عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - Sayyar Jamil

صفحات: [1]
1
الثورات الملوّنة.. أخفقت!

أ.د. سيّار الجميل


قلت في مقال لي هنا بجريدة البيان ( 20 أغسطس 2008 ) ، ابان الحرب الروسية الجورجية :  ( لا يمكن أن تبقى جورجيا تدور في الفلك الأمريكي من دون أن تعمل روسيا على تأمين اوستيا الجنوبية وابخازيا في جيبها ..  وسنرى إلى أي افتراق يقود هذا الصراع الدولي ..  وبالاتفاق مع الأمريكيين . إنني اعتقد أن روسيا ...  غدت تجيد اللعب مع القطب الأمريكي ، كي تستفيد من بناء مواقفها . . وبدأت تستعيد فكرتها القديمة بفرض هيمنتها على القوقاز.. وهذا ما سيخلق متاعب جديدة تلوح في الأفق .. وربما سيشهد العام 2009 ، مأزقا خطيرا ستكون له تداعيات ومضاعفات على كل الشرق الأوسط .. وآخر ما يمكنني أن اذكّر به أن روسيا لم تضع ماضيها وراءها ، وهي تحاول اليوم استعادة مجدها الأحادي قبل أن تركض لاهثة وراء الاتحاد الأوربي أو غيره  ) .
اليوم ، كما تصلنا الأخبار ، بدأت لغة جديدة على الساحة العالمية ، إذ حّذر الرئيس الروسي  ميدفيديف ، ( أن مناورات الأطلسي يمكن أن تتسبب في حدوث " تعقيدات"  ، وأنها تهدد أي تحسن في العلاقات بين روسيا والناتو ). لقد كانت الحرب الروسية على جورجيا ، أغسطس العام الماضي من أجل السيطرة على إقليم اوستيا الجنوبية ، فكان أن توترت العلاقة مع الناتو ، وجمدت الاتصالات عالية المستوى مع روسيا احتجاجا على ذلك ! وقال ميدفيديف : ( إن مناورات عسكرية لمنظمة حلف شمال الأطلسي  وشيكة الحدوث في جورجيا قد يلحق الضرر بعملية المصالحة. وبعد تأجيل لها بطلب من روسيا في بروكسل ، فان  حلف شمال الأطلسي ، قد أعلن في وقت سابق هذا الأسبوع أن المناورات في جورجيا ستمضي من 6 مايو ، وتحسين التعاون بين التحالف الغربي والدول الشريكة ) .
تلك " المناورات " التي تم  التخطيط لها منذ ربيع 2008 ، وتضم 1300 فردا من 19 منظمة حلف شمال الأطلسي والبلدان الشريكة ، وبقدر ما طالبت جورجيا الانضمام إلى الحلف ، ولكن ذلك قوبل بردود فعل متفاوتة من بقية الأعضاء .يقول الرئيس الجورجي ساكاشفيلي : ( أميركا التي أعرفها أفسدها وصول أوباما للحكم ولا أستبعد أن تتوصل موسكو وواشنطن إلى اتفاق تآمري لعزلي من الحكم ) . هكذا يتوقّع الرئيس الجورجي نهايته ، وقد أحبطته السياسات الأمريكية ، ويبدو أن طبخة دسمة وساخنة قد أعدت مؤخرا بعد صفقة سرية تترجمها الاضطرابات والتظاهرات المستديمة المطالبة بعزل ساكاشفيلي الذي أزف وقت رحيله ، وبعد أن قدم واجبه المؤقت الذي تعارض ، كما يبدو ، مع مصالح جورجيا الوطنية ، ومن دون أن يدري تنامي قوة الدب الروسي الذي له وحده النفوذ في التحدث باسم المنطقة كلها اليوم .
إن ما توقعت حدوثه قد بدأ ، وان ما اسمي بالثورات الملونة التي هبّت ضمن مخططات أميركية لا يمكنها الاستمرار بدعم أمريكي يأتيها من بعيد ، وان روسيا التاريخية يتعاظم أمرها ، يوما بعد آخر ، وهي تستعيد نشاطها وتكبر هيمنتها .. وأنها تقبل المساومة اليوم من اجل استعادة مجدها الذي افتقدته .. ذلك المجد القيصري الروسي الذي كانت مؤسسة له منذ القرن التاسع عشر  ، قبل أن يكون مجدا سوفييتيا صنعته الشيوعية في القرن العشرين .. إن الثورة الوردية قد انكفأت في جورجيا  ، وستلحق بها البرتقالية في أوكرانيا وغيرها من الجمهوريات .. وكما قلت أن جمهوريات آسيا الوسطى كانت أكثر حنكة وذكاء من جمهوريات القوقاز .. إن اللهب الذي بدأ في جورجيا اليوم بعد أن تخّلى أصدقاء ساكاشفيلي عنه في الإدارة ، جعلوه وحيدا اليوم في الميدان بعد انضمامهم للمتظاهرين ، ومنهم نينا بورجاندزه رئيسة البرلمان السابقة وايراكل ألانسيا ، ممثله في الأمم المتحدة .. مع تناقض مواقفهما إزاء أميركا ! إن ظروف الأزمة المالية اليوم لا تتيح تسويق شعارات الديمقراطية ، والمجتمعات تطحنها تلك الأزمة ، ولم تزل فقيرة مثل جورجيا وأوكرانيا ومولدافيا .. إن الديمقراطية الحقيقية لا يمكنها أن تستورد ، بل أنها حصيلة تاريخية لتربية أجيال كاملة ، تترجم أهدافها أفعالا .. إن الديمقراطية الحقيقية لا تصنعها ثورات ملونة وردية ، وبرتقالية ، وبنفسجية .. بل تخلقها نضالات شعوب ترّبت على الحريات والعدالة والمساواة .
إن اوكرانيا مرشحة أيضا للتغيير ، وان رئيسها فكتور يوشينكو في حالة من القلق والترقب الشديدين . إن الشعوب تلك ، لم تنتظر إلى النهاية ، فهي تصنع إرادتها اليوم لأنظمة ولدت من اجل الديمقراطية وخابت مساعيها كونها وعدت أمريكيا بما يمكن أن يكون ، ولكنها فشلت كونها ربطت نفسها بمصالح الكبار البعيدة من دون أن ترى مصالحها هي نفسها في المحيط الذي تعيش فيه ! كما أنها لم تستوعب لا دروس التاريخ ولا علاقات الجغرافية .. إن الولايات المتحدة الأمريكية قد فشلت فشلا ذريعا في تصدير مبادئها الحرة إلى العالم ، وراحت عليها المليارات على أنظمة صبغتها بمختلف الألوان الفاقعة ، وكانت غبية جدا ، بارتكابها أخطاء شنيعة إزاء شعوب لم تعتن بها وبواقعها ومصالحها على قدر عنايتها بمصالحها هي نفسها ! وإذا كانت لا تعير أي أهمية لمن تعاون معها سنين طويلة ، فان المتعاونين معها لا يمكنهم الرقص على غير حلبتها ، فهم مرفوضون ، ولن يجدوا أنفسهم الا خارج التاريخ آجلا أم عاجلا . إن العام 2009 سيكشف المزيد من الإخفاقات المريرة في العالم كله .

البيان الاماراتية ، 22 ابريل / نيسان 2009 . وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com


2
المسيحيون العراقيون يرفضون قفص حكم ذاتي ؟

أ.د. سيّار الجميل


نيافة المطران الدكتور لويس ساكو : موقف وطني حقيقي
عرفت نيافة المطران الدكتور لويس ساكو منذ سنوات طوال ، ولم تزل علاقتي به بالرغم من بعد المسافات ، أراسله ويراسلني ، ويكتفي مرات بملاحظات قصيرة ولكنني افهم كل معانيها .. وهو متشبث بالعراق ووطنيته مترسخة ، وهو رجل المهمة الصعبة كونه يؤمن بالمحبة وبالوطن والسلام ، ولكنه يعيش في قلب منطقة حساسة جدا .. انه ضد الكراهية ، وضد كل الأحقاد ، وضد أي انقسام يروّج له الانقساميون من كل الأطراف في العراق .. لقد طال الأذى والعدوان اغلب المسيحيين العراقيين ، وهم اليوم في قلب الأزمة . وان معاناتهم هي جزء حقيقي من معاناة العراقيين ومآسيهم .
لقد قرأت مقالته وتصريحاته الأخيرة التي يترجم فيها مشاعره وأفكاره بالنسبة إلى سهل نينوى ، وكان لابد أن يكتب رؤيته التي تعبر عن ضميره ووجدانه .. وإنني إذ أثمن مواقفه الوطنية ، اذّكر بأنه حاصل على جائزة الدفاع عن المؤمنين للسلام والتي تمنحها منظمة الإيمان والعقل العالمية عام 2008 لجهوده الخيرة في الحوار ، وتجسيره بين جميع المكونات الدينية والقومية في مدينة كركوك. وهو احد الزعماء الروحيين البارزين في الكنيسة الكلدانية ، والذي من أهم واجباته ، التنبيه إلى المخاطر وحماية شعبه منها ، وخصوصا في المناطق المسيحية  الساخنة في العراق . انه ينبّه إلى خطر الدعوة لتأسيس حكم ذاتي للمسيحيين في سهل نينوى ، وهي دعوة خطيرة جدا ، كونها شرارة مؤذية للسكان الذين يعتزون بعراقيتهم ، ولا يريدون الانفصال في حكم ذاتي سيكون حتما بين المطرقة والسندان . إن أفكاره مسالمة وواقعية ، وان رؤيته بأن ثمة قضايا ومستلزمات يحتاجها العراقيون جميعا ، وليس النصارى وحدهم .. وهي أهم بكثير من الفيدرالية والحكم الذاتي  .. إن أهم ما يخشاه نيافة المطران لويس ساكو حدوث انقسام بين المسيحيين العراقيين حول مبدأ حكم ذاتي ، إذ يعتبر ذلك ، هو الخروج عن الوطنية .
لقد قرأت بعض المقالات التي يردّ أصحابها فيها على دعوة المطران ساكو وتصريحاته ، ولأغراض سياسية بحتة من دون أي تفكير هادئ بهواجس الرجل وخوفه من المستقبل .. انه هنا يخشى سوء العواقب التي يمكن أن يتعّرض لها كل المسيحيين . إن مطالبة البعض من الشخصيات والجماعات والأحزاب القومية والدينية المسيحية بالحصول على الحكم الذاتي في إطار إقليم كردستان هي بمثابة دق إسفين للصراع الداخلي أولا ، وللانقسام بين المسيحيين ثانيا .. وان المسيحيين العراقيون بحاجة اليوم قبل أي يوم مضى إلى الانسجام والوحدة تحت ظل وطنية عراقية .. وحدة مسيحية عراقية تعزز تماسك كل الملل المسيحية كشعب واحد . إن  كل الملل المسيحية العراقية تعيش في قلوب العراقيين ، إذ يكّن كل الناس محبتهم واحترامهم للمسيحيين العراقيين وأبناء الديانات الأخرى .

المسيحيون العراقيون لا يتمردون على العراق
لا يمكن لأي مسيحي عراقي أصيل أن يتمرد على العراق ، وإلا يكون قد فقد أعز ما يملك من الانتماء في مثل هذه الظروف الحرجة ، وهذه النقطة الفاصلة من التاريخ . هل يعقل أن أجد من يتحدث بغير هذه اللغة ، إلا إن كان قد وقع تحت ضغوط وممارسات رهيبة فرضت عليه إرادتها ، وجعلته ينادي بغير ما هو منطقي يستقيم وسنن الحياة ؟ ولعل ما لاحظته على كتابات أولئك الذين أوعز لهم أن يكتبوا ، وهم يجهلون مكانة متميزة يختص بها المطران الدكتور لويس ساكو الذي يعد واحدا من زعماء الكنيسة الكلدانية في العراق ، وإذا كان يقيم في مدينة كركوك ، فان مركز كل المسيحيين الكلدان في العالم اجمع هو بغداد ، بعد أن كان في الموصل قديما ، وهو من ولادات بلدة زاخو في أقصى شمال العراق ... إن المشكلة ليست في المطران ساكو ، بقدر ما أثارته تصريحاته من ردود فعل متباينة ، إذ كانت موضع استحسان كل المسيحيين في العراق ، ولم يعارضها إلا من يريد الخروج من جلده ، أو من أوعز له بالمخالفة ، أو من راح يصفق لعواطفه من دون أي تفكير بالمصير ! إن مواقف كل رجال الدين المسيحيين في العراق لا تنطلق من أي نزعات سياسية أبدا ، كونهم لم يتدخلوا في أي شأن سياسي ، كما هو شأنهم منذ أزمان طوال ، أما إن أجاب احد المطارنة حول قضية مصيرية ومستقبلية تخص كيان المسيحيين العراقيين ، أو صّرح معارضا أي دعوة لإقامة منطقة حكم ذاتي للمسيحيين في سهل نينوى ، فهو يعتبر ذلك وهما لا يمكن تحقيقه ، ومن يريد تحقيقه ، له مصلحة وخطط إستراتيجية لضم هذه المنطقة إلى مشروعه ، وان ذلك يعد فخّا سيقع به كل المسيحيين العراقيين ..
هنا ، ينبغي التفكير من قبل ذوي الشأن الحقيقي ، وان يسألوا أنفسهم ، وهم يدركون جيدا ، أو لابد أن يدركوا جيدا مدى علاقتهم وارتباطهم بطرفين غير متكافئين أبدا .. ارتباط بتاريخ طويل وجغرافية وطن من جانب ، وارتباط بمصالح غير منظورة ومصير مجهول من جانب آخر ! وعلى ذوي الشأن أن ينتبهوا بأن مطارنتهم في الموصل وبغداد وكركوك .. أو أي مكان من سهل نينوى ، هم الأعرف بتقدير المصير كونهم قد اضطلعوا بمعرفة تاريخ تلك الارتباطات والعلاقات منذ قديم الأزمان . إن سهل نينوى قد ارتبط منذ القدم بمدينة الموصل ارتباطا عضويا ليس من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية فقط ، بل من الناحية الروحية .. وما الهجمة الجنونية على كنائس الموصل وبغداد خلال السنوات الست الماضية إلا جزءا من مشروع غبي لا يدرك أصحابه مدى العلاقة الروحية القديمة التي ربطت كل المسيحيين العراقيين بكل من الموصل وبغداد .. أي باختصار بالعراق الواحد الموحد الذي لم يستطع احد أن ينجح في تقسيمه حتى هذه اللحظة .

المسيحيون العراقيون لا يعيشون في قفص !
لقد دفع المسيحيون العراقيون أثمانا كبيرة في الدفاع عن وجودهم القديم على هذه الأرض العريقة ، وعن تاريخ ارتباطهم بالعراق ومساهمات كل أجيالهم منذ عصور مبكرة في التاريخ من اجل العراق وبلاد وادي الرافدين ، وكان منها مؤخرا مصرع المطران فرج رحو طيب الذكر والموجة التي عانى منها المسيحيون في الموصل لإفراغ المدينة منهم .. فكان أن اتضحت حقائق لم يكن لأحد أن يتخيلها أبدا ، ولم تزل حقائق مخفية ، أو تمت التغطية عليها لنفس الأسباب ذاتها . إن من قيم المخالفة في الرأي أن لا يستخدم الطعن في الذات بسبب العجز في مواجهة الموضوع ، وهذا ما وجدته في قيام بعض الكتاب بتوجيه نقدات لاذعة وشخصية للصديق المطران الدكتور لويس ساكو كونه يرتبط بجهات حزبية وسياسية تعارض مشروع الحكم الذاتي للمسيحيين في سهل نينوى ، وانه لا يقف مع تطلعاتهم ( المشروعة ) في العراق !! هؤلاء كما يبدو لا يعرفون هذا الرجل ولا يدركون ما يفكر به ، ولا يحترمون مشاعره الوطنية .. بل ولا يجدونه زعيما دينيا لا يتدخل بالسياسة أبدا ، ولكن لا يقبل بغير حقائق الأشياء ولا يسكت على أي مشروع للهدم . إنني اعرفه منذ أكثر من خمس وثلاثين سنة وقد قرأت كتاباته منذ بدايات السبعينيات واعرف مدى قوة ارتباطه بأرضه وكنيسته ، فهو رجل دين مفكر ومسالم ويحظى باحترام الجميع على ارض العراق أو في المحافل الدولية ، وانه يريد أن يحافظ على وجود أهله وبني كنيسته مع احترامه لكل الأطراف الأخرى .. انه لم يتلفظ بأي ألفاظ جارحة ، ولم يدع إلى أي مشروع مضاد للآخرين .. وانه تمتع بقدر من وضوح الرؤيا وسط ما يجري في تعتيم شديد ، وانه بالتأكيد يدرك أن كل المسيحيين العراقيين ليسوا ملة واحدة أولا ، وان تاريخهم ينبؤنا كم ازدهروا بأديرتهم ، وبيعهم ، وكنائسهم في كل أرجاء العراق دون أن يكونوا منحصرين أو محشورين في مدينة واحدة أو منطقة واحدة .. ويكفي أن نعرف تاريخهم العريق في بغداد وما قدموه لها منذ أكثر من ألف سنة .. ويكفي أن ندرك ما قدمه كل المسيحيين العراقيين من خدمات ومهن وعلوم ومعارف في كل مجالات الحياة العراقية .. أبعد هذا وذاك ، يريد البعض سلخهم عن العراق وتوطينهم في مكان له أبعاد محددة اسمه منطقة سهل نينوى ، وصفها المطران وردوني بقفص الحكم الذاتي ؟؟

العراق لكل الاطياف
لقد دفع المسيحيون العراقيون ، كما اكرر وأعيد ، ثمنا باهضا جدا بعد العام 2003 ، ونالهم التهجير والقتل والتدمير بشكل لا يتصوره عقل ، ولا يتخيله أحد .. وكانوا أسوة بالآخرين من أبناء العراق دون استثناء .. وكأنهم قد وقعوا هم أيضا تحت طائلة تنفيذ مخطط بشع تابعنا كم كان خطيرا ، وكما دفع الشعب العراقي سيولا من دمائه ، فان التاريخ سيبقى يقول أن المسلمين والمسيحيين في العراق كله قد سال دمهم مشتركا من اجل العراق .. وقد كانوا معا على امتداد السنين الماضية قد شارك احدهم الآخر ألآمه وآماله في الخروج من أنفاق صعبة صنعتها سياسات أحادية غبية ، وباركتها توجهات عنصرية فاشية ، وساندتها أساليب قمعية دكتاتورية . من هنا ، ومن هذا المنطلق العراقي ، يتحتم على كل المطارنة ورجال الدين المسيحيين العراقيين ومعهم كل المخلصين للعراق أن يقفوا ضد أي مشروع انقسامي من شأنه أن يضّر بحياة المسيحيين العراقيين ومستقبلهم .. إذ يكفيهم ما عانوا منه .. وان يكون العراق لهم كلهم ، كما عرفوه منذ القدم ، ولا يمكنهم أن يحشروا في منطقة حكم ذاتي وقد افتقدوا إرادتهم العراقية كأحد أطياف المجتمع العراقي الكبير . وعلى كل العراقيين دولة ومجتمعا احترام كل أطياف العراق العريقة ، وان لا يسكت احد على ظلم ، أو قمع ، أو تهجير ، أو قتل .. إن الوعي بتاريخ كل طيف من أطياف العراق ، وخصوصا الطيف المسيحي ، له أهميته البالغة ، ومع سعينا لطي صفحات الماضي ، ولكن الوعي بما حدث للمسيحيين العراقيين في مناطق سهل نينوى وما اقترف بحقهم من مذابح ، يكفي كي يدرك من يصفق اليوم للتحجيم والانفصال والتشظي من خلال حكم ذاتي ! إننا لا نرضى أبدا أن يصيب أي مسيحي عراقي واحد من المسيحيين ، أي أذى سواء كانوا رموزا دينيين أم مواطنين عاديين إزاء أي موقف يتخذونه ، أو أي رأي يبدونه ، أو أي اجتهاد يعلنونه .. إن العراقيين كلهم لا يقبلون بإيذاء أي طيف عراقي ، أو ملة دينية.. وأطالب مرة أخرى بكشف كل الحقائق التي أخفيت عن أعيننا ، كما وأقدم أسمى الأمنيات للصديق نيافة المطران الدكتور لويس ساكو ، متمنيا زوال هذه الغمامة التي تجتاح العراق ، وان نسعى معا للحفاظ على وجود كل العراقيين ، وعلى أرضهم الواحدة الموحدة ، وان نشارك معا في بناء العراق ، وتطوير مجتمعه ،  وإثراء موروثنا المشترك ، بعيدا عن الشوفينية المقيتة والطغيان الأعمى ، واندماجا مع انتمائنا العراقي ، والكشف عن حقائق جديدة ونشر الوعي التاريخي والحضاري والتوجس من مخاطر المستقبل .

نشرت في الصباح ، 16 ابريل / نيسان 2009 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com


3
التعصّب يستلبُ كلّ الحياة !

أ. د. سيّار الجَميل


سأكتب اليوم مقالتي عمّن سرق مجتمعاتنا ، وزرع العنف في جنباتها .. عمّن قتل الفرحة من خواطرنا .. عّما ابتلي به الجيل الجديد .. انه التعصب والغلو، بعيدا عن التوسط والاعتدال واليسر .. وتعريفه اجتماعيا : الخروج على المفاهيم والأعراف والتقاليد والأخلاق والسلوكيات العامة . وأمنيا : الخروج على القانون والدستور السائد..  إن التعصب لا يقتصر على فكرة معينة ، أو مذهب بعينه ، أو سياسة أو دين .. بل هو يشمل كل مرافق الحياة السياسية والاجتماعية ، وسواء كان ذلك ضد المجتمع نفسه أم الدولة ، فهو اخطر ما يهدد منظومتنا الاجتماعية لا السياسية وحدها ، وكان ولم يزل وليد السياسات المتزمتة ، والتربويات الخاطئة ، والإعلاميات المتشدّدة ، والعواطف الساخنة التي لازمت حياتنا ، وأطبقت على تفكيرنا ، وألغت كل قواعد المنطق والعقل في وجودنا .  ويتلون " التعّصب " من مرحلة لأخرى ، بألوانها ، وقد زاد منذ ثلاثين سنة بشكل علني مفضوح ، ولم يكن صامتا في يوم من الأيام ، ولكن زاد تأثيره اليوم ، بحيث أصبح يحاكمنا ويهيمن على كل مجريات حياتنا .
إن المجتمعات العربية بطبيعتها منفتحة كالصحراء ، ومنطلقة جامحة كالخيول على الأرض ، أو الطيور في السماء .. ولكنها اليوم، أسيرة التعصّب الأعمى والذي يقوده أناس لا تفقه سنن الحياة ، ولا تمتلك من العقل شيئا أبدا ! ونسأل: كم هو الاعتدال جميل ، وكم الوسطية مطلوبة .. وكم المرونة واجبة ؟ كم يحتاج الإنسان أن يمسك العصا من الوسط من دون أية انحيازات ، أو تعنّت ، أو تّصلب في معالجة قضايانا السياسية ، ومشكلاتنا الاجتماعية ، وأساليب تفكيرنا ، وتقاليد حياتنا .. وبمنطق نسبي للأشياء لا مطلق ؟ كم طالب الدين الحنيف باليسر لا العسر في علاقاتنا ومن دون أي أوصياء ، ولا أي أصنام ؟  .. إن التعصّب أو الغلو قد مرّ في تاريخنا ، ولكن عند فئات معينة ، كان تعصبها سياسيا ، أو عقائديا ، أو قوميا ، ولكن أن ينتشر التعصّب والغلو بمثل هذا الطغيان ، ليقتل كل الحياة ، ويصنع هموم مجتمعاتنا ، ويخلق المضادات والنقائض ، فالتعصب يخلق بلا شك تعصبات ضده .. وتصبح ظاهرة متبادلة ، قبيحة فتاكة تقتل مجتمعاتنا بأمراضها السايكلوجية وأساليبها المتوحشة .
وعليه ، لابد من إيجاد حلول لها ، خصوصا ، وان احد ابرز أدوات المتعصبين ، يتمثل بالعنف سبيلا لتحقيق ما يريدونه . بل ويصل مثلا إلى إباحة القتل الجماعي والسرقة والاعتداء من اجل أهداف لا نهايات لها أبدا ، بل ولا يمكن تحقيقها مطلقا  ! إن باستطاعة أي إنسان ذكي ، أن يكشف أي غلو وتعصب منذ اللحظة الأولى ، صحيح أن التعصّب موجود في أي مكان من هذه الدنيا وعبر التاريخ ، ولكن أن يصبح مستشريا في دواخل أي مجتمع ،  ويغدو سمة عامة تقف حيال أي تقدم ، أو حجر عثرة إزاء أية سيرورة تاريخية .. وإذا كان هناك تعصب في إسرائيل ، فهو لها وليس عليها كما هو حال العرب !
لقد ازدادت التعصبات ومظاهر الغلو في مجتمعاتنا التي عاشت حياتها إما مشاركة ، وإما منعزلة .. إما متكلمة وإما صامتة .. إما منغلقة وإما منفتحة ، ولكنها لم تشهد تاريخيا ، أي تعصب وغلو شديدين في الأفكار والعقائد والأيديولوجيات والمذاهب والطوائف كالذي تشهده اليوم . وإذا كانت الحياة أكثر انفتاحا فكرا وسياسة في النصف الأول من القرن العشرين، فإنها غدت أكثر تعصبا وتطرفا وتحزبا وتخوينا وغلوا وتكفيرا في النصف الثاني منه .. ولعلّ اغلب الأفكار التي يتعّصب لها المتعصبون هذه الأيام هي وليدة القرن العشرين .. ففي حين كانت المجتمعات في العالم تتخلص من مركبات النقص والتشدد في النزعات العقائدية والإيديولوجية كالتي سادت وأفسدت  ، وما أكثرها .. إلا أنها تقلصت كثيرا ، ولم تبق إلا بضع جماعات أصولية قليلة في العالم ، مقارنة بظواهر الغلو والتعصب والتشدّد في مجتمعاتنا ، فهي قد زادت وتنذر بمخاطر جسيمة ، وستزيد من تناقضات حياتنا ، وستخلق انقسامات وصراعات فيها .. بل وحروب مع كل العالم.
    مما لا يخفي علي أي متابع لمجتمعاتنا أن التعصب والغلو،  طال كل شيء مع ندرة للاجتهادات الذكية والحلول العملية ، وخصوصا في التعامل مع ثقافات وتقاليد أخرى .. ومن اخطر أنواع التعصب الذي يصل حد الخيانة ، أو التكفير لكل من خالف حتى في ابسط الأشياء ! وهناك في الفكر السياسي والثقافي ومحاولة فرض كل طرف مفهومة علي المجتمع والآخرين بحدة وعنف واتهامات التكفير التي قد تتعدي حدود الفكر إلى العنف الجسدي والسياسي .. تطرف يؤدي أحيانا إلى تكفير المجتمع والحكومات والأفراد .. نجد التطرف والتعصب واضحا في لغة ينعدم منها الحوار ، وتبدد فيها أي حقوق وقوانين . إن خطورة استشراء الظاهرة ، تتجسد باغتيالات ، وحرق محلات ، ومهاجمة أماكن عبادة ، وتدمير مؤسسات سياحية ، وحدوث تصفيات جسدية ، وقتل على الهوية .. ووصلت إلى التفجيرات والتفخيخات وقطع الرؤوس .. وكل الأساليب الوحشية المحرمة . إن مجتمعاتنا كلها بحاجة إلى وعي جديد من خلال تربويات متغايرة .. وإعلاميات مضادة لا مهادنة للتعصب ، أو مروّجة له ..  إلى تنمية تفكير بترسيخ النسبي لا المطلق . لابد من تبديل السياسات والمناهج التربوية في مجتمعاتنا التي هي بحاجة ماسة إلى التغيير الشامل ، بحيث تتربّى الأجيال ، تربية جديدة،  ومستقيمة ، ومسالمة ، وان يزرع وعي جديد باليسر لا العسر ، وان يكون الدين المعاملة والفضائل  .. فمتى سنشهد حصول ذلك .. متى ؟

البيان الإماراتية ، 15 ابريل 2009 ، وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com


4
على ورق الورد



ستون عاما من النكسة الثقافية العربية

أ.د. سيّار الجميل




إخفاقات الثقافة العربية
هل كان المثقفون العرب الأوائل عند بدايات القرن العشرين يتخيلون الحالة التي ستألو إليها الثقافة العربية في بدايات القرن الواحد والعشرين ؟ هل تصّوروا حجم الانحدار الذي آل إليه واقعنا كله ؟ هل كانوا متفائلين جدا بغرس النهضة وشجرة الاستنارة وفضاءات التمدن التي ستصل إليها مجتمعاتنا .. أم غدوا متشائمين جراء ما صادفوه من انتكاسات وهزات .. فكيف لو عاشوا حجم الكوارث والنكبات التي عاشها أبناؤهم وأحفادهم ؟ لماذا كانت بدايات النهضة ، وخصوصا في مصر ، رائعة في تكويناتها ، قوية في إبداعاتها ، متنوعة في أصنافها .. ولماذا باتت اليوم عند بدايات قرن جديد ، مخجلة في كل مرافق أشكالها ومضامينها ؟ أسئلة أثيرها دوما مع نفسي ، وأفكر فيها مليا ، وأراجع التاريخ لأجد ضالتي في معلوماته التي تغني تأملاتي ، وتسعفني في تفسير أفكاري ووجهات نظري التي دوما ما تلتقي كأجوبة لأسئلة صعبة افرضها على نفسي ، أو أتلقاها من طلبتي وأصدقائي ..
دعوني أعالج مسألة التراجع في الثقافة العربية وإخفاقاتها التي تمّثل حاصل محصلة تاريخية .. مقارنة بسنوات نهضة مصر الكبرى التي استمرت قرنا كاملا ، أي بين منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين .. لا يمكن أن نتخيل كم كان في مصر من عمالقة مثقفين وفنانين حقيقيين مقارنة بما هو الحال اليوم علما بأن ثمة تفوق سكاني كبير .. ارجع أسبابه إلى قتل الحريات باسم الإرادة واعتماد الكم على نوعية التكوين واعتماد الثقافة الشعبية على حساب النخب .. والترييف المسيّس على حساب القيم المدنية التي خلقتها النهضة .. وولادة تيارات الانغلاق وتكوين ثقافة مضادة ، جعلوها دينية كي يحرموا ويحللوا ما يريدون ثقافيا وتربويا .. والأخطاء التي ارتكبت في السياسات التربوية والتعليمية في المدارس والجامعات المصرية .. وتخريج الآلاف من المتعلمين للقراءة والكتابة من دون الاعتناء بالمثقفين .. وكثرة الصحافيين والإعلاميين ومثقفي السلطة على حساب المثقفين الأحرار .. وتقييد الحريات .. كلها عوامل ساهمت في التراجع الثقافي بمصر .. واعتقد أن مصر اليوم تعيد اكتشاف نفسها من جديد حتى ضمن التناقضات التي خلفتها العهود السياسية الثورية !

مركزية مصر : الاستقطاب والتراجع
كانت مصر وستبقى في موقع المركزية التي لا يمكنها أن تغلق أبوابها على جانبي المشرق والمغرب ، ولم يكن انفتاحها على العرب لأسباب قومية سياسية إبان المد القومي ، بل وجدناها منفتحة منذ القدم ، بل وكانت مفتوحة بذراعيها على أيام النهضة المصرية ولأكثر من مئة سنة .. وتعلمنا حركات هجرة المثقفين التي قمت بدراستها  وأكملها من بعدي احد طلبتي في الدكتوراه أن أعدادا كبيرة من السوريين واللبنانيين والعراقيين قد استوطنوا مصر لأسباب ثقافية وفنية  واندمجوا بسهولة في شرائح المجتمع المصري .. واجد  أيضا من خلال قراءاتي التاريخية  إن مصرا كانت تفتح أبوابها أمام كل المثقفين والأدباء والعلماء العرب كونها مكان آمن ومحور اتصال! ولم يقتصر الأمر على استقرار عرب من الحجاز وبلاد الشام والعراق واليمن .. بل وجدنا كم كانت أعداد جاليات أوربية من مالطيين ويونانيين وطليان وأتراك وقوقازيين وألبان  .. وغيرهم قد استقروا بمصر ، وساهموا في إثراء نهضتها الثقافية والسياحية والفنية . ولكن .. ما الذي حدث ؟
التفت الزعيم سعد زغلول إلى زوجته السيدة صفّية ، وهو على فراشه متعبا جدا ليقول لها : " غطيني يا صفية .. ما فيش فايدة " ، وراحت قولته مثلا ليتناقلها الناس جيلا اثر جيل ، وهي تعّبر عن تشاؤم ، ولكنه تشاؤم من وضع سياسي صعب لا وضع ثقافي زاخر ، فالثقافة في مصر عهد ذاك كانت سامقة وحيوية وتزخر بالإبداعات والمنتجات المعبرة عن مجتمع بكل حرية وخصب .. ولكننا نسأل : ما حجم التحدي الكبير الذي صادفه الزعيم سعد كي يغسل يديه تماما ؟ وماذا لو رجع اليوم ، فما الذي سيقوله ، وهو يرى الأبناء والأحفاد ، وقد انسلخوا عن مبادئ الحرية والاستقلال الأولى ، ليركضوا وراء مبادئ واهية ، ربما خيالية وربما غير واقعية ، لا يمكنها أن تخدم حياتنا أبدا .. وها نحن نرى اليوم ، كم أساءت النخب العسكرية والسياسية وحتى الثقافية لمجتمعاتها العربية قاطبة ! وها نحن نرى اليوم، كم حوصر الفكر الحر والتفكير المنطلق حصارا من كل الأطراف ! وها نحن نرى اليوم ، كم انغلق الناس على ما لديهم من أفكار ومعتقدات وتقاليد بالية ، من دون أن يفتحوا خرما بسيطا كي يتنفسوا من خلاله هواء جديدا ! لو نهض الكبار من قبورهم .. فما الذي سيجدونه بعد كل السنين التي صرفوها من اجل الحرية والتقدم ؟ لو نهض احمد لطفي السيد ، فسيضرب كفا بكف ليقول أين ذهبت ترجماتي الرائعة لفلسفة الإغريق ؟ ولمن عربتها ؟ لو جاءنا إسماعيل مظهر الذي اصدر العصور والدهور .. فما الذي سيجده بعد أن أفنى عمره في ترجمة أصل الأنواع ونظرية التطور ؟ لو صحا الشيخ محمد عبده .. فهل سيتقبّل هذه الاوضاع التي ستصدمه ، وهو يرى تكلس الفكر وتيبس الاجتهاد ؟ لو دخل طه حسين أي مكتبة بمصر .. فهل سيصفق للثقافة العربية وهي تعيش أسوأ الأزمات .. سيبحث عن أدباء ونقاد حقيقيين ، فلا يجد الا أسماء قليلة لا تستقيم  وهذا الحجم السكاني الكبير على مساحة الثقافة العربية ؟ لو تصفح محمد التابعي بعض الصحف العربية .. لبكى لحال صحافة هذه الأيام .. فهي صحافة منكوبة بالبلادة والعتمة والتخلف بعد أن سبقتها صحافة الأكاذيب والفبركات والدعايات الرخيصة .. لو دخل الموسيقار محمد القصبجي إلى أي استديو لتسجيل الأغاني ، لهرع إلى الخارج وشهق صاعقا لما آل إليه الغناء ورحيل الطرب الاصيل .. وهكذا بالنسبة لأحمد أمين وسلامه موسى والمازني والعقاد وتوفيق الحكيم ولويس عوض ونجيب محفوظ .. وهكذا بالنسبة لنجيب الريحاني وجورج ابيض وسيد درويش وعبد الوهاب  وغيرهم ممن لا يحصى عددهم .

انتكاسة الأجيال
إن إخفاقات الثقافة العربية لم تقتصر على بلد معين أو مكان معين .. إذ أن هزيمة اجتاحتها ، بتفاعل عوامل سياسية بالدرجة الأولى ، ولقد ضربت مصر بالصميم على مدى سنوات الهياج العاطفي السياسي الذي صبغ بالدعايات الكاذبة والأوهام المتخيلة .. لقد تبلورت ثقافة عربية خطابية كلها أوهام مخيالية وأحلام وردية تبددت عام 1967 اثر هزيمة اجتاحت كل مجتمعاتنا التي عاشت على الأوهام ، فانتكس جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية انتكاسة مريرة لتبدأ فصول مأساة جيل آخر ازدادت أوهامه وخيالاته ، فكان أن غدت الثقافة المدنية منحسرة وتائهة ، وأنها تعيش إخفاقا حقيقيا عندما بدأ الاستلاب يعبّر عن نفسه باسم الدين ، والدين من ذلك براء ! وراجت مفاهيم تصدير الثورة منذ العام 1979 ، ومن بعدها مفاهيم الصحوة الدينية .. وكأن مجتمعاتنا كانت في غيبوبة عن دينها ! إن ثلاثين سنة من الأوهام باسم القومية أعقبتها ثلاثين سنة أخرى من الأوهام باسم الدين .. فكيف ستغدو انتكاسة الأجيال اثر إخفاقات الثقافة العربية ؟ وما الذي عانت منه مصر ؟ وما الطريق أمام الجيل الجديد ؟ دعونا نكمل معالجة هذا الموضوع في حلقة قادمة ..

نشرت في مجلة روز اليوسف المصرية ، 11 ابريل 2009 ،
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com




5
على ورق الورد

كيف ضربت السيّاسة العقل العربي ؟

الوطنية ليست على مقاس بدلة الزعيم

أ. د. سيّار الجميل



صنعوا التاريخ الأعمى .. ومضوا !!
التاريخ الأعمى نعم، إنه التاريخ الأعمى للعرب فى القرن العشرين.. طفروا فجأة من عصر السكون والرتابة لتصعقهم النهضة والتقدم، فبقوا يلفون ويدورون حول شعاراتهم «خطابة وأقوالا»، من دون فعل حقيقي.. وعندما أراد العقل أن يتحرر من سباته إثر تفتح عيونه على الاستنارة بالمعاني والأشياء، غلبت السياسة والمؤدلجات على الحكمة والعقل، فتعاظمت التناقضات، وكثرت الثنائيات، وازدادت الصراعات، يوما بعد آخر، وغدا الزمن يسجل تاريخا أعمى.. خصوصا عندما لم يكتمل الوعي بأدوات التغيير وإجراء التحولات على نار هادئة.. لقد اعتقد الجميع اعتقادا راسخا أن حياتنا ستغدو متقدمة بعد أية حركة إصلاحية، أو بعد أية ساعات انقلابية، أو بعد أية تحزبات سياسية أو دينية، أو بعد أية شعارات ثورية، أو أثر خطابات عاطفية!

لقد ظنوا أن الحياة ستغدو متقدمة ومنظمة بسرعة خارقة، بل متطورة على أشد ما يكون التطور، لذا راحت كل جماعة تلعن سابقتها، وكل نظام يبيد نظاما آخر، وكل انقلاب عسكرى يلعن دستورا قائما بذاته.. وصفق المهرجون فى الميادين، ورقص المتبتلون فى الشوارع، ونشر المفذلكون مفبركاتهم فى الصحف، وكثر المخابراتيون على الناس، وكمم العسكريون أفواه الأحرار.. وكانوا ومازالوا يظنون أن الوطنية تقاس على بدلة زعيم، أو مانشيت حزب، أو عنوان دولة ولا تقاس على أساس الكفاءة، أو القانون، أو الدستور، أو عدالة مجتمع.. وكان الكذابون والمفذلكون والمثرثرون يجعلون الناس فى كل واد يهيمون.. فكثر المتطفلون الذين مازالوا يزيدون من تناقضاتهم ويرسخون التاريخ الأعمى الذى ستضحك عليه الأجيال القادمة! إفرازات النصف الثانى من القرن العشرين إننى مؤمن بالتجديد والتقدم والتغيير إيمانا عميقا، وكنت ولم أزل أدعو إلى إحداث تغيير جذرى فى كل بنيوياتنا ومؤسساتنا، بل حتى تفكيرنا ووعينا، إننا فعلا، نخبة تعيش اليوم شقاء الوعى الواعى بنفسه، نظرا لما يدركه كل العقلاء فى هذا الوجود، إن واقعنا الذى انتهينا إليه فى القرن الواحد والعشرين، هو نتاج حقيقى لما أفرزه النصف الثانى من القرن العشرين، وخصوصا تداعيات النكبات ومآسى الحياة بكل آمالها وآلامها.. بكل انتصاراتها وانكساراتها.. بكل متلاقياتها وتناقضاتها! دعونى اليوم، أعالج بعض «الأفكار» التى ربما يتفق، أو يختلف معى الناس فيها، ولكن ينبغى أن أقولها، أو يقولها غيرى قبل رحيلنا عن هذا الزمن.
يبدو أن ما راج من مسميات وشعارات ومانشيتات، تلك التى استخدمها من عرفوا أنفسهم بـ «التقدميين» و«الثوريين» وقد اجتمع تحت مظلتهم عدد من أقطاب الفكر الليبرالى، أو الماركسى معا فى القرن العشرين، إن أخطر ما يتصف به الشعاراتيون والحكاءون والمثرثرون.. أنهم يتبنون جملة من التعابير والمسميات والمانشيتات التى لا تستقيم أبدا وعقلياتهم الصدئة.. وبذلك فهم يؤلفون خطابا واهيا، لا أساس له من الحياة، ولا أساس له من الصحة، لعل أكبر الهموم التى عانت منها مجتمعاتنا، تلك التى دفعها وعيها بما حصل فى العالم كله إلى السؤال الدائم: ما أسباب تأخرنا، وما عار تخلفنا عن ركب المدنية؟ ومن بؤس ما جرى، أن كل فريق عد تجربته هى الناجحة منكلا بالتجربة الأخرى.. ومن بئس ما حدث، التعمية على الأخطاء ورمى أسباب الواقع المر على الاستعمار والرجعية.. ومن بئس ما حدث، أن يبدأ أي مشروع سياسى، أو نهضوى، بالدعاية له أكثر بكثير مما هو عليه فى الواقع! إن حياتنا على امتداد خمسين سنة مضت قد ازدادت تناقضاتها بالشكل الذى باتت مجتمعاتنا منقسمة على نفسها، ليس لأسباب موضوعية وعملية، بل لدعاوى شعاراتية ووهمية.. ولعل أخطر ما أنتجته التجارب الاستعراضية: اللعب على تفكير الناس، وإخفاء وعيهم بالعواطف الساخنة!


تجارب بائسة للوعى المفقود

لقد كانت لنا تجارب جد بائسة فى حياتنا السياسية لأكثر من خمسين سنة مضت، إصلاحية، أم ثورية، أم قومية، أم راديكالية، وانتهاء بالأصولية.. وكان من المهم أن تتلاقح فى حياة ليبرالية تتطور يوما بعد يوم، بدلا من أن تقمع على أيدى انقلابيين عسكريين، أو حزبيين متطرفين وتصادر فيها كل الحياة، وفى أهم البلدان عراقة على امتداد منطقتنا.. هنا، علينا أن نكون منصفين لنسأل أنفسنا، قبل غيرنا، سؤالا مهما: هل كانت انقلاباتنا العسكرية فى عدد من دولنا العربية مثلا، هى حركات تحرر وطنية، أم أنها كانت موجة من المتغيرات التى تقف من ورائها خطة استراتيجية لأمريكا أو السوفييت من أجل سد الفراغ؟ وما يجرى على الانقلابات، ينسحب أيضا على حركات التمرد فى أكثر من مكان، تلك التى حدثت ليس فى منطقتنا فحسب، بل فى مناطق عديدة فى العالم: هل هى بمثابة حركات تحرر وطنية؟ فى حين أن أغلبها كان ولم يزل يسعى لتطبيق أجندة غير وطنية ومشبوهة وخطيرة؟ كيف غدت الانقلابات العسكرية ثورات اجتماعية؟ إننى أسأل: هل كانت الأوضاع فى عدد من أهم البلدان العربية، سيئة للغاية قبيل نجاح تلك الانقلابات العسكرية، حتى تقرن تلك «الانقلابات» بالثورات الكبرى فى العالم.. والعالم كله يعرف كيف كانت فرنسا وروسيا والصين وغيرها؟ عندما أصبح الحكم عسكريا فى أى بلدان الانقلابات، اعترفوا بداية الأمر، أن حركتهم انقلابية، وأن انقلابهم كان ناجحا، ولكن ما تمكنوا من الحكم، وسيطروا ليس على الدولة فحسب، بل على المجتمع، فقد أوهموا الناس بمصطلح «الثورة» الذى لا وجود له اليوم؟ وهم يدركون إدراكا حقيقيا، بأن الثورات لا تصنعها إلا الشعوب، أما قطعات الجيش، فلا يمكنها أن تصنع سياسيا إلا التمردات والخيانات والانقلابات العسكرية! إنهم يدركون أن مفهوم «الثورة» أكبر منهم بكثير فى ذلك الوقت، إذ ليس له اليوم أى قيمة تذكر حتى فى الذاكرة الجمعية، ولكنهم يصرون على أنهم ثوار؟ لماذا؟ إن أول ما يفكرون به هو اتهامهم بالخيانة لدستور البلاد وشرعية الدولة.. وهم يعلمون علم اليقين، أن الدولة الحقيقية، أو الوطنية هى دولة مدنية لا دولة عسكرية! إنهم يدركون أن مصطلح «الثورة» سينقذهم من البقاء أسرى البدلات الخاكية، كى يلبسوا بدلاتهم المدنية! لقد كان هناك فى القرن العشرين قادة وزعماء وكوادر من الثوريين الحقيقيين، ولكن تجدهم قد بقوا على نفس أوضاعهم الأولى من دون أن يتغيروا، أو يتبدلوا.. بل هناك من كانت السلطة قريبة منه، أو بين يديه ورفضها.. مقارنة بضباط الانقلابات العسكرية الذين وجدوا فجأة أنفسهم يتخطون كل الحواجز الشرعية، ويتعدون بصولجاناتهم الخطوط الحمراء ليكونوا فى أعلى سلطة بالبلاد وبيدهم تصبح مقاليد كل الأمور.. أصبحوا يشعرون بأحاديتهم.. وأخذوا بامتهان سلطاتهم، ويزدادون عتوا وطغيانا.. بل خنقوا الأحزاب والأفكار الحرة، وغلقوا المجتمع على أعلامهم وشعاراتهم وتزميراتهم.. بل وأن أعتى خطورتهم قد تمثلت بمخادعة الناس أنهم فى السلطة من دون أى انتخابات، ولا أية استفتاءات خشية الاستعمار وأعوان الاستعمار!

الاستعمار: قميص عثمان من يلبسه الآن؟

الاستعمار، هذه الظاهرة التاريخية التى ناضل ضدها الوطنيون الحقيقيون.. أصبح مصطلحا أو تعبيرا دوغمائيا لدى العسكريين، وبالرغم من خطورته، لكنه لم يكن أصل الحكاية عندهم، بل كان قميص عثمان يلبسه كل من اندفع لتحقيق مطامح فردية للاستحواذ على السلطة، أو لتنفيذ خطة خارجية، أو للوصول إلى الدكتاتورية.. كان غاندى محاربا حقيقيا للاستعمار بأساليبه السلمية لا الثورية، وكان نلسون مانديلا محاربا حقيقيا للاستعمار كونه دفع ثمنا غاليا من سنى حياته وعاف المنصب لمن يريده.. وكان هوشى منه محاربا حقيقيا فى الأدغال ضد الاستعمار حتى تحررت فيتنام.. وكان جيفارا، مناضلا ثوريا حقيقيا فى أى مكان فى هذا العالم ومات وهو لا يملك إلا قميصه! إن جملة من العلل التاريخية التى تختفى وراء ما حدث فى مجتمعاتنا التى كانت تتقدم بصورة طبيعية، وكانت أبعد ما تكون عن الحرب الباردة كونها لا تريد أن تصبح وقودا بين هذا المعسكر أو ذاك.. وكانت ثمة نسبة من الحريات، وثمة هامش من الفكر، وثمة مساحة غير مقيدة للصحافة.. كانت كل المنطقة مقبلة على تحولات واسعة بفعل الفراغ الذى تركه البريطانيون والفرنسيون إثر الحرب العالمية الثانية.. كان لابد لقوى جديدة ظهرت استراتيجياتها تتبلور بعد الحرب، وهى تطمح لسد الفراغ.. ومما يؤلم حقا أن كل شىء اليوم قد افتضح وبان، ولكن هناك من لم يزل يتعلق بشعارات الماضى، أقصد بشعارات طنانة راجت خلال النصف الثانى من القرن العشرين. ؟ العروبة الحضارية والقومية العربية إننى أسأل أيضا: إذا كانت القومية العربية، ظاهرة طارئة سياسيا على حياتنا، فلماذا استحوذت تلك الظاهرة على «العروبة» كظاهرة تاريخية وحضارية عمرها آلاف السنين؟ بل وتكلموا باسم «العروبة»، علما بأن هذه الأخيرة لا تمت بأى صلة إلى القومية العربية؟ وإذا كانت «العروبة» نفسها، بكل أصالتها، وشراكة عناصرها، وقوة منتجاتها.. لم توّحد العرب - مثلاً - منذ مئات السنين، بل حافظت على وجودهم وهويتهم ومدارسهم وأساليبهم وفولكلورياتهم.. فكيف أراد القوميون أن يوحدّوا العرب فى أطر سياسية وسلطوية ليس إلا؟ بل لا نستغرب أبداً، فشل كل التجارب الوحدوية، والمجلسية، والاندماجية للأسباب نفسها التى جعلت من أناس معينين غير مؤهلين لزعامة هذه التجارب الخطيرة التى لا يمكن لها أن تبنى فى يوم وليلة! بل والأخطر من كل هذا وذاك توظيف التاريخ شعاراتيا وإعلاميا بشكل إيجابى من دون معرفة ما شهدته منطقتنا بالذات من انقسامات وصراعات ونزاعات على امتداد القرون الأربعة الأخيرة!

قرارات غير دستورية

لعل أخطر الحالات التى عشناها أيضا صناعة الزعماء للقرارات الخطيرة بأنفسهم من دون إرادة شعب، أو احترام مجتمع، أو شرعية دولة ونظام.. قرارات عبثت بمصائرنا واقتصادياتنا.. قرارات أخّلت بكياناتنا ووجودنا.. قرارات أنهكت مجتمعاتنا وتشكيلاتنا.. قرارات حروب.. قرارات باسم الأمة.. قرارات عسكرية.. قرارات اشتراكية.. إعدامات جماعية.. صفقات تسلحية.. قرارات معاشية.. ميليشيات شعبية.. مواثيق عربية.. تحالفات قوى الشعب العامل.. قرارات حزبية.. قرارات رئاسية.. قرارات وحدوية.. إلخ نسأل من باب التشريعات الدستورية: هل استندت تلك «القرارات» على أى نوع من الإرادة البرلمانية، أو الالتزامات الدستورية؟ الجواب: كلا! فأى حق منح أولئك الزعماء أنفسهم الحق للتصرف كما يشاءون؟ ومن أين استمدوا الحق فى أن يتدخل أحدهم بشأن الآخر؟ أسئلة نجيب عنها فى مقالات أخرى.

نشرت في مجلة روز اليوسف المصرية ، 4 ابريل 2009 ،
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com


6



احتفالية عراقية في كندا
تكريما للأستاذ الدكتور سيّار الجميل
سفير السلام العالمي

تقرير اعداد : حسام الصفار
رئيس تحرير الساحة الكندية

في جو مفعم بالألفة والمحبة .. احتفلت الجالية العراقية بمدينة مسيسوغا  الكندية مساء يوم الجمعة 3 ابريل 2009  بين الثامنة مساء والثانية عشرة ليلا  في حفل عراقي بهيج احتفاء وتكريما بالأستاذ الدكتور سيار الجميل لمناسبة حصوله على لقب ( سفير السلام العالمي ) يوم 15 مارس 2009 . ولقد حضر الاحتفالية أكثر من تسعين من الشخصيات العراقية رجالا ونسوة  ، فضلا عن طاقم من الصحافيين والمصورين ,, وجرى الاحتفال على قاعة مطعم التاج ميدتيدرينيان  في اكلينتون افنيو ، ابيكو .  وقد ألقى الدكتور كامل كمونة عميد الجالية جّراح العيون المعروف كلمته  بالمناسبة ، وقال بأن  الأستاذ سيار الجميل هو مفخرة للعراق والعراقيين .. وان هذا الجميل قد عرفناه من كتبه ومواقفه ومقالاته وحواراته  الصعبة  وأعماله الفكرية .. إنني أرى بأن هذا اللقب قد انتزعه انتزاعا من خلال جهوده الكبيرة .. وأضاف قائلا : إن الدكتور سيار الجميل يستحق أن يفخر به كل العراقيين ، فهو عراقي حقيقي ومفخرة العراق وهو فوق كل الاتجاهات .. وآخر ما ختم به الدكتور كمونه  كلمته قوله : إن ما يؤلم حقا أن العالم كله قد احتفى بابن العراق سيار الجميل مفخرة للعراق ، لكنه لم يتلق أي تهنئة ولا تبريكات من قبل الحكومة العراقية ,أتمنى أن تصل كلمتي إلى الحكومة أو أن يقوم أحدكم بإيصالها .. ثم ألقى الدكتور علاء التميمي امين عاصمة بغداد سابقا كلمة بالمناسبة ، وقال : عرفت الدكتور سيار الجميل من خلال كتاباته قبل سنوات طويلة ، ثم التقيت به في كندا . هذا الرجل الذي استحق هذا اللقب بجدارة .. ويعجبني فيه انه عراقي حر مستقل عن أي حزب سياسي وهو بعيد عن التطرف والطائفية والمحلية ويكفينا أننا نقرأ مقالاته يوميا .. ثم تقدّم الدكتور سيار الجميل من المنصة وألقى كلمة بالمناسبة شكر فيها الجميع الذين حضروا هذه المناسبة التكريمية ، وقال بأن هذا اللقب ليس له وحده ، بل لكل العراقيين ، وأشار إلى الدور الذي سيؤديه في العالم سفيرا للسلام العالمي وقال بما أن خطابه في حفل تسليم اللقب قد نشر بالانكليزية في أدبيات الأمم المتحدة وفقرات منه في الهارولد تربيون وناشنال تورنتو والكوريار انترناشنال ولم ينشر في العربية حتى الآن ، فاسمحوا لي أن اتلوه عليكم بالعربية بعد ترجمته .. فألقى نص خطابه وبعد ن أكمله ، تمنى أن تتحقق على يديه جملة من الأمنيات والأهداف لمساعدة الشعب العراقي وتطوير العراق ..
لقد صاحب التكريم حفل عشاء على أنغام الموسيقى ، وانفض الاحتفال على الساعة الثانية عشرة عند منتصف الليل .
 
ترجمة كلمة الدكتور سيار الجميل التي القاها في حفل التكريم الدولي
لمنحه لقب ( سفير السلام العالمي )
السيدات والسادة
نحن هنا لأننا نؤمن بالسلام والحرية والتمدن . نحن هنا كي نظهر لجيل المستقبل نمطنا المختلف للحياة ، وطريقتنا الفريدة في التفكير. إنني دوما ما تذهب تصورّاتي إلى أن هذا العالم سوف يصبح ساحرا منسجما واقفا مثل جنائن بابل المعلقة ، وقد امتلئ بالسلام والحب والجمال ، وان يغيب عّنا كل من العنف والقتل والاضطهاد. عالم تحكمه العدالة والمحبة والشراكة ، ونحن علينا العمل على الصعيد الدولي من اجل بناء الرحمة لا الكراهية والسلام لا الحرب والعدالة لا الظلم. إن أصدقائي من المثقفين العراقيين الأحرار وأنا معهم ، نود أن نشكركم ، ونزجي التهاني لكم على الخدمة الرائعة في اليو بي اف ( منظمة السلام العالمي ) والأمم المتحدة .. إننا نقدر تقديرا عاليا كل ما تبذلونه من جهود وتفان والتزام في هذا العالم . فالواضح ان من الصعب على فرق العمل مثلكم أن تتمكن من بناء السعادة والوئام والانسجام في جميع أنحاء العالم الفسيح . وعليه ، فإننا أصحاب مهام صعبة من اجل تدشين عصر جديد في مجابهة التحديات .




 
أنا من أرض بلاد وادي الرافدين Mesopotamia ( أو : بلاد ما بين النهرين القديمة) ، أو كما تعرف اليوم ، بالعراق الحديث . هذه البلاد ، كانت تدعى في كثير من الأحيان بـ "مهد الحضارات" The Cradle of Civilizations ، وهي تقع بين النهرين الأزليين العظيمين ؛ دجلة والفرات. دعوني أقول لكم شيئا عن العراق وشعبه الذي يتسم بالحيوية والصبر والاستقلالية والانفتاح .ان العراق يعاني منذ خمسين عاما من أعمال العنف والاضطرابات والصراعات والأزمات والحروب والدكتاتورية. ولم يزل الشعب العراقي مستمر في معاناته من تداعيات الحروب والدكتاتورية حتى اليوم، انه بحاجة الى ان يخرج نهائيا  من آثار الانقسامات الطائفية والنزاعات العرقية وانعدام الأمن ، فضلا عن حاجته الى اهم الخدمات والبنية التحتية المتطورة .
 إن موسوعة الثقافات البشرية الحديثة التي أصدرتها اليونسكو عام 1999 ( وكنت احد محرريها منذ العام 1990 ) جاء فيها : ان كل الشعب العراقي عاش طوال أحقاب التاريخ ، معا في سلام ومحبة ، وواجه التحديات من خلال التعاون والشراكة والتضامن من دون أي عنف ولا أي انقسام . كان جميع العراقيين يعيشون في وئام وانسجام دون اية كراهية أو انعزالية ، سواء كانوا من : المسلمين والمسيحيين واليهود واليزيدية والصبّة المندائيين وكاكائيين ، عربا وأكرادا وتركمان وفيليين وشبكا واثوريين وكلدان وأرمن وسريان آراميين وغيرهم  كانوا يديرون حياتهم بسلوكيات متحضرة وذهن منفتح وأيادي منتجة ، وأساليب حياة مدنية متحضرة . إن قيمهم وتراثهم التربوي وتقاليدهم هي قديمة جدا ، وستستمر في الوجود عبر الأجيال القادمة .
العراق هو الأرض الكلاسيكية القديمة التي ما زالت تعمل جاهدة للتعريف عن نفسها وعن اسمها ورسمها في قلب العالم . ان العراقيين الأوائل هم أول من اكتشف  الزراعة قبل عدة آلاف من السنين  ، وكانوا أصحاب أول تجارب المستوطنات والتجمعات الاجتماعية بولادة أول قرية في التاريخ وأظهرت لنا أنها القرية الأولى التي عرفت أول مجتمع في التاريخ والذي تطور شيئا فشيئا الى المجتمعات البشرية الأولى التي كانت هي الأخرى  في العراق. ومنذ ذلك الحين ، عرفت اول فلسفة انسانية للسلام العالمي . ان العراقيين هم الذين فهموا السلام على أساس هذه الخصائص ، فكانوا ان بنوا أول مدينة وجدت في التاريخ ودعيت  مدينة اور ابان العصر السومري ( وهو اقدم العصور التاريخية في التاريخ البشري ) .
ان هذه البلاد ، كما وصفها هيرودوت هي مركز العالم ، في حين وصفت الآنسة غيرترود بيل العراق عام 1921 انه "الأب الشرعي للإنسانية". اما العالم الاسلامي فدعا بغداد "مدينة السلام" ، وسماها ياقوت بـ " سيدة البلاد " وكان ذلك قبل اكثر من الف سنة مضت ، عندما أصبحت بغداد مركزا للحضارة العربية الإسلامية ، والمعرفة الإنسانية. لقد امتلك العراقيون اول المعرفة لأن الكتابة كانت من مكتشفاتهم وقد تضمنت تسجيلاتهم الفنون والأساطير ، والتي اخصبت أفكارهم حتى اليوم. وكان القانون قد تشّكل على ايديهم لأول مرة ، ممثلا في قانون حمورابي. واشتهر العراقيون ، وعرفوا جيدا كأول شعب في التاريخ يعيشون في البحث عن الخلود من خلال ملحمة جلجامش كأول ملحمة في التاريخ. فإن خلود العراق منذ سبعة الاف عام ، وهو لم يزل على قيد الحياة في ثقافته ، وكتابة النصوص الإبداعية ، في شعره ، في خطوطه ، وفي رسوماته ، وفي اساليب الطبخ ، وأكثر من ذلك بكثير مما نتصور . بلاد كانت أول من يوجد الموسيقى ويخترع القيثارة / الغيتار والفلوت والكمنجة وكلها معروضة في المتحف العراقي. يمكننا أن نرى ما تبقى من الطين في مكتبة آشور بانيبال في عاصمته العظيمة نينوى .. ولقد عرفت كونها اقدم مكتبة في التاريخ البشري .
انني يحدوني الأمل بأن يقف العالم بأسره اليوم الى جانب هذه البلاد العراقية الغنية بثرواتها وبمثقفيها والى جانب شعبها كله ، فهو شعب عريق ، متنوع الثقافات ، ومتعدد السكان. وهو نتاج حقيقي للتاريخ والحضارة الإنسانية وهو يتمتع بخلفية قوية من المقومات والتقاليد الاصيلة . ولدينا أمرأة راقية ، فالمرأة العراقية كانت قد ناصفت الرجل في بناء الاجيال وكل حضارات العراق .. انها انسانة رائعة منتجة ودودة ومخلصة وتعتز ببيتها ومواهبها المختلفة . اتمنى على العالم كله الوقوف الى جانب الشعب العراقي ليستعيد دوره المتمدن ويبني الجنائن المعلقة من جديد .. وتعود بغداد من جديد مدينة للسلام وسيدة للبلاد ومركزا للحضارة والمعرفة البشرية كما كانت قبل الف سنة من اليوم بجامعتيها النظامية والمستنصرية وبمراكزها وبيوتاتها العلمية ومنها بيت الحكمة ومراصدها الفلكية .. ان تعود ثقافاتها ومدارسها وفلاسفتها وعلومها وآدابها وفنونها .. ان يعود الشعراء العظام يغردون في بغداد التي تشع في قلب هذا العالم .. كتب المؤرخ البريطاني ستيفن هيمسلي لونكريك في احدى رسائله قائلا : ان العراق وحده يمتلك اعظم موروث كتابي ( او تراث مكتوب ) في العالم كله ! ان مهمتنا الاساسية ان يدرك كل العراقيين قيمة وطنهم من كل الاوجه المدنية وان تماسكهم هو صانع مستقبلهم .. وان احترامهم بعضهم للاخر مهمة من مهمات السلام  .  ان العراق كله بحاجة الى التماسك والوحدة والبناء بديلا عن التهتك والارهاب والانقسام .. ان العراق بحاجة الى الوئام والانسجام والسلام بديلا عن الحروب والتشّظي والقتل والاجرام .
 



شكرا جزيلا لكم ايها الأصدقاء الأعزاء ، ويشرفني أن احمل هذا اللقب العالمي ، سفير السلام العالمي ، باسم كل العراقيين  وإنني سعيد جدا لقبوله ويعتريني شعور عميق من الفخر والتواضع معا . واسمحوا لي ان أقول بأن هذا القبول سيمنحني  المسؤولية والواجب من اجل خدمة الإنسانية كلها وأود أن أؤكد لكم وأعدكم أنني سوف أعمل ما يقرب من وجهات النظر المتباينة نحو الأفضل دوما في كل الامم ، وان احمل غصن الزيتون في كل المناطق الساخنة في العالم للحفاظ على الانسان والبيئة والتربية والصحة والثقافة والاجيال القادمة .. وان احترم تقاليد المنظمة ليس بإبقائها على قيد الحياة فقط ، بل لتطويرها كي تنتقل من جيل إلى جيل ، وهذا ما يخدم مهمة منظمتنا ، والاتحاد العالمي للسلام تحت راية الأمم المتحدة .
وأكرر تقديري وشكري لكم جميعا.
وليبارك الله أعمالكم وأعمالنا جميعا
 
نقلا عن موقع الساحة ، تورنتو ، كندا  في 5 ابريل 2009
http://www.assaha.ca/activity14.html
 
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com



7
مراجعتي التاريخية بريئة الذمة !

أ.د. سّيار الجميل

كل من تابع بشغف ، أو كان على مضض ، مشاهدة مسلسل الباشا : نوري السعيد ، والذي عرض في العام المنصرم على قناة الشرقية ، عرف أنني كنت صاحب المراجعة التاريخية للنص ، وكنت قد وعدت أن أبرئ ذمة مراجعتي التاريخية ليس من " النص " الرائع الذي كتبه الأخ الفنان فلاح شاكر ، بل من كل المسلسل ، فقد كنت أتخّيل انه سيعرض بغير الصورة التي عرض عليها ، وكنت أتوّهم أن يقترب كثيرا من حقيقة تاريخ نوري السعيد .. ولكنني أصبت بخيبة أمل كبيرة ، وكتبت معترضا  على ما شاهدته بدءا بالحلقات الأولى وانتهاء بآخر مشهد من الحلقة الأخيرة .. ليس لأنني أتنّصل من مسؤولية أوكلت اليّ بكل محبة وتقدير ، ولكنني شعرت أن كل ما سجلته من تصحيحات وملاحظات ، وبقيت أطالب بكل تقويم وتصويبات .. لم يؤخذ بها ، ويا للأسف الشديد .. إنني لم اكتب مثل هذه المقالة التوضيحية لموقفي بعد عرض المسلسل مباشرة ، ولكنني آثرت أن اقرأ واستمع إلى كل النقدات والآراء والأفكار والملاحظات التي نشرها مثقفون وكّتاب وفنانون وصحافيون عراقيون .. كي أقول كلمتي في نهاية المطاف . إنني إذ اكتب هذا " المقال " ليس بسبب رفضي للمشروع ، أبدا ، إذ أنني باركت هذا المشروع الرائع جدا ، وأثنيت عليه ، وتمنيت أن يكون فاتحة لمشروعات فنية كبرى في ترجمة تاريخنا العراقي المعاصر وأبطاله الكبار .. ولكن ما دام الأمر قد عولج بتفاصيل موسعّة ، وان اسمي قد ذكر عدة مرات وفي اغلب المقالات ، فلا يمكنني السكوت أبدا على ما أبداه بعض الكتّاب والمتابعين العراقيين ، وخصوصا أولئك الذين انتقدوا مراجعتي التاريخية للنص . وسأختار عينة واحدة فقط  ..
يقول الأخ الأستاذ ناطق خلوصي في مقال له : " حين قرأنا في مقدمة العنوان الافتتاحية لمسلسل " الباشا " أن الباحث والمؤرخ سيار الجميل اضطلع بمهمة المراجعة التاريخية للمسلسل ، ساورنا شعور بالاطمئنان إلي أن المسلسل سيكون أمينا ً وصادقا ً في استقراء السيرة الشخصية لنوري السعيد استقراءا ً دقيقا ً وموضوعيا ً واستقراء التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق الحديث في المرحلة التي ظهر فيها من خلال استقراء هذه السيرة . غير إننا أصبنا بخيبة أمل ونحن نتابع المسلسل لاسيما في حلقاته الأخيرة ، بفعل المنزلق التحريفي الذي انزلق فيه . فنحن من جيل شهد جوانب من مرحلة الأحداث ، وبين الأجيال التي سبقتنا ممن هم علي قيد الحياة مَن شهد جوانب أكثر ، ولابد من أنهم شعروا بغصة ألم وهم يشاهدون المسلسل لاسيما أولئك الذين كانوا قد اكتووا بشواظ نيران مظالم تلك المرحلة " ( انتهى الاقتباس ).
 ومثل هذه الملاحظة ، ذكرها آخرون . وهنا لابد أن أبرئ مراجعتي التاريخية من كل المنزلقات التي عانى منها مسلسل الباشا نوري السعيد ، ومنها ما كان يخص المعلومات التاريخية ، ومنها ما بدا على الشخصيات بدءا بالبطل الباشا وانتقالا إلى غيره من الشخصيات .. ومنها ما كان يخص الموضوع السياسي ، وحجم الخلافات العراقية بين من هو مؤيد لذلك التاريخ الذي يقف على رأسه نوري السعيد ، وبين من هو معارض ، بل وساخط ضده ، حتى بعد مرور خمسين سنة على نهايته الدرامية الفريدة .. فضلا عن كل الذي يخص الموضوع فنيا ، إذ لم ينجح الفن العراقي في أن يسيطر على هكذا موضوع تاريخي له صعوبته وتعقيداته ليقدمه إلى الناس ببراعة متناهية ! وعلى الرغم من إعجابي الشديد بكاتب المسلسل الذي يتمتع بحس روائي مرهف .. لكنني من خلال تعاملي مع الرجل والنص الذي كتبه ، فلقد وجدته وهو يكتب نصا عن نوري السعيد ، وهو في مكان بعيد من بلاد الشام ، ومن دون أن يعيش تجربته ، أو يدرك من عايش تلك التجربة ، فضلا عن بعده الجغرافي عن تراث العراق السياسي ..
عندما بدأت اقرأ النص لأول مرة ، عشت بركانا شديدا ، وحاولت ارفض مراجعة العمل ، ولكن رسائل من الأخ المؤلف جعلتني اطمئن لهذا الفنان المثقف الذي منحني الثقة بأن النص سيكون على غير ما كان عليه .. لقد قرأت العمل كلمة بعد أخرى ، ومشهدا بعد آخر وسجلت عليه ملاحظات كثيرة جدا باللون الأحمر لم أزل احتفظ بها .. كما اعترضت على بنية الروي بأن الشعب العراقي لا يمكن أن يمّثل بشخصية أحادية تافهة تفرد لها مشاهد لا تمت للحقيقة بصلة .. إن كل من تابع مشاهدة مسلسل الباشا ، وسواء كان معه أو ضده ، لابد أن يدرك أن المراجعة التاريخية لم يؤخذ بها ، ولا بملاحظاتها ، ليس بسوء قصد أو نية ، بل ليعلم الجميع ، بأن هذا العمل قد كتب وأنتج واخرج بشكل سريع جدا ، وقد رافقته مشكلات جمة صعبة منذ البدء بالتفكير به وانتهاء بعرضه على شاشات التلفزيون .


ولا يفوتني هنا إلا أن اقتطع بعض نصوص رسالة أرسلتها إلى الصديق الأستاذ سعد البزاز الذي وقف على رأس هذا المشروع ، ومما قلته له برسالة مؤرخة في 10 سبتمبر/ أيلول 2008 :
عزيزي ، اكتب إليك لأعلمك بأنني تابعت بعض حلقات مسلسل ( الباشا ) على البث المباشر للشرقية على الانترنيت ، كون الفضائية لم تصلني تلفزيونيا ( هنا في كندا ) .. وكما تعلم أنني كنت الخبير التاريخي للمسلسل .. وقد تألمت جدا لأن أمورا وتصويبات وأفكار ومطالبات كثيرة سجلتها على النص ، ولكن لم يؤخذ بها وكلها مسجّلة عندي .. لقد باركت خطوتك الرائعة لمشروع هذا المسلسل ، ولكن عرض بعض حلقاته حتى الآن قد خّيب ظني مع الأسف . وكان الأخ المؤلف فلاح شاكر وهو صاحب إبداعات متميزة قد وعدني بأخذ كل تصويباتي واقتراحاتي .. ولكن لا ادري هل كانت الأخطاء من المخرج في الخروج عن النص المصحح ، أم التعابير ، أو المعلومات .. واعتقد أن اسمي قد ظهر في المقدمات كخبير تاريخي . وعليه ، فان أي نقد ، أو طعن ، أو هجوم .. سيفرض عليّ الرد وتوضيح هذا الالتباس .. وإذا كان المخرج ، أو المؤلف ، أو الممّثل لم يأخذوا بما اكّدت عليه ، وحرصت على الأخذ به ، فما معنى قراءتي للنصوص ؟ وما معنى الإتعاب التي بذلتها " .
واستطردت قائلا : " أريد أن أعلمكم بأنني غير مسؤول أبدا عن الحلقات التي ظهرت حتى الآن . لقد أوضحت كيف تكون شخصية نوري السعيد وطريقته .. أوضحت كيف يتكلم العراقيون مع الملك فيصل .. أوضحت أن رتبة جعفر العسكري هي اكبر من رتبة نوري  وقت ذاك ..  أوضحت مؤكدا بالقلم الأحمر أن المس غروتود بيل تكبر الملك فيصل كثيرا ولم ينادها بابنتي أبدا  .. أوضحت أن الطابع العام كان حضريا وليس متريفا في بغداد والمدن الكبيرة .. أوضحت الحاجة إلى أن تكون الأزياء مثلما كانت وقت ذاك ، طالبت بأن تكون هناك مناظر خارجية ، وان لا يبقى التصوير حبيس الغرف .. أوضحت أن لابد أن تكون الموسيقى الشعبية هي بغدادية وليست ريفية .. وان اللهجة المستخدمة عند فيصل هي حجازية ، ورستم حيدر لبنانية ،  ولهجة جعفر ونوري بغدادية صرفة .. وان نوري لابد أن يكون خفيف ظل ومرح وليس ثقيل دم .. وغيرها عشرات الأمور . لقد أصبت بإحباط كبير يا أبا الطيب .. وندمت جدا على أن يكون اسمي موجودا على هكذا مسلسل مع اعتزازي بالأخ المؤلف ، فقد كان رائعا معي أثناء تبادل النصوص ، مع اعتزازي بكل العاملين فيه .. ولكن تألمت كيف أنفقت الآلاف المؤلفة من المال ليكون بهذه الصيغة حتى الآن ! ولقد توقعت ذلك لأن الحلقات الأخيرة لم تصلني ويبدو أن الاستعجال كان قد سبب كل هذا الإخفاق .. واعذرني أن أقول ذلك ، وأنا أقارن هذا " المسلسل " بمسلسل  فاروق أو غيره من مسلسلات التاريخ العربي الحديث والمعاصر.. " ( انتهى نص الرسالة ) .
لقد أرجأت نشر موقفي من المسلسل حتى الآن كي أطلع على كل ردود الفعل التي كتبها مثقفون وفنانون عراقيون .. ولم أجد حتى الآن أية نقدات من زملاء مؤرخين عراقيين اعتقد أنهم لم يقبلوا أبدا بالمسلسل ، وما رافقه من هنات فنية لا يمكن قبولها . ولابد لي أن أوضّح للعالم كله ، ما دمت لم اقرأ أي رد حقيقي يوضّح بعض الحقائق ، إذ كان المؤلف يخبرني بأن التنفيذ قد بدأ قبل أن ينهي كتابته المسلسل ، فتوقعت حدوث أخطاء جسيمة .. ولقد علمت بتفاصيل واسعة من خلال اتصال تلفوني أجراه معي الأخ مدير قناة الشرقية ، موضحا لي جملة من المشكلات التي لا يمكن تّحملها إثناء تنفيذ العمل ، خصوصا وقد جرى على ارض غير عراقية .. ناهيكم عن سرعة التنفيذ من اجل عرضه في شهر رمضان المبارك السابق ، إضافة إلى ما كان يعانيه بطل المسلسل الفنان الراحل عبد الخالق المختار من أزمة صحية يوميا ، والتي أفضت إلى رحيله المؤسف بعد أشهر ..
إنني اقّدر جدا كل التبريرات ، ولكن ينبغي أن أوضح بعض الملاحظات التي أتمنى على كل الإخوة القائمين لإكمال مثل هذا " المشروع " يوما ، أو تنفيذ أي مشروع مشابه له :
(1) بالرغم من جعل المرئي التاريخي مشروع ذاكرة جمعية لبناء وعي جديد بالتاريخ ، فينبغي أن نكون حياديين في تناول أهم شخصيات العراق حساسية .
(2) أن جيل اليوم من العراقيين يختلف تماما في تفكيره وتصرفاته ، وتعابيره وخطابه ، وفي مناخه العام وأذواقه عن جيل حضري  يسبقنا بخمسين سنة .. فينبغي تمثيل ذاك الجيل لا غيره .
(3) إن المراجعة التاريخية أساسية لأي مشروع في السيمافور التاريخي الفني .. وان لا يقتصر دورها لقراءة النص فقط ، بل على صاحبها مراقبة الديكور والماكيير والتمثيل وحتى الإخراج.
(4) إن بعض الانتقادات التي قرأتها على المسلسل ، إنما انطلقت من زاوية سياسية محددة ، وبسبب كره دفين لنوري السعيد ، بحيث لم تكن حيادية في تقييمها وإطلاق أحكامها ، وكان يستوجب معالجة ذلك كما اقترحت من خلال بعض المشاهد .
(5) التروي والدقة وعدم التسرع في تنفيذ أي مشروع يعتني بالتاريخ من اجل مقاربة المرئي والسيمافور التاريخي للحاضر .
وأخيرا، فان مثل هذا " المشروع " الفني الكبير ، وهو يأتي في مثل هذه الظروف الصعبة للغاية ، هو رسالة للعالم ، بأن الفن العراقي لم يزل على قيد الحياة .. وان العراقيين ما زالوا يتعلمون كل يوم شيئا جديدا من تاريخهم المثقل بقوة الأحداث وقوة الشخصيات .. كما أن هذا " المشروع " هو رسالة لكل العراقيين اليوم ، مواطنين ومسؤولين عن زعيم عراقي اسمه : نوري باشا السعيد ، كان وسيبقى يثير أسئلة لا نهاية لها  ..

نشرت في الزمان اللندنية ، 6 ابريل 2009 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

8
مشروعنا حضاري أولا وأخيرا:
 دعه يعمل.. دعه يمر!

أ.د. سيّار الجَميل


الانسان العراقي في مقدمة الاشياء !
لا اعتقد أبدا ، أن أي عراقي يعشق العراق ، مهما كان لونه ، أو جنسه ، أو عرقه ، أو دينه ، أو مذهبه .. لا يحلم بالعراق المتقدم ، وقد انطلق ليغدو وطنا للجميع ، فلا يحق لأي عراقي ، أن يحتكر الوطن باسمه .. ولا يحلم بالعراق كي يغدو " جنائن معلقة " ليس في  بابل وحدها ، بل في كل أصقاع العراق .. ولا يحلم بمجتمع عراقي متضامن ، متكافل ، متسامح ، وقد غدا كل عراقي يرتبط بجملة من القيم والمدركات والتقاليد العراقية التي عرفها القدماء في حياتهم ، والتي افتقدت في نصف قرن مضى بكل ما شهده المجتمع العراقي من انسحاقات .. ولا يحلم بإنسان عراقي يعرف كيف يتصّرف وكيف ينتج .. وكيف يستهلك .. وكيف يبني .. إنسان ، لا تهمه مصالحه الشخصية بقدر ما تهمه مصالح كل العراقيين .. ولا يحلم بامرأة عراقية أصيلة ، كتلك التي ربّت أجيالا من العمالقة عبر أزمان ، وقد جابهت كل التحديات .. امرأة تدرك كم هي مسؤوليتها على أي شبر من تراب العراق .. امرأة عراقية تدرك ما يحتاجه العراق لمائة سنة قادمة .. امرأة تتدرب على أصول تربية أجيال جديدة بعد سنوات العذاب .. امرأة تحسن ترويض الرجل العراقي الذي يعد في بعض مناطق العراق ماركة مسجلة في التفكير المضاد ليس للمرأة حسب ، بل حتى لأقرب المقربات إليه .. رجل عراقي تّربى على قيم ذكورية في مجتمع شبه مغلق ، لا يدرك أي معنى لانفتاح المجتمع .. وسرعان ما تذهب به الظنون بعيدا .. إذ لا يفهم أي شراكة في التربية ، أو الدراسة ، أو العمل ، أو التوظف ، أو الإنتاج  .. إلا سلبا ! رجل لا يدرك من مجتمعه إلا السلبيات ، ولا يفقه من مجتمعات الآخرين ، إلا رؤية ضيقة يصفها مباشرة بالانحلال والإباحية ! رجل عراقي قد تجده مزدوج الشخصية بين الذي يعلنه ، ويتقول به ، أو يستعرض العضلات من اجله .. وبين ما يمكن أن يقوم به فعلا .. رجل لا يعرف إلا كيف يفرض إرادته على زوجته ، أو أخواته ، أو بناته ، أو حتى أمه .. وكثيرا ما يحرمهن من حقوقهن لحجج واهية كي يأكل عليهن الأخضر واليابس .. وان التقيت به ، فهو صاحب كلام معسول مزركش بالآيات الكريمة ، وسبحته بطوله ولحيته متهدلة ، أو خفيفة حسب الموظة الجديدة ! أو تجده ، وقد أقام أسوارا حول بيته خوفا على عرضه أو شرفه .. ولكنه لا يتورع في يخوض بأعراض الناس ويجردهم من كل ما يعتزون به !

حضاري قبل ان يكون سياسيا !
مشروعنا حضاري من اجل العراق قبل أن يكون سياسيا ، إذ أن السياسة لم ولن تنفع العراقيين ، فهي ميدان حقيقي للمنازلات ، والنزاعات ، والصراعات والقتل وكل الموبقات بسبب سعي كل سياسي عراقي من اجل منافع ، أو مصالح ، أو أهواء ، أو نزوعات .. السياسيون العراقيون ، قلما تجد من بينهم من هو نقي وملتزم ونظيف وغير مراوغ وتهمه مصالح العراق قبل مصلحته هو نفسه .. السياسي العراقي منذ أن وجد على ارض العراق الجديد ، وهو لا يعرف إلا السعي للجاه والألقاب والأزياء والمرتبات وحفلات العشاء واقتناء القصور والسيارات وعقد الصفقات وكيف يزيد من ثرواته التي لم يكن من أصحابها قبل العام 2003 ! وإذا انتقلت إلى الساسة المعارضين ، وما أكثرهم ، فان همهم الوحيد السلطة ، ثم السلطة ، ثم السلطة .. فالسلطة عند العراقيين هي الهدف ، وهي الغاية ، وهي الوسيلة .. هكذا معا ، وخصوصا عند من عرفها وامتهنها لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن . إن ( السلطة ) عند العراقيين جميعهم ، هي ضرورة وأساسية عندهم ، وتشغل حيزا كبيرا في تفكيرهم .. هي مطلب حقيقي،  وهي رغبة عارمة تسري حتى في دمائهم ، ويبدو أنهم قد ورثوها في جيناتهم ! إنهم يريدون التسلط .. إنهم يريدون احتكار الإرادة .. إنهم يريدون أن ينفخوا أنفسهم ، ويستعرضوها ليس في المجالس ، أو الشوارع  كما كان سابقا ،  وليس كما عرفوها في ساحات العرضات والميادين وسوح الوغى .. بل أصبحت اليوم معروضة على شاشات الفضائيات وفي صور المواقع والصحف والمجلات ..
مشروعنا حضاري .. كونه لا يعرف مثل هذه التقاليد البليدة التي تنخر في جسم العراقيين ، منذ ان عرفوا التنّمر ورفع الكتفين في مشيتهم ، وأطالوا شواربهم ، وامتهنوا المؤسسات ، وضربوا القانون عرض الحائط ، واعتمدوا على الدولة في كل جزئيات حياتهم .. بل وغدت الدولة بالنسبة لهم عدوا لدودا من دون أن يدركوا أسباب العداء لها .. الدولة بالنسبة للمجتمع العراقي لم تكن دولة متحضرة تتعامل مع المجتمع ، كونها خادمة له،  ومعلمة له ، ومرشدة له ، وهادية له سواء السبيل .. كونها ضمّت خليط عجيب غريب لكل من هبّ ودبّ من العراقيين المصنفين سياسيا وحزبيا وسلطويا ومخابراتيا  ، من دون فرز اجتماعي ولا أي تقييم معرفي .. لقد ضّمت إلى مسؤوليها أعداد كبرى من الأغبياء وضعاف النفوس .. هؤلاء جنوا على الدولة .. هؤلاء أساءوا إليها والى المجتمع .. الدولة بدل أن ترعى المجتمع .. اضطهدته وسامته سوء العذابات .. الدولة امتهنت الناس وخيرة أبناء الناس لمصالح النظام الحاكم .. الدولة خلطت بين المفاهيم ، فضاعت على الناس هيبة الدولة مع نزعة الوطن .. مع قوة النظام ، ومع أجهزة الحكومة ،  ومع الشعب ! اليوم ، كل الناس تريد من الدولة أن تقدّم لهم والدولة عاجزة ، كونها لا تستطيع أن تقوم بكل الأعباء لوحدها من دون أن يساعدها كل العراقيين ..

اجندة حضارية من اجل التغيير
مشروعنا حضاري من اجل خلاص العراق والعراقيين من قيم ربما نعتز بها اجتماعيا ، ولكن لا يمكن تسويقها سياسيا .. قيم ربما تكون مساحتها محلية ، أو ضمن إطار الوحدة الاجتماعية الضيقة ، ولكنها غدت تجتاح كل حياتنا العراقية .. فان كانت هناك قيم عشائرية في مكان وتفعل فعلها ، فكيف اضمن أماكن أخرى حيوية تتجذر فيها القيم الأسرية والعائلية ؟ هنا ستتباين القوة والنفوذ ، وستضرب العدالة في الصميم ! إذا كانت هناك ثمة قيما دينية ، أو مذهبية معينة ، فكيف اضمن وجود مثل هذه القيم في مناطق أخرى ؟ الا تجدون معي ، أن احد ابرز أسباب الإخفاقات التي لازمتنا نحن العراقيين إحياء تلك القيم وتوظيفها سياسيا أو إداريا .. وإذا كان العراقيون قد نفروا خفافا وثقالا من المشكلة القومية ، فكيف يتم تسويقها في اماكن عراقية معينة إزاء إفراغها من أماكن أخرى .. ؟؟ والكل يدرك إدراكا حقيقيا ، أن الصراع العرقي في العراق لا يمكن أن يؤسس لمشروع حضاري يقوم على التمييز بين العراقيين .. وهذا ما اعتمد اساسا من قبل العراقيين الجدد ، ويا للأسف الشديد .
مشروعنا الحضاري منفتح على كل العراقيين ، وليس له إلا ( الهوية العراقية) عنوانا ومضمونا .. ولا يميز إلا على أساس الكفاءة والقيم الإنسانية .. مع احترام أي عراقي للعراقي الآخر في دينه ومرجعيته الشخصية ، عرقه لغته ومرجعيته الاجتماعية ، طائفته وطقوسه المذهبية.. وان تكون الدولة فوق الجميع من دون أية انحيازات ، وبلا أية أجندة تقيّدها أبدا . على كل عراقي وعراقية احترام كل العراقيين ومشاعرهم بعيدا عن إثارة أية نزعات وحساسيات تشعل كل الوجود العراقي ..
مشروعنا الحضاري عراقي من اجل بناء العراق الذي نحلم به جميعا .. عراق الإنسان قبل أي شيء آخر .. عراق يهتم بمستقبله قبل أن يتنطع بماضيه .. عراق لا ينكر مفاخره وأمجاده الحضارية للإنسانية جمعاء ، ولكن شريطة أن يختط نهجا حضاريا جديدا في الحياة . عراق يهتم بتربية الأطفال العراقيين قبل أي شيء آخر .. ويغرس فيهم قيم هذا " المشروع " ، لا أية قيم أخرى تتقدمه .. عراق يسود فيه القانون ويبتعد رويدا رويدا عن شريعة الغاب وعن كل ما تنفثه من روح الكراهية والأحقاد والثارات .. عراق تتبدى فيه النزاهة في كل من الدولة والمجتمع ، وتنكشف فيه كل الموبقات والسرقات والاختلاسات والرشاوى .. عراق يساهم الجميع في بنائه وإعادة الخدمات إليه ، ويقوم على أسس قوية من البناء الوطني الذي لا يعرف التفرقة ولا الانحيازات ولا التهميشات ولا الإلغاء ولا التزويرات .. خصوصا ، إذا علمنا ، أن العراق يصّنف في مقدمة البلدان التي تغزوها التزويرات وعمليات الغش !

واخيرا .:. دعه يعمل .. دعه يمر
مشروعنا الحضاري يحاول جاهدا أن ينهي العلاقة بين المجتمع وما يسود الأذهان فيه من الخرافات والبدع ، ومحاولة إعادة بناء مجتمع مدني يفكر في حقائق الأشياء ، وبمنطق العقلاء لا السفهاء .. وبفرص الديمقراطية لا بفرض الأمر الاحادي الواقع .. مجتمع مدني تتحقق فيه أفضل العلاقات في كل الوحدات الاجتماعية .. مجتمع مدني ، يراقب عن كثب كل ما يحصل من خروقات للعراق والعراقيين .. مجتمع مدني ، ينبغي على كل العراقيين العمل من اجله طواعية من دون مقابل من اجل العراق والعراقيين .. وهذا ما يستلزم عمله على كل أعضاء البرلمان العراقي الذين ينبغي العمل ليل نهار لتشريع قوانين من اجل مستقبل العراق . على كل العراقيين أن يكون منظارهم للأشياء حضاريا وليس بسياسي .. عليهم أن يدعموا كل من يقدم خدمات حقيقية للبلاد من دون خلق أية عراقيل ضده .. عليهم أن ينسوا صفحات الماضي الصعب ، ويبقوها حية في ذاكرتهم التاريخية فقط من دون أن تشغلهم عن بناء العراق الحضاري مستقبلا .. وبالتالي تقسمهم وتضعفهم . عليهم أن يدعوا كل من يعمل ويفني نفسه يمر .. بشرط أن يوقفوا كل الذين لا يستحقون مواقعهم عن العمل . فهل ستثمر جهودهم مع تداول الأيام ؟ وهل سيخرج العراق من عنق التاريخ الصعب قريبا ؟ هل سنشهد تحقيق أحلامنا بالعراق الذي نعشق ونهيم .. هذا ما ستجيب عنه السنوات القادمة .

نشرت في الصباح ، 2 ابريل / نيسان 2009
وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

9
الخروج من عار التخلّف !

أ.د. سيّار الجميل

أسئلة حائرة عن ماهية الثقافة العربية
لما كنت قد نشرت مقالتي الأسبوعية " محاكمة الثقافة العربية: لماذا ؟ " الأسبوع الماضي، فلقد  وردتني رسالة من الأخ عبد القادر بنعثمان ( من تونس ) ، وهو يسجل بعض ملاحظاته وأسئلته التي تبدو بسيطة جدا ، ولكن لها خطورتها ، إن كانت معبّرة عن لا وعي جمعي في تفكيرنا الراهن . يقول الرجل في رسالته :
 "  سلامي الحار دكتور  .. لقد دافعتَ بقوة عن الثقافة العربية   ، وهو أمر محمود حين تكون الغاية منه البحث عن صيغ تطوير وجودنا في الحياة والكون  ...  ويكون الغرض منها الدعوة إلى الوجود الفاعل والحضور الإنساني المشرف والرغبة في توديع الحالة الإسلامية الغثائية ( نسبة إلى غثاء السيل) . أما إذا كان بغاية تعظيم هذه الثقافة ، وإعلاء كلمتها وسلطانها ، ودعم هيمنتها على الخصوصيات الوطنية المكونة للثقافة الإسلامية ، فهذا فعلا يجب أن يحاكم ؟ لذلك لنرجو من سيادتكم فقط توضيح ما المقصود بالثقافة العربية ؟ وما منجزاتها ومفاخرها غير النص الشعري وأيام العرب المحمومة وتناحر القبائل وغاراتهم على بعضهم البعض ؟ وما التاريخ الواقعي المعلوم لنشأة هذه الثقافة لا المفترض ؟ وما هو وزنها مقارنة بالثقافات الأخرى التي عاصرتها قبل الإسلام ؟ وهل يمكن أن نتكلم عن ثقافة عربية بعد الرسول الكوني العظيم محمد (ص ) أم نتكلم فقط عن مكون عربي صغير من مكونات الثقافة الإسلامية ؟...مثلا أنا تونسي ، فهل أعتبر تاريخ جدودي في انجاز "الحنايا " قبل الإسلام داخلا في الثقافة العربية ؟ وهل اعتبر بطولات حنبعل و ذكاء عليسة جزء من الثقافة العربية .. ؟ وهل يتنازل المصري عن منجزات حضارته الفرعونية وتاريخه كي يتبنى منجزات ثقافة الصحراء والخيمة والإبل؟ وهل يتنازل الفرنسي المسلم أو الانقليزي والأمريكي عن المنجزات الحضارية العملاقة لقوميته لصالح تبني ثقافة عربية لم تتمكن إلى اليوم من الخروج عقلية داحس والغبراء ؟ هنا أنا أتكلم بدافع الغيرة على وجودنا وليس بدافع التهجم أو التنقيص من قيمة هذه الثقافة وإنما محاولة لإعطائها حجمها الحقيقي كي لا يعمق تعظيمها مزيد المغالطات التاريخية و منع الشعوب والقوميات والثقافات الأخرى من المشاركة معنا في الاستفادة من قيم الإسلام الإنسانية الرائعة التي تنهض على أنه لا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى وهو ما يعني إلغاء هذه الثقافة العربية السائدة واستبدالها بالتقوى والقيم الأخلاقية السامية المشتركة بين جميع الديانات السماوية السابقة.
إذن أليس من الأفضل والأحسن اليوم التأسيس لوجود إسلامي جديد من خلال وحدة التنوع والاختلاف لا وحدة القهر القومي وإلغاء الخصوصية الوطنية كي يستمر تفاعل الآخر معنا وخلق الآلية العملية لحوارنا معه واستيعابه وإدماجه في وحدة التنوع والاختلاف في حال مشاركته المحتملة لنا في العقيدة ؟ مع محبتي ودعوتي للنظر في هذه الأسئلة بعين المصلحة المشتركة  ، وتحمّل نقدي وأسئلتي للثقافة العربية من منطلق الدفاع على وجودنا المشترك ومحبتي لقيم الإسلام لا الكره والاستنقاص ( انتهى نص الرسالة ) .

أجوبة للتخلص من عار التخلف
1/ حقا ، سعدت بهذه الأسئلة ، أو غيرها التي سمعتها من بعض الأصدقاء .. وكم كنت أتمنى من صميم القلب ، أن يلّم كل السائلين بالموضوع من خلال قراءاتهم سواء بالعربية ، أو الاستشراقية الممتازة التي صرف بعض أصحابها أعمارهم بالتحقيقات والتدقيقات كي يمدّوا الثقافة الإنسانية بما قد احتوت عليه الثقافة العربية من علوم وآداب وفنون .. أي ما اكتنزت به من المعرفة النادرة .. كنت أود أن يتسّع الوعي بأهمية الثقافة العربية معرفيا ، لا أن يؤخذ المصطلح مؤدلجا ، كما هو رائج ومبتذل من قبل الإعلاميين والساسة الذين أفرغوه من محتواه ، والصقوه بالقومية تارة ، أو بالإيديولوجية تارة أخرى .. أو حتى بالسلطات ، أو الدين عندما غدت الثقافة العربية بكل عناصرها ومكتنزاتها ، مجرد عناوين لمنظمات ومراكز وجمعيات واتحادات تنفق عليها السلطات ، كي تصبح الثقافة العربية في رعاية أنظمة شمولية ، أو أمزجة دوغمائية ، أو أحزاب شوفينية ، أو سلطات ثيوقراطية ، أو قوى طفيلية !
2/ الثقافة العربية ، ببساطة هي كل ما أنتجه العقل العربي منذ آلاف السنين حتى اليوم من إبداعات ، ونصوص ، وعلوم ، وخطط ، ورسوم ، وفنون ، ونظريات ، وتراجم ، وسير ، وأخبار ، وأشعار ، وموسيقى ، وكتابات ، وخطابات ، ومقامات ، ومقول قول ، وأنظمة تعليم ، ومدارس ، ومناهج ، وفولكلوريات ، وأزياء ، وأساليب حياة .. منها المنقطع ومنها المتوارث .. في مخزون اجتماعي يتعامل مع عناصره بمشتركات عدة أهمها ( اللغة ) .. ولم يكن ذلك " المخزون " حكرا على دين معين ، فلقد اشترك في صناعة كل هذا المنتج وتطويره ، يهود ومسيحيون ومسلمون وغيرهم .. بل نجد أن أناسا من قوميات أخرى قد ساهمت في اغناء الثقافة العربية .
3/ وهل تنحصر منجزاتها بالشعر يا ترى كم يتصور البعض ؟ وكأنهم هنا ، يقولون ، أن الثقافة العربية لا يعرف أصحابها الا الشعر ؟ وان المثقف هو من يكتب قصيدة شعر ! وهذه رؤية قاصرة ، فالمتنبي من أركان الثقافة العربية ، ولكن يقابله ابن خلدون مؤسسا لعلم الاجتماع ،  وابن رشد وابن طفيل في الفلسفة ، والفارابي في إحصاء العلوم ، والخوارزمي في الرياضيات ، والكندي في جغرافية الأرض ، وابن بطوطة في الرحلة ، والجاحظ في تطور الحيوان ، والغزالي في التربية ، وسيبويه في النحو ، والجرجاني في النقد ، والطبري في التاريخ .. وغيرهم من العمالقة الذين اغنوا الثقافة البشرية ، ناهيكم عن اكتناز الثقافة العربية بترجمة السريان العراقيين لفلسفات الإغريق .. إن كل محترف ومبدع في علمه وأدبه وفنه هو مساهم في بنية الثقافة العربية مهما كان جنسه ، أو دينه ، أو لونه ، أو عرقه .. وهنا ينبغي أن نفّكر قليلا في جملة هائلة من المثقفين العظام الذين خدموا الثقافة العربية ولم يكونوا لا بعرب ، وبعضهم ما كانوا بمسلمين أيضا .. وقد صرفوا أعمارهم واحرقوا سنوات عمرهم في إثراء الثقافة العربية .. نسأل ابن المقفع ، وهو فارسي عن إبداعاته العربية .. نسأل حنين بن اسحق وهو سرياني عن ترجماته الكبرى إلى العربية ؟ نسأل الهلال الصابي وهو مندائي عن خدماته العربية .. نسأل موسى بن ميمون وهو قاضي وفيلسوف يهودي يمني عن فكره بالعربية.. نسأل ابن سينا ، وهو من أبناء الشرق عن تآليفه في الطب والفلسفة بالعربية .. وغيرهم كثير حتى يومنا هذا .
4/ ليدرك كل من يقف خصما للثقافة العربية إنها ليست ـ كما يصفونها ـ  " أيام العرب المحمومة وتناحر القبائل وغاراتهم على بعضهم البعض " ، إذ لابد من التمييز بين الحضر في المدن ، وبين البدو في الصحراء منذ ألفي سنة .. ينبغي التمييز بين أساليب القبائل ، وأساليب سلالات المدن . إن ثقافات المدن العربية كانت بحورا من الإبداعات التي لم نجد مثلها في لغات أخرى !
أما الواقعي لا المفترض في تاريخ هذه " الثقافة " ، فهذا ما أوضحته حفريات عدد من كبار المؤرخين العرب والمستشرقين .. في أعماق التاريخ ، كي يجدوا آثارا معبّرة وقديمة سواء في مملكة عربايا ، أو المناذرة في العراق ، أو الغساسنة في بلاد الشام ، أو مأرب ومعين وحمير في اليمن .. وإبداعات العرب العمالقة وما كان لديهم من علوم وهندسة بناء وفنون وأساليب ري وقصائد شعر .. فالحطيئة الأكبر قديم جدا في قول الشعر العربي يسبق الإسلام بمئات السنين .. أما وزن الثقافة العربية مقارنة بالثقافات الأخرى ، فهو ثقيل جدا ، ليس لأنها كانت تضاهي الإغريق ، أو الفرس ، أو الرومان .. بل لأن الثقافات الأخرى انقطعت عن عطائها ، وافتقدت حتى لغاتها القديمة .. في حين كانت الثقافة العربية مستمرة منذ قبل الإسلام ، ومرورا به ، وانتهاء بعصر النهضة التي نعيش زمنه الآن . والثقافة العربية ليست مكّون عربي صغير من مكونات الثقافة الإسلامية بعد الرسول الكوني .. فهي التي أسست للإسلام لغة وخطابا ، وهي التي سحبت إليها كل ثقافات الشعوب لتكون الأخيرة في رعايتها .. وهي التي انضم إليها الناس كي يتعاملوا معها في إنتاج معطياتهم .. وغدت الشعوب غير العربية منضوية طوعا في بنية الثقافة العربية .. فتجد حتى أسماءهم عربية وتجد حتى رسائلهم بالعربية ..
5/ أما المناطق والبلاد التي شملتها الثقافة العربية ، بحكم الوجود العربي ، من خلال انتشار الإسلام بوسائل مختلفة ، فلا يمكن اعتبار مواريثها القديمة عربية بأي حال من الأحوال ، فثمة منتجات ثقافية قديمة غير عربية .. هي اليوم مجرد آثار ورموز تجدها في متاحف أو في مناطق أثرية وما أكثرها في بلداننا العربية .. إنني أسأل : بأي ثقافة يتعامل أبناء كل بلد عربي اليوم ؟ لا استطيع القول بان هناك ثقافة وطنية منفصلة عن ثقافة وطنية أخرى في بلد آخر .. إننا نكون نضحك على أنفسنا ، ونعطي الأمثلة الفاضحة للعالم كي يستهزئ بنا إن أنكرنا وجود ثقافة عربية اليوم مهما كان تهرؤها ، ولكن ما دام التونسي يسمع ويطرب لمغن لبناني ، أو عراقي ، أو مصري ، فثمة ثقافة مشتركة ! وما دام هناك مكتبات تبيع الكتب العربية التي تقرأ معا في كل مجتمعاتنا العربية ، فثمة ثقافة مشتركة ! وما دام هناك لغة شعرية بين أبي القاسم الشابي والسياب ودرويش ونزار .. فثمة ثقافة مشتركة !
6/ هذه حقائق دامغة ، وليست ثقافة الإبل والخيمة والصحراء ! إن آلافا من ابرع المثقفين العرب من مبدعين ومحترفين ومختصين ينتشرون في هذا العالم ، ليس لأن ثمة عيوب في تربيتهم ، أو تكوينهم ، أو محصلة ثقافتهم ، بل بسبب القمع والسياسات الجائرة التي تثوي عليه بلداننا .. فالمشكلة ليست تبسيطية ساذجة كون ما نحمله ثقافة خيمة وابل وصحراء ، بل إنها معقدة بغيبوبة الوعي حول ماهية ثقافتنا العربية .. ولا ادري لماذا ينفر أبناؤها منها ، ويريدون أن يجدوا في ما يسمونه بثقافتهم الوطنية جذورا يجدونها في آثارهم القديمة من دون أي دراية بحجم الانقطاعات الزمنية والموضوعية التي تفصلهم عن تلك المنتجات ! إن مجرد إنكار الثقافة العربية هو تشكيل خصومة لا مبرر لها ، لا لشيء الا لكونها (عربية) ، وقد ترسخ في الوعي الباطن لدى البعض وعلى امتداد الخمسين سنة الأخيرة .. أن كل ما هو (عربي) ينبغي أن يقرن بالخيمة والبادية والسيف ، أو يتم الخلط بين داحس والغبراء في السياسة والثقافة معا .. إن من ينظر للثقافة العربية من منظار سياسي لواقع معاصر ، فسيجدها ثقافة قطع رقاب ، وقص أطراف ، ورمي أحذية.. الخ  أما من يتمتع برؤية بعيدة عنها ، فسيجدها ثقافة معرفية وأدبية وفنية عالية المستوى من الناحية الإنسانية .   

وأخيرا : أقوى التحديات
واكرر للمرة الألف، أن الثقافة العربية العريقة هي ليست القومية العربية. إن التعمية تتم عن قصد ، أو بلا قصد عن ابرع ما أفادت الثقافة العربية به الإنسانية بأكملها . لقد وصلت حالة الانفصام لدى البعض، أن يجعل الثقافة العربية ثقافة إرهابية، ويريد تسويقها على العالم كله .
إن من اكبر التحديات التي تعاني منها الثقافة العربية المستنيرة ، غلبة البداوة عليها ، وإغراقها بالمتخلفين والجهلة والطفيليين الذين تكاثروا في العقود الأخيرة من السنين بفعل تدفق الثروات النفطية على بيئات عربية ابتذلت فيها الثقافة ، وضربت فيها الاستنارة الحقيقية ضربات قوية .. وكانت الهجمة الإعلامية على الثقافة والمثقفين الحقيقيين ، فتآكلوا يوما بعد آخر .. ناهيكم عن الحرب التي أعلنتها الأنظمة السياسية العربية المختلفة مع كل القوى الأصولية والمتعصبة ضد اغلب المثقفين المستنيرين الذين تضاءل عددهم ، وانكمش دورهم .. وهاجر العديد منهم إلى ما وراء البحار .. علينا اليوم أن لا ننكر عن قصد ، أو من دون قصد ما قدمته خيرة نخب المثقفين العرب من إبداعات ، وتشكيل ، وموسيقى ، وفن ، وشعر ، ورواية ، وصحافة ، وعمالقة لغة .. الخ من رجال نهضة حقيقية دمرتهم سياسات السلطات والأحزاب الأحادية والقوى المتعصبة والزعماء الرعناء .. وللحديث بقية ..

تنشر على موقع الدكتور سيار الجميل  بتاريخ 30 آذار / مارس 2009
www.sayyaraljamil.com


10
على ورق الورد


سنوات التكفير..بعد سنوات التخوين
لأسباب سياسية فاضحة !

أ.د. سيّار الجَميل


إن من يؤمن بالديمقراطية الحقيقية والحريات الأساسية كاملة ، ينبغي أن يكون مستنيرا ، يؤمن بالتغيير الدائم من اجل التقدم ، وله الحق أن يعترض على كل ما يعيق الدرب نحو المستقبل ، وما ينافي الوطنية والإنسانية والأخلاق.. ، ومن الاستنارة ، احترام فكر الآخر والدفاع عنه حتى وان اختلفنا معه . إن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه علينا دوما: هل يمكننا أن نتشدق بالديمقراطية ، والشفافية ، واحترام الرأي الآخر .. ولم يزل الصراع يتفاقم ضد المستنيرين ؟ بل ويريدون نفيهم وإقصائهم باتهامهم بشتى التهم ، أو بتجريح سيرهم الذاتية ؟؟ لقد كانت ثمة أساليب متوارثة في مجتمعاتنا ، تراعي حرمة الآخر ولا تقبل بالاهانة وتكبيل الإرادة ، بل كانت التعايشات واضحة ليس بين الناس العاديين حسب ، بل حتى بين المثقفين والسياسيين إبان مراحل التكوين الوطني في النصف الأول من القرن العشرين .. ولكن شهدت ثقافتنا العربية على امتداد خمسين سنة مضت  أسوأ ما يحدث من طغيان ثقافة الاهانة للمستنيرين ، فمن لم يقو عليهم يحاول اهانتهم بشتى الطرق ، أو أن يسيء إليهم بشتى الطرق .. ربما لا يستطيع أي شخص مقابلة الحجة بالحجة ، ولكنه لم يتعود أبدا على قبول الآخر مهما كان أفكاره . لقد نجح الإعلام العربي ، المسموع والمرئي في تهميش المستنيرين الحقيقيين ، ونشر ثقافة الإلغاء والكراهية .
واسأل : كيف ينبش البعض في الماضي لإشعال نار التناحر والتباغض من جديد ؟ وإذا كانت الثقافة العربية لم تزل أحادية الطابع ، وأنها لا تريد تأسيس أي تجسير بين الآباء والأبناء ، أو أي انفتاح حقيقي على الآخرين ..  فماذا نسّمي أولئك الذين انتشروا اليوم في اغلب مجتمعاتنا ، وهم يريدون استئصال حياة من يختلف معهم ؟ بل ووصلت الأحوال في بلدين عربيين كانا يعجان بالمستنيرين : الجزائر ، أو العراق إلى أن يكون الدين مرجعية لقطع الرؤوس ، من دون أن يغدو الدين عندهم أداة أخلاقية عليا ودعوة تعايش وتسامح بين أبناء البلد الواحد ؟
 إن المدهش في الكثير من مجتمعاتنا ، أنها كبلت نفسها باعتقالها الوعي وارتدادها عن كل قيم الانسجام ، وأنها غدت لا تدرك من الدين إلا جعله طريقا للعنف ، وأسلوبا للقتل ، وعدم الاعتراف بالآخرين من المستنيرين ! إن ثقافة التكفير منذ ثلاثين سنة بالضبط ، والمنتشرة في عموم مجتمعاتنا ، قد أعقبت ثقافة التخوين التي عاشت قرابة ثلاثين سنة أيضا في مجتمعاتنا ، وخصوصا إبان مرحلة الانقلابات العسكرية والمد القومي التي أعقبت الحرب العالمية الثانية .. وان كلا من هاتين الثقافتين تلغي وجودك لأسباب سياسية فاضحة .
  إن المستنيرين فقط هم الذين يدفعون الإثمان الباهضة ، وان المستنير دوما ما يتهم بـ " التغريب " . إن النغمة الشائعة التي آذت واقعنا ، وأضرّت بمصيرنا ، هي التي تتهّم كل من يريد الإصلاح والتغيير نحو الأفضل بتهمة الإعجاب بالغرب والانبهار بتقاليده .. وهي تهمة ساذجة وكافية لسحب البساط من تحت أرجل كل المستنيرين الذين يؤمنون بأن الحياة المدنية هي التي ستنقذ مجتمعاتنا من ورطاتها التي وقعت فيها منذ نصف قرن من الزمن الثوري ، أو الزمن الصحوي ! إن المستنيرين قد جعلوا مجردين من أصالتهم في أعين الناس ، أو أنهم غير ملتصقين بواقعهم ، وأشيع عنهم أن همومهم ليست مع هموم الناس ، وللأسف الشديد ، لم يستطع أي مستنير ، أن يرد على ما يناله من كراهية بفعل هروب عدد كبير من هؤلاء وترك الميادين إلى الأميين والمتكلسين الظلاميين الذين انتشروا بشكل مفجع تحت شعارات وواجهات (المقدس ) دوما ، بل وحملوا هم أنفسهم صفة القداسة .. فغدت لهم سلطات قوية في مجتمعاتنا ، ربما بعضها أصبح قويا بحيث تخشى منهم حتى السلطات السياسية في الدولة! وساد التفكير المغلق ، والرؤية الضيقة للحياة والآخر .. رفقة حزمة هائلة من التقاليد السلبية البالية التي لا يمكنها أن تستقم أبدا مع ركائز الحياة المدنية الحديثة .. وهذا اخطر ما ستواجهه أجيال المستقبل .
 إن أشرس حملة يتعّرض لها التفكير المدني في مجتمعاتنا من قبل السدنة الذين تكاثروا بشكل يثير الشبهات ،  إنهم لا يأتون بأية اجتهادات أو خطط ومشروعات معاصرة ، كونهم لا يؤمنون أصلا بالحياة المدنية ولا بالإصلاح ولا بالتحديث ، ولا بالتغيير ، فالاستنارة عندهم  خطر على المجتمع ، بل استطيع القول أن مجتمعاتنا ـ ويا للأسف الشديد ـ عاشت منذ خمسين سنة علي مقولة خطيرة مشاعة ، تختزل  بـ " جاهلية القرن العشرين " ، في حين كان القرن الماضي حصيلة مثمرة لكل تقدّم الإنسان ، واستكشافاته ، واختراعاته ، وإبداعاته ، ونظمه ، وقوانينه وأساليب حياته المعقدة الجديدة بعيدا عن شرور كل الحروب ومآسيها تلك التي صنعتها السياسات والمصالح التي وقفت بالضد منها كل تطلعات الشعوب وطموحاتها في الحرية والسلام والتعايش .   
إن إقصاء المستنيرين قد زاد كثيرا اليوم من قبل خصومهم الذين ازدادوا بشكل مفجع ، وتجد خصومهم لا يؤمنون حتى بالاعتدال والوسطية ! تجدهم على شاشات التلفزيون ، يحللون ويحرمون ، يهاجمون ويكفّرون باسم الدين ، يخاصمون ويختصمون .. يقاتلون ويقتلون ، يحلمون ويفسرون من دون أن يكونوا متمرسين بعلوم الدين أبدا.. فما الذنب المرتكب إذا وصف هؤلاء بأوصاف عادية وما شأنهم بمجتمعاتنا التي هي بأمس الحاجة إلى الوعي بالواقع وتشكيل الرؤية نحو المستقبل ؟ ما الذي يمكنهم أن يقدمونه إلى الحياة العامة حتى نجعلهم أوصياء عليه ؟ إن انقسامات مجتمعاتنا اليوم هي سياسية بالدرجة الأولى ، وان من لم يجد أية أدوات ووسائل متمدنة تتوافق مع طبيعة هذا العصر ، فهو سيهرب حتما إلى أدوات أخرى تجد سبيلها إلى عقول الناس الذين لا يدركون حتى اليوم منطق الأشياء بفعل تراجع العقل وجمود الوعي .. بل وقد دخلت إلى مجتمعاتنا على امتداد خمسين سنة مضت عناصر جديدة لم تكن موجودة سابقا .
يرتهن التقّدم دوما بالحداثة ، بدءا بحداثة الشكل ومرورا بحداثة المضمون ووصولا إلى الحداثة في العلاقات والتصرفات والتفكير والإنتاج .. علما بأن ذلك " التقدّم " لا ينفي البتة كل رائع وجميل ومخّلد من الأعراف الإنسانية الخيرة في مجتمعاتنا ، وحسن علاقاتنا مع بعضنا البعض ، وقوة أساليب تعايشاتنا وكل ايجابيات موروثاتنا الرائعة .. لقد افتقدت مجتمعاتنا اغلب الموروثات الجميلة ، ونجحت في نفيها مع ازدياد التطرف واستقطاب الانقسامات بسبب نفي الآخر .. تخوينه أو تكفيره على أتفه الأشياء ! لقد انحسرت العديد من العادات والتقاليد المتمدنة اليوم في مجتمعاتنا باختلاط الأمور، واضمحلال الحياة، وانخفاض مستويات المعيشة، وانتشار الفقر والبطالة، وقبح السكن، وسوء سياسات الحكومات ، وبلادة الأنظمة السياسية بعدم الاهتمام بالإنسان والمجتمع .. إنني مؤمن إيمانا حقيقيا بأن مجتمعاتنا من الصعب تغييرها اليوم ، أو إحداث أي ثورة مدنية في تقاليدها الصعبة نحو الأفضل .. فهي تعتقد اعتقادا راسخا ، أن مجرد أخذها بالتغيير ، فسيفقدها التغيير أخلاقياتها ويلحقها بالغرب وهي شديدة الكره للغرب ! وربما كانت الأجيال السابقة تتقبل هذا " المفهوم " كونها مؤمنة بالتغيير وبناء المستقبل .. ولكن الجيل الجديد لم يعد يتقّبل أبدا مثل هذا المفهوم ، كونه يترّبي اليوم علي تقاليد بالية ، وتقترن الحداثة عنده بالتغريب ، ومثل هذا " التفكير " جناية بحد ذاته بحق مصيرنا . دعونا نعالج في حلقات قادمة على ورق الورد ، جملة من الأفكار التي ازعم أنها جديدة ، كي تساعدنا في الخروج من اختناقات هذا الواقع الصعب الذي خلقته إخفاقات سياسية عمرها نصف قرن من الزمن الصعب .

نشرت في مجلة روز اليوسف المصرية ، 29 مارس 2009 ، وتنشر ايضا على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com


11
ثلاث استراتيجيات قوية والرابعة غائبة !

أ.د. سّيار الجميل

حجم المتغيرات في الشرق الاوسط
في سيمنار علمي بمنظمة السلام العالمي ودائرة المستقبل بهيئة الدراسات العليا بجامعة فيكتوريا التي عقدت أعمالها في الماريوت تورنتو قبل أيام .. تجاذبنا أطراف الحديث عن العالم ، ومتغيراته الصعبة ، والسريعة ، والمذهلة ، وأخذنا الحديث عن الشرق الأوسط اليوم ، وما يعيشه من إخفاقات جراء الواقع المتأخر بكل عوامله ، وجراء التدخلات الأجنبية ، وجراء التنازع الإقليمي بين القوى المختلفة .. إذ يعد الشرق الأوسط ، مربعا للازمات ، كونه أحد أهم المجالات الحيوية في العالم .. واغلب شعوب العالم ، قد أدركت بنا لا يقبل مجالا للشك ، حجم تأثيرات الاستقطاب العالمي على منطقتنا كلها ، إذ غدت " السيطرة " التي انتقلت بالولايات المتحدة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية من صراع سياسي ( امبريالي ) في النفوذ ، والهيمنة ، والمصالح إلى صراع اقتصادي ( كابيتالي ) في النفوذ ، والسيطرة على المصالح . ولكن الشرق الأوسط برمته ، قلما يفكّر بحجم ما حدث من متغيرات في الخمس والعشرين سنة الأخيرة .. بعد أن كان قد أضاع فرصا ثمينة قبل ثلاثين سنة للانشغال بالحرب الباردة ، أو أن يكون جزءا تابعا أو ذيلا أو بيدقا في اللعبة الكبرى .. صحيح ، أن العالم دخل مرحلة جديدة مع انطلاق ظاهرة العولمة التي لا يقف أمامها أي حاجز ، ولا تهتم لأي مبدأ سياسي ، أو وطني ، أو قومي ، أو أممي ، أو أيديولوجي ، أو عقائدي ديني ، أو حتى مثالي أخلاقي .. إنها ظاهرة العصر التي تسود العالم اليوم بلا منازع !

العرب في الميدان بلا اية استراتيجية اقليمية
إن الشرق الأوسط ، اليوم ، تحكمه معادلة غير مستقيمة ، نظرا لوجود ثلاث استراتيجيات قوية وفاعلة في المنطقة مع انعدام أي إستراتيجية عربية ، والاستراتيجيات الثلاث ، هي : الإيرانية ، والتركية ، والإسرائيلية .. وهي التي نعلمها ، وكما تتضح فكريا وإيديولوجيا وسياسيا وإعلاميا على الملأ كله .. في حين اخفق العرب من خلال منظومتهم القديمة المسماة بـ ( جامعة الدول العربية ) بخلق أي حالة من الاتفاق والتوازن والتعايش لفهم متغيرات العالم اولا ، والادراك المتبادل للاستراتيجيات الإقليمية الثلاث .. هذا إذا اقتنعنا أن العرب غير قادرين على صنع إستراتيجية إقليمية لهم ، وهم مكّون أساسي من مكونات المعادلة الإقليمية للشرق الأوسط برمته . دعونا الآن نتساءل عما يدور في الأروقة السياسية العربية :
إن اغلب تصريحات المسؤولين العرب تصريحات غير مسؤولة ، بل وغير واقعية أيضا ! فهل العرب بحاجة إلى إذابة الجليد في ما بينهم ـ كما يصّرح أحد وزراء الخارجية العرب ـ ؟؟ في حين ان الواقع ، يؤكد ان بينهم صحاري محرقة وعلاقات ساخنة منذ خمسين سنة ؟ هل نجحوا يوما بصنع إستراتيجية متفوقة على المستوى الإقليمي ، يمكنهم أن يشاركوا من خلالها الآخرون ؟ وهنا لا اقصد اتفاقاتهم الآنية لظروف خاصة سرعان ما تبطل ، كما هو حال اتفاقاتهم الدفاعية أو الحربية المشتركة ـ كالتي كانت في حربي 1967 و 1973 ! أو تلك التي عبرّت عنها مشروعاتهم الوحدوية ، أو مجالسهم العربية ، أو قممهم الزعاماتية !  ! وبالرغم من كونهم لا يدركون أين هي معادلة الشرق الأوسط  اليوم ، فهم لا يفقهون أين هي متغيرات المنطقة ، ليس الدولية ، ولكن الإقليمية أيضا . إنهم يتعاملون مع تركيا وإيران ، وكأن كلا من الدولتين دولة عادية من دون أي إدراك بثقل كلتيهما في معادلة الشرق الأوسط . إن ما يسمى بالمصالحات العربية وتبادل الابتسامات والزيارات والكلام المعسول سوف لا يدشّن ـ كما يقولون ـ حقبة جديدة من العلاقات غير المتشنجة بين دولتين عربيتين أو أكثر ! كما يصّرح ذلك بعض المسؤولين العرب .

لا مصالحة من دون إستراتيجية متمكنة
لقد قلت في مقال سابق لي عنوانه : " إستراتيجية مصالحة أم ممانعة واعتدال  " : " علينا أن نسأل سؤالا مباشرا وصريحا : هل هناك إرادة جماعية لتأسيس إستراتيجية عربية بعيدا عن أية انقسامات وأجندات ؟ هل اقتنعنا بأن مصيرنا محكم بشراكة أساسية لصنع تاريخ جديد ؟ هل صعَدَ المعتدلون نحو مطالب الممانعين ؟ وهل نزِل الممانعون إلى ما يؤمن به أصحاب الاعتدال ؟ هل كان مجئ اوباما سببا في مصالحات شكلية ؟ لقد تابعت موضوع المصالحة العربية ، فلم أجده يشغل حيزا من اهتمام الصحافة الغربية! إذ يبدو حتى الآن بأنها مصالحة داخلية غير مقنعة.. وسواء كانت بإرادة داخلية ، أم بمباركة خارجية ، فان أهم ما يمكن الاستفسار عنه : هل أنها تعّبر عن مصالح سياسية محلية خاصة بهذا البلد أو ذاك ، أم أنها تشكّل إرادة إستراتيجية في موافقة كل من التيارين المنقسمين المتباعدين والمتنافرين على صفحة مبادئ وثوابت مشتركة ؟ إن تاريخنا المعاصر حافل بالتنافرات والمقاربات .. بالانقسامات والمصالحات حتى دعيت مرحلة كاملة بـ " الحرب العربية الباردة " في الأدبيات الغربية وخصوصا تلك التي شهدها العرب إبان الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي " ( البيان الاماراتية ، 11 مارس 2009     ) هنا علينا أن ندرك بأن ليس من السهولة أبدا إزالة الأدران المكنونة بين الدول العربية ، إذ قرأت بأن دولا مثل مصر والمغرب وربما السعودية ستغيب عن قمة الدوحة نهاية هذا الشهر في حال مشاركة الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد الذي كان قد شارك في قمة الدوحة السابقة ، ولا يعرف أن كان سيشارك في هذه القمة أم لا ؟
مأزق جامعة الدول العربية ؟
أما جامعة الدول العربية ، فهي دوما في مأزق كبير لا تعرف كيف تتصرف وسط هذه المعادلة الصعبة ، حتى سمعنا قبل أيام عن تصريح لأمينها العام بالعجز بعد سنوات من التنطع والتغيير !  وهذا ما كنت قد نبّهت إليه قبل سنوات طوال .. ولم تنفع كل محاولاتها إنقاذ نفسها ، فهي اليوم عاجزة عن صنع أي إستراتيجية عربية مشتركة ، تنقذ ما يمكن إنقاذه من تدهور الاوضاع العربية أولا ، وهي غير قادرة عن فهم الأجندة الإيرانية التي علينا أن نعترف بقوتها الشديدة في مختلف شؤون الشرق الأوسط ، وتصل إلى أعماق بلاد المغرب ثانيا ، وهي  ـ أيضا ـ كما توضح اعجز من الإرادة التركية التي توضح كم لها من إمكانات قوية في اللعب بإحداث الشرق الأوسط حتى على مستوى الانهزام أمام خطاب اردوغان ثالثا .. وان إسرائيل هي الوحيدة التي تدرك كم هو وزن كل  من تركيا وإيران في تحديد صورة الشرق الأوسط ، والتي لا يدركها العرب رابعا  .
المشكلة التي لم يستطع احد  فك ألغازها هي أن لإيران إستراتيجية قوية لا يمكن التعامل معها باستهانة ، أو تجاهل ، أو تقليل من شأنها .. وحين نسمع ما أجاب عليه الأخ عمرو موسى عندما قيل له حول حضور إيران لقمة الدوحة ، قال نصا : " لسنا في احتفالية .. ! واعتقد أن لن يكون هناك حضور غير عربي سوى للمنظمات الدولية والإقليمية " ! هذا ليس جوابا واقعيا يدرك ما للشرق الأوسط من متغيرات جديدة ؟ بل ما للمنظومة العربية من متغيرات إقليمية ؟ إن إيران أقوى بتدخلاتها في الشؤون الأوسطية من تركيا ، ولكنني اعتقد أن الدور التركي سيتفاعل يوما بعد آخر للإسراع بالمتغيرات التي لم يدركها العرب حتى الآن ، فكيف سيكون للعرب إستراتيجية يمكنهم أن لا يستخفوا بالمصير ، كما هو واضح اليوم . إن مشاركة إيران وتركيا في المعادلة أصبحت واقعا كائنا من دون أن نتغابى عن ذلك ، أو أن نصف ذلك انه مجرد احتفالية ! إن كلا من تركيا وإيران لا تلعبان أبدا . إن لكليهما أجندة واضحة ومكشوفة وصريحة لدوريهما في عموم الشرق الأوسط . 
واخيرا : مشاكل وادوار اكبر من حجم العرب !
إنني دوما أقول بأن المشكلة ليست تافهة حتى نعالجها بسذاجة .. إننا بحاجة إلى اكبر من تنقية الأجواء العربية ، أو من خلال المساومة على مشاركة هذا ، أو عدم حضور ذاك .. إن المشكلة اكبر مما نتخيلها نحن العرب .. إنها مشكلة انعدام أية إستراتيجية عربية مشتركة .. إنها مشكلة انعدام الاعتراف بالأدوار التي يقوم بها الآخرون .. إنها مشكلة لا تخصنا وحدنا ، واليوم لا تعتبر قضايا الشرق الأوسط هي قضايانا وحدنا فقط .. إنها مشكلة العجز عن التعبير العربي الموحد للحد الأدنى من الاتفاق .. إنها مشكلة الانزواء والهروب ، وليس المشاركة والحوار الند للند .. إنها مشكلة الاعتماد على دول كبرى في مسائل إقليمية يمكن الوصول إلى حلول واقعية لها إقليميا في مخاطبة العالم .. على العرب أن لا يندهشوا من حالة الغزل الأمريكي الإيراني الجديدة التي عبر عنها اوباما بتهنئته إيران بعيد النوروز القومي وباللغة الفارسية وهو يستشهد ببيت شعر للشاعر الفارسي الكبير سعدي الشيرازي حول التجمع الإنساني لبني آدم على الأرض ! إن العرب لا يدركون أن هي حساباتهم ، وهم منشغلون بخلافاتهم أولا ، وقد قضّت مضجعهم التوغلات الإيرانية في شؤونهم ثانيا .. ربما لا تحضر إيران مؤتمر الدوحة ، ولكن علينا أن نعترف أن إيران تخترق المنطقة ، وان لها حضورا كبيرا على كل مساحة ما كان يسمى بـ " العالم العربي " !
نشرت في ايلاف ، 27 آذار / مارس 2009
وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com




12
تركيا:  دخول التاريخ من جديد !
أ.د. سيّار الجميل
تركيا اليوم هي الاستثناء في العالم الإسلامي.. إنها الولادة الشرعية للمبادئ الكمالية الستة، وهي وريثة الإرث العثماني الإمبراطوري.. إنها الحالة الوسيطة في توازن الدين والدنيا، وأنها ماسكة العصا من الوسط بين ماضيها ومعاصرتها .. من لم يقرأ التاريخ العثماني على مهل شديد ، ويفكر في بنيوياته وتشكيلاته ، سينبهر حتما جراء هذا الاستثناء الذي يمتد طويلا في العمق ، فالدولة العثمانية هي صبغة عجيبة من تراث الإسلام الخصب ، ومن تقاليد أوروبا الإمبراطورية ! وعليه ، فإننا لا نجد أي أزمة للهوية في تركيا المعاصرة ، كونها بلاد علمانية بأثواب إسلامية .. وكثيرا ما يندهش كثير من المسلمين من تجربة  أتاتورك ، ويلومونها كونها تجربة علمانية ، ولم يعرفوا أن ذاك الزعيم نفسه قد أبقى على المدارس الدينية العثمانية في عموم تركيا .. في حين أن دولا عربية شرّعت في دساتيرها أن دين الدولة هو الإسلام ، ولكن ممارساتها علمانية مستترة ! إن تركيا ، دولة واضحة أمام مجتمعها ، منذ إعلان جمهوريتها حتى اليوم ، في حين أن دولا عربية تعيش أزمات ثقة وهوية بينها وبين مجتمعها ، أي باختصار تعيش أزمة أخلاقية على امتداد القرن العشرين وحتى اليوم . وانتقل اهتزاز تلك " الثقة " كي يؤسس عليها جملة كبيرة من التحالفات الداخلية ، أو الإقليمية ، أو الدولية ! 
هكذا ، أصبح  لتركيا خصوصياتها ، واختطت نهجا لها في بناء العلاقات ، أو أن تكون وسيطا في محادثات السلام بين العرب وإسرائيل ، إذ شعر اردوغان وريث اربكان أن له القدرة أن يأخذ دور مصر وسيطا مركزيا في المنطقة .. بل ومنحت خطاباته ضد سلوكيات إسرائيل المتوحشة ضد غزة المجال لأن يسبق بدوره جامعة الدول العربية بقضها وقضيضها ممثلة بأمينها العام الذي شعر بضآلته العربية أمام خروج اردوغان بقامته التركية وخصوصيته الإسلامية .. إن من يقرأ ما نشرته عن العثمانيين منذ عشرين سنة ، سيجدني قلت بخصوصية انفتاح " الإسلام العثماني " على الغرب إزاء انغلاق العالم الإسلامي على نفسه ، واجترار الأخير تقاليده السياسية ، وأفكاره التي كانت ولم تزل تدور على نفسها وقد سحقتها رحى التاريخ !
إن لعب تركيا  لدورها في العالم كضامن للسلام والأمن في المنطقة ، ليس محاولة لاستعادة   مكانتها العثمانية القديمة ، بقدر ما هو تعبير عن نجاح قدرتها ، وإخصاب خصوصيتها ، ومعادلة توازنها بين الشرق والغرب ، أو بين التراث والمعاصرة ، أو بين العلمانية والإسلام .. وهي تمتلك اليوم دروسا عميقة ، أتمنى على تجارب دول وأحزاب أن تحذو حذوها ، بعيدا عن الاتهامات الرخيصة ، وتسويق أدوات التكفير الجاهزة .. وهنا لا اقصد العرب وحدهم ، بل الباكستان وإيران كقوتين إسلاميتين ، لهما نهجهما المتباين في تسويق بضاعتهما في الإسلام السياسي  ، ولكن من منطلقات قومية تارة ، وطائفية تارة أخرى !
إن دور تركيا اليوم ليس هامشيا أو تابعا .. صحيح أنها عضوا في حلف الأطلسي، ولكن لها القدرة على صناعة إرادتها بنفسها بسبب مكانتها القوية في المنطقة ، وإستراتيجية جغرافيتها ، فضلا عن امتلاكها جيشا كبيرا .. وبالرغم من هواجسها الشديدة بصدد التطلعات النووية الإيرانية ، لكنها وإيران ترتبطان بعلاقات قوية اقتصاديا وسياسيا .. كما أن لتركيا القدرة على بناء جسور قوية مع مصر والباكستان والسعودية وبعض دول الخليج . أما علاقاتها بكل من العراق وسوريا ، فثمة مشكلات بين هذه الدول المتشاطئة على مياه دجلة والفرات أولا ، وأيضا حول التطلعات الكردية وانطلاق العنف  ثانيا .. ولإيران شراكة إقليمية كرابع دولة تقف ضد تأسيس وطن قومي للأكراد الذين وقعوا  منغلقين بين ثلاث قوى إقليمية كبيرة : تركيا وإيران والعرب !
 يسعى المسؤولون الأتراك اليوم  لحل كل مشكلات الماضي مع الأرمن من اجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ويعتقد الأتراك أن انضمامهم للأوربيين سيساعد العالم الإسلامي في الخلاص من بعض مشكلاته وتوتراته . ومن اجل تأسيس للتوازن التركي بين أوروبا وآسيا ، فان ثمة مساعي لتجديد الأسس الكمالية القائمة على " الأمن في الداخل .. الأمن في الخارج " والانتقال من إيديولوجية " التغريب " التي سادت في القرن العشرين إلى تشكيل لـ " التوازن " ، بحيث يعاد النظر اليوم على أيدي المسؤولين الأتراك الجدد إلى توظيف تركيا كي تكون جسرا بين قارتين .. أي استعادة ارث عثماني كان قد جمده أتاتورك وخلفائه إبان القرن العشرين ، وهذا ما ألمحت إليه في كتابي ( العرب والأتراك : الانبعاث والتحديث من العثمنة إلى العلمنة ، بيروت 1997 ) ، وسيعمل على مقاربة جيو تاريخية حقيقية بين عالمين اثنين ، واعتقد أن تركيا ستنجح في مراميها الجديدة ، ما دامت تنتهج سياسات مرنة باتجاه الطرفين من دون أية تعصبات ، أو انتهاج أية سياسات متطرفة . وعلى المستوى الداخلي ، اثبت الأتراك أن الإسلام المتجدد له القدرة على التعايش مع الديمقراطية والحداثة بلا أية خيانة لا للإرث الديني من طرف ، ولا للمبادئ الكمالية من طرف آخر .. إن تركيا تسعى اليوم لتشكيل خصوصية معاصرة لم يسبقها الآخرون إليها من قبل في الشرق الأوسط . إنها تستثمر كماليتها وعثمانيتها في تأسيس ما يسمى بـ " تحالف المحيط " ليس هروبا من التاريخ ، بل محاولة منها لقيادة الدخول إليه من جديد .. فهل ستنجح في إستراتيجيتها هذه المرة . هذا ما سيعلمه أبناء الجيل القادم بعد رحيلنا ، اثر تسنمّه مقاليد حياة الشرق الأوسط .

البيان الإماراتية ، 25 مارس / آذار 2009 

وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

13
محاكمة الثقافة العربية: لماذا ؟

أ.د. سيّار الجميل

 الاستهلال : ثقافة مستلبة ومثاقفة الآخرين
دعوني أتساءل: هل يحق لنا أن نتجّرد من ثقافة اسمها " الثقافة العربية " ؟ وهل ثمة أي وجود لها ، بعيدا عن ظاهرة القومية العربية ؟ وهل كانت الثقافة العربية ، كمصطلح ومضامين ، قد ولدت مع ولادة الفكرة القومية ، أم أنها قديمة جدا في التاريخ ؟ وإذا كانت عناصرها الفاعلة والمبدعة والمحترفة ، تجمع مجموعة بشرية تتكلم وتقرأ وتتفاعل مع لغة واحدة ، وتشترك بتاريخ وتراث عميقين جدا .. فهل من حقنا أن نجرّد المجتمعات العربية من ثقافة مشتركة لأسباب سياسية وسايكلوجية وسوسيولوجية تفاقمت اليوم بعد فشل الأفكار القومية فشلا ذريعا على مستوى التنظير أو الممارسات ؟ ثم هل يحّق لنا أن كانت هناك ثمة تجاوزات سلطوية في أنظمتنا العربية لما حملته من تعسفات وظلم وأساليب فاشية على الآخرين في مجتمعاتنا ، ممن لا علاقة لهم بالعرب إلا الشراكة على الأرض والمواطنة ، فهل يحق للجميع أن ينال من الثقافة العربية ، والجميع يتعامل معها تعاملا يوميا ، ولا يمكن التخلي عن مفرداتها كاملة كونها غدت مندمجة بالضرورة في كل أجزاء منظوماتنا الاجتماعية سواء أردنا ذلك أم لم نرد ! إن الثقافة العربية إن كان لها مظاهر علنية يعترف بها الجميع ، ولا يمكن الهروب من أمامها ، إلا أن لها أيضا مقومات خفية لا يمكن إنكارها أبدا . إن ما أجده عند البعض من إنكار وجود الثقافة العربية بالرغم من كل ما يصادفها اليوم من التحديات ، له أسبابه ودواعيه ، فإذا كانت هناك ضآلة لثقافات أخرى في مجتمعاتنا ولمنظومات اجتماعية قديمة هي الأخرى مشاركة لنا في المواطنة والحياة والمصير ، فليس معنى ذلك أن الثقافة العربية هي المسؤولة ، أو أنها تتحمل مسؤولية ضآلة ثقافات الآخرين ! إن دراسات انثربولوجية وتاريخية تنبؤنا بما لا يقبل مجالا للشك أن الثقافات الأخرى التي تعيش معنا لم تجد المقومات التي ساعدتها في أن تنتشر وتتأصل كالثقافة العربية نفسها .. وبالرغم من عراقة وقدم لغات أخرى ـ مثلا ـ كالعبرية والسريانية الآرامية والكردية السورانية والبهدينانية والامازيغية والتركمانية والكاكائية والاذرية والشركسية والسواحيلية والارمنية .. الخ ، الا أنها لم تمتلك المقومات التاريخية على امتداد زمن طويل كي تقف مؤسسة لثقافات كبرى كالتي حظيت بها الثقافة العربية .. بل وان هذه الأخيرة فرضت نفسها على الجميع ليس بحد السيف والدم ، بل بالمشاركة والتعايش .. ولقد وجدت من خلال حياتي في الغرب أن جاليات متعددة لا تعترف أبدا الا بوجود ثقافة أساسية للتعامل بين جاليات الشرق الاوسط ، وهي مضطرة أن تتعامل مع مفرداتها حتى لما وراء البحار ! سألتهم : إذا كنتم لا تطيقون الثقافة العربية ، فلماذا تتعاملون معها ، وانتم في أقصى مكان من الأرض ؟ هربوا من السؤال ولم يجيبوا عليه ! والجواب واضح أن الثقافة العربية ، هي ثقافة كبرى في كل العالم ليس العربي ، بل وحتى الإسلامي في الجنوب والجالياتي في الشمال !

محاكمة الثقافة العربية .. لماذا ؟
ثمة أسئلة أخرى علينا أن نسألها ليس من اجل محاكمة الثقافة العربية نفسها ، وكأنها ثقافة مقصّرة بحق الآخرين ، بل من اجل تطوير الرؤية الإنسانية لها ، أو إعادة الروح الإنسانية لها بعد معاناتها الطويلة من حبسها واضطهادها .. كيف غدت سلاحا بأيدي المتعصبين والمتطرفين ضد الآخرين من أبناء أوطاننا ؟ كيف استخدمت بعض أدواتها للقهر والإمعان في تحجيم الآخرين ؟ لماذا استخدمت أبشع خطاباتها في التبشير بالفاشية القومية ؟ لماذا لم تستخدم صفحاتها الناصعة في أن تكون ثقافة إنسانية ، بدل أن تغدو ثقافة متوحشة على أيدي من لا يعرفون منها إلا مثالب التراث ، وبشاعة بعض ما جرى فيه قديما أو حديثا ؟ هل تمتعت الثقافة العربية يوما على امتداد خمسين سنة مضت من ممارسة الحريات من خلالها ؟ وخصوصا الحريات الفكرية والسياسية والاجتماعية ؟ وإذا تمتعت بنيتها وخطابها بالخصب والثراء .. فما الذي دعاها اليوم أن تختزل بتوافه التعبير ، وسذاجة مقول القول .. وبلادة الممارسات ؟ من يفكر اليوم تفكيرا واعيا بالثقافة العربية كي تكون ثقافة إنسانية تتعايش مع نفسها ، قبل أن تتعايش مع الآخرين ؟ صحيح أنها لم تزل قوية ، ولكنها مفتقدة لمن يطوّر الرؤية من داخلها .. ويدعو إلى إثرائها ثراء إنسانيا .. إنها اليوم تعاني من الانغلاق والتفكير غير المستقبل عن ذاتها .. خلطوها قبل خمسين سنة بالمؤدلجات ، وجعلوها غصبا عنها ( ثقافة قومية ) ، فكان أن افتقدت إنسانيتها .. واليوم سحقوها بالتناقضات ، وجعلوها غصبا عنها ( ثقافة دينية ) ، فكان إن افتقدت عذريتها واستقلاليتها .. وأنكرها الآخرون عندما وجدوها لا تعبر عن ذاتهم وكل خصوصياتهم تعبيرا حرا ، كما كانت على امتداد العصور !
ما الذي يجعلها اليوم تلازمها الإخفاقات وضيق الأفق ؟ ما الذي يجعلها لا تجارى الثقافات الأخرى في العالم من خلال الإخصاب اللغوي ؟ ومن خلال اتساع حجم المعلومات ؟ ومن خلال الثروة الفلسفية التي كان ينبغي أن تكون عليها ؟ لماذا بقيت محتكرة على امتداد سنوات طوال كونها مزجا غبيا ، أو متغابيا بين ما أسموه بـ ( التراث والمعاصرة ) ؟ لقد فشلوا في إثراء هذه الموازنة التي لا يمكنها أن تمشي أبدا على رجليها .. فلا هم بنقاد مهرة للتراث العربي وركاماته  بالرغم من كونهم سدنته إعلاميا لا علميا .. ولا هم بمسيطرين على المعاصرة بكل ما حظيت به من اتساعات وتعقيدات . ولا يعتقد المرء أن حجم مبيعات كتب التراث كبير جدا في مجتمعاتنا ، فالتراث الذي يسوقونه هو ما يخص الأئمة والمفسرين وكّتاب أمثال : القرطبي ، وابن تيمية ، وابن سيرين  واضرابهم عموما وليس على المستوى الخاص ، إذ قلما نجد سوقا لأفكار الكندي ، وابن خلدون ، والفارابي ، والجاحظ ، والمعّري .. وغيرهم على المستوى العام لا الخاص .

الخروج من مأزق الاجترار !
إن ثقافتنا مستلبة وجامدة لا تتحرك من أوعيتها التي اشتغل عليها المثقفون النهضويون الأوائل في بدايات القرن العشرين .. إذ يبدو أن الحرب ستبقى مشتعلة ضدهم ، كونهم اشتغلوا مليا على إعادة رونق الثقافة العربية كتابة وخطابا .. حكاية وتعبيرا .. تحقيقا وتجديدا . فهل ثمة حركة متجددة اليوم عند بدايات القرن الواحد والعشرين من اجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه في بنية الثقافة العربية بكل آلياتها ومبتكراتها . ثمة مفكرين ومنظرين اليوم في الثقافة العربية ، وهم يجترون أما فكرا قوميا فاشيا ، أو فكرا يساريا جامدا ، أو فكرا دينيا أصوليا ، أو فكرا سياسيا متوحشا .. واغلب ما يكتبونه ينحاز لهذا الطرف أو ذاك من دون أن تجد من يعترف بما هو سائد من تناقضات ، ومحاولة إيجاد أية حلول ومعالجات ، ولكن من باب علمي وإنساني معا . وكما قلت ودعوت قبل سنوات مضت : أن الثقافة هي " التحرر الفكري والإنساني من كل الموبقات والتقاليد البالية .. إنها ليست موطنا للعجز ، والخنوع ، والطقوس ، والبلادة ، والتواتر ، وتكرار التعابير ، واستنساخ الأفكار ، والتمثيل الغبي للحياة الحديثة .. إنها حالة متطورة من الأساليب التي تعرف أين نحن في قلب هذا العالم .. لا يمكنني أبدا أن اتصوّر أن ثمة جماعات تكفيرية ، أو مجتمعات أصولية تستخدم آخر ما وصله العصر من وسائل متقدمة لبث نصوص متوحشة ، بل وتستخدم هذه الوسائل في قتل مجتمعاتنا وقبر أفكارنا .. خصوصا وان وسائل الإعلام الحديثة تسيطر عليها جماعات لا علاقة لها بأي فهم من مفاهيم هذا العصر .. بل أنها تمقت هذا العصر، وتتهمه بشتى التهم ! وعليه ، فهي تعيش حالة تلفيق وازدواج شخصية وشيزوفرينيا تاريخية ومحنة وجودية .. وهي غير متوازنة لا مع نفسها ولا مع ماضيها ولا مع مستقبلها .. إن حاضرنا غارق في بهيميته وهو لا يدرك معاني كل التقدم الذي وصل اليه الإنسان من خلال عقله لا من خلال توحشه ! "

واخيرا : من المكاشفات الى المفاضحات 
إن ثقافتنا العربية ستمر بمخاض صعب جدا تلوح عليها جملة تغيرات هائلة لا يمكن تخيلها .. نحن في بدايات عصر المكاشفات والاندهاشات .. عصر فضحت تكنولوجياته ومعلوماته ثقافتنا ، أو بالأحرى ثقافاتنا في المنطقة مع خصوصياتها ولم تزل تلك الثقافات بكل أساليبها وطقوسها وعاداتها مخفية ومستترة لا يمكن أن يدركها أبناء المنطقة الا في عصر المفضاحات الذي سيتلو زمن المكاشفات .. المشكلة أن هذه التغيرات لا يحس بوطأتها المجتمع كونه لا يبالي بمن كان سببا في هذه الثورة المنظمة والهوجاء في آن واحد والتي دخلت كل الزوايا وكل البيوت وبدأت تخاطب كل العقول .. المشكلة إن عالمنا العربي يعج بالعشرات من المؤسسات والمراكز والمنظمات الثقافية ، ولكنها أمست خاوية من أية إبداعات أو أية نتاجات رائعة مقارنة بدور المقاهي الثقافية وأدوارها الرائعة قبل خمسين سنة ! المشكلة ، ان الثقافة العربية لم تصل مرتبة العالمية وتؤثر في ثقافات عالمية أخرى حتى اليوم !  المشكلة أيضا أن التغيرات تحدث من دون أية عمليات نقدية ، أو بحثية ، أو تفسيرية للموجات الحديثة التي تجتاح ثقافتنا بكل استلاباتها .. ومن الغريب أن التيارات السياسية والدينية لم تزل منقسمة على نفسها تجاه ثقافتنا العربية بين من يبكي على حالها وبين من يريد القضاء عليها .. وبين من يعيش على تناقضاتها .. الثقافة العربية اليوم بلا مبدعين حقيقيين ، وان وجد بعضهم ، فهم نتاج تألقات القرن الماضي .. وان حجم المبدعين المثقفين العرب هو قليل جدا مقارنة بالحجم الديمغرافي السكاني في المنطقة . 


ينشر على موقع الدكتور سيار الجميل بتاريخ 23 مارس/ آذار 2009
www.sayyaraljamil.com

للمقال صلة قادمة عن رؤية مستقبلية للثقافة العربية


14
العراق : لا إمبراطورية ولا دوقيات !!

أ.د. سيّار الجميل

أفكار واهية
إن من يستمع إلى خطابهم وتصريحاتهم ، سيجد أن بينهم وبين روح هذا العصر مسافة تبتعد حتى تصل العصور الوسطى ، حيث كانت تتصارع الدوقيات مع بعضها البعض حتى على الأزقة والطرقات ، وكانت دوقيات أوروبا قد عاشت منفصلة واحدتها عن الأخرى لقرون طوال ، فأين هي حدود دوقياتنا العراقية وقلاعها القديمة ؟؟ المشكلة أن ايّا منهم جاهل في التاريخ ، وجاهل حتى في الثقافة العامة ، وقد تشّبع بنزعة الكراهية لما صادفه في حياته .. إنني لا أجد أية دوقيات أبدا في أرشيف تاريخ العراق وتاريخ المنطقة ! لقد كانت كل شعوب المنطقة واقعة في مجال العصف الإمبراطوري لهذا الطرف أو ذاك ! انه لا يكفينا بعض من الذين يريدون أن يؤسسوا لدوقيات عراقية من العراقيين ، بل دخل على الخط بعض الأخوة من الكّتاب العرب الذين يقدمون تنظيراتهم الواهية من اجل دوقيات عراقية ، ويطلقون أحكامهم على مسائل عراقية صميمية لا شأن لهم بها ، ولا علم لهم فيها ، وهم يكرسّون الانقسامات بين العراقيين.. وكنت أتمنى أن تبقى أفكارهم مجرد مقترحات ، أو آراء تحض على الشراكة والانسجام ، بدل أن تكون قاطعة كالنصل ، وكأنهم أصحاب قضية من دون أي مراجع ، أو مستندات تؤيد ما يذهبون إليه . لا مانع من أن يدلي كل برأيه ، ولكن على الجميع أن يتحلوا بالإنصاف بحق كل العراقيين ، أو أن يكتبوا في شؤون أخرى ، هم أكثر التصاقا بها . كنت قد سجلت منذ سنوات طويلة قائلا أن كتّاب العراق قاطبة ، قلما يتدخلون في شؤون غيرهم ، كونهم يعرفون حدودهم مع غيرهم ، في حين أجد شتى الكتّاب العرب يدخلون أنوفهم في الشأن العراقي دائما من دون معرفة ولا أية معلومات .. فالمفاهيم المستخدمة في العراق لا يدرك أبعادها غير العراقيين .
 
لا دولة للقانون بلا عدالة في المجتمع !
ان العراق لم  يتخّلص بعد من التمايز بين أبنائه وقبائله ومناطقه وبيئاته الاجتماعية ، فمن الأجدى اليوم أن نجد اختزالا في الفوارق الجغرافية ، ولكن هذا لم يحصل أبدا ! إن كل وطني عراقي متحضر ، ويحمل فكرا إنسانيا ومدنيا محّبا للجميع ، ويحمل نزعة عالية من الشفافية والتقدمية والحداثة سيصفق جدا لدولة القانون ، ولكنه يريد من طرف آخر ، أن يرى كل العراق وقد تساوى في خدماته ، وطور بنيته التحتية ، واستثماراته ، وتفوق كل اقتصادياته ، وجماليات كل مدنه وبلداته وقصباته من شماله حتى جنوبه ! ان هذا لم نجده أبدا اليوم ، فثمة مدنا عراقية متخمة بآلاف الطفيليين الجدد من أصحاب الملايين الذين لا نعرف من أين أتوا بها،  وسرقوها ، واكتنزوها من السحت الحرام .. وان مدنا أخرى كبيرة ومثقلة بالسكان ، نجدها ، تعاني من الجوع والقهر والانسحاق ؟ فليس ثمة عدالة في المجتمع العراقي أبدا ، ثمّ  لماذا تطبق الأحكام القاسية على مناطق ، ولم تطبق على مناطق أخرى ؟ هل هناك توزيع عادل للثروة العراقية على كل العراقيين ، وحسب كثافتهم البشرية ، وتوزيعهم السكاني ؟ لماذا يخضع الاقتصاد العراقي ومصير النفط العراقي اليوم لعوامل وتحالفات سياسية ؟ هل هناك إرادة قوية في القضاء على الفساد في أي شبر من ارض العراق ؟ وأيضا اكرر التساؤل : من يصنع الإرهاب في العراق ؟ من له مصالح قذرة من العراقيين كي يصنع فوضى العراق ، ويقتل الأبرياء أولا ، ويقتل المخالفين ثانيا ؟ إن من ابرز مطالب أي مشروع حضاري وطني عراقي أن ينفتح العراق على بعضه الآخر ، أو تحل الانغلاقات بديلا ، كما يجري اليوم . إن المجتمع العراقي لو منح الفرصة للانفتاح والحريات بدل كل هذه الانغلاقات ، والاضطهادات ، وزرع الفتن ، والخلافات .. لبدأ مشروعا حضاريا رائعا في ظل الوعي والمعرفة والقانون بعيدا عن التحزبات والسياسات البدائية . إنني مع دولة القانون ، ولكن علّي أن لا أنسى تحقيق العدالة في المجتمع .

نكون او لا نكون ؟  
من أهم الاستنتاجات التي يمكن للمرء التوّصل إليها ، وهي قابلة للأخذ والرد ، تقول بأن التضاد الكبير اليوم ، كما نجده حاصل ، إنما يكمن بين العراق وطنا ( أو : مجموعة أوطان ) من طرف وبين العراقيين شعبا ( أو : كومة شعوب ) من أطراف أخرى .. العراق لم تسحقه قرارات النظم السياسية والعسكرية والحزبية والتسلطية والفاشية والدكتاتورية فقط ، بل سحقته وأجهزت عليه أيضا النعرات الاجتماعية القبلية ، والعشائرية ، والجهوية ، والنزعات الطائفية ، والعرقية والشوفينية ، والانفصالية وخلقت منها ركامات من الكراهية التي لا معنى لها أبدا في مثل هذا العصر ، كما تعلمنا به كل التجارب المتحضرة والإنسانية  .. ناهيكم عن سوء التشظيات الإيديولوجية والسياسية .. لماذا كّل هذه الحرب الباردة اليوم من اجل التقاطع على ارض ( عراقية ) هنا أو هناك ؟ لا يمكن القول ـ مثلا ـ أن إقليم اونتاريو كندي وإقليم كيبك غير كندي ، فكل أقاليم كندا هي كندية ، وهكذا بالنسبة لكل التجارب الفيدرالية في العالم ، فالحكومة الفيدرالية بيدها صنع القرارات السياسية قاطبة ، وحكومات الأقاليم بيدها صنع القرارات الإدارية ، أما حكومات المدن ، فهي خدمية أساسا ولا علاقة لها بالسياسة الا لما تريده الحكومة الفيدرالية . اعتقد أن كل عراقي له الحق أن يستوطن ويعمل في أي ارض من وطنه ، كما هو الحال في أي دولة فيدرالية ، وإلا نكون نضحك على أنفسنا ، إذ نشرذم أنفسنا ونحن نتسمّى بعراقيين ! إن العراقيين جميعا بحاجة إلى الوعي بما هو حاصل في تجارب أخرى في العالم ، قبل أن يتنازعوا وتفشل ريحهم جميعا ، فتأكلهم القراصنة .. ولكنني أسأل: هل كان العراقيون يدركون ما الذي تضمنّه دستور بلادهم الجديد من بنود خطيرة ومتهرئة عندما بصموا عليه في العام 2005 .. وعندما اعترضنا على بعض بنوده ، قامت الدنيا ولم تقعد ! السؤال الآن : هل يتملكنا وعي قائل : إننا كعراقيين ، هل سنكون يوما أو لا نكون ؟

ما المطلوب اليوم ؟
من المهم أن يدرك كل العراقيين ، إن كل العالم يعلم أن مفاتيح العراق كلها بيد أسياده الكبار الجدد. فهل يعقل أن يصبح الشعب العراقي كله جانيا ، وهو مجني عليه ؟ إنني أناشد كل العراقيين أن ينسجموا، ويتفاهموا ، ويتفاعلوا ويتلاقوا مع بعضهم البعض حضاريا لا سياسيا ، ووطنيا لا حزبيا ، ومبدئيا لا مصلحيا .. وعليهم بالتحرك نحو المستقبل بلا أية انقسامات ، ويعيدوا التفكير ثانية في مسيرتهم السياسية على ضوء مشروع وطني ، يتفقّوا على قواسمه المشتركة ، ويتقبلوا كل التعديلات على " نصوص " لا يمكنها أن تتحقق أبدا سواء تضمنتها بنود دستور ، أو لوائح قانون إدارة ، أو ما شابه ذلك .. وعلى كل العراقيين أن يعيدوا التفكير بكل المسيرة التي بدأت على أسس خاطئة .. ويصححوا خطواتهم على نحو وطني وديمقراطي ، فالكل ينبغي منه قبول الأجزاء ، وان الأجزاء عليها باحترام إرادة الكل .. وعلى كل الأطراف العراقية أن تعلن عن أهدافها الحقيقية ما دامت هناك ثمة شراكة وطنية ومصير واحد .. فان كان تحقيقها يمر من خلال أجندة ومناورات سياسية فإنها ستموت ، وان كانت موحّدة في مشروع حضاري مدني ودستوري لكل العراق .. فسيعيد العراق دوره التاريخي مع توالي الأيام ، وسيجد الجميع فرصتهم المتساوية والمتلاقية .. المنسجمة والمتناغمة مع حياة العصر ، أو سيتفّتت العراق لزمن طويل حتى يستعيد روحه من جديد بعد عشرات السنين ، كما جرى على امتداد التاريخ .

الصباح ، 19 آذار / مارس 2009
وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com


15
إستراتيجية مصالحة أم اعتدال وممانعة ؟

أ. د. سيّار الجَميل


علينا أن نسأل سؤالا مباشرا وصريحا : هل هناك إرادة جماعية لتأسيس إستراتيجية عربية بعيدا عن أية انقسامات وأجندات ؟ هل اقتنعنا بأن مصيرنا محكم بشراكة أساسية لصنع تاريخ جديد ؟ هل صعَدَ المعتدلون نحو مطالب الممانعين ؟ وهل نزِل الممانعون إلى ما يؤمن به أصحاب الاعتدال ؟ هل كان مجئ اوباما  سببا في مصالحات شكلية ؟  لقد تابعت موضوع المصالحة العربية ، فلم أجده يشغل حيزا من اهتمام الصحافة الغربية! إذ يبدو حتى الآن بأنها مصالحة  داخلية غير مقنعة.. وسواء كانت بإرادة داخلية ، أم بمباركة خارجية ، فان أهم ما يمكن الاستفسار عنه : هل أنها تعّبر عن مصالح سياسية محلية خاصة بهذا البلد أو ذاك ، أم أنها تشكّل إرادة إستراتيجية في موافقة كل من التيارين المنقسمين المتباعدين والمتنافرين على صفحة مبادئ وثوابت مشتركة ؟ إن تاريخنا المعاصر حافل بالتنافرات والمقاربات .. بالانقسامات والمصالحات حتى دعيت مرحلة كاملة بـ " الحرب العربية الباردة " في الأدبيات الغربية وخصوصا تلك التي شهدها العرب إبان الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي .

إن المشكلة الأساسية في وجود تيارين مضادين  في الحياة السياسية العربية يصلان إلى حد التناحر مرة ، وينزلان إلى حد تبويس اللحى مرات أخرى ، تكمن في طبيعة الرؤية إلى أهم معضلات المنطقة بأسرها .. ويبدو أن ثمة أسبابا خارجية وإقليمية هي التي تحرك المواقف الداخلية بين البلدان العربية التي لم تخرج على العالم  بإستراتيجية حقيقية باستطاعتها الوقوف أمام الآخرين الذين لهم وصايا وأجندات خطيرة في شؤوننا الداخلية .. إن كل بلد عربي لا ينطلق إلا من خلال مصالحه ، لا من خلال مصالح جمعية قوامها ما اصطلح عليه بـ " الأمن القومي العربي " منذ أكثر من خمسين سنة . إن المصالحة لا يمكنها أن تكون راسخة إن بقيت قناعات المشاركين مختلفة بشأن الصراع العربي الصهيوني ، ومشكلة سلام الشرق الأوسط  ، ودور إيران في الشأن العربي سواء بإبعادها أم بالتحالف معها .. ثم هواجس الخوف وفقدان الثقة بسياسات الولايات المتحدة التي لا يعرف احد من القادة والزعماء العرب كلهم : ما الذي تريده من المنطقة ؟ لم يعد احد يطمئن لتلك السياسات التي لا يعرف احد إلى أين ستقودنا رفقة متغيرات إسرائيل الجديدة على الساحة ، وما الذي يمكن عمله إزاء مسألة شائكة لا يمكن المصالحة من دون أن تحسم ضمن ثوابت ينبغي الاتفاق عليها ، وهي : هل الخيار ، تسوية سلمية يكرس العرب كل إمكاناتهم من اجل تحقيقها ، أو هو طريق المقاومة المسلحة الذي يتبناه اليوم الشارع السياسي فكرا وشعارات .. وإذا كان الخيار الأول لا يقبل إيران مهما كانت سياساتها ، فكيف سيقبل دخولها في تحالف إقليمي مع العرب ؟ وإذا قبل الممانعون إيران  كونهم يتفقون وسياساتها ، فهل يقبلون تدخلاتها في اغلب الشؤون العربية بدءا بالبحرين وانتهاء بالمغرب التي أعلنت عن قطع علاقاتها الدبلوماسية معها ! ؟  وأيضا : هل يمكن لدول الطوق كلها اليوم فتح جبهة صراع ضد إسرائيل ؟ وهل أن مصر والأردن مستعدتان لإلغاء معاهدتيهما مع إسرائيل من اجل الممانعة ؟
إن الأمور ، أما أن تناقش بثوابتها أم لا تشغلنا صغائرها .. هل مصر مستعدة لخوض حرب مقاومة ضد إسرائيل ؟ كما تطالب الجماهير العربية ؟  ما الذي صنعته المؤتمرات العربية سوى الحلقات المفرغة من جولات مكوكية لهذا الوزير أو ذاك ، وإنتاج المزيد من الشعارات الواهية التي لا يؤمن بها أصحابها !  إن الدعوة إلى تحكيم العقل والضمير .. دعوة رائعة من اجل " تجاوز الخلافات لصالح استعادة التضامن العربي حرصا على مصالح العرب وكرامتهم " .. ولكن ما الآليات ؟ ما سبل التلاقي وما أسباب الخلاف ؟ هل ثمة إستراتيجية معينة معلنة ، أو خفية يتفق عليها الجميع من اجل القضاء على الخلافات لا بتجاوزها فقط ! ومن اجل العمل المشترك نحو غايات عليا، لا من اجل تضامن فارغ المضامين ؟ إننا نسأل : هل المسألة تبادل وفود فقط ونقل رسائل تطمينية ؟ هل مشكلة ( الأمة العربية ) تنحصر في اعمار غزة ؟ أم معالجة الأسباب التي كانت وراء انسحاق غزة ؟  هل التوافق العربي هو مجرد التقاء بين تيار الاعتدال وتيار الممانعة ؟ أم الأمر اكبر واخطر واشمل بكثير مما نتصور ؟  إننا نتمنى أن تسفر جهود المصالحة عن إستراتيجية بإمكانها صنع قرارات موحدة ، لا عن رغبة واهية في ردم هوة الخلاف بين التيارين ؟ ماذا تنفعنا الرغبة تلك والقناعات تمشي في طريق آخر ؟ ماذا تنفعنا الرغبة ، وكل من التيارين قد وضع بيضه في سلال مختلفة للآخرين ، وهم أنفسهم ليس باستطاعتهم حمل تلك السلال ؟ إنني مؤمن جدا بتشكيل إستراتيجية عربية ينتظرها كل الشرفاء بعيدا عن المناخات السائدة والموبوءة بعوامل الفشل .. إنني مؤمن بأن الانتصار على الانقسامات والتمزقات ، لا يمرّ إلا من خلال مشروع شراكة مبدئية مستقبلية ، كنا قد نادينا به منذ زمن بعيد.. ولكن أن يجرى البحث عن رغبات وتطبيع مناخات وتأدية مصالح آنية  .. وان نضحك على أنفسنا بالتغاضي عمّن يتلاعب ليس بقدراتنا بل حتى بأهوائنا ومشاعرنا .. فان أي دعوة مصالحة سوف لا يكتب لها أي نجاح ، إن لم تكن نابعة من صفحة ذكية الأبعاد والعمل ضمن ثوابتها لخمسين سنة قادمة ! فهل للعرب القدرة على العمل والتنفيذ ؟ ومتى ينتصرون بوجودهم من خلال شراكة مصيرية بعيدا عن الشعارات والرغبات والأهواء ؟

البيان الامارتية ، 11 آذار / مارس 2009
وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com


16
المرأة ليست مادة دسمة للاستلاب !

أ.د. سيّار الجميل


مرّ يوم السبت الثامن من مارس الجاري 2009 ، كما يمر أي يوم كل عام .. مرّ كيوم عادي كبقية الأيام من دون أن يقف العالم كله تحية لنصفه الآخر .. أو أن يقف كل الرجال في هذا الوجود ليؤدوا تحية حب وعرفان وتقدير لنصفهم الآخر .. انه يوم المرأة العالمي الذي اهتمت به عدة مؤسسات كبيرة في العالم احتراما وثناء للدور الذي تضطلع به المرأة هذا اليوم . فضلا عن أدوارها العظمي التي قدمتها على مر التاريخ ، خصوصا إذا علمنا أن التاريخ الإنساني كله قد مر من خلال الجسور التي بنتها المرأة نفسها من اجل الحياة ، واستمرار ليس وجودها حسب ، بل من اجل روعة معانيها الخصبة .
كنت مدعوا صباح يوم السبت الماضي 8 مارس 2009 إلى احتفائية دولية كبرى أقامها بهذه المناسبة ، الاتحاد النسائي الفيدرالي  العالمي للسلام ، وعلى القاعة الكبرى لمطعم كنديانا  بمدينة تورنتو بكندا .. كنت المتحدث الثاني ، وقد خصصت كلمتي عن المرأة في الشرق الأوسط  .. إنني مؤمن ، انه مهما كانت هناك من تباينات اجتماعية ودينية وتاريخية وثقافية بين المجتمعات في رؤيتها للمرأة ، وكيفية التعامل معها ، فان المرأة إنسان ، وهي من دم ولحم وأعصاب ، وهي الأم والأخت والحبيبة والزوجة والجدة والجارة والمعلمة والطبيبة والشاعرة والاديبة .. الخ ، إذ وقفت المرأة ، ولم تزل ، إلى جانب الرجل عبر التاريخ الإنساني ، وشاركته كل المحن والرزايا والآلام ، كما انتصرت له في كل ما تحقق من نجاحات وانتصارات .. إن المرأة لا يمكنها أبدا أن تبني حياتها من دون الرجل والعكس صحيح . وإذا كان البعض يرّوج عن اختلاف العادات والتقاليد في المجتمعات حول المرأة ، فان كل الشرائع الإلهية والمدنية قد ضمنت للاثنين حقوقهما وواجباتهما .
دعوني ومن اجل أن لا تتبدد تلك " الفرصة " الرائعة التي جمعتني بتلك النخبة من نسوة ورجال في مناسبة يوم المرأة العالمي أن أسجل مختزلا ما دار من أفكار مهمة جدا ، لابد أن يتأمل فيها الجميع من اجل إيجاد حلول واقعية للمشكلات التي تتعرض لها علاقة الرجل بالمرأة في مجتمعاتنا .. أفكار ستفيد حتما المرأة في هذا العالم ، وخصوصا في عالمنا نحن في الشرق الأوسط  أن تضيع منها ، والمرأة بحاجة للعناية بها والوقوف إلى جانبها .. نظرا لما تعانيه من عقم هذه الحياة التي تحياها في اغلب مجتمعاتنا .. بل ونظرا لما تحتاجه أساسا من حقوقها المهضومة في مجتمعات ذكورية تحجر عليها ، وتقمعها ، وتضطهدها ، وتأكل حقوقها علنا ، بل وحتى تستلب حياتها ! لقد غدت المرأة في كل هذا العالم مادة دسمة للاستلاب ، لأسباب وعوامل مختلطة ، نشأت من خلال التناقضات المعقدة في كل المجتمعات .

حقوق المرأة .. حقوق الإنسان 
لقد أكدت الآنسة نيكول كربلن ( مستشارة منظمة حقوق الإنسان ) عن أن حقوق المرأة لا تنفصل عن حقوق الإنسان ، فما دمنا نؤمن بحقوق الإنسان في الوجود ، فعلينا الأخذ بحقوق المرأة ، وما دامت حقوق الإنسان غير مفعّلة في اغلب المجتمعات البشرية ، فان المرأة ستبقى تعاني من القسوة والوحشة والآلام والإباحة .. إن المرأة لا يمكنها أن تقدّم لهذه الحياة ما عليها من واجبات إنسانية سواء في بيتها ، أم في تربية أطفالها ، أم في كل ما تتطلبه منها الحياة ما لم تشعر أنها قد نالت حقوقها كانسان .. حقوقها كاملة معنوية ومادية .. إن العالم لا يمكنه أن يتحرك نحو الأمام ما لم يوفر للمرأة حقوقها . إن الأمثلة والشهادات التي تصل منظمة حقوق الإنسان العالمية عما يجري من اضطهادات بحق المرأة في مجتمعات على هذه الأرض .. إنما تقشعر منها الأبدان سواء من خلال مافيات الدعارة ، أو أسواق النخاسة ، أو اضطهاد الأطفال ، أو استخدامهن كدروع بشرية ، أو قنابل موقوتة ، أو استلاب أعراضهن غصبا ..  ناهيكم عن قتل النساء بتهم الشرف  ، وضربهن واهانتهن ،  وقلة من دول العالم لها تشريعاتها التي تحمي المرأة حماية حقيقية ، فمثلا في الجارتر الكندي ، للمرأة ضماناتها كاملة ، ولا يمكن للرجل أن يتجاوز حدوده معها ، أو يعتدي على حقوقها ، أو يضطهدها أبدا .. والمرأة الكندية لا يمكن أن تتعرض للتحرش أبدا حتى إن كانت وحيدة تمشي في أي شارع من الشوارع بعد منتصف الليل ! إن العالم كله بحاجة إلى أن يحس بمعاناة المرأة أين ما وجدت على هذه الأرض مقارنة بتجارب أفضل .

المرأة الافريقية والآسيوية
اما الكاتبة الصحفية والمؤلفة المعروفة راحيل رضى ( وهي من أصل باكستاني ) وناشطة جدا في مسائل عديدة ، بعضها يخص المرأة في العالم الإسلامي ، فلقد تحدثت باستفاضة عن غيبوبة الوعي عند المرأة في العالم الإسلامي ، وان المرأة المسلمة مقتنعة عن جهالة بما هي عليه ، وليس بحقوقها الطبيعية كانسان لابد أن يحفظ نفسه وجسده من الدمار .. إن الأرقام التي تّم عرضها ، مذهلة حقا ، تلك التي تتحدث عن اجتياح الايدز لمجتمعات افريقية كاملة بسبب العلاقات الجنسية ، وان آلاف النسوة والأطفال يموتون يوميا بسبب  الايدز ، ذلك أن الوعي منعدم تماما في أفريقيا .. وان المرأة تدفع الأثمان الغالية من حقوقها الإنسانية بسبب جهلها الكامل ، وانعدام قدرتها في الحفاظ على جسدها ! أما في القارة الآسيوية ، فان أوضاع المرأة اليوم تمر بأزمات عصيبة ، بسبب انعدام قدرتها على مواجهة الحياة الصعبة ، وانصياعها لكل استلاب الرجل ، وفضاضته وجهالته وغطرسته .. وانتقدت بشدة انتشار مافيات للمتاجرة بأجساد النساء في دول متعددة من بينها دول آسيوية .. إن العالم مطالب اليوم بتشريع قوانين حماية للمرأة في أي مكان .. وان الدول الإسلامية مطالبة أيضا بتشريعات تمنح المرأة حقها في إبداء الرأي ، وحقها في الاختيار ، وحقها في الانفصال ، وحقها في التربية والتعليم ، وحقها في العمل ، وحقها في ردع من يتجاوز عليها .. ربما كانت المرأة في العالم الإسلامي هي غيرها في أماكن أخرى في العالم ، ولكن منح حقوقها الإنسانية ، وجعل إرادتها بيدها ، سوف لا يخلق منها أنسانا فاسدا كما يتخّيل البعض ذلك ، إذ تبقى ثمة خطوطا حمراء لن ولم تتجاوزها أبدا .

المرأة في مجتمعات الشرق الاوسط
أما المرأة في الشرق الأوسط ( وكان ذلك عنوان مداخلتي ) ، فان معاناتها كبيرة جدا ، وخصوصا في اغلب مجتمعات المنطقة .. ربما ازدادت معاناة المرأة في هذه المجتمعات منذ ثلاثين سنة ، عما كانت عليه سابقا ، إذ كانت المرأة سابقا مقبلة على حياة العصر وعلى الحياة المدنية ، وشهدت كل من عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي  نقلات نوعية في مكانة المرأة وحقوقها ووظائفها وتحررها الذي نادى به بعض المفكرين العرب والأتراك منذ بدايات القرن العشرين .. إن أمثلة ونماذج تاريخية من رائدات للحركة النسوية قد برزن منذ قرابة قرن وأكثر ، مثل : ماري تيريز الأسمر من العراق ، وخالدة أديب من تركيا ، وهدى شعراوي  وعائشة تيمور من مصر ،  وروز اليوسف وسيليا مالك من لبنان ..الخ  إن المرأة في البلاد العربية اليوم ، تعيش اضطرابا اجتماعيا وثقافيا بسبب الانتكاسات التي عانت منها ، وبسبب تراجع مجتمعاتنا عن سيرورتها في التقدم . إن زيادات كبيرة لحالات الطلاق ، فضلا عن معاناة المرأة من الحروب والاضطرابات السياسية  .. فضلا عن انتشار أنواع جديدة من الزواجات لم تكن مألوفة في السابق بسبب عوامل اقتصادية ، أو للالتفاف على الكبت الجنسي  والمحرمات الاجتماعية ! إن الوقائع الجديدة تكشف عن مظاهر جد سلبية ، وعن إمراض اجتماعية وسايكلوجية تجتاح مجتمعاتنا ، وعن حالات قتل وحالات انتحار .. وإذا كانت المرأة ضحية أولى لها ، فان الأطفال هم الضحايا الحقيقيون مما يشكّل جناية تاريخية على مستقبلنا في المنطقة عموما . لقد قلت : إن المرأة في مجتمعاتنا قاطبة ، إن عوملت بالحسنى وتعلمت ، وربيت تربية جيدة ، ممتلكة إرادتها ، وشعرت بدفء وثقة واحترام وحب الرجل وحنانه ، فستكون وفية ومخلصة ، لها إبداعاتها ، فالمرأة عندنا ، ذكية جدا ، وربة بيت ممتازة ، ومربية أجيال .. تعرف كيف تتصرف ، بل ولها القدرة على مجابهة التحديات مهما كانت صعبة ! إضافة إلى أن مجرد تمتّعها بالمعرفة والتكوين والاستقلالية سيجعلها تقدم إبداعاتها بمختلف العلوم والآداب والفنون .  إن أقصى ما تطمح إليه المرأة في مجتمعاتنا إصلاح الأحوال الشخصية لها ، وتحديث القوانين التي تتناول علاقتها بالمجتمع والحياة .. وكسر كل الحواجز التي تقف في الضد منها ، وتحّد من قابلياتها وإبداعاتها .. 

خمسة مبادئ : الاحترام / الثقة / التعاون / الشراكة / العاطفة
إن ما قدمّه ديفيد سكار ، ( وهو فنان دولي شهير ) من بناء صورة مثلى للمرأة في العالم ، فلقد حكى في البداية تجربته الذاتية ، ومن ثمّ قدّم نماذج حقيقية لعلاقة رائعة بين الرجل والمرأة .. ربما اختلفت معه بعض المشاركات ، ولكن الصورة عنده تتشكّل أساسا على خمسة مبادئ أوجزها بقاعدة احترام متبادل بين الرجل والمرأة ، فالأطفال إن تربوا على ذلك ، فسيكونوا ممتازين في تكوين علاقاتهم ، وبعكسه يكونوا مرضى ! ثم شدد على الثقة في تأسيس العلاقات الحميمية بين أفراد الأسرة كاملة . وقال بمبدأ التعاون بين الاثنين الرجل والمرأة حتى في كل الأعمال دقة ، ثم الشراكة ، إذ لا يمكن للرجل أن يستعبد المرأة لمصالحه ، ولا يمكن للمرأة أن تستغل الرجل لأغراضها .. ثم أكد على مبدأ العاطفة الذي يختزل بكلمة صغيرة جدا ، ولكنها من اكبر وأروع ظواهر الحياة الإنسانية ، إنها ( الحب )  ..
 
واخيرا ،  ما الذي يمكننا ان نفعله ؟
هنا ، دعوني أقول ، انه مثلما احتفى العالم بهذه المناسبة ، احتفاء كبيرا ، ليتعلم منها كثيرا .. علينا أن نتعلم أشياء اعتقد إنها أساسية وجوهرية في حياتنا كلها . إن أي مشروع يخدم المرأة في مجتمعاتنا ، ويصونها ويحافظ على حقوقها وواجباتها .. فان ذلك مدعاة لإصلاح مجتمعاتنا قاطبة مما تعيشه اليوم . إن أي انفراج تعيشه المرأة وإبعادها عن الآلام والمعاناة سيقلل من فجوة الأخطاء التي تمارس اليوم في اغلب مجتمعاتنا ، وسيقلل من الأمراض النفسية والكبت الجماعي .. إن منح المرأة الثقة وان تمارس خياراتها في الحياة ، وتوفير فرص العمل أمامها ، سيجعلها سيدة نفسها ، وسيمنحها القدرة على أن تقول ( لا ) لكل من يريد استغلالها واستلاب اعزّ ما تملكه ومن ثم سحقها ! إن الضرورة باتت ماسة لمعالجة قوانين الأحوال الشخصية في مجتمعاتنا بحيث تمنح المرأة من خلالها حقوقها كلها من دون أي استلاب.. ومن دون جعلها ناقصة أو غير عاقلة ! ناهيكم عن تأسيس جمعيات ومنتديات وبرامج إعلامية ترعى قضاياها ، وتدافع عنها أمام ما تتعّرض له من مشكلات وتحديات ليس في الشرق الأوسط حسب ، بل في كل العالم .

نشرت في الأصل على موقع إيلاف ، 11 آذار / مارس 2009
وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

اللوحة المرفقة للفنانة رؤيا رؤوف

17
التفكير بعيدا عن زنزانة سوداء !

أ.د. سّيار الجميل


(1) تساؤلات
    هل لي أن اكتب خطابا حرا من نوع خاص ، أسجل فيه بعض الأفكار على هامش الزمن المنكود ؟ هل لي أن اهرب من هذا الغثاء الذي يجتاح عالمنا المترّدي إلى حيث النقاء ؟ هل لي أن أحطم قيود زنازين العصور المظلمة ، واخرج إلى عالم حر ؟ هل لي أن أتخّيل أجيالا تتربى على مجموعة من التفاهات ، والاضطرابات المرعبة ، والنفسيّات المعقدّة .. ولا افني المستقبل بيدي ؟ هل سيبقى عالمنا هذا الذي نتباهى بأمجاده دوما  .. في غيبوبة بعد كل النكد والتوحش والجهالة والغثاء ؟ هل لي أن اتصّور أين تصل حدود البلادة والبلاهة والسفاهة ، وهي تتوسّع بشكل مفرط لتتخّذ شكل ثقافة موبوءة تجتر نفسها منذ أزمان ، وتتجسد فيها كل الكراهية ، وكل الأحقاد ، وكل الأوصاف الشنيعة ، وكل الاهانات ؟ هل سيبقى هذا الاندفاع القاتل نحو كل أنواع التخلف والانحطاط في كل من دول ومجتمعات لا تتغير أبدا ؟ متى يبقى عالمنا يسكن القبور المنتشرة في الدرك الأسفل من الأرض ، وليس لهم إلا الأكل والنوم وقضاء الحاجات ؟ متى سيخرج الناس من سلطة الأوهام والأورام والزنازين ويفكروا تفكيرا سويا كأحرار ؟

(2) الأهواء

     متى يبقى عالمنا يتآكل وهو في طور الاختناق ، والكل على حافات الهاوية ؟ متى تتنظف أفكار الملايين من كل العفونات وترسبات الأزمان العتيقة  ؟ متى يتخلصون من أكل الفطائس الكريهة وهي تتكاثر بشكل مذهل وهم يتصارعون لما تراكم عندهم من أهواء  ؟ متى يتخّلص عالمنا من كل الأمراض الدفينة والعقد الكريهة من دون أي شعور بالتضاؤل ؟ متى يزرع الحب عنوانا يدهش من خلاله كل الوجود ، خصوصا في مجتمعات عاشت على الإحسان والتقوى والعشق الإلهي والحب العذري وقيم المدينة وتقاليد الحضارة ؟ متى يتخلّص عالمنا من الجمود ويطلق نفسه مع النسيم يعبر به كل الدنيا نحو الشواطئ الأخرى بعقله لا بأهوائه ؟ إلى متى ستبقى مجتمعاتنا تختلط فيه الأشياء ، وتعبث به التناقضات ، وتتصادم في دواخلها الأهواء وبعد قرنين من الزمن المتحرك ؟ إلى متى ينخر فينا تاريخنا البائس ، ويأكل فيه كل حاضرنا التعيس ويبقى هو المتسلط على أنفسنا وواقعنا ومستقبلنا من دون أن نرى تاريخنا الرائع ؟ متى يتخلص واقعنا المرير من الأعاصير المميتة القاتلة ؟ متى يتوّقف أي مجتمع بليد عن تعصباته وانقساماته وثاراته وثرثراته ومكرراته الساذجة ؟ متى يتبدّل بغيره لنرى عالما طبيعيا خاليا من تناقضات الفكر وازدواجيات الحياة ؟
(3) التناقضات
    لا استطيع أن اتخّيل أننا نعيش في القرن الواحد والعشرين وعالمنا الجامد لم يتحرك تفكيره أبدا بلا تناقضات ! لم اتخّيل بشرا يعيش معاصرته وهو يعبر عنها بما أكله الزمن ؟ لم استطع إقناع نفسي أن تصبح القلنسوات الملونة هي الآمر الناهي في هذي الحياة .. وغدا التواكليون والمتكلسون ينفثون كل أدرانهم وأمراضهم وفحيح سمومهم في كل أجزاء المجتمع .. وجاء السفهاء منهم وهم يوزعون الأحكام بكل الممنوعات وكل المحرمات ! لقد غدا عالمنا متحجرا متكلسا مثلهم بشكل لا يمكن تخيّله .. لم يعد هناك مكان نستعيد فيه حريتنا ونشمّ هواء نقيا ، فكل الامداء سجون ، وقلاع اسر ، ومراكز نفي .. ها أنا ذا أجد الملايين يحتشدون في زنزانة قاتلة  .. ها أنا ذا لا أرى الضوء يمسّهم .. فهل أصبح جميع من في هذا العالم صم بكم عمي وهم لا يفقهون ؟؟ وهل هو جامد حقا أم انه يتراجع دوما إلى الوراء ؟  ولم يزل يعيش في زنزانات سوداء كساها الدخان العتيق .. فالمداخن لم تتبدل أبدا ، والماء لم يغسل الجدران أبدا من كل سخام الزمن .. فسد كل شيء فيه بفساد الأحياء والأموات !  الأزقة بدت مزدحمة ولا تجري في مجاريها إلا المياه الآسنة أو تنضح من مساماتها الدماء القانية .. ولا تنعق فيها إلا الغربان السود ..

(4) متى تشرق الشمس ؟

     لقد غابت الشمس من زمن بعيد ، وعم الظلام كل الحياة ! سوف لن تشرق الشمس هكذا كالعادة إلا بعد زمن طويل ! لن تشرق الشمس حتى تغيب البشاعة ! وأقسى البشاعات بشاعة التفكير البليد ! وبشاعة قتل الحريات ، وبشاعة قتل النساء ، وبشاعة قتل الأبرياء ، وبشاعة حكام يكذبون ويكذبون .. لن تشرق الشمس إلا بعد الجفاف الرهيب ، وسقوط الأمطار ، وغسل كل الحياة .. لن تشرق الشمس إلا بعد غياب التوحش وزوال الدخان واثر نظافة الأجساد .. لن تشرق الشمس إلا بعد عودة الطيور إلى أعشاشها ! لن تشرق الشمس إلا بعد عودة الاخضرار إلى كل الأغصان اليابسة الجرداء !  لم تخلص حتى المدن النائية من كل الأوبئة ! تلاحقها كل النفايات .. لن تشرق الشمس حتى تتطهر القلوب من كل البلايا والرزايا .. لن تشرق الشمس إذا بقى عالمنا يعيش الفتن الطائفية ودكاكين تبيع الأوجاع وزوايا يتخّمر فيها  العهر وذوي العاهات !
(5) الأوهام
    إن الذين مضوا إلى مزبلة التاريخ تجدهم في القاع دوما وهم مصدر كل القتل والتدمير والشناعات .. إنهم عبيد الموت الأسود الذين لا يعرفون إلا الموت لغة يستخدمونها وينابيع الحياة يستأصلونها ! إنهم كالأفاعي وقد قطعت أذيالها ، وباتت تؤجج بفحيحها كل جزيئات الحياة .. إنهم لا يعرفون إلا الحرق والدمار وقتل الأزهار اليانعة .. هل وجدتم بشرا سويا يقتل امرأة ؟ هل وجدتم بشرا سويا يقطع رقبة ؟ هل وجدتم بشرا سويا يّعذب الآخرين ؟ هل وجدتم بشرا سويا لا يعرف الا الغضب ؟ ولا يفتح الا قاموس الحقد والكراهية ؟ عالمنا لا يعرف لغة العقل .. الناس حيارى يعيشون الأوهام القاتلة .. عالمنا متوحش لا يعرف الرحمة ولا يدرك معنى الحياة ولا يقدّر للإنسان قيمته ولا وجوده !! عالمنا لا يقرأ أي مستقبل .. عالمنا يعالج الواقع المتهرئ بالأوهام والأخيلة .. عالمنا تأكله التناقضات وبؤس الأفكار .. عالمنا لا يعرف إلا الأكل والنوم والتناسل .. عالمنا لا يعرف إلا الأشياء الكريهة والروائح النتنة ولغة الأحذية .. عالمنا لا يعرف إلا الشقاء وهو ينتظر من دون أي ثمن للانتظار ! ما أجمل الحياة وثمة نسائم عذبة من الحريات ، وحد أدنى من العدالة وتكافؤ الفرص ومساواة ومنتجات ..

(6) المزيفون
      أي منظومة هذه التي جعلت الناس أسرى الذبح والأحجار والنار والقار  وقد قفلوا على أنفسهم حتى الموت .. ؟؟ أي بيوت هذه التي لا تعرف شيئا وهي باقية من دهور لا تعرف الصرف الصحي ! أي استحالة هذه تحيل الحياة إلى مجموعة من المتضادات التي تأكل أحداها الأخرى ؟؟ متى يستقيم المنطق ليكشف الإنسان في عالمنا حجم التناقضات ، وهي تتصادم في كل مكان منه ؟ متى يكشف الإنسان في عالمنا زيف كل ما تربى عليه ويقف على الاكذوبات الفاضحة وهي مخفية ؟ متى يشعر الإنسان ولو لمرة واحدة انه يفكّر بطريقة سوية ؟ متى يعلن عالمنا البراءة من كل مهالك التاريخ ؟ ومن يكشف عن صفحات التاريخ السود ؟ متى يعتذر عن أخطاء ارتكبها ؟ متى يتوقف عالمنا عن اللغو والثرثرة البائسة ؟ متى يستلهم عالمنا مباهج الروح كي تتكافئ عنده مع ضرورات حياته ؟ متى يتخّلص عالمنا من احتقار الآخرين ووصفهم بأشنع الصفات ؟ متى يتخلص الانسان من زيفه ؟ يعيشون في الغرب وهم يكرهونه ويمقتونه .. يعيشون من اجل أن يكونوا مزيفين !

(7) الأشباه

   متى يصمت عالمنا عن أفكار سخيفة تثير الاستهزاء وتدينه وجملة من تقاليده وممارساته المشوّهة ؟ لا احد مثلكم يتلف زمنه في أشياء تافهة ! لا احد مثلكم قد تمّيز في السب والشتم والوقاحة والصلافة حيث يسكت النبلاء والعقلاء والرحماء والشعراء والعلماء ! متى تشتغل عقولكم أيها البلهاء ؟ متى تتحرك ضمائركم أيها السفهاء ؟  لم تندمل جراحاتكم ما دمتم تعيشون دوامات هائلة من الفجور والطغيان ! هل هناك من لم يزل يسّمي نفسه بـ " مناضل " كان قد سجل تاريخا معينا في القرن العشرين ؟ لماذا تسكتون على صفحات القتل المجنون ؟ هل أبقيتم شيئا يذكر من المدن العريقة الفاضلة ؟ هل تعتقدون إنكم كنتم بمناضلين حقيقيين ؟ هل عرفتم يوما كيف تخطون شيئا رائعا من نوع ما في التاريخ ؟ وهل حلمتم بمستقبل نظيف تقل فيه المعضلات وتنعدم فيه الشظايا المدمرات .. ؟؟ تذكروا كم مات على أيديكم من المبدعين ، ومن الملهمين ، ومن الشعراء ، ومن الأدباء ، ومن العلماء ، ومن المثقفين ! تذكروا فقط نهايات رجال ونسوة لم يكونوا إلا رموزا حية سيذكرها التاريخ وقد حطمتموها ظلما وعدوانا !

(8) الأشقياء

      يا له من عالم نكد يزرعه الأشقياء ولا يتحرر منه كل الملايين .. عالم يمكن أن يتجرّع أوجاعه كل الزمن ! والأوفياء بالعهد ، وبكل الخيارات ، وسمو الثقافة وأصحابها من الخيرين في عالمنا نحن لا عند غيرنا .. يتلاشون أمام طغيان جماعات لا تعرف إلا الإقصاء ولا تريد إلا الصمت .. إن الجميع بات لا يعرف إلا الصمت ، أو اجترار الطقوس .. أو الهروب .. بات كل عالمنا وقد زرع بالأشواك والأحجار القاتلة .. ولا ينتظر إلا الرسائل المميتة ، أو المهرجانات القاتلة ، أو شظايا الوقاحة ، أو كل الصلافات ، أو إلقاء الجثث على الطرقات .. لم تعد حياتنا تسمعنا حسن الكلام ، ولم تعد آذاننا تصغي لسحر الأشعار ولم نعد تطربنا لغة الطيور ، أو موسيقى المحبين .. لم نعد نسمع الأغنيات الجميلة .. ولم تعد هواجسنا تتقبّل ما يجود به الفكر .. لم يعد الأطفال يعرفون كيف يلعبون .. ولم يعد الشباب كيف يبدعون .. ولم يجد عالمنا إلا التيه وسط تيه الأضداد !! رحل الأوفياء حقا وكثر الأشقياء !

(9) النصف الآخر
      لم يعد لدينا من الأفكار نحاورها ، ولا القصائد نبادلها ، ولا الروائع نقرأها ، ولا الألحان نساجلها .. لم تعد المرأة إلا إنسانا مرتعبا تخشى النظرات وتخشى السلطات والميليشيات ! ولم تعد المرأة تجد نفسها إلا بين القضبان السوداء ! ولم يخرج عالمنا من جلده السميك منذ أيام داحس والغبراء .. منذ أزمان وهو لا يعرف إلا التمييز بين ذكر وأنثى ، وليس من هم وغم إلا المرأة ، وكأنها أتت من عالم آخر ! لم يعترفوا حتى اليوم أنها النصف الآخر ! إنها الأم والأخت والبنت والزوجة .. إنها الحبيبة .. إنها النصف الآخر ، إذ لا يعتبرونها نصفا ولا حتى قلامة ظفر .. وبات الكل لا يدرك من الحياة إلا قطف الزهور حتى وهي يانعة .. كثر المتسلطون عليك سيدتي .. كثر الضباع من حولك .. لا يريدونك إلا قطعة أثاث ليس إلا ! قمعوا حريتك ، وسيطروا على حقوقك باسم مجتمع لا يعترف أبدا بخطايا الذكور .. كثر كل الذين لا يعرفون إلا البتر والرجم والتكفير وإطالة اللحى وقتل الحياة ، فهل سترجع عقارب الساعة إلى الوراء ؟.. إنني لم اعد استوعب مشكلة من ينحر نفسه بنفسه وهو في قبضة التناقضات .. لماذا لا يفكرون ؟ لماذا لا يتدبرون ؟ ألا تتساءلون معي : لماذا تتآكل حصوننا من دواخلها المتعفّنة لأننا نمعن في اضطهاد النصف الآخر ؟
(10) فسحة الأمل بلا نهايات
    لن تنتهي كلماتي بعد !  لن تنتهي أنفاسي بعد ! ومعي ثلة من الناس الذين يتمتعون بنعمة التفكير يشاركونني فرص الأمل.. لي أصدقاء قدماء وجدد في هذا العالم لا اقدر اعتزازهم بأية أثمان وهم يحسّون عظم المأساة التي حطّت علينا .. فمن يخلّص عالمنا من الدمار والانسحاق ؟ من يخلصّه من قبضة الجهلاء والبلهاء والسفهاء ؟ من يمنحه حق الحياة الجميلة ؟ من لا يميز البشر بين الاكثريات والأقليات ؟ من لا يميز بين الأعراق والقرابات ؟ من يفاضل على أساس ثقافي أو حضاري ؟ إنني مؤمن بفسحة عريضة من الأمل .. من يبدأ التفكير من جديد .. ؟ من يعلمنا بأن عالمنا لم تعد تثقله إلا السراديب القديمة ؟ إن مدنا عريقة في عالمنا لا تجد نفسها إلا وهي تعيش قبل قرون وهي محشوة بالبشر الذين تفتك بهم كل الجهالات ! فهل ثمة مشروع حياة جديد يأخذنا منذ هذه اللحظة نحو الخلاص كي نعيش هذا العصر ولا نكن في زنازين عصور أخرى ؟ إنني مؤمن بان الشمس ستشرق في يوم قريب .. ولكن أسألكم: من يقف معي في مثل هذه الأفكار ومن يقف ضدي إزاءها ؟  فإلى ذاك الذي يقف ضدي ادعوه إلى التأمل قليلا وهو يتمثّل نفسه وقد ابتعد تماما عن حياة هذا العصر  ، فهل باستطاعته البقاء ساعة من الزمن خارج هذا العصر ؟

تنشر على موقع الدكتور سيار الجميل يوم 10 آذار / مارس 2009
www.sayyaraljamil.com





18
نداء إلى السادة المسؤولين العراقيين

أ.د. سيّار الجميل

تسلمت البارحة صرخة رفعها العديد من الأساتذة الأكاديميين العراقيين الذين يعانون اليوم كثيرا سواء الذين رجعوا إلى الداخل ، أم الذين ما زالوا في الخارج ، وقد حاصرتهم الحياة الصعبة ، وأذلهم الزمن مذ خرجوا من وطنهم صاغرين متشردين في هذا العالم . لقد طالبني العديد من الزملاء والأصدقاء أن اكتب مدافعا عن حقوقهم، وموضحا معاناتهم .. واغلبهم ممن تجاوز الخمسين من العمر ، ولهم عوائلهم ومسؤولياتهم وأمراضهم وقد هدّتهم أوضاع العراق .. إنهم يصرخون من اجل أن ينقذهم العراق ، وهم يشعرون بالظلم ، عندما يجدون غيرهم من العراقيين يتمتعون بأكثر من حقوقهم ، وهم الذين تعبوا وقدّموا وبنوا أجيالا يجدون أنفسهم مهمشين ، مبعدين ، وأذلاء محاصرين .. خصوصا عندما يعلمون أن عراقيين يتمتعون برواتب خيالية يقبضونها شهريا ، وقد احتسبت لهم من خلال لجان خاصة .. وقد قبضوا على مبالغ كبيرة احتسبت عن كل الزمن السابق فضلا عن رواتب بآلاف الدولارات جارية طوال حياتهم !! إن هناك الآلاف المؤلفة من الأساتذة العراقيين قد اضطروا إلى الهجرة من العراق بوسائل هرب مختلفة ، والتشتت في هذا العالم ، لأسباب مختلفة  سياسية واقتصادية ، إذ اغلبهم لحقهم العوز جراء راتب شهري يعادل دولارين أو ثلاثة .. إنهم لم يجدوا إلا أن يهربوا وينقطعوا عن مؤسساتهم التي أنذرتهم بالعودة .. ولكنهم لم يعودوا خوفا من تعاسة المصير ، أو عودة إلى حياة معدمة .. لقد تشّرد العدد الكبير من الأساتذة العراقيين حتى اليوم ، ولكنهم يطالبون بحقوقهم الوظيفية .. يطالبون بان تحتسب خدماتهم في أي مكان في العالم لأغراض التقاعد .. يطالبون اليوم بحقوقهم لا أكثر ، فهم هربوا من جحيم الحياة الصعبة وكان هناك من فصلهم من وظائفهم .. نعم ، لقد أضناهم العيش وكبرت أعمارهم ، وثقلت مسؤولياتهم ، وأنهم بحاجة وعوز اليوم .. وهم عراقيون لم يشاركوا بقتل احد ،  واغلبهم كانوا قد أدوا خدمتهم العسكرية بأسوأ الظروف . فلماذا يحرمون من حقوقهم ؟ ولماذا يمنح غيرهم آلافا من الدولارات شهريا ، وهم لا يملكون ما يسدون به رمقهم ؟ إن القانون في دولة القانون ينبغي أن يسري على الجميع ، فليس من الإنصاف والعدل أبدا أن يتسلم غيري آلاف الدولارات شهريا  كونه احتل منصبا لمدة وجيزة في الدولة  بعد سقوط النظام السابق سنة  2003  ، وأنا  لا استحق حقوقي وكنت قد خدمت لعدة سنوات في مرافق الدولة ، وعانيت من الأمرين ؟ وليس من العدل أن تصرف للكثيرين رواتب عقود من السنين كونهم معارضين سياسيين كانوا في الخارج وهم لم يشتغلوا في الدولة وتجري رواتبهم مدى حياتهم بالدولار .. والآخر عمل وداوم واهين ونال قسطه من الإذلال والحرمان ما يكفي ولكنه يعيش الكفاف اليوم ؟  ..  إنني الفت نظر السادة المسؤولين العراقيين ، أن العراقيين كلهم أبناء وطن واحد ، ولا يمكن أن يتم تمييز هذا عن ذاك ، إلا بكفاءته وما قدمه للعراق والعراقيين .. لابد أن تسود المرونة في تطبيق القانون على الجميع ، لا أن يستسهل الأمر هنا ويصّعب  هناك .. المتقاعدون الذين هاجروا تجمع حقوقهم متى طالت غيبتهم ليستردوها ، ولا يمكن أن يسقط حقه بعد غياب 5 سنوات ! إن التعسف لم يزل ساري المفعول في الدولة العراقية إزاء المجتمع العراقي .. لماذا ؟
يقول واحد من الطلبات : "  خلال السنتين الماضيتين  صدرت عن مسؤولين في الدولة   شعارات عن إجراءات لإصدار قوانين جديدة تعمل على أنصاف الموظفين والمتقاعدين وتحقق لهم كرامتهم ، وفعلا  صدر قانون الخدمة الجامعية ألذي أعطيت فيه حقوق ممتازة للموظفين  والمتقاعدين وجاء واضحا فيه أنه يشمل المتقاعدين السابقين , حتى إذا ما انتقل القانون هذا إلى  مرحلة التطبيق ، أصدرت وزارة المالية تعليمات تحدد من يشملهم القانون  بأولئك الذي تقاعدوا بعد سنة 2005م.    مما يعني إلغاءا  لحقوق ألمئات بل الآلاف من الأساتذة العراقيين سواء في الداخل والخارج ، الأمر الذي زادهم إمعانا في المعاناة وذلك بإبقائهم في حالة من العوز الشديد والحاجة والشعور بالأسى. وهنا يتساءل الآلاف من العراقيين : أين أذا حقوق الإنسان من هذا ؟
وأين هي الشعارات المرفوعة من هذا الذي أصدرته وزارة المالية ؟ ومتى  كانت التعليمات أقوى من القانون !؟ ويستصرخ البعض أن هناك مئات من أساتذة الجامعات وغيرهم من موظفي الدولة ممن اضطروا إلى مغادرة العراق لأسباب معروفة ومبررة بحثا عن أماكن يامنون فيها على حياتهم وحياة أسرهم  .وقد كانوا يتطلعون  إلى رعاية الدولة لهم وإنصافهم وذلك بإعادتهم إلى وظائفهم ، أو منحهم الحقوق التقاعدية التي يستحقون .  إن هناك من تقدم بطلب أحالته إلى التقاعد ، وقد صدرت لهم بذلك أوامر جامعية ووزارية  ، وعندما وصلت معاملاتهم إلى دائرة التقاعد ، رفضت هذه الأخيرة تسلم معاملاتهم بدعوى أنهم يعتبرون في عــداد المستقيلين  وموضوعهم أنهم غادروا العراق وللأسباب التي ذكرت أعلاه  للتدريس في جامعات عربية  ولم يقدموا استقالات ، بل خرج كثير منهم بموافقات جامعاتهم الرسمية ، وعندما انتهت أجازاتهم  خارج العراق ، صدرت – كالعادة- من  جامعاتهم  قرارات باعتبارهم مستقيلين من وظائفهم بعد مضي فترة محددة ، كما هو معمول به إداريا في البلاد. أذا ، فهم في ضوء ذلك لم يستقيلوا بل اعتبروا مستقيلين ، فلماذا والحالة هذه تمتنع دائرة التقاعد من تسلم وتمشية معاملاتهم التقاعدية ؟ وتنكر بذلك عليهم حقا قانونيا ودستوريا وإنسانيا في الوقت الذي تصل فيه خدمات بعضهم في الدولة إلى الخمسين عاما ، وقد استوفيت عنها التوقيفات التقاعدية منهم حسب الأصول ! ولدى مراجعة بعـض من تقدم بإحالته إلى التقاعد من المذكورين أعلاه  في الفقرة السابقة إلى دائرة التقاعد  مع موافقة وزارة التعليم العالي ، ألا أن دائرة التقاعد العامة لم تستلم معاملاتهم بدعوى :- أن كلّ من أعتبر مستقيلا خلال الفترة من 1996- 2003 م , لا يستحق راتبا تقاعديا وذلك – حسب قولهم – استنادا إلى تعليمات لديهم بهذا الخصوص!  وهنا لا ندري ما هي تلك التعليمات؟ ومن الذي أصدرها؟ وأين نشرت ومتى بالضبط؟ لقد فتش هؤلاء في كل المصادر ، وفي الوقائــع العراقية ، وكذلك السؤال من المطّلعين  من المحامين ومن ذوي الاختصاص .. والكل قال: لا توجــد هكذا تعليمات ، وهكذا ظل هؤلاء الزملاء تائهين ماذا عساهم يعملون أمام من ينكر عليهم أهمّ وأقدس حقوقهم ورزق عوائلهم بعد هذا الزمن الطويل الصعب من حياتهم ومعاناتهم !
 ويؤكد آلاف الأكاديميين العراقيين قائلين : إن ما ينبغي تأكيده هنا ، أننا خدمنا وطننا وأبناءه بكل تفان وإخلاص ، ولم ندخر جهدا ، إلا وبذلناه ، وبكل تفان ونكران ذات ، وخلال عشرات السنين من الخدمة المخلصة ، وقد تخرّج على أيدينا خيرة أبنائنا وأبناء الأقطار الشقيقة  الذين _ وبكل اعتزاز_ تبوأوا مراكز علمية وإدارية يفتخر بها الوطن ، والآن ونحن نعيش في المهجر وبلاد الغربة نعاني من فقدان فرص العمل ، وأي مصدر للعيش وحق التقاعد ، نقول  أن بلدنا هو الذي من المفروض أن يصون كرامتنا ويهتم بتوفير العيش الكريم لنا. لقد كنا قد رفعنا اسم العراق عاليا من حيث المستوى العلمي والضبط والدقة والكفاءة النادرة .
لقد صدرت في بلدنا خلال العام الماضي دعوات إعلامية كثيرة سواء من مسئولين على صعيـد مجلس الوزراء ، أو وزارة التعليم العالي بأن العراق يفتح ذراعيه واسعا لعودة أبنائه من الأساتذة والعلماء المهجّرين والمهاجرين ، وهو مستعد لأعادتهم إلى وظائفهم ،  ومنحهم امتيازات شتى نصّ عليها بما لا يقبل اللبس والاجتهاد ، ومنها قرار مجلس الوزراء الموقر رقم ( 441 لسنة 2008 ) المؤرخ في    17/12/2008 . هذا وقد أستثنى ذلك القرار الأساتذة من شرط العمر، فماذا لا يفّعل ذلك ؟ إن عدم أعادة الأساتذة والعلماء بدعوى عامل السن هو أمر غير مبرر لأنه يحرم مؤسساتنا التعليمية من تخصصات وخبرات كبيرة ومهمة .
 إنني أهيب بالسادة المسؤولين العراقيين ، أخذ هذا " الموضوع " بالاهتمام من اجل مواصلة السعي من أجل عودة  الحقوق لأصحابها ، حفاظا على كرامة أساتذتنا ورجالات العلم العراقيين الذين يكفيهم بهذلة وإذلالا  ومشقة وصعابا ..
 وأخيرا ،  إن هذه الصرخة رغم أنها تخص شريحة الأساتذة الجامعيين وتطرح قضية جامعـّية ، ألا أنها تساند في الوقت ذاته كلّ دعوة مخلصة لأنصاف الشرائح الأخرى من المجتمع العراقي  ألذي ضحّى كثيرا وتحمّل من أوزار الحروب والفساد الإداري والمالي وانعدام الخدمات  بما لا تطيق حمله حتى الجبال . دعونا نبقى متابعين لهذا الشأن من اجل إحقاق كلمة حق وإنصاف لكل العراقيين وتحقيق مجتمع العدالة في دولة القانون .   

جريدة الصباح ، 5 آذار / مارس 2009
وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

 


19
المنبر الحر / احتضار مثقف عراقي !
« في: 14:06 02/03/2009  »
احتضار مثقف عراقي !

أ.د. سّيار الجميل

" كعهدك ستبقى تورطنا بالامل يا سيار "
الراحل امير الدراجي

مقدمة : دعونا نتأمل
كنت قد وعدت القراء الأعزاء بوقفة تأملية في بعض مقول قول المثقف العراقي الصديق الراحل أمير الدراجي .. وها أنا ذا اخترت أن أتوقف عند جملة من التعابير التي تطالبنا بالمزيد من التفكير .. إنها حكاية احتضار أي مثقف عراقي حقيقي .. دام ذلك الاحتضار سنوات طوال ولم يلتفت أحد إليه البتة .. لا في حياته ولا بعد رحيله المؤلم ، ليغدو رقما في سلسلة المثقفين العراقيين الراحلين .. ها أنا ذا أقف وقفة تأملية فلسفية وأدعو كل من يريد أن يفكّر معي من قرائنا الأعزاء إزاء تشخيص المعاناة التي جسدها بفكره وخطابه الصديق الراحل أمير .. وكنت احفزه دوما ، وأشعل أمامه النار ، وكان يعتبر ذلك ورطة للأمل المنشود الذي كان قد افتقده الرجل منذ زمن بعيد .. وكان يفكّر في مساحة هي غير المساحة التي أفكر عليها . وكانت قد انتهت عنده كل المساحات . فماذا وجدت في خطابه من مقول قول يعبر تعبيرا حقيقيا عن احتضار مثقف عراقي أنجبه القرن العشرون.. ؟؟ لقد عاش المثقفون العراقيون منذ خمسين سنة مضت ، وما زالوا يعيشون القهر والضيم والذكريات المريرة . إن من رحل منهم ومن ينتظر .. فهو في حالة احتضار متقّطع ، ففي كل لحظة زمنية يعيش مأساة جديدة لا يمكن للمرء أن يتخيلها .. دعوني أتوقف عند مثقف عراقي راحل عانى من احتضار طويل ، وكانت له الشجاعة كي يعّبر تعبيرا رائعا عن ذاك الاحتضار !

سليل الثقافات بملابس خاكية
وجدت أميرا " لا يريد أن يكرر ما اعتاد عليه الآخرون من استخدام نفس العبارات ! " ـ كما يقول ـ ، وعنده الحق كونه من المثقفين المحترفين الذين يؤمنون بالتفكير لا بالتقرير .. ويؤمنون بالتجديد لا بالتقليد .. يؤمنون بالإبداع لا بالأتباع  .. ويعّلق : " إن  الغربة ليست واحدة ، بل غربات لا متناهية " ! أواه كم تعذبت أيها المثقف العراقي في وطنك من عذابات ، فلم تعد تنشد غربة واحدة ، بل عدة غربات ! أواه كم طال احتضارك ، وأنت تتعذّب في وطنك الذي احرقوه أمام عينيك ، وأنت لا تدري ماذا تفعل ! أواه ، كم أهانوك ، وهم كائنات من سقط المتاع .. جهلة ومتخلفون ليس عن ركب الحضارة فحسب ، بل حتى عن ركب الحياة نفسها ! أواه كم جعلوك تكرههم وتبقى ملتصقا بوطنك وأرضك وعطر ترابك القديم في ارض وادي الرافدين !  وانتقل إلى صورة أخرى يقول فيها أمير بأنه " لا يعتبر نفسه مواطنا جديدا ، بل من مخلفات القرن العشرين الرائعة ! " .. فمن الطبيعي أن يخرج للعالم وقد شكّلته مجموعة من العظام وفيها روح عظيمة .. روح مثقف عراقي أسطوري قديم البسوه ، أو أرادوا أن يلبسوه ملابس ( عراقي ) جديد تحت شعارات خاكية ومسميات لا أول ولا آخر لميليشيات تافهة العناصر ليس لهم الا التصفيق والرقص .. وقد ذبح المتخلفون حناجرهم وهم يرددونها في الشوارع البائسة بمسيراتهم وتظاهراتهم وسيطراتهم عند فوهات المدن ومسدساتهم المتدلية وشواربهم الكثة .. وأنت قابع تنتظر فرصة الهروب مع روحك العظيمة وعظامك الرميمة إلى خارج الحدود لتسمي نفسك من مخلفات القرن العشرين الرائعة !

وطن رائع بايدي البرابرة
كنت ـ كما قلت يا أمير  ـ تخجل من : " حنين للوطن كونه يرتبط برسم تراث بربري حروبي .. انه يتجاوز الوطنية إلى الكونية ! فالوطنية بربرية متوحشة والإنسانية أخلاقية كونية ! " نعم ، هكذا أوصلوك إلى مثل هذه الحال والأحوال ، لتقول مثل هذا الكلام المثقل ليس بكره الوطن ، بل بحبه ، وأنت تجده وقد أصبح ألعوبة بيد سفاح أشر ، أو أضحوكة بيد بربري متوحش .. أو شوارع اسفلتية قائضة لسحل الإنسان .. أو ضفافا لبناء القصور الرئاسية .. أو بحيرات واهوارا مجففة ماتت فيها الحياة .. أو سجونا وقلاعا للأسرى والمعتقلين .. أصبح وطنهم هم ، وقد تركوك بعيدا بعد أن قتلوا فيك كل المشاعر والأحاسيس وجعلوك تحتضر سنينا .. ومات الواحد منّا تلو الآخر ولم يرتو أحد منّا من ماء النهرين الأزليين دجلة والفرات .. وطن سجلوه بالطابو باسم تراثهم البربري المتوحش كونه غدا مقاطعة باسمهم واسم من خلفهم .. وهكذا ، أصبح كل مثقف عراقي كالمومياء ، سّبة في العالم كله ، كونه قادم من بلاد التوحش .. ولم يقتصر التوحش على تلك الضباع  في داخل العراق ، بل جعلوا موتى الضمير يتوزعون على العالم أيضا ، إناثا وذكورا ، مستغلين البطاقة الإنسانية التي وصفها أمير بالأخلاقية الكونية .. جاءوا واستقروا في إرجاء العالم، وبالأخص بريطانيا وأمريكا وأرجاء أوروبا ، ليلعنوا العراقيين لعنة أزلية ، ويلاحقوا كل المثقفين العراقيين الأحرار، ويجهضوا عليهم ! وثمة إشكالية مثيرة للتناقضات ، فهؤلاء إذا كانوا أعداء للغرب والاستعمار .. فكيف لهم أن يقيموا فيه ويحملوا جنسياته وانتماءاته ؟؟ إن أميرا يتأوه صائحا بوجه الضباع حتى وان اكتسى الضبع قلائد كاذبة باسم مثقف ، أو مختص ، أو خبير ، أو شاعر .. الخ إذ يكفي أن يستذكر كل العراقيين مآسي مثقفين رائعين وأكاديميين كبارا كانوا ضحايا أبرياء بعد تعذيبهم تعذيبا بطيئا وعلى نار هادئة !

مثقف يقتلعوه من الجنة !
أمير المثقف المحتضر ، لم يكره العراق / الوطن ، بل كره من كان يستخدم هوية العراق له ، وهو بلا هوية إنسانية ! يقول : " إن الخروج من الوطن هو الاقتلاع من الجنة . أنا لا أتوقف عند المفهوم الفاضل للجنة , بل اخترق هذا الجدار السحري للمفردة  واعترف بان الفضيلة الإنسانية ، هي ما بعد الجنة .. " .. إن الجنة التي تركها للحفاة والعراة من تراث العراق الخالد لا يريدها أبدا ، كونهم سجلوها باسمهم .. وكانوا وما زالوا برابرة ومتوحشين يكرهون العراق كرها لا حدود له ! وكأنهم غرباء عنه .. وكأنهم يمتلكون ولاء لطرف آخر من الأطراف .
ونتابع معه قوله " وأنا وريث العصيان الأول وريث نكران الإعماء الوطني والقفر المعرفي .. " انه سليل ثورة البحث عن الخلود ، وهي أول ثورة فكرية في تاريخ البشرية .. ولكنه مع الأسف اليوم غدا وريثا لكل هذا العمى الوطني لمجتمعه الذي يرقص أمام تلك الداهية ، أو ذاك الزعيم ، أو ذلك المشير ، أو تلك الصناجة ، أو هذه الضرورة .. وهو مجتمع أقفر من المعرفة ، ويسوده الجهل ، ويطبق عليه الانغلاق ! لقد وصلت حالة التمرد عند بعض المثقفين العراقيين إلى أوج مداها إبان النصف الثاني من القرن العشرين كي نجد صنفا رائعا من المثقفين المتمردين حتى على ذاتهم .. وخرج من بينهم بعض المتشردين والمتسكعين والمدمنين والعابثين والمجانين والضالين والثوريين والمساجين والمعتقلين .. الخ فلا غبار أن نجد مثقفنا يقول : " أنا غريب حتى عن رحم أمي . لا اشعر بأي طمأنينة حتى في بلدان تضع الحرية والإنسانية بمكانة أهم من الآلهة .. " ! ويتابع في مكان آخر ، قوله : " كنت في العراق  أخاف من نفسي ومن أفكاري  , أخاف على صحبي وأخوتي وأسرتي . لذا قطعت  نفسي , اجتثثت جذوري من تحميل أهلي مسؤولية ما أفكر به " .

من جعله يحتضر ؟ من قتل ركائزه ؟
وأسأل : لماذا تصل الحال عند مثقف عراقي ملتزم إلى هذا المآل ؟ ما الذي جعله يشعر بفقدان الانتماء حتى عن رحم أمه ؟ من الذي افقده الطمأنينة وراحة البال ؟ أو بالأحرى من قتل حريته البسيطة التي يريد من خلالها أن يغني .. أن يرقص .. أن يكتب شعرا .. أن يشرب كأسا ، أن يأكل خبزا ، ويدك اصباعتين .. أن يمضي إلى حيث يريد في ارض وطنه .. أن لا يراقبه احد .. أن لا يحصي أنفاسه أحد .. أن لا يهينه احد .. أن لا يرشق بنظرة مخيفة  .. أن لا يوشي به احد ظلما وعدوانا .. أن لا يخطفه أحد .. أن لا يقطع رقبته أحد .. ؟؟ إن المثقف الحقيقي إنسان حر ، وإنسان لما فوق العادة ، فالحرية والإنسانية التي وجدها في مكان غير العراق جعلها في مصاف الإلهة ! فهو هنا لا ينتمي إلى وطن كالعراق، يسحقه العراقيون سحقا ويدمروه تدميرا ، ولا يقف مع معاناته ومأساته منهم أحد .. وهو يجد نفسه وقد حوصر من قبل أغبياء ، ورعناء ، وأميين مفلسين وجهلة مارقين ـ كما يقول ـ " بهذا الغباء والرعونة لمفهوم متوتر حروبي يستغفلنا من قبل مجموعة من الأميين ثقافياً والمفلسين أخلاقيا والجهلة إنسانيا .. وطننا هو رسالة كونية ثقيلة العيار  .. ولهذا اجزم واكرر دائماً ومن حق الآخر  أن يسألني ويسمعني .. أنا مؤمن بشعاري أكرهك يا شعبي احبك يا وطني !! " . هنا نسأل : هل كره المثقف العراقي شعبه ، أم أنها نفثة الم وآه انسحاق قالها أمير الدراجي ، وهو ببيروت يشهد مأساة الحرب الطاحنة بين العراق وإيران ؟ إنني اعتقد أن أي مثقف عراقي ، وبضمنهم أمير نفسه ، لم يكره شعبه أبدا .. أبدا . إذ لا يمكن أن ينفصل أي عراقي ، مهما كانت غربته عن أهله ، إذ يبقى يحمل هويتهم وعاداتهم وتقاليدهم باستثناء اولئك السفهاء الذين ماتت ضمائرهم ..
مشكلة المهرجين .. والمنافقين
وربما ثمة تفسير آخر ، وجدته وأنا اقرأ ما كتبه شتراوس وهو يحلل الأصول الانثروبولوجية لسايكلوجية البعض من المثقفين الأحرار ممن لهم أحاسيس جد مرهفة .. فهم يحاولون التخلص من كل تناقضات المجتمع بالانعزال عنه ، بعد التمرد عليه وإعلان البراءة منه .. ولكنهم يبقون ملتصقين بأعماقهم أي بأوطانهم .. ويموتون بعد احتضار طويل الأمد ، بسبب غربتهم عنها ! وهذا ما أجده ليس عند أمير وحده ، بل عند اغلب المثقفين العراقيين الأحرار الملتزمين ، وليس عند أولئك المهرجين ، أو المنافقين الذين ترقصهم الشعارات ، أو أولئك الذين يسميهم أمير بالأغبياء المنافقين ! واسميهم أنا بأنصاف المثقفين ! انه يعرفهم ، كونه خبرهم وعاش معهم أكثر مني .. فهو يقول : " هذا  تراث  وفولكلور  ثقافي  قديم  بني  على  النفاق .."  ويتابع : " اجل  كنت مناضلاً  راهباً  . وهذا  يعرفه  الجميع  عني  لكني  أبول  على  هذا  "  المجد "  بل هذا  العار  المخجل "  . انظروا إليه الآن ، وهو يرفض كل ذاك المجد المزيف الذي بني على النفاق .. سجّل مناضلا راهبا متبتلا في محراب الثورة من اجل تحرير فلسطين وقد أتى من العراق .. ولكنه اكتشف هول الفاجعة ، فلم يعد يريد أن يسميه أحد بمناضل ! لقد آمن بجملة من المبادئ التي لم يزل يصفق لها الأغبياء من المهرجين والمنافقين ، ولكنه بال عليها ، وعلى أمجادها التي قادتنا هي الأخرى إلى الهزائم المخجلة ! لقد كشف لنا الزمن بضاعتهم بعد سنوات من دجلهم .. قال لي صاحبي منذ زمن طويل ، وهو يهمس خوف التقاط ما يقول : انظر إليهم وافعالهم في مهرجاناتهم سيئة الصيت التي كانت تحييها الراقصات المبتذلات اللواتي يجلبوهن من هنا وهناك ؟ 
وأخيرا .. ماذا يريد امير ؟
يقول : " نحن بحاجة لتطهير  ذاتي   وتبتّل   شخصي  , لذا  لابد  أن  تكون خطوتنا الأولى هي الاعتذار كثيراً من أمجادنا  وتواريخنا  كما اعتذرت الأمم عن أخطائها . ولكن هذا  يحتاج  لألف عام قادمة ،  لان العرب من الطفل  حتى الزعيم  كلهم  آلهات وبرر ومعصومين  لا يعرفون  الخطأ  " . دعونا نفكّر طويلا بهذا النص ونتأمل ما يطالبنا به فقيدنا أمير .. تطهير ذاتي أولا وتبتّل شخصي ثانيا .. إذن أخلاقية راهب هي البدء ، فالمعرفة لا تبني على وضاعة وانحراف ! ثم الاعتذار ممّن ؟ من ذاك الذي جعلناه فوق رؤوسنا واعتبرناه أمجادا .. ويقايسنا بالأمم الأخرى التي اعتذرت عن أخطائها ! هنا اختلف معه فالأمم الأخرى كانت لها قطيعتها مع الماضي من دون حاجة كي تعتذر ، والقطيعة أهم وأفضل لنا .. فمن يعتذر لمن ؟ ربما كان مصيبا في ألف عام قادمة .. فالأمر ليس هينا كي يكون لنا وجود رائع بترسبات ومخلفات وبقايا شنيعة مع إبقاء المثقفين يحتضرون وهم غرباء يتمزقون ويموتون في عزلتهم عن أوطانهم .. وقد صدق الراحل أمير الذي مضى فالكل زعماء والكل رهبانا والكل أبرارا، والكل أفذاذا ، والكل ملائكة .. ولم نجد من يعترف بذنبه ، ويتراجع عن خطئه ويتقدّم للناس يقول لها : اطلب منكم أن تسامحوني قبل أن اطلب المغفرة من الله ..
نشرت على موقع الدكتور سيار الجميل بتاريخ 2 فبراير / شباط  2009
www.sayyaraljamil.com
( مع النسخة المنشورة على الموقع : ملحق ببعض رسائل المثقف الراحل أمير الدراجي إلى الدكتور سيار الجميل )


20
استحقاقات العراق


أ.د. سيّار الجَميل



 لقد انشغل اغلب العراقيين بالسلطة ، في حين ابتعد الآخرون هاربين ، او محبطين ، او يائسين بائسين من مشهد العراق ، وهو يمر بأقسى حالاته على امتداد خمس سنوات بعد ان عاشوا زمنا مضنيا قاسيا ومرعبا مّرت عليهم اضطهادات ، وملاحقات ، وحروب ، وعوز ، وأهوال ، وحصار  .. وإذا كان المواطنون قد عانوا على امتداد أكثر من ست سنوات من افتقاد الأمن والخدمات  ، فإنما تشغلهم اليوم مشكلاتهم ومستلزمات حياتهم الصعبة ، فان كل القوى السياسية بمختلف أطيافها وألوانها ، اتجاهاتها ونزوعاتها قد غرقت بما يمكن أن تحصله من نفوذ وقوة وسلطة ! إن العراقيين كلهم ، لم يعد يسألون عن استحقاقات العراق ، تلك التي كان لابد لها أن تكون ، والعراق يحاول أن يخرج كالعنقاء من صراعات دموية ، وانسحاقات كبيرة ، دفع ثمنها كثيرا من أبنائه وأهله ، ونهب المزيد من ثرواته وموجوداته .. إن الوطنيين العراقيين ، كقوى سياسية أو حكومية أو حتى معارضة .. إذ شغلتهم أمور أخرى كالسلطة والسيادة والقوة والأمن ، فليس معنى ذلك أنهم يتغاضون عن استحقاقات العراق .. فالمسألة وطنية وليست سياسية ، وهي ليست ابنة الحاضر بل إنها قضية مستقبلية أساسا .. بمعنى أنها تاريخية لها ارتباط قوي بحقوق من سيأتي من بعدنا كي يسألنا نحن أبناء هذا الحاضر : ماذا فعلتم بشأن استحقاقات العراق ؟ وماذا أكسبتم العراق من حقوقه التي ينبغي أن يستحصلها من كل العالم الذي ساهم في سحق العراق وطنا ، وبشرا ، وبنى تحتية وفوقية ، وموجودات ، ونهب ثروات منذ حرب 1991 وانتقالا الى هجمة 1998 ومرورا بحرب 2003 وانتهاء بتداعياتها المستمرة.. ؟؟ علينا أن نسأل عندما سحقت محطات كهرباء العراق .. هل كانت ملكا مسجلا باسم صدام حسين ، ام كانت باسم الشعب العراقي ؟ ولماذا لم تحطّم قصور صدام حسين ، ولكن حطمت المرافق الحيوية ؟ وقس على ذلك
ان الجهل بتواريخ العلاقات الدولية ، يجعل اغلب العراقيين يتخبطون ، ولا يعرفون من أين تمسك خيوط القضية ! ثمة مجنون أرعن سعى بالتوقيع على أي معاهدة كانت مع الامريكيين من دون قيد او شرط ، كونه مقتنع بان امريكا ستبقى الاب الرحيم للعراق ( كذا ) ، وانه سيكسب مصالح إقليمية ، أو فئوية ، أو جزئية على حساب المصالح الوطنية العليا ، وقسم يتخبط بين القبول والرفض ، فهو مشّبع بقيم ومبادئ معينة ولا يريد أن يفّرط بها  ، وقسم أخير يرفض رفضا قاطعا اي اتفاقية مهما كان نوعها مع الأمريكيين كونهم محتلين للبلاد التي دمروها وسمحوا لكل من هّب ودبّ من وراء الحدود ،  أن يعيث فيها فسادا .. ويعترف الأمريكيون بأنهم جاءوا من اجل المصالح المركزية الأمريكية ووسائلهم في ذلك : الخلاص من أسلحة الدمار الشامل ، والقضاء على الإرهاب ، ونشر الديمقراطية في العالم العربي .والعالم كله لا يعرف حتى الآن الأسباب الحقيقية لغزو العراق عام 2003 ..ويجهل ماذا تتضمن الإستراتيجية الأمريكية لخمسين سنة قادمة .. إنني أقول ـ بتواضع شديد ـ كمؤرخ محترف أدرك أن كل الدول المهزومة توقّع على اتفاقيات بعد أن يصار إلى هدنة ..كما أن العالم كله بات يتعامل مع الأمريكيين من خلال اتفاقيات ، ولكن تلك " الاتفاقيات " لا تمس لا بالسيادة ، ولا باستقلالية القرار ، ولا بالمصادر والثروات ، بل ولا علاقة لها بالمصالح العليا لكل بلد .. ولكن العراق اليوم وسط غابة تعج بالمفترسين في الشرق الأوسط ، بحاجة ماسة إلى أن يتفاهم مع الأمريكيين على مبادئ أساسية . أولها إعلان مبادئ وطنية ، تقبل بها الولايات المتحدة وتنص على وحدة العراق وسيادته واستقلاله وقوته والحفاظ على ثرواته .. كما لا يمكن لأي عراقي له قدر من الوطنية ، أن يقبل أية اتفاقات من دون قيام الولايات المتحدة باعمار ما قامت بسحقه في العراق بدءا بالعام 1991 وانتهاء حتى اليوم . على كل العالم إطفاء ديون العراقيين الذين لم يكن لهم أي مسؤولية في صنع القرارات الجائرة سابقا  .. وان نشترط إيقاف ما يسمى بالتعويضات للدول الأخرى التي استنزفت ثروات العراق ، ولم تزل .. وأن تقف الولايات المتحدة مع العراق في مقاضاة دول نالت من حقوق العراقيين وأموالهم وطائراتهم وثرواتهم والعبث بكيانهم الاجتماعي بقتل أساتذتهم وعلمائهم وطياريهم .. وان نطالب الولايات المتحدة بتعويض العراق لكل ما قامت بسحقه من طائرات وأدوات حرب ودبابات ومجنزرات وسيارات .. إن العراق ينبغي أن يطالب بكل مفقوداته النفطية على امتداد زمن طويل ، وان يطالب بالتعويضات عن شعب برئ حوصر ظلما وعدوانا لسنوات طوال ، والكل يدرك بأنه لم يكن مسؤولا ، أو مشاركا في الحكم عهد ذاك.. على العراقيين أن يكونوا أكثر جرأة وشجاعة بالمطالبة بحقوقهم الوطنية .. فهل هم مستعدون لذلك ؟ هل هناك إرادة وطنية واحدة كي نطالب باستحقاقاتنا تضمن مستقبل كل من دولتنا ومجتمعنا ضمن مشروع وطني جديد .. أم أن العكس هو الحاصل اليوم ؟ كيف تريدني قبول الأمر الواقع وقد جعلوا حالتنا  العراقية تختلف عن حالة اليابان وألمانيا بعيد الحرب العالمية الثانية ؟ إذا ضمنت الولايات المتحدة لي حقوقي الوطنية في مشروع حضاري متقدم أسوة بالأمم المغلوبة المنطلقة بعيد الحرب العالمية الثانية ، فان كل عراقي سينام مرتاحا ، وقد أمّن على ماله وعرضه ومستقبل أولاده . ولكن عندما يجد نفسه مخنوقا وضمن اتفاقات لا تؤمن مستقبل وطنه وأمنه وأعماره ، فسوف يرفض ، وسيفتح أبواب الجحيم حتى ولو بعد حين .. إنني أقدم ندائي لكل العراقيين قادة ومسؤولين ونخبا ومواطنين .. فهل من مجيب ؟ .

الصباح ، 27 فبراير / شباط 2009
وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com



21
العرب بعد خمسين سنة !!

أ.د. سيّار الجَميل

العرب كلهم لم يفكروا حتى يومنا هذا بمستقبلهم ، ليس لأنهم منظومة مفككة .. بل لأن مشكلاتهم الداخلية والخارجية اكبر من قدرتهم على أن يفكروا ! وإذا يتأمل المرء في ذلك طويلا ، يجد أن هذا بدوره سببا واهيا ، كونهم منذ أن أسسوا منظمة تجمعهم اسمها جامعة الدول العربية ، فهم لم يفكروا أبدا  بما يمكن أن يحصل لو نضب النفط من أرضهم المجدبة !! كما لم يفكروا بأية بدائل حقيقية يمكنها إنقاذ ما يمكن إنقاذه  ، خصوصا وان ثورة ديمغرافية هائلة يعيشونها منذ سنوات ، وان معدلات النمو السكانية تتفوق على ما يمكن أن يسد الرمق اليوم ، فماذا سيحصل بعد خمسين سنة من اليوم ؟ إن قدراتهم معطلة تماما عن الإنتاج والتنمية وصناعة الثروة ! ان بلدانهم الفقيرة تزداد انسحاقا ، وبلدانهم النفطية تزداد تبديدا لثرواتها .. العرب كلهم يستهلكون أكثر بكثير جدا مما ينتجون. إنهم لم ينجحوا أبدا في بناء بدائل حقيقية لهم لما سيواجهونه بعد خمسين سنة ! من المؤلم حقا ، أن حروبهم كلها إما فاشلة وأما عبثية ، وقد احرقوا عليها المليارات مع ازدياد إسرائيل قوة ووجودا ! إن الأرض العربية مجدبة لم تشهد أي بقعة ثورة زراعية حقيقية ، يمكنها أن تكون سلة غذاء مقارنة بما حصل في كل من تركيا وإسرائيل مثلا .. كذلك ، فشلت  تجارب صناعية عربية عدة كانت قد بدأت منذ خمسين سنة ، قياسا لما جرى في بلدان مماثلة كالصين والبرازيل وماليزيا وكوريا .. إن تجارب صناعية فاشلة  في كل من مصر والعراق والجزائر .. والتي صرفت عليها الملايين لم تعد اليوم إلا حطاما . لم ينجح العرب ببناء  مشروعات إستراتيجية كبرى في الاستثمارات الداخلية لأسباب معلنة أو مجهولة .. لم نجد أي قاعدة استثمار عربية داخلية ناجحة .. أما الاستثمارات الخارجية ، فلا يمكن الاعتماد عليها أبدا في عصر تقلبات العولمة المريرة.. فضلا عن الإخفاقات التي لازمت الصناعة السياحية في بلدان مثل تونس ولبنان والمغرب ومصر لأسباب أمنية وسياسية ، مقارنة بما هو حاصل اليوم في اسبانيا وتركيا وماليزيا مثلا ..  إن الأخطار التي تهدد البلدان العربية اكبر بكثير من الأخطار التي ستهدد البلدان الإقليمية، ذلك أن ثمة بعض الاكتفاء الذاتي في مرافق عدة تعيشها تلك البلدان ، ولكن البلدان العربية اليوم ستتعّرض للدمار حالا ، كونها تفتقد لبنى الإنتاج الحقيقية .. وان أسواقها المالية ستتعرض للانسحاق فجأة، كما تدل على ذلك تأثيرات الأحداث العالمية .. كما ستتعرض البلدان التي تعتمد على البترول في صناعة الطاقة إلى كارثة بشعة ، خصوصا إذا تأملنا انعدام الكهرباء والماء وكل الأساسيات الأخرى .. إننا حتى لو افترضنا بأن ثمة مصادر بديلة للطاقة ستتواجد في العالم ، فإنها ستكون غالية الأثمان جدا مع انعدام وجود أي مصادر أخرى للثروة في المنطقة العربية !
ثمة ضرورة لإعادة ترتيب الأولويات اليوم سواء بالنسبة للدول المنتجة للنفط  ، أو في مجتمعاتنا العربية قاطبة ، نظرا لما تحتاجه من مستلزمات لخمسين سنة .. إن الفكر العربي مطالب أن يجيب على جملة أسئلة خطيرة ، لابد أن ينظر أليها بجدية كبيرة .. إنني انعي وجود عشرات المنظمات العربية والإسلامية ، وعدد لا يحصى من مراكز بحوث إستراتيجية عربية ، ناهيكم عن مؤسسات ومعاهد وجامعات .. كلها لم تطرح أية أسئلة خطيرة على بساط البحث ومحاولة إيجاد أجوبة حقيقية تلزم صنّاع القرار باتخاذ إجراءات عملية بدلا من صرف المليارات على الإعلاميات التافهة ، وعلى المشروعات الفاشلة ، والمهرجانات الفارغة .. إن ما يسمى بمشروعات إستراتيجية في عدد من دولنا هي مجرد دعايات ، فنحن لم نمتلك أية استراتيجيات حتى يومنا هذا ، لا وطنية ، ولا قومية ( باستثناء تجارب محلية نادرة ) ، وان الشغل الشاغل للحكومات هو الأمن الداخلي والإقليمي .. إنني لا اعترض على وجود أساطيل إعلامية ودعائية وبوليسية .. ولكن مجتمعاتنا بحاجة إلى البقاء والى الحياة قبل أن تواجهها التحديات فجأة وهي عاجزة  ومشلولة عن أداء وظائفها العامة .
لقد مضى نصف قرن من الزمن الصعب مع إيرادات نفطية عربية خيالية لم توظف توظيفا عقلانيا من اجل مصالح مجتمعاتنا العليا .. وعلى امتداد الزمن نفسه ، عانت مجتمعاتنا من حلاقة بشرية قسرية ، ونزيف للعقول العربية ، إذ هاجرت الآلاف المؤلفة من العقول وأبناء النخب المختصة والعلماء والمثقفين إلى الغرب بالذات من دون أي إحساس بالخذلان والأسى والذنب .. رحلت أفضل الكفاءات البشرية ، بعد أن انتظرتها مجتمعاتنا كي تخدمها . إن معظم دولنا وحكوماتنا لم يتملكها أي إحساس ببناء المستقبل بناء حقيقيا من اجل مواجهة الأخطار القادمة .. بعض مجتمعاتنا خدعتها الشعارات الماكرة والمزيفة ، بعد ظاهرة الانقلابات العسكرية المتوالية وممارسة التجارب الاشتراكية الفاشلة . فإذا كان وضع الدول والأنظمة السياسية بهذه الصورة، فماذا نتأمّل أن تكون عليه شعوبنا التي تفكر بالأمان والخدمات ووسائل العيش قبل أن تفكر بالمستقبل وبمصير أحفادها القادمين ؟؟
إن العرب بعد خمسين سنة من اليوم ، لا يمكنهم أن يكون لهم وجود حضاري ، إن لم يبدأوا التغيير الجذري لكل أساليبهم منذ اليوم ، وان يعملوا على تنمية تفكيرهم بدءا بالزعماء وصناع القرارات وانتهاء بالمواطنين العاديين .. عليهم أن يضعوا العام 2050 هدفا لهم للوصول إليه ..  عليهم أن يستثمروا كل ما لهم وما عليهم ، وان يتعلموا من تجارب الآخرين كيف تكون مسيرتهم الحضارية  . فهل بلغ ندائي هذا كل العرب ؟ اللهم اشهد .

البيان الإماراتية ، 24 فبراير / شباط 2009
وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com



22
المنبر الحر / الكتابة العصّية !
« في: 18:10 23/02/2009  »
الكتابة العصّية !


أ.د. سيّار الجميل
المعاني الأولى :
كنت استمع القول ، أيام الصبا ، لاستحسنه وأفكّر فيه ، وقد سمعت وأنا ابن عشر سنوات عبارة تقول " أن الأسلوب هو الرجل " ! فكرت مع نفسي متأملا ، وسألتها : طيب ، لماذا هذا الوصف ؟ ولماذا الرجل وليس المرأة ؟ عندما كبرت ، وجدت بأن لا احد يعير مثل هذه الفكرة الفرنسية أي أهمية ، ولم أقع على من يقنعني بذلك .. ولكنني اكتشفت أشياء كثيرة في كتاب " المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"  لابن الأثير ، وتصانيفه للكتابة ، وبدأت أميز منذ بداياتي الأولى بين الأساليب الكتابية .. وكلما مضى الزمن ، أتعلّم شيئا جديدا ، ثم بدأت اقرأ بالانكليزية ، فوجدت كم نحن بحاجة إلى تجديد الكتابة العربية والتخلص من اطناباتها وانشائياتها الفضفاضة . إن العربية من أجمل اللغات التي تمتلك جماليات واسعة، وكل كلمة عربية لها تأثير (هرموني) معين ، ولون مختلف ، وطعم مختلف  . هنا ، لا أريد أن اكتب عن أصناف الكتابة وألوانها ، ولكنني وددت أن أقدم رؤية فلسفية عن الكتابة العربية العصية الحديثة ، خصوصا ، وان الكتابة العربية ـ بشكل عام ـ ، تبدو أنها في طريقها إلى الابتذال من خلال وسائل الاتصالات والإعلاميات المعاصرة ، وبأيدي أناس غزوا ميادينها من دون أن يتسلحوا بأدواتها أولا ، وأنهم لا يفقهون فلسفة الكتابة ثانيا ، ولا يمتلكون فن الكتابة ثالثا ، فهم من فاقدي الموهبة والسليقة ، ناهيكم عن ضبابية الرؤية لديهم كونهم يكتبون ولا يقرؤون رابعا . وأخيرا ، فهم ليس باستطاعتهم أبدا الوصول إلى مرتبة الاحتراف  .. ومما أساء إلى الكتابة الحقيقية وأصحابها ، هم المتلقون ( ولا أقول القراء جميعا ) أنفسهم ، فكثيرا ما تسمع أحكاما تطلق من هذا المتلقي ، أو ذاك المتلهف ، أو هذه المتطفلة  وكأن الكتّاب ـ في عرفهم ـ كلهم صنف واحد في سلة واحدة .. وتبقى هناك نخب المهتمين والدارسين والقراء الحقيقيين ، ممن يميزون بين هذا الكاتب أو ذاك .. وبالنتيجة ، سيبقى الأذكياء والمحترفون والكتاب الحقيقيون هم الباقون .
نقد مسؤول :
كثيرا ما تصلني رسائل من مثقفين وكتّاب لأسباب شتى ، وأدرك كم هي حاجة المثقفين والكتّاب إلى أن يفهم احدهم الآخر ، أي بمعنى : أن يفهم احدهم نتاج الآخر وقلمه ، وان يكونوا حضاريين ومتواضعين في معاملاتهم وأخذهم وعطائهم واحترام كل المبدعين حسب مراحلهم  الزمنية ، والقدرة والكفاءة والاحتراف .. أي لابد أن تتأسس جسور بين الأستذة والتلمذة ، كالتي كانت قبل مائة سنة وأكثر من الأجيال .. اليوم تتنافر العلاقات ، وتنعكس مؤثرة على تقييم الإبداعات والأساليب.. ربما لأسباب سايكلوجية أساسا بحيث يرى احدهم نفسه اكبر من الآخرين ، وهو لا يمتلك قدراتهم نفسها ، فضلا عن  أسباب سياسية وفكرية وأيديولوجية أجهضت النقد الأدبي الذي نفتقد اليوم منجزاته وإبداعاته ، وبعد تاريخ رائع من انبثاقه ، وجذوره التي عرفها تراثنا العربي قبل أكثر من ألف سنة !
كتب لي احد الأصدقاء الشعراء بعد أن أثنى على جهدي الفكري ـ كما وصفه ـ .. ولكنه رأى أنني قد ذهبت بعيدا في مبالغة مديح احد المثقفين الراحلين .. ويقول بأنه يفهم جيدا حرصي الجاد على وضع مبدعي العراق ومنتجي الثقافة العراقية في دائرة الضوء والاهتمام والعناية . لكن ذلك لا يبرر مديح تلك الكتابات ، فصاحبها يفكر ، هذا صحيح ، ولكن كتاباته أدنى مستوىً بكثير من تفكيره ( ويقصد به الكاتب الراحل أمير الدراجي ) ، وأضاف قائلا : أنه لو كان يقدّر أفكاره حقاً لتنازل عن طلاسمه ، وسعى إلى إيصال هذه الأفكار إلى أعرض مساحة من القراء ليفهموا ما يريد قوله ، لا أن يحشر نفسه في زاوية ضيقة . ويتابع قوله : أوَلا ترى يا صديقي الجميل أنك ذهبت بعيداً في المبالغة بقولك عن صاحبنا الراحل : انه ( غير مستعد أن ينزل من مستواه إلى الأدنى ، فكيف به يتدانى إلى الحضيض ليكتب كتابة إنشائية بلهاء .. ) ؟ ، ثم تذهب أبعد في مبالغتك حين تقول : ( كان كاتباً ناضجاً في عالم من المبتدئين الذين لا يفقهون قوة الكلمة لا عند الأولين و لا قرب الآخرين ) .... ما هذا التعالي غير المبرر و غير المفهوم ؟ أهكذا يـُفهم التميز عن الآخرين ؟ فالآخرون لديهم وعيهم الذي لا يقبلون الاستهانة به عن طريق هذا ( النمط ) من ( الكتابة ) .. الآخرون يسعون إلى التواصل وتلاقح الأفكار ( عبر مختلف ميادين الإبداع و الإنتاج الثقافي ) وصولاً إلى صياغة وعي متجدد و متقدم في المجتمع بهدف خدمة البشرية في نهاية الأمر . والاّ لماذا تقرأ أنت و تكتب و تبذل كل هذا الجهد الفكري و الثقافي ( مثلاً ) ؟ لماذا لم تلجأ أنت ، أيضاً ، إلى الكتابة ( العصية ) ؟ . الكتابة العصية هذه ليست امتيازاً ولا تشرف كاتبها ، إنها تعزله ، في حين يغرق هو في وهمه ، ويوهم الآخرين ، بأنه كاتب من الطراز الذي لا يـُدانى  ( انتهى ) .
إشكالية الكتابة العصّية :
ربما اتفق تماما مع هذا القول الحسن ، ولكن دعونا نفكّر بأسلوب آخر :علينا أن نفرق بين أنواع الكتابات : عادية ، سطحية ، إنشائية ، فكرية ، رومانسية .. الخ  وسواء كانت رفيعة وراقية ، فهي إما تكون سهلة ممتنعة ، أو غنية دسمة ومختزلة ، أو صعبة وعصية عن الفهم .. وليس مطلوبا مّن أي كاتب محترف أن يتنازل عن الأسلوب الذي اختاره لنفسه ، ويجده هو الأنسب لملكاته وقدراته .. إن مشكلة الكتابة العصية التي يختلف عليها العديد من النقاد هي مشكلة كاتب يبدع فيها ، أو مشكلة متلق لها ، أو قارئ نصوصها ؟ إن تجارب عديدة ، علمتني أن الكتابة عند المحترفين تتنوع بتنوع أساليبهم ، مما يجعل أي ناقد ذكي التمييز بين الكتابات ،  منذ قراءته الأسطر الأولى ، فما أن يقرأ سطرا ، أو فقرة معينة ، حتى يدرك أنها لفلان أو تلك لعلان ! وإذا كان البعض ينفي قبول الكتابات العصية كونه لا يفهمها ، فليس من حقه أبدا أن يجعل صاحبها ، سوى كونه كاتبا موهوما ، يزعم انه لا يريد النزول إلى مستوى المبتدئين أو السطحيين  ، إذ ليس من المعقول البتة أن العصي يكتب كتابته بعيدا عن أي عمق ثقافي .. إن المجتمع الثقافي ليس متجانسا بالضرورة ، انه يحتوي على أنواع عدة من القراء والمتلقين ، ومن المتقدمين والمبتدئين . صحيح أن صاحبي يقول معاتبا بأن المبتدئين في حقيقتهم متلقون ومنتجو ثقافة محترفون غير معنيين ولا يقبلون أن يكونوا ميدان اختبار لكاتب ٍ ( عصي ) على الفهم .. كاتب ٍ هو ، في الحقيقة ، عصيٍ على فهم نفسه . فالآخرون ـ هؤلاء ـ قد يجدون صعوبة في فهم ما يكتبه ، ولكنهم يكتشفون بسهولة ( طبيعة ) هذا الكاتب ( العصي ) الذي سيكون ، في النهاية ، هو الخاسر الوحيد بسبب وهم التعالي عليهم تحت عنوان : عصي .
ندرة الكّتاب العصاة :
إنني لست معهم ولست منهم ، ولكنني أرى بأن قلة جدا هم الكتّاب العصاة ، بل وأنهم من النادرين ، أولئك الذين يلتزمون صنف الكتابة العصيّة  ، وينبغي الاعتراف أنهم من أقوى المثقفين ! نعم ،  قليلون هم الذين يقفون في أبراجهم العاجية ، ويريدون من الناس أن تصعد إليهم متمثلين دوما قول الشاعر أبو تمام الطائي مجيبا سائله : لماذا تقول ما لا يفهم ؟ فأجابه : ولماذا لا تفهم ما يقال !.. قلت مرة للكاتب التونسي الراحل محمود المسعدي عندما التقيت به مرة واحدة بتونس قبل أكثر من عشرين سنة في تونس ، وكنت قد قرأت بعض نصوصه العصّية في " السد " أو في " حدث أبو هريرة قال .. " : ما الذي يجعل بعض نصوصك طلاسما عصية على الفهم ، وعندي أن الأدب الحقيقي ينبغي إدراكه من كل المجتمع ..  أجابني :  هذه هي قدرتي وإمكانيتي ولا استطيع التخلي عن ذلك .. واستطرد قائلا : من أصعب الأشياء عندي أن أخاطب الناس العاديين خطابا عاديا .. إنني تعودت العصيان ! فشكرته فليس لي ما أقول ! ويقرأ  ادونيس بعض قصائده ، وأحاول جاهدا فك الألغاز التي يريدها .. ثم اخرج بنتيجة مفادها ، انه هو نفسه ، لا يدرك ما الذي يريده ، ولكنه أسلوب عصي يجعلك تفكر .. هذه الحالة قديمة في الأدب العربي ، ونجدها عند البعض من المثقفين الأقوياء جدا ، ولكنهم يسكنون أبراجهم ولا يريدون التخلي عنها .. اتهم ملتزمون  ولكنهم غير متفاعلين أبدا .. وعندما اقصد أنهم في الأعالي ، فليس معنى ذلك أن كل المثقفين الآخرين في الحضيض ( كذا ) ، ولكن ثقافتنا غدت مليئة بالمبتدئين والسطحيين الذين لا يريدون أن يطوروا أنفسهم أبدا .. إنني أسأل : كم الساحة مليئة بكّتاب وأشباه مثقفين ، وهم لا يفرقون بين الظاء والضاد ؟ كم منهم لا يدركون معنى الكتابة والإملاء والقراءة والرؤية ؟ كم من المئات الذين يتوزعون في سوق الثقافة وهم أغراب عنها تماما .. ربما يحاسبني البعض أنني اهتم بالمثقفين الملتزمين وحتى من ذوي الكتابات العصّية ، وأنا لست بكاتب عصّي ، ولكن لا يستطيع أحد محاسبتي على ما أجده ويجده غيري من كّتاب درجة هابطة يريدون أن يكونوا في الصفوف الأمامية بكل الوسائل .. كّتاب ليس مهمتهم إلا أن يكتبوا ( أو بالأحرى يضربون على الكي بورد ) وهم لا يعرفون كيف يمسكون القلم ، إنني عنيت مجاميع هذه المخلوقات التي لا تقرأ حتى كتابات عادية ، فكيف لها  أن تستوعب كتابة عصيّة ؟  وليس من مهمتنا أبدا أن نعلم هؤلاء ألف باء القراءة ، فكيف بالكتابة ؟ هذا ليس سرا ، بل حقيقة مفضوحة .. وربما هذه لم تكن مشكلة كتاب عصاة ، بل واحدة من مشكلات ثقافتنا العربية ..
الحصيلة .. الامنيات
إنني أهيب بنخب رائعة من القراء والكتاب العرب اليوم ، وأتمنى أن يتربى جيل جديد على التفاعل بين ثقافته العليا ومجتمعه .. إنني من خلال تجربتي الخاصة ، وجدت إن كتبت كتابا منهجيا للطلاب الجامعيين المبتدئين ، هو أصعب عندي بكثير من كتابة فكرية ، أو فلسفية اخصصها للنخبة .. وان عملية التنازل صعبة جدا على كتّاب محترفين يجدون أنفسهم مع السوريالية ، فهل باستطاعة أحد ازاحة بيكاسو او سلفادور دالي عن تجربتيهما ؟ أتمنى أكون قد أوضحت فلسفتي حول الكتابات العصية  .. متمنيا أن يتبلور جيل جديد في الثلاثين سنة القادمة .. يطّور قدراته ، وينمّي تفكيره ، ويجدد أساليبه من اجل إثراء الثقافة العربية في المستقبل .

تنشر على موقع الدكتور سيار الجميل بتاريخ 23 فبراير / شباط 2009
www.sayyaraljamil.com


23
خارطة تحالفات أم برامج عمل ؟؟


أ.د. سيّار الجميل

بدأت في العراق ، خطوات حثيثة من قبل قوى حزبية وسياسية ببدء تحالفات سياسية جديدة ، استعدادا للمرحلة المتبقية من عام 2009 لخوض الانتخابات العامة . ويبدو واضحا جدا ، أن تجربة التحالفات السابقة التي أخرجت سيناريوهات الانتخابات السابقة يمكنها أن تعود ، ولكن بثياب أخرى غير تلك الثياب المهلهلة التي لبسها بعض المتقدمين في الصفوف الأمامية .. ولقد اختلطت الآن الأوراق ، وستبقى مختلطة ، حتى تبلور التحالفات على نحو يمكّن القوى السياسية من استعادة الثقة بنفسها أولا بعد أن دّلت مؤشرات الانتخابات المحلية لمجالس المحافظات ، أن المجتمع العراقي لم يعد يثق بالأحزاب الدينية المنبثقة على أسس طائفية ، ثقة عمياء كما حدث في الانتخابات السابقة ، وان كل المحافظات ، أعلنت صراحة عن إرادتها في أن تكون الأولوية للجماهير ، بدل أن تكون للقوى التي لا تبحث إلا عن مصالحها وخصوصياتها ، بعيدا عن أي مصالح مدنية عليا للعراق .
ثمة قوى سياسية اليوم في العراق تكثّف تحالفاتها مع خصوم الأمس في الإعداد لتشكيل مجالس المحافظات .. ومن غريب الصدف ، أننا سنجد السيد مقتدى الصدر ، وهو زعيم تيار سياسي كبير ، يكشف أمام المسؤولين الذين شاركوا في الانتخابات كمستقلين ، أن هناك اتفاق أولي على تحالف مع ائتلاف دولة القانون الذي يرأسه السيد نوري المالكي رئيس الوزراء نفسه . ولم تعلن أية نتائج حتى الآن ، ولكن ما يقوم به كل طرف من أطراف المعادلة القديمة ، يؤكد بما لا يقبل مجالا للشك ، أن الجميع يسعون نحو خارطة جديدة من التحالفات السياسية التي لا يعرف إلى حد الآن كم هو حجم قوتها ، سواء في مصداقيتها ، أو في مخادعتها بالتأثير على المجتمع إبان المرحلة القادمة ..
في تطور مفاجئ ، رئيس الوزراء السابق الدكتور أياد علاوي ، زار مرجعية النجف العليا ممثلة بآية الله السيد علي السيستاني في مدينة النجف للمرة الأولى منذ عام 2003 ، وأعلن بأنه قد يتحالف مع رئيس المجلس الأعلى السيد عبد العزيز الحكيم. وان ممّثل العلمانية في العراق ، لا يستبعد أي تحالف مع قائمة شهيد المحراب المحلية مشيرا إلى أن المحادثات مع المجلس الأعلى ، إنما تعقد وفقا لمعايير واضحة ومشتركة ! إننا لسنا ضد أية تحالفات قوى سياسية من اجل إنتاج خارطة مصالح جديدة ، ولكننا نطالب تلك القوى ببرامج عمل يمكنها إقناع العراقيين عمّا يمكن عمله في المرحلة القادمة .. وهل تلك القوى مستعدة للتغيير الجذري والتعديل الدستوري والاعتراف بالأخطاء الجسيمة التي ارتكبت ؟
ويبدو أن زعماء العراق اكتشفوا الآن فجأة ، وعلى أعقاب مرحلة تاريخية صعبة ، أن بناء العراق لا يتم إلا على أيدي العراقيين أنفسهم ، وان قرار العراق لا يمكنه ، أن يصنع في واشنطن ، أو الرياض ، أو طهران ، بل في بغداد وليس غير بغداد !!  في المقابل ، قال مسؤول كبير في المجلس الأعلى ، مؤكدا بأن لا خطوط حمراء تلزم المجلس أن يتحالف مع أي طرف من الأطراف ، ونفى ما يتردد عن تحالف بين المجلس الأعلى والقائمة العراقية ، ومع ذلك ، فإنه أكد أن العلاقة بين هذين الطرفين ليست جديدة. وفي السياق نفسه ، قال نائب عن جبهة التوافق والحزب الإسلامي أن البرامج الانتخابية للكيانات هي سياسية مشابهة تقريبا مشيرا إلى أن التجارب السابقة للانتخابات في المحافظات ، والصورة النهائية لهذه المرحلة من الانتخابات ستشكل خارطة التحالفات المقبلة ، وهكذا ، فإنه في وقت مبكر للحزب للدخول في تحالفات جديدة ، وستنحسر التسميات القديمة مثل : ائتلاف شيعي ، توافق سني ( مع بقاء التحالف الكردي ).. ، إذ سنشهد ولادة تسميات جديدة لتحالفات تتضمنها قوى ليست جديدة على الساحة ، ولكنها متغيرة الأثواب . وهل ستنبثق قوى سياسية عراقية جديدة على الساحة ؟
إن المجتمع العراقي من الذكاء بمكان ، إذ يدرك أن تغيير الثياب ، لا يشكل لديه ضرورة ، ولا أي أهمية ، بقدر ما يهمّه التغيير الجذري من حكم يتمسّح بالدين أو بالطائفة أو بالقومية إلى حكم يرسّخ الروح الوطنية والمبادئ الدستورية المدنية ، ويتطلع أيضا إلى تغيير المناهج والأساليب والنظم والتفكير .. تغيير في فلسفة الرؤية نحو من أشلاء المكونات إلى مشروعية العراق ، ومن المحاصصة والتشتت إلى وحدة العراقيين .. وعليه ، إذا كانت الأحزاب الدينية في العراق ، شيعية أم سنيّة قد وجدت نفسها مرمية بعيدا من قبل الناخبين العراقيين ، وهي صغيرة ، وليست كما ترى نفسها كبيرة ومنفوخة ، فمن الأجدى أن تفسح المجال للحياة المدنية وسيادة القانون كي يسودا في العراق ، من دون أن تحاول تغيير مسمياتها ، أو بالأحرى جلودها ، أو تبحث لها عن حلفاء علمانيين جدد ..
أما بالنسبة للتقارير التي تصلنا دوما عن اتصالات لا تنقطع ليل نهار لتشكيل تحالفات جديدة ، فإنما تمثّل ردود فعل ساخنة جدا من قبل الجميع ، كّل للحفاظ على مصالحه التي بدأها منذ سنوات .. ولكن مهما أظهرت التحالفات الجديدة ، فهي لا تنفع أبدا إزاء ما سيقرره شعب العراق في نهاية العام 2009 .. إن ما يهم شعب العراق أصلا ، كل من يسعى إلى الحفاظ على أمنه ، وترسيخ القانون ، والتجرد من المصالح الخاصة ، وإيقاف النهب المنظم ، ومحاسبة كل من أساء وهو في طور المسؤولية .. يهمهم مسؤولين حكوميين مخلصين ومتجردّين ، لا زعماء سياسيين متناحرين أو متحالفين .. يهمهم من يقدم المزيد من الخدمات .. ويهمهم كل من يزرع في القلوب العراقية جمعاء المحبة، وروح التعايش ، والألفة بدل تسويق الكراهية والأحقاد وعوامل الانقسام .. ويهمهم كل من يسعى لوحدة العراق لا إلى تقسيمه على أساس عرقي، أو شرذمته على نحو طائفي.. ويهمهم كل من يؤمن باستعادة العراق حريته وكرامته ويسعى ليلا ونهارا إلى إعادة بنائه وأعماره ..
وأخيرا، يهمهم كل من لا يبحث عن سلطة ، أو زعامة ، أو جاه ، أو مركز ، أو مال  .. وكما قال احد العراقيين:  "إذا كان هناك نية لإصلاح السياسات ، وتعديل الدستور ، ووضع النظم والضوابط الجديدة التي ليست عرقية ، أو طائفية ، أو حزبية ، وتشمل جميع القوى السياسية... فسيكون الشعب العراقي مع هذه الفكرة" . ولكن السؤال: هل هناك من يسمع كثيرا ويوّسع رؤيته طويلا ؟ هل سنشهد ثمة برامج عمل حقيقية تعترف بالأخطاء بكل شجاعة ، وتقّدم للشعب العراقي ما يمكن تشريعه وتنفيذه ؟

نشرت في إيلاف  20 شباط / فبراير 2009 ، واعيد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

ملاحظة مهمة: في حالة إعادة النشر، يرجى ذكر مصدر النشر.. مع التقدير.



24


أين صارت مبادرات الإصلاح؟

أ.د. سيّار الجميل
بالرغم من موجات التصفيق والتهريج التي رافقت إعلان مبادرات الإصلاح عند العرب خلال السنوات الخمس المنصرمة، إلا أنها كانت مجرد شعارات خاوية، لا أساس لها من المصداقية أبدا، وكان الناس يأملون بإحداث التغييرات الحقيقية في كل مجالات حياتنا العربية، سياسيا ودستوريا، واجتماعيا، واقتصاديا، وتربويا..
إن مبادرات الإصلاح التي تعهّد بإجرائها بعض الزعماء العرب، لم يتحقق منها أي شيء، ويا للأسف الشديد! ولم يزل الصمت يلف الإعلام العربي بانتماءاته المتباينة، والذي جعلوه ينشغل بتوافه الأمور، وملاحقة الأحداث التراجيدية التي ما أن تنتهي من مكان حتى تظهر في مكان آخر..ولم تزل الجماهير في مجتمعاتنا العربية تعيش احتقانات ومشكلات لا أول لها ولا آخر.. ولعل ما يؤلم جدا، إن إطلاق المبادرات للإصلاح، لم يكن لوجه الله، ولا استجابة لتحديات داخلية عربية قاسية، بقدر ما أطلقت لإرضاء هذا الطرف الدولي أو ذاك، علماً بأن الأوضاع السياسية والاجتماعية تزداد بؤسا، بل وان مجتمعات معينة تزداد ضراوة التخلف فيها، وهي برفقة الدولة، تقع أسيرة قوى منغلقة تسعى لإغلاق الحياة بأي صورة من الصور!
وعليه أتساءل: هل نجد اليوم أي تنفيذ لمبادئ جديدة في التحديث والإصلاح؟ هل سمح المجال لتغيير الأساليب المتبعة؟ هل ثمة متابعة لما اقرّ من مبادرات؟ وهل ثمة إجراءات عملية تسعى من أجل إيقاف تدهور ما لنا من تمدن، وتحدّ من تناقضات التفكير، وتقضي على العادات السقيمة؟ إن دولنا ومجتمعاتنا معا، بحاجة ماسة إلى ثورة فكرية، وأسس دستورية، وحداثة تربوية، ونهضة ثقافية، ومناهج مدنية.. تغير العقول الحاكمة والمحكومة، وتنبع من قلب حركة المجتمع، ومن مراجعة الذات ونقدها، وإعادة النظر في مفاهيمها وطموحاتها في ضوء التحديات التي تواجهها عند مفتتح القرن الواحد والعشرين.
ولعلنا قد أشرنا بهذا مرارا وتكرارا، وخصوصا إلى ضرورة إجراء إصلاحات جذرية في المنظومة الثلاثية التي تشكل العقل، وتصنع الوجدان وتصوغ الأفكار، وتبلور مواقف الأجيال الجديدة التي ستتسلم مقاليد الحياة من بعدنا.. ونعني منظومة التعليم والثقافة والإعلام، تلك التي تعاني اليوم من قصور واضح، وتخلف فاضح في ظل هيمنة دول وقوى سلطوية سياسية واجتماعية واحتكارها سياساتها الأحادية التي لا تعيش إلا في مجال التخلف والانغلاق.
لقد نادينا أسوة بغيرنا، بإجراء التغييرات منذ سنوات خلت، وقبل أن تصدر وثيقة الإسكندرية بأربع سنوات! وقلنا بان التغيير لا يرنو إلى تقديم وصفات علاجية مؤقتة عاجلة، سرعان ما تتبخر فاعليتها، بل يعمل على إصلاح منظومة مركبة ومعقّدة، وهو بحاجة إلى زمن طويل وجهد كبير. ولا ينبغي أن يبقى المشروع الإصلاحي ينتظر أو يتلكأ، كما حدث في الماضي بحجة التلاؤم وعدم التعجل حتى يحدث التطور الطبيعي.. فلقد أضاع العرب قرنا كاملا في الانتظار والتسويف، بينما كل العالم يتقّدم بسرعة مذهلة أمام أعيننا ونحن أسرى التناقضات العقيمة وهي ذرائع مصطنعة وحجج مختلفة.
لقد تأجلت خطط التنمية العربية الشاملة بحجة مقاومة الاستعمار، واستبعدنا إجراء التغييرات بحجة تكريس الجهد لتحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، ورفضنا مطالب شعوبنا بالتطوير والتحديث وإطلاق الحريات.. بحجة أن شعوبنا قاصرة جاهلة إن حصلت على الحريات، انفلتت إلى الفوضى وغرقت في الكوارث وانطمست في الصراعات! لقد تبلورت النتيجة الرهيبة التي تدق اليوم أسافينها في مراكبنا العتيقة. وقد صحونا على بدايات قرن جديد لنكتشف أننا لم نحرر فلسطين، ولم نتحرر من القوى الخارجية التي تمارس هيمنتها علينا بكل ثقلها وبشتى الوسائل، وفي الوقت نفسه لم نحقق تنمية حقيقية تقاوم الفقر والبطالة والتخلف، بل ولم تكن ثرواتنا وسائل إنتاج حقيقية على أرضنا، فاهتزت اقتصادياتنا اهتزازا عنيفا. ولم نطبق ديمقراطية سليمة تقاوم الفساد والاستبداد، فإذا بكل ذلك يستدعي تدخلات، وفرض وصايا، ونهب ثروات وإشعال حروب! إن على المجتمعات الخروج من خنادقها المظلمة التي أبعدتها عن الوعي بالحاضر، والتفكير بالمصير، والاستفادة من تجارب مجتمعات أخرى انطلقت نحو الآفاق الجديدة.
وعليه، يمكننا القول بأن ليس من صالح دولنا ومجتمعاتنا معا، البقاء أسرى الحالات الكسيحة والاستسلام للمقادير، والعجز عن الأداء.. فهناك من يؤكد بأن القطار قد فات العرب، أي قطار الإصلاح، وكم قلنا إن مبادرات الإصلاح لا تنطلق شعاراتها من مؤتمرات قمة، بل تبدأ عملياتها مع الناس على الأرض. إن الإصلاح، لا يمكن أن يحققه إلا متخصصون معرفيون مدنيون، وهي نقطة مهمة جدا، فالإصلاح هويته مدنية وليست دينية، يعمل بأيدي علمائه، وفكر عقلائه من أبناء المجتمع المدني وبوسائل سلمية. وهو محاولة جادة لوضع إجابات صعبة للأسئلة الأصعب.
وبالرغم من أهمية وجدية أسس الإصلاح وركائز التغيير، إلا أن ثمرتها كلها لا يمكن التمتع بها، من دون أن يفّعلها ويصدر قراراتها أصحابها، وخصوصا الزعماء العرب، كونها تبقى مرتهنة بجدية تنفيذها ومدى استجابة الحكومات العربية لما جاء فيها من مضامين على بداية الطريق. فهل يمكن لمثل هذا «المشروع» أن ينطلق بجدية وحرص، أم سيؤثر الجميع إبقاء الحالة على ما هي عليه في ظل مؤسسة عاجزة اسمها جامعة الدول العربية؟ هذا ما ستكشفه الأيام المقبلة!

البيان الإماراتية،  17 فبراير / شباط 2009
وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com


25
جحيم العراق والتجرِبة الأمريكية
( على المشرحة ) الحلقة الثانية

أ. د. سيّار الجَميل

" الحرب بصلة متعفنة "
 انعام كجه جي

1/ الحفيدة الأمريكية: جحيم عراقي واحد
أعود إليكم من جديد لنكمل جولتنا النقدية في عالم تلك الحفيدة الأمريكية التي كتبت روايتها السيدة إنعام كجه جي ، ولقد أجادت تصوير الأحداث الدرامية ونجحت في حركة الشخوص واستخدامها لغة روائية غير مصطنعة .. إذ استوحت من الأحداث والشخوص مادتها الواقعية ، ولا يحس القارئ أن هناك خيالا ، أو إن الرواية خيالية لا أصل لها من الصحة .. ولكن ثمة صورة واحدة لم أتقبلها أبدا ، إذ لا يمكن أن تحدث ، أو أنها نادرة الحدوث .. إن البطلة زينة بهنام المرتبطة أصلا بصديقها الأمريكي لا يعقل أن تعشق احد عناصر جيش المهدي ، مهما كان قريبا منها .. إنها أمريكية تكتب لصديقها الأمريكي وهي في طريقها إلى العراق ، أن لا يكثر من الشرب ويسقى النباتات ، وإذا أحب مرة أخرى ، فعليه أن لا يحب عراقية مرة أخرى .. جحيم واحد يكفي في الحياة !
2/ رواية مصلاوية المناخ والتعابير
البطلة حفيدة أمريكية سليلة عائلة مسيحية مصلاوية .. وان الأجواء التي وضعتنا الرواية فيها عراقية مصلاوية : أمثال ، وقصص ، وعبارات لا يستخدمها إلا أهل الموصل .. كنت أتمنى على السيدة إنعام ، لو أعطت تفسيرات في الهامش للعديد من المصطلحات والتعابير الموصلية التي لا يعرفها القارئ العربي ، بل حتى القارئ العراقي : برداتنا ، الطارمة ، صندويلات ، طاوة ، زيق ، مطعوج ، الجعنكي ، من خناقي ، هجّوا ، جحغ ، حطّة أيدك ، العجايا ، اسحتها ، الجماقة ، خلوقة .. الخ
3/ من دكتاتورية الرعب الى الفوضى الخلاقة
طارت الحفيدة الأمريكية إلى العراق رفقة جنود المارينز ، ودخلت الطائرة في طريقها إلى العراق ، وفي أجواء العراق تتلبس الحفيدة حالة غريبة من الشفافية  ( ص 39 ) .. شفافية وطن ، ولكن صادفتها عاصفة رملية لم تر مثيلا لها من قبل ( ص 40 ) لتشم العراق من رائحة الطوز ! وكأن العراق يمشي نحو التغيير عام 2003 ، هكذا أسموه ، ولكنه " الزلزال " ( ص 43 ) الذي لم يبال به الأميركيون أبدا ! لماذا ؟ هم الذين صنعوا الحدث ، وجعلوا العالم كله ينشدّ نحوه .. لكنهم كانوا يرسمون للفوضى الخلاقة ، فمن سمح للدكتاتورية أن تنمو وتترعرع وتكبر .. سيسمه للإرهاب أن يمتد في كل مفاصل العراق ! وإذا كان العراقيون يتأملون الغد الأفضل ، فان " الغد كلمة غامضة في قواميس الحروب " ( ص 43 ) ! نعم ، هذه حكمة رائعة تختزل مأساة العراق وحروبه ..
4/ من الأمنيات الى الجحيم
عندما تحّول اهتمام العراقيين من التفكير بالغد إلى التفكير بدوامة الجحيم ! ولم تعد الأحلام جميلة ، فلقد غدت " الأحلام لا تترك لنا رفاهية الاختيار " ( ص 44 ) .. والحفيدة التي تحلم بجّدها العراقي الذي رأته ، وهي في ثوب عرس ابيض ، فأشاح عنها ، فتحوّل لون فستانها إلى اسود قاتم " ( ص 44 ) . أما التغيير الذي حدث ، فهو القيامة التي مرت من هنا " ( ص46 ) . إن التغاير لم يكن أمريكيا، بل كان عراقيا ، ولكن ليس على مزاج العراقيين .. كانت القنوات الأمريكية تبث أن في العراق شعب متحمس لتغيير النظام ، يحلم بالحرية ، ويرحب بقدوم الجيش الأمريكي .. نتساءل : لماذا إذا تطفح العيون السود البارزة من شقوق العباءات بكل هذا الصدّ ؟ نظرات لا تعكس الفة ولا فرحا ، كأن الحزن بؤبؤها . كيف ستكون أيامي المقبلة في البلد الذي لم يعد يعني لي أكثر من انه حاوية لعظام الأجداد " ( ص 49 ).

5/ العراق ليس كيس قمامة !!
ونمضي مع متابعة صور تاريخية أليمة مر بها العراقيون ، ودفعوا أثمانها الصعبة باسم شعارات الثورة ، أو القضاء على أعداء الثورة ! وتقفل الصورة من طرف واحد بأجمل عبارة من التساؤل المشروع ، تقول : " هل هناك بلد على وجه الأرض ، غير بلدنا ، يتسّلى أهله بذكريات القهر وهدّ الحيل ؟ " ( ص 53 ) . ويأتي جواب البطلة في قفلة الفصل التالي عندما تقول : " كنت أسجّل ، ليلة بعد ليلة ، وقائع أيامي في ذلك البلد الذي يتشبث بي من خناقي . هنا خضت جهادي الخاص وتركت العنان لنفسي أن تذهب إلى التخوم الخطيرة للوله " ( ص 56 ) . ان البطلة المولهة تعيش وسط عساكر لا يرون في العراق إلا كيس قمامة ( كذا ) ، ولكن بعضهم كان يتولى عملية جرد الأموال والمضبوطات في قصور صدام حسين .. وبقى الجرد طويلا ( ص 69 ) . وهنا يسأل العراقيون : أين ذهبت تلك الأموال وموجودات الذهب وكل المضبوطات ؟ من أخذها ؟ أين هي الآن ؟

6/ الامريكيون يفتقدون شفرة العراق الملغزة
ثمة إحساس آخر ، وأفكار جديدة أخرى تفصح عنه الرواية عن عجوز عراقية طاعنة في السن لم تزل تحتفظ في طيات جلدها كل تركة الأجيال التي تربّت على الصح . إن الجيل الأخير ترّبى على الخطأ .. نفاق ورشوة وخوف وكلام مبطّن ولعبة الختيّلة ( ص 77 ) ... الخير كان كثيرا ، ثم اشتغلت طاحونة الحروب وشفطت النفط حتى آخر قطرة . راح الرجال وجلست النساء يلطمن الصدور " ( ص 77 ) . أنفاس أهل الصح ظلت تسري .. ولما دخل الاميركان وجدوا بلدا ملغزا لا يملكون شفرته . وكان مرافقوهم المحليون أكثر منهم حيرة " ( ص 77 ) . إن خمسين سنة من زمن الانقلابات والتناقضات والصراعات والأحادية والبطش والحروب والدكتاتورية .. كافية ليتحول اغلب الناس من الصح إلى الخطأ ، ويتحول العراق إلى خرابة ، ويشيخ أهله ، وهم في الأربعين من العمر ! وغدت  الرشوة أسلوبا مشروعا حتى وصل الأمر إلى أن تشتري بالرشوة العراق بأكمله ( ص 83) .
7/ العراق : من الصواب الى الخطأ
إن فقرة واحدة تختزل صورتها تاريخ تحولات العراق من الصواب إلى الخطأ ، .. " فالزعيم غازي الداغستاني هو أكثر ضباط الجيش العراقي أناقة . أما ذلك العقيد .. فكان يخلع قميصه في ليالي الخفارات الصيفية الحارة كاشفا عن فانيلة مليئة بالثقوب . ولما نصبوه رئيسا للجمهورية ، في الستينات ، فكر ( فلان ) بأن يبعث له بدستة من الفانيلات الجديدة " ( ص 91) . فتصوروا كيف حصل التحول من عراق أنيق في قيافته إلى عراق مهلهل حتى في ألبسته الداخلية وان المحترمين من أبناء العراق بقوا حتى اليوم وهم منكفئون على الأرض !
إن جدلا فاضحا جرى بين البطلة وجدتها ، وهو حوار واضح فالجدة عراقية والحفيدة أمريكية .. ولكن لا يمكن أن تجد أي حوار أو جدل بين جدة عراقية وحفيدة عراقية ، فالعراقيون لم يعرفوا لغة الحوار أبدا ، ولا يمكنهم أن يتفاهموا على ابسط الأمور ، فالجدة تخشى على كرامتها أن تخدش ، وعليه ، فهي تعترف بأن أهل الشارع يعرفونها ، ولكن لا تريد أن يزعجها زعاطيط هذه الأيام ( ص 117- 118) .

8/ الصدمة الصاعقة : 
أعجبني وصف الرواية الحرب كونها بصلة متعفنة ! ( ص 143 ) مع انتقاله ذكية لحوار أمريكية وشاب عراقي ، فهي تؤمن بالتعددية وهو يؤمن بالأحادية .. الوطن عنده هو الأم ولا يمكنه أن يتخيل أوطانا بديلة عنه .. انه منغمس في تراثه ، ويهوى أن يبقى ثابتا لا يتزعزع ، ويهاجم أولئك الذين يغيّرون جلودهم .. حتى يصل الأمر إلى أن تقول : " تذبحني السخرية السوداء التي تلازم العراقيين ، كأنهم عاشوا ما فيه الكفاية حتى عادوا يرون حياة ما وراء الخراب .. " ( ص 147 ) ! وتشتد الأزمة الحقيقية بين الحفيدة الأمريكية والشاب العراقي بوصول الأمر إلى الذروة من دون أن ينتج الجدل الدائر إلى نتيجة تذكر لتختتم جولتها بقولها : " .. وأكاد افقد ثقتي بنفسي . أكره الموقف السخيف الذي يضعني فيه . ألعن الساعة التي عدت فيها إلى هذا البلد " ( ص 148 ) . إن هذه النتيجة هي التي يحملها أي إنسان من أصل عراقي يعود إلى العراق ، فيصطدم صدمة صاعقة ، تجعله يلعن الساعة التي قرر فيها الرجوع إلى العراق !

9/ الإرهاب : مسرحية شريرة
سأكون فرحا جدا لأنني وجدت جملة من أفكار الرواية ، أنا الذي كنت قد أذعتها ونشرتها ، وان صاحبتها قد تطابقت أفكارها معي إلى حد كبير .. ربما كنّا قد درسنا في مدرسة واحدة . دعونا نتأمل في النص التالي : " لم يكن الوضع في الموصل أفضل منه في الأماكن الأخرى . يستيقظ الأهالي في الصباح فيجدون رؤوسا مقطوعة مرمّية في الساحات العامة . رعب تحفظ ذاكرة المدينة ما يشبهه . والفارق نصف قرن . يتذكر كبار السن ما كان في أواخر الخمسينيات ، ويضربون كفا بكف . مدن تقطع رؤوسها بأيدي أبنائها .. " ( ص 150 ) .
من خلق هذه الحالة ؟ لماذا كان الفلتان ؟ من احتضن الإرهاب ؟ من زرع القرف ؟ من قتل الكرامة ؟ من سحق المجتمع ؟ ، إن " القرف استحال ، بالتدريج ، حقدا . كأن هناك من وزّع أقنعة مسرحية شريرة على كل أهالي المدينة " ( ص 159 )  .

10/ امريكا وراء صناعة كل احداث العراق منذ خمسين سنة !
ولكن ، مهلا ، فثمة أصوات عراقية تنذر بالخطر ، عندما يصل أبو البطلة الى ذروة غضبه ، ، فيصيح : " الويل الويل من شعب العراق " ( ص 165) . أما البطلة ، فان تجربتها العراقية تفشل فشلا ذريعا ، وتقول وهي تستعد للرحيل : " أظن أن تجربتي العراقية بدأت تأخذ طعم الخل  " ( ص 177 ) . أما الشاب العراقي ، فهو يقترح فكرة مبتكرة قائلا : " طرتم كينغ كونغ من المدينة وقبضتم ثمنه العراق كله " ( ص 184 ) ! ويبقى القارئ يبحث عن جواب سؤال ورد قائلا : من كذب على من ؟ تجيبه البطلة قائلة : " ساذجة كنت عندما تصورت الديمقراطية شعر بنات ، سكرا ملونا ملفوفا على عيدان رفيعة .. بعناكم حلما أجمل من أن يتحقق . وجاء من طرفكم تجار أبناء سوق . دكاترة وعلماء ذرة وجنرالات . عرضوا علينا الوهم .. " ( ص 180 ) .
اعتقد أن خطط أمريكا الإستراتيجية لا يمكنها أن تصنع لما نقله بعض العراقيين .. صحيح أن العراق كان كبش فداء 11 سبتمبر .. وإذا كانت 11 سبتمبر لغزا حتى الآن ، فان ما جرى في العراق يعد ـ عندي ـ من اكبر الألغاز التي سيكشفها المستقبل عاجلا أم آجلا !! لقد توثّق عندي ان امريكا كانت وراء صناعة كل أحداث العراق وشخوصه على امتداد خمسين سنة !

11/ النهاية : افتراق عن العراق
تعود الحفيدة الأمريكية إلى أمريكا ، وهي تختتم روايتها ، قائلة : " عدت وحيدة .. لم اجلب معي هدايا ولا تذكارات ، لا احتاج لما يذكرني بها . أقول مثل أبي : شلّت يميني إذا نسيتك يا بغداد " ! ( ص 195) . هكذا ، عادت الحفيدة الأمريكية إلى وطنها الحقيقي ، أمريكا وتركت العراق لوحده وهو يعاني من كل التحديات والقساوة والآلام ، لكن تجربتها الأمريكية علمتها الكثير ، بحيث لم تكن تدري ماهية العراق ، ولم تكن تعرف ثقل التناقضات التي يحفل بها المجتمع العراقي .. لقد أعطت تلك التجربة المريرة ، درسا بليغا لكل العراقيين في الداخل والخارج إن مأساة العراق يتحمل مسؤوليتها الجميع .. وان ما ارتكب من أخطاء شنيعة ، كان يمكن تجاوزها إن كانت الخطط الأمريكية على غير ما كانت عليه سواء في الأعداد أو التنفيذ !

12/ وقفة نهائية عند صاحبة الرواية :
نعم يا إنعام ، لقد نجحت نجاحا كبيرا في كل من الفكرة والأدوات والأسلوب وإخراج هكذا مضمون يحفل بالتناقضات وجمعت بتميز عالي المستوى بين المتضادات .. كنت بالغة الدقة في تقديم الحياة الأمريكية كما هي سيرورتها في ديترويت ، حيث يكثر أبناء الجالية العراقية من المهاجرين المسيحيين فيها .. ونجحت بشكل ملفت للنظر في تصوير الحياة العراقية ، كما هي على الأرض .. وكنت رائعة في استخدام الخصوصيات الارثية الموصلية وخصوصا في التعابير التي يستخدمها الموصليون القدامى .. كنت شجاعة جدا باستخدام ألفاظ ( مبتذلة بعرف الآخرين ) يتمنّع غيرك من استخدامها علنا ، فكنت واقعية تماما في تقديم الشخوص كما لو كانوا يصنعون حدثا حقيقيا على الأرض .. كنت عراقية في الصميم ، عندما جعلت الحفيدة الأمريكية تنهزم وتبكي وقد افتقدت وطنها الأم .. ولكن بنفس الوقت ، كنت بارعة في تقديم صورة فوتوغرافية متميزة عن وطن متفسخ ، وقد طغت عليه السيئات ، بعد أن تحّول من بلد أنيق جدا ، كان يعد فعلا مضربا للأمثال ، ومهدا للحضارات ليغدو وقد تحّطم إلى ارض خراب موحشة ، لا تجد فيها إلا الموبقات والمثالب ، وهو يغرق في السيئات على امتداد خمسين سنة ، بدءا من سحل الأجساد ووصولا الى قطع الرؤوس !

تنشر على موقع الدكتور سيّار الجميل بتاريخ 17 فبراير / شباط 2009  .
www.sayyaraljamil.com


26
الجنرال الحزين: رحلة أبدية !

أ.د. سّيار الجَميل

( الحلقة الأولى: تأبين مثقف عراقي كوني )


" وطننا هو رسالة كونية ثقيلة العيار"
الصديق الراحل أمير الدراجي


الرحيل من بين اصابع الزمن
كنت اكلمه بالتلفون ، عندما أعلمني بمرضه الصديق الأستاذ نوري علي .. وكان على الطرف الأوربي أمير الدراجي ، يبكي على الخط ، من أعماقه من حزنه أو من فرحته بي .. كانت كلماته تخرج بصعوبة بالغة .. قال لي : فرحت بصوتك .. سررت باهتمامك .. وأنا أعيش معك ، إذ لا تفوتني مقالة واحدة من مقالاتك .. كنت أمنّيه بالصحة وراحة البال وبالشفاء العاجل ، وهو كمّن يريد أن يطير ليخرج من هذا العالم .. أعاد عبارته لي ، وكأنه يستعجل الرحيل " الفرار من بين أصابع الزمن " ، وهي عبارة كررّها ، عندما كان قد استخدمها لأول مرة ، وهو يعّزيني برحيل والدتي قبل سنتين !! أغلقت سماعة التلفون ، وأمير يشغل بالي وتفكيري ، ليس بسبب ما كان يعانيه من مرض عضال ، بل بسبب انسحاقه المرير حتى الأعماق .. هذا " المثقف " الملتزم الذي أهم ما كان يميّزه ، مواقفه الصلبة ، وتغايراته الجذرية ، وأسلوبه الصعب .. انه رجل عراقي حقيقي تعب على نفسه كثيرا ، فهو صاحب ثقافة عليا ، وفكر معمّق ، وتجربة ملتزمة .. انه نموذج للإنسان والمثقف معا .. انه يرحل ، أيضا ، ليلتحق بركب الراحلين صامتا ، من دون أن يلتفت إليه العراق ، أو ينال من عناية حكومة العراق شيئا أبدا .. ووقف كي يفتتح سجل 2009 في رحيل المثقفين العراقيين الحقيقيين !

الكتابة العليا : عصي المعاني
أما كتاباته ، فقلما يضاهيه أحد في صناعة الكلمة .. انه ينحت كلماته وتعابيره من الصخر .. وكثيرا ما يستعصي مقاله عن الفهم ، وكأنه يقول لمن يقرأ مادته : عليك أن تفهم ما يقال ، من دون أن تلزمني النزول إلى مستواك كي اكتب ما يمكنك فهمه ! الآخرون يهربون من ثقافته ، بل يصفون خطابه بالعصي عن الفهم لا الصعب في الصياغة والتعبير .. لم تكن كتاباته سطحية ، بل عميقة .. كان يكتب وهو يفكر ، ولا يفكر من اجل أن يكتب .. عاش ومات حرا في تعابيره التي لا تعرف السجن ، أو المعتقل من قبله . إن كتاباته غير متواطئة أبدا مع كتابات أخرى . وعليه ، فان من يقرأ نصوصه ، لا يمكنه استيعاب ما يقوله أمير بسهولة .. إن من يقرأ كتابات أمير ، سيجد نفسه في مواجهة صعبة جدا معه ، نظرا لصعوبة كتاباته ، فهو غير مستعد أن ينزل من مستواه إلى الأدنى ، فكيف به يتدانى إلى الحضيض ، ليكتب كتابة إنشائية بلهاء ، بل اعتاد أن يكتب كتاباته العصية التي يراها البعض  " مجرد طلاسم " . لقد كانت كتاباته تعبير شائك عن نفسه ، لا تعبير عن أي طرف آخر .. كان كاتبا ناضجا في عالم من المبتدئين الذين لم يفقهوا قوة الكلمة لا عند الأولين ولا قرب الآخرين .

فيلسوف الكلمة الصعبة                                      
أمير الأعماق يرحل رحلته الأبدية بصمت شديد ، وفي قلبه غصات من حسرة وألم ، كونه يهاجر من الشتات في الأرض بعيدا عن العراق .. ربما لم يقلها ، كونه آمن بفلسفة كونية ، ولم يعد الوطن عنده يساوي شيئا ، ولكن العراق عنده يمثل كونية الأشياء ! انه يرحل ودموعه لا تبلل تراب بغداد أو الناصرية التي اكتشف كونيته فيهما .. أمير يلتحق بسلسلة قافلة عراقية رائعة من المثقفين الراحلين الذين عرفهم العراق في القرن العشرين .. أمير الأعماق الذي لا تعجبه المسطحات ، ولا السذاجة ، ولا كّتاب الدرجة الثالثة .. يدرك انه سيمضي حيث مضى من قبله كل العمالقة العراقيين الذين سبقوه  .. أمير يموت ، وفي فكره الأول : دجلة ، ونخلة ، ومسلة ، وأدلة ، فرات عذب وأساطير عراقية تدين كل الآلاف المؤلفة من العراقيين الذين لم يعرفوا إلا لغة القتل والضرب والبطش والولولة وكتابة التقارير السرية .. أو تفخيخ السيارات المدنية ، أو مجرد أقزام تافهين ، وجدوا أنفسهم فجأة زعماء للعراق منذ خمسين سنة .. أمير الممتد في تاريخ العراق بطوله ، كان يخجل مني جدا عندما أصفه بفيلسوف الكلمة الصعبة .. كان مثقفا ملتزما وليس عضويا ، كوننه يعبر عن ذاته وليس عن نخبة أو جماهير .. فهو عالم بحد ذاته ، كونه يلتزم جملة من الأفكار التي لا يحيد عنها ، ولم يكن مثقفا سلطويا ولا جماهيريا .. فهو باق في الأعالي ، ولم ينزل أبدا إلى الناس حيث يتنوع الجهلة والمهرجين والمصفقين والمداهنين والمرائين والمقلدين والأصوليين وأنصاف المثقفين والملالي المعممين والسياسيين اللوتيه المخادعين سواء كانوا من المعارضة أو السلطويين .. فكلهم عنده من الأدعياء الماكرين ، ومن أصحاب المصالح الخاصة الذين يكذبون على أنفسهم وعلى كل العراقيين عندما يحملون اسم العراق ورموزه ! كان أمير بقدر ما يعشق كونيته ، فهو يراها في العراق وأرضه ، وهو يبتعد عن الناس العراقيين ، وقد أصيب في الصميم من قبل من اسماهم بـ " شعب العراق " !

الجنرال الحزين: وقفة عند التكوين
أمير من ولادات مدينة الناصرية العراقية  عام 1948 ، تلك المدينة الطيبة التي أنجبت العديد من الأدباء والفنانين المبدعين .. لقد بقي أمير يحمل عبق تراب الناصرية ، ويستذكر أيامه عند حوافي الفرات .. نشأ شابا متمردا على قيم بليدة  لم  تعد صالحة أبدا للمجتمعات المتمدنة .. ومن مهازل الزمن ، أن قيما أسوأ من تلك التي تمرد عليها المثقفون العراقيون قبل خمسين سنة ، هي سائدة اليوم  بشكل لا يمكن تصديقه أبدا !! وهذا سر انتقال أمير من حالة التمرد إلى حالة الانعزال .. وكل من الحالتين دفعتاه إلى الانسحاق . أن شعوره بان الآخرين قد تخلوا عنه ، هو عين الصواب الذي عاشه من دون أن ينثني أو يضعف  أبدا .. عند منتصف السبعينيات ، وصل بيروت ، وهو يلتزم القضية الفلسطينية ويغدو احد أبناء المقاومة .. وقد خبر على امتداد سنوات طوال تمتد حتى نهايات القرن ، أي خلال ربع قرن من الزمن ، أن الحياة العربية لا يمكنها اجتياز المحنة الحضارية ، إلا بالتمرد على كل الموروثات  .. عام 1999 ، يهاجر نحو أوسلو عاصمة النرويج  التي قضَى فيها قرابة عشر سنوات ، كي يصيبه مرض عضال لم يمهله إلا سنة واحدة غدا فيها مقعدا ، ولازم المستشفى في الشهور الأخيرة من حياته في مدينة للي هامر التي قضى فيها نحبه عن ستين سنة منكمشا على نفسه من دون أن يفقد ذاكرته  .. هو نفسه يأسف على أشياء أخرى لم يحققها ، بل وان حلما كان يعيشه ليل نهار على امتداد ربع قرن .. ولكنه تبدد وسط  أكوام من التناقضات الجديدة  التي تفجّرت  مؤخرا .

التجربة .. الالتزام .. التمرد
لقد تناصف عمره في العيش بين وطنه وبين المهجر .. ثلاثون سنة في العراق وثلاثون سنة في الشتات .. ثلاثون سنة عراقية نال من التكوين القوي تفتح عقله على نصوص كلكامش التي هضمها ، وجعلته يفكر كإنسان في فلسفة الخلود .. عشرون سنة عربية ، وعشر سنوات نرويجية ، وراح منذ بداياته ، يقرأ فلسفات أخرى، فقد قرأ على مهل كل من أعمال نيتشه وديكارت ودستويفسكي ولوركا وبودلير والسياب والبياتي وسعدي يوسف وانسي الحاج  وآخرين من المبدعين ، شعراء ومفكرين  ، لقد برز شابا معتدا بنفسه ، وكانت تصعب مجادلته لصعوبة ما يقول .. وقد أوقع نفسه في مشكلات لا حصر لها مع الآخرين ، نتيجة أفكاره الصعبة وغير الواقعية وكأنما تصدر عن مجنون في عرفهم ...  ويتأمل كغيره من أبناء جيله ، العراق وهو يمضى نحو المجد ، ولكن فجأة ، يكتشف أوهامه ، ويغدو مناضلا في صفوف الفلسطينيين ، وفجأة يكتشف ذاته والآخرين ، فيتمرد كرة أخرى ..  ويصاب إصابة بليغة في يده وساقه في الاجتياح الإسرائيلي على لبنان عام 1982 .. الأمر الذي حدد حركته على الرغم من بعض العمليات التي أجريت له داخل النرويج ... من نقل هذه التجربة النضالية إلى مخّه ؟ انه هو صاحب صنع قراره ، فليس أمير من النوع الذي يستجيب للأوامر .. وبقي يحلم بالعراق مصدرا للكون ، وهو ينتقل من تجربته النضالية ، وأدب الالتزام ، إلى تجربة إنسانية فلسفية صرفة بعد أن عاف الشعارات لأهلها  .. حسم المعركة هو نفسه لصالح وجوده كانسان يفكر على هذه الأرض .. وهو بين هذا وذاك ، يتمتع بقدر هائل من الرهفة والأحاسيس الرقيقة وقلة النوم !

تجربة صداقة فكرية معمقة
كان كاتبا معروفا شهدت أعماله العديد من الصحف العربية ، لكنه خلال السنتين الأخيرتين ، لم يعد يؤمن بجدوى الكتابة .. كنت احفّزه ، أو أشعل قنديلا أمامه ، وبطريقة غير مباشرة أوحي له بكتابة ما يراه من أفكار .. كان يستجيب لي استجابة صديق لصديقه .. ، ويعاود الصمت .. كان غليان العراق كالمرجل يحرق أعصابه ويوقد جمرا في أحشائه ، فلا يستطيع أن يقاوم أبدا .. كان يكتب لي رسائله ، وهو في أقصى درجات الانسحاق النفسي .. وعندما يفكر بصوت عال في أي مقال يكتبه ، يعلو صوته ، فلا يهاب كبيرا ولا صغيرا ، فما يكمن في أعماق قلبه ، يلفظه مهما كانت النتائج .. ربما كان صمته تعبير عن وطن يصرخ .. يصمت كونه لا يستطيع أن يفعل شيئا . إن التصاقه بالحرية ، جعله لا يكتم شيئا ولا خبرا ، فصراحته قد سببّت له مشكلات عدة .. بل وان تعابيره تبدو مخيفة في بعض الأحيان ، فيتصوره البعض " نزقا " وحتى عند بعض أصدقائه .. الذين يجهلون مأساته .. إن أثرته الصمت والعزلة ليس دليل هروب من الواقع ، بل خلاصة من تناقضات مفعمة بالمآسي والمخاطر .



ـ انتظروا الحلقة الثانية من هذا المقال في تحليل بعض افكار امير الدراجي .
ـ نشرت في ايلاف ، 15 فبراير / شباط 2009  ، وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com
- ثمة ملحق ببعض الرسائل المتبادلة بيني وبين الصديق الراحل ستنشر في ملحق بالحلقة الثانية من هذا المقال .


27
الموصل عند مفترق التاريخ !

أ. د. سّيار الجميل



الموصل ، واحدة من اعرق مدن الشرق ، وكان لها دورها التاريخي والحضاري عبر آلاف السنين .. وتعد ثاني اكبر مدن العراق ، ولها موقعها الجغرافي الذي تسمّت من خلاله بـ " الموصل " بين الشرق والغرب .. أنجبت فحولا من الأدباء والعلماء ، وسجلت مواقف نضالية خالدة عبر التاريخ ضد الغزاة والمحتلين ، لكنها عاشت ولم تزل ، أتعس الأيام بعد أن أضاع الأمريكيون بوصلتهم فيها ، وسادها الإرهاب ، وتحكمت في مقدراتها قوى خارجة عنها .. وبقيت صامدة بكل ما أوتيت به من قوة وعزيمة وصبر .. افتقدت اعز أبنائها من أساتذة جامعة ، ورجال أعمال ، ورجال دين .. وعانى كل سكانها في المدينة والأطراف أسوأ التحديات .. ولقد حققّت في الانتخابات الأخيرة نتائج باهرة لصالح أبنائها .. وكان أبناؤها ، كما يبدو ، يدا واحدة في صناعة إرادتهم ، بأيديهم ، بعيدا عن أجندة خصومها ، وعبث محتليها .. وأدوات إرهابييها.
وكانت نتائج الانتخابات فيها ، مباركة ، إذ تّم فيها ، التعبير عن إرادة  وطنية باختيار من  يناسب المرحلة القادمة .. لقد انتصروا بعد أن عانوا الأمرين لسنوات مضت ،  وخصوصا بعد خذلانهم في انتخابات 2005 . لقد نجحوا اليوم باستعادة ما افتقدوه ، وكان خيارهم يتمثّل بحاضرهم ومستقبلهم . لقد أنجزوا ما لم يستطع احد أن ينجزه من اجل مدينة عريقة وكل من يتعايش فيها . لقد بدأت اليوم ، صفحة تاريخية جديدة ، نأمل أن تنطلق فيها إرادة أحرار كبّلت لسنوات .. إن أهم ما يستلزم الموصل : تعايش أهلها ، وانسجامهم معا ، كما عاشوا منذ آلاف السنين .. ويشتهر إقليم الموصل بثروته السكانية المنتجة ، وبكل فسيفسائه البشري عربا وأكرادا وتركمانا وسريانا وكلدانا وآثورية ويزيدية وشبكا .. الخ ، وهو يحمل على كاهله ثقل تاريخي زاهر من حياة الشراكة الاجتماعية والحضارية لمختلف الملل والنحل والأطياف المتنوعة ..
وعليه ، فإننا نناشدهم جميعا ، أن يكونوا يدا عراقية واحدة ، وخلق الأمن والنظام ، ومحاسبة من يريد العبث بهم وبمقدراتهم ، وان يكونوا أهلا للبناء والأعمار والاستقرار ، والقضاء على أسباب التناحر والقتل والتدمير . لقد مرّت بهم تجارب قاسية جدا ، وكانوا هم الأعلون ، لم يهنوا ولم يحزنوا برغم كل الأذى ، وكل العاديات التي زرعها الإرهابيون والشوفينيون برعاية مباشرة من المحتلين والطوابير الأخرى . ولقد انتصروا اليوم بعد أن صّوتوا   لعراقيتهم ، فكانوا عند مستوى المسؤولية التاريخية ! إن جملة كبيرة من الرسائل والنداءات قد وصلتنا ، والتي وقعها أصدقاء ومثقفون .. رجال أعمال ورجال دين من كل الأطياف.. من موظفين ونقابيين .. مستقلون اغلبهم لا يريدون إلا إحقاق الحق، والانطلاق بروحية مدنية جديدة.. تمنع كائنا من كان العبث والتسلط والهيمنة وفرض الوصاية،  وخصوصا في مركز الموصل، أو محيطها، وأطرافها، على جانبي نهر دجلة.
أن ثمة أصوات تنادي المسئولين الأكراد لإيقاف هيمنة قوى عسكرية وسياسية تابعة لهم ، عن ممارسة نفوذها وضغوطاتها على الجماهير في مناطق عديدة من الموصل وكل أطرافها ، إذ أن جميعها مناطق تابعة رسميا وإداريا للموصل وليس لإقليم كردستان .. وهنا ، لابد من مناشدة جميع من يتولى المسؤولية في الموصل ، التفاوض على أسس وثائقية وعلمية دون أية مساومات  سياسية ، وذلك من اجل إرجاع الحقوق إلى أهلها ، وإعادة الأحوال إلى طبيعتها في إطار العراق الواحد لا المنقسم .. وان يمارس كل مواطن حقوقه وخياراته كاملة من دون أي ضغوط ولا أي هيمنة .. كما ينبغي على أهل الموصل في المركز والإطراف ، أن يدركوا أين مصالحهم السياسية والإدارية والاقتصادية ، وقبلها أين هي إستراتيجيتهم الحيوية ؟  ، كي يتفقوا على مبادئ وإجراءات تأخذ الجميع إلى شاطئ الأمان بعد أن دّمرهم  أولئك الذين لم يبحثوا إلا عن مصالحهم وخصوصياتهم .. وليدرك الجميع ، أن لابد من التغيير .. تغيير في المواقف والمفاهيم وحتى القناعات .. تغيير في السياسات والأهداف.. تغيير في أساليب التعامل ، وبلورة روحية جديدة للتعامل والشراكة والانسجام  من دون أي تمييز ديني ، أو عرقي ، أو مذهبي ، أو جهوي ، أو طبقي .. الخ  وليدرك البعض أن لا يمكن أبدا بقاء فئة ، أو حزب ، أو قومية معينة مسيطرة على حياة الموصل تحت أي يافطة كانت .. وبعيدا جدا عن سياسات أمريكية، اثبت الواقع فشلها كلها في العراق. 
وعليه ، ومن اجل تجاوز أخطاء وسلبيات الماضي ، والقضاء على الإرهاب ومن يخلق أجواءه  .. وإنهاء أية صراعات قادمة ستكلف باهظا .. ومن اجل تحقيق الفرص الديمقراطية للجميع ، بتحقيق طموحاتهم وحقوقهم وواجباتهم ، البدء بالعمل المشترك بثقة ، وبلا ضغوط ، أو  تجاوزات .. أهيب بكل الأطراف أن يكونوا عند مستوى المسؤولية التاريخية أولا ، والمسؤولية الوطنية ثانيا ، والمصالح العراقية المشتركة ثالثا .. لابد من مطالبة الحكومتين المركزية ببغداد والإقليمية في اربيل ، الالتفات لتوفير الأمن ، والخدمات ، وتوفير العمل ، وتطوير الحياة  ومنح الحرية الكافية لكل طرف من الأطراف في التعبير عن إرادته في كل أرجاء محافظة الموصل  ، وان لا تمارس أية ضغوط على الناس في أي مكان .. كما يستلزم أن تحظى الموصل بمجلس محافظة متوازن ومشهود لأعضائه بالكفاءة والنزاهة والاستقلالية والمكانة الاجتماعية  .. إنني أناشد للبدء بالعمل ، قبل حدوث تجاوزات وأخطاء سيدفع الناس من جديد ثمنها كبيرا ـ لا سمح الله ـ ..

البيان الاماراتية ، الاربعاء 11 فبراير / شباط 2009 .
وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com


28
وطنٌ عراقيٌ وحفيدة أمريكية

(على المشرحة)

( الحلقة الأولى )

أ.د. سّيار الجَميل

مدخل فلسفة الرواية : ركام التناقضات العراقية
كنت قد وعدت القراء الكرام ، أنني سأقف ، وقفة نقدية عند رواية " الحفيدة الأمريكية " التي أهدتني نسخة منها مؤلفتها الروائية المبدعة السيدة إنعام كجه جي  التي تقيم بباريس .. وتعد إنعام ، واحدة من ابرز  الكاتبات العراقيات اللواتي عرفناهن منذ زمن طويل .. لقد أحسست من دون أي سؤال ، إن مضمون ما تحتويه الرواية سيتركز في محوره عند عقدة  التشظي بين جدّ عراقي وحفيدة أمريكية .. وخصوصا  عبر أحداث تاريخية مريرة تتصادم فيها المعاني والأشياء .. وخصوصا  بين جيلين متصارعين .. جيل عانى من أهوال الداخل ، وجيل عاني من  تشظيات الخارج .. وكل من هذين الجيلين ، قد توزعت سايكلوجيته بين عالمين اثنين ، أو قل ، بين ثقافتين مضادتين .. ثقافة عراقية  يتميز بها كل العراقيين .. وثقافة غربية غير متلاقية أبدا مع تلك الأولى ..  إن الجيل الجديد  الذي يريد لمّ شعثه اليوم ، قد تفرقت به السبل .. وغدا مغتربا حتى في دواخله أو مهاجره  .. يعيش ازدواجيات متنوعة ، أو قل ثنائيات راسخة ، ويصل إلى  أوج صراعاته ،  عندما يتجاذب نفسه بين عراقيته وانتماءاته الجديدة .. انه يتعامل مع عالمين اثنين ، أو أكثر .. كل عالم يحاول أن يجذبه إليه .. وطن يعيش بكل خصبه وذاكراته  وعمق أحاسيسه .. وأوطان اندمجوا فيها  وفي ثقافاتها  .. ولم يعد هناك أي مجال كي  ينفصلوا عنها أبدا .. ثمة تمزّقات جديدة تفاقمت خروقاتها في السنوات الأخيرة ، بعد أن ضاعت الهوية العراقية لتستبدل بهويات لا أول لها ولا آخر ، منها بكيانات وهمية ، أو مكونات طائفية ، أو تشظيات قومية ، أو تمفصلات دينية .. أذكتها الهجمة الجديدة ، بعد أن نال العراق طويلا من هجمات متتالية على بنية المجتمع العراقي ، فتبلورت ركامات من التناقضات المهولة !

فحوى الرواية : صراع وطن بين جيلين عراقيين
هذه ، باختصار  ، هي فلسفة حملتها حفيدة أمريكية ، تنتسب إلى جد عراقي متصلب بعراقيته  .. إذ كانت له صرامته وعشقه لوطن عراقي ، بكل ما تعارف عليه ذلك " الوطن " من تنوعات .. وبين بيئة غربية أمريكية ، قدر للحفيدة أن تندمج فيها  منذ أن كان عمرها 12 سنة .. إنها واحدة من ملايين الأحفاد العراقيين المنتمين لجيل جديد  مزقته  العهود  الكئيبة .. إنها واحدة من جيل جالياتي عراقي مهجري يتوزع في شتات الأرض .. بلا أي تلاقح ثقافي ، ولا أي صلات وطنية ، ولا أي روابط اجتماعية .. جيل يجد أهله يعيشون حلم العودة ، ويمنون الرجوع إلى الأعشاش الأولى .. وهو لا ينفصم عن موروثه ، واكلاته ، وموسيقاه ، وأغنياته ، ولكنه بنفس الوقت ، يطمح أن يجد فرصته في الحياة الأمريكية ( أو : الغربية ) ليعيش كما  يريد ، أو حتى ليصارع من اجل مصالحه الجديدة !
في خضم هذه " الازدواجية " بين عالمين اثنين ، أو قل ، بين حلم وذكريات وحنين وبين تكوين وثقافة ومصالح جديدة .. يسقط العراق بيد جيوش التحالف التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية عام 2003  ، ويسقط ذلك النظام الحديدي الذي كان سببا أساسيا في هجرة الآلاف المؤلفة من العراقيين إلى الشتات . كان اغلب العراقيين في المهاجر .. ينتظرون تلك اللحظة التاريخية التي يحلمون بها .. كانت بطلة الرواية زينة ، هي الحفيدة الأمريكية التي تتصادم مع العراق الذي وصلته من ديترويت كي تعمل مترجمة مع جيش الاحتلال منتقلة من تكريت إلى بغداد ، وهي تعيش في قصور فخمة خلفها النظام السابق  .. إنها تجربتها مريرة في مخاض الصراع ، وتصل أوج العقدة عندما تقع بحب شاب من جماعة جيش المهدي ، وهي الأمريكية المسيحية ، ولكنها تكتشف صدفة أنها شقيقته بالرضاعة ! وهكذا، ثمة أوصاف لا يمكن أن تصدّق أبدا .. ربما التفت غيري من النقاد إليها . ولكي لا أحاول البقاء ضمن " مضمون " مفعم بالأحداث والمشاعر .. فإنني اختار الوقوف عند أشياء مثيرة، أجدها تستدعي طرح أسئلة كثيرة .. واعتقد أنها بحاجة إلى أجوبة واسعة، خصوصا ، وأننا الآن سنكون وجها لوجه لا مع الرواية نفسها ، بل مع صاحبتها .. وسنجد، ما الأفكار الجديدة التي تضمنتها الرواية ؟ ما التعابير والمصطلحات والمفاهيم التي أجد العراقيين بأمس الحاجة إلى معرفتها ! إن الحفيدة الأمريكية ، ليست رواية عادية .. إذ أنها تفصح عن مزيد من الأسئلة.

من حكم على العراق بالإعدام ؟
" مساكين أهل العراق، لن يصدقوا أعينهم متى ستنفتح على الحرية ... أليس الأحفاد ، مساكين أيضا ، حين صدقّوا أن الحرية ستهّب على العراق ؟ ..
إن العراقيين انتظروا طويلا .. ولم يدركوا أن التاريخ لا يمكنه أن يتغير من دون جراحات .. وأنها جراحات لا يمكنها أن تلتئم ابدأ إن كان المخاض صعبا للغاية .. إن الأحفاد ، اعتقدوا أنهم سيجدون العراق جنات عدن تجري من تحتها الأنهار .. فصدموا جميعا ، وخصوصا أولئك الذين سارعوا بالعودة وأحبطوا نفسيا ، خصوصا بعد أن وجدوا إن السايكلوجيات العراقية في كل الوحدات الاجتماعية ، قد اختلفت اختلافا جذريا عما كانت عليه الروح العراقية قبل خمسين سنة !
دعونا نتوقف عند النص التالي : " ورغم حماستي للحرب ، اكتشف إنني أتألم ألما من نوع غريب يصعب تعريفه ، هل أنا منافقة ، أميركية بوجهين ؟ أم عراقية في سبات مؤجل مثل الجواسيس النائمين المزروعين في ارض العدو من سنوات ، .. كنت انكمش وأنا أشاهد بغداد تقصف وترتفع فيها أعمدة الدخان بعد الغارات الأمريكية . كأنني أرى نفسي وأنا احرق شعري بولاعة سجائر أمي ، أو أخز جلدي بمقص أظافري ، أو اصفع خدي الأيسر بكفّي اليمني " ( ص 23 ) .
هذا تصوير رائع لثنائية الصراع الذي يعيشه الأحفاد ليس بين ثقافتين اثنتين ، بل بين نزعتي انتماء .. ومهما كانت النتائج ، فالحفيدة هنا ، لا يمكنها أن تمكث في العراق ، وهي التي أحست أنها تساهم في طعن نفسها ، وهو يحترق على أيدي القاصفين الذين لا تعرف من حكم على العراق بالإعدام !
ونستطرد متأملين أقسى حالات التاريخ .. " صارت بغداد مشاعا لأهلها ، والعراق بلا وال " ( ص 24 ) .. نسأل : لماذا ؟ لماذا صناعة تلك الفوضى ؟ ولماذا خلق ذاك النهب ؟ لماذا جعلوا العراق بلا أي كنترول ، أو جهاز سيطرة ؟ إن الإعراس التي عاشها بعض العراقيين قابلتها أحزان ومآتم عند بعض آخر منهم .. أناس فرحون بسقوط الطاغية ونظامه القاسي ، وأناس حزنوا على احتراق ما تبقى من العراق .. انه مشهد مجنون ، كان ولم يزل التاريخ يسجله بأحرف عريضة جدا .

تشظيات العراقيين
الحفيدة الأمريكية تواجه حقيقة وطن اسمه العراق : معّممون أصابتهم الهستيريا .. عراقيون جدد كرهوا العروبة .. عاشقون لأمريكا .. يساريون ضيعتهم بوصلة موسكو .. ممثلون نزقون مغرورون .. منافقون سرعان ما انقلبوا على أعقابهم بعد أن رقصوا طويلا للجلاد .. آخرون يصلحون لتمثيل فلم عنوانه " مال شغل بالسوق .. نسوة محجبات ويلفهن السواد .. رجال بشوارب لينينية .. شباب برؤوس حليقة على طريقة مغني الراب .. ( ص 26 ) .
إن الحفيدة الأمريكية تشعر بالانسحاق الوطني ( ص 29 ) وهي تطلب السماح عند سماعها النشيد الوطني الأمريكي على ارض وطنها الأم العراق ! يتنازعها صراع من نوع نادر بين ولائين اثنين : الولاء للأصالة ولأهلها ، والولاء للأرض الجديدة التي أقسمت أنها ستدافع عنها ! تقول : " عندما وضعت قدمي اليمنى على درج الباص العسكري نحو طائرة مدنية نحو العراق .. في تلك اللحظة ، فقط ، أدركت أنني قد طويت عمري الماضي كله .. وحياتي لن تكون ، بعد الآن ، مثلما فات .. " ( ص 31 ) وتعقب قائلة : " ذاهبون لننام في حضن الموت ، ونتغطى بأكفاننا " ( ص 32 ) . وتعيش الحفيدة الأمريكية مأساة وطن بين ثنائيتين أخرويين  : " الجهاد للحفاظ على الأنوثة ، أنت أما جندي أو جارية ( ص 32 ) ، أو تعبر عن ثنائية أخرى مصورة لها بقولها : " تراني المؤلفة ربيبة الاحتلال ، وترى جدتي من نفائس المقاومة " ( ص 35 ) .. أو يصل التباين إلى ذروة الوضوح في : " أنا مجدلية خاطئة وشابة ترجم بالحجارة ، وجدتي عذراء في الثمانين تحبل بلا دنس " ( ص 35 ) .. ويتفاقم الصراع في : " أن تجعل مني الشخصية الشريرة الملعونة ، ومن جدتي بطلة طيبة وشجاعة " ( ص 35 ) .

العراق ليس عملة ورقية متهرئة !!
إن البطلة لا تجد مجالا إلا إدانة مؤلفتها التي وجدت فيها مادة لرواية وطنية .. إنها تلتصق بجدتها من ملاحقة المؤلفة لها .. إنها تجد في جدتها الحكمة .. وتقول عنها : إنها " وبالتأكيد هي لن ترضى أن تضع وطنيتها في عهدة كاتبة مسختها أزمنة الانقلابات الثورية والأحزاب القومية وجعلت منها بوقا من ورق .. كلا لن ادع جدّتي تمنحها تاريخ جدي .. يا الهي كم نتقاطع ، أنا وذلك التاريخ ، وكم نختلف ! ، لكنه تاريخي من قبل أن أولد ، وأنا سليلته وصاحبة الحق فيه ، مهما بدوت غريبة عنه وناكرة له " . وتصل ذروة في الصراع بين الذات والموضوع ، بين الحاضر والتاريخ كي تقول : " فهل تظن تلك الكاتبة الغشيمة أنني سأتخلى لها عن ارثي ، حتى ولو كان وطنية مهلهلة لم تعد تنفع في شيء ... عملة جرى تسقيطها من زمان ؟ " ( ص 36-37 ) .. هذه قفلة ليست غريبة على من يعيش من الأحفاد في الشتات .. ولكنها في عداد المحرمات في تفكير الملتصقين بالعراق ، والذين يجدونه أعظم ما في الوجود .. إن العراق ليس عملة ورقية ، أو معدنية يمكن تسقيطها ـ في نظرهم ـ .. إنها صاحبة رؤية واقعية ، وهم ما زالوا يسبحون في الخيال !
لعل أقوى تعبير ورد في الرواية هو هذا الذي يتقاطع فيها الزمن ، والأجيال الجديدة مع التاريخ .. قسم ينكره لأنه تربّى على كراهيته ، وقسم يشمئز منه لأنه يضارعه بالحاضر الأمريكي ! ويبقى آخرون لا يعرفون الا تمجيده كونهم حفدته الحقيقيون ! وهذا هو سر تباين المكونات العراقية الكبرى الثلاث التي لعبت الإيديولوجية الأمريكية عليهم ! عندما يقرأ أي عراقي حقيقي هذا النص ، سيخرج بانطباع صارم يقول للعالم كله بأن العراق ليس عملة ورقية متهرئة ، أو انه قطعة معدنية صدئة يمكن إسقاطها ! 

نشرت على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

( انتظر الحلقة الثانية من الدراسة )

29
خطوة عراقية نحو التغيير !

أ. د. سيّار الجميل

مر قبل أيام،  حدث تاريخي مهم عند العراقيين ، يتمّثل بالانتخابات المحلية لمجالس المحافظات .. ويبدو من متابعة هذه العملية ، أنها خطوة عراقية جديدة تعدّ  أفضل بكثير من تلك الانتخابات التي جرت عام 2005  بكل مشكلاتها وتزويراتها . انه بالرغم من حدوث مشكلات ، وخروقات ، واغتيالات ، وأحداث دموية في هذه العملية ، إلا أن ما حدث لا يقارن أبدا ، بذاك الذي ساد في العراق قبل أربع سنوات  .  إن هذا الحدث يكشف ، بشكل واضح ، أن العراقيين يسعون نحو خطوة جديدة لإصلاح الاوضاع السياسية المتهرئة ، والتي كانت من ورائها ، مخلفات تركة ثقيلة لتاريخ مضى ، فضلا عن سوء السياسات الأمريكية ، وصراعات القوى الطائفية والشوفينية .. ناهيكم عن تدخلات دول الجوار ، وخصوصا إيران وفرض أجندتها علنا في العراق . إن التجارب المريرة التي مر بها العراق ، قد أعطت العراقيين ، المزيد من الدروس والعبر لفرز طبيعة القوى السياسية المتنوعة ، وتبين للكثير من العراقيين ، أن العراق لا يمكن أن يسير بخطواته التاريخية نحو الأمام ، إلا في ظل وجود مشروع وطني استقلالي مدني حر ، لتوفير الأمن ، والسعي لتقدم العراق ، وتحقيق حرية العراق ، والحفاظ على ثروات العراق ، وأداء الخدمات للمواطنين .. إن العراقيين ، هم أنفسهم الذين يصنعون التغيير إزاء قوى سياسية سواء كانوا في السلطة ، أو قريبين منها تسعى إلى الهيمنة من خلال تدخلاتها وتزويراتها .. فان من سيخسر اليوم في الانتخابات المحلية ، سيخسر في الانتخابات العامة في نهاية هذا العام .
لقد عاش العراقيون في ظل سياسة ازمات ، ومحاصصات ، وانقسامات ، ومشكلات اججّتها قوى وميليشيات معينة مرتبطة بمن يريد تحطيم العراق ، ولقد أدرك الناس حاجتهم للتغيير نحو الأفضل ، وان الحاجة باتت ماسة للمشروع الوطني العراقي المدني المستقل الذي لا خيار آخر أمام العراقيين من دونه .. وان ذلك " التغيير " ، لا يمكن أن يحصل إلا من خلال إرادة جماهيرية .. إن الصراعات التي يشهدها العراق اليوم ، هي كبيرة جدا ، تتلخص بتعبيرها عن واقع منقسم على ذاته بين اكثريات وأقليات ، وبين قوى دينية وقوى مدنية ، وبين قوميات متناحرة مختلفة .. إن الحياة الصعبة التي عاشها العراقيون على امتداد السنوات الماضية كانت من ورائها سياسات أمريكية فاشلة ، كرّست مبادئ الأحادية والدكتاتورية ، ثم سياسات احتلال انقسامية ، لا تصلح للمجتمع العراقي أبدا ، وكان أن مضى في تطبيقها ، العديد من القوى التي لعبت على ما أطلق عليه بـ " المكونات الكبيرة والصغيرة " ، فضلا عن إطلاق الإرهاب ، واستخدام أسوأ الأساليب ، مع افتقاد الأمن والنظام .. كل هذا وذاك أتى سابقا بقوى متسلطة ، ومجالس محلية غير صالحة لا للإدارة ولا للسياسة ، ولا للسلطة .. فالتهبت الصراعات ، وازدادت الانقسامات ، وتكرّست المحاصصات ، وكثرت التدخلات ، وسرقت الثروات ، وماتت الخدمات .. على امتداد أصعب ثلاث سنوات من الحياة العراقية اليوم بدءا من 2005 ، 2006 ، 2007 ..
إن التغيير ، ضرورة عراقية .. ولعل أهم من يقف إزاء ذلك التغيير من اكفهرار المأساة إلى الخروج بالعراق من شواطئ الأمان ، وما الانتخابات التي جرت الا تجربة على الأرض ، لا سبيل للعراقيين الا ممارستها من اجل درء المخاطر ، فضلا عن كون ذلك هو الاسلوب الحقيقي لانتصار القوى السياسية النظيفة التي تحلم من اجل تحقيق مشروع وطني مدني عراقي يحقق للعراقيين آمالهم وأمانيهم ، ويخّلص العراق من كل الانقسامات ، ونغمة المكونات يحافظ على ثرواتهم التي تبعثرت على امتداد السنين السابقة .. إن العراق ، لا يمكنه أن يعيش أبدا الا مستقلا عن أية تدخلات كيلا يتفجر مجتمعه إلى طوائف وشرذمات .. إن التغيير لا يمكن أن ينجح الا بوصول أناس لهم سمعتهم واستقلاليتهم ووطنيتهم ونظافتهم وسعيهم لخدمة الناس في مجالس المحافظات كي ينتشلوا العراق مما آل إليه في كل المجالات .. وليتم استعداد العراقيين لخوض الانتخابات العامة نهاية عام 2009 .
إن العراق سيبقى ضمن تجاذبات ومشكلات لا حصر لها ، بين قوى دينية وعلمانية ، بين قوى وطنية وشوفينية .. الا انه بحاجة إلى طبقة إداريين ، وتكنوقراط ، ورجال قانون وتشريعات ، وساسة مدنيين ، ومثقفين حقيقيين ، لتأمين فرص التغيير. إن العراق بحاجة إلى المزيد من التشريعات الخاصة بالأحزاب والانتخابات ، والحفاظ على الثروات والمال العام .. إنه بحاجة ماسة إلى أن يكون صاحب مكانة عربية وإقليمية بعيدا عن عبث دول الجوار به .. وينبغي أن يخرج من عنق الزجاجة وتحديد علاقاته بالآخرين ، والبحث عن عمقه الاستراتيجي ، والالتفات إلى نفسه ، ومحاسبة كل المقصرين ، والمتآمرين ، والمخطئين بحقه ، وسّراق ثرواته ، والعابثين باستقلاله ومقدراته .. إن التغيير ضرورة عراقية لا يمكن إيقافها .. وعلى دول الجوار ، احترام علاقاتها مع العراق وشعبه ، وخصوصا إيران ،  ومنع تدخلاتها الفاضحة ، وإيقاف نهب النفط العراقي .. وتحريم تمرير أية أجندات دموية لتدمير العراقيين . إن التغيير لابد أن يطال كل العراقيين لبدء تاريخ جديد ، وبروح جديدة ، وببرامج جديدة ، لا يمكن أن يصنعها إلا المشروع الوطني المدني .. وما نخب العراق السياسية البراغماتية النظيفة ، أو قوى التكنوقراط والمثقفين الحقيقيين بعاجزين عن تحقيق أحلام العراقيين ! 
نشرت في البيان الاماراتية ، 4 شباط / فبراير 2000
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com

30
الأحفاد في الشتات

(2) ازدِواجيّة الانتماء

أ.د. سيّار الجَميل


5/ ازدواجية الانتماء : المعنى العراقي
لقد أدركت من غير أي سؤال ، أن مضمون أية دراسة علمية ، سيتركز على أوضاع جيل عراقي توزعت سايكلوجيته بين عالمين اثنين ، أو قل ، ثقافتين مضادتين : ثقافة عراقية ترّبى أي عراقي عليها في سنوات تكوينه الأولى في العراق ، ولازمته مع أهله في بيته ، ومع معلميه ، وأصدقائه في مدرسته .. وثقافة غربية ( قسرية له ) ، وجدها بعد هجرته ، أو هروبه ، أو نزوحه في فضاءاته الجديدة ، سواء في أوربا ،أم أمريكا ، أم استراليا ، أم نيوزيلندا وأماكن وبيئات أخرى.. وستكون لسايكلوجيته إرهاصات من أنواع أخرى إن عاش في بلدان آسيوية أو إقليمية أو عربية . وغدا هذا " الجيل " المغترب يعيش " ازدواجية “، أو قل، " ثنائية " راسخة في تربيته ووجدانه.. بين تكوينه الأول ونضوجه الثاني .. بين ذكرياته الأولى التي تحمل كل المعاني مهما كانت قساوتها ، وبين ثقافته الجديدة التي تحمل كل التشيؤات مهما كان نضوجها . إننا نجد ازدواجية الانتماء،  في كل مكان ولدى أي نوع من البشر، فتتصادم تقاليده المشّبع بها بغيرها من الثقافات الغريبة عنه ، بل وتبقى تقاليده وطقوسه هي المسيطرة على وجدانه بكل أشكالها ومضامينها التي سحبها معه من  دواخل أي مجتمع أتى منه ، ليتشكّل صراع داخلي عنده ضد المجتمعات التي احتوته ، بين عهد وآخر ، وكلها تترجم نفسها في بيته وبيئته فينعزل الآباء والأجداد عن الأبناء والأحفاد ضمن فضاء ثقافي واحد .. ولكن أن تتنازع الإنسان ثنائية في الانتماء لما هو عراقي شرقي إزاء أمريكي غربي ـ مثلا ـ ، فهذه تجربة سايكلوجية من نوع جديد ، وولادة سوسيولوجية تطفح لأول مرة على سطح التاريخ ، وهي تجديد مفعم بالتحولات المريرة من نوع ما، تعيشها الجاليات في خضم مخاض مأساوي في التاريخ.. إذ يتنافر كل طرف عن الطرف الآخر ، وكما يحدث الصراع ، أي نوع من الصراع في دواخل أي مجتمع في الداخل إزاء الخارج ، كذلك يتنافر كل من الانتماءين في سايكلوجية إنسان واحد سواء يعيش في الشتات ( = الوطن الجديد ) أو جاء يركض لاهثا نحو الوطن الأم ، ( فوجده هو الشتات الجديد ) !

6/ ديالكتيك الزمن : ذروة التناقض
هذه باختصار، هي الفلسفة بعيدة المدى، وعميقة البعد ، لمن يفكر في اغتراب ملايين الناس، عن وطنهم، بكل الطرق التي وفرتها الأحداث المأساوية.. إن الرؤية ، التي يحملها الأحفاد العراقيون الذين غدوا ، مثلا ، من الغربيين في بريطانيا ، أم كندا ، أم أمريكا ، أم استراليا ، أم نيوزيلندا .. الخ يتعاملون بغير لغتهم الأم  ، وهي وحدها ، حكاية نموذج من ملايين الحكايات التي يتبادلها العراقيون فيما بينهم منذ عشرات السنين .. إن الأحفاد العراقيون ، شاءت الصدف أن تجعلهم في حالة تصادم بين ثقافتين ، أو حالة ديالكتيك بين هويتين .. أو حالة تناقض، بين ذاكرة عراقية، وبين ثقافة غربية.. كلها ، ذلك التصادم وذاك الديالكتيك ( = الجدل ) وصولا إلى ذروة التناقض ، هي بالأحرى عملية صراع ثقافي وسايكلوجي أساسا في بنية كل الأبناء والأحفاد الذين يعيشون حياتهم مزدوجي التفكير ، والهوية ، والثقافة إلى حد ما ! باختصار، أقول هنا، بأن ما وجدوه في مجتمعاتهم الجديدة التي تربوا في أحضانها كان اكبر بكثير من عانوا منه ، أو ما سمعوه ويسمعوه كل يوم عن مواطنهم الأولى التي تعيش جملة مآس لا حدود لها .

7/الحلم البعيد لن يتحقق بسهولة !
كان كل العراقيين في المهجر ، يرنون إلى تلك " اللحظة التاريخية " التي تجعلهم يحلمون أن يكون العراق بين يوم وليلة كما كان عليه أيام ألف ليلة وليلة ، أو على اقل تقدير ، كما كان عليه في الخمسينيات من القرن العشرين ، مستقرا ، منتجا ، موحدا ، متطورا . نعم ، وكان الإعلام الأمريكي يّصور للعالم أن عصرا جديدا سينفتح أمام العراقيين حيث ( الديمقراطية ) وحقوق الإنسان، والمجتمع المدني، والحياة الدستورية.. وبالفعل، برزت للعالم عدة منظمات ومجموعات عراقية، في الداخل والشتات ، واندفع الكثيرون ، ولكن نحو التيه ، وهناك من يستغرب أن هناك حتى يومنا هذا من لم يزل يصفق للفراغ وهو بانتظار أن يغدو حلمه حقيقة قائمة بذاتها .. بالرغم من كل الهزّات والصعقات وحياة الفوضى التي تعج بالعراق ، وفرص التشنيع التي يمارسها العراقيون في ظل الحياة الجديدة باسم الديمقراطية التي لا يدركون أساليبها وتقاليدها أبدا !

8/ تجسير الهوة بين الداخل والخارج
ربما ينفرد العراقيون فقط عن غيرهم ، أنهم يعيشون التمايز منذ زمن بعيد بين من بقى في وطنه من أبناء الداخل ، وبين ذاك الشارد عن وطنه إلى ارض الشتات . ثمة تمايز تحّول مع مرور الأيام، وبفعل سياسات القمع الداخلية، ومواريث المجتمع السيئة، إلى تأسيس للكره والحقد والبغض والنظرة الحسودة من قبل أبناء الداخل لإخوتهم أبناء الخارج .. كونهم يعيشون حياة مرفهة ووديعة، ولم يعانوا الأمرّين، كالذي يعانيه أبناء الشعب كلهم.. وبالرغم من صواب هذه الرؤية ، إلى حد كبير ، إلا أن ابن الشتات تعّرض ، ولم يزل يتّعرض لمشكلات صعبة جدا لا يدركها أبناء الداخل ، فضلا عن أن أبناء الشتات ، وقفوا وقفات إنسانية ووطنية لا تنسى أيام الحصار الجائر على العراق ، وهي وقفات اجتماعية ، وأخوية ، قوية دللت على أن الروح العراقية لا يمكنها أن تنفصم أبدا لدى جيل الأمس.. اليوم ، تتحمل وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والتعليمية العراقية ، دورها في العمل على تجسير الفجوة بين العراقيين كلهم مع أبنائهم وأحفادهم في الخارج ، كي يساعد على الاندماج بما يخدم المجتمع العراقي بعيدا عن التمزق والتفسخ .

9/ الاوهام البليدة
لقد كان الأحفاد في الشتات أكثر اندفاعا من آبائهم وأجدادهم في موجات هذا التيار بالخروج من ازدواجية الانتماء إلى أحاديته  .. قبل أشهر مضت ، قابلت في تورنتو الكندية مجموعة عربية من رجال عرب كهول السن ، وهم يعيشون أفكارهم المحتقنة ، إذ يريدون بثها في الغرب ، ولما جابهتهم أن أحفادهم سيغدون كنديين حقيقيين مستقبلا بحكم الزمن ، انتفضوا انتفاضة كبيرة واستعاذوا بالله من الشيطان الرجيم ، فقلت لهم : إنها حقائق أثبتها الزمن على غيركم ، خصوصا وإنكم تتمتعون بالقوانين الكندية اليوم ، ولكنكم ترفضون الواقع وانتم من الهاربين .. وهذه هي محنة المهاجرين العرب والمسلمين في الغرب خصوصا .. إنهم يتوهمون جعل العالم يمشي حسب مزاجهم وأهوائهم وأفكارهم .. فإذا كنتم قد فشلتم في أوطانكم التي أدرتموها من الأمام إلى الوراء ، فكيف باستطاعتكم تغيير العالم كما تريدون . إن العالم أقوى منكم جميعا، وهو لا يكترث بكم، بل يعّول على أحفادكم في الشتات ! إن مجتمعاتنا في دواخلها ، تتوهم الأخيلة حقائق ، ولكن ليس كمن انتظر طويلا لإصلاح ذات الحال ، والخروج من مأزق الظلم والعنف والحروب والحصارات ، كي يدخل فوهة بشعة، ولكن من نوع آخر ، حيث انسحاق المؤسسات واختفاء الأمن ، وتبلور الانقسامات ، واشتعال الحرب الطائفية ، وانتشار الإرهاب ، وإشاعة التمزقات والتباينات باسم المكونات ، أو الاكثريات والأقليات ..
 
10/ العراقيون .. ضرورة التواصل  
 أود القول إن هذا " المقال " يمّثل حصيلة قراءات علمية لبعض مشروعات التنمية الاجتماعية التي قمت بالإشراف أو الاطلاع عليها أكاديميا في بعض الجامعات الغربية ، وخصوصا دراسة أوضاع الجاليات العربية في الشتات ، ومن خلال أسئلة لاستطلاعات الرأي ، ومنها الجالية العراقية التي تمّثل نماذجها ، فرادة في تنوع أسباب الهجرة والهروب الجماعي ، أو النزوح واللجوء ألقسري نحو الغرب على امتداد خمسين سنة مضت .. وربما تلاقت الأسباب والنتائج مع ما يعانيه العرب جميعهم وغيرهم من شعوب المنطقة في الشتات. إن التركيز هنا، على الجاليات العراقية ، سيمنح الآخرين ، عدة فرص للدراسة والاستفادة، ولكن من نوع آخر، إذ تبيّن لنا من خلال استطلاع الرأي أن جيل الآباء له شديد الحنين لأرض الوطن، وتقل النسبة كثيرا عند جيل الأبناء. وتكاد تكون هذه " الحالة “، نادرة عند جيل الأحفاد الذي لا يدرك هويته إلا في الحاضنة التي ترّبى فيها.. وهذا أقسى ما سيصل إليه النزيف البشري من مجتمعاتنا ( العربية خصوصا ) والمكبلة بالتناقضات.

وأخيرا : نزيف بشري عن وطن محترق !
إن الأحفاد والأبناء، قد ضاع أملهم في الرجوع والعودة إلى وطنهم المحترق حتى إن كان الرجوع زيارة قصيرة.. بل وبدأ العراقيون يتدفقون على بلدين عربيين مجاورين كي يمارسوا الضياع، ويتفاقم الأمر كثيرا عندما يصبح النزوح حالة جماعية.. إن متغيرات الحياة الصعبة في أوطاننا، بكل جروحها وقروحها، على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين قد خلقت هذا النزيف البشري الذي لا انسداد له ، وخسرت بلادنا العريقة أهم ثروة سكانية من أبنائها ، وكلهم من ذوي القدرات المبدعة ، والمهن الخلاقة ، والكفاءات الرائعة  .. فمتى تستقر حياة أوطاننا وتتطور الحياة فيها كي ترجع الطيور إلى أعشاشها .. بدل أن نهدي العالم أولادنا وأحفادنا على امتداد قرن آخر من الزمن ؟؟

نشرت على موقع الدكتور سيار الجميل 1 afh’ L tfvhdv 2009
www.sayyaraljamil.com






31
2009: علامَةُ تشكيل نظام اقتصادي عالمي!!


أ. د. سّيار الجميل


سوف لن تموت الرأسمالية ، كما يتوّقع البعض ، ولكنها ، ستحاول التخلص من الطريق المسدود الذي يواجهها ، بعد أن شاخ نظام اقتصاديات القرن العشرين ، وان الأزمات المالية ، وعبثية الشركات ، والانفلات الذي عاشه الاقتصاد العالمي ، والإخفاقات المريرة التي طالت حياة الأسهم والسندات والدوائر المالية والبنوك .. والمشاكل التي حفلت بأسواق معينة دون أخرى ، والجشع الذي سيطر على دوائر الاستثمار .. فضلا عن انسحاق مجتمعات ودول ، وولادة طفيليين من مليارديرات في العالم على حساب آخرين من منتجين ومبدعين في العالم .. كلها دعت مستجيبة لتحمس أوروبا  من اجل تأسيس نظام لإقامة نظام مالي عالمي جديد, وكان الرئيس الأمريكي السابق جورج  بوش قد وافق على استضافة قمة عالمية حول إصلاحات النظام  المالي والاقتصادي العالمي ، بعد مروره في خضم أزمات لم تحلها إلا  " الدولة " التي عرف مدى الحاجة إليها . هنا ، سيكون للدولة دورها الأساسي ، ولأول مرة بعد ذبول التجربة التي مرّت ، وقد سحقت مجتمعات عريضة نتيجة سياسات مخيفة تلاعبت بشأن أموال الناس التي ذهبت طعمة لسوء سياسات جشعة ، تلك التي توّقع حدوثها بعض من فكّر في ظاهرة عولمة بلا ضوابط ..   وغدت أوروبا ضحية كبيرة للازمة المالية الأمريكية. وبينما لا  البنوك  الأوروبية تكافح ضعف الائتمان الناجم عن التعثر في دفع  قروض الرهن العقاري عالية المخاطر في الولايات المتحدة,  أدركت أوروبا أنها لا تستطيع الانفصال عن الولايات  المتحدة. وعلاقاتها القوية بها .. وقد يمتد ذلك إلى دول أخرى في كل الشرق الأقصى والخليج  ، أي في المجالات الحيوية في العالم .
إن النظام الامبريالي الذي ساد في القرن العشرين ، وتحداه النظام الاشتراكي ، فسقط الأخير وبقي  النظام الامبريالي يترنّح مع طغيان أعمى لتوحش رأس المال ، وغيبوبة الدولة ، وضراوة الشركات عابرة القارات ، فكان أن اخفق اليوم إخفاقا مريرا ، إذ لم يعد يتجانس مع ضرورات العصر .. فكانت الأزمة المالية التي قادت إلى الركود ، ومن ثم الكساد  وسحبت أمريكا العالم كله معها وتعثرت كل الأسواق العالمية عند مطلع العام 2009 ، وهي السنة التي ستكون أصعب سنوات هذه المرحلة التي سينطلق منها نظام كابيتالي جديد نحو القرن الواحد والعشرين .
في العام 1997 ، أي قبل 12 سنة من اليوم ، كتبت عن انعكاسات العولمة الجديدة  ، قائلا : " إن العولمة الجديدة بمحاورها الأساسية ، ستنتج المزيد من الأفكار والأساليب التي تتحكم اليوم وحتى العام 2009 ، بأوضاع العالم الصعبة .. وربما أنبأتني بعض التقديرات المستنبطة .. عن المرحلة الانتقالية المعاصرة حتى عام 2009 ، وما سينعكس على مصائر الكرة الأرضية .. وما سينتج عنها من تداعيات ونتائج وترسبّات صعبة : دولية وإقليمية ومحلية وعلى مختلف المستويات " . وأتابع قائلا : " كل هذا وذاك سينتجان ـ حتما ـ انطلاقة من نوع ما هو مخطّط له ومرسوم إليه في القرن القادم ( اقصد القرن 21 ) ، إذ سيشهد المستقبل المنظور ، جملة من التحولات التاريخية  الكبرى Historical Transmutations بعد عام 2009 ، وعلى امتداد جيل كامل (= 30 سنة ) ، أي حتى العام 2039 ، تلك التحولات الرأسمالية الاقتصادية المروّعة التي ستنتج تفاعلات بالغة الآثار والخطورة في العالم ، وخصوصا في المجالات الحيوية منه .. "  انظر :  كتابي " العولمة الجديدة والمجال الحيوي للشرق الأوسط : مفاهيم عصر قادم " المنشور ببيروت : مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث والتوثيق ، 1997 ،  ( ص 279- 280 ).
إذا كان العالم قد دفع الكثير من مدخراته وثرواته وأتعاب شعوبه نحو الفراغ .. فان أوروبا معرضة لان تدفع ثمنا اكبر مما تدفعه الولايات المتحدة لأنه من الصعب للاتحاد الاوربى الذي يضم 27 دولة أن يستجيب للازمة بنفس سرعة واشنطن.  وحاول كل عضو بالاتحاد  الاوربى من جانبه مكافحة الأزمة. وكانت استجابتهم  المتفرقة مبعث قلق للأسواق المتعثرة.  وأرجع قادة الإتحاد الأوروبي بوضوح الأزمة المالية  إلى فشل رأسمالية السوق الحرة في الولايات المتحدة .. وإذا كانت أمريكا تتحمل مسؤوليتها الكبرى ، فان العالم كله قد اشترك معها في ضروب من الجنون .. ويدفع اليوم أثمان تلك " الهرولة " بالرغم من اعتراف الكل بأن ما حدث لا يمكن اعتباره أزمة الرأسمالية نفسها ، بل أزمة نظام منفلت الرؤية ، ومتوحش الأبعاد ابعد نفسه عن أهم قيم الرأسمالية .. وان الضرورات تقتضي ولادة نظام اقتصادي يكون للدولة فيه شأنها للإشراف ، وللدول مبادئها واتفاقياتها .. ولا تبقى الشركات من دون أي قيود ولا أي ضبط ولا أي ربط ولا أي حماية .. مع التقليل من الجشع ، والاندفاع نحو إصلاح النظم  ، وقواعد اشد صرامة بشأن صناديق التحوط, وقواعد جديدة لشركات التقييم  الإئتمانى, وحدودا لرواتب المسؤولين التنفيذيين.  والحد من الهيمنة الأحادية في الاستقطاب مع تعزيز الإشراف الدولي  على تلك المؤسسات المالية العملاقة. 
وأخيرا نتساءل: هل مفهوم " التغيير " الذي حمل مشروعه الرئيس الأمريكي الجديد ، سيساعد في إجراء التحولات التي توقعت حدوثها منذ أكثر من 12 سنة ؟ أقول : نعم ، ولكن ليست بالسرعة التي يتأملها السياسيون ، ذلك أن العام 2009 ، سيشهد مخاطر جسيمة جراء ما حدث للعالم خلال العقدين المنصرمين ، ولكنني اعتقد أن في هذا العام ، ستجري تغييرات كبيرة ، تأسيسا لنظام اقتصادي ورأسمالي جديد باستطاعته أن يقود العولمة الجديدة نحو آفاق القرن الواحد والعشرين ، وخصوصا خلال الثلاثين سنة القادمة من مستقبل البشرية .
نشرت في البيان الإماراتية يوم 28 يناير 2009 ، واعيد نشرها في موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

32
الأحفاد في الشتات
(1) إشكاليّة الهوّية

أ.د. سيّار الجَميل


مقدمة : من حفزّني لمعالجة الموضوع ؟
اعترف إن ما حفزني الإسراع بإكمال هذا " الموضوع " ، قراءتي للرواية الممتازة " الحفيدة الأمريكية " التي صدرت قبل أشهر ، وكانت قد أهدتها لي مؤلفتها الكاتبة المبدعة السيدة إنعام كجه جي ، وستكون لي جولة نقدية وتحليلية قريبا في عالم روايتها الجديدة التي شغفت بموضوعها وأسلوبها ومغامرة صاحبتها في معالجة بعض تناقضات صعبة أفرزتها الحياة العراقية الحديثة ، وخصوصا في النصف الثاني من القرن العشرين ، فلقد انتهكت تلك " الحياة " انتهاكات لا أول لها ولا آخر .. وكثيرا ما أتأمّل حالات الهروب الجماعي ، والاستئصال السياسي ، والهجرات المتوالية للعراقيين في دياسبورا العالم كله . وكان العراقيون وما زالوا يدفعون أثمانا باهظة من تلك الحلاقة البشرية للمجتمع العراقي الذي كيف كّنا سنتخيله اليوم ، وهو لم يزل ثابت في أرضه ، ينتج على ترابه ، منغرس في بيئته،  وهو سعيد يملؤه الحبور بتقدمه وتحضّره وما قدمه للعراق ومساهمته في البناء من خلال العراق للبشرية قاطبة ؟؟ تخيلوا معي ماذا لو بقيت تلك الملايين على ترابها العراقي منذ خمسين سنة حتى يومنا هذا ؟ أنها ملايين من المهاجرين والمطاردين والنازحين والمهّجرين والمنفيين والشاردين والمغادرين سرّا ، أو الهاربين قسرا بفعل ما مرّ على العراق من فواجع ونكبات لا يمكن تصورها ، وكما سيصعق أبناء المستقبل في التعّرف على الحقائق التي لم تزل مخفية ، ولم يعلم بها أغلب العراقيين الذين لا يعرفون الا ما ظهر على السطح ، فما خفي من مأساتهم ، كان أعظم . دعوني أثير معالجا إشكاليتين اثنتين ، أولاهما تتعلق بالهوية ، وثانيتهما تتعلق بازدواجية الانتماء .. 

 هل من دراسات علمية ؟
إنّا بأمس الحاجة إلى دراسة حياة جالياتنا كلها في جميع شتات الأرض.. بل وينبغي معالجة هذا النزيف البشري الخطير الذي أصاب مجتمعاتنا في عموم أهم بلدان الشرق الأوسط .. وإذا كنّا على دراية شبه تامة بالأسباب والدوافع التي كانت وراء هجرة الآلاف المؤلفة من الآباء والأجداد نحو مناطق مختلفة من العالم ، فنحن بأمس الحاجة اليوم ، إلى إدراك نتائج ومصائر أولئك الناس الذين يعيشون اليوم جملة مشكلات ، وأزمات ، وتباينات في العلاقة بين الماضي والمستقبل ، واختفاء هوية، وازدواجية انتماء، وهوس ثقافة.  وهنا، أتأمل دوما بما ستؤول اليه مصائر تلك " الجاليات " ، وأشير إلى أن جاليات عربية كانت قد نزحت من لبنان واليمن والجزائر منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر نحو أوروبا والأمريكتين .. وقد اضمحلت اليوم، واختفى الأحفاد في خضم مجتمعات غريبة . هكذا، فان مصير الأحفاد الجدد اليوم سيكون نفسه ذلك الذي حاق بمن مضى من الأحفاد، وخصوصا من العراق وفلسطين ولبنان وسوريا ومصر والمغرب والجزائر وتونس .
إنني أرى ، انه بالقدر الذي يمكننا معرفة ما سيؤول إليه مصير الأحفاد ، وخصوصا في هويتهم وثقافتهم ، إذ أنهم سيفقدون انتماءهم لا محالة في الشتات ، فلابد من المطالبة بمعرفة ما يدور في عقلية ، وتمنيات ، وأفكار الأحفاد في بلداننا بالداخل ، إذ أن ثمة موجات عارمة من التمرد الاجتماعي والثقافي والسياسي في مجتمعاتنا بالضدّ منها ، وان هناك ، رغبة كبرى لدى الشباب في الهجرة الخارجية ، وعدم الاكتفاء بالهجرة الداخلية بين بلدان المنطقة! إن ظاهرة التمرد الداخلي لابد من إيجاد حلول ومعالجات لها من قبل الحكومات والقوى الاجتماعية والإعلامية المتآلفة معها، لدرء الأخطار القادمة. إن المشكلة لم تعد سياسية فحسب، ولا اقتصادية أيضا ، بل إن ثمة أسبابا اجتماعية قاهرة ومقيتة كالتفرقة العنصرية ، والاختلافات الدينية ، والتمايزات الطائفية ، وصراعات القوى المحلية والطبقية والطفيلية.. الخ كدوافع حقيقية في الهجرة والانطلاق نحو المجهول.

1/ أشكالية الهوية
ان العراقيين ، ليس كما يتصور البعض ، قد تشكّلت هويتهم العراقية مع تأسيس الدولة عام 1921 ، ولكنها كانت مغروسة فيهم منذ أزمان طوال ، ربما تبلورت الهوية الوطنية عند بدايات القرن العشرين ، ولكن هويتهم الحضارية والمدينية لها رسوخ في التاريخ ، ولا يمكن إنكارها بجرة قلم ، كما يفعل بعض الذين لم يدركوا مغزى ما عبّرت عنه أدبيات العراقيين ومواقفهم وأساليب حياتهم في القرون الأخيرة . اليوم ، الهوية العراقية والهوية الوطنية في أزمة سواء في دواخل البلاد ام في الشتات .. هناك صراعات متنوعة بين الآباء والأبناء والأحفاد حول طبيعة هذه الهوية ( ليس الوطنية ) بل تلك العراقية الحضارية التي ما انفصلت يوما ! وهناك صراع من نوع آخر بين من هو في دواخل العراق أم أولئك العراقيين الذين يتوزعون في شتات العالم .. ان الهوية العراقية : شعور ونزوع او تصوير حمل هوية عراقية عرفت بخصوصياتها من التقاليد والأعراف والأساليب والقيم والمدارك المشتركة والتي تستحوذ على ضمير كل عراقي حقيقي من العراقيين .

2/ التشظيات .. بداية الاختفاء
إن العراقيين قد تشتتوا في بيئات متنوعة من العالم ، وأصبح الأولاد والأحفاد يحملون ما تبقى لديهم من نزوع عراقي خليط من تنوع ثقافي ، كل في البيئة التي نما وعاش فيها ، فضلا عن أن التشتت الثقافي الذي يعيشه العراقيون من جيل الآباء والأجداد ، فلا يمكن جمعه من جديد ابدأ ، فكيف بأبنائهم وأحفادهم ؟ أما الأبناء والأحفاد في داخل العراق ، فهم يعيشون انتماءات مختلفة لتشظيات لا حصر لها .. إن الخروج من أزمان مختنقة جعلتهم يعيشون حتى الآن تشظيات لا حصر لها ، بعيدا جدا عن القيم العراقية التي توارثها العراقيون أبا عن جد . ولكننا نشهد، انتقالا فاضحا لما تعيشه كل جالياتنا التي يجعلها الحنين وازدواجية الانتماء تقود إلى الفراغ، أو يقودها إلى الرفض.. أما يرفض انتمائه الأول، ويصبح جزءا من أجزاء الثقافات الجديدة التي تغزو العالم اليوم، أو أن يبقى مزدوج التفكير بين ثقافتين، ولا يعرف ماذا يريد، ولكنه يصر على هوية دينية أو طائفية أو وطنية.. وقد يعبر عن ذلك تعبيرا هادئا أو ينخرط ليغدو واحدا من المتمردين الذين يقبلون بفعل أي عمل مضاد للغرب . إن جيل اليوم من العراقيين الجدد يعيش اغترابا في زمنين مختلفين ، ومكانين متباينين، زمن راحل وزمن حاضر.. وعراق داخل وعراقات في الخارج .. ربما لا تحتمل الازدواجية ، بل تتفوق على ذلك كثيرا مع جملة هائلة من التناقضات الراسخة في التربويات ومع الأهواء وما يدور في العقل وما يعتمل في الضمير مع انقسام داخلي وخارجي طائفي أولا ، وديني ثانيا ، وقومي ثالثا ، إزاء تكوين تربوي وثقافي وإعلامي وقانوني غربي يختلف اختلافا جوهريا عن كل حياتنا التي نحياها في أوطاننا الأم .

3/الوطنية الحقيقية ام الكاذبة ؟
إننا  نتعامل ، اليوم ، مع عراقيين من شتى الملل والنحل، وكل واحد منها ، عالم بحد ذاته يحاول أن يجذب الآخر إليه، وعالم يريد العزلة، وعالم يطمح للانفصال، وعالم متقّيح بكل ما يحمله من أحقاد وكراهية للآخر .. وعالم آخر يشعر بالانسحاق دوما ويريد أي تعاطف معه.. وذاك عالما يشعر أن الجميع يستأصله ، وهو متشبث بكنائسه وأرضه ووجوده بالرغم من كل ما استنزفه . إن مشكلة الانتماء للعراق، تبدو في بعض الأحيان موضوعا اسميا لهوية يريد أن يمتلكها كل طرف على حساب الطرف الآخر، والكل يشعر أن العراق بكل خصبه، وذاكرته، وتراثه وطيب الحياة فيه هو العالم الذي ينبغي أن يندمج الجميع فيه. السؤال الآن: هل هناك من أسباب تدعو للانفصال عنه ليس من الناحية العملية، بل من الناحية النظرية على الأقل ؟

4/ اقتلاع الجذور القديمة وتطعيم الاغصان الجديدة
إنني كثيرا، ما أشبه حالة الأحفاد كونهم قد اقتلعت جذورهم ، وطعّموا ليكونوا أغصانا جديدة لمجتمعات أخرى .. أمامنا تطغى نماذج مختلفة من تشتت انتماء العراقيين ، وتشظّي الأبناء والأحفاد .. ربما لا يتألم الآباء والأجداد ، وهم لا يفكرون إلا بالخلاص من جحيم العراق ، ولكن سينتابهم القلق الكبير إن فكّروا بما سيؤول إليه مصير أبناءهم وأحفادهم ، وقد زرعوا نبتا مختلفا في مجتمعات أخرى يندمجون فيها على مهل ! ثمة آباء قد فرحوا بما صنعوه ، كون العراق قد أصابهم في الصميم ، ولكنهم غير منفصمين ، ولا بمنفصلين ، عن انتماءاتهم العراقية .. وثمة من يفكّر دوما بالماضي ، ويسترجع ذاكرته بينه وبين زوجه ، أو من أبناء جيله ، فالجيل الجديد لا يكترث أبدا بحكايات الآباء والأجداد ، بل وان علاقته بالعراق هي علاقة روحية يّعوض من خلالها النقص الذي يشعر به أبناء كل جالية في أي بقعة من الأرض . إن الأبناء والأحفاد لكل العراقيين سيبقون أبناء جالية ( أو : جاليات ) لحين من الزمن ، ومن ثم تجدهم ، وقد اندمج أبناؤهم وأحفادهم في المجتمعات التي التجئوا إليها أو هاجروا نحوها ، وانفصلوا تماما عن أرضهم وهويتهم وما تبقى من انتماءاتهم العراقية .. وهو أهم نموذج لبقية الجاليات الأخرى في المنطقة. إن البعض من قصار الرؤية سيتفلسف ويثرثر طويلا كونه يرى نفسه في أبنائه وأحفاده، لكنه لا يدرك حجم المأساة بعد مائة سنة من اليوم مثلا !

نشرت على موقع الدكتور سيار الجميل  26    يناير / كانون الثاني 2009

www.sayyaraljamil.com

33
أحمر .. بالخَطّ العريض !!
أ.د. سّيار الجَميل
مقدمة : تفاقم التناقضات
نادرة جدا ، هي البرامج التلفزيونية العربية الجادة التي تعالج شؤوننا الاجتماعية والتربوية والثقافية في الفضائيات العربية التي انتشرت على امتداد عشر سنوات مضت انتشارا كبيرا ، ونادرة جدا ، تلك الإمكانات الإعلامية العربية المقتدرة على اختراق واقعنا الاجتماعي الصلب الذي يكاد يكون اخطر بكثير من واقعنا السياسي الذي تعّبر تشظياته ومآسيه عن تناقضات اجتماعية غاية في الغرابة .. وكلما يتقدّم الزمن نحو الأمام ، تزداد مشكلات مجتمعاتنا ، بل ويتفاقم الصراع بين ما هو راسخ من التقاليد والمألوفات ، وبين هذا الذي يتصادم معها من منتجات العصر وضروراته المعاصرة . وبقدر ما فقدت مجتمعاتنا من عادات رائعة كانت تمتلكها وقد اشتهرت بها منذ عصور خلت ، وعّبرت عنها مجموعة هائلة من الأدبيات والمواريث المدينية والحضرية ، إلا أن مجتمعاتنا قاطبة قد اختلطت اليوم بفعل ما ساد من مخاضات ، وما انتشر من هجرات ، وما تصادم من ثقافات .. فانكمشت مجموعة كبيرة من الايجابيات وسيطرت جملة هائلة من المثالب والسلبيات . إنني لا أنزّه مجتمعات الدنيا قاطبة من سوالب ومثالب ، ولكن ثمة من يعالجها هناك أكاديميا وإعلاميا وقانونيا ..
برنامج تلفزيوني حيوي وناجح
بدأت أتابع منذ أسابيع ، برنامجا تلفزيونيا رائعا على فضائية ( ال بي سي ) اللبنانية ، بعنوان ( احمر .. بالخط العريض ) والذي يقدّمه بنجاح منقطع النظير الإعلامي اللبناني الشاب مالك مكتبي الذي تفّوق على أقرانه ، ليس في تقديم المادة ،بل في أسلوب معالجة جملة من الظواهر الخطيرة التي تسود مجتمعاتنا .. انه يكشف بجدارة عن مخفيات لا يجرؤ احد على كشفها .. انه يقدّمها بأدلة وحيثيات وتقارير وبنفس الشخوص الذين يستقدمهم ليقولوا ما عندهم أمام الملايين.. انه يحفر فعلا خطوطه الحمراء بالقلم العريض .. ولقد دعاني كل ما تابعته على امتداد الشهرين السابقين أن اكتب عنه مقالتي هذه محفّزا غيره من الإعلاميين العرب ، ومحطات فضائية أخرى شهيرة أن تلتفت إلى مجتمعاتنا لمعالجة ظواهر لا حصر لها من التخلف والتأخر .. والكشف الفاضح عن ظواهر خطيرة تكمن فيها ، وتعرية الأفكار السائدة كي تأتي على  شخوص وأناس يعلنون على الملأ معتقداتهم البالية ، وجناياتهم على مستقبل أجيالنا القادمة . إن القضايا السياسية والسلطوية والأحداث اليومية هي الشغل الشاغل للإعلام العربي منذ وجد قبل عشرات السنين حتى يومنا هذا ، إذ لم يلتفت أبدا إلى عمق مشكلاتنا الاجتماعية وخطورتها ، وان كانت هناك ثمة التفاتات معينة ، فقد كانت ولم تزل تجري على استحياء ، وبأسلوب إنشائي فضفاض ..
بعض نماذج خطيرة
كتبت لي إحدى طالباتي السابقات تعاتبني بأدب جم ، وهي مستغربة هجومي على بعض " التقاليد " الاجتماعية العربية .  ولماذا اسميها " بالية " وهي من صلب " الدين " ؟ فأجبتها: دوما ما تقرن التقاليد، بالعقائد وبالدين في تفكير الأغلبية للأسف الشديد.. من دون أي شعور بما تركه التاريخ لدينا من بقايا وترسبات سيئة ! إن الحياة المدنية الحرة المستنيرة لا تنكر على الإنسان معتقداته وأديانه، فالقانون المدني يحمي كل إنسان، ويحترم تفكيره، ويمنحه حق ممارسه معتقداته.. ولكنني طالبت دولنا ومجتمعاتنا منذ زمن بعيد ، بفقه جديد ، فالحياة ومتطلباتها المعقّدة ، أصبحت بحاجة إلى أحكام فقهية جديدة ، ومصالح مرسلة معاصرة ، وان مجتمعاتنا بحاجة إلى أن تعالج قوانين جديدة تعالج أوضاع كسيحة ، وظواهر سيئة ، ومنها تلك التي يقوم بعرضها برنامج  ( احمر .. بالخط العريض ). إن ما ينتشر من سحرة وقراء فال وعرافين يضحكون على الناس ويسيئون للمجتمع .. إن ما ينتشر من اضطهاد للأطفال ،وعادات ضربهم ، وقهرهم ، ومسح شخصيتهم .. إن ما يسود في مدارسنا العربية من سوء تربية، وترويع الأطفال بقصص ومعتقدات تخيفهم .. إن ما يسود من اضطهاد للمرأة واعتقالها وضربها ، وقتل النسوة غسلا للعار ، واغلبهن بريئات .. إن ما يتم من تزويج بنات وهن بعمر الطفولة .. إن ما يتم من ختام للبنات وتعذيبهن .. إن ما يجري من اخذ ثارات شخصية ، أو عشائرية ، وقتل الأبرياء في مكان ، وقتل الأجانب في مكان آخر .. في اغلب مجتمعاتنا أيضا ، احترام فوق العادة للغربيين الأوربيين والأمريكيين وتحقير للشرقيين الأفارقة والهنود ..  إن ما يجري من تسكع وتشرد للأطفال في الشوارع العربية.. إن ما يجري من خطف للأطفال ومتاجرة بهم .. فضلا عن استخفاف بالآخرين من الأقليات واضطهاد الناس واحتقارهم سرا أو علنا !  إن ما ينتشر من أمراض سايكلوجية متنوعة .. ليس للأفراد حسب، بل على المستوى الجمعي، ومنها ما تستدعيه بعض الطقوس من أضرار نفسية وعضوية .. الخ  كلها تستدعي زمنا طويلا من جرأة في المعالجات ، وكشف للمستورات .. وترسيخ وعي جديد . إن ظواهر مرضية لا يمكن تخيلها أو تصورها كامنة في مجتمعاتنا كلها بدءا بالزواج بالجنيات ، أو الضرب بالعصي ، أو الدوران حول النفس ، أو التطبير ، أو اللطم على الخدود وشق الجيوب ، أو التمتع بالدم ، أو النوح والبكاء الكاذب ، أو التعاويذ ، أو زيارة الأضرحة ، والتبرك بها وبالخرق ، أو البهلوانيات ، أو الإيمان بالعرافات والأسياد ، أو الإيمان بالكرامات ، أو تخيّل الاكذوبات حقائق .. الخ من الخزعبلات التي عاشت قرونا طويلة في مجتمعاتنا ولم تزل حية ترزق بفعل اضمحلال التربية المدنية وانتشار الخرافات .. وقد اتسعت اليوم كثيرا لأن المبشرين بها أصبحوا يتشدقون بذلك في أجهزة الإعلام المتطورة .
نعم ، كلها وغيرها ظواهر بحاجة إلى الوعي بها ، وإيجاد معالجات علمية لها .. ذلك أن ضرورات هذا العصر تبيح محظورات العصور المنصرمة .. وهذا ما ينبغي إثارته إعلاميا لتشكيل وعي مضاد ، ومطالبة رجال الدولة والفقه والقانون لاصدار تشريعات جديدة تأخذنا لمئة سنة أخرى . نعم ، مع تفّتح عقل الإنسان، وانطلاق تفكيره، وممارسته الحريات، على غير ما ألفه من موروثات سقيمة ، وممنوعات محّرمة ، وتقاليد بالية ، وبقايا ترسبات ضارة.. وفي شؤون دنيوية لا علاقة لها بالمقدّس !
سلطات المجتمع أخطر من سلطات الدولة !  
إن هذا " الزمن " الذي انفتحت كل سبل الحداثة فيه ، يجعلنا نطالب بالاستنارة بعد مرور أكثر من قرن كامل تراكمت فيه كل التناقضات والإخفاقات . ولكن مجرد دفاع جيل جديد عن تقاليد بالية ومتهرئة، معنى ذلك: أن الاستنارة في أزمة حقيقية، وان المستنيرين قد أصبحوا في قفص الاتهام، ظلما وعدوانا ! إن مجتمعاتنا ، تعجّ بكّل المثالب التي تسحب البساط من تحت أرجل كل العقلاء ! إن التصفيق للشعوذة ، وسحق العقل ، وانتشار الأفعال الشاذة هو الجنون بعينه .. إن الانقياد لشعارات وهمية، وطقوس متوحشة هو انعدام للتفكير .. إن تلف الزمن وإضاعته ، والاستهلاك دون الإنتاج هو كل السكونية والاتكالية والتيه ، إن البقاء في حالة تناقض بين الموضوع والذات .. يجعل الإنسان ، يعيش ، دوامة الممنوعات من دون التحرر عن القوالب المستنسخة.. إن  التناسل لدزائن بشرية تتضاعف كل سنة ، تتربى في الشوارع هو الجريمة بعينها .. إن مجرد وجود ( سلطة دينية ، أو طائفية ، أو قبلية عشائرية ، أو حتى طبقية من أعيان وشيوخ أو رعاع وأشقياء ) في مجتمعك تخيفك وترعبك ، بل تقلقك وتؤذيك لمصالح فئوية ، أو خاصة من غير القانون الرسمي هو الكارثة .. ومن المؤلم ، أن اللاوعي قد استوعب ذلك ، وغسلت الأدمغة على مر السنين ، فتجد شعورك بالرضا عن كل ما يفقد الحرية الشخصية والسياسية والفكرية..  واعتاد الناس أن يروا مجتمعاتنا تزاول الأكاذيب ، والمنسوبيات ، والعشائريات والملائيات ، والتلفيقات والاستعراضات وتعميم الشعارات وهز الرؤوس ، وكل التفاهات .. الخ وماذا نقول لعبادة البطل أو السلطان.. ؟؟ إن مصالح أية سلطة سياسية كانت ، أم اجتماعية هي بالإبقاء على تقاليد الماضي بكل غثّها من دون تغيير .. كلها تقاليد بالية وعادات سقيمة لا تستقيم والاستنارة الحقيقية الرافضة لكل التناقضات والانفعالات والحماقة والتسبيح بحمد الظالمين . إن مجرد خروجك ناقدا، أو رافضا وطرحك الرأي المخالف ، فقد جلبت اللعنة عليك  ! إن ما جرى في القرن العشرين من حركات تحرر وتمردات وانتفاضات وانقلابات وثورات .. كلها كانت سياسية ولم تكن اجتماعية ، بل وحتى إن اعترفت بواقع من الأوبئة ، لكنها لم تمنح الفرصة لنفسها من اجل معالجته تربويا واعلاميا على  اقل تقدير .
وأخيرا أقول:
 إنني أهيب ببرنامج ( احمر .. بالخط العريض ) وبقدرة معّده ومقدّمه ، بالرغم إنني لاحظت أن ثمة ظواهر سلبية تعرض على الشاشة ، ولكنها لم تجد أية معالجة علمية واضحة لها . وهنا أسأل : متى نبني مجتمعاتنا على فضائل التمدن ؟ متى نستعيد أخلاقياتنا الأصيلة في السماحة والحلم والقبول ؟ متى نتخلص من تهميش الآخرين ، خصوصا ، إن كانوا من أقليات دينية ومذهبية وعرقية ؟ متى تتوقفون عن اضطهاد كل الكائنات قولا وفعلا.. ؟؟ متى تتخلصون من أنواع الزيجات الجديدة المخربة للمجتمع ، والتي اخترعت مؤخرا ، وقد أحلها فقهاء هذا العصر ، تماشيا مع إرادة الطفيليين الجدد ؟ متى تتقبلون الآخرين ، وأفكارهم ، وتربوياتهم جنبا إلى جنب ما تستخدمونه من كل وسائل العصر الحديثة الالكترونية والتكنولوجية والديجالات الرقمية ؟؟  ومتى تصبح مجتمعاتنا سوية في علاقاتها ، نظيفة في تقاليدها ، منفتحة في أفكارها .. ؟؟ إن ذلك لا يحدث إلا إن غادرت كل ما يشين من طقوسها الموروثة !
نشرت على ايلاف ، 22 يناير 2009 وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل ، 23 يناير 2009
www.sayyaraljamil.com

ملاحظة : يرجى ذكر المصدر ايلاف في حالة اعادة نشر هذا المقال .

34
الصديق المثقف أمير الدراجي وداعا !

بمزيد من الحزن والأسى.. وبعد معاناة  طويلة مع الآلام  والأوجاع  .. رحل عنّا  الصديق العزيز  أمير الدراجي رحلة  نهائية  وقد  ترك  من ورائه  إرثا  عالي المستوى من الإبداع ، وذكريات خصبة  .. لقد انطوى سجل حياته المليء بالمواقف والكلمات.. لقد علمت أن الرجل قد أزف رحيله ويا للأسف الشديد بعد أن كلمته تلفونيا قبل أن يدخل العام الجديد 2009 .. وكنت أتمنى لو وقف العراق معه في محنته الأخيرة ، فقد كان مناضلا حقيقيا ، ومثقفا عضويا ، ومفكرا مبدعا .. إنني إذ انعي الصديق أمير الدراجي على عجل ، فإنني اعد كل القراء الكرام  .. أنني سأكتب  عنه بالتفصيل ، وانشر بعض رسائله المهمة التي  كان قد أرسلها لي .. عزائي الكبير إلى عائلته الكريمة وكل أحبابه وأصدقائه .. وستبقى  كلمات أمير محفورة في  الذاكرة على المدى .. 

سيار الجميل
تورنتو 20 كانون الثاني / يناير 2009

نشرت على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

35
المنبر الحر / الالتزام المفقود
« في: 10:14 23/01/2009  »
الالتزام المفقود

أ. د. سيّار الجميل


مفجع هو الزمن الذي قضيناه نحن العرب ـ مثلا ـ في القرن العشرين بكل صفحاته وأوراقه  ، وبكل مشكلاته وتناقضاته ، وبكل احتداماته وأزماته ، وبكل انكساراته وهزائمه .. وهذا يدعونا للتساؤل عن أسرار التفكك العربي مقارنة بتماسك الآخرين . لقد كانت الهزائم التاريخية كبيرة في تأثيراتها , وفي حجم مكوثها فينا ، ولكن تثبت الأحداث  لنا أن عوامل الانتصار متوفرة ، ولكنها غير منظورة أو معلنة ! لقد غاب الوعي عن مجتمعاتنا زمنا طويلا مع هجمة التحديات الخارجية التي جعلتهم ينقسمون وهم ينشدون الوحدة ، وجعلتهم يهزمون وهم يتغنون بالنصر .. وجعلتهم في قلب تناقضات العنف بانقلاباتهم العسكرية نتاج مؤامرات أو رهانات الحرب الباردة ، ثم مرحلة الحروب الداخلية والإقليمية والأهلية وصولا إلى إدخالهم قفص الإرهاب العالمي بالرغم منهم .. لقد غدت ثوابتهم وعقائدهم متشظية سياسيا وفكريا للاسف الشديد ..
إن أهم ما يطرح من أسئلة اليوم: متى يشعر الإنسان ويحس المجتمع بمضاعفة دوره، وتجديد فكره، وخلق البدائل العديدة ؟  متى يتوافق ، أو يتلاءم الجميع من اجل أهداف وطنية ضمن مشروعات حضارية ، وأساليب ديمقراطية حقيقية ، وخصوصا بين الأكثرية والأقليات ؟؟  إنني اعتقد أن الأغلبية تشعر بعمق الجروح التي أنتجتها قوى راحلة مع القرن العشرين في مجتمعاتنا  التي نزفت طويلا أمام كل العالم غير مأسوف عليها ، بل لتواجه أعتى جبروت في التاريخ .. صحيح أن لها القدرة على مواجهته ، ولكنها من ابعد ما تكون عن المواجهة ، خصوصا وان كل الصفات السيئة قد ألصقت بها ، وبالأخص اثر 11 سبتمبر 2001 ! وعليه ، فان مصير الشرق الأوسط هو اليوم على كف عفريت ، إذ غدا في رعاية دولية وهو يعيش اليوم في ظل استقطاب أمريكي واضح المعالم .
كم نحتاج من زمن لتصويب الدورة التاريخية حسب نظرية تداول الأجيال ؟ هل باستطاعة إسرائيل أن تمتلك دفة الشرق الأوسط ، إن أحكمت الطوق على كل خصومها ، وقد أشاعوا أنها قوة لا تقهر ؟ هل باستطاعة إسرائيل الإذعان لإرادة السلام التي ركع لها العرب ؟ لقد كنت أرى الناس ملتزمة بأفكار وشعارات لا تحيد عنها سواء كان ذلك عن إيمان راسخ ، أو ديماغوجية مصطنعة .. وباتت اليوم ، وقد تبدلت تبديلا . وهذه ـ كما اعتقد ـ سّنة الحياة المعاصرة التي بتنا نتعايش معها في هذا العصر الجديد.
قبل أكثر من خمسين سنة ، كان  " الالتزام " احد أهم المبادئ التي يتمتع بها المواطن الحقيقي في الانتماء إلى المجتمع ، كما كان يتصّور حتى وان آمن بنظرية تقدمية ماركسية ، أو بأفكار ليبرالية تحررية .. وكم دفع المثقفون الأوائل ، أثمانا باهظة من حياتهم ، فسجن بعضهم ، واغتيل آخرون ، واضطهد البعض ، ونفي آخرون .. بل وصلت حالة البعض إلى حد الانتحار، فانتحر من لم يستطع تحمل ابسط المتغّيرات أو اكبر الهزائم ! وعلى امتداد خمسين سنة وحتى اليوم ، طّوعت مجتمعاتنا لقبول الهزائم والنكسات ، ولم تترب الأجيال على الاستجابة للتحديات ! جعلوا المرء يقبل بالواقع رغما عن أنفه ، بل وسحقوا معنوياته وداسوا على كرامته بحيث لم تجد ذلك المثقف الملتزم ، أو السياسي الصلد .. لن تجد الثوابت راسخة رسوخ الجبال ولم يعد النضال من اجلها حتى الموت الا ما ندر .. إن روح الالتزام مغروس في الصدور، ولكن روح الانهزام يطفو على السطح دوما..  لن تجد المواقف معلنة وصريحة على رؤوس الأشهاد .. لن تجد الشجاعة في مقول القول ، أو الجرأة في الخطاب إلا عند النادر من المثقفين والمثقفات اليوم. أصبحت حياتنا ( العربية ) سياسيا وإعلاميا واجتماعيا بلا ضوابط ، فكل من هب ودب دعا نفسه بمثقف ! لن تجد النزاهة ونظافة اليد وحسن السيرة والأهلية والحفاظ على المال العام.. نعم ، قد تجد بدايات مشجعة  لحياة مجتمع مدني ، ولكنها أسيرة كل ما يطوقها في المجتمع ، أو من يتسلط عليها من الدولة ، فيجعلها كسيحة لا تقوى على الحياة .. وهكذا بالنسبة للأحزاب السياسية ، أو النقابات المهنية التي لا تستطيع تطوير أساليبها والدفاع عن حقوق أبنائها ، أو بالنسبة للمنظمات الإقليمية التي لا تستطيع أن تفعل شيئا بالرغم من إنفاقاتها الباهظة .. الخ

إن خمسين سنة مّرت على مجتمعاتنا ودولنا تسرع في تخريج كوادر كبرى لا تعتني بنوعياتهم بل بحجمهم الذي اختلط فيه الأخضر بسعر اليابس .. ولم يكن الإنسان المناسب في مكانه المناسب .. فضاعت أزماننا عبثا ، وفشلت خططنا ، وبدأنا نعيش فوضى قيمية ، واستهلاكية قاتلة .. وكانت مجتمعاتنا هادئة ومتوازنة ، فجعلوها تعيش حياة صاخبة يأكل القوي فيها الضعيف .. وتنتشر فيها الرشوة  والعلاقات غير النظيفة .. فمتى تتخلص مجتمعاتنا من تأخرّها وانعزالياتها ؟ متى تعي مسؤولياتها التاريخية ؟ متى تعلن عن التزامات جديدة ؟ متى تجري تحولات جذرية في دولنا وتشريعاتها كلها ؟ متى تتحول مجتمعاتنا نحو الأفضل ؟ متى يتخلص المثقف الحقيقي من شقاء الوعي وهو يعيش مأساة مجتمعاته وتراجعها المخيف ؟ متى تتوازن الحياة وتتخلص من تناقضاتها المرعبة ؟ متى تتخلّص مجتمعاتنا من التخلف والفقر والجوع والمرض ؟ متى تعيش حياة كريمة صالحة وعادلة منتجة ؟ متى يتجّذر الحوار الحضاري بين مجتمعاتنا حول مختلف القضايا الشائكة والاختلافات المعقدّة ؟ متى يعتمد الشارع العربي ترجمة حقيقية لما يتطلب إظهار الحق وإزهاق الباطل ؟ إن الباطل كان زهوقا ..

نشرت في جريدة البيان الإماراتية ،  20 يناير 2009

وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل 21 يناير 2009
www.sayyaraljamil.com




36
رسالة إلى الأصدقاء اليساريين العراقيين

أ.د. سّيار الجميل

" الحق يحتاج إلى رجلين .. رجل ينطق به ورجل يفهمه ".

(جبران خليل جبران)
أيها الأصدقاء
اكتب لكم " رسالتي " هذه، ليس ردّا سياسيا على أحد، بل لتوضيح موقف من التاريخ.. رسالة  تتضمن بعض ملاحظات تعالج بعض ما دار من ردود فعل على المقال الذي نشرته قبل أسبوعين بعنوان " سحل بالحبال أو قذف بالأحذية " * ، ولكي لا أتلقى اتهامات باطلة من أناس ليس لهم إلا إصدار الأحكام السريعة ، دون الاعتراف بالحقائق ، والتمجيد بواقع ضنين أنتجته تواريخ صعبة على امتداد نصف قرن من الزمن المرير ، بكل ما دار فيه من صراعات سياسية ، وحمامات دم ، وإعدامات بالجملة ، وتعذيب في السجون ، وموجات من الاغتيالات ، وفوضى مليشيات حزبية ، وانقلابات ، ومؤامرات ، وتهجير ، وملاحقات ، وهروب جماعي .. وتمردات ، وحروب داخلية وخارجية ، وحصار ، وموت ، وانهزامات ، وانسحاق مؤسسات ! أقول:
1/ لا ادري لماذا يغمض بعض الأخوة اليساريين العراقيين أعينهم عن تاريخ مضى ، وهم لا يتذكرون إلا البطولات والأمجاد ! ولا ادري لماذا يهتاج بعض الأخوة عندما تذكر كلمة ( الحبال ) ، وكأنهم أصحابها ، علما بأنني لم اقصدهم بالذات ، وحتى إن قصدت بعضهم ، فهم ليسوا بمعصومين عن الأخطاء . وتنبؤنا جملة اعترافات ومذكرات قياديين عراقيين سابقين بحدوث تجاوزات وأخطاء لدى الجميع . ولكن ليعلم كل اليسار العراقي ، أنني نشرت منذ سنوات طوال ، بأن الشيوعيين العراقيين ، لهم تاريخ عريق ،وكانوا في مقدمة الذين دفعوا ثمنا باهظا من دمائهم ومعاناتهم، وتكفيهم مجازر 1963 وتراجيديا قطار الموت .. إنني لست ضدهم ، أو ضد أحد من العراقيين، إلا إن كان متمردا على العراق، وقاتلا للعراقيين !
2/ أتمنى أن ما يأخذونه ضدي هو مجرد ظنون ، ففي حين لا اصفق لأي حدث ، أو أي زعيم ، أو أي حزب ، فأنني لا انحاز أبدا عن مجريات التاريخ ، علما بأنني لم اتهم أشخاصا بالأسماء ، ولم اذكر حزبا بعينه ، أو مجموعة بذاتها .. ولكن على كل العراقيين أن يدركوا، ولو لمرة واحدة، أنهم ليسوا ملائكة بررة، أو أولياء صالحين.. وان الزمن يتغير ويتبّدل فثمّة مناضلين وثوريين في العالم، كانوا ضد المستعمرين والامبرياليين ، ولكنهم غدوا اليوم ضمن سياقات الأمريكيين ! وان بعض من كان تقدميا وطليعيا وتحرريا ، غدا اليوم طائفيا ، أو انقساميا ، أو شوفينيا !
3/ إن من ينتقد ظواهر عراقية مقيتة وسيئة ، لن يتبرأ من شعبه ! وإن من يتبرأ من شعبه لن ينزف ألما عليه ولا ينسحق أبدا ، إلا من اجل انسجام شعبه كبقية شعوب الدنيا .. إن من يصر على معالجة المسائل الاجتماعية المعقدة ، ويدرك كم عانى هذا ( المجتمع ) لا يمكنه أن يكون إلا من هذا الشعب.. والمجتمع مرّ بظروف شاذة وصعبة قد تنتج التوحش ، وتنتج بشرا يقطع الرؤوس بسهولة ويعرضها تلفزيونيا .. إن من الحكمة، نقد الظواهر الاجتماعية المتوحشة لا التغطية عليها، أو التعمية من دونها.. وان على من يخالف ، مقارعته الحجة بالحجة، وان يحترم مواقف الآخرين ، بعيدا عن التجريح والطعن وتشويه السمعة، وما أسهل ذلك عند بعضهم !
 4/ لست خصما للشيوعيين أو اليساريين العراقيين ، بل أتمنى على من يفكر مثل هذا التفكير ، أن يراجع ما نشرته عن تاريخهم النضالي في " الأزمنة المرعبة " ، وما تعرضوا له من اضطهاد ، وما كتبته عن مأساة قطار الموت ، فضلا عن معالجتي لدور اليسار العراقي الرائع في الثقافة العراقية في كتابي " انتلجيسنيا العراق " ، ولكنني لم ولن اصفق لاستخدام الحبال في سحل وقتل الناس في ظرف تاريخي عراقي معين ، ولا يمكنني التغاضي عن أخطاء لا تغتفر ، بل ولا يمكن السكوت عن خطايا اقترفها آخرون في عهود أخرى ، وما أنتجت من رعب ، أو ما كان في العراق من مجازر اقترفها عراقيون ، ولم يقترفها أناس استوردناهم من مكان آخر !!
5/ وعندما نعالج اليوم معاصرتنا لا يمكن أن ننكر على ما اقترف من أخطاء وجنايات وخصوصا في الصراعات السياسية التي دامت طويلا .. إنني بالوقت الذي اعترف بحركة التحرر الوطني ونضالات اليسار العراقي في تاريخ العراق المعاصر ، ولكنني أدين النص السيئ القائل: ( وطن تشيده الجماجم والدم .. تتهدم الدنيا ولا يتهدّم ) ، وأدين أيضا النص السيئ الآخر الذي دار على الألسن:  ( ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة ) ! إنني إن انتقدت ذلك، فليس معناه أنني أدين اليسار العراقي، أو أن أصبح عميلا، أو ضد حركة التحرر الوطني ، أو كارها للشعب العراقي، أو أغدو خصما لليسار !!! أتمنى على بعض الأخوة العراقيين، أن يدركوا أن نقد المثالب السياسية ، وإدانتها اجتماعيا ، هو الذي سيخلص الأجيال منها ومن آثارها السيئة ..
6/ ازعم ، أن قراءتي للعراق واضحة ومسئولة ، ولكنها غير متخندقة .. وأدرك تماما أن التعبير بقذف الحذاء ليس حالة استثناء ، بل نموذج لتعبير جمعي اجتماعي .. ولقد تناصف المجتمع بين تأييده ومعارضته .. ولكنه تعبير لا يساوي شيئا أمام سحل إنسان، أو قطع رقبة إنسان سواء كان عراقيا، أم غير عراقي !! إننا لو جعلنا السحل عقابا لكل عميل عراقي ـ كما يبرر البعض ـ، فكم يا ترى من عراقيين سيسحلون على امتداد مائة سنة مضت ؟  خصوصا وان معنى العمالة هو أحّط وصف يطلق على التعامل السياسي مع أي جهة أجنبية، ضد المبادئ الوطنية ! يا ترى كم من العراقيين قد تعامل مع جهات أجنبية متنوعة، سواء على أيام الحرب الباردة، ومع أطرافها ؟ أم على أيام الصراع العربي الصهيوني ، ومع إسرائيل بالذات ؟ أم مع الدول الإقليمية المعروفة ؟ إن قراءتي للتاريخ ، تتعامل مع حقائق وليس مع دعايات  ، وعلى من يقرأ العراق ، الإحاطة ، بكل زواياه وأحداثه وشخوصه بلا أي تغطية أو تعمية. فهناك تاريخ عراقي مغيّب من المؤامرات الخارجية، والارتباطات الخفية، والاغتيالات السياسية، والهجرات الجماعية، وممارسات المليشيات الحزبية ، وضرب الحكومات المتعاقبة كلها للتمردات الداخلية عسكريا ..الخ
7/ ينبغي على الإنسان، الاعتراف بأخطائه حتى تتعلم منه الأجيال دون مكابرة ، ودون أي عزة بالإثم ! ولعل من فواجع العراقيين أنهم سريعا ما يتهمون من يخالفهم سياسيا ، أو تاريخيا ، أو اجتماعيا  ، بوطنيته ، أو بانتمائه ، أو بكراهيته لشعبه من دون أي إحساس بالمغالاة ، بل ويسيئون سمعته من دون أي إحساس بالذنب ، وكأن العراق قد خلق على مقاساتهم فقط ! إنهم ينكرون حتى على أصدقائهم وقفاتهم إن شعروا أن الأمر يعنيهم . وهم بذلك كأنما يقولون للتاريخ: نعم ، نحن أصحاب الحبال الذين سحلوا البشر في شوارع العراق .. بل ويبررون السحل كون كل المسحولين عملاء للامبريالية العالمية والرجعية ، وهم يدرون دراية تامة أن العراق قد شهد سحلا لأناس أبرياء ، نسوة ورجال، ونهبا وتدميرا وتهجيرا في مدن عراقية معروفة ، هذا إذا كانوا لا يتنازلون عن سحل خصومهم السياسيين من مسؤولي العهد القديم ..
8/ أتمنى على الأخوة العراقيين إعادة قراءة تاريخهم على مهل ، وبدل أن يضيّعوا وقتهم سياسيا بالقيل والقال ، أو مع وضد .. أن يعلموا أولادهم كيف يفكرون ، وكيف ينشطون ، وكيف ينتجون ، وكيف يدينون أمامهم السحل ، والقتل ، وقطع الرؤوس ، ورشق الاهانات ، وإطلاق الشتائم المقذعة  .. وليس من الصواب أن يصفّق البعض لأوضاع مأساوية صنعها الآخرون لهم ، وهم يبررون رشق الآخرين بالأحذية ! إن ما يهمنّا أساسا أن نكون حياديين في معالجاتنا ، وان بناء العراق الحضاري بحاجة إلى تجاوز الماضي ومشكلاته مع معالجة كل رواسبه وبقاياه .. وتربية أجيالنا الجديدة على مفاهيم حضارية جديدة أساسها المعلومات لا الشعارات !
9/ إنني أعالج ظواهر موجودة وحقائق معروفة ومعلنة في تكويننا الاجتماعي والتاريخي ، فليس من الصواب أن تدمج المواقف السياسية بما يمكن أن يقال من معالجات لظواهر معينة.. وسواء كانت سلبية أم ايجابية ، فسيقول التاريخ كلمته فيها . إن الأستاذ الراحل علي الوردي لم يمّجد السيئات ولم يتستر عليها، ولكنه سجل ما رآه صوابا من وجهة نظر علمية ، ومضى إلى سبيله .. فخالفه قسم كبير من السياسيين العراقيين ..  إن أهواء السياسيين لا تعيش إلا معهم أثناء حياتهم ، ولكن أفكار المختصين تبقى حية لا تموت ! وكل من الطرفين ينتمي إلى وطن اسمه العراق لا يمكن أبدا تجريد أي عراقي من انتمائه الوطني، كما لا يمكن إلقاء التهم جزافا ، بلا أي وعي ، ولا أي إدراك ! إنني اعتز بكل العراقيين مهما كانت انتماءاتهم ومهما كانت اتجاهاتهم ، إلا إن كانوا يبررون القتل بأصنافه ، أو يعيشون في لجة من التناقضات المرعبة .
10/ إنني احترم من يخالفني إن اوجد لي البديل العلمي ، لا أن يعيد إنتاج شعارات كان قد تربى عليها ! وليس عيبا أبدا أن يعلن المرء عن خطأ ، وليس عيبا أبدا أن أقدم اعتذاري لمن أخطأت في حقه .. أن العراقيين جميعا مطالبون أن يقدم احدهم اعتذاره للآخر. وأريد القول، بأن ليس هناك أي مجتمع في الدنيا، نقيا في ثقافته، مثاليا في تجاربه ، ولكن المجتمعات تنقد نفسها ، وتتعلم من أخطائها ، وتعالج تجارب فشلها ، وتعتذر عن أخطائها ، ولا تعيش على الأوهام المزيفة والشعارات الجوفاء مدى التاريخ .
وأخيرا ، دعوني اعتز بكم جميعا ، وأنا لست ضد أي حركة سياسية عراقية لها الحق في أن تتقدم بالعراق نحو الأمام .. كما لست ضد أي حزب تقدمي ، أو أي حركة إنسانية وعلى بعض الأصدقاء اليساريين أن يدركوا أنني لست ضدهم ،ولست خصما لهم ولكنني ضد الفاشية والشوفينية ، وضد الاستبداد ، وضد الدكتاتورية ، وضد الإرهاب ، وضد القوى المتخلفة الطائفية والانقسامية ..وأخيرا ، أتمنى أن أكون متفائلا كما اكتب إلى أصدقائي دوما، فانا من الناس الذين يحلمون بالعراق وقد غدا بلدا متمدنا وحضاريا .. ولكن لا يمكننا بلوغ أهدافنا إلا بمعرفة العراق وقراءته الاجتماعية سياسيا وثقافيا .. متمنيا ترسيخ لغة مهذبة جديدة في الحوار السياسي عند العراقيين.. مع أسمى الأمنيات للعمل معا وتربية الأجيال من اجل العراق الحضاري الموّحد.
•   تجد مقالتي " سحل بالحبال أم رشق بالأحذية " على الرابط التالي :
http://www.sayyaraljamil.com/Arabic/viewarticle.php?id=index-20090105-1553
نشرت مقالة اليوم على موقع الدكتور سيار الجميل في 19 يناير 2009
www.sayyaraljamil.com


37
المنبر الحر / فوضى خلاّقة جديدة
« في: 10:39 15/01/2009  »
فوضى خلاّقة جديدة
أ.د. سيّار الجميل

ثمة انعطافة تاريخية كبرى قد حدثت مع ولادة العام 2009، إذ شهدت منطقتنا متغيرات عاتية وخطيرة، متمثلة بانحسار قضية الشرق الأوسط كله في مدينة عربية، اسمها غزة.. وإنها إستراتيجية إسرائيلية جديدة استفادت في بنائها من خلال خذلانها في لبنان.. انه بالوقت الذي نحّس بتغيير واضح في السياسة الإسرائيلية حسب متطلبات المرحلة واشتراطاتها، وانتقال إسرائيل من مجرد مسلسل الردع والاحتواء إلى موقع الهجوم، من خلال جغرافية القمع، بعد أن أزالت كل الكوابح. وهي خطط جديدة في الحرب، بعد أن كانت سابقا تستجدي العطف من كل دول العالم ومجتمعاته، أصبحت لا يهمّها العالم كله، وهي ترفض قرارا بوقف إطلاق النار.. في حين لم نلحظ أي بارقة في التغيير داخل البلدان العربية التي لم تأخذ من الماضي أية عبرة، أو الاستفادة من تجربة الماضي المتمثل بالصراع العربي الصهيوني..
لقد كانت إسرائيل قد استعدت تماما لمثل هذه الحرب، وأنها أطلقت عدة مشاريع منها اختزال الحرب في عموم المنطقة، واختيار غزة لتقوم بسحقها بعد حصار طويل.. إنها ليست ضربة استباقية، لأن الخصم لا يمكنه أن يكون مستعدا للحرب، ولكنه يبدو إلى حد الآن وهو يتحّمل كل المآسي والضربات المكثفة بروح قوية! إن إسرائيل قد منحت لنفسها الحق في استخدام كل القسوة، من دون أن يعنيها كل هذا التنديد في أرجاء العالم.. وقد قال أكثر من مسؤول إسرائيلي: إن كل الخيارات مفتوحة أمام إسرائيل عندما تشعر أن مصالحها مهددة، وأمنها مضطرب!
وعليه، تعتبر حرب غزة سابقة خطيرة لم يحدث لها مثيل، ولا يعني ذلك أنها لم تتدخل فيما مضى عسكريا، كما حدث في لبنان ودول أخرى، لكنها هنا شرعنت توجهها هذا ردا على الصواريخ التي تقول بأنها تتلقاها من غزة وأطرافها! إن المأزق الحقيقي هو ما بعد غّزة.. ما الواقع الجديد الذي سينبثق بإرادة إسرائيلية إذا خرجت إسرائيل منتصرة، أو أنها تريد إكمال اللعبة إلى النهاية، ولكنها أيضا، ستكون صاحبة شروط أقوى في أية مفاوضات تخوضها.. وعليه، فان مجتمعاتنا لا يكفيها التعبير الساخط على ما يدور من جرائم وخطايا تضاف إلى سلسلة طويلة من الانحرافات.. ولكنها بحاجة إلى إعادة تشكيل جذري، ونسف الأنماط القديمة التي تربى عليها ـ ليس بما يتلاءم والدمار، بل بما يشعر إسرائيل أن هناك وحدة رأي وموقف موحد..
صحيح أنها لا تعير أهمية للمؤتمرات العربية، العادية والاستثنائية، ولكن مجرد شعورها أن الخصم، له كلمته وموقفه، فإنها تعيد التوازن من جديد! إن الحرب اليوم، لها قذارتها بسبب فقدان الأخلاق جملة وتفصيلا.. إن مجرد قتل النساء والأطفال بمثل هذه الطرائق البشعة ، يعد فقدانا لكل القيم الأصيلة، إن مجرد التخطيط لمرحلة الفوضى الخلاقة التي ستسم هذه المرحلة الصعبة. صحيح أن الساسة الأمريكان هم أول من ردد هذه «المفهوم»، ولكنه مستلهم من فكرة مايكل لايدن «التدمير البّناء»، بل وشرعت إسرائيل في توظيفه. إن ما يعنيه هذا «المفهوم» أيضا: خلق الفوضى العارمة، وتفكيك للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتسفيه وتسقيط أخلاقي وفكري للقيم المتعارضة، من خلال وسائل عسكرية ودعائية إعلامية..
إن الفلسطينيين هم بأمس الحاجة اليوم إلى التوّحد على أهداف مرحلية للخروج من مأزق الحرب، ومن ثم إلغاء مبدأ الانقسام كي يحّل بدله مبدأ التوحد.. ولقد وجدنا كم هو تعاطف العرب كشعوب ومجتمعات مع القضية الفلسطينية التي لا يمكنها بعد اليوم أن تكون ضائعة بين الفرقاء السياسيين، فهي قضية وطنية لا سياسية.. ثم أنها لا يمكن أن تكون محتكرة من قبل طرف على حساب أطراف أخرى لهم الحق في أن يقولوا ما يشاؤون، ولكن إن فعلوا شيئا، فان انعكاسات ذلك «الفعل» تعم كل المنطقة. أما العرب، فهم أولى بالقضية الفلسطينية من غيرهم، وأنهم بحاجة إلى أن ينظروا إلى القضية رؤية جديدة، تتناسب وكل جغرافية القمع والفوضى الخلاقة التي نشهد مأساتهما اليوم من خلال إسرائيل.. إن العرب مدعوون اليوم إلى أن يعيدوا النظر في كل أوراقهم التي استخدموها أسوأ استخدام..
عليهم أن يتحدوا في إطار موقف موّحد يجمعهم إزاء أنفسهم أولا، وإزاء إسرائيل ثانيا والعالم ثالثا.. إن ما يمارس اليوم من دمار وانسحاق وقتل للأبرياء لابد أن يتوقف بأي صورة من الصور.. وان الأمن والاستقرار من مسؤولية الجميع. وينبغي أيضا، الرجوع إلى مبادئ جامعة الدول العربية، فإما تطبّق بحذافيرها.. وإما تقيل نفسها، فليس من المعقول أن نلتزم بموقف من دون أي توظيف له! ومن معطيات هذه الفوضى الغريبة تدمير المؤسسات وبناها التحتية والقتل والهدم والحصار والتفجير والجوع! إن تجربة غزة، مصغّرة، لما جرى في العراق.. فمتى نجد خريطة طريق جديد في التاريخ ينتشلنا من كل المأساة؟
البيان الاماراتية ، 14 يناير 2009
ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com


38
آفاقٌ مغلقةٌ بوجهِ نظامٍ عرَبي جديد !!

أ. د. سّيار الجَميل

إن الدول العربية ، تعيش اليوم ، مرحلة التفكك بعد أن ذبحتها مرحلة الانقسامات .. لقد أثبتت الأحداث التاريخية منذ أن دخل العالم القرن الواحد والعشرين ، أن ما يسمى بمنظومة ( أو : جامعة ) الدول العربية هي ظاهرة خطابية سياحية مهرجانية ليس الا ، وان المبادئ التي جمعت هذه الدول العربية سواء المؤسسة ، أو التابعة ، قد انتهت من دون رجعة .. تلك " المبادئ " التي تضمنها النظام الداخلي لهذه " الجامعة " ، والتي اتفق على أن يكون أهم مبدأ فيها يقول بدفاع  الدول الأعضاء عن أي دولة منها تتعرض لأي خطر خارجي ! ولقد كان هذا " المبدأ " أكذوبة حقيقية منذ أن نشأت هذه " المنظومة " الهشة التي لم تستطع أبدا الاستجابة لتحديات الأعضاء ، ونزق بعضهم ، وهشاشة الآخرين مع أجندة ما يسمى بدول عربية كبيرة تريد فرض شعاراتها وأفكارها سواء ابتعدت أو اقتربت من مبادئ العضوية ..
أحداث غزة اليوم ، لا تختلف عما سبقها من أحداث مريرة في تاريخ المنطقة ، بل هي واحدة في سلسلة الصراع الدائم في المنطقة التي لم تأتلف ولا لمرة واحدة على " إستراتيجية موحدة "  أبدا ، بل أن الصراعات السياسية الداخلية التي كانت منذ خمسين سنة محتدمة أيديولوجيا ، غدت اليوم متهرئة قيميا ، ومنتجة لانقسامات لا حدود لها حتى ضمن البيئة الواحدة ، أو البلد الواحد . ولا ندري هل سيبقى مثل هذا " الوضع " المزري  ، أم أنها باقية تعيش انقسامات التاريخ حتى يومنا هذا ، بل وتساهم في التعمية على الانقسامات والضعف ؟؟ فما دورها إذن إن لم يجتمع كل العرب في أروقتها عند الأزمات ؟ ومن خولها وحدة الموقف إن كان الأعضاء قد انقسموا على أنفسهم ؟
لقد كنت قد طرحت منذ سنوات خلت على صفحات جريدة النهار البيروتية أن تعلن جامعة الدول العربية استقالتها من التاريخ .. كي يبحث العرب عن منظومة جديدة ، تساهم من خلال نظامها الداخلي في تأسيس نظام عربي جديد يتلاءم والتحولات الجديدة ؟ ولقد ثارت ثائرة سدنتها وقت ذاك ، وبدءوا يرددون شعارات الإصلاح ، ولكن من دون أي نتائج عملية ، كونها ضحك على الذقون .. ثم انبثق ما يسمى بـ البرلمان العربي والذي وصفته بأضحوكة جديدة ، وزعلوا مني مرة أخرى .. واليوم، أسألهم بضمائرهم: أين هو الإصلاح ؟ وأين هو البرلمان العربي ؟ ومجتمعاتنا تسحق ، وغزة تدّمر بعد حصار شديد ؟
هل يعقل أن تصبح " الدولة " العربية منفصمة عن مجتمعها بالكامل ؟ أم أنها كانت منذ أن وجدت على طرفي نقيض هي والمجتمع الذي تحكمه ؟ وهل كانت البلاد العربية جديرة بالحفاظ على جغرافياتها التي صنعها الأوائل، ولم يصنها الأواخر بأي شكل من الأشكال ؟ وعلى امتداد قرن كامل فشلت المجتمعات العربية من خلال ما لها من " دول " أن تؤسس تقاليد تاريخية لها ، وكانت الأجيال ضحية أهواء ونزوعات وبقايا ومواريث ومخلفات ماضي الآخرين !! ولماذا بقي العرب حتى اليوم اكبر عجزا من إيران أو تركيا في تشكيل إرادة موحدة إزاء إسرائيل ، واذ ينظر لتركيا وسيطا للسلام ، تبدو إيران مثيرة للمشكلات .. العرب اليوم منقسمون سياسيا ، كالعادة ، ولكنهم اليوم ، قد تشّظوا اجتماعيا ضمن خنادق طائفية ودينية وعرقية ومذهبية وجهوية .. من ناحية أخرى ، صحيح أن الناس خرجت إلى الشوارع تعبر عن رفضها لما تقوم به إسرائيل ضد غزّة ، ولكنه تعاطف من اجل التنديد والاستنكار لا من اجل أهداف معينة .. يتساءل أي مراقب: ما الذي يريده الناس ؟ هل يريدون الحرب أم يريدون السلام ؟ وإذا كان العرب لا يدركون ما الذي تريده إسرائيل حتى الآن ، فان السؤال الآخر : بأية شروط تريد إسرائيل التعايش مع العرب ، وهي تعيش سلسلة حروب تشعلها في كل مرحلة من المراحل ؟ لقد كان   العرب إلى جانب الفلسطينيين في الميدان سابقا ، ثم غدوا وحدهم من دون العرب في المواجهة ، ولكنهم هم أنفسهم ، قد انقسموا ليس سياسيا فحسب ، بل انقسموا استراتيجيا بين كيانين وحكومتين وسلطتين وواقعين .. وان كلا من الاثنين محاصرين ، وكما هو حالهم ، فان العرب أساسا منقسمين بين معسكر التفاوض وبين معسكر الرفض .. وإذا عدنا إلى تاريخ هذا التصنيف ، لوجدنا أن العرب كلهم كانوا من جبهة الرفض ومع اللاءات الثلاث ، ولكن سرعان ما تبلور معسكر القبول بالسلام ، ليتبلور على الطرف الآخر معسكر الرفض الداعي للحرب.
يبدو أن كلا من الجانبين ، أي المعسكرين غير مؤهلين أبدا لانجاز المهام أو الأهداف التي يريدان الوصول إليها .. وكثيرا ما ينقسم المجتمع بانقسام السياسات ، علما بأن ليس هناك أي سياسة أفضل من أخرى ، إلا بقدر تعّلق الأمر بحسابات ذكية في وصول أصحابها لتحقيق ما يريدون بأقصر الطرق وارخص الأثمان .. صحيح أن من لا يريد التفريط بالحقوق يصمد ويناضل حتى أنفاسه الأخيرة ، وهو يعتبر صموده بمثابة انجاز تاريخي إزاء العدو المتغطرس الذي لا يهمه إلا أن يسحق ويقتل ويدمر ويشرد .. ولكن من يرضخ للحلول والمفاوضات يعلن عن جملة مبادئ ، منها : الحكمة ، والجنوح للسلم ، والقبول بالأمر الواقع لقاء ما يمكن الحصول عليه من خلال المفاوضات ! إن الانقسام الفلسطيني هنا ليس كما يردد البعض ، هو انعكاس لانقسام العرب ، بل لأن طرفا ثالثا ، أو رابعا قد دخل اللعبة ، أو هكذا يبدو ، انه داعم لهذا " المشروع " أو داعم لذلك " الموقف " ، أو مزود بالسلاح ، أو دافع للأموال ، ناهيكم عن فقدان إسرائيل مصداقيتها أولا ، وعدم اعترافها بالحقوق الفلسطينية ثانيا . 
السؤال الآن : لماذا اخفق العرب في بناء نظام عربي جديد يؤسس لتاريخ جديد ، أو قل لمستقبل من نوع جديد ، كما طالبنا بذلك في أكثر من مكان منذ نهايات القرن العشرين ؟
صحيح أن أنظمة سياسية عربية عديدة طرحت شعارات " الإصلاح " ، ولكنها كذبت ، كونها أرادت إقناع العالم أنها مع تحولات القرن .. فعادت إلى المربع الأول حيث لا يمكن مقارنتها اليوم، بما كانت عليه في الماضي القريب.. صحيح أن جميع العرب ( باستثناء العراق المهزوم عام 1991 ) قد صفقوا لمؤتمر مدريد ، وشاركوا فيه ، ولكنهم لم يكونوا على استعداد إعلامي بالاعتراف بإسرائيل ، علما بأنهم معترفون بها خفية كل على انفراد .. إنهم عاشوا زمنا طويلا يشتهون إسرائيل، ولكنهم يستحون من الاعتراف بها  .. يتعاملون سرا مع إسرائيل ، ولكنهم يبيعون الوطنية على شعوبهم .. هذا الانفصام العربي خلق لدى إسرائيل استهانة كبيرة بالعرب الذين يتكلمون بأكثر من لغة معها أو ضدها في آن واحد !
إن أي نظام عربي بحاجة إلى جملة شروط حقيقية لتأسيس حياة سياسية جديدة بعيدة عن كل المألوفات التي أصابها الوهن والعفن معا .. إن تأسيس إستراتيجية عربية لا يمكنها أن تولد من منظومة جامعة دول عربية لم تعد لها أي نفع أبدا ، فإذا كانت قد أخفقت في الثلاثين سنة الأولى من حياتها ، فقد كان هناك مشروعات عدة للتغيير والانقلابات والتحولات التي لم يكن الناس تتصور أنها ستفشل جميعا .. في حين أن إخفاقاتها المتتالية في الثلاثين سنة الثانية قد قادت إلى أن تكون ميدانا لتصفية الحسابات العربية ولم تعد تنفع إزاء حروب ومشكلات وغزوات وحصارات واحتلالات .. الخ
اليوم ، نجد إسرائيل تسحق غزة ، ولم تستطع الجامعة أن تظفر باجتماع واحد لوزراء الخارجية العرب ، فكيف لاجتماع قمة عربي كان لابد أن ينعقد لا من اجل توحيد الفلسطينيين وانتشالهم من انقسامهم ، ولكن من اجل الاتفاق على مبادرة عربية موحدة لتخليص غزة من محنتها والابرياء من الانسحاق .. لم نسمع بأي لغة عربية جديدة كالتي تروج أيام الأزمات والحروب ! لم نسمع بأية تهديدات كالتي كنا نسمعها من زعماء سابقين ! إن من يريد تأسيس نظام عربي جديد ، لا يتعاون لوحده مع أي نظام دولي أو إقليمي بمعزل عن الإرادة الموحدة .. إننا أمام حالة تاريخية هشة لا تتمتع بأي ثقل في مواجهة العالم.. وسيبقى العرب يدورون في دوامتهم من دون أي نظام جديد يحدد سيرورتهم التاريخية إزاء العالم في القرن الواحد والعشرين !

نشرت في ايلاف ، 11 يناير 2009 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

ملاحظة : في حالة إعادة النشر ، يرجى ذكر المصدر ايلاف .. مع التقدير .

39
سَحلٌ بالحِبالِ أمْ رَشقٌ بالأحْذِية ؟
أ. د. سّيار الجميل

العراق : الضرورات تبيح المحظورات
سئل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أكثر من مرة: لقد زرت اغلب البلدان العربية، ولم يبق إلا العراق، فمتى تزور العراق، وهو (قلعة العروبة) ؟ كان يختلق أعذارا في كل مرة، ولكنه همس بأذن أحدهم في إحدى المرات، قائلا: " إنني أخشى كثيرا من العراقيين.. إن صورة فجر 14 يوليو ( 1958 ) ماثلة أمامي، ولم تفارقني أبدا " ! ولم يقتصر الأمر على زعيم مثل عبد الناصر الذي لم يزر العراق أبدا ، إذ كان يخشى كثيرا من العراقيين ، بل غدا الأمر بالنسبة لكل عراقي من كل العراقيين ، أن يحسب ألف حساب  ، وهو يتعامل مع أبناء وطنه ليس في مؤسسات الدولة فقط ، بل حتى في نسيج المجتمع ، انه حتى إن اتفق معهم ، فكيف الأمر إذا اختلف وإياهم .. ؟؟ كنت أنعي على الرئيس الأمريكي جورج بوش غباؤه ، وأنا أراه يرشق بالحذاء من قبل واحد من العراقيين في صالة مجلس الوزراء . ويبدو أن بوش تعامل طوال هذه السنين مع العراق بسذاجة بالغة، وهو لم يقرأ حرفا واحدا، لا عن العراق، ولا عن العراقيين ! صحيح، انه قدم إلى بغداد سرا لأكثر من مرة، ولكنه أعلن عن وجوده ببغداد في مؤتمر صحفي وأمام صحفيين، وبينهم بعض العراقيين، ولا ادري كيف لم يدرك ما وصل إليه العراق في ظل الوجود الأمريكي.. وأن معظم العراقيين أدركوا بما لا يقبل مجالا للشك أن العراق قد عبثت به أجندة أمريكية، ليس منذ خمس سنوات، بل منذ أكثر من خمسين سنة ! ومن حسن الصدف ، أن يغادر الرئيس الامريكي جورج بوش الابن العراق وهو بصحة جيدة ، وهو يحمل اكبر اهانة في حياته!
التوحش وليد الانسحاقات
ثمة من يخالفني الرأي ، والحق معه ، إذ يقول بأن التوحش لم ينته يوما من مجتمعاتنا ، بالرغم من كل ما وصل إليه العرب من بدايات نهضة عند خمسينيات القرن العشرين ، فلقد كان هناك وجه آخر للمجتمع ، وليس هو المجتمع المسحوق بحد ذاته ، بل كل نخب المجتمع السياسي بأسرها ، والتي سمّت نفسها بـ " الثورية " متخذة أسلوب " العنف الثوري " أداة لها وشعارا لأهدافها .. هنا أعلن المجتمع يترجم " الحرية " و " الثورية " و " الشعبية " بأشكال بربرية ، وهو يعلن عن عصيانه ورفضه ، مترجما أفعاله بالسحل ، والقتل ، وغوغائية متوحشة لم تنحصر عند أناس مهمشّين أو مسحوقين اجتماعيا فقط ، بل تمثّلت بنخب سياسية متنوعة لم تعرف إلا لغة القتل والاغتيالات والتقصيب  ، وسواء السحل بالحبال ، أم القتل بالطبر .. سواء بإرسال قطار السلام إلى الموصل ، أم إرسال قطار الموت إلى نقرة السلمان ! وكل من كان مسؤولا عن ذلك لم يعلن  أبدا ، اعترافه بالخطأ حتى هذه اللحظة ، فكيف نريده إنسانا سويا ، أو متحضرا ، أو قابلا لمنح الأجيال القادمة ، مهما كانت ميولها واتجاهاتها ، أمثلة حية على نزعته الإنسانية ، أو الديمقراطية ، أو المتمدنة ؟   
 يبدو أن كل ما تربينا عليه من ترديد أفكار، ودموية أشعار ، وبؤس أساليب، ووهم شعارات، وهوس عواطف، وعصف أناشيد، وفوضى خطابات .. الخ نحن أبناء جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية لثلاثين سنة وحتى مطلع الثمانينيات السابقة ، قد تغّير تماما اليوم في جيل ترّبى على أساليب وأفكار غاية في التردّي والتعّصب والخوف والأنانية وازدواجية المعايير والتظاهر بالرأي الواحد والتخلف والنرجسية والمكابرة والتراجع وسحق النزعة الوطنية والإنسانية وعلى مدى الثلاثين سنة المنصرمة .. وها نحن نعيش منتجات هذا الركام البشري الذي صنعته المرحلة السابقة بكل اضطراباتها ، وموبقاتها ، وآفاتها ، وآثامها عندما افتقدت السلوكيات الحضارية ، وأوغل العقل في بدائيات متوحشة ، وانزوت كل القيم الاجتماعية والوطنية بعيدا عن كل الايجابيات بفعل استفحال اختلاط المستويات الاجتماعية التي كانت متباعدة فيما مضى ، وبفعل السلبيات الاجتماعية والسلوكية التي تنتجها المعاناة والحروب والفقر والحصارات والممنوعات وكل الانسحاقات ، وبفعل توظيف " الدين " مع مطلع الثمانينيات ، لزرع الكراهية ، والأحقاد ، والنفي ، والإقصاء ، والتكفير ، والإرهاب واعتقال الحياة  .. الخ
ما الفعل الاقوى : السحل بالحبال والضرب بالاحذية ؟؟
لقد قامت الدنيا ولم تقعد حول ضربة الرئيس الأمريكي بالحذاء ، وقد رشق من قبل شاب عراقي في قلب رئاسة الوزراء بالعاصمة بغداد ، وهو من جيل لم يشهد بعينيه ، ولم يسمع بأذنيه ، رموز البلاد تربط بالحبال ، وتسحل ، وتعلّق ، وتقطّع أعضاؤها ، ولكنه من جيل لم يتربى إلا على الأحذية والنعل التي كانت رمزا للاهانة منذ زمن طويل .. ولم يقتصر الأمر على العراق وحده ، فلقد هاجت الحياة العربية بين مؤيد ومعارض لتلك الضربة التي أهين فيها اكبر رمز لأقوى دولة في العالم نهاية عام 2008 .. وبالرغم من قوة الفعل وقوة الردود عليه ، إلا أنني لم اندهش أبدا، ولم أعلن عن أي موقف أبدا.. لأنني كنت أتوّقع حدوث أسوأ من ذلك بكثير ، وربما سيحدث أسوأ مما جرى بكثير ، ودوما أقول لأصدقائي : إن من له القدرة على أن يسحل رؤسائه ورموزه من نسوة ورجال بالحبال في الشوارع الإسفلتية القائضة ، أو أن يهين الأموات على شاشات التلفزيون ، أو يعلّق النساء على أعمدة الكهرباء قبل خمسين سنة من اليوم ،  له القدرة على أن يرمي حذاؤه وأزباله بوجه اكبر رأس في العالم .. إن المشكلة ، لا تتمثّل بفرد واحد من أبناء مجتمع نال من الانسحاقات طويلا ، بل تتمّثل بمجتمع تنازعته الاهواء والتقلبات منذ نصف قرن ، وتتلاعب به الفوضى من قبل قادته ومحتليه الذين مارسوا كل أساليب الصراع ، وجذب الإرهاب ، وسحق الكرامة ، والعراقي الأصيل ، مهما بلغ توحشه ، اقتله ولا تخدش كرامته ، فكيف ان حاولت سحقها ؟   .. إن سحل الإنسان حيا أو ميتا أبشع بكثير من رمي إنسان آخر بالقندرة ..
أتمنى على نخب العراقيين سواء كانوا من الساسة ، أم من المثقفين ، وسواء كانوا مع الحذاء ، أم ضده ، أن يفكروا قليلا بما قلت .. لقد أجازت نخب العراق السياسية، كل الحبال، وكل النضال طوال سنوات مضت.. ولكنها اشمئزت من  استخدام الأحذية اليوم .. إن أبناء نخب عراقية مثقفة لم تتقدّم حتى اليوم بإدانة واضحة لاستخدام الحبال لسحل الرجال ، وتعليق النساء ، أو البصاق بوجه زعيم عسكري عراقي معدوم على شاشة التلفزيون .. كما لم تراجع نفسها وتقدم اعتذارا تاريخيا لما حدث من إباحات سياسية في اهانة الرموز الوطنية العراقية ، مدنية كانت أم عسكرية منذ خمسين سنة ، وأنها لم تعترف حتى يومنا هذا بأخطاء لا تبررّ ، وبخطايا لا تغتفر ، وسيسجلها التاريخ بأحرف سوداء ، ليس لكونها أتت من غوغاء متوحشين ، بل لأن غدت مباركة من مجتمع بأسره ، ومن دولة جعلت المجازر وحمامات الدم أعيادا لها ! والانكى من ذلك ، كم هو حجم العملاء في العراق على امتداد خمسين سنة ، عندما يتضح كم كان هناك من عبث للآخرين مهما كان نوعهم أو جنسهم ، بكل العراق من خلال الطوابير الخامسة والسادسة في العراق !
من الأهم لدى العراقيين ؟
إنني أسأل من له القدرة للإجابة على السؤال القائل : من الأهم لدى العراقيين ؟ زعماء بنوا العراق وعمّروه ، واخلصوا له ، وتفانوا من أجله ، وكونوا أجيالا من المبدعين ، وحملوا اسم العراق إلى كل الدنيا .. أم رئيس أمريكي أصبح في ذاكرة العراقيين رمزا للهشاشة والإرهاب والغباء ؟ زعماء سحلوا بالحبال ، أم زعماء ضربوا بالقنادر ؟ العراقيون من أروع الناس إذا عرف المرء كيف يتعامل معهم ، وعرف شمائلهم بذكاء منقطع النظير .. إنهم كتل ساخنة من العواطف الجياشة .. هم طيبون عندما يستلزم الأمر ، ولكنهم سريعو الغضب والشتيمة والتهكم بشكل لا يصدق . إنهم عندما يخرجون عن أطوارهم، تهيجهم عواطفهم، وتنفلت عقولهم، وتسيطر عليهم انفعالاتهم.. ولكنهم ، متى وجدوا الحديدة حامية ، انقلبوا على أعقابهم ، ليصبحوا مخلوقات من نوع آخر ليهزجوا ويرقصوا أمام جلاديهم .. ومثلما يسحلون الأجساد العارية في الشوارع ، فهم يضربون أكبر رأس في العالم بأحذيتهم ! وهم أيضا ، أول المؤيدين لهذا الفعل ، أو أول المعارضين لذاك ! وليس السحل بالحبال، أو الضرب بالأحذية هو الانفعال فقط، إذ أن التعصب ينال كل كيانهم ، حتى الكتابة في الصحف ، والتظاهر في الشوارع ، وإعلان المواقف ، وإرسال برقيات التأييد .. وكلها في عداد الانفعالات الساخنة.. إن المثقفين والكتّاب العراقيين هم أول المنفعلين بالأحداث المجردة ، إنهم ينفعلون أيضا ، فتجدهم ، أما يكونوا مع المصفقين ، فيجعلوا من صانع الحدث بطلا ، أو يكونون في الضد منه ، فيلعنون ويشتمون ، ويمسخونه مجرما من المجرمين ، إنهم ، جميعا ، يقفون عند زاوية معينة من دون ربط أي حدث بطبيعة صنّاعه .. ومن دون إيجاد أي تفسير لأسباب ما يحصل.. ومن دون أي تأمل في التداعيات التي سيؤول إليه الحدث .
لقد سكت معظم الساسة والمثقفين والكتّاب والمؤرخين العراقيين على جنايات ارتكبت بحماقات وطيش وغوغائية وجنون ونذالة وعمالة وارتزاق واستبداد وقسوة ... على امتداد عهود القرن العشرين من دون أي إدانة واحدة ، أو أي اعتراف بالخطأ ، ولكنهم فجأة اليوم ، تغدو أفكارهم حضارية ومتمدنة ، وتدين بالويل والثبور وعظائم الأمور ضرب الرئيس الأمريكي بالحذاء ! ان المشكلة ليست في عراقي واحد وكأن الجميع ملائكة ، فأي حدث هو تعبير عن طبيعة مجتمع . وعليه ، فأنني لم استغرب ما حدث ، بل أنني كنت أتوّقع حدوث اكبر من ذلك ، وليس هناك من حرج أمام العراقيين في أن يفعلوا ما شاء لهم ، وخصوصا ، عندما يشعر كل واحد منهم انه قادر على صنع أي قرار يريد تنفيذه بنفسه .. فإذا كان كل ما حدث هو خطير وكبير، فأنني أتوّقع حدوث مالا يحمد عقباه مستقبلا، إذ سيحدث الأكبر والأخطر منه ـ لا سمح الله ـ على امتداد العراق في قابل الأيام. وها أنا ذا أنبه إلى ذلك ، والأيام بيننا ..
وأخيرا : ماذا أقول ؟
المشكلة لم تقتصر على انحرافات مجتمع تحّمل الكثير الكثير ، بل بشاعة سياسات ودول ، وتصفيق مجموعات سياسية متقلبة .. المشكلة لا تتوقف عند حدث معين يتمثل برشقة حذاء في لحظة تاريخية معينة ، بل سينظر المرء إلى تاريخ الحدث كلّ من زاويته ، فالمشكلة ، تتمثل بانقسام مجتمع إزاء من رمى الحذاء كونه بطلا عند بعضهم ، ومجرما عند آخرين ! إن من عاش وتربّى على شعارات الهدم والسحل والقتل والتقطيع والجماجم ، ومن عانى واضطهد طويلا يهن عليه رشق اكبر رأس في العالم بقندرته ! ودوما ما تدان المومسات العاهرات على أفعالهن المنكرة ، ولكن المومس لم تصنع الظروف الشاذة ، بل أن الظروف الشاذة هي التي صنعتها ! ولنا أن نسأل من كان وراء صنع الظروف الشاذة في العراق على امتداد خمسين سنة ؟ ومن كان وراء جعل العراق مزرعة للإرهاب على امتداد خمس سنوات ؟ هل من عقلاء يتأملون في تاريخ العراق وأمزجة العراقيين ولا ينزعجون من قراءة سوء الحظوظ في فنجان مقلوب ؟
نشرت على موقع الدكتور سيار الجميل يوم 5 يناير 2009
www.sayyaraljamil.com




40
2009: مواجهة التحديات الصعبة

أ. د. سيّار الجميل

منذ زمن طويل جدا، وأنا أترقب ما سيصادفه العالم في العام 2009، إذ كتبت قائلا بأن العالم سيبدأ تاريخا جديدا من عند مخاضاته الخطيرة.. وها نحن نوّدع العام 2008 بكل أحداثه الصعبة، واضطراباته المريرة، التي ستولد من رحمها خيبات الأمل لما سيجنيه العالم عام 2009. فهل تكّيف العالم حقا لسوء العواقب، أم أنه باق رهين التفاؤل الكاذب؟ صحيح أن رئيسا أميركيا أسود وجديدا سيطل ببعض الأفكار والرؤى، ولكن هل بمقدوره مواجهة التحديات الصعبة؟ عام 2009، سيزدحم سياسيا بأكبر حجم من الانتخابات العامة في العالم.. في الهند، والاتحاد الأوروبي، واندونيسيا، وجنوب أفريقيا، وإيران، وأفغانستان، والعراق..
نعم، سينشغل العالم الإسلامي سياسيا ومحليا بتموجاته ومشكلاته، ولكن العالم يمر بتحديات اقتصادية مريرة على مستوى الأسواق والشركات والدولة، ذلك أن عالم الشمال سيجد نفسه يجني تبعات الأزمة المالية لعام 2008، وسيقف وجهاً لوجه أمام تراجع مخيف في معدل النمو العالمي، فبعد أن كان يعيش طفرة، غير عادية، وبنسبة تتراوح بين 4% و 5%، انخفض إلى أقل من 3%. وهنا، سيواجه عالم الشمال حالات الانكماش، بتأثير: الإفلاس، والتقشف، وارتفاع البطالة، وضمور الشركات، وانحسار القوة مع بقاء بعض الدول محافظة على قوتها النسبية. إن من المحتمل صعود تأثيرها في العالم، مثل: البرازيل وروسيا والهند والصين، بفعل قوتها الإنتاجية التي نتوقع أن يكون لها دورها الأكبر في كيفية سيرورة إدارة العالم.
في العام 2009، سيهتم العالم بظاهرة الاحتباس الحراري، وستنطلق من كوبنهاغن عند نهاية العام، صفحات تقرير مخيف، والدعوة إلى خفض انبعاثات الغازات والمحروقات بفعل تغير طارئ على المناخ، ونقص المياه، وتجارة الكربون، والطاقة البديلة. إن البيئة ستمر بإخفاقات لا نحسد عليها عام 2009. إن الكآبة تطل على وجه كل التوقعات، وان هواجس الخوف تعم كل العالم.. ربما لا ينتبه احد إلى انسحاق الفقراء في العالم، إذ سيتضاعف عدد الجائعين الذي بلغ 862 مليونا عام 2008، ولكن الصراع سيكون شديدا بين الأغنياء للاستحواذ على ما تبقى من الفضلات مع رأسمالية جديدة، وطفيلية بشعة، وانفجار سكاني، وغذاء اقل لأكثر من 6 مليارات من البشر.. مع ركود اقتصادي، يعقب هذا الكساد، وانخفاض حجم التجارة العالمية بنسبة 5,2 بالمئة، وهبوط معدل الاستثمار في العالم بنسبة 50 في المئة عام ,2009.
وسوف لن يفلت من تلك التداعيات أي بلد.. بعد أن غابت، فجأة، قبل أشهر مئات المليارات من العملات الصعبة، وان اغلب شركات صناعة السيارات كانت قد أعلنت، وستعلن، عن خسائر بمئات المليارات، وتسريح ملايين الناس عن العمل.. مع إخفاق الدول الغربية في خطط الإنقاذ، صحبة مع الفشل الذريع في الحد من تدهور أسواق البورصة. ومع عجز فاضح في ميزانيات اغلب الدول المنتجة للنفط حتى إن ارتفع سعر النفط عام 2009، فكيف إذا بقي يسجل تدهورا في السعر ؟ وستعاني كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وايطاليا من ركود اقتصادي واضح.
ولكن ؟ سيكون للمتفائلين مكانهم، منذ الآن، عن العام الجديد بحيث يسرحون ويمرحون بلا أية دواع للقلق، إذ ستبدأ طفرة جديدة على الانترنت، ويعلن العلماء عن خريطة الدماغ، كما سيتم الإعلان عن كواكب تشبه الأرض، وان 2009، سيعتبر عاما للفلك بمرور 400 سنة على اكتشاف غاليلو للتلسكوب ! فضلاً عن نشر علاج جديد لمرضى السرطان.. ومن الطريف، أن العام 2009 سيشهد مرور 30 سنة على الثورة الإيرانية، واحتلال الاتحاد السوفييتي لأفغانستان، ومرور 20 سنة على إزالة جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية المنظومة الشيوعية، كما ستجري احتفالات مرور 50 سنة على الثورة الكوبية، و60 سنة على الحلف الأطلسي، و70 سنة على الحرب العالمية الثانية، و80 سنة على الأزمة الاقتصادية الكبرى لعام 1929.
ولعل اخطر ما واجهه العالم عام 1979 سيختتم مرحلة التخضرم بين قرنين مع 2009 التي ستشهد ـ كما اعتقد ـ مفاجآت تاريخية كبيرة، ليس بتوقيع صلح سوري مع إسرائيل، وليس برحيل ملكة قديمة عن عرشها ! ولكن بمرور أيام تهز العالم هزّا عنيفا.. كل التوقعات واردة بصدد حرائق تصيب الشرق الأوسط، واندلاع حروب جديدة تعقبها حروب إرهاب. ولكن الأسئلة: هل سينكمش دور إيران ؟ وهل ستتفجر حرب شعواء في باكستان ؟ وهل ستنكفئ أحزاب الإسلام السياسي في مجتمعات الشرق الأوسط خصوصا بعد المزيد من خيبات الأمل؟
صحيح أن التوقعات تكثر جداً في مثل هذه الأيام، إلا أن الأسوأ هو الغالب.. دعونا نتأمل في كيفية إبعاد دولنا ومجتمعاتنا عن ذلك، ونحن نشارك العالم هواجسه من اجل أن تنعم الأرض بفرص بديلة نحو الأفضل، وأن ندعو لإيجاد حلول وسياسات إستراتيجية لإعادة التوازن وتنشيط الزراعة وحماية البيئة وتنمية الإنتاج.. وينبغي أن يكون التغيير شاملا لكل أصقاع الأرض من دون حصره في بلد معين.. إننا بحاجة ماسة اليوم إلى تقارير خبراء عقلاء لا إلى قرارات ساسة بلهاء، وأن ينضج أكثر من برنامج عمل، يدعو للإصلاح والاعمار والسلام، بديلاً عن كل الفرص الضائعة.

البيان الإماراتية،  31 ديسمبر 2008
 
وتنشر على موقع الدكتور سيار الجميل 

www.sayyaraljamil.com

41
التوحش الإنساني: رأسمالية جديدة وعدالة مفقودة!


أ.د. سيّار الجميل

لو سألنا أنفسنا: ما السر الذي يكمن وراء اختفاء أخلاقيات ما تضمنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في القرن العشرين؟ والذي كان يعنى ببلورة أخلاق كونية تنطبق على جميع شعوب الأرض، وان مضامينه تؤكد احترام كرامة كل إنسان على وجه الأرض بغض النظر عن جنسه وأرضه، أصله وفصله، أو عرقه ولون وجهه، أو دينه وطائفته الخ.. ولكن بدأنا نتلمس تقسيم العالم إلى شمال وجنوب، مع التوحش في التعامل وبدايات تكوين أخلاقيات كونية كسيحة، لا تستقيم أبدا ومبادئ حقوق الإنسان.. بل غدا استخدام العامل الإنساني غطاء مجردا من الأخلاق، بل ويستخدم مادة مستلبة في القذارة السياسية! ان الإنسان اليوم قد تغّير كثيرا عمّا كان عليه سابقا، وتبدلت أخلاقياته كثيرا في كل مكان من هذا الوجود.. بدأت الثقة تفتقد بين الناس، وازدادت المافيات والجماعات المارقة في مجتمعات اليوم، وهي تتصرف ضد القانون بشكل متفاقم الأخطار..
وازداد التوحّش في التعامل بين القارات.. ربما لم تنته مفاصل الشرق والغرب بعد ان ودعنا عصر الاستعمار الكولينيالي والامبريالي، ولكن التوحش يتبلور اليوم بين شمال وجنوب، وربما تختفي عوامل استراتيجية غير منظورة اليوم.. لم تعد المجتمعات هادئة كما كانت، بل تبدو متحركة ومختلطة وتهددها الفوضى. ولم يعد العمال طبقة بروليتارية في مجتمع صناعي تصارع من اجل نيل فائض القيمة، بل غدت الأيدي العاملة من أثمن ما يكون في السوق العالمية.. لم تعد الطبقة الارستقراطية منحسرة بعدد معين من أصحاب رؤوس الأموال في أي مجتمع، فلقد تنامى عدد هؤلاء ليس في العالم كله، بل في كل مجتمع باستحواذ البعض على مصادر النفوذ والمال والقوة.. ويبدو هؤلاء في عرف الدارسين مجرد طفيليين في المجتمع !
يقول الفيلسوف الأميركي الراحل جون رولس صاحب «نظرية العدالة» الشهيرة، وهو وريث شرعي لكانط وجان جاك روسو، ان العدالة لا تعني جعل كل الناس أغنياء بنفس الدرجة، وإنما تعني ان الفقراء ليس لهم ما يأكلونه. ان الإنسان أينما كان له الحق في هذا الوجود ان يحيا حياة كريمة، وعنده الحد الأدنى من الطعام والشراب والملبس والسكن والدواء والعلاج.. الخ. وبالتالي فان المفهوم الجديد للعدالة يتناقض تماما مع الشيوعية والاشتراكية. المهم هنا، ان الرجل يتناقض أيضا مع العولمة الجديدة التي يسميها حالة جائرة جدا من الرأسمالية المتوحشة التي شاعت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم يقتصر الضرر منها على الدول والكيانات السياسية فقط، بل ضربت كل مجتمعات الدنيا من جرائها !
من يتصفح برنامج الأمم المتحدة للتنمية لكل عام، فسيخرج مذهولا نتيجة اتساع الهوة التي تزداد يوما بعد آخر بين الأغنياء والفقراء بدلا من ان تنقص والإحصائيات الرسمية واضحة بهذا الخصوص. فايطاليا مثلا أغنى من جميع الدول العربية بعدة مرات بما فيها الدول البترولية.. لنضرب أمثلة أخرى على مدى اختلال التوازن في توزيع الثروة بين الشمال الممثل الحقيقي لعالم الأغنياء، وبين الجنوب ممثل الفقراء بشكل عام، فسنجد ان هناك 225 مليارديرا في العالم تبلغ ثروتهم الإجمالية ألف مليار دولار.. هذا المبلغ يعادل ما يحصله 2,5 مليارات من سكان البشرية، أي بمعنى أن 225 شخصا، هم أغنى من مليارين ونصف المليار شخص من أبناء البشرية!
إن العالم كله يدرك من هو المسؤول الحقيقي عن تبدل الأخلاقيات على مدى مائة سنة، وعن خراب العالم. وقد بدا الإنسان منتجا مستغلا، او مستهلكا عبثيا، أو شبحا أكلته الحروب والكوارث والمجاعات.. وبالضرورة، فان عالم الجنوب هو المكتظ سكانيا.
وهو الذي يعاني وستزداد معاناته مع توالي الأيام والسنين في ظل أخلاقيات كونية جديدة، لا تعرف الا الحرب الاقتصادية، والاستثمارات الوهمية، ومضاربات العملة، وهيمنة الشركات الكبرى، والتخطيط لخنق اقتصادات معينة، وعمليات غسيل الأموال، واستقطاب ثروات هائلة في البنوك لدول وأفراد.. وفرض أجندة على الغذاء والماء والدواء.. والتلاعب بأسعار المحروقات، وتخفيض سعر الدولار.. الخ من السياسات التي ستأخذ العالم كله رهينة نظام اقتصادي جديد لا يعرف الا الأخلاقية الكونية للمصالح الأحادية لطرف واحد على حساب كل العالم الذي يتقهقر شيئا فشيئا!
وهذا ما يراه المفكر الهندي فاندانيا شيفا لعالم الجنوب، فهو ينتقد النظرية الرأسمالية الجديدة التي تقول بأن التجارة الحرة تؤدي الى ضمان الحرية في المجال السياسي وسواه، اذ يرى العكس هو الصحيح، ذلك ان التجارة الحرة هي التي تحرمنا من الحرية في عالم اليوم، وستكون الخيبة والخسران من نصيب عالم الجنوب. ان عالم الجنوب يتقهقر شيئا فشيئا بملايين البشر التي تعيش بلا اي إنتاج وبلا علاقات إنتاج.. انها أفواه لا تقبل الا الاستهلاك مع ازدياد المجاعات والمشكلات والأمراض. ان منطقة الشرق الأوسط، وهي اقرب منطقة إلى أوروبا جغرافيا كانت ولم تزل تعاني من صدمات تاريخية وحضارية متنوعة، وهي اليوم ضمن مناطق صراع الجنوب إزاء الشمال.. وتبدو مجتمعاتها تعيش هي الأخرى فوضى التناقضات وغياب المستويات وتقلّص النخب وغيبوبة الإنتاج وتفاقم الصراعات.. انها تعيش في عالم متغيرات غير ايجابية على الإطلاق وبفعل سياسات وأجندة وإعلاميات وتربويات.. لا تخلق إلا الانقسامات وتبدد الإرادات وتعدد الولاءات لثقافات متوحشة وظواهر لم يكن لها وجود في حياتنا وأخلاقياتنا سابقا!.

البيان الإماراتية ، 24 ديسمبر 2008

www.sayyaraljamil.com

42
قبل ان يأكلنا ماردُ العصر !

أ.د. سيّار الجَميل

صراع اليوم ليس بين شرق وغرب ، بل ان اللعبة تجري بين سكان عالمنا في الجنوب واستحالة حياتهم من دون مارد الشمال . علينا ان لا نكابر ، ذلك ان عالم الجنوب ليس لديه القدرة على ان يبقى 24 ساعة واقفا على رجليه من دون منتجات عالم الشمال .. هذا الذي يجثم على مصادر الطاقة ، ويكرر ثروات الارض ، ويهيمن على علاقات الانتاج باختراق الشركات ورؤوس الاموال ، مع ثورة المعلومات ، والاتصالات ، وتكنولوجيا الاعلام  في عموم الارض .. هل تنفع معه ما تبقى لدينا من فضلات ايديولوجية ، ومن استعراضات فارغة ، ومن شعارات طنانة ، ومن مأثورات عاطفية  تملؤها التناقضات ؟
 اي " فكر " هذا الذي باستطاعته ان يقاوم هذا المارد الكاسح الذي يبدو انه قابض على انفاس العالم كله  ، وهو يلاحق الجبابرة على ممتلكات الفقراء ! اية ادوار ، واية مواقف ، يمكننا اتخاذها من اجل ان يلتفت الينا  لنعرف كيف نخاطبه ونطالبه ؟ اية حقوق مضاعة على مدى مائة سنة يمكنها ان تعود الى قبضتنا ونحن لا ندري كيفية التعامل معه ؟ اية اهداف ، واية امنيات ، واية احلام كتلك التي آمنا بها وطالبنا بتحقيقها ، يمكنها ان تكون اليوم بعد ان خربنّا طرقنا ، وشتتنا جهودنا ، وقتلنا مشروعاتنا ، واحرقنا زمننا ، وضيعنا فرصنا ، وعطلنا قدراتنا ، وجمدنا عقولنا ، وذبحنا شبابنا ، وفرّقنا شملنا واصبحنا لا نفهم الا لغة الردح والشتائم والتخوين والكراهية وتراكمات الاحقاد والتكفير والموت ؟
من علم ملايين الناس كل هذه الاقانيم السوداء ؟ من جعلهم ينشدّون دوما الى الوراء من دون استقامة الطريق ؟ من جعلهم يلوكون النصوص ، صباح مساء ، وهم لا يدركون كم هو الزمن ثمين في مقياس الشعوب ؟ من علمهم الكسل ، والتواكل ، والاستسلام للضياع ؟ من جعلهم لا يعرفون الا المثالب والسوالب في الحياة ؟ من قيد افكارهم وسجنها في الغرف المظلمة ؟ من جعل تصوراتهم لا تبتعد اكثر من الاكل والنوم وتلبية حاجات نداء الطبيعة ؟
ان زمننا هذا قد خلق للاذكياء ، والمبدعين ، والخلاقين ، والوعاة ، والحرفيين ، والمكتشفين .. ولا مكان للاغبياء ، والكسالى ، والمقلدين ، والمرددين ، والمتكلسين ، والنائمين ، والهائمين ، والخياليين .. ان مارد العصر لا يهمه الا كيف يحافظ على قوته ، وتكنولوجيته ، وتطور حضارته ، ونظم معلوماته ، ومصالح اقتصاداته .. الخ  ان المارد المعاصر يهمه كيف يستحوذ على الايدي العاملة الرخيصة ، ويهمّه كيف يسّوق بضاعته الكمالية ، واسلحته الفتاكة ، وسلعه الجديدة .. انه بقدر ما يهمه الانتاج وتحسينه يهمه ملايين المستهلكين ، ونحن من اكبر المستهلكين ليس لمنتجاته فقط ، بل لكل الزمن والطاقة والعقل والمال .
مئة سنة مرت ولم تحقق الايديولوجيات اهدافها .. وعليه ، فان النخب العليا في اي مجتمع ، مطالبة بالضغط على الحكومات ، من اجل تغيير المناهج السياسية والتربوية والاقتصادية .. وكل ما من شأنه ، ان يأخذ بالتحولات من دون اي طفرة وراثية ، ومن دون اي قفزة نوعية ، ومن دون حرق للمراحل .. المطلوب تغيير جذري في النهج وانفتاح على العصر .. وان تتضّح مقاصدنا ، واهدافنا بعيدا عن اللف والدوران ، وعن اللعب بالتناقضات ، وعن ثنائية التراث والمعاصرة وعن ازدواجية المعايير .. علينا ان نسلك طريق التفكير المدني وفرض القانون .. والعمل المنتج . وان نحافظ علي الحدود الدنيا من العلاقات الادبية التي يحترم فيها احدنا الاخر علي الاقل ، وهنا ، يستوجب الانطلاق من واقع مهترئ ينبغي تغييره او تطويره ، وان يتقّبل كل المستحدثات الجارية في العالم بروح عالية .. اننا مدعوون جميعا لوضع اسلوب عمل صريح وشجاع يطالب بالنص مراعاة التشريعات الخاصة بذلك .
  نعم ، ان حياتنا العربية ، الرسمية والاهلية ، بحاجة ماسة الي اصدار تشريعات وضوابط لكل مرفق من المرافق والمؤسسات والاجهزة المستخدمة ، وان تخضع ثورة التحديث الي هيئات نزاهة وان تخضع كل التجاوزات للقضاء ..  لابد من تغيير في نهج الذات ، وتماسك في العلاقات ، والتزام العمل .. وشفافية الحوار ، ينبغي ابداع الكلمة ، والنص ، والريشة ، والصورة والصوت ، والعقل ، والمشاعر ، والجمال ، واثراء الثقافة الحقيقية واشراكها في سيرورة الثقافة العالمية .
وأخيرا ، ينبغي تفعيل اي بادرة او اكثر من اجل ان يكون كل الانسان في مجتمعاتنا كفوءا ومحترفا ومنتجا ، وان يلتزم جملة تقاليد واعراف نهضوية لا حيدة عنها .. وان تمارس اخلاقيات في غاية النضج ، وان تؤسس برامج عمل ، وتشرع قوانين ، والانطلاق بكل ما يمكن ان يسّهل العمل ويرسّخ الشفافية بعيدا عن الفوضي السائدة .. ان الحياة العربية ينبغي ان تكون مؤسسة للمنتجين ، ورحابا للمثقفين ، وتجمعا للمبدعين ، ومنظومة للعاملين ، وميدانا للتربويين ، وساحة للفنانين الحقيقيين . اننا بأمس الحاجة الي ان نعيد التفكير بمسيرتنا ، حتي وان كانت قصيرة والا سنكتب ضربا من العبث والجنون ، ومهما بقينا متنازعين بمثل هذا المستوي فسوف يسجل العالم علينا بأننا غير مؤهلين ابدا للعمل بروح جماعية وحداثوية .. فهل سندخل حقا القرن الواحد والعشرين ؟ وهل سننجح باستخدام آخر منجزات العصر من اجل الارتقاء بواقعنا وافكارنا وخطابنا وكل وجودنا الي زمن جديد ؟ هذا ما ستجيب عنه السنوات المقبلة .

البيان الاماراتية ، 17 ديسمبر 2008

www.sayyaraljamil.com


43
حوار مجلة آراء
مع الاستاذ الدكتور سيّار الجميل



حول الثقافة والمثقفين

سيّار الجميل يقول :
ـ اسوأ مرحلة سحق فيها المثقف( العراقي ) كانت في الثمانينيات من القرن الماضـــي!..
ـ الاحزاب هي التي تأكل المثقفين الحقيقيين ..
ـ ان المثقف هو من يخدم مجتمعات الانسان لا ان يخدم سياسات انظمة او احزاب..
ـ الثقافة كلما كانت جديدة واصيلة ازدادت قيمة صاحبها المثقف بين الناس..
ـ المثقف : ان يبدع في احترافه للاشياء ، وفي مهاراته ، وفي كتاباته ، وفي افكاره ، وفي اسلوب حياته.
ـ المثقف الحقيقي له ثقافة، وهي مكانة وقدرة وليست صنفاً او سلاحاً !
ـ وكما اكرر دائما بأن لنا في العراق صورة من خطين متباعدين ولكنهما يتوازيان منذ الاف السنين: خط سياسي مغرق بالدماء والاحتضار ، وخط حضاري بالغ الروعة والازدهار .
ـ ان الوعي لدى الناس لا تصنعه الاذاعات ولا الفضائيات ، بقدر ما تصنعه النخب وابداعاتها وافكارها.
ـ النخب المثقفة هي التي يستلزم ان تقف في المجتمع العراقي على رأس المجتمع وفي قيادته نحو الافضل.. في حين يجعلونها في الدرك الاسفل من الدولة كي لا تتنفس ولا تتحرك..
ـ اما اليوم ، فان المثقف العراقي يتشظى وهو يتآكل من دواخله الصعبة ، ويعاني ويكابد كثيرا ، ولكن ينبغي ان يتصدّى للتحديات مهما كبر شأنها .. لقد اصيبت الثقافة العراقية في الصميم نتيجة التناقضات الجديدة التي ولدت بعد العام 2003.


أجرى الحوار / هيئة تحرير مجلة آراء

19 / 11 / 2008
 

تقديم
عالم الثقافة والمثقفين عالم شاسع والحديث عن الثقافة حديث ذو شجون ففي عالمها بنيت حضارات وبمعاولها هدمت قيما ودمرت اوطانا  منها كانت مصادر خير ورخاء بنت النفوس ومنها زرعت الشر لتتحول الى اداة موت وفناء فما حصل في العراق كانت نتيجة ترسيخ ثقافة الحرب والموت والمحصلة كانت صراع قوميات ومذاهب واديان . فحول الثقافة كمفهوم يدل على الفولكلور والشعر والادب الى الثقافة كهوية شعب ضمن فترات تاريخية كانت لنا سياحة مع مفكر كرس حياته لخدمة اكسير يسمى " الثقافة " انه الاستاذ الدكتور سيار الجميل...

س: ما رأيك أن قلنا فكر المثقف أرض خصبة يتقبل أكثر من غيره الأفكار فتنال ثمارها الرضا والاستحسان فيما لو يجيد تسويقها ؟

ج: مثلما فكر المثقف ارض خصبة تتقبل الافكار، فمن الضروري ان يجيد المثقف تسويقها، والا انه لم يعد مثقفاً ! المثقف حزمة ابداع وديمومة عطاء واداة خلق .. لا يمكن ان يكون كذلك من دون امتلاكه الاداة الفعالة للتفاعل.. انه يأخذ وعليه ان يعطي.. كل من يأخذ ولا يعطي، فهو ليس بمثقف حقيقي او بمثقف عضوي.. المثقف وجوده كله من أجل الآخرين، لا من أجل نفسه او ذاته. المثقف لا اعرفه ابدا مهما اغترف وأخذ، ولكنني افرزه من بين المئات او الالآف من خلال ما يمنحه لي وللمجتمع وللعالم كله. الارض الخصبة، لا يمكنها ان تكون كذلك ان لم تتوفر فيها عناصر اساسية، كي تقوم بمهمة الانتاج، فهي ارض معطاء لا يستغني عنها الانسان. وكما يحتاج الناس الى ان تطمعهم الارض الخصبة، فهم يبحثون عن مثقف حقيقي من بينهم كي يمنحهم ما يحتاجونه منه. ان المثقف هو الذي يحمل هموم مجتمعه كي يقدم اليه ما يراه مناسبا من نصوص وافكار واشعار وخطاب واساليب ومناهج وابداعات.. وكلما كانت جديدة واصيلة ازدادت قيمة المثقف بين الناس..
 
س: كيف ترى الثقافة.. سلاح ذو حدين أم ذو حدٍ واحد ؟

ج: انها مسألة نسبية تتحمل صورة هنا في بيئة معينة، وتتحمل صورة من نوع آخر في بيئة اخرى.. وهكذا. انني اعتقد ان الثقافة بمعناها الواسع هي السلاح الذي له حد واحد عندما تعطي للثقافة قيمتها، ويشعر المثقف انه الأهم والمهم في آن واحد، ليس في المجتمع وحده، بل في الدولة ومؤسساتها.. ولكن عندما ينظر للثقافة والمثقف نظرة عادية تختلف العملية هنا رأسا على عقب.. الشئ الاساس الذي يغيب عن الرؤية عند العرب اليوم ، منحهم صفة المثقف لكل من هبّ ودبّ، فالمثقف غير المتعلم وغير المختص وغير السياسي وغير وغير .. انه يحمل مهمة كبيرة، وهو خزين هائل ليس من المعلومات وحدها، بل له القدرة على الابداع.. ان يبدع في احترافه للاشياء وفي مهاراته وفي كتاباته وفي افكاره وفي اسلوب حياته. المثقف الحقيقي له ثقافة، وهي مكانة وقدرة وليست صنفاً او سلاحاً !

س: ماذا تقول إن قلنا أن ثقافة المجتمع تعني الهوية لأنها تحوي على الحالة الفكرية العلمية وطبيعة العلاقات الاجتماعية والأخلاقية  والسياسية والمعتقدات وقابلة للتأثير والتأثر؟

ج: هذه مسألة عالجتها في اكثر من مكان، فالثقافة التي تقصدها في سؤالك هذا هي ليست الثقافة التي تحدثت عنها في السؤالين السابقين. انها ازمة مصطلحات وتعابير في عربيتنا ولغات اخرى. الثقافة عند النخب المثقفة هي غير ثقافة المجتمعات. الاخيرة هي (الكالجر) وما يتميز اي مجتمع بثقافة معينة تخص اسلوب حياة الناس وعاداتهم وتقاليدهم وفولكلورهم واغانيهم واكلاتهم والبستهم وموسيقاهم.. هذه هي ثقافة اي مجتمع يختلف عن الاخر، ومنها تلتصق هوية كل بيئة ثقافية او بلد معين بطابع ثقافته القابلة للتغير والتغيير.. ولكن ثقافة النخب هي اساليبهم وافكارهم وابداعهم ونصوصهم وخطابهم .. الخ

س: المثقف هو من يقوم بتفعيل الثقافة بمعناها الإنساني، إلى اي حد ترى الأحزاب تـُفعِل الثقافة بمعناها الإنساني ؟

ج: هناك انواع من المثقفين، اقصد النخب المثقفة، على العموم، المثقف انسان او مواطن حر لا يتحزّب سياسيا، ولكن ثمة مثقفين قد تحزبوا وتخندقوا، فاما تجدهم مثقفي سلطة او مثقفي معارضة ! على العموم، انا لا اجد هناك اي ضرورة لتحزب اي مثقف، اي ان مجرد تحزبه اي بمعنى تخندقه مع هذا او ذاك.. واذا تخندق المثقف اصبح اداة سياسية يستخدمه الحزب او السلطة او المؤسسة.. والمعروف ان المثقف هو من يخدم مجتمعات الانسان لا ان يخدم سياسات انظمة او احزاب.. انني اعتقد بأن المثقف متى ما تحّزب انتهى كمثقف واصبح برجل سياسة! وعليه، فان الاحزاب هي التي تأكل المثقفين الحقيقيين، ولا يمكنها ان تفعّل الثقافة لا بمعناها المحلي ولا الانساني.

س: تأريخ العراق الحديث مر بمراحل، في أية مرحلة منها حـُجـِمَ المثقف ؟

ج: ان ذروة ما وصل اليه المثقف العراقي هي التي تقف عند منتصف الخمسينيات من القرن الماضي .. وان اسوأ مرحلة سحق فيها المثقف ولم يحجّم فقط هي في الثمانينيات من القرن العشرين وقد سبقها عقد من السنين الصعبة واعقبتها عشر سنين من السنوات الاصعب . اما اليوم ، فان المثقف العراقي يتشظى وهو يتآكل من دواخله الصعبة ، ويعاني ويكابد كثيرا ، ولكن ينبغي ان يتصدّى للتحديات مهما كبر شأنها .. لقد اصيبت الثقافة العراقية في الصميم نتيجة التناقضات الجديدة التي ولدت بعد العام 2003.

س: التلوين الإثني الذي يمتاز به بلدنا، الى أي حد ساهم بتزيين الثقافة العراقية وبالعكس، وهل لدينا تأريخ يجمع خصوصيات وعموميات الطيف العراقي؟

ج: ساهم بذلك الى حد كبير.. صحيح ان الثقافة العراقية هي عربية كتابة ونشرا وتحريرا وتعبيرا وخطابا ومقول قول.. اذ ان اللغات الاخرى محلية منها من لا يخرج عن نطاق اقليم او محافظة كالكوردية المنقسمة على نفسها الى قسمين : بهديناني وسوراني.. وهناك التركمانية التي لم تجد نفسها الا منحسرة في بيوت واسواق بلدات معينة.. والآرامية القديمة التي لا تجد انفاسها الا في كنائس معينة ايام الآحاد وبعض القرى في سهل نينوى وجبال كوردستان.. وعليه ، فان المثقف العراقي مهما كان انتماؤه فثقافته وابداعه واضح في مدى نجاحه بالعربية. فالعربية في العراق هي الام الجامعة لكل الالوان والاطياف. ان ميزة ثقافة العراق هي في هذه الفسيفساء التي تضم خصوصيات مختلفة.. افكار متنوعة.. اجواء وفضاءات ملونة.. ادوات تعبير متداخلة.. ان الاثنيات العراقية قد نجحت نجاحاً باهراً في تشكيل لوحة عراقية ثقافية رائعة، ولكنها فشلت فشلا ذريعا في مجرد تأسيس لوحة عراقية سياسية متواضعة.. وكما اكرر دائما بأن لنا في العراق صورة من خطين متباعدين ولكنهما يتوازيان منذ الاف السنين: خط سياسي مغرق بالدماء والاحتضار وخط حضاري بالغ الروعة والازدهار .

س: لكل شريحة معاناة، ما هي معاناة النخبة المثقفة العراقية وهل شيخوخة الفكر واحدة منها ؟

ج: النخبة العراقية المثقفة تعامي دوما من الجحود والاهمال.. تعاني من التهميش والقسوة.. هذه النخبة ليست صاحبة تفكير قاصر كثلة من الضباط الانقلابيين، او مجموعة من الحزبيين في وكر من اوكار الهزيمة.. هذه النخبة ليست فريقا من فرق القتل والموت.. هذه النخبة ليست مليشيا دولة او احزاب.. النخب المثقفة هي التي يستلزم ان تقف في المجتمع العراقي على رأس المجتمع وفي قيادته نحو الافضل.. في حين يجعلونها في الدرك الاسفل من الدولة كي لا تتنفس ولا تتحرك.. ان الوعي لدى الناس لا تصنعه الاذاعات ولا الفضائيات ، بقدر ما تصنعه النخب وابداعاتها وافكارها.. ان معاناة النخب العراقية المثقفة كبيرة كونها تختلف عن بقية النخب الاخرى، وثانيا، لأنها تجد نفسها دوما منسحقة من جراء الفاقة والحاجة والهجرة والصمت وكلما ازداد وعيها وتقدم اعضائها بالسن، كلما زادت مكابداتها وفجائعها التي لا يمكن لأحد تخيلها.

س: كتاباتك الكثيرة فيها مساحة كبيرة تتناول ستراتيجيات تفكير العرب والمسلمين، ماهي إشكالية هذا التفكير وآليات التغيير في عراقنا اليوم ؟

ج: نحن العراقيين حالنا حال غيرنا من مجتمعات الشرق الاوسط.. ربما تقدمنا عنهم خطوات في بعض الفترات  وربما تأخرنا عنهم في فترات اخرى .. ولكنني ارى ان الاستراتيجيات واحدة ، ولا تختلف الا في التفاصيل التي هي بامس الحاجة الى تدابير وتكتيكات من اجل تأسيس تاريخي جديد. انني اعتقد ان المساحة الكبيرة التي تجدونها في كتاباتي هي التي كنت وراء صنعها وبنفسي، اذ لم أكن صنيعة لأي احد ، ولم يكن هناك اي دور لأي مؤسسة علمية، او فريق عمل، او حتى سلطة مؤسسة او حكومة او دولة من وراء هذا الانجاز.. وبالتالي لم يصنعني احد، بل كنت وراء صناعة هذا كله .. انه ليس كتابات كثيرة، بل جملة معتبرة وصعبة من الافكار والمشروعات والرؤى والنقدات والاستحداثات ونحت مصطلحات راجت اليوم.. انك تسألني عن اشكالية هذا التفكير، فاقول ان اشكاليات متنوعة ومتعددة نجحت ـ وبتواضع كبير ـ ان اثيرها في الثقافة العربية المعاصرة، وطالبت بالتأمل فيها، ومنها: فلسفة " الاشكالية " ومصطلحها نفسه، و" الازدواجية " في مفهوم الثقافة، و " التناقضات والمركبات الاجتماعية " ، ودراسة " التكوين التاريخي الحديث "، وايضا دراسة " البقايا والجذور " ، و " ثلاثية المجتمع العراقي " ، وفكرة " الدواخل والاطراف " في دراسة تواريخنا.. ونظرية " سلاسل الاجيال"  ( او المجايلة).. وصولا الى ما اثرته بصدد الجغرافية الثقافية للعراق الحديث، ونظرية " الابعاد الاربعة"  ودور نهر دجلة.. الخ
ان ما تسألني عنه بصدد آليات التغيير في عراقنا اليوم، فهذا موضوع آخر لا علاقة له بما تحدثت عنه. ان آليات التغيير في العراق لا يمكنها ان تعمل في ظل احزاب ومجموعات دينية، فهي بحاجة الى مناخات مدنية صرفة.. وهي بحاجة الى فضاء وطني صرف تتنوع فيه الافكار، ويزاول فيه الوعي، وتمارس فيه الحريات في ظل القانون والنظام.. ان آليات التغيير في العراق بحاجة ماسة الى افراغ البلاد من السلاح ومن المرتزقة ومن كل المليشيات والجماعات المسلحة.. انك ان سعيت ، كي تجعل العراق مدني وهادئ، فقد خلقت الظروف المناسبة لبدء حركات اجتماعية وابداعات ثقافية واساليب حضارية.. ان استطعت ان تخلص العراق من اية مشكلات سياسية واثنية وطائفية وقومية.. الخ، فان آليات التغيير ستبدأ تعمل من جديد في ظل ظروف مسالمة وآمنة وطبيعية..

س:  أنت حائز على جائزة أفضل كاتب بالشأن العراقي، هناك من يقول أن الكثير يتكلمون عن العراق والقليل هم من يدركون واقعه، الى أي حد ترى صحة لهذا الرأي ؟

ج: نعم، صدقت، ان القليلين هم الذين يدركون واقع العراق ومأساة العراق.. لقد تراكمت عشرات بل مئات الاسماء للكتابة والتحدث باسم العراق عن العراق، ولكن قلما تجد كّتاب احتراف من العراقيين. ان الكتابة وكتابة المواقف السياسية هي مسموح بها كتعبير عن وجهات نظر، وصياغة رأي عام، ولكن اختلط الحابل بالنابل في معالجة الشأن العراقي، وتظهر علينا كل يوم عشرات المقالات الركيكة، وقسم منها يفت في عضد الوطنية العراقية، وقسم منها ليس له الا السباب والشتائم التي يرددها بعض المسؤولين العراقيين ايضا.. وليكن معلوما، ان ليس من الاهمية بمكان ان تكون قابعا في العراق، ولا تعرف ما الذي يجري في اقرب قرية مؤهولة بالسكان والمشاكل.. في حين، ان من يمتلك الاحتراف له القدرة على التغلغل في الحدث، اذ يطّل على المشهد عموديا من فوق على عكس ما يراه الجالس في قلب العراق وهو بعيد جدا عن كل ما يحدث فيه وفي افقه القريب او البعيد .

هيئة تحرير مجلة آراء
مؤسسة شفق


اعيد نشر الحوار على موقع الدكتور سّيار الجميل
www.sayyaraljamil.com

26 نوفمبر 2008

44
المثقفون الملتزمون

أ.د. سيّار الجميل

اولا : مدخلات التعريف : الملتزمون هم الحقيقيون
المثقف الحقيقي ، من يكون قد التزم قضية معينة ، او نظرية محددة ، او فكرا حقيقيا ، او تبلور مع نخبة مثقفة لحل مشكلات ومعالجة ازمات .. انه مدافع عن اسس وقضايا تهم الناس وتتطلع الى الاخذ بيد المجتمعات الى الامام من خلال تطلعات واسعة وكبيرة .. انه الذي يوّظف ابداعه لخدمة واقعه اينما كان واينما وجد .. انه المعّبر الحقيقي عن هموم الحياة ، والمرآة العاكسة لكل خصائصها ومواصفاتها في الوجود .. الملتزمون ليسوا فقط اعضاء في احزاب راديكالية ولا كونهم يوظفون منتجاتهم في خدمتها .. انهم مثقفون يلتزمون الحياة ، وليسوا مجرد بيادق لدى الساسة وقادة الاحزاب .. انهم اكبر من هؤلاء واولئك بكثير .. انهم اولئك الذين ينتمون الى تراب وطني ، او فضاء حضاري ، او مدار انساني ، ولا يفرقون بين الالوان ، ولا يميزون بين الناس على اساس هوية ، او دين ، او عرق ، او حزب ، او طائفة ومذهب .. ولكنهم يدركون جيدا ان المجتمعات مجموعة مستويات تعلو وترتقي او تهترئ وتنضوي  .. انهم حقيقيون ، يلتزمون قضايا حقيقية .. يتألمون لمصائر بلدان .. يتحسسون بضياع اجيال .. يفكرون بالمستقبل .

ثانيا : الملتزمون يوازون العضويين
انهم مثقفون عضويون يدركون مخاطر الحياة ولا يتقبلون الاملاءات .. لا يساومون على مبادئهم المثقفة ، ولا على قيمهم الحضارية ، ولا على مواقفهم الانسانية ، ولا على ابداعاتهم الجماعية ، ولا على افكارهم العليا .. انهم لا يتقلبون على الحبال من حين الى حين ، ولا يرقصون كالمهرجين في كل عرس مجنون . نعم ، انهم اكبر مما نتصور ! ربما كانوا من العضويين ـ حسب وصف الفيلسوف الماركسي الايطالي غرامشي ـ ، وربما كانوا من المنتمين لهذا الطرف او ذاك ، ولكنني اجدهم من المؤمنين الذين يدافعون عن افكار معاصرة لا عن رواسب عفا عليه الزمن ، وهم صرخة مدوية يعبرون من خلالها عن انسحاقات الاخرين من ضعفاء واقليات ومسحوقين ومهمشين ، ولا يتقبلون ان يبيعوا انفسهم مهما كانت الظروف ، ولا يتخندقون هنا وغدا هناك .. بل وان العشرات من المثقفين الملتزمين من خسر سنوات عمره في زنزانات ، او هناك من دفع حياته ثمنا لمبادئ حقيقية آمن بها .. وهناك من شاخ وهدّته تبدلات الحياة .. ومن مات وهو لا يملك ما يسد به رمقه . فهل من الانصاف ان نساوي بين هكذا مثقفين مبدعين لهم نظافتهم ولهم مبادئهم ، ولهم مواقفهم ، ولهم صلابتهم ومجابهاتهم للتحديات ازاء مثقفين آخرين لا يعرفون الا الرخوية ، والانصياعات ، والتصفيق ، وترديد الشعارات والتخندقات .. بل وغدوا في جوقة ولاة الامر لا يعرفون الا المديح والتسبيح بحمد هذا وذاك .. واصبحوا من الطفيليين الذين لا يتعاملون الا بالملايين ؟ ان المثقفين الذين التزموا قضايا الناس ومصائر المجتمعات .. وصرفوا اعمارهم وحرقوا سنوات حياتهم هم الذين سيبقى ذكرهم مخلدا على امتداد الناريخ .. وسيلفظ الزمن كل الساقطين والطفيليين ، وكل المارقين والطائفيين ، وكل المهرجين والافاقين .

ثالثا : المثقف اللا منتمي : الالتزام المفقود
قبل اكثر من خمسين سنة ، كان  " الالتزام " احد اهم المبادئ التي يتمتع بها المثقف الحقيقي في الانتماء الى المجتمع من اجل تطويره نحو الافضل لا من اجل الانخراط تحت مظلته وتقّبل هيمنته ، كان يؤمن بقضاياه الحقيقية المدنية ، كما كان يتصّور سواء آمن بنظرية تقدمية ماركسية ، او ليبرالية متحررة ، او قومية وطنية .. وكم دفع المثقفون الاوائل عربا كانوا ام اتراكا ام فرسا ام اكرادا ام اقباطا ام غيرهم من اطياف عديدة .. اثمانا باهضة من حياتهم ، فسجن بعضهم ، واغتيل آخرون ، واضطهد البعض ، ونفي آخرون .. بل وصلت حالة البعض الى حد الانتحار ، فانتحر من لم يستطع تحمل اعظم المتغّيرات في تفسيره وقت ذاك ، والتي غدت اليوم عند الكثير من ابسط ما يمكن تصنيفه وقبوله والتعامل معه تحت مسميّات عدة .. اليوم ، لا تجد ذلك المثقف الملتزم او السياسي الصلد .. لن تجد الثوابت راسخة رسوخ الجبال ولم يعد النضال من اجلها حتى الموت .. لن تجد المواقف معلنة ، وصريحة ، على رؤوس الاشهاد .. لن تجد الشجاعة في مقول القول ، او الجرأة في الخطاب ، الا عند النادر من المثقفين والمثقفات اليوم.

رابعا : المنحرفون منكشفون
لا ينحصر انحراف المثقف في سلوكه الشخصي او حرياته ذاته .. ولكن انحرفاته في مواقفه الفكرية والسياسية بشكل خاص ، ان من واجبه ان يكون منحرفا عن اعراف مجتمعاته السيئة ، وهو يريد اصلاحها من خلال حياة جديدة . لقد اصبحت حياتنا في كل مجتمعاتنا المتنوعة التي يضمها عالمنا ، خصوصا ، بلا ضوابط ، فكل من هبّ ودبّ دعا نفسه بـ (مثقف ) ! وكل من كان ضعيف النفس ، مسلوب الارادة ، مريض العقل ، دعا نفسه بدكتور حامل شهادة دكتوراه وهو لا يحملها أبدا ! وكل من دمرته سايكلوجيته التي تحفل بتعقيدات ترّبت معه غدا يتكلم بطريقته الخاصة اسوأ انواع الكلام باسم " مثقف" ! كان المثقفون ايام زمان يهتمون بغيرهم من المثقفين ، ويناشدونهم ، ويهتمون بهم .. اما اليوم ، فلم يعد هناك اي التزام حقيقي مثقف له روحيته وقوته .. فلقد دمّرت العلاقات بين المثقفين في حياتنا كلها ، وساد الجحود فيما بينهم ، ولن تجدها الا من خلال مصالح شخصية او فئوية او سياسية او طائفية او اقليمية .. وكلها علاقات غير نظيفة تعج بعلامات الاستفهام ! لن تجد النزاهة ، ولا التجرّد ، ولا نظافة اليد ، ولا حسن الموقف ، ولا الاهلية ، ولا المعرفة ، ولا الحفاظ على المال العام .. نعم ، قد تجد بدايات مشجعة  لحياة مجتمع مدني ، ولكنها اسيرة كل ما يطوقها في المجتمع ، او من يتسلط عليها من الدولة ، فيجعلها كسيحة لا تقوى على الحياة .. وهكذا بالنسبة للاحزاب السياسية التي لا تستطيع تطوير اساليبها ، او بالنسبة للمنظمات الاقليمية التي لا تستطيع ان تفعل شيئا بالرغم من انفاقاتها الباهضة .. ، او بالنسبة للقوى الاجتماعية التي تسيطر على الحياة بسلطة الدين ، او المذهب ، او الطقوس ، او الاعراف والتقاليد  الخ

خامسا : البدائل متى تتحقق مشروعاتها ؟
انني اتساءل عن " بدائل " ، اذ ينبغي ان يعد كل بديل مشروعا كاملا تحتاجه مجتمعاتنا ودولنا حاجة ماسة .. وعليه ، كم يا ترى يلزمنا من بدائل حقيقية عن كل ما تركه القرن الماضي من ترسبّات وبقايا ؟ كم تنفعنا هنا حرية الفكر والتعبير ؟ كم هي ملزمة الحريات الشخصية واحترام الرأي الاخر ؟ كم هو مطلوب من قوانين جديدة للحياة السياسية وضوابط واعراف للحياة الاجتماعية ، واساليب متقدمة جدا في الحياة الثقافية ؟ كم مطلوب من تجديد حقيقي في الثقافة العربية وثقافات مجتمعاتنا في الشرق الاوسط باسره ؟ كم هو نافع ان تكون لدينا بدائل أخرى عن مواريث الحقد والكراهية ؟ كم مطالب اي انسان في مجتمعاتنا ان يحمل نفسا طيبا ، وطبعا كريما ، مع تواضعه وتبسّطه امام الاخرين .. ليكن حّرا في تصرفاته الشخصية ، فلا اعتراض على حريته وافكاره ، ولكن مع توفّر مصداقيته وامانته وحسن تعامله مع الاخرين ؟ كم مطلوب من مجتمعاتنا ان تجعل من اديانها كنوز فضائل ، واخلاق ، ومصالح مرسلة ، وتجليات روحية سامية للنفس والمشاعر .. بدل جعلها ايديولوجيات سياسية تتلوث بالانقسامات الطائفية والمذهبية على ارض الواقع ؟ ان البدائل لا تتحقق من فراغ ، ان ثمة شراكة بين مؤسسات الدولة وابناء المجتمع لابد ان تتحقق للمطالبة باعادة الاعتبار للمثقف الحقيقي والملتزم والذي لا يتعطش لسلطة ، ولا يتخندق بحزب ، ولا يناور كسياسي ، ولا يهادن كموظف .. اذ ليس له الا كلمة سواء.

سادسا : تساؤلات تبحث لها عن ولادة جديدة
كم هو مطلوب من دولنا ، وحكامنا ، ومسؤولينا ان يتخلصوا من تبخترهم وكبريائهم ونفختهم الكاذبة واستعراض عضلاتهم ويندمجوا مع الناس ؟ كم هو مطلوب من اي انسان ان لا يعلو برأسه فوق مستوى نبات العشب, وان يكون خّيرا ، ومتواضعا ، ومعطاء ، ومساعدا ، ومبتسما ، وسريع البديهة ، وحاضر النكتة ؟ وهذا لا يحصل الا من خلال تربية جديدة تزرع عنده المحبة لا الكراهية ، وتعلمه الانفتاح لا الانغلاق . كم هو مطلوب من الناس العاملين ان يكونوا اوفياء لمؤسساتهم ولا يهمهم الا جودة الانتاج  وكذا هو طبع المخلصين الحقيقيين للاوطان .. ؟؟ كم نحن بحاجة الى المثقفين المبدعين ، والمجتهدين ، والاكفاء ، والملتزمين .. لا الادعياء ، والاغبياء ، والمثرثرين ، والمتقلبين ، والمستعرضين ؟ كم نحن بحاجة الى رجال اعمال امناء ، ورجال اعلام وصحافة منصفين ، ورجال استثمارات ماهرين ، ورجال قضاء عادلين .. ؟ كم نحن بأمسّ الحاجة الى اكاديميين معرفيين لا ادعياء مقنعّين ؟ كم نحن بحاجة الى اناس حقيقيين : حكاما ديمقراطيين ، ومخططين استراتيجيين ، ووزراء متفانين ، وساسة حاذقين ، واداريين قياديين ، ومحاسبين قانونيين ، ونقابيين مدافعين ، ومشرّعين متميزين ، وعسكريين محترفين ، ومهنيين مخلصين ، ومعلمين تربويين ، واطباء مختصين ، ومهندسين محدثين ، ومعماريين مبدعين  .. ؟ كم نحن بأمس الحاجة الى علماء وادباء وفنانين قديرين ، ومفكرين مصلحين ، وفقهاء كبار مرجعيين محترمين بدلا من ملالي ورجال دين ساذجين ؟ كم نحن بحاجة الى كوادر من المهنيين والحرفيين والعمال الماهرين والفلاحين المنتجين ؟ كم نحن بحاجة ماسة الى مدربين ومخترعين وطيارين وملاحين ولاعبين رياضيين .. ؟ وغيرهم كثير .

سابعا : : ضرورة التحولات
ان مائة سنة مّرت على مجتمعاتنا ، ودولنا المهترئة تسرع في تخريج كوادر عريضة لا تعتني بنوعياتهم بل تهتم بحجوم اعدادهم الكبيرة ، فاختلط فيها الاخضر بسعر اليابس .. ولم يكن الانسان المناسب في مكانه المناسب في اي يوم من الايام .. فضاعت ازماننا عبثا ، وفشلت خططنا جملة وبدأنا نعيش فوضى قيمية ، واستهلاكية قاتلة .. وكانت مجتمعاتنا ولم تزل تعيش حياة صاخبة يأكل القوي فيها الضعيف .. وتنتشر فيها الرشوة والمحسوبيات والعلاقات القبلية او المحلية او الحزبية او الايديولوجية او القرابية غير النظيفة وحتى المساومات اللااخلاقية .. فمتى تتخلص مجتمعاتنا من أمراضها وتخلفها ؟ من تأخرّها وانعزالياتها ؟ متى تعي مسؤولياتها التاريخية ؟ متى تجري تحولات جذرية في دولنا وتشريعاتها كلها ؟ متى تتحول الحياة في الشرق الاوسط نحو الافضل ؟ متى تترسخ المفاهيم الحقيقية لـ " الديمقراطية " واعتبارها ظاهرة حكم الشعب لا حكم الاغلبيات ؟ متى يتخلص المثقف الحقيقي من شقاء الوعي ، ومن ازمة الكبت ، ومن هوس التناقضات ، ومن الشعور بالضعة والحرمان وهو يعيش مأساة مجتمعاته وتراجعها المخيف ؟ متى تتوازن الحياة وتتخلص من تناقضاتها المرعبة ؟ متى تتخلّص مجتمعاتنا من الفقر والجوع والمرض ؟ متى يترسّخ التفكير النسبي في ذهنيات الناس ؟ ومتى يتم التخلص من الذهنيات المركبة ؟ ومن الانتماءات المتعددة ؟ ومن ازدواجية المعايير ؟ متى يتم ّ التخلص من عقدة الخواجا ؟ ومتى يتم التخلص سلطة المرجعيات الوهمية ؟  متى تعيش مجتمعاتنا حياة كريمة صالحة وعادلة منتجة ؟

ثامنا : واخيرا : هل ستعيد الاجيال القادمة ما اقول ؟
نعم ، واخيرا : متى يتجّذر الحوار الحضاري بين مجتمعاتنا حول مختلف القضايا الشائكة والاختلافات المعقدّة ؟ ان اي قارئ من القراء الكرام ، يريد ان يستفسر عن اية مشروعات للتطور والتقدم والبناء ، فعليه مراجعة ما كّنا قد نشرناه سابقا على امتداد سنوات مضت حول المثقفين بنية وفلسفة وخطابا  .. اقول عندما تتوازن الحياة في مجتمعاتنا  ، سيقبض الناس على الزهر ، ويخرجوا به الى العالم بعد ان قبضوا على الجمر طويلا ! فهل ستعالج اوضاعنا على ايدي الجيل القادم ، ام ستنتقل من سيئ الى أسوأ ، وتعيد الاجيال القادمة مثل هذا الكلام بعد خمسين سنة من اليوم تناشد من اجل بدائل اقوى ؟ هل ستغدو افضل حالا من اليوم ليشاركوا العالم ابداعاته ومنتجاته باساليب الالتزام الحضاري ؟ ام تبكي ( امجادها التليدة ) التي صنعها الاباء والاجداد في القرن العشرين ؟

نشرت على موقع الدكتور سيار الجميل يوم  24 نوفمبر 2008
www.sayyaraljamil.com

45
ركلة جزاء أوربية للنظام العالمي الجديد !
 
د. سّيار الجميل

 
في لقاء عابر جمعني البارحة بالزميل بوب بوكانان بقسم الاعلام ، جامعة رايرسن بتورنتو ، وبدأ حديثنا عن العراق ، ولكن انتقلنا الى متغيرات العالم لما بعد عهد بوش .. ويصّر بوكانان على ان النظام العالمي الجديد اصبح في خبر كان ، وليس لاميركا الا ان تودّعه بعد ان عاث فسادا في العالم . قلت : ولكن الفساد لم يأت فجأة حتى ينتهي فجأة .. وهل سيصبح العالم جنة عدن ؟  قال : ان ساركوزي يردد الان : لا تدعه يعمل ، بل دعه يمر! قلت : هكذا وببساطة بعد خراب  الدنيا وحرائقها ؟ قال : لابد اذن اعادة بناء العالم على اساس نظام مالي ونقدي جديد يبدأ من أسفل إلى أعلى ، باعتماد طريقة بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية. قلت : نعم ، فرنسا  تتذكر اتفاقات بريتون وودز بالفعل عندما وقعت في  يوليو 1944 ، اثر احتلال المانيا باريس. ان الأوروبيين يبحثون اليوم إيجابيا كيف يجتمعون بعد ايام في واشنطن ، حيث يأملون فرض نظام اقتصادي عالمي جديد .. ؟ عقّب بوب : ان الامريكيين سيفتحون حوارا مع الاوربيين ، وصولا لما يجب أن يكون للمؤسسات حياة جديدة! واضاف : مع بناء هيكل مالي جديد للسنوات المقبلة . قلت : وهل ستقبل الولايات المتحدة ما كانت قبلته بريطانيا بعد الحرب الثانية ؟ اجاب : ليس امامها الا الاذعان كي تعيد هيبتها في العالم . صحيح ، انها لم تصل مرحلة الاذلال ، اذ انها قادرة على التأثير عالميا ، ولكن النظام العالمي الجديد يعيش اخفاقا . قلت معقبّا : كونها امتلكت احاديته ، ولم تشرك غيرها فيه . قال :  اوروبا الغربية مع اليابان فقط .. قلت : والصين ومجموعة الآسيان ؟ قال : يستحيل حدوث ذلك . قلت : وما رأيك بالعالم الاسلامي وعالم الجنوب ؟ اجاب : اعذرني ان قلت لك بأنهم لا يعرفون الا الثرثرة ، وليس لهم الا مؤتمرات الحوار التي لا تنتج ولا تنفع شيئا ! قلت له : ولكن مصائر الشعوب ليس لعبة بايدي الكبار . اجاب : هذا منطق التاريخ . قلت : وبيد من سيكون العالم ؟ قال :  ان غوردون براون وساركوزي سيكونا في واشنطن لما يمكن  وصفه باجتماع تاريخي للG20 المتحدة. قلت : انها قريبة من بريتون وودز .. اذ ستملي الولايات المتحدة الشروط التي ستحرك من خلالها الاقتصاد العالمي ، وتحفيزه على العمل . قال : ينبغي ارتباط الدولار الأمريكي بالذهب ، وكان ليصبح عملة احتياطي في العالم ازاء غيره من العملات في أسعار الصرف الثابتة. هنا ستنطلق الدعوة إلى التغيير من خلال ضرورة إغلاق مؤسسات الائتمان وأسواق المشتقات الائتمانية في العالم .. أمريكا قدمت الجزء الأكبر من التمويل لمؤسسات جديدة ويفترض ان تحصل على نصيب الأسد من السيطرة. قلت : ان العالم اليوم بحاجة ماسة الى نخبة ذكية جدا على غرار الاقتصادي البريطاني الشهير ، جي أم كينز الذي اعتمدت بريطانيا افكاره في النصف الاول من القرن 20 ، بتأسيس نظام عالمي جديد للبنك المركزي ، وتسوية مشكلات العملة في العالم من جديد .. فهل ستقبل اميركا مثل هذا الطرح ام لا ؟  قال : ان نظام بريتون وودز يمكن اعادة جدولته ، وكان قد استخدم على عهد ريتشارد نيكسون ، عندما تعرضت بلاده لنزيف في الذهب عام 1971 . لقد قدم نيكسون خدمات تاريخية لبلاده ، عندما انتقد سياسة اغلاق النافذة ، فكان خفض سعر الدولار فضفاضا والسماح بالتعويم  أمام العملات الأخرى.
 قلت : ولكن الاوربيون اليوم لا يملكون شيئا من هذا القبيل ، اذ ان هيمنة اميركا اكبر على العالم ، وهي لا تقارن باوضاع 1944 . فعقّب قائلا : ان تجارب الاوربيين التاريخية خطيرة ، ولم تجازف بريطانيا او فرنسا باتخاذ قرارات لاستراتيجيات وهمية ! ان براون يريد ان يغدو صندوق النقد الدولي بمثابة بنك مركزي عالمي يديره مجلس احتياطي اتحادي للاقتصاد العالمي. لكن الاميركيين لن يقبلوا بتمويل مثل هذا البنك ، ولا يمكن ان يتنازلوا عن السلطة فيه .. كما لا يريدون التقيد باية التزامات او املاءات !
 قلت : ان براون وساركوزي يعتقدان اذن بولادة حقبة جديدة من التعددية ، فالاستقطاب الامريكي لا يمكن ان يعيش ازاء الانعكاس الثنائي في التاريخ ، وولادة اقطاب يمكنها ان تلعب ادوارا كبرى بعد تجربة بوش السيئة من خلال الاحادية الامريكية . نعم ، ان الاوربيين  ربما يحلمون بالمشاركة في الاستقطاب ، ولكن ليس قوميا كما كان ذلك في القرن 19 ، ولا عالميا كما في القرن 20 ، بل تعدديا كالذي سيجري في القرن 21 .. تعددية تشارك فيها الصين ، والهند والبرازيل . اجاب : ولكن الولايات المتحدة رفضت بروتوكول كيوتو حول الاحترار العالمى بحجة الجمركية الحمائية ، وأي فلسفة خارجة عن ارادتها من شأنه أن يدمر الاقتصاد العالمي. وحتى لو وافق اوباما على تغير المناخ العالمي ، فلن يكون ذلك مع بكين ! ولن يقّدم أي تنازلات امام روسيا التي تستعد  لاستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن لحماية مصالح ينظر إليها كقوة عظمى. قلت : سوف لن تبقى اميركا احادية القطب ، اذ ان العالم سيكتشف ان العالم الجديد متعدد الاقطاب ، وسيعمل مندفعا ضمن سيرورة العولمة الجديدة . ان النظام العالمي الجديد امام ركلة جزاء اوربية .. فهل ستفوز اوروبا للمشاركة في التعددية القطبية ؟ 
 
www.sayyaraljamil.com

البيان الاماراتية ، 19 نوفمبر 2008 .
 



46
هل تصلح زعيمة كاديما لتشكيل حكومة؟
د. سيّار الجميل

هذه السيدة تسيبي ليفني، ابنة إسرائيل، ابنة الخمسين سنة، وولادة تل أبيب، ابنة والدين عملا في منظمة الأرغون الإرهابية.. ابنة أب سياسي وعضو كنيست.. ابنة حركة بيتار اليمينية المتطرفة.. ابنة المظاهرات الصهيونية ضد خطة كيسنجر بعد حرب 1973 لفك الاشتباك بين إسرائيل وبين كل من سوريا ومصر.. ابنة القوات المسلحة الإسرائيلية برتبة ملازم اول.. ابنة كلية الحقوق.. المحامية المستقلة ابنة الموساد الذكية التي أدارت عمليات في الخارج.. ابنة العقيدة الصهيونية الصلبة، وهي زوجة المحامي نفتالي شبيسر.. تتميز بمثابرتها وانطوائيتها معا..
ولكن لم يجدها الإسرائيليون على المحك بعد في صنع قرارات مهمة! فهل سيكون باستطاعتها الخروج من ظل الآخرين الذين بقيت تحت خيمتهم؟ إن ليفني قادرة على ان تكون زعيمة لإسرائيل، ولكنها لن تصل إلى مستوى وحذاقة غولدا مائير.
إنها ثاني امرأة تتولى وزارة الخارجية الإسرائيلية. انتُخبت ليفني للكنيست لأول مرة في 1999 حيث كانت عضوًا في لجنة الدستور والقانون والقضاء وفي لجنة النهوض بمكانة المرأة. وترأست ليفني كذلك اللجنة الفرعية المكلفة بالتشريع الخاص بمنع غسيل الأموال.
في 2001، عُيّنت وزيرة في الحكومة ال29 حيث تولّت حقيبتي التعاون الإقليمي والزراعة. وفي الحكومة ال30 أسندت إليها حقائب الاستيعاب والبناء والإسكان والعدل والخارجية.
كانت ليفني سابقا عضوًا في حزب الليكود حتى أواخر عام 2005 حيث انضمّت إلى شخصيات سياسية أخرى في تشكيل حزب كاديما.
إنها ليفني التي تصل لزعامة حزب كاديما قبل أيام بعد أن عملت ليل نهار في خدمته وخدمة مؤسسه اريل شارون عام 2005. كان المفترض أن تتولّى ليفني المسؤولية بعد شارون نفسه، ولكنها آثرت الموقع الثاني احتراما لكبر سن منافسها أولمرت، حتى وصلت منتصرة إلى الموقع الأول بعد أن قضت قضايا الفساد على أولمرت وعلى تاريخه برمته.. لم تصل ليفني متأّخرة ومجهولة لا يعرفها أحد.
بل وصلت بعد أن كان العالم كله قد تعّرف عليها، ناضجة تعرف كيفية دفة سفينة إسرائيل.. لقد فازت بزعامة كاديما اثر انتخابات داخلية، فوصلت يوم 17 سبتمبر 2008، ومن ثم جرى تكليفها بتأليف وزارتها المرحلية يوم 22 سبتمبر حتى إتمام هذه المهمة بموجب القانون الإسرائيلي يوم 2 نوفمبر 2008. إن المهم قد تحقق أمام هذه السيدة التي لا تعرف كيف تبتسم.. لقد وصلت إلى أعلى منصب في إسرائيل.
إن إسرائيل أمام سبيلين، أولاهما تشكيل حكومة ائتلاف جديدة وثانيهما تنظيم انتخابات عامة مبكرة.. لقد أعلنت ليفني، أنها غير مستعدة لدفع أي ثمن كان من أجل إنجاز هذه المهمة. وصرحت بأنها ستتخذ قرارًا نهائياً بشأن تشكيل حكومة ائتلاف أو إجراء انتخابات مبكرة. وأدلت بهذا التصريح بعد أن خذلها حزب شاس، في قراره عدم انضمام شاس إلى الائتلاف الحكومي الجديد.
وتستطرد قائلة: إما أن نشكل حكومة جديدة، وإما أن نذهب إلى انتخابات مبكرة.. وتواصل تقول: «رأيت أن من واجبي أن اعمل على تشكيل حكومة لا سيما في هذا الوقت من أجل إعطاء دفع للاستقرار، وأعتقد أن هذا هو الأفضل اليوم للبلاد. أجريت مفاوضات مع كل الشركاء الممكنين من اجل تشكيل حكومة مستقرة». إن المهلة القانونية المعطاة لليفني ستنتهي في الثالث من نوفمبر، وهي من 42 يوما. ولا يزال أولمرت على رأس الحكومة الانتقالية في انتظار تشكيل حكومة جديدة.
وكان حزبا كاديما (29 نائبا) والعمل (19 نائبا) قد وقعا معا في 13 أكتوبر بالأحرف الأولى على اتفاق لتشكيل ائتلاف حكومي لقيادة إسرائيل، في حين لم تزل الخلافات قائمة بين كاديما وشاس المتشدد (12 نائبا)، والتحالف معه يسمح لكاديما بالاعتماد على قاعدة برلمانية صلبة، فضلا عن أن المفاوضات بين كاديما وحزب المتقاعدين (7 نواب) لم تصل إلى أية نتيجة. وعليه، فقد قررت ليفني عدم انتظار انتهاء المهلة التي منحها إياها بيريز لعرض تشكيلتها الحكومية على البرلمان.
ويمكن لبيريز نظريا خلال الأيام الثلاثة التي تلي انتهاء المهلة تكليف نائب آخر لتشكيل الحكومة خلال مهلة 28 يوما. وفي حال حدوث فشل جديد، فثمة اختيار آخر لتشكيل حكومة ضمن مهلة 14 يوما. وإذا فشل كذلك، يفترض إجراء انتخابات عامة خلال مهلة تسعين يوما.
وأعلنت قيادة حزب شاس الديني المتطرف الجمعة رفضها للشروط التي فرضتها ليفني للمشاركة في الحكومة الجديدة مما يهدد تشكيلها.
إن حقيبة ليفني أو حقيبة أي رئيس بديل ستمتلئ بالمشكلات الصعبة على امتداد الأسابيع المقبلة، فما الخطط الإسرائيلية في مواجهة تحديات الأزمة الاقتصادية التي تجتاح العالم اليوم؟ وماذا يمكن عمله لتخفيف حدة الاختناقات والأضرار الاقتصادية في إسرائيل؟
إن خطوات ليفني بطيئة جدا وحذرة إذ تخشى نشوب تداعيات واسعة في البنية الاجتماعية لا يمكن معالجتها، ولكن من طرف آخر، فخصومها أقوياء.. وهنا، فإن مخاطر عدة ستلحق بإسرائيل حالة إجراء انتخابات عامة مكلفة للخزينة الإسرائيلية. وليفني مطالبة اليوم باستحقاقات عدة لابد من تحقيقها بشجاعة منقطعة النظير..
وخصوصا، وان جدول الأعمال قد سجل عليه عدة استراتيجيات لا يمكن لإسرائيل أن تتباطأ فيها ومنها ما يخص: إيران ولبنان وسوريا وحماس. إن الإسرائيليين يطالبون ليفني بزعامة حقيقية كالتي تمتعت بها غولدا مائير قبل أربعين سنة. فهل ستنجح ليفني في مهمّتين اثنتين وخطيرتين معا: زعامة كاديما ورئاسة حكومة؟

البيان الاماراتية ، 29 اكتوبر 2008

www.sayyaraljamil.com


47
سارة بلين : هل ينتظرها مستقبل سياسي  ؟

د. سيّار الجميل


لم تكن سارة لويز هيث بلين ، المرأة التي تجاوزت الرابعة والاربعين ، تحلم بأن يتم ترشيحها لمنصب نائبة لرئيس جمهوري مرشّح لانتخابات الرئاسة  بعد ايام ، بالرغم من تطلعاتها السياسية .. وكانت قد شغلت عضوة في مجلس مدينة واسيلا بولاية الاسكا بين 1992- 1996 ، وعمدة له 1996- 2000 ، ومن ثم انتخبت حاكمة لولاية الاسكا كأول امرأة شابة تمارس سلطتها على ولاية ثلجية نفطية شاسعة الامتداد ، خالية من البشر ، ومليئة بالحيوانات البرية والدببة القطبية !
فجأة ، يختارها جون ماكيين نائبا له في انتخابات الرئاسة ، وهي اول امرأة يختارها الجمهوريون يوم 29 اغسطس الماضي لخوض الانتخابات واول مرشح من ولاية شاحبة منسية مثل الاسكا ، ويبدو انهم اختاروها لتوازن الجذب الجماهيري بين طرفين اساسيين في المجتمع الامريكي اولاهما يتمثّل بالمرأة الامريكية ، وثانيهما يتمثّل بالشباب الامريكي .
ولدت سارة بلين ( Sarah Palin)، في 11 / 2/ 1964، وانتقلت أسرتها إلى ألاسكا عندما كانت رضيعة. هنا يبدو ان استقرار والديها في الاسكا جاء مباشرة بعد خمس سنوات من اعتمادها رسميا احدى الولايات المتحدة الامريكية يوم 3 يناير عام 1959 على عهد الاتحاد السوفييتي ، اذ كانت الولايات المتحدة  قد اشترتها من روسيا القيصرية سنة  1867  بسبعة ملايين ومائتي دولار . عاشت سارة طفولتها وحياتها فيها وعشقتها ، ودرست في مدارسها ، فبرعت في كرة السلة والصيد ، وتشكّلت شخصيتها القيادية منذ صغرها ، وبدت امام المجتمع شابة عملية ولم تزل . وانضمت إلى كلية هاواي في المحيط الهادي (الآن تسمى جامعة هاواي) عام 1982 وتخصصت في إدارة الأعمال. وفي عام 1987 ، حصلت على شهاده البكلوريوس في علوم الاتصالات الصحفية من جامعة إيداهو.
فازت سارة بلقب ملكة جمال الاسكا ، ثم حصلت على المركز الثالث ( أي : الوصيفة الثانية ) في مسابقة جمال العالم 1984 ، وحصدت عدة جوائز ، وكانت تشعر الاخرين دوما بتفوقها والاعجاب بذاتها .. في العام 1988 ، عملت مراسلة للاخبار الرياضية لقناتين تلفزيونيتين  ، ثم تفوقت سياسيا ، وعلى مدى سنتين 2003- 2005 ، كانت سارة واحدة من ثلاثة مديرين لشركات الخدمة العامة ، والتصميم ، والتدريب السياسي ، واظهرت نجاحا وتقدما في القيادة وصنع القرار ، بالرغم من كونها متزوجة ولها مسؤوليتها المباشرة على بيتها واولادها ، كأي امرأة الاسكاوية .
 فازت بحكم الاسكا في الانتخابات ، وكانت ناجحة في الدعاية لنفسها ، كونها الابنة الحقيقية لعالم مجهول اسمه الاسكا .. احبها الناس ، وكانت في الثانية والاربعين من العمر بكل شعبيتها التي اعتبرت الاكثر رواجا في الولايات المتحدة ، واظهرت اهتماما في تنمية الموارد ، والتعليم والقوى العاملة ، والصحة ، والسلامة العامة ، والنقل في ولايتها القصية .. كما انها تدعو الى اصلاح الاخلاق السياسية .  وقد عملت بكل طاقتها على تنمية ذلك الاقليم الشاسع المسّمى الاسكا ، وجعله مأوى للحيوانات البرية في القطب الشمالي والتنقيب عن النفط .. ومن الغريب جدا انها ـ كما يبدو ـ منعزلة في بيئتها بتأثير تربيتها ، فلم تغادر الاسكا الا قليلا ، ولم تغادر عالم امريكا الشمالية الا في العام الماضي ، اذ حصلت على جواز سفر عام 2006 لأول مرة ، وفي العام 2007 سافرت لأول مرة في مهمة رسمية خارجية الى الكويت لتصل الحدود مع العراق وتزور بعض القواعد.
هنا نسأل : هل ستكون سارة بلين اليد الحاسمة للجمهوريين ازاء الديمقراطيين ؟ معنى ذلك ان تاريخ امريكا سوف يبقى جامدا يراوح في مكانه دون ان يأخذ له مسارا من نوع آخر على غير ما يتمناه الاخرون ، وبالضرورة سيكون لهذه المرأة الشابة شأن سياسي من خلال التوجهات المحافظة التي تحملها ، فهي ابنة جيل جديد تخضرم بين قرنين ، وله تطلعات غير تلك التي يحملها جون ماكين من جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية ، ولكن يبدو لي ان سارة بلين تتمتع بشخصية من نوع غير مألوف ، فهي شديدة الانتماء لولاية الاسكا المنفصلة جغرافيا عن الولايات المتحدة ، وقد تطبّعت بطابعها القطبي البعيد .. وهي كما يبدو حتى الان صعبة المراس .
 صحيح انها لم تزل شابة ، ولكنها محافظة متشددة عند الجمهوريين ، وهي تحمل برودة ثلوج الاسكا معها ، ولا تقبل التغيير بسهولة ، انها ليست كبقية الامريكيين ، فهي ترفض الإجهاض رفضا قاطعا ، كما ترفض زواج المثليين، ولكنها اجبرت  للمصادقة عليه . ولقد انتقدها دعاة حماية البيئة ، كونها تسعى للتنقيب عن النفط في الاسكا .. واتهمت بأنها لم تثبت جدارتها بعد في السياسة الخارجية التي توصف بأنها جاهلة فيها ، ومن اخطر مواقفها السياسية السابقة دعوتها لانفصال الاسكا عن الولايات المتحدة .. ومن اغرب تصريحاتها قولها في خطاب القته في احدى الكنائس : ان الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة الامريكية هي حروب مقدسة ، وانها تنبثق بأوامر الهية ! وهنا يبدو كم هي ضحالة القادم من الزمن الامريكي الجديد ، ان كانت نائبة رئيس ستبقى تفكر بمثل هكذا تفكير ـ كما يعّلق احدهم ـ ! ولكنها ترى نفسها أرقى من الاخرين عندما تنتقد اعضاء من مجلس الشيوخ ، كونها أتت من بيئة نظيفة جدا !! اعتقد ، ان امام هذه المرأة فرصة تاريخية واحدة ان فاز الجمهوريون ، فسيكون لها شأن من نوع ما على عهد ماكّين .. او انها ستحتجب بعيدا كي تعيش هناك في الاسكا حيث يختفي العالم كي نرى سارة بلين تجمع زهورا برية وتربي طيور البطريق القطبية !
www.sayyaraljamil.com
البيان الاماراتية ، 21 اكتوبر 2008 .

 
 


48
الماضي يسحق مجتمعاتنا !

أ. د. سّيار الجَميل
مدخل من الاشكاليات الصعبة
بادئ ذي بدء ، احب ان اوضح بأنني قلت " الماضي " ، ولم أقل " التاريخ " ، فالبون كبير بين الاثنين .. اذ لا يمكن الاستسلام للماضي بلا تاريخ ، ولا يمكن اعتبار كل ماض مضى هو تاريخ ونسجن انفسنا في خضمه ليلعب بنا كما يشاء ! كّنا نبتعد شيئا فشيئا عن الماضي وسطوته عند منتصف القرن العشرين ، ولكن انهار كل شيئ بفعل عوامل واسباب سياسية وايدلوجية واجتماعية ، فزحف الماضي علينا بكل توحشه ، ولما غاب القرن الماضي ودخلنا هذا القرن الجديد ، غدت مجتمعاتنا تحت بطش الماضي وهي تنسحق يوما بعد آخر .. لماذا نحن متخلفون في مجتمعاتنا التعيسة ؟ لماذا يقهر الاقوياء كل الضعفاء في وحداتنا الاجتماعية المتوحشة ؟ لماذا اختفت كل سمات التمدن وروح التقّبل والتعايش ؟ من الذي يشعل حياتنا اليوم سياسيا وايديولوجيا ؟ من الذي يقف وراء انقساماتنا المريرة ؟ ما حجم الماضي في تفكيرنا مقارنة بحجم التفكير بمستقبلنا ؟ ما وزن التخلف وغيبوبة الوعي في كل اصقاع اوطاننا ؟ من يقف حجر عثرة ازاء التقّدم وبناء العلاقات الجديدة في مجتمعاتنا كلها ؟ لماذا نحن منقسمون حتى ازاء الماضي وتقييمه على اسس مريضة طائفية وجهوية وشوفينية ؟ لماذا نجعل من الاخرين مخالب للنهش والتشويه والتزوير من اجل مصالح لها قذارتها اولا واخيرا ؟ لماذا لم يتزحزح هذا العقل المغلق وتنفتح هذه الذهنيات المركبة ؟ من اصعب ما يمكنني تصّوره انني كنت اجد امامي قبل ربع قرن طلبة يتقبلون مني كل التنوير والفكر الجديد .. وهم اليوم وقد اغرقوا عقولهم وغلقوا على اذهانهم وتفكيرهم .. وباتوا في سجون تعيسة ، وهم يشعرون انهم في الطريق الصحيح  ؟ هذه اشكالية اريد ان الفت الانظار اليها ، فما نفع الاستنارة لدى البعض ؟ وماذا كان دور كل استاذ مستنير في الثلاثين سنة الاخيرة من القرن العشرين ؟ ما الذي سحب البساط من تحت ارجل كل اصحاب العقل ، ليذهب المجتمع مذاهب شتى ويدخل ابناء مجتمعاتنا في شرانق الماضي بكل اتعابه ؟ ومتى سيخرج منه هؤلاء ؟ وماذا سنجني من التفسخات التي نعاصرها اليوم تحت مسميات شتى ؟ من يسيطر على مجتمعاتنا اليوم ؟ من يزرع الخلافات المميتة بين اصحاب الاديان السماوية ؟ من يصدر الفتاوى والتصريحات ؟ ما سر الانقسام المريع الذي يعاني منه العالم الاسلامي قاطبة باغلفة مذهبية ولعوامل سياسية فاضحة ؟ من يجني على اجيالنا الجديدة التي تحمل كل يوم يمضي ازدواجية في الولاءات ؟ وتخلفا في الذهنيات ؟ وتصادما في التناقضات ؟ وانغلاقا على النفس ازاء العالم ومتغيرات الحياة ؟ كلها اسئلة بحاجة الى المزيد من الاجوبة ..
اولا : انقسام التاريخ يولد انقسامات الحاضر
ان ثقافة متناقضة ، مثل هذه ، تحمل سمات احقاب طوال من الثنائيات والصراعات .. وتحمل سجلا بائسا من الدمويات والاندثار ازاء سجل اخر من التقدم والازدهار .. لا يمكن تخّيل ما الذي نستكشفه من احداث ووقائع غاية في الشراسة والعهر على امتداد تاريخ العرب والمسلمين السياسي المضمخ بالدماء والمتشرّب بالترسبّات .. بل وان سمات تلك الاحداث والوقائع ـ مهما كان نوعها ـ تبدو في الذهنية العربية اليوم ، بل وحتى في اللاوعي الجمعي مجرد حالات طبيعية في حين انها تعني حالات مرضّية غاية في البشاعة لا يمكن البقاء في اطار رضاها المقنّع بالاكاذيب والتفاهات والخرافات والاوزار والاساطير والمغلّفة باغلفة هذا المقدّس الذي يرعب الناس دوما .. فمن اجل تطهير الروح تعّذب الاجساد طويلا ، كما في عدة مجتمعات في العالم ، ولكن منها من ترك هذا الموروث ، ومنها من زاد من ممارسته تحت حجج واهية لا تستقيم والعقل ابدا .. فمن اجل تطهير المجتمع تدّمر الاقليات الدينية ! ومن اجل تطهير النفس من الاثام ومن الشعور بالذنب تضرب الاجساد بالحديد حتى تنّز دما ، بل ويستخدم اللطم على الجسد رمزا لتطهير الذات .. وحتى يصل الى اقصى مدياته بالبكاء الذي لا سبيل لايقافه عندما تتفجر العاطفة لاعلى مدياتها .. ولعل الجسد هو الوحيد الذي تعّرض في الثقافة السياسية العربية الى التعذيب بشتى صنوف الوسائل المؤلمة سواء لانتزاع اعترافات او لأخذ ثارات او لتصفية علاقات او للتلذذ بالمشاهد والالام المبرحة .. ان ثقافة الجسد عند العرب ثقافة متنوعة بين المستويات الاجتماعية ، ولكن بقي من القضايا المسكوت عنها دهرا طويلا..  ان انقسامات التاريخ لا تقف عند الروح والجسد والمبالغة في تصويرهما وتعذيبهما ، بل حتى ازاء الظواهر الكبرى في بنية تواريخ مشتركة وواحدة .. ان التاريخ الاسلامي نفسه منقسم على نفسه في العالم الاسلامي الى قسمين اساسيين قسم يتبناه طرف وقسم آخر يتبناه طرف آخر .. واقسام اخرى تتبناها عدة اطراف تشكل في مجتمعاتنا انقسامات ملل ونحل لا حصر لها ، لكل مجموعة نافذة معينة على التاريخ . ان مشكلات تاريخية لا تزال تعيش وتأكل يوميا في الذاكرة الجمعية لمجتمعاتنا قاطبة .. مشكلات ماضوية لا دخل لنا بها اليوم لا تنفك الالسن تتداولها ، وظواهر مهما كان نوعها وصحتها واخطائها لم نزل نرددها ليل نهار .. وتناقضات سياسية واجتماعية لم نزل نورثها لابنائنا واحفادنا .. وحالات لا يمكن تصديقها او تكذيبها كونها قيل عن قال نصّورها حقائق او اكاذيب ونحن نبني عليها كل حاضرنا ومستقبلنا .. الخ  هذه مجرد امثلة لظواهر واضحة في تاريخنا القريب والبعيد .. فما ادراك بالاختلافات والتباينات ومن ثم الانقسامات والصراعات على احداث وشخوص ومواقف ورؤى وافعال .. ؟ ومن فجائع مجتمعاتنا ان اجد من كان يعلن نفسه راديكاليا تقدميا وثوريا سواء كان ماركسيا ام قوميا .. خرج من جلده ليعلن عن انتماءاته لهذا النوع من الماضي او ذاك ، لهذه الطائفة او تلك الملة من دون اي وعي بالتاريخ او قراءة له او تأسيس اي قطيعة معه !   
ثانيا : هل من تطهير لثقافتنا العربية ؟
ان ما يهمنا في حقيقة الامر ثقافتنا العربية الى حد كبير ، وكل الثقافات التي تشاركها الحياة وتعايشها الموقف وينتظرها المصير .. واعتقد ان معالجة ثقافتنا العربية هي بحد ذاتها معالجة باسلوب غير مباشر لثقافات اخرى في المنطقة .. علما بأن هناك اليوم حربا خفية غير معلنة على الثقافة العربية التي تتهم دوما من قبل ثقافات اخرى في الشرق الاوسط بالشوفينية والمكابرة والتسلطية والاحادية .. علما بأن الثقافة العربية كانت على مدى الف سنة ماضية المعين الذي نهلت منه كل الثقافات في المنطقة قاطبة : ايرانية وتركمانية وقوقازية وعثمانية وكردية وآرامية وسواحيلية واثيوبية وامازيغية واوردية .. الخ ، ولكن ؟
لقد اصاب العقم ثقافتنا العربية الحديثة التي غدت بعيدة كل البعد عن هذا العصر وكل اتجاهاته ازاء المستقبل .. لم تعد ثقافتنا العربية المعاصرة ثقافة تنويرية تقود غيرها من الثقافات ، وتهدي الاجيال الجديدة بكل ابداعاتها الى مستقبل عظيم .. وبقيت ثقافتنا العربية ولعشرات السنين ولم تزل مزدوجة الولاء بين الماضي باسم " التراث " وبين العصر " الحداثة " ، واستهلك المفكرون العرب انفسهم بهذه الثنائية من دون اي نتائج واقعية ، بل وساهموا في تكريس التناقضات الفاضحة في مجتمعاتنا التي انجرفت نحو الماضي لعبادته كل بطريقته الخاصة وتيبسّت النخب المستنيرة في واقع اجتماعي وسياسي متنوع بين الازدواجية والطفيلية والانشائيات والمكررات والبلادة والاوهام .. بل اكاد اجزم بأن الاوهام تأكل العقول ثقافيا واجتماعيا واعلاميا ..  كما اخفقت ثقافتنا العربية اليوم وعند نهايات القرن العشرين بعد ان سادها التوحش ودخلت كما هي الحياة العربية ابواب الماضوية والانغلاق وسجون القهر والامراض ! فمثلا  لم نتوقف ابدا سواء في مرحلة الاعلام المرئي والفضائي على دعوات صريحة وقوية تطالب بتطهير ثقافتنا العربية الاثمة من ذلك العهر التاريخي الذي تعّرضت له اجساد مثقفين كبار او سياسيين مناضلين لهم ادوارهم .. او صغار الاطفال  بل وغدا مصطلح " التصفية الجسدية " مشاعا في ثقافة الاحزاب الثورية العربية صاحبة مبادئ العنف الثوري من دون أي احساس بالخيبة او بالذنب ومن دون أي وازع اخلاقي يوقف مهزلة التاريخ العفن .
 ان هذا المصطلح ليس عربيا بحد ذاته ، بل استعير من ثقافات ثورية راديكالية دموية قالت بـ " العنف الثوري " وقالت بـ " التصفية الجسدية " ! لقد عاش عقلاء واحرار في عدة بلدان عربية لا يرضون تلك الممارسات الدموية ضد اجساد البشر،  وقد امتلكوا الوعي بما كانت عليه الاحوال ، ولكن الخوف كان يرافق الصوت ليبقيه كتوما حتى الموت .. وبموضوع الجسد ، ومن دون طرحه على أصعدة عدة فى الأدبيات المعاصرة وما نشر من شذرات في هذا الباب فهو قليل جدا مقارنة بما حدث في تاريخنا العربي والاسلامي الطويل .. صحيح ان الجسد لم يكن محورا للتفكير ، ولكنه الوسيلة الاسهل لتبرير كل المصالح الشخصية والفئوية والسياسية ..      بل وان ما يتوفر من مراجع لا تعتني بالجسد ابدا في فلسفاتها جعلت الانسان في منطقتنا ( وبالذات مجتمعاتنا ) بعيدا عن التسامي ، انه بدل ان يجعل الجسد اداة حيوية للحياة والابداع والطهر والجمال .. جعله اداة للعهر والسجن والاعتقال والاعدام والقتل والتقطيع والسحل .. ان موجة قهر الصحافيين والاعلاميين العرب والافتاء بقتلهم .. وانعدام الروادع القانونية وانعدام وجود تجمعات للمجتمع المدني وهدر حقوق الانسان وبضمنه المثقف .. جعل اليوم من ثقافتنا مثار اسئلة كثيرة في ثقافات اخرى ؟ لقد اصابت الاوبئة ثقافتنا العربية وثقافات اخرى مجاورة لنا ، فمتى يمكن التخلص من آثارها ؟ متى يتم تطهيرها ؟ ان ايجاد اجوبة نظرية لا ينفع ابدا ، من دون خلق روادع قانونية وتنظيف حقوق الحياة العربية من كل الامراض .. ان جامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية العربية اليوم قد اصابتها التعفنات والمخاطر .. ولم يبق من روح العلم الا الاسم فقط . فماذا ننتظر من اجيال قادمة تتربى اليوم في مدارس وجامعات ومؤسسات ونخب وفئات ( وحتى جاليات مصابة باوبئة خطيرة ؟ ) .

نشرت يوم 20 اكتوبر 2008 ، في موقع الدكتور سيار الجميل

www.sayyaraljamil.com






49

مأساة الاقليات في العراق

د. سيّار الجَميل


كل العالم يعرف ان موزاييك الشعب العراقي يجمع مختلف الاطياف الدينية والعرقية والطائفية والمذهبية ، وهي في اغلبها من اقدم الاعراق البشرية في الشرق الاوسط ، اذ توطّنت العراق منذ الاف السنين بحكم  جغرافيته المركزية ، وتاريخه المتنوع ، وهو من اثرى بلدان الشرق الاوسط بالاقليات السكانية التي عاشت جنبا الى جنب الاكثريات في مجتمع متنوع الاطياف لم يعرف الصراعات الاجتماعية ابدا ، اذ كان التعايش والانسجام يسود بين كل الناس ، وعلى درجة عالية من الاحترام والتعاون وهم يواجهون معا كل التحديات الصعبة التي مرت عليهم ، بل وكان من المعيب ان يطلق عليهم  مجموعة " اقليات " ، اذ كانوا مواطنين لهم حقوقهم وواجباتهم . واذا كان للبعض مشكلاته مع الدولة ، فاننا لم نجد اية مشكلات مع المجتمع نفسه ..  ويخبرنا كل من التاريخ والمجتمع معا ، ان الاقليات السكانية العراقية عاشت عبر الدهور متميزة بانشطتها وحيويتها وامانتها وانتاجها واجادتها العمل ومهاراتها وحذاقتها في مهن عديدة ، بل وشارك العديد من ابنائها كعراقيين وطنيين بسيرورة النهضة العربية ومشروعات تقدم العراق في القرن العشرين .
 ان السياسات الخاطئة التي ارتكبت في العراق بعد احتلاله عام 2003 ، باستخدام خطاب " المكونات الاساسية الثلاث ( شيعة وسنة واكراد ) بديلا عن خطاب وطني يجمع الجميع ، فان اهمالا مريعا جرى للاقليات التي لم تنفعها انتماءاتها الدينية والعرقية اساسا ، فوجدت نفسها لأول مرة ضائعة في بحر متلاطم الامواج من احتكار القوة والارض والارادة على ايدي الاكثريات التي استخفّت بالاقليات التي وجدت نفسها منقسمة ازاء القوى المتصارعة .. الى هنا والامر قابل للمعالجة ، ولكن ان يتحّول التهميش الى القتل والنفي والتهجير للاقليات العراقية وبوسائل اجرامية ومن دون معرفة الاسباب ومن دون الكشف عن حيثيات ودوافع ذلك ضمن اجندة سياسية خفية ، فان هذا كله يعد مأساة تاريخية لابد ان يعرف بها العالم كله .
 تخبرنا التقارير الواردة قبل ايام ان الاقليات السكانية العراقية قد زادت معاناتها  من الاضطهادات والقمع والقتل والملاحقات التي لا يمكن تخيلها ابدا ، ولقد ازدادت بشكل مخيف في كل اصقاع العراق ... ان المأساة التي يعاني منها الصابئة المندائيون في جنوب العراق ، او المسيحيون : الكلدان والسريان والآثوريون والارمن في شمال العراق ، وبالذات في الموصل .. فضلا عن معاناة طوائف اليزيديين والشبك في اقليم الموصل يجعلنا نتساءل عن اسباب استئصال هذه الاقليات التي عاشت طوال تاريخها مسالمة مع الاخرين ، ومتعايشة مع الاكثريات كالعرب والاكراد والتركمان .. فمن له مصلحة حقيقية في تهجير الصابئة والمسيحيين النصارى او تهديدهم بالقتل وتنفيذ القتل بهم عمدا مع سبق الاصرار والترصّد ؟
لقد زادت المناشدات اليوم من قبل من تبّقى من هذه الاطياف السكانية ، وخصوصا نصارى الموصل لانقاذهم من الموت ورصد الجناة الذين يقتلون ويلوذون بالهرب ، وتزداد نكبة هؤلاء من دون اي رادع دولي ولا اي اجراء حكومي .. ان قوى مسلحة تفرض هيمنتها على الشارع في مدن معينة من دون اي سيطرة ولا اي نفوذ رسمي ، لتعبث بمثل هذه الاقليات وترتكب الجرائم المروعة باستخفاف ورعونة  .. لقد تعّرضت العديد من الكنائس والاديرة والمعابد القديمة الى هجومات مسلحة وتفجيرات متتالية .. وليس هناك اي وثائق مكشوفة تشير الى اي مسؤول عن تلك المجازر والتفجيرات .. بل وكم طالب المسيحيون بالكشف عن اسرار مصرع المطران المار فرج رحو الذي قتلوه بعد خطفه ( مارس 2008 )   ؟ من دون اي استجابة تذكر من قبل المسؤولين لا العراقيين ولا الامريكيين .. ان التقارير الدولية تشير الى ان نسبة المسيحيين العراقيين كانت 10% لتغدو اليوم 4 %  ، بسبب الهجرة القسرية لهم الى شتات العالم .
وفي العراق ، فان ما يحصل للمسيحيين ، يحصل للصبّة المندائيين الذين تضّرروا جدا من الملاحقات والتفجيرات .ان استمرار هذا الماراثون من مشروعات قتل العراقيين ، لابد ان يتوّقف نهائيا . ان تقريرا وصلني اليوم من الاستاذة ميسون الدملوجي النائبة في البرلمان العراقي تذكر فيه اضطرار أعداد كبيرة من الصابئة المندائيين الى مغادرة العراق بعد أن تعرضت الطائفة الى أعمال قتل واختطاف وتكفير، وقل عددها من 65,000 عام 2003 الى حوالي 3,500 اليوم. ويضيف التقرير قائلا :  لا يريد أحد ممن التقيت به ( في الاردن ) العودة الى العراق، ويعتبرون التعايش في ظل غياب سلطة القانون أصبح مستحيلاً، ولاسيما بعد تراجع مبدأ المواطنة وسيادة دولة الطوائف. ويضيف التقرير ان معاناة هؤلاء خارج العراق لا تطاق ، اذ يلحق بهم الاذى في مجتمعات عربية اذ يعتبرونهم كفارا مارقين ! ناهيكم عن حياتهم المنهكة ، فهم من الفقراء المعدمين الذين لا يملكون ما يسّدون به رمقهم . ان الاقليات العراقية بحاجة ماسة الى الامن والحماية ، فلا يمكن استئصالهم ابدا بحجة كونهم كفارا او مارقين .. وان الاحزاب الدينية العراقية مطالبة كلها باعادة النظر في مثل هذه المسألة ..
ان اغلب الاقليات العراقية قد انقسمت اليوم على نفسها للاسف الشديد ، جراء ضعفها ازاء قوى الاكثريات التي كان تصنيفها سببا في الانقسامات الحاصلة اليوم . ومن هنا ، نناشد الحكومة العراقية وكل المسؤولين باتخاذ الاجراءات الكفيلة بحماية العراقيين كلهم ، وملاحقة الجناة ، والكشف عن اسرار كل الجرائم .. كما ونناشد الضمير الانساني في كل العالم ان يقف وقفة مشرّفة ازاء مجتمع عريق مزقّته التفرقة ، وبعثرته سياسات المحتل بعد تاريخ طويل من المكابدات والحصارات والحروب والدكتاتورية .
www.sayyaraljamil.com

البيان الاماراتية ، 14 اكتوبر 2008




50
المنبر الحر / اضطهاد المثقفين
« في: 22:29 13/10/2008  »
اضطهاد المثقفين

د. سيّار الجميل

المثقفون الحقيقيون يدفعون الاثمان الباهضة
المثقفون الحقيقيون هم نخب من المبدعين المنتجين المحترفين المخصبين .. الذين يقفون في مقدمة ابناء المجتمع ، كما هو الحال عند امم تحترم نفسها ، ولكنهم في مجتمعاتنا ، انما يدفعون الاثمان الباهضة ، ليس لأنهم اصحاب دماء زكية زرقاء ، بل لأنهم يشكلون خطورة على كل الاطراف .. وما دامت تلك الاطراف بقضّها وقضيضها تعيش الفجاجة والرعوية والتخلف ومأساة غياب الوعي وامتلاك السلطة والقوة والمال فهي طفيلية فارغة وتافهة .. وان الخصم اللدود لها امام الجميع هو هذا " المثقف الحقيقي " الرافض لكل اساليبها وزيفها ومناوراتها واساليبها وكل افعالها الرعناء .. انه الذي يمتلك فهم الماضي ، والوعي بالحياة ، والخوف من المستقبل ، وقوة الكلمة، واصالة الرأي ، والدفع بالحجة كي ينسف بها كل الابنية المشّوهة الشاهقة المبنية على الرمال المتحركة ، ويهّدم كل الجدران الكئيبة السامقة التي اقيمت لاغراض دنيئة وخاصة .. انه الذي باستطاعته كشف الساسة المزيفين ، وفضح اكاذيب اللاعبين ، وتجريد القدسية الماكرة من الملالي الافاقين ، وتحرير  الاخرين من كل اوراقهم .. انه يتكلم باسم المسحوقين في المجتمع ، وهو الذي من الواجب ان يرسم للدولة طريقها السوي ويضيئه بالانوار ، بل باستطاعته نسف اي خطاب لا يراه يتسق وقيم الحياة الطبيعية والانسانية .. وهو الذي تنجذب اليه كل الاجيال من القادمين .
المثقف والسلطة
المثقفون لا يسعون الا لكسب رزقهم ، فهم ليسوا بافواه طامعة بالمال ولا بالجاه ولا بالسلطة .. ربما للمثقف كبرياؤه ومكابرته جراء قوة حجته وكونه لا يبارى في اي محفل يجمعه بثلة من الساسة او بجماعة من رجال دين ، او بفئات من المتحزبين او اشباه المتعلمين .. ان الثمن الذي يدفعه المثقف الحقيقي في مجتمعاتنا كبير جدا .. فهو مضطهد من قبل السلطة ، سلطة الدولة وسلطة المجتمع ، كونها لا تريد ان يكون ازاءها احد ممن يفضحها ، ولا يتستر على مساراتها الخفية ولا اجندتها الخطيرة .. وقد تنجح سلطات عدة في دول ومجتمعات كثيرة بتجنيد بعض المثقفين ليكونوا ابواقا لها ، ولكنهم يحسبوا تحت يافطة ( مثقفي سلطة ) !  ان اضطهاد المثقفين ليس في مقاطعتهم ولا في قطع الارزاق عنهم .. بل حتى في سجنهم وقتلهم ..انني اعتقد اننا مقبلين على مرحلة متوحشة من اضطهاد المثقفين في مجتمعاتنا العربية ، خصوصا وانها مجتمعات تعيش فراغا سياسيا وديمقراطيا مع غياب حتى هامش الحريات .. ان من اصعب ما اجده اليوم في مجتمعاتنا المتعبة ان يختلط تقويم المثقف الى جانب السياسي .. ونحن نعلم الفرق الكبير بين الاثنين ، وكما كنت قد كتبت يوما .. ان باستطاعة المثقف ان يكون سياسيا ، ولكن من المستحيل ان يكون السياسي مثقفا . والثقافة ليست كلمة عابرة في حياتنا العربية كما غدت عليه اليوم ، وكما تبدو من سذاجة اصحابها في الخطاب المعاصر ، لكنها ـ عندي ـ اسمى واكبر واثقل واخطر بكثير مما يتصوره المرء !
الذاكرة التاريخية الصعبة
انني اسأل نفسي مرات عدة : لماذا قتل اشهر الكّتاب والمفكرين القدماء ، وها هو  احد ابرز الكتّاب بالعربية : ابن المقفع قتلة شنيعة بوضع جسدا عاريا على مسامير حادة في تنور وبعد ان نزف طويلا اوقدوا التنور ليسجر حيا ! اهذه مكافأة المثقف عالي المستوى في الحياة العربية ابان عصر الازدهار ؟ .. لماذا سجن ابو حنيفة ؟ لماذا محنة ابن حنبل ؟ لماذا هرب الشافعي من بغداد الى مصر ؟ لماذا اضطهدت الائمة ؟ لماذا قتل المتنبي ؟ لماذا ابعد ابن خلدون ؟ لماذا قّضى احدهم حياته فوق مئذنة ؟ لماذا لوحق احدهم من بلد الى آخر ؟  وذاك الملك الصالح الذي اتوا به عاريا ليدهنوا جسده بالسمن والعسل ويتركوه مربوطا على عمود في قلب الصحراء حتى تجتمع عليه الحشرات والذباب لتأكله وهو حي !! ويمكن للقارئ الكريم ان يقرأ عشرات الامثلة على اضطهاد المثقفين الحقيقيين ، وصولا حتى يومنا هذا الذي نتساءل فيه : لماذا انتحر بعض المثقفين اللبنانيين ؟ لماذا اعدم بعض المثقفين في كل من مصر والعراق ولبنان ؟ لماذا مات اغلب كبار شعراء ومثقفي العراق المعاصر في غربتهم ، وتفرقت قبورهم بين القارات ؟ لماذا قتل العديد من الصحافيين في لبنان والعراق والجزائر ؟ لماذا اختفت بعض الاسماء نهائيا من واجهتنا الثقافية العربية ؟ وما نجده من قطع الرؤوس علنا امام العالم كله نساء ورجالا .. وحتى صور اليوم البشعة في العراق والجزائر واليمن ولبنان لا يمكن ان يتقبلها اي عقل ..
نحن والآخر : تبدل الزمن وتطور الوعي
 هنا ، هل يمكننا ان نكتفي بسرد الامثلة والنماذج التاريخية والمعاصرة  من دون التعمق طويلا في فلسفة هذا التوحّش الاجتماعي ، وهذه العدمية لكل مقاييس الحياة وانعدام الاخلاق ؟؟ .. بل وان السكوت سيجعل من هذه الامراض الاجتماعية اوبئة تاريخية ليس لحاضرنا ، بل لكل مستقبل العرب والمسلمين الذين طالما تشدقنا بحضاراتهم .. فلا يمكن ان نشهد التضادات بمثل هكذا تنافر ! بل ليبدو الامر كما لو اننا نعيش ـ حقا ـ حياة الغاب .. وحتى حياة الغاب ، بل أي جنس لا يمكن ان يكون ضد بني جنسه .. ان الجسد ليبدو بلا ثقافة عند العرب ، وان العرب والمسلمين لا يمكن اعتبارهم كلهم يحملون هذا الوباء ، بل ان هناك من الاطياف الجميلة المسالمة التي تتطهر باكرام ليس روحها حسب ، بل حتى جسدها . ان ثمة تخريجا لكل التوحش الانساني وما تفعله بالاجساد والارواح من اضطهادات وقمع ، ذلك ان الامر لا يقتصر على العرب والمسلمين وحدهم .. فتواريخ المجتمعات والامم الاخرى قد شهدت توحشا وافعالا لا يمكن ان يصنعها بشر في الدنيا . ان من قتل وسحق وعّذب واوذي وحرق وقطّعت اوصاله وهو حي .. او دقت عظامه او خرمت اقفيته بالخوازيق او دق عنقه بالمقصلة او بحد السكين .. او رمي به في اقفاص مليئة بالوحوش .. كلها افعال انسانية بحق الانسان ، تمّرس على فعلها الانسان في كل بيئات الارض .. ولكن جرى ذلك في ازمان غير زمننا بالرغم من ان المشكلة لا يمكن حصرها عند عرب ومسلمين فقط! ولكن عقلية الاضطهاد لم تزل تعشش في مجتمعاتنا ..
المشكلة ان العالم كله قد تغيّر واختلف من خلال الوعي بالماضي ازاء حجوم المستقبل ، على عكس ما تعانيه مجتمعاتنا من تخّلف عارم على مستوى فهم الماضي وعبادته وايقاف التفكير بالحاضر وتحريم الرؤية الى المستقبل تماما . ان كل العالم اليوم يعيش توازنا ، او اي شكل من اشكال التوازن بين المثقف وبين الحياة ، بل وان تجسيرا حقيقيا يقوم اليوم بين صنّاع القرار ونخب المثقفين . ان الحياة لا يحكمها السياسي لوحده ، فالدولة مجموعة مؤسسات يقف على رأسها كبار المثقفين المحترفين ، والمجتمع بنفس الوقت لا يمكنه ان يخطو خطواته الى الامام من دون ابداعات المثقفين ومتابعتهم وخصب اعمالهم وتجديد اساليبهم .. وقيمة كلمتهم وحجتهم في كل الميادين .
استنتاجات : الاحرار لا يعيشون في اقفاص
قلما نجد من نخب المثقفين الحقيقيين الذين كانوا قد تحرروا من شرانق الماضي الصعب .. وطوال القرن العشرين ، عاشت مجتمعاتنا في العقود الاخيرة ، وهي في مزايدة علنية بين ثقافة حقيقية وبين عهر سياسات مؤدلجة .. لقد خدع الناس على امتداد عقود طويلة من السنين بـ " مثقفين " روجّوا لأنفسهم مجموعة شعارات زائفة ، اذ كانوا وما زالوا من الديماغوجيين الذين لا يريدون الوقوف على حقائق الاشياء مع نزق كتاباتهم الانشائية ، والاخطر من هذا وذاك تقلباتهم ذات اليمين وذات الشمال ، تجده ماركسيا تقدميا  وفجأة يعلن عن انتماء طائفي يدافع عنه دفاعا مستميتا .. وتجده بعثيا وقوميا يؤمن بمبادئ الوحدة والحرية والاشتراكية ( كذا ) .. وفجأة تجده مع ذيل جوقة احزاب اسلامية  .. تجده يحكي بالقيم الوطنية والتراب المقدس ، وفجأة تجده  يسّوق لمشروعات غير نظيفة البتة .. او العكس ، ان حياتنا العربية لن تؤخرها الا التناقضات ، وغياب الاحرار ، وغياب المثقفين الحقيقيين .. ان المثقف الحقيقي هو مغترب في ارض بلاده ومغترب في المهجر .. انه الخصم اللدود عند اشباه المثقفين .. انهم لا يريدونه ولا يريدون ان يحيا كي لا يكشف بضاعتهم وتفاهتهم .. انهم يشاركون في اضطهاده والامعان في قمعه .. ولكنه اقوى منهم ، واكبر منهم ، وافضل منهم ، بالرغم من تهميشه وتجاهله وهو يعيش محنه ومكابداته .. ان الجيل الجديد بحاجة الى زمن ليس بالقصير للوعي بمثل هذه الحالات  والمطلوب  ان ينقلب ضدها انقلابا جذريا  . لقد طفحت حياتنا العربية بالطفيلية والطفيليين الذين حملوا للمجتمع كل الموبقات مع ضياع القيم ، وتبدد ثبات المواقف .. بل ولم يعد المثقف الحقيقي بمستعد للاضطهاد هذا اليوم بعد ان سحقت معنوياته واحبطت آماله ، ولم يعد يفكّر بتحقيق احلامه في صالة يكثر فيها الذئاب !

www.sayyaraljamil.com
13 اكتوبر 2008

51
حكاية بريكس واطروحة التفوّق

د. سيّار الجَميل


بريكس ، BRICs  ، انها الكتلة الاقتصادية الرباعية التي تبلورت في العام 2001 لتنطلق سريعة في عالم رأسمالي جديد .. ولعل افضل من صاغ اطروحتها غولدمان ساكس من بنك الاستثمار الذي يؤكد بأن منتصف القرن الواحد والعشرين سيشهد ذروة بريكس كأغنى كتلة اقتصادية في العالم ، وهي تجمع كلا من الصين والهند وروسيا والبرازيل .. ولعل هذا ما يقلق الولايات المتحدة الامريكية كثيرا .. لقد اختلفت بريكس عن كل من منظمة الاسيان التي تجمع بلدان جنوب شرق آسيا ، واليوربيان (= الاتحاد الاوروبي ) الذي ولد من خلال استراتيجية اقتصادية  ( السوق الاوربية المشتركة ) ولكنه تغلبت عليه القوة السياسية .. اما النافتا من امريكا الشمالية والمكسيك فهي تسجل تحّولات لها خصوصيتها الامريكية .وعليه ، فان مجموعة بريكس ما هي الا تشكيل ناد اقتصادي يمر عبر كل العالم ، وقد سجّل تقدما يذكر في اجتماع القمة عام 2008 .. بتحول مثل هذه البلدان الى اوضاع جديدة ، وستكون ـ كما يأمل بعض الدارسين ـ من بين الدول المهيمنة اقتصاديا عند العام 2050 ، خصوصا وانها تشتمل على اكثر من 25 % من ارض العالم .. و40% من سكان العالم . ان الصين هي الاكثر حركة ونشاطا من بين الاربعة المؤلفة لهذا النادي الذي سيكون اكبر كيان اقتصادي في التاريخ ، وان الولايات المتحدة الامريكية تدرك ادراكا عميقا ان هذه التشكيلة ستكون الاكبر والاوسع نموا في الاسواق الجديدة التي خلقتها ظاهرة العولمة الجديدة . ويؤكد غولدمان ساكس نفسه ، ان لهذه الدول الاربعة امكانات اقتصادية هائلة لم تستثمر بعد ، وما يميزها ان تشكيلتها ليست سياسية كالاتحاد الاوربي ، او امريكية تعاونية صرفة كالنافتا ، ولا اقليمية تجارية خاصة كالاسيان .. بل انها انتاجية وتكاملية وانها في طريقها كي تغدو كاليابان والمانيا ..
ان ندوة علمية ترعى شؤون المستقبل في كندا قد خرجت باستنتاجات مذهلة تقول ان الحلم في بريكس يسير بسرعة كبيرة نحو العام 2050 ، ومن اكبر الاحتمالات انها ستغّير نظمها السياسية بتبني الرأسمالية العالمية طريقا لها لا رجعة فيه ابدا .. اذ ستكون الصين والهند اهم بلدين عالميين يورّدان سلعا مصنعّة وخدمات الى كل العالم ، في حين ان البرازيل وروسيا ستهيمنان على توريد المواد الخام ، وسيتشكّل تعاون واضح من اجل الهيمنة على السوق وتغدو جماعة بريكس كتلة قوية لاستبعاد مجموعة الثمانية التي لها سيطرتها اليوم .ان الصين ستكون لها قوتها التصنيعية المنتجة، اما الهند ،فسوف تسجل خطوات في انتاج الخدمات على مستوى العالم .. وتبقى البرازيل مهيمنة على فول الصويا والحديد الخام .. في حين ان روسيا الهائلة ستكون معينا للنفط والغاز الطبيعي ..
ان ثمة آراء خطيرة تسجّل هنا حول نجاح التحولات في هذه الدول الاربع مع تحديات كبرى في دواخلها يعمل ابناؤها على الاستجابة لها .. وقد نجحت بعد نهاية الحرب الباردة ، لتبدأ اصلاحات سياسية واقتصادية والسعي للدخول في الاقتصاد العالمي .. ان جيلا جديدا قد ترّبى على التعليم ، والاستثمار الاجنبي ، والاستهلاك المحلي ، وتنظيم المشروعات المحلية والعملاقة .. وتقول التقديرات بأن الهند لديها القدرة على النمو الأسرع بين البلدان على امتداد زمن قادم يقّدر ما بين 30 – 50 سنة .
ان التقارير التي نشرت حتى اليوم منذ العام 2004 ، تؤكد ارتفاع نسبة المدخولات لهذه الدول في تزايد مع تفوق الثروة السكانية ، وستنمو الطبقة الوسطي في مجتمعاتها حتى العام 2025 مع توازن النمو ، وبالرغم من ان الثروات ستزداد في العالم الاكثر تقدما ، الا ان تشكيلة بيركس لها تفكير من نوع آخر ، اذ تقف عاجزة امام مساواة الانسان في مستويات الدخل مع البلدان المتقدمة  الاقل سكانا .. ولكن هناك خطوات عملاقة في التقدم ، فالهند مثلا هي الاسرع نموا في المناطق الحضرية في العالم ، اذ سينتقل بحدود 700 مليون شخص الى المدن بحلول عام 2025 ، وهذا يتطلب ثورة في منجزات البنية التحتية .
 وهكذا ، فأن بريكس تعمل اليوم على اعادة تركيب المجتمعات من جديد وبشكل اوسع على غرار مجموعة الاسيان .. كما ان الجيل الجديد في بريكس امتلك الوعي لتوسع الرأسمالية في هذه البلدان، وقد بدأت هذه الليبرالية بانفتاحها الخصب ذات الوجه "شبه"  الإنساني تتعاظم في الأنظمة المقفلة سابقا كالصين أو في التجارب شبه الديمقراطية كالبرازيل . ويواجه الديمقراطيون الاجتماعيون "اليساريون" الذين كانوا يهيمنون على عدد من الحركات الاجتماعية، لا سيما في روسيا ، مشاكل مماثلة. واليوم باتوا يستلهمون محاولات "الإصلاح" في أماكن مثل البرازيل .. كما نلاحظ في بعض دول  البريكس المناهضة للولايات المتحدة والاتحاد الأوربي في مسلسل منظمة التجارة العالمية. وتزداد حدة التناقض بحكم أن النمر الجريح واقع تحت الضغط، ليس فقط من جانب الجنوب، بل وأيضاً من جانب الاتحاد الأوروبي وربما أيضاً من جانب الصين التي أصبحت طبقتها الحاكمة مقتنعة إلى حد بعيد بأنها كانت امام طريقين قبل عشرين سنة ، لو سلكت الاول لاصبحت اليوم تعاني كروسيا .. ولكنها اختارت طريقها الثاني الذي سيوصلها الى الذروة في منتصف هذا القرن !
هنا ، أسأل سؤالا واحدا : اين هي دول ومجتمعات الشرق الاوسط برمته ؟ ثمة تجارب رائعة لمجتمعات تسعى بسرعة من اجل اللحاق بهذا العالم المتنافس ، ولكن ثمة معوقات ! فما الذي يعيق مجتمعاتنا قاطبة من الانطلاق مع الاخرين نحو الذرى ؟ ادع القارئ الكريم يفكرّ قليلا ..

www.sayyaraljamil.com

البيان الاماراتية ، 24 سبتمبر 2008

52
الجغرافية الثقافية للعراق الحديث

أ. د. سّيار الجَميل

نص تحريري موسّع للمحاضرة الشفوية التي القاها الاستاذ الدكتور سيّار الجميل
 في الجمعية العراقية الكندية بتورنتو / كندا  امسية يوم الاحد 27 تموز / يوليو 2008


المحور الاول
المقدمات : اهمية الموضوع .. المنهج وفلسفة المعاني
ايها الاصدقاء
اسعدتم مساء ، وأشكر لكم حضوركم هذه " المحاضرة " ، كما اشكر الاخ الشاعر كريم شعلان على تقديمه لي وكلامه الجميل عّني الذي لا استحقه .. واشكر الجمعية العراقية الكندية بمدينة تورنتو استضافتها لي ، كما اشكر حضوركم ودعوني اختزل موضوع هذه الامسية في ثلاثة محاور : محور في فلسفة المعنى والتعريف وأهمية الموضوع ، ومحور في المضمون والتطبيق من خلال عرض جملة من المصورات والخرائط والاشكال العراقية  ، ومحور خلاصة الاستنتاجات والرؤية الجديدة من اجل تطوير المجال الحيوي للعراق ثقافيا وانسانيا حضاريا .

الموضوع : الاهمية والاهداف
 انني اذ اقدم هذا " الموضوع " الذي لا يمكنه ان يقدم في محاضرة ، بل انه ، كما يبدو ، عنوان كتاب كبير او مشروع جماعي ، فأنني اتمنى ان اقدم في هذا المساء الجميل : مجموعة أفكار جديدة حول موضوع نحن بأمس الحاجة اليه ، وخصوصا في العراق الذي يتميز بخصوصياته الجغرافية طبيعية كانت ام بشرية ام سياسية .. فكيف اذا كانت ثقافية ، وهو يستقطب من خلال تنوعاته الاجتماعية عدة الوان من الثقافات المتنوعة التي يمتد عمق بعضها الى الاف السنين ، حتى على مستوى اللهجات المستخدمة.. مقارنة بكل الانتهاكات التاريخية التي تعّرض لها العراق عبر مئات السنين ، وتأثيرها على كل بنيوياته الاجتماعية التي عبرّت عنها ثقافيا على كل الرقعة الجغرافية العراقية .
أن الموضوع حديث لا يتجاوز عمره العقد الواحد من الزمن ، بدأ في جامعة كولارادو ، ولم تزل تصدر حوليتها بالعنوان نفسه " الجغرافية الثقافية " ، اذ عالجت في اعدادها الصادرة حتى الان العديد من المفاهيم والاساليب المنهجية في دراسة هذا " الموضوع " ليس في امريكا وحدها ، بل في كل البيئات المزدحمة بالثقافات من هذا العالم . ولهذا فالمحاضرة هذه ، هي محاولة او مدخل ليس فيه تفاصيل واسعة ، ولكنها تعد مدخلا او مفتتحا لدراسة هذا الموضوع عراقيا . نعم ، لما كان العراق موضوعا مهما ، وهو سلسلة واسعة جداً من بيئات متنوعة في جغرافياتها التاريخية ، ولما بدأ العالم يهتم بالثقافة الموجودة في أي مكان من العراق ، فينبغي العناية بحياة جغرافيته الثقافية . ان اسلوب الحياة عند العراقيين يختلف من مكان إلى آخر ، كما ان البحث يراقب الحركة الانسانية والخطاب ( = مقول القول ) ووسائل التعبير وإختلاف الأزياء ، واللغة المستخدمة ، وإختلاف اللهجات ، والأفكار ، والنّخب ، ودور الطبيعة والتضاريس ، لذلك فان العراق هو من احوج بلدان الشرق الاوسط للدراسة والبحث المقارن . ربما نسمع صورة مشوهة عن العراقيين ، ولكن تبقى الآراء  تختلف حول الكثير من الأمور الحياتية : حول الموسيقى والغناء ،ولكل عراقي له ثقافة بيئية مختلفة ، وهذا لا ينسحب على النّخب المثقفة فقط .

فلسفة المعاني .. الاهمية
1.العائلة الجغرافية
ان الجغرافية الثقافية تنتمي الى عائلة العلوم الاجتماعية ، ولكنها علم جديد لم يمض على تطوره الا سنوات قليلة  ، ولعل اشهر مدرسة منهاجية تثري موضوعاته هي الكائنة بجامعة كلورادو والتي تصدر مجلتها الفصلية العلمية المعروفة باسم الجغرافية الثقافية ، فضلا عن اهتمامات بعض خبراء اليونسكو بهذا الموضوع الحيوي ، كما وصدرت في اماكن عدة من هذا العالم عدة عناوين لمضامين واسعة ومهمة جدا . ان الجغرافيات انواع : طبيعية وبشرية واقتصادية وسكانية وادارية .. ولكن الثقافية هي التي تعتني بثقافة الانسان والمجموع معا ، ومدى تأثير كل من المكان وعناصره في تكوين تلك " الثقافة " ومجال حركتها وحيويتها .
2. المضامين
ان الثقافة في حد ذاتها ، موضوع مثير جدا ، وتتذرع  بمفاهيم تعبّر عن حقائق تاريخية وواقعية  متنوعة من الحياة في اطار المجتمع الانساني ، وكسب العيش ، وأنماط المعيشة ، والكلام ، والتسلية ، والضرورات المستهلكه ، والأكل والفولكلور والازياء ، فضلا عن الحكايا ومواريث الرواية والتعبير الشعبي والموسيقى والغناء واماكن التلاقي الاجتماعي وطقوس الاعياد والمناسبات .. الخ . ولعل اهم من هذا كله وذاك ، الخطاب ومقول قول الانسان وتعبيراته عن واقعه واماله وطموحاته وتطلعاته وحبه وكراهيته وفشله ونجاحه ثم التعبير عن انتصاره وهزيمته .. علاقته مع تفسه والاخر ، المرأة والرجل والطفل  .. استقراره وهجرته .. حضريته ام ريفيته ام بداوته . وهنا ، يمكننا ، بطبيعة الحال ، ان ننقب اعمق لفهم 'كيف' و 'لماذا' ؟ باختصار : انه عمليه استقصاء ممتع عن اسلوب حياة اي مجتمع من المجتمعات ، والتعرف على عوامل تكوين الثقافة في جغرافية معينة .
3. الثقافة : قضية اشكالية عربية
الثقافة ، قضية اشكالية في رؤيتنا العربية لها ، وكما فسرتها في اكثر من مكان ، انها  Culture في معرفة ثقافة ( او : ثقافات ) اي مجتمع من المجتمعات . وهي       Education لأي مجموعة اجتماعية تمر بمرحلة التكوين ، حتى تصل مرتبة النخب المنتجة المبدعة Intellectual Elites  وهي التي تؤلف المشهد الثقافي لأي بلد في هذا العالم .. انها المعبرة عن روح العلاقات الاجتماعية ، والسياسية ، والاقتصادية ودوافعها ، والتي تؤدي بالنتيجة الى انتاج الثقافات ، او اعادة انتاج الثقافات ناهيكم عن حجم ما تقدمه من ابداعات ثقافية سواء على المستوى المحلي ام الوطني ام العالمي . 
4. مفهوم التباينات والموضوعات العراقية
ان مهمة الجغرافية الثقافية ليس التنظير لواقع ثقافي قي بيئة معينة او مجموعة بيئات ، بل يتجاوز كّل من ينظّر ويفكّر فيها محاولة وصف ، او 'مجرد وصف' الناس والاماكن الغريبه ، لتحليل الواقع ، بل التغلغل لاجراء التطبيقات والمقارنات والتساؤل من خلال 'لماذا' و 'كيف' تمنح الثقافة منحى انساني مجرد من كل العنعنات والصراعات الداخلية المتوارثة والمتوالدة . فعلى سبيل المثال ، كيف يمكننا ان ندرس في وقت مبكر اشكال الثقافات التي تنتجها اوضاع المدن التجارية او جوانب الحياة الزراعية الريفية في المجتمع العراقي ؟ ولماذا تباينت الثقافات المحلية تبعا لطبيعة جغرافية اي بيئة حضرية او قبلية ؟ وما تأثير ضفاف الانهار او اعماق الاهوار ، او بيئات الجبال او الاستبس او السهول ؟ ما دور المدن واشكالها القديمة سواء بيئتها داخل الاسوار ام خارج الاسوار ؟ ماذا يكمن وراء الهجرة من الريف والبادية الى اطراف المدن ؟ ما شخصية دجلة الثقافية المتحركة مقارنة بشخصية الفرات الهادئة ؟ ما تأثير السدود والري والجسور على الحركة الثقافية ؟ ما تأثير سكة حديد برلين بغداد البصرة ( بي بي بي ) وسكة حديد بغداد ـ كركوك ومحطاتهما على الطريق الجديد بعد زوال الطريق السلطاني العراقي البري القديم ( شرق دجلة ( بغداد ـ بعقوبة ـ كركوك ـ اربل ـ الموصل ـ آمد  نحو استانبول ) ، والمسلك النهري لدجلة وغياب الاكلاك والقفف النهرية ؟ ما تأثير المصانع الجديدة على غياب الحرف القديمة والاصناف الصناعية القديمة وبداية تشكيل النقابات العمالية ؟ وما دور الحركة العمالية ؟ ما تأثير الادارة والادارة المحلية على تنقلات الموظفين عبر ارجاء العراق  ؟ ما دور المؤسسة العسكرية في التلاقح الاجتماعي ؟ ما دور الكهرباء والاضوية والشوارع واشكال الحياة الحديثة في الهجرة من الريف الى المدينة حيث الاسواق والشوارع والمطاعم والسينماوات والكابريهات ؟ وصولا الى الادوار السياسية والاحزاب والتجمعات والكليات والحركة الطلابية ، وآثارها كلها في متغيرات الانماط والتقاليد في الجغرافية الثقافية العراقية ؟ ما دور الشركات الاجنبية والوطنية ايضا ، وخصوصا شركات النفط في كل من كركوك والبصرة وعين زاله ؟  ان الجغرافية الثقافية ينبغي ان تستخدم  فكرة كارل ماركس المسماة 'نمط انتاج' . وكيف يمكننا ان نفهم ما 'قيمة' الانتاج العراقي ،وتبيان طبيعة علاقات الانتاج العراقية ،  او بالاحرى 'قيمة' يتم انتاجها في مختلف البيئات العراقية المتنوعة بكل تناقضاتها بدءا بالقبيلة والعشيرة التي تحكم كل من الريف والبادية العراقيتين ، ومرورا بالبلدات والقصبات البلدية الصغيرة وانتهاء بالمدن التي تكتظ بالاسر والعوائل التي تؤلف نسيج المجتمع الحضري بكل مستوياته المتباينة المتنافسة لا بطبقاته الاجتماعية المتصارعة  ، مع نمو البورجوازية فيها وتعاظم المستويات لطبقة متوسطة مستحدثة مع تسارع نمو لدولة شبه رأسمالية.
5. منهج العمل
ان المنهج الذي يمكن الارتكاز عليه في دراسة موضوع الجغرافية الثقافية ، يقوم بتحليل الكيفيه التي تمنح مجتمعنا العراقي الذي كان يتصف بتسارع التحولات الاجتماعية فيه ، كي يغدو مجتمعا حديثا اعتمادا على عوامل عدة لا تحددها المستهلكات ولا الشعارات السياسية ، بقدر ما تحددها المنتجات ونمط الانتاج وعلاقات الانتاج .. وصولا الى قوة الحياة الثقافية . اننا امام تعقيدات غاية في الخصوبة العراقية لمجموعة العادات والتقاليد المتغيرة ، والاندفاع للتعبير عن الواقع عراقيا بالاغاني والاشعار والموسيقى والامثال والازجال والقراءات والتجمعات في احتفالات ومنتديات او مقاهي او مدارس وفتوة وكشافة .. الخ علينا ان نفهم كيف نصنّف الناس في علاقاتهم في ما بينهم ، وعلاقاتهم بـ 'الآخرين'. علينا ان ندرك طبيعة المرأة العراقية وقدراتها وساعات عملها وانتاجها في كل بيئة وما تتصف به من سمات انسانية .. علينا ان ندرك ذكاء الطفل العراقي ومزعجاته وفجاجة حركاته نتيجة فرط شيطنته وكثرة اسئلته ودلاعته او وكاحته ..
في هذا البحث لدينا مجموعة المصالح الرئيسية تكمن في الثقافة وفي الديموغرافيا. الثقافة الجغرافيين لأن المهم ، في دراسة التنوع وصلات ، وقضايا معنى ، والاتصال ، وتفسير تأتي في المقام الاول. الديموغرافيا من المهم أن الجغرافيين لان السكان هم الجوهر المادي للمجتمع. وينصب تركيزنا على ما يلي : سوف لا نخوض في اية مساءلة عن السلطة ، ولكن سنعالج المعرفه ومقاربة للهوية العراقية ، مع الابتعاد عن التركيز على التنوع وصلات بالنسبة لأوجه عدم المساواة والمكانيه في دراسة علاقات القوى المشاركة في الشبكات من المعرفه ، فضلا عن تفاصيل فضاءات التخيلات الجغرافي في قلب الهوية الوطنية .. واتمنى على من سيعالج موضوع الجغرافية الثقافية للعراق الحديث ان يحلل الزخرف المكاني للمرض والوفيات على الرقعة العراقية مع تأثير السياسات والايديولوجيات في مسائل الصحة والسكان والحركة الاجتماعية وتأثير ذلك كله على قوة الثقافة العراقية وتمفصلها ديمغرافيا وجغرافيا .. وايلاء الاهتمام لنظم الاسرة العراقية .. المرأة والطفل   فضلا عن القوى الفاعلة في المجتمع : التجار والفلاحون .. الموظفون والعمال .. المبدعون والاشقياء .. العسكريون والسياسة .. السلطويون والايديولوجيات التي شكلت تأثيرا مباغتا احيانا وطويلا احيانا لكل قسمات المجتمع في جميع انحاء العراق.

6. العراقيون : كيف يفهم بعضهم بعضا ؟
علينا ان ندرك الفجوات الجغرافية التي تفصل كل ثقافة عن ثقافة اخرى ، فمن الصعب ـ مثلا ـ على ابن الاهوار في الجنوب ان يتعرف على ابن البلدات المسيحية او القرى اليزيدية في الشمال او العكس .. ثم نفرض التساؤلات عن الارادة الثقافية العراقية التي عاشت بعيدا عن مثقفي السلطة .. حرة مستقلة تطالب بحقوق الانسان كما كانت تبثه وسائل الاعلام وانتشار مبادئ الاعلان العالمي لاستخدام " الثقافة " بوصفها أداة لم يصلها واقع العراق حتى الان لما بعد الحداثة ، وكان مؤملا ان يندفع المثقفون العراقيون الحقيقيون للوصول الى ذلك لولا الانتكاسات والهزائم السياسية المريرة التي اودت بالعراق والعراقيين كلهم ودخول العراق في غيبوبة تاريخية طويلة كان العراقي المنتج والمبدع والمثقف ولم يزل حتى اليوم مهمشا مقصيا ، وخصما لدودا ، الا من سار في ركاب السلطة او تعّلق باذيالها .. لقد خسر العراق طاقات كبيرة جراء ممارسة  التهجين بسيطرة السلطة على مقاليد الثقافة لتغدو احادية ومؤدلجة .. وبدت تعاني من الصراع والعنف -- ثقافة مغالبة ومنغلقة على التوحش او الخوف او الممالئة والقيود الثقيلة .. لقد غدت التناقضات تأكل حياة العراق في كل جغرافياته وبيئاته .. وبدا المثقف العراقي نتيجة لذاك الوضع ، رخا ، ومهمشا ، او مداهنا ، وخائرا !
7. التشظي والهجرة والانقسامات
ونحن سوف لا ننقب عن نظريات وامثلة عن كيفية تشظي الثقافة العراقية وغلبة الفوضى عليها من خلال ركام التناقضات التي حشدتها في احشائها .. ولقد ساعد في ذلك هجرة العراقيين افواجا الى خارج العراق بفعل العنف السياسي والاجتماعي معا . وأخيرا ، فإننا سوف نتعلم عن منتج مختلف الحركات الاجتماعية ، والتي بدت تسبّح ليل نهار بالثقافة القومية والشعارات المخيالية التي لا علاقة لها بالواقع ابدا ، وتستخدم بشكل متزايد كل الوسائل للتأكيد على الهوية العربية والثقافة القومية مما سبب ردود فعل عنيفة ومكبوتة لدى القوميات والاطياف العراقية المختلفة . ان الجغرافية الثقافية تقوم اساسا على استخلاص الادوات المفاهيميه لكل ما في العراق من ثقافات متنوعة ندعو كل المختصين والعلماء العراقيين الاهتمام بها ، وفهمها ، وتحليلها ، وشرح مضامينها والبحث عن الجوانب الانسانية فيها ، وان لا نعتبرها مجرد وصف لظواهر ثقافية معينة ليس لنا فيها الا التنظير بعيدا عن اية تطبيقات عملية ، وهدفنا تمكين الاجيال القادمة من فهم واقع الحياة العراقية وادراك سايكلوجية العراقيين الخاصة .
قفلة المحور الاول
ان الموضوعات التي ساتطرق الى معالجتها في المحور القادم ـ مثلا ـ ، ستكون مفهومة من خلال منظور جغرافي ، حيث الفضاء والمكان ..واستعين بالخرائط والرسوم التي سنراها معا كي نحللها واحدة بعد الاخرى . انني لا استطيع ان اغطّي كل متطلبات المنهج لاتساع المضامين في الجغرافية الثقافية للعراق الحديث ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ( لتحديد موضوعات يستفاد منها الباحثون مستقبلا ) : دراسة البلدات والقصبات والمدن العراقية وتحديد ثقافاتها قاطبة ، واين يكمن بروز المثقفين والتجمعات والنخب  .. ؟  وما تأثير كل من المجتمع الرعوي ، والمجتمع الزراعي ، والمجتمع الحرفي ، ثم الغرف التجارية ، والمسالك ، والطرقات ، والمحطات ، والاسواق ، والجمارك ، والشركات ، والنقابات ، والاصناف ؟ ايضا : ما طبيعة الاغذية ، والملابس ، والازياء ، والموسيقى ، والهندسه المعماريه ، والتقاليد ، والاديان ، واللغات ، واللهجات ، والطقوس ، والعادات ، والتقاليد ، والعلاقات ، والشراكة .. الخ ؟  ما الفرق بين مجتمعات دجلة المحلية عن مجتمعات الفرات المحلية ؟ ما طبيعة العشائر العربية والكردية والتركمانية وغيرها .. ؟ واخيرا ، ما موقع العراق في الجغرافية الثقافية للعالم ، عندما نعلم بأن هناك في العالم حوالى 200 دولة مختلفة واكثر من 6000 من لغات متميزه. واللغة ، كما هو معروف ، هي الاساس في التكوين الثقافي ، ثم اخيرا موقع الثقافات العراقية ازاء ما يقرب من 6000 من ثقافات العالم المختلفة ايضا في افريقيا واسيا واوروبا والامريكتين واوقيانوسيا.

المحور الثاني
المضامين الاساسية

ننتقل الان الى المحور الثاني الذي نعالج فيه بعض المضامين الاساسية ، معتمدين المنهج الذي رسمناه آنفا في بناء صورة واضحة عن المكونات البيئية والجغرافية في الحياة الثقافية العراقية الحديثة التي ألفناها في القرن العشرين ، وسترافقنا هنا مجموعة من الخرائط والرسوم التي ستجدونها معروضة امامكم على الشاشة من خلال الباور بوينت :
1. بقايا ثقافات كلاسيكية
يمكننا استنباط بعض الرؤى والافكار من خلال التأمل طويلا ليس في خارطة العراق الحديث ، وانما في العقلية التي بلورتها جغرافية العراق الحديث ، وما انتجته عبر قرنين من الزمن خصوصا ، ونحن نعلم ، بأن العراق قد اقتطعت منه بعض المناطق والاقاليم اذا ما قارنا بنيته الجغرافية التي خلقتها طبيعته الجغرافية منذ آلاف السنين .. ولكن اذا كانت الحضارات الكلاسيكية العراقية التي عاشت خلال العصور الكلاسيكية قد اندثرت اليوم ، فان بقايا ثقافات عراقية لم تزل آثارها تتوزعها العديد من المناطق العراقية اليوم ، ويتداولها أناس يتوزعون في مجموعات معينة ، وايضا لم تزل تتوارثها منذ ازمان قديمة ، وهي ملتصقة بارضها في اماكن عدة من العراق اليوم . واذا كان هناك أي دفع باتجاه تقسيم العراق الى كيانات سياسية قزمية متعددة ، فان جغرافيته تأبى الا ان تبقى موحّدة بفعل عواملها القوية التي ترتبط واحدتها بالاخرى ، وخصوصا وثاق الرافدين دجلة والفرات .
2. التنوعات تخلق الخصوصيات
ان التنوعات الجغرافية قد انتجت الوانا من الثقافات العديدة في كل جزء من اجزاء العراق الجغرافية لا الادارية او الاقليمية ،بالرغم من اعترافنا ان ثمة ثقافات محلية تمتاز بها كل مدينة او حاضرة عراقية ، وقد استقطبت نوعا من ثقافة محلية لتقسيماتها الادارية التي توارثتها منذ تأسيس الدولة العراقية في القرن العشرين على ايدي البريطانيين . ولقد كانت ثقافات العراق محلية بالوان الطيف في كل من ولايات الموصل وبغداد والبصرة ، ومن ثم انبثاق شهرزور الملحقة تارة بالموصل وتارة ببغداد .. ولكن المحليات اخذت بعدا وطنيا بولادة 14 لواءا على العهد الملكي ، ومن ثم 18 محافظة على العهد الجمهوري . ولنا ان ندرك طبيعة تنوع الثقافات المحلية في كل اقليم من اقاليم العراق الثلاثة الادارية ، ومن ثم تمفصلها الى تجزئة ثقافات اصغر ليست مجهرية ، بل يمكن رصد طبيعة كل واحدة منها حسب البيئة التي عاشت فيها ، ومن يمثلها من الناس الذين قد تكون لهم خصوصياتهم حسب البيئة التي نشأوا فيها .. ويمكننا القول ، ان معرفة مجهرياتها حتى وان كانت في اي قرية قصيّة ، او هور فسيح الاعماق ، او في اعلى الجبال ، او في امتداد البوادي والصحراوات .. الخ  ان ثقافات العراق المحلية والجهوية بكل ما تتلّون به من الوان المدن او البلدات او القصبات او النواحي او القرى او ضفاف الانهار او جزرات الاهوار او عند البحر او مناطق السهوب .. ان التنوعات العراقية في الجغرافية تخلق خصوصيات ثقافية  متعددة ..
3. التباينات الهائلة
هي متباينة على اشد ما يكون التباين ، خصوصا اذا راقبنا علاقات الانسان بالارض ومدى تأثيرها عليه ، وعلى عاداته وتقاليده وفولكلورياته في الاشكال التي نألفها ، او التي كنا قد الفناها .. ولكن ثمة مضامين داخلية تحدد البيئة والجغرافية طبيعة اي انسان ازاء العالم .. ان التنوع الثقافي في العراق يعكس ثقافات قديمة دينية ودنيوية ، حضرية وريفية وبدوية ، عربية وكردية وتركمانية ، زراعية وحرفية مهنية وتجارية .. الخ  ونلمح تنوعات غاية في خصب الفولكلوريات ، وتنوع اللغات واللهجات والعاميات المستعملة في اي شبر من مدينة عراقية هي متحف شعبي . ويكاد يكون شمال العراق صاحب ثقافات متنوعة متعددة ، لكل منها الوان مختلفة عن ثقافات الجنوب العراقي .. لا يمكن التمكّن من تلك " الاختلافات "  بسهولة ابدا ، وتنتشر في جغرافية العراق عدة مدن كبيرة ، لكل واحدة منها ثقافتها الخاصة بها ، وهي كلها مراكز حقيقية لثقافات ربما تكون غير متشابهة على الاطلاق . ولكن ؟
4. الانساق العمودية للعراق : نظرية في الثقافة
1/ التعريف بالانساق
يمكننا القول ان ثقافات شمال العراق ووسط العراق وجنوب العراق لا تستقيم والنظرية التي اراها على نحو مختلف تماما ، تلك التي عالجتها قبل سنوات ، اذ قلت :  بالثقافات الافقية العراقية والتي اختزلتها بعالم شرق دجلة اولا ، وعالم ما بين النهرين دجلة والفرات ثانيا ، وعالم غربي الفرات ثالثا .. انها جميعا تشكّل بنية الثقافة العراقية . ان هذه التقسيمات الجغرافية هي ثقافية ، وليس لها اية علاقة بالتقسيمات الطائفية والعرقية التي يعتمدها بعض العراقيين اليوم اجندة لتقسيم العراق ، وجعله اشلاء سياسية .         
2/ افتقاد التجانس الثقافي
ان بنية الثقافة العراقية تختزن في داخلها تنوعات فاعلة تعمل على الارض وهي متعايشة برغم انعدام تجانساتها .. ان الانساق الثقافية العراقية غير متجانسة ابدا ، ولكنها مترابطة مع بعضها البعض ترابطا عضويا ولا يمكنها ان تنفصم ابدا ، فالنسق – اي نسق – لا يمكنه ان يحيا لوحده من دون ترابطه بالنسق الاخر . دعونا نتوقف قليلا عند الانساق المتباعدة اذ اجد ثمة افتراقات واسعة داخل بنية المجتمع العراقي كانت سببا اساسيا في انتاج تناقضاته التي لا تنضب ابدا ، وهي بحاجة الى سياسات مجّردة من كل ميول او اتجاهات .. من كل ما يتعلّق بتعاطف قبلي او بيئي او جهوي ..
3/ الثلاثية بديلا للثنائية مرة اخرى
لنعترف ان ليس هناك اية انسجامات ثقافية بين ثقافات المدن والريف والبادية ( واذا كان الراحل الكبير علي الوردي قد اعتمد في نظريته العراقية على ثنائية البداوة والحضر متأثرا بابن خلدون قبل اكثر من ستة قرون ، فأنني اعتمدت في الابعاد الثلاثية في نظريتي العراقية : المدينة والريف والبادية .. وقد وافقني الراحل الوردي قبل رحيله على ما فكرت وكتبت ) . من طرف آخر ، ينبغي ان نعترف ان ليس هناك انسجامات بين ثقافة عرب الشمال عن عرب الجنوب وبين ثقافة ابناء الجزيرة الفراتية عن ابناء الفرات الاعلى عن ابناء الفرات الاوسط عن ابناء الجنوب .. بل لنعترف –ان اسرار قوة الثقافة العراقية في الوانها ومصادرها وطبيعة تكويناتها ومنتجاتها لاجزاء جغرافية طولية ثقافة شرق دجلة اللواحقية التعددية وثقافة ما بين النهرين الاساسية والمختلطة وثقافة غرب الفرات البدوية .
4/  انسجام الاساليب
لنعترف بأن ليس هناك انسجامات ثقافية في اسلوب حياة العراقيين بين ثقافة المسيحيين العراقيين الارامية الكلدانية ام السريانية ام اليعقوبية ام الاثورية .. وثمة ثنائية ثقافية للاكراد السورانيين والاكراد البهدينانيين .. وتباين واضح عن ثقافة الكرد الفويليين المتنوعة .. ثمة ازدواجية بين ثقافة التركمان المدينية والقروية ، او تركمان شرق دجلة عن تركمان غرب دجلة .. وهناك ثقافة الصابئة العراقيين النهرية العريقة التي تختلف عن ثقافة اليهود العراقيين القديمة .. هناك ثقافة اليزيديين المغلقة سواء كانت شرق دجلة ام في غربه .. عن ثقافة الشبك المتشابكة بين الثقافات المحلية عن خصوصية ثقافة الارمن الاقلية العراقية .
5/ خصوصيات المدن الكبيرة
لنعترف بالوان الثقافات المحلية والجهوية والهامشية .. ثقافة البغداديين الملونة بشتى الالوان وثقافة البصرة الجنوبية التي تمثّل رأس الخليج ، وثقافة الموصليين بخصوصيتها الجامعة للاطياف ، وثقافة محليات الكركوكيين والنجفيين والكربلائيين واهل الحلة واهل الناصرية واهل الكوت وديالى والدليم .. ثقافة اهل الجبل وثقافة اهل الهور ( = المعدان ) وثقافة العشائر وثقافة القبائل وثقافة القرويين وثقافة البادية وثقافة مدن الفرات الاعلى وثقافة قرى دجلة الاوسط .. الخ وكل هذه الثقافات التي يتمثلها ( اهل الخارج ) في عرف ابناء المدن .. تصبح هجينة وسط خصوصيات المدن الكبرى .. وما يمضي جيل او اكثر حتى تندمج مع ثقافات المدن التي تشوّهت كثيرا في السنوات الخمسين الاخيرة .

5. تفاصيل الانساق العمودية :
أولا: ثقافات شرق دجلة : التعددية اللواحقية
ان ثقافات شرقي دجلة ومحلياتها المتنوعة بكل ما تجمعه من قرى ونواحي واقضية والوية وقصبات وصولا الى محافظات العهد الجمهوري الاخير ، تكاد تكون متنوعة ومتباينة بين مكان وآخر ليس بطبيعتها بين الجبال والوهاد هذه المرة ، بل بين علاقات الانسان بالارض ومدى تأثيرها عليه ، وعلى عاداته وتقاليده وفولكلورياته .. وهذا ما نجده في جبال كردستان العراق التي كانت تسّمى بديار الاكراد واهم مراكزها الثقافية : العمادية وبامرني وماوران والسليمانية واربيل وقد تميزت بحياتها الثقافية وكل توابعها من كردستان العراق ، وبرز فيها العديد من الادباء والعلماء ، كما ونشطت في تلك المراكز العلاقات مع مدارس وتكايا مدن العراق ، واشتهر الاكراد العراقيون بطرقهم الصوفية المتعددة في اغلب مدنهم ، واشهر الطرق هي النقشبندية كما ويشهد تاريخ العلاقات بين الاكراد والعرب والتركمان خصوصا على امتداد التاريخ الحديث صفاء ومودة ومحبة ونشاطا مشتركا وحيوية فائقة لا يمكن ان ينكرها احد .. كما وان حياة الاكراد كانت متصلة اتصالا عضويا ببقية المدن القريبة منهم وسكان تلك المدن ، فضلا عن تقاليد ثقافية يختص بها الاكراد بكل تنوعاتهم الجغرافية واللغوية ..  وفي سهول اربيل ونينوى وحويجة كركوك حيث تنتشر الثقافات السريانية ( = الارامية ) الآثورية والكلدانية والكردية والشبكية واليزيدية والجرجرية .. نزولا الى اراضي كركوك ولواحقها التركمانية ، اذ تأتي ثقافة التركمان العراقيين المتميزة بنكهة خاصة وخصوصيات موروثة منذ اكثر من الف سنة وهي اكثر اتصالا ببغداد بحكم انتقال الناس واستقرارهم فيها قبل ان تكون رئة للاكراد ايضا ، واذا كان وجود الاكراد ببغداد لاسباب اقتصادية وتجارية ، فان وجود التركمان فيها لاسباب تاريخية وثقافية بحتة .. وصولا الى خانقين وبعقوبة حيث اللور الفويلية ومجموعات من البختياريين والهمدانيين .. ومرورا بالكوت وعشائر ربيعة وانتهاء بالصابئة المندائيين والمعدان مع قبائل عربية متوطنة منذ القدم وقد تعايش الجميع ضمن مشتركات لا حدود لها ، او ضمن احترام خصوصيات الاخر.. هذا العالم يجمع كل المزدوجات الدينية والدنيوية .. والحضر والريف ، مع بدو عرب واكراد ، مع حرفيين في مدن تركمانية وتجارات محلية في قاطع ديالى انتقالا الى زراعات الاكراد المتنوعة للرز والتبغ .. خصب في الفولكلوريات والموسيقى والاغاني والمقام وتنوع واسع للهجات واللغات والعاميات المستعملة ليس في العربية وحدها ، بل حتى في التركمانية العراقية والبهدانينية والسورانية والكرمانجية ، فضلا عن الارامية المستخدمة في بلدات وقصبات سهل نينوى وغيرها من اللغات المحلية ، مع وجود يزيدية عين سفني (= الشيخان ) وبحزاني وبعشيقة الذين يتصفون بمنتجاتهم الزراعية والحيوانية وتتجاذبهم ازاء عربية وكردية مع اختلاف واضح عن يزيدية جبل سنجار الاكثر انغلاقا مع تميز واضح في منتجاتهم من الالبان والاثمار الجافة ، وسهل نينوى هو عالم عجيب من البشر المبدعين زراعيا وكل ما ينتج ويصّنع زراعيا ، وكما يسمّى بـ ( الفليحيين ) رجالا ونساء ولهم فولكلورياتهم وتقاليدهم وحركتهم الدائبة من والى مدينة الموصل يوميا ، فهي مرتعهم من العمل اليومي او الليلي ، اما الشبك عند اطراف الموصل الشرقية ، فهم لا يختلفون في حيويتهم ولا في انشطتهم وخصوصا في رعاية الثروة الحيوانية .. ان كلا من سهل نينوى وسهل اربيل يعتبران من اهم سهول العراق ليس بسبب خصبهما فقط ، بل بسبب كثافتهما السكانية المتميزة بانشطتها .. ان امتدادات شرق دجلة متنوع ايضا في مدنه وتقاليدها ويتميز هذا العالم ببراعة فنونه ، ودقة اعماله ، والمرأة تعمل صباح مساء .. ويكاد يكون عالم شرق دجلة صاحب ثقافات قديمة وهي المتمفصلة بين حضارتين اساسيتين في المنطقة : العربية في العراق والفارسية في ايران .. ليس هناك مركزا حقيقيا لشرق دجلة ، فثمة مراكز حيوية عدة .. واستطيع القول بأن الاندماج كان كبيرا في وسط العراق بحكم مركزية بغداد .. واذ تضيق المسافة في قلب وادي الرافدين بين نهري دجلة والفرات .. وكذلك الحال بالنسبة لمركزية الموصل لشمال العراق وقد كان لاستراتيجيتها الاقتصادية والتجارية الدور الكبير والمؤثر على اصقاع شرق دجلة المتنوعة والمختلطة لاقوام عربية ريفية وشبكية ويزيدية وكالدانية وسريانية وكردية بهدينانية وتركمانية .. وما يتفرع من كل هذه الاصول من ثقافات تجد الوانها شاخصة في الموصل التي تعتبر متحفا لثقافات لا حصر لها ابدا .
ثانيا : ثقافات ما بين النهرين
اما ثقافات عالم ما بين النهرين دجلة والفرات ، فهي الوسيطة والاكثر عروبة  وهي الثقافات التي اغترفت من كلا النهرين .. انها الثقافات المحصورة بين مجرى النهرين ، وهي مليئة بالتناقضات على مساحة تكبر وتصغر حسب الحركة الجغرافية والامتداد الجغرافي للنهرين .. مراكز هذا العالم يبدأ بالموصل ويمر عبر بغداد الكرخ وصولا الى ابعد نقطة حيث يلتقي فيها النهران ،وتتلون الطبيعة التي تنبسط بشكل كبير على امتداد بلاد الجزيرة الفراتية حيث ثقافة زراعة القمح .. هناك سنجار جبلا وقصبة ومنحدرا في الشمال الغربي والتي تنبسط الارض فيها وصولا الى حوافي الفرات .. بلاد الجزيرة الفراتية لما بين النهرين هي النصف العراقي الاول ، وقاعدتها الموصل ، وهو اشهر مناطق العالم بزراعة اجود انواع القمح والشعير في العالم .. في حين يمتد النصف العراقي الثاني من وسط حتى جنوبي بغداد والمدعو ( ارض السواد ) . ولا يمكن مقارنة الكرخ بالرصافة ، فاذا كانت الرصافة قد اتسمّت بطابع شرق دجلة ، فان الكرخ قد اتسم بطابع غربي الفرات اكثر من دجلة نفسه .. ان حاصل جمع الكرخ بالرصافة قد شّكل بغداد العظيمة التي كانت مركزا حضاريا لعدة قرون ، وكانت ابرز عاصمة في الشرق الاوسط كله . وهي قوية صلدة في مواجهة التحديات عبر التاريخ ، ولكنها سريعة الاستجابة لكل التحديات ، اذ سرعان ما تمتص احزانها لتبرز وتشع من جديد . ان نقائض ثقافات العراق كله لما هو شرق دجلة ولما هو بين النهرين ولما هو غرب الفرات قد اجتمعت كلها في بغداد حيث تزدحم ثنائيات الاشياء ، وتجدها شاخصة في ثقافات بشرية لا حصر لها . لقد كانت بغداد عند القرن العشرين متحفا ثقافيا لا يمكن تخيله ، فلقد جمعت كل التنوعات الثقافية العراقية ، فهي مركزا يجمع كل الجيش ، وهي مركز يجمع كل الكليات ، وهي مركزا يجمع كل الشركات والاسواق ، وهي مركزا للسلطة وكل الاقاليم ..
نعم ، كانت بغداد مركز جذب للثقافات المتنوعة .. واستقطب كل من الكرخ والرصافة ثقافات المحيط الواسع الذي يدور حول بغداد .. ويقترب عند نقطة بغداد كل من نهري دجلة والفرات ، اذ تعد بغداد مركزا حضاريا حيويا وقلبا سياسيا نابضا بالحياة من قبل شريانيين أزليين للعراق نفسه .. عند نقطة بغداد ، تقترب ثقافة كل من النهرين على درجة كبيرة من المقاربة الجغرافية ، ولكن على درجة كبيرة من التضاد الثقافي ، فثقافة دجلة هي غير ثقافة الفرات ، ودوما ما تصطدم الاولى بالثانية على امتداد التاريخ ، وتخلق الثانية تحديات صارمة للاولى .. ثم تستجيب بغداد لتحديات هذه مع تلك ، لتمر بمراحل زمنية صعبة ، ومن ثّم تبدأ دورة تاريخية جديدة ! وكما هو حال بغداد ، يبدو حال الموصل كذلك اذ ان حركة الموصل وانشطتها المحلية تتجه نحو شرق دجلة دائما ، فالعلاقة عضوية حتى تفوق في القرن العشرين الجانب الايسر على الجانب الايمن بمساحته ، ولكن انشطتها الاقليمية والدولية ، فكانت مع غرب العراق وخصوصا مع بلاد الشام والاناضول .. واذا كانت تكريت لها دور في تاريخ العصور الوسطى ، فلقد مات دورها في العصر الحديث .. اما اغلب المدن الجنوبية لما بين النهرين ، فلقد عاشت ادوارها الكلاسيكية منذ سومر وأكد وبابل , وآشور ,, وصولا الى العصور الوسيطة اكثر قدرة ونشاطا من العصر الحديث ، اذ بدت مجتمعات ما بين النهرين اكثر انسحاقا ، واستطيع تقسيم كل من القسمين الاساسيين : بلاد الجزيرة وبلاد ارض السواد الى اربعة اقسام ، بلاد الجزيرة : القسم الشمالي من توابع الموصل والقسم الجنوبي من توابع بغداد . اما ارض السواد فهي الاخرى تنقسم الى قسمين اثنين يفصلهما خط تمتد عليه القصبات والبلدات التالية بدءا من الكوت الى كوت الحي الى قلعة سكر الى الرفاعي الى الشطرة الى الغراف وصولا الى الناصرية .  وآخر ما يمكنني الوقوف عنده من ثقافات ربما تكون مغلقة وربما كانت مهمشة هي ثقافة اليهود العراقيين الذين كان لهم دورهم ونشاطهم في العاصمة بغداد سواء في السوق ام في الفنون ، وكانت علاقتهم ببقية الناس على افضل ما تكون وخصوصا في السوق كابرع التجار والمهنيين والاطباء .. ويسجل البعض من اليهود العراقيين في ذكرياته صفحات مؤلمة لما كانوا يصادفونه من تهميش وسخرية واعتداءات من قبل بعض المتعصبين .. اما ثقافة الارمن العراقيين ، فهي مندمجة في العمل مع الاخرين ، ولكن لهم حياتهم المقفلة على انفسهم وتقاليدهم ولغتهم في بيوتهم .. ولم يصادف الارمن في العراق الا المودة والمحبة ، فكانوا ان اندمجوا مع العراق وخصوصا في الموصل وبغداد .
ثالثا : مناطق غرب الفرات
اما ثقافة غرب الفرات ، فهي ثقافة متسعات او فضاءات مندفعة لمئات الكيلومترات في اعماق البوادي .. ان الفرات هو الذي يستقبل في العراق كل ما يأتي من الجزيرة العربية ومن بلاد الشام ، فالاندفاعات نحوه كلها عربية ، وهي بدوية في الغالب منذ قبيل فتوحات الاسلام حتى يومنا هذا .. ومن هناك طريق زبيدة للحج الى مكة المكرمة .. ان ثقافة غرب الفرات هي ثقافة نهرية صرفة للمدن التي وقعت على شواطئه بدءا بدير الزور وانتهاء بالاهوار ، مرورا بالبو كمال وعانة وراوه وهيت وحديثة والدليم وصولا الى الفلوجة وابي غريب عند ضواحي بغداد الكرخ .. اي بمعنى ان السكان قلما يستوطنون بعيدا عن النهر على عكس سكان شرق دجلة الذين ينتشرون في كل الارض .. فاذا كانت ثقافات شرق دجلة ليست نهرية بالضرورة ، فان ثقافات غرب الفرات هي نهرية بالضرورة .. ولا حياة لما بعد الفرات .. اننا ان راقبنا حياة العراقيين لما يتدنى من الفلوجة والحبانية وبحيرتها ، لوجدنا ان حياة عراقية تذكر لولا العتبات المقدسة في كربلاء اولا والنجف الاشرف ثانيا وبينهما الكوفة ، وبين بحيرة الرزازة وصولا الى دير الرحبة ، فهي مفازات صحراء خالية من الحياة . ولعل ابرز ما يمتلكه غرب الفرات من ثقافة عراقية تتمثّل بتقاليد الشيعة العراقيين وطقوسهم العريقة .. فضلا عن كون العتبات العراقية المقدسة كانت وستبقى محجا للملايين من المسلمين الشيعة في العالم ، اضافة الى وجود المدارس الدينية والفقهية والحوزة النجفية كمركز حقيقي من مراكز الحضارة الاسلامية .
رابعا : جامعة الثقافات الثلاث
وتكاد تكون ثقافة البصرة هي جامعة للنهرين في نهر عراقي عظيم ثالث هو شط العرب ، ولكن الثقافات اقل تنوعا مما وجدناه في بغداد مثلا ، ولكن تنوعها الثقافي قد اكتسب مواصفات البر والنهر والهور والبحر ، وخلق منها انفتاحا على العالم ، ولكنه انفتاح جزئي لا يبتعد اكثر من المدينة نفسها ولواحقها المتنوعة كالتنومة غير العشار ، والزبير غير الفاو .. ان البصرة نافذة العراق على العالم ، وبالرغم من وقوعها على شط العرب ، الا ان البصرة هي البوابة الحقيقية لكل من تركيا وايران وبلاد الشام والعراق نحو الخليج والعالم كله . ان ثقافة البصرة هي انعكاس حقيقي ايضا لمجتمعها المتنوع والذي تسيطر عليه عروبة الناس من خلال امتداد اصولهم وتعلقهم بثقافتهم وفولكلورياتهم .. لقد كانت البصرة عند مفتتح القرن السادس عشر قد سماها العالم بـ فينيسيا الشرق نتيجة انفتاحها على العالم ومركزها التجاري في العالم ، ولكنها صادفت تحديات تاريخية على امتداد تاريخها الحديث ، ولقد انتعشت في القرن العشرين ، ولكن سرعان ما عانت من جغرافيتها كثيرا وخصوصا في تماسها مع ايران منذ اندلاع الحروب مع ايران حتى اليوم . وتشهد البصرة ولادة عدد كبير من المبدعين والمختصين والنشطاء والتجار ورجال الاعمال على امتداد القرن العشرين ، واغلبهم كان ينضج في البصرة ويبدع ببغداد ، كما هو حال اغلب مثقفي العراق في القرن العشرين .. اذ كانت شخصية بغداد طاغية على كل العراق .
ثمة جيوب ثقافية مغلقة وقديمة تمثّلها " الاهوار " في جنوب العراق ، والتي كانت مثوى انعزالي لسكان قدماء احتموا بالاهوار وعاشوا وسط المياه منذ الاف السنين ، بدءا بهور السعدية وهور السنية وهور الحويزة وهور الحمّار .. وتكاد تكون ثقافة جنوب العراق ، ثقافة جامعة نظرا لما تضمنته كل من مضامين دجلة والفرات في مكوّن واحد اسمه شط العرب ، فخصوصيتها لا دجلوية ولا فراتية ، بل انها خصوصية شط العرب نزولا نحو البحر .. علما بأن حدودها القديمة الادارية مع ولاية بغداد لا تبعد كثيرا في اعماق اتجاهين اثنين لا يشكّلان الا تحدّيا لخصوصيتها ، اولاهما امتداد العمارة عبر الاهوار باتجاه دجلة ، وثانيهما امتداد المنتفك عبر البر والاهوار باتجاه الفرات . وربما أجد اقترابا ثقافيا للبصرة مع دجلة والعمارة اكثر بكثير مما اجد ذلك باتجاه سوق الشيوخ والناصرية . ولا يمكننا ان ننسى ثقافة الصبّة المندائيين الذين يتميزون بكل العالم بقدم دينهم وعراقة وجودهم بالعراق وتواصل ثقافتهم المندائية .. انهم يعشقون العمل والماء والقراءة ..

المحور الثالث

الحصيلة : تحليل النتائج .. وعرض الاستنتاجات . ماذا نستخلص ؟
1. انسان ما وراء وما بين نهرين ..
اننا الان امام عدة مصورات وسلايدات لتوضيح أنواع كثيرة جدا من المعلومات على الصور الفضائية والخرائط والمصورات الارضية . لقد كان تأثير بناء المدن على ضفاف نهري دجلة والفرات ، ودجلة كم تغنى به الشعراء والأدباء وان الإغريق سموا دجلة ( تايكر / تايكرس ) ،  فله خواص النمر في سرعة جريانه وعذوبة مائه ، وهو مدمّر إذا فاض في الربيع إكتسح كل شيء ، معطيا للعراق سمته الحضارية ، لمناطق شرق دجلة تختلف عن مناطق ما بين النهرين ، وكانت مناطق إستقطاب للآشوريين ، وفيها من العادات والتقاليد لا حصر لها ، وأراضي خصبة جدا ، فيها البساتين والقرى ، وإنسانها منتج وحضاري إيجابي ، مقارنة بإنسان غرب الفرات الذي يقل إنتاجه نظرا لقساوة تربته وصحرائه ، هاربا إلى البادية دوما ، فنهر الفرات يدافع دوما ضد هجمات الاعراب وهو هادئ ومسالم ويسحب البداوة إلى العراق ، ونهر دجلة متحرك وسريع ويدعو الناس للإستقرار  والترسخ في الثقافة والأرض والتجارة والاتصال .
   ونرى بغداد الواقعة بين النهرين عندما يقتربا من بعضهما ، فهي عاصمة ثقافية متطورة ، والرصافة إتسعت والكرخ بقت على حالها لأزمان ، وأصبح الإنسان لا يفارق النهر وخصوصا دجلة ، وكانت ملايين النخيل منذ سومر حتى دمرتها الحروب الاخيرة ، كما تحطمت جغرافيات عراقية واماكن استقرار ومعابد .. اننا امام تباين ثقافات ويتضح تنوع الأزياء العربية والكردية واليزيدية والتركمانية والصابئة المندائيين والمناطق المسيحية لها أزياء معينة ، والبدو ، وما تبقى من تلك الآثار إندثر معظمها ، فضلا عن الموسيقى . ان الفولكلور هو صورة انسانية معبرة عن هذا التنوع العراقي الخصب ، وهو تعبير يوحي لنا بتباين متسع من ناحية العادات والتقاليد وبالتالي رسوخ ثقافات عريقة .. والثقافة في معناها العربي القديم مستنبطة من ثقف الشئ ، اي : حذق به ، ولقد وجدت ان كل منطقة عراقية قد حذق الناس فيها باشياء معينة ، وباستطاعتنا تصنيف ذلك بالتفصيل اذا تأملنا كل بيئة معينة من العراق وطبيعة ثقافة الناس فيها ..

2. العراق ومصر :
انني اعرض امامكم جدول بالارقام والنسب المقارنة بين كل من مصر والعراق ، وان الثقافة في الشرق الأوسط ترتكز على ركيزتين اساسيتين هي الثقافة في مصر والثقافة في العراق ، فظلت المنافسة بين الثقافتين عبر التاريخ إلى يومنا هذا في مجالات الفن والادب والمعمار والعلوم الإجتماعية والصحافة وعوامل الإنتاج  ، وكان العراق يقود ، وعندما يضعف تأخذ مصر دوره ، فتبدو هي التي تقود ، ويتوضّح  ذلك من خلال مخطط بياني للمقارنة بين مصر والعراق . ان التنافس التاريخي بين المركزيتين سياسيا وحضاريا قد اضاع جملة هائلة من القدرات .. لكنني اجد ان مصرا كانت دوما ملاذا للعراقيين عندما يهربون من العراق ، ولكن لم يكن العراق في يوم من الايام ملاذا للمصريين ابدا !
نبقى ضمن اطار معرفي كما ترون من تحليل عدة ظواهر اساسية تميز بها العراق ، فافترق عن غيره من البلدان .. فاذا ما قارنا بين العراق وبين مصر في جغرافيتهما الثقافية ، سنجد ان الالوان قليلة في مصر مقارنة بالالوان التي تحصى في العراق مع كونها صاخبة ومفترقة .. وهذا الامر دعاني الى ان اتابع مقارنة بين البلدين منذ العصور الكلاسيكية حتى اليوم .. اين هو التفوق في التنوعات العراقية ؟ اين هي الديمومة في الارث الحضاري ؟ كم من اللغات القديمة المستخدمة هنا مقارنة بهناك ؟ .. الخ

3. دعوة من اجل اعادة مركزية بغداد الثقافية في العالم
ان الجغرافية الثقافية للعراق الحديث تعلمنا بما لا يقبل مجالا للشك ان مركزية بغداد الحضارية والثقافية معا مؤهلة لأن تكون واحدة من المدن الثقافية في العالم اليوم .. والتي غاب اسمها من التصنيف العالمي للثقافة البشرية .. انني بهذه المناسبة ادعو الى العمل الدولي من اجل جعل بغداد مركزا ثقافيا في التاريخ الى جانب المراكز الثقافية الاخرى في العالم ، وها انا اعرض امامكم خارطة المراكز الثقافية في العالم وعلى العراقيين اليوم ان يثبتوا للعالم في القرن الواحد والعشرين على ان العراق يمكنه ان يكون من خلال مركزية بغداد واحدا من بؤر الثقافة في العالم . فهل باستطاعة العراقيين تحقيق هذه الغاية في ظل واقعهم المهترئ اليوم ؟ ان العالم الذي يهتم بالعراق اليوم استراتيجيا وسياسيا ، وقبل هذا وذاك اقتصاديا كونه من اغنى بلدان العالم بالبترول ..لابد للجيل الجديد ان يعيد التفكير في خصبه الثقافي من جديد ليكون واحدا من مراكز العالم الثقافية .
4. العراق هو الجاذب والطارد 
ان اسلوب الحياة عند العراقيين يختلف من مكان إلى آخر ، كما ان مثل هذا البحث في الجغرافية الثقافية ، يراقب الانسان العراقي وخصوصيته في اثراء الحركة الانسانية ، وقدرته في الابداع البشري والخطاب الادبي ووسائل التعبير وإختلاف الأزياء ، واللغة المستخدمة ، وإختلاف اللهجات ، ودور المرأة العراقية في القرن العشرين ، والأفكار الجديدة ، والنّخب والجماعات والتشكيلات الثقافية ، ودور الطبيعة والتضاريس ، لذلك فان العراق هو من احوج بلدان الشرق الاوسط للدراسة والبحث المقارن في جغرافيته الثقافية الغنية جدا. ربما نسمع صورة مشوهة عن العراقيين ، ولكن تبقى الآراء  تختلف حول الكثير من الأمور في حياة العراقيين : حول الموسيقى والغناء وحول التراث والفولكلور والعادات والتقاليد .. ولكل عراقي له ثقافة بيئية مختلفة ، وهذا لا ينسحب على النّخب المثقفة فقط ، بل على كل ابناء الشعب العراقي .ان العراق إكتسب أهمية قصوى لوقوعه في قلب العالم ، ويقع في قلب المجال الحيوي للشرق الأوسط ، ويقع بين خمسة بحار ( الخليج ـ قزوين ـ الاسود ـ المتوسط ـ الاحمر ) ، فهو بيئة مركزية مستقطب للناس وانواع البشر ، وكان هدفا اساسيا لدول وامبراطوريات ، وقد تعرض للهجمات على مر التاريخ ، فإختلف الناس عليه وخرجوا منه . نعم ، كان العراق يستقطب الناس على امتداد التاريخ ، ولكن وجدت الناس تغادره على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين وحتى الان بالالاف المؤلفة.  نعم ، أصبح الآن الناس تهاجر منه مرغمة إلى  بقية أقطار العالم ، ووراء ذلك جملة صارخة من  العوامل والاسباب المتنوعة ، اهمها : شراسة السلطة وانعدام الحريات واشتعال الحروب وفرض الحصارات وصولا الى الاحتلال وتداعياته المريرة .. ان الهجرة لم تكن لبشر واعداد من البشر فقط ، بل هجرة لثقافات واختفاء اقليات وانهيار معنويات وتبدد اجيال وخسران كفاءات واخفاق مؤسسات .. الخ
5. النخلة : رمز حضاري لكل العراقيين
    ان طبيعة العراق الجغرافية طبيعة متنوعة ومؤثرة ، ف

53
حوار موسّع وصريح* مع المفكّر العراقي سّيار الجَميل عن العراق : الواقع وطريق المستقبل

اجرى الحوار : القسم السياسي في اضواء العراق

المقدمات
استمراراً لما قامت به إدارة القسم السياسي في أضواء العراق، من استضافة الشخصيات السياسية للحوار معها حول الوضع السياسي في العراق، كان ضيفنا لهذه المرة هو المفكر والباحث والمؤرخ السياسي الشهير الدكتور سيّار الجميل، وكان حوارنا مع ضيفنا العزيز مطولاً وشاملاً، تناول جوانب تاريخية واجتماعية وسياسية من الوضع العراقي، وقد أسهب الدكتور سيّار الجميل في الحديث عن القضية العراقية من كل جوانبها، وتحدث بصراحة شديدة، وقاسية أحياناً، عن مكامن الخلل في الوضع العراقي الراهن، فكل الشكر للأستاذ الدكتور سيار الجميل المفكر والمؤرخ العراقي على هذا الحوار المفيد، وعلى اتاحته هذه الفرصة الثمينة ليتحدث للعراقيين عامة ولشريحة الشباب منهم بشكل أخص عن رؤيته لما يجري في العراق، فنقدم الشكرالجزيل باسم الأخوات والأخوة في أضواء العراق للأستاذ الدكتور الجميل على حديثه الشامل والصريح والمفيد، وعلى ما خصصه لنا من وقت وجهد..

نبذة عن حياة الدكتور سيار الجميل:

سيار الجميل استاذ التاريخ الحديث والفكر المعاصر…أحد أهم المفكرين العرب..تجربته العلمية والفكرية ثرية بثراء أفكاره حيث بلغ إنتاجه العلمي والفكري أكثر من عشرين كتاباً منشوراً وعشرات البحوث العلمية المنشورة في العربية والانكليزية. نشر المئات من المقالات الفكرية والسياسية والنقدية في العديد من الصحف العربية والاجنبية. ترجمت بعض أعماله الى الانكليزية والفرنسية والتركية. اكمل دراساته في الجامعات البريطانية عام 1982 ونال دكتوراه الفلسفة في التاريخ الحديث .. حصل على عدة جوائز دولية وتخرد على يدية العديد من حملة الماجستير والدكتوراه .. وهو عضو مزامل في عدد من المؤسسات الاكاديمية والمراكز العلمية والمنتديات الفكرية في العالم .
وهو خبير دولي في الدراسات الاجتماعية والثقافية لعدد من المنظمات وادار بعض ورشات العمل البحثية ووحدات البحوث ، كما شارك في كتابة موضوعات مختزلة للانسكلوبيديا الاسلامية والانسكلوبيديا التركية وموسوعة تاريخ الثقافة البشرية الحديثة ( اليونسكو.)
كما اشترك مع علماء آخرين في دراسات مشتركة ، منهم : سمير امين وبيتر بيرك وخليل انالجيك وغيرهم .
للمزيد عن سيرة ومقالات الدكتور سيار الجميل يرجى الدخول الى موقعه الشخصي
http://www.sayyaraljamil.com/Arabic/index.php


الحوار

1. دور المثقف، وبالأخص المثقف السياسي، في عراق اليوم، هل تجدونه غائباً أم مغيباً؟، وكيف السبيل لاستعادته بالشكل الذي يؤدي فيه دوراً فعالاً في الساحة السياسية العراقية؟

ـ المثقف العراقي موجود وله قيمته وقوته مقارنة بالمثقفين العرب اليوم ، ولكن صوته غائب او مغّيب ، فكيف اذن دوره ؟ المثقف السياسي العراقي اجده قد علمته التجارب المريرة كثيرا ، وعاش في خضم ازمات الصراع ، ولكن لا دور له الان ابدا لا على مستوى الفعل ولا على مستوى القرار ولا على مستوى المجتمع المدني .. واعتقد ان ثمة موانع تقف في وجهه ، بسبب قوة كلمته ، ومدى تأثيره في المجتمع ومدى نزعته في اعادة بناء المؤسسات .. وهذا ما يقف حائلا ازاء القوى السياسية المهيمنة على السلطة باسم ( الديمقراطية ) ، فضلا عن تهميش متعمد من قبل المحتل الذي لا يريد اي عامل ضغط باتجاه صنع عراق جديد .. اما بالنسبة لاستعادته وتفعيل دوره ، فليس من سبيل الا المطالبة بتجسير الهوة الكبرى بينه وبين الواقع السياسي المهيمن تحت مانشيتات معروفة .. المثقف الحقيقي هو المرتبط بارضه ومجتمعه ارتباطا عضويا ، فهو الذي يطالب بالتغيير على عكس اغلب السياسيين الذين لا تربطهم بالعراق الا مصالحهم الخاصة .. المثقف الحقيقي ليس طفيليا باستطاعته جلب اصوات ، او شراء ذمم ، او نشر مليشيا من حوله .. وعليه ، فهو الوحيد الذي يدفع دمه وحياته ثمنا اذا ما اراد التغيير بصوته او قلمه او رأيه وموقفه .. المطلوب تآلف كل المثقفين العراقيين في نخب فاعلة ومواجهة الواقع القائم مواجهة صريحة من دون اي انكسارات او تبعيات او مناورات او اي نفاق ومداهنات .. وليس للمثقفين العراقيين الا ان يستجيبوا للتحديات القاسية ولا ينهزموا من الميدان سواء كانوا في الداخل ام في الشتات . المشكلة ان المثقفين العراقيين في الخارج زادت معاناتهم كثيرا عّما كانت عليه في السابق .. فاذا كان حتى اليوم مهمشا في الداخل ، فكيف تريد الاخر ينظر اليه ؟

2. خمس وثلاثون عاماً مرت على العراق، من حكم الحزب الواحد، ثم حكم الشخص الواحد، صاحبتها فرض آيديولجية وثقافة واحدة على العقل العراقي .. هل يمكن تجاوز ذلك في سنوات قلائل؟ وما هو واجب المثقفين والأكاديميين في هذه المرحلة التي أنطلق فيها العقل العراقي الى فضاءات اوسع حتى وجد نفسه ضائعاً بين الكثير من الاتجاهات والآراء؟

ـ لقد كتبت ونشرت منذ العام 2000 ، بأن العراق بحاجة الى عشر سنوات على الاقل باستطاعة ابنائه ومثقفيه وسياسييه واكاديمييه التخلص من بقايا وآثار العهد السابق .. هذا كان على أمل ان تكون العملية قد سارت في الطريق الصحيح ، ولكن ما جرى ويجري حتى اليوم من تفاقم التناقضات الى الدرجة التي بات فيها الواقع العراقي متحولا من سطوة الاحادية والدكتاتورية الى شرذمة التقسيمات واشاعة الهويات على حساب المشروع الوطني الحضاري .. ناهيكم عن انقسام المجتمع السياسي العراقي الى قسمين اثنين : ديني ودنيوي .. فان انطلاقة العقل العراقي بحاجة الى سنوات اكثر ومدة اطول .. بمعنى الرهان على جيل جديد قادم . المشكلة ، ان الجيل العراقي الجديد يترّبى اليوم على اساليب تربوية واعلامية لا علاقة لها بأي مشروعات حضارية ومدنية .. وانه جيل منقسم على ذاته ايضا ، ويعيش فوضى جماعية من سطوة التناقضات التي خلقتها الاحزاب الدينية والمناخات التقليدية التي لا تستقيم ابدا وروح العصر . انني اعتقد ان مخاضنا العراقي صعب جدا ، اذا لم تحدث اية متغيرات جذرية على مستوى العصر ضد التخلف وتبعية الماضوية ، وانفتاح مجتمعنا على العالم انفتاحا معرفيا وفكريا .. وتخليصه من آفات الاعلاميات والفضائيات العربية والعراقية . ان العقل العراقي الذي عاش مكبلا طوال خمسين سنة ، لابد ان يتحرر ليس من ايديولوجية الحزب الواحد ، بل ان يتحرر ايضا من تناقضات الاحزاب الدينية والاتجاهات الانقسامية الشوفينية والطائفية والعشائرية والقبلية .. دعنا ننتظر المرحلة القادمة ، فربما تحدث متغيرات على الواقع ، وتبدأ الدولة بتشريع قوانين معاصرة .. بالرغم من انني لا اتوقع حدوث ذلك بمنتهى السهولة ، فبنى التخلف صلدة غير قابلة للرضوخ على عكس مجتمعات اخرى هي رخوة ، ولهذا ترضخ للتغيير شاءت ام ابت !

3. يصنف البعض كل الحكومات العراقية التي حكمت العراق منذ نهاية ثورة العشرين بأنها اتبعت منهجاً طائفياً عدا حكومة المرحوم عبد الكريم قاسم التي اختطت لنفسها خطاً وطنياً، فما رأيكم في هذا التصنيف؟، وما هي أسباب وجود هذا المنهج؟

ـ انني في الحقيقة ، اسخر جدا من هذا التصنيف الذي يأتي على افواه البعض ممن لم يمّيز بين الدولة والمجتمع ، ولم يميز ايضا بين الوطن والشعب .. علينا ان لا نخفي الاشياء الراسخة في مجتمعنا ، ونّصب كل اللوم على الحكومات العراقية السابقة .. الطائفية موجودة في العراق منذ خمسة قرون ، والمجتمع منقسم على نفسه قوميا وطائفيا ودينيا ولم يكن يعرف اي معنى للمواطنة .. وعندما تأسست الدولة العراقية ، وكانت علمانية منذ تأسيسها ، فكان لابد ان تتأّثر الدولة بكل امراض المجتمع .. ولكن لو كان تأسيس الدولة طائفيا ، لما نجح مشروع فيصل الاول في تكوين العراق الحديث .. ولما وجدنا هناك نزعة وطنية غرست في وجدان العراقيين ، ولم تكن موجودة في الماضي .. ولما وجدنا نضوج احزاب وطنية اشترك فيها كل العراقيين .. ولما وجدنا اي تطورات ابداعية على ايدي جماعات وتشكيلات ثقافية لم تعرف للطائفة اي عنوان .. ولما عرفنا اي معنى للشراكة في الحياة العراقية السياسية والثقافية والتجارية والتربوية وفي كل الميادين ، وما عهد الزعيم عبد الكريم قاسم الا قفلة لذاك العهد الاول الذي ناضل الجميع فيه من اجل العراق .. انني لا انزه اي عهد من العهود من اخطاء ، والاخطاء ترتكب في اي تجربة ، فالعراقيون ليسوا بمعصومين عن الاخطاء ! ان العلة في المجتمع لا الدولة حتى العام 1963 عندما تغّير جلد الدولة ليتلون بالوان المجتمع . انني لا انّزه اي عهد سياسي في العراق من الاخطاء ، ولكنني لا اقبل ان يصبح الخطأ خطيئة ، ويغرق العراق في بحر من الخطايا . ربما كانت هناك تجاوزات ومثالب قد تحدث هنا او تجري هناك ، ولكن لم تتدّنى الدولة الى اي مستنقع طائفي معلن ، اما في الخفاء ، فالله هو وحده العالم بالسرائر .. لم تحدث هناك اية نزاعات طائفية او حروب داخلية كالتي عاشها لبنان مثلا منذ 300 سنة ! وفي اقسى حرب طويلة عرفها العالم في الثمانينيات بين العراق وايران ، لم يصارع العراقيون بعضهم بعضا لاسباب طائفية ، برغم اتساع الفجوة ، بل الهوة بين الدولة والمجتمع . ان هذا التصنيف هو دعوة صريحة لايجاد مبررات للصراع الطائفي اولا ، ودعوة صريحة ايضا لتقسيم العراق .. اي استغلال اخطاء وخطايا الدولة والمجتمع معا لشرعنة تقسيم الوطن . اذ يدرك الجميع ان العراق وطنا عصي على الانقسام جغرافيا وتاريخيا ، فمن الهين ان يؤسس لتزوير التاريخ من اجل شرعنة الطائفية علنا هذه المرة ، وشرعنة تقسيم العراق .. والطائفية مبدأ يغالي به كل صاحب مذهب على غيره ، وهو فعل لهذا ورد فعل لذاك ، او بالعكس .. وسيبقى العراق يعاني من هذه النعرات لازمان ، ان لم يؤسس لمشروع وطني مدني لا يمكنه اجتثاث الطائفية ابدا ، بل لتحجيم دورها وتفاعلها في كل من الدولة .. اذ لا يمكن الا ابقائها في المجتمع .. اود القول ايضا : مهما اطلنا ورددنا القول بادانة الحكومات العراقية السابقة في القرن العشرين .. فسوف لا نغّير من الامر شيئا ، اذ سنبقى ندور في الحلقة نفسها ، خصوصا وان المحاصصات باتت معلنة اليوم ، وان التخندقات باتت رسمية على مستوى كل الحياة الرسمية والعامة اليوم .

4. هل ترى وجوب اتباع العلمانية حلاً للتعدد الطائفي والإثني في العراق، مع وجود أغلبية مسلمة متمسكة بتقاليدها الاسلامية؟

ـ علينا ان نعلم بأن الطائفية شيئ والاسلام شيئ آخر .. وان الوطنية شيئ والاثنية شيئ آخر .. ان العلمنة لا تجتث كل هذا او ذاك ، بل تّحجم من ادوارها جميعا . العلماني يفصل بين كل هذا الموروث وبين مشروعه الوطني . انه يفصل بين السلطات ، فكيف لا يفصل بين السلطات وبين هذه التقاليد والنزوعات الموروثة . علينا ان نعلم بأن الطائفي ليس شرطا ان يكون متدينا سنيا كان ام شيعيا .. انه طائفي ، اي انه يتملكه الغلو لطائفته او مذهبه .. وعلينا قبل ان نسأل قبل كل شيئ : هل ان هذه الاغلبية المسلمة المتمسكة بتقاليدها ( الدينية ) هي متوحدة على مذهب واحد وطقوس واحده ومرجعية واحدة وتقاليد واحدة .. ؟ الجواب : كلا ، فكيف يمكن ان تجمع الكل في حكم اسلامي واحد للعراق ؟ انني أسأل : متى حكم العراق حكما دينيا على امتداد العصور ؟ ان كل عراقي يعتز بمشاعره الدينية ، ولكن لا يمكن حكم العراق بمشاعر دينية وبتقاليد موروثة .. اذا كان العراقيون لهم مواريثهم المدنية والحضارية وتواريخهم السياسية على امتداد العصور .. فمن الصواب ان يبتعد اصحاب العمائم واجندتهم عن حكم العراق .. كي يستقر العراق . ان العلمنة والحكم المدني والدستور المدني ينبغي ان يوفر الفرص والحقوق متماثلة للجميع من دون اي تمايزات اثنية او دينية او طائفية ، فلماذا الاصرار على ان يكون اصحاب العمائم هم حكام العراق ؟ اما اثنيا ، فاننا لو رجعنا الى الدولة العراقية منذ تأسيسها عام 1921 حتى 1968 ، واحصينا اعداد القضاة والضباط والمديرين والمهندسين والاساتذة الجامعيين والفنانين من الاكراد العراقيين مثلا ، لوجدنا كم هي نسبتهم عالية في الدولة على امتداد عقود القرن العشرين .

5. انقسم العراقيون بصورة عامة بعد سقوط النظام الى قسمين رئيسيين، قسم منهم مؤيد للنظام الجديد وعملية التغيير، وقسم ضد التغيير ويرى ان النظام السابق على مساوئه أفضل من النظام الحالي.. ترى هل سبب ذلك مجرد مصالح ذاتية أم أسباب أخرى؟

ـ انه انقسام لم تسببّه المصالح الذاتية فقط ، بل اعتقد انه انقسام لم يدم طويلا ، وهو وليد عوامل سايكلوجية اكثر منها ايديولوجية .. انه انقسام لابد ان يكون بسبب وجود المحتل الامريكي على التراب الوطني .. ولم ير العراقيون اي محتل منذ الاربعينيات .. انه انقسام بسبب عدم وجود ثقة قوية بين الحكام الجدد ( قوى المعارضة سابقا ) .. انه انقسام ، علينا ان نعترف به ، سببه التصنيف الجديد للعراقيين على اساس طائفي ( سني وشيعي ) وكردي .. اي على اساس النتائج التي قاد اليها تقسيم العراق على اساس المكونات الاساسية الثلاث ( شيعة ـ سنة ـ اكراد ) واهمال المكونات الاخرى من دون اي مشروع وطني يجمع عليه كل العراقيين في مكون واحد .. انقسام سببه اساءة التصرف بمصير العراق بعد لحظات السقوط وسحق مؤسسات الدولة .. وغير ذاك . ان من السذاجة والبدائية اخذ الامور كون العراقيين مع نظام جديد او قديم من دون التحري عن مصير مجتمع بالكامل .. ماذا لو احتضن هذا المجتمع من دون اي عناصر للتفرقة او الاخذ بالثارات او بث الاعلاميات الجارحة للمشاعر او الاصرار على جعل العراق ينقسم طائفيا وكرديا على اساس فيدرالي ، وكأنه مشروع لتقسيم العراق على اساس بشع لا يمكن احتماله .. ان العراقيين بقوا اشهرا يترقبون شيئا وطنيا ، ولما ضاع الامن والنظام وتبعثر العمل وزاد القتل والخطف وتاهت البلاد ، فقد الامل ، بالضرورة فان اي عراقي بسيط سيقول : " والله كّنا في ظل النظام السابق افضل حالا " . انها نتيجة واضحة من نتائج ما جرى في البلاد سواء صحّت المقارنة ام لم تصح ، فابن الشعب يريد امنا واستقرارا ليعيش ويعمل ويكد ويرتاح في بيته وفي المقهى والشارع وهو لا ينتظر امتيازا او منصبا او جاها او حراسات او مناطق خاصة .

6. هل تعتقد أن السلطة الحالية في العراق الجديد تستطيع أن تتجاوز أخطاء السلطة في عراق ما قبل الاحتلال الأمريكي؟ حينما كانت الدولة تمتهن المجتمع؟ وهل ترى بوادر أمل –وإن كانت ضعيفة- في أن هناك تغييراً حقيقياً سوف يتم في عراق ما بعد 2003؟

ـ الدولة ما بعد 2003 هي غير الدولة ما قبل هذا التاريخ . لا يمكننا ابدا مقارنة وضعية الامس باليوم . بالامس امتهنت الدولة المجتمع ، وغدا كل المجتمع في خدمة الدولة ، بل وخدمة السلطة العليا بالذات ، بل في خدمة الذات العليا على وجه التحديد .. الدولة اليوم مفتقدة وليس في مقدورها السيطرة على العاصمة وحدها .. علينا ان نكون واقعيين . الدولة السابقة كانت بيد صانع قرار واحد يخضع لمشيئته الجميع ويرتعب منه الجميع .. الدولة الحالية هي مرتهنة في العديد من قرارات لابد لها ان تصنعها او تسير على هداها ، ويا ويلها ان خرجت عنها .. هناك اجندة امريكية لا يمكن تجاوزها بفعل الاحتلال .. هناك قادة احزاب لا قادة دولة والرهانات للاحزاب والتحالفات اكبر بكثير من مشروع الدولة .. هناك اليوم سعي من قبل بعض العراقيين المخلصين لخدمة العراق دولة ومجتمعا ، ولكن تمنعهم خطوط حمر لا يمكنهم ابدا ان يتعدوها .. ولكن هناك اليوم سعي محموم للتمتع بالسلطة اكثر من السعي لتقديم الخدمات للمجتمع .. ان من اخذ فرصته في الدولة وفشل ، عليه ان يغادر ليفسح المجال امام غيره ليأخذ فرصته فربما كان اكثر حراكا واخلاصا ونشاطا وجرأة وقوة .. في النظام السابق هناك لص كبير هو الذي يوزع حصص السرقات على اناس معلومين محسوبين عليه .. اليوم هناك عصابات من اللصوص غير معروفين .. الذين لا تنفع معهم لا هيئات نزاهة ولا لجان تحقيق ولا حتى شرطة انتروبول .. اليوم ، مجرمون اقحاح يعتقلون ويفرج عنهم ليمارسوا كل الشناعات بلا اية احكام رادعة .. ان المجتمع العراقي اليوم بحاجة الى ضبط وربط من نواح عديدة .. يمنح كل الحريات لممارسة انشطته ، ولكن يطبق القانون في كل شبر من ارض العراق .. ان ارادت الدولة اليوم ان تكون مهابة ومقتدرة ، عليها ان تحلّ كل المليشيات ومظاهر التسلح في كل شبر من ارض العراق .. عليها ان تبني الجيش العراقي وتسلحه باحدث وأقوى انواع الاسلحة .. عليها ان تنشئ قوات درك لضبط الامن في كل المحافظات سواء كان ذلك في شمال العراق ام في جنوبه .. عليها ان تضرب بيد من حديد على كل القتلة والمجرمين والخاطفين والجواسيس والمقنعين .. عليها ان تحرم اختراق الجيش والدرك والشرطة من قبل الاحزاب والمليشيات السلطوية فالولاءات لها لا للدولة .. هذا كله وذاك لا يمكن تحقيقه الا في ظل تغيير لبنود الدستور ، فتغيير تلك " البنود " ضرورة اساسية . ان الذي اوصلنا الى هذه الحالة من الضعف بعض بنود الدستور التي لبت مطاليب احزاب وقوى معينة على حساب مشروع الدولة الحقيقية . لقد وقفت مع بعض الشخصيات الليبرالية العراقية ضد شرعنة هذا " الدستور " ، وقلت عام 2005 على شاشات التلفزيون بأنه " دستور يحمل تابوت العراق " ، فهاجمني كل من في السلطة .. ان " مشروع الدولة الحقيقية " لا يمكنه ان يكون مركزيا ظالما ، ولكن بالوقت نفسه لا يمكنه ان يكون خراعة خضرة ! عليه ان يكون لا مركزيا ضمن قانون يضمن حقوق الجميع في كل محافظات العراق واقليم كردستان معا .. ويخضع الكل لارادة الدولة الام .

7. تقول في كتاباتك ان الوعي غائب عن معظم شرائح المجتمع العراقي.. فما هو سبب ذلك؟ هل هناك من منهجية معينة من أجل زرع الوعي فيهم؟

ـ لقد غادرنا النظام السابق في العراق وترك فراغا هائلا يصعب ملأه بسهولة ، والعراق بحاجة الى سنوات طوال كي يتمكن من ملأ الفراغ السياسي والفكري والتربوي .. هذا ما قلته ونشرته قبل سقوط النظام السابق . ان الوعي المغيب حالة متبلورة منذ اكثر من ثلاثين سنة ، بل من اربعين سنة 1963 – 2003 .. العراقيون لا يمكن ان تزرع فيهم وعيا جديدا ، فالوعي ليس لباسا جديدا او قناعا بديلا .. الوعي بحاجة الى سنوات طويلة ، يشعر فيها الانسان بقدرته على كشف الصواب من الخطأ ، وعلى تكوين ارادته التي لا ينساق من دونها وراء هذا او ذاك .. الوعي بأن تشعر بتحديات المستقبل اكثر مما تعيش وانت تلوك الماضي صباح مساء .. الوعي انك تستطيع ان تنتخب من تراه صالحا من اخيار الناس واذكاهم للادارة والاعمار وصنع القرار .. وان لم تجده لا تنتخب .. الوعي انك لا تعيش هوس الشعارات وتشعر بانك منفوخا اكبر من حجمك وانت لا بدايل لديك في ان تكون او لا تكون .. الوعي انك تعرف حجمك عندما تخاطب العالم والاقليم ودول الجوار .. الوعي انك تعرف اين يرتبط مصيرك هل باهلك ووطنك ام بغيرهم .. الوعي انك تعيش في عصر وتنادي من اجل دولة تحمي مصالحك وتخدم حياتك لا من اجل ان يتكالب المرء على السلطة والجاه والمال والحرس والانتماءات ضمن محاصصات وتحالفات غير سياسية .
تريدني زرع وعي جديد من خلال منهجية معينة . وهل الوعي له منهجية واحدة كي يزرع كالحنطة والشلب ؟ ان الوعي يبدأ من حيث يبدأ النظام والتربية والتعليم والانفتاح وان يخرج الانسان من سجن تقاليده البالية .. وان يخرج من شرانقه التي حبسوه فيها .. وان يبدل سايكلوجياته بالكامل بحيث يشعر بعراقيته قبل ان يشعر باي انتماء يسبق ذلك .. وان يصنع ارادته بنفسه قبل ان يصنعها الاخرون له .. وان يؤمن بأن الدين ينبغي فصله عن السياسة ولا عمل لرجال الدين في الدولة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية .. عملهم للامر بالمعروف والنهي عن المنكر في اماكن وجودهم فقط ، اي يكون عملهم اخلاقي لا سياسي وان يكون علماء الدين الكبار مصدرا كي يسأل المجتمع وهم يجيبون ولا علاقة لهم لا بسياسة الدولة ولا بمؤسساتها .. الوعي اكبر من ان نتخيل حجمه .. ربما لا نجده في مجتمعات اخرى والامور هناك تسير بصورة حسنة ، فربما كانت الدولة قد اشبعت حاجات الناس كلهم ، فلم يعودوا يسألوا عما يمكن ان يكونوا عليه .

8. تدعو في كتاباتك الى تفكيك المؤسسات العشائرية والقبلية والأحزاب الدينية والأعراف الاجتماعية البالية، فيما نلاحظ أن الدولة اليوم عادت واعتمدت على المؤسسة العشائرية في محاربة التنظيمات الإرهابية والميليشيات، وأثبتت التجربة أن العشائر هي التي استطاعت محاربة القاعدة وتثبيت الأمن. فكيف تجد مثل هذه المفارقة في عودة الدولة الحديثة الى الاستعانة بالعشائر؟

ـ جرى ذلك بحكم ضعف الدولة ومؤسساتها .. لو كان هناك دولة له قدراتها لما احتاجت لا الى عشائر ولا الى قبائل . ومن قال ان دولتنا حديثة في مؤسساتها واجهزتها ودستورها ورجالها .. ؟ انها دولة ضعيفة جدا تحكمها الاحزاب ولا تحكمها المؤسسات .. تتصارع عليها المصالح ولا تتنافس فيها النخب .. تتوزع فيها القرارات ولا تتشكل عنها المفاهيم .. هل هناك عاقل في القرن الواحد والعشرين يعتمد على عشائر لفرض الامن الداخلي ؟ ربما كان ذلك في العراق والعراق محتل من قبل قوات اقوى دولة في العالم .. فالصراع ليس داخليا بقدر ما هو صراع دول في داخل العراق . وهل نصدّق ان العشائر قد حاربت من دون انتظار اثمان ؟ انها تريد الثمن .. ولا تكتفي بمال او سلاح بل طموحها السلطة . فهل هذه معادلة معاصرة برب السماء ؟ . ان المؤسسات العشائرية والقبلية موجودة في العراق منذ ازمان سابقة وقد حاربتها كل الاحزاب التقدمية منذ اكثر من خمسين سنة .. فهل من الصواب ان اقبل بعد خمسين سنة سلطة عشائرية في بلاد يقال عنها انها كانت موطن حضارات وقانون ؟ قد تقول : ان للضرورة احكام ، وما دامت العشائر قادرة على شل الارهاب ، فلم لا يستعان بها ؟ اقول لك : وهل كانت البادرة عراقية ام امريكية ؟ ان الامريكيين هم دفعوا ويدفعون .. ؟ علينا ان لا نكون كالنعامة نخبئ رأسنا في التراب وكل اشلائنا عاهرة .. قبل ان تكون العشائر هنا او هناك لها اعرافها وسمعتها وبعد ذلك ادوارها في خذلان الارهاب .. الم يكن بعض ابناء تلك العشائر مطاردين وسفاحين وقطاع طرق وارهابيين وقتلة على الهوية وخاطفين وممارسة كل الفاينات ـ حسب كل البيانات التي كنّا نسمعها ـ ؟؟ والشيئ نفسه ينطبق على بعض المليشيات التي تحتل اليوم مواقعها في الدولة الجديدة وتاريخها يشهد ان اياديها كلها ملطخة بدماء الشعب العراقي . عندما تقول لي ان هناك مشروعا وطنيا عراقيا في التغيير الجذري ويقضي على كل الموبقات التي لم تزل موجودة منذ خمسين سنة .. ساصفق لك واقول نعم صدقت ورب الكعبة .

9. اتخذت معظم الدول العربية –أنظمة وشعوباً- مواقف عدائية حادة من العراق وشعبه بعد سقوط النظام السابق، بل أخذ الكثير منهم في دعم الحركات الإرهابية داخل العراق، فما هي رؤيتكم وتفسيركم لهذه المواقف؟ ولماذا كل هذه العدائية ضد شعب العراق والتباكي على مجرم دمر العراق والمنطقة؟ هل لأسباب طائفية، أم لخشية من تجربة ديمقراطية وليدة؟ أم معارضة للوجود الأمريكي في المنطقة؟

ـ هناك اسباب عديدة ومعقدة في طبيعة العلاقة العربية العراقية خلال الخمس سنوات الفائتة .. ليس الدول العربية وحدها ،بل هناك دول عديدة بانظمتها وشعوبها ولا استثني من ذلك ايران وبعض دول العالم الاسلامي .. للسلطات حسابات معينة وللشعوب حسابات من نوع اخر قد تتلاقى حينا وقد تفترق حينا آخر ..الشعوب ببساطة منها المخدوعة ومنها التي تجتر الشعارات ومنها التي لا تدرك وتخلط بين الامور نتيجة قلة المعلومات او انعدام الوعي الذي تحدثنا عنه .. ناهيكم عن الشعور بالمصالح ..ولكن علينا ان لا نظلم الشعوب .. لقد سمعت بأن اساءات قد الحقت بعراقيين في دول عربية معينة .. ولكن ثمة دول عربية اخرى تجد الشعب يحب العراقيين .. فالامور نسبية ..اما سياسات الدول فثمة اجندات مختلفة ، هناك هواجس من دور الامريكان في العراق .. هناك هواجس من انتقال العراق من الايديولوجية القومية الى الايديولوجية الدينية .. وفي الحقيقة ، هناك هواجس تقول بأن" الشيعة " تحكم العراق اليوم .. ومن الخطأ ان ينظر العرب هكذا نظرة الى الشيعة العرب من العراقيين ، لأنهم بذلك يعمقون الهّوة والانقسام في المجتمع العراقي نفسه. هناك شعور بهيمنة صدام حسين عليهم حتى وهو في قبره ..هناك هواجس من ان يكون العراق قوي في يوم من الايام .. هناك وهناك . ان الرؤية قد تغيرت ما دام العراق لم يعد يصنف نفسه دولة عربية ، بل انه مجرد دولة شاركت في تأسيس جامعة للدول العربية ! والحياة العربية مجموعة مصالح ومنافع وتاريخ من الابتزازات والتحالفات والصراعات . فليس غريبا ان اجد ذلك في العلاقات العربية العراقية . ان العراقيين عندما ينتصرون لأنفسهم بحيث اجد علاقاتهم الداخلية على افضل ما يكون ، سيسعى اليهم الاخرون من كل الاطراف يبتغون رضاهم .

10. كيف يمكن استعادة الثقة المفقودة بين العراق ومحيطه العربي؟

ـ كما قلت لك قبل قليل في جوابي على السؤال السابق ، واسمح لي ان اضيف قائلا : عندما يتحرر العراق من وجود قوات احتلال وعندما يتفوق في تقدمه سيجد غيره في حاجة اليه .. عندما يتوحّد في مشروع وطني عراقي ولا يعلن عن اية انقسامات ومكونات .. عندما يستعيد العراقي ثقته بنفسه اولا .. عندما يصبح المجتمع العراقي يستعيد الثقة بين ابنائه ويتخلص من انقساماته والرهان عليها .. عند ذاك نطالب باستعادة الثقة بين العراقين والعرب . دعني اتوقف قليلا عند حالات كارثية تجعل بعض الدول والمجتمعات العربية تضيق ذرعا بالعراقيين ومشاكلهم ، ليس لاسباب سياسية ، بل لاسباب اخرى .. ان الثقل العراقي اليوم يتوزع على دول عربية معينة وخصوصا في سوريا والاردن ولبنان والامارات ومصر واليمن .. فضلا عن جاليات عراقية ليس بقليلة في دول عربية اخرى .. ان الاوضاع السيئة التي يعاني منها بعض العراقيين في مثل هذه البلدان لم يكن مسؤولا عنها احد في هذه الدول ! ان الاغلبية تعيش في حرمان وبؤس ، ولكن هناك الالاف من العراقيين ممن يمتلكون الملايين من الدولارات يعيشون في مثل هذه البلدان عيشة خيالية ، ومن يرى اشكالهم القميئة والسوقية لا يتوقع انهم يسحبون الملايين معهم من العراق .. ان افعال هؤلاء المشينة تكفي لكي يحترق من خلالهم الطيب من ابناء الجاليات ! ان ثمة حالات من السرقات والاحتيالات وعمليات النصب التي يقوم بها عراقيون .. لا يمكن ان يتصورها احد .. كلها تسجّل ضد سمعتنا كعراقيين ! ان الفتيات العراقيات اللواتي تجدهن منتشرات في مدن عربية وهن مبتذلات ساقطات قد ساهمن بقسط كبير من الاساءة للمرأة العراقية ! ثمة جرائم وجنايات يقترفها عراقيون رجالا ونساء قد عّمت على مكانة العراقيين في اغلب المجتمعات العربية .. علينا ان لا ننسى كل هذا في تقييمنا للدور العربي الذي ربما ننتقده حيال مواقفه سياسيا ، ولكن علينا ان لا ننسى ما يقترفه البعض من العراقيين في بلدان تختلف مجتمعاتها عن مجتمع العراق .

11. هل ترى أن مشكلة العراق اجتماعية قبل أن تكون سياسية؟ هلاّ ذكرت لنا وجهة نظركم تجاه هذا الأمر بشئ من التفصيل؟

ـ طبيعي مشكلة ( او : مشكلات ) العراق اجتماعية قبل ان تكون سياسية .. هذه حقيقة ينبغي ان يدركها الجميع ، وان كل المشاكل السياسية طوال تاريخ العراق المعاصر هي انعكاس فاضح لما في المجتمع العراقي من معضلات يصعب حلها كثيرا اليوم بعد كل ما تراكم من اخطاء وما مورس من خطايا .. ان الصراعات السياسية والاقتصادية .. القومية والاقلياتية السكانية هي اجتماعية لمجتمع متنوع ليس في ثقافاته ، بل حتى في هواجسه وافكاره وطموحاته . وهناك ثلة من العراقيين ساسة وحكماء ادركوا هذه الحالة ( او : بالاحرى الظاهرة ) ولم يكن باستطاعتهم فعل شيئ ، لأن علاج ذلك لا يتم ابدا باصدار قرارات او بيانات او تصريحات او كتابة مقالات .. ان ظاهرة المجتمع العراقي لا يمكن تشخيصها بهذه السهولة في مثل هذا الجواب على سؤال مهم وخطير للغاية .. انها بحاجة الى فصول وابحاث ومقارنات .. ولكن دعني اختصر المسافة قليلا لاعود بك الى محاضرتي التي القيتها عام 2005 في غاليراي الكوفة بلندن عن تناقضات المجتمع العراقي وستجد حزمة من التحليلات ناهيكم عن مقالات ودراسات اخرى اوضحت فيها خلل في الثقافات التي لا تتلاقى بسرعة .. هناك صراع بين ثلاث بنى اجتماعية عراقية لم تزل قيمها متصادمة حتى اليوم وغير متلاقية تتمثل بالحضر في المدن الكبيرة الذين تبدلوا عما كانوا عليه قبل خمسين سنة ، والريف في المناطق الزراعية الذين انتشروا في المناطق الحضرية . وهناك البدو الذين يحملون قيمهم القبلية حتى اليوم حتى وان استقروا في مناطق واحياء مدن .. في كل نسق من هذه الانساق المشكلة للبنية العراقية صراعات من نوع ما ، قد تكون طبقية او تجارية او حرفية او رعوية او اروائية .. الخ هذه كلها ترجمت في اكثر من واقع سياسي سواء كان ذلك في العهد الملكي ام العهود الجمهورية .. وبدل ان تكون مؤسسات الدولة الرسمية وشبه الرسمية بعيدة عن كل امراض المجتمع ، غدت مؤهلة لكي تحمل كل البلاء .. بدءا بالاحزاب وانتهاء بالاجهزة الرسمية وشبه الرسمية وحتى النقابات والتكتلات .. هناك تواريخ متعفنة من المحسوبيات والمنسوبيات وهناك الوساطات والتجاوزات .. هناك وهناك . ان صراعات البعثيين مع الشيوعيين العراقيين كنت اتمنى ان تبقى في اطار ايديولوجي وسياسي ، ولكن غدت صراعات اجتماعية ودموية وبعد التي واللتيا بين الطرفين تلاقيا في جبهة حملت تشظياتها في دواخلها .. كنت اتمنى ان يبتعد العراق بعد مرور خمسين سنة عن الشلليات العشائرية والانحيازات الطائفية وعن كل الكراهية بين القوميات والاقليات وعن اوضاع لا تعد ولا تحصى .. ولكن هذا لم يحدث ، بل زاد وتفاقم بفعل سوء السياسات التي مورست في العراق . هناك من يهرب من واقعه السياسي والاجتماعي ليقول بأن الاستعمار هو السبب في هجمان بيت العراق من دون ان يسأل نفسه سؤالا واحدا : باستطاعة الاستعمار ان يخلق افرادا وبعض جماعات من اصحاب الخسّة ، ولكن هل باستطاعته ان يخلق طبقات محرومة ومليشيات قاتلة ؟ هل باستطاعته ان يّحول بعض ابناء الشعب من ملائكة الى مجموعة قتلة واشقياء ؟ هل باستطاعته ان يخلق موجة من المتغيرات ولكن ليس باستطاعته ان يخلق موجة من الظواهر ..

12. يزخر العالم بالعديد من الكفاءات العراقية التي يتمناها أي بلد، ولكنها مع الاسف هاجرت العراق وربما للأبد، فما هو السبب وهل من سبيل لمنع تدفق العقول العراقية الى المهجر؟ ولماذا نجعل كل الكفاءات والنخب العراقية تعاني ونراها محاربة حتى تضطر الى الهجرة او الموت؟

ـ منذ خمسين سنة واذكياء العراق يهاجرون .. وقد ازدادت الهجرة كلما كان يتقدم العراق نحو النار .. اليوم العراق في محنة كبيرة ، فلقد انفق على ابنائه امواله لكي يجد الابناء قد تبددوا هم ومن معهم .. هناك جاليات عراقيات في المهجر اليوم لا يمكنها ان ترجع الى العراق ابدا ، بحكم اندماج ابنائها بالمجتمعات الاخرى .. لقد ولد صراع جديد منذ زمن بعيد بين مجتمعين عراقيين ، مجتمع الاصل في الداخل ، ومجتمع المنفى في الخارج .. اعتقد ان الصراع من طرف واحد ، ذلك ان ابن الخارج عواطفه دوما مع الداخل بل ووقف مع محنة الداخل ايام الحصار وايام الحرب ، ولكن ابن الداخل يحمل هواجسا مريبة في الاخر ، كونه لم يشاركه الامه ونضاله وكل المأساة .. تسألني عن سبب هجرة الكفاءات وهي عدة اسباب لا يمكن ان تخفى على العراقيين ، ولكن المأساة ان الهجرة لم تقتصر على ابناء الكفاءات وحدهم ، بل طالت حتى التجار والمزارعين والحرفيين والموظفين العاديين وحتى المتقاعدين من كبار السن .. الخ ان الاسباب التي كانت وراء نفرة العراقيين من البقاء في العراق ليست سياسية بحتة ايضا ، بل غدت اجتماعية ، بعد ان تفاقمت الصراعات الى درجة الهروب الجمعي .. هذه حالات لم تعان منها شعوب اخرى ابدا وبمثل هذه الماراثونات القاتلة . صحيح ان هناك شعوبا قد اضطهدت وهاجرت عن ارضها كالارمن والفلسطينيين مثلا .. او ان تجد ان هناك مشروعات هجرة كي يتجمع شعب في مكان معين كالذي فعلته الحركة الصهيونية باستئصال اليهود من مواطنهم وتجميعهم في ( وطن سليب ) .. ولكن العراقيين مشكلتهم بالعكس ، انهم تبددوا في الشتات . وان كلا من الارمن والفلسطييننين تختلف مآسيهم عن مآسي العراقيين كثيرا .

13. هل يصح أن نطلق على التجربة العراقية الجديدة بأنها تجربة ديمقراطية؟ أو على الأقل بدايات ديمقراطية؟ ام هي مجرد ديمقراطية شكلية خالية من المضمون؟

ـ تجربتنا العراقية الجديدة ليست حتى مجرد ديمقراطية شكلية خالية من المضمون .. انها تجربة صراع قوى سياسية اوليغارشية على السلطة .. انها تجربة فوضوية لاحزاب لم تزل تحمل مواريث الماضي وتريد ان تسلك سلوكا حضاريا ، كمّن تجده بعباءته ويشماغه او بجبته وعمامته ويحاول ان يقنعك انه يعزف سمفونية على مسرح اوربي وجماهيره عراقية !! ان الديمقراطية لا يمكنها ان تطبق من قبل احزاب دينية او شوفينية او ميليشياوية مسلحة .. الديمقراطية لا يمكنها ان تطلب مني انتخاب كتل واحزاب لا اعرف تواريخ شخوصها وسيرهم الذاتية ، لأرى نفسي امام اشخاص بائسين حقا ! الديمقراطية لا تعرف القوى التي تشتغل بالسياسة واجندتها طائفية او انفصالية .. وان تستخدم الورقة الدينية في عملية الانتخابات . الديمقراطية لا يمكنها ان تمارس في مجتمعات خالية من مؤسسات المجتمع المدني ووظائفها .. الديمقراطية ليست مانشيتا او شعارا او صندوقا انتخابيا يأتي بممثلين غير مؤهلين ليمثلوا شعب العراق اصدق تمثيل ! بل ليأتي قادة يقودون البلد بهذا الطريق .. الديمقراطية الحقيقية فلسفة كاملة في الحكم المدني والمؤسسات المدنية ! ماذا تسمّي الحكم الحالي في العراق في ظل وجود ايديولوجية تقوم اساسا على مكونات طائفية وعرقية في تقسيم البلاد الى ثلاثة اقسام ؟ ما دمت قد اعلنت في فلسفتك وايديولوجيتك انك مع هذه المكونات ، فلقد الغيت حرية كل العراقيين السياسية ! ثم كيف تطبق الديمقراطية مع تقاليد تعود الى العصور الوسطى ؟ وهل يمكن تطبيق ديمقراطية مع " دستور " هو مدعاة لانقسام العراق ؟ اننا نضحك على انفسنا ان آمنا بهذا الذي يجري ، ولكن يستوجب ان اقول هنا بأن الشعب العراقي قد منح حريات واسعة من قبل الامريكان لا من قبل العراقيين بحيث انفلتت وانقلبت الى فوضى ويا للاسف الشديد .. ثمة حريات في الصحافة والاعلام العراقيين ولكن سمح ذلك لاجندة غير وطنية ان تفعل فعلها باسم الديمقراطية . هنا ، يستوجب عدة امور لبناء مشروع ديمقراطي عراقي :
1) اعادة النظر في الحياة السياسية العراقية بتجديد كل الانظمة الداخلية للاحزاب العراقية . وان يفصل الدين عن الدولة فهي ضرورة عراقية قبل ان تكون اي شيئ اخر.
2) اعادة النظر في دستور العراق ، بحيث يكون دستورا مدنيا موحدا للعراق ، ويتفق وطبيعة العراق بعد فشل بنود الدستور الحالي ( وعلينا ان نعلم ان دستور الولايات المتحدة الامريكية نفسها دام بناؤه 11 سنة كاملة ) .
3) منح القضاء سلطة مستقلة وان يكون القانون هو الاول والاخير في ضبط خلل المجتمع . وان تطبق احكاما عسكرية عرفية في المناطق الساخنة .
4) تشكيل هيئة محاسبة قانونية لكل من تسّول له نفسه ان يتجاوز صلاحياته في الدولة بأي وسيلة من الوسائل .
5) تلغى كل الميليشيات والاوليغاريات والقوى والاحزاب المسلحة من العراق سواء كانت علنية ام سرية . وان لا يرتبط ايا كان في الدولة بأي واحدة منها .
6) على اقليم كردستان ان يحدد مواقفه من المبادئ العراقية ، وان يكون جزءا من دولة ، لا دولة في دولة .. وان تعالج العلاقة العراقية الكردية بمنتهى الصراحة والشفافية .
7) على العراقيين ان يستعدوا لثورة دستورية وقانونية وتربوية في كل المجالات بحيث تلغى كل المظاهر الطائفية والاجندة المذهبية وكل ما له علاقة بزرع الخلافات والانقسامات .
8) على كل من يحكم العراق ويشارك في حكمه التجرد من ولاءاته القومية والحزبية والطائفية ليمثل العراق لا ليمثل اقليما او طائفة او حزبا ..
هنا أسأل : هل هناك ثمة استعداد لمثل هذا الامر في العراق ؟ ان لم يكن هناك اي بصيص امل ، فسيبقى العراق يراوح في مكانه وستأكله الفوضى وسيدفع الجميع ثمن ذلك .. واقصد بالجميع كل العرب والاكراد وكل ابناء الطيف العراقي .

14. نلاحظ أن هناك تطرف عراقي في الحب والكره.. ونرى ذلك واضحاً في مشاعر العراقيين تجاه قادتهم؟ ما هو تفسيركم لهذه الظاهرة؟

ـ التطرف والغلو معروف عند العراقيين منذ ازمان ، ولكنه ابن زمنه ومرحلته ، فالعراقي سرعان ما يغضب وسرعان ما يهدأ .. سرعان ما يكره وسرعان ما يحب الى حد العشق .. هذه هي طبيعته انه ان شيمّته اخذت عباءته ، وان اغضبته فيمكنك ان تطيّب خاطره باجمل الكلمات .. وقليل من ابنائه من يحمل حقدا او كراهية كالجمال .. المهم ان علينا ان نفصل بصدد المشاعر ازاء القادة والزعماء العراقيين . ان العراق من المجتمعات الصعبة ويحتاج الى زعماء من نوع خاص .. ومن يتزعم العراق عليه ان يتوقع كل التراجيديات والمصائب التي قد تحل به وبالتنكيل به ( والشحشطة ) باهله .. من تاريخ العراق ندرك ان العراقيين يعشقون زعيما او قائدا او استاذا او معلما او مفكرا ان كان هو نفسه لا ينحاز الى خندق معين او يحسب على طائفة او فئة .. انه معشوقهم ان وجدوه قويا ونظيفا ووطنيا ليغدو رمزا حقيقيا غير دائم الوجود .. ان اي زعيم او اي شخصية عراقية لا تمتلك الكاريزما والتفوق والارتفاع عن كل الميول والانتماءات .. ستضيع حتما ان كانت عكس ذلك حتى وان صعد اسمها من بين القوى .. العراقيون لا يريدون زعيما يكذب عليهم ، فهم اصحاب فهم وحسجة لا من البهائم والاغبياء .. العراقيون لا يريدون زعيما يعدهم بالجنة وهو يمشي بهم الى الجحيم .. العراقيون يريدون زعيمهم ملتصق بترابه العراقي .. وهنا لا افصل بين العرب والاكراد ، فالاكراد يدركون جيدا ان لا حياة لهم من دون العراق وهم بقدر ما يستذكرون مآسيهم العراقية ـ كما يقولون ـ ، لكنهم يذكرون ان وزراء واداريين وضباطا وموظفين كرد لا حصر لهم خدموا الدولة العراقية لاكثر من ثمانين سنة ، وكانوا من نعم الناس .. ان المقولة : كيفما تكونوا يوّلى عليكم اتمنى اعادة النظر فيها .. ان العراق ان وجد على رأسه زعماء وقادة واداريين مدنيين وعسكريين يحسنون التعامل مع شعبه فسترى المعادلة مقلوبة .. اما ان بقي الزعماء وقد تخندقوا مع اجندتهم ومصالحهم الفئوية والحزبية والطائفية والشوفينيية .. فسيبقى اي زعيم مكروها كالموت .

15. ما هو دور الاعلام في تأجيج الوضع في الساحة العراقية؟ فالبعض يرى أن مشكلة العراق مشكلة إعلامية.. حيث أن للإعلام –اليوم- الدور الأكبر في توجيه وإدارة السياسات في الدول.
ـ الاعلام خطير هذه الايام وتزداد خطورته يوما بعد آخر .. الاعلام هو الذي يبيّض ويسوّد .. الاعلام هو الذي يصّعد ويّنزل .. الاعلام هو الذي ينزّه وهو الذي يسيئ .. ان الاعلام هو الذي صنع ريادة القومية العربية وكان الاعلام هو الذي دفع باتجاه بطولات صدام حسين الخارقة وهو الذي خلق من المجاهدين العرب في افغانستان رموزا وهو الذي دفع الى سقوط شاهنشاه ايران والاندفاع للثورة الاسلامية .. وهو الذي يؤجج الوضع في الساحة العراقية .. صحيح ان مشكلة العراق اعلامية ، ولكن العراق هو الذي يعطي يوما بعد آخر خرافه بيد الجزارين كي ينحروها على مرأى ومسمع منه .. العراق هو الذي ليس باستطاعته التحرك المضاد كونه مكبّل الارادة .. وان العراقيين هم اول من وقف اعلاميا ليؤججوا الساحة قبل غيرهم .. كنت اتمنى لو قامت هناك ثورة اعلامية عراقية اليوم موحدة باسم المشروع الوطني لترى اين تصبح الاعلاميات المضادة لكل العراق .

16. كيف تنظر الى الحرية التي تمتع بها الإعلام العراقي بعد التاسع من نيسان؟ هل تراها ساهمت في توحيد الصفوف ام تخندقت طائفياً وحزبياً.. وما هو سر عدم وجود إعلام كفوء ووطني ومحايد لحد الآن في العراق رغم كثرة عدد وسائل الإعلام؟

ـ عد الى جوابي للسؤال الثالث عشر .. وسترى ازمة الاعلام العراقي وهي شبيهة بازمة السياسة العراقية .. الاعلام وسيلة للتعبير عن واقع ، فاذا كان الواقع العراقي مهترئا ، فسيكون الاعلام مهترئا ايضا . ولكن ؟ علي ان اعترف بأن ليس كل النخب الاعلامية العراقية متخندقة ضمن اجندة طوابير وسلال ودنان ومجالس وحفلات .. ان الاعلاميين العراقيين مجموعات نخبوية ، وفيهم وطنيون حتى النخاع .. ان ما دفعه الاعلاميون العراقيون من ضحايا وشهداء يكفي ان نقول بأن هناك ثورة اعلامية ستتحقق في العراق ان كان هناك ثمة مشروع وطني ليبرالي مدني يحمل هم الوطن ويجمع كل العراقيين تحت رايته . ان هناك صحفا ومجلات واصوات عراقية ممتازة ونقية وحريصة ونظيفة وانا اعرفهم واحدا واحدا ومتابع لمواقفهم وانشطتهم .. فهل ثمة من يبقيها من اجل معالجة واقع العراق وبناء مستقبل العراق ؟

17. هل تعتقد بضرورة انسحاب سريع للقوات الأمريكية من العراق؟ وما رأيكم بمشروع الاتفاقية الأمريكية العراقية لتنظيم الوجود العسكري الأمريكي في العراق؟

ـ العراقيون اليوم منقسمون حول هذا الموضوع الخطير .. وبصراحة وتواضع جميعهم لا يدركون ابعاده ومخاطره وما الخيارات الصعبة التي يمكن ان نسلكها .. ان هذه المسألة ليست سياسية بل انها وطنية ، وهي ليست ابنة الحاضر بل انها قضية مستقبلية بالدرجة الاساس .. بمعنى انها تاريخية .. ان الجهل بتواريخ العلاقات الدولية في التاريخ الحديث والمعاصر يجعل اغلب العراقيين يتخبطون ، ولا يعرفون من اين تمسك خيوط القضية ! ثمة من يسعى الى هذه المعاهدة من دون قيد او شرط ، كونه مقتنع وراسخ القناعة ان امريكا ستبقى الاب الرحيم للعراق ( كذا ) ، وقسم مجنون بالتوقيع عليها من اجل كسب مصالح اقليمية او فئوية او جزئية على حساب المصالح العراقية العليا ، وقسم يتخبط بين القبول والرفض ، فهو مشّبع بقيم ومبادئ معينة ولا يريد ان يفّرط بها ، وهكذا بالنسبة لآخرين يرفضون اي علاقة مع الامريكيين كونه ترّبى على كراهية الاستعمار ، وقسم أخير يرفض رفضا قاطعا اي اتفاقية مهما كان نوعها مع الامريكيين كونهم محتلين للبلاد وكانوا قد دمروها واحتلوا اراضيها وعاثوا في سكانها فسادا .. ونصّبوا حكومة عميلة لهم ـ كما يقولون ـ ، بل وان الامريكيين يحاولون تقسيم العراق .. كل هذا التفكير لا نجده عند الامريكان . الامريكيون يعترفون بأنهم جاءوا من اجل المصالح المركزية الامريكية ووسائلهم في ذلك : الخلاص من اسلحة الدمار الشامل والقضاء على الارهاب ونشر الديمقراطية الى نهاية الاسطوانة . اننا كعراقيين لسنا اذكى من غيرنا والامريكيون في مقدمتهم اذ لا تعرف حتى الان الاسباب الحقيقية لغزو العراق والاطاحة بنظام صدام حسين .. العالم اليوم كله يجهل ماذا تتضمن الاستراتيجية الامريكية لخمسين سنة قادمة .. انني اقول كمؤرخ محترف ادرك ان كل الدول المهزومة توقّع على اتفاقيات بعد ان يصار الى هدنة .. كما ان العالم كله بات يتعامل مع الامريكيين من خلال اتفاقيات ، ولكن تلك " الاتفاقيات " لا تمس لا بالسيادة ولا باستقلالية القرار ولا بالمصادر والثروات ، بل ولا علاقة لها بالمصالح العليا لكل بلد .. ولكن العراق بوضعه المهلهل اليوم وسط غابة تعج بالمفترسين في الشرق الاوسط بحاجة ماسة الى ان يتفاهم مع الامريكيين على مبادئ اساسية قبل التوقيع على اية معاهدات مشتركة ، وخصوصا اذا كانت ذات منحى استراتيجي وامني . كل العراقيين يدركون ان العراقيين لابد ان يدفعوا ثمنا باهضا ، ولكن عليهم ان يكونوا عند تحمّل المسؤولية في ربط كل ما يقبلونه من الامريكيين يقابله مطالب عراقية .. اولها اعلان مبادئ وطنية تقبل بها الولايات المتحدة وتنص على وحدة العراق وسيادته واستقلاله وقوته والحفاظ على ثرواته .. كما لا يمكن لأي عراقي له قدر من الوطنية ان يقبل اية اتفاقات من دون قيام الولايات المتحدة باعمار ما قامت بسحقه في العراق بدءا بالعام 1991 وانتقالا الى العام 1998 ووصولا الى العام 2003 وانتهاء حتى اليوم . على كل العالم اطفاء ديون العراقيين .. ان نشترط ايقاف ما يسمى بالتعويضات للدول الاخرى .. ان تقف الولايات المتحدة معنا في مقاضاة دول نالت من حقوق العراقيين واموالهم وطائراتهم وثرواتهم .. ان نطالب الولايات المتحدة بتعويض العراق لكل ما قامت بسحقه من طائرات وادوات حرب ودبابات .. ان العراق ينبغي ان يطالب بكل مفقودات

54
ليسَ في العراقِ مناطقَ مسلوخة !

أ.د. سيّار الجَميل
من المضحك اليوم ان تجد البعض من العراقيين يتصارعون على ارض لا يريدون ان تكون عراقية، بل يعتبرونها اراضي مسلوخة، أو انها قد سلخت منهم! متى سلخت وارشيف التاريخ يشهد بتبعيتها وملاّكها وساكنيها منذ القدم!؟ ويعلمنا - ايضا - لمن كانت تبعيتها؟ الى اي دولة؟ والى اية خرائط؟ والى اية مراكز ومدن؟! من اكبر جنايات التاريخ بحق هذه الارض او تلك المدينة او ذاك الشط او هذه القصبات ان تقول بالاكثرية والاقلية ونحن ندرك كم استمر نزوح العراقيين من هنا الى هناك على امتداد عمر الدولة العراقية المعاصرة. ما دمنا نؤمن بالعراق لا بغيره، فكل شبر عراقي هو ملك لكل العراقيين. لماذا تصبح عملية استيطان مدينة ما جريمة من الجرائم، وتغدو عملية نزوح واسعة النطاق الى العاصمة حالة طبيعية؟ لماذا لا نسأل عن اسباب تلك الحركة وذاك النزوح وهذا الاستيطان في كل المجتمع العراقي؟ هروب الاف الموصليين الى بغداد عام 1959؟ نزوح أهل الصرايف الى ما حول بغداد من كل جنوب العراق؟ من اين اتى الكويان والكاولية والقرج وأهل تنّه وغيرهم ليحلوا بالموصل في شمال العراق؟
كان العراقيون ينزحون من مكان الى آخر بارادتهم.. ويسكنون قرب المدن بارادتهم. باعتبار انهم يتحركون على ارض وطن واحدة موحدة بلا مساءلة، ولا ملاحقة. لم يعرف العراقيون ان بلادهم هي مجموعة جزر متفرقة او مقاطعات او دوقيات. ولم يتخيلوا يوما ان يأتي احدهم ليصف بعص قسمات بلادهم بـ "مناطق مسلوخة"! وما كانوا يدرون ان مدنهم كلها او بعضها ليست عراقية! لقد فتح العراقيون ابوابهم لكل النازحين والمهاجرين واللائذين به من دول الجوار، ومن دون اية حساسيات، بل كان الاندماج واسعا وكبيرا على مختلف العهود السياسية.
دعونا نسأل: هل نحن نؤمن بالعراق أولا، ونؤمن بروح العصر ثانيا، حيث لا فوارق بين الاطياف الاجتماعية والثقافية في اي تجربة حضارية (فيديرالية)؟ ام نحن ضد العصر حيث نزرع الفوارق العرقية، ونخلق الصراعات من اجل حدود لا وجود لها أبدا في ارشيف التاريخ لكي نجزئ العراق تحت يافطة الفيديرالية؟ هل من الحق ان نخلق لنا مجموعة من الجغرافيات الداخلية الشبيهة بدوقيات العصور الوسطى بحيث يتصرف امراؤها على هواهم، ويصدقون ادعاءاتهم، فليس في التاريخ "وثائق " يمكن الاعتماد عليها أبدا في مختلف دعاويهم العدائية! هل نحن اسوياء نسعى لخلقها اليوم من العدم، ونبقى نحمل ورقة توت عراقية امام الآخرين؟ ان من اسهل الامور ان تزيّف هذا الواقع الفاسد والمتشظي بكل انقساماته، ولكنك لا تستطيع ابدا تزوير ارشيف التاريخ، خصوصا، ونحن نعلم ما الذي كان قبل خمسين سنة من اليوم وما الذي صار بفعل نزوح السكان العراقيين كالجراد الى امكنة محددة بالذات دون اماكن اخرى، ولنا في بغداد العاصمة اكبر مثال على ما اقول، بحيث جذبت ابناء السهول والشواطئ والجبال والبراري والقفار والاهوار الى اطرافها اولا، ومن ثم الى احشائها ثانيا! ان ما جرى في بغداد، جرى مثله او اتعس منه في كل من الموصل والبصرة وكركوك بشكل خاص.
ان كان لنا عراق حضاري في يوم ما، فقد كان من صنع كل المنتجين والمبدعين والاوفياء الذين التصقوا بحياة العصر وآمنوا بوحدة شعب العراق، واستلهموا كل معاني ارشيف تاريخ العراق، وتحركوا على كل تراب العراق من دون ان يميزوا هذا الشبر منه عن ذاك، الا من اراد الخروج عن ارادة وطن. ولقد اصبح معروفا للجميع بأن عراق التوحش والغاب لم يكن من ورائه الا المستبدون والمتعصبون والغلاة المتحزبون ليصنعوا فجائع التاريخ على ايدي ميليشياتهم الخضراء او الصفراء او الحمراء. أسأل: اذا لم نكن نؤمن اليوم بالعراق وطنا وهوية وترابا، فما موقفنا من كلّ الذين ضحوا بدمائهم وانفسهم ووجودهم من اجله على امتداد خمسين سنة مضت وانقضت؟ اذا كان هناك من لم يؤمن بهذا، فكيف يمكنه التعايش معي على امتداد المستقبل؟
اذا أتى اليوم من يقول إن في العراق مناطق مسلوخة، والقائل أخ احترمه واعتز به كثيرا، فماذا سيجيب الشعب العراقي على هذا التصريح الجارح؟ وهل تنفع تصريحات جارحة كهذه في زمن نحن احوج ما نكون الى العقل والحلم والصبر والمشاركة والمرونة لا الى اثارة التشنج والكراهية واشعال العواطف المتمردة. خصوصا ونحن نعلم بيد من مقاليدنا جميعا؟! واخيرا أسأل: من يسلخ من؟ ومن يريد سلخ العراق؟
اذا كنتم تسمونها مناطق مسلوخة او مقتطعة. فممّن سلخت؟ ونحن ندرك تاريخ العراق العثماني على امتداد اربعة قرون، ونعرف ولايات العراق وتبعية مناطق كل ولاية من السناجق والاقضية والنواحي. نحن ندرك دور اي مدينة عراقية في التاريخ الحديث واعداد سكانها والتحولات الديموغرافية التي اصابتها. نحن ندرك أن دعاوى كهذه لم تكن موجودة في الماضي على ايديكم انفسكم. فما السبب في احيائها اليوم؟ نحن ندرك ان اهم تعداد ديموغرافي للعراق جرى في العام 1957، فلماذا لا يتم الاعتماد عليه لمعرفة الاشياء والحقائق؟ نحن ندرك ان ليس هناك منطقة عراقية واحدة من شماله حتى جنوبه لم تختلط الناس عليها على امتداد عشرات السنين. نحن ندرك ان مناطق معينة في مدن عراقية معينة امتلأت بالنازحين من كل الجهات بعد ان كانت فضاءات برية واسعة، فكيف نأتي اليوم لنطالب بمثل هذه المدن كونها مناطق مسلوخة؟
ان العراق يخوض اليوم صراعا من اجل ان يكون كما كان عليه على امتداد التاريخ، او لا يكون من خلال من لم يؤمن به اصلا! ان العراق الذي استعصى على التقسيم كل هذه السنين، ومنذ العام 1991 مقارنة بغيره من الدول التي انقسمت وتفككت، سيبقى مصيره معلقا حتى يدرك كل العراقيين ان ارادتهم جميعا هي التي تصنع منهم شعبا لا شعوبا، ووطنا لا اوطانا، ولا يمكن ان يستقيم امره الا مع مشروع عراقي وطني موّحد، وهو يعيش في قلب مجال حيوي، ويجاور دول اقليمية لا يستهان بها. ان العراق لا يمكنه ان يعيش مجزأ بأي صيغة يريدونها، فالاجزاء ستكون حتما طعمة للافتراس. وان التاريخ يعلمنا كم هو حجم المفترسين ازاء العراق. ان العراق لا يمكن ان تسيّره بعض الاحزاب التي لا تؤمن اصلا بالعراق والعراقيين. فالشعب في اي مكان سيبقى يرتبط بالارض والجغرافيا لا بالاحزاب وقادتها. والمجتمع سيبقى يحمل موروثه التاريخي والثقافي وسيكون ذلك اقوى بكثير من اية اجندة سياسية هزيلة. ان العراق كان وسيبقى يعاني من الصراعات الداخلية حتى يدرك الشعب العراقي ان لا خيار له الا مشروع عراقي موحد يجمع ارادتهم في اتجاه المستقبل. ولا خلاص له الا بتغيير مجمل المسار السياسي الذي يتخذه اليوم. فهل سيحدث ذلك؟ نعم، ولكن بعد زمن بعيد!
www.sayyaraljamil.com

النهار البيروتية ، 16 ايلول / سبتمبر 2008 .
 

55
لماذا تتآكل حصوننا من دواخلها ؟


د. سيّار الجََميل

من مشكلات التفكير في اغلب مجتمعاتنا اليوم ، التماهي مع الافكار الرائجة الجديدة التي تّقدم السياسة وتناقضاتها على حساب الاوطان ونزعاتها ، وفشل كلّ مشروع للاصلاح والتحديث بحجة دعاوى معينة ، ويبدو انه لم يعد للمفاهيم الوطنية اي اعتبار ، اذ غدت مجرد شعارات تخدير في الخطاب الاعلامي .. في فلسطين ، كان النضال من اجل تحرير وطن سليب ، فاصبح من اجل ولادة قيصرية لدولة ! في لبنان ، كان الصراع من اجل وطن متعايش ، وغدا من اجل سلطة طوائف ! في ايران ، كان النضال للخلاص من قبضة شاهنشاه ، فسقطت بيد وليّ فقيه .. في العراق ، تشدقّت المعارضة بالحريات ، وامسى الوطن مقاطعات ومليشيات وخطوط زرق وحمر .. في السودان ، كان السعي لوحدة وادي النيل ، وبات يتشرذم .. في مصر ، كان الطموح ريادة الامة العربية ، وغدت منكفأة بمشكلاتها الصعبة .. في الجزائر ، كان التاريخ قد اعاد ولادة وطن بعد تاريخ استعماري مقيت طويل ، وغدت اليوم تعيش تناقضات لا حدود لها .. اليمن بالرغم من توحده بين شمال وجنوب ، الا ان سطوة القبيلة لم يزل معرقلا لأي توحيد .. الخ وهكذا سلسلة من اوطان لم تعد تعرف نفسها .
والمشكلة الاساسية اننا نفتقد مع تقدّم الزمن افضل النخب ونستقبل اسوأ الجماعات .. لقد تعايشنا مع كل الهزائم على امتداد نصف قرن مضى .. وانتقلنا من بدايات نهضة وحياة الى حالات صمت وسبات .. وهزلت الدولة العريقة بعد هيبتها على ايدي الطفيليين الجدد وملياراتهم .. نعم غدت  مقترنة بالسلطات لا بالمؤسسات ، وبالطغيان وهشاشة النظم ، لا بسيادة القانون .. وها قد مضى قرابة الثلاثين عاما على هول التراجعات ؟ فما هي رؤيتنا لثلاثين سنة قادمة في عالم يزداد تسارعه التاريخي ، وتتسع عولمته الاقتصادية ، وتمتد مدياته الاعلامية .. ؟؟ لماذا لم نشعر بحاجتنا للتغيير من دواخل حصوننا المهترئة ؟ 
ان أوطاننا لم يصنعها الآخرون فهي قديمة قدم التاريخ  ، وان اي دولة تقوم كمؤسسات  على تراب وطني ، ويعيش عليه شعب ، فان مفهوم " الامة " يصبح تحصيل حاصل . واذا كانت بعض الاوطان يستوطنها منذ القدم بشر من غير العرب ، فلا يمكن ان نلغيهم بجرة قلم او رفع شعار ؟  فهي قوميات عريقة يمكنها التعايش من دون اثارة نوازعها ضد العروبة ، كما حدث في خمسين سنة مضت . ان باستطاعتنا ان نجعل " العروبة " هوية انسانية من دون اي شوفينية ، وباستطاعتنا ان نجعل مجتمعاتنا منفتحة بلا اي انغلاقات . ان ما ينطبق على العرب يستوجب سحبه على القوميات الاخرى ، اي على الاكراد والتركمان والامازيغ والكلدان والسريان والارمن واليزيدية والاقليات الاخرى التي لابد ان تجد فرصها التاريخية في التعايش ومبادلة التسامح واستمرار الشراكة ، فلا مجال ابدا لاشعال اية صراعات داخلية تخسر كل الاطراف كل حياتها ومستقبلها في اوطانها جميعا .. ناهيكم عن الانقسامات الدينية والمذهبية والطائفية .. ضمن متاهة تزدحم بالمشكلات والتعقيدات ، وتتطلب حلولا سياسية تتشابه الى حد كبير في عموم العالم الاسلامي المعاصر .
كثيرا ما يأتي الذبول التاريخي عندما تتآكل الحصون من دواخلها بفعل ابنائها .. ان دواخل بعض مجتمعاتنا قد اصابها التعفّن منذ قرابة ثلاثين سنة مضت نتيجة القصور ، والهشاشة ، والضعف ، والسذاجة ، واحتقار العقل ، وهجمة الغلو والتطرف ، كما ان الثقافة الحقيقية غدت مغيبّة ومستهجنة ، وتلاعبت العواطف دوما بأهواء مجتمعاتنا ، وطغت عليها مخيالاتها وشعاراتها الواهية ، كما وتحكمت السرعة في قرارات السلطات فيها ، ولم يعترف الانسان باخطائه وهزائمه ابدا .. لم ينفتح على الاخر ، وغدا يعبث بالخصوصيات ، ولا يؤمن بالنفع العام ولا المال العام .. ليس بقارئ ولا بمدقق .. عدو للحداثة ، عاشق للتعصب ، مزاول للتطرف ، لا يحب العمل الجماعي .. يؤمن بالعشائرية والطائفية والجهوية والمحلية .. يردد الشعارات من دون تفكير مسبق بها  .. لا يصحح مفاهيمه القديمة ..  يحمل تناقضاته الى اي مكان يذهب اليه .. لقد انهار عالمنا مع زيادة النكسات والهزائم العسكرية والنفسية والفكرية والاخلاقية .. وشهدنا مأساة حروبنا الباردة والساخنة بين سياسات الدول .. كنت اتمنى لو سار العرب في طريق آخر غير الطريق التي سلكوها منذ خمسين سنة ، لكانوا اليوم بكل قدراتهم ومواهبهم وامكاناتهم يحسب لهم حسابهم ، ولكن عشنا حالات التراخي ، وضياع الازمنة الثمينة في الهوس ، وترديد الشعارات الماكرة .. لم يعد الضبط والربط موجودا في دول عدة ، بل واندلعت حروب لا معنى لها قتلت زهرة شبابنا ، وازهقت ارواحا بريئة ، وبددت ثرواتنا هباء .. لم نجدد انفسنا مع توالي الايام والازمان .. لم تجد مجتمعاتنا فسحة من التغيير من اجل بناء وعي جديد بالزمن والتقدم .. هيمنت على العقول وكبست على الاذهان تلك الاوهام السياسية العمياء . وعّم الاضطهاد والاستبداد ، فلا اية مساحة للرأي الاخر ، بل ولا حتى هامش صغير للحريات .. ساد القمع والكبت في كل مكان .. كل هذه وتلك جعلت مجتمعاتنا تتفكك ، ونخبها تهاجر ، واجيالها تنغلق ، وشارعها يصمت .. فمتى تتغير بوصلتنا نحو المستقبل ؟  انها تتغير بولادة انسان جديد ووعي جديد وعلاقة انتاج جديد وابداع من نوع جديد ..
www.sayyaraljamil.com
البيان الاماراتية ، 10 سبتمبر 2008

56
الجغرافية الثقافية للعراق الحديث


د. سّيار الجميل

نص تحريري للمحاضرة الشفوية التي القاها الاستاذ الدكتور سيّار الجميل
 في الجمعية العراقية الكندية بتورنتو / كندا  امسية يوم الاحد 27 تموز / يوليو 2008

القسم الاول
ايها الاصدقاء
اسعدتم مساء ، وأشكر لكم حضوركم هذه " المحاضرة " ، كما اشكر الاخ الشاعر كريم شعلان على تقديمه لي وكلامه الجميل عّني الذي لا استحقه .. واشكر الجمعية العراقية الكندية بمدينة تورنتو استضافتها لي ، كما اشكر حضوركم ودعوني اختزل موضوع هذه الامسية في ثلاثة محاور : محور في فلسفة المعنى والتعريف وأهمية الموضوع ، ومحور في المضمون والتطبيق من خلال عرض جملة من المصورات والخرائط والاشكال العراقية  ، ومحور خلاصة الاستنتاجات والرؤية الجديدة من اجل تطوير المجال الحيوي للعراق ثقافيا وانسانيا حضاريا . انني اذ اقدم هذا " الموضوع " الذي لا يمكنه ان يقدم في محاضرة ، بل انه ، كما يبدو ، عنوان كتاب كبير او مشروع جماعي ، فأنني اتمنى ان اقدم في هذا المساء الجميل : مجموعة أفكار جديدة حول موضوع نحن بأمس الحاجة اليه ، وخصوصا في العراق الذي يتميز بخصوصياته الجغرافية طبيعية كانت ام بشرية ام سياسية .. فكيف اذا كانت ثقافية ، وهو يستقطب من خلال تنوعاته الاجتماعية عدة الوان من الثقافات المتنوعة التي يمتد عمق بعضها الى الاف السنين ، حتى على مستوى اللهجات المستخدمة.. مقارنة بكل الانتهاكات التاريخية التي تعّرض لها العراق عبر مئات السنين ، وتأثيرها على كل بنيوياته الاجتماعية التي عبرّت عنها ثقافيا على كل الرقعة الجغرافية العراقية .
أن الموضوع حديث لا يتجاوز عمره العقد الواحد من الزمن ، بدأ في جامعة كولارادو ، ولهذا فالمحاضرة هذه ، هي محاولة او مدخل ليس فيه تفاصيل واسعة ، ولما كان العراق موضوعا مهما ، وهو سلسلة واسعة جداً ، وبدأ العالم يهتم بالثقافة الموجودة في أي مكان من العراق ، فينبغي العناية بجغرافيته الثقافية . ان اسلوب الحياة عند العراقيين يختلف من مكان إلى آخر ، كما ان البحث يراقب الحركة الانسانية والخطاب ( = مقول القول ) ووسائل التعبير وإختلاف الأزياء ، واللغة المستخدمة ، وإختلاف اللهجات ، والأفكار ، والنّخب ، ودور الطبيعة والتضاريس ، لذلك فان العراق هو من احوج بلدان الشرق الاوسط للدراسة والبحث المقارن . ربما نسمع صورة مشوهة عن العراقيين ، ولكن تبقى الآراء  تختلف حول الكثير من الأمور الحياتية : حول الموسيقى والغناء ،ولكل عراقي له ثقافة بيئية مختلفة ، وهذا لا ينسحب على النّخب المثقفة فقط .

فلسفة المعاني .. الاهمية
1.   العائلة الجغرافية
ان الجغرافية الثقافية تنتمي الى عائلة العلوم الاجتماعية ، ولكنها علم جديد لم يمض على تطوره الا سنوات قليلة  ، ولعل اشهر مدرسة منهاجية تثري موضوعاته هي الكائنة بجامعة كلورادو والتي تصدر مجلتها الفصلية العلمية المعروفة باسم الجغرافية الثقافية ، فضلا عن اهتمامات بعض خبراء اليونسكو بهذا الموضوع الحيوي ، كما وصدرت في اماكن عدة من هذا العالم عدة عناوين لمضامين واسعة ومهمة جدا . ان الجغرافيات انواع : طبيعية وبشرية واقتصادية وسكانية وادارية .. ولكن الثقافية هي التي تعتني بثقافة الانسان والمجموع معا ، ومدى تأثير كل من المكان وعناصره في تكوين تلك " الثقافة " ومجال حركتها وحيويتها .
2. المضامين
ان الثقافة في حد ذاتها ، موضوع مثير جدا ، وتتذرع  بمفاهيم تعبّر عن حقائق تاريخية وواقعية  متنوعة من الحياة في اطار المجتمع الانساني ، وكسب العيش ، وأنماط المعيشة ، والكلام ، والتسلية ، والضرورات المستهلكه ، والأكل والفولكلور والازياء ، فضلا عن الحكايا ومواريث الرواية والتعبير الشعبي والموسيقى والغناء واماكن التلاقي الاجتماعي وطقوس الاعياد والمناسبات .. الخ . ولعل اهم من هذا كله وذاك ، الخطاب ومقول قول الانسان وتعبيراته عن واقعه واماله وطموحاته وتطلعاته وحبه وكراهيته وفشله ونجاحه ثم التعبير عن انتصاره وهزيمته .. علاقته مع تفسه والاخر ، المرأة والرجل والطفل  .. استقراره وهجرته .. حضريته ام ريفيته ام بداوته . وهنا ، يمكننا ، بطبيعة الحال ، ان ننقب اعمق لفهم 'كيف' و 'لماذا' ؟ باختصار : انه عمليه استقصاء ممتع عن اسلوب حياة اي مجتمع من المجتمعات ، والتعرف على عوامل تكوين الثقافة في جغرافية معينة .
3. الثقافة : قضية اشكالية عربية
الثقافة ، قضية اشكالية في رؤيتنا العربية لها ، وكما فسرتها في اكثر من مكان ، انها  Culture في معرفة ثقافة ( او : ثقافات ) اي مجتمع من المجتمعات . وهي       Education لأي مجموعة اجتماعية تمر بمرحلة التكوين ، حتى تصل مرتبة النخب المنتجة المبدعة Intellectual Elites  وهي التي تؤلف المشهد الثقافي لأي بلد في هذا العالم .. انها المعبرة عن روح العلاقات الاجتماعية ، والسياسية ، والاقتصادية ودوافعها ، والتي تؤدي بالنتيجة الى انتاج الثقافات؟
4. مفهوم التباينات والموضوعات العراقية
ان مهمة الجغرافية الثقافية ليس التنظير لواقع ثقافي قي بيئة معينة او مجموعة بيئات ، بل يتجاوز كّل من ينظّر ويفكّر فيها محاولة وصف ، او 'مجرد وصف' الناس والاماكن الغريبه ، لتحليل الواقع ، بل التغلغل لاجراء التطبيقات والمقارنات والتساؤل من خلال 'لماذا' و 'كيف' تمنح الثقافة منحى انساني مجرد من كل العنعنات والصراعات الداخلية المتوارثة والمتوالدة . فعلى سبيل المثال ، كيف يمكننا ان ندرس في وقت مبكر اشكال الثقافات التي تنتجها اوضاع المدن التجارية او جوانب الحياة الزراعية الريفية في المجتمع العراقي ؟ ولماذا تباينت الثقافات المحلية تبعا لطبيعة جغرافية اي بيئة حضرية او قبلية ؟ وما تأثير ضفاف الانهار او اعماق الاهوار ، او بيئات الجبال او الاستبس او السهول ؟ ما دور المدن واشكالها القديمة سواء بيئتها داخل الاسوار ام خارج الاسوار ؟ ماذا يكمن وراء الهجرة من الريف والبادية الى اطراف المدن ؟ ما شخصية دجلة الثقافية المتحركة مقارنة بشخصية الفرات الهادئة ؟ ما تأثير السدود والري والجسور على الحركة الثقافية ؟ ما تأثير سكة حديد برلين بغداد البصرة ( بي بي بي ) وسكة حديد بغداد ـ كركوك ومحطاتهما على الطريق الجديد بعد زوال الطريق السلطاني العراقي البري القديم ( شرق دجلة ( بغداد ـ بعقوبة ـ كركوك ـ اربل ـ الموصل ـ آمد  نحو استانبول ) ، والمسلك النهري لدجلة وغياب الاكلاك والقفف النهرية ؟ ما تأثير المصانع الجديدة على غياب الحرف القديمة والاصناف الصناعية القديمة وبداية تشكيل النقابات العمالية ؟ وما دور الحركة العمالية ؟ ما تأثير الادارة والادارة المحلية على تنقلات الموظفين عبر ارجاء العراق  ؟ ما دور المؤسسة العسكرية في التلاقح الاجتماعي ؟ ما دور الكهرباء والاضوية والشوارع واشكال الحياة الحديثة في الهجرة من الريف الى المدينة حيث الاسواق والشوارع والمطاعم والسينماوات والكابريهات ؟ وصولا الى الادوار السياسية والاحزاب والتجمعات والكليات والحركة الطلابية ، وآثارها كلها في متغيرات الانماط والتقاليد في الجغرافية الثقافية العراقية ؟ ما دور الشركات الاجنبية والوطنية ايضا ، وخصوصا شركات النفط في كل من كركوك والبصرة وعين زاله ؟  ان الجغرافية الثقافية ينبغي ان تستخدم  فكرة كارل ماركس المسماة 'نمط انتاج' . وكيف يمكننا ان نفهم ما 'قيمة' الانتاج العراقي ،وتبيان طبيعة علاقات الانتاج العراقية ،  او بالاحرى 'قيمة' يتم انتاجها في مختلف البيئات العراقية المتنوعة بكل تناقضاتها بدءا بالقبيلة والعشيرة التي تحكم كل من الريف والبادية العراقيتين ، ومرورا بالبلدات والقصبات البلدية الصغيرة وانتهاء بالمدن التي تكتظ بالاسر والعوائل التي تؤلف نسيج المجتمع الحضري بكل مستوياته المتباينة المتنافسة لا بطبقاته الاجتماعية المتصارعة  ، مع نمو البورجوازية فيها وتعاظم المستويات لطبقة متوسطة مستحدثة مع تسارع نمو لدولة شبه رأسمالية.
5. منهج العمل
ان المنهج الذي يمكن الارتكاز عليه في دراسة موضوع الجغرافية الثقافية ، يقوم بتحليل الكيفيه التي تمنح مجتمعنا العراقي الذي كان يتصف بتسارع التحولات الاجتماعية فيه ، كي يغدو مجتمعا حديثا اعتمادا على عوامل عدة لا تحددها المستهلكات ولا الشعارات السياسية ، بقدر ما تحددها المنتجات ونمط الانتاج وعلاقات الانتاج .. وصولا الى قوة الحياة الثقافية . اننا امام تعقيدات غاية في الخصوبة العراقية لمجموعة العادات والتقاليد المتغيرة ، والاندفاع للتعبير عن الواقع عراقيا بالاغاني والاشعار والموسيقى والامثال والازجال والقراءات والتجمعات في احتفالات ومنتديات او مقاهي او مدارس وفتوة وكشافة .. الخ علينا ان نفهم كيف نصنّف الناس في علاقاتهم في ما بينهم ، وعلاقاتهم بـ 'الآخرين'. علينا ان ندرك طبيعة المرأة العراقية وقدراتها وساعات عملها وانتاجها في كل بيئة وما تتصف به من سمات انسانية .. علينا ان ندرك ذكاء الطفل العراقي ومزعجاته وفجاجة حركاته نتيجة فرط شيطنته وكثرة اسئلته ودلاعته او وكاحته ..
6. العراقيون : كيف يفهم بعضهم بعضا ؟
علينا ان ندرك الفجوات الجغرافية التي تفصل كل ثقافة عن ثقافة اخرى ، فمن الصعب ـ مثلا ـ على ابن الاهوار في الجنوب ان يتعرف على ابن البلدات المسيحية او القرى اليزيدية في الشمال او العكس .. ثم نفرض التساؤلات عن الارادة الثقافية العراقية التي عاشت بعيدا عن مثقفي السلطة .. حرة مستقلة تطالب بحقوق الانسان كما كانت تبثه وسائل الاعلام وانتشار مبادئ الاعلان العالمي لاستخدام " الثقافة " بوصفها أداة لم يصلها واقع العراق حتى الان لما بعد الحداثة ، وكان مؤملا ان يندفع المثقفون العراقيون الحقيقيون للوصول الى ذلك لولا الانتكاسات والهزائم السياسية المريرة التي اودت بالعراق والعراقيين كلهم ودخول العراق في غيبوبة تاريخية طويلة كان العراقي المنتج والمبدع والمثقف ولم يزل حتى اليوم مهمشا مقصيا ، وخصما لدودا ، الا من سار في ركاب السلطة او تعّلق باذيالها .. لقد خسر العراق طاقات كبيرة جراء ممارسة  التهجين بسيطرة السلطة على مقاليد الثقافة لتغدو احادية ومؤدلجة .. وبدت تعاني من الصراع والعنف -- ثقافة مغالبة ومنغلقة على التوحش او الخوف او الممالئة والقيود الثقيلة .. لقد غدت التناقضات تأكل حياة العراق في كل جغرافياته وبيئاته .. وبدا المثقف العراقي نتيجة لذاك الوضع ، رخا ، ومهمشا ، او مداهنا ، وخائرا !
7. التشظي والهجرة والانقسامات
ونحن سوف لا ننقب عن نظريات وامثلة عن كيفية تشظي الثقافة العراقية وغلبة الفوضى عليها من خلال ركام التناقضات التي حشدتها في احشائها .. ولقد ساعد في ذلك هجرة العراقيين افواجا الى خارج العراق بفعل العنف السياسي والاجتماعي معا . وأخيرا ، فإننا سوف نتعلم عن منتج مختلف الحركات الاجتماعية ، والتي بدت تسبّح ليل نهار بالثقافة القومية والشعارات المخيالية التي لا علاقة لها بالواقع ابدا ، وتستخدم بشكل متزايد كل الوسائل للتأكيد على الهوية العربية والثقافة القومية مما سبب ردود فعل عنيفة ومكبوتة لدى القوميات والاطياف العراقية المختلفة . ان الجغرافية الثقافية تقوم اساسا على استخلاص الادوات المفاهيميه لكل ما في العراق من ثقافات متنوعة ندعو كل المختصين والعلماء العراقيين الاهتمام بها ، وفهمها ، وتحليلها ، وشرح مضامينها والبحث عن الجوانب الانسانية فيها ، وان لا نعتبرها مجرد وصف لظواهر ثقافية معينة ليس لنا فيها الا التنظير بعيدا عن اية تطبيقات عملية ، وهدفنا تمكين الاجيال القادمة من فهم واقع الحياة العراقية وادراك سايكلوجية العراقيين الخاصة .
قفلة المحور الاول
ان الموضوعات التي ساتطرق الى معالجتها في المحور القادم ـ مثلا ـ ، ستكون مفهومة من خلال منظور جغرافي ، حيث الفضاء والمكان ..واستعين بالخرائط والرسوم التي سنراها معا كي نحللها واحدة بعد الاخرى . انني لا استطيع ان اغطّي كل متطلبات المنهج لاتساع المضامين في الجغرافية الثقافية للعراق الحديث ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ( لتحديد موضوعات يستفاد منها الباحثون مستقبلا ) : دراسة البلدات والقصبات والمدن العراقية وتحديد ثقافاتها قاطبة ، واين يكمن بروز المثقفين والتجمعات والنخب  .. ؟  وما تأثير كل من المجتمع الرعوي ، والمجتمع الزراعي ، والمجتمع الحرفي ، ثم الغرف التجارية ، والمسالك ، والطرقات ، والمحطات ، والاسواق ، والجمارك ، والشركات ، والنقابات ، والاصناف ؟ ايضا : ما طبيعة الاغذية ، والملابس ، والازياء ، والموسيقى ، والهندسه المعماريه ، والتقاليد ، والاديان ، واللغات ، واللهجات ، والطقوس ، والعادات ، والتقاليد ، والعلاقات ، والشراكة .. الخ ؟  ما الفرق بين مجتمعات دجلة المحلية عن مجتمعات الفرات المحلية ؟ ما طبيعة العشائر العربية والكردية والتركمانية وغيرها .. ؟ واخيرا ، ما موقع العراق في الجغرافية الثقافية للعالم ، عندما نعلم بأن هناك في العالم حوالى 200 دولة مختلفة واكثر من 6000 من لغات متميزه. واللغة ، كما هو معروف ، هي الاساس في التكوين الثقافي ، ثم اخيرا موقع الثقافات العراقية ازاء ما يقرب من 6000 من ثقافات العالم المختلفة ايضا في افريقيا واسيا واوروبا والامريكتين واوقيانوسيا.

انتظر القسم الثاني من المحاضرة
www.sayyaraljamil.com


57
جوزيف بايدن : نائبا وربما رئيسا ؟
د. سيّار الجميل

قبل قرابة العام ، نشرت مقالة بعنوان " مشروع بايدن : تمزيق العراق لا تقسيمه ! " ( النهار البيروتية ، 5 اكتوبر 2007 ) انتقدت فيها مشروع السيناتور جوزيف بايدن الذي اقره الكونغرس الامريكي ، بتقسيم العراق الى ثلاث دويلات هزيلة .. وقد لاقى القرار رفضا واستهجانا من قبل الشعب العراقي والمجتمع السياسي العربي .. وكان السيد جلال طالباني رئيس جمهورية العراق ، قد بارك القرار ، ووصف ردود الفعل الرافضة بالعاطفية وغير المتمعنة .. واليوم ، يأتي المرشح اوباما كي ينّصب جوزيف بايدن نائبا له ، معتبرا اياه " خبيرا في السياسة الخارجية " ، وان تفكيره الصارم يخيف الحكام المستبدين . صحيح ان بايدن له " خبرته وضلوعه في الشؤون العالمية" ، ولكنه خبير فاشل ، وان سجله السياسي يشهد له بمشكلات احدثها نتيجة ادخال انفه في شؤون الشرق الاوسط ، وانه سيزيد من الاخطاء الامريكية كثيرا في معالجة تلك " الشؤون " المعقدّة، وكان هو نفسه وراء تسجيل الولايات المتحدة اخطاء عدة ، وخصوصا في ايران والعراق . انني اكتب اليوم مقالتي عنه مطالبا العرب معرفة من يكون بايدن ؟ وماذا لو جاء نائبا للرئيس الامريكي الجديد في حال اختير باراك اوباما ؟ وماذا لو اختارته الاقدار رئيسا  في غياب اوباما ؟
لقد اصبح بايدن سيناتورا في الكونغرس بعد اختياره نائبا عن الحزب الديمقراطي لولاية ديلاوار, فتولى عضوية لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الأميركي سنوات طويلة قبل أن يتولى رئاستها في 2007. وقد عرف بأنه صاحب دور قوي ومؤثر في مكافحة الإرهاب والمخدرات ومنع الجريمة. انه ابن ديلاوار التي ترعرع ودرس التاريخ والسياسة والقانون وتخرج في العام 1968 .. عمل محاميا ، ودرّس القانون الدستوري ، ثم دخل المعترك السياسي ، وانتخب نائبا عن الحزب الديمقراطي لأول مرة عام 1972 وهو في الـ29 من عمره. وتقلد جملة من المناصب بالمجلس أبرزها رئاسة لجنة الشؤون الخارجية إضافة إلى عضوية عدة لجان قانونية.
 وخاض جزءا من الانتخابات الرئاسية عام 1988، ثم انسحب على خلفية اتهامه بسرقة خطاب ألقاه في ولاية إيوا عن خطاب لزعيم حزب العمال البريطاني. وأعلن مجددا ترشحه للانتخابات التمهيدية عن الديمقراطيين لمنصب الرئاسة لعام  2008 ، ثم أعلن انسحابه  بعد أن حل بعيدا خلف كل من باراك أوباما وهيلاري كلينتون. ويعتبر بايدن من أبرز دعاة تقسيم العراق إلى ثلاثة دويلات : للسنة في الوسط والشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال. وقد اختاره المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية باراك أوباما في 23 أغسطس/ آب 2008  لمنصب نائب الرئيس. فماذا لو غدا بايدن نائبا للرئيس ، او شاءت المقادير ، وأتى رئيسا لامريكا ؟؟
ان اخطاءه لا تحصى ، فهو يدلي باحكام خطيرة تختصر المسافات الطوال من دون معرفة دقيقة في قضايا الشرق الاوسط التي تعتبر الاخطر في العالم .. احكام سريعة تأتي بلا اية تفاصيل ، ومن دون التأّني قبل اطلاقها ! لقد كان تبّنى سياسة الانفتاح على ايران ، من دون ان يعرف ما الذي عليه وضع ايران .. وعندما انتقد على مواقفه ، هرب من الاجابة من دون ان يتراجع عن مواقفه السريعة وخطابه الملئ بالاخطاء الحرجة ! وظلت مواقفه سيناتورا في مجلس الشيوخ تتسم بالتناقض بين العدائية والتعاطف عن غباء ، بعيدا عن اية العاب ومناورات سياسية ، ناهيكم عن كتاباته التي جعلت منه شخصية متذبذبة ومضطربة .. وبينما كان العراقيون يطالبون ويناضلون  من اجل مشروع وطني .. تقّدم بايدن بافكار تؤجج روح الانقسام الاثني والمذهبي ، ونشر خطة لتقسيم العراق علنا ، وصرّح بأن  "الولايات المتحدة تخطّط لتقسيم العراق". ان بايدن لا يميّز بين مبادئ وطن وبين آليات سياسة .. انه ، ومن خلال تصرفاته ومواقفه قد أضر بمصداقية السياسة الامريكية ان كان العالم يحتفظ لها بأي مصداقية ! ان مواقف هذا السيناتور مفضوحة ، بحيث ليس باستطاعته كتمان ما الذي يدور في الكواليس السرية لصناع قرارات العالم .  انه انتقد " سياسة النصر " الامريكية ، لا لمبدأ انساني حمله ، بل من اجل  غايات سياسية ومناورة من اجل السلطة . وهو يؤمن ايمانا راسخا بفوضى الاقليات في الشرق الاوسط ، لا حقوقهم التي يحققها اصحابها  ..  ولعّل من اعظم جناياته السياسية تقديمه مشروعا في تقسيم العراق ، من دون ان يعرف جزئيات تاريخ العراق ، ومن دون ان يدرك طبيعة جغرافية العراق . ان جهله بقضايا العراق دعاه الى مثل هذا الحل الذي لا يدري ان غدا في قيد التطبيق ، فسيغرق العراق ببحر من الدماء ، وسيفتح الباب في الشرق الاوسط على مصراعيه امام حروب لا اول لها ولا آخر ! ومن السخف ان يشّبه سارق الخطابات العراق بيوغسلافيا سابقا ! او ان يدعو الى تطبيق افكار جنونية عن ايران والخليج .. ولما كان لارائه ردود فعل قوية ضده .. فلقد سحب اقواله واعتذر امام العالم ! انني انّبه في مقالي ، كل ابناء منطقتنا في الشرق الاوسط من سذاجة افكار هذا الرجل  ، ومواقفه المتناقضة ، واحكامه السريعة . وكلها تنبؤنا عن شخصية قيادية مضطربة لا تعرف اولويات الممكن السياسي ، ولم تحترف فن الحكم .. والانكى من ذلك عدم قدرتها في صياغة خطاب وجهلها لكل اوضاعنا .. فهل سيشارك بايدن في مصائر العالم ؟ دعونا ننتظر ..
www.sayyaraljamil.com

البيان الاماراتية ، 3 سبتمبر ، 2008

58
بَرويز مُشَّرف : هروبٌ غَير مُشِّرفْ !
د. سّيار الجَميل


قبل عام مضى بالضبط ، كتبت في جريدة البيان يوم 8 اغسطس 2007 ، مقالتي الموسومة " برويز مشّرف في خط النار ! " اختتمتها بالقول التالي : " والباكستان اليوم تمّر بأشد ازماتها بعد ان خسرت حروبا  وان وقوفها الى جانب الولايات المتحدة في غزو افغانستان بالحرب على الارهاب قد فجّر الموقف الداخلي .  فاذا كانت المذكرات  قد كتبها من موقع القوة ، فهو اليوم ضعيف يسعى نحو المدنيين لاقتسام السلطة وربما سيخلص من ورطته وهو في خط النار فعلا .. وما لقاؤه الاخير مع السيدة بنازير الا الشروع بصفقة جديدة ، ربما يتخلى  من خلالها عن السلطة ـ كما نصحه البعض ـ ، ام انه سيدفع ثمن اخطائه واخطاء الحكومات العسكرية  باهظا ؟ هذا ما ستشهد به الايام القادمة ، فلننتظر ! " .
نعم ، بعد سنة بالضبط من دخوله خط النار ، لم يستطع برويز مشرف البقاء في السلطة ، فآثر الرحيل بعد ان ادى دوره كما يجب ، ولم يكن تنحيه مفاجئا للمراقبين الذين تابعوا الاحداث الدراماتيكية بالباكستان منذ عام مضى .. ولعل من ابرز اسباب اختيار مشرف الاختفاء من الواجهة بعد ثماني سنوات من حكم عسكري بزعامته ، تفاقم الازمة التي كان قد فجرها افتخار محمد شودري في يوم 9 مارس 2007 الذي حمل على العسكر الاستئثار بالسلطة من خلال احكام قضائية بادانة ما كان يجري من صفقات بين الجيش ورجال الاعمال الباكستانيين ، فقام مشّرف بعزله ، فتفاقمت الازمة بانبثاق معارضة مدنية ديمقراطية ممثلة بـ " حركة المحامين " التي قادت اكبر حملة سياسية ضد مشّرف خلال الاشهر الاخيرة من 2007 ، وساندهم القضاة الجدد الذين كانوا وراء تجديد الحركة السياسية الباكستانية التي كان جنرالات الجيش يريدون خنقها مع كل من كان يجري وراءهم : رجال اعمال وسياسيين فاسدين واسلاميين متشددين . لقد كان المجتمع المدني قد تشّكل في حركة ثورية يزداد غليانها مع توالي الايام ، وغدت لاهور معقلا لها ، بحيث بلغ نشطائها 1200 عضوا ، ويتزعمها القاضي شودري .. هذا الذي تصادم مع ضياء الحق سابقا ( 1977- 1988 ) وكان يدير هذا التيار المعارض من قلب بيته ، مطالبا الجيش ان يعود الى ثكناته واستعادة دولة القانون المدنية .
كان الجيش الباكستاني قد تورط ايضا في يوليو 2007 باقتحام المسجد ، فتفاقمت العمليات الانتحارية ضد الجيش والشرطة من قبل العشرات من المقاتلين القبليين شمال غرب الباكستان ، وذهب ضحيتها مئات القتلى والجرحى ، اذ كان الموقف ، نهاية قاصمة لرابطة الجيش بالاصوليين الاشداء .  وكان هناك تحالف قوي بين النظام الحاكم والقوى الاسلامية التي يتعاطف معها ابناء الشعب . وكانت المعارضة الاسلامية بقيادة مجلس العمل الموحد المعارض تضم ستة احزاب اسلامية .. وكان التحالف بين النظام وهذه القوى وثيقا ، يعود الى ايام ضياء الحق ومنحه لهم حق تكوين امارات اسلامية تابعة لسلطة نظام اسلام آباد .
وكان اغتيال الزعيمة بنازير بوتو .. قد دقّ اسفينا في قارب نجاة مشرف ، اذ زاد الهياج ضده بعد التقائه معها ، فوقع بين ذاك الهياج وبين مع زيادة الضغوط الامريكية عليه .. فافتقد مكانته ، وبدأ بتقديم عدة تنازلات بالتخلي عن النظام العسكري للبلاد ، وتخليه عن البزة العسكرية وعن قيادة الجيش مستجيبا للمعارضة التي تطالبه باستعادة البلاد الحكم المدني . لقد كانت الولايات المتحدة تتابع كل التطورات الدراماتيكية الباكستانية بعين الريبة ، بل وجدت ان برويز مشّرف لم يعد باستطاعته السيطرة على الاوضاع .. مع ارتفاع نجم رئيس الحكومة الباكستانية الجديدة يوسف رضا جيلاني .. وان الامريكيين اكتفوا بالخدمات التي قدمها لهم برويز عند خط النار ، فاعتبروا ما يحدث له كالعادة : مسألة داخلية باكستانية يحسمها البرلمان، وانهم يحترمون الارادة التشريعية الباكستانية .. بعد ان كانوا يعتبرون الباكستان اسوأ بؤرة ارهابية في كل الدنيا قبيل 11 سبتمبر 2001 !!
ويبدو ان برويز مشّرف لم يعد صالحا ، اذ عاد شبح حركة طالبان جحيما يخيم على الباكستان التي تعتبر ملاذا آمنا للارهاب ، مع تدفق اللاجئين الافغان الى اراضيها ! وغدت الحرب ضد الارهاب مستنقعا دمويا فيها ، يهدد مصيرها ، وخصوصا بعد ازدياد النقمة الشعبية على برويز الذي وجد خط النار يلتف عليه ان لم يجد مخرجا ، ويهرب بعيدا عن الواجهة .. لقد كانت الباكستان ولم تزل تلعب لعبة مزدوجة كغيرها من البلدان ، خصوصا ، عندما يستمر دعم المخابرات الباكستانية للاحزاب الدينية ، فهي تعمل بتعزيز التطرف ، وهو الاسلوب نفسه الذي يتبعه بعض حكّام الشرق الاوسط من دون اي هاجس بتفاقم مشكلات لا اول لها ولا آخر .. كلها ستقود حتما الى اغراق المنطقة بالازمات والحروب والكوارث ..  لقد خرج برويز مهزوما مدحورا نتيجة سياسته المزدوجة والفردية والعسكريتارية التي اتبعها .. وهو نفسه الذي ساهم بخلق خط النار يلتف من حوله .. ولم يجد نفسه وحيدا امام خيارين احلاهما مر ، فاما البقاء كي يحترق ، واما الهروب من المواجهة الصعبة .. فمن سيحّل الدور به في المرحلة القادمة ؟ وما مستقبل الباكستان وهي تعج بالفوضى الخلاقة ؟ أيكفي سيناريو الباكستان كي يكون لوحده في الميدان ؟ وهل سيكون برويز عبرة للاخرين من الذين يسلكون سلوكه حتى الان ؟ دعونا ننتظر ..

www.sayyaraljamil.com

البيان الاماراتية ، 27 اغسطس / آب 2008

59
العراق : مشروع دولة متمدّنة
التجربة التكوينية


د. سيّار الجَميل

الملك فيصل الاول : مؤسسا لدولة ذات مشروع استراتيجي
ولذلك فان وجود الحكم الملكي في العراق ابان المرحلة التأسيسية على عهد فيصل الاول 1921-1933 او ابان المرحلة الانتقالية على عهد غازي 1933-1939 ، أي بمعنى ، ان العراق المعاصر عاش في أول عقدين من حياته، بروح الفطرة الملازمة لأبنائه الذين وجدوا أنفسهم في دولة ملكية يقف على رأسها فيصل الاول وابنه ، واعتقد ان جميع العراقيين سواء اولئك الذين كانوا مع فيصل أم ضده قد شعروا بأن شيئا جديدا قد ظهر للوجود اسمه العراق الحديث بزعامة عربية هاشمية ، وهذا يكفي فقط من أجل النسج للإعلان الأولي عن اهتمامات السلالة الهاشمية الحاكمة والتي تمثلها أسرة صغيرة جدا اكتسبت ثقة العراقيين منذ الايام الاولى علما بأن كسب ثقة العراقيين صعبة جدا في بداية الامر.. ويبدو لي ان تلك " الزعامة " المؤهلة كانت حاجة العراق اليها ضرورة أساسية بالرغم من رؤية العراقيين لها من منظار آخر ، فهي قد وجدت فيها مزجا حقيقيا بين التاريخ والدين والمذاهب والعروبة والحداثة والقيادة والتجربة الفيصلية .. ويبقى الانكليز هم اصحاب الامر والنهي في كل المقترحات والترشيحات والحل والعقد والفصل ، وأتى العراقيون لينادوا بفيصل بن الحسين ملكا على العراق ..  ولحسن الحظ ، فان الذي ساعد على ذلك كله ، حجم التواريخ التي حفرها المثقفون والعسكريون العراقيون في الذاكرة ، وهم الذين قادوا  تحركات  العرب ضد الاتراك ايام الحرب العالمية الاولى تحت قيادة فيصل نفسه  .

الدولة في العراق كانت قبل المجتمع
من المنجزات الأساسية للعراق ، والتي غدت مثار اعتزاز نخبة واسعة من المثقفين العراقيين على صفحات الجرائد والمجلات في الفترة بين 1921-1939 ، قد تمثّلت بما سمي بـ " استقلال العراق " ودخوله كأول دولة في المنطقة عضوا مستقلا في عصبة الامم ، وهذا اجراء مهم جدا على المستوى الدولي . وكان هناك سبب آخر هو أن مواكبة الاحتياجات المستمرة للبلاد التي كانت في طور صعب من التردي والتخلف.. وعليه ، فقد أضيفت منجزات بشكل رائع الى وسائل التعليم ، وبتماسك كاف أخذت الملكية العراقية في هذه السنين بفكرة مشروع التعاطف مع آلام جميع الوطنيين العرب وحياتهم وبتأييد صارخ من قبل المثقفين العراقيين مدنيين كانوا ام عسكريين . وبدأ العمل بنشر هذه الفكرة في المدارس على عهد فيصل الأول (1921-1933)، الذي اتبع كرئيس أعلى للبلاد نهجه الريادي بحكم ما تملكه من كاريزما ، لم يتمتع بمثلها غيره من القرناء ، وفي العراق ، قبل أي بلد عربي آخر ، ولكن بالحاح واضح .. واقصد بنهج الريادة هنا ، العمل على تأسيس كيان مدني حديث لكل من الدولة والمجتمع ، وهذا ما لم نجده عند معاصريه من القادة العرب ، فلقد تفوق كثيرا بقدراته في هذا المجال على اخيه الامير عبد الله الاول في شرقي الاردن ، وايضا على الملك فؤاد الاول في مصر ، وايضا على الملك عبد العزيز آل السعود وغيرهم .. لقد استطاع فيصل ومن حوله العشرات من الساسة والمثقفين المدنيين والعسكريين العراقيين الاوائل من تشكيل كيان عراقي مدني تفوق على غيره من الكيانات العربية اولا سنة 1921 م ، وسبق كل من الجمهورية التركية ( التي تأسست عام 1923-1924 على يد اتاتورك ) والمملكة الايرانية ( التي تأسست عام 1925 على يد الشاه رضا بهلوي ) ) علما بما في العراق من مشاكل داخلية متنوعة ، اذ كانت هناك واجبات صعبة تفرض نفسها بإلحاح أيضاً تتمثل برعاية مختلف عوامل الثبات التي تضغط على المشاعر العامة والأهداف العامة أيضاً في داخل العراق.

فيصل : النسيج الداخلي بين اللحمة والتفكك
قال الملك فيصل الاول في مذكرته الخاصة التي كتبها قبل أن يموت عام 1933 بقليل بانه ما زال هناك الكثير الذي يستوجب عمله يقول ذلك بقلب مليء بالأسف بأن ليس هناك شعب عراقي ، ولكن هناك جمهرة كبيرة جداً من الكائنات البشرية خالية من أي أفكار وطنية، ولكنها مشربة بتقاليد سخيفة غير مرتبطة مع بعضها ، وهذه الجمهرة من الكتل المختلفة ، تصغي لصوت الشر، ميالة إلى الفوضى السياسية، وهي دوماً مستعدة  للنهوض ضد أي حكومة مهما كانت. ويتابع فيصل بأننا نريد من كل هذه الجماهير أن نوجد في العراق ، شعبا ندربه، ونعلمه، ونهذبه... لقد أدرك فيصل الاول طبيعة المجتمع العراقي منذ وقت مبكر . كما عمل بمعرفة ودراية على إستمالة الجميع ، وكانت له رؤيته المتوازنة لكل الممل والطوائف والاديان والاعراق .. لقد كان يهاب شيعة العراق ، ويعتبرهم جزءا منه كونه سليل آل البيت في العراق وكان يستمع لهم الى مطالبهم ومعاناتهم على امتداد تاريخ طويل .. كما اصغى للسنة العراقيين وعرف أوضاعهم وقدراتهم  . فبدأ فيصل ليس بطريقة المصادفة ـ كما يريد البعض أن يقول ـ  بتحسين الوضع الاجتماعي والمعيشي لكل الطوائف ، ويؤكد البعض : ان اي تفرقة طائفية لم تحدث على عهد التأسيس ، ولكنني أرى حدوث بعضها في بعض المرافق ، وهذا لابد له ان يحدث بطبيعة الحال والاحوال ، ولكن اجد ان العراق كان متوازنا ابان فرص تكوينه التاريخية الحديثة ، وليسهل تسلم كل العراقيين وقبولهم للخدمة الحكومية، عبر أشياء أخرى وضع أعضاء شباب من هذه الطائفة او تلك في برنامج تدريبي سريع ومنحهم الفرصة ليصعدوا في مراكز عالية في المسؤولية .
 وأيضاً رأى الأكراد يتلقون نصيبهم الجيد من التعيينات الحكومية، وفي نفس الوقت شعر بأنه يمكن أن لا يكون هناك عمل جاد وصلب نحو حالة جيدة حقيقية بدون قوة الجيش. وبما أن الحكومة بعيدة عن الناس وضعيفة، كانت في عام 1933 في البلد أكثر من 000, 100 بندقية بينما الحكومة تقتني  000, 15 فقط، كانت هناك شكوك لدى فيصل الاول إذا كان سيستطيع التعامل مع نشوب حرب مسلحة في مناطق واسعة منفصلة، فكّر بأنه سيكون من الجنون عمل إصلاحات مهمة ومشاريع تطوير بدون التأمين بأن هناك قوة حماية كافية. ولكل هذه الأسباب أخذ بعين الاعتبار بأن الجيش هو العمود الفقري لإنشاء الأمم. وفقاً لذلك في عام 1933 ، وهو العام الذي حصل في بعض المناطق الداخلية العراقية ما يثير القلق .. وعليه ، قام فيصل برفع القوة العسكرية العراقية المؤسسة إلى  500, 11 رجل من مجموع  500, 7 الذي بقى ثابتاً منذ عام 1925.
مشروع تجديد العراق :
في جهوده لتجديد العراق في المؤسسات الوطنية، باشر الملك فيصل الأول اهتمامه كيفية تقّبل المجتمع لتلك المؤسسات اولا ، وكيفية بناء علاقات الثقة بين العراق وجيرانه من اجل وضع نهايات لكف الاذى الذي يتعّرض له العراق من كل الاطراف ثانيا ، في حين تبقى الوحدة الوطنية هي الشغل الشاغل والهم الوحيد امامه ثالثا .. ان اعتماده على اهم كفاءات البلاد واكثرها عملا وتفانيا واخلاصا للبلاد لا لنفسه وتجسيره للفجوة بينه وبين كل ابناء النخبة العراقية رابعا ، ناهيكم عن مبدأ " خذ وطالب " في التعمل مع الانكليز الذين ربطوا العراق بمعاهدات معهم خامسا .. كانت اهم النقاط الجوهرية في سياسة فيصل في مشروعه تجديد العراق .
ويتابع المؤرخ ان فيصلا قد أبقى عيونه متيقظة ليس فقط على ما هو يستحق ذلك ، ولكن على ما يمكن أن يحقق بالتدريب، وقام بتجنب أي خطوة تثير ذكريات المغامرة  الفردية فلقد كان مؤسسا لدولته الفيصلية من قبل ان يغتالها الفرنسيون في دمشق ، كما وتجنّب تماما ان يثير اي مشاعر عراقية بالضد من سياسته ، على الرغم من تمكنه في اصدار قرارات استراتيجية . ومع كل هذا وذاك ، لم يخلص الرجل من انتقادات حادة وجهها العراقيون له علنا وبلا اي مبرر .  وبالطبع في هذه تماماً مثل الاتجاهات السياسية المناسبة الأخرى كان يتوخى تجنيب العراق الدخول في أية مزالق اقليمية وفي منطقة حساسة مشوبة بالحذر ،  وكان يخشى عاقبة اية انقسامات داخلية فلم يشغل باله تماما إلا بشعبه، وأنه كان قلقا على مصيره من بعده برغم تأسيسه على قاعدة القوة داخليا  ، ويكفي ذلك برهانا ساطعا على من يقول بأن فيصلا في مبادئه وركائزه كان نموذجا مستعارا لدولة خلقها الانكليز !! واذا كان فيصل له بهض الاخطاء والهفوات ، الا انها لا تعد خطايا وجنايات كالتي ارتكبها غيره من زعماء العراق لاحقا ، اذ لم يبق فيصل الاول رمزا تأسيسيا للعراق ، ولم يتبع كل الزعماء الذين اتوا من بعده خطواته اسسا والبناء عليها مقارنة بما حدث في كل من ايران وتركيا والسعودية .
 أن العراق بعده وتحت ولده حكم الشاب قليل الخبرة الملك غازي (1933-1939) سقطت الدولة فريسة للانقلابات العسكرية والقلاقل الداخلية من قبل القبائل، وتأثيرات القوى السياسية العربية ، ولكن على كل حال لم يكن هناك حاجة ضرورية للانحراف عن الطريق الرئيسي للسياسة الملكية التي رسمها المؤسس فيصل ، ما عدا فترة قصيرة (1936-1937) ، اذ غدا العراق قاعدة أساسية لفعاليات جميع العرب من ساسة ومثقفين ، واصبح مسرحا قوميا قويا يعطي اهتمامه للمشكلات العربية أكثر مما يعطيه للتوازنات والمعضلات الداخلية ، علما بأن الجيش العراقي نمت قوته من 800 ضابط و500 ,19 رجل مقاتل في عام 1936  الى 1426 ضابطا و345 ,26 رجل مقاتل في عام 1939، وكان هناك القليل من الطيارين العراقيين في عام 1933 اذ كان يبلغ عددهم  37 طيارا ، وكان من المتوقع أن يزدادوا إلى 127 في نهاية العام التالي.
وأكثر من ذلك فان الخط الحديدي الأمامي من بغداد إلى قصبة بيجي شمالا ، وهو جزء حيوي من الخط المعياري كان من المفترض أن يكون جزءا استراتيجيا من الخط الحديدي بغداد- برلين، ولكنه تُرك غير مكتمل في نهاية الحرب العالمية الأولى، اكمل عموديا باتجاه الشمال الغربي وصولا الى قرية تل كوجك عند الحدود السورية، وهي خطوة استراتيجية في حياة مسالك العراق البرية والتي عملت على تغير اتجاه اقتصاديات المنطقة من الموصل شمالا إلى الخليج العربي جنوبا ، وذلك يعني في الحقيقة ليس فقط الربط بين المدن العراقية ، بل يعني تقدم عملية التطوير باتجاه التغيير الاجتماعي في العراق وتأسيس التجسيرالمنظم في الاقتصاد.

وقفة أخيرة
واخيرا ، هذا غيض من فيض التأسيس ، وهذه مجرد نماذج وامثلة تاريخية لما حفل به تجديد العراق الحديث .. اعتقد بأن الخطوات التكوينية لمشروع بناء العراق الحديث لابد من استيعابها ودراستها اليوم ، فاننا احوج ما نكون اليها والعراق ـ كما يبدو ـ مشرذما وضعيفا وآيلا للانقسامات الداخلية ، وتعبث به الاجندة الخارجية مهما كان نوعها .. العراق اليوم اسوأ بكثير من بدايات القرن العشرين .. ان معاناته اليوم ناتجة ليس عن عوامل خارجية بحتة ، بل انه يكابد من امراض داخلية لا توصف ، واذا كان العراقيون يحلمون بدولة يمكن ان يكون لها وزنها بين الامم ، فانهم اليوم يحلمون بمجتمع آمن ومستقر يمكنهم ان يعيشوا فيه مثل باقي البشر .. اذا كان قد وقف في بدايات تأسيس العراق الحديث رجالات لهم وطنيتهم وكفاءتهم ونزاهتهم واخلاصهم ، فهل يمكننا ان نجد اليوم نظراء لاولئك الرجال ؟ الكل يقول : لا ابدا !

25 آب / اغسطس 2008
للبحث صلة
www.sayyaraljamil.com


60
اغتيال كامل شّياع :
فجيعة مؤلمة لكلّ المثقفين العراقيين


د. سيّار الجميل

صعقني خبر مصرعك الدامي ايها الصديق العزيز كامل شيّاع .. واهتز لاغتيالك الآثم  كل المشهد الثقافي العراقي .. وبكى عليك كل من عرفك عن قرب .. وعرف مزاياك العراقية الاصيلة .. لم تكن مثقفا ملتزما ومنظما حسب ، بل كنت انسانا عراقيا طيبا غاية الطيبة .. يتلمس سجاياك الكريمة كل من عرفك ورآك ، بل وتداول اسمك كل المثقفين العراقيين .. كنت امينا على موقعك الثقافي ببغداد منذ سنوات وانت تعمل ليل نهار في خط النار من اجل العراق .. ان الحزن العارم على رحيلك الذي اراده لك المجرمون .. هو رسالة مؤلمة تخبرنا انك لم تكن مستشارا في وزارة يسمونها وزارة الثقافة ، بل كنت مثقفا اصيلا ، وانسانا قلما يجود الزمن بمثله .. لقد بكيتك بحرقة بالغة لأنني عرفتك ، وكنت سعيدا جدا بمعرفتك .. وجدت فيك وانا اجالسك طعم العراق ، وروح العراق ، وقيم العراق ، وشموخ العراق ..
كنت تصغي رفقة الاخت العزيزة ميسون الدملوجي الى محاضرتي في " بنية الثقافة العراقية " قبل قرابة ثلاث سنوات ولم تفارقك ابتسامة المحب العاشق لثقافة العراق المتجددة .. ومن يعشق ثقافة العراق ، يلتصق بتراب العراق ، وماء العراق ، وهواء العراق .. وكنت معك جنبا الى جنب على مائدة عشاء ، وانت تحدثّنى عن متغيرات ثقافة العراق وما يمكن عمله من اجل مستقبل اجيال العراق الجديدة .. كنت تحدثّني عن المتوحشين الذين يريدون قتل ثقافة العراق ، ومحو حداثة العراق ، وهتك كل ابداعات العراق بطقوسهم البالية ومهرجاناتهم المضحكة .. كنت تشتكي لي من مكابدات تعانيها وانت في وزارة الثقافة وعلى رأسها " وزير " متخلّف لا يعرف معنى " ثقافة " ! كنت تنقل لي مشهد العراق المرّ  ، والالم يعتصرك لما آل اليه وضع العراق .. وعندما قلت لك : اني اخاف عليك من كل هذه الامواج اللعينة التي طغت كالجراد على كل الحياة .. ابتسمت ، وقلت : لقد اخترت العراق ، ولن ارحل منه ابدا ، وسأبقى التصق بترابه حيا او ميتا !  بقيت تراسلني .. بقيت تكتب لي واكتب اليك .. بقيت تسألني وأسألك .. تجيبني واجيبك .. تحدثني واحادثك .. تبلغني سلام الاصدقاء واقرئهم وأياك كل السلام .. كم ناشدتني ان اكتب لك مقالا او خطابا لنشره ، وكم طلبت مني ان ازور العراق .. ؟؟
لقد خسرناك يا اطيب الاصدقاء ، وافتقدك العراق ، ورحت مغادرا قسرا ميدان حياة العراق ، وهو في امّس الحاجة اليك في بحر هذه الايام .. قتلك الجناة القتلة في لحظة دموية بائسة على جسر محمد القاسم ببغداد ، وفّروا الى المجهول ليبكي عليك كل المثقفين العراقيين في يوم مذهل ينبغي ان يمثّل في ذاكرتهم كل انحدار العراق ومآساة هذا الزمن الغادر ..  ان صوت المثقفين العراقيين لابد ان يعلو على كل الاصوات المنكرة والمرتزقة واللقيطة والغادرة والمنافقة والمتردية التي لا تعرف الا الظلام الاسود ولا ترى العراق الا من خلال العواصف الهائجة  .. ان صوت المثقفين العراقيين ليكن حرا وشجاعا بوجه كل الصامتين من السياسيين المتخلفين الذين لم يجدوا مكانا لهم الا في المنطقة الخضراء .. ماذا جنى كامل شيّاع بحق السماء كي يغتاله الغادرون ؟ ماذا فعلتم بقوافل الذين رحلوا من اجل العراق وهم احرار ابرياء .. حتى يقتل كامل شّياع ؟
كم وجدتك مثقفا حقيقيا ، غزير المعلومات ، عميق الرؤية وانت تتوغل في الثقافة الانسانية ؟ كم وجدتك تتبارى معي في عشق الموسيقى العالمية ؟ كم وجدتك تهوى دجلة والفرات .. والنخلة وعنبر شامية المشخاب ؟  كم وجدتك رقيق الحاشية ، عذب اللفتات ، هادئ الطبع ، سريع البديهة .. ساحر الكلمات ؟ كم وجدتك تقدميا تهوى الفكر المعاصر ، وتسمو بالحداثة على مختلف الجبهات ؟ كم وجدتك نزيها نظيفا .. وانت تسير على نهج من سبقك من المناضلين العراقيين واثقي الخطوات ؟ كم وجدتك انسانا حرا تريد العراق حرا ومتطورا وموحدّا .. لا ينال منه الطغاة ، وان يكون شعبه فوق كل الشبهات ؟  كم وجدتك متواضعا ، دائم البسمة ، تحلم بالعراقيين تزدهر اجيالهم بكل المستويات ؟ كم وجدتك اكبر من كل اولئك الجهلة الذين يتربعون على كل الاطباق وفوق كل الركامات ؟ كم وجدتك متغايرا .. تتقبل الافكار والاراء المختلفة وتؤمن بالديمقراطية والسلم والامن وقوى الانتاج بعد كل ما مضى من صراع الطبقات ؟
قتلوك لأنك اكبر منهم ، واطيب منهم ، واسخى منهم ، واشجع منهم .. وانهم لمنتهون حتما الى مزبلة التاريخ .. ان عداءهم للثقافة الحية والنهج القويم .. جعلهم لم يلجأوا للغدر بك حسب ، بل لاقتراف جريمة غادرة بحق كل المثقفين العراقيين .. فقتلك هو قتل لكل المثقفين الحقيقيين ، من حيث يشعرون او لا يشعرون .. ولكن لن نسكت ابدا ، ولن يسكت صوت المثقف العراقي اينما كان في هذا الوجود .. سيبقى صامدا مع كلمته وخطابه وموقفه الخصم اللدود لكّل اللقطاء والطفيليين والارهابيين وانصاف المتعلمين .. ان دمك يا كامل سينير الدرب امام الاجيال العراقية القادمة ، ويعلمهم بأنه قد سفح من رجل مثقف ملتزم قبل ان يسفح من سياسي مناور ..
ان نضالك في اعماق الغابة الموحشة سيبقى صفحة بطولية ناصعة ، ورمزا لعهد يتساقط فيه خيرة العراقيين .. من دون ان يتحرك أي مسؤول من المسؤولين عن البلاد لعمل شيئ حقيقي مضاد ازاء استفحال هذا الجحيم .  ان برقيات التعاطف وابداء الاسى لا تكفي ابدا ، فهي بمثابة اعتراف بالصمت القاتل على تصفية كل المثقفين العراقيين الرائعين . ان التمادي باخفاء الاسرار ، او التغطية عليها ، او التعتيم على المعلومات والتحقيقات والتستر على كل اوراق الجنايات الفاضحة.. يبطن من ورائه خفايا سياسية نطالب بالكشف عنها عاجلا .. ان المثقفين العراقيين لا يمكنهم ان ينتظروا التصفيات تنالهم  الواحد بعد الاخر .. انهم لا يقبلون ابدا ان يعبث بمصيرهم بعد ان تم العبث والجريمة المنظمة بالاكاديميين والصحفيين العراقيين .
انني اناشد كل المثقفين العراقيين ان يقفوا صفا واحدا من اجل ابقاء كلمتهم ، واتساع خطابهم ، وصلابة مواقفهم .. انني اناشدهم بهذه المناسبة المؤلمة ، ومهما كانت اتجاهاتهم السياسية ، وميولهم الفكرية ، ونزعاتهم الايديولوجية ، ان يطالبوا الحكومة العراقية باتخاذ الاجراءات اللازمة ليس لحمايتهم انفسهم ، بل بنزع كّل الاسلحة من ايادي العراقيين ، وحلّ كل عصابات المرتزقة ، وميليشيات الاحزاب ، والجيوش غير الرسمية ، وفرق الموت الارهابية وان يسري العمل بالقانون الصارم ضد كل القتلة والمجرمين والعابثين والارهابيين .. وكل عصابات الدمار والخراب .
وأخيرا ، دعونا نقف زمن حداد لمصرع صديقنا جميعا الشهيد الاستاذ كامل شيّاع ، مستوحين من هذه المناسبة المؤلمة الدرس بأن ما يجري في العراق اليوم هو الخطر الذي سيأخذه الى الدمار ، فهل نحن بمدركين لسوء المصير . سيبقى أسم كامل شيّاع ، محفورا في ذاكرتنا العراقية شعلة متوقدة ورمزا وطنيا .. وسنذكره دوما بطيبته وبساطته .. بثقافته ومنتجاته .. باخلاصه ووفائه وحبه للعراق .
سّيار الجميل
تورنتو ، اونتاريو
24 آب / اغسطس 2008

61
جورجيا : وَرطةٌ جَديدة !!
د. سيّار الجَميل

كثيرون في هذا العالم ، فوجئوا باندلاع الحرب من قبل الروس في جورجيا ساعة انطلاق الشعلة الاولمبية في بكين .. في حين ان بعض المراقبين في هذا العالم كانوا يتوقعون انفجار الصراع المفاجئ ليس من اجل اوسيتيا الجنوبية ، بل كانت هذه " الاخيرة " ومنذ سنوات دمّلا متقيحا قابلا للانفجار ، خصوصا وان جورجيا كانت تتمرد يوما بعد آخر على الدب الروسي ، وتضع بيضها في السلة الامريكية غير مبالية ، ولم تكن ثورة الورد في العاصمة تبليسي الا جزءا من السعي لامتداد النفوذ الامريكي في القوقاز .. تلك " الثورة " التي اطيح من خلالها بشيفارنادزة ، وقدوم شاب جورجي متشبّع تماما بالثقافة الامريكية اسمه ساكاشفيلي ليكون رئيسا لجورجيا ، كي يزداد الضغط الروسي على اقليم اوسيتيا الجنوبية الذي كانت قضيته قد نضجت بعد ان طبخت على نار هادئة ، فهو تابع لجورجيا ، ولكن نفوذ روسيا فيه كبير جدا . وعليه ، ينبغي القول ان الصراع لم يكن بصراع نفوذ محلي على هذا الاقليم ، بقدر ما تثيره قوة المصالح الدولية ، وخصوصا ، في خضم سياسات المد والجذب بين الامريكيين والروس ..
ان مصالح الولايات المتحدة بمشروع ضم جورجيا للناتو ، وجعلها درعا واقية للمجال الحيوي للشرق الاوسط ، قد تصادمت مع مصالح الروس الذين يريدون تدفق النفط عبر سواحل جورجيا .. ان سيناريو القوقاز الجديد لا يبتعد باطّراد عن اشتعال هذا " المنطقة " بكل تعقيداتها الاثنية والاجتماعية ، وهي تدخل حزام مرّبع الازمات الذي يعج بالازمات والمشكلات ـ كما اوضحت ذلك في كتابي العولمة الجديدة والمجال الحيوي للشرق الاوسط : مفاهيم عصر قادم ، 1997 ـ .
لقد سمعنا لمبررات الروس الهائجين الذين وصفوا السياسة الجورجية باقذع التعابير ، خصوصا عندما حملوها مسؤولية الابادة الجماعية ، والتطهير العرقي ، وهي لغة استخدمها الروس ازاء خصومهم في دول اخرى .. وهي نفس اللغة الاعلامية التي استخدمها الامريكيون ضد صربيا عام 1999 .. وكما ولدت استقلالية كوسوفو ، فهل سيكون بامكان الروس اعلان ولادة اوسيتيا الجنوبية ؟ انني اشك في ذلك !
ان أوسيتيا الجنوبية في الأراضي الجورجية، طالما كانت محميةً روسية في منأى عن سلطة حكومة ساكاشفيلي. والواقع أن الكارثة التي تحدث حالياً في القوقاز ، وتبرز للمراقبين : نذر تغير سريع في السياسة الروسية الحالية ، كونها تسعى اليوم من اجل المشاركة في تقاسم كعكة الشرق الاوسط ومجاله الحيوي . انها اليوم قد انقلبت على قرارات اصدرها يلتسين قبل 17 عاما ، والتي تقضي بتحويل الحدود بين الجمهوريات السوفييتية الى حدود دولية ، فانهار الاتحاد السوفييتي ، وهو ما سمح له بكبح جماح القوى الشيوعية والقومية داخل البرلمان الروسي، والتي كانت تطالب دوما باسترجاع المناطق التي فقدتها روسيا.
لقد احكمت روسيا صنع القرار في مثل هذا الوقت بالذات ضاربة  بكل التزاماتها عرض الحائط ، ولكن ما الثمن الذي يمكنها ان تدفعه عندما تحسم امور كل من اوسيتيا الجنوبية وابخازيا لصالحها ؟ ان من يدرس طبيعة العلاقات القوقازية الروسية على امتداد القرنين السابقين فقط ، يخرج بنتيجة مفادها ان قدر كل من القوقاز وترانس قوقازيا ، بقاءها تحت رحمة او بطش الدب الروسي الذي له القدرة على ان يضرب ويقسو .. وعليه ، فليس امام هذه الدول والشعوب القوقازية  كلها الا توثيق علاقاتها مع روسيا ، ومن ثم بالاتحاد الاوربي . عموما ، ان مشكلة بعض هذه الشعوب المغلقة ، تصورها ، ان تحالفاتها مع الولايات المتحدة الامريكية ستنقذها مستقبلا ، وان الامريكيين سيقومون بحماية دولهم واقاليمهم ، من دون اي تفكير او اي احساس بالقلق من ان الولايات المتحدة تبحث عن مصالحها ، وعندما تتغير او تتبدل او تنتهي تلك " المصالح " ، فمن البساطة ان تحرق اوراقها كلها ، وتنفض ايديها من اي تعهدات او وعود !
لا يمكن ان تبقى جورجيا تدور في الفلك الامريكي من دون ان تعمل روسيا على تأمين اوسيتيا الجنوبية وابخازيا في جيبها ، وربما قد تصبحان بلدين مستقلين مفترضين ( على غرار كوسوفو ) ، وسنرى الى اي افتراق يقود هذا الصراع الدولي على سواحل البحر الاسود في شمال المجال الحيوي للشرق الاوسط ، وبالاتفاق مع الامريكيين .
انني اعتقد ان روسيا ان نجحت في تحقيق خططها الاستراتيجية هذه ، فانها بدأت تستعيد قوتها بعد عشرين سنة من انهيار الاتحاد السوفييتي ، وانها غدت تجيد اللعب مع القطب الامريكي ، كي تستفيد من بناء مواقفها . انني اعتقد ان روسيا بدأت تستعيد فكرتها القديمة بفرض هيمنتها على القوقاز .. ويبدو ان جمهوريات آسيا الوسطى اكثر حفاظا على علاقاتها القديمة مع روسيا مقارنة ببلاد القوقاز . ان القوقاز كله بحاجة الى بناء علاقات وثيقة مع روسيا ، قبل ان تدخل في صراع من اجل بلقنتها وتفكيكها . ان مواقف روسيا وخطابها قد خرجا اليوم على ركائز يلتسن السابقة التي منحت الاستقلالات  .. وهذا ما سيخلق متاعب جديدة تلوح في الافق .. وربما سيشهد العام 2009 ، مأزقا خطيرا ستكون له تداعيات ومضاعفات على كل الشرق الاوسط .. وآخر ما يمكنني ان اذكّر به ان روسيا لم تضع ماضيها وراءها ، وهي تحاول اليوم استعادة مجدها الاحادي قبل ان تركض لاهثة وراء الاتحاد الاوربي او غيره .
www.sayyaraljamil.com
البيان الاماراتية ، 20 اغسطس / آب 2008 .


62
بازار المخفيّات المتبادلة

د. سيّار الجَميل

غدت أحداث العالم تباع وتُشترى نسبة لحركة بازار المخفيات الأميركية المتبادلة.. العالم كله اليوم رهين اللعبة الانتخابية الأميركية ومقتضياتها، قوتها وضعفها، استراتيجياتها وتكتيكاتها.. فنونها ومناوراتها.. إن العالم كله بدأ يتأثر جدا بها، وبدا وكأنه كله، لا أميركا لوحدها، يهمه هذا المرشح الجمهوري جون ماكين، أم ذاك المرشح الديمقراطي باراك أوباما.
 
إن العالم كله لا يعرف في أية سّلة يضع بيضه، كي يفقس بعد الانتخابات الأميركية أو يفسد! بعضهم قد يغامر في رهانه مع هذا قبل فوات الأوان، وبعضهم الآخر ينتظر على قارعة الطريق. الكل يريد تقوية أوراقه، ولكنه «بازار» تتداخل فيه المصالح والخطط الخفية.. هنا ينفع الذكاء والدهاء، وتملك قدرتك في السوق، والتفكير في نوعية الشراكات الدولية التي يريدها هذا، أو يبتعد عنها ذاك. إن اللاعبين الأقوياء في كل العالم يظهرون هذه الأيام، فهم القادرون على فرز الأوراق، كما كان يلعبها تجار بازار الشرق القدماء. إن مصالح العديد من دول العالم لا تتحرك بسرعة، إلا عند اقتراب الانتخابات الأميركية أو في خضمها. فالمعروف، إنها فرصة ذهبية لكل من يلعب من اجل زرع بذور سيجني حصادها مع الإدارة القادمة.. فضلا عن قطفه الثمار من الإدارة الحالية التي يقل وهجها بتوالي الأيام. إن قواعد اللعبة صعبة، وفيها مغامرة ومقامرة، ولكن تستخدم فيها كل الرهانات وكل التسويفات والمساومات.
 
في منطقتنا، يعتبر العرب آخر العارفين بدهاليز هذا البازار الذي يبرع فيه تاريخيا، كل من الإسرائيليين والإيرانيين والأتراك، أكثر من العرب. ولما كانت إيران اليوم، متهمة ومدانة، وتواجه التهديدات الدائمة، فهي تتلاعب اليوم على أوتار المماطلة مرة والمكابرة مرات! كي ينتقل بيضها من سلة الرئيس القديم إلى الرئيس الجديد.. إنها فعلا اليوم، تلعب بلعبة شبيهة بتلك التي لعبتها مع الرئيس الجمهوري ريغان ضد الرئيس الديمقراطي كارتر في أزمة الرهائن الأميركيين الشهيرة، ولكنها تعد اليوم لعبة من الوزن الثقيل. أما العراق، فلا يعرف حكامه اليوم أين هي مصالح بلادهم العليا من اجل أن يناوروا أو يكابروا، أو من اجل أن يغايروا أو يسايروا، ويأخذوا ويطالبوا في مثل هذا البازار.. إنهم منشغلون بمصالحهم الفئوية والحزبية والانقسامية، وخصوصا في كيفية تقسيم الكعكعة وبلعها من قبل هذا وذاك! إن الفرقاء في العراق يتصارعون في ما بينهم على أهداف محلية أو جهوية أو مناطقية أو طائفية وهم لا يدركون أن مفاتيحها كلها بيد واشنطن.
 وان لواشنطن حسابات إقليمية ودولية ما دام العراق بقبضتها! أما اللبنانيون، فهم ما زالوا في خضم ماراثون الصراع الإقليمي لا الدولي، وأجدهم في مأزق لا يحسدون عليه.. وإذا كان الفلسطينيون، قد فشلوا حتى اليوم في المشاركة بإدارة الأزمة بسبب انقساماتهم الفصائلية، فكيف لهم القدرة في النزول إلى مثل هذا البازار؟ في حين أدركت سوريا أن من الضرورة رجوعها اليوم إلى دائرة المفاوضات مع إسرائيل من خلال العرّاب التركي.. والأضواء الدولية مسلطّة على هذا «الموضوع». فهل سيجني السوريون شيئا بمثل هذه العجالة؟ الجواب: لا، ولكن سوريا، استطاعت أن تتلاعب بالمواقف وتتبادل الأدوار، بالرغم من التنسيق السوري الإيراني والمحّرك موسكو، ومساندة شركائها وهذا ما ستعلمنا به الأيام المقبلة.
 
الصين، تعتبر اليوم الندّ رقم واحد لأميركا، ولحسابات اقتصادية، فهي مستفيدة من مجالات حيوية عدة في العالم، والولايات المتحدة لا تريدها فيها، ومنها: إيران والسودان.. روسيا تلعب أيضا بأوراقها في نطاق هذا البازار، والكل يدرك أن الصراع اليوم هو صراع شراكات اقتصادية أميركية وغربية إزاء انحسار الشراكات الاقتصادية مع الصين أو بلدان الشرق البعيد. وعليه، فإن رهانات الصين أو روسيا هي لإطالة أمد الملفات زمنا أطول من اجل استفادة اكبر، وان من يتعمّق في فهم طبيعة العلاقات الدولية اليوم، يدرك بما لا يقبل مجالا للشك، أن أحداثا ساخنة تحدث في أماكن معينة وأزمان مؤقتة هدفها إثارة مشكلات لهذا الخصم أو ذاك. ويتلمس أي راصد للأحداث في العالم أن الإدارة الأميركية ربما تكون مستعجلة في حسم تلك الأحداث، أو لا تبدو، مستاءة من إطالتها، والمماطلة فيها والتسويف عليها أبدا. وربما يعلن عن طبيعة مشكلة معينة أو مشكلات تسميات تشغل بال الجميع، في حين إنها تعني في بازار المخفيات المتبادلة، علاقات معينة، وشراكات لمصالح دولية أو إقليمية، ولكن من نوع آخر غير مكشوفة للعلن. إن من الصعب فهم ما يجري على الأرض، فكيف يمكن إدراك ما يتم من مخفيات تحت الأرض؟ هناك قناعات راسخة تقول بأن مصير إيران سوف يكون شبيها بمصير العراق، ولكنه النفس الأميركي الطويل مع كلّ من المكابرتين، وحذار من الاستهتار بمصير كل المنطقة، وأنت تقامر بأهداف لا يمكن تحقيقها أصلا. إن أهم ما يمكن التنبيه إليه، أن الانتخابات الأميركية، فرصة تاريخية ثمينة لمن يعرف استغلالها، واللعب على التوقعات الناجحة لما يمكن أن يكون، لا لما يمكن ألاّ يكون.

البيان الامارتية ، 13 اغسطس 2008

www.sayyaraljamil.com


63
تكوين العراق المعاصر
وقفة تأملية

د. سيّار الجَميل
مقدمة
        إن الكثير من أحداث العراق التي حصلت لما قبل تاريخ النظام الملكي الهاشمي وتأسيس المؤسسات الحكومية للدولة الجديدة ، يمكن فهمه كونه جزءا في فترة تاريخية محدودة ومعقدة من الصراع الدولي بين القوى الاستعمارية القديمة ، وكانت بريطانيا على رأسها ، والتي غدا لها تاريخ مشترك مع العراق ، كونه واحد من أهم مستعمراتها التي سيطرت عليها ابان الحرب العالمية الاولى . ومن البديهي أن حقيقة حياة المدن العديدة ومجموعات الناس ، ونخبهم ، وفئاتهم ، وشرائحهم ، وطبقاتهم ، ومللهم ، ونحلهم في وادي الرافدين كانت تبادلية التناقضات ، ولنقل ان كنّا أكثر دقة، إن قيام ونشوء مجموعات متنوعة ، ومتناقضة ، من الناس سواء كانوا جماعات وطبقات مدن ، أو عشائر ارياف ، أو قبائل بدوية .. كلها خاوية من الهوية الوطنية القوية- كقاعدة في أولويات الشعوب – انما ملازم لوجود أمة ضعيفة،ومفككة لا يجمعها رابط ، ولا تنظمها شرعة أو دستور ، والعكس صحيح كما يعرف الجميع .

مكابدات التاريخ
 إن تطور المدن بكل مجتمعاتها الحية ، ونخبها المتميزة ، وقواها الاهلية الفاعلة ، متورط بانهيار العشائرية الريفية ، أو القبائل البدوية التي تقف دوما ضد التحضر والتمدن والتحديث في أساليب الحياة . ولذلك فان الحقبة التاريخية بين القرن الثالث عشر والقرن الثامن عشر الميلاديين ( = 5 قرون ) التي شهدت انهيار الخلافة العباسية في العراق ، بدءا بما فعله المغول ، انتقالاً الى الخراب التام الذي عمّ العراق ، وخصوصا ،  في اعماق الخنادق القديمة مرورا بحكم الايلخانيين ، ومن ثمّ بغزو الجلائريين ، وحكم التركمانيين، وهجمة المغول التتار التيموريين، وانسحاقا على أيدي الصفويين الإيرانيين ، ثم حكم الأتراك العثمانيين، اذ شهد العراق على أرضه أقسى الحروب الدموية الطويلة المتقطعة العثمانية ـ الايرانية ، وهي واحدة من أعظم الحقائق التي تكرر تأكيد نفسها دوما بأضعاف المدن العراقية من النواحي الاقتصادية والثقافية خصوصا . ومن المحتم ، ان ذلك يعني حقا : تأخر واضح في التاريخ التراكمي والتطور الاجتماعي للعراقيين الذين احتفظوا على امتداد تلك المراحل التاريخية السكونية بمواريثهم الاجتماعية ، وبتقاليدهم ، وعاداتهم الثقافية وفولكلورياتهم وما تبقى من تراثهم الزاهر .

البدايات الاولى : جذور التحديث
لكن الحياة الجديدة والأفكار الجديدة التي زرعت في العراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بفضل وسائل الاتصالات الحديثة، وحلقات الاتصال مع مدن العالم، وبعثات الآثاريين الاركيولوجيين الاوربيين ، وتأثير القناصل ، والشركات التجارية ، والمدارس الجديدة في ابرز مدن العراقيين .. ومن خلال عوامل أخرى تعود إلى رجوع النزعة التاريخية التي تقود لاستعادة المدن وبدايات التحليل لنشوء الأمم. وبذلك الصراع من اجل الاصلاح بدءا بالتنظيمات الخيرية ووصولا الى الانقلابية الاتحادية، كانت هناك محاولات لاعادة تشكيل للدولة العثمانية على اسس اصلاحية في القرن التاسع عشر، وتبلور فعاليات الشباب الأتراك المتشبثين بالقومية ، والذين صعّدوا ثورة 1908 إلى حكم وهيمنة السياسة الجديدة وسريان التفكير الوطني ، وخصوصا في مؤثراته على العراق لدى أبرز مثقفيه ورجالاته وعسكرييه. ومن الممكن القول أنه البداية الحقيقية للتفكير القومي / الوطني عند العرب وخصوصا عند العراقيين ، وارهاصاتهم للحصول على الفوز بكيان  مفتقد وخصوصا شعور النخب المثقفة في المدن بذلك لأول مرة بعد تاريخ طويل من المكابدات  .

الإنكليز في العراق :
ومن جانب آخر ، فقد أثار القلق ، تفكير تلك النخب ورجالاتها الذين كانوا يشعرون بأن تكلفة المحافظة على الوطن لا يمكن ان توازيها قوة الاحتلال . وان الانكليز وجدوا أن من مصلحتهم تأسيس مشاهد التوازن بين رجال القبائل ضد رجال المدن، فهي الضمان القوي لاستمرار قوتهم. ليس فقط في محاولتهم أن يوقفوا  ، او يجهضوا ، جهد العراقيين الأولين لعملية نشوء الأمة، أو حتى أنه يبريء السلطة من زعماء القبيلة، أو حتى المحافظة على أدنى حد من التفاعل بين رجال القبائل ورجال المدن، ولكن أيضاً حاولوا تجميد وجود الشق الاجتماعي بواسطة الاندماج والإدراك لتقاليد القبائل في العراق ، وان نزاعا قانونيا في القبيلة قد ظهر بواسطة الانكليز في 27-7-1918 مع إعلان وجود قوة القانون التي فرضها وجود المستعمر الانكليزي . كما وتأسس قانون ملكية الأرض في الفترة الاولى من العهد الملكي تحت بنود 113-114 في الدستور العراقي ( = القانون الاساسي ) عام 1925 ، ( وهو من اهم القوانين الاساسية التي صدرت في عموم دول المنطقة حتى ذلك الوقت ) وقد استثنى ذلك القانون الريف من حدود القانون المحلي ، كونه اراد ان تكون النقلة طبيعية وغير مفروضة بالقوة ، وخصوصا ، بعد ان ينتشر الوعي وتتماسك المواطنة . وبعد التغيير التاريخي الذي حدث بعد 14 شهر تموز/يوليو 1958 تم إعتبار العراق قانونياً مقسم إلى قسمين واحد للمدن والآخر للقبائل والريف ؛ وفي نفس الوقت، كان التبرع الانكليزي على شكل أفكار أو مهارات في حقول وزارات كالري والزراعة، وفي مجالات أخرى، وذلك لم يأت مصادفة ، بل تبلور مع ازدياد الاهتمامات الأساسية لدى الامبريالية والانتقال من التفكير الكولينيالي السابق ، ولكن مما لا شك فيه أنه ساعد في عملية تقدم العراق نحو نظام قابل للتطبيق. في العشرينات ، كان الوجود الانكليزي ، من الممكن ، أن يكون حاسما في بقاء العراق وحدة كلية لا تتجزأ أبدا ، اذا ما روعيت خصوصياته الاجتماعية والسكانية وترسيح مبادئ يحترمها ويعتز بها الجميع .

آراء هنري دوبس :
كان العراق يمر في عشرينيات القرن العشرين بمخاض صعب جدا ، ففي ذلك العقد التاريخي ( =10 سنوات من 1920-1930) كتب هنري دوبس المفوض السياسي البريطاني في العراق قائلا : " أن حكومة العراق- باعتقادي- في خلال بضعة شهور قادمة إما أن تتلاشى جميعها أو أن تعود لتتماسك بيأس ، حتى يجرد الإقليم بأكمله، وان جميع باقي البلاد ستسقط وتنهار. اذ ان الملكية نظام ضعيف لا يمكن الاعتماد عليه، وان قوة الجيش ضعيفة ، وان ملكية القبيلة الخاصة تم حشوها بالجيش .. "  ! من الصعب علينا أن نتفق في الرأي مع ما سجله هنري دوبس، ولكن علينا ، أن نعترف ، من جهة أخرى ، بأن الحالة العراقية كانت صعبة جدا بكل جوانبها ، اذ قام الانكليز بأدوارهم الاستراتيجية من أجل مصالحهم أكثر مما هو تلبية للمطاليب الوطنية التي لم يكن يشعر بها الجميع .. ويؤكد أكثر من مؤرخ درس العراق المعاصر في تشكيله لأول مرة ، بأن مصالح الانكليز قد التقت مع مصالح العراقيين من حيث لا يشعر هؤلاء ، فالانكليز وقفوا لجعل ولاية الموصل تحت نفوذهم لا النفوذ الفرنسي ، كما اراد الفرنسيون ذلك اولا ، والانكليز هم الذين وقفوا كي تكون ولاية الموصل عراقية وليست تركية ، كما طالب بها الاتراك .. وعندما تذكر ولاية الموصل كأقليم ، انما يقصد بها كل من الوية : الموصل ( بما فيها قضاء دهوك ) واربيل وكركوك والسليمانية . ان مصير الاقليم كان في كف عفريت ، لولا الجهود التي بذلها الوطنيون العراقيون في هيئة الدفاع عن الموصل .

فيصل الاول : الرجل المناسب
كثيرون ، هم الذين يعترضون على فيصل الاول ، ويعتبون على الانكليز الذين أتوا بفيصل بن الحسين ملكا ، ولكن ثمة ارادة عراقية كانت مجمعة على ان يكون عاهلا للعراق بلا منازع ، ليس لئن ليس في العراق من يصلح لحكمه ، بل لئن العراق نفسه كان بحاجة الى من له مكانة سياسية قوية ، ومعروف دوليا ، وصاحب مخاض تاريخي طويل .. واعتقد ان فيصلا لم يكن الا مؤسسا ناجحا لاصعب بلد في الشرق الاوسط كله ! ولعلّ من أهم المكاسب التي لم يعرها العراقيون اي اهتمام ، تتمثّل بترسيخ النزعة الوطنية منذ وجود الاحتلال البريطاني مرورا بعهد فيصل الاول الذي ساوى بين الجميع في رؤيته ومواقفه ، واستطاع ان ينجح الى حد كبير في تأسيس مشروع وحدة وطنية عراقية لم يعد يعرها أحد اي اهتمام ويا للاسف الشديد .. كان يزور معابد العراقيين كلها .. كانت له شجرة باسقة وقديمة معروفة باسمه في ناحية زاويته قرب دهوك يجلس تحتها ويلتف من حوله اغوات الاكراد بمحبة واحترام .. كان يزور العتبات المقدسة دوما محترما اياها واهلها .. كان يقف متأملا في دجلة على شرفة بيت الشربتشي بالموصل .. كان يزور المعابد اليهودية والكنائس المسيحية ، ولا يفرق بين العراقيين ابدا . كان يلتقي بشيوخ القبائل والعشائر في كل مكان ليتكلم بلهجتهم البدوية ، ويأكل بيده على مائدتهم . كان يحترم الجميع ، ولكنه لم يجعل نفسه جزءا من اي طرف ، اي لم يتخندق مع اي طرف ! ان من يقرأ مذكرات الساسة العراقيين بالذات عنه ، سيجد نفسه امام زعيم له مهارته وحذاقته وكان بالفعل ضرورة عراقية ، ولكنه دفع ثمنا كبيرا من معاناته ومكابداته واتعابه في تكوين دولة غابت منذ قرون .. بل وان الرجل ، دفع حياته كلها من اجل العراق الذي كان بأمس الحاجة اليه في اصعب الظروف .

تجاوز الصعاب
لم يكن العراق بلدا نفطيا وثريا في تلك المرحلة التأسيسية .. لقد كان بلدا معدما خرج من تاريخ صعب كله مجاعات وامراض وطواعين وفقر وجهل وأمية وفراغ  .. كان المجتمع يعتريه الجوع والالام والمصاعب التي لا توصف .. لقد بدأ العراق من الصفر في كل المجالات .. علينا ان نكون منصفين بحق من تعب من اجل العراق وتكوين العراق المعاصر .. بل وكان وراء مشروع وحدته الوطنية التي ليس من السهولة خلقها في مجتمع متنوع النزعات ومتباين المستويات ، ويعيش جملة هائلة من التحديات . والمعروف ان الملك فيصل الاول ومعه العشرات من الوطنيين العراقيين ، انهم كانوا يشتكون من كثرة الازمات السياسية والاقتصادية ، خصوصا ، وان العالم كان يمر بأعتى أزمة اقتصادية مرت عليه في التاريخ ، فضلا عن العناية باحتياجات الجيش العراقي .. وقيام الحكومة بتأجيل الاعلان عن قانون التجنيد الالزامي لأطول فترة ممكنة ، وذلك لأن الاعلان عن تجنيد إلزامي في العراق والذي سيتعارض مع الخدمة التطوعية عند القبائل التي لا ترغب البتة بالخدمة الالزامية ، وقد وجدت الحكومات العراقية عند مطلع الثلاثينيات بأن التجنيد الالزامي سوف يستغل عبء القوة العسكرية ويحقق في نفس الوقت التقليل من العبء المالي والنفقات .

واخيرا : رسالة الى كل العراقيين
لقد كان تكوين العراق المعاصر عملية تاريخية صعبة للغاية ، فليس من الانصاف ابدا ان نأتي بعد عقود طوال من السنين وعند مطلع القرن الواحد والعشرين ، لنفكك العراق علنا ، ونشعل فيه الانقسامات تحت يافطات وشعارات لا تصلح له ، ولا يمكن ان تتحقق ابدا .. مع فرقاء لهم مصالحهم الخاصة التي يعتبرونها فوق المصلحة العراقية العليا .. وتجدهم يتصارعون على ( مناطق مسلوخة ) كما يسمونها ، وكأن ليس العراق واحدا موحدا ؟ انها رسالة اريد ان ادفعها الى كل الذين يريدون شرذمة العراق ويتطلعون الى انقسامه .. الى كل الذين يسعون دوما غير معترفين بالعراق اصلا ، ولا يعتبرون انفسهم بعراقيين .. وهم يعلمون علم اليقين ان احلامهم لم تتحقق ابدا لا من الناحية العراقية ولا الاقليمية ولا الدولية .. انه جنون المتعصبين طائفيين كانوا ام شوفينيين ، وما اكثرهم في مثل هذا الزمن !

يتبع ـ للمقال صلة ـ  
12 آب / اغسطس 2008







64
داخل البيوت بلا قيد ولا شرط

د. سيّار الجَميل


دعوني أسأل ثانية عن الفضائيات العربية التي يزداد عددها مع الأيام، وقد غدت خلال السنوات العشر الأخيرة شبكة قنوات حكومية رسمية وشبه رسمية، أو قنوات لدول وقوى خاصة لها أجندتها وأهدافها.. وفي بث متواصل ليلا ونهارا، وتدخل كل بيت عربي بلا استئذان عبر غابة من المستقبلات، بل إن ثمة بيوتا تستقبل غرفها المتعددة أكثر من محطة وقناة وعلى شاشات واسعة!! أسأل: هل تقوم الفضائيات العربية بادوار حقيقية وذكية في خدمة مجتمعاتنا قاطبة، وكل من يشاركنا حياتنا وأساليب عيشنا من الناس والجاليات في كل الدنيا؟
 
أسأل من باب الحرص على تقدمّنا وتطوّر مصائرنا: إذا كانت فضائية أو اثنتان، أو زد ثلاثة، قد نجحت في بث الأخبار وتغطيتها بحرفية عالية المستوى، ونجحت في ترجمة الرأي والنقد السياسيين بمهارة وامتياز، فهل نجحت فضائياتنا في معالجة المشكلات الاجتماعية، وأزمات الحياة العربية التي تتردى بشكل مفجع يوما بعد يوم؟ وهل انتصرت للثقافة والتفكير الواعي بشكل عام؟ وهل حظي كل الناس بمشاهدة برامج وأساليب علمية متطورة تترجم كل مجالات العصر النافعة في معالجة الحاضر وبناء المستقبل؟!
 
إنها مشكلة انعدام التجديد الحقيقي والبقاء في فلك التقاليد، فما يؤسس يرسخ ويصبح تقليدا مكررا كل أسبوع منذ سنين، بلا أي إبداع حقيقي. إن فضائياتنا العربية اليوم، لا تتناسب فيها مواطن القوة، بل تتناغم كلها مع مواطن الضعف والأشياء العادية.. لا تستوي عندها الموضوعات، بل تكرر وتجتر نفسها.. إنها شاشات عروض دعائية، أكثر منها شاشات برامج معاصرة قوية.. إنها شاشات يستسلم لها الملايين من الناس، وهم يطالبون بالمزيد من مستهلكات الفيديو كليب أو الانغمار بتفاصيل «حياة أو مغامرات فنانين جدد»! إنها شاشات، اعتادت الناس عليها، منذ أن كانت بالأسود والأبيض قبل أربعين سنة، أن تنتظر المسلسلات التمثيلية مساء كل يوم.. ولقد زاد سوق هذه المسلسلات في السنوات الخمس الأخيرة، لتدخل المدبلجة سوق العرض، لتأتي التركية بعد تلك المكسيكية، فتختطف الملايين اختطافا غير عادي! لتغدو اليوم فوبيا المسلسلات وتجارتها في مجتمعاتنا، حالة تستدعي الدراسة والتأمل معا، مقارنة بمجتمعات أخرى لا تتشكّل عقلياتها على هذا الأساس أبدا!
 
أعتقد أن مجتمعاتنا العربية تهرب من واقعها لتغيب في واقع وهمي وتعتبره حقيقة، فما تجده المرأة العربية في «مهند»ـ مثلا ـ على شاشات التلفزيون، قد وجدته في «عبد الحليم» قبل خمسين سنة على شاشات السينما. ليس لتجد متعتها وشغفها هناك، بل لتهرب من واقعها الذي تعتبره مؤلما ومحبطا ومقّيدا لها.
 
الخطورة اليوم، أنك تجد الشاشات موزعة في غرف البيت، بلا أي ممانعة أو أي بدائل. الناس كانت ولم تزل تحلم وتهيم لتقتل زمنها قتلا.. وغدت شاشات التلفزيون الأداة الفعالة، ليس في نقل الأوهام وجعلها حقائق في المخيلة الجماعية العربية، بل في تغييب واقعنا عن حقائقه المرة.. إنها، ويا للأسف الشديد، لا تعالج أية قضايا فكرية، أو علمية حيوية، أو مصيرية، أو خدمية، أو تربوية، أو اجتماعية حقيقية.. إنها ـ أيضا ـ لا تساهم في العمل على بناء المستقبل والاستعداد له، بقدر ما تقحم كل وجودنا المعاصر بالماضي ومشكلات الماضي وبث الكراهية.. أو معالجة أخطر معضلات اليوم بلغة الماضي! إن مجتمعاتنا العربية لم تزل تعيش مشكلات تاريخية من خلال بقايا التاريخ وترسباته الصعبة، فهل نجحت أي تجارب تلفزيونية عربية في جعل الحاضر على الحياد دوما؟
 
هل ساهمت الفضائيات في تجسيد الوعي الجمعي ضد ظواهر خطيرة يدينها الدين والأخلاق، كالإرهاب والشوفينينية والديكتاتورية مثلا، أم أنها غفلت عنها وتجاهلتها، كونها تريد كسب الرأي العام ومجاراة عواطفه من دون الوقوف ضده؟!
 
يبدو واضحا لكل العلماء المراقبين أن أي شاشة تلفزيونية فعالة، ربما تزيد أهميتها عند الناس من دولة أو سلطة حكومية بالكامل.. فإذا كانت السلطات تخضع للمد الشعبي، فما بال القنوات الفضائية التي تريد كسب المتلقين كما يريد أي بائع كسب المستهلكين؟! قل ما تشاء عن قنوات خليعة، وأخرى ماجنة، وأخرى تافهة، وأخرى لاهية، أو لاغية، أو مسلسلاتية، أو وعظية خطابية، أو قومجية، أو اخوانجية.. الخ.
 
ولكن يبدو واضحا أن الاحتراف الإعلامي والمهنية العالية لا تجدهما إلا في الموضوعات السياسية والخبرية أكثر بكثير من موضوعات الحياة العامة، وان الثرثرة أكثر من التجارب، وان الاستماع أكثر من الرؤية، وان الخطاب أكثر تعبيرا من الصورة.. وان الدراما العربية قد تسيء أكثر مما تصلح، وخصوصا في إشاعة حالات زواج عرفي، أو مشاهد اغتصاب، أو تعاطي مخدرات، أو استعراض بطولات.. الخ، من دون أي معالجات حقيقية!
 
إن الفضائيات تشارك في مسؤولية بناء الأجيال وأخلاقيات الحياة، من خلال دخولها كل بيت وغرفة بلا قيد أو شرط، فهل لنا أن ننادي بتجديد برامجها، وتصويب فلسفاتها، وأن تغدو مدرسة حضارية حقيقية، لا أن تكون مساحة استعراضية للمتعة حسب، وأن تنطلق مشاركة فكريا لتطوير الحياة والفن، من اجل وعي جديد بالمستقبل ومخاطره؟!

البيان الاماراتية ، 6 اغسطس / آب 2008
www.sayyaraljamil.com


65
عولمية عربية بلا تشريعات حيوية

د. سيّار الجميل

تشخيص الاشكالية :

الكل يدرك اننا اليوم نعيش انطلاق ثورة اعلامية كبري من خلال ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات .. والتي دخلت كل حياتنا اليومية ، وفي اي مكان ، من عولمتنا الجديدة ، ولا يمكن لأي دولة ، او سلطة ، او حدود ان تصد هذا التدفق الهائل من الاعلاميات في الاخبار ، والمعلومات ، والرأي ، والصورة ، والحركة .. الخ ربما بدأ الناس يعتادون علي هذه الكائنات الجديدة ، وكأنها موجودة منذ القدم من دون التفكير بتأسيس اي ضوابط ، أو قوانين وتشريعات ، أو محددات ، للتلقي والقبول والنشر والبث والذيوع والانتشار ! هل ندرك حجم الاذي الذي سيتعرض له اي كائن يتفاعل اعلاميا مع الاخر ؟ وفي هذا الوقت بالذات ، خصوصا ، عندما يأخذ الخلاف او الاختلاف ، الجدل او الجدال ، مدي شخصي في ثقافتنا العربية والثقافات المحيطية الاخري ، ثم يتفاقم الي قذف سياسي جماعي ، ومن خلال اسلوب فاضح علي الملأ ؟؟ ومن المؤكد ، وبحكم مشاعيته ، سيشترك فيه اناس لا علاقة لهم ابدا لا بثقافة ، ولا بتخصص ، ولا باحتراف ، لا بمنهج ، ولا بأي رؤية اصلا ، ليبدأ فصل مثير للاشمئزاز والقرف وبواسطة مداخلات متخلفة او بدائية او سمجة باسم حرية التعبير والرأي ، وباسم ديمقراطية مزيفة لا تعرفها مجتمعاتنا ابدا ، وهي تطال اي واحد في المجتمع من دون وجه حق ، بل وتصبح العملية مجالا للقذف السياسي والشخصي وباساليب رخيصة لا تمت للقيم الانسانية باية صلة .. ناهيكم عما يجده الجيل الجديد بين يديه اليوم مفضوحا بشكل عادي في اي مكان .. ان الدعوة باتت ماسة لتأسيس ضوابط واصدار تشريعات لضبط ما يدور اليوم في فضاءاتنا كلها ضمن مشهد العصر . انني اراقب منذ خمس سنوات ، تجارب دول ومجتمعات ، وما يصدر فيها من تشريعات ، او ما يرّسخ عنهما من تقاليد سواء بشكل رسمي يأخذ الصفة القانونية ، او بشكل شبه رسمي يأخذ له الصفة النقابية .. فتجد ثورة العصر لا تقود الي فوضي ، بقدر ما تمنحها المناهج والقوانين وكل التقاليد ، فضاءات رحبة من التقدم الدائم علي مر الايام المتداولة .


الرؤية النقدية من خلال تشخيص حالات ونماذج

دعوني اسجل لكم جميعا هذه الملاحظات التي تتضمن نقدات ومقترحات وفتح صفحات جديدة من اجل خدمة العمل الجماعي للثقافة الاعلامية التي اعتبرها مشهدا حيويا للعصر ، ولكنه لا يستقيم ابدا مع التحولات العولمية في الدنيا كلها :

1/ الانفلات الاعلامي:
ان مجرد فتح المجال للصحافة والاعلام ( باسم الحريات والديمقراطية ) ، والقاء التهم وتبادل التراشق في مسائل فكرية ، وتخصصية ، ومعلوماتية نقابية ، ومؤسسية تنظيمية بحتة يعد من جملة الاخطاء او الخطايا التي ترتكب اليوم في منطقتنا ، بلا اي شعور بالذنب ، ولا اي اسلوب في التعايش مع اية مصاعب أو تحديات.. انها ستخلق بالضرورة انقسامات لا حد لها ، ويتوالد فرقاء متفرقين ومشتتّين .. ان الاعلام ، واجهزته ، ومؤسساته لا يمكنه ان يكون ميدان سقطات او انفعالات او القاء مواعظ او معروضات تافهة تغسل الادمغة .. بافلام او اقلام او خطاب من نعرفه ومن لا نعرفه .. ان اية خروقات تمس موضوع معين او أي ذات ينبغي ان يعاقب عليها القانون في اي مجتمع متمدن يلتزم بالاعراف الديمقراطية ويعمل ضمن سقف القانون والاعراف الاخلاقية ..

2/ الاحتقانات السياسية والاجتماعية :
 ان الديمقراطية لا تعني فتح الابواب ، امام التشهير والقذف العلني ، والاساءات الشخصية البالغة والموضوعية الخطيرة .. والتي وجدت لها بيئة خصبة لدي الجميع في السنوات الاخيرة التي تطورت فيها الاعلاميات بفعل ثورة الاتصالات .. ، ولكن بدت ثورة العصر في حياتنا العربية ساحة لافراغ كل الاحتقانات سياسيا واجتماعيا .. ثقافيا وفكريا ، ومن دون اي كوابح ، ومن دون اي اعتبارات نقابية او مؤسسية . ان الحوار وفلسفته هو فنّ عالي المستوي ، وهو جدل حقيقي لا جدال سجالي ، يجر الي مهاترات شخصية وشتائم تصل الي حد كسر العظام ، وتهشيم السمعة .. من دون اي وازع حضاري ، ولا اي مبرر موضوعي ، ولا اي مسوغ حقيقي من قبل اناس لهم مواقفهم السياسية او الشخصية المضادة .. .

3/ اتساع نطاق الخلافات :
لقد كانت الخلافات الثقافية والادبية والفكرية في مجتمعاتنا وحياتنا العربية سابقا تدور بين اثنين ، او بين جماعتين ، او بين مؤسستين ، أو بين حزبين ، او بين جريدتين ، او بين طرفين اثنين .. وربما تنحصر بين الجدران ، او المكاتب ، او القاعات ، او اروقة الجامعات ، او حتي ان نشرت فتبقي في اطار محلي ضيق ، وربما تخرج علي الملأ في صحافة وطنية معروفة ، وقد عشنا وشفنا معارك سياسية وادبية وفكرية بين ادباء وشعراء ومفكرين وساسة تعرف كل اسمائهم وتدرك جل عناوينهم علي صفحات جرائد او مجلات مسجّلة ضمن قانون مطبوعات اي دولة .. وربما لا يتجاوز احدهم الاخر بسبب نصوص القانون اولا وبسبب قيود الصحافة ثانيا ، وبسبب قانون المطبوعات ثالثا ..
 
4/ هجمة التوحش :
اما اليوم ، فلقد دخلنا مناطق محظورة وجدّ خطيرة ، ليس علي مستوي الناضجين والمؤهلين حقا لأي حوار ، بل غدت كل الاجيال منهمكة في بحر من هذا اللامعقول ، في كل مرفق من مرافق الحياة .. شاشات التلفزيون بكل الفضائيات لا حدود لما تبثه .. وتلحق بها اعلاميات مواقع الكترونية تحمل الغث والسمين ، وتختلط فيها الاشياء في خلطة لا يمكن تمييز الصالح من الفاسد فيها ! ان الاخطاء في كل الامور قد زادت بشكل لا يمكن تخيله ، بفعل كل هذا التطور المذهل في الحياة الاعلامية .. ربما كانت ثورة المعلومات والاتصالات اكثر نفعا في الحياة الاقتصادية والمالية والخدمية .. لكنها مع مشهد العصر تغدو انما هي نقمة ، خصوصا وان ارقي آليات الاتصال وتكنولوجيا المعلومات قد وجدت نفسها في مجتمعات متخلفة غارقة في الوحل والطين ، او انها تتحرك ضمن بيئات متوحشة تتشكل فيها جوقات من اناس تتنوع ليس افكارهم وابداعاتهم ، بل تتعدد سيئاتهم وتنعدم اخلاقياتهم .. ومن المؤسف ان تغدو الآليات الجديدة أدوات تشهير ، وماراثون قذف ، ومعرض اخطاء باسم الديمقراطية ، وكأن " الديمقراطية " لا يمارسها الا انصاف المثقفين والجهلاء والرعاع ضد المثقفين العلماء والمختصين بعيدا عن نقد ممارسات القادة والزعماء وما يقترفه عدد كبير من السياسيين والاعلاميين من آثام وجرائم ؟

5/ الاضمحلال الثقافي :
 لا يمكننا ان نتعامل بمثل هذه الاسلوب ونحن ننضوي تحت يافطة ( ثقافة متطورة ) فلا نحن قد احتكرنا الحقيقة لانفسنا ، ولا نحن ، قد اصبحنا اساطين ثقافة ومعرفة عليا يتسابق العالم علينا .. وعلي الاخر من غير المثقفين والعلماء والاكاديميين ان لا يقحم نفسه ، ولا قلمه ، ولا خطابه ، ولا يدخل انفه في ما لا يعنيه من مشكلات ! وفي الحصيلة ، ثمة ما يتركونه من زبد يذهب جفاء من دون اي حوافز وانشطة وابداعات ومنتجات تفوق حدود الذاكرة ، بل الخيال . ان مشهدنا الاعلامي والثقافي يضمحل شيئا فشيئا بفعل كل المثالب التي يزداد حجمها من دون اي علاجات ..

6/ ضرورة التشريعات الواقية :
ان اعلامياتنا العربية في مثل هذه الظروف الصعبة مسؤولية صعبة جدا ، ويتحّتم عليها وعلينا جميعا ان نتقّبل كل الملاحظات والانتقادات ، وان نحافظ علي الحدود الدنيا من العلاقات الادبية التي يحترم فيها احدنا الاخر علي الاقل ، وهنا ، يستوجب الانطلاق من واقع مهترئ ينبغي تغييره او تطويره ، وان يتقّبل كل المستحدثات الجارية في العالم بروح عالية .. اننا مدعوون جميعا لوضع اسلوب عمل صريح وشجاع يطالب بالنص مراعاة التشريعات الخاصة بذلك .

7/ ضوابط الثورة الاعلامية :
وعليه ، فان حياتنا الاعلامية العربية ، الرسمية والاهلية ، بحاجة ماسة الي اصدار تشريعات وضوابط لكل مرفق من المرافق والمؤسسات والاجهزة المستخدمة وصولا الي كل المواقع الالكترونية علي الويب ، وان تخضع كل الثورة الاعلامية الي هيئات نزاهة وان تخضع كل التجاوزات للقضاء .. فمثلا ، من حق القارئ ان يعرف كل شيئ عن كاتبه ، ولكن بنفس الوقت من حق الكاتب ايضا ان يعرف من يمدحه ومن يعلق عليه ومن يذمه ويشتمه ! اننا ازاء ثورة اعلامية ينبغي ان تكشف فيها كل الاوراق وكل الاسماء وكل الاشياء من اجل ان تحدد خطواتنا كوننا نعمل ونعيش كل في مكان من هذا العالم .

8/ تغيير النهج والتقاليد :
لابد من تغيير في النهج ، وتماسك في العلاقات ، ومشاركة في العمل .. وهدوء في الاعصاب وشفافية في الحوار واخلاقية التزام بكل القيم بحيث لا يمكن ان نفسر النقد شتيمة ، ولا الاعتراض سبّة ، ولا النصح جريمة ، ولا الحرية فوضي .. علينا ان نقدّر الامور حق قدرها ونحمل حلم الرجال في كل خطواتنا .. علينا ان نحترم بعضنا بعضا مهما بلغت بنا درجة الاختلاف .. وعلي كل منا ان يعرف قدر نفسه ازاء الاخر ، وكم باستطاعته كمثقف من المثقفين ان يركض في ماراثون ابداع الكلمة والنص والريشة والصورة والصوت والعقل والمشاعر والجمال واثراء الثقافة الحقيقية واشراكها في سيرورة الثقافة العالمية .


الحصيلة : مطلوب مؤسسية واحتراف وتقاليد جديدة

وأخيرا ، ينبغي تفعيل اي بادرة او اكثر من اجل ان يكون كل الاعلام له حريته وفضائه الديمقراطي ، ولكن ضمن تقاليد واعراف لا حيدة عنها .. وان تمارس اخلاقيات في غاية النضج وان تؤسس برامج عمل ، وتشرع قوانين ، والانطلاق بكل ما يمكن ان يسّهل العمل ويرسّخ الشفافية بعيدا عن الفوضي السائدة .. ان الاعلام العربي ينبغي ان يكون مؤسسة للمثقفين ، وتجمعا للمبدعين ، ومنظومة للعاملين ، وميدانا للتربويين ، وساحة للفنانين الحقيقيين . اننا بأمس الحاجة الي ان نعيد التفكير بمسيرتنا ، حتي وان كانت قصيرة والا سنكتب ضربا من العبث والجنون ومهما بقينا متنازعين بمثل هذا المستوي فسوف يسجل العالم علينا بأننا غير مؤهلين ابدا للعمل بروح جماعية وحداثوية .. فهل سندخل حقا القرن الواحد والعشرين ؟ وهل سننجح باستخدام آخر منجزات العصر من اجل الارتقاء بواقعنا وافكارنا وخطابنا وكل وجودنا الي زمن جديد ؟ هذا ما ستجيب عنه السنوات المقبلة .

3 /8/ 2008
www.sayyaraljamil.com


66
أزمة اخلاقيات كونية جديدة !
د. سّيار الجَميل
المغزى .. والمفهوم
سيدخل العالم قريبا جدا مرحلة تاريخية جديدة من مراحل القرن الواحد والعشرين ، وسيترك وراءه مراحل القرن العشرين باجيالها الثلاثة .. وستختلف المجتمعات في العالم كله ، عمّا كانت عليه سابقا ، بالرغم من ان المتغيرات دوما ما تكون بطيئة ، الا ان الانسان الذي شهد الماضي القريب ، وعاش على الاقل النصف الثاني من القرن الماضي ، سيمكنه تفكيره وتأمله ومقارنته من رؤية مستوى التحولات في عالم الانسان الذي يمثّل كل من الدولة والمجتمع معا في كل ممارساته واخلاقياته ، تصرفاته وعلاقاته ، افكاره وتجاربه وتطبيقاته  . ان الانسان ـ على العموم ـ ، وكما يكتب اغلب الباحثين ، انه يدخل ازمة اخلاقيات كونية جديدة لم يعرفها في السابق ابدا ! انه يدخل عالما معقدا جدا من العلاقات الانتاجية والاستهلاكية معا .. انه يقف على حدود صراع بشري عولمي بين شمال وجنوب .. انه سيعيش ظواهر خطيرة ، وكبيرة ، ويواجه كل قساوتها وتداعياتها .. انه سيغترب كثيرا عن فلسفاته واشعاره ، بل وحتى احاسيسه ومشاعره .. انه سيناضل من اجل الابقاء على لائحة مبادئ حقوق الانسان في ظل متغيرات كاسحة .
من صراع القوتين الى استقطاب القوة الواحدة
ان الحرب الباردة وبضمنها عهد الوفاق بين العالمين السابقين قد انتجتا عند التخضرم بين قرنين نتائج اساسية ومهمة سأقتصر على ذكر اثنتين فقط ، اولاهما ، ان مكانا تافها في العالم كان يمتلك اهميته بسبب ان صراعا بين القوتين الاعظم كان بالامكان حصوله فيه ، وكان ذلك الصراع قد حصل على حساب ثروات الشعوب وتقدّمها . وثانيهما ، ان الغرب كان يسعى لتأمين رفاهية مجتمعاته ، ويطّور آليات منتجاته ، ويسعى لمد نفوذه وقوته وشركاته ورؤوس امواله كي يقهر منظومة المجتمعات الاشتراكية التي لم يعد باستطاعتها تأمين الغذاء ومستلزمات الحياة العادية على الطرق الغربية نتيجة لعوامل داخلية وخارجية ، ذاتية وموضوعية . وهكذا ، فان الصراع كان قد غدا مكشوفا : سياسيا واعلاميا وتسلحيا واقتصاديا .. ليغدو اخلاقيا بين الجانبين وليصيب الانسان في الصميم على وجه الارض  .. فجأة يبدأ الانهيار حسب قاعدة ضربة الشطرنج بسقوط جدار برلين ، ويتكلل بانتصار الغرب. وعندئذ غدت الولايات المتحدة الامريكية ( سوبر باور ) العالم كله مستقطبة كل المجالات الحيوية ، وهنا تغدو الدول الصغرى مجرد كائنات تافهة بالنسبة لها ، ويخفت التعاون الا وفق الخطط التي ترسمها مصالح القطب الواحد . 
ولادة التوحش الانساني
لو سألنا أنفسنا : ما السر الذي يكمن وراء اختفاء اخلاقيات ما تضمنه الاعلان العالمي لحقوق الانسان في القرن العشرين ؟ والذي كان يعنى ببلورة اخلاق كونية تنطبق على جميع شعوب الارض ، وان مضامينه تؤكد على احترام كرامة كل انسان على وجه الارض بغض النظر عن جنسه وارضه ، اصله وفصله، او عرقه ولون وجهه ، او دينه وطائفته الخ .. ولكن بدأنا نتلمس تأسيسا من نوع جديد يقوم على اساس تقسيم العالم شمال جنوب .. وبدأنا نتلمس التوحش في التعامل وبدايات تكوين اخلاقيات كونية من نوع جديد ، لا تستقيم ابدا ومبادئ حقوق الانسان .. بل وبدأنا نرقب استخدام العامل الانساني غطاء مجردا من الاخلاق ، وغدا يستخدم مادة مستلبة في القذارات السياسية !  ان الانسان اليوم قد تغّير كثيرا عمّا كان عليه في السابق ، اذ تبدلت اخلاقياته كثيرا في كل مكان من هذا الوجود .. بدأت الثقة تفتقد كثيرا عما كانت عليه سابقا بين الناس ، وازدادت المافيات والجماعات المارقة في مجتمعات اليوم ، وهي تتصرف ضد القانون بشكل متفاقم الاخطار لما كانت عليه سابقا في القرن العشرين .. وازداد التوحّش في التعامل بين القارات .. ربما لم تنته مفاصل الشرق والغرب بعد ان ودعنا عصر الاستعمار الكولينيالي والامبريالي ، ولكن التوحش يتبلور اليوم بين شمال وجنوب وعلى اسس اقتصادية اكثر منها سياسية ، وربما تختفي عوامل استراتيجية غير منظورة اليوم .. لم تعد المجتمعات هادئة كما كانت من قبل ، بل تبدو متحركة ومختلطة وتهددها الفوضى . ولم يعد العمال طبقة بروليتارية في مجتمع صناعي تصارع من اجل نيل فائض القيمة ، بل غدت الايدي العاملة من اثمن ما يكون في السوق العالمية .. لم تعد الطبقة الاستقراطية منحسرة بعدد معين من اصحاب رؤوس الاموال في اي مجتمع ، فلقد تنامى عدد هؤلاء ليس في العالم كله ، بل في كل مجتمع باستحواذ البعض على مصادر النفوذ والمال والقوة .. ويبدو هؤلاء في عرف المحللين والدارسين مجرد طفيليين في المجتمع !
العدالة تتناقض مع عالمين اثنين
يقول الفيلسوف الامريكي الراحل جون رولس صاحب «نظرية العدالة» الشهيرة، وهو وريث شرعي لكانط وجان جاك روسو. انه مفكّر واقعي لا يطالب بالمستحيل ، وهو لا يدعو الى الغاء الفوارق الطبقية الاجتماعية او بين البشر، وانما يدعو الى تقليصها فقط، فالعدالة في نظره لا تعني ان كل الناس يمكن جعلهم اغنياء بنفس الدرجة، وانما تعني ان الفقراء ليس لهم ما يأكلونه . ان  الانسان اينما كان له الحق في هذا الوجود ان يحيا حياة كريمة ، وعنده الحد الادنى من الطعام والشراب والملبس والسكن والدواء والعلاج ..  الخ، وبالتالي فان المفهوم الجديد للعدالة يتناقض تماما مع النظرية الشيوعية او الحياة الاشتراكية التي لا يتفق ابدا مع قوانينها ومناهجها  ، واعتقد ان اراءه ضدها تحمل اجحافا كبيرا .  المهم هنا ، ان الرجل يتناقض ايضا مع العولمة الجديدة التي يسميها حالة جائرة جدا من الرأسمالية المتوحشة التي شاعت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ، ولم يقتصر الضرر منها على الدول والكيانات السياسية فقط ، بل ضربت كل مجتمعات الدنيا من جرائها ، والمصيبة كما يقول ان الليبراليين الجدد لا يتطرقون اليها ، فهم يصفقون باتجاه واحد ! من يتصفح برنامج الامم المتحدة للتنمية لكل عام ، وهو الذي يتحدث عن وضع مختلف دول العالم في كل سنة ، فسيخرج مذهولا نتيجة اتساع الهوة التي تزداد يوما بعد آخر بين الاغنياء والفقراء بدلا من ان تنقص والاحصائيات الرسمية واضحة بهذا الخصوص. فايطاليا مثلا اغنى من جميع الدول العربية بعدة مرات بما فيها الدول البترولية.. لنضرب امثلة اخرى على مدى اختلال التوازن في توزيع الثروة بين الشمال الممثل الحقيقي لعالم الاغنياء ، وبين الجنوب ممثل الفقراء بشكل عام ، فسنجد ان  هناك 225 مليارديرا في العالم تبلغ ثروتهم الاجمالية الف مليار دولار.. هذا المبلغ يعادل ما يحصله 5,2 مليار من سكان البشرية ، اي بمعنى ان 225 شخصا ، هم اغنى من ملياري ونصف شخص من ابناء البشرية !
من المسؤول اليوم عن الازمة ؟
    ان العالم كله يدرك من هو المسئول الحقيقي عن تبدل الاخلاقيات على مدى مائة سنة ، وعن خراب العالم . وقد بدا الانسان منتجا مستغلا ، او مستهلكا عبثيا ، او شبحا اكلته الحروب والكوارث والمجاعات .. وبالضرورة ، فان عالم الجنوب هو المكتظ سكانيا ، وهو الذي يعاني وستزداد معاناته مع توالي الايام والسنين في ظل اخلاقيات كونية جديدة ، لا تعرف الا الحرب الاقتصادية ، والاستثمارات الوهمية ، والمضاربات في العملة ، وهيمنة الشركات الكبرى ، والتخطيط لخنق اقتصاديات معينة ، وعمليات غسيل الاموال ، واستقطاب ثروات هائلة في البنوك لدول وافراد .. وفرض اجندة على الغذاء والماء والدواء .. والتلاعب باسعار المحروقات ، وتخفيض سعر الدولار .. الخ من السياسات التي ستأخذ العالم كله رهينة نظام اقتصادي جديد لا يعرف الا الاخلاقية الكونية للمصالح الاحادية لطرف واحد على حساب كل العالم الذي يتقهقر شيئا فشيئا !
العالم يتقهقر شيئا فشيئا !
وهذا ما يراه المفكر الهندي فاندانيا شيفا في رؤيته المستقبلية لعالم الجنوب ، فهو ينتقد النظرية الرأسمالية الجديدة التي تقول بأن التجارة الحرة تؤدي الى ضمان الحرية في المجال السياسي وسواه. ولكنه يقول بأن العكس هو الصحيح ، ذلك ان التجارة الحرة هي التي تحرمنا من الحرية في عالم اليوم لا يجد امامه الا الصراع بين الشمال والجنوب ، وستكون الخيبة والخسران من نصيب عالم الجنوب . ان عالم الجنوب يتقهقر شيئا فشيئا بملايين البشر التي تعيش بلا اي انتاج وعلاقات انتاج .. انها افواه لا تقبل الا الاستهلاك مع ازدياد المجاعات والمشكلات والامراض . ان دولا بترولية ستضمحل مجتمعاتها ان نضب البترول منها ! ان منطقة الشرق الاوسط ، وهي اقرب منطقة الى اوربا جغرافيا كانت ولم تزل تعاني من صدمات تاريخية وحضارية متنوعة ، وهي اليوم ضمن مناطق صراع الجنوب ازاء الشمال .. وتبدو مجتمعاتها تعيش هي الاخرى فوضى من التناقضات وغياب المستويات وتقلّص النخب وغيبوبة الانتاج وتفاقم الصراعات .. انها تعيش في عالم متغيرات غير ايجابية على الاطلاق وبفعل سياسات واجندة واعلاميات وتربويات .. لا تخلق الا الانقسامات وتبدد الارادات وتعدد الولاءات لثقافات متوحشة وظواهر لم يكن لها وجود في حياتنا واخلاقياتنا سابقا !
واخيرا : هل من افكار جديدة ؟
وعليه ، فان ظواهر غريبة قد حدثت ، او في طريقها للتبلور والحدوث مستقبلا ، ومنها ظواهر : الارهاب ، والمافيات ، والمليشيات ، والحراسات ، والطفيليات ، والقطط السمان .. مع وجود وتفاقم الانقسامات والحروب والطوائف والتشظي الى انتماءات لا حصر لها .. فإذا كان عالم الشمال بزعامة امريكية يريد فعلا القضاء على الارهاب ـ مثلا ـ ، فما عليه الا ان يعيد التوازنات ضمن مبادئ حقوق الانسان واخلاقيات الانسان ، ويقضي على التفاوت الهائل بين البشر ، وان يبتدئ باصلاح خلل النظام العالمي لكي تستفيد مجتمعات العالم قاطبة من ثمار العولمة .. وان يتساوى الجميع في فرص التعليم وفرص العمل والتأمين الصحي والخدمات والسكن .. وان يؤخذ بأيدي جميع المبدعين في كل المجتمعات .. وان لا تخلق الحروب خلقا في مجتمعات على حساب نمو وثروة مجتمعات اخرى .. وان يسمح لكل المجتمعات بالعمل والانتاج قبل ان تستلبها الفوضى الخلاقة ! وان ارادت الدول والحكومات ان تبعد مجتمعاتها عن كل الاخطار ، فليس لها الا ان تجدد في قوانينها ، وتغّير في مناهج تربوياتها ، وتصلح اوضاعها السياسية .. وعلى المجتمعات ان تناضل من اجل كسب حقوقها ، والتمتع بحرياتها ، وتأمين واجباتها ، وان تعتمد على ابنائها في بلورة افكار واساليب جديدة ، ومن ثمّ ترسيخ آليات فكر وعمل تتواءم وتنسجم مع ضرورات المستقبل .
www.sayyaraljamil.com

ايلاف ،  3 آب / اغسطس  2008

ملاحظة : في حالة اعادة نشر المقال في اي موقع ، يرجى ذكر المصدر  ايلاف .. مع الشكر

67
الأحْياء يخْسَرَهُم الأمْوات !
رِسالَةٌ عابِرةٌ الى كُلّ الأصْدِقاءِ العِراقيين

د. سّيار الجَميل
ماذا اقول بعد ازجاء التحية الطيبة ؟
بادئ ذي بدء ، لا اريد ابدا ان أسمي أي شخص باسمه ، فمهما بلغ خلافه معي ، أو علت أزمته ضدي ، فانني احترم الذات والاسماء كلها .. واذا كانت للبعض مشكلته السياسية او الطائفية معي ، فانا ليس لي اي مشكلة مع الاخرين ، الا بقدر ما اختلف مع هذا او ذاك في المعلومات والرؤية والثقافة .. وهذه رسالة عابرة كتبتها موجهة الى كل العراقيين ، لا الى انسان معين بالذات ، وقد عنيت بطبيعة الحال البعض من الغلاة والمتطرفين الذين لا يؤمنون بنسبية الاشياء والامور ابدا .. ومنهم بعض الاصدقاء الذين لم يتغيروا ابدا بالرغم من كل العاديات لعشرات السنين .. وهي حديث عن " خسارة " معينة للبعض ، ممن لم يجد في كل هذا العراق موضوعا حتى اكتشف فجأة انه بخاسر لواحد من العراقيين اسمه سيار الجميل! ومن المضحك حقا ، انه يتحدث باسم المجموع لا باسمه وحده ، من دون ان يدري خطأ ان يتكلم المرء باسم المجموع ، فلقد تعلمنا في مدارسنا  الابتدائية ، ان اي كلام عن الذات لا يؤدى الا باسم صاحبه ، لا باسم الاخرين ، الا ان خّول بذلك تخويلا .. ان  " الموضوع اكبر بكثير من الذات " ـ كما قال جيفارا يوما ـ !

المعنى الضائع
لم تعد الارض الخصبة الا للاحياء في هذا العالم ، وان الاموات كلهم لا يأخذون معهم الا الاكفان ، بعد ان ذهبوا ويذهبون بلا رجعة ابدا .. وحتى ان بقي بعضهم يثرثر بما ترّسخ عنده من شعارات واقوال يستحيل تطبيقها ، فان هذا البعض الى زوال واندثار، اذ لا حياة لهم لا مع هذا العصر ، ولا مع المستقبل ابدا ، ما داموا لا يقبلون الرأي الاخر ، ويرفضون التعامل بكل شفافية مع اية اسئلة يريد اصحابها اجوبة عليها . ما لي اراهم ما زالوا يتعبدون في صوامعهم باسمالهم البالية ، ويلوكون شعاراتهم واوراقهم ، ويهاجمون حتى اصدقائهم ويخلطون بين الاخضر واليابس .. ؟؟ من المضحك جدا انك تجدهم دوما من المتعجلّين ، يلقون التهم السريعة ليس على خصومهم الحقيقيين من البدائيين والمتخلفين والشوفينيين والتراجعيين الفارغين التافهين ، بل يلقونها على من انصفهم في التاريخ والنضال والتفكير والمعرفة والثقافة والمعاصرة .. وانصف مع هذا وذاك كل العراقيين ! كنت أتمنى على واحد او اثنين او زد ثلاثة ، من امثال هؤلاء ان يدركوا معنى الربح والخسارة في سوق غير متوازن أبدا من المعرفة والتفكير والحكمة والمنطق وقوة الحجة لدى من كان صاحب فكر ومنهج وفلسفة وموضوع ازاء البعض من المتطرفين المغالين ، وهم ما زالوا على نفس طبعهم ، وتعصبهم ، وامزجتهم الساخنة التي تدعو الى اعدام الاخر ، او نفيه ، وقد تصل درجة الكراهية الى نحره ، او قتله ، او سحله ! فان من تخسرونه ، لا يمكنكم ان تنفوه من ذاكرة العراقيين ، فلا حاجة الى ان تبيعوا عليه شموع التنوير ، فهو يعرف طريقه المستنير منذ ازمان خلت .. ولقد تلقّت افكاره ، ولم تزل ، الالاف المؤلفة من الطلبة والناس والمتابعين والمهتمين والعاشقين لرؤاه والمنتظرين لما ينتجه ليل نهار .

انهم معا عند خط الاستواء الملتهب !
 وهنا ، يستوي عندنا اولئك الذين جنوا على مجتمعهم بما اسموه بمليشيات " العنف الثوري " ، او هؤلاء الذين ما زالوا يجنون على وجودنا بما اسموه بجماعات " التكفير والارهاب " ، او مرتزقة " الاحزاب الشوفينية "  . ان كلا من هؤلاء قد ضيعنا ، وضيع مستقبلنا على امتداد عقود من الزمن كونهم يعلنون على الملأ احتكارهم للوطن والفكر والمعرفة وكل الايجابيات ، وكأن بقية الناس ليسوا بابناء وطن ، وكأن ليست لديهم اي معرفة ، ولا اية ايجابيات ! والانكى من ذلك انهم يريدون احتكار التاريخ لهم فقط ، من دون ان يسمحوا للاخرين ان يدلوا بدلوهم .. او ان يتحاوروا معهم بكل احترام ومعرفة ! اريد القول ايضا ، بانهم نفر خرجوا عن الطريق السوي لكل العمالقة الحقيقيين الذين ساروا على طريق صعبة للغاية ، وسارت عليه تلك الالاف المؤلفة من المناضلين الاقحاح الذين دفعوا حياتهم ودمائهم ثمنا لمبادئهم التي آمنوا بها من اجل وطن اشترك الجميع في ذبحه ، فمسؤولية ذبحه لا يتحملها مجرم واحد فقط .. وهم بين هذا وذاك ، لم يجنوا الا خواء النتائج ، وبئس النهايات بسبب الغلاة ، فالغلاة يستوون جميعا عند خط الاستواء الملتهب !

اموات منعزلون
السؤال : لماذا تبقى البعض ، وذاك البعض من نفر قليل ، يصر على انعزاليته وعلى نفس اساليبه واخطائه في الغلو والتطرف بعد كل الجنايات التي اقترفها الجميع .. ؟؟ لماذا لم يراجع مسيرته ؟ لماذا لم يعترف بالاخطاء ؟ لماذا لم يتوقف لحظة واحدة ، ليقول كلمة سواء بحق الجميع من اجل كل العراقيين ؟ متى تنزع الكراهية من صدره وكل الصدور العراقية ؟  لماذا لم يخرج ابدا من خندقه وحده ويندمج مع الاخرين لتشكيل الكلّ العراقي ؟ لماذا بقى هو وبعضه امواتا ، فلا هم احياء ولا هم براحلين ، ولكنهم يعدون ايامهم ويمضون الى حيث النهايات بلا اي ذاكرة جمعية ! ؟  لماذا يعتبر هؤلاء انفسهم ملائكة الرحمة ، وجهابذة الزمن ، واطياف السلام ؟ لماذا يجعلون انفسهم من اعظم المثاليين في بناء جمهورية افلاطون الخيالية الرائعة ؟ وهم لا يدركون " انهم يعبدون الطوطمية المعاصرة " ـ كما قال جان بول سارتر يوما ـ !

هل أساء صاحبكم لكم ؟
هل اساء صاحبكم لكم انتم ايها النفر الضليل ؟ الم يخدم العراق في الصميم ؟ ألم يكن سيفا مشهرا ضد كل من نال من العراق والعراقيين ؟ هل تسمح له قيمه العلمية ان يرمي عليكم النار والقار والاحجار ؟ هل وجدتموه يحاربكم كذوات وعراقيين باسمائكم ، ام انه يعالج موضوعات العراق ، ويحمل همّ العراق ومستقبل العراق ؟ والفرق كبير بين الموضوع والذات ! هل وجدتموه شوفينيا بربريا ، ومتوحشا بدائيا حتى تخسروه ؟ وهل كان قد تخندق معكم انتم بالذات في مجموعة واحدة او كوميونة واحدة حتى تخسروه ؟ هل اعلن استقالته منكم بالذات حتى تخسروه ؟ هل قرأتم ما كتبه عن الجميع وانصف كل العراقيين .. وشخصّ جملة هائلة من الاخطاء التي اقترفت بحق المناضلين الحقيقيين ، وبحق الزعماء المظلومين وبحق كل المسحوقين ؟ هل لعب على حبال اللاعبين ، وتلون مع موجات السياسيين ، وتشدق بشعارات المؤدلجين ..؟؟ او هرول مع المهرولين ليشارك النفعيين والمختلسين والاخرين اغراضهم ؟ او ذهب مع هذا ورجع مع ذاك باسم الانسان والحرية والتقدم والديمقراطية والسلام وهو من اشد المؤمنين بها كلها كمبادئ وقيم لا حياة لنا كلنا من دونها ابدا .. ؟؟ واذا لم تقرأوا كل فكره او كتبه ؟ او تتأملوا في كل قوله مليا ؟ فما هذا التطاول ؟ هل من حقكم القاء التهم عليه جزافا ؟ متى تتخلصون من هذا الوباء الذي شمل العديد من اخلص العراقيين وانبلهم ولعقود طوال من السنين ؟
نعم ، الاموات يخسرون الاحياء ، فالاموات اموات ، والاحياء سيبقى ذكرهم على مدى الازمان ! ان من اصعب المهمات ، ادراك ما يريده كل المتطرفين والغلاة الذين لا يجدون الصواب الا عندهم .. ومهما اردت ان تفهمهم فلن تستطيع ابدا ابدا .

خزين الاحقاد .. متى ينتهي ؟
انهم يترجمون جملة هائلة من المشكلات النفسية والاجتماعية على امتداد سنوات حياتهم ، بل وان بعضهم يتوارث الاحتقان والحقد والكراهية ، كما تربّى على ذلك ، من دون ان يشعر باقتراف اي ذنب تجاه الاخرين من العراقيين .. انه هكذا بطبيعته ، ولم يكتف بما حصل عبر كل هذي السنين ، ولم يشف غليله كل ما رأيناه جميعا من رذائل ومخزيات الرعاع والقتلة واولاد الشوارع والجناة الغادرين ، بل باق حتى يومنا هذا يتشّفى بمصائر من يناوئهم ويخاصمهم بلا اي قرائن ، ولا اي حجج ، ولا اي حيثيات تاريخية ، الحي منها والدفين .. ان العراقيين من المتوازنين المخلصين لهم اكثر من دليل واضح على كونهم احياء ما زالوا يعيشون في ذاكرة الناس والعالمين .. بل نجدهم في ذاكرة خصومهم حتى اليوم والى يوم ينتصرون .. اما خصومهم ، فأموات مذ فتكت بهم كل التقلبات والتناقضات التي صنعوها والبسوها لأنفسهم ! لقد خلقوا من انفسهم " أئمة من الملحدين  . . واصنام من النصوص . . " ـ كما يقول الصديق امير الدراجي في واحد من نصوصه الفلسفية الرائعة ـ !

يريدونك .. وانت لا تريد
يريدونك في خندقهم وانت من ابعد الناس عن الاوكار والخنادق والحركات السرية ، يريدونك تصفق لشعاراتهم وانت تتجرد من اي شعار .. يريدونك بوقا لاحاديتهم وانت من أبعد الناس عن الاحاديات والثنائيات والقفز بين هذا وذاك ! يريدونك من ورائهم حتى وان لم تنتم لهم ، وانت تتعالى على الايديولوجيات والتحزبات ! يريدونك تمجدهم وتصفق لمهازلهم واحتفالياتهم بمهرجانات الموت والاعدامات ، وانت تأنف من أي نقاط ضعف وهوس وتوحش ، وقد انتموا الى احزاب لها مكانتها وعراقتها وتاريخها ، وهي اكبر منهم جميعا ! يريدونك ان تنسلخ عن جلدك ومدينتك ، وما انت الا بعاشق لكل الوطن .. لكل هذا العراق الذي ذبحه كل الغزاة ، وكل الغلاة والاوباش والمشعوذين والشوفينيين والدجالين وخونة العهود وحفنة من الجلادين ، او اولئك الكارهين لاسم العراق ، وحدود العراق ، وشعب العراق وكانوا وما زالوا يتمتعون بخيراته وثرواته ! اراد بعضهم ان يشتروا صوتك ، وبعض آخر شراء كلمتك ، وبعض آخر شراء ذمتك .. ولم يفلح الجميع ، ولن يفلحوا ابدا ، فانت لم تخلق لهذا او ذاك ، بل كنت جنديا  مجهولا لكل هذا العراق الذي لم يفتك احد به كما فتك فيه بعض ابنائه المعاقين وقطاع الطرق من الغرباء على قيم التمدن والاستنارة الحقيقية .

ابن بلاد أم ابن مدينة ؟
تخسرونه ، وانه ابن لهذا العراق ، وتنالون منه كونه ابن مدينة تكرهونها ، ولكنه يجد ان مدينته يعتز بها كل العالم باعتبارها مركز التقاء لكل الشرق والغرب ، ومركز حضارات متداولة .. هي ليست موطنا للشوفينيين فقط ـ كما يصفها بعض الكارهين ـ ، بل انها كانت في ما مضى : بيئة خصبة رائعة انطلق منها على امتداد القرنين السابقين : العشرات من النهضويين والاصلاحيين والتقدميين والديمقراطيين والماركسيين والقوميين والاستقلاليين والاشتراكيين .. ناهيكم عن ابرز الحرفيين والاطباء والقضاة والتشكيليين والمحامين والصحافيين والموسيقيين والمعماريين والاقتصاديين العراقيين .. فكيف لا نعتز بها جميعا ؟ كما انها بؤرة لكل الملل والنحل والاطياف العراقية الجميلة .. فاذا كان الاخرون يفتخرون بها ، فهل من الصواب ان أصّب جام غضبي عليها ، وان اخرج من جلدي لاصفق لكل ما لها من كارهين  او امحيها من ذاكرة وطنية متوقدة لدى كل الوطنيين ؟ وماذا تبّقى منها بعد كل هذي السنين العجاف ، اذ غزاها الغرباء كالجراد ، فاغتربت عن ماضيها الجميل .. وذهبت كل معانيها الرائعة مع كل الذاهبين .

مستبدون يريدون احتكار كل العراق
متى تخسر الاموات اولئك الاحياء ؟ متى كان للاموات اصوات ؟ متى اعترف الاموات بكل ما اقترفوه من جنايات بحق الاحياء ؟ متى اعترف الاموات ببربريتهم ؟ انهم ما زالوا من البدائيين الذين لا يعرفون الا انفسهم .. ولا يعترفون بالاخرين من امواتهم ! لا اريد ان أسميهم ، فهم من أبعد الناس عن المرونة والمودة او الشفافية والانسجام .. انهم لا يعرفون الا الاستبداد في الحياة واحتكار النص ، واحتكار الرأي ، واحتكار السياسة ، واحتكار الخطاب ، واحتكار حتى التراث والتسلق على ظهور الاحياء العاملين والتشدق بالوطنية ، وكأن كل العراقيين ليسوا بوطنيين ، بل وينصّبون من انفسهم نصحاء معلمين ، وهم من ابعد الناس عن مناهج التربويين والعلماء الحقيقيين.. انهم لا يعترفون بغيرهم ابدا ، ولم يفسحوا المجال لسماع اي صوت يخالفهم حتى وهم في قبورهم يهلوسون ! انهم يعشقون الموت ولا يريدون الحياة .. انهم يتهمون كل من يخالف رأيهم بالارهاب والاجرام ، وانها حقا موظة جديدة ان يتهم كل من يخالفك الرأي بالارهاب والشوفينية والعنصرية والقومية .. انهم لا يعترفون بأي خطأ من اخطائهم الجسيمة ! انهم  لا يعرفون الا العنف ! ويبدو انهم ما زالوا يرددون شعاراتهم المخجلة حتى في قبورهم !

همسة صديق
ايها الاصدقاء : ان بعضكم هذا باق على طريقته المتعصبة ، ولا يمكنه ان ينسجم الا مع افكاره الراسخة في بواطن لا وعيه ، فتجده يريد ان يقود جوقة من امثاله ولم يفلح ..  وهو يعتقد بأنه على صواب دوما ، وان الاخر على خطأ دوما ! ان ابشع ما يمارسه ذلك البعض تزوير كل الحقائق مهما بلغ سطوعها جليا على العالم . ان هذا البعض لعنة تراجيدية على كل ارضنا وفي خلايا كل مجتمعنا .. انهم مادة للعصيان الابدي الذي كتب على العراقيين ان يشهدوا فصوله بمنتهى الجنون ! انه يتكلم او يكتب وكأنه آلهة توزع المغريات كذبا ، او القصاص بهتانا ! لقد قاد امثال هؤلاء العراق الى التهلكة والضياع على امتداد كل الزمن المنكود. ان من افجع الامور ان تعتقد انك وحدك تمتلك الحقيقة ، وان غيرك على ضلالة . فهل حاول الانسان ان يبقى هامشا يتحرك عليه خصمه ؟ او زاوية لنفسه كي لا يمتلك ايّا منا الحقيقة كلها ؟

صراع مستويات
ماذا تريدون من ذاك الذي له منهجه ، وانتم بلا منهج ؟ ماذا تريدون من صاحب فلسفة معلنة على العالم ، وانتم بلا اي فلسفة ؟ ماذا تريدون من ذاك الذي يؤمن بالموضوعية لا التطرف ، ويعمل بالحياد دون الغلو ، ويكتب بحرية من فوق الارض وهذا يهاجمه في الانفاق ليس له الا التخندق حتى بعد ضياع الوطن ! لماذا لم يزرع امثال هؤلاء : كل الحب والصفح يوما في قلوبهم ؟ ليس لصاحبكم وصديقكم الا الموضوع ، واحترام الذات وهو لم يخاصمكم ابدا ، بل انظروا الى  خصومكم الحقيقيين الذين تقلبتم معهم ذات الشمال وذات اليمين ! ؟ لماذا كل هذا العصيان المؤدلج ؟ من سيجدد مؤدلجاتكم البدائية القديمة ؟ واقول : ان من يريد اقتحام الاخر ، عليه ان يقارعه الحجة بالحجة ، لا ان يلقي عليه التهم جزافا ويهرب مذعورا من الميدان .. يقول الروائي الفرنسي المتمرد جان جيينيه : " مهما كنتُ قليل أدب وواحد من العابثين المجانين ، فليس لي القدرة على مخاطبة العقلاء " !

الفضيلة تكافئ نفسها
انني لا اريد هذا البعض مساحة من خواء واغتراب ! أجده قد اغترب حتى عن اهله والمقربين اليه ! انه لا يعرف الفضيلة ، فالفضيلة تكافئ نفسها ـ حسب تعبير نيتشه ـ ! انه بعض البعض لا يعرف من كلامه ، الا الهدم التاريخي والبربرية المخيفة .. انه خواء من اي ضمير مهما كان عياره خفيفا ! اننا لا نريده ان يكون قديسا طاهرا ، ولا من المعصومين ألابرار ، ولا ولا .. بل نريده ان يعترف ولو لمرة واحدة باخطاء جسيمة ارتكبت .. وليس لوحدهم في الميدان ، بل ينسحب الامر الى اولئك الجلاوزة الذين تحكموا في مصائر كل العراقيين ازمانا ، فاحرقوا الحرث والنسل .. اولئك الذين حملوا شعار الدم والقتل والهدم والجماجم .. اولئك الذين بطشوا بخصومهم بطشا لا يعقل .. وجاء الخصوم ليتحالفوا معهم في اسوأ ماراثون لقتل العراق !

الوعاء بلا غطاء
ماذا احدّث العراقيين .. كل العراقيين ؟ ماذا اقول لأجيال قادمة ؟ ماذا اقول للعراقيين في المستقبل ؟ ان الاجيال ستلفظ الجميع وراء ظهورها ، بل سترميهم في محرقة التاريخ ؟ سوف لن يبقى كل العراقيين على هذه الحال والاحوال .. سوف لن يقبلوا بكل مهترءات الماضي الصعب الذي ضيعه وضيع العراق معهم .. وسوف ينكشف الوعاء عن اناس سيبقون احياء على المدى ، وعن اناس ماتوا وهم احياء بعد ان لفظهم الزمن في اعماق العدم . ان من المضحك حقا ان يجادل بعضنا بعضا سياسيا حول مسألة تاريخية اختلف في تقييمها كل العراقيين ! وان من المؤلم حقا ان نشطب ونحذف بسهولة اي كائن عراقي يؤمن بحياة العراق وبتقدمه وأخذ موقعه الحضاري في هذا العالم .

واخيرا : تحية من الاعماق
 تحية لكل اولئك العراقيين الابرار من حكام ومحكومين .. من رؤساء ومرؤسين .. من متحزبين ومستقلين .. من مدنيين وعسكريين ، من فلاحين وعمال وكسبة وموظفين وكل الذين ضحوا بأنفسهم ودمائهم وازمانهم من اجل العراق والعراقيين .. تحية لكل مناضل عراقي حقيقي ناضل وعانى وكابد حقيقة من اجل العراق وزهوه ورقيه في العالمين .. تحية لكل من افنى نفسه وعمره وعلمه وادبه وثقافته وخدماته وخطابه من اجل حضارة ارض النهرين .. تحية الى كل الاحياء العراقيين من الماضين الراحلين او الشاخصين في الدواخل والشتاتين .. دعونا ننشغل بالمستقبل بدل هذا الصراع الذي نؤججه من حين الى حين ، وليس لنا الا رقصة الطيور المذبوحة على تناقضات الماضي الدفين.. دعونا نفتح للاجيال القادمة طريقا عراقيا جديدا بعيدا عن كل مآسي السابقين واللاحقين . ان الماضي غدا في سجل التاريخ ، وفي قبضة المؤرخين . فهل نحن بقادرين على ان نشق طريقنا نحو المستقبل بحيث نكون او لا نكون ؟ هذا ما ستجيب عليه الاجيال القادمة . دعوني اختتم رسالتي بشيئ من اقوال الشاعر الرائع احمد مطر ابن التنومة الجميلة ، تلك القصبة الغافية عند ملتقى نهايات كل العراقيين ، كي نشاركه بتواضع كبير في ما يقول ، ونترك قليلا اية نفخة كاذبة ، كنا ولم نزل نعيش عليها نحن الكل او البعض من العراقيين :
نَحنُ لِمَـنْ؟
وَنحْـنُ مَـنْ؟
زَمانُنـا يَلْهَثُ خارجَ الزّمَـنْ
لا فَـرقَ بينَ جُثّـةٍ عاريَـةٍ
وجُثّـةٍ مُكْتَسيَهْ.
سَـواسِيَهْ
موتى بِنعْشٍ واسِعٍ .. يُدعى الوَطَـنْ
أسْمى سَمائِهِ كَفَـنْ.
بَكَتْ علينا الباكِيَـهْ
وَنَـامَ فوقَنا العَفَـنْ !

سيّار الجميل
كتبت يوم 14 تموز / يوليو 2008 في تورنتو / كندا
www.sayyaraljamil.com


68
الطائفيّة : مَنْ يُسكِتها في لبْنان والعِراق ؟

د. سيّار الجَميل

كتبت وحاضرت عن هذين البلدين العربيين ، ولم أجد أي تشابه في تاريخهما ، ولكن يبدو انهما اليوم، يعيشان مشكلة واحدة ، وهي داخلية اكثر منها خارجية في نتائجها ، ولكنها خارجية  اخطر منها داخلية في مسبباتها مع التكالب لخلق مبررات الانقسام .. عندما غرق العراق في حرب الثماني سنوات مع ايران اقليميا ، كان لبنان يعيش حربا اهلية طاحنة ليس لها اي معنى ، وكان بالامكان اسكاتها .. وبنفس الوقت ، لم يعرف كل العراقيين حتى اليوم ، ما الذي كان وما الذي حصل بعد حرب شعواء ،  كان بالامكان وأدها منذ اندلاعها !
وبالرغم من ان كلا البلدين خرجا من حربيهما متعبين بكل قروحهما وجروحهما ، الا ان الاثنين قد اصيبا بوحدتهما الوطنية اساسا ، وفتح الباب امام تغلغل قوى خارجية دولية واقليمية وعربية ، وبدأ تفكير البعض في كلا البلدين بالانفصال او اللعب باوراق الاخرين في كلا البلدين مع حماقة صناع القرارات .. وبالرغم من بقاء النظام الدستوري ساري المفعول في لبنان على طول الخط ، فان العراق عرف في ما اسمي بنظام الحزب الواحد الذي انتهى تماما في العام 2003 عقب الغزو الامريكي للعراق .
ان النعرات الطائفية موجودة في اي مجتمع متنوع المشارب ، ومتعدد المذاهب والطوائف .. ولعل العراق ولبنان من اكثر بلدان الشرق الاوسط التي ضعفت كثيرا على مستوى كل من الدولة والمجتمع منذ ثلاثين سنة ، فكان ان حّلت الانقسامات فيهما الى درجة مخيفة ، وبدأت الدعوات الى الفدرلة بشكل سافر ومعلن دستوريا في العراق ، في حين يلحق لبنان صاحبه ، كي يطرح موضوع الفدرلة لبنانيا بعد احتدام الصراع الطائفي ، واعادة اشعاله بطرق شتى .
ان موضوع الانقسام فيدراليا على اساس طائفي في كل من البلدين سيمّهد نحو الانفصال ، وهذا ما يرّوج له بعض الغلاة الذين ليس لديهم اي وازع وطني حقيقي ، فهل وجدنا في تجارب العالم الفيدرالية جمعاء تقسيمات فيدرالية على اساس طائفي ؟ واذا ما اريد تطبيق ذلك على كل من العراق ولبنان ، فكيف ستحدّد حدود كل اقليم ، خصوصا اذا عرفنا ان كلا من السنة والشيعة يتداخلون في توزعهم وعيشهم في كل اصقاع البلدين . السؤال الاخر الذي يستلزم ان يفرض نفسه علينا نحن العراقيين واللبنانيين : هل يقتصر التنوع والتعدد الطائفي والمذهبي على كل من بلدينا مقارنة بكل من ايران وتركيا ؟ فهل تقبل كل منهما اي تجربة فدرلة على اساس طائفي ؟
علينا ان نعي جميعا نحن الذين نسكن هذا الشرق الاوسط ، ان ما حدث من تمزقات طائفية في العراق ، وما يحدث من بدايات صراع طائفي في طرابلس وبعض اجزاء لبنان الشمالي .. سيتفاقم خطره كثيرا على لبنان نفسه وسيغدو على شاكلة العراق ـ لا سمح الله ـ . ولنعلم ، ان كلا من هاتين التجربتين ، ستنعش الانقسامات الطائفية في كل منطقتنا ، وهذا من اخطر التوقعات القادمة! ان اي تصنيف سياسي داخلي حكومي او حزبي او برلماني يؤسس على نظام طائفي ، فسيكون بالضرورة هو البديل الحقيقي لأي مشروع وطني ينفّض من حوله الجميع ، فيتشظّوا الى انتماءات طائفية تركض متصارعة جميعها وراء مصالحها الفئوية ومنافعها المحلية والجهوية .
لقد اصابت الطائفية مقتلا من العراق والعراقيين ، وكّنا نخشى على لبنان ان لا تبدأ فيه اية انقسامات مسلحة .. ولكن ما حدث ايام النهر البارد الذي اعتبره البعض خطا أحمرا ، وما يحدث اليوم في طرابلس ومناطق اخرى لا يبشر بخير ابدا .. ان النيران اذا اندلعت من خلال هذا الوازع ، فسوف لا تقف امامها اية حدود سياسية او مناطق عازلة .. 
ان الغلاة والمتطرفين من كلا الطرفين ينبغي ان يبتعدوا عن ميدان السياسة والاعلام حتى  ان كان ذلك مؤقتا ، من اجل نزع فتيل اي كراهية او احقاد .. وان يتوقف تدّخل الدول الاقليمية في الشأن اللبناني والعراقي .. ان الجفاء قد وصل درجة كبيرة من القطيعة بين السنة والشيعة بالعراق منذ خمس سنوات نتيجة تفجّر الاحقاد الكامنة .. ويخبرنا الاستاذ سليم الحص في مقاله الاخير عن لبنان قائلا : " الحق يقال ان الجفاء متبادل إلى حد ما .. وينتابك شعور بأن مجتمعنا يعيش حرباً أهلية وإنما داخل النفوس وليس في الأزقة والشوارع والحمد لله، والفضل في عدم خروج الحرب الأهلية إلى الشارع يعود إلى إرادة الكثرة من اللبنانيين، الذين صمموا على عدم العودة إلى أجواء الحرب الأهلية التي خيّمت ما بين العام 1975 والعام 1990 هذا مع إدراك الفارق الخطير في أن الحرب الأهلية انتصبت خلالها خطوط تماس فصلت إلى حد معيّن ما بين الفئات. أما اليوم فلا خطوط فاصلة مذهبياً أو طائفياً، فإذا اشتعلت حرب أهلية في الشارع، لا سمح الله، فإن حصادها سيكون كارثياً " ( انتهى النص ) . وهنا أود القول ان ما يحدث اليوم في لبنان من بدايات حرب طائفية من نوع جديد شبيهة بموديل العراق سوف لن تفلح اهدافها ابدا لأي من يذكيها من الفرقاء ، اذ لم تنجح حتى اليوم  في العراق بالرغم من قساوتها  الشديدة واخفاق العراقيين في احضار البديل متمثلا بمشروع وطني .. ان اسوأ ما يضر كل من العراق ولبنان معا الحرب الاعلامية الطائفية ودور دول الاقليم في تنفيذ برامجه