر في ساحة معركته الخاصة .

 القلق الداخلي يبعدنا عن الوصول للسلام الحقيقي ، و ستبقى دائماً الحرب الخارجية طالما لا يوجد سلام في داخل النفس . التعب الجسدي بالتأكيد سيجلب البؤس و الألم ، لكن التعاسة التي تأتي من تعب القلب أسوأ بكثير ، إنها من الأشياء الأكثر تعاسة ولا زال القلب يتحملها منذ زمن طويل.  كل واحد منا لديه سارق خفي يتبعنا أينما ذهبنا ، ماذا يفعل هذا السارق ؟ إنه يسرقنا ، لا يمنعه شيء لا الأقفال و لا الأبواب و لا أجراس الإنذار . هذا السارق لا يأخذ المال أو الملابس ، إنه يسلبنا أثمن ذُخرٍ نملكه ، إنه يسرق الفرح و السلام و الرضا . يسرق إدراكنا و يسلبنا ما هو أهم بكثير من أي شيء آخر.

 عندما نقول " أريد السلام في حياتي ..لكني سأعمل على تحقيق ذلك فيما بعد " نعطي الإذن لذلك السارق الخفي أن يدخل، هذه هي الإشارة التي يريدها ، كل ما يريد سماعه " ليس الآن " و يقول السارق عندها " يوجد من يمكنني أن أسرقه لأنه لا يحمي جوهرته الثمينة ، إنه يبددها ، يرميها " .
وفي تلك اللحظة نكون قد سُلِبنا أهم شيء بالنسبة لنا.

داخل كلٍّ منا شيء ما يتوق للسلام . في أوقات الفوضى و الاختلال هناك شوق للسلام . عند وجود الشك هناك شوق للثقة ،عند الألم شيء داخلي يبحث عن ومضة أمل .

الإنسان يحتاج للحب لأنه يشعر بالحب ، و السؤال : ما الذي يمكن أن يكون مصدر هذا الحب ؟

 الإنسان يحتاج للثقة،  لكن ما الذي سيكون مصدراً لهذه الثقة ؟ وهل هو أهل للثقة يمكن أن يوثَق به ،هذا يعطي الدعم الذي يحتاجه المرء في حياته ، بشكل مماثل .

 لا شك أن الإنسان يحتاج للسلام . في الحقيقة ما يمكن للمرء أن يفعله في هذا الأمر قليل جداً . إنه العطش الفطري المتأصل في كل إنسان . السؤال : ما الذي سيكون مصدراً لهذا السلام ؟

السلام ليس ضرورياً في الفكر إنه ضروري في القلب ، العقل و الإدراك لا يمكنهم انتزاع السلام ، إن لهما دوراً مختلفاً .

السلام و الفرح  والسعادة الحقيقية ، ليست موضوعات خاضعة للتفكير ، إنها أمورٌ تُحَسّ .

هناك شعور خلف وجودك على قيد الحياة ليس له أي تفسير . إنه الشعور الذي يجب على الإنسان أن يصل إليه حيث توجد الراحة ، هناك حيث الفرح و حيث يوجد الرضا .

إنه ذلك الشعور الذي نحتاجه لنعيش حياتنا . نعتقد أننا بحاجة لشرح ما هو السلام ، لكن السلام لا يمكن أن يُشرَح ، إنه فقط يُحَسّ .

الرضا شعور، عندما نرضى شيء ما بداخلنا يقول " نعم أنا راضٍ ، مُكتَفٍ " . بالنسبة للعطشان ، حتى لو رأى ألف شخص يشربون الماء لن ينفعه ذلك بشيء ، لن ينفعه إلاّ أن يشرب الماء بنفسه .

أين نجد السلام ؟

إنه بداخل كل فرد " أريد السلام في حياتي المجتمع لا يملك السلام ، المجتمع غير موجود , لا يوجد سوى الناس ، السلام بسيط يشعره الفرد و لا يحتاج لأخذ وصفات جاهزة أو صيغ لإيجاده .

ما أتحدث عنه هو السلام الداخلي ، سلامي ، و ليس السلام في الخارج . يعتقد كثير من الناس أن السلام سيأتي عندما يسيطرون على كل عنصر من عناصر حياتهم ، هذا لن يحدث ، إنه ليس في متناول يديهم ، ليس في متناول أي شخص أن يدرك وأن يتحكم بكل شيء ، كل ما أستطيع أن أفعله هو أن أفهم نفسي .

ابحث عن السلام في الداخل ، حتى لو انتهت كل الحروب ، طالما أن الحرب بداخلنا ما تزال مستمرة فلن نكون في سلام . إذا كنا في سلام مع أنفسنا عندها لن يعنينا إذا كانت الحرب في الخارج مستمرة .

السلام الداخلي ليس شيئاً يمكن اختلاقه أو اختراعه ، إنها عملية كشف و إظهار للسلام الموجود فينا أصلاً . كل إنسان يملك شيئاً رائعاً في الداخل ، بداخل كل إنسان جمالٌ عظيم ، بداخل كل إنسان سلام و فرح وشعور في القلب . الحياة هبة و نعمة و علينا أن نفتح نوافذ الفهم لنصل إلى الاكتفاء، كلُّ إنسانٍ
كاملٌ بذاته ، وداخل كل واحد منا تُشِعُّ شمسٌ مشرقة .


اشوريونان داود
Ashur younan dawood
Master of Philosophy and Theology
Oceania\ NZ
ashuryounan@yahoo.com

138
الى كل ابناء شعبنا العزيز في العراق خصوصاً وفي الخارج اتمنى لكل الصحة والعافية واحب ان أُعرف نفسي لكم باني أشور يونان داود - ماجستير في الفلسفة والاهوت من جامعة أقيانوس الدولية في نيوزلندا -اوكلاند
و شهاده بكالوريوس  فلسفة من جامعة لبنانية .
وشهادة دبلوم في الاباء والطقوس من معهد مغينن في هولندا .
ودبلوم ادارة والاقتصاد من جامعة بغداد - معهد أدارة والاقتصاد - بغداد
وسلسلة من شهادات :
ايقونات من جامعة الكسليك - لبنان
تعليم مسيحي من جامعة اقيانوس - كلية الدراسات الانسانية والاهوتية - اقيانوس
وشكرا الى جميع ابناء شعبي وشكري واصل الى موقعي العزيز عنكاوا


اشور يونان داود
Ashur younan dawood
Master of Philosophy and Theology
Oceania\ NZ
2010 




صفحات: [1]