عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - كفاح محمود كريـم

صفحات: [1] 2
1
حصاد النيران بين الرماد والتهجير!

كفاح محمود كريم

   منذ أكثر من عام، اكتشفت قوى الصراع في العراق وسوريا سلاحاً جديداً أكثر فعالية وخطورة في تطبيقات الأرض المحروقة وتفريغها من سكانها، دونما إراقة دماء او عمليات قتل وابادة، بل تحرق كل شيء له علاقة برزق وغذاء الانسان وتضعه أمام خيارين أحدهما مؤكد وهو الإفقار والإذلال، وثانيهما الإرهاب الذي يؤدي إلى التهجير والترحيل وترك المنطقة لتلك القوى صاحبة براءة اختراع هذا السلاح المستجد، مثل شقيقه (كوفيد19) الذي بدا بالانتشار بشكلٍّ غامض، ورغم قدم هذا النوع من السلاح واستخداماته، الا انه أدخل في الخدمة والتطبيق الفعلي السنة الماضية، وكانت ساحته التجريبية في كل من سوريا والعراق وخاصة في المناطق المختلطة عرقيا ودينيا ومذهبيا، وفي العراق بالذات المناطق التي تسمى المناطق المتنازع عليها بين بغداد وإقليم كوردستان وخاصة في سنجار وكركوك وسهل نينوى ومخمور وخانقين ومندلي  وصلاح الدين، حيث حقق نجاحاً كبيراً في إدخال الرّعب بين مواطني تلك المناطق، بل ومنع مئات الآلاف منهم من العودة إلى بلداتهم وقراهم التي رحلهم منها في البداية نظام صدام حسين ليكمل بذلك خارطته من المحيط إلى الخليج تحت ظلال رسالته الخالدة، وحينما أسقطته أمريكا رجعوا إلى بيوتهم وبساتينهم، وما لبثوا إن أعادوا لها حركة الحياة التي لم تستمر طويلاً حيث فقست بيوض ذلك النظام الفاشي لتخرج (صواصي) داعش بلحى الحملة الوطنية الإيمانية سيئة الصيت، ولتستكمل البرنامج المعروف بالتغيير الديموغرافي والتعريب، مضافاً اليها هذه المرّة فكرة الأسلمة ووسائلها في الذبح والسبي والاستعباد كما شهدناها حينما استباحوا الموصل وسنجار وتلعفر وسهل نينوى، وأنفلوا الاف النساء والاطفال من الايزيديين وهجروا مئات الالاف منهم والذين يعيشون حتى يومنا هذا في مخيمات النازحين منذ 2014م.

   السلاح الجديد هذا تمّ تطويره ليشمل المختلفين عرقياً ودينياً ومذهبياً في مناطق سيطرت عليها قوّات الحشد الشعبي، التي تأسست بفتوى من مرجعية الشيعة العليا في العراق لغرض مكافحة داعش ودرء خطرها عن كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء، لكنها هي الأخرى طوّرت نفسها فأصبحت بديلاً للمؤسسة العسكرية، واتسعت مهامها فامتدت إلى مناطق ساخنة حول كوردستان، وفي داخل سوريا لحماية المزارات الشيعية كما أعلنت العديد من فصائلها هناك، المهم هناك أصابع اتهام مباشرة للعديد من التشكيلات المتشددة والمتطرفة مثل داعش ومثيلاتها ومَن على شاكلتهم من المستفيدين في سياسة التغيير الديموغرافي آنفة الذكر، ومعهم بالتأكيد تلك الأدوات التي استخدمتهم السلطات تاريخيا لتغيير هويات البلدات والمدن والقرى في المناطق الكوردستانية المختلطة والتي تقع خارج إدارة إقليم كوردستان، وبغياب قوّات البيشمركة بعد احداث أكتوبر 2017م أصبحت هذه المناطق مرتعاً لتلك العناصر والتنظيمات الإرهابية والميليشيات الوقحة التي تسببت في ترحيل وتهجير عشرات الالاف من السكان، ومنعت مئات الالاف من ضحايا داعش النازحين للعودة الى مدنهم وقراهم.

   لقد استخدم السلاح الجديد بشكلٍّ واسعٍ هذه السنة، حيث امتد إلى محافظات عراقية أخرى، مما يؤكد أن نهجاً جديداً لتلك القوى المستخدمة لهذا السلاح وإن تعددت تسمياتها وعناوينها، نهج تمّ تطويره هو الآخر بإضافة نكهات دينية ومذهبية على أساسه العنصري أصلاً، ويبدو ومن البقع الجغرافية التي يتعرض لها هذا السلاح أن هدفاً مشتركاً وواضحاً من استخدامه، وهو تدمير البنية الزراعية والإنتاجية للغذاء لادامة الاستيراد للفاعل الأجنبي، وإفراغ المنطقة من سكانها استكمالاً لبرامج قديمة في احداث تغييرات ديموغرافية عرقية ومذهبية للفاعل المحلي، وبين هذا وذاك بقيت سوريا تحت شعار بشار الأسد أو نحرق البلد وبقي العراق حفنة تراب كما اراده صدام حسين!

kmkinfo@gmail.com

2
كوردستان والحزام الناري!
كفاح محمود كريم
   تتعرض كوردستان مع تشكيل أي حكومة عراقية جديدة، او تمرير مشروع في البرلمان، او إقرار الموازنة السنوية، لحملة منظمة وموجهة لأشغال الرأي العام وتخديره، وبالذات الغالبية المسطحة من السذج المخدرين بالشعارات وهيمنة بعض رجال الدين وخزعبلاتهم، ناهيك عن النفس العنصري وإشاعة الكراهية والحقد بين المكونات، حتى غدت هذه الحملات أقرب الى الامراض والاوبئة التي تنتشر بين أوساط السياسيين والإعلاميين والبرامج الحوارية التي تنشط وتظهر اعراضها الوبائية مع المناسبات أعلاه.
   وكما للأمراض والاوبئة اعراض تظهر على المصابين بها، فان شبيهاتها في السياسة وأجهزة الدعاية والاعلام الموجه، تظهر اعراضها  على بعض (السياسيين) وملحقاتهم من النواب ومن يلهث وراء منصب ما أو سحت حرام، فقد عرّف الاطباء بعض أنواع التهاب الجلد بأنه الحزام الناري وهو مرض جلدي ناتج عن التهاب فيروسي شديد يصيبه في مناطق متعددة من الجسم، ويتسبب في آلام حادة لفترة ليست طويلة، ثمّ يغادره بعد انتهاء حضانته، وفي السياسة يتكون هذا الحزام النّاري من ثلاث أوبئة، تنتشر بين الفينة والأخرى حسب حركة الرياح خارجية كانت أم داخلية في كوردستان أو حولها، وثالثها مستجدة حملتها رياح هبت من الشرق وانتشرت في الاصقاع، فيروس كان مع خطورته أضعف من أن يواجه تحديات كوردستان وأهلها، حتى أصبحت نموذجاً أفضل من دول في أوروبا بتدابيرها شعباً وحكومة.
   والمشكلة الأكبر تكمن في وبائين آخرين يظهران مع بداية تشكيل حكومة عراقية جديدة او تمرير قانون او مشروع مفصل على قياس مكون واحد في محاولة لإعادة عقارب الساعة الى الوراء، وهاذين الوبائين هما:
   الأول جنون البقر السياسي كما أسميناه في مقال سابق (جنون البقر السياسي وعقدة كوردستان) وأعراض المصاب به نوع من الهيجان الذي يشبه الى حد كبير هيجان ثيران المصارعة، حيث يستخدم المريض معظم أعضاء جسمه وخاصة الرأس في النطح أو الرفس دون أن يعرف السبب أو أصل المشكلة حيث تثيره الألوان فقط!
   أما الثاني فهو (المجلوب) كما يسميه الأهالي في بلادنا، أو المصاب بداء الكلب نتيجة تعرضه الى عضة كلب مجنون أو أجرب، وفي شكله السياسي تبدو عليه حالة من التشنج والاحتقان والصراخ والرغبة الشديدة في الهجوم المستمر، حسبما يتم تلقينه من غرفة الكونترول، والفرق بينه وبين سابقه أنه مبرمج ومدفوع مثل أي جهاز الكتروني أصم، يتلقى معلوماته وأوامره من عراب مصاب هو الآخر بالجمرة الخبيثة.
   هذا حالنا في كوردستان مع هذه الأوبئة التي أصابت بلادنا العراقية عامة، وكوردستان بشكل خاص حيث أصبحت عقدتهم منها، شماعة  يعلقون عليها مخازيهم وفشلهم في إدارة الدولة وديمومة بقائهم في السلطة، ثم بعد ذلك يحملون الكورد كل هزائم العرب والمسلمين من الأندلس وحتى  فلسطين، وهكذا دواليكم حيث تبين إن كوردستان حسبما أظهرت أعراض جنون البقر وداء الكلب السياسيين لدى البعض بأنها سبب الحرب مع ايران وخسارة شط العرب، واحتلال الكويت، وفرض الحصار، وظهور فيروس كورونا، وانهيار أسعار النفط لأنها أي كوردستان أغرقت أسواق العالم بكميات مهولة تجاوزت 250 مليون برميل يوميا، وأخيراً فقد ثبت بأنها تقف وراء انتحار سعاد حسني في عام 2001 حينما دفعتها من شقتها في ستيوارت تاور غرب لندن، إضافة الى انها تصدر المفخخات الى بغداد من مقرات داعش والبعث في عاصمتها أربيل، ومن هذا المال حمل جمال!
   قليل من الحياء أيها المرضى، إن كنتم قد فقدتم عقولكم فحافظوا على نقطة الحياء في جباهكم!
kmkinfo@gmail.com

3
جنون البقر السياسي أم عقدة كوردستان!
كفاح محمود كريم
   ونحن منهمكون في متابعة اخبار الوباء المستجد سواء من الإذاعات او القنوات الفضائية أو من وسائل التواصل الاجتماعي التي تقلد وكالة أعماق الداعشية، وانعزالنا في البيوت عن العالم الخارجي بسبب الحجر الإجباري، هرباً من توحش "كورونا" الذي فاق في إرهابه الإعلامي تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وأذرعه السياسية والميليشياوية، يخرج علينا فجأة ودون سابق إنذار إلا من تراكمات لا يعلم بها إلا الله ومسببيها، أحد المسطحين المصابين بجنون البقر السياسي ، متأثراً بمقال أحد الزملاء في تحميل الكورد كل تبعات ما جرى للعراق من حروب وغزوات وقادسيات وأمهات معارك وحواسم، وأن الكورد ومطالبتهم بأن يكونوا مواطنين حالهم حال غيرهم من سكان العراق سبباً لكل تلك الكوارث، مؤكداً أن اتفاقية 11 آذار 1970 بين الدولة العراقية وحركة التحرر الكوردية بزعامة ملا مصطفى البارزاني كانت منحة من (أبو عداي) كما أسماه ويقصد بها الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، بينما حقائق التاريخ أكدت أن الاتفاق جاء بعد مفاوضات أعقبت إنهيار الآلة العسكرية العراقية في حربها أيام الرئيس البكر، وقاد تلك المفاوضات صدام حسين كما ذكر ذلك الرئيس مسعود بارزاني في لقائه مع قناة "MBC"، مدعياً أن صدام حسين أعطى نصف شط العرب لإيران مقابل إيقاف تسهيلاتها للحركة الكوردية، ثم أردف في حديثه المتلفز أن حرب صدام حسين وأمام إيران الخميني، كانت بسبب تلك الاتفاقية، وذهب أكثر في خياله العلمي حيث ربط بين غزوة الكويت واعتبارها المحافظة 19 وعودة الفرع إلى الأصل على أساس كونها كانت قضاءً تابعاً للمحافظة، أراد صاحبنا تحويلها إلى إقليم، لكن رفاقه في البيت السياسي الشيعي رفضوا ذلك لأنها ضد رغبة رفاقهم في الأرجنتين!
   عموماً لم يتوقف خيال صاحبنا ومرارة مشاعره عند غزوة الكويت، بل ادّعى أن أمريكا شنّت حربها على العراق عام 2003 بسبب الأكراد، وأن كل ما يجري منذ 2003 ولحد اليوم من إنجازات عظيمة سواء كانت عظيمة في فقرها أو فشلها أو ما قدمته من إنجازات هائلة لأهالي الجنوب والوسط، الذي ادّعى هو وغيره من المسطحين بشعارات مذهبية أساسها أن الكورد من جنس الجن، وأن إقليم كوردستان يعيش على نفط البصرة، بينما أهل البصرة يتضرعون جوعاً وعطشاً بسبب فشله في تحويل محافظتهم إلى إقليم وحصوله على 17% اسوة بإقليم كوردستان، وكما ادّعى أن سكان محافظته أكثر من سكان إقليم كوردستان!
   كنت أتوقع وهو يسترسل بعصبية ان يربط بين انتشار كورونا في العالم وإقليم كوردستان، او ان الكورد يقفون وراء ما يحصل في اليمن خاصة وقد تم اكتشاف قرية هناك سكانها في الأصل من الكورد!.
   حقيقة شرُّ البلية ما يضحك في هؤلاء الذين فقدوا صوابهم واتجاهات بوصلتهم في الحياة، وأصبح الحقد والكراهية سبباً لفقدان توازنهم إلى درجة اختلاق وفبركة قصص وإطلاق أكاذيب ومهاترات في زمن لم يعد باستطاعة الفرد أن يكذب حتى على نفسه، إلا أن هؤلاء من خريجي وزير الدعاية النازي غوبلز ما زالوا يصرون على شعار أكذب واكذب ، حتى يصدقك الناس!   والأنكى من كل ذلك وأنا على يقين بأنهم جميعاً يعرفون الحقيقة، لكن الحقد والسحت الحرام قد أعمى بصرهم وبصيرتهم، فتراهم سكارى وما هم بسكارى، فيهم أعراض جنون البقر الهائج في زمن كورونا الخانقة!
   حمى الله العراق فقد طغى فيه الفساد والإفساد، وانتشر بين حكامه واذنابهم الكذب والغش والافتراء، ووقى كوردستان الامل المنشود من شرورهم وشظايا مؤامراتهم وصواريخ أكاذيبهم وفبركاتهم.
kmkinfo@gmail.com

4
كركوك ونفط كوردستان

كفاح محمود كريم

     لطالما كانت كركوك وبقية المدن الكوردستانية التي تعرضت لتغييرات ديموغرافية لسلخها من كوردستان سبباً رئيسياً لفشل معظم المحاولات لحل القضية الكوردية في العراق، حيث دأبت كلُّ الأنظمة المتعاقبة على تكريس سلخ هذه المناطق بحجة أنها مرتكزات استراتيجية لقيام دولة كوردستان، كما اعترف بذلك الرئيس الأسبق صدام حسين، الّذي أكّد في لقائه مع الزعيم الكوردي مسعود بارزاني، بأنه يقرُّ بأن كركوك مدينة كوردية لكنه يدرك أيضاً أنها قاعدة اقتصادية لقيام الدولة التي لا يريدها، وبالتأكيد كذا الحال لبقية المدن بحجة أنها إما سلة غذاء وبوابة كوردستان العراق على كوردستان سوريا أو إيران، وبين هذه المبررات والحجج دفع الأهالي فيها ثمناً باهضاً كضحايا لسياسة التعريب والتهجير واستقدام مواطنين من جنوب ووسط العراق وإسكانهم بدل السكان الأصليين، وبعودة سريعة إلى الوراء وتحديداً إلى مسألة النفط في كركوك تعطينا إضاءة لحقيقة ما حدث ويحدث منذ اكتشافه فيها وحتى اجتياحها من قبل قوّات الجيش العراقي وفصائل الحشد الشعبي في أكتوبر 2017م بعد هزيمتها أمام تنظيم "داعش" في 2014م وصمود قوّات البيشمركة ومنع سقوط المدينة بيد تنظيم الدولة الإرهابي كما حصل في الموصل وتكريت والأنبار.

   في البدء، استخدم البريطانيون سياسة التغيير الديموغرافي في هذه المدينة بعد اكتشافهم للنفط، حيث منعت شركاتهم تشغيل العمال والموظفين الكورد واستقدمت أيدي عاملة رخيصة من خارج المدينة ومن أطرافها، ثمَّ ما لبثت أن وطنتهم قرّب مقراتها أو في مركز المدينة، ويبدو أنهم (أي البريطانيين) لم ينسوا ثورة محمود الحفيد ودعوته لاستقلال كوردستان فوضعوا أيديهم على مربط الفرس كما يقولون، وبعيداً عن الخوض في دهاليز التاريخ المؤلمة، خاصةً وإن أجهزة الدعاية الموجّهة في بغداد أو من خارجه تشنُّ هذه الأيّام عبر أبواقها هجمة دعائية لتأجيج وتأزيم العلاقات بين بغداد وأربيل،اللتان نجحتا في رسم خارطة طريق لحل تلك العقد المتعلقة بالنفط ومعاشات الموظفين، ولكي تتضح صورة واحدة من صور التضليل الدعائي، نستذكر رقمياً في حسبة عرب كما يقول الدارج المحلي ما أورده الدكتور كاظم حبيب الخبير الاقتصادي المعروف في دراسة له عن واردات نفط كركوك والعراق عموماً:
   "لقد أنتجت كوردستان نفطاً بما قيمته 184.9 مليار دولار أمريكي من تاريخ إنتاجه 1927- 1934 ولغاية عام 2000 من إجمالي إيرادات العراق البالغة لنفس الفترة 252.5 مليار دولار أي بنسبة قدرها 72.2 بالمائة من إيرادات العراق بأكمله، بينما كانت حقول البصرة تساهم بالباقي 26,75 % فقط خلال الفترة بين 1927و1989".

   وبدلاً من أن تُنفَق تلك المبالغ الطائلة على تطوير البنى التحتية لتلك المنطقة وإقناع بل وإغراء أهاليها بأفضلية البقاء مع الدولة العراقية، استخدموا تلك الأموال من نفط كوردستان المنهوب في حرق كوردستان وشعبها طيلة ما يقرب من سبعين عاماً، وقاموا بعمليات همجية في تهجير سكانها واستبدالهم بأُناس استقدموهم من وسط وجنوب العراق لتعريب المدينة بعد تقطيع أوصالها، وتعرض هذا البلد إلى التدمير الشامل في بنيته التحتية البشرية والاقتصادية والحضارية والصناعية، كما إن واردات نفطه كانت وسيلة في  تدمير العراق وحرق وأنفلة كوردستان وتشويه مدنها، كما حصل في كركوك والموصل وسنجار وزمار وخانقين ومخمور ومندلي بعد عام 1975م، وزرع ما لا يقل عن عشرة ملايين لغم في أرض كوردستان لوحدها، وللأسف ومنذ 2003 ومع ارتفاع كبير في أسعار النفط لكن إيراداته سُرِقت من قبل الحاكمين في بغداد، والطامة الكبرى أن الكثير ممن أتوا بعد سقوط النظام، لا يختلفون كثيراً عن سلوك وممارسة نظام البعث رغم أنهم يدعون بتقاطعهم مع ثقافة النظام السابق وجرائمه ضد كوردستان وشعبها، إلا أن مجمل سلوكهم وتصرفاتهم وموقفهم من موضوع كركوك والموصل وسنجار وزمار وخانقين ومخمور ومندلي، لا تختلف قيد أنملة مما سبق، بل أزعم أنهم لو كانوا يمتلكون قدرة ووسائل ذلك النظام لما امتنعوا عن القيام بما فعله في الأنفال وغيرها. أنهم وبعد سنوات قليلة كشفوا عن لثامهم بعد فشلهم في قيادة العراق، فاستخدموا شماعة كوردستان لتعليق أسباب فشلهم في موضوعة النفط في الإقليم وتعاليهم على مآسي ثمانين عاماً من السرقة والسحت الحرام وبحور من الدماء، التي سالت نتيجة لتلك العقلية المتخلفة والشوفينية المقيتة وفرص التقدم والازدهار التي اغتيلت على أيديهم، بل ويتناسون ما جرى بعد مؤامرة 1975 ضد شعب كوردستان الأعزل لكل من ساهم فيها أو سهل تنفيذها، ولعلّني أستذكر فقط أن ما حدث لإيران والعراق والجزائر والاتحاد السوفييتي بعد هذه السنة لم يكن ( ربما ) محض صدفة، أن تغرق إيران والعراق والجزائر في بحور من الدماء وتتفتت الإمبراطورية السوفييتية إلى دويلات عاجزة ينخر فيها الفقر والذل.

   لقد ولى زمن التفرد والهيمنة فالكوردستانيون فهموا تاريخهم جيداً وعرفوا أعدائهم وأصدقائهم، وهم يبنون بلدهم كما يشهد الأعداء قبل الأصدقاء بأنهم  بُناة بارعون ومخلصون كما كانوا مقاتلين أشداء،وأدركوا جيداً هم وأصدقائهم وشركائهم المخلصين في الوطن أن الحياة الجديدة لم تعد تتحمل شوفينيات مولودة من أرحام متعفنة غادرها الزمن، وأن مجرد إطلاق تصريحات تتهم الكورد وتشهر بهم ما هي إلا بقايا تلك الثقافة الأنفالية التي تعتمد رائحة الخردل وغاز الأعصاب في مفاهيمها، وهي تمثل تلك المدرسة التي شهدنا نهاية رموزها في المحكمة الجنائية العراقية الكبرى، حينما أسدلت الستار على فصل من فصول التاريخ الأسود للبلاد، والذي يحن البعض أو يحاول إعادة تصنيعه ثانية!؟

 إنَّ فرصة ذهبية أمامنا في إنجاز عراق جديد نتعايش فيه جميعاً، يضمن حقوقنا السياسية والاقتصادية والثقافية والديمقراطية، ويعوضنا عمّا فاتنا طيلة ثمانين عاماً بعيداً عن الثقافة الشوفينية أو المذهبية الضيقة أو العنصرية المقيتة، والتعامل مع ثوابت الدستور بما ينميها ويطورها في التطبيق والسلوك، والتوجّه إلى كوردستان بما ينميها ويعوض خسارتها لِما يقرب من مائة عاماً من ثروتها المسروقة وفرصها في التطور والتقدم، خصوصاً مع تجربتها خلال السنوات الماضية التي تمتعت فيها بقسط من الأمان والسلام، حيث أنجزت تطوراً كبيراً وملحوظاً في كلّ مناحي الحياة وبإمكانيات بسيطة قياساً لحصتها الطبيعية في الثروة الاتحادية.

   إنّ كوردستاناً قوية ًومزدهرةً وآمنةً ستكون سنداً قوياً لعراق اتحادي، وأن أي تطور في أي جزءٍ من العراق الاتحادي هو تطور وقوّة لكل هذا الاتحاد.

kmkinfo@gmail.com




5
القرش الأبيض واليوم الأسود!

كفاح محمود كريم

   نتذكر جميعا ما من حدث أو مرض أو وفاة أو رزق أو زواج إلا وقيل فيه مثلا أو أقصوصة، حتى غدت "قالت جدتي" أو كما قال فلان أو يقول المثل، عادة كلامية في التحادث والتوصيف في بحر من الأمثال والحكم والعنعنات التي لم نعرف أولها ولم نستبشر بآخرها، حتى خرج علينا من قال إن الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه تحدث عن فيروس كورونا وكأنه في عصرنا هذا، ولكي لا نحتكر نسج القصص وفن صناعة التأويلات والتفسيرت والروايات ذات الخيال الذي لا يختلف عن الخيال العلمي إلا باعتبار الأرنب من الحشرات، فان العديد من أشباه ما عندنا في الغرب ينحون ذات النحو في توليفيات ومقاربات لجسم وصفوه بالميت سبب كل هذا الفزع والإرهاب الذي تجاوز إرهاب مجاهدي الذبح والسلخ والسلق والخنق والحرق في ما سمي اختصارا لوحشية بني ادم بـ داعش!
   أعتقد إننا أكثر شعوب العالم صناعةً وصياغةً وتداولاً للأمثال والحكم، ناهيك عن إنَّ منطقتنا هي الوحيدة من الكوكب الأرضي التي انبثقت منها الأديان، وظهرت على أديمها الرُّسل والأنبياء والأولياء والتلامذة والصحابة والأئمة وو..إلخ، أولئك الذين نقلوا لنا رسالات أو شرائع أو طرق أو نصائح أو حكم أو نظريات لأجل أن تترتب حياتنا وتنتظم علاقاتنا الاجتماعية وننتقل من البداوة والتخلف إلى المدنيّة والإنسانيّة التي أرادها الله أن تعمر الأرض وتشيع العدالة والقيم العليا، والتي بشر بها حمورابي ربما قبل الكثير من الأديان هو وفراعنة مصر قبل أن يأتيهم طوفان النبي موسى.
   ومنذ ذلك الزمان يطلق حكماؤنا والعوارف كما يوصف أهل المشورة، نصائحاً وأمثالاً غدت في الكثير منها ما يقرب من القوانين والأعراف، حتى مالت كفة الميزان لها في كثير من الأحكام، فما بالك وموروثنا الشعبي الذي يرسم لكل حالة وصفاً أو حسجةً أو مثلاً، والغريب أن آلاف الأمثلة والنصائح لم تحدث تغييراً مفصلياً في الذي استهدفته في عملية التقويم، وخاصةً أولئك الّذين في عليين من المجتمع والدولة والنُّخب، كما هو في التعاليم الدينية، حيث يتحدث بها الأغلبية لكنهم بعيدون جداً عن تطبيقاتها، وهكذا دواليك عن كثير من الادعاءات حينما نقارنها مع التطبيقات الميدانية.
   عموماً لكي ندخل في صلب موضوعنا عن القرش الأبيض، بدءاً من الأسرة ووصولاً إلى الدولة، وكيف نجحت أو فشلت في استخدام ذلك القرش في ما نحن فيه الآن، ومنذ أن بدأ فيروس كورونا يجتاح المجتمعات البشرية في الكوكب بادِئاً بالصين وأهلها، حيث العالم منهمك بوضع شتى الخطط والترتيبات لكي يقي سكانه همجية هذا الكائن الميت كما يقولون، حتى وصلت العديد من الدول التي تحترم القرش الأبيض وتجيد التصرف به إلى توزيع كميات منه للأُسر والأفراد التي انقطعت بها السبل بعد إيقاف حركة الحياة الاجتماعية والاقتصادية، خاصةً أولئك الّذين يعتمدون على أكتافهم كما يقولون في لملمة أرزاقهم ذات الأجر اليومي أو الأسبوعي، لكن في المقابل أيضاً وفي الدول التي لا تعرف قيمة القرش الأبيض، وتصنع بسياساتها الأيام السوداء، بانت عوراتها في التبذير والفساد المالي وظهر بؤس حالها أمام أوّل تحدٍّ جدي كشف استهتارها في التصرف بالقرش الأبيض على مستوى الأسرة وصعوداً إلى الدولة، حيث سيواجه العالم تداعيات اقتصادية واجتماعية غاية في الصعوبة بسبب هذا الانهيار السريع في أسعار النفط وتوقف الشركات والمعامل، ناهيك عمّا تركه منع التجوال والحركة من آثار سيئة جداً على الوضع المالي لكلا الطرفين الأسرة والدولة.
   وبينما ينهمك العالم ليل نهار يداً بيد مع العلماء الباحثين عن علاجات للمرض من أجل هؤلاء المتضررين، تنشغل معظم شعوبنا المخدرة بالشعارات والروايات والميثولوجيا التي تتآكل بسبب كثّافة استخدامها، حالها حال تلك الأمثال والحكم التي أصبحت أقرّب للتندر والسخرية منها إلى التقييم والعبرة، في خضم فوضى عارمة للفساد والتشرذم وتعدد الولاءات والزعامات ضاع فيها القرش الأبيض بين حاكمٍ يحسب نفسه نصف إله، وبين جاهل يصرُ بأنه النصف الثاني منه!

kmkinfo@gmail.com


6
الانتفاضة العراقية والانتخابات المبكرة؟

كفاح محمود كريم

   منذ اندلاع الاحتجاجات في العاصمة بغداد وأطرافها من الوسط والجنوب العراقي، والكل ينادي بتبكير الانتخابات كحل سحري للأزمة العراقية المتأصلة، ليس اليوم أو منذ سنوات، بل منذ تأسيس الكيان السياسي العراقي الأول في مملكته مطلع عشرينيات القرن الماضي، ولكن هل فعلاً ستغير الانتخابات المبكرة المشهد السياسي المتكلس منذ عشرات السنين؟ إذن دعونا نتذكر في فاتحة كتابتنا ما قاله أوّل ملك كلفته بريطانيا بحكم المملكة التي أنشأتها من ولايتين عثمانيتين، وهما: بغداد والبصرة، والتحقت بهما ولاية الموصل بشروط بعد سنوات. قال الملك فيصل الأوّل الهاشمي  حينما سُئل عن شعب العراق: "لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أية فكرة وطنية، مُتشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء ميّالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أية حكومة كانت".

   ماذا بعد؟
   بعد ما يقرب من نصف قرن من قيام مملكة فيصل الأوّل في العراق وما قاله الملك الهاشمي؛ قال علي الوردي عالم الاجتماع العراقي الكبير إنَّ: "الشعب العراقي منشق على نفسه، وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما هو في أي شعب عربي آخر باستثناء لبنان، وليس هناك طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه، حيث يُتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية"، مضيفاً "ينبغي لأهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية".

   اليوم وبعد قرن من الزمن على هذا الكلام،  الذي قاله رجلٌ عاقل أُختير ملكاً من مملكة عظمى ليكون على عرش كيانها الجديد في الشرق، وبعد نصف قرن تقريباً على ما قاله وشَخصّه واحد من كبار علماء الاجتماع في العالم، يبقى السؤال المُلِح ونحن نداوي جروحاً غائرة بمسكنات ليست إلاّ، السؤال: هل ابتعدنا كثيراً عن توصيفهما، وهل أحدثت كلّ أنظمة الحكم التي توالت على اغتصاب إدارة العراق تحت مختلف التسميات، تغييراً للأسباب التي جعلتهما يوصفان شعب العراق بهذا الوصف!؟ أنا أشك في ذلك أمام جملة من المعطيات والتداعيات التي أحدثتها عمليات التغيير الفوقية للنظام السياسي والاجتماعي في البلاد، ثمّ انحدارها السريع بعد 2003 إلى مستويات أدنى من التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولكن ولأن الآمال أكبر دائماً من المآسي دعونا نفترض نوايا حسنة وصادقة لدى البعض بإحداث تغييرات حادة في العملية السياسية لصالح الأهالي ووضع أسس لإنجاح تلك الانتخابات بحيث تذهب إلى إنتاج برلمان محترم ومقبول من الأغلبية وذلك يستدعي بادئ ذي بدء تشريع مجموعة قوانين تضع قاعدة للانطلاق إلى تلك الانتخابات، وفي بداية تلك القوانين تشكيل هيئة نزيهة للانتخابات، وإن عجزت تلك الأطراف عن  تشكيلها، فتوكل العملية برمتها إلى الأمم المتحدة لحين تشكيلها من قبل البرلمان المنتخب.

   أمّا الأمر الثاني الأكثر أهمية، هو قانون الانتخابات وخاصةً ما يتعلق بالدوائر الانتخابية، لأن القانون الحالي لا يلبي رغبة الأهالي والكثير من الفعاليات السياسية والاجتماعية، وهو بذلك أحد أهم العثرات أمام إنتاج برلمان مقبول، خاصةً وأن قانون الأحزاب هو الآخر لا يلبي طموح الأهالي بإنتاج بيئة سياسية نظيفة مع وجود أحزاب دينية ومذهبية شمولية التفكير تمنع إجرّاء أي تقدم أو تغيير لصالح الدولة المدنية المعاصرة.

   والخلاصة، هي أن أي انتخابات مبكرة لن تصلح بهذه السرعة المتوقعة الحال العراقي، إذ إننا أمام تحدي كبير يستوجب وضع قاعدة تربوية تبدأ من المدرسة والأسرة لتنتهي بمجموعة قوانين صارمة تفصل الدين عن السياسة والدولة، وتبعد أي تأثير قَبَلي أو عشائري على مجريات الحياة السياسية والقانونية، بما يعزز مكانة الدولة وقوانينها خارج أي اعتبار غير اعتبار المواطنة الحقة، ودون ذلك لن تحدث الانتخابات مبكرة كانت أم متأخرة إلا بعض الإصلاحات الترقيعية التي لا تغير بشكل جذري ما راكمته سنوات طويلة من التربية الخاطئة والتعليم الفاشل وتسلط رجال الدين والمذاهب وشيوخ القبائل والعشائر على مقدرات الأمة والبلاد.

kmkinfo@gmail.com


7
الديمقراطية وقطار السلطة!

كفاح محمود كريم

   تجربتان متشابهتان إلى حدٍّ ما في كل من لبنان والعراق مع وجود نقاط اختلاف هنا وهناك، إلا أنهما أقرب إلى بعضهما في تركيبات المجتمع ومكوناته، وطبيعة التجربتين اللتين تمّ تطبيقهما في نظاميهما السياسي، وهما: التجربة الفرنسية في لبنان والبريطانية في العراق، ورغم الفارق الزمني بينهما إلا إن نتائجهما الكارثية كانت متطابقة جداً، وخلاصتها ما نشهده اليوم من انتفاضة عارمة ضد التجربتين الفاشلتين في تطبيقهما لنظام تداول السلطة بآليات ديمقراطية وروحية شمولية للوصول إلى الحكم المطلق، وفي خضم ذلك يتسائل المرء، هل أنجز العراقيون وقبلهم اللبنانيون نظاماً ديمقراطياً تحت مظلة المواطنة الحقة وقبول الآخر أم أن هناك سلوكاً آخر، وربما أهدافاً أخرى تختبئ وراء كواليس أو طوابير الواقفين أمام صناديق الاقتراع منذ أكثر من خمسة عشر سنة في العراق وأكثر من سبعين سنة في لبنان؟ وفي العراق مثلاً هل ما يجري الآن من احتجاجات في الشارع الذي استخدم من قبل الحاكمين وسيلة لتسلق صناديق الاقتراع وصولاً إلى عرش السلطة؟ هل يؤشر تغيراً نوعياً في وعي وتفكير وسلوك الغالبية المحكومة بشعارات دينية ومذهبية وأيديولوجية قومية؟
 
    مهما كانت الإجابة على السؤالين فإن النخب السياسية والاجتماعية الحاكمة والمتنفذة تمارس دورين في آن واحد؛ دور الحاكم باسم الديمقراطية وباسم الرب، ودور بدأت تستخدمه مع بداية ظهور الاحتجاجات وهو ركوب موجتها واحتوائها من الداخل برفع شعاراتها تارةً وتارةً بالعمل كطرف ثالث لتشويه سمعتها وتجريمها، ولكي ندرك بعض مواطن الخلل نعود إلى نظام تداول السلطة عن طريق صناديق الاقتراع في مجتمعات لم ترتقِ إلى مستوى مفهوم المواطنة الجامع، وسط تعددية الولاءات والانتماء الذي يتجاوز مفهوم الوطن والشعب، ويذهب بعيداً إلى جزيئات أصغر في التكوين وهي وحدات القبيلة والعشيرة أو الدين والمذهب أو المدينة والقرية، حيث لم يتجاوز في أحسن الأحوال فوضى إعلامية أطلقوا عليها ظلماً بأنها خلاقة، فتحولت وسائل الإعلام فيها إلى أجهزة دعاية وإعلان ليس إلا، وتقزَّمت فيها الديمقراطية إلى صناديق اقتراع يجمعون حولها الناخبين بفتاوى رجال الدين أو تهييجات العصبية القبلية أو العشائرية، مستخدمين المال في عملية غسل سياسي لشراء الأصوات، وفي هذا الاستخدام لا تفرق العملية عما كانت عليه أيام النظام الشمولي السابق أو مثيلاته ممارسة لثقافة القطيع تحت شعارات مضللة ومهيجة سواء كانت دينية أو قومية عنصرية أو أيديولوجية الحزب الواحد الأوحد، وللأسف كانت طبيعة النظام السياسي في كلتا الدولتين العراقية واللبنانية بلبوسه الديمقراطي متشابهتين مع فروقات هنا وهناك، إلا إنهما استخدما الأهالي كوسيلة لتداول السلطة عن طريق الدين ومذاهبه والقبيلة وبيوتاتها وطوابير الناخبين وصناديق الاقتراع، وهي نفس الوسيلة التي استخدمتها كل الأنظمة الشمولية وبمختلف الشعارات والأيديولوجيات في غياب مفهوم رفيع للمواطنة.
 
   إن ما يجري اليوم ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2019، في كل من العراق ولبنان يؤكد إن وعياً نوعياً بدأ بالتبلور يتجاوز تلك الجزيئيات التي اعتمدتها معظم الأنظمة الحاكمة وهي الديانة ومذاهبها أو القومية وتعصباتها أو المناطقية ومكوناتها الاجتماعية في القبيلة والعشيرة والبيوت، بعد أن أثبتت فشلها في إدارة الحكم، هذا الوعي الذي يرسي قواعداً جديدة لنظام ديمقراطي على أسس المواطنة الجامعة خارج تعددية الانتماء والولاءات، وبعيداً عن قطار السلطة الديمقراطي الذي يستخدم الأهالي تحت ضغط ديني أو مذهبي أو قبلي لتحقيق مآربه السلطوية.

kmkinfo@gmail.com


8

للحقيقة وجه واحد أم وجوه؟

كفاح محمود كريم

هل للحقيقة وجه واحد أم أوجه متعددة؟
   سؤال مؤرق فعلاً، حيثما ينظر كل واحد منا من زاويته إلى ذات المشهد، تلك الزاوية التي تخفي خلفية معلوماتية أو عاطفية تجاه ذلك المشهد أو الحدث، ومن هنا تتعدد الزوايا وتتعدد منها الرؤية أيضاً، ومن هنا ينظر إبراهيم الزبيدي كاتب المقال (بيان آذار العراقي ومسلسل الآلام الطويل) البعثي الصدامي، الذي عمل ردحاً من الزمن ينظر للأمور من زاوية الشعار القلق ( نفذ ثمّ ناقش) الذي خدم تحت مظلته قيادة صدام حسين وعدنان طلفاح، ودفع العراقيون عرباً وكورداً شلالات من الدماء لتلك الثقافة وشعارها الاستعبادي، الذي اعتمده كاتب المقال في معظم ما يتعلق بأطروحاته السياسية والفكرية، وبالذات تلك التي يرى فيها قضية الكورد وكوردستان، مبتعداً بسبب تلك العقلية عن حقائق التاريخ وأصل الصراع وإن تعددت زوايا النظر إلى ثوابت حاول تشويهها أو استبدالها بفرضيات ترضي نسيجه الحسي المفعم بالعنصرية تجاه قضية الكورد.

   والغريب أنه استخدم (لولا) بشكل مثير لكي يوصل حلقات سلسلة حروب النظام السابق باتفاقية آذار والخلاف حول قانون الحكم الذاتي الذي أرادوه تفصيلاً على قياساتهم وليس تحقيقاً لطموحات شعب كوردستان، فهو يتناسى جملة حقائق بعيدة جداً عما ينظر إليه من زاوية "نفذ ثم ناقش"، وهو الذي مارس وعايش عمليات اغتيال آلاف الشيوعيين والمعارضين بعد أيام من انقلاب البعثيين على عبد الكريم قاسم على أيدي الحرس القومي، وشيوع ثقافة التصفية الجسدية والإبادة الجماعية لكل من يعارضهم في نهجهم وشموليتهم، وبالتأكيد فهو ينظر إلى حل القضية الكوردية من خلفية صيد السمك بالتفجير على عادته أيام صباه مع صدام حسين مواطنه في تكريت التي نشأ فيها وترعرع على أفكار وثقافة القتل الجماعي للأسماك بالتفجيرات، فلا عجب إذن أن يعتبر ما حققه الشعب الكوردي من إنجازات بنضال طليعته الثورية البيشمركة وتضحيات مئات الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ، منّة من نظام رفيق دربه صدام حسين، وهو الذي يستسهل الصيد كالفرسان باستخدام التفجير والإبادة الجماعية في الأنهر كما كان يفعلها وصدامه مع الكورد! لقد كانت اتفاقية 11 آذار التي مضى عليها اليوم خمسون عاماً كما قال عنها أحد أبرز مهندسيها الرئيس مسعود بارزاني: "إنها نصر لإرادة شعب كوردستان وصموده وتضحيات الپێشمه‌رگة والكوردستانيين، التي أرغمت النظام على الاعتراف، لأول مرة وبشكل رسمي، بحقوق شعبنا"، لا كما يصورها إبراهيم الزبيدي، محاولاً تشويش القارئ بكونها بداية خراب العراق، وتلفيقات أساسها الفشل في فهم أصل الصراع، والمضحك المبكي إن الكاتب الخارج من دهاليز ثقافة قصر النهاية، يعتبر كل حروب العراق الداخلية والخارجية مع الكورد والشيعة والسنة وإيران والكويت والسعودية، وعمليات التصفية الجسدية لآلاف العراقيين من عبد الرزاق النايف وحتى أكثر من نصف القيادة القطرية لحزب البعث مروراً بآلاف الشيوعيين الذين قتلوا بعد أيام من سيطرة الحرس القومي على الحكم 1963 وما تلاها من جرائم الأنفال والمقابر الجماعية، كلها اعتبرها الكاتب من نتائج اتفاقية آذار(!؟).

   حقاً أنها مهزلة فكرية تظهر مدى بؤس تلك الثقافة التي حولت العراق إلى حفنة تراب كما أرداها صراحة رئيس الكاتب وملهم تفكيره وثقافته، ورحم الله أحمد سعيد المذيع المصري الذي قذف إسرائيل في البحر إذاعيا،  فخسر سيناء برمتها ومعها الجولان والضفة الغربية، لكنه أبقى لنا ما نتذكره به، وطيب الله ذكر الفنانة دلال شمالي التي كانت سبب هروب الزبيدي خارج أسوار المعتقل الكبير أو جنة رفيقه ورئيسه الضرورة.

kmkinfo@gmail.com

9
العراق بين كورونا السلطة والفيروس؟

كفاح محمود كريم

   بعد طامة كبرى استمرت لنصف قرن تقريبا من الوعود الكاذبة والشعارات الجوفاء المهيجة، لشعب لم يرى طريقا لخلاصه من كثرة الأدعياء بأنهم هم المخلصون ولا غيرهم، حتى فقدوا الأمل بكل شيء بل تمنى الكثير منهم أن يحكم البلاد أي مستعمر يخلصهم من حكم قرقوش المتوارث في السياقات والسلوك والنتائج، حتى أطلت علينا امريكا وحلفائها ومريديها الذين انقلبوا عليها اليوم بفعل إمامة ايران للمقاومة ضد الشيطان الأكبر الذي أجلسهم على كراسي الحكم!

   ولكي تكون الصورة أوضح والمشاهد أكثر ترابطا تعالوا نعود قليلا إلى بدايات الفجيعة التي زرعت أفيون السياسة التسلطية في أديم ارض لملمتها بريطانيا لتؤسس منها مملكة يحاول مليكها جمع شتاتها وشعوبها وقبائلها دونما أن يفلح لسنة واحدة إلا بالحديد والنار، ورغم ذلك قاوم الرجل جالسا هو وأبنائه وأقربائه على كرسي الحكم حتى وقع انقلاب أو ثورة 14 تموز 1958 كما يشتهي البعض تسميتها، لتبدأ حقبة جديدة من تاريخ هذه البلاد التي تميزت بخطاب سياسي ناري، كأنه يتوقد لهيبا أو خارج للتو من أفران صهر الحديد مبتدءاً بحرف السين العاري تمامًا، لا من معطف ولا ساتر ولا حتى من ورقة تين تستر عوراته التي لا تظهر إلا بعد ذهاب النشوة والتحشيشة بعد سنين، حيث تظهر العورات والعاهات بعد أشهر قليلة  لا تتجاوز السنة بعد كل انقلاب جمهوري وتلاوة بيانه الأول الذي يحرق الأخضر واليابس بالحماسة وأناشيدها اللاهبة التي تبدأ باسم الرب وخاصة النشيد الناري (الله أكبر فوق كيد المعتدي) الذي تمّ إنتاجه وتداوله أيام العدوان الثلاثي على مصر 1956م، حتى اهتدت إلينا مشكورة الولايات المتحدة، وأسقطت هيكل نظام حرف السين العاري لكي تفتح الآفاق أمام عملية تفعيل لصدى ذلك الحرف الذي خدر شعوبنا لحقبة من الآمال والتطلعات التي تآكلت وسط لهيب نيران الحروب الداخلية منها والخارجية، حتى اطلينا على جمهورية ديمقراطية برلمانية أساسها صناديق الاقتراع ومرتكزاتها شيخ القبيلة ورجل الدين وبقال السياسة، في بلد مصاب بالأمية الأبجدية والحضارية منذ تأسست مملكته وحتى بدأت دودة الأرضة السياسية المتدينة تنخر فيه فساداً وتشرذماً حتى غدى كالدويلات الأندلسية معاد تدويرها بالميليشيات ومافيات السلب والنهب باسم الدين تارةً وباسم الرب تارةً أخرى!

    ولكي لا ننسى البدايات في هذا الحرف الخارج من نشوة السكر مترّنحاً بين أروقة قصور الحكام، دعونا نتذكر جميعاً خطابات الزعيم عبد الكريم النّارية، التي كانت توقد فينا نيران الثورة وتحلقنا  في فضاءات خيال جمهورية أفلاطون الخالدة، وإذ بنا نتهاوى بعد سنين قصار لندرك أن اللعبة بأكملها لم تتجاوز صراعات السلطة فيما حول الزعيم، وقد يكون الرجل منها برّاء، كما قِيل من المناوئين له والمقربين في وصفه إنصافاً بعد حين، لصفاء سريرته وبراءته وربما عقليته العسكرية المهنية، وقبل أن يصحو حرف السين من سكرته جاؤوه زوّار الفجر من رفاق العقيدة والسلاح أتباع ميشيل عفلق، لكي ينهوا الزعيم وسينه، ويعتلوا عرش الجماجم والحبال المزينة بأفواج من حرف السين المطعم بالشعارات الخلابة وأحلام وطن يمتد على الأفق جناحاً، حتى تمادى فرسانه شمالاً بأنفالهم وجنوباً بمقابرهم الجماعية، لتستمر أسراب السين وسوف تخدر الملايين بوطن الوحدة والحرية والاشتراكية الذي يمتد من ضفاف الخليج وحتى سواحل المحيط، بشعارات خلابة فعلت فعلها في تخدير الشعب وإحباطه، حتى فاق بصعقة الاحتلال الذي أستورد لإسقاط نظام الخطب النارية وأسراب السين المخدرة، واستبدالها بأجيال معدلة ومحدثة منها، ولكن هذه المرة باستخدام الدين والمذهب اللذان سيحققان الجنة الموعودة لملايين تهرول يومياً وراء قائد للضرورة أو شيخ للعشيرة أو رجل دين يتاجر به.

   لقد انتظر هذا الشعب كثيرا حتى مل منه الانتظار والصبر، فانفجر في أول أكتوبر 2019 ليعبر عن ذاته وإحباطه ويأسه ممن يحكمون باسم الرب والدين والمذهب، فهل يا ترى سيصمد أمام كورونا السياسة والفيروس!؟

kmkinfo@gmail.com

10
أشجع الفرسان الجبناء الجوع والفساد!

كفاح محمود كريم

   بعد أن فشلت كل محاولات المعارضة وغير المعارضة من منشقي البعث والمؤسسة العسكرية المؤدلجة، من إسقاط نظام صدام حسين بانقلاب أو انتفاضة، شنّت الولايات المتحدة وحلفائها حرباً شاملة على العراق بعد غزوه لدولة الكويت، والكل توقع أنهم سيسقطوه، لكن الذي حصل إنهم اكتفوا بتحطيم العراق وبنيته التحتية والفوقية، وأعادوه كما وعد رئيسهم إلى حقبة ما قبل الكهرباء، وكأنهم كانوا قد استمعوا إلى صدام حسين وهو يخاطب إيران بأنهم لن يأخذوا مكانه إلا والعراق حفنة من تراب، وحققت أمريكا وحلفائها العرب تلك النبوءة أو التهديد، فانسحبوا بعد أن سلّموا العراق حفنة من تراب ولكن بيد صدام حسين، ولكي تتم عملية التدجين فرضوا حصاراً مقيتاً على العراق شعباً وحكومة لسنوات طويلة وقاسية فعلت فعلتها في تكريس العبودية على أيدي أشجع الفرسان الجبناء (الجوع والفقر) ووسائل النظام ورجالاته، محطمين صفحات ومراكز خطيرة في السلوك والقيم الاجتماعية، تكريساً للاستكانة وثقافة القطيع لدى الرئيس ومرؤوسيه، حتى اكتمل البرنامج ونضجت الطبخة لتبدأ مرحلة جديدة هذه المرة بالتدخل العسكري وإنهاء نظام صدام حسين وحزبه واحتلال العراق، والبدء بتأسيس نظام جديد مغاير تماماً للنظام السابق، وبداية تبلور حقبة جديدة من التاريخ السياسي والاجتماعي والحضاري للبلد.

   ومنذ الاشهر الاولى للاحتلال بدأت مظاهر وبوادر الفساد التي حولت العراق خلال 17 عاما الى واحد من اكثر بلدان العالم فسادا وفشلا، لكن الغريب أن الكل يتحدث عن الفساد المستشري بين معظم مفاصل الدولة الحديثة دونما التطرق أو التركيز على أساسيات هذا الفساد وصناعته، ألا وهو بيع وشراء المناصب التي كانت حتى سنوات قبل سقوط النظام تكليف وليس تشريف، بل كانت حملاً ثقيلاً على المكلّف أيام العهد الملكي، وكثيراً ما كان المرشحين يعتذرون عن تولي تلك المناصب احتراماً لأنفسهم وللوظيفة، خاصة وأن الأخيرة لم تكن مغرية بامتيازاتها آنذاك كما هي الآن سواء في الحكومة أو البرلمان أو العسكر، ولعل من أهم أسباب نشوء هذا البازار الذي كاد أن يمحي أي شعور وطني أو إحساس بالمواطنة الرفيعة والانتماء الحر، هي تلك الامتيازات الهائلة التي خلقت بيئة خصبة لا للتنافس بل للتقاتل من أجلها، وتركين الوطن وأخلاقيات الوظيفة العامة ومسؤوليتها في زاوية مظلمة لا موقع لها في أجندة المكلف، لأن عينه وعقله بالتأكيد على الامتيازات وعلى مساحات الثراء الفاحش والعمولات والسحت الحرام، حتى تحولت مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية إلى إقطاعيات وعمولات وأسواق للصفقات، والشركات الوهمية التي تمتص ميزانية البلد إلى درجة تم تصنيفه واحد من أفشل بلدان العالم وأكثرها فساداً، فلم يكتفوا ببازار المناصب الوزارية والإدارية العامة في المركز والمحافظات، بل وصلت الأمور مؤخراً إلى أن يتهم المكلف بتشكيل حكومة جديدة أطرافاً متنفذة في البرلمان بدفع مبالغ لأعضاء مجلس النواب لعدم حضور الجلسة أو رفض منحه الثقة، وهذا يعني أن صفات أخرى تتبلور الآن لشراء أو بيع منصب رئيس الوزراء في بلد لم تعد غالبية قواه السياسية المتنفذة تلتزم بما كتبته من وعود وتعهدات للأهالي، وخاصة الدستور الدائم للبلاد الذي لم يعد أكثر من كتاب مركون على رفوف مكاتب المسؤولين للتجمل به ليس إلا!
   ورحم الله من أخبرنا بالتراث القائل إنهم كانوا يصنعون آلهتهم من التمر، وحينما يشتد بهم الجوع يلتهمونها، وما أشبه أحفاد اليوم بأجدادهم في الأمس!.

kmkinfo@gmail.com



11
كلهم داعش وإن اختلفوا!

كفاح محمود كريم

   يبدو إن مقولة تعددت الأسباب والموت واحد تتطابق تماما مع نتائج ما سنبحثه في هذا المقال عن تعدد المسميات والعناوين لكيان أو أصل فكري واحد، وما تسببه تلك التعددية من مآسي وكوارث لشعوب ودول، وكما إن الموت نتيجة حتمية وان تعددت أسبابه، فان الخراب والدمار نهاية مؤكدة لسلوكيات تلك الكائنات وان اختلفت في أسمائها ونقطة شروعها، وهي بالتالي من إنتاج تراكم هائل من ثقافات وتقاليد بدائية متخلفة ما تزال تتكلس في مفاصل النظم السياسية الشمولية وملحقاتها، وعودة سريعة إلى تاريخ لم يمض عليه سوى نصف قرن، سندرك ترجمة حقيقية لتلك الثقافة المقيتة في الغزو والنهب والسلب والتدمير.

   دعونا نتذكر أيام حكم البعثيين ومقولات صدام حسين الشمولية، وخاصةً تلك التي استخدمها الكثير شمّاعة للتخلص من التوظيف في حزبهم، وأصبحت مقولة طالما رددها كل محاصر من المستقلين والمنتمين لأحزاب ممنوعة حينها، تلك المقولة التي غدت سُلم النجاة، وهي واحدة من أقوال صدام حسين عندما خاطب مجموعة من الموظفين، قائلاً:
   (إنَّ الموظفين المخلصين بعثيين وإن لم ينتموا) وفي واحدة أخرى قال: (العراقي بعثي وإن لم ينتمِ)، وكأنما المنتسب لحزبهم معصوم من أي شائبة، وهو مثال مفترض للإخلاص والوطنية، ويمتلك الحقيقة المطلقة التي تؤكد سيادة وتميز وتفوق تلك الطبقة أو القومية أو العرق أو الدين والمذهب، وهكذا بقية أصحاب هذه النظريات التي تؤدلجها لدعم بقائها الأبدي في السلطة!

    ورغم التضحيات الجسام والخسائر الفادحة التي خلفتها تلك النظريات والأفكار، وشهدنا قسم كبير منها في بُلداننا الشرقية عموماً والشرق أوسطية خاصةً، ابتداءاً من مصر ومروراً بالعراق وسوريا واليمن وليبيا والجزائر وانتهاءاً بإيران التي كمنافستها تركيا ما رأت غير المذهب وسيلة لإعادة امبراطوريتها إلى الظهور بعدما حكم الزمن عليها بالزوال، تدخلت قوى عظمى لتغيير نمط تلك الأنظمة على افتراض أنها ستأتي ببديل يختلف في نهجه ويقترب من التجارب الأوربية في نُّظم المؤسسات والتبادل السلمي للسلطة، وابتدأت في العراق حيث أسقطت عسكرياً الهيكل الإداري لنظام صدام حسين وحزبه، وألغت بجرة قلم مؤسسات مضى على تكوينها عشرات السنين منذ تأسيس مملكة العراق مطلع عشرينيات القرن الماضي، لكنها لم تدرك - تلك القوى- أن مجرد إسقاط هيكل الحكم لا يعني انتهاء ثقافته وسلوكياته التي تكرست في عقلية معظم الأهالي بمن فيهم الكثير من الحاكمين الجدد، وخاصة فيما يتعلق بالثوابت الأساسية، وهي النظام الديمقراطي الجديد وقبول الآخر واحترام مؤسسات الدولة والقانون المشرع.

  إن نشوء تنظيمات مسلحة خارج المؤسسة العسكرية مدعومةً من السلطة يعكس هذه العقلية مهما كانت الأسباب الموجبة، بما فيها تلك التي أسسها النظام السياسي لغرض خدمته في تحقيق مآربه، خاصة تلك التي ادّعى فيها احتواء العشائر وتسليحهم بوحدات تحت مسميات مختلفة، وهو ما فعله نظام البعث الأول في الحرس القومي والثاني في الجيش الشعبي، وفلول الأفواج الخفيفة (الجته) في كوردستان، ولاحقاً الميليشيات المسلحة التي نشأت على أسس مذهبية، وما يحدث اليوم وخاصة بعد اندلاع التظاهرات في الوسط والجنوب العراقي، وعمليات التصفية المنظمة للناشطين في تلك الاحتجاجات فراداً وجمعاً، يؤكد أن هذا النهج ما يزال أسير ثقافة الغزو التي رافقت المجتمعات عبر آلاف السنين، وتسببت في إنتاج الانقلابات والميليشيات والقتل باسم الرب تارةً وباسم القومية تارةً أخرى، وهي اليوم وبدون استثناء، استنساخ لعمليات وفعاليات القاعدة وداعش، وما تفعله الميليشيات اليوم ليس في العراق فحسب وإنما في كل من سوريا وإيران وليبيا واليمن ولبنان، اختراقا للقانون تحت أي مسمى أو تكييف خارج المؤسسة العسكرية، إنما هو امتداد لفكرة الغزو البربري والإرهاب الداعشي وأن اختلفت التسميات.

kmkinfo@gmail.com



12
العراق من مملكة المؤسسات إلى جمهوريات الانقلابات!

كفاح محمود كريم

   حينما كُلّف الشريف فيصل الأول بن حسين بن علي الهاشمي، ثالث أبناء شريف مكة الحسين بن علي الهاشمي، بتولي مملكة العراق التي تأسست على خلفية اتفاقية سايكس بيكو، وإثر تداعيات الثورة العربية الكبرى، كان يراود الشريف حسين بن علي والد الأمير فيصل طموح العائلات المالكة العربية في المنطقة، لتولي زعامة دولة العرب، ونقل نظام الخلافة الذي انهار في إسطنبول إلى إحدى العائلات العربية المتنافسة، وهي: العائلة السعودية في نجد والحجاز كونها الأسرة الحاكمة في الأراضي المقدسة الإسلامية مكة والمدينة، والعائلة الهاشمية زعيمة الثورة العربية الكبرى في شمال الجزيرة وبلاد الشام والعراق، والعائلة الحاكمة من سلالة محمد علي في مصر، ولكون الإنكليز أيضاً لم يجدوا شخصية في كل العراق تتبوأ هذا المكان، لاعتبارات كثيرة ربما في مقدمتها الصراعات الداخلية بين الشيوخ والأعيان وحملات التسقيط والتشهير فيما بينهم أمام البريطانيين دفعهم لترشيح فيصل الأول ملكاً على العراق، وأسباب كثيرة أخرى.

   عموماً نجحت بريطانيا في إقامة مملكة جديدة في الشرق الأوسط بعد إقناع أعيان وشيوخ ولايتين، هما: ولاية بغداد وولاية البصرة، بينما استمرت بالتفاوض مع ولاية الموصل التي كانت تضم معظم كوردستان الجنوبية الحالية، والتي وافق غالبية سكانها من الكورد على الانضمام للملكة الجديدة بشرط تلبية مطالبهم السياسية والثقافية، وبناءً على ذلك باشرت بريطانيا وطاقم من رجالات الدولة في الولايات الثلاث ببناء مؤسسات المملكة الجديدة على النمط البريطاني، متأملة أن تكون حكومة الكيان الجديد مهتمة بتطوير نوعية الإنسان وتأهيله لإشغال تلك المؤسسات، ورغم الأخطاء والهفوات الكثيرة نجح البريطانيون والتاج الهاشمي ورجال الدولة العراقية الحديثة في إنشاء مؤسسات تشريعية وتنفيذية تحت مضلة التاج الملكي، تمتعت فيها شعوب الولايات الثلاث بنمط مخالف جداً للنظام العصملي، ولولا بعض المجموعات التي التفت حول الملك غازي وعبد الإله وتطلعاتهما، إضافةً إلى بدايات تبلور توجهات قومية ويسارية قننت فكرة المواطنة في بلد متعدد المكونات، لما انحدرت الأمور حتى تهاوى كل شيء مع ظهور أوّلى الغزوات السياسية أو الانقلابات التي أسقطت المملكة العراقية، وأَبادتْ خلال ساعات العائلة الهاشمية بعد استسلامها، لتبدأ حقبة جمهوريات الانقلابات التي استمرت تنصيب الحاكم المدني الأمريكي رئيساً لجمهورية العراق بديلاً لفيلسوف الانقلابات، ومن ثمّ إجراء الانتخابات العامة بعد عشرات السنين من الحكم الشمولي والأمية الديمقراطية والسياسية لدى عموم الشعب، ومن ثمّ تكلّيف مجاميع من الهاربين واللاجئين ممن تركوا البلاد تتضرع جوعاً وعبودية بمهام من قبل الحاكم المدني الأمريكي، وهم في غالبيتهم مغامرون طامعون بالسلطة والمال لا يرتقون إلى مستوى رجال دولة.

   وعبر ما يزيد عن ستين عاماً عاشت الدولة العراقية أكثر مراحلها تخلفاً وانحداراً، مع وجود مساحات هنا وهناك أنجزها المخلصون من أبناء وبنات العراق والذين أُوهموا بأن من يقودهم إنما يخدم الوطن ويناضل من أجله! ثلاث جمهوريات انقلابية مزّقت البلاد وأرجعتها مئات السنين إلى الوراء، وأضاعت عشرات أخرى من مستقبلها إن لم تكن أكثر، انقلابيات خارج إطار القانون وتحت سقف ثقافة البداوة والغزو، استولت على السلطة والمال، وسبت العباد والبلاد وحولتهم إلى قطعان من العبيد تحت مقصلة الإرهاب تارةً باسم القومية وتارة أخرى باسم الله ورسالته الخالدة، فأنتجت أجيالاً من الكسيحين وعياً وفكراً وسلوكاً، ومجتمعات ساذجة مسطحة تحكمها الخرافة وثرثرات دواوين الشيوخ والأغوات وخطباء الجوامع ومخاتير القرى والأحياء، الذين ما برحوا يمضغون ما ورثوه عن أجدادهم من خزعبلات وأعراف التحريم والتحليل.

   بعد أن أحالت جمهوريات الزعيم وعارف والبكر- صدام الانقلابية، بلاداً كانت مهداً لولادة حضارات الحرف والقلم والساعة، إلى خرائب ومآسي واغتيالات وأحزاب ميليشاوية، وأجيال من المتوحدين فكرياً وسياسياً، وقوافل من المتخلفين واللصوص والعصابات من خريجي مدارس ثقافة الانقلاب والميليشيات، بعد أن أحرقوا كوردستان بانفالاتهم القذرة وأسلحتهم الكيماوية البشعة، ختموها على طريقة الجاهليين الأوائل باستقدام جيوش العالم على شعوبهم، لكي تنتهي تلك الحقبة بالحواسم المخزية، وتبدأ حقبة الجيل الثاني والثالث من تلاميذ تلك المدارس، التي مررها برايمر وشركائه لإقامة نظام مسخ بلبوس ديمقراطي ومؤسسات تعشش فيها الخرافات الغيبية وثقافة العبودية والتوحد السياسي، حتى غدت البلاد مرتع للعصابات السياسية بمؤسسات لا تمتلك إلا عناوينها ومجموعة من الشعارات الرنانة، بينما ينخر الفساد وحيتانه في جسد البلاد التي صادرها اللصوص باسم الرب والدين والمذهب والعشيرة، فتحولت وارثة الحضارات والممالك والإمبراطوريات إلى إمارات ميليشاوية لا يُعرف فيها الحق من الباطل، إن تُعارضها فأنت كافر وإن تحايدها فأنت عبد وإن تؤيدها فأنت فردٌ في قطيع، والذين أسقطوا آخر جمهوريات الانقلابات حلفاء لأمراء تلك الإمارات.

kmkinfo@gmail.com


13
التاريخ لا يغادرنا بل يلاحقنا!

كفاح محمود كريم

   يبدو أن مقولة التاريخ يعيد نفسه، أو يتم تدويره سلوكياً لتنفيذ ذات الأهداف ما تزال سارية المفعول، وكما يقول الكاتب الاورغواني إدواردو غاليانو: (التاريخ لا يقول وداعاً، التاريخ يقول سأراكم لاحقاً )، وهذا ما يتجلى اليوم في واحدة من أكثر الاحتجاجات الشعبية عفوية وشجاعة في الساحة العراقية الجنوبية والوسطى بما فيها العاصمة بغداد، وفي وسط شيعي حيث كانت الطبقة الحاكمة تدعي بأنها تلبي رغبته وتعبر عن مظلوميته، فإذ به وبعد خمسة عشر عاماً من حكمها باسم المذهب سياسياً واقتصادياً وأمنياً وعسكرياً، ينتفض انتفاضةً قل نظيرها في التاريخ الاجتماعي والسياسي العراقي منذ تأسيس دولته على أيدي البريطانيين والفرنسيين وحلفائهم بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، محطمًا أصناماً صنعت هيبتها من تخريفات وتخديرات لا أصل لها إلا كوسيلة للتسلط والاستحواذ على السحت الحرام والنفوذ الجائر.

   فمنذ اندلاع الحملة الاحتجاجية الإصلاحية في العراق أوائل أكتوبر الماضي، والأحزاب السياسية الحاكمة وخاصة الدينية وبقايا القوى الشمولية ومخلفات التنظيمات الإرهابية، تبتكر أنواعًا من وسائل الاختراق أو ركوب الموجة لتغييرها من الداخل أو احتوائها، فدفعت أجهزة دعايتها ومنابرها ومهرجيها إلى ادعاء وقوفها مع المتظاهرين حاملة أهدافهم ومشروعهم في الإصلاح، وحينما لم تنطلي تلك الدعايات الفارغة وفشلت في احتوائها أو تمثيلها، أنزلت طرفها الثالث غير المرئي، متخفياً وراء بندقية قنص في المباني المطلة على أمكنة التظاهرات لتفجر رؤوس فتية وفتيات وتزرع الرعب والموت كي يتوقف الآخرين، لكن الأمور لم تكتمل كما اشتهتها قيادات تلك الأحزاب أو مسؤولي دوائر أمنها، ولم تنثني عزيمة أولئك الشباب والشابات فاستمرت وتيرة التظاهر والاحتجاج بابتكارات جديدة لم تتعدَ سلميتها بل ومدنيتها المتحضرة، التي اعتمدت أنواعًا من الفنون الإبداعية كالرسم والغناء وحلقات الشعر وحملات التنظيف للشوارع والأزقة والأنفاق، ما أبهر أولئك الواقفين على الحياد ليتم ضمهم إلى تلك الحملات الاحتجاجية الناعمة.

   ورغم مئات من القتلى وآلاف من الجرحى ومجازر الناصرية الصامدة والنجف المنتفضة، إلا أنها لم تنتج أي رد فعل للعنف المضاد، ولم تسجل أي عملية عنفية للمتظاهرين والمحتجين رغم محاولات البعض دس عناصر مخربة في أوساطهم إلا أنهم لم ينجرو ورائها، ما دفع أولئك الذين استهدفتهم الحملة الفراتية والجنوبية والبغدادية إلى تدوير ممارسة سابقة تعود إلى أكثر من ربع قرن مضى، لاختراق واحدة من أرقى التظاهرات وهي في أروع صورها وأجمل لوحاتها التي امتزج فيها لون الدماء مع دموع الثكالى وألوان تلك اللوحات التي زينت شوارع وأنفاق بغداد تعبيراً عن رفض هذا النمط المتخلف من الحياة الذي فرضته أحزاب ظلامية شَوَهت المبادئ السامية للأديان والمذاهب، وحولتها إلى دكاكين سياسية حقّ عليها القول.

   وحينما وقع انقلاب 8 شباط 1963 ضد الزعيم عبد الكريم قاسم وجمهوريته، كان الزعيم في مقره بوزارة الدفاع، ورفض مغادرتها، ما دفع المئات من مؤيديه إلى التجمع حول مبنى الوزارة لإظهار التأييد له والدفاع عنه، ودارت معركة قاسية بينه وبين الانقلابيين الذين حاولوا الاندساس بين مؤيدي الزعيم، رافعين صوره وذات الشعارات، حتى تمكنوا من اختراق صفوفهم واقتحام وزارة الدفاع، إلا أن الزعيم نجح في الخروج منها واللجوء إلى قاعة الشعب بعد انتهاء معركة وزارة الدفاع لصالح القطعات العسكرية المُحاصرة لها، ولكن تمّ اعتقاله في صبيحة التاسع من شباط واقتياده إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون وإعدامه هناك.

   واليوم ما أشبهه بالبارحة، حيث يتم استعارة تلك الممارسة البهلوانية التي مارستها مجاميع من الانقلابيين الذين رفعوا صور الزعيم وشعاراته ليندسوا بين أوساط مؤيديه وينفذوا إلى عرين الزعيم واعتقاله والإجهاض عليه، وما حصل قبل أيام يؤكد أن القوى المهيمنة على كرسي الحكم، ومن ماثلهم في النهج الشمولي من بقايا النظام السابق ومخلفات التنظيمات الإرهابية، وبعد سقوط حاجز الخوف واختراقه من قبل المنتفضين، وانهيار تلك القدسية المصنعة خصيصًا لديمومة حكم الفاسدين المتخلفين، وتبخر ما يسمى بهيبة الادعاء بحكم الله ووكلائه على الأرض، تحاول تدوير ذات الممارسة الانقلابية التي مارسها انقلابيو شباط 1963، لوأد الاحتجاجات التي بدأت تنجز تغييرًا اجتماعيًا أفقيًا وسياسيًا عموديًا، لا لإسقاط العملية السياسية فحسب بل ولأبعاد الأحزاب الدينية ونهجها عن الحكم وعن السياسة وفصل الدين عن الدولة والسياسة لإقامة دولة مدنية عصرية تحت مظلة القانون والمواطنة.


kmkinfo@gmail.com




14
إشاعة الكراهية والتمزيق المجتمعي!

كفاح محمود كريم

   يعتقد الكثير من شبيبة اليوم خاصة أولئك الذين شهدوا إسقاط الولايات المتحدة لنظام صدام حسين وحزبه، بان ما حصل في البلاد وخاصة ظهور الطائفية المذهبية والتفرقة الدينية أو الإقصاء العرقي والقومي بهذا الشكل المفرط، هو وليد هذه المرحلة أي مرحلة ما بعد تولي معارضي نظام البعث دفة الحكم، وخاصة الأحزاب الدينية أو المذهبية، التي عاشت وترعرعت في ظل وكنف مجموعة من المدارس والمعتقلات السياسية ومنهاجها المعروفة، ابتداءً من مدرسة الزعيم ومقاومته الشعبية مرورا بمدرسة البعث وحرسه وجيشه القومي والشعبي،  وانتهاءً بما أنتجته تلك المدارس من تجارب يتم استنساخها اليوم، والإبداع في تطوير أساليبها بمختلف المناهج وممارسات أنظمتها السياسية والقمعية، تلك المدارس التي كرست مفاهيم السلطة الفردية والحزب الواحد وطرق هيمنته واندساسه في كل مفاصل الدولة وزراعة العيون والآذان في كل دائرة ومدرسة ووحدة عسكرية على طريقة جمهورية جورج اورويل في روايته (1984) حتى غدت الدولة برمتها عبارة عن منظومة كاميرات للمراقبة والتصنت.*

   هذه المدارس والغيوم السوداء التي سادت سماوات العراق وأراضيه بعد تأسيس مملكته بسنوات، أشاعت ثقافة اقصائية وازدرائية من قبل معظم النُّظم السياسية العراقية ضد مكونات دينية ومذهبية وعرقية وبأشكال مختلفة ووسائل متعددة، باستثناء فترة قصيرة جداً من الحكم الملكي، وتحديداً في السنوات الأولى لتأسيس المملكة العراقية، والى حدٍ ما فترة أقصر من حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، وما عداها ومنذ انقلب البعثيون وحلفائهم على نظام الزعيم قاسم، حكم البعثيون البلاد منذ شباط 1963 وحتى إسقاطه في نيسان 2003، مع وجود فترة قلقلة بين 1963 و 1968 التي انقلب فيها العوارف على الحرس القومي، لكنهم لم يختلفوا في نهجهم السياسي عما سبقهم إلا بالعناوين والأسماء.

   لقد مورست ضد المكونات (الأصغر) سواءً كانت قومية أو دينية مذهبية كل أنواع الإقصاء باستخدام وسائل دعائية اجتماعية، تزدري تلك المكونات بفيض من النكات والطرائف التي تظهرها بشكلٍ ساخر أو منتقص، وتشكك في أهليتها، بل وتهينها في نهجها الديني أو انتمائها العرقي، ونتذكر جميعا طوفانات النكات والقصص أو الطرائف المفبركة التي كانت أجهزة المخابرات وبعض المؤسسات تقوم بنسجها وإشاعتها للتداول بين الأهالي، وليس ببعيد عن الذاكرة تلك التي كانت تستهدف جنوباً (الشروك والمعدان) وازدرائهم وإظهارهم بأنهم أُناس بدائيون وأجلاف، وشمالاً الكورد والتركمان والمسيحيين عموما، الذين ينتقصون من آدميتهم ومواطنتهم بأنماط من القصص والنكات المفبركة، التي تظهرهم أغبياء وحمقى، وكذا الحال غرباً مع (الدليم والمصالوة) كما كانوا يقولونها، وإظهارهم بالبخل والحماقة والتخلف.!

   في حصيلة سنوات طويلة من ممارسة هذا الكم الهائل لثقافة الانتقاص والاستهزاء، تكلست أنماط من الكراهية والازدراء بين مفاصل اجتماعية واسعة من المكونات، التي تعرضت جميعها إلى هذا النمط من التسقيط والاستصغار، سواء بين الكورد والعرب، أو بين السنة والشيعة، وبقية المكونات، ناهيك عن عقدة ابن المدينة من الريفي أو (الجرياوي أو الكوندي بالكوردية) واعتباره دوما منتقص المدنية ومحط السخرية، مما أنتج مع وجود بيئة صالحة لتفعيل هذه الأحاسيس المليئة بالكراهية، ما نشهده اليوم من طائفية وعنصرية مذهبية وقومية وحتى مناطقية، وصلت إلى حد الإقصاء والالغاء والتكفير ومن ثم إباحة القتل والابادة، تصل في ذروتها الى دعوات لحرب مقدسة.

   وما يجري اليوم من عمليات تطهير مذهبي وعرقي في المناطق المختلطة عمل على إحداث تمزيق شديد في البنية المجتمعية للسكان، وهذا ما نشهده اليوم في نينوى والأنبار وصلاح الدين وأطراف بغداد وشمال الحلة وكركوك وديالى، مما ينذر بخطر داهم يضعنا جميعاً أمام مسؤولية تاريخية ووطنية إزاء حرب ستحرق الأخضر واليابس، ولن تكون نتائجها أفضل من تلك النتائج التي وصل إليها البعثيون وغيرهم في تحويل العراق إلى حفنة تراب، وضياع فرص ذهبية لتقدمه وتطوره ووجوده.

   وصدق من قال هذا المطر من ذاك الغيم!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رواية 1984 التي كتبها الصحفي البريطاني جورج اورويل George Orwell في عام 1949م.




15
العراق بين التأسيس الاول والثاني!

كفاح محمود كريم

   بعد ما يقرب من قرن على تأسيس دولة العراق بمملكة شاء فيها البريطانيون وشركاؤهم الفرنسيون واتباعهم من بقايا دولة ال عثمان ومجاميع من المشايخ، أن تكون كياناً سياسياً رغم أنف ساكنيها، وبالشكل الذي اختاروه وبالملك المستورد من دولة أخرى، لعدم توفر الشروط التي طلبوها في المرشحين من الولايتين اللتين تشكلت منهما مملكة العراق في 1921م، بعد كل هذا الزمن وأحداثه وما رافقه من تولي أكثر النُّظم فشلاً في العالم، قياساً بما تمتلكة هذه الأرض من ثروات ومكونات بشرية مختلفة، لم تستطع مكونات هذه المملكة ومعارضاتها بمختلف مشاربها وتوجهاتها وانقلاباتها من إسقاط النظام الشمولي وإحداث تغيير نوعي وتأسيس كيان جديد يرضيها ولو بالحد الأدنى لشكل الدولة، حتى قررت الولايات المتحدة وحلفائها وبذريعة امتلاك الإدارة السياسية فيها لأسلحة مفترضة في مجالي الذرة والكيمياء، اللتان تشكلان مساساً بالخطوط الحمراء لمجال تلك الدول الحيوي، رغم إن الأسباب الحقيقية لا علاقة لها البتة بتلك الهياكل الاسطوانية لما يسمى بالصواريخ أو مسرحيات امتلاك العراق لمشاريع طموحة في صناعة قنبلة نووية بائسة على غرار ما تستنسخه إيران اليوم لتلك المسرحيات الهزيلة!.

   وعشية إسقاط هيكل نظام حزب البعث ومؤسساته الإدارية، كان العراقيون يحلمون بنظام على النمط الأوربي لكون الأمريكان هم أصحاب مشروع التأسيس الثاني للدولة العراقية بعد انهيار مشروعي بريطانيا وفرنسا، ولكن الأحداث التي تلت عملية الإسقاط أثبتت إن الأمر لا يتعلق بأصحاب المشروع فقط، وأن المؤسسين مجرد منفذين لآلية التأسيس، بمعنى أن البَناء غير مسؤول عن نوعية مواد البِناء ومكوناتها، وبذلك ربما يتحمل جزء من المسؤولية، وتبقى المسؤولية الأكبر لنمط ونوع وشكل أدوات ومواد البِناء.

   وبالعودة إلى مدى تأثير الزمن، وهو أكثر من ثمان عقود بعد التأسيس الأول على شعوب ومكونات العراق تحت ظل أنماط مختلفة من الحكام والنظم السياسية ومقارنتها بالحقبة الثانية، نكتشف أن لا تغيير نوعي أو فرق مهم بين الحقبتين، إلا اللهم بالعناوين والأسماء والمظاهر، وبقي الأصل محافظاً على نوعيته ونمط تعاطية وتعامله وسلوكياته، ما يؤكد أن التأسيسين كانا بعيدين عن أصل المشكلة التي يعاني منها هذا الكيان السياسي والاجتماعي، والذي ينحصر تماماً بطبيعة الولاء والشعور بالانتماء لدى المكونات والمجاميع البشرية في هذه البلاد، وهي حصراً مكوناته القومية والدينية، المذهبية منها تحديداً، بعد الفشل الذريع في إنتاج مفهوم رابط لمواطنة جامعة.

   لقد فشلت الطبقة السنية الحاكمة طيلة ثمانين عاماً في التأسيس الأول من أن تقنع الشيعة بأنها خيارهم الأخير، بينما فشلت الطبقة الشيعية الحاكمة من إقناع السنة والكورد بأنها خيارهم الأخير في التأسيس الثاني، وكذلك الحال في كوردستان، حيث يصرّ شعبها على الانعتاق والاستقلال في التأسيسين، رغم كل ما فعلته الحاكمة السنية والحاكمة الشيعية بمحاولاتهما في تجميل نظاميهما السياسي بإشراك ممثلين من كليهما ومن الكورد في الحكم، إلا أن النتائج كما نراها اليوم ويدركها المواطن تسير من سيء إلى الأسوء، خاصة خارج إقليم كوردستان الذي تمتع باستقلالية نسبية منحته تميزاً عن بقية أجزاء الدولة وكانت سبباً في ازدهاره وتطوره، ورغم اعتراف كل النخب السياسية الحاكمة بنجاح الإقليم إلا أنهم يصرون على نظام مركزي شمولي وضعت لبناته في التأسيس الأول، رغم إلغائه في الدستور في التأسيس الثاني واستبداله بالنظام الفيدرالي، إلا أنه يتعرض اليوم إلى حرب شعواء من قبل الشموليين القوميين والمذهبيين المصرين على ذات الأدوات والوسائل التي أفشلت دولة الثمانين عاماً من الشمولية.

   خلاصة القول ما نشهده اليوم يؤكد بأنه لا خيار بعد الفيدرالية أو الكونفيدرالية إلا العودة إلى الشمولية. وهذا يعني بداية التَفتت وعودة دويلات الأندلس من جديد.

kmkinfo@gmail.com

16
حكومة كوردستان بلا أحزاب دينية!

كفاح محمود كريم

   أصيبت أحزاب الإسلام السياسي بهزيمة كبيرة في انتخابات  2018التي جرت في إقليم كوردستان، حيث تقهقرت شعبيتها عن الدورات السابقة بشكل مثير دفعها إلى أن تقصي نفسها من المشاركة بالحكومة الجديدة، رغم محاولات الحزب الأكبر وهو الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي قاد عملية الاستفتاء في 25 أيلول 2017 وحصد إثرها غالبية الأصوات في البرلمان الكوردستاني، حاول إقناعها بالمشاركة رغم ضآلة مقاعدها في البرلمان، إلا أنها اختارت أن تكون خارج التشكيلة الحكومية، بل أنها رفضت تعديل قانون رئاسة الإقليم، ولم تصوت لمرشح الأغلبية في رئاسة الإقليم، ولا لرئيس الوزراء في محاولة لخلق كائن جديد باسم المعارضة، خاصة وإنها خاضت تجربة مريرة في اشتراكها بالكابينات السابقة وادعائها بأنها تحارب الفساد وتتهم الحكومة بأنها ضالعة فيه وهي جزء منها ومنه!

   هذا السلوك المهجن لصناعة معارضة بين المشاركة في الحكومة ومعارضتها في البرلمان استخدمته حركة كوران (التغيير) في دورتها الأولى بعد انشقاقها عن الاتحاد الوطني الكوردستاني، ولم تجنِ ثمرا من ذلك التهجين، بل خسرت الكثير من أصواتها في الانتخابات الأخيرة، ويبدو إن الأحزاب الدينية حاولت استنساخ عملية التهجين في الدورتين السابقة والحالية، وها هي تحاول ثانية إقناع شارعها بأنها ستكون خارج السلطة التنفيذية لكي يتسنى لها معارضتها، رغم إن النتائج الأخيرة كانت مخيبة لأمالها في الجلوس على مقاعد برلمانية تعطيها نفوذا اكبر، بل على العكس  أعطت مؤشرا أكد إن شعبيتها النسبية التي كانت قد تحققت في دورات سابقة من الانتخابات إنما جاءت بسبب خلافات الحزبين الرئيسيين (الديمقراطي والاتحاد) وادعائها بأنها تحارب ظاهرة الفساد، مما تسبب في تورمها على شاكلة الأعراض الجانبية لبعض الأدوية، هذا التورم سرعان ما انكمش في الانتخابات الأخيرة وظهر حجمها الحقيقي ليس في الشارع الانتخابي فحسب بل لدى مساحات واسعة من الأهالي التي تؤمن فطريا بأنه لا علاقة للدين بالسياسة، وان الدين علاقة روحية ثابتة بين الفرد ومعتقداته، لا يمكن التلاعب بها وإدخالها في عالم السياسة المتقلب.

   وعلى ضوء تلك النتائج أقصت هذه الأحزاب نفسها عن المشاركة بالحكومة ظنا منها بأنها سترضي ما تبقى من مؤيديها، وتلملم مؤيدين جدد لصفوفها مستقبلا، وبذلك ولأول مرة منذ استقلال الإقليم ذاتيا وتشكيل حكومته الأولى في 1992م، تأتي الكابينة التاسعة لحكومة كوردستان خالية من أحزاب الإسلام السياسي، مما يعطي رغم كل التفسيرات انطباعا أوليا باتساع مساحات الثقافة المدنية وتكريس نظام علماني يحترم الأديان لكنه يبعدها عن فضاءات السياسة وإدارة الدولة، كمقدمات مهمة لتشريع دستور دائم للإقليم، تعمل السلطتين التشريعية والتنفيذية على تحقيقه خلال دورتها الحالية.

kmkinfo@gmail.com



17
العشوائيات السياسية!

كفاح محمود كريم

   كما انتشرت العشوائيات السكنية حول المدن خلال العقود الأخيرة في كثير من بلدان العالم وخاصة بلدان الشرق أوسط، فان ظاهرة نشوء العشوائيات السياسية بدأت تنتشر هي الأخرى في معظم الأنظمة السياسية الشمولية، وخاصة تلك التي تم تغييرها خارج نسق التطور الطبيعي للمجتمعات بكل أشكالها ومظاهرها، فحينما تخرج الأمور عن سياقاتها القانونية أو المتفق عليها كأعراف أو قواعد تأخذ مأخذ القانون في إرساء النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، تدخل إطارا أخرا بعيدا عما اتفق عليه، ويصبح عشوائيا لا يخضع لأساس منظم سواء كان قانونيا أم دستوريا، ويقترب من الفوضى واللا مسؤولية وعدم الانتماء، حيث شهدنا في مراحل غياب القانون وتسلط نظم اجتماعية بالية سواء كانت قبلية أو محرفة من معارف دينية سطحية أو ناتجة من أمزجة تخضع لسلطة المال والفساد، نمو مستوطنات عشوائية تتجمع فيها مختلف المستويات الاجتماعية، لكنها تتوحد تحت نظام اللا  قانون لتكون أول تعريف للعشوائيات السكنية التي تتطور تدريجيا لتشكل نمطا أخرا من السلوك والتفكير، ينتج ويؤسس لهياكل سلطوية لا انتماء لها إلا حاجياتها بصرف النظر عن كونها مشروعة أم غير مشروعة، كما حصل ويحصل اليوم في كثير من البلدان التي تم تغيير أنظمتها عموديا بشكل عشوائي خارج مراحل تطور النظم الاجتماعية والتربوية والسياسية ومنذ ما يقرب من نصف قرن.

   وتزامنا مع الظهور الجنيني لتلك العشوائيات وبدء مرحلة الانقلابات وتغيير الحكم بالقوة العسكرية الداخلية أو الخارجية وهيمنة قوى طارئة على مقاليد الحكم، ظهرت بواكير العشوائيات السياسية التي رافقها تشكيل مصطلحات ممسوخة أو مستنسخة من المدارس العالمية للنظم السياسية والاقتصادية وخاصة المدرستين الاشتراكية والرأسمالية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، ونشوء دول الفلك الروسي وأنظمته الديمقراطية الشعبية، هذه المصطلحات الممسوخة من المدرستين انتشرت بعد أول انقلاب عربي في مصر وانطلاق شعار اشتراكيتنا العربية، المصنعة من مزيج ماركسي- رأس مالي لكي تلائم البيئة العربية والإسلامية على حد تبرير مصنعيها، هذه المصطلحات التي استُنسخت أو مُسخت من قبل تلك الأنظمة، التي أحدثت تغييرا فوقيا وفرضت هذه الأنماط السياسية والاقتصادية، مقحمة بلدانها في تجارب فاشلة ذهب ضحيتها ملايين من البشر ومليارات من الأموال، وضياع فرص ذهبية للتقدم والتطور، كما في اشتراكية البعث في سوريا والعراق واشتراكية عبد الناصر في مصر وليبيا والجزائر وغيرهم، وكذا الحال في الديمقراطيات العشوائية التي أنتجت برلمانات مشوهة تتحكم بها مجموعات من شيوخ القبائل والعشائر وفتاوى رجال الدين المتاجرين بالدين والسياسة معا، وبدعم مطلق من السحت الحرام الذي أنتجته ماكينات الفساد ومنظوماتها، حيث لا قيمة للانتخابات ونتائجها بسيطرة هذه العوامل على كل مفاصل التغيير والتداول في السلطات.

   ومن جهة أخرى ففي غالبية دول منطقتنا الموبوءة بانعدام سلطة القانون وفقدان العدالة الاجتماعية وارتفاع مستويات خط الفقر المدقع مقابل انخفاض مريع في الوعي والتعليم، يتم تدمير الناتج القومي واستهلاكه في بناء ترسانات عسكرية وأسوار الهياكل الأمنية للنظم السياسية وعناصرها في مفاصل الدولة، حيث تحولت بلدان هذه المنطقة وخاصة جمهوريات الانقلابات والربيع العربي إلى استهلاكيات واسعة، انتشرت فيها أنماط عديدة من العشوائيات السكنية والفكرية والسياسية، بل استطيع أن ازعم إننا إزاء بلورة نمط من الديمقراطية الفوضوية التي يمكن تسميتها بالديمقراطية العشوائية الناتجة من ذات البيئة التي تجمعت فيها شرائح (تعبانة) من المجتمعات على مختلف مستوياتها، ابتداءً من التجمعات أو الإحياء وصولا إلى نمط التفكير العشوائي الناتج من بيئة تلك العشوائيات.

   إن فرض نظام تداول السلطة على الطريقة الغربية في مجتمعات لم يتبلور فيها وعي وطني جامع ومفهوم للمواطنة وبنية تربوية وتعليمية تؤسس لقيام نظام اجتماعي وسياسي تقدمي ديمقراطي، بالتأكيد سيؤول إلى الفوضى التي نشهدها سياسيا واجتماعيا في معظم هذه البلدان وفي مقدمتها العراق وليبيا واليمن وسوريا، حيث التقهقر والانكفاء في دهاليز أنظمة بالية متخلفة تتحكم فيها مجموعات وشلل طارئة من الشيوخ الفاسدين وحيتان السحت الحرام ورجال الدين المنحرفين الذين أقحموا قداسة العقائد في متاجرات السياسة فشوهوا الدين والسياسة معا، وأنتجوا على مقاساتهم ديمقراطية عشوائية أسوء من سابقاتها الأنظمة الدكتاتورية، ولا تختلف في مضامينها عن سلوكيات تلك العشوائيات التي نمت وترعرعت حول المدن الكبيرة.


18
المنبر الحر / افهموا الدرس..!
« في: 11:04 26/05/2019  »
افهموا الدرس..!

كفاح محمود كريم

   منذ تأسيس مملكة العراق وحتى يومنا هذا، ولعنة الحرب والدمار عالقة بذيول دشاديش حكامها، فما من ملك أو رئيس، إلا وحلم بأنه عنترة بن شداد ليستيقظ صباحا فيتوهم انه نابليون بونابرت أو جنكيزخان، وكانت أولى تدريباتهم في كوردستان منذ مذبحة سميل ضد الأشوريين وحتى محرقة حلبجة والأنفال وما تلاها من محاولات لاجتياح الإقليم وإلغاء وجوده قبل ما يقارب السنتين، وعبر التاريخ السياسي والعسكري للعراق منذ 1958م حينما أسقطوا الملكية وحولوها إلى جمهورية، بدأ التهافت على عسكرة الدولة والمجتمع، فكلما بلطوا شارعاً أو بنوا جسراً اشتروا طائرة أو دبابة لمشروع حرب لا مناص منها، كأنما تلك الثقافة البائسة التي يمارسها القروي أو البدوي أيام زمان حينما تكثر أمواله فيحتار ماذا يفعل بها، فإما الزواج على رأس زوجته أو زيجاته أو شراء بندقية كخطوة أولى لمشروع استثماري في القتل، وهكذا حال معظم أنظمة الحكم التي توالت على (اغتصاب) العراق.

   والمصيبة الأكبر تلك التي وقعت بعد تسلط حزب البعث والتيار المتطرف فيه على كل مفاصل الدولة العسكرية والأمنية، أولئك الذين قفزوا إلى القصر الجمهوري ليطبقوا نظريتهم الانقلابية في تموز 1968م، وأوهموا الناس بأنهم ورثوا دولة من خرائب وأطلال، فباشروا بتبليط عدة شوارع وبناء عدة مجمعات سكنية ومجموعة مستشفيات ( ليبلشوا ) أي ليشرعوا في حروب ما زلنا ندفع فواتيرها إلى أن يشاء الله، ويهتدي خلفائهم في بناء دولة مدنية تعتمد العقل والحكمة والعلم والثقافة والتحضر أساسا في قوة البلاد الدفاعية والهجومية، بدلاً من الطائرات والدبابات والمدافع، كما فعلت ألمانيا وشقيقتها إمبراطورية اليابان بعد انتكاستيهما العظمى في الحرب العالمية الثانية، حيث كان الدرس بليغاً والخسائر أعظم، ولكن الأكثر روعة ونُبلاً وفروسية هو موقف الحكماء فيهما، حينما قرروا ترك لغة السلاح والتسلح واستبدالهما ببناء دولتيهما وتطوير مجتمعاتهما في إطار مدني متحضر، أنتجوا خلال أقل من نصف قرن دولتين عظيمتين في تطورهما الحضاري والتقني والعلمي والاجتماعي وفي كل نواحي الحياة حيث تغطى وفرتهما المالية ما تنتجه ثلث دول العالم؟

   وفي بلادنا التي اكتوت بنيران حروب فاقت في مجموعها حرباً عالمية عظمى خسرت فيه الأخضر واليابس،  وتحولت البلاد من أغنى  بلدان العالم وأثراها وأجملها إلى أفقرها وأفشلها وأوسخها، وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على إسقاط نظام الانقلابات، فشلت الإدارة الاتحادية في إقناع الشارع العراقي بأنها البديل الأفضل رغم هامش الحرية، فقد تقهقرت الخدمات بشكل مريع حتى تحولت إلى أزمة كبيرة لا يمكن حلها بهذه العقلية، خاصةً وأنها شرعت منذ فترة إلى ذات الثقافة في بناء ترسانة عسكرية في بلاد أكثر من ثلث سكانها تحت خط الفقر والآخرين يعانون من نقص كارثي في الطاقة بكل أنواعها، وتدهور مريع في الخدمات الصحية والتعليمية والغذائية إضافة إلى انعدام حلقات مهمة من الصناعة والإنتاج، وتحول نمط الحياة إلى نمط استهلاكي بعد إغراق الأسواق بالمستوردات الزراعية والغذائية من دول الجوار حتى توقفت معظم أنواع الصناعة والزراعة، ولم نعد نملك خارج إقليم كوردستان إلا النفط والمزارات الدينية!؟

   يبدو أن الحاكمين اليوم لم يفهموا الدرس الذي تلقنه نظام صدام حسين ومن يأتي إلى حكم العراق إلى أبد الآبدين كما يقولون، فهو الذي كان يمتلك واحدا من أكبر وأقوى جيوش المنطقة، وسخر إمكانيات دولة من أثرى دول العالم للتصنيع العسكري والتسلح، بل إن أغنى دول العالم في الخليج كانت حليفته بل مرضعته خلال عقد كامل من الحروب، فماذا أنتج، وإلى أين وصل هو وجيشه وحكومته وحزبه الذي بناهم خلال ما يقارب أربعين عاما بآلاف المليارات وملايين العراقيين من القتلى والجرحى والمعاقين والمحرومين!؟

   فهل انتهى الدرس كما قال الممثل محمد صبحي في مسرحيته (انتهى الدرس يا غبي) لكي نقول افهموا الدرس إلا يكفي ما جرى عبرة لمن لا يعقلون ولا يفقهون!؟

kmkinfo@gmail.com

19
ديمقراطيات الشرق الكمالية!

كفاح محمود كريم

   لكي لا تبتعد كثيرا عزيزي القارئ وتذهب إلى أبو تركيا الحديثة كمال أتاتورك فيما وصفته هنا بالكمالية، حيث اقصد ما اعتدنا على تسميته هنا بالكماليات وهي المواد أو الأجهزة المكملة أو التجميلية مثل الإكسسوارات وبعض الديكورات من تحف ولوحات وثريات مما يوصف لدى غالبية الأهالي بأنها من الكماليات غير الضرورية، ومن هذا التوصيف أو التشبيه أحاول  الدخول إلى مفاهيم وتعريفات لنظام اجتماعي وسياسي في جزئيته المتعلقة بتداول السلطة وعملية الانتخاب، محاولا كشف عورات هذا النمط مما يسمى بالديمقراطية في دول الأمية الأبجدية الحضارية وتعددية الانتماء والغالبية المدقعة، وعدم بلورة مفهوم المواطنة مع طغيان القبلية والطائفية والمناطقية.

   بين ديمقراطية الغرب والديمقراطيات الشرقية وخاصة الديمقراطيات الشعبية سيئة الصيت التي حكمت مجموعة من الدول بعد الحرب العالمية الثانية وأنتجت مجموعة كائنات سياسية للزينة فقط، حالها حال الإكسسوارات التجميلية تشبها بتعددية الأحزاب في الديمقراطيات الغربية، وكنا قد أطلقنا عليها في مقالات سابقة (أحزاب الزينة)، والفارق بين الديمقراطية الغربية وديمقراطيات الزينة بون شاسع لا يسمح بإجراء أي مقارنة نوعية، خاصة وان الآليات المستخدمة هي ذاتها، تعددية الأحزاب وصناديق الاقتراع والانتخابات والاستفتاءات، لكن حقيقة الأمر تختلف كليا في الكيف والنوع والدوافع فيما يتعلق بالذين يضعون أرائهم في صناديق الاقتراع، ناهيك عما يسمى بالديمقراطية المركزية وما تلاها من سفسطة البعث وقبله التيارات القومية التي أسست مسارح للتطبيل والتزمير فيما سمي بالجمعية الوطنية أو مجالس الشعب أو الاتحاد الاشتراكي أو الهيئات الاستشارية (الشورى) وأمثالها ممن تشترك جميعها في صفات فقدان اللون والطعم والرائحة.

   أما ما يحدث هذه السنوات من تجارب في البلدان التي اكتسحتها العصا الأمريكية والأوربية من محاولات تطبيق النظام الغربي في تداول السلطة بالاعتماد على الناخبين وممثليهم في البرلمان، فهي أكثر سخرية من تلك الأنظمة المطرودة، حيث تستخدم ذات الصناديق التي استخدمها البعث واللجان الشعبية وأحزاب المؤتمرات القومية والاتحادات الاشتراكية ومجالس الشعب والشورى، واستبدل الرفيق البعثي أو الأخ في اللجان الشعبية وأمثالهم في كوادر تلك الأنظمة إما برجال دين أو رؤساء ميليشيات أو فتاوى دينية أو مذهبية أو أوامر صارمة من الشيخ العام للقبيلة، فهم ايضا يقومون بواجب التلقين للناخب المسكين المصاب أصلا بفقدان الوعي السياسي والبلاهة الفكرية والحضارية، بل أنهم طوروا بعض الآليات في التصويت، إذ أنهم يؤجرون وثائق الناخبين فترة التصويت بما انعم عليهم الله من أموال، بدفوعات حسب قانون الشارب والمقص، ويصوتون بشكل جماعي بدلا عنهم حفاظا على راحتهم ووحدة الموقف والمصير والسيادة!.

   وإزاء ذلك وهذا النمط من السلوك تنصاع الغالبية العظمى وتحت ضغط مختلف أساليب السيطرة الدينية أو المذهبية بفتاوى رجال الدين، أو رغبة شيخ القبيلة أو العشيرة، أو برضوخها لإرادة سيد الشجعان الجبناء الفقر لانتخاب مرشحي أولئك المهيمنين على النظام السياسي، في طوابير مراكز الانتخابات ليحظى كل ناخب منهم إما بدجاجة أو كارت موبايل أو فرصة تعيين أو سندات تمليك أراضي ولكن بعد فوز المرشح المعني، وذلك بتلقين الناخب القطيعي المصاب بالبلاهة السياسية أصلا باسم المرشح والحزب والكتلة.

   ترى ما الذي اختلف لدينا عما شهدناه منذ تأسيس هذه الدول والكيانات السياسية من قبل موظفين من وزارتي خارجية بريطانيا وفرنسا، فالدكتاتورية لم تزول بإسقاط هياكلها الإدارية، ففي السابق كان الحزب الحاكم والقائد الضرورة يوجه حتى الأسرة الواحدة بالتوجه إلى صندوق الاقتراع وتحديد اسم المرشح أو الفئة التي تنتخبها الأسرة، واليوم تم استبدال الرفاق الحزبيين برجال الدين والشيوخ والسحت الحرام، ولان المجتمع لم يتغير ولم ينتج بيئة لتطور نظام جديد، بل حصل العكس تماما في معظم الدول التي أسقطت أنظمتها عموديا، ولم يعد من المستطاع الاعتماد على رأي غالبية السكان المسيطر عليهم دينيا ومذهبيا وقبليا واقتصاديا، ولذلك فان المنتج على مستوى المؤسسات التشريعية والتنفيذية لن يرتقي في نوعيته مستوى نوعية السكان ووعيهم وحرية الاختيار لديهم، وبهذه التساؤلات وغيرها نكتشف حقيقة مشهد النظام السياسي الذي يطلقون عليه بالديمقراطي، وهو في الأصل لم يختلف كثيرا عن كل النظم السياسية التي سبقته منذ نصف قرن على الأقل، ويبدو إن زمنا طويلا سيتم استهلاكه مع كل فرص التقدم حتى نصل أفقيا إلى نوعية رفيعة تؤهل الناخب لاختيار صحيح ينتج مؤسسات تمثيلية أو تنفيذية حقيقية يعتمد عليها في بناء الدولة.

   وحتى ذلك الحين سيبقى القطيع يتمتع بديمقراطيات الزينة، بينما تستمر حيتان السياسة والاقتصاد تمارس عملها في البقاء والتكاثر!

kmkinfo@gmail.com


20
كرسي الحكم وخراب البلد

كفاح محمود كريم

   احتار العراقيون بين الاحتفال بسقوط نظام صدام حسين وبين إهماله على خلفية إن الإسقاط كان بيد الأمريكيين وليس العراقيين، وان ما حصل بعده كان أسوء مما مضى، كما احتار العرب في عمان والقاهرة ودمشق وبيروت والجزائر وصنعاء بين كونه قائد عروبي قدم لهم خدمات كثيرة وبين دكتاتور آذى شعبه مقابل تلك الخدمات، وبين هذا الرأي وذاك يمتد زمنا من الثامن من شباط 1963م وحتى التاسع من نيسان 2003م، تلك الحقبةٌ الزمنية ونظامها الذي لم يعرفه عرب تلك العواصم ولا كثير من الذين كانوا يهرولون وراء مزايا وامتيازات العمل معه، حقبة ضمت أحداثاً ومآسياً؛ وحروباً وعمليات إبادة غيبت مئات الآلاف من الكورد والعرب، وأوهمت الناس بمستقبلٍ زاهرٍ فإذ بهم في بحر من الظلمات، خدرت ملايين العرب بشعارات وردية وصورت لهم وطناً افتراضياً يمتدُّ من المحيط إلى الخليج، فإذ بهم أصحاب الحقبة السوداء يئدون أول وحدة بعثية قبل ولادتها بين دمشق البعثية اليسارية وبغداد البعثية اليمينية حسب تصنيفهما لبعضها الآخر.

   كذابون مُتاجرون مُزايدون متلونون متأرجحون، من الكويت محافظة عراقية إلى اعتبار احتلالها خطأ قاتل، ومن العدو الفارسي الصفوي إلى الجارة العزيزة ايران وأثمانها على عشرات الطائرات العراقية، منافقون ومراوؤن، في الصباح مع السوفييت والسهرة مع الأمريكيين، لا عهد لهم ولا وعد، اتفقوا مع الكورد وخانوهم، ومع الشيوعيين فأبادوهم، ومع القوميين العرب والمستقلين فأذابوهم في بوتقتهم.

   قتلوا الرضع والأطفال والنساء والرجال، ودفنوا ألاف مؤلفة وهم أحياء، عبثوا بمفاتيح الغرائز واستعبدوا البشر بإيديولوجية مقيتة، إنها حِقبة لا ينافسها في التردي والسوء إلا من جاء بعدها من الفاسدين واللصوص والقتلة الأوغاد الذين حولوا العراق إلى افشل دولة في العالم، إنهم عصابة حكمت حقبة ملوثة أرادوا فيها أن يحولوا العراق إلى قرية وعشيرة وليس وطنا وشعبا، تارة باسم العروبة وأخرى باسم الاشتراكية وثالثة باسم الحملة الإيمانية، فرضوا الحزب على الجميع دونما استثناء من تلاميذ الابتدائيات وحتى الجامعات والعساكر، فلا مدرسة ولا جامعة ولا وظيفة بدون تزكية من منظمات حزبهم، حولوا المؤسسة العسكرية والأمنية إلى ميليشيا إرهابية، فأصبح العراق برمته مجرد فرع من فروع حزبهم، باستثناء القلة القليلة التي رفضت الانتماء لهم وعاشت ضنكها بين الاستدعاء والمراقبة والحرمان والاعتقال والهجرة، بسبب رفضها الانتماء لهم أو العمل معهم لأي سبب كان، إنهم عصابة توالت على حكم البلاد وارضخت الجميع إلى قوانينها وتعليماتها، وحينما شعرت أن بعضا منها يرفض ذلك فتكت بهم شر فتكا!.

   وبين الفرح بسقوطهم أو الأسى، يمتد هذا التاريخ الدموي وخلاصته؛ قسم صدام حسين الذي وعد فيه أن يجعل العراق حفنة من تراب لمن يريد إزاحته من على كرسي الحكم، وما حصل ويحصل من نيسان 2003 ولحد اليوم في عراق البعث وصدام حسين يدرك جيدا حقيقة الواجهات والعناوين التي عملت تحتها وورائها منظمات وأحزاب وحركات وشخصيات وما تزال تعمل ليل نهار في تهديم العراق وإفشال إي محاولة للخروج من نفق ذلك النظام!

kmkinfo@gmail.com


21
المنبر الحر / سقط صدام.. ولكن!
« في: 22:43 17/04/2019  »
                             سقط صدام.. ولكن!

 

كفاح محمود كريم

 

  بين الثامن من شباط 1963م والتاسع من نيسان 2003م، حقبةٌ زمنية ضمت أحداثاً ومآسياً؛ كذلك حروباً وعمليات إبادة غيبت مئات الآلاف من الكورد والعرب، وأوهمت الناس بمستقبلٍ زاهرٍ فإذ بهم في بحر دماء، خدرت ملايين العرب بشعارات وردية صورت لهم وطناً افتراضياً يمتدُّ من المحيط إلى الخليج، فإذ بهم أصحاب الحقبة السوداء يئدون أول وحدة بعثية قبل ولادتها، كذابون مُتاجرون مُزايدون متلونون، في الصباح مع السوفييت والسهرة مع الأمريكان، لا عهد لهم ولا وعد، اتفقوا مع الكورد وخانوهم، ومع الشيوعيين فأبادوهم، ومع القوميين العرب والمستقلين فأذابوهم في بوتقتهم، قتلوا الرضع والاطفال والنساء والرجال، ودفنوا الاف مؤلفة وهم احياء،عبثوا بمفاتيح الغرائز واستعبدوا البشر بايديولوجية مقيتة، إنها حِقبة لا ينافسها في التردي والسوء إلا من جاء بعدها من الفاسدين واللصوص والقتلة الأوغاد، انهم عصابة فاشية حكمت حقبة ملوثة أرادت فيها عراقا كما تهوى نفوسهم المريضة بداء الدكتاتورية والطغيان والعنصرية والفاشية المقيتة، تارة باسم العروبة واخرى باسم الاشتراكية وثالثة باسم الحملة الايمانية، فرضوا الحزب على الجميع من تلاميذ الابتدائيات وحتى الجامعات، فلا مدرسة ولا جامعة ولا وظيفة بدون تزكية من منظمات حزبهم، حتى حولوا المؤسسة العسكرية والامنية الى ميليشيا لحزبهم ولرئيسهم، فاصبح العراق برمته مجرد فرع من فروع حزبهم، باستثناء القلة القليلة التي عاشت ضنكها بين الاستدعاء والمراقبة والحرمان ممن رفض الانتماء لهم او العمل معهم لأي سبب كان.

 

   ويتذكر العراقيون الذين عاصروا أول ستينيات القرن المضي وأحداثها خاصة تلك التي صممت لإيقاف أولَّ مشروعٍ لبناء دولة عصرية عراقية، ومنذ الساعات الأولى لانقلاب البعثيين على الحكم في العراق إبان حكم الزعيم قاسم، بانت عوراتهم وأفكارهم الدموية التي خلفت خلال أقل من شهر الآف الجثث في شوارع بغداد وأزقتها من المناوئين على مختلف مشاربهم وأعراقهم ومذاهبهم السياسية والدينية، ولم تكُ الموصل وكوردستان بأحسن حالاً من بغداد في حصتيهما من المغتالين والمغيبين تحت شعارات البعث وأفكاره المغلقة، وما يزال صدى صرخة والدتي ووالدي حينما تمت قراءة البيان الأول لِمَ سُمي بـ"عروسة الثورات" ترن في مسامعي، وهي تقول: "انهجم بيت العراق".ممزوجة اليوم وأمس بأصوات انفجار السيارت المفخخة في الموصل حتى قبل سيطرة داعش عليها، وصيحات الله أكبر أثناء ذبح بني أدم على أرصفة دورة اليرموك في مدينة الموصل سنوات منذ عام 2006 وما بعدها، مقترنة بذات الصيحات حينما كان فدائيو صدام يذبحون عشرات النسوة من محضياتهم بتهمة الدعارة، تلك الصيحات التي تكررت صباح 17 تموز 1968م حينما أعلن الراديو عودتهم الثانية، وبداية لحمامات من الدماء لا أول لها ولا آخر، وهروب ملايين من أبناء وبنات العراق ممن اختلفوا معهم فكرياً إلى كل أصقاع العالم، بينما ذاق الأمرين أولئك الذين التصقوا بأراضيهم، وفي مقدمتهم الكورد الذين قدموا مئات الآلاف من الشهداء والمغيبين من أجل أن تبقى كوردستان نقية رغم كل أساليب التغيير الديموغرافي العنصري الذي استخدمته تلك الثورة الفاشية!

 

   لقد عجز العراقيون من إسقاط ذلك النظام المعقد اجتماعياً وسياسياً وأمنياً، حتى وصل الأمر بتمني غالبية الأهالي زواله حتى وإن كانت الشياطين بديلاً له، ولم يكن هناك مناص إلا بدولة عظمى أو تحالف عالمي يعمل من أجل إسقاط نظام الأنفال وحلبجة والقبور الجماعية، نظام المفوضين الأمنيين والمعتمدين والرفاق الحزبيين، الذين تعودوا على إرهاب الأهالي بتقاريرهم ومساوماتهم، بل وحتى استعدادهم لإعدام آبائهم أو أقربائهم وأصدقائهم قَرابينَاً للنظام ورئيسه، ولأجل ذلك ولدراية الولايات المتحدة وحلفائها بأن العراقيون لن يستطيعوا إسقاط ترسانة نظام صدام الإرهابية، ولمصالحها الاستراتيجية في المنطقة خاصة مع بدء الأتراك بالابتعاد من أفقهم وبتعملق إيران على خلفية ايديولوجية دينية، شنوا حرباً عالمية لإنهائه وتحطيم هيكله الإداري والعسكري، لكنهم فشلوا في اقتلاع ثقافته وسلوكه المتكلس في مفاصل غالبية من يحكم هذه البلاد منذ أيام الحجاج وحتى يومنا هذا.

 

   لقد تم إسقاط صدام حسين وتشتيت حزبه وتقتيل معظم كوادره المتقدمة، فهل فعلاً انتهت حقبة صدام والبعث على أرض الواقع مع غالبية انتهازية تصفق لكل من يتبوء موقعاً مهماً في الدولة فما بالك إذا كان يدعي بأنه وكيل الله وأنبيائه على الأرض!؟

   فعلاً انهجم العراق بمجيئهم وبرحيلهم!


22
شعلة نوروز اطفأت نيران داعش.. ولكن!

كفاح محمود كريم

منذ أن استطاع كاوه الحداد أن يحطم جبروت الدكتاتورية والاستبداد في شخص الملك الضحاك وتصبح شعلته عنوانا للحرية والانعتاق، لم ينتصر الكورد انتصارا عالميا وانسانيا كما حصل خلال العامين الاخيرين من القرن الواحد والعشرين، حيث نجحت قوات البيشمركة في كوردستان العراق والمقاتلون في سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية من تحطيم هيكل منظمة ما يعرف بتنظيم الدولة داعش، وأسقطت خلافتها المزعومة منذ 2014 حينما أعلنها مغامر عقائدي مهووس بالذبح على الطريقة الشرعية والمسمى أبو بكر البغدادي، وكتبت عليهم المذلة والعار إلى يوم يبعثون، بعد أن حاولوا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء مبتكرين كيانا مسخ، يقتات على الدماء والسحت الحرام، ويعتمد الاغتصاب والسلب والنهب غنائم لقيام دولته السوداء تحت أجنحة الظلام.

   مرة أخرى يفعلها المقاتلون الأشداء أبناء كوردستان ورجالها البواسل في قوات البيشمركة والقوات المسلحة العراقية، حينما حطموا أسطورة الخوف الهولاكي الذي اعتمدته داعش في إسقاط المدن والبلدات، بسلوكياتها الهمجية المتوحشة في فنون القتل والتمثيل بالجثث، أو ببسالة أبطال قوات سوريا الديمقراطية حينما مرغت أنوفهم وجباههم في أوحال المذلة والانكسار أمام جحافل الضوء والحضارة، فحينما كانت داعش تضع الأسرى في أقفاص الحديد وتحرقهم، كانت قوات البيشمركة وسوريا الديمقراطية تمنح أسراهم فرصة التمتع بإنسانيتهم وحقوقهم الآدمية، معالجة جرحاهم ومحافظة على حياة أسراهم، انه البعد الضوئي بين حضارة هؤلاء وهمجية وبدائية أولئك الوحوش الخارجين من بواطن التاريخ المظلمة ودهاليزه السوداء.

   صحيح نجح هؤلاء الأشاوس في تحطيم ذلك الكيان المرعب وهيكله العسكري، لكن قراءة وإصغاء لنساء أولئك الجبناء الذين سلموا نسائهم وأطفالهم بيد أعدائهم، يتوقف المرء أمام هذا الكم الهائل من الفكر ألظلامي وعمليات غسل الادمغة وإملائها بتلك العقائد الفاسدة، حتى كأنك وأنت تصغي لهم تحلق خارج فضاء هذا الكون وحضارته، إنها فعلا مأساة أكثر تعقيدا من كيانهم المسخ.

   لقد سقطت دولة السبي والاغتصاب، لكن خرافتها ما تزال تعشش في أدمغة مئات الآلاف من النساء والشباب والتلاميذ الذين تتم تربيتهم وتلقينهم بعقائد فاسدة، وفهم متطرف للديانة أو المذهب، إلى درجة تبيح قتل المختلف والتفنن في إبادته والاستحواذ على أمواله وبنيه وبناته، في واحدة من أبشع مسوغات العقائد لتبرير الجرائم تحت مظلات الديانة والمعتقد، والأكثر خشية إن رد الفعل سيكون أبشع لدى الكثير ممن يشابههم في السلوك حتى من الضحايا، وقد شهدنا جميعا عمليات الانتقام من عناصر داعش الذين وقعوا في اسر بعض الفصائل سواء في العراق أو سوريا، ولذلك نحن أمام دوامة أو حلقات من الفعل وردود الفعل في مجتمعات متخلفة وبيئات تتحكم فيها قيم بدوية وقبلية مغمسة بعقائد ساذجة من أشباه الأميين الذين نصبو أنفسهم وكلاء للرب أو الأنبياء، ومزيد من الضحايا ذبحا أو حرقا أو استعبادا.

   إن اخطر ما يواجه حكومات الدول العربية والإسلامية هي كيفية تطهير العقول من بذور تلك الأفكار وانتزاعها قبل نموها وانتشارها، خاصة وان معظم المناهج الدينية التي تدرس من الابتدائيات وحتى الجامعات الإسلامية المتخصصة ما تزال تلقن طلبتها تعاليم متشددة ومتطرفة في تكفير الآخر المختلف، وإباحة قتله إن لم ينضو تحت مظلتها، أو اعتباره منتقص الآدمية والمواطنة، مما يجعلها قاعدة للانطلاق إلى الذروة في إقامة دولة على نسق ما قدمته لنا داعش منذ 2014 ولحد إسقاطها في الموصل وباغوس.

   لقد اطفأت شعلة نوروز هذا العام نيران داعش السوداء، فهل سينجح الاخرون في تجفيف منابع خرافتها وافكارها الظلامية!؟

kmkinfo@gmail.com

 





23
الخروج من دائرة الفعل ورد الفعل

كفاح محمود كريم

   في 25 أيلول 2017م ذهب شعب إقليم كوردستان إلى الاستفتاء حول مصير علاقته مع الجزء الآخر من العراق، بعد محاولات عديدة خلال أكثر من قرن لرأب الصدع وبناء علاقة متينة تحكمها قناعة هذا الشعب بضرورة بقائه في دولة اتحادية ديمقراطية مع العراق العربي، إلا إن ما حدث بعد الاستفتاء أشار إلى أن صيغة التعاطي مع قضية كوردستان وشعبها ما تزال كما كانت منذ تأسيس المملكة العراقية، حبيسة نهج واحد وإن اختلفت الوسائل والأدوات وفي مقدمة ذلك نهج الإقصاء والتهميش، بل واستخدام أكثر الوسائل بشاعة في الإبادة سواء بالأسلحة الكيماوية كما حدث في حلبجة وبقية المدن والقرى الكوردستانية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي أو كما حصل في فرض الحصار على شعب كوردستان، بحرمانه من حصته في الموازنة السنوية وقطع مرتبات الموظفين المدنيين والعسكريين منذ 2014م، بغية تجويع الشعب وإشاعة الفوضى ومحاولة إسقاط فيدرالية كوردستان من خلال استخدام القوات المسلحة وملحقاتها في اجتياح المناطق المستقطعة من الإقليم بسياسة التغيير الديموغرافي التي استخدمها البعث منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

   وبعيداً عن التأويلات والتفسيرات وما سوقته وتسوقه أجهزة دعاية السلطة في اتهاماتها للإقليم وشعبه وقيادته، تبقى الحقيقة ثابتة في قانونها بعيداً عن الجزئيات؛ ولأن لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه، كما قال إسحق نيوتن عالم الفيزياء المثير في قانونه الثالث، ولكون حركة الحياة واحدة في أساسها والنظم السياسية كائنات حية، وسلوكها وأفعالها الجمعية تعتبر فعل واقع ومؤثر كفعل أي جسم أو كتلة في تأثيرها، فإن التهميش والإقصاء وهضم الحقوق والاضطهاد كأفعال وسلوكيات كان لها ردود أفعال بذات القوة كما قال لنا عالم الفيزياء دونما أن يدرك إن في السياسة كتل وأفعال وانعكاسات تنطبق عليها نظريته وقوانينه.

   لقد أدت عمليات الاضطهاد والتهميش والإقصاء لشعب إقليم كوردستان وحقوقه، إلى ردود عنيفة تمثلت بالانتفاضات والثورات منذ مطلع القرن الماضي بانتفاضة الشيخ عبد السلام بارزاني (1909-1914) وحتى قرار الاستفتاء في 25 أيلول 2017م، حيث جربت كل الأنظمة التي حكمت هذه البلاد مختلف الأفعال السيئة في التحايل والتسويف والكذب والمراوغة وصناعة الخيانة وأفواجها أو أحزابها الكارتونية، وأنواع الحروب البرية والجوية والكيماوية ولم تحقق إلا المزيد من الخراب والدمار والدماء للعراق، واليوم وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على إسقاط دكتاتورية البعث وصدام حسين، وبعد سنة من اجتياح كركوك وسنجار وخانقين، فإن عمليات التغيير الديموغرافي جارية بشكل بشع مضافاً إليه التغيير المذهبي في كركوك والموصل، والتطهير العرقي والمذهبي في طوزخورماتو، وفي سنجار عادت عملية صناعة (الأفواج الخفيفة) سيئة الصيت بمسميات مختلفة ومبدأ واحد، ناهيك عن محاولات إعادة تدوير صناعة قوميات وأحزاب كارتونية، وكذا الحال في سهل نينوى وخانقين ومخمور وزمار، وهذا يعني إن الفعل الذي أنتج الثورات وبعدها الاستفتاء ما يزال قائماً، مما يطلب من الحكومة الجديدة ورئيسها الذي يتمتع بمقبولية من لدن زعماء كوردستان، أن تعي خطورة ما يحدث وأن تدرك جيداً العلاقة بين الفعل ورد الفعل، وتعرف حقيقة شعب لا يرتضي إلا أن يعيش حراً أبياً إما في دولة اتحادية تعددية ديمقراطية بشراكة حقيقية أو في دولة حرة مستقلة آجلا أم عاجلاً.

kmkinfo@gmail.com

24
كوردستان بين الإقصاء والاستفتاء!

كفاح محمود كريم

   بعد أكثر من سنة من إجراء استفتاء كوردستان ما يزال البعض يربط بينه وبين إعلان الدولة والاستقلال، مدعيا بأن العملية برمتها مؤامرة إمبريالية صهيونية يراد منها تقسيم البلاد واقتطاع جزء من أراضيها وسيادتها، دونما الغوص في الأسباب والمسببات، بل دونما فهم عقلاني لعملية الاستفتاء كممارسة إنسانية ديمقراطية متحضرة، باتهامات أدمن عليها منذ تأسيس مملكة العراق، ومن يعارض حكامها فهو عميل وخائن يستحق القتل والإبادة، كما فعلوا منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى اجتياح كركوك واستباحتها مع شقيقاتها. المدن التي عملوا منذ قرن على تشويهها ديموغرافيا وبأسلوب عنصري مقيت، هذا السلوك ممزوج مع فعالياتهم التي شهدناها في الأنفال والمقابر الجماعية، والمدن التي أحرقت بالأسلحة الكيماوية خير دليل على ثقافة التعامل مع الآخر المختلف تحت مضلة دكتاتورية قومية أو مذهبية رعناء.

   تصور الكثيرون إننا إزاء مرحلة جديدة من قيام نظام سياسي يضع أمام أنظاره كل تلك المشاهد المرعبة، مستخلصا منها دروسا ترسم له خارطة طريق جديدة تبنى على أساسها دولة يعتز بها مواطنوها، وتعوضهم عما فاتهم من فرص ومن خسائر نتيجة تلك المآسي، كما حصل في الكثير من البلدان التي تسببت أنظمتها النازية أو الفاشية في كوارث ومآسي للشعوب، لكن ما حصل خلال أربعة عشر عاماً بعد أن أسقط الأمريكان نظام حزب البعث ورئيسه صدام حسين، وخاصة في التعاطي مع ملف كوردستان، لم يختلف كثيراً عما نالته خلال فترة الحصار أو عما قبله بإقحام القوات المسلحة وتوابعها في حل النزاعات مع الإقليم بأخطر خرق للدستور؛ وذلك باجتياح المناطق المستقطعة من كوردستان والمشوهة ديموغرافيا والمعروفة بالمناطق المتنازع عليها وهي ليست كذلك؛ لأن النزاع الحقيقي هو مع من أحدث فيها تغييرات اجتماعية وقومية ومذهبية بغرض سلخها من كوردستان، ولذلك أفرد لها قانون إدارة الدولة المادة 58 والتي لم تنجز بسبب ذات العقلية الحاكمة، وفي عملية تمييع وتسويف تم دفعها إلى الدستور الدائم والتي عرفت بالمادة 140 التي يناضل الحاكمين في بغداد على عدم تنفيذها، بل العمل المضاعف من أجل إلغائها وعودة سياسة التعريب والتغيير الديموغرافي إلى كل من سنجار وكركوك وخانقين وطوزخورماتو وسهل نينوى، بذات الإدعاءات التي كانت الأنظمة السابقة تسوقها وتكيفها قانونيا.

   لقد بدأت عمليات الإقصاء والتهميش لكوردستان وشعبها بعد أقل من سنتين من دورة حكم المالكي الأولى، واستمر لحين إفراغ وزارة الدفاع والداخلية والمفوضيات المستقلة والكثير من الوزارات المهمة من الكورد، حتى بلغت نسبة وجودهم في الجيش أقل من 2% بعد أن كانت بحدود 20%، وهكذا دواليك في الخارجية وبقية الوزارات، وقد بلغ هذا التهميش والإقصاء ذروته بعد تحطيم الهيكل العسكري لمنظمة داعش، وتوهم البعض في إزالة الإقليم وإنهاء الفيدرالية. فما حصل في كركوك وسنجار ومخمور وزمار وطوزخورماتو أكد النية السيئة في اجتياح العاصمة أربيل وإسقاط فيدرالية كوردستان تحت غطاء ضبط الأوضاع وحفظ القانون كما كان يصرح عبادي وغيره ممن استهوتهم سلطة التفرد والاستبداد.

   إن التهميش والإقصاء وهضم الحقوق كان وراء كل ثورات وانتفاضات شعب كوردستان منذ مطلع القرن الماضي وانتفاضة الشيخ عبد السلام بارزاني (1909-1914) وحتى قرار شعب كوردستان وقائده مسعود بارزاني باستفتاء 25 أيلول 2017م، حيث جربت كل الأنظمة التي حكمت هذه البلاد مختلف الأساليب في التحايل والتسويف والكذب والمراوغة وصناعة الخيانة وأفواجها أو أحزابها الكارتونية، وأنواع الحروب البرية والجوية والكيماوية ولم تحقق إلا مزيد من الخراب والدمار والدماء للعراق، واليوم وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على سقوط النظام الدكتاتوري، وبعد سنة من اجتياح كركوك وسنجار وخانقين، فإن عمليات التعريب جارية بشكل بشع مضافا إليها التغيير المذهبي في كركوك والتطهير العرقي والمذهبي في طوزخورماتو، وفي سنجار عادت عملية صناعة الجحوش والعملاء وتصنيع قوميات وأحزاب كارتونية، وكذلك الحال في سهل نينوى وخانقين ومخمور وزمار، مما يستدعي من الحكومة الجديدة ورئيسها الذي يتمتع بمقبولية من لدن زعماء كوردستان وأحزابها، أن تعي خطورة ما يحدث وأن تدرك جيداً العلاقة بين الإقصاء والاستفتاء، وتعرف حقيقة شعب لا يرضى إلا أن يعيش حرا أبيا بكامل حقوقه وتطلعاته في دولة اتحادية تعددية ديمقراطية بشراكة حقيقية.

kmkinfo@gmail.com

25
لكي يصبح البرلمان محترما!

كفاح محمود كريم

   في كل دول العالم وتجاربها السياسية هناك خدمة عامة يقوم بها المواطن لدفع ضريبة مواطنته وانتمائه لدولته ووطنه، وإزاء تلك الخدمة يتقاضى ما يسد مصاريفه بالحد الأدنى أو المتوسط واقصد بالخدمة العامة تحديدا الجندية حيث أنها تمثل ارفع أنواع الخدمة الوطنية العامة، ونتذكر جميعا مقدار مرتباتها وامتيازاتها وهي بالتالي رمزية لا تتعدى مصاريف جيب لأنها في الأصل ضريبة وطنية سواء كانت تطوعية أو إلزامية، وبالتالي فهي تقدم في أي وقت أو ساعة اعلي مستويات الخدمة وهي الدفاع حتى الموت عن الوطن ومصالحه العليا.
   بعد إسقاط نظام حزب البعث في العراق وبعض أنظمة الحزب والقائد الأوحد في ما سمي ببلدان الربيع العربي، تعرضت هذه المفاهيم والمصطلحات إلى تغييرات حادة أفقدتها معانيها الأصلية، وتحولت مؤسسات الخدمة الوطنية إما إلى ميليشيات مناطقية أو حزبية أو دينية أو مذهبية، وتلاشى أي مفهوم جامع للمواطنة وخدماتها الرفيعة، أو إلى قيادات لا يجمعها إلا التكسب ونهش المال العام تحت مسميات الامتيازات الواقية والحمايات القبلية، التي أدت إلى تفكك المجتمعات وتباعد الارتباطات بين مكونات وطبقات تلك الشعوب والدول.
   وبتحول الخدمة الوطنية إلى ارتزاق أو احتراف، لم يعد هناك رابط أو جامع غير المال الذي أصبح الطرف الثاني في معادلة العمل الوطني، وبذلك نمت طبقة من المتكالبين على المراكز القيادية في النظم السياسية البديلة، وأصبحت مؤسسات الدولة وسلطاته بازار أو سوق لبيع المناصب كما يحدث في العراق وأقرانه من دول الديمقراطيات العرجاء، حيث تحولت السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى مصادر للإثراء والصفقات التجارية والاستحواذ على المال العام تحت مسميات عديدة اقلها الامتيازات وأبشعها بيع وشراء المناصب، بينما نرى في معظم البلدان المتحضرة منح الامتيازات والتكريم للفنانين والأدباء والعلماء والمتميزين في إبداعاتهم ومواهبهم، حيث يتدافع الجميع من أجل توفير أرقى المستويات والفرص للناجحين في أعمالهم ودفعهم إلى الأمام، في الوقت الذي يتنافس في بلداننا الكثير من أجل إرباك الناجحين والمتميزين ومحاولة كبح جماحهم وتقدمهم وإفشالهم.
   وفي الانتخابات الاخيرة التي جرت في 12 مايو 2018م سألت أحد المرشحين لعضوية مجلس النواب عن دوافع ترشيحه فرد متألماً ومتعجباً من سؤالي، قائلا بعد أن سرد لي حالة البلاد، وكيف لا يرشح نفسه وهو أمام هذا الكم الهائل من الفساد، وبالتأكيد كان يعني ٲنه المنقذ والمخلص وٲنه سيفعل كذا ويستدعي الفاسدين ويحاسبهم في البرلمان، على غرار الاستدعاءات التي حصلت للوزراء والمسؤولين في الدورات السابقة، والتي أنتجت أجيالا من الحيتان لا مثيل لها في العالم، وبعد التي واللتان اعترف الأخ بأن وضعه تعبان، وبأن آخر ملجأ له هو البرلمان لتحسين أحواله بامتيازات حرامية الوطنية ومتسلقي سلم الديمقراطية العرجاء.
   هذه الامتيازات التي تجاوزت مثيلاتها في كل بلدان العالم قياسا بالمستوى المعاشي لتلك البلدان، بل أصبحت هدفاً لكل مُتاجر ومُغامر للحصول على كنز علي بابا ولصوصه الثلاثمائة وملحقاتهم من وزراء الغفلة وتُجار الصفقات القذرة، حتى أصبح البلد واحداً من أفشل البلدان وأفسدها في العالم، وأصبحت مدنه بما فيها العاصمة بقايا مدن كانت ذات يوم حواضر، ترتع فيها اليوم عصابات وميليشيات ونكرات اعتلت منصات الحكم والإدارة في أبشع حقب التاريخ التي تمر فيها الشعوب.
   تلك الامتيازات والسحت الحرام أو مغارة علي بابا ( مجلس النواب والحكومة والرئاسات الثلاث ) التي أصبحت بيد مجاميع من اللصوص والمتاجرين وأصحاب القومسيونات السياسية بعد استحواذها على كلمة السر في دخولها والهيمنة على معظم مفاصلها، حتى ليكاد المرء لا يفرق بين أولئك الذين يحملون على أكتافهم أعباء وطن جريح وبين طوفان الفاسدين الذين تجاوزوا أصحاب القضية بمزايداتهم وتقمصهم لشخصيات الوطنيين والمناضلين والمصلحين، بل إن أغلبهم فبرك له قصة نضالية على أيام حكم حزب البعث مُدعياً بأنه ٲحد أبطال المقاومة والمعارضة، وتبين بعد ذلك ٲنه مفصول لأسباب أخلاقية تتعلق بذمته في الاختلاس أو خيانة الأمانة أو الهروب من الخدمة الإلزامية أو القيام بالٲعمال الدنيئة، وقصص هؤلاء يعرفها العراقيون جيداً.
   وحينما تسأل ٲحد القائمين على الحكم لماذا كل هذه الامتيازات لموظفين بالخدمة العامة؟ يٲتیك الجواب بكل تفاهة وصفاقة بأنها تحمي صاحبها من الانحراف أو الاختراق من الأجنبي، حيث يجب أن يتمتع برفاهية لا مثيل لها لكي لا يخون وطنه ويصبح جاسوساً أو عميلاً لدولة أجنبية.
   أي منطق أو مبدأ وطني هذا وأي أخلاق تلك التي تدفع القائمين على السلطة والمال والتشريع بالربط بين الوطنية والانتماء والشرف الشخصي والمال وامتيازاته للنواب والوزراء وكبار المسؤولين؟
   بالله عليكم أية وطنية هذه التي تشترى بالامتيازات، وأي شرف تصونه الأموال؟
  هُزلت ورب الأكوان والأديان!
   وعلى هذه الأسس المخجلة وبالمقارنة تحت ذات المبدأ لن تبقى علاقة طاهرة ولا شرف مُصان ولا غيرة، لأنها وضمن هذا السياق سيتم حمايتها بالامتيازات ابتداءً بالزوجة والٲم والأخت وهكذا دواليك في عرف فاسد وسلوك منحرف لتبرير واحدة من أخزى السرقات واللصوصية باسم حماية المسؤول والنائب من الانحراف والجاسوسية.
   ولكي نستطيع أن نجعل الأهالي تحترم البرلمان وأعضائه والحكومة ووزرائها وكبار المسؤولين ولا ترتعب منهم وتحقد عليهم بسبب ليس امتيازاتهم غير العادلة وحماياتهم من عصابات العشائر والميليشيات، علينا أن نعمل من اجل رفع الامتيازات لكي يُصان الشرف والوطن، دونما ذلك ستبقى طبقة المسؤولين الكبار سلعة تُباع وتُشترى، حالها حال أي بضاعة يتم تداولها في الدكاكين!
   علينا أن نذهب إلى تشريع قوانين حديثة للخدمة الوطنية تلغي كافة الامتيازات الحالية وفي كل المستويات معتمدة على تشريعات قانون الخدمة المدنية أو تعديلاته بما يتوافق مع وضع البلاد وتجارب الشعوب الأخرى، واعتبار تلك الوظائف خدمة عامة حالها حال الجندية وبرواتب تقع ضمن سلم الرواتب ودرجات الوظائف مع مخصصات الموظفين التي كانت سائدة مثل بدل السكن والإيفاد وبشكل معقول لا يستفز الأهالي ووضعهم، واستبدال الحمايات بأفراد من الشرطة المحلية وبعدد معقول يتم تحديده حسب الحاجة الحقيقية مع مراعاة الوضع الأمني سلبا وإيجابا.
kmkinfo@gmail.com

   


26
ماكينة الفساد وتفريخ الاحزاب!
كفاح محمود كريم
   بعد ما يقرب من مائة عامِ على تأسيس مملكة العراق وستين عاماً من الحكم الجمهوري الدموي، وتجربة ممارسة تداول السلطة بدون انقلابات منذ خمسة عشر عاماً، تندفع عشية انتخابات البرلمان الأخيرة أفواج من الكيانات والكائنات السياسية على شكل أحزاب تجاوزت أعدادها 204 كياناً سياسياً، يندر أن يجد الباحث بينهم أكثر من عشرة أحزاب بمفهومها المعروف سياسياً وتاريخياً في العراق وكوردستان، مما أدى إلى إنتاج برلمانِ مُعاق يعاني أصلاً من شللٍ نصفي كونه يعمل بنصف هيئته، لأن المجلس الاتحادي معطل ومرفوض من قبل الحيتان المذهبية والقومية، ويتمتع أعضاؤه أي أعضاء هذا النصف رغم عَوقهِ بامتيازاتٍ لصوصية لا مثيل لها في كل دول العالم الغنية والفقيرة، مما جعل التكالب على تلك المواقع وتأسيس الأحزاب واحدة من أكثر عمليات الفساد بشاعةً في العالم السياسي.
   دعونا نعود قليلاً إلى الوراء حيث عرفت النخب العراقية النظام الحزبي مع مطلع القرن الماضي وتأسيس جمعية الاتحاد والترقي، وباستثناء ذلك لم تكن هناك خارطة سياسية حزبية إلا بعد تكوين المملكة العراقية، حيث بدأت بعض النُّخب بتأسيس جمعيات وأحزاب عمودية لا علاقة لها بالأهالي إلا بالاسم فقط، باستثناء الحزب الشيوعي العراقي وما تلاه من ولادة أحزاب قومية يسارية. كانت معظم الأحزاب الأخرى لا علاقة لها بالأهالي  إلا وقت الانتخابات كما يحصل الآن بعد ما يقرب من مائة عام. فقد ساد في العراق في فترة مابين  1921 وحتى 1958 نمط من تداول السلطة على الطريقة الغربية، حيث نجح البريطانيون في إقامة نظام ملكي برلماني تتبادل فيه النخب السياسية حينذاك كراسي الحكومة والبرلمان، لكنها ما لبثت أن انتهت بانقلاب عسكري دموي نفذته مجموعة من الضباط بتأييد بعض الأحزاب التقدمية والقومية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الديمقراطي الكوردستاني، هذا الانقلاب أو "الثورة" كما أُطلِق عليها، أجرت تغييراً حاداً في بنية النظام السياسي وأعلنت بديلاً للمملكة العراقية "جمهورية عراقية " اختلف مؤيدوها وعناصر تكوينها فيما بينهم لتتحول الجمهورية الخالدة إلى بحر من الدماء إثر انقلابٍ آخر أطاح بها وبزعيمها الأوحد في الثامن من شباط عام 1963 لتبدأ سلسلة من الحروب والصراعات لم تنتهِ حتى يومنا هذا!
   بعد هذه النبذة السريعة نعود إلى أيامنا المنحوسة هذه في ظل أحزاب الزينة وحسد العيشة التي تكاثرت وانشطرت بشكل سرطاني مُذهل يُعبر بشكل واضح عن تكالب مجاميع البحث عن السحت الحرام تحت يافطات بدأت بمنظمات أو دكاكين المجتمع المدني، وانتهت إلى أحزاب بيتية وعشائرية لا تمت بأي صلة إلى الواقع الاجتماعي ولا إلى حاجيات الأهالي، لأنها منتوج سيئ لمنتِج فاسد ومرحلة بائسة اختلطت فيها الألوان والأذواق، حتى لا يكاد المرء يميز بين الصالح والطالح!
   أقول قوليَ هذا في بلاد تأنُّ من جروح حروبها وقادتها وأحزابها وأنا أرى بلاداً حافظت على رصانة مجتمعاتها وتطورها واستقرارها وعززت أمنها وسلمها الاجتماعيين بلا مزايدات ولا شعارات فارغة، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والعشرات من الدول والمجتمعات الشبيهة بدولتنا، لا تتجاوز أحزابها الخمسة عشر حزباً، تتداول السلطة فيما بينها حسب أدائها وتنفيذها لبرامجها المعلنة للجمهور دونما امتيازات ولا معاشات مغرية تتكالب عليها الذئاب.
   صدقاً لا خيرَ في دولةٍ كَثُرت أحزابها!
kmkinfo@gmail.com



27
العراق والتغيير الديموغرافي الخطير!

كفاح محمود كريم

   ربما كان البريطانيون الأوائل في إحداث التغييرات الديموغرافية التي تخدم مصالحهم وخططهم في تأسيس مملكة العراق، حينما استقدموا مئات العمال من مناطق بعيدة عن كركوك وإهمال أهاليها في الاستفادة من الاكتشافات الأولى للنفط في أراضيها، مما دفع زعماء كوردستان عبر التاريخ باتهامهم في إحداث تغييرات ديموغرافية عنصرية لصالح مجموعات أخرى، والاعتماد على تلك التوجهات والأساليب من قبل كل من حكم بلاد النهرين بمختلف الوسائل والأشكال، حتى تفاقمت بعد التغيير الحاد في النظام السياسي العراقي وتحوله إلى نظام جمهوري بانقلاب قاده الزعيم عبد الكريم قاسم، حيث بدأت من حينها عمليات تغيير ديموغرافي شمل معظم محافظات العراق ومدنه.

   تحت طائلة إنصاف الفقراء والمعدمين وصغار الموظفين المدنيين والعسكريين تم بناء عشرات  الأحياء السكنية حول المدن وكانت تظم في معظمها نازحين من الريف أو من بلدات أخرى قريبة أو بعيدة، سرعان ما تحولت تلك الأحياء إلى اسفنجة سكنية سحبت أعدادا هائلة من سكان الريف أو البلدات النائية إلى مراكز المدن والعاصمة تحديدا، وقد تطورت عمليات التغيير الديموغرافي وان اختلفت التسميات في حقبة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي منذ انقلابه في شباط 1963 وحتى إسقاطه من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، حيث تكثفت في إحداث تغييرات عنصرية أو مذهبية حادة على المدن التي يطلق عليها اليوم في الدستور العراق بالمناطق المتنازع عليها، وهي مناطق تعرضت إلى عمليات تعريب حادة كما حصل في كركوك وخانقين ومخمور وسنجار وسهل نينوى ومناطق أخرى.

    لقد نجح نظام حزب البعث في ترييف معظم المدن العراقية وفشل في تمدين أي قرية من قراها طيلة ما يقرب من أربعين عاما من حكمه، الذي تفاوت بين التوجه الاشتراكي على طريقته الخاصة بإلغاء طبقة العمال وتحويلها بجرة قلم إلى موظفين، ونقل مئات الآلاف من الأرياف إلى المدن، خاصة شرائح الأميين وأنصاف المتعلمين كعناصر في الجيش والأمن والمخابرات والشرطة والجيش الشعبي وبقية أجهزته الخاصة، وتوطينهم في مراكز المدن بتسهيلات كبيرة، وتحويلهم إلى أدوات طيعة لتنفيذ برامجه السياسية، وبين تحوله الكلي إلى النمط الديني بإعلانه الحملة الوطنية الإيمانية التي فرضت تعليمات وتفسيرات دينية مشوشة، والاتكاء على رجال الدين تارة وعلى شيوخ العشائر تارة أخرى، أولئك الشيوخ الذين افتتح لهم دائرة خاصة في ديوان الرئاسة، مقسما إياهم إلى ثلاث موديلات أو درجات.

   وبعد أن أسقطت الولايات المتحدة الهيكل الإداري لنظام الدكتاتور صدام حسين في نيسان 2003 جاء النظام البديل الذي افترض معظم العراقيين بأنه سينتهج أسلوبا مغايرا ونظاما أكثر عدالة وتطورا، مكملا لذات النهج في إحداث تغييرات كارثية على المجتمعات العراقية وثقافاتها، فقد أصبحت معظم مدن العراق وحواضره التاريخية مجرد قرى كبيرة انتعشت فيها العادات والتقاليد القروية، وتعملقت البداوة في السلوك والممارسات التي قزمت دور القانون وهمشته إلى درجة إحلال نظامها وتقاليدها بدلا عنه في كثير من القضايا، بل إن قوانين العشيرة وأعرافها غدت هي سائدة تساندها مجاميع من المعممين ورجال الدين المسيسين الذين يفرضون إتاواتهم وقوانينهم وتفسيراتهم الخاصة للهيمنة على الأهالي، الذين يعانون من فقر مدقع وصل في آخر إحصائياته إلى ما يقرب من 40%، وأمية استشرت في نصف السكان المنتج تقريبا وبطالة خطيرة حولت غالبية الشبيبة في سن الإنتاج إلى الالتحاق بالميليشيات والمجاميع المسلحة سواء تحت غطاء الدولة أو التي تعمل لحساب شخصيات أو قوى أجنبية.

   والمراقب لحركة المدن العراقية سواء كانت مراكز محافظات أم مراكز أقضية بعد 2003، فبعد أن كانت الأمور محصورة في المناطق الكوردستانية التي تعرضت لتلك العمليات أصبحنا الآن أمام مشكلة عويصة جدا، خاصة بعد أن نجحت منظمة داعش الإرهابية في تمزيق كثير من الأنسجة الرابطة بين الأديان أو بين المذاهب وفقدان الثقة تماما بين تلك المكونات التي تعرضت للإبادة والاسلمة، مما دفع نمطا آخرا لتغيير الديموغرافي وهو التغييرالمذهبي الذي تتعرض له كثير من المدن والبلدات، حيث فقدت هذه المدن الكثير من خصوصياته المدينية وهويته الحضارية لحساب هويات جديدة مزينة بأنماط غريبة من السلوك والثقافات، دفعت سكانها ونخبها الاجتماعية والسياسية تحت ضغط هائل من النظام المذهبي والعشائري بامتياز إلى الانغماس بهذه الثقافات تحت طائلة الفقر والبطالة والسوط العقائدي، بحيث لم تعد ترى ما يشعرك كمراقب أو باحث في العراق خارج إقليم كوردستان بان حركة الحياة تتقدم إلى أمام، بل على العكس تماما حيث يسودك شعور بالتقهقر إلى الوراء، وأنت تشهد مظاهر دينية متطرفة ومتشددة، وسلوكيات قروية وبدوية بدأت طاغية على مظاهر المدنية والمدينية.

   حقيقة ما حصل يبدو كارثة اجتماعية وتربوية خطيرة جدا لا يمكن إصلاحها بوقت قصير، بعد أن استخدم الدين في تأصيل تلك المظاهر بدعم مطلق من العقلية القبلية التي أصبحت ملاذا آمنا بفقدان سلطة القانون وضعف مؤسسات الدولة واستشراء الفساد في معظم مفاصلها بغياب مفهوم رفيع للمواطنة، مما يتطلب إحداث تغييرات جوهرية في المناهج التربوية والتعليمية وأساليبها، والفصل الكلي للدين عن السياسة ونظام الدولة وقوانينها، مما يحفظ قدسية الأديان وهيبتها بعيدا عن المناكفات والمنافسات السياسية، ويتيح للنظام السياسي ومؤسساته اختيار أنجع وأحدث التجارب الحضارية للنهوض بالمجتمعات التي نخرتهاوخربتها النزعات القبلية والدينية العنصرية والمتطرفة بمختلف أشكالها ومسمياتها.


kmkinfo@gmail.com



28
بعد نوبل الايزيدية.. لكي لا تتكرر مأساة شنكال!

كفاح محمود كريم

     حينما قُصِفت ناكازاكي وهيروشيما بالقنابل الذرية، لم تكُ القضية مجرد معركة أو صراع بين أمريكا واليابان بقدر ما هي اعتداء على الجنس البشري عموما، لأنها لم تستهدف مؤسسات عسكرية معادية بل مجموعات بشرية مدنية لا حول لها ولا قوة، وكذا الحال حينما استهدف أدولف هتلر اليهود كمجموعة بشرية بحجة إن ديانتهم وسلوكهم مغاير لعقيدته فأبادهم في محارقه، وفعلها نظام بغداد في 1987 - 1988 فيما عُرف بمعارك الأنفال الذي استهدف مئات الآلاف من الكُرد في حلبجة وبقية مدن وبلدات وقرى كُردستان العراق، وكذا فعل الإيرانيون حينما اصدر الإمام فتواه الشهيرة بإبادة الكُرد في إيران بذريعة انتمائهم لحزب ينادي بالحرية والاستقلال، وفي تركيا التي نهضت أبان حكم أتاتورك وكانت باكورة أعمالها حملات الإبادة ضد الأرمن والكُرد بدايات القرن الماضي، وفي كل هذه الحملات التي أحصاها المراقبون الايزيديون بأكثر من سبعين حملة أو (فرمان) كما يطلق عليها العثمانيون والايزيديون أيضا، لم تكن هذه الأنظمة والدول تستهدف عرقا أو دينا بقدر ما كانت تستهدف القيم الإنسانية والأخلاقية العليا التي ناضلت البشرية آلاف السنين من اجل تكوينها وبلورتها كسقف عالي ونبيل للمكونات والمجتمعات الإنسانية وخط احمر في التعامل الراقي بين البشر، ولذلك فإنها استدعت اهتمام العالم بأسره واعتبارها جريمة بحق البشرية جمعاء وليس بحق الكُرد أو الأرمن أو اليابانيين لوحدهم.

     ما حصل في شنكال أو سنجار وبعشيقة وبحزاني والقرى الايزيدية والمسيحية والكاكائية، لم يك معركة أو غزوة محلية أو إبادة بشرية فقط، بل كانت جريمة بحق الآدمية ومبادئ وقيم الأخلاق والحضارة، ومحاولة لنسف كل انجازات البشرية لمئات السنين من التحضر، فقد استهدفت جحافل ظلامية من المتوحشين الفاشيين العنصريين القوميين والدينيين قرى شنكال وبلداتها ومركز مدينتها فجر الثالث من آب 2014م بهمجية لا نظير لها في التاريخ المعاصر، إلا اللهم إذا ما قورنت مع ما نقلته لنا صفحات تاريخ المدن التي استباحها المغول والتتار أيام هولاكو وتيمورلنك، فقد اندفعت مئات من الوحوش البشرية المسلحة بالحقد والكراهية وحب القتل والتلذذ به، مع احدث الأسلحة التي غنمتها من دولتين ضعيفتين هما سوريا والعراق، لكي تستبيح بلدات آمنة وسكان توقعوا أي شيء إلا ما شهدوه من كائنات منحرفة فقدت كل ما له علاقة بالآدمية، واندفعت أفواجا جائعة للدماء والمال والجنس، والتلذذ بالقتل والذبح والنهب والسلب والاغتصاب والاستعباد باسم الدين تارة وباسم العرق تارة أخرى، وخلال اقل من شهر تم للإرهابيين احتلال قضاء سنجار البالغ أكثر من 350 ألف نسمة، حيث استباحوا مركز القضاء وكافة نواحيه وبلداته وقراه، وقتل خلال الأيام الأولى 1293 شخص خلفوا وراءه 1759 يتيما، واختطفوا 6417 شخص منهم 3548 من الإناث و2869 من الذكور غالبيتهم العظمى من الأطفال.1-2
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                 
     وفي حقيقة الأمر لم تكن العملية مجرد عملية عسكرية لاحتلال مدينة أو منطقة، أو إسقاط حزب أو قوة عسكرية مهيمنة كما يقزمها البعض، بل كانت عملية منظمة ومخطط لها عبر سنوات من اجل إبادة مكون ديني بذاته، حيث استخدمت أكثر العناصر شوفينية وفاشية وبدائية في إشاعة الكراهية واستخدام النصوص الدينية بتفسيرات مزاجية متطرفة وخارجة عن المألوف عبر مئات السنين، من خلال الاعتماد على عناصر بدائية مغلقة من أشباه الأميين الذين تمت عملية غسل أدمغتهم وبرمجتها لاقتراف تلك الجرائم، وهذا ما حصل فعلا في سنجار التي تضم الأغلبية الايزيدية في العراق، والتي تعرضت معظم قرى هذا المكون إلى الإبادة الجماعية الوحشية سواء بالقتل أو القلع، حيث أرغمت وحشية المهاجمين وهمجيتهم السكان على اقتلاعهم من أراضيهم وتركهم لكل شيء حفاظا على النساء والأطفال، بعد مقاومة شرسة من الأهالي والمدافعين عن المدينة وقراها بأسلحة وذخيرة متواضعة أمام عناصر سيطرت على مخازن الأسلحة في الموصل والتي كانت تضم مئات الدبابات والدروع والمدفعية الأمريكية الحديثة وآلاف القطع من الأسلحة المتوسطة والخفيفة بكامل ذخيرتها التي استخدمت في غزوة سنجار وتسببت في مقتل وإبادة آلاف الأسر بأيدي هؤلاء الهمجيين الذين اعتبروهم غنائم حرب وسبايا وفرضوا عليهم عقيدتهم، بل ووزعوا الفتيات على أفرادهم وعرضوا الآلاف منهم للبيع في أسواق النخاسة التي استحدثوها في المدن والبلدات التي استباحوها.

     إنها عملية يندى لها جبين البشرية والحضارة الإنسانية وتستدعي حقا أن تكون قضية عالمية يتداعى لها المجتمع الدولي لوضع آليات وضمانات ليس لهذا المكون فحسب بل لكل المكونات الدينية والعرقية الصغيرة في العالم وخاصة في المجتمعات العربية والإسلامية والشرقية عموما، لأنها تتعرض لعمليات إبادة على خلفيات عقائدية أو عرقية شوفينية منذ مئات السنين دون أي رادع يردعها عن ارتكاب هذه الجرائم، وقد آن الأوان للعالم المتحضر بعد أن منح نادية مراد جائزة نوبل، وهي ابنة قرية كوجو التي أبيدت بقتل كل رجالها وسبي نسائها وأطفالها، نادية مراد كانت واحدة من تلك النساء اللاتي وقعن بأيدي أولئك المتوحشين الذين اغتصبوها وأبادوا أسرتها وعشيرتها، آن الأوان أن يتخذ العالم وبرمته والدول العظمى خاصة قرارات واليات لحماية هؤلاء السكان في كل أنحاء العالم، لكي لا تتكرر ثانية سنجار أخرى!

مصادر وتوضيحات:
1- شنكال هو الاسم الكُردي الذي يتداوله السكان ويتكون من مقطعين شنك ومعناه الذهبي أو الجميل جدا، وآل بمعنى الجانب أو الطرف، و سنجار هو الاسم الرسمي للمدينة وهو اسم آشوري أصله سنجاره أو شنخار.
2- هذه الأرقام رسمية صادرة من المديرية العامة لشؤون الايزيدية في وزارة الأوقاف بإقليم كُردستان العراق، وهي معتمدة لدى الأمم المتحدة.
 

       
 
 



29
أحزاب الزينة.. العراق أنموذجا!

كفاح محمود كريم

    اعتدنا على أدوات أو نباتات أو حيوانات للزينة، والحمد لله إننا أدركنا كائنات أخرى للزينة والإكسسوارات التي ابتدعتها دول المنظومة الأوربية الشرقية إبان الحكم الاشتراكي، ولا أقول الشيوعي لأنهم جميعا لم يرتقو إلى تلك المرحلة حسبما جاء في النظرية الماركسية اللينينية، بل وسقطوا قبل الوصول إليها بمئات السنين، فقد كانت تُحكم من خلال قيادة حزب واحد للدولة تحت شعار دكتاتورية ذلك الحزب، الذي قرر انه لوحده يمثل الطبقات الكادحة وتحديدا العمال والفلاحين وأحيانا بعض البرجوازيين، كما تفعل الأحزاب الدينية اليوم في احتكارها تمثيل الرب والدين والحكم باسمه، وخلال سنوات من حكمهم بعد الحرب العالمية الثانية ابتدعوا أنواعا جديدة للزينة السياسية، بعد أن أصبحت الوسائل الأخرى مكروهة كونها برجوازية استهلاكية، وغير منتجة في بلاد هوسها الإنتاج، وكانت هذه الكائنات الجديدة أحزابا تم تصنيعها وتجميلها لكي تكون حليفة للحزب القائد، ويمارس من خلالها مسرحياته الديمقراطية الشعبية في الانتخابات والمجالس البرلمانية الكوميدية، وهذه الأحزاب كانت للزينة فقط ليس إلا، وقد استخدمت لاحقا على طريقة المجلس الوطني أيام حزب القائد الضرورة في العراق، واللجان الشعبية أيام ملك ملوك افريقيا في ليبيا العظمى.
تجارب بعيدة
     أحزاب الزينة هذه انتشرت انتشار النار في الهشيم بين دول الجمهوريات الثورية والوراثية، وخاصة في شرقنا الأوسط الجاذب للتجارب بعيدة المدى، لتطبيقها على شعوب غالبيتها من الأميين المشبعين بثقافة القطيع، وما تزال نسبة الفقر والبطالة تهشم طموحات أكثر من ثلثهم لحد الآن، والثلثين الآخرين منغمسين في الولاءات الدينية والمذهبية والقبلية والمناطقية، ولا يهمهم سوى توظيف كل أتباعهم وتحويلهم إلى كتل من التنابلة والاتكاليين، وخير نموذج للدول التي تميزت بصناعة أحزاب الزينة بعد الدول الأوربية الشرقية هو العراق الذي ما يزال يقف على رجل واحدة منذ مائة عام حتى اتكأ على ركبتيه لا قدميه!
      في العراق نجح حزب البعث وفريق صدام حسين من تصنيع مجموعة أحزاب، تم استنساخها على طريقة النعجة دولي من عناصر اكتشف علماء البعث فيها استعدادات نفسية وجينية للانحراف، ووجدت فيها من يدلها ويوفر لها تلك البيئة، وفعلا تم تطويرها واستنساخ أعداد كبيرة منها لتكون أحزابا للزينة والإكسسوارات، وشهدنا بعد فشل تحالف البعث والديمقراطي الكوردستاني في آذار 1970 وإصدار قانون للحكم الذاتي بشكل انفرادي ومحاولة فرضه على الديمقراطي، حيث أدت تلك الوصاية أو الاحتواء، إلى عودة العمليات العسكرية إلى كوردستان وبتعاون وثيق بين ايران والعراق وتغطية مهمة من بعض الدول الكبرى، ودفعت إلى تصنيع تلك الأحزاب التي ستوافق على قانون البعث للحكم الذاتي، وإيهام الرأي العام الداخلي والعالمي بأنهم ديمقراطيون يعملون على تنفيذ اتفاقية آذار، لكن (الجيب العميل وهو زمرة صغيرة متمردة على القانون رفضت إرادة شعبنا الكوردي في شمالنا الحبيب)، كانت هذه أهم العبارات التي استخدمتها أجهزة دعاية وإعلام نظام الرئيس صدام حسين لتبرير إعلان تصنيع الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الثوري الكوردستاني وجبهة تحرير كوردستان، بموديلات جديدة واستنساخ لبعض العناصر من تلك الأحزاب وإعادة تدويرها لتكون بديلا عن النسخة الأصلية التي تحولت إلى متمردين وانفصاليين على توصيف أجهزة دعاية البعث ومن ورثها منهم من أحزاب السلطة اليوم، فبعد سنوات ليست طويلة من ذلك رأى منظروا تلك الحقبة بأنهم يحتاجون إلى توسيع الجبهة الوطنية والقومية فألحقت بهم مجاميع بذات المواصفات من عناصر شيوعية وتقدمية، بعد فك أو تمزيق التحالف بين الشيوعي العراقي والبعث العراقي.
مقاليد السلطة
     مع أواخر عقد السبعينيات وبتولي صدام حسين مقاليد السلطة برمتها، اتجهت عقارب ساعة النظام إلى مرحلة جديدة دشنها الرئيس صدام حسين  بالحرب مع ايران، التي ابتلع فيها حزب البعث أو علس كما تقول الدارجة العراقية، تلك الكائنات السياسية المسخ تدريجيا، وانتفت الحاجة لأحزاب الزينة الملساء التي بدت أكثر رخاوة، وربما تبخرت تدريجيا أو اندمجت اندماجا قذافيا، بعد أن منح أعضائها نفس درجات الرفاق في حزب الأمة العربية المجيدة، حيث برزت مع المرحلة الجديدة أمور أكثر زينة وبهرجة للمشهد السياسي والاجتماعي العراقي من الأحزاب، في دولة الانتصار على (العدو الفارسي المجوسي الإمبريالي) إلى آخر قائمة التسميات التي أنتجتها دوائر الدعاية والإعلام البعثي ضد معارضيه، حتى وان كانوا ملائكة أو ممن يتغدون ويتعشون مع الأنبياء والرسل، والتي ما زالت تستخدم بجدارة من تلاميذ ومريدي القائد الضرورة حتى يومنا هذا.
     ولكي تكتمل مشاهد الزينة خاصة بعد تبخر الأحزاب المستنسخة، ابتكر الرفاق شعبة لشيوخ العشائر في ديوان الرئاسة وتم تصنيف هؤلاء الشيوخ إلى ثلاث موديلات وهي شيوخ ألف وبعدها باء وآخرها جيم، وعرفوا حينها بشيوخ التسعين، ولم ينسو تزيين السنة العراقية فجعلوا معظم أيامها أعيادا ومناسبات مقاربة لعدد أيام السنة الكبيسة أو الحبيسة، لدرجة إن العراقي لا يستطيع حك رأسه من كثرة الأعياد والمناسبات، فذاك يوم البيعة والآخر للنخوة، وهناك للميلاد والربيع والشجرة، وبقربه للبيعة والشرطة وبجانبه يوم الأيام، وهكذا كان العراقيون يرقصون على أنغام وطن شد على الأفق جناحا منذ مطلع الفجر وحتى الليل الأخير من اليوم ذاته، لتستمر تلك الأيام والأعياد بالتكاثر والتوالد حتى جاءت الحواسم في نيسان 2003 وانتهت حقبة مزينة بالدماء وأشلاء الضحايا، وأنغام الأكاذيب والشعارات الفارغة وعساكر البهرجة والانكشاريات الشعبية والادعاءات المزرية، التي ابتكرها نظام من أكثر نظم العالم دكتاتورية طيلة أكثر من ثلاثين عاما عجاف.
     للأسف الشديد فان إسقاط الهيكل الإداري لذلك النظام لم يسقط تلك الثقافة البائسة والتربية المنحرفة ولم تسقط مع سقوط التجربة المريرة في العلاقات مع معطيات الحياة في حقولها المختلفة، في عراق يتدحرج إلى الأعلى تارة ويتسلق إلى الحضيض تارة أخرى، فعادت فيروساتها تنشط من جديد منذ الأشهر الأولى لسقوط النظام، لكي تنمو في ذات البيئة التي أنتجتها الأحزاب التي ورثت الحكم بشكل مضطرد خارج أجواء المختبرات هذه المرة، لتتميز بتفوقها أكثر من الجيل الأولى كونها تخرجت من أقبية مخابرات دول الجوار، وأضافت لأيام العراقيين عطلات ومناسبات أفضلها حزين وأتعسها حائر باليوم الوطني للدولة العراقية، فقد عادت ماكينة تصنيع أحزاب الزينة ثانية لإنتاج موديلات أكثر حداثة وشيطنة، حيث تم تدجين أفرادها في عواصم الدق والرقص على أنغام ذبح شعوب العراق وليبيا واليمن وسوريا وسرقة خزائنهم، سواء في دول الجوار أو ما بعد الجوار، فامتلأت مسارح ومعارض السياسة الجديدة في العراق وتلك البلدان بأحزاب لا للزينة فحسب، وإنما للتوحش والتقهقر والقباحة والسرقة والإفساد، وغصت مدنها بمقرات أحزاب وأسماء أمناء عامين ومكاتب سياسية رنانة، تم تصنيعها وفبركتها إما في ما تبقى من تنظيمات أحزاب السلطة السابقة، كالبعث ورجال مخابراته واستخباراته، ممن انقطعت بهم السبل بين الشعارات التي كانوا يتداولونها صباحا ومساءا، والنتيجة ما حصل لهم ولنظامهم خلال اقل من عشرة أيام لدولة تم بناؤها في أكثر من ثلاثين عاما، إضافة إلى ما أنتجته دهاليز مخابرات الدول الجارة والعزيزة، من موديلات جديدة ومحدثة حيث أضافت لها قوات مسلحة على شكل ميليشيات تحكم باسم الرب ووكلائه على الكوكب، وبدلا من حزب واحد لله أصبح لدينا عشرات الأحزاب الربانية كلها تنطق باسمه وتنفذ شريعته، وأصبح بمقدور أي إمام جامع في قرية أن يفتي أو يشرعن قانونا واجتهادا في الجهاد والنكاح، حتى غرقت البلاد ببحر من الدماء والدموع.
     وبملاحظة سريعة لما يحدث اليوم في العراق وبقية ما يسمى بالربيع العربي، وطيلة السنوات الماضية، ندرك انه نتاج تلك الفترة المظلمة من تاريخ هذه البلدان وتربية أنظمتها لعدة أجيال من الأهالي الذين ينفذون اليوم ما تعلموه خلال عشرات السنين، وشاهدوه وهم أطفال وفتية وشباب، ابتدءاَ من كرنفالات الإعدام التي كانت تنفذها الأنظمة في الشوارع والساحات العامة، وكيل الاتهامات الكاذبة جزافا لكل من يعارضها، وانتهاء بتلك المشاهد البائسة والقاتلة من برنامج صور من المعركة الذي كان يبث يوميا ولثماني سنوات متصلة في العراق وليبيا في حربها مع تشاد وسوريا في احتلالها للبنان، وتظهر آلاف الجثث الممزقة الأشلاء أو عمليات دفنها بالبلدوزرات على أنغام الأناشيد الوطنية، إلى تسطيح عقول ووعي الناس بتصنيع أحزاب وجمعيات مما كانت تسميه بالاتحادات والنقابات المهنية والفرق الفنية، التي لا هم لها ولا غم إلا التغني بالقائد الذي لا مثيل له في الدنيا وربما لو بقوا عدة سنوات أخرى لقالوا انه متعهد الآخرة أيضا.
تنوع عرقي
إن فشل تبلور مفهوم المواطنة خاصة في الدول ذات التنوع العرقي والقومي والديني، يعود بالأساس إلى الطبيعة القبلية لهذه المجتمعات، وفشل أنظمتها السياسية بفصل الدين عن السياسة بل عن الحكم برمته، وإبعاد فلسفته عن التعليم بكل مراحله، إلا ما يؤكد وجوده كمعتقد للإفراد وجب احترام خصوصيته في حدود الخاصية الشخصية ليس إلا، وما لم تنجح النخب السياسية والتكنوقراط من وضع دستور عصري، يؤكد على تعريف مدني للمواطنة، تسود فيه لغة القانون والانتماء الوطني فوق النظام القبلي والديني، ويرتقي على كل هذه الانتماءات، ويحظر أي تنظيم سياسي على أساس ديني أو مذهبي أو عنصري، بما يكفل حقوقا متساوية لكل الإفراد بمختلف أعراقهم وقومياتهم وأديانهم، لن ينجح أي حزب أو مجموعة أحزاب في إقامة نظام ديمقراطي تسوده العدالة في كل مناحي الحياة.

kmkinfo@gmail.com
 


     















30
هل فعلاً الديمقراطية هي الحل ؟
كفاح محمود كريم
    عاشت بعض ممالك الشرق الأوسط منذ تأسيسها وحتى بدء عصر الانقلابات العسكرية فيها، نوعما من الهدوء والاستقرار وممارسة نمط من النظم السياسية تفوح منه أحيانا رائحة الديمقراطية المتعلقة حصريا بانتخابات البرلمانات أو البلديات أو مجالس الشورى، لكن ذلك الهدوء والاستقرار النسبي لم يدم طويلا، حيث بدأت مجموعات من الضباط أطلقت على نفسها تسميات عديدة كان أبرزها الضباط الأحرار وفيما بعد ذلك بمجالس قيادة الثورة، سواء في مصر أو العراق أو ليبيا ومن شابههم من أنظمة جمهورية، بالانقلاب العسكري وتغيير النظام الملكي إلى جمهوري مع إكسسوارات الاشتراكية والديمقراطية التي مورست جميعها بأشكال من النظم والنظريات متأرجحة بين الاشتراكية والديمقراطية الشعبية أو المركزية، والمفصلة على مقاسات القائد الملهم والرئيس الضرورة وملك ملوك أفريقيا وأحزابهم التي ادعى الزعماء بأنها تحمل رسالة مقدسة إلى الشعوب!
    هذه التمثيليات الديمقراطية التي كانت الأنظمة السابقة تمثلها على مسرح الدكتاتوريات الشرقية عموما، سواء هنا في العراق ومسرحنا الكبير منذ أكثر من خمسين عاما، أو بقية الجمهوريات الثورية على إيقاع ما كان يسمى بالمجلس الوطني أو مجلس الشعب أو اللجان الثورية، وما يتبعها من ممارسات انتخاب القائد أو ما كان يطلق عليها بالبيعة ونسبها المعروفة 99.99  عاشتها شعوب هذه المنطقة من دول الشرق الأوسط والتي ضربتها عواصف تسونامي والتغيير الأهوج، بالاحتلال مباشرة كما حصل في كل من افغانستان والعراق أو بواسطة التحسس النائي كما في ليبيا وسوريا أو عن طريق وسائل الإعلام ذات الفولتية العالية جدا كما في تونس ومصر واليمن.
خبرة دول
    ودعونا الآن نرحل قليلا إلى ما كان يحلم به ويعمل من أجله ملايين من خيرة أبناء وبنات هذه الدول من كل الشرائح والطبقات، ألا وهو إقامة نظام سياسي متوازن يعتمد التداول السلمي للسلطة على أساس دستور عصري وحضاري يليق بإنسان الألفية الثالثة، يمنع التفرد بالسلطة والقرار، ويشيع حضارة حقوق الإنسان وقبول الآخر، ويتيح حرية الاختيار دونما أي شكل من أشكال الاحتواء أو الاستغلال الديني أو المذهبي أو العرقي، لكن ما حصل أثار أسئلة غاية في الألم والإحباط، والسؤال الأكثر إيلاما بعد ما حصل خلال هو:
    هل إن مجرد تغيير الهياكل الإدارية للأنظمة السياسية ستتيح فرصة للانتقال إلى نظام اجتماعي وسياسي كما كنا نطمح إليه؟

    ما يحدث الآن بعد سقوط تلك الأنظمة ورغم استخدام آليات التداول السلمي للسلطة إلا إن العملية برمتها تتعرض لكوابح لا تختلف عن تلك التي كانت تستخدم من قبل الأنظمة الشمولية في السيطرة والقيادة للرأي والتمثيل الشعبي أيام مجالس الشعب وبرلمانات تلك الأنظمة الاستبدادية، وهذه الكوابح ربما أكثر خطورة وإلغاء للرأي الشخصي الحر وحرية التعبير وتشويههما، حيث تتكثف حول الأعمدة العقائدية الدينية أو المذهبية (الفتاوى) وفي أوجه أخرى عرقية عنصرية تهبط أكثر إلى الانتماء العشائري، ومن ثم إلغاء أي نوع من أنواع السلوك المدني الجمعي الذي يبلور مفهوما للمواطنة التي يفترض أن تكون معيارا للتمثيل الشعبي في مجتمعات متعددة التكوينات العرقية والدينية والمذهبية، هذا إضافة إلى نسبة الأمية المتصاعدة بشكل مخيف والإحباط الكبير الذي أنتجته عملية سقوط تلك الأنظمة من تدمير للبلدان وخاصة للأمن والسلم الاجتماعيين في مجتمعات بدوية وقروية ما تزال مشوشة الانتماء إلى موروثاتها وما تكلس في سلوكياتها عبر حقب زمنية ليست قصيرة وبين معطيات جديدة وفرتها عملية اختراق حاجز الخوف من جمهوريات الرعب!
ضفة الخوف
    وعلى ضوء ذلك وفي الضفة الثانية بعد اختراق ضفة الخوف والرعب ماذا جرى وماذا يجري من هرج ومرج وفوضى أطلقوا عليها صفة الخلاقة، الآن وفي برلمانات ما بعد الدكتاتوريات التي أسقطتها الولايات المتحدة والتحالف الدولي، التي تحبو باتجاه تأسيس دول للمواطنة تقوم على أعمدة الديمقراطية الغربية، في مجتمعات شرقية تؤمن أساسا في بنيتها التربوية والاجتماعية بحكم الفرد وسلطته، إبتداء من الأب ومرورا بشيخ العشيرة وإمام الجامع ومختار القرية والزعيم الأوحد، المتجلي في رمز الأمة والمأخوذ من موروث مئات السنين أو آلافها بشخص عنترة بن الشداد أو أبو زيد الهلالي أو الزعيم الأوحد أو ملك ملوك إفريقيا أو القائد الضرورة أو سلطان زمانه، حيث أدمنت معظم هذه الأنظمة وأحزابهم (التاريخية) برلمانات من نمط (اموافج- موافق) كناية للتبعية المطلقة والتأييد الأعمى لرأي القائد، كونه يمتلك سلطة لا متناهية، ولا أحد في الأرض يفهم مثله، وعليه فأنه دائما على حق ويمتلك مفاتيح مستقبل وسعادة الأهالي!
    وعلى هذه الأسس تم تكوين برلماناتهم والية انتخاب أعضائها، حيث يتذكر العراقيون والسوريون والليبيون واليمنيون والمصريون، وحتى إخواننا في الجيرة أهل إيران وتركيا وبقية الشعوب المبتلاة بثقافة الشرق المريض، كيفية ترشيح ودعم أي عضو لكي يجلس على كرسي (اموافج) بالبرلمان، حتى وان كان معارضا، فهو مطبوخ في مطبخ القائد وقيادة حزبه ومخابراته، ولكي لا نشتت انتباه القارئ سنتحدث عن النموذج العراقي سابقا ولاحقا، في إيصال هؤلاء الأشخاص، إلى تلك الكراسي في زمن الرئيس المعدوم صدام حسين ومن سبقه من قادة العراق المعدومين في الغالب، إلا من سقطت طائرته أو أرسل على عجل إلى عاصمة للسياحة والاصطياف، حيث يتم تبليغ منظمات الحزب والشيوخ وأعمدة القوم لتوجيه أتباعهم لانتخاب شخص معين لكونه مرشح الحزب أو القائد، وبهذه الطريقة يصل هؤلاء الأصنام إلى كراسي المغفلين في ما يسمى بالبرلمان.
أنظمة شمولية
    واليوم بعد أن أزالت الولايات المتحدة وحلفائها هياكل تلك الأنظمة الشمولية، مدعية أنها تعمل من اجل إقامة نظم ديمقراطية على أنقاض تلك الخرائب، دونما إدراك للكم الهائل من الموروثات التربوية والاجتماعية والعقائدية والسياسية، في مجتمعات تعاني أصلا من الأمية بشطريها الأبجدي والحضاري، وما تزال تعتبر القبيلة والعشيرة ورموزها أهم ألف مرة من الشعب والدولة، وكذا الحال بالنسبة للدين والمذهب، اللذان لا ينافسهما أي انتماء، والغريب أنها لم تدرك كيف ستكون مؤسساتها الدستورية والديمقراطية والية انتخاب أعضائها؟
    ما حصل عندنا في العراق وبالتأكيد هو ذاته في ليبيا أو سوريا لاحقا أو مصر واليمن وبقية دول المختبر الديمقراطي، هو نفسه الذي كان يستخدم من قبل الزعماء وأحزابهم العظيمة، حيث يتم تجييش القبائل والعشائر والرموز الدينية والمذهبية، وبتمويل من الكتل والأحزاب، لإيصال مجموعة من الأصنام إلى قبة البرلمان مقابل امتيازات مالية، وهذا ما حصل فعلا منذ 2005 ولحد آخر انتخابات في العراق بشقيه الاتحادي والإقليمي، حيث يذهب إلى تلك المقاعد مجاميع من الأشخاص الذين يدعمهم الحزب أو الكتلة بإسناد عشائري وديني أو مذهبي يذيب شخصية المرشح، بحيث لو انه تجرأ وترشح بنفسه دونما دعم لتلك المؤسسات، لما حصل إلا على أصوات عائلته وبعض أقربائه!؟
    واليوم يجلس على كراسي (اموافج) مجاميع تمثل واحدة من افشل دول العالم، وأكثرها بؤسا وتعاسة وفقدانا للأمن والسلم وأي مظاهر للتقدم والازدهار، حيث يستخدمون في آليات الترشيح والانتخاب ذات الآلية التي كان يستخدمها عرابوهم في الأنظمة السابقة، بالاعتماد الكلي على العشيرة والدين والمذهب والحزب أو الكتلة، ويمارسون ثقافة (اموافج) وان اختلفت المواقع والعناوين، وبغياب المواطنة والانتماء الوطني وسيادة الانتماء القبلي والديني المذهبي، أصبحت برلماناتنا مسارح لتمثيليات بائسة وسيرك غجري ساذج!
    وإزاء ذلك كله يبقى السؤال الأكثر إلحاحا هل إننا أصبحنا بمستوى ممارسة الديمقراطية؟

    وهل هي فعلا علاج أمراضنا المزمنة والمتكلسة؟ أم علينا أن نبحث عن علاجات أخرى نداوي بها جراحاتنا قبل ولوج عالم صناديق الاقتراع ومن يمثل الأهالي وأي أهالي نمثلهم، بعيدا عن تأثيرات رجال الدين والمذهب وشيوخ العشائر وأغواتها الذين يحركون بوصلة تمثيل الأهالي في العشير والمذهب والدين وهم الغالبون!؟
     وحتى يتم ذلك يستوجب إعادة النظر في جميع مناهج التربية والتعليم، من البيت إلى المدرسة إلى الجامع أو الكنيسة، لكي نستطيع تحويل التلميذ من وعاء يتم تعبئته بالمعلومات الببغائية إلى ناقد وسائل ومتفاعل، ومن إنسان ينتمي إلى قرية أو مدينة أو قومية أو دين إلى مواطن ينتمي إلى وطن وشعب دونما فوارق، حينها يمكن لهذا المواطن أن يختار وينتخب شكل النظام ووسيلة الحكم وهيئاته التشريعية والتنــفيذية باطمئنان وأمان على حاضر ومستقبل شعبه ودولته.


31
المنبر الحر / فاكهة البيت مرة!
« في: 18:31 09/08/2018  »
فاكهة البيت مرة!

كفاح محمود كريم

  متلازمتان في المعنى والمقصد (فاكهة البيت مرة) و(عقدة الخواجة أو الأجنبي) واللتان تعبران عن شعور بالنقص تجاه الآخر الغريب، والأجنبي في الأولى ليس بالضرورة من بلاد الواق واق، بل هو ما يتعدى البيت أو العشير أو القرية، وينطبق على سلوكيات الكثير في رغبتهم بالتعامل أو الاستنجاد أو التعاون أو التحكيم أو التصالح، وخاصة في الإشكاليات بين الأشخاص أو العشائر، وكذا الحال حينما يتم التعامل مع متخصصين في مجال ما مع وجود ذات الكفاءات في البيت، التي اعتبرتها هذه الثقافة أو السلوكيات مرٌة، فذهبت إلى فاكهة من خارج البيت، وينطبق الثاني على عقدة مستعصية لدى شعوب منطقتنا عموما وهي تلك العقدة التي تسمى: عقدة الخواجة، والخواجة هنا هو الخبير الأجنبي الذي يبهر هذه المجتمعات، علما إن ما فيها من خبراء وإمكانيات ربما لا تضاهي الأجنبي بل تتفوق عليه، ولعل جامعات ومراكز البحوث في أوربا وأمريكا وكندا تشهد على مئات العلماء الكبار والأساتذة الإجلاء والمتخصصين في معظم المجالات، الذين تحولوا إلى أعمدة ترتفع عليها حضارة الغرب، بينما تعمى الإبصار عنهم حينما يحتاج البلد إلى خبراتهم، فيذهب عُمي البصيرة من المسؤولين إلى خبرات عادية جدا قياسا بأولئك الأفذاذ!

  حقا هي واحدة من مركبات النقص ليس على مستوى الأفراد بل حتى المجتمعات والنخب، وقد تسببت بتعطيل وهجرة عشرات الآلاف من الخبرات نتيجة التهميش والإقصاء، سواء ما كان منها خارج البلاد أو في داخله، بسبب الفساد المستشري في معظم مؤسسات الدولة، والصفقات السوداء التي تعقد مع تلك الشركات أو الأشخاص المصنفين بالخواجة، مضافا إليها القبول المحلي لتلك الشركات الأجنبية أو الخبراء المستقدمين وخاصة مدربي أندية كرة القدم للقيام بمهمات ينفذها الخبير المحلي أفضل بكثير لو توفرت له ذات الإمكانيات والأجور، لكنها الثقافة السائدة لدى قطاعات واسعة من الأهالي والمؤسسات، حتى أصبح هذا الأجنبي أو الغريب خبيرا في النفط أو الإنشاءات أو الزراعة أو الطب وبقية الحقول التي تغص بلادنا بخبرائها وعلمائها، لكن حالهم حال فاكهة البيت التي كنا صغارا لا نتلذذ بها فنذهب إلى البساتين لكي نستحوذ عليها ونأكلها بنهم!

 والغريب إن الخواجة تطور من خبير إلى أن أصبح عراب لأخطر مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولم يقتصر على حقل معين بل انتشر كالوباء، فما بالك حينما يلتف الجمع حول عالم دين مستورد، وكأنه قدم للتو من اجتماع للصحابة والأولياء، فيسألونه عن الحلال والحرام، بينما قد بح صوت إمام الجامع وخطيبه في مايكروفونات المساجد ولا من سميع أو مريد، وذات الحالة انسحبت على معظم مفاصل الحياة في الصناعة والزراعة والتجارة والجامعات والمستشفيات، ناهيك عن الإعلام الذي فاض به تنور الديمقراطية وقلب شعار ( فاكهة البيت مرة ) رأسا على عقب، فأصبح يعج بالخبراء العصاميين الذين تدرجوا من جايجي وحارس وفراش وعنصر حماية إلى أن أصبحوا مصورين ومخرجين ومقدمي برامج، بعصامية عفت مدرائهم الذين يوصفون بان لا مثيل لهم في الدنيا والآخرة من استيراد خبراء من الخواجات أو استدعائهم لتقديم المشورة والخبرة الفائقة والاعتماد على فاكهة البيت رغم مرارتها!

  ولكي لا يزعل الخبراء والأجناب كما تقال في الدارج المحلي لوصف الغريب، فان الأمثال تضرب ولا تقاس، والدليل إن قنواتنا الإعلامية المباركة أثبتت العكس، فأصرت إصرارا على حلاوة فاكهة البيت وأسقطت  الخواجة، وأبقت على رعايته الأبوية!

kmkinfo@gmail.com     
                                                                                                     
                                                                                                                                             أوائل آب 2018م



32
اطمئنوا هنا كوردستان!

كفاح محمود كريم

   بعد عملية المراهقين الإرهابيين في عاصمة إقليم كوردستان ومحاولتهم تمثيل فلم اكشن إرهابي على طريقة أفلام داعش، اتصل بنا العديد من الأصدقاء والمحبين من كل أنحاء البلاد يسألون عن تطور الأوضاع، خاصة وان كثير من القنوات المحلية العراقية رقصت على حبال الإعلام الفاسد وروجت لفوبيا ورعب في الإقليم،وضخمت الحادث وأضافت له توابل إيرانية من قبيل اندلاع مظاهرات وحدوث انفجار في مبنى المحافظة، ولم أجد جوابا للسائلين ابلغ من: اطمئنوا هنا كوردستان!

   وكنت اعني ما يدور في أذهان كل الأحبة والأصدقاء وحتى الحاسدين والأعداء، في أن كوردستان ملاذ آمن وواحة للسلام والمحبة والوئام، وان مجتمعاتها هي الطرف الأهم في المعادلة الأمنية، الذي يشكل جهاز الأمن الطرف الآخر، وبالطرفين تم تمتين هذا الجدار الأمني الذي لم يسمح بانتقال تلك الفيروسات إلى جسد الإقليم إلا بانتهاكات واندساسات ضئيلة جدا وبين سنوات وسنوات، كما يحصل في أكثر بلدان العالم تطور وتقدما.

   في العملية الأخيرة التي نفذتها مجموعة صغيرة من الصبية المراهقين، لم تتجاوز أعمارهم سن البلوغ ( 15 و18 سنة )، كشفت مدى تأثر هذه الشريحة بالإعلام الأسود أو بالعقد العصبية السياسية السوداء الداخلية منها والخارجية أو برجل دين متشدد، بل وأشرت إلى قصور واضح في المنظومة التربوية والاجتماعية، وفي أداء منظمات الشبيبة والمجتمع المدني وأئمة الجوامع وبعض علماء الدين، وانتشار تداول الأسلحة وسهولة الحصول عليها، مما يستوجب تطوير وتفعيل ومتابعة أداء هذه المؤسسات والمنظمات ودعمها بذات المستوى في دعم الجيش والأمن.

   وبعيدا عن ثقافة المؤامرة والاتهامات فان متابعة سريعة لتسجيل كاميرات المبنى التي صورت دخولهم، تبين مدى ارتباكهم وقلة تدريبهم ونوع الأسلحة المستخدمة وهي مسدسات عادية، وحتى اختيار التوقيت في اقتحام المبنى وهو الساعة السابعة صباحا يؤكد كما أرى إن العملية لا علاقة لها بتنظيم الدولة داعش، التي عرفت بدمويتها ووحشيتها وتدريب عناصرها عكس ما شاهدناه في أداء هؤلاء المراهقين، ربما إنهم متأثرين كثيرا بأفعال وأفلام داعش لكن تنفيذهم بعيد جدا عن نمط تطبيقات داعش، ويبدو أنهم وقعوا تحت تأثير سياسي أو ديني موجه لم تكشف عنه بعد التحقيقات الأولية، وفي حقيقة الأمر لم أكن أتمنى تصفيتهم بهذه السرعة، وكنت أفضل معالجة الأمر بمحاولة إلقاء القبض عليهم ومعالجتهم نفسيا وتربويا، لكن رأي الطرف الأمني يختلف في معالجة هكذا عمليات.

   عموما ما يزال هناك أكثر من سؤال، وربما الأهم هو لماذا الآن ولماذا اربيل المحصنة، ومن المستفيد في صرف أنظار الإعلام والرأي العام عما يجري في البصرة عاصمة الجنوب وبغداد عاصمة الاتحاد؟ وحتى نجد الجواب:
       اطمئنوا هنا اربيل عاصمة كوردستان!

.....................................
مشاهد من عملية اقتحام مبنى محافظة اربيل 23 تموز
https://youtu.be/WnqQEJwbVyA
kmkinfo@gmail.com
                                                                                                                                           أواخر تموز 2018م

33
المنبر الحر / التسقيط والتصعيد!
« في: 09:59 25/07/2018  »

التسقيط والتصعيد!

كفاح محمود كريم

   ظاهرتان متناقضتان أو سلوكيات تختزل ثقافة أو حضارة أو تربية في نتائجها وآلياتها، تلك هي ما يُعرف اليوم بالتسقيط ونقيضه في التصعيد، ولعلّ بواكير التسقيط الاجتماعي والسياسي مارسه البعثيون في بدايات الستينيات من القرن الماضي مع الزعيم قاسم ومع الشيوعيين كأفراد أو مجموعات، بل مارسوها أيضا مع مدن ومجتمعات، كما كانوا ينشرون طرائف عن الكورد والشروك والمعدان، حتى وصل بهم الأمر إلى إطلاق صفات ذميمة على مدن بأكملها كما في ناصرية الثقافة والفن والأدب والحضارة فجعلوها شجرة للخباثة وهي ينبوع للطيبة.

    هذا السلوك يعتبر من أسوأ أنواع السلوك العدواني غير المعلن في مجتمعاتنا على المستوى الخاص والعام، وهو بتقديري ينمُ عن إصابة صاحبه أو أصحابه بمرض سياسي أو نفسي وتربوي، تترجمه أفعال مكتومة تشبه في نتائجها ما تفعله حشرة الأرضة في نخرها للأشجار أو البيوت، والخطورة تكمن في الصمت والكتمان أثناء أداء عملها أو ممارساتها، وإذا كانت تلك الدودة أو الحشرة تفعل ذلك بحثاً عن الماء والكلأ دونما قصد إلا إشباع غريزتها، فٲن الإنسان هنا يفكر ويخطط ويبرمج كيف يهدم صرحاً لا يستطيع ارتقائه، حتى إن نجح بذلك بشعر لا بسعادة الانتصار وتحقيق رغبته في الارتقاء،  بل بتدمير ذلك الصرح الشاهق الذي عجز عن اعتلائه؛ وبذلك "ساوى حيطانه" كما يقول الدارج المحلي.

    للأسف الشديد انتشر وترعرع هذا السلوك أو الشعور في البيئة التي تساعد على نموه، وهي بيئة التخلف والفساد والتقاتل على المناصب والامتيازات بعيداً عن الهدف السامي في مؤسسات الدولة والأحزاب والجمعيات وحتى المنظمات منذ العام 2003 ولحد اليوم، لكنه بدون أعراض ظاهرة، وهنا تكمن خطورته حيث لا تظهر الأعراض إلا وقد حقق صاحب هذا الشعور برنامجه، فهو يعمل ليل نهار لا كمنافس يشق طريقه إلى ذات المنزلة التي وصل إليها رفيقه، سواء أكان في أعلى مستويات المسؤولية أو في اختصاصه أو درجته الوظيفية، ولذلك تراه يستخدم كل الأساليب لتسقيط غريمه الناجح أو المتميز، وهنا أتحدث عن ظاهرة للأسف الشديد انتشرت حتى تسببت في تآكل وتهجير واستقالة أو إبعاد الآلاف من أولئك الناجحين في أعمالهم أمام أ؍ناس لا همَ لهم إلا إزاحة الناجحين وتدميرهم ليتسلقوا مواقعهم، مما أدى إلى اكتضاض جامعات الغرب والولايات المتحدة وكندا واستراليا بآلاف المبدعين الهاربين من بلدان الأمراض الأخلاقية المزمنة.

   وفي الوقت الذي يعمل هؤلاء في إسقاط الناجحين يعمل الآخرون في منافستهم على دفع منافسيهم للارتقاء إلى مواقع أعلى تتيح لهم تبوء مواقعهم ولكن بسمو ونبل، وهنا نتوقف عند التصعيد النقيض للتسقيط حيث يعمل الفرد والمجتمع على دعم ودفع المتميزين والناجحين إلى اعتلاء مواقع ومراتب ومراكز أعلى، كي يتاح للآخرين تبوء أماكنهم، وهكذا دواليك في إنتاج أفواج من المتميزين يقابلهم أفواج من الفاشلين الذين اعتلوا مواقع رفيعة ومتقدمة في دول الفشل والفساد، بينما ترتفع حضارة الكثير من البلدان الجاذبة لهذه القامات والأعمدة من ضحايا الفاشلين والطارئين في عمليات التسقيط والتهميش والإقصاء، تنحدر بلاد الفاشيين والفاشلين والانتهازيين والفاسدين إلى الحضيض.       

تموز 2018م

34
الألقاب وطبقة الفاسدين!

كفاح محمود كريم

   سابقا وربما قبل نصف قرن أو أكثر بقليل، كانت الألقاب إلى حد ما تعبر عن حقيقة حامليها، سواء كانت تلك الألقاب أكاديمية كدرجات علمية أو مهنية كالمعلم والمهندس والطبيب والفيتر والجقماقجي والدباغ، وهكذا حسب المهنة والتخصص فيها وصولا إلى الأستاذية (البروفيسور) أكاديميا و(الاوسطة) أو الخبير مهنيا، وفي الجانب الاجتماعي وطبقاته كانت الألقاب من قبيل الشيخ والأغا وعميد الأسرة تعبر عن موقع الشخص في مجموعته الاجتماعية، وهي وباستثناء عميد الأسرة القابلة للانتقال أو التغيير فان الشيخ والأغا تكون متوارثة دوما في القبائل المعروفة بترتيبها ورمزية مرجعيتها القيادية.

   وباستثناء هذين الحقلين توجد ألقاب أخرى تطلق على الذي يقوم بتأدية احد الفروض الدينية وهو الحاج ويلتصق هذا اللقب بصاحبه حتى وان ابتعد كثيرا عن فلسفة دينه وتعاليمها، حتى وصل الأمر بإطلاقه على كبار السن بصرف النظر عن حقيقته أو دينه، ومؤخرا على زعماء الأحزاب وقيادات الحشد الشعبي، وكذا الحال باللقب النسبي أي بالانتماء إلى نسب آل البيت، حيث يطلق على من يدعي انه من أحفاد أي كان من آل البيت، بما تمنحه هذه الصفة واللقب من تشريف اجتماعي مبالغ به كثيرا، متناسين إن الكثير من أقرباء الرسول لم يدخلوا الإسلام بل قاتلوه وقتلوا، والغريب إن هذا اللقب أو الصفة تطلق على ملايين العراقيين منذ 2003 وحتى اليوم، ويلحق هذا النمط من الألقاب تسميات أو مناداة على شاكلة مولانا وسيدنا وشيخنا والزاير والزايرة، إضافة إلى لقب الملا الذي كان يطلق على أي شخص مجرد انه يقرأ ويكتب وخاصة آيات القرآن في الريف تحديدا، حتى انتشر فأصبح ملازما لأمام الجامع ورجل الدين.

سنترك الماضي قليلا ونعود إلى سنواتنا هذه وتحديدا بعد 2003 حيث انتشرت ظاهرة الألقاب العلمية والاجتماعية التي تمنح للأشخاص على خلفية تجميلية أو مجاملة أو نفاق اجتماعي لا علاقة لها بحقيقة اللقب وخلفيته، وربما كانت هذه الظاهرة محاولة لاستنساخ تسميات وتوصيفات من أيام العهد العثماني وما تلاه من ممالك وإمارات، وما تزال تستخدم على المستوى الرسمي ألقاب على شاكلة السعادة والنيافة والعطوفة والدولة والغبطة والبيك والباشا، ناهيك عن توصيفات التعظيم للملوك وحاشيتهم وأسرهم، وبالتزامن مع عودة هذه التوصيفات عموديا، وظهور طبقة الفاسدين سياسيا واجتماعيا وماليا، واستحواذها على مواقع ومناصب خطيرة في الدولة كواحدة من التداعيات والتغييرات الحادة التي أنتجتها الحروب وما حصل بعد نيسان 2003، خاصة مع اتساع مساحات الفساد ونشوء طبقات من حديثي النعمة والسحت الحرام التي تحولت هي الأخرى إلى ظاهرة، بل تبلورت منها طبقة جديدة لا تنتمي للطبقات الثلاث المعروفة وهي الفقيرة والمتوسطة والغنية، وربما بتعبير أدق أو توصيف يليق بها هو الطبقة الرثة والطفيلية المعدية وبائيا!

   دعونا الآن نبدأ بالشيخ وما يعني حقيقة وتزويرا، والشيخ كما يعرف الجميع أما انه من أسرة شاخت على عشيرة أو قبيلة، فأصبحت هذه التسمية تلاحق أبنائها، حتى جاء صدام فانشأ دائرة للعشائر والشيوخ في ديوان الرئاسة، وصنف الشيوخ إلى ثلاث درجات أ،ب،ج، وبموجب هذا التقسيم صنع صدام حسين ألاف الشيوخ الطبع أي الدمج أي المزورين، حتى شاع مصطلح جديد في تعريف الشيوخ وتفريقهم عن بعضهم وهو: ( شيوخ التسعين ) أي أولئك المستحدثين والدمج كما يقال للضباط على شاكلتهم ممن طافوا على سطح العراق الجديد، بالتأكيد لا علاقة لنا هنا بشيوخ الدين مع علمنا بظهور شيوخ دينيين على شاكلة شيوخ التسعين وما أكثرهم اليوم، ولا يحتاجون إلا لحفظ عدة نصوص قرآنية أو نبوية مع لحية بسيطة وعمامة سوداء أو خضراء أو بيضاء، وتبدأ المهمة، وحينها يصعب التفريق بين هؤلاء جميعا، فقد أصبحت مفردة الشيخ تطلق تحببا أو تجملا أو نفاقا وتدليسا، ولا تحتاج إلا إلى ملابس فخمة ويفضل أن تكون شعبية فلكلورية وسيارة فخمة وتفضل أن تكون بيك آب دبل قمرة، ومسبحة خشنة وكم موبايل ونفر يتابع حركات صاحب التوصيف، وجيب ليل وخذ كذب وثرم حكي للصبح!

   أما الدكتور وهذه الصفة التي أهينت وهي بريئة ممن يستخدمها ظلما وبهتانا، فبعد أن كانت صفة للطبيب أو درجة علمية في اختصاص أكاديمي معين، أصبحت هي الأخرى مثل سابقتها الشيخ تمنح لكل من يعرف كم مصطلح أجنبي أو ينظم كم جملة من المصطلحات السياسية ويخرج على مشاهدي التلفزة خبيرا استراتيجيا، أو يشتريها فخريا لأنه فلتة زمانه، وهكذا دواليك في الباشا التي كانت ذات يوم رتبة اعتبارية أيام مملكة بني عثمان وما تلاها من ممالك وإمارات، ثم بدأت بالتلاشي مع ظهور الجمهوريات، لكنها عادت ثانية في أيامنا المهجنة هذه لكي تقدم صفة تجميلية منافقة للعلاقات العامة!

   وفي هذا الطوفان من الألقاب والرتب العسكرية وحتى نعثر على أصحابها الحقيقيين، تتبلور طبقة رثة ربما لم يصفها كارل ماركس في طبقاته للمجتمع وبذلك ستكون الطبقة الرابعة!

kmkinfo@gmail.com
                                                                                                                             أواسط تموز 2018م


35
المنبر الحر / طبيخ المكادي!
« في: 17:43 24/06/2018  »
طبيخ المكادي!
     
كفاح محمود كريم

     ما يحصل اليوم في كل من سوريا والعراق ولبنان والعديد من بلدان شرقنا الأوسطي التعبان، يشبه إلى حد كبير طبيخ المكادي أو الشحاتين على الدارجة المصرية، وطبيخ المكادي كما تنطق هنا في العراق والموصل تحديدا، مصطلح من الدارجة المحلية يعبر عن تلك الحالة المزرية التي نعيش تفاصيلها منذ سنوات ثقيلة سوداء، وهي بالتالي تعني تلك الخلطة الرهيبة من المتناقضات المجموعة في سلة واحدة أو قدر واحد، كما يفعل الشحاذ أو الشحات أو المكٌدي وهو يستجدي ويجمع الأكل في إناء واحد ظهيرة كل يوم من بيوت المحلة، فيصبح خليطا مقززا في أشكاله وألوانه وروائحه!

     لقد استلبت الموصل وتحولت إلى طبيخ مكادي أيام حكم داعش، حيث اختلط فيها الحابل والنابل، وخلال أربع سنوات عجاف تعفن ذلك الطبيخ وتأملنا بأنه سيقتل أولئك النكرات الذين احتلوها في غفلة من الزمن والأخلاق، لكن تحريرها أصبح لعنة لا تقل عن احتلالها، فها هي مدينة خربة تنتشر فيها الغربان وتتفسخ فيها الجثث، ثم تعرض في المزاد للبيع، ويعود المكادي لكي يلملموا بقايا الطبيخ في مدينة لم تضاهيها حاضرة في ما بين النهرين، عادوا بلبوس جديد وعناوين مختلفة، لكنها في الأصل واحدة، فالإرهاب لا دين له ولا مذهب، كالفساد الذي يجمع كل الحرامية وأبناء السحت الحرام على إناء واحد، والغريب أنهم كما يقولون قدم في الجنة وأخرى في جهنم، يلعبون على كل الحبال والمتناقضات، معظمهم كانوا مع داعش أو جل أقربائهم معهم، واليوم ذات الصورة مع الحكومة والحشد، بل أصبحوا يؤسسون لحشود تحت إمرتهم، ويتولون عملية اعمار ما خربوا!

     ليس غلوا أو تجنيا أن أدخل بهذه التشبيهات إلى مطبخ السياسيين وعجقتهم المقرفة في شرقنا الأوسط وتناقضاته المثيرة للاشمئزاز قبل الاستغراب، ورحلة سريعة إلى تحالفات وتجمعات المتناقضين حد الاقتتال تعطينا لوحة ومشهد الحاضر والمستقبل الذي لا يبشر كثيرا بالخير على الأقل في المرئي منه، خاصة في العراق وسوريا، حيث تجتمع وتتحالف وتتعاون وتتآمر معظم الأحزاب والحركات وعرابيها من دول الإقليم وما بعد الإقليم، ففي العراق يجمع النفط كل الحرامية وان اختلفوا في الدين أو المذهب أو السياسة أو العرق، فهم في الآخر يرضعون من ثدي واحد، ويتقاضون أتعابهم أو لصوصياتهم من ذات الأنابيب والآبار، وفي السياسة لا تستغرب أخي القارئ أن يدفع الحشد الشعبي مرتبات فصائل لحزب العمال الكوردستاني القادمين من تركيا وملحقاتهم في سوريا إلى جبل سنجار مثلا، بينما أبواق الدعاية السياسية في بغداد تعمل ليل نهار للدفاع عن سيادة العراق، خاصة وان الأشقاء الأتراك يجولون في السيادة العراقية ويلعبون بها طوبة (كرة) كما يقول الدارج العراقي، دون أن تهتز شعرة وحده من شوارب أو سكسوكات أهل السيادة ووحدة الأراضي!

     وفي العراق أيضا يتحالف (الملحدين الكفار) على توصيف الأحزاب الإسلامية للشيوعيين، مع المؤمنين للعظم من أحزاب الدين ومذاهبه، ولا تؤثر فكرة الجنة الموعودة ولا جهنم الكفار على عقيدتهم البروليتارية وماديتها التاريخية، ولا عجب فان الحزب الذي ناضل كل حياته ضد الامبريالية والرأسمالية والأفكار الخيالية يتبوأ اليوم كراسيه في برلمانهم وحكومتهم وتحالفاتهم، وما زلنا في العراق حيث يجتمع الأعداء في تحالفات وراء الكواليس وأحيانا أمامها أيضا، فلا تستحي أمريكا من تعاونها مع ايران في العراق والسماح لها بالتمدد، ولا يخالف شريعة ايران الإلهية والامامية التحالف مع الشيطان الأكبر والتعاون معه في نفس الدولة ومع نفس الأشخاص والأحزاب، ولا تستغرب غدا أن يتحالف الإقليم أيضا ضمن اللعبة السياسية مع من هدد كيانه وشن حربا عليه، أو مع سلفه الذي هدد الإقليم بطائرات F16 !

     وفي سوريا الطامة الكبرى، وعليك أخي القارئ أن تفوض أمرك لله وتضبط  أعصابك من الضحك أو النواح مما يحصل هناك من تحالفات الضوء والظلام والعدو والصديق، حتى بلغت الأمور بأنك لم تعد تفرق بين النصرة والشبيحة أو بين جيش الإسلام والقوات الديمقراطية جدا، والأغرب في هذا الطبيخ، ذلك التعاون المريح والناعم بين أنقرة ودمشق، وبين دمشق وواشنطون، وبين إيران الشيعية الصفوية وبين تركيا السنية الاخوانية، تعاون حتى العناق بين الأمريكان والروس والأتراك والإيرانيين في باليه تراجيدي كوميدي تضحك له إسرائيل وعصاتها السحرية الخلابة، التي يرقص على حركاتها العديد من الذين يصرعوننا ليل نهار بالعدو الصهيوني الغاشم، وهم يتبادلون معه الأسرى والمقايضات غير المعلنة في لبنان والشقيقة الكبرى ايران التي احتضنت بأخوة إسلامية لدودة كل مجاهدي القاعدة وهيأت لهم مسالك الذهاب والإياب، وفي هذا الإناء الذي ضم مختلف أنواع الأكلات والحركات والأحزاب والحكومات والميليشيات، لا عجب أن ترى إن تنظيم الدولة ( داعش ) استهدف أكثر الدول والأنظمة متانة من الناحية الأمنية واخترق خطوطها وضربها في العمق، بينما يقف عاجز تماما عن الاقتراب من الحدود المقدسة لإيران أو إسرائيل أو كثير من النائمين رغد على ضفاف الخليج، والأكثر مأساوية في هذا المطبخ والطبيخ الدموي، إن المتقاتلين جميعهم لا يعرفون أي شيء عن هذه التحالفات بين من يقاتلهم أو يصالحهم، حتى امتلأت سطلة الشحاذ بأنواع الطبخات، ونتيجة ارتفاع درجات الصراع والحرارة تفسخ الطبيخ وتسمم الشحاذ البائس، وهو بين الحياة والموت والمشتكى لله وحده!

kmkinfo@gmail.com
أواخر حزيران 2018م


 


36
العدالة بين الدكتاتورية والديمقراطية

كفاح محمود كريم

     ربما في الحقبة الأولى لتأسيس الدولة العراقية لم تظهر الدكتاتورية بمعناها السائد اليوم من خلال الأنظمة الشمولية المنتشرة في عالمنا الشرقي، لأسباب كثيرة في مقدمتها محاولة الهواشم مع البريطانيين في استنساخ النموذج الملكي الانكليزي وتطبيقه في المجتمعات العراقية القبلية والمحافظة دون الاهتمام بالبعد الزمني والحضاري بين الكيان الجديد والمملكة العريقة، ورغم ذلك ولمكانة البيت الهاشمي وامتداداته من ناحية النسب بالنبي محمد، فان النموذج حقق بعض الاستقرار والهدوء، وربما إلى حدا ما القبول من المكونات العرقية والقومية غير العربية، لكن هذا النموذج لم يستمر طويلا، حيث نجحت ثلة من العسكر في انقلاب دموي أدى إلى إبادة العائلة المالكة ومحاولتها في تأسيس ديمقراطية برلمانية ودكتاتورية ملكية مشرعنة، بل ووأد تلك الوليدة الجميلة التي حملت اسم الديمقراطية، لكي تلد طفلا مدللا جديدا يحتل مكانها ويكون مركزا للعالم واهتماماته!

     يقول علماء النفس في إحدى نظرياتهم حول علم نفس الطفل إنه يرى نفسه مركزا للعالم الذي يشعر بدورانه حوله، بل وفي خدمته وتحت تصرفه، وبوجود بيئة تساعد على نمو هذا الشعور وتعملقه ودلال أسرته يتحول هذا الكائن المدلل تدريجيا إلى دكتاتور لا شريك له في هذا العالم، ابتداءً من تحوله إلى رب أسرة ينتج سريرته ويكاثرها في أبنائه أو بناته، أو مدير دائرة يُشعر معيته بأنه فيلسوف عصره وأن استبداله سيوقف حياة وتطور تلك الدائرة، ولك أن تقيس أخي القارئ كلامنا هذا على مديرك العادي وصولا إلى من يتولى  إدارة المنكوبين من العباد، فيصبح رئيسا عظيما وضرورة أو حتمية تاريخية، يتطلب من بقية الكائنات الدوران حول كوكبه الدري!.

     وإزاء هذه البيئة هناك بيئة أخرى معاكسة لها في كل التفاصيل، وخاصة تلك التي تكمن في تربية هذا الطفل الدكتاتوري وتعديل مشاعره وتقليمها وفق أسس تقلب المعادلة من كوكب تدور حوله كل الكواكب، إلى نجم يدور هو حول كوكب اسمه المجتمع، ويشعر بأنه جزء من عالم وعليه خدمته لإثبات انتمائه له دونما شعور بالفردية الطاغية، ومن هنا تبدأ حكايتنا حيث يستمر هذا الطفل باعتبار كل العالم يعمل لأجل تنفيذ رغباته أو العكس، فإذا جمعنا طفلنا المدلل واعتبرناه في جمعه يمثل مجتمعاتنا الشرقية، ندرك ونكتشف حقيقة اللبنات الأولى في بناء الديمقراطية أو الدكتاتورية.       

     لقد ابتليت منطقتنا بأنماط من هذه السلوكيات والثقافات المتوارثة عبر أجيال وحقب زمنية ليست قصيرة، ابتداءً من الأسرة ودكتاتورية الأب أو ولي الأمر، وانتهاء بالقائد الضرورة، مرورا بكل من تسلط على عباد الله وإن كان عددهم اثنان فقط، لكي يمارس عليهما نرجسيته وتفرده، فإذا كانت البداوة مرحلة من مراحل تطور مجتمعاتنا وما زالت تتمركز في كثير من مفاصلنا التربوية والاجتماعية، مضافا إليها إكسسوارات قروية وقبلية  كرست تفرد الشيخ والأغا، الذي تطور كمفهوم للتسلط والأحادية في من يتولى إدارة أي مؤسسة أو حركة أو حزب في حياتنا، فإنها اليوم تتجلى في الكثير من سلوكيات أولئك الذين يحملون شعارات الديمقراطية في زمن الربيع العربي الذي صبغ بلدان البداوة السياسية بألوان الدماء والدموع منذ سنوات على أنقاض أنظمة أوحت لنا جميعا، أن دكتاتورياتها أفضل بكثير من ديمقراطية البداوة الجديدة، تلك الدكتاتوريات التي أنتجت مشروع داعش مختصرة كل أفكار وتوجهات من أرادوا بناء دولة الوحدة العربية أو الإسلامية وصهر وإذابة كل ما هو خارج مفهومي الانتماء لغير العرب أو الإسلام في بوتقة هذا المشروع.

     إن تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية وقبله القاعدة ومجمل الحركات العنصرية والدينية والمذهبية وخاصة داعش ليست طارئة أو وليدة الربيع البائس، بل هي نتاج ثقافة وسلوك متراكم من مئات السنين، وخبطة معقدة من الثقافة الدينية البدائية والسطحية والسلوك البدوي وعقلية القرية وبنائها الاجتماعي والتربوي، وهي بالتالي الحلقة الأخيرة في سلسة الأحزاب العنصرية القومية أو الدينية التي تطمح لبناء دولة إيديولوجية، أساسها العرق العنصري أو الدين المتطرف والمتشدد، وما يتبعه من مذاهب وطوائف، ببناء فكري متعصب أحادي التفكير، لا يقبل الآخر إلا عبدا مطيعا أو ملحا مذابا في بوتقته الفاهية، وعلى ضوء ذلك ولان دورة تربية مجتمع بأكمله من الطفولة حتى النضج تستدعي زمنا ليس قصيرا، بل حقبة طويلة لسبب بسيط هو أن المربي ذاته هو الذي أنتج هذه السلوكيات، ولان الكثير يعتقد بان مجتمعاتنا لا تتحمل هذا النمط من النظم الاجتماعية والسياسية، وهي متمتعة بوجود الفارس والرمز، بسبب تراكمات هائلة من العادات والتقاليد والتركيب النفسي والاجتماعي والتربية الدينية الأحادية الاتجاه، علينا البحث عن خيارات أخرى وتعديلات مهمة للعديد من النظريات والتجارب لكي تتناسب مع معطيات مجتمعاتنا وارثها الثقيل من الحكم الشمولي، فإذا كانت العدالة هي الأساس في كل التجارب والنظريات السياسية والاجتماعية في بناء الدولة، إذن لا يهم استخدام أي نظرية أو نموذج أو تطبيق أو تعديل لتحقيق ذات الهدف السامي ألا وهو العدالة بصرف النظر عن التسميات والعناوين، والمهم أن تتحقق العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بما يرتقي بالمجتمع ومؤسساته إلى مستويات إنسانية متحضرة.

    أليس غريبا في شرقنا الأوسط وربما في العديد من البلدان التي تشبهنا، أن تُفتقد أوجه كثيرة للعدالة بين تفاصيل وتطبيقات الديمقراطية، بينما تنتعش تحت ظلال أنظمة مستبدة لكنها عادلة!

kmkinfo@gmail.com             
    أواسط حزيران 2018م



37
ديمقراطية الدكتاتورية الحديثة!

كفاح محمود كريم

     يقول علماء النفس في إحدى نظرياتهم حول علم نفس الطفل إنه يرى نفسه مركزا للعالم الذي يشعر بدورانه حوله، بل وفي خدمته وتحت تصرفه، وبوجود بيئة تساعد على نمو هذا الشعور وتعملقه ودلال أسرته يتحول هذا الكائن المدلل تدريجيا إلى دكتاتور لا شريك له في هذا العالم، ابتداءً من تحوله إلى رب أسرة ينتج سريرته ويكاثرها في أبنائه أو بناته، أو مدير دائرة يُشعر معيته بأنه فيلسوف عصره وأن استبداله سيوقف حياة وتطور تلك الدائرة، ولك أن تقيس أخي القارئ كلامنا هذا على مديرك العادي وصولا إلى من يتولى  إدارة المنكوبين من العباد، فيصبح رئيسا عظيما وضرورة أو حتمية تاريخية، يتطلب من بقية الكائنات الدوران حول كوكبه الدري!.
     للبيئة أعلاه بيئة أخرى معاكسة لها في كل التفاصيل وتكمن في تربية هذا الطفل وتعديل تلك المشاعر وتقليمها وفق أسس تقلب المعادلة، فيتحول من كوكب تدور حوله كل الكواكب، إلى نجم يدور هو حول كوكب اسمه المجتمع، ويشعر بأنه جزء من عالم وعليه خدمته لإثبات انتمائه له دونما شعور بالفردية الطاغية، ومن هنا تبدأ حكايتنا حيث يستمر هذا الطفل باعتبار كل العالم يعمل لأجل تنفيذ رغباته أو العكس، فإذا جمعنا طفلنا المدلل واعتبرناه في جمعه يمثل مجتمعاتنا الشرقية، ندرك ونكتشف حقيقة اللبنات الأولى في بناء الديمقراطية أو الدكتاتورية.       

     لقد ابتليت منطقتنا بأنماط من هذه السلوكيات والثقافات المتوارثة عبر أجيال وحقب زمنية ليست قصيرة، ابتداءً من الأسرة ودكتاتورية الأب أو ولي الأمر، وانتهاء بالقائد الضرورة، مرورا بكل من تسلط على عباد الله وإن كان عددهم اثنان فقط، لكي يمارس عليهما نرجسيته وتفرده، فإذا كانت البداوة مرحلة من مراحل تطور مجتمعاتنا وما زالت تتمركز في كثير من مفاصلنا التربوية والاجتماعية، مضافا إليها إكسسوارات قروية وقبلية  كرست تفرد الشيخ والأغا، الذي تطور كمفهوم للتسلط والأحادية في من يتولى إدارة أي مؤسسة أو حركة أو حزب في حياتنا، فإنها اليوم تتجلى في الكثير من سلوكيات أولئك الذين يحملون شعارات الديمقراطية في زمن الربيع العربي الذي صبغ بلدان البداوة السياسية بألوان الدماء والدموع منذ سنوات على أنقاض أنظمة أوحت لنا جميعا، أن دكتاتورياتها أفضل بكثير من ديمقراطية البداوة الجديدة، تلك الدكتاتوريات التي أنتجت مشروع داعش مختصرة كل أفكار وتوجهات من أرادوا بناء دولة الوحدة العربية أو الإسلامية وصهر وإذابة كل ما هو خارج مفهومي الانتماء لغير العرب أو الإسلام في بوتقة هذا المشروع.

     إن تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية وقبله القاعدة ومجمل الحركات العنصرية والدينية والمذهبية وخاصة داعش ليست طارئة أو وليدة الربيع البائس، بل هي نتاج ثقافة وسلوك متراكم من مئات السنين، وخبطة معقدة من الثقافة الدينية البدائية والسطحية والسلوك البدوي وعقلية القرية وبنائها الاجتماعي والتربوي، وهي بالتالي الحلقة الأخيرة في سلسة الأحزاب العنصرية القومية أو الدينية التي تطمح لبناء دولة ايديولوجية، أساسها العرق العنصري أو الدين المتطرف والمتشدد، وما يتبعه من مذاهب وطوائف، ببناء فكري متعصب أحادي التفكير، لا يقبل الآخر إلا عبدا مطيعا أو ملحا مذابا في بوتقته الفاهية، وعلى ضوء ذلك ولان دورة تربية مجتمع بأكمله من الطفولة حتى النضج تستدعي زمنا ليس قصيرا، بل حقبة طويلة لسبب بسيط هو أن المربي ذاته هو الذي أنتج هذه السلوكيات، ولان الكثير الكثير يؤمن بان مجتمعاتنا لا تتحمل هذا النمط من النظم الاجتماعية والسياسية، وهي سعيدة جدا بوجود الفارس والرمز، بسبب تراكمات هائلة من العادات والتقاليد والتركيب النفسي والاجتماعي والتربية الدينية الأحادية الاتجاه، عليه وجب البحث عن حلول وخيارات أخرى غير هذه النظم، أو أن يتحول الجميع إلى دكتاتوريين لكي لا يُتهم أحد بأنه قد تفرّد بالآخرين!؟

kmkinfo@gmail.com             
    أوائل حزيران 2018م

 

38
غزوة كركوك وعاصفة الانتخابات!

كفاح محمود كريم

     حينما شعر أولئك الذين صنعوا آلهتهم من التمر بالجوع سارعوا إلى التهامها، وفروا من الدستور إلى حيث كان يقول دكتاتور العراق الكبير صدام حسين:
     ( ليس لدينا قانونا كالقرآن فنحن الذين نصنع القوانين والدساتير وفي أي لحظة نلغيها ونعدلها بما يخدم مصلحتنا!).
     لقد أدرك غالبية الكوردستانيين وقياداتهم وفي مقدمتهم البارزاني إن برنامج أعداء الفيدرالية اكتمل وهم قاب قوسين من تطبيقاته، واجتياح الإقليم وإلغاء كيانه وتجربته والعودة لا إلى المربع الأول بل إلى ما دونه، فسارعوا إلى إجراء الاستفتاء تعبيرا إنسانيا وقانونيا وأسلوبا مدنيا متحضرا للرجوع إلى رأي الأهالي في مسألة مصيرية تتعلق بحياة ملايين من البشر، إلا أنهم اعتبروا ذلك وبعنجهية بدائية إن هذا السلوك معادي لهم، وهو يمس أساسيات الدولة العراقية ( حسب تفسيرهم )، تلك الدولة التي وصفتها ديباجة الدستور ووضعت أقفالا ومفاتيحا للدخول والخروج منها، ووصفت العراق الجديد بأنه (عراق المستقبل، من دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية ولا عقدة مناطقية ولا تمييز، ولا إقصاء.) وإذا كان هذا هو القفل فان المفتاح في هذا النص الذي ختم الديباجة هو: (إنّ الالتزام بهذا الدستور يحفظُ للعراق اتحاده الحر شعبا وأرضاً وسيادةً).
     ورغم ذلك اختاروا لغة الدماء والاجتياح وإيقاف العمل بالدستور، وخرقه باستخدام القوات المسلحة لحل النزاعات مع الأقاليم والمحافظات، هذه القوات التي تم تعريفها دستوريا في المادة التاسعة أولا/ أ: (لا تكون أداة لقمع الشعب العراقي ولا تتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها في تداول السلطة)، ورغم ذلك تم احتلال كركوك والمناطق المتنازع عليها، وتهجير أكثر من 180 ألف مواطن منها وحرق بيوتهم وسرق ونهب ممتلكاتهم، بل وان أول بيان إعلان احتلال كركوك تم منع استخدام اللغة الكوردية من قبل قائد العمليات العسكرية لمنطقة كركوك اللواء علي فاروق، رغم إن اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية في العراق إلى جانب العربية كما جاء في المادة (أولاًـ اللغة العربية واللغة الكوردية هما اللغتان الرسميتان للعراق ).*

     وإزاء غزوة كركوك التي مزقت روحية الدستور مستهدفة أكثر من 92% من شعب وكوردستان، فقد جاءت الانتخابات العراقية الأخيرة لتؤكد جملة من الحقائق، في مقدمتها فشل مشروع الإقصاء والتهميش لحركة التحرر الكوردستانية المتمثلة بالحزب الديمقراطي الكوردستاني ورئيسه مسعود بارزاني، الذي اكتسح صناديق الاقتراع في كوردستان متقدما على مستوى العراق والإقليم، مما يتطلب إعادة النظر ومراجعة العلاقات بين أربيل وبغداد بعيداً عن التعصب والتوتر وأن تكون تلك الانتخابات بداية لمرحلة جديدة بين الجانبين، مرحلة فرضتها إرادة الشعبين العراقي والكوردستاني، العراقي حينما رفض أكثر من نصف سكانه التصويت احتجاجا على فشل الحكومات وبرلمانها، وكوردستانيا هذا الإصرار على التمسك بقيادته وحركة تحرره الوطني والقومي الذي رفض كل نتائج غزوة كركوك وتداعياتها، وأصر على الديمقراطية والحوار والانتخابات، التي أفرزت واقعا جديدا يتطلب أن يكون العراق وكوردستان تحت حماية الدستور والشراكة الحقيقية، لا تحت تصرف أولئك الذين ينظرون بعين واحدة ويلتهمون مقدساتهم نزولا لرغباتهم الغرائزية المقيتة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رابط منع استخدام اللغة الكوردية من قبل قائد عمليات كركوك:
www.youtube.com/watch?v=iPV3j6WCa1k

39
حقول العبادي وبيادر البارزاني!

كفاح محمود كريم

     من الأمثلة العربية الجميلة حول الأوهام أو التوقعات غير الجدية مقارنة مع واقع الحال هو حسابات الحقل والبيدر، حيث أنها في الحقل ربما تعطي مع أوهام الربيع التي تشبه الربيع العربي، انطباعا مزينا بالغرور والتصور المبالغ، كما كان يتوقع رومانسيو الثورات من نتائج فوضويات الربيع العربي وماسيه، فما حصل للسيد عبادي وطاقمه من الذين أوهمتهم بنادقهم المهترئة وعقولهم القاصرة، بأن الطريق إلى قلعة اربيل سيكون بسهولة الاندساس إلى كركوك عبر مجموعة هزيلة، سهلت لهم غزو كركوك وشقيقاتها من بنات المادة 140 من الدستور، إن حساباتهم الحقلية تلك لم تتطابق مع بيادر البارزاني وحزبه، تلك البيادر التي حصد فيها البارزاني ما كان يتوقعه ويصر عليه في الانتخابات العراقية الأخيرة، وقبلها في الاستفتاء الذي جرى يوم 25 أيلول 2017م وحصد فيه الأغلبية من الأصوات.

     حينما قرر الفارون من الدستور إلى حيث صدى مقولة دكتاتور العراق الكبير صدام حسين ( ليس لدينا قانونا كالقرآن فنحن نضعه وفي أي لحضه نلغيه أو نعدله!)، أدرك الكثير هنا في إقليم كوردستان وفي مقدمتهم مسعود بارزاني إن برنامجهم اكتمل وهم قاب قوسين من تطبيقاته في اجتياح الإقليم وإلغاء كيانه وتجربته، والعودة لا إلى المربع الأول بل إلى ما تحته، ولذلك جاء الاستفتاء تعبيرا إنسانيا وقانونيا وأسلوبا مدنيا متحضرا للرجوع إلى رأي الأهالي في مسألة مصيرية تتعلق بحياة ملايين من البشر، إلا أنهم اعتبروا ذلك وبعنجهية بدائية إن هذا السلوك (غير دستوري) وانه يمس أساسيات الدولة العراقية، التي وصفتها ديباجة الدستور ووضعت أقفالا ومفاتيحا للدخول والخروج منها، تلك الديباجة التي وصفت العراق الجديد بأنه:
     (عراق المستقبل، من دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية ولا عقدة مناطقية ولا تمييز، ولا إقصاء.)
     وإذا كان هذا هو القفل فان المفتاح في هذا النص الذي ختم الديباجة هو:
     (إنّ الالتزام بهذا الدستور يحفظُ للعراق اتحاده الحر شعبا وأرضاً وسيادةً).
     ورغم ذلك اختاروا لغة الدماء والاجتياح وإيقاف العمل بالدستور، وخرقه باستخدام القوات المسلحة لحل النزاعات مع الأقاليم والمحافظات، هذه القوات التي تم تعريفها دستوريا في المادة التاسعة أولا/ أ:
     (لا تكون أداة لقمع الشعب العراقي ولا تتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها في تداول السلطة)
     ورغم ذلك تم احتلال كركوك والمناطق المتنازع عليها، وتهجير أكثر من 180 ألف مواطن ( حسب إحصائيات الأمم المتحدة في العراق وكوردستان ) وحرق مئات البيوت وسرق ونهب ممتلكاتها في طوزخورماتو، بل وان أول بيان لإعلان احتلال كركوك تم فيه منع استخدام اللغة الكوردية من قبل قائد العمليات العسكرية لمنطقة كركوك اللواء علي فاروق، رغم إن اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية في العراق إلى جانب العربية كما جاء في المادة أولاً:
( اللغة العربية واللغة الكوردية هما اللغتان الرسميتان للعراق ).*

     ولان الاستفتاء والانتخاب والاعتصام والتظاهر اساليبا مدنية متحضرة للتعبير عن الرأي، فقد استخدمها شعب كوردستان وقياداته للتعبير عن الخطر الذي يداهم الإقليم وشعبه، والذي أكدت مجريات الأحداث صدق ما ذهب إليه مسعود البارزاني من أن الاستفتاء جاء نتيجة (عدم تطبيق حكومة بغداد للدستور.)، وعليه قامت الدنيا ولم تقعد عند أولئك الذين ينظرون بعين واحدة ويريدون أن يروا العالم بزاويتهم الشمولية التي كلفت العراق منذ تأسيس كيانه السياسي، آلاف مؤلفة من الضحايا والفرص الذهبية للتقدم والتطور، إلا أنهم يصرون عبر كل مراحل التاريخ على إبقاء هذه البلاد على هذا النحو الذي هي فيه اليوم!
     لقد جاءت الانتخابات العراقية الأخيرة لتؤكد جملة من الحقائق، في مقدمتها فشل مشروع الإقصاء والتهميش لحركة التحرر الكوردستانية المتمثلة بالحزب الديمقراطي الكوردستاني ورئيسه مسعود بارزاني، الذي اكتسح صناديق الاقتراع في كوردستان متقدما على مستوى العراق والإقليم، مما يتطلب إعادة النظر ومراجعة العلاقات بين أربيل وبغداد بعيداً عن التعصب والتوتر وأن تكون تلك الانتخابات بداية لمرحلة جديدة بين الجانبين، مرحلة فرضتها إرادة الشعبين العراقي والكوردستاني، العراقي حينما رفض أكثر من نصف سكان العراق التصويت احتجاجا على فشل الحكومات وبرلماناتها، وكوردستانيا هذا الإصرار من شعب كوردستان وتمسكه بقيادته وحركة تحرره الوطني والقومي الذي رفض كل نتائج غزوة كركوك وتداعياتها وأصر على الديمقراطية والحوار والانتخابات التي أفرزت واقعا جديدا تأمل فيه البارزاني أن تتم مراجعة للعلاقات بين أربيل وبغداد بعيداً عن التعصب والتوتر، وأن تكون تلك الانتخابات بداية لمرحلة جديدة بين الجانبين، لا تخضع لحسابات كارثية أكل عليها الزمن وشرب، بل على معطيات واقعية تتعامل مع حقيقة البيادر المنتجة للخير والسلام والازدهار، وليس للهيمنة والتهميش والإقصاء!.

* رابط منع استخدام اللغة الكوردية من قبل قائد عمليات كركوك:
https://www.youtube.com/watch?v=iPV3j6WCa1k

40
وفاز أصحاب الاستفتاء!

كفاح محمود كريم

     راهن الكثير من صناع الأزمات سواء في بغداد أو في غيرها من عواصم الخلاف الأبدي مع الآخر المختلف، بأن عملية الاستفتاء التي جرت في أيلول سبتمبر 2017 جاءت بالضد من مطامح الأغلبية الكوردستانية، وستتخرج أصحابها من فضاء قيادة المشروع الحضاري الكوردستاني والعراقي، ولعله من المفيد أن نذكر أيضا كل تلك الإجراءات التعسفية التي استهدفت في رأس رمحها رمز الاستفتاء والمشرف عليه السيد مسعود بارزاني، محاولة إخراجه من حزمة قيادة حركة التحرر الكوردستانية التاريخية، كما كانت تفعل خلال عقود طويلة مع الزعيم ملا مصطفى البارزاني، ثم تعود مستكينة مكسورة لتبدأ مفاوضاتها معه!

     اليوم أيقن الجميع إن كل الطرق مغلقة أمام من يريد حلا حضاريا حقيقيا للقضية الكوردية باستثناء طريق البارزاني وحزبه، الذي اكتسح الانتخابات العراقية العامة في إقليم كوردستان ليحقق دوما ريادته وزعامته للمشهد السياسي والاجتماعي في كوردستان العراق، وصدق المثل العراقي الدارج  ( كل الشرايع زلك والعبرة من عندنا ) في توصيف ما قاله الرئيس الأسبق صدام حسين عشية البدء بمفاوضات السلام نهاية 1969 مع الزعيم ملا مصطفى البارزاني حينما قال:

     " لا يمكن التفاوض حول حقوق الكورد وقضيتهم مع أي جهة أو شخص إلا مع البارزاني والبارتي ويقصد الديمقراطي الكردستاني "

     في غزوة كركوك أراد أصحابها وعسسهم في الإقليم من شلة النفط والدولار إقصاء أصحاب الاستفتاء، وتهميش دور الزعامة البارزانية لمشهد التاريخ الكوردي حاضرا ومستقبلا، فجاءت عاصفة الانتخابات العراقية لتكتسح تلك الآمال والتوقعات وتزيح المستور من المؤامرات في ضرب أصحاب الاستفتاء في عقر دارهم، لتؤكد نتائجها أنهم أساس البناء في كيان الإقليم، وما يزالون الدرب الأوحد للمرور عبره في تحقيق الأمن والسلام لا لكوردستان فحسب وإنما لكل العراق.

     حقا أنها فرصة ذهبية للفائزين بكرسي الحكم في بغداد للمرور الأخير ربما عبر بوابة البارزاني الذي خذلته ضباع السياسة المحلية والإقليمية، وانتصرت له إرادة الملايين من الذين أرادت بغداد معاقبتهم بسبب مشاركتهم بالاستفتاء، فوقفوا بجانبه رغم عسرة المعيشة ولؤم الحاكمين على المال والسلطة في بغداد، وقال الجميع إننا مع بغداد المواطنة ودولة الشراكة الحقيقية وإلا فان بطاقة الاستفتاء الحمراء ما تزال في جيب الحكم!

kmkinfo@gmail.com
                                                                                                                          أواسط أيار 2018م


41
ديمقراطية الشيخ والملا والدينار!

كفاح محمود كريم


     في واحدة من أكثر الصور إثارة  تلك التي تجلت في التطبيقات الديمقراطية الغربية على بلدان تتحكم في مفاصل حركتها الحياتية الدقيقة موروثات مئات السنين من حكم شيخ القبيلة وعالم الدين (الملا) والدينار، تلك الصور الدخيلة تماما على أنماط السلوك والعادات في هذه البلدان، التي تعاني أساسا من إشكاليات في تكوينها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وخاصة ما يتعلق بمفهوم العدالة ومصادر قوتها، هذا الثلاثي الذي اثبت قدرته على إفشال معظم التجارب التي تم تطبيقها في مختبرات تلك الشعوب ودولها، وهنا استذكر كلاما لمواطن بسيط من عامة الأهالي وهو يتحدث بزهو عن عظمة الشعب ومقدرته على إفشال  تلك التجارب، وكان يقصد الأنظمة وتجاربها، ابتداءا من محاولات الهواشم في تكوين دولة مواطنة برلمانية ديمقراطية على غرار الأسطوات البريطانيين، لكن هذا الشعب العظيم نجح في تحويل برلمان الملك إلى مضيف من مضايف الشيوخ بكل عاداته وتقاليده، حتى انتصر الزعيم ورفاقه من الضباط الأشاوس في إبادة الهواشم وبرلمانهم وحكومتهم، والبدء بتأسيس الجمهورية الخالدة واشتراكيتها المزعومة، التي ما برحت أن أبيدت هي الأخرى، لكي ينتصر البعث ويشرع في تأسيس دولة حزبه المنشودة من الخليج إلى المحيط، والتي تمخضت فولدت الأنفال وغزو الكويت، وسرعان ما انهارت هي الأخرى وفشلت اشتراكيتنا الخاصة جدا!
     بعد حروب داخلية وخارجية استمرت طيلة ما يقرب من ثمانين عاما، أنتجت مئات الآلاف من القتلى والمعاقين ودمرت بلادا كانت توصف ذات يوم بالبلد الأغنى، فشلت بتميز سلسلة من التجارب السياسية والاقتصادية التي تم تجريبها حتى أدرك الغرب وقائدته أمريكا إن هذه التجارب والأنظمة أصبحت سلوكا وراثيا تاريخيا، بل أن الأخير أي نظام القائد الضرورة التصق بكرسي الحكم ومفاصله الاجتماعية والنفسية حتى لم يعد أي عراقي يجرأ بمجرد التفكير بتغييره، وكما قال احدهم بأنه لولا جيوش الغرب لحكم العراق أحفاد صدام حسين وأبنائهم، وادعى الولايات المتحدة بأنها جاءت لتنقذ العراق وشعبه، وبدأت بتطبيق برنامجها الديمقراطي معتمدة وبشطارة على ذات  الثلاثي التاريخي الشيخ والملا والدينار، الذي أفشل كل التجارب السابقة، مبررة ذلك بأنها موروثات اجتماعية مقدسة لا يمكن المساس بها!   
     ولنبدأ من حيث انتهت أوضاع هذه البلاد بقيام الفاتحين الجدد من الأمريكان وحلفائهم بإسقاط آخر الأنظمة الدكتاتورية فيها، وإدخالها في مدرسة الديمقراطية الغربية منذ خمسة عشر عاما، خاضت فيها ثلاثة امتحانات اقصد انتخابات كانت نتائجها جميعا ما نشهده اليوم في بلاد تم وصفها بالدولة الفاشلة والافسد في العالم حسبما جاء في تقرير منظمة الشفافية الدولية نهاية العام 2017م؛ حيث إن ثلثها مدمر في الاحتلال والتحرير، وثلثها الثاني يعاني من الفاقة والعوز والفقر وتردي الخدمات، وثلث ثالث محاصر ومحارب لكونه ازدهر وبازدهاره فضح عوراتهم فأراد الخروج من هذه العجقة المريبة.
     تحت ظل هذه الظروف وهذا الواقع المزري تخوض بلادنا امتحانها الرابع بأكثر من ثمانية آلاف مرشح  يتهافتون على حجز كراسيهم في بنك يسمى البرلمان، وامتيازات لا نظير لها في كل العالم المتقدم منه والمتخلف، وينتظرون موافقة ما يزيد على أربعة وعشرين مليون ناخب، غالبيتهم تنخر في مكنوناتهم العميقة ثقافة العبودية والقطيع القبلي أو المذهبي أو التكسبي، ولا يهمهم إطلاقا إلا رضا الشيخ أو المرجع أو الجيوب، بعيدا عن أي مفهوم ناضج للوطن والمواطنة الحقة.
     مدارس الديمقراطية الغربية التي فتحتها أمريكا وبعض بلدان أوربا في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا وقبلهم أفغانستان، أتت أكلها وأنتجت بلدانا خربة تعبث فيها أفواجا من الفاسدين والانتهازيين، وكرست ثقافة القرية والعشيرة والتناحر المذهبي والديني تحت غطاء الحرية والديمقراطية العرجاء، مدارس بمستويات عالية تفتتح لمجتمعات تعاني في الأصل من أمية أبجدية وحضارية وثقافية واجتماعية، ولا تقدر على إدراك مفاهيم قبول الآخر، واستبدال نمط حياتها بحياة جديدة لا تقبل رؤساء آلهة ولا أحزابا مخولة من الإلهة في حكم البشر، مجتمعات أدمنت على النظم التربوية والدينية والقبلية التي تكرس ثقافة الشمولية والعبودية وتلغي بشكل مطلق أي توجه نقدي، بل تعتبره كفرا وإلحادا، أو عمالة للأجنبي والمستعمر!
     في هذه المدارس تتساوى ( الكرعة وأم الشعر - القرعاء ) كما يقول الدارج المحلي، أو مثل ما وصفه الرئيس العراقي السابق جلال طالباني (إن صوته وصوت أي نكرة آخر في الانتخابات واحد!) بمعنى إن أفواجا لا نهاية لها من الناخبين المسطحين من الذين لا يعرفون الخميس من الجمعة، يقودهم شيخ القبيلة أو رجل الدين بفتاويه المزاجية، أو الحاجات الأساسية وخاصة المال، هم الذين سينتخبون المرشح الفلاني دون النظر أو ربما حتى دون أي دراية عن أي شيء، إلا ما ينحصر في ما ذكرته وعلاقته بالثلاثي الديمقراطي (الشيخ والملا والدولار).

     الشيخ الذي حاول الرئيس احمد حسن البكر تهميشه ومن ثم إلغاء دوره في محاولة لتأسيس دولة مواطنة، اغتالها صدام حسين القروي وأنشأ بدلا عنها دولة العشيرة والقرية، هذا الشيخ الذي نُفخ فيه في تسعينيات القرن الماضي حتى أطلق على موديلاته الثلاث ألف وباء وجيم بشيوخ التسعين، أصبح الأداة الضاربة والآمرة لرئيس العشائر والقرى.

     والملا بشطريه السني والشيعي وتحت ظلال حكم الطبقة السياسية الحالية، أصبح هو الأخر أداة كما كان أيام الحملة الإيمانية الوطنية التي أنتجت هذه الأفواج من الملالي والمعممين والإرهابيين والفاسدين حتى النخاع، يساق من قبل هذه الطبقة كواحد من أهم وسائل النفوذ الاجتماعي، وسلم رباني للصعود إلى جنات السلطة والمال.

     والدينار وما إدراك ما الدينار وما سحره وتأثيره في صناديق الاقتراع ونتائج الانتخابات، ولكي لا نقسِ في جلدنا لذاتنا هنا، فهو وشقيقه المهيمن الدولار، هذه العملة العالمية التي دست انفها في انتخابات أعظم الدول وأعرقها في المضمار الديمقراطي، فما بالك فيمن إيراده السنوي لا يتجاوز ألف دولار، أي اقل من ثلاثة دولارات يوميا، ويدفع له مائة دولار لشخطة قلم أو لشراء بطاقته الانتخابية، هذا الدولار الذي يستخدم في شراء مناصب الدولة العراقية، ابتداء من مدير الناحية ووصولا إلى رئيس الحكومة، فما بالك بالأغلبية التي تتاجر على قد حالها بأصواتها، ولم يعد يهمها أو أساسا لا يهمها من سيجلس على الكرسي سواء في برلمان التهريج أو حكومة الصفقات والأكاذيب.
     مظلومة هذه البلاد بآفاتها وحليمتها التي تعود اليوم إلى عادتها وسلوكياتها، وان تغيرت وسيلة العودة من الزعيم الأوحد والحزب القائد والرئيس الضرورة إلى مختار العصر وقائد النصر، تحت ظلال أحزاب الله والإسلام والمذاهب تارة، وأحزاب الأمة الخالدة تارة أخرى، حيث تجتمع اليوم الأدوات الثلاث:
     شيخ القبيلة وشيخ المذهب وسيد الجيوب الدينار، لرسم خارطة العراق الجديد بأكثرية من الانتهازيين والوصوليين وتجار المناصب وعمولات الفساد والإفساد، وصدق من قال ستفوز نفس الوجوه ليس لأنها نخبة واعية، بل لأننا أغلبية جاهلة!.

kmkinfo@gmail.com
أواخر نيسان 2018م





42
لا تطلب الدبس من النمس؟

كفاح محمود كريم

    للوهلة الأولى وأنا استمع لهذا المثل العراقي الجميل ظننته يقصد ذلك الحيوان الذي يرعب الأفاعي ويصطادها بسرعة مذهلة، لكنني أدركت فيما بعد إن الدبس والنمس مفردتان شكٌلهما الدارج المحلي للتعبير عن الرجاء الذي ليس في محله، وقد تداولتهما الأجيال في توصيف أولئك الذين لا يرتجى منهم خيرا، والدبس هو عصير التمر المعروف، أما النمس فهو درجة من درجات النظافة البائسة التي تقع بين النظيف وبين القذر أو الوسخ، وليس الحيوان المعروف كثيرا في افريقيا وجنوب شرق آسيا، والنماسة تعني الوساخة أي عدم النظافة تحديدا، حيث يصعب كثيرا أن تطلب شيئا لذيذا أو نظيفا من شخص غير نظيف!

     بهذه المقدمة أردت أن ادخل إلى موضوعين متشابهين رغم البون الشاسع بينهما، الأول يتعلق باعمار المدن المخربة اقصد المحررة من داعش، والتي قلب التحرير عاليها على ناصيها، فكانت مدن من الذاكرة ليس إلا، والثاني هو المستنقع الذي صنعته بغداد بين كوردستان والعراق، وكيفية ردمه وإعادة فتح الطرق بينهما، ففي الأول يطلب سكان المدن المخربة اعمار مدنهم وبقية البلدات من الحكومة الاتحادية التي تغص في بحيرة من قذارات الفساد واللصوصية، حتى حولت كل مدن البلاد إلى خرائب وان تكن لم يمسسها داعش، فليست البصرة بأحسن حال من الفلوجة، أو المحاويل أفضل من سنجار، بفضل مكرمات وبركات برلمان الفساد وحكومة الأكاذيب والادعاءات، أصبحت البلاد من افسد وافشل البلدان، ويأتي بعد كل ذلك الموصلي أو الانباري أو السنجاري ليطلب منها إسعافه واعمار مدنه، والانكى في هذه التراجيديا إن مجاميع من الفاسدين والمغرر بهم ومثلهم أو أكثر بكثير أولئك الطامحين في السحت الحرام من الامتيازات وصفقات الفساد من كعكات برلمان المهازل، حيث التبشير بأن الدبس بين أصابعهم وهم الذاهبين إلى ظلال قبة البرلمان والملوثين بأطماع الثراء الفاحش وكعكات إحدى نائبات الدورات الثلاث!

     تلك هي والله رجوة الدبس من النمس!

     أما الثانية فهي ما يحصل الآن بين العراق وكوردستان فهي بحق مهزلة ومسرحية مثيرة للأشجان والسخرية معا، حتى توهم البعض إن الطاقم الحاكم الحالي في العراق، قادر على حل تلك الإشكاليات وهو صانعها منذ سطى على كراسي السلطة باستخدام سلالم صناديق الديمقراطية العرجاء والصفقات الصفيقة وفتاوى أئمة السياسة والدين، إشكاليات تم تجميعها في دوائر صناعة الأزمات وتعقيد المشكلات، لتحقيق الأهداف المنشودة في إقامة نظام ايديولجي ذي خلفية دينية مذهبية، وإلغاء ما جاء في الدستور، بعد فرض نظام الأغلبية الذي سيتيح لهم إجراء تعديلات تفصله على مقاساتهم.

     إن المشهد القادم لن يكون أفضل مما مضى إن لم يكن أسوء، حيث التوجه لفرض دكتاتورية الأغلبية بشرعية برلمانية تسيطر عليها قوى الحشد الشعبي التي أدغمت في العملية السياسية والبرلمانية خلافا للدستور كونها مؤسسة عسكرية مذهبية مؤدلجة، مما سيقصي تماما بقية المكونات التي تختلف معها فكرا وعقيدة وانتماءا، وبذلك تعود حليمة إلى عادتها القديمة، ولم يعد هناك دبسا يطلب ولا نمسا يلاحق الأفاعي!

kmkinfi@gmail.com
أواسط نيسان 2018م





43
هذا العراق.. الشعب أم الحكومات!
كفاح محمود كريم

     في واحد من الأحاديث النبوية المثيرة التي اختلف المفسرون في معانيها رغم وضوح كلماتها، شبه النبي محمد (ص) الشعوب بحاكميها حينما قال ( كيفما تكونوا يولى عليكم )، وبصرف النظر عن تصنيفات علماء الأحاديث في ضعف أو قوة الحديث المنسوب للنبي، إلا انه جاء معبرا بدقة عن حال الشعوب والحكومات أو الزعماء في منطقتنا عموما، ومطابقا لما شهدته هذه البلدان والشعوب في انعكاس خلاصة ما يختزنه الشعب من ثقافة وسلوك في تصرفات حكوماته أو زعمائه ملوكا كانوا أم رؤساء، ومعنى الحديث كما هو واضح أن الوالي والأمير يكون من جنس المولى عليهم ( الرعية ) فإن كانوا صالحين كان مثلهم، وإن كانوا فاسدين كان مثلهم، والحالة التي يكونون عليها يكون عليها ولي أمرهم.

     ولعله من المفيد أن نذكر أيضا الدارج العراقي الشهير ( عاب شي لا يشبه أهله ) الذي عبر عن ذات المعنى في توصيف دقيق لما شهده العراق من سلوكيات المرؤوسين قبل الرؤساء، وما فعلته الآلاف المؤلفة بل الملايين من تصنيع دكتاتوريين بمختلف الموديلات والأنواع، ابتداءً من شيخ القبيلة وصعودا إلى الملك المفدى أو الزعيم الأوحد أو الرئيس الضرورة، حتى ظن البعض منا أنه مرض عضال وميؤوس من شفائه، خاصة وأن فرصة إسقاط ذلك النظام على أيدي الأجانب، منحنا فرصة إعادة بناء الدولة بمعايير جديدة، في مقدمتها البدء من أول درجات السلم وهي المدرسة، لكننا فوجئنا بتراكم هائل من ثقافة متكلسة لدى كل الأدوات التي تم استخدامها، وهي موروثات عبر مئات السنين وربما تحتاج إلى مئات أخرى لتغييرها جذريا!

     إذن ونحن نجلد أنظمتنا السياسية دوما بمختلف أشكالها، لا ننسى أننا  نادرا ما نجلد أولئك الذين صنعوا تلك الأنظمة، وبالتأكيد أولئك ليسوا بالعشرات أو المئات بل بالملايين الذين شهدوا عبر التاريخ، قراءة أو معاصرة، وهم بالتالي يمثلون منظومة الثقافة والأخلاق والعادات والسلوك الاجتماعي الجمعي لكل هذه الشّعوب التي أذابتها في بوتقة قوانين الخيمة والإبل ، غزوات البدو مستخدمة الدين وسيلة وحصان طروادة للهيمنة وفق سياقات الغرائز بعيدا عن أي مفهوم حضاري نوعي باستثناء مظاهر لا تمت لبواطن السلوك بأي صلة، ولقد شهدنا جميعا في مجتمعاتنا الشرقية عموما والعربية والشرق أوسطية بشكل خاص، التأثر حد البلاهة بالمظاهر الأوروبية دونما الولوج إلى أعماق حضاراتهم، أو على الأقل إلى بدايات إنتاج تلك المظاهر.

     وفي معظم التجارب الديمقراطية في منطقتنا وبالذات التجارب الثلاث الأقدم؛ التركية والمصرية والإيرانية، والى حد ما اللبنانية والعراقية الْمَوؤدَة في تموز 1958م، لم تنجح في إقامة دولة المواطنة بين سكانها المختلفين عرقيا ودينيا ومذهبيا، وبقيت الصراعات محتدمة رغم الإكسسوارات التي استخدمت في كل هذه البلدان، خاصة بين المذهبين الشيعي والسني والأديان ( المسلمين وبقية الأديان الأخرى ) والأعراق وما يحصل منذ قرن من الزمان من عمليات إبادة جماعية عضوية أو ثقافية للأعراق المختلفة عن العرق السائد ( الكورد والامازيغ والعرب والتركمان وبقية الأعراق الأخرى ).

     وبنظرة متفحصة لسلوك أي أسرة وأفرادها من عموم الأهالي في أي مدينة أو قرية،  تظهر بشكل جلي أنماط التربية والسلوك التي أنتج نظامها السياسي ومواصفاته  عبادة الفرد وعدم قبول الرأي الآخر، بدءا من الطاعة العمياء للأب والأم والمعلم وشيخ القبيلة وعالم الدين أو إمام الجامع صعودا إلى مستويات الإدارة بمختلف أشكالها، دون وجود أي أثر لثقافة نقدية تناقش وترفض أو تقبل أي فكرة أو رأي، تحت مختلف التبريرات الدينية التي تصل حد التكفير والاتهام بالإلحاد وإقامة حد القتل، أو الاتهام لمجرد مناقشة الأب أو الولي بالخروج عن القيم الأخلاقية مما يسقط الفرد اجتماعيا أو تربويا، وبذلك ودون أن نشعر، سادت شمولية اجتماعية ودكتاتورية باتت مقبولة عرفيا واجتماعيا ودينيا وتربويا، تواقة لصناعة أي دكتاتور لمجرد سيطرته على مكامن  القوة، مما أنتج في آخر عمليات التكاثر الأميبي لهذا السلوك مجموعة الأنظمة التي صدق من وصفها (كيفما تكونوا يولى عليكم ).

وحتى تحقيق ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ستبقى عجلة الدكتاتورية الاجتماعية والدينية والقبلية قبل السياسية تسحق آمالنا وتطلعاتنا نحو مستقبل محترم!

44
هل الديمقراطية صناديق اقتراع فقط؟

كفاح محمود كريم

     عاش العراق منذ الانقلاب على الملكية في تموز 1958 وحتى إسقاط نظام الرئيس صدام حسين وحزبه من قبل التحالف الدولي في نيسان 2003، نظاما شموليا وان اختلفت التسميات والإكسسوارات من مجلس السيادة إلى الاتحاد الاشتراكي إلى المجلس الوطني العراقي وصولا إلى برلمان العشائر والأحزاب الدينية والمذهبية، ولم تختلف الأنظمة في جمهوريات الزعيم والعوارف والبعثيين عن بعضها إلا بسمات رمزية لم تؤثر على النهج العام للنظام الذي استمر حتى يومنا هذا بوتائر ترتفع تارة وتهبط تارة أخرى.

     لقد ظن العراقيون إن الغرب وبقيادة الولايات المتحدة سيعينونهم على إحداث تغييرات جذرية في البنية السياسية والاجتماعية والثقافية بعد إزالتهم لهيكل إدارة صدام حسين وأجهزته القمعية، لكن ما حدث خلال السنوات التي تلت 2003 أكدت إن تلك الظنون ما هي إلا اضغاف أحلام متهرئة، فبعد ثلاث دورات برلمانية مارس خلالها العراقيون انتخابات يفترض أنها اختلفت عن انتخابات حزب البعث ومن سبقه في حكم بلاد الرافدين، أنتجت لنا دولة تم تصنيفها من ناحية اللصوصية بأنها دولة فاسدة بامتياز، حسب مؤشر مدركات الفساد لعام 2017 لمنظمة الشفافية الدولية الذي  أظهر إن خمسة بلدان عربية هي الأكثر فسادا في العالم وهي العراق والصومال وسوريا واليمن والسودان، والأكثر فسادا تعني إن غالبية مؤسسات الدولة وسلطاتها الثلاث ينخر فيها الفساد وخاصة الفساد المالي الذي ينتجه فساد التربية والأخلاق، بمعنى إن الذين أنتجوا السلطة التنفيذية بشقيها رئاسة الوزراء والجمهورية هم منبع هذا الفساد، والغريب إن كل شرائح الشعب تتهم البرلمان وأعضائه وأحزابه وسلطاته التي أنتجها باللصوصية، ورغم ذلك وبعد أسابيع قليلة يبدأ ماراثون الانتخابات العراقية الرابعة بمشاركة الآلاف من مرشحي الأحزاب والمستقلين والعشائر والأديان والمذاهب والتكتلات والشركات، للوصول إلى مجلس إدارة بنك البرلمان العراقي، في بلاد تغص بالفساد والمفسدين، وتشتت الانتماء وتمزق أنسجة المواطنة لحساب دشاديش العشائر والمذاهب، تتبارى فيها منذ الآن جوقات وكروبات جديدة من احدث موديلات مساحي الجوخ الانتهازيين والمتملقين جامعي أموال الرشاوي والسحت الحرام، بالتعاون مع بعض المسؤولين المتمرسين بالفساد والإفساد، من اجل تولي مناصب المشهد السياسي القادم، بدعم من مفاصل مهمة في الحكومة وغيرها ممن يمتلكون مفاتيح السلطة والمال.

     إن ما يجري الآن ومنذ سنوات عجاف يدفع إلى الرأي العام أسئلة مريرة، تدور دوما حول خيارات الناخب وقراءاته لحقيقة ما يحدث ومنذ 2005 مقارنة مع واقع الحال اليوم، ووعود أولئك الذين منحهم صوته على أنغام التدليس  والرشاوى وولائم السحت الحرام، واكتشف أنهم أصلا بحاجة ماسة إلى تأهيل تربوي واجتماعي وأخلاقي، أسئلة تتعلق بشخص الناخب وتأهيله وسلوكه وثقافته، وهل هو فعلا بمستوى اختيار الأفضل لخدمة البلاد وتمثيل الشعب في البرلمان؟

     هذا الناخب الخارج من سرداب الشمولية المسجون فيه منذ عشرات أو ربما مئات السنين في ظل ثقافة الاوحدية التي تحدد الانتماء للعشيرة والشيخ، أو للقرية والمدينة، أو للدين والمذهب، بعيدا عن مفهوم الوطن والشعب في مجتمعات أدمنت النظام الشمولي، وعشقت حتى الوله الفارس المقدام والقائد الملهم، ولا يمكن أن تتحول إلى النظام الديمقراطي بين ليلة وضحاها، كما لا يمكن لها أن تستوعب رئيسا لبلادها كموظف من الموظفين على الطريقة الأوربية، بل إن كل ذلك يتناقض كليا مع نهجها وتربيتها وسلوكياتها الاجتماعية والدينية التي تفرض نظاما شموليا صارما من البيت إلى المدرسة إلى الجامع.

     ما يحصل اليوم وغدا في لعبة المارثون الديمقراطي المشوه للتسلط، لا يتجاوز الإكسسوارات التجميلية لشكل النظام البديل، الذي تم تأسيسه إثر نجاح العملية الجراحية التي استأصلت حزب البعث ورئيسه من هيكل السلطة، حيث حافظ النظام الجديد على معظم الأنشطة الحيوية والسلوكية للأنظمة السابقة، بل تجاوزها بامتياز، ولذلك لا أمل منظور في أي نتيجة مختلفة عما سبق منذ 2005 ولحد اليوم، إلا اللهم مزيدا من الفساد ومزيدا من أفواج السراق وأجيال مطورة من الدكتاتوريين الجدد.

    ترى هل الديمقراطية صناديق اقتراع أم تربية وأخلاق، وإن كل ما جرى كان مسخا وسلما لارتقاء الفاسدين والانتهازيين والفاشلين من السياسيين ورجال الدين!؟

kmkinfo@ggmail.com
أواخر آذار 2018م

45
إنهم يلتهمون الدستور!

كفاح محمود كريم

     قبل ما يقارب من ألف وخمسمائة عام ، وفي الجاهلية الأولى كان بعض من ( أجدادنا العظام ) يصنعون آلهتهم من التمر، وحينما يمسهم الجوع ( يتناوشون ) تلك الآلهة فيلتهمونها دونما خوف أو وجل، هؤلاء ( ألأجداد العظام ) كانوا أيضاً يدفنون فلذات أكبادهم من الإناث ( خشية إملاق ) أو عار ، وهم أنفسهم كانوا ( يستدعون الفحول ) لزوجاتهم في أول عمليات تحسين النسل في التاريخ، وبحسب الخارطة الجينية فان هذا النوع من البشر ما يزال يعيش ويتكاثر ويمارس هذه الثقافة وان اختلفت العناوين والتسميات، وقد أثبتت التجارب والأحداث عبر التاريخ بالمقارنة الحرفية الدقيقة بين ملتهمي آلهتهم قبل ألف وخمسمائة عام، وبين ملتهمي القوانين والدساتير اليوم هذا التطابق والاستمرارية، كما أكدت المقارنة السلوكية بين أولئك الذين كانوا يمارسون زواج المباضعة مع هؤلاء الذين يستقدمون الأجانب ويستقوون بهم على أبناء جلدتهم وبلدانهم!

     لا نريد ضرب الأمثلة بقدر ما نبغي التأكيد على إن تلك السلوكيات مستمرة رغم ما فعلته الأديان والحركات الإصلاحية خلال مئات السنين مع تلك المجموعات في الجاهلية الأولى وما تلاها من جاهليات حتى يومنا هذا، التي طالما يتكثف تمركزها في مفاصل القيادات السياسية لبلدان الشرق، والشرق الأوسط حصريا، حيث تتضح وبشكل جلي استمراريتها مع وجود تغييرات سطحية في العناوين والأسماء، بينما حافظت تلك المحركات الثقافية لذلك السلوك على نوعيتها وتطبيقاتها العملية بشكل ميداني، في معظم هذه الدول وخاصة تلك التي ابتلت بتنوع المكونات العرقية والدينية والمذهبية.

     بمراجعة سريعة لدساتير معظم دول الشرق الأوسط وخاصة الشمولية منها، يكتشف المرء بأنها دساتير مثالية تضم مواد وفصول الحريات وحقوق الإنسان وتداول السلطة والانتخابات ومعظم آليات النظم الديمقراطية العريقة، لكنها في واقع الحال بعيدة جدا عن تلك المفاهيم، فالعناوين هي ذاتها لكن التفاصيل متعارضة جدا، ولعلنا نتذكر الدستور العراقي المؤقت أو مشروع الدستور الدائم الذي تمت مناقشته أشهرا طويلة قبيل إسقاط نظام صدام حسين، والذي احتوى في حينها على مواد أساسية تتعلق بحرية التعبير والمظاهرات والانتخابات وتداول السلطة، وكذا الحال مع الدستور السوري والمصري واليمني والإيراني، حيث تركز جميعها على النظام الديمقراطي وعلى حرية الفرد وحقوق الإنسان، وهي بالتالي من أقسى دول العالم مع مواطنيها، بل ارتكبت أشنع الجرائم بحقهم، ولم تمنعها تلك الدساتير من اقتراف كوارث مروعة بحق دولها وشعوبها.

     واليوم وبعد عاصفة الربيع العربي الترابية التي أحرقت الأخضر واليابس تحت يافطة الديمقراطية وإسقاط النظم الشمولية، يغلب الطبع على التطبع وتعود تلك الثقافة لتحرك الطواقم التي ورثت كراسي الحكم وخزائن الأموال في الدول التي اجتاحتها العواصف الهوجاء، لتلتهم الدساتير والقوانين كما التهمت محركاتها الأساسية قبل مئات السنين آلهتها المصنوعة من التمر، بل تطابقت في معظم تلك السلوكيات، فبدلا من أن تستدعي فحولا لتحسين النسل استنجدت بجيوش أجنبية لمحاربة أهلها، وهي بالنتيجة تعطي نفس المعاني إن لم تك أقبح!

     ترى بعد أن حولوا الأديان إلى سلالم ومفاتيح، والدساتير إلى كراسي وسياط، أي ديمقراطية هي الحل مع هذه الكائنات!؟

kmkinfo@gmail.com
أوائل آذار 2017م

46
إقليم كوردستان بين الاتهامات والحقائق!

كفاح محمود كريم

     عودنا رئيس الحكومة الاتحادية في بغداد على تصريحاته التي تتدفق منذ إجراء الاستفتاء في كوردستان وحتى تصريحاته الأخيرة التي تضمنت سيلا من الوعود التي لم يتحقق منها أي شيء، حيث أكد هذه المرة على إن الحوارات مستمرة رغم وجود من يبعدنا عن بعضنا، ومن هذا التصريح يفهم المرء خيوط اللعبة سواء بين التحالف الوطني أو في ما بين كتلة القانون وأجنحتها مع إقليم كوردستان.
     
     في معظم تصريحاته يحاول الانتقاص من الإقليم بل ويعمل على إقصائه وتشويه سمعته وتسطيح الرأي العام بمعلومات غير دقيقة ومشوشة، ولعل تصريحاته المكررة حول الحدود والمنافذ والمطارات والمعاشات ومنذ عدة أشهر خير دليل على عدم مصداقية ما يذهبون إليه في أنها غير خاضعة للسيادة الاتحادية، حيث يخفي من خلال هذا التكرار المستمر حقيقة أخرى تتقاطع تماما مع أطروحاته، وهي إن السيطرة على كل الحدود العراقية التركية والعراقية الإيرانية من جهة كوردستان لقوات حرس الحدود الاتحادية المشكلة منذ عام 2005م وهي تتبع وزارة الداخلية الاتحادية تجهيزا وتسليحا وأوامرا، أما موضوع مرتبات الموظفين وحجته بأنها يجب أن تخضع للتدقيق فإنها فرية أخرى إذا ما قارنا ما موجود في إقليم كوردستان والبالغ مليون وربع المليون موظف بضمنهم المتقاعدين ومنتسبي الرعاية الاجتماعية، مع الأجزاء الأخرى من العراق حيث يقترب عدد الموظفين من ثمانية ملايين موظف ما بين حقيقي وفضائي، ناهيك عن المخالفات الكبيرة في موضوع التعيينات الوهمية في المؤسسات العسكرية والأمنية وغيرها من المؤسسات الخاصة، ولم نسمع بان الحكومة الاتحادية طلبت من أي من محافظات العراق إخضاع موظفيها للتدقيق، علما بان الإقليم يستخدم وعبر شركات عالمية غاية في الدقة والتطور أسلوب البايومتري لتحديد وكشف أي خلل أو تجاوز أو تكرار هنا أو هناك.

     ويدرك العراقيون قبل الكوردستانيين مدى تطور مطار اربيل الدولي ودقة توقيتاته وخدماته ونظافته قياسا حتى بمطار بغداد الدولي وبشهادة سلطة الطيران الاتحادية والدولية، وهو يرتبط منذ افتتاحه مع سلطة الطيران الاتحادي، بل ولا تقلع منه أو تهبط فيه طائرة إلا بموافقة الحكومة الاتحادية، وما يفعله رئيس الحكومة الاتحادية مجرد قرار سياسي يتم استثماره دعاية انتخابية بعد أن نجحت وسائل الدعاية التي يسيطر عليها هو وحزبه من إشاعة الكراهية والحقد ضد الكورد وكوردستان، مما يزيد في شعبيته وصولا للولاية الثانية!

      أما تصريحه حول طموحات الكورد ومنها الاستقلال التي تطرق اليها حينما قال لصحيفة اليوم السابع المصرية:
(البعض لا يريد حل الأزمة ويصر على إقامة وطن قومي للأكراد وهذا حلم وطموح، لكننا نرفض ذلك بشكل كامل)
     يذكرنا هذا التصريح بتصريحات قادة العراق ممن سبقوه وآخرهم الرئيس الأسبق صدام حسين الذي كان يؤمن بحقوق الكورد ودولتهم لكنه يريدها فوق كوكب آخر(!)، وهكذا حال كل من تسلم مسؤولية هذه البلاد المنكوبة بحكامها، حيث اختارت تلك الحكومات الطريق الأكثر سهولة والأعظم همجية في التعاطي مع القضية الكوردية، وشهدنا جميعا نهاياتها المأساوية وما خلفته للعراق من دمار وتخلف وفقر وتدهور.

     إن هذه الحقوق والطموحات والآمال لا توقفها عمليات الحصار وحظر الطيران وقطع الموازنة والرواتب والتصريحات النارية واللئيمة، فقد جرب نظام البعث كل أسلحة الدمار الشامل، وكانت النتائج منذ 1958 وحتى يومنا هذا سقوط تلو سقوط، وفشل ذريع في كل مجالات الحياة، حتى غدت دولة العراق واحدة من افشل وافسد دول العالم، في الوقت الذي كان يفترض أن تكون عكس ذلك تماما بعد إسقاط نظام البعث.

     وأخيرا ربما يستطيع رئيس الحكومة الاتحادية أو أغلبيته في البرلمان أن تؤثر على خيارات شعب كوردستان حينما تتباهى حكومته بما تقدمه للمواطنين  وتقنعهم باتحاد اختياري حقيقي ومشاركة فعلية نقية نابعة من الإيمان بأننا شركاء اصلاء في هذا الوطن، لا أن يعمل من أجل إفراغ الإقليم من مفهوم الفيدرالية والعودة إلى الحكم المركزي الشمولية، وتهيئة الطريق لأغلبية تتمكن من تعديل الدستور وإلغاء الفيدرالية وتكريس مفاهيم أخرى تم إسقاطها بإسقاط نظام صدام حسين، وإزاء ذلك تمنينا لو قارن بين ما يفعله منذ اختار الحل العسكري واجتياح كركوك، وكيف تصرفت بريطانيا العظمى مع شعب وقيادة اسكتلندا حينما قررا الاستفتاء على الاستقلال، وأن لم تفعل تصريحاته الكثيفة  فعلتها في مسح الذاكرة نرجو أن يتذكر كيف تصرفت هذه الدولة العظمى مع جزء من شعبها!

     التأثير على الخيارات ليست بفرض الحصار وخنق الشعب وغلق المطارات وإيقاف التعامل مع البنوك وإشاعة الكراهية والتشكيك في كل أمر يتعلق بالإقليم ومحاولة غلق المنافذ لتجويع شعب من خمسة ملايين إنسان، واستقدام الأجانب والاستعانة بهم لإذلالهم!؟

     الم تفعل كل ذلك ( لشعبك العزيز في شمالك الحبيب! ) وما تزال!

kmkinfo@gmail.com
أواخر شباط 2018م


47
شماعة الدستور والفهلوة!

كفاح محمود كريم

في الدارجة العربية سواء في العراق أو في مصر مفردات بليغة تتجاوز في معانيها الوصفية الدقيقة حتى ما يقابلها في الفصيح من لسان العرب، ولعل مفردة ( الكلاوجي) و(الفهلوي) نموذجين جيدين في تداولهما الكثيف بين عامة الناس، ويعبران بشكل دقيق عن الشخص الكذوب أو اللعوب أو (الحنقباز) وهي مفردة تركية (hokkabaz) تعني ذات المعنى، ومتطابقة جدا مع مفهوم مفردتي كلاوجي وفهلوي التي تطلق على الشخص الذي يمرر أكاذيبه على الناس بأساليب المراوغة والتحايل، ولم تمر في تاريخ العراق السياسي مرحلة تكاثر فيها هذا النمط من السياسيين، وتطور بهذا الشكل المثير، كما هي الآن منذ 2003 وحتى اليوم وخاصة اليوم، بعد أن أتموا دراساتهم المعمقة والعالية في الفساد والإفساد وفازت البلاد بتصنيفها أفشل وأفسد بلد في العالم!

     لقد كشفت أزمة الاستفتاء في كوردستان صفحات مهولة من طبيعة النظام السياسي المفترض أن يكون جديدا يختلف عما سبقه من أنظمة حكمت العراق وأوصلته إلى الدمار والخراب، فلم يمنعه الدستور الذي كتب لأول مرة بتوافق الجميع، من أن يتم خرقه في اخطر مواده التي تحرم استخدام القوات المسلحة في حل النزاعات بين الأقاليم والمحافظات وبين الحكومة الاتحادية، فقد اجتاحت القوات المسلحة العراقية وميليشيات الحشد الشعبي المشكلة بفتوى المرجعية لمحاربة داعش وحماية المراقد الشيعية، فإذ بها تحتل كركوك وبقية المناطق المتنازع عليها، وتهجر أكثر من 180 ألف مواطن من أهاليها إضافة إلى حرق  وتدمير ونهب وسلب مئات البيوت والعمارات والشركات المملوكة للكورد في هذه المدن ناهيك عن قتل المئات من أبنائها وفصل أعداد كبيرة من موظفيها على خلفيات عرقية شوفينية، هذا الدستور الذي وصف بأنه دستور دائم اتفق عليه كل العراقيين بمختلف مكوناتهم ومشاربهم، وتم تصديقه بغالبية كبيرة من الناخبين اقتربت من 80%، إلا إن حاله لم يكن يختلف عن حال كل الدساتير التي صدرت وصدقت في العراق منذ حمورابي وحتى الآلهة المصنوعة من التمر المعبودة طيلة أيام السنة والمأكولة في الشتاء!؟

     ولا يختلف اثنان بان معظم الدساتير التي كتبت وصدقت كانت مثالية ومعاصرة مع وجود خلل هنا وهناك، إلا أنها لو كانت طبقت لما حصل للعراق ما حصل منذ تأسيسه وحتى كتابة دستوره الأخير، حيث غلب الطبع على التطبع، وكما استخدمت الأنظمة السابقة الدستور شماعة لفرض ما تريد، يلعب الحنقبازيون الجدد ذات اللعبة الدستورية في إرهاب الأهالي وكبح جماحهم، وقد تجلى ذلك في سلوك الحكومة الاتحادية ورئيسها مع الأزمة بين بغداد وإقليم كوردستان، في التلاعب بالدستور ومواده على طريقة الثلاث ورقات التي يلعبها الفهلوية في مصر وعلى طريقة الحنقبازيين أو الكلاوجية في العراق، حيث الكذب والمماطلة والتحايل وقلب الحقائق وإيهام السذج بأقاويل وحكاوي مختلقة، كما يسوقون إن الإقليم كان يحتل كركوك ويضطهد سكانها واكتشافهم لمقابر جماعية (هي أصلا من صناعة داعش) للعرب أو التركمان، حتى بدأت الأمور تتكشف وتنفضح ألاعيبهم ومسرحياتهم الهزيلة، فتحول الشارع في اربيل وبغداد إلى غير ما كانوا يطمحون إليه، وأصبحوا محل تندر وسخرية الأهالي وهم يزايدون في تصريحاتهم ووعوداتهم لشعبهم العزيز في شمالهم الحبيب!؟

     وإذا صحت التسريبات الإعلامية حول تصريحات الرئيس الأمريكي في توصيف الوفد العراقي الذي زاره مؤخرا، فقد أحسن الوصف وبرأ ذمته وهو يقول:
     " أبرع مجموعة من اللصوص، قد سبق له أن التقاهم ".
     

kmkinfo@gmail.com
أواسط شباط 2018م

48
مجهولو النسب السياسي!

كفاح محمود كريم

     استفزتني الكاتبة المبدعة أحلام أكرم  في عنوان مقالها حول مشكلة مجهولي النسب كمعضلة اجتماعية تعاني منها بعض البلدان، وبالذات مصر التي خصتها الكاتبة كظاهرة مدعمة بأرقام موثقة، وقد وفقت في طرحها كموضوع اجتماعي وشرعي مهم جدا، في بلد نعتبره القدوة والمرجع في تحدي المشكلات العويصة ووضع حلول لها، وكلي ثقة إن صوت الأستاذة أحلام أكرم سيطرق أبواب الأزهر الشريف وعلمائه الإجلاء، مثلما سيطرق أبواب قصر القبة حيث ينشغل فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي كي لا يتركه لمنافسيه!

     قلت استفزتني لأنها سحبتني إلى كارثة اكبر بكثير من مجهولي النسب اجتماعيا، لأنها بالتالي لن تؤثر كثيرا على مصير الشعب أو الأمة والدولة، مقارنة بكارثتنا التي أنتجتها ديمقراطية العشائر وفتاوي رجال الدين والمذاهب، وهذا الكم الهائل من مجهولي النسب السياسي الذين يقودون الدولة والمجتمع إلى النهاية الحتمية، خاصة وإنهم يتوالدون كالقطط الشباطية دونما توقف، ولا يعرف لهم شجرة للنسب السياسي منذ تم تأسيس المملكة العراقية وحتى وقبل سنوات، حيث اعتلى كراسي السياسة وملحقاتها من البرلمان والحكومة منذ نيسان 2003م أفواج من الفاسدين والنكرات التي استحوذت على كل شيء، في بلد مباح منذ تأسيسه للسراق والفاسدين إلا من رحمهم ربي، وهم قلة لا تخضع للقياس العام، أفواج تتكاثر وتقلد بعضها، بل وتبدع في تطوير أساليبها باستخدام حتى المقدسات الدينية، ناهيك عن تشويهها لتجربة في إدارة الحكم ( الديمقراطية ) ومحاولة اغتيالها بالاعتماد الكلي على الأديان والمذاهب والانتماءات القبلية، التي تفقد بين طياتها أي حرص جامع لانتماء وطني خالص، فانتشرت مجاميع اللصوص في كل مفاصل الدولة وزواياها الرطبة، حيث ورد للعراق خلال تسلطها على الحكم ما يزيد على ألف مليار دولار، كان بإمكانها أن تبني عراقين أو ثلاثة بمواصفات أوربية راقية، لكن اللصوص من رجال السلطة ومجهولي النسب السياسي حولوها إلى حساباتهم، بمشاريع وهمية وصفقات مريبة ابتداء من حقول الطاقة بما فيها الكهرباء والنفط وحتى الدفاع وصفقات الأسلحة والغذاء، ناهيك عما يجري في التعليم والصحة والميليشيات.

     لقد أكدت قوائم الأحزاب التي أجازتها الحكومة ومفوضية الانتخابات والتي تجاوزت المأتي حزب سياسي، فيضان عارم من الأحزاب الكارتونية مجهولة الجذور والنسب السياسي، إلا اللهم من كان منها من إنتاج دوائر مخابرات أجنبية، أو انشطارات محلية لأحزاب رئيسية تستخدمها كواجهات لها، وفي كل الأحوال لا تمثل هذه الفيضانات من الأحزاب ظاهرة صحية بل تعكس مدى التناحر والهبوط السياسي، في دولة لم تتجاوز أحزابها الحقيقية منذ تأسيس كيانها السياسي قبل مائة عام أكثر من عشرة أحزاب رئيسية معروفة، لكنها نافورة الفوضى التي اعترت كل بلدان ما يسمى بعاصفة الربيع التي عجزت من تقديم بديل مقنع للمواطن الذي يدفع فاتورة هذه الفوضى، خاصة السياسية منها والإعلامية.

     في بريطانيا العظمى حزبان رئيسيان ( العمال والمحافظين ) وثالثهما ( الأحرار ) منذ مئات السنين، وفي الولايات المتحدة الأعظم حزبان متنافسان منذ أزل تأسيسها ( الجمهوري والديمقراطي ) وهكذا دواليك في بقية الديمقراطيات، إلا في عراقنا الديمقراطي للعظم وبشهادة كل رجال الدين والمخاتير وشيوخ العشائر ورجال الأعمال المصنعين بعد 2003م حصرا، حيث إن مجهولي النسب السياسي والإعلامي أصبحوا ظاهرة اكتسحت العراق بعد نيسان 2003 ووصلت ذروتها بعد صدور قانون الأحزاب، حيث انطلقت مجاميع من الطامحين للوصول إلى مغارة علي بابا والكنز المخزون، ورحم الله أستاذنا الجليل محمد حسنين هيكل حينما وصفها بعصابات سطت على بنك فقِد صاحبه!؟
 

kmkinfo@gmail.com
أوائل شباط 2018م

49
ليست دعوة للدكتاتورية ولكن!

كفاح محمود كريم

     بدأت مهرجانات السيرك الديمقراطي العراقي في وقت مبكر قبل مطلع العام الجديد 2018، في أحداث كركوك والمناطق المتنازع عليها، وشماعة الدستور التي أصبحت اليوم واحدة من أكثر العاب التسلية السياسية في بلاد صنفتها مؤسسة الشفافية الدولية بأنها واحدة من أفشل دول العالم وأفسدها، حيث أضاعت مئات المليارات في عمليات سرقة ومشاريع وهمية، ورفعت نسبة الفقر إلى ما يزيد عن ثلث السكان، مع تخلف مريع في قطاعات التعليم والتعليم العالي والصحة والبلديات والصناعة والزراعة، وارتفاع خطير في مستويات الأمية والأمراض ووفيات الأطفال، ناهيك عن تدمير عشرات المدن ومئات القرى على خلفيات مذهبية أو عرقية، وتهجير ملايين من سكانها خارج وداخل البلاد.
 
     ليس العراق وحده بل كل البلدان التي عصفت بها مسرحيات الربيع العربي، حيث أنفجع العراقيون قبل غيرهم من شعوب الشرق فجأة وبدون سابق إنذار، وبعد حقب طويلة من النوم الهادئ تحت ظلال الدكتاتوريات بشتى أنواعها ومسمياتها، من الأسرة حتى المدرسة والجامع والقرية والعشيرة وصولا إلى دكتاتوريات برلمانات العشائر والفتاوى، انفجعت هذه الشعوب بالانتخابات وصناديق التدليس والنفاق والتخلف، فيما يسمى بإقامة نظام الديمقراطية الغربية بين شعوب اقل ما يقال عنها إنها متخلفة، وتعاني من فقر دم هائل ونقص كبير في تكوينها الاجتماعي والسياسي، وهو الانتماء للوطن أو الشعب، حيث يتكلس في تركيبها الثقافي والاجتماعي مكون آخر أكثر قوة ونافذية، ألا وهو الانتماء إلى العشيرة أو للدين والمذهب أو للعرق، وبتطرف غريب، وتحت سقف هذا الانتماء أدمنت النظم الشمولية عبر مئات السنين، حتى عصفت بها عاصفة ما يسمى بالربيع العربي، وخلاصتها ومن دون أي مقدمات أو تطور تاريخي تدريجي إقامة وفرض بشكل فوقي نظام غريب كليا عن سلوكها وثقافتها وتركيباتها الاجتماعية التي تحتاج إلى عقود طويلة لتغييرها، حيث بدأت الأصابع الأوربية والأمريكية بعملية جراحية خطيرة رافقتها عملية إرضاع قسري لفرض هذا النوع من الغذاء المستورد كليا من مصانعهم الفكرية والسياسية والاجتماعية، لتحيل تلك الدول وأنظمتها السياسية والاجتماعية إلى ركام تفوح منه رائحة الموت والدمار والمستقبل المجهول، وأصبحت في أفضل نماذجها ما نراه اليوم عراقيا وسوريا ويمنيا وليبيا والقادمات كثر، وكما قال الباشا نوري السعيد حينما أخبروه بأن ضباطا يجتمعون لأجل انقلاب يزيحه ومن معه، قال:
( إن فعلوا ذلك سيرفعون غطاء ( السبتتنك ) أي مخزن المياه الثقيلة، وستخرج كل عفونات البلاد ).

     عاصفة فوقية جعلت كل هذه الشعوب تلعن تلك الساعة التي سقطت فيها أصنامها ودكتاتورياتها التي تميزت بالظلم والطغيان، لكنها أمنت للأغلبية المستكينة أبدا في شرقنا المؤمن حتى العظم بالواحد الأحد، الأمن والسلام وستر الحال والأحوال، بينما فقدت على بوابات الديمقراطية العرجاء كل ما تبقى لديها مما تركته لهم تلك الأنظمة، حيث لم تنجح الأنظمة البديلة من تحقيق ابسط الأمور التي كانت تتمتع بها تلك الشعوب بشكل أفقي، بل على العكس كان في العراق مثلا لص واحد ودكتاتور أوحد وحزب واحد وجيش واحد، أصبح لدينا اليوم جملة من الدكتاتوريات وجيوش مقدسة بالعشرات وأحزاب تتكاثر كالقطط الشباطية، لا يعرف لها أب ولا أصل، ناهيك عن آلاف اللصوص الذين يتبعهم مئات الآلاف من الذين يستفيدون من سرقاتهم، وربما بحجهم أيضا ممن يتمنون لو أصبحوا مثلهم، وفي هذه المتوالية أتذكر جوابا لأحد البعثيين وأنا اسأله إن الشعب يرفضهم ويجاملهم من الخوف والإرهاب، ضحك وقال معلوماتكم غير دقيقة، والحقيقة إننا في الهرم بضع مئات من الآلاف، يتبعنا ضعفهم ويقلدنا أضعافهم، ويتمنى أن يكون مثلنا عدة إضعاف، وبذلك فان الأغلبية معنا!؟

     لم تختلف الأمور ضمن هذه المعايير، فقط أضيف لها الجانب الديني الأكثر تأثيرا، خاصة ما يتعلق بالفتاوى والصراع العقائدي مع المختلف الآخر، وعمليات التكفير والإقصاء والاحتواء وصناعة المجالات الحيوية عبر ثقافة ( الأفواج الخفيفة - الجته ) وشبيهتها اليوم بالحشود العشائرية، وإضفاء صفة التقديس على تلك الأفواج، ناهيك عما يفعلونه بالأغلبية المسطحة من الأهالي باسم الدين ورموزه وفتاويه حتى تحولت إلى قطعان لا تعرف الجهات الأربع في مهرجان تهريجي مضحك باسم الانتخابات، لتأسيس دورة جديدة لبرلمان أهم ما يميزه هو امتيازات أعضائه وقراراتهم القراقوشية، والذي لا يصدق عليه التوجه بالسؤال من أي مواطن ليبي أو عراقي أو يمني أو سوري عما كان فيه قبل مهرجانات التهريج الديمقراطي وكيف أصبح حاله الآن!

    ليست دعوة للدكتاتورية بل دعوة لغلق الطريق أمام من يستخدم سلالم الديمقراطية لصناعة دكتاتوريات لا تختلف عن أولئك الذين استخدموا السطو بالانقلابات!

     إنهم يفرضون الديمقراطية عموديا بينما تنمو وتنتعش الدكتاتورية أفقيا!


kmkinfo@gmail.com
أواخر كانون ثاني 2018م

50
كوردستان والعراق إلى أين؟

كفاح محمود كريم

          الخوض في بواطن التاريخ بقدر ما يطلعنا على بعض الحقائق لكنه أيضا صورة قاتمة لما حصل على الأقل خلال قرن من الزمان، ومن هنا أريد أن استعرض وبسرعة لكي لا أثقل على القارئ بصفحات مؤذية من تاريخ هذه المنطقة، التي ما زالت تغلي وتندفع حممها من براكين وضعت أسسها عبر التاريخ، لتحرق الأخضر واليابس لأقوام سكنت هذه المنطقة الموبوءة بالعقائد والإيديولوجيات والقبلية والعنصرية والطائفية المقيتة، حمم تحولت إلى حروب ومآسي وكوارث كما وصفها احد الدبلوماسيين الأمريكيين أبان توقيع اتفاقية لوزان وراح ضحيتها ملايين البشر من مختلف الأقوام والأعراق والأديان والمذاهب، ولعل ما حصل للأرمن والكورد نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين بداية لتلك الكوارث والمآسي، وما يؤكد إصرار العنصريين بكل أشكالهم القومية والدينية والمذهبية على الشمولية المقيتة هو تلك الحمم التي تندفع بضراوة وما تزال حرائقها مستعرة، وها هي داعش وردود أفعالها الطائفية تمثل آخر مبتكرات المآسي في العراق وسوريا.

     وفي العراق وكوردستان العراق ومنذ أكثر من مائة عام عمل الكوردستانيون على إنشاء دولة مدنية متحضرة ديمقراطية مع شركائهم العرب وغيرهم من شعوب هذه المنطقة من العالم، دولة تعتمد أسس المواطنة في بنائها الاجتماعي والسياسي، وكانت الخطوة الأولى بعد اتفاقية سايكس بيكو سيئة الصيت، أن منحوا ولاية الموصل العثمانية هويتها العراقية في استفتاء عصبة الأمم بالربع الأول من القرن الماضي، أملا في أن يحقق الشركاء الآخرين في المملكة العراقية ( ولاية بغداد وولاية البصرة ) وعودهم في تنفيذ مطالب شعب كوردستان في شكل الدولة وأساسياتها وحيثياتها بما يضمن حقوقهم الإنسانية والثقافية والسياسية، وطيلة ما يقرب من ثمانين عاما لم يتلق الكورد من وعود الحكومات المتعاقبة في بغداد وعلى مختلف مشاربها وتوجهاتها، إلا الحروب المدمرة التي استخدمت فيها أبشع أنواع الأسلحة، بما في ذلك المحرمة دوليا كالأسلحة الكيماوية والعنقودية والنابالم، ناهيك عن عمليات الأرض المحروقة، التي أتت على أكثر من ثلث كوردستان في عمليات الأنفال سيئة الصيت ( ثمانينيات القرن العشرين )، والتي ذهب ضحيتها ما يقرب من ربع مليون إنسان، وتدمير خمسة آلاف قرية بما فيها من بساتين وينابيع ومنشآت، إضافة إلى قتل أكثر من ثمانية آلاف بارزاني وتغييب مئات الآلاف من الكورد الفيليين في وسط العراق، وإسقاط جنسياتهم العراقية وتهجير عوائلهم إلى إيران ( سبعينيات القرن العشرين )، وأتباع سياسة الصهر القومي والتغيير الديموغرافي لسكان المدن الكوردستانية المتاخمة لحدود العراق العربي مثل كركوك وسنجار وزمار ومندلي وسهل نينوى ومخمور والشيخان وعقرة وغيرها طيلة نصف قرن ( 1958- 2014 )، وأخيرا تسهيل احتلال أجزاء من كوردستان العراق من قبل منظمة داعش الإرهابية واقتراف واحدة من أبشع جرائم التاريخ بحق الايزيديين والمسيحيين في كل من سنجار وسهل نينوى ( حزيران وآب 2014 ).

     ورغم تلك الكوارث والمآسي بقي الكورد يعملون ويناضلون من اجل تأسيس دولة مواطنة متحضرة ديمقراطية، تحفظ العراق موحدا بشراكة حقيقية وتوجه مخلص لمعالجة جروح الماضي وتعويض السكان عما أصابهم من ويلات، وبهذه الروح ذهبوا إلى بغداد في آذار 1970 حينما تصوروا إن القائمين الجدد على الحكم ينوون التعامل مع القضية الكوردية بجدية، وفعلوها قبل ذلك في الستينيات مع عبد الرحمن البزاز، لكن الحقيقة كانت غير ذلك لدى الطرف الثاني، حيث سياسة فرق تسد التي اتبعتها كل الأنظمة مع شعب كوردستان وقياداته، وفرض مشاريع هزيلة كما فعلوا في تجربتهم البائسة فيما سمي بعد 1975 بقانون الحكم الذاتي الحكومي، الذي انهار وبدأت سلسلة جديدة من الكوارث والمآسي والحروب التي راح ضحيتها خيرة أبناء كوردستان وبناتها، وخيرة شباب العراق ممن تورطوا في تلك الحروب القذرة مجبورين غير مخيرين، دونما أن تنتج تلك الصراعات إلا الدمار والتقهقر والتخلف للبلاد، حتى اسقط التحالف الدولي مطلع الألفية الثالثة نظام صدام حسين وحزبه الذي تسبب في معظم مآسي العراق وسوريا.
   
     لقد تخلى الكوردستانيون عن استقلالهم الذاتي الذي فرضته انتفاضة الربيع 1991 وأقرته قرارات مجلس الأمن الدولي ( قرار 688 )، وتسارعوا إلى بغداد حفاظا على وحدة العراق وبناء دولة المواطنة والشراكة الحقيقية تحت خيمة ديمقراطية حقيقية ونظام مدني متحضر، والمساهمة في تأسيس دستور دائم يحفظ للبلاد وشعوبها كل الحقوق والامتيازات ويحترم خياراتها وتطلعاتها في دولة اتحادية اختيارية ( من دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية، ولا عقدة مناطقية، ولا تمييز، ولا إقصاء ) و ( إن الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده الحر شعبا وأرضا وسيادة.*

     وبعد أكثر من عشر سنوات ( بعد تشريع الدستور الدائم ) من وضع هذه الوثيقة الجامعة وشروطها في الالتزام، ماذا حصل وماذا جنينا غير تحول النظام تدريجيا إلى نظام ديني طائفي بحت، بعد أن اتفقنا على أن يكون بلدا ديمقراطيا مدنيا، فاذ به يتحول إلى بلد للميليشيات التي منحت نفسها تفويضا ربانيا بمصير البلاد والعباد، فأصبح العراق من أفسد وأفشل دول العالم، حيث استخدمت القوات المسلحة في حل النزاعات بين الأقاليم والمحافظات وبين الحكومة الاتحادية، كما حصل مؤخرا في اجتياح المناطق المتنازع عليها والخاضعة للمادة 140، في خرق خطير للدستور الذي يحرم ذلك إطلاقا، ذلك الاجتياح الذي استقدمت من اجله قوات أجنبية وتسبب في إحداث شرخ كبير بين العرب والكورد والتركمان وفي تهجير أكثر من 180 ألف مواطن من تلك المناطق، ناهيك عن عمليات النهب والسلب والحرق التي تعرض لها المواطنين في كركوك وطوزخورماتو على خلفية عرقية أو مذهبية على أيدي القوات المسلحة والميليشيات.

     وقائمة الخروقات طويلة ومليئة، وأخطرها محاصرة الإقليم اقتصاديا بحرمانه من حصته في الموازنة العامة لأربعة سنوات ( 2014 – 2017 ) والبالغة أكثر من خمسين مليار دولار، مع قطع كافة رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين، والعمل على تحجيم وإلغاء الفيدرالية من الدستور وذلك بغلق كافة مكاتب تمثيل إقليم كوردستان في السفارات العراقية وتعطيل وإيقاف تطبيق معظم المواد المتعلقة بتأسيس الأقاليم، بل ومحاربتهم كما حصل مع مطالب شعب البصرة والانبار وصلاح الدين ونينوى، وكذلك تعطيل قانون النفط والغاز وتطبيقاته والمادة 140 وعدم إجراء تعداد عام للسكان، والقائمة تكبر لتمتد على كل مساحة العراق ومكوناته، حتى أصبح اليوم واحدا من افشل دول العالم وأكثرها بؤسا ورعبا وفسادا، ناهيك عن إن سيادته في الأصل مثلومة باختراقات دول الجوار وما بعد الجوار تحت مختلف التسميات والعناوين، حتى غدت عاصمته تحكم من قبل عصابات ومافيات مسلحة تستمد شرعيتها من الرب والدين والمذهب وفي كل حي وشارع، حيث الميليشيات وحكم قراقوش والصراع الطائفي المقيت، لهذه الأسباب ولأن شعب كوردستان يختلف كليا عن شعب العراق عرقيا وقوميا وثقافيا وتاريخيا وحضاريا وجغرافيا، فإنه بعد أن فشل خلال قرن من الزمان في بناء دولة مواطنة، وأن يكون شريكا حقيقيا في كيان مختلق غصبا عن الشعبين، قال كلمته بشكل سلمي متحضر، وطلب أن يكون الشعبين شجرتين مثمرتين باسقتين، لا شجرة واحدة معلولة بثمار مشوهة، لكي يسود السلام بعيدا عن الصراعات الدموية والسياسات العنصرية والطائفية، وحينما قرر الاستفتاء على مصيره انبرت العنصرية والشوفينية والمصالح لقمع توجهاته، فضرب الحصار عليه أرضا وجوا لإذلاله وكسر إرادة شعبه وإبقائه تابعا منتقص الارداة والحرية!

    ترى بعد كل ذلك كوردستان والعراق إلى أين!؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نص من ديباجة الدستور الدائم

kmkinfo@gmail.com
أوائل كانون ثاني 2018م


51
دولة المواطنة بين العراق وكوردستان؟

كفاح محمود كريم    


      منذ تأسيس المملكة العراقية في منطقة عرفت بالعراق تاريخيا واختلف المؤرخون في تسميتها وأصولها، لكنها رغم تلك الاختلافات احتضنت حضارات وأقوام سادت ثم بادت كما يقول طيب الذكر احمد زكي في مجلته (العربي الكويتية)، وكانت هذه المنطقة لتميزها الجغرافي ووقوعها وسط عقدة مواصلات، تربط معظم القارات أرضا وجوا وبحرا، محط اهتمام وأطماع كثير من الدول والإمبراطوريات وفي مقدمتهم آخر إمبراطوريات الزمن السيئ الذي أنتج كيانات في هذه المنطقة وغيرها من مناطق الشرق الأوسط على حساب شعوبها ومكوناتها وخدمة لمصالحها فقط.

    وكردستان حالها حال عربتان ( الوطن العربي ) راحت ( بالرجلين ) كما يقولون، وتم تمزيقها إلى أربعة أقسام وشقيقتها العربية إلى أكثر من عشرين قسما، حسب أمزجة العرابين ومصالحهم، وبينما أراد المستفيدين أن تكون أقسام عربستان أكثر من عشرين دولة، ضموا أجزاء كوردستان إلى أربعة دول، فما ذكرت كوردستان إلا وعنوان إلحاقها ملتصق بها كما في كوردستان العراق وايران وتركيا وسوريا، وبينما حاول العرب خلال قرن من الزمان إنشاء وطن قومي يضمهم جميعا ليكسروا طوق التجزئة ويلغوا تلك الكيانات التي أنشأها الاستعمار، ذهب الكورد إلى فكرة إنشاء الدولة وضم الأجزاء الأربعة في حلم لا يختلف كثيرا عن الحلم العربي!

    وكما فشل الحلم العربي في إنشاء أي وحدة حتى ولو بين كيانين من كيانات العرب، فشل الكورد أيضا في مشروعهم لتوحيد الأجزاء الأربعة في مشروع واحد، إلا اللهم تلك المشاعر التي تربط الشعوب ببعضها في اللغة والجغرافية والعقائد والعادات، ولذلك نشأت أطروحات أكثر واقعية في الجزء الذي ضمته اتفاقية سايكس بيكو للعراق، حيث المطالبة بحقوق المواطنة ومفرداتها في الثقافة والسياسة والشراكة، إلا أن النظم السياسية المتتالية على حكم العراق لم تنجح بإقامة دولة المواطنة وفشلت بعد ذلك في إقناع الكورد بالتعايش الحر وأجبرتهم تحت الضغط العسكري والأمني والاقتصادي على التعايش ألقسري، مما تسبب في اندلاع الانتفاضات والثورات والحروب التي ما تزال مستعرة حتى الآن بأشكال مختلفة.

    ما حصل في اجتياح القوات العراقية لكركوك وبقية المناطق المستقطعة من كوردستان في 16 أكتوبر 2017م يؤكد استمرار ذات النهج الذي اتبعته كل النظم السياسية العراقية في فرض التعايش القسري على أكثر من خمسة ملايين إنسان ذهبوا في 25 سبتمبر 2017م إلى صناديق الاقتراع ليعبروا عن رأيهم في التعايش مع العراق، فقامت الدنيا ولم تقعد، في بلد يحاول فيه الأمريكان إجراء عملية جراحية لفرض نظام سياسي ديمقراطي غربي على تركيباته الاجتماعية التي وصفها مؤسس مملكته فيصل الأول:

 

« باعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميّالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت».

    ورغم سلسلة الانقلابات الدموية التي بدأتها (ثورة) تموز 1958م وادعت إنها تهدف إلى بناء دولة مواطنة عصرية، تشترك فيها كل المكونات القومية وخاصة الشريكين الأساسيين العرب والكورد، إلا إنها انتهت بمجازر وحروب إبادة اعتقد الكثير إن ذروتها كانت في جرائم الأنفال وحلبجة، لكن الأحداث أثبتت إن ما ذهب إليه ملك العراق الأول كان حقا خلاصة حضارة هذه التركيبات التي ما أن زال عنها حكم القانون حتى ساد نظام النهب والسلب والفرهود، ولعل الخلاصة الأكثر بؤسا لمن لا يزال يعتقد أنها وريثة حضارات عظيمة، تلك المناظر التي شهدها العالم اجمع في (الحواسم) التي بدأت بالمتحف العراقي وانتهت اليوم بعمليات النهب والسلب والحرق لمواطنين في كركوك وطوزخورماتو فقط لأنهم كورد!

    إن ما يجري اليوم من استقطابات مذهبية في تشكيل تكتلات لخوض انتخابات في مجتمع قبلي لا ولاء له إلا للعشيرة والمذهب والعرق، بعد أكثر من اثنتي عشرة سنة من التطبيقات ( الديمقراطية ) الشكلية، والادعاءات بتأسيس دولة مواطنة من خلال شعارات أثبتت أحداث كركوك والمناطق المتنازع عليها، بأنها إكسسوارات لتزيين قباحة السلوك الطائفي والعنصري المتكلس في ذهنية غالبية من يتسلط على حكم البلاد العراقية، هذه الأحداث والاستقطابات الأخيرة اغتالت أي محاولة جدية من التيارات المدنية أو التقدمية لتأسيس هكذا نظام، ودفعت إلى الأمام الخيار الفيدرالي الحقيقي أو الكونفيدرالي لثلاث مكونات أساسية ( كوردستان والسنة والشيعة ) لم ينجح سكان هذه البلاد وقياداتهم في إذابتهم في بوتقة دولة المواطنة طيلة ما يقارب من مائة عام.

Kmkinfo@gmail.com
أوائل كانون ثاني 2018م

52
مراحل تطور ( الحيتان ) العراقية ؟

كفاح محمود كريم


     دعونا بادئ ذي بدء تعريف حيتاننا الأكثر شهرة في العالم، فهي لا تشبه أي كائن  على الأرض بمواصفاتها لأنها مخلوقات مائية هلامية ناعسة تنحدر من سلالات رخوة وملساء، تطورت بسرعة مذهلة وغادرت مياهها لتنتقل إلى المدن والقصبات، لتنشئ مستعمراتها وعشرات المستوطنات وتمتص ما حولها من ماء ودماءٍ وأموال دونما أن يشعر بها أحد، إلى أن يصاب بالجفاف من دمائه وأمواله ورطوبته، هي إذن ليست تلك المخلوقات التي احتاجت ملايين السنين لكي تتطور في فسلجتها ووظائف أعضائها، لقد اختصرت الزمن أو أحرقت المراحل على ثقافة أهل الانقلابات والأحزاب الجدا ثورية والانقلابية في دفع دولهم إلى الأمام وابتداعهم للخطط الخمسية والانفجارية التي أنتجت هذه القطعان من الحيتان الوديعة الملساء.

      ولكي لا نجهد أنفسنا في البحث عن الجذور الأولى لهذه الكائنات، ونستقدم من القبور السيد داروين أو مندل، فإننا سنتناول نوعين مهمين منها، وهما النوعان اللذان يعيشان معنا ويمارسان ( نشاطيهما الحياتي ) وسط مجتمعاتنا التي اكتظت بهما.
   الأول؛ بدأ بالتحول مع قيام جمهوريتنا العتيدة في 1958 من مخلوقات انتهازية مسطحة الأدمغة هلامية الأشكال عاطلة عن العمل والتفكير، جائعة وغرائزية الطباع، لا تنتمي إلى أي طبقة أو عرق أو دين أو مذهب معين، فهي تستخدم كل هذه ( المقتنيات والتقنيات ) من اجل عملية تطورها إلى حيتان وديعة ملساء، جاءت من العصر الملكي ودخلت الحقبة الجمهورية الخالدة وهي ما زالت تهتف للملك المفدى عبد الكريم قاسم، لا خباثة في ذلك بل هذه كل معلوماتها وثقافتها ونيتها الصافية النقية، وسرعان ما تغلغلت و ( إندحست ) إلى مفاصل الأحزاب الثورية جدا والرجعية جدا جدا والقومية أو الدينية جدا جدا جدا، والى الجمعيات والمنظمات التي كان من المفروض إنها تمثل مخلوقات إنسانية، فأصبحت خلال سنوات مراتع للحيتان. 
       
    وخلال سنوات قليلة تحولت هذه المخلوقات إلى حيتان وديعة التهمت كل ما حواليها من نِعم الأحزاب والانقلابات الثورية والقوات المسلحة في حروبها ( القومية والتحررية والجهادية المقدسة ) وتأميم النفط وتحويل موارده للعشائر الحيتانية في كل أنحاء العالم لخدمة مصالح الأمة ووحدتها ومستقبلها الذي نشهد اشراقاته الآن، وفي اقل من نصف قرن تحولت تلك المجاميع إلى طبقات وعشائر من أصناف وأنواع رهيبة، لا تمت للإنسان العادي بأي شكل من الأشكال، وانتشرت في ربوع العراق بوداعة تلتهم كل شيء إلا ( الحلال ) تحت ظلال السيوف والمبادئ والوطنيات ومستقبل الجماهير والأمة، ودوما يكون في حمايتها ( المقاومة الشعبية ) أيام الزعيم الأوحد و( الحرس القومي وشقيقه الجيش الشعبي ) أيام بطل القادسيات و ( الحشد الشعبي ) أيام مختار العصر وخليفته المبتسم والمتفائل جدا!


      والغريبُ فيها بل المثير أنها تختلف في كل شيء فيما بينها إلا في السلوك، فهي تتلون مع البيئة التي تعيش وتترعرع فيها، فلا تكاد تعرف ألوانها التي تغيرها من لون إلى آخر  كالضفادع حسب مكان عيشتها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ومن الرفيق ماركس قدس سره إلى الرفيق المجاهد القرضاوي دام ضله، فهي تتنقل برخاوة وانسيابية رهيبة بين كل هذه العوالم دونما أي خسائر تذكر، سوى نوعية الأقنعة وأساليب التدليس و( الاندحاس)، ورغم ذلك تفاءل العراقيون كما اليوم حتى أطلت ( الثورة البيضاء جدا ) في تموز 1968 لكي تبدأ مرحلة أخرى ( النوع الثاني ) من مراحل تطور وانتشار وتكاثر هذه الحيتان العقائدية المناضلة، التي دربت ودرست في مدارس ومختبرات ومعامل الحزب القائد آلافا مؤلفة من أجيال أكثر تطورا من الحيتان وبكل الأحجام والأشكال والأعراق والمذاهب، وأول الوجبات المطورة كانت تلك التي لبست قناع المقاولين في السنوات الأولى لحقبة الثورة البيضاء جدا، ما لبثت حتى تطورت إلى أنواع زيتونية عسكرية مع مطلع الثمانينات وقيام الحرب بين ( أحفاد القعقاع ويزدجرد )، فانتشرت قطعان من الحيتان المعسكرة بالرتب وأنصافها وأشكالها والزيتوني ودرجاته والمجحشة وأفواجها، حتى غرقت البلاد وطافت العباد وأصبحت الحيتان تصول وتجول في مشارق البلاد ومغاربها، بألوانها الزيتونية ورتبها وأوسمتها التي كانت تقدم بالمناسف والصواني، حتى بدأت (غزوة الأنفال المباركة ) فهبت جموع الجماهير المناضلة ورفاق العقيدة والصناديد من فرسان الأمة لنهب مدن وقرى كوردستان، تتقدمهم أفواج من الحيتان المدربة على امتصاص الدماء والأموال في تمرين تعبوي لمعركة كبرى قادمة لا ريب!

     وجاءت غزوة الكويت العظمى لتبدأ تطبيقات غزوة كوردستان ولتتحول الكويت خلال ساعات إلى ساحة لتلك القطعان من الحيتان التي ( شفطت كل شيء ) وكنست الكويت بأكملها من دولة إلى متصرفية أو محافظة، والمهم في كل هذه الغزوات ديمومتها وبقائها، فمِن (عاش الملك المفدى ) إلى ( ماكو زعيم إلا كريم ) وصولا إلى ( صدام اسمك هز أمريكا ) حتى عصرنا الذهبي مع ( مختار العصر ) وقرينه المبتسم ( بطل الأبطال وقاهر الرجال )، لا يهمها شخص من يحكم أو حزبه بقدر ما تهمها غرائزها في ( اللغف والشفط ) والامتلاك والامتصاص، وهي ذكية جدا رغم رخاوتها وبساطتها في التكيف مع تبدل الأنظمة وتغيير الأسماء والاتجاهات.

     وهكذا دخلت هي الأخرى حقبة ما بعد صدام بشكل مثير في ذكائها واندحاسها بين صفوف ( المناضلين جدا )، بل والمزايدة على أولئك الذين قاوموا صدام وحزبه طيلة ما يقارب من أربعة عقود، لتتبوأ مراكز الصدارة في معظم مراكز القرار وحواليه بدوائر تشبه تلك التي تنتجها قطعة الحجر في بركة ماء، مدربة ومروضة بشكل لم يعد العقلاء التمييز بينها وبين المساكين من أبناء هذا الشعب العجب، فقط إنها بدأت بالتهام الأخضر واليابس وكل ما حواليها من أراض وأبار وأنابيب بترول ومباني وطرق وحتى الأرصفة والمناصب البرلمانية والوزارية ومواقع السياسة والإدارة في الأحزاب التي استطاعوا صناعتها أو التي اخترقوا مفاصلها من الأحزاب العاملة على الساحة.

     ولم تكتفِ هذه الحيتان الوديعة بشهاداتها العليا ضد الكوليرا والتايفوئيد والابتدائية أو المتوسطة فاقتنت شهادات الدكتوراه والتخصص العالي من جامعة سوك مريدي الشهيرة، التي لا تلزم طلبتها بالحصول على أي شهادة قبل الدكتوراه، إضافة إلى شهاداتها الدينية وعمائمها، وهكذا أصبح لدينا أجيالا متقدمة ومتطورة من هذه الكائنات الوديعة والملساء والمتكيفة للعيش في كل المناخات والتضاريس المائية والجبلية وحتى الصحراوية إذا اقتضى الأمر لذلك، فهي أجيال متطورة جدا تليق بالبرلمان والحكومة، وقد حازت على شهادة راقية جدا من منظمة الشفافية الدولية (EITI) حيث أصبحت دولتها من أفسد دول العالم وأفشلها، وسيتم منحها شهادة حسن السلوك في مهرجان التهريــج الديــــــمقراطي ( الانتخابات العراقية ) فتدخل كالفرسان المنتصرين إلى قبة البرلمان لتضع بيضها الفاسد وتنتج حكومة جديدة جدا، غايتها خدمة العراق العظيم والحفاظ على سيادته ووحدة أراضيه ضد الانفصاليين الذين شكلوا 93% من خمسة ملايين إنسان قالوا لهم لا!؟

     وصلوا معي على نبينا محمد وآل محمد في دولة قراقوش!



kmkinfo@gmail.com
12 كانون ثاني 2018م

53
الفاسدون يدمرون العراق!
كفاح محمود كريم

     تزداد يوما بعد آخر حمى الدعايات الانتخابية في العراق بشكل مبكر مع تساقط الكثير من أوراق التوت عن عورات الأحزاب والكتل الكبيرة التي بدأت بالانشطار الأميبي على طريقة بكتريا اليوغلينا وغيرها من أنواع البكتريا، فأصبحت عشرات الأحزاب بعد أن تخلت عن أسلوب أحزاب أنابيب الاختبار التي استخدمتها في الدورات السابقة لبرلمان إبطال الفساد العالمي، ليكون لدينا بعد التكاثر الأميبي ما يزيد على مائتي حزب مناضل من اجل القطيع الذي ما يزال يساق بالدولار والفتاوى الدينية وأوامر شيخ القبيلة.

     وقد استهل حزب الدعوة وكتلته عملية الانشطار لكي يغلق أي طريق محتمل لحزب أو كتلة أخرى للوصول إلى دفة السلطة والمال، خاصة وان معظم مفاصل الدولة كان قد هيمن عليها منذ توليه مقعد رئاسة الحكومة وملحقاتها، وهذا يعني انه مع كتلته يتحمل كامل المسؤولية فيما جرى للبلاد، لأنه قبل مسؤولية الحكم بل استقتل من اجلها ومن اجل تكريس حكم الحزب الواحد من خلال الاستيلاء على كل مفاصل السلطة السياسية والمالية والعسكرية والأمنية.

     منذ 2005 بلغت إيرادات العراق مئات المليارات منذ تولي كتلة القانون وحزب الدعوة حكم العراق، وارتفع حجم تصدير كميات النفط إلى ما يقارب الضعف عما كان عليه بداية العقد الماضي، مع ارتفاع كبير لأسعار النفط قياسا لما كانت عليه قبل 2003م، وهذا يعني انه كان أمام العراق فرص ذهبية للانتقال بشكل نوعي إلى مستويات حضارية رفيعة، خاصة وانه يمتلك قدرات هائلة بشرية كانت أم ثروات طبيعية، وباستثناء إقليم كوردستان الذي يتمتع باستقلال ذاتي منذ 2003م والذي حقق قفزة نوعية في معظم المجالات، لا نجد في العراق ما يشير إلى أي تقدم مذكور، بل بالعكس انحدرت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية إلى حدود خطيرة جدا مع ارتفاع نسبة الفساد بشكل جعل العراق من أفسد وأفشل دول العالم حسبما ذهبت إليه منظمة الشفافية الدولية (EITI).
     والغريب إن كل حملات مكافحة الفساد ومنظماتها الحكومية وغير الحكومية متهمة بالضلوع أو التستر على كثير من ملفات الفساد، ولعل ما يؤكد ذلك إن شخصيات قيادية بارزة سياسية وحكومية متهمة بـ ( هدر أموال الدولة ) وهو تعبير ناعم للفساد، كما في توصيف المالكي  لنائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة الشهرستاني في واحدة من اكبر عمليات الفساد الكهربائي التي أنفقت عشرات المليارات من الدولارات لحل مشكلة الكهرباء في العراق دونما شيء يذكر، وقد ذكر رئيس الوزراء في تصريحات عديدة، انه يمتلك ملفات فساد كبيرة على فلان وعلان من المسؤولين، ويهدد باستخدامها عند الحاجة، فإذا كان ارفع منصب في الدولة يتستر على ملفات الفساد ويهدد باستخدامها لأغراض انتخابية أو سلطوية، فما بالك بالآخرين؟

      وما ذكرناه عن قطاع الكهرباء يعمم على كل الوزارات والمؤسسات، بما فيها المؤسسة العسكرية والأمنية والحشد الشعبي، والتي يقف على رأس هرمها قياديين في الأحزاب الدينية، وللأسف كثير من غير الأحزاب الدينية أيضا، والانكى من كل ذلك أنهم أنفسهم الحاكمين والمنادين في ذات الوقت وفي حمى الدبكات الانتخابية على مكافحة الفساد، فأي دولة هذه التي يحكمها فاسدون أوصلوها إلى الدرك الأسفل من مستويات الفشل والفساد، وما زالوا مصرين على ( قشمرة ) ناخبيهم المخدرين بالشعارات الدينية والمذهبية والأحقاد العنصرية والعنتريات الصدامية.

     إنها إنتاج سايكس بيكو قبل مائة عام حيث صنعت دول وكيانات أساسها فاسد وباطل، لتستمر دوامة الحروب والتناحر، وتنخر فيها فايروسات الكراهية والعنصرية فتتآكل ويدمرها فاسدوها!


kmkinfo@gmail.com
أوائل كانون ثاني 2018م

54
المنبر الحر / من هو كذاب بغداد؟
« في: 18:26 31/12/2017  »
من هو كذاب بغداد؟

كفاح محمود كريم

     في التاريخ السياسي العراقي توصيفات لرؤساء حكوماته منذ تولي الباشا نوري السعيد زمام الإدارة الحكومية، وحتى أخينا المتفائل جدا حيدر العبادي، ومن أبرز تلك التوصيفات ( نوري السعيد قوندرة وسعد جبر قيطانه ) التي ضربت عصفورين بحجر واحدة، تلتها في العهد الجمهوري توصيفة الرئيس المؤمن لعبد السلام عارف، ثم جاء طاهر يحيى وهو من جنرالات الجيش ليتم توصيفه ربما ظلما بـ ( حرامي بغداد )، وفي نفس الحقبة – الستينيات - ظهرت توصيفة أخرى ليهودي عراقي اسمه عزرا ناجي زلخا، سمي في حينها بـ ( ثعبان بغداد ) ثم على ذمة مريدي ميشيل عفلق ( جاسوس بغداد ).

     ودون الخوض في تفاصيل التوصيفات ومدى مصداقيتها، إلا أنها تحولت إلى  متداولات شعبية أصبحت فيما بعد تسبق الاسم كحرف الدال الذي يستقتل عليه اليوم نواب وسياسيو أشهر فساد في العالم، تكثف في عاصمة هارون الرشيد، وسواء صدقت تلك التوصيفات أم لم تصدق إلا أنها صارت لصيقة بأسماء أصحابها، وهنا دعونا وسط هذا الطوفان من الحرامية الذي اغرق حكومات بغداد وبرلمانها منذ إسقاط نظام الرئيس صدام حسين وحتى يومنا هذا، أن نجد مكروسكوبات ضوئية للبحث عن امكانية وجود كائنات نزيهة في خضم تلك الطوفانات، التي ربما ستبرئ المرحوم طاهر يحيى من ذلك التوصيف، وأنا كلي ثقة بأنه سيخرج بريئا نضيف اليدين مقارنة مع ( المعممين والمؤمنين والتقاة جدا ) من حاكمي العراق وبرلمانه الطاهر إلى العظم، وإذا ما فشلنا في إيجاد هكذا مجاهر متطورة، سنحتاج إلى أجهزة فائقة لكشف الكذب، ولان الكذب كما يقولون أبو الخبائث، ولان شعبنا تشيطن بالتراكم الهائل للحرامية والكذابين فقد أصبح ( يلكفها وهي طايره ) بمعنى انه يفهمها بمجرد أن تخرج من بين شفاه المدعي.

    وفي طوفان آخر للكذابين يحتار المرء من يستحق أن يكون ( كذاب بغداد ) بجدارة، خاصة وان هؤلاء الذين حطت بهم طائرة الأقدار السيئة على ظهور العراقيين يتنافسون في صناعة الكذب وجودته، حتى ( عَبر ) على الكثير من السذج، فمنحوهم أصواتهم في انتخابات العشائر والفتاوى والسحت الحرام، ولكي نترك للقراء حرية اختيار اللقب المميز لمجموعة المضللين، سنذكر هنا أهم التصريحات المضلِلة، وخاصة تلك التي تنطلق بصواريخ حديثة جدا أطلق عليها أسم الدستور، حاملة معها مجاميع من الفيلة إلى كواكب أخرى!

-   في قًسم توليه الحكم قال: انه سيحل المشاكل مع إقليم كوردستان خلال ثلاثين يوما، وبعد اقل من أربع سنوات ضربت المشاكل في مئة!
-   وقال أيضا: وجدنا خمسين ألف فضائي ويقصد كائنات خرافية تتقاضى معاشات في أول غزوة ضد الفساد، أصبح العراق بعد أقل من أربع سنوات من افسد دول العالم!
-   يقول: نحن ندفع معاشات موظفي " محافظات شمال العراق " لأنهم من شعبنا الكوردي، وندقق قوائم أسمائهم، وحكومة شعبه الكوردي تنفي إنها سلمته تلك القوائم!
-   وفي نفخة أخرى: يجب أن نسيطر على الحدود بالدستور، علما إنه هناك ثلاثة ألوية من حرس الحدود التابعين للسلطة الاتحادية إدارة ورواتباً وأسلحة واوامراً، تنتشر على طول الحدود مع تركيا وايران من جهة كوردستان!
-   بعد اجتياح كركوك من قبل الحشد الشعبي أعلن إن نفط كركوك بالكامل أصبح ملك العراقيين، على أساس شعبه الكوردي من المريخ، ويتم تصديره بالتنكرات إلى ايران لصالح الحشد الشعبي ولمن سهل اجتياحهم لكركوك من أشقاء الكواليس!
-   حضر الطيران من والى مطارات كوردستان بدعوى إنها خارج سيطرة سلطة الطيران الاتحادي، علما بأنه لا يمكن لأي طائرة أن تقلع أو تهبط إلا بموافقة بغداد منذ افتتاح تلك المطارات، ولا يمكن لأي أجنبي أن يدخل من خلالها إلا بفيزا من السفارات العراقية!

نكتفي بهذا العدد الصغير من الفيلة ونترك الحكم للقارئ..



55
السكوت أفضل يا رئيس الحكومة!

كفاح محمود كريم

     فاجأنا رئيس حكومة كتلة القانون حيدر العبادي بتصريح (حنون) جدا قال فيه:
 " لن نقف مكتوفي الأيدي حيال أي اعتداء على مواطن في إقليم كوردستان، ودعا سلطات الإقليم إلى احترام التظاهرات"
بينما ذهبت كتلته القائدة أم الأغلبية إلى:
" ضرورة تحرك قوات رئيس الحكومة الاتحادية إلى السليمانية واربيل وإسقاط ( النظام القبلي ) في شمال العراق!؟"

     والسؤال المضحك المبكي بل المستغرب هو هذه الحنية الزائدة على مواطني كوردستان والتي نزلت فجأة، خاصة وإنهم يتعرضون للحصار والتجويع منذ بداية 2014م، حيث قطع حزبه المناضل وقائده المختار حصة الإقليم من الموازنة العامة والبالغة 17% مع إيقاف صرف مرتبات الموظفين المدنيين والعسكريين في سابقة لم تحدث منذ تأسيس الدولة العراقية، وقد بلغت الأموال التي سرقت بموجب النسبة المتفق عليها أكثر من أربعين مليار دولار مجموعة حقوق شعب كوردستان من الموازنة العامة للعراق لأربع سنوات!

     والغريب إن ضمير رئيس حكومة حزب الدعوة لم يتحرك إطلاقا، حينما بدأ حشده الشعبي في انفلة سكان طوزخورماتو وقتل المئات منهم على الهوية القومية والسياسية، ومثلها فعلوا في كركوك وأحرقوا مئات من بيوت ومحلات الكورد وهجروا أكثر من 180 ألف مواطن، بل أنهم أعادوا ببشاعة سياسة التعريب سيئة الصيت إلى كركوك وبقية المناطق المستقطعة من كوردستان!

     الآن فقط يا رئيس الحكومة (المفترض أنها اتحادية) ارتفع منسوب الحنية على مواطني كوردستان، بعد أن بدأتَ برنامجك للقضاء على إقليمهم المزدهر، وتهيئة الأرضية لتنفيذ نظام الأغلبية المذهبية السياسية التي ستعيد صياغة الدستور مع تطلعات حزبك في إقامة نظام ( إسلامي مذهبي ) شمولي يجمع حوله أتباع مستكينين لا حول لهم ولا قوة على سياسة سلفهم في صناعة الجحوش!

     الذين استخدمتهم سيادة القائد العام للقوات المسلحة والحشد الشعبي في السليمانية وبلداتها في حرق ونهب وسلب مقرات الحكومة والأحزاب من البائسين الذين سيطالهم القانون وجدار كوردستان الأخلاقي والنضالي، لا يمثلون أولئك الذين قالوا نعم للاستفتاء في صرخة مدوية سمعها العالم اجمع، عكست رأي 92% من أبناء وبنات كوردستان.

     كنا نتمنى حقا أن تكون صادقا تجاه شعب كوردستان وقيادته التي تعرفها أنت ورفاقك في الحزب والكتلة، التي تعمل على إشاعة الأحقاد والكراهية ضد الإقليم وشعبه ومؤسساته، لا أن تراوغ وتثقف من اجل اكتساحه واحتلاله وتنصيب مكتب تنفيذي وتشريعي على طريقة البعثيين أسلافكم في حكم العراق ودماره.

     كوردستان تسير بوضوح نحو أهدافها، وقد صمدت أمام طوفانات كثيرة، وكانت جبالها مأوى لكم جميعا، عصمتكم من الغرق والهلاك، وها هي اليوم أيضا تحتضن الملايين من أبناء جلدتك ضاق بهم العراق من ظلمه وفساده وطغيانه، فاختاروا الكورد وكوردستان والبارزاني ملاذا آمنا لكرامتهم وشرفهم وحياتهم، وتذكر وأنت تتصور إن ما حصل في كركوك وشقيقاتها الكوردستانية نصرا افتراضيا تعرف جيدا حقيقته المبطنة، إن صداما وجيشه الجرار وكل العالم معه لم يكسر إرادة كوردستان وشعبها وقيادتها، وان ما يجري اليوم بعد الاستفتاء في كوردستان وحولها، للأسف الشديد امتداد بائس لثقافة البعث وداعش، والحمد لله انك أدركت نهايتهما ونتائجهما!

kmkinfo@gmail.com

56
كوردستان بين نقطة الشروع والاستفتاء

كفاح محمود كريم


البداية ونقطة الشروع

     لا أريد أن أغوص في تفاصيل التاريخ ودهاليزه البيضاء أو السوداء خشية من أبالسة السياسيين العنصريين والمتشددين الدينيين الذين يقبعون دوما في التفاصيل، بقدر ما أريد الإشارة إلى نقاط الشروع لحركة الاستقلال الكوردستاني منذ بدايات القرن الماضي وحتى الاستفتاء الأخير في 25 سبتمبر الماضي، وبلورة ديناميات جديدة من خلال قراءة دقيقة لتلك الصفحات من التاريخ وخاصة طبيعة تعامل كلُ من حكم العراق مع القضية الكوردية.

     لقد قاد الشيخ عبد السلام البارزاني 1909-1914م انتفاضة شعبية في كوردستان العراق كأول حركة تحررية في القرن العشرين تمتلك أهدافا سياسية واضحة، نجحت في إيصالها إلى الحكومة العثمانية، التي جن جنونها فشنت حملة عسكرية كبيرة على مناطق نفوذ الحركة في بارزان واعتقلت الشيخ عبد السلام ورفاقه، ثم أعدمتهم في مركز ولاية الموصل بداية 1914م.

المملكة الجديدة وبسط النفوذ

     لم تنطفئ جذوة الثورة بل استمرت حتى وقعت المنطقة بأسرها تحت طائلة اتفاق وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا ( سايكس بيكو ) لتأسيس كيانات تخدم مصالحها فقط، فظهرت للوجود في هذه المنطقة مملكة عراقية من ولايتين هما البصرة وبغداد، وحينها كانت ولاية الموصل تضم كل كوردستان الجنوبية المسماة اليوم كوردستان العراق، وبعد مفاوضات عديدة بين الأطراف الأربعة البريطانيين والفرنسيين والأتراك والكورد اتفقوا مع الكورد على أول استفتاء حول تبعية الموصل، بعد أن وعدوهم بتحقيق مطالبهم وأهدافهم السياسية والثقافية إذا ما صوتوا إلى جانب انضمام الولاية إلى المملكة الجديدة، وبذلك منح الكورد وهم الغالبية هوية العراق لولاية الموصل، وهنا يقول ادمونس في كتابه عرب وكورد وترك " لقد قدم شعب كوردستان خدمة كبيرة في تأسيس دولة العراق وذلك بأصوات الأغلبية الكوردية في ولاية الموصل".

     ولكن الطرف الآخر وهو المملكة العراقية وعرابها البريطاني وضع الخطوات الأولى للانقلاب على كل العهود والوعود حتى أصبحت سلوكيات متوارثة حتى يومنا هذا من قبل كل من حكم العراق، ولعل ما كتبه ملك العراق الأول لرئيس وزراء بريطانيا، يؤشر لذلك الانقلاب حيث طلب منه مساعدته لبسط السيطرة على كل ( المناطق الشمالية ) ويعني بها كوردستان العراق، فأجابه  رئيس حكومة بريطانيا العظمى حينها:
" إننا اتفقنا معكم بإنشاء مملكة تكون حدودها من البصرة وحتى جبال حمرين، يكون الكورد فيها شركاء حقيقيون، ولم نعدكم بإنشاء إمبراطورية من البصرة إلى زاخو! "

     فما أشبه اليوم بالبارحة وطلبات رئيس حكومة العراق الحالي ببسط سلطاته على كل الإقليم ولكن هذه المرة بمساعدة الإيرانيين بدلا من البريطانيين في الأمس.

الجمهوريات وسياسة الاحتواء والتهميش

     بعد انقلاب 1958م وإعلان الجمهورية بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، عاد مصطفى البارزاني إلى بغداد على خلفية إن العهد الجديد سيضع حلولا جذرية للمسألة الكوردية، باعتماد دستور جديد يقر بالشراكة بين العرب والكورد، وان العراق يتكون من قوميتين رئيسيتين العربية والكورية، لكن للأسف لم تمض إلا سنوات قليلة جدا حتى انقلبوا على تلك الشراكة، واستبدلوها بسياسة الاختراق والاحتواء والحل العسكري، لتبدأ حقبة جديدة من التهميش والإقصاء والاضطهاد، تسببت في اندلاع ثورة أيلول 1961م في كوردستان العراق بقيادة البارزاني مصطفى، والتي تمخضت بعد سنوات عن اتفاقية11آذار1970م بين العراق وحركة التحرر الكوردستانية، التي اعترفت لأول مرة بحق الكوردستانيين بالحكم الذاتي سياسيا وثقافيا واقتصاديا، وبعد أربع سنوات تجريبية ذهبت حكومة بغداد إلى فرض قانون من طرف واحد للحكم الذاتي على طريقة السوفييت بقيادة حزب البعث وأجهزته الأمنية والاستخبارية، مما حدا بقيادة الحركة الكوردية إلى رفض ذلك القانون، وأصرت بغداد على رفض أي حوار خارجه وخارج شروطه، مما أشعل الحرب بين الطرفين، والتي انتهت بعد عام واحد لصالح بغداد وذلك بضغوطات كبيرة من قبل الولايات المتحدة وإيران لصالح بغداد في حينها!

حقبة صناعة ( الجته ) وأحزاب الزينة

     بعد هذه الحقبة بدأت مرحلة اعتماد بغداد على سياسة تمزيق البيت الكوردستاني وفتح ثغرات في جدرانه الداخلية، حيث استخدمت كل الحكومات العراقية بدون استثناء سياسة صناعة جيوب أو ثغرات في هذا الجدار، من خلال استمالة وإغراء أشخاص على خلفية صراعات قبلية أو سياسية مع قادة حركة التحرر الكوردستانية، وتنظيمها على شكل أحزاب أو تشكيلات ميليشية عرفت في كوردستان بـ (الجته) أي عملاء العدو، وقد نظمت لهم الحكومة المركزية أفواجا كميليشيات تأتمر بأمر شيخ القبيلة وتساق من قبل ضباط الاستخبارات أو الأمن الحكوميين، وكانت تسمى في حينها بالأفواج الخفيفة ويطلق عليها الأهالي بالجحوش.

     هذا في الجانب العسكري، أما في الجانب السياسي فقد استنسخ نظام البعث أسلوبا كانت أجهزة المخابرات الأوربية الشرقية في حقبة الحكم الشيوعي تستخدمه في تزيين ديمقراطياتها الشعبية  بأحزاب للزينة فقط، حيث تم تأسيس أحزاب كوردستانية في دوائر المخابرات العراقية على أنها تمثل طموحات شعب كوردستان، وهي ذاتها معتمدة حتى الآن في تصديع البيت الكوردستاني من قبل بغداد وطهران واذرعهما في الداخل الكوردستاني، كما حصل في اجتياح كركوك.

كوردستان ودولة الديمقراطية العرجاء

     ورغم كل هذه المحاولات لتفتيت الجبهة الداخلية وإدامة الحرب لم ترفض كوردستان أي محاولة للسلام ولبناء دولة الشراكة الحقيقية ودولة المواطنة، ولأجل ذلك ذهبت قيادتها إلى بغداد وهي تمشي على مئات الآلاف من ضحايا الأنفال وحلبجة لكي تفاوض صدام حسين بعد انتفاضة الربيع، كما تخلت عن كل امتيازاتها التي وفرتها الأمم المتحدة ومجلس أمنها في الملاذ الأمن عام 1991م، وذهبت إلى بغداد بعد أيام من إسقاط نظام الرئيس صدام حسين، لكي تؤسس مع الشركاء الآخرين دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتنشأ دولة مواطنة تحت سقف دستور كتبناه جميعا، لكن الأمور اختلفت حينما أصبحوا في السلطة فأرسلوا دباباتهم عام 2008 مهددين كوردستان بالاجتياح من خلال قوات أعدت مسبقا وأطلق عليها اسم قوات شرق دجلة بالقرب من كركوك، وبذلك انهار فعليا تحالف الطبقة السياسية الشيعية مع التحالف الكوردستاني  في 2008م.

     لقد استمر الصراع بين هذه الطبقة الحاكمة وبين إقليم كوردستان بشكل غير معلن، ومن خلال سياسة التهميش والإقصاء والتلكوء في تطبيق الدستور، وخاصة فيما يتعلق بالمجلس الاتحادي وهو الجزء الأهم في البرلمان العراقي الذي يطمئن مكونات العراق الأخرى على مستقبلها وشراكتها، كم عملت تلك الطبقة الحاكمة على منع تطبيق المادة 140 والمواد التي تخص توزيع الثروات وخاصة قانون النفط والغاز، حتى وصلت الأمور إلى قطع حصة الإقليم من الموازنة العامة والبالغة 17% وقطع مرتبات الموظفين وفرض حصار اقتصادي غايته إيقاف تطور الإقليم وإشاعة الفوضى فيه، خاصة وان لجان التحقيق البرلمانية في سقوط الموصل بيد تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية داعش، اتهمت رأس كتلة دولة القانون وهي المهيمنة على مقدرات السلطة العسكرية والأمنية والاقتصادية في العراق بمسؤولية سقوط الموصل بيد داعش لتكون خنجر في خاصرة كوردستان.

خطر إلغاء تجربة الإقليم وقرار الاستفتاء

     من هنا بدأ الإقليم يشعر بخطر المستقبل خاصة وان الطبقة السياسية الشيعية مرتبطة تماما مع إيران التي لا تؤمن إطلاقا بأي خطوة لتطور الإقليم السياسي، وسارع قادة الإقليم إلى تحذير بغداد بتجاوزاتها على الدستور وضرورة الإسراع بحل الإشكاليات المتراكمة من خلال زيارات متعاقبة لبغداد، لكن للأسف كانت المؤامرة اكبر والهدف تدمير الإقليم وإلغائه بالكامل، وهذا ما أكدته الأحداث المتعاقبة خاصة رفض بغداد أي حوار حول مستقبل الموصل بعد التحرير، علما بان قيادة الإقليم تحادثت مع بغداد الحكومة والأحزاب بأنها تشعر بخطر ما يحصل وإنها ربما تذهب إلى الشارع الكوردستاني في إشارة إلى الاستفتاء، وقد حصل ذلك قبل تحرير الموصل بفترة ليست قصيرة، ورغم ذلك كانت تلك الطبقة قد طبخت برنامجا غير معلن لما سموه (إقليم شمال العراق) أو(محافظات شمال العراق) كما تستخدمه الآن وسائل إعلامهم، مما دفع الإقليم إلى إجراء الاستفتاء تحت مضلة القانون والدستور في التعبير عن الرأي.

     لقد أثبتت الطبقة السياسية الحاكمة بشقيها الرئيسي الشيعي والملحق السني بأنها ضد الفيدرالية بتقاطع صارخ مع الدستور، وإنها بإلغاء إقليم كوردستان ستعيد النظام الشمولي تحت يافطة الأغلبية السياسية التي تهيمن عليها الطبقة السياسية الشيعية المسيرة بالكامل من إيران، مع إكسسوارات سنية وكوردية على غرار أحزاب الزينة، وبذلك تتحقق أهداف ولاية الفقيه تدريجيا وباستخدام آليات الديمقراطية بعد إلغاء أي محاولة لمعارضة تلك الولاية.

الحرب على كوردستان باسم الدستور

     واليوم وبعد استنساخ حكومة بغداد لكل أساليب وسلوكيات الحكومات العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية في مطلع القرن الماضي وحتى إعلان الحرب على الإقليم واجتياح كركوك وبقية المناطق المستقطعة أساسا من كوردستان بسياسة التعريب والتغيير الديموغرافي خلال أكثر من نصف قرن، وخرق أهم مواد الدستور التي تحرم استخدام القوات المسلحة في النزاعات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم أو المحافظات، وفرض الحصار الكلي على شعب الإقليم من خلال الاستعانة بالدول الأجنبية ( إيران وتركيا وغيرهما ) لغلق الحدود ومنع دخول المواد الغذائية أو التجارية ومنع شركات الطيران من الهبوط في مطارات الإقليم، وإيقاف حركة السياحة من العراق إلى الإقليم، إضافة إلى إيقاف تعامل البنك المركزي العراقي مع المصارف الكوردستانية أو العاملة في الإقليم، كل ذلك يأت في سياق حرب إبادة جماعية واضحة جدا لإلغاء الإقليم وتحطيم إرادة شعب من ستة ملايين نسمة، منح من اجل حريته مئات الآلاف من الشهداء، وحقق خلال اقل من ربع قرن من السلام وعشرات المليارات من الأموال ما عجزت عن تحقيقه كل الحكومات العراقية خلال قرن من الزمان ومئات المليارات من الأموال.

تحديات الإقليم بعد الاستفتاء

     إن مجمل هذه الأوضاع والتداعيات الإقليمية والدولية اليوم تضع الإقليم بين خيارين صعبين في الظروف الحالية وهما؛
الأول: القبول بدولة المواطنة في العراق وهذا يبدو صعبا للغاية إن لم يكن مستحيلا بعد مئة عام من حكم مختلف التيارات السياسية، وتحت هيمنة الأحزاب الدينية والمذهبية أو القومية، والثاني: خيار إنشاء الدولة الكوردستانية الذي يخضع هو الآخر إلى عاملين أساسيين أولهما اقتصادي سياسي وثانيهما دولي وإقليمي تحديدا دول الجوار ذات العلاقة وهي تركيا وإيران وسوريا.

العامل الأول:
     في الجانب الإنمائي والاقتصادي، لم تنجح حكومات الإقليم منذ 2003 في إنشاء بنية تحتية تخدم مصالح الأمن القومي للدولة القادمة فيما يتعلق بالأمن الغذائي حد الاكتفاء ( زراعة وصناعة وطاقة )، وانشغلت في بناء مجمعات سكنية وتجارية خدماتية غير مكتملة خاصة فيما يتعلق بالكهرباء والطرق والمواصلات والصحة والتعليم، وهذا ما شهدنا  نتائجه في الآونة الأخيرة، كما لم تنجح بتطوير إمكانيات البترول وخاصة البتر وكيميائيات والصناعات الغذائية والإنشائية والأدوية قياسا مع تعاظم مواردها منذ 2003م، وفي الجانب السياسي ورغم ما حققه الإقليم من انجاز حكومات ائتلافية، إلا انه بقى أسير النزاعات والتنافسات الحزبية، ولم ينجح في بناء جدار سياسي اجتماعي عسكري متين يحمي مصالح الإقليم العليا، حيث تصدع ذلك الجدار في أول تحدي له كما حصل في تسليم كركوك.
 
العامل الثاني:
     رغم النجاحات الملموسة المتحققة في العلاقات مع تركيا بدرجة كبيرة وإيران بدرجة اقل وسوريا بدرجة شبه معدومة، إلا أنها كشفت بعد إجراء الاستفتاء نواقص كثيرة، ونقاط خلل عديدة في خصوصية العلاقات ومدياتها مع الحكومات، دونما العمل على بناء علاقات أخرى مع مكونات سياسية فاعلة ومؤثرة وضاغطة في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتلك الدول.
     وفي الجانب الاقتصادي والاستثماري سواء مع تركيا أو إيران لم تصل تلك العلاقات والمشاريع والمصالح بين الإقليم وكل من تركيا وإيران إلى درجة أن تخشى حكومتيهما على تلك المصالح أو المشاريع، لكون معظمها لم تكن مشاريعا إستراتيجية تؤثر أو تضغط سياسيا، حيث نافسا الحكومة العراقية في معاداتهما للإقليم ومشروعه في الاستفتاء، وعلى هذا القياس ممكن مراجعة ذات العلاقات مع أكثر الحلفاء قربا وهم الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي وكندا واستراليا، والمجموعة العربية والإسلامية.

سبب أم أسباب؟

     ولكي لا نحصر أسباب ما جرى من تداعيات في جانب واحد أو مجموعة واحدة، فان العديد من المؤسسات ساهمت كل حسب موقعها ومجال عملها بما حدث، وإنها تتحمل المسؤولية أيضا ابتداءً من ممثليات الإقليم الحكومية والحزبية في الخارج، وانتهاءً بالإعلام الكوردي الذي لم ينجح تماما في إيصال القضية الكوردية بشكل مقنع على الأقل لدول الجوار، بينما نجح قرار السياسيين في الاستفتاء بتعريف العالم برمته بقضية الاستقلال، ولذلك نرى هذا الإصرار العجيب على إلغاء نتائج الاستفتاء، التي لا يمكن لأي سلطة داخلية أو خارجية إلغائه إلا باستفتاء آخر يلغي أو يثبت نتائج الأول، وعليه ستبقى نتائجه وثيقة رسمية وتاريخية يعتمد عليها في أي محاولة أخرى للاستقلال في المستقبل.

     لقد ذهب الاسكتلنديون إلى الاستفتاء وكذلك شعب كاتالونيا وربما شعوب أخرى في أوربا أو غيرها، والفرق بيننا وبينهم، إن شركائنا في الدولة جيشوا الجيوش وصنعوا مئات الخونة وحرقوا  مئات البيوت وقتلوا المئات من المعارضين، ويلاحقون اليوم كل الذين شاركوا بالاستفتاء في كركوك والمناطق التي اجتاحوها، ففصلوا المئات منهم وسجنوا اعدادا كثيرة من منتسبي وزارة الداخلية، وفي البرلمان الديمقراطي طردوا ومنعوا كل من شارك في الاستفتاء من البرلمانيين الكوردستانيين، بينما ذهب رئيس وزراء بريطانيا ونخبته الحاكمة إلى الاسكتلنديين راجين منهم إعادة النظر في استفتائهم مقابل الموافقة على مطالبهم بل وإغرائهم بامتيازات أخرى للبقاء في المملكة العتيدة.

إرادتان متضادتان

    إن ما حدث بعد إجراء الاستفتاء في كوردستان من ردود أفعال وحملات عسكرية وتهديدات من العراق أو دول الجوار، أيقظ شعورا كاد أن يضعف أو يخف، وهو إن لا خيار للعيش المشترك في كيان واحد مع هذا الكم الهائل من الحقد والكراهية، فبعد أن كان الاستقلال مجرد حلم لنائم، أصبح اليوم تحدي كبير لدى شعب حيوي ويقظ أيقن إن شركائه في الأرض بمختلف تياراتهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية لا يقبلونه إلا تابعا، ولا يقبل هو إلا أن يكون حرا أبيا.

kmkinfo@gmail.com


57
الدكتاتور الجاهل والدولة المخنوقة!

كفاح محمود كريم

     يقول الحكماء إن عدوا عاقلا أفضل ألف مرة من صديق جاهل، وهكذا بذات المعيار فالعدو العاقل أفضل من العدو الجاهل بأضعاف، لأنه بالتأكيد سيتصرف كفارس يحترم أصول وقواعد الصراع، لا كالأحمق الذي يحرق الأخضر واليابس دون دراية بأنه ينتحر بجهله وحماقته، وذات التوصيف ينطبق أيضا على الرؤساء خاصة في شرقنا المريض، المبتلى منذ الأزل بالمزمنات من الدكتاتوريات الشيطانية منها والجاهلة العمياء، التي حولت بلدانها إلى جحيم ارضي يحرق أجيالا وأجيال من البشر، ويوصد كل المنافذ والأبواب أمام أي فرصة للتطور والتقدم والمدنية.

     بعد صدام حسين ودكتاتوريته الهجينة بين الجهل والدراية، تأملنا أن نصنع بلدا لا يحكمه دكتاتور عاقل أو جاهل أو ما بينهما، لكن الأيام وسوء حظ العراقيين جاءت صناديق المغفلين والصفقات السياسية بدكتاتور جاهل ومتخلف وأجلسته على كرسي رئاسة حكومة العراق الاتحادي، انه الدكتاتور الجاهل، مختار العصر كما يحب أن ينادوه أو يستنسخوه الذي اعتلى كرسي رئاسة حكومة العراق من 2005 ولغاية 2014 ، بل وحتى اليوم من داخل الدولة العميقة!

     هذا الدكتاتور الجاهل منذ إعلان تثبيت موعد الاستفتاء جن جنونه، وبدأ يتسابق مع قيس الخزعلي وجوقة الشوفينيين بالشتائم والتهديدات الجوفاء، ساعة ضد زعيم كوردستان البارزاني وساعة أخرى ضد الإقليم وقواته المسلحة، في بيئة شوفينية حاقدة لم يسبق للعراق أن شهد مثلها، والمخزي فيها إنها لإغراض انتخابية ليس إلا، دونما أدنى شعور بان هذا السلوك يعد خيانة للقيم الإنسانية والأخلاقية، مكرسا بذلك مشاعر الحقد والكراهية بين المكونات!

     دكتاتور جاهل افسد العراق وحكومته ومؤسساته، ونهب أكثر من 800 مليار دولار، كما أضاع اكبر حاضرات الشرق ومدن العراق، الموصل والانبار وصلاح الدين وغيرهم، حينما سلم جيشا جرارا من الفرق والدبابات والمدرعات وعشرات الآلاف من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة لعدة مئات من عصابات داعش الإرهابية، لا لشيء إلا لاهانة السنة وزرع خنجر في خاصرة كوردستان، وحينما سقطت داعش عند جدران كوردستان بدأ محاولته الثانية في تجييش ميليشياته التي وصفها السيد مقتدى الصدر بالوقحة، ووضع السيد عبادي بين خيارين، إما تنفيذ برنامجه ضد الإقليم وتطلعاته، ومن ثم إلغاء النظام الفيدرالي وتثبيت الأغلبية المذهبية وعودة الدكتاتورية من جديد، وإما حرق مستقبله السياسي وإبعاده بالكامل عن العملية السياسية، وربما حتى تصفيته من قبل مفارزه الخاصة، التي اغتالت المئات من خيرة أبناء العراق العلماء والأساتذة والأطباء والطيارين وكبار الضباط والأكاديميين بمنهجية مخابراتية دقيقة وتحت مختلف التسميات والأساليب.

     رئيس حكومة العراق الديمقراطي الاتحادي السابق والحالي من وراء الأجهزة الخاصة والميليشيات، بعد أن دمر مدن المكونات؛ الموصل وسنجار وسهل نينوى وأطراف كركوك، بتسهيله دخول داعش اليها وهزيمة جيشه المخزية، يدعي اليوم الدفاع عن السنة والايزيديين والمسيحيين والتركمان، بل والانكى من ذلك دفاعه وتشدقه بالنزاهة التي اغتالها مع سبق الإصرار والترصد، فكيف إذن لإنسان لا وعد له ولا عهد ولا يحترم دين أو مذهب لأجل السلطة والمال، أن يدافع عن حقوق من تسبب في سبيهم وانتهاك أعراضهم وتدمير مدنهم وقراهم؟

     وخلاصة القول إن الدولة المخنوقة التي تم تصنيعها خلال عشر سنوات، بديلا لدولة المواطنة حولت البلاد إلى برك من دماء أبنائها وبناتها، وأشاعت اللصوصية وصناعة الأزمات والخوف، واستنساخ الجحوش حتى أصبح العراق من أفشل دول العالم وأكثرها فقرا وبطالة ورعبا وتخلفا، إنها دولة خرساء قطيعية مخنوقة تحكم أدق مفاصلها مخابرات الدكتاتور الجاهل وجوقته من الانتهازيين واللصوص الذين زرعهم في كل مفاصل الدولة، حتى غدت العائلة في الجنوب والوسط تتلفت حينما تتحدث عنه وعن حزبه!

kmkinfo@gmail.com


58
الاستقلال للأحرار وليس للعبيد

كفاح محمود كريم

     في معظم التاريخ السياسي العالمي لم ينجز الاستقلال إلا على يد الأحرار، وباستثناء القلة القليلة جدا، التي جاءت نتيجة صفقات بين مستفيدين من أطراف المستعبدين ( بكسر الباء ) كما حصل للدول الممسوخة من اتفاقيات استعمارية مثل اتفاقية سايكس بيكو وأمثالها في العالم، إلا إن البقية الغالبة قاد استقلالها زعيما وطنيا أو حزبا ما أو مجموعة ثورية، لم تستأذن أحدا إلا إرادتها وشعبيتها بين الأهالي، ولنا في تجارب الجزائر وفيتنام ودول البلقان وجمهوريات أمريكا اللاتينية وإفريقيا واسيا خير أمثلة على ما ذكرناه، ولم تكن تلك الدول التي ولدت من خضم الكفاح المسلح أو النضال المدني بقرار من برلمان أو مؤسسة تشريعية، بل من زعيم وطني أو حركة تحرر يقودها مجموعة ثوار أو حزب ما.

     وفي كل تلك التجارب كان الأحرار هم الذين يقودون حركات التحرر أو الاستقلال، وبالتأكيد كان هناك دوما قوى مضادة مرتبطة بشكل من الأشكال مع الطرف المحتل سواء كعملاء مباشرين أو مرتزقة مأجورين أو تناغم في المصالح بين الاثنين، وربما هناك في كثير من التجارب نزاعات قبلية أدت إلى ظهور مجاميع من العبيد الخانعين الذين ارتبطوا مع عدو شعبهم ونفذوا له برامجه كما كان يحصل عدنا هنا في كوردستان فيما أطلق عليهم الشعب هنا مصطلح ( الجته ) أو ( الجحوش ) وهي جمع لصغار الحمير، حيث الازدراء والتحقير من قبل الأهالي لهؤلاء الذين اختاروا جانب الخنوع والعبودية للآخر.

     إن الذين يصنعون أحداث التاريخ يقودون شعوبهم إلى مستقبل زاهر ربما يمر بمراحل عسيرة حتى يتحقق الحلم، لكنهم يبقون في خانة الأحرار، ويبقى الآخرون من المضادين لهم عبيدا خانعين لإرادة غرائزهم وأعداء  شعوبهم، ولنا في تجارب الفيتناميين الجنوبيين والجزائريين الموالين للاحتلال الفرنسي، والعشرات من الدول التي أفرزت مجاميع مما نشاهده اليوم من عبيد تتأصل فيهم مشاعر الدونية والتبعية التي تلغي وجودهم الإنساني الحر، وتجعلهم أدوات خانعة بيد الطرف الآخر سواء كان محتل أو معارض لحرية أولئك الأحرار.
     وليس بعيدا عن متناول أي باحث أو مراقب أفواج أولئك الذين لا يمثلون إلا الصفحات السوداء في تاريخ بلادهم وشعوبهم، والمآل الذي وصلوه في نهاية الرحلة، مقارنة مع ما حققه الأحرار من مجد وازدهار، ويقينا إن كوردستان اليوم تسير بذات النهج الذي رسمه أحرارها الأوائل عبد السلام البارزاني والشيخ احمد البارزاني والملك محمود الحفيد وملا مصطفى البارزاني وجلال طالباني وقائد مشروع الاستقلال مسعود بارزاني.

     ترى ماذا ستقول الأجيال القادمة، وماذا سيكتب التاريخ، وكيف سيصف هؤلاء القادة، وفي الجانب الآخر، هل من متسع لقصاصة تحكي عن عبيد باعوا حريتهم بدرهيمات مهينة!؟


kmkinfo@gmail.com

59
المنبر الحر / دعونا نعيش بسلام!
« في: 10:34 23/07/2017  »
دعونا نعيش بسلام!

كفاح محمود كريم

     منذ أكثر من مائة عام عمل الكوردستانيون في كوردستان العراق على إنشاء دولة مدنية متحضرة ديمقراطية مع شركائهم العرب وغيرهم من شعوب هذه المنطقة من العالم، دولة تعتمد أسس المواطنة في بنائها الاجتماعي والسياسي، وكانت الخطوة الأولى بعد اتفاقية سيكس بيكو سيئة الصيت، أن منحوا ولاية الموصل العثمانية هويتها العراقية في استفتاء عصبة الأمم بالربع الأول من القرن الماضي، أملا في أن يحقق الشركاء الآخرين في المملكة العراقية ( ولاية بغداد وولاية البصرة ) وعودهم في تنفيذ مطالب شعب كوردستان في شكل الدولة وأساسياتها وحيثياتها بما يضمن حقوقهم الإنسانية والثقافية والسياسية.
     وطيلة ما يقرب من ثمانين عاما لم يتلق الكورد من وعود الحكومات المتعاقبة في بغداد وعلى مختلف مشاربها وتوجهاتها، إلا الحروب المدمرة التي استخدمت فيها أبشع أنواع الأسلحة، بما في ذلك المحرمة دوليا كالأسلحة الكيماوية والعنقودية والنابالم، ناهيك عن عمليات الأرض المحروقة، التي أتت على أكثر من ثلث كوردستان في عمليات الأنفال سيئة الصيت ( ثمانينيات القرن العشرين )، والتي ذهب ضحيتها ما يقرب من ربع مليون إنسان، وتدمير خمسة آلاف قرية بما فيها من بساتين وينابيع ومنشآت، إضافة إلى تغييب مئات الآلاف من الكورد الفيليين في وسط العراق، وإسقاط جنسياتهم العراقية وتهجير عوائلهم إلى إيران ( سبعينيات القرن العشرين )، وأتباع سياسة الصهر القومي والتغيير الديموغرافي لسكان المدن الكوردستانية المتاخمة لحدود العراق العربي مثل كركوك وسنجار وزمار ومندلي وسهل نينوى ومخمور والشيخان وعقرة وغيرها طيلة نصف قرن ( 1958- 2014 )، وأخيرا تسهيل احتلال أجزاء من كوردستان العراق من قبل منظمة داعش الإرهابية واقتراف واحدة من أبشع جرائم التاريخ بحق الايزيديين والمسيحيين في كل من سنجار وسهل نينوى ( حزيران وآب 2014 ).
     ورغم تلك الكوارث والمآسي بقي الكورد يعملون ويناضلون من اجل تأسيس دولة مواطنة متحضرة ديمقراطية، تحفظ العراق موحدا بشراكة حقيقية وتوجه مخلص لمعالجة جروح الماضي وتعويض السكان عما أصابهم من ويلات، وبهذه الروح ذهبوا إلى بغداد في آذار 1970 حينما تصوروا إن القائمين الجدد على الحكم ينوون التعامل مع القضية الكوردية بجدية، وفعلوها قبل ذلك في الستينيات مع عبد الرحمن البزاز، لكن الحقيقة كانت غير ذلك لدى الطرف الثاني، حيث الغدر والخيانة والانقلاب على الاتفاقيات، وفرض مشاريع هزيلة كما فعلوا في تجربتهم البائسة فيما سمي بعد 1975 بقانون الحكم الذاتي الحكومي، الذي انهار وبدأت سلسلة جديدة من الكوارث والمآسي والحروب التي راح ضحيتها خيرة أبناء كوردستان وبناتها، وخيرة شباب العراق ممن تورطوا في تلك الحروب القذرة مجبورين غير مخيرين، دونما أن تنتج تلك الصراعات إلا الدمار والتقهقر والتخلف للبلاد، حتى اسقط التحالف الدولي مطلع الألفية الثالثة نظام صدام حسين وحزبه الذي تسبب في معظم مآسي الشرق الأوسط حتى يومنا هذا.
     لقد تخلى الكوردستانيون عن استقلالهم الذاتي الذي فرضته انتفاضة الربيع 1991 وأقرته قرارات مجلس الأمن الدولي ( قرار 688 )، وتسارعوا إلى بغداد حفاظا على وحدة العراق وبناء دولة المواطنة والشراكة الحقيقية تحت خيمة ديمقراطية حقيقية ونظام مدني متحضر، والمساهمة في تأسيس دستور دائم يحفظ للبلاد وشعوبها كل الحقوق والامتيازات ويحترم خياراتها وتطلعاتها في دولة اتحادية اختيارية ( من دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية، ولا عقدة مناطقية، ولا تمييز، ولا إقصاء ) و ( إن الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده الحر شعبا وأرضا وسيادة ).*

     وبعد أكثر من عشر سنوات ( بعد تشريع الدستور الدائم ) من وضع هذه الوثيقة الجامعة وشروطها في الالتزام، ماذا حصل وماذا جنينا ممن يحكمون بغداد؟
- تحول النظام تدريجيا إلى نظام طائفي بحت.
- الكتلة البرلمانية الأكبر تقود حملة عنصرية مقيتة ضد الإقليم وشعبه ورموزه ليل نهار ومنذ سنوات، وتدعو إلى أغلبية لإقصاء بقية المكونات.
- محاصرة الإقليم اقتصاديا بحرمانه من حصته في الموازنة العامة منذ 2014 مع قطع كافة رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين.
- إقصاء وتهميش بقية المكونات وإتباع سياسة الاحتواء والصهر على شاكلة ما كانت تفعله النظم السابقة في لملمة الانتهازيين والمرتزقة من المكونات المختلفة.
- إلغاء كافة مكاتب تمثيل إقليم كوردستان في السفارات العراقية مخالفة للدستور.
- تصفية القوات المسلحة والأمن والاستخبارات من كل المكونات وتهميشهم وإبعادهم عن مواقع القرار.
- تأسيس ميليشيات مسلحة خارج منظومة القوات المسلحة الوطنية على أسس طائفية، وتجميلها بإكسسوارات عشائرية وشخصية هزيلة من مكونات مختلفة لا تمثل إلا نفسها.
- إشاعة الفساد وإدامته وإضاعة فرص التقدم وبناء دولة مدنية، بهدر مئات المليارات من موارد البلاد.
- تعطيل وإيقاف تطبيق معظم مواد الدستور وفي مقدمتها ما يتعلق بحقوق السكان في المحافظات من تأسيس الأقاليم، بل ومحاربتهم كما حصل مع مطالب شعب البصرة والانبار وصلاح الدين ونينوى، وكذلك تعطيل قانون النفط والغاز وتطبيقاته والمادة 140 وعدم إجراء تعداد عام للسكان
.
     وقائمة الخروقات تطول وتمتد على كل مساحة العراق ومكوناته، حتى أصبح اليوم واحدا من افشل دول العالم وأكثرها بؤسا ورعبا وفسادا، ناهيك عن إن سيادته في الأصل مثلومة باختراقات دول الجوار وما بعد الجوار تحت مختلف التسميات والعناوين، حتى غدت عاصمته تحكم من قبل عصابات ومافيات مسلحة تستمد شرعيتها من الرب والدين والمذهب وفي كل حي وشارع، حيث الميليشيات وحكم قرقوز والصراع الطائفي المقيت، لهذه الأسباب ولأننا شعب يختلف كليا عن شعب العراق عرقيا وقوميا وثقافيا وتاريخيا وحضاريا وجغرافيا، فإننا بعد أن فشلنا بعد قرن من الزمان في أن نكون واحدا، وأن نكون شريكين حقيقيين في كيان مختلق غصبا عنا نحن الاثنين، سنذهب إلى خيار استفتاء الشعب لتقرير المصير، لكي نعيش بسلام بعيدا عن الصراعات الدموية والسياسات العنصرية والطائفية، لأننا شعب يحب الحياة والبناء والسلام، وسنكون فعلا الظهير المخلص لكل الشعوب الجارة وأولها شعب العراق الشقيق.
     أيها الإخوة والأصدقاء في عراق الحضارة دعونا نعيش بسلام في كوردستاننا ونبني وإياكم أوطاننا، بعيدا عن لغة الحروب والاحتواء والاحتلال والعدوان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نص من ديباجة الدستور الدائم

kmkinfo@gmail.com

60
وما أدراك ما التعريب؟

كفاح محمود كريم

     هناك دوما في حقول آداب اللغات والترجمة، وسائل وصيغ حضارية تقوم بها مؤسسات أكاديمية أو مراكز دراسات وأبحاث سياسية أو علمية، لغرض نقل تجارب الشعوب وحضاراتها في مختلف ميادين المعرفة، فمنذ مئات السنين إن لم تك الآلاف تلاقحت حضارات ولغات وعادات وتقاليد بين شعوب الأرض، حتى لم تعد هناك لغة نقية بالتمام والكمال، ما لم يكن فيها مفردات من لغات أخرى، وفي محيطنا شهدت الشعوب ومنها العربية ومنذ أكثر من ألف عام عمليات ترجمة ونقل كثير من معارف الرومان والفينيقيين والميديين والآشوريين وغيرهم من وإلى العربية، بما في ذلك العقائد الدينية وميثولوجيا الشعوب. وقد أردت بهذه المقدمة أن أضع إمامكم التكييف الحضاري للتعريب، قبل تناول الشكل الهمجي العدواني الذي استخدمته بعض الحركات والأحزاب العنصرية القومية والدينية العربية مع مكونات العراق وسوريا وشمال أفريقيا من غير العرب، وهو بالتأكيد لا يمت بأي صلة من الصلات بما ذكرناه أعلاه، لأنه استهدف الإنسان غير العربي في هويته وذاكرته وانتمائه وحتى إنسانيته، وتسبب في تشويه حاد وتغيير ديموغرافي في الأرض والإنسان، ولا علاقة للعرب أو الأمة العربية بما فعلته تلك الأنظمة والأحزاب العنصرية، كما أنها غير مسؤولة إلا بالقدر الفردي الذي استخدم وسيلة لتحقيق تلك الأغراض، ومن أكثر النماذج التي استخدم فيها التعريب تلك المدن التي تشكل حافات إقليم كوردستان أو حدوده في كل من العراق وسوريا:

     ففي العراق تم تهجير مئات الآلاف من السكان الكورد الفيليين في بغداد والكوت والفرات الأوسط بحجة إنهم من أصول إيرانية في واحدة من أبشع عمليات الإبادة والتطهير العرقي، وكذا الحال في كركوك ومناطق ديالى وجنوب اربيل ( مخمور ) وشمال وغرب الموصل في زمار وسنجار وسهل نينوى، واستقدام مئات الآلاف من العرب إلى تلك المدن، وقد اختلفت أساليب التعريب والتغيير الديموغرافي من مكان إلى آخر، ففي سنجار مثلا لم يستقدم عرب من خارج القضاء إلا بنسبة ضئيلة جدا، لكنهم شجعوا أبناء البادية والجزيرة والقرى الجنوبية التابعة لقضائي سنجار والبعاج، بل وتحويل البعاج وهو قرية كبيرة إلى قضاء امتد في حدوده الشمالية إلى مركز مدينة سنجار، سالخا معظم قرى سنجار الكوردية وربطها بالقضاء الجديد ذو الغالبية العربية، وبذلك شجعوا أبناء تلك المناطق وعشائر البعاج بالسكن في مركز المدينة مع إغراءات الأرض السكنية والقرض والوظيفة، بينما كان يحرم على ابن المدينة أن ينال نفس الحقوق إلا بتغيير أو (تصليح) قوميته إلى العربية، مما دفع سلطات حزب السلطة وأجهزتها الخاصة للتوجه إلى كل بيوتات سنجار وعشائرها وكذا الحال في زمار والشيخان وسهل نينوى، والضغط باتجاه تغيير القومية وإلا سيتم ترحيلهم فورا، وذات الأسلوب استخدم في مناطق ديالى أيضا، حيث منع بشكل يعاقب عليه القانون استخدام الأسماء الكوردية أو تمليك الدار أو أي عقار حتى السيارات لمن قوميته كوردية، وذلك لدفع السكان إلى تغيير قوميتهم إلى العربية، وفي كركوك ومعظم بلدات وقرى الحدود السورية العراقية والسورية التركية، تم ترحيل سكانها الكورد الأصليين وإسكان مواطنين عرب بدلا عنهم، كما حصل في مخمور ومشروع ري الجزيرة،  أيضا وبإغراءات كبيرة مثل تمليكهم 100 دونم أو 60 دونم من الأراضي حسب حجم الأسرة، مع تسهيلات زراعية وقروض مالية، حُرِم منها سكان المنطقة الأصليين الذين وضِعوا أمام خيارين؛ إما الترحيل وخسارة كل شيء أو ( تصليح ) القومية من الكوردية إلى العربية والحفاظ فقط على ممتلكاتهم، وكانت كركوك الطامة الكبرى التي تعرض فيها السكان لواحدة من أبشع عمليات الإبادة والعنصرية المقيتة، حيث تم تهجيرهم وتشتيتهم في كل أنحاء كوردستان والعراق، مع مصادرة كل ما كانوا يمتلكونه، واستقدام مئات الآلاف من أهالي الجنوب والفرات الأوسط إلى المدينة وأطرافها، مع مغريات كبيرة بدأت بعشرة آلاف دينار، في حينها كانت أكثر من ثلاثين ألف دولار، إضافة إلى قطعة ارض سكنية ووظيفة عسكرية أو أمنية أو مدنية.

     إن ما تعرضت له هذه المدن لم يبدأ مع تسلط البعث، وان كان قد وصل إلى ذروته مع اغتصابهم للسلطة في دمشق وبغداد، بل كانت سياسة كل الذين حكموا البلاد العراقية والسورية منذ قيام هذه الكيانات بعد اتفاقية سايكس بيكو، حيث تعرض الأهالي لشتى أنواع الإبادة الاجتماعية، سواء بمسخ هويتهم وثقافتهم وتحريم لغتهم، أو من خلال الحملات العسكرية التي استهدفتهم كمجتمعات بشرية، كما حصل للكورد في الأنفال العراقية أو التتريك في تركيا، والعمل على إبادتهم كليا، وكذا الحال في إيران التي استخدمت ذات الثقافة والأسلوب الهمجي في التعريب ولكن بصيغة التفريس أو التتريك، وفي سوريا لم يكتفوا بالتهجير والترحيل بل تم سحب الوثائق الرسمية التي تثبت مواطنيتهم السورية مثل شهادات الجنسية والهوية المدنية من مئات الآلاف واعتبارهم جاليات مقيمة محرومة من كل امتيازات المواطنة، وفي العراق على سبيل المثال وقبل قيام المملكة العراقية وتحديدا مطلع القرن الماضي 1903 لم تتجاوز نسبة العرب في كركوك 3% من السكان، وفي سنجار وحتى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي لم يكن هناك أكثر من 10% من السكان عربا ومعظمهم من البدو، وكذا الحال في الموصل التي كانت تضم كل كوردستان العراق حينما كانت ولاية قبل إدغامها في مملكة العراق، ويعرف سكانها الأصليون كم هي نسبة العرب في ساحلها الأيسر على سبيل المثال لغاية مطلع الستينيات من القرن الماضي، وما حصل فيه بعد ذلك.

     لقد أنتجت تلك السياسة البائسة والعنصرية المقيتة، تمزيق حاد في البنية الاجتماعية العراقية والسورية وبقية البلدان التي تعرضت لها، بل تسببت في حروب وعمليات إبادة جماعية للسكان ( الانفال وحلبجة ) وما فعلته داعش بالايزيديين والمسيحيين في كوردستان العراق، كل هذه المآسي جاءت نتيجة لتلك السياسة في التعريب والاسلمة، وما يسمى اليوم بالمناطق المتنازع عليها في كوردستان العراق، وهي أصلا مدن وبلدات كوردستانية تعرضت لتك السياسة المقيتة، ذهبت فيها أجيالا كاملة ضحية لتلك الثقافة الهمجية، حيث فقدت لغتها وثقافتها بسبب منع تعلمها أو استخدامها للغتها الأصلية، بل عملت على تمزيق المكونات الاجتماعية من بيوتات وعشائر على خلفية تعريب البعض منها ورفض البعض الآخر لتلك العملية.

     وشتان بين أن تنقل وتترجم آداب وحضارة شعب إلى لغتك وبين أن تمحو ثقافة وحضارة شعب آخر لتحتل ذاكرته!

kmkinfo@gmail.com
 

61
المنبر الحر / فرص العراق الضائعة
« في: 17:43 02/06/2017  »
فرص العراق الضائعة

كفاح محمود كريم

     أضاعت الطبقة السياسية العراقية منذ تأسيس الكيان العراقي عام 1921م، ثلاث فرص تاريخية لقيام دولة نموذجية ربما تتجاوز في عطائها وتقدمها حتى دولة اليابان التي نهضت بعد الحرب العالمية الثانية،  وأصبحت خلال اقل من نصف قرن عملاقا عالميا في كل مناحي الحياة، حينما قررت الاعتراف بالخطأ والهزيمة، وأدركت إن القوة والعسكر ليست كل شيء في حياة الإنسان والشعوب، فاعترفت بهزيمتها ووقعت اتفاقية الصلح مع الولايات المتحدة، ولكن بدون أفلام كاوبوي على طريقة المقاومة والإرهاب التي استخدمتها فصائل البعثيين ومن شابههم بالعقيدة والسلوك من بقية أحزاب وميليشيات ما بعد 2003  حتى حولوا العراق إلى حفنة تراب كما تعهد بذلك كبيرهم الذي علمهم السحر!

     لقد أضاعت الطبقة السياسية السنية العربية الفرصة الأولى حينما استلمت قيادة المملكة العراقية، وعملت على تهميش بقية المكونات الرئيسية من الشيعة والكورد، وأرست القيم القبلية والعلاقات والعادات المتخلفة، التي تم تجميلها ببرلمان وممارسات ديمقراطية في مجتمعات بدائية متخلفة، ليس لها أي انتماء غير عشيرتها أو منطقتها أو مذهبها، وحينما توفرت فرصة جديدة لقيام كيان عراقي تقدمي متحضر وان كان بانقلاب عسكري، رفع شعارات دغدغت مشاعر الأهالي مثل " لا شرقية ولا غربية " ولا عربية ولا كوردية" و " لا دينية ولا مذهبية " بل جمهورية عراقية تقدمية خالدة!

     وخلال ما يقرب من خمس سنوات فشلت تلك القيادة لأسباب لا مجال لذكرها هنا في إرساء أسس دولة المواطنة، وربما التناحرات السياسية بين الأحزاب وخاصة البعثيين والشيوعيين أدت إلى اغتيال تلك الفرصة بانقلاب من قبل العنصريين القوميين والدينيين في شباط 1963م، وبذلك ضاعت الفرصة الثانية التي كانت تحتمل قيام اتحاد عراقي متين تقوم على أساسه دولة متحضرة مزدهرة.

     وتمر سنوات القهر والتقهقر والتخلف والحروب، ويتم تدمير البلاد بالحروب والحصار، حتى أصبحت اغني دول الشرق الأوسط أكثرها فقرا وإذلالا، حيث استخدم النظام الحاكم وطبقته السياسية أبشع أنواع الاضطهاد ضد مكونات شعوب العراق، وإيهام الرأي العام بان العراق يمتلك أسلحة إستراتيجية كيماوية وجرثومية ومنظومة صواريخ، حتى اضطر المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها من شن حرب مدمرة على العراق وإسقاط ذلك النظام، الذي اتضح انه فعلا بطل من ورق!

     ويسقط هيكل نظام صدام حسين ويتشظى إلى عصابات وميليشيات ومنظمات للجريمة وهي جميعها من بقايا الأمن الخاص والمخابرات وفدائيو صدام، أطلقت على نفسها توصيف المقاومة، واستخدمت الدين والعقلية القبلية استخداما بشعا وقذرا لتنفيذ مآربها وإشاعة الرعب والإرهاب،  وهذا ما أدى إلى استقطاب كل منظمات الإرهاب العالمية إلى الساحة العراقية وفي مقدمتها القاعدة وفروعها التي احتضنها نظام صدام حسين وعمل على استخدامها في الأيام الأولى للحرب.

     ويقدم الأمريكان وحلفائهم رغم ما حل بالعراق من دمار وتخريب هائل، فرصة تاريخية هي الثالثة منذ قيام مملكة العراق، لإمكانية تأسيس  كيان نموذجي على أسس مدنية وحضارية، تعتمد مبدأ المواطنة والمشاركة الفعلية لكل المكونات الأساسية للدولة العراقية، خاصة وان الكورد وصلوا بغداد ربما قبل معظم القيادات السياسية العراقية للعمل على وضع أسس هذا الكيان الجديد، وقد نجحت تلك القوى بالتعاون مع الحلفاء والأصدقاء في وضع أول دستور دائم للبلاد، يضمن في روحيته ومبادئه السامية حقوق تلك المكونات بما فيها حق تقرير المصير، إلا إن الأحداث التي توالت بعد ذلك أكدت بالفعل ضياع آخر فرصة لبقاء كيان عراقي بحدوده المعروفة، خاصة وان الكوردستانيين قد قرروا بعد أن سئموا من خلافاتهم مع بغداد وعدم جديتها في تطبيق الدستور وبناء دولة مواطنة، واستخدامها ذات الأساليب التي كانت أنظمة بغداد الدكتاتورية تستخدمها ضد كوردستان، وآخرها الحصار المقيت على الإقليم ومحاولة تدميره وإشاعة الفوضى فيه، بحرمانه من حصته في الموازنة وقطع مرتبات الموظفين لإشاعة الفقر والنقمة والفوضى، مما عجل في الذهاب إلى خيار الاستفتاء على حق تقرير المصير، الذي يؤيده غالبية شعب إقليم كوردستان، وبذلك تبدأ الخطوة الأولى لاستقلال الإقليم الذي سيوفر فرصة تاريخية للعراق في بناء دولة متجانسة من الناحية القومية تتيح لها أن تكون دولة مواطنة عراقية عابرة للمذاهب، خاصة وان معظم بقية المكونات الدينية قد اختارت كوردستان ملاذا آمنا لها بعد أن تعرضت لحملات منظمة لإبادتها في العراق، وخاصة المسيحيين والصابئة والايزيديين.

     إذا كنا قد فشلنا خلال مائة عام من أن نكون شركاء حقيقيين في الدولة العراقية، فإننا سنكون جارين حليفين لبعض، وستبقى كوردستان عمق العراق ورئته، ويبقى العراق عمق كوردستان وظهرها الساند.

kmkinfo@gmail.com




62
ويسألوننا عن الاستقلال؟

كفاح محمود كريم

     بل.. ويرهبوننا من تبعاته وما قد يحصل من كوارث ضد شعب كوردستان إذا ما قرر الاستقلال، وقد ذهب البعض (الحنون جدا) بأنه مع حقنا في تقرير المصير وحتى مع الاستقلال، لكنه يخشى علينا من تركيا وإيران، وإننا سنكون دويلة محاصرة ستنهار حالها حال شقيقتها في كوردستان الشرقية، التي اغتالها التوافق السوفييتي الإيراني بصفقة غير طاهرة، بالضبط كما كان يرهبنا صدام حسين وحزبه والقذافي ولجانه الشعبية وبعث سوريا وأسده، من إن أي محاولة لإزالتهم من الحكم ستقوم القيامة، بل هدد صدام حسين بأنه سيحيل العراق إلى حفنة تراب إذا اخذوا الحكم منه، بهذه الثقافة والعقلية تعاملت معظم الأنظمة العنصرية والمحتلة لكوردستان في أجزائها الأربعة، مع طموحات شعب يتجاوز تعداده الأربعين مليون نسمة، يرفض الاستكانة ومحاولة إلغائه، ويصر على أن يمارس إنسانيته وحريته وخياراته الاجتماعية والثقافية والسياسية وبشكل حضاري، دونما الذهاب إلى خيارات أخرى لولا انه اضطر إزاء عمليات الإبادة، الدفاع عن نفسه، كما حصل في معظم الثورات والانتفاضات عبر تاريخه.

     لقد اختار الكورد في ولاية الموصل، التي كانت تضم معظم كوردستان العراق، الانضمام إلى المملكة العراقية، ورفضوا اعتبارهم ولاية تركية مقابل الاعتراف بحق تقرير المصير وتحقيق طموحاتهم السياسية والثقافية، واحتراما للعائلة الهاشمية التي كانت تتمتع بمقبولية كبيرة لدى الأهالي، الذين يدينون في غالبيتهم بالإسلام، ورغم ذلك وبعد سنوات ليست طويلة ظهرت بوادر الغدر والتحايل والتخلي عن تلك الوعود، بل وذهبت حكومات بغداد المتعاقبة، ومن مختلف التوجهات والعقائد، إلى كبح جماح طلائع الكورد واعتقالهم وإعدامهم وشن حرب شعواء على كوردستان، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وحتى غزوة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية داعش، التي اعتبرت الكورد مرتدين وجب إبادتهم كما فعل صدام حسين وعلي كيمياوي وأقرانهم في سوريا.

     لقد تعرض شعب كوردستان العراق إلى أقسى أنواع الاضطهاد والإقصاء بل والإبادة الجماعية، كما حصل في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وفي الأنفال في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، حيث تم قتل ما يزيد على ربع مليون مواطن كوردستاني، وتدمير خمسة آلاف قرية من أجمل قرى الشرق بما فيها من نبات وحيوان وبشر، ولا تكاد توجد قرية أو بلدة أو مدينة في كوردستان، إلا وتختزن في ذاكرتها تلك المآسي التي اقترفتها كل الأنظمة المتعاقبة دونما استثناء، حتى وصل الأمر بأنهم لم يكتفو بإبادة السكان بل عملوا على إبادتهم في هويتهم وانتمائهم، فأصدروا جملة من القوانين العنصرية التي تمنع تملك الكوردي أي عقار أو سيارة في نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين، إلا أن يغير قوميته ويجد له أصلا غير أصله، كما في قانون تصحيح القومية سيئ الصيت، ناهيك عن عمليات التعريب البشعة والتهجير والترحيل القسري للسكان واستقدام مجموعات قومية عربية من خارج المنطقة وإسكانها بدلا منهم كما حصل في كركوك وديالى والموصل.

     لقد تجاوزت تلك الحكومات في تعاملها مع الكوردستانيين حتى إسرائيل وجنوب افريقيا في تعاملهما مع السكان الأصليين سواء الفلسطينيين أو الأفارقة، حيث استنسخت وببشاعة ثقافة الاستيطان وعملت على تطويق كوردستان بحزام ناري من العنصريين والفاشيين، الذين تم إسكانهم على أطلال قرى وبلدات الكوردستانيين، كما حصل في كركوك وإطرافها وسنجار وأطرافها وخانقين وأطرافها، وبعد سنوات الضيم والطغيان،  تباشر شعب كوردستان بإسقاط تلك النماذج المقيتة، التي مثلها البعث والعنصريين الآخرين في نيسان 2003م، لكن الأحداث التي مرت خلال السنوات الأربعة عشر، بعد إسقاط نظام صدام حسين، أثبتت إن التعايش أو الشراكة الحقيقة لا يمكن تحقيقها، خاصة وان ما حدث خلال تلك الفترة كرس ذات الثقافة التي تعاطت مع شعب كوردستان، حيث تم إقصائه وتهميشه بأساليب خبيثة، ربما أكثر إيلاما مما حدث سابقا، فقد تم محاصرة الإقليم وإشاعة الكراهية والحقد ضده وضد قياداته ورموزه، والعمل على شق صفوفه والعودة إلى سياسة تصنيع ما كان يسمى بـ ( الجتة ) أو ( الجحوش ) ، كما يسمونهم في كوردستان من عملاء أنظمة بغداد، ومحاولة تدميره من خلال قطع حصته من الموازنة السنوية، بما في ذلك مرتبات الموظفين والبيشمركة التي عملوا على إضعافها بل وتدميرها.

     لقد كان الإقليم قاب قوسين أو ادني من أن يكون واحدا من أكثر الأقاليم بل الدول ازدهارا وتقدما في الشرق الأوسط، مما أرعب الحاكين في بغداد، الذين عملوا على إيقاف تلك التجربة التي خفضت نسبة الفقر من 50% عشية إسقاط نظام صدام حسين، إلى اقل من 7% في 2013م حسب إحصائيات وزارة التخطيط العراقية، وكذا الحال في الصحة والتعليم والتعليم العالي وخدمات المواطنين وفي مقدمتها الكهرباء، التي غطت كل ساعات اليوم قبل 2014م، ولا نريد الخوض في تفاصيل المآسي التي سببتها حكومات العهد الديمقراطي، منذ أول حكومة بعد نيسان 2003 وحتى الأخيرة، فلم تتغير خارطة الطريق التي استخدمتها كل حكومات بغداد منذ قيام المملكة العراقية وحتى يومنا هذا، وما تحقق في كوردستان إنما أنجزه شعب كوردستان وفعالياته السياسية والاجتماعية، وما صموده أمام الحصار والتآمر والحرب القذرة التي شنها العنصريون والفاشيون القوميون والدينيون على كوردستان، باسم ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، منذ أكثر من خمس سنوات إلا استكمالا للأنفال والحرب الكيماوية والحصار الذي استخدمه المالكي، هذا الصمود والصبر الذي أكد إيمانه بالاستقلال، والخلاص من هذا الإلحاق القسري بنظام ودولة لا تمت بأي صلة إلى كوردستان تاريخيا وجغرافيا وقوميا وثقافيا وحضاريا، ولأجل ذلك وبعد فشل كل محاولات الإقليم وقيادته من ترتيب الأوضاع مع بغداد، وحرصه على إقامة دولة مواطنة مدنية ومشاركة حقيقية، سيذهب إلى تنفيذ إرادة شعبه في الاستفتاء بأسلوب حضاري، يعتمد التفاوض والحوار مع بغداد لانجاز تحقيق مطالب شعب كوردستان بعد إجراء الاستفتاء، وهذا ما دعت إليه قيادة الإقليم بغداد والأمم المتحدة وكل العواصم الأوربية ودول الجوار والولايات المتحدة وبقية الأصدقاء والحلفاء.

     ترى هل بعد ما يقرب من مليون شهيد وتدمير ثلثي كوردستان ومحاولة إذلالها بحصار نوري المالكي وإشاعته للكراهية والأحقاد، وتسهيله غزوة داعش للإقليم، من يسألنا لماذا الاستقلال عن العراق؟

kmkinfo@gmail.com



63
إقليم كوردستان بين استقلالين

كفاح محمود كريم

    حينما أعلن تحرير معظم قرى وبلدات ومدن كوردستان العراق في ربيع 1991م إثر الانتفاضة العارمة للشعب وقواه السياسية والاجتماعية، توقع الكثير من الأصدقاء والأعداء وحتى من الذين هربوا وتركوا الإقليم في حينها، إنها عدة أشهر وستغرق كوردستان ببحر من الدماء والدموع والفقر والفاقة، إلى درجة أنها ستتوسل العودة إلى أحضان الدكتاتورية مرة أخرى، بينما توقع أكثر المتفائلين، إن الكورد لن ينجحوا بإدارة أنفسهم، وإنها أيضا بضعة أشهر لا غير ستتحول كوردستان إلى جزيرة للإرهاب والخراب، ولكن ما حدث بعد ذلك ومع خروج كل ما يتعلق بالنظام في بغداد من المناطق المحررة، بما فيها كل وسائل الإدارة ومفاتيح العمل والكثير من السجلات والوثائق، وخلال أشهر فقط كما قالوا استطاع الكورد وشركائهم في المنطقة من المكونات الأخرى، لا إلى الغرق في بحر من الدماء والفوضى بل إلى اختيار طريق آخر للصراع حينما أعلن الرئيس مسعود بارزاني، إن انتخابات عامة هي التي ستقرر من يقود ويحكم المنطقة المحررة من كوردستان، وكان بحق أول خطاب يؤشر ملامح المرحلة القادمة في المنطقة عموما، ليأتي بعده مباشرة واحد من أروع تجليات التسامح والمصالحة الاجتماعية التي تمثلت بإصدار العفو العام عن كل حقبة صدام حسين وحزبه وملحقاتهم من الكيانات والميليشيات، التي عاثت في الأرض فسادا، باستثناء حقوق المواطنين المتعلقة بالدماء، والتي طلبت فيها القيادة آنذاك من المواطنين العفو والبدء بمرحلة جديدة من الحياة خالية من الأحقاد والانتقام والتفرغ لبناء كوردستان، هذان القراران أعطيا باكورة ثمار العمل النضالي لعشرات السنين من اجل كوردستان وتحقيق العدالة والديمقراطية فيها، وربما سبقت حتى مانديلا في أطروحاته للتسامح والتعايش.

     إن أول عملية اختراق لحاجز الخوف والرعب من الأنظمة الدكتاتورية هنا في الشرق الأوسط وتحديدا في المحيط العربي، حصل هنا في إقليم كوردستان وفي وسط وجنوب العراق في ربيع 1991م، حينما انتفض الشعب وواجه سلطات الدكتاتور المتمثلة بأجهزة الأمن والمخابرات وميليشيا حزب البعث وقطعات الحرس الجمهوري والحرس الخاص، واستطاع تحرير كل المقرات والمواقع التي كانوا يحتمون فيها خلال عدة أيام، وفيما نجح الكوردستانيون في انجاز مشروعهم الديمقراطي وإقامة كيانهم الفيدرالي، نجح النظام في سحق المنتفضين في وسط وجنوب البلاد لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا.

     لقد واجه الإقليم في استقلاله الذاتي الأول تحديات كبيرة خاصة الحصار المتعدد الأطراف والاحتراب الداخلي بين اكبر حزبين في الإقليم بعد فترة ليست طويلة من تحرير المنطقة، وقد ساهمت كل القوى المضادة لتطلعات شعب كوردستان في إشاعة الإحباط والفوضى بين الأهالي، ورغم كل مآسي الاحتراب ظهر معدن هذا الشعب وحكمته، ونجحت الثوابت العليا ومصالح كوردستان السامية، أن توقف ذلك الصراع وبدأ مرحلة جديدة من البناء والاعمار والتوحد، والتي تعززت بتوحيد كبير للإدارتين ووضع خطط تنموية طموحة نقلت الإقليم نقلة نوعية كبيرة، عززت مكانته الإقليمية والدولية، بحيث أصبح واحة للسلم والأمن والازدهار.

     واليوم وبعد ما يقرب من 15 سنة على قيام النظام السياسي البديل، بعد إسقاط النموذج الشمولي الذي استمر من عام 1958 وحتى نيسان 2003 ، فشلت الإدارة العراقية الجديدة من أن تقنع المواطن في الإقليم بأنه شريك فعلي في هذه الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية، بل وفشلت في أن تفي بوعودها وتطبيق الدستور الذي اتفقنا عليه، وكرست ذات السياسات التي اعتمدتها كل الأنظمة الشمولية في ما يتعلق بنتائج التعريب والتغيير الديموغرافي، وخاصة في المناطق المستقطعة من الإقليم، حيث يتم استنساخ ذات التخويفات والإرهاب النفسي من توجه الإقليم إلى استفتاء شعبه على حق تقرير المصير، بل إن أجهزة دعاية اكبر كتلة برلمانية تقوم بإعمال متطابقة جدا مع سلوكيات البعث في إشاعة الكراهية والأحقاد ضد شعب كوردستان وقياداته التاريخية، فقد سخرت معظم أجهزة الدعاية والإعلام بما فيها المملوكة للدولة، لإشاعة الإحباط والكراهية ضد الإقليم وشعبه، على ذات النسق البعثي أو من سبقه من تشكيلة الأنظمة الشمولية، بما لم يدع أي فرصة غير الاستفتاء على حق تقرير المصير، خاصة وإنهم يمارسون فلسفة الأغلبية الطائفية والسياسية مع شريك أساسي في الدولة التي فقدت كل مقوماتها، وعادت ذات الاسطوانة في التخويف والترهيب من الاستفتاء أو الاستقلال، بوسائل شتى خاصة تلك الناعمة منها التي تدعي الحرص على الإقليم وشعبه، وهي التي تعمل ليل نهار على حصاره وإذلال شعبه واختراق جدرانه الداخلية، بل والتعاون مع أعداء الإقليم خارجيا من اجل إعاقة الاستفتاء.

    لقد قرر شعب كوردستان إجراء الاستفتاء ولن يستأذن أحدا بذلك، بل سيحاور ويناقش بغداد فقط في نتائج الاستفتاء.
 

kmkinfo@gmail.com


64

على أبواب تحرير الموصل!

كفاح محمود كريم

-1-

     يضيق الخناق يوما بعد يوم على واحدة من أعتى قوى الإرهاب والوحشية في التاريخ المعاصر، تلك هي منظمة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية داعش التي احتلت واحدة من أقدم حواضر العالم ( نينوى ) عاصمة إمبراطورية آشور، التي شهدت حضارات وأقوام سادت فيها ثم بادت، حتى نهضت الموصل عاصمة لمحافظة نينوى اليوم، وفي الأمس عاصمة لولاية الموصل التي كانت تضم كل كوردستان العراق اليوم، هذه المدينة المثيرة رفضت الانضمام لمملكة العراق، إلا بعد أن وعِد سكانها الكورد بمنحهم حق تقرير المصير فيما بعد، وبذلك أصبحت الدرة الثالثة في تاج ملك العراق بعد ولايتي بغداد والبصرة.     

     يبدو إن التاريخ يعيد نفسه أحيانا في حوادث تتشابه حد التطابق، ولعل ما يجري اليوم حول واحدة من اعرق حواضر الشرق ( الموصل ) يعيدنا إلى أحداث مرت بها هذه المدينة حينما كانت ثالثة ولايات بني عثمان في بلاد ما بين النهرين، ثم سقطت حينما شاخت إمبراطوريتهم بأيدي البريطانيين الذين حاولوا بعد ذلك ضمها إلى مملكتهم الجديدة، التي أسسوها من ولايتي بغداد والبصرة ووضعوا تاجها على رأس ابن الشريف حسين، رغم أن وارثي تاج الإمبراطورية العثمانية أصروا على مطالبتهم في إبقائها ولاية تركية، ورفضوا نتائج استفتاء أولي قامت به الحكومة العراقية، التي رفضت هي الأخرى استفتاءً أجرته السلطات التركية وحلفائها في الموصل، مما دفع البريطانيين إلى خيار عصبة الأمم التي أرسلت بدورها لجنة تحقيق دولية بتاريخ 27 كانون الثاني 1925م حيث بدأت بمشاوراتها واستقصائها للحقائق الديموغرافية وآراء الأهالي في تبعية ولايتهم، وقد ذكر خير الدين العمري وهو احد أعلام الموصل وشاهد عيان عاصر وعاش تلك الإحداث بدقائقها وتفاصيلها، حيث يقول في معرض حديثه عن مشكلة الموصل:"1"
( كان المرحوم فيصل والإنكليز والحكومة العراقية قد مهدوا طريق النجاح لحل المشكلة لصالح العراق "وقد سطر الصفحة الذهبية في هذا الاستفتاء أبناء الشمال الأكراد، فقد انضم الأكراد وفاز العراق.)
وعن موقف عرب الموصل كتب العمري يقول:"2"
( كان بعض العرب يتهربون من مواجهة اللجنة، محافظين لخط الرجعة فيما لو عاد الأتراك إلى هذه البلاد.. )
ويضيف العمري قائلاً:
( وقد تهافت بعض عرب الموصل على تقبيل أيادي جواد باشا الممثل التركي، وهتف آخرون بحياة مصطفى كمال (أتاتورك)، ولولا الشغب الذي أحدثه بعض المخلصين تخويفاً للباشا الموما إليه ليمتنع عن الخروج والتجول في المدينة لتوالت المخازي. )

     أردت بهذه المقدمة التاريخية المقتضبة أن أسلط قليل من الضوء على تعقيدات مدينة تتنازع عليها أقوام ومذاهب ودول، تلك هي محافظة نينوى وعاصمتها الموصل ذات الثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة، وأراض شاسعة تمتد من أقصى شمال البلاد العراقية إلى أقصى شمالها الغربي في سنجار ذات الأغلبية الايزيدية الكوردية، هذه المحافظة كانت فيما مضى ولاية الموصل كما ذكرنا أعلاه تضم معظم إقليم كوردستان الحالي مع كركوك وكل ديالى وحتى تخوم تكريت وأطراف الكوت شرقا، لكنها فقدت معظم أجزائها قضما إداريا أو تغييرا ديموغرافيا خلال اقل من مئة عام، مدينة صعبة المراس معقدة العادات والتقاليد، متكبرة في طباعها، لا ترضى الأمور بسهولة، حتى قال عنها صدام حسين وهو يسترضي نائبه عزة الدوري، حينما ذهب إليه شاكيا أهل الموصل في إنهم لم يستقبلوه كما ينبغي ولم يصفقوا حينما يذكر اسمه، قال له صدام لا تزعل عليهم فالموصل ليست سهلة ولا تمنح ولائها بسهولة، اصبر عليهم وسترى(!)، الموصل مدينة شهدت في تاريخها أقسى أنواع العنف من السحل بالحبال خلف السيارات إلى تعليق الجثث على أعمدة الكهرباء، والاغتيالات العشوائية بعد فشل محاولة عبد الوهاب الشواف القومية ضد الزعيم عبد الكريم قاسم في عام 1959م، ثم ما تلى ذلك من انتقامات وحشية قامت بها ميليشيات الحرس القومي البعثي بعد شباط 1963م، ولا ينسى الموصليون تاريخهم الأقدم حينما حاصرهم نادر شاه الإيراني  قرابة سنة كاملة مطبقا على مدينتهم حتى خلت من أي مأكل، فاضطر السكان إلى أكل العشب ولحوم القطط والكلاب والحمير، وما أشبه اليوم بالبارحة حيث لا مأكل ولا مشرب والناس تموت جوعا أو عطشا أو قتلا في أيمن الموصل بعد ما يقرب من ثلاثمائة عام من حصار نادر شاه!

-2-

     الموصل اليوم سلمت أمرها راضية مرضية لثلاث قوى رئيسية؛ إقليم كوردستان الذي سيطر منذ الساعات الأولى لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين في نيسان 2003م على كل المناطق ذات الأغلبية الكوردية أو المسلوخة من اربيل ودهوك مثل سنجار وزمار ومعظم سهل نينوى ومخمور، وحكومة بغداد وجيشها الوطني حصريا، لرفض معظم أهالي المحافظة ومركز الموصل وممثليهم في اشتراك الحشد الشعبي ذو الأغلبية الشيعية المطلقة، إضافة إلى التحالف الدولي والأمريكان تحديدا، ويبدو إن القوى الثلاث قد وضعت خارطة طريق ونفوذ لها في مركز المدينة وأطرافها قبيل بدء العمليات العسكرية لتحريرها، بحيث تكون مناطق سنجار وحوض زمار سنجار وسهل نينوى ومخمور وأطرافه تحت نفوذ إقليم كوردستان بصيغة يتفق عليها لاحقا، بينما يكون مركز المدينة وأطرافها الجنوبية تحت نفوذ الحكومة الاتحادية، وتؤكد تسريبات مهمة جدا على أن تكون تلعفر وأطرافها جنوبا تحت نفوذ الحشد الشعبي، ويبقى المايسترو الأمريكي ضامنا لهذا الشكل من التوافق الأولي لحين البت في مصير الشكل النهائي للبلاد العراقية وخيارات الطبقة السياسية وربما الأهالي أيضا في إنشاء فيدرالية لغرب العراق ذي الأغلبية السنية، أو تشكيل إقليم نينوى واستفتاء أهالي الاقضية ذات الأغلبية الكوردية أو المسيحية في تبعية مدنهم، ويبقى الخيار الكونفدرالي يداعب أخيلة الكثير من الطبقة السياسية السنية والكوردية بما يضمن استقلالية حقيقية في اتحاد عراقي مع الشيعة، وفي هذا السياق سيكون شكل النظام الكونفدرالي العراقي ثلاثيا يضم مكوناته الأساسية وهي العراق الشيعي ويشمل كل محافظات الجنوب والفرات الأوسط ( البصرة والعمارة والناصرية والكوت والسماوة والديوانية والحلة وكربلاء والنجف ) والعراق السني ويشمل محافظة صلاح الدين ( باستثناء ما الحق بها من مدن وبلدات كانت تتبع كركوك إبان نظام صدام حسين ) والانبار ومعظم نينوى وأجزاء من كركوك وديالى، وكوردستان التي تتمتع باستقلالها الذاتي منذ ربيع 1991م، واستطاعت أن تؤسس خلال ربع قرن معظم مؤسسات الدولة الرئيسية بما فيها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ومؤسسات الحكم الثلاث منذ أن انتخبت برلمانها في 1992 وشكلت حكومتها الإقليمية التي حازت على قبول واسع في أمريكا وأوربا ومعظم البلاد العربية والدولتين الأكثر اهتماما بملفها وهي إيران وتركيا.

     الأسابيع القادمة ستشهد بالتأكيد أحداث دراماتيكية في عملية التحرير، خاصة وان تنظيم الدولة (داعش) عمل في بيئة أنتجها نوري المالكي، دعت الأهالي في بداية الأمر لقبولهم كبديل لحكم دولة القانون، لكنهم وخلال أشهر قليلة اكتشفوا حقائق أخرى، أبعدتهم تدريجيا عن خيار التنظيم كحالة مستديمة للحياة، وبدأوا بفتح قنوات اتصال مع مفاصل مهمة من إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية، وقد اكتشف تنظيم الدولة الكثير منهم وحكم عليهم بالقتل، وبأساليب قاسية جدا لترويع الآخرين من التورط في التخابر مع الإقليم أو بغداد، ورغم ذلك نستطيع أن نستنتج بأن حكم نوري المالكي لثماني سنوات وتنظيم الدولة لما يقرب من ثلاث سنوات، غيّر بنية التفكير لدى أهالي الموصل وبقية المناطق التي احتلتها داعش، خاصة فيما يتعلق بموضوعة التقسيم والفدرلة التي أصبحت واحدة من أهم مطالب النخب السياسية والاجتماعية في الموصل، وحتى ينجلي دخان القنابل والصواريخ وتضع الحرب أوزارها وتبرد جروح أهل نينوى وموصلها، سندرك حينها إن من أسس سايكس بيكو وبعدها ضم ولاية الموصل إلى مملكة العراق أو تركيا تسبب في كل ما جرى لهذه المدينة ولكوردستان قبلها من مآسي وويلات، وقد حان فعلا أن يقول الأهالي قولتهم في تقرير مصيرهم برعاية أممية تحفظ لكل المكونات حقوقها وأمنها وسلامها ومستقبلها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والهوامش:

(1) ينظر نص التقرير في جريدة الموصل، العدد (944) في 7شباط 1925 علماً أن التقرير أكد على عروبة الموصل.
(2)للتفاصيل ينظر مؤلفه المخطوط: مقدمات ونتائج، جـ2 ص257-259




65
حلبجة وأنين خان شيخون !

كفاح محمود كريم

     قبل بدء الحرب الأمريكية على نظام صدام حسين بعدة أسابيع، لاحظ الكثير من سكان القرى والمدن التي تقع على الطريق الدولي الممتد من الموصل إلى سوريا بمحوريه موصل ربيعة وموصل سنجار، مئات الشاحنات الكبيرة والمغلفة التي تسير على شكل قوافل مع حمايات مشددة طوال الليل متجهة إلى الأراضي السورية، ولم يدرك الكثير من الأهالي ماذا تحمل هذه الشاحنات ولماذا تتحرك في الليل فقط؟

     ولأن أي سر يتجاوز حمله ثلاثة أشخاص كما يقولون، وعلى طريقة دلالي سيارات التاكسي والمطار السري كما تورده موروثاتنا الشعبية في بغداد وذاكرة عموم الناس، فان تلك الشاحنات كانت معبأة بحاويات ( براميل ) ومواد أخرى تم تهريبها إلى سوريا، إما كما فعل نظام بغداد بتأمين أكثر من مائة طائرة مدنية وعسكرية عند الإيرانيين وغيرهم من دول الجوار السعيد في غزوه للكويت، أو والله اعلم لكي يستكمل بعث سوريا ما لم يكمله بعث العراق في الإبادة الجماعية لكل أعداء الأمة العربية الواحدة ورسالتها الخالدة، ويتضح إن التوقع الأخير كان الاصوب، وضاعت طائرات أبو عداي عند رفسنجاني الذي اعتبرها جزء من تعويضات الحرب!     

أقول قولي هذا ونحن نتذكر هذه الأيام وقبل أكثر من ربع قرن حيث اقترف نظام صدام حسين ومؤسسته العسكرية، جريمة قصف حلبجة وعشرات القرى بالأسلحة الكيمياوية التي راح ضحيتها آلاف الأطفال والنساء من المدنيين العزل، وفي حينها كانت الولايات المتحدة وبقية الدول الكبرى تنافق نظام البعث لمصالحها في المنطقة، وتجامله أمام الضبع الإيراني الذي بدأ يكشر أنيابه أيامها، ولولا بعض الصحفيين ووكالات الأنباء لما عرف العالم واحدة من أبشع جرائم الحرب في تاريخ البشرية بعد الحرب العالمية الثانية.

     واليوم وبعد أكثر من ربع قرن يقترف الوجه الآخر لنظام بغداد في سوريا ( عملة البعث ووجهيها في دمشق وبغداد )، وبنفس العقلية والمبادئ التي تبيح إبادة الآخر لمجرد الاختلاف معه، كما فعلت داعش والقاعدة في تعاطيها مع مفردات الحياة التي لا تلائمها، ويقتل العشرات من المدنيين الأطفال والنساء، لمجرد إن المكان يضم مقرات لما يسمى بالنصرة، ولا يهم إن يكون في نفس المنطقة مدارس أو مباني لسكن الأهالي، المهم أن تقتل عدوا واحدا حتى وان قتل بالقرب منه العشرات أو المئات، كما يبرر تنظيم الدولة داعش أو القاعدة أعمالهما في تفجير السيارات المفخخة أو العبوات وقتلهم للعشرات من الأبرياء.

     ورغم إن خارطة التحالفات تختلف نوعا ما عما كانت عليه أيام حرق حلبجة، حيث الأمريكان والروس يلعبون بل يرقصون على حبال الصراع بين الأطراف، نراهم اليوم أيضا يعزفون ذات السيمفونية المملة، لولا ارتفاع إيقاع وصلة منها بقصف الأمريكان للقاعدة التي انطلقت منها طائرات البعث السوري لكي تقتل وتحرق المئات من المدنيين، هذا القصف الذي أرسل رسالة للروس قبل السوريين بان هناك خطوطا حمراء في سوريا، لا تبيح لأصحاب القواعد العسكرية على البحر تجاوزها، تلك الخطوط التي ترسم مناطق النفوذ لكلا العظميين ووكلائهما المنفذين!

     الأسلحة الكيماوية وقبلها النابالم وقبلهما براميل البنزين التي استخدمها الجيش العراقي في حرق قرى ومدن كوردستان منذ أيلول 1961 وحتى 2003، لم تغير قيد أنملة توجه شعب كوردستان لتحقيق أهدافه وطموحاته، بل إن واحدة من أسمى تجلياته حينما توقفت حرب ( أم المعارك ) وكان هناك بصيص أمل للحوار والتفاوض مع بغداد صدام حسين ذهبت قيادة كوردستان برئاسة البارزاني تحمل جراحاتها وملفات تفاوضها حول حقوق شعب كوردستان دونما فتح ملفات الدم والموت قبل سنين قليلة، والتوجه إلى المستقبل وخيار السلم والبناء.

     النتيجة؛ ورغم ماسي ما حصل في حلبجة وبعد صراع طويل ومرير سقط خيار الحرب والعنصرية والتكابر وانتصرت إرادة الخير والسلام، وتحولت حلبجة إلى رمز للمقاومة والانطلاق إلى التحرر، وهي ذاتها أسقطت من احرقها، وفي خان شيخون سجلت ساعة سقوط نظام الأسد وبدأ العد التنازلي الحقيقي لنهايته وبداية عصر جديد، ربما يختلف عما حققه شعب كوردستان وأيقونته في حلبجة، لكنه في آخر الصراع ستكون الغلبة للسلام والتعايش وان بعد حين!

    لقد سقط البعث ودولته ونهضت حلبجة، وفي خان شيخون ترتسم اليوم نهايات حقبة الأسد!
kmkinfo@gmail.com


66
المنبر الحر / أحزاب الزينة 3
« في: 19:02 09/04/2017  »

أحزاب الزينة
3
   
     لقد أنتجت مرحلة أحزاب الزينة وما تلاها من سيطرة الولاءات القبلية والمذهبية، جوا نفسيا اجتماعيا لدى مساحات واسعة من الأهالي خلاصته؛ ازدراء كبير يصل حد الاحتقار لما يتم تداوله من ممارسات تسمى بالديمقراطية، حيث أظهرت وصول مجاميع من النكرات والمنحرفين إلى قبة البرلمان والحكومة، وانتشار الفساد بشكل مروع، وأصبح المواطن العادي يربط بشكل عفوي بين صفة الفساد وعنوان الوظيفة، ويربط كل هذه المعطيات كنتائج لتجربة الديمقراطية في بلاد ليس لديها لحد اليوم مفهوم متفق عليه للمواطنة والولاء خارج الدين والمذهب والعشيرة والمدينة أو القرية، ويعاني أغلبية سكانها من أمية أبجدية وحضارية ومستويات خطيرة من الفقر والبطالة، وتناحر بين مكوناتها منذ تأسيس كياناتها السياسية.

     وبملاحظة سريعة لما يحدث اليوم في العراق وبقية ما يسمى بالربيع العربي، وطيلة السنوات الماضية، ما هو إلا نتاج تلك الفترة المظلمة من تاريخ هذه البلدان وتربية أنظمتها لعدة أجيال من الأهالي الذين ينفذون اليوم ما تعلموه خلال عشرات السنين، وشاهدوه وهم أطفال وفتية وشباب، ابتدءاَ من كرنفالات الإعدام التي كانت تنفذها الأنظمة في الشوارع والساحات العامة، وكيل الاتهامات الكاذبة جزافا لكل من يعارضها وانتهاء بتلك المشاهد البائسة والقاتلة من ( صور من المعركة ) التي كانت تبث يوميا ولثماني سنوات متصلة في العراق وليبيا ( في حربها مع تشاد ) وسوريا ( في احتلالها للبنان)، وتظهر آلاف الجثث الممزقة الأشلاء أو عمليات دفنها بالبلدوزرات على أنغام الأناشيد الوطنية، إلى تسطيح عقول ووعي الناس بتصنيع أحزاب وجمعيات مما كانت تسميه بالاتحادات والنقابات المهنية والفرق الفنية، التي لا هم لها ولا غم إلا التغني بالقائد الذي لا مثيل له في الدنيا وربما لو بقوا عدة سنوات أخرى لقالوا انه متعهد الآخرة أيضا.

     واليوم تواجه بلدان ما يسمى بالربيع العربي، وأولها العراق الذي سبق ربيعهم بسنوات، نتاجات تراكم هائل من التربية الخطأ، التي تصل في كثير من مفاصلها إلى الخطيئة والسلوك المنحرف في تعليم وإشاعة الكذب والخوف والتدليس والاستكانة والقسوة وتحليل وإباحة المحرمات في المال والأعراف، وإرعاب الناس باعداءٍ مفترضين لا وجود لهم إلا في مخيلة تلك الأنظمة، التي لم تسقط ثقافتها وتربيتها بسقوط هياكلها الإدارية، وبقيت تبعاتها وسلوكيات أفرادها تنعكس بوضوح على أوجه وألوان حرباوية وأشكال هلامية وملساء تصلح للزينة وللقبح معا، وتمارس كل الأدوار الانتهازية والوصولية، من خلال إعادة تأسيس أحزاب من أرحام تكتلات وكيانات حكمت تلك البلدان بعد عاصفة الربيع المغبر، وتعمل على تدوير بقاياها لتعود ثانية من خلال مسرحية الانتخابات والتزويرات والفتاوى وتعليمات شيوخ العشائر والمرجعيات الدينية والمذهبية، وهي تتسابق منذ الآن لإنتاج مسرحيات انتخابية على مستوى الدولة أو العشائر، لتجييش الرعاع والغوغاء ممن أدمنوا العبودية واستكانة القطيع لمرحلة جديدة من اللصوصية والتخلف والضياع.

     إن واحدة من اخطر العلل التي تواجه مجتمعاتنا التي عصفت بها عمليات التغيير الفوضوية سواء في العراق أو بقية بلدان ما يسمى بالربيع العربي، هو الوقوع بين مخالب القوى الدينية والمذهبية المتطرفة، وبعبارة أعم وأشمل اللجوء إلى الدين والعشيرة بعد فقدان دولة القانون والمواطنة، وربما كانت العلة الأكثر خطورة تكمن في كيفية اختيار شكل وطبيعة النظام السياسي الذي يتوافق مع النظام الاجتماعي والتراكم الهائل للعادات والتقاليد المتكلسة ويعاني من نمط متخلف من التربية والتعليم ومناهجها  الدينية والتاريخية التي تكرس مفاهيم لا تتوافق مع معطيات العصر الحديث وحاجيات الإنسان المعاصر.

     إن فشل تبلور مفهوم المواطنة خاصة في الدول ذات التنوع العرقي والقومي والديني، يعود بالأساس إلى الطبيعة القبلية لهذه المجتمعات، وفشل أنظمتها السياسية بفصل الدين عن السياسة بل عن الحكم برمته، وإبعاد فلسفته عن التعليم بكل مراحله، إلا ما يؤكد وجوده كمعتقد للإفراد وجب احترام خصوصيته في حدود الخاصية الشخصية ليس إلا، وما لم تنجح النخب السياسية والتكنوقراط من وضع دستور عصري، يؤكد على تعريف مدني للمواطنة، تسود فيه لغة القانون والانتماء الوطني فوق النظام القبلي والديني، ويرتقي على كل هذه الانتماءات، ويحظر أي تنظيم سياسي على أساس ديني أو مذهبي أو عنصري، بما يكفل حقوقا متساوية لكل الإفراد بمختلف أعراقهم وقومياتهم وأديانهم، لن ينجح أي حزب أو مجموعة أحزاب في إقامة نظام ديمقراطي تسوده العدالة في كل مناحي الحياة.

kmkinfo@gmail.com
 

67
المنبر الحر / أحزاب الزينة 1- 3
« في: 21:59 27/03/2017  »
أحزاب الزينة
1- 3

كفاح محمود كريم

     اعتدنا على أدوات أو نباتات أو حيوانات للزينة، والحمد لله إننا أدركنا كائنات أخرى للزينة والإكسسوارات التي ابتدعتها دول المنظومة الأوربية الشرقية إبان الحكم الاشتراكي، ولا أقول الشيوعي لأنهم جميعا لم يرتقوا إلى تلك المرحلة، بل وسقطوا قبل الوصول إليها بمئات السنين، فقد كانت تحكم من خلال قيادة حزب واحد للدولة تحت شعار دكتاتورية ذلك الحزب،  الذي قرر انه لوحده يمثل الطبقات الكادحة وتحديدا العمال والفلاحين وأحيانا بعض البرجوازيين، كما تفعل الأحزاب الدينية اليوم في احتكارها تمثيل الرب والدين والحكم باسمه، وخلال سنوات من حكمهم بعد الحرب العالمية الثانية ابتدعوا أنواعا جديدة للزينة السياسية، بعد أن أصبحت الوسائل الأخرى مكروهة كونها استهلاكية برجوازية وغير منتجة في بلاد هوسها الإنتاج، وكانت هذه الكائنات الجديدة أحزابا تم تصنيعها وتجميلها لكي تكون حليفة للحزب القائد، ويمارس من خلالها مسرحياته الديمقراطية الشعبية في الانتخابات والمجالس البرلمانية الكوميدية، وهذه الأحزاب كانت للزينة فقط ليس إلا، وقد استخدمت على طريقة صاحبنا في البرلمان العراقي أيام الملكية أسلوب (اموافج = موافق) على كل قرارات وقوانين حزب الشغيلة والفلاحين والقائد الملهم، وفيما بعد حزب الرسالة الخالدة في العراق العظيم واللجان الشعبية في ليبيا العظمى والمؤتمرات الشعبية في اليمن السعيد.

     أحزاب الزينة هذه انتشرت انتشار النار في الهشيم بين دول الجمهوريات الثورية والوراثية، وخاصة في شرقنا الأوسط الجاذب للتجارب بعيدة المدى، لتطبيقها على شعوب غالبيتها من الأميين المشبعين بثقافة القطيع، وما تزال نسبة الفقر والبطالة تهشم طموحات أكثر من ثلثهم لحد الآن، والثلثين الآخرين منغمسين في الولاءات الدينية والمذهبية والقبلية والمناطقية، ولا يهمهم سوى توظيف كل أتباعهم وتحويلهم إلى كتل من التنابلة والاتكاليين، وخير نموذج للدول التي تميزت بصناعة أحزاب الزينة عراقنا الناهض منذ مائة عام وما يزال يقف على رجل واحدة حتى اتكأ على ركبتيه لا قدميه!

     في العراق نجح حزب البعث وفريق صدام حسين من تصنيع مجموعة أحزاب، تم استنساخها على طريقة ( النعجة دولي ) من عناصر اكتشف علماء البعث فيها استعدادات نفسية وجينية للانحراف، ووجدت فيها من يدلها ويوفر لها تلك البيئة، وفعلا تم تطويرها واستنساخ أعداد كبيرة منها لتكون أحزابا للزينة والإكسسوارات، وشهدنا بعد فشل تحالف البعث والديمقراطي الكوردستاني، وإصدار قانون مسخ للحكم الذاتي بشكل انفرادي ومحاولة فرضه على الديمقراطي، وحينما تم رفض تلك الوصاية أو الاحتواء، عادت العمليات العسكرية إلى كوردستان وبتعاون وثيق بين ايران والعراق وتغطية مهمة من بعض الدول الكبرى، أدت إلى تصنيع تلك الأحزاب التي ( ستوافج = ستوافق ) على قانون البعث للحكم الذاتي، وإيهام الرأي العام الداخلي والعالمي بأنهم ( ديمقراطيون يعملون على تنفيذ اتفاقية آذار)، لكن ( الجيب العميل وهو زمرة صغيرة متمردة على القانون رفضت إرادة شعبنا الكوردي في شمالنا الحبيب )، كانت هذه أهم العبارات التي استخدمتها أجهزة دعاية وإعلام نظام الرئيس صدام حسين لتبرير إعلان تصنيع الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الثوري الكوردستاني وجبهة تحرير كوردستان، بموديلات جديدة واستنساخ لبعض العناصر من تلك الأحزاب وإعادة تدويرها لتكون بديلا عن النسخة الأصلية التي تحولت إلى (متمردين ومخربين) على عادة أجهزة دعاية البعث ومن ورثها منهم من أحزاب السلطة اليوم، فبعد سنوات ليست طويلة رأى منظروا تلك الحقبة بأنهم يحتاجون إلى توسيع ( الجبهة الوطنية والقومية ) فألحقت بهم مجاميع بذات المواصفات من عناصر شيوعية وتقدمية، بعد فك أو تمزيق التحالف بين الشيوعي العراقي والبعث العراقي.
يتبع ....

kmkinfo@gmail.com


68

مهزلة البرلمانات الشرقية ؟

كفاح محمود كريم

     
     من مهازل الأدبيات السياسية واستنساخ القوانين والتشريعات الأوربية وفرضها على مجتمعات تختلف كليا في أسس بنائها وثقافتها وتركيباتها وعقائدها الاجتماعية والسياسية، أن ترى نخبة تعمل ليل نهار من أجل فرض تلك القوانين والصيغ والأسس على مجتمعات ما تزال البداوة تتحكم في أدائها الحياتي بمختلف أساليبها وصيغها، حيث الاستخدام بطريقة الاستنساخ للديمقراطية الغربية في بيئة اجتماعية تختلف كليا في مبادئها وعقائدها وسلوكياتها وأسس بنائها عن مثيلاتها في الغرب، ولكي لا نبتعد كثيرا عن شرقنا المتعب ونتوهم بأن اليابانيين والكوريين ومعظم الجنس الأصفر يقع تحت تصنيفنا الجغرافي، متناسين عقائدهم الدينية وطريقة تعاطيهم الاجتماعي والديني، علينا أن نؤكد إن بحثنا هنا لا يتجاوز حدودنا  التي صنعتها اتفاقية سايكس بيكو، وبموجبها رسمت خارطة الشرق الأوسط، مضافا إليها بعض الأنظمة والبرلمانات ومجالس الشورى التي تتشابه حد التطابق في السلوك والمنهج، وتعبر خير تعبير عن بؤس هذه المجتمعات، التي لم تجد لحد اليوم مفهوما يوحدها بالانتماء إلى وطن جغرافي ومجموعة بشرية تنتمي لذلك الوطن، فلقد شهدنا جميعا تلك البرلمانات ( الاتحاد الاشتراكي المصري ومجلس الشعب السوري والمجلس الوطني العراقي واللجان الشعبية الليبية وما هو على شاكلتها في الجزائر وتونس واليمن والسودان وإيران وغيرها )، التي تم صنعها في دهاليز أجهزة مخابرات الأنظمة وأحزابها القائدة، وأصبحت واجهات كاريكاتيرية لما يسمى دستوريا بالبرلمان، ونتذكر جيدا تلك المسارح التي كان يمثل فوقها ( فرسان الأمة وقادتها ) وأحزابهم التي تفوز دوما بالأغلبية الساحقة ( 99.99 ) والتي عدلت فيما بعد، لكي تتحول إلى كتل برلمانية وأحزاب على شاكلة ما هو موجود في عراق الديمقراطية العرجاء، حيث استبدلت توصيات الحزب القائد والقائد الضرورة بفتاوى رجال الدين ومباركة شيوخ العشائر، الذين تم إدخالهم سيرك السياسة والعسكر لتخريب ما تبقى من أي أمل في بناء دولة عصرية متحضرة.

     وبدلا من ترشيح الحزب القائد أو القائد الضرورة لأعضاء مسرحهم النيابي كما كان يحصل سابقا، فقد أخذت المؤسسة الدينية والعشائرية ومن خلال اذرعها وكياناتها السياسية على عاتقها تسمية أعضاء لمسرح السيرك السياسي، الذي نشهد مسرحياته المقرفة منذ أكثر من عشر سنوات في العراق وغيره من بلدان الربيع المضحك، كنموذج وصورة تعكس حقيقة هذه المجتمعات سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا، مع استثناء القلة القليلة التي لا تخضع للقياسات العامة ممن توهموا إن الانتخابات نزيهة أو أنها ستنتج مؤسسة تشريعية قادرة على بناء دولة عصرية ومجتمع متحضر، حيث نشهد اليوم وبعد أداء ثلاث دورات برلمانية عراقية وما رافقها من إنتاج حكومات وما يفترض من قوانين وتشريعات، أسوأ ما أنتجه العراقيون منذ تأسيس كيانهم السياسي كدولة وفي كل مناحي الحياة، والأكثر سوءاً هو هذا البرلمان وحكوماته وسلطته القضائية وما يتفرع منهم من سلطات أدنى، بما في ذلك مجالس المحافظات وحكوماتها المحلية، وبقراءة سريعة أو استقصاء بسيط  لنماذج عشوائية من أهالي القرى والبلدات والمدن، وصولا إلى العاصمة حول أهلية غالبية المرشحين الذين تم تصعيدهم أو اعتمادهم في قيادات هذه البلاد المنكوبة، سنكتشف حقيقة وأسباب تقهقر بلادنا وانتكاستها المريعة، حتى أصبحت واحدة من أفشل دول العالم.

     إن دولة أو نظاما يقوده المتخلفون من شيوخ العشائر ورجال الدين بانتماءات وولاءات دينية ومذهبية وعشائرية، لن يجمعوا حولهم إلا مجاميع  من المنافقين واللصوص والمرتزقة والانتهازيين، ولن يشيدوا دولة أو نظاما سياسيا واجتماعيا، إلا بهذا النموذج الذي نراه في العراق واليمن وسوريا وليبيا ومن شابههم، حيث الفشل والفساد والتقهقر إلى الهاوية، مما يستدعي تغييرا جذريا في طبيعة النظم المعتمدة ووسائلها وعناصر تنفيذ برامجها، وفي مقدمتها إصدار تشريعات تحظر أي نشاط سياسي أو نفوذ قانوني لشيوخ العشائر ورجال الدين والمؤسسات التابعة لهم، بما يمنعهم من أي تدخل في العملية السياسية وممارساتها الانتخابية والإعلامية.

    أن بناء دولة عصرية يستوجب فصل الدين عنها وابعاد أي هيمنة قبلية بأي شكل من الأشكال، بل ومنع تأسيس أي حزب أو منظمة على خلفية دينية أو مذهبية أو قومية في دولة متعددة القوميات والأعراق والأديان والمذاهب.

 



69
العراق بين الأغلبية السياسية والتقسيم؟

كفاح محمود كريم

     منذ إسقاط النظام البرلماني في العراق إبان انقلاب تموز 1958م، بعد أكثر من 35 سنة من محاولات استخدام الديمقراطية كوسيلة لتداول السلطة في مجتمعات متخلفة ومختلفة الانتماءات والأعراق والأديان والمذاهب، لا يربطها أي رابط حول مفهوم المواطنة إلا السلطة القسرية التي أوجدتها اتفاقية سايكس بيكو، منذ ذلك التاريخ تولت أنظمة أطلقت على نفسها النظام الجمهوري الاشتراكي تارة والديمقراطي تارة أخرى، ناهيك عن التسميات الثورية والقومية، وهي تعمل على إلغاء المكونات الأخرى بمختلف التوجهات والمناهج، ابتداء من سياسات التعريب والتبعيث وانتهاء بسياسة الاحتواء والإذابة التي يتم تداولها اليوم من قبل حزب ديني مذهبي يروج لنظام الأغلبية السياسية، مستخدما ذات الأدوات التي استخدمها عبد السلام عارف واحمد حسن البكر وصدام حسين وحزبيهما ( الاتحاد الاشتراكي العربي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي العراقي ) حيث سياسة ونهج الإذابة والاحتواء لكل الحركات والأحزاب والمكونات السياسية والقومية في بوتقة الحزبين.

     ونتذكر جميعا كيف علل حزب البعث احتواء الكورد في صفوفه على خلفية إن كل من يعيش في " الوطن العربي " ويتحدث اللغة العربية عربيا بثقافته وانتمائه، وبالتالي فهو بعثي ضمن مشروع توحيد العرب من المحيط إلى الخليج تحت رسالتهم الخالدة، وكذلك فعل عبد السلام عارف باستخدام إكسسوارات قومية ودينية لتجميل اتحاده الاشتراكي المصنوع في دهاليز المخابرات المصرية، بذات العقلية التي صنع فيها حزب البعث ومخابراته أحزاب الزينة الكوردية والشيوعية والقومية وأسس منها جبهة وطنية تردد الشعار البعثي كالصلوات الخمس لإثبات وطنيتها ومحافظتها على امتيازاتها في أحزاب كارتونية تبخرت أو تلاشت مع الأيام.

     واليوم وبعد أكثر من عشر سنوات من سقوط نظام البعث، وقيام ما يسمى بالنظام الديمقراطي ظلما وبهتانا، وهيمنة حزب ديني طائفي على حكم البلاد، تسبب في دمار العراق وإسقاط أكثر من ثلثه بيد عصابات إرهابية، دمرت كبريات المدن والبلدات، وهجرت الملايين من سكانها، لم يتعظ ورثة صدام حسين وحزبه " القائد " مما جرى لهم من انكسارات تاريخية وفضائح مخزية دمرت البلاد والعباد تحت يافطة ادعائهم بالأغلبية وبتمثيلهم لنبض الشعب، حيث يمارسون ذات النهج ويستخدمون ذات البيادق الكوردية أو السنية أو العلمانية أو الليبرالية من الانتهازيين والفوضويين والسراق ممن لفظتهم مكوناتهم، ويعملون على إعادة الدكتاتورية من خلال قطار الانتخابات المدعم بالفتاوى الدينية والمذهبية والعنصرية المقيتة، قطار سبق له أن حمل حزب البعث في ستينيات القرن الماضي وهوى به وبالعراق إلى حضيض التخلف والدمار.

     إن محاولة نوري المالكي العودة إلى كرسي الحكم ودعوة حزبه وكتلته إلى الأغلبية السياسية، وتجميلها بأحزاب الزينة كإكسسوارات لتمويه الرأي العام، كما فعل البعثيون في جبهتهم الوطنية بعد فشلهم الذريع في انجاز جبهة وطنية حقيقية لقيادة البلاد، إنما يستنسخ تلك التجربة الفاشلة التي أنتجت كل هذا الخراب الذي نشهده في العراق منذ 2003م ولحد اليوم، بل إن الاتجاه إلى تطبيق تلك الأغلبية سيعجل في تقسيم البلاد، والإبقاء على دوامة الإرهاب بمختلف التسميات ونشوء أجيال جديدة من داعش والقاعدة تكون أكثر بشاعة وقسوة مما شهدناه، وتقود البلاد إلى حرب أهلية لا يعرف مدياتها إلا الله.


     إن بلادا متنوعة المكونات والطوائف وبعيدة كل البعد عن أي مفهوم جامع للمواطنة، لا يمكن لها تطبيق نظام الأغلبية السياسية لأنها محكومة سلفا بهيمنة طائفة أو مكون، وحري بالطبقة السياسية البحث عن صيغة أكثر تقدما من الفيدرالية بين المكونات، بما يعزز انتمائها للكيان السياسي الاتحادي بشراكة حقيقية غير منقوصة.


kmkinfo@gmail.com



70
كوميديا الديمقراطية الشرقية

كفاح محمود كريم

     رغم كل مآسي الشرق وكوارثه السياسية والاجتماعية، وطريقته في فهم الأديان وشعائرها، فان فيه ما يضحك حتى البكاء من ممارسات مستنسخة بغباء لا نظير له، سواء في العادات أو في التقاليد الهجينة، وفي طريقة ممارسته النمط الغربي لتداول السلطة، كما يحصل الآن في البلاد التي اكتسحها ما سمي ظلما بالربيع العربي، والمثير للسخرية أكثر من عملية وصول مرشحي شيوخ العشائر ورجال الدين                   ومرجعياتهم، هو انغماس كوادر أكثر الأحزاب السياسية شمولية ودكتاتورية في هذه الممارسات، بل وإنها المعادية لتلك الأنماط من تداول السلطة، ترفع شعارات الديمقراطية الغربية وتساهم فيها وفي ما تنتجه من مؤسسات للحكم، كما حصل ويحصل في العراق، حيث تحول الكثير من قيادات الأحزاب الإسلامية والشيوعية والبعثية الذين عرفوا بشمولية عقيدتهم السياسية، وشرعية دكتاتورية طبقة أو دين أو حزب ومن خلالهم بالرفيق القائد وان اختلفت الأسماء والعناوين، حيث تحولوا بقدرة قادر إلى دعاة ومشاركين أساسيين في اللعبة، وتحت مسميات عديدة وتبريرات كوميدية فاضحة على غرار أسبح مع التيار حتى يضعف فانقلب عليه!

     لقد ابتدأت أولى فصول الكوميديا الديمقراطية على مسرح العراق، بعد احتلاله من قبل تحالف دولي قادته الولايات المتحدة، وأسقطت نظام الرئيس صدام حسين وحزبه الذي حكم البلاد ما يقرب من أربعين عاما، دفع فيها العراقيون ملايين من الضحايا والمهاجرين بسبب اعتراضهم على نمط وأسلوب حكم البعث ودكتاتوره، هذه الفصول التي انتقلت تباعا إثر إحراق احد العمال لنفسه احتجاجا على طغيان زين العابدين بن علي في تونس، إلى دول إهترأت إداريا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا بسبب الحروب العبثية أو الحصارات الدولية أو الفشل الاقتصادي، خلال ما يقرب من نصف قرن في كل من ليبيا وسوريا واليمن ومصر، حيث بذلت العديد من الدول العظمى جهودا كبيرة لإضعافها ومن ثم إسقاطها، كما حصل في العراق وبعده بسنوات في ليبيا ومصر ويحصل الآن في سوريا واليمن.

     المسرح الذي يلعب على خشبته رجال السياسة البدلاء لأولئك الذين تساقطوا سواء بالتحالفات الدولية ( العراق، ليبيا، اليمن ولاحقا سوريا ) أو على غرار ما حصل في تونس ومصر، وما تمت حياكته في دهاليز لا تبتعد كثيرا عن مراكز القرارات الحاسمة إقليميا وعالميا، هذا المسرح اعد وصمم على الطريقة الغربية سواء في بريطانيا أو فرنسا أو أمريكا وكندا، لكي يتم إخراج الكوميديا الديمقراطية الشرقية المعبقة بأريج القهوة وأفياء الخيمة وصدى المنابر والمراجع، وما يترتب على ذلك من انتماءات يتحكم فيها كم هائل من العادات والتقاليد المتكلسة في نخاع العظم، والتي لا يمكن فيها تجاوز حدود العشيرة وشيخها، ورجال الدين ومذاهبهم ومرجعياتهم، وخير دليل على ذلك ما أنتجته انتخابات العراق منذ 2005 ولحد يومنا هذا وربما إلى أن يشاء الله.

     وبنظرة سريعة لكل منا على السيرة الذاتية الحقيقية وليست المفبركة لغالبية من احتلوا كرسيا في السلطات الثلاث، وخاصة التشريعية والتنفيذية، سيدرك مدى الكارثة والفاجعة التي ألمت ببلادنا في منح علاج غربي لمريض شرقي لا يتلائم إطلاقا مع نوع وشكل وأعراض المرض الذي نعاني منه، ففي الوقت الذي لم يكتمل بعد مفهوم متفق عليه للمواطنة، ومجتمع يعاني في غالبيته من انتماءات وولاءات اجتماعية ومناطقية ودينية ومذهبية من أي انتماء جامع لمفهوم الوطن والأمة، تقرر النخبة الحاكمة الذهاب إلى صناديق الاقتراع في مجتمعات القطيع التي تحركها أنظمة القبيلة وشيوخها، والدين والمذهب ورجالاته وفتواهم المختومة من الرب، لكي تمنحنا المشهد الذي نراه اليوم بعد ثلاث دورات من برلمان الكوميديا الديمقراطية.

     وبعد مراجعة كل منا في قريته أو بلدته أو محلته في المدينة، السيرة الذاتية لمندوبي تلك المناطق ممن احتلوا كرسيا في البرلمان أو مقعدا في الحكومة تتبادر عشرات الأسئلة، ولكن الأكثر مرارا وربما اشمئزازا: 
-   هل أن هؤلاء النواب أو الوزراء فعلا يمثلون الشعب، لولا الوسائل القبلية والمذهبية أو الدينية والعنصرية؟
-   وهل أن الشمولية في المجتمعات المتخلفة خارجة عن السياق العقلاني كليا؟
-   وهل أن الدين ( أي دين ) ما يزال هو الحل كما يتصور أصحاب الأفكار السياسية الدينية؟
-   وأخيرا هل مازلنا مصرين بأن الديمقراطية هي الحل الأمثل لمشاكل مجتمعاتنا؟
     وحتى نجد ملامح الطريق علينا أولا بفك الاشتباك والتداخل بين كل المكونات المتصارعة، لكي يختار كل مكون الطريق الذي يراه مناسبا للوصول إلى مفهوم المواطنة ومن ثم بناء نظامه السياسي والاجتماعي.

kmkinfo@gmail.com

   
   



71
مكونات الشرق وترسيم الحدود!

كفاح محمود كريم

     أكثر الأمور تعقيدا في منطقة الشرق الأوسط عامة والمنطقة العربية خاصة هي مسألة العيش المشترك بين المكونات المختلفة إثنيا وثقافيا أو دينيا ومذهبيا، فبعد عشرات السنين من تأسيس هذه الدول بعد اتفاقية سايكس بيكو، وقيام أنظمة مختلفة التوجهات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فشلت جميعها في إقامة دولة المواطنة التي يرتقي فيها الانتماء على كل الهويات والثقافات، لأنها اختزلت المواطنة في الانتماء إلى القومية الأكبر والانصهار فيها، أو إلى دين الأغلبية أو المذهب السائد، على أن تكون دوما بقية المكونات الأخرى في تسلسلها من ناحية القيمة بعد المرتبة الأولى، فهم ما يزالون يشعرون بغبن كبير وانتقاص في آدميتهم ومواطنتهم، خاصة بعد الجرائم التي اقترفتها أنظمة البعث ومن شابهها فكرا وسلوكا في كل من العراق وسوريا وتركيا وإيران وبعض دول شمال افريقيا، وذلك باستخدامها سياسية الصهر القومي أو الأسلمة ومذهبياتها، كما حصل في ثقافة التعريب والتتريك والتفريس، وإلغاء المقوم الأساسي لمكون مثل الكورد، وذلك بمنع استخدامهم اللغة والثقافة الكوردية لحقب طويلة من الزمن، وتحريم إي محاولة للتفكير بحرية تقرير المصير، ليس للكورد فقط بل لجميع المكونات غير العربية والتركية والفارسية، في كل من تركيا وإيران وبلاد شمال أفريقيا، ورغم أن الجزء الجنوبي من كوردستان استطاع تحقيق بعض أهداف شعبه هناك في الفيدرالية، إلا انه ما يزال يلاقي تحديات كبيرة ومعارضة شديدة في موضوع حق تقرير المصير من قبل المكون الأكبر هناك.

     إن المنطقة بأكملها تدفع اليوم ثمن تلك السياسات العنصرية والشمولية في إقصاء المكونات القومية والدينية، وما يحصل الآن في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا، ومتوقع أن يحصل في المغرب والجزائر وليبيا والسودان وتركيا وإيران ، إنما يؤكد فشل وانهيار الأنظمة الشمولية والقومية العنصرية، التي ما تزال تصر على نهج إلغاء الآخر المختلف قوميا أو دينيا أو مذهبيا، وفرض إرادة المكون الأكبر دون الأخذ بحقوق الآخرين الشركاء في الأرض والمال.

     لقد آن الأوان بعد ما يقرب من قرن من الزمان على اتفاقية سايكس بيكو، وثبوت فشلها ونتائجها الوخيمة التي تسببت في بحور من الدماء بين تلك المكونات والأنظمة التي تحكمها، لوضع حلول جذرية لأخطاء فظيعة وقعت بها الدول العظمى في حينها حينما أسست كيانات دون اخذ رأي الشعوب فيها، وحريٌ بها اليوم وتحديدا الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا التي كانت تتقاسم العالم، وما تزال تهيمن على مقدراته ومستقبله، أن تعمل مع ممثلي المكونات المتضررة في هذه الكيانات، لوضع أسس خريطة جديدة لاتفاقية دولية ضامنة، ترسم حدودا جديدة للتعايش السلمي والحضاري بين المكونات بعد مئة عام من الكيانات التي فرضت عليها قسرا، وذلك من خلال إشراف الأمم المتحدة على إجراء استفتاءات عامة حرة ونزيهة للسكان والمكونات لتقرير مصائرها في تلك الكيانات أو الاستقلال عنها، بما يتيح فرصة لإنشاء نظام جديد في المنطقة بعيدا عن ذلك الإرث الفاشل من النظام السياسي الذي ينهار اليوم في معظم دول سايكس بيكو.

    وإذا كانت ثقافة الشراكة القسرية قد فشلت لأكثر من مائة عام بين المكونات، فحري بها اليوم التفكير في ثقافة أخرى تعتمد الجيرة بينها، لكي يتجاوز الجميع هذا البحر الهائج من الحروب والدمار، والتفرغ لإعادة البناء والخيارات السياسية لتلك المكونات، ولعل في انفصال جيكوسلوفاكيا وتطورها إلى دولتين جارتين بطريقة حضارية، أفضل درس لأولئك المخدرين بشعارات عفا عليها الزمن ولونتها الحروب بالألوان التي نشهدها اليوم في أطلال وخرائب مدننا وبلداننا.

    لقد آن الأوان فعلا لترسيم الحدود وإيقاف نزف الدماء!

kmkinfo@gmail.com



72
ملائكة وشياطين السلطة!

كفاح محمود كريم

      قبل الخوض في عوالم الملائكة والشياطين على كراسي السلطة في الشرق عموما والأوسط خصوصا، دعونا نتطرق إلى العقائد التي توجه الجالسين أو القافزين إلى تلك الكراسي التي غدت واحدة من اخطر مفاتيح كوارث الشرق، والعقائد هنا لا تعني الدينية حصريا، وان كانت جزء منها، فهي تشمل كل شيء يؤمن به الإنسان ويحيله إلى برنامج إيديولوجي يعمل على التميز في تطبيقه، ومنه بالتأكيد العقيدة الدينية والسياسية والقومية.
     وضروري جدا أن نتعرف جغرافياً على ينابيع تلك العقائد، فهي الأخرى ذات تأثير بالغ على تطبيقاتها وتفسيرات نظرياتها، والبيئة هنا تتحكم بشكل كبير في نوعية السلوك، وهي بالتالي ترسم خريطة الانتماء لتلك البقعة الجغرافية أو المكانية، وما بين البداوة والمدنية مساحات واسعة امتلأت ببحور من الدماء، حتى استطاعت البشرية تجاوز تلك المرحلة للوصول إلى أنماط جديدة من السلوك والعقائد، المرتبطة بجغرافية المكان والبيئة وتأثيراتها على أنماط السلوك وتطبيقات العقائد، والبداوة ليست تلك القيم التي يتداولها البعض عن الكرم والشجاعة، بل هي ذلك السلوك البدائي الذي يؤشر مرحلة متخلفة من حياة البشر في تقسيمات حقب التطور الإنساني من البداوة إلى المدنية المعاصرة، مرورا ببقية المراحل التي مرت بها البشرية حتى وصلت إلى ما هو عليه الآن من حضارة وقيم خلاقة، رغم إصرار البعض على التقهقر دوما إلى الوراء ببقايا تلك الثقافات الآيلة للسقوط والاندثار.
     وليس ببعيد عنا في تاريخنا المعاصر ما يُظهر بقايا تلك الأفكار وأنماط السلوك البدائي وممارساته، على خلفية بدوية بدائية مشبعة بهمجية لا مثيل لها حتى في مراحل البدائية الأولى وبداوتها، وهذه الأنماط من السلوكيات ليست لها هوية قومية أو دينية معينة، بل تعكس الجوانب المظلمة في معظم المجتمعات، فقد رأيناها في رواندا وصراعاتها القبلية البربرية التي ذهب ضحيتها أكثر من ثلاثة ملايين إنسان، وقبلها في المانيا ومحرقة اليهود، وأدركنا مذابح الخمير الحمر في كمبوديا ومثلها في لبنان وفلسطين وفي أنفال وكيمياويات الموت بكوردستان والمقابر الجماعي في جنوب العراق ووسطه، وقبل ذلك في أوربا وحروبها الداخلية أو العالمية، وما حصل للهنود الحمر في أمريكا وفي كثير من بلدان العالم المتمدن الآن، إنها حقا حقبة سوداء في تاريخ البشرية، والأكثر منها سوادا وكارثية هو استنساخها دينيا أو مذهبيا أو قوميا، كما تفعل اليوم منظمة داعش التي جمعت ولملمت في هياكلها كل العنصريين القوميين والمتطرفين الدينيين والمذهبيين، بل وحتى المناطقيين بخلفيات تتحكم فيها الكراهية والحقد الأعمى لكل من يخالفها الرأي.
     ونظرة فاحصة لبيئات انتماء عناصرها يؤكد انتشارها في المجتمعات القبلية والأمية الأبجدية والحضارية وفي مناطق الفقر المدقع ماديا وثقافيا وتربويا، حيث يتم استغلال كل هذه المواصفات من قبل مجاميع فاشية، يعاني اغلب عناصرها من إشكاليات سيكولوجية وفكرية، اقرب ما تكون إلى السادية والسايكوباث، كما ظهر في عمليات التقتيل الذي تتفنن تلك العناصر بتنفيذها ذبحا أو خنقا أو حرقا أو إغراقا، بل إنها حتى في هذه الطرق تنحو إلى تفاصيل مقززة في القتل كما في عمليات الذبح بسكاكين مثلومة لمضاعفة آلام الضحايا والتمتع بصيحاتهم وآهاتهم، وكذا الحال في عمليات الشوي بالنار حتى الموت، أو الإغراق التدريجي للضحايا، أو تقطيع الأوصال حتى الموت.
     هذا النمط من السلوك المتوحش لم يلد ليلة أمس، بل هو تراكم هائل لسلوكيات وأفكار وعقائد أنتجته صحراء الفكر وحضارة الغزو والقتل والسبي والاغتصاب، وإباحة الآخر المختلف تحت أي مسمى كان، سواء ديني أو عرقي أو فكري أو سياسي، وإن كان قد استبدل عناوينه ومسمياته لكنه ما يزال يحمل تلك العقيدة البدوية البدائية التي يترجم تفاصيلها بهمجية أدركنا سلوكياتها في حلبجة والأنفال وبعد ذلك في نسختها المعدلة في سبايكر وسنجار وسهل نينوى، وأخيرا في نموذج هو الأكثر خبثا وعدوانية في إشاعة الكراهية بين المكونات وحصار كوردستان منذ 2014م وحرمانها من عصب الحياة بقطع حصتها من الموازنة والمعاشات لإعدامها بشكل جماعي وتدريجي.

     إن الكثير من حاكمي العراق ومعظم بلدان الشرق كانوا ملائكة في سلوكهم قبل أن يتسنموا مقاليد الحكم، لكنهم تحولوا الى  شياطين وطغاة حينما جلسوا على كرسي السلطة!؟

kmkinfo@gmail.com





73
البارزاني والألغام السياسية!

كفاح محمود كريم


     زيارة الرئيس مسعود بارزاني إلى بعشيقة عشية تحريرها مما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية داعش، وخطابه الذي أثار الكثير من ردود الأفعال، وكشف النقاب عن كثير من الألغام والعبوات السياسية الناسفة، التي اعترضنه عسكريا وتحاول الآن اعتراضه سياسيا، ولعل أكثرها امتعاضا تلك التي أوردها أحد قادة المجلس الأعلى في حسابه على الفيس بوك، علما بان مجلسه هو الأكثر قربا من البارزاني وأطروحاته على خلفية الخلاف المعروف مع حزب الدعوة وجماعة المالكي، ذلك المنشور الذي اعتُبر تهديدا للإقليم وتأكيدا لتصريحات سابقة لبعض قيادات الميليشيات المذهبية المنضوية تحت عباءة الحشد الشعبي، والتي تهدد دوما بأنها ستذهب إلى اربيل أيضا تحت شعار ( قادمون يا بعشيقة )!؟

    ورغم إن الإقليم والبارزاني تحديدا يتعرضون إلى هجمة عنيفة من قبل مجموعة المالكي وحلفائهم إقليميا منذ سنوات، وداخليا ممن استطاعت أصابعهم الوصول إليهم عبر الجدار الداخلي على خلفية عدو عدوك صديقك التي انشأ مدرستها الأولى نظام البعث في جحافله الخفيفة هنا وهناك، إلا أن البارزاني بتجربته المعهودة وحنكته السياسية واطلاعه الدقيق على مجريات الأحداث وشخوصها، نجح في تجاوز اخطر حملة عسكرية واجهت الإقليم عبر تاريخه المعاصر، منذ اندلاع الحركة الثورية الكوردستانية مطلع ستينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، وذلك في التصدي لهجوم منظمة داعش التي استهدفت عاصمة الإقليم اربيل مطلع آب أغسطس عام 2014م، ونجحت في احتلال مدن سنجار وزمار ومعظم سهل نينوى ومخمور والحويجة وتقدمت باتجاه خانقين وبلداتها، وكأنها ترسل رسالة إلى زعماء كوردستان، بأنها لن تسمح بتطبيق المادة 140 التي تنظم دستوريا عودة هذه المناطق إلى إقليم كوردستان، والتي عملت السيدة حنان فتلاوي القيادية المقربة من نوري المالكي وكتلته وحزبه على تأخير وإيقاف تطبيق تلك المادة حسبما أعلنت ذلك في وسائل الإعلام.

     ربما كان اللغم الأول الذي زرعه نوري المالكي في طريق تقدم الإقليم وازدهاره جاء بالتزامن مع السماح لتنظيم الدولة داعش باحتلال الموصل وذلك بقطع حصته السنوية من الموازنة لإرباك الإقليم اقتصاديا، وإغراقه في فوضى عارمة، لكن ما حدث غير ذلك تماما، حيث نجح البارزاني في إدارة الأزمة سياسيا ودبلوماسيا، واستطاع احتواء هجمة داعش التي امتلكت مئات الدبابات والمدرعات ومختلف الأسلحة والذخيرة من جنرالات نوري المالكي في الموصل وتكريت والانبار، حيث تمكن الإقليم وقواته المسلحة من احتواء الغزو وصده، ومن ثم وفي اقل من سنة استطاعت  قوات البيشمركة بالتواجد الميداني الدائم للبرزاني ومعظم أفراد أسرته في خطوط المواجهة المتقدمة مع العدو، بما أعطى نموذجا متفردا في قيادة الحرب ورفع معنويات المقاتلين الذين نجحوا بأسلحتهم المتواضعة من تحرير مدن سنجار وزمار ومخمور وسد الموصل، بل وضربوا طوقا على داعش في الموصل وتلعفر.

     إن حقل الألغام الذي يواجه البارزاني كزعيم وطني وقومي، والإقليم كمشروع حضاري، يخفي العديد من العبوات الناسفة سياسيا بعد أن نجح عسكريا في تفجير وتجاوز تلك التي واجهته في الحرب مع أعتى قوة للإرهاب في التاريخ المعاصر، هذه الألغام زُرعت من قبل خصومه سياسيا في الداخل والخارج، في إقليم يعمل هو ورفاقه من الزعماء الكوردستانيين على انجاز استقلاله، ولعله من أهم تلك الألغام بعد مواجهته لداعش هو تجمعات اليسار المتطرف حد الانحراف والفاشية التي تعمل على إشاعة الفوضى مستغلة مساحة الحرية، وأمراض المناطقية التي تنمو فيها وتعمل من خلالها، وهي بالتالي تمثل ما كان يسمى في الإقليم قبل استقلاله الذاتي في 1991م اصطلاحا ( الجاش ) والذي يعني مجاميع من الموالين لأنظمة الحكم في بغداد والمنفذين لإراداتهم، ومعظم تلك المجاميع لا تتجاوز مساحات رؤيتهم وتفكيرهم مناطق سكناهم وعشائرهم، وبالتالي فهم اقرب ما يكونوا للبداوة السياسية التي لا تتوانى عن استخدام أي وسيلة لتحقيق مأربها، خاصة وإنها تهدد دوما باستخدام العنف كما فعلت في مظاهراتها التي استهدفت مكاتب ومقرات سياسية، والهدف في ذلك دوما تشتيت الإقليم وتجزأته، كما حصل في استقبال نوري المالكي وحنان فتلاوي العدوين اللدودين للإقليم وطموحات شعبه، أو تقديم مشاريع للحكومة الاتحادية تشجعها على التعامل مع محافظات الإقليم بشكل مستقل عن مؤسساته الفيدرالية، بما يحقق لها ما كانت تصبو إليه في إنشاء فيدرالية المحافظات لطمس معالم الإقليم وإنهاء مشروعه.

     لقد حاولت تلك القوى استخدام ما يسمى بالربيع العربي كعبوة ناسفة باستنساخ الكوارث التي ألمت بشعوب سوريا ومصر واليمن وليبيا، ومحاولة تطبيقها بشكل ببغائي، في إقليم يتبع دولة اتحادية تمارس تداول السلطة من خلال صناديق الاقتراع، بشعارات سطحية انفعالية تستثير فيها مشاعر العامة من الأهالي، وهي في معظمها شعارات تخديرية لا تمت بأي صلة لواقع الإقليم، وما يتعرض له من تحديات خطيرة، لإيقاف مشروعه في تحقيق حلم ملايين الكورد في الديمقراطية والاستقلال، حيث نجحت في زرع الكثير من الألغام والعبوات السياسية على خلفية تلك الثقافة التي تعتمد داعشية التطرف في العمل السياسي ومن أبرزها:
-   الفساد المستشري في كثير من مؤسسات الدولة والأحزاب ومفاصل قياداتها التي تحولت إلى حيتان.
-   استثمار تداعيات الأزمة المالية وحالة الحرب مع داعش خارج مفاهيم المصالح العليا للوطن والشعب، بما يربك الوضع النفسي للأهالي وإشاعة الإحباط والاستكانة.
-   محاولة تقزيم الإقليم بشعارات لا تختلف عن تلك التي كان يرددها صدام حسين لإشاعة روح اليأس عند الأهالي وإبعادهم عن أهدافهم التاريخية.
-   استخدام إعلام دعائي يعتمد القصص المفبركة والتشكيك في كل الحقائق لإشاعة بيئة لفقدان الثقة وفوضى الأقاويل.
-   استخدام الأطفال وقطاع التربية والتعليم لتنفيذ برنامج التخريب الاجتماعي لإيقاف مسيرة التقدم وتعطيل عمل المدارس والجامعات.
-   استخدام المواقع الرسمية في البرلمان والحكومة لتقزيم واهنة هيبتهما.

     ربما هناك الكثير من الألغام الأخرى، لكن البارزاني بشفافيته المعهودة اختزل الموقف برمته من كل هذه التحديات وحقول الألغام قائلا بصراحة نقية وواثقة:

" كما تمكنت الپێشمه‌رگة من رفع جميع ألغام داعش التي زرعها على طرق وارض كوردستان، أقول بثقة إننا نتمكن من رفع جميع تلك الألغام السياسية التي يزرعونها في طريقنا، افعلوا ما تشاؤون فنحن ماضون ومصرون على السير في طريقنا".

     والذين يعرفون البارزاني يدركون جيدا انه يعني ما يقوله، بل ويفعل ما يقول!


kmkinfo@gmail.com


74
المنبر الحر / ثانية.. الموصل لمن؟
« في: 17:45 24/11/2016  »
 
ثانية.. الموصل لمن؟

كفاح محمود كريم

     يبدو إن التاريخ يعيد نفسه أحيانا في حوادث تتشابه حد التطابق، ولعل ما يجري اليوم حول واحدة من اعرق حواضر الشرق ( الموصل ) يعيدنا إلى أحداث مرت بها هذه المدينة حينما كانت ثالثة ولايات بني عثمان في بلاد ما بين النهرين، ثم سقطت حينما شاخت إمبراطوريتهم بأيدي البريطانيين الذين حاولوا بعد ذلك ضمها إلى مملكتهم الجديدة، التي أسسوها من ولايتي بغداد والبصرة ووضعوا تاجها على رأس ابن الشريف حسين، رغم أن وارثي تاج الإمبراطورية العثمانية أصروا على مطالبتهم في إبقائها ولاية تركية، ورفضوا نتائج استفتاء أولي قامت به الحكومة العراقية، التي رفضت هي الأخرى استفتاءً أجرته السلطات التركية وحلفائها في الموصل، مما دفع البريطانيين إلى خيار عصبة الأمم التي أرسلت بدورها لجنة تحقيق دولية بتاريخ 27 كانون الثاني 1925م حيث بدأت بمشاوراتها واستقصائها للحقائق الديموغرافية وآراء الأهالي في تبعية ولايتهم، وقد ذكر خير الدين العمري وهو احد أعلام الموصل وشاهد عيان عاصر وعاش تلك الإحداث بدقائقها وتفاصيلها، حيث يقول في معرض حديثه عن مشكلة الموصل:"1"
( كان المرحوم فيصل والإنكليز والحكومة العراقية قد مهدوا طريق النجاح لحل المشكلة لصالح العراق "وقد سطر الصفحة الذهبية في هذا الاستفتاء أبناء الشمال الأكراد، فقد انضم الأكراد وفاز العراق.)
وعن موقف عرب الموصل كتب العمري يقول:"2"
( كان بعض العرب يتهربون من مواجهة اللجنة، محافظين لخط الرجعة فيما لو عاد الأتراك إلى هذه البلاد.. )
ويضيف العمري قائلاً:
( وقد تهافت بعض عرب الموصل على تقبيل أيادي جواد باشا الممثل التركي، وهتف آخرون بحياة مصطفى كمال (أتاتورك)، ولولا الشغب الذي أحدثه بعض المخلصين تخويفاً للباشا المومأ إليه ليمتنع عن الخروج والتجول في المدينة لتوالت المخازي. )

     أردت بهذه المقدمة التاريخية المقتضبة أن أسلط قليل من الضوء على تعقيدات مدينة تتنازع عليها أقوام ومذاهب ودول، تلك هي محافظة نينوى وعاصمتها الموصل ذات الثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة، وأراض شاسعة تمتد من أقصى شمال البلاد العراقية إلى أقصى شمالها الغربي في سنجار ذات الأغلبية الايزيدية الكوردية، هذه المحافظة كانت فيما مضى ولاية الموصل كما ذكرنا أعلاه تضم معظم إقليم كوردستان الحالي مع كركوك وكل ديالى وحتى تخوم تكريت وأطراف الكوت شرقا، لكنها فقدت معظم أجزائها قضما إداريا أو تغييرا ديموغرافيا خلال اقل من مئة عام، مدينة صعبة المراس معقدة العادات والتقاليد، متكبرة في طباعها، لا ترضى الأمور بسهولة، حتى قال عنها صدام حسين وهو يسترضي نائبه عزة الدوري، حينما ذهب إليه شاكيا أهل الموصل في إنهم لم يستقبلوه كما ينبغي ولم يصفقوا حينما يذكر اسمه، قال له صدام لا تزعل عليهم فالموصل ليست سهلة ولا تمنح ولائها بسهولة، اصبر عليهم وسترى!؟

     مدينة شهدت في تاريخها أقسى أنواع العنف من السحل بالحبال خلف السيارات إلى تعليق الجثث على أعمدة الكهرباء، والاغتيالات العشوائية بعد فشل محاولة عبد الوهاب الشواف القومية ضد الزعيم عبد الكريم قاسم، ولا ينسى الموصليون تاريخهم الأقدم حينما حاصرهم نادر شاه الإيراني  قرابة سنة كاملة مطبقا على مدينتهم حتى خلت من أي مأكل، فاضطر السكان إلى أكل العشب ولحوم القطط والكلاب والحمير!

     الموصل اليوم سلمت أمرها راضية مرضية لثلاث قوى رئيسية؛ إقليم كوردستان الذي سيطر منذ الساعات الأولى لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين في نيسان 2003م على كل المناطق ذات الأغلبية الكوردية أو المسلوخة من اربيل ودهوك مثل سنجار وزمار ومعظم سهل نينوى ومخمور، وحكومة بغداد وجيشها الوطني حصريا، لرفض معظم أهالي المحافظة ومركز الموصل وممثليهم في اشتراك الحشد الشعبي ذو الأغلبية الشيعية المطلقة، إضافة إلى التحالف الدولي والأمريكان تحديدا، ويبدو إن القوى الثلاث قد وضعت خارطة طريق ونفوذ لها في مركز المدينة وأطرافها قبيل بدء العمليات العسكرية لتحريرها، بحيث تكون مناطق سنجار وحوض زمار سنجار وسهل نينوى ومخمور وأطرافه تحت نفوذ إقليم كوردستان بصيغة يتفق عليها لاحقا، بينما يكون مركز المدينة وأطرافها الجنوبية تحت نفوذ الحكومة الاتحادية، وتؤكد تسريبات مهمة جدا على أن تكون تلعفر وأطرافها جنوبا تحت نفوذ الحشد الشعبي، ويبقى المايسترو الأمريكي ضامنا لهذا الشكل من التوافق الأولي لحين البت في مصير الشكل النهائي للبلاد العراقية وخيارات الطبقة السياسية وربما الأهالي أيضا في إنشاء فيدرالية لغرب العراق ذي الأغلبية السنية، أو تشكيل إقليم نينوى واستفتاء أهالي الاقضية ذات الأغلبية الكوردية أو المسيحية في تبعية مدنهم، ويبقى الخيار الكونفدرالي يداعب أخيلة الكثير من الطبقة السياسية السنية والكوردية بما يضمن استقلالية حقيقية في اتحاد عراقي مع الشيعة، وفي هذا السياق سيكون شكل النظام الكونفدرالي العراقي ثلاثيا يضم مكوناته الأساسية وهي العراق الشيعي ويشمل كل محافظات الجنوب والفرات الأوسط ( البصرة والعمارة والناصرية والكوت والسماوة والديوانية والحلة وكربلاء والنجف ) والعراق السني ويشمل محافظة صلاح الدين ( باستثناء ما الحق بها من مدن وبلدات كانت تتبع كركوك إبان نظام صدام حسين ) والانبار ومعظم نينوى وأجزاء من كركوك وديالى، وكوردستان التي تتمتع باستقلالها الذاتي منذ ربيع 1991م، واستطاعت أن تؤسس خلال ربع قرن معظم مؤسسات الدولة الرئيسية بما فيها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ومؤسسات الحكم الثلاث منذ أن انتخبت برلمانها في 1992 وشكلت حكومتها الإقليمية التي حازت على قبول واسع في أمريكا وأوربا ومعظم البلاد العربية والدولتين الأكثر اهتماما بملفها وهي إيران وتركيا.

     الأسابيع القادمة ستشهد بالتأكيد أحداث دراماتيكية في عملية التحرير، خاصة وان تنظيم الدولة (داعش) عمل في بيئة أنتجها نوري المالكي دعت الاهالي في بداية الأمر لقبولهم كبديل لحكم دولة القانون، لكنهم وخلال أشهر قليلة اكتشفوا حقائق أخرى أبعدتهم تدريجيا عن خيار التنظيم كحالة مستديمة للحياة، وبدأوا بفتح قنوات اتصال مع مفاصل مهمة من إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية، وقد اكتشف تنظيم الدولة الكثير منهم وحكم عليهم بالقتل وبأساليب قاسية جدا لترويع الآخرين من التورط في التخابر مع الإقليم أو بغداد، ورغم ذلك نستطيع أن نستنتج بأن حكم نوري المالكي لثماني سنوات وتنظيم الدولة لما يقرب من ثلاث سنوات غيّر بنية التفكير لدى أهالي الموصل وبقية المناطق التي احتلتها داعش، خاصة فيما يتعلق بموضوعة التقسيم والفدرلة التي أصبحت واحدة من أهم مطالب النخب السياسية والاجتماعية في الموصل.

     وحتى ينجلي دخان الكبريت والآبار المحروقة وغبار عجلات الحرب، والمعارك من بيت إلى بيت ومن شارع إلى شارع ويتم إسقاط هيكل تنظيم الدولة العسكري، ستكون الخارطة المستقبلية لمحافظة نينوى ومركزها مدينة الموصل تلك التي رسمتها القوى وخيارات الأهالي في مركزها وأطرافها، بعد أن فشلت اتفاقية سايكس بيكو وما تلاها من اتفاقيات قبل مائة عام في إذابة مكوناتها المختلفة عرقيا ودينيا ومذهبيا في بوتقة مفهوم للمواطنة يفرض فرضا وليس اختيارا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والهوامش:
(1) ينظر نص التقرير في جريدة الموصل، العدد (944) في 7شباط 1925 علماً أن التقرير أكد على عروبة الموصل.

(2)للتفاصيل ينظر مؤلفه المخطوط: مقدمات ونتائج، جـ2 ص257-259


75
توضيح من رئاسة إقليم كوردستان

     تطرقت بعض وسائل الإعلام ألعربية إلى خطاب الرئيس مسعود بارزاني الذي ألقاه في مدينة بعشيقة في يوم الأربعاء الماضي، حيث أشار البعض خطأً إلى فقرة تتعلق بسحب أو بقاء قوات الپيشمرگه من أو في المناطق المحررة.
     لقد كان الخطاب باللغة الكوردية وترجمت جمل معينة من قبل بعض وسائل الإعلام  إلى ألعربية بصورة خاطئة، بحيث أدت إلى خروج هذه الجمل من سياقاتها ومضمونها.
     إن الرئيس بارزاني يؤكد في مجمل خطابه على التزام الإقليم بأي أتفاق مبرم بهذا الخصوص، ونص الترجمة الرسمية للخطاب منشور على موقع رئاسة الإقليم.
 
   
 
             متحدث باسم رئاسة إقليم كوردستان
                  17 تشرين ثاني 2016م


76
لعبة السلطة بين الشرق والغرب

كفاح محمود كريم

     تثير تفاصيل لعبة السلطة في الولايات المتحدة نهاية كل أربع سنوات مشاعر مختلفة لدى مراقبيها في الشرق، وحصريا في دولنا المنهكة سياسيا واجتماعيا، حيث تدق على أوتار المقارنة بيننا وبينهم متناسية الكم الهائل من الزمن الحضاري في صفحاته الاجتماعية والتربوية، والبون الشاسع بين ما وصلوا إليه وما نحن نراوح فيه، فبينما يجيدون هم لعبة تداول السلطة حتى النصر، بالشكل الذي رأيناه في لعبة الانتخابات الأمريكية الأخيرة دونما أن تراق قطرة دم واحدة على خلفية الصراع بين المتنافسين، حيث يعلن المهزوم في نهاية اللعبة وبروح رياضية رفيعة، انه لم يحقق النصر بل ويبارك لمنافسه الفوز معلنا بأنه سيكون داعما له في خدمة بلده، في الطرف الآخر الأكثر إثارة وتباطؤا في التقدم يذهب المتنافسون على السلطة سواء في النسخة المستنسخة من اللعبة الديمقراطية باستخدام أسوء مظاهر التخلف في المجتمعات الشرقية ألا وهي الشد الديني أو المذهبي أو العشائري والمناطقي لتسلق السلطة وسحق المتنافس الآخر حتى وان استخدمت عمليات التزوير الهائلة، أو في الصيغة المتوارثة أجيالا بعد أجيال، وهي الانقلاب الدموي الذي يبيد الآخر ويقتل كل المنافسين لتبقى السلطة لواحد أحد! ولقد شهدنا عبر أكثر من نصف قرن عمليات التبادل الدموي للسلطة في بلداننا عموما، حيث لا يكاد المرء يجد بلد واحد دونما برك لدماء المتنافسين على كراسي الحكم، نعم الحكم المطلق والهيمنة الكلية على منابع القوة ومصادرها وهياكلها العسكرية والمالية، لان الحاكم هنا يحكم الجميع شعبا ووطنا، وهناك يحصل العكس تماما، حيث يحكم الشعب والوطن الفائز بالسلطة، ولذلك نراه لا يستطيع تجاوز كونه موظفا يؤدي واجبا وطنيا ضمن برنامج ومجموعة قوانين تحدد مجاله الحيوي وصلاحياته بما يخدم مصالح بلاده العليا.

     أما في بلداننا فالفائز المنتصر في كلتي الصيغتين، صناديق العشائر والأديان أو الانقلابات، فهو مصدر التشريع، وهو حامي الحمى، وفي الآخر وإن تواضع قليلا فهو ظل الله على الأرض، ونعمة من نعم السماء، كماوصف  ( المفكر العربي القومي ) ميشيل عفلق الرئيس السابق صدام حسين، يوم نجح في تصفية معظم رفاق دربه وحزبه، واعتلى منصة الحكم فارسا لا منافس له، بعد أن أعدم بيد من تبقى من قيادات حزبه كل منافسيه، ليصبح كما قال عنه عفلق نعمة من السماء!

     إذن هكذا هي اللعبة عندنا في العراق وفي معظم بلدان الشرق الأوسط، نجيدها حتى الموت والفناء، ويجيدوها هم حتى النصر، وحينما تنتهي اللعبة يتبادلون التهاني ويعود كل منهما إلى موقعه الذي تحدده نتائج اللعبة، أما نحن فلا عودة للثاني بانتصار الأول ولا خيار إلا الطحن والتراب، إنها تراجيديا البداوة الدينية والسياسية والاجتماعية، لا تقبل القسمة إلا لواحد احد، والآخر إلا حفنة تراب أو طحين!

 
قالها الرجل وفعل..
     انه صدام حسين قبل سنوات طويلة، خاطب المعارضين لحكمه بأنهم يريدون انتزاع الحكم منه ومن حزبه فقال قولته الشهيرة إلا حفنة تراب ويقصد العراق..
     وصدق الرجل.. وها نحن نشهد بأعيننا كيف يتم تحويل حواضر العراق وسوريا واليمن وليبيا إلى حفنات من التراب والدمار وأطلال من خرائب ودمار كانت ذات يوم مدن وحواضر!
     وصدق آخر من ذات الثقافة والعقلية، حينما أطلق لحيته وترك غرائزه تتحرر من كل القيود والحدود ليمارس لعبة الانتقام من داعش وبيئة داعش ومن والاها فعلا وقولا ونية.. و ( إلا طحين )، فقد طحن كل شيء من حوله، ليمارس هو الآخر لعبته في السلطة!

     بين الرجلين أكثر من ربع قرن، وبين الحجاج وصاحب ( إلا تراب )  مئات السنين، وما تزال البداوة ترفض مغادرة كياناتنا النفسية والاجتماعية والعقائدية، وأوطاننا وشعوبنا تذبح من الوريد إلى الوريد أو تمزق انتحارا من اجل فرض صيغة للحياة على الجميع وباسم الرب دوما والتوكل عليه مع صيحات الله اكبر، تبدأ كل حفلات وحمامات الدم للوصول إلى السلطة واستعباد الآخر!


kmkinfo@gmail.com

77
المالكي وزعامة الفشل!

كفاح محمود كريم

       بين (حسبة) المواصلة و(حسبة) داعش، فرق كبير جدا، هو ذاته بين حضارة الموصل وهمجية داعش وتخلف نوري المالكي، وحسبة أبناء الموصل التي تعتمد الحقائق الموضوعية والواقعية بعيدة عن الرتوش والترتيش، والكذب والادعاء، ولذلك سنتحاسب يا حجي نوري حسبة مصالوة كما تسمون أهل الموصل، فمنذ البداية عمل جندك ومن أرسلتهم إلى الموصل لحمايتها على اهانة سكانها في شرفهم ودينهم ومذهبهم تعبيرا عن طائفيتك وعقدك التاريخية تجاههم، حتى أدميت قلوبهم وتسببت في مقتل خيرة شبابهم وعلمائهم وأساتذتهم، فعلا كنت تمهد الساحة لقبول أي كان في حكمهم، فتخليت عنهم أنت وجنرالاتك ( الدمج ) ومئات الدبابات والمدرعات والمدافع خلال ساعات، وتركتهم وأشقائهم في تلعفر وسنجار والانبار وصلاح الدين فرائسا سهلة بيد كائن همجي متوحش، وكما فعل صدام وأعوانه في تحويل العراق إلى حفنة تراب، عملت أنت أيضا إلى تحويل محافظات غرب البلاد وبلداتها إلى خرائب تنعق فيها الغربان.

      داعش آيلة للسقوط، حقيقة لا مناص منها، لأنها ثقافة خارج الزمن، وخارج حضارة الإنسان، استخدمتها أو سهلت أمرها إبان حكمك بين 2005 و2014م، وأسقطت بها حواضر العراق التاريخية نينوى والانبار وتكريت وسنجار، مستهدفا اهانة السنة وغرز خنجر في خاصرة  كوردستان، والموصل يا (مختار زمانك) كما يحلو لك أن يسموك، أم الحضارة التي حاولت اغتيالها هي وشقيقاتها من مدن بلاد مابين النهرين، حيث قتل في إدارتك للعراق خارج الإقليم ولثماني سنوات ما يزيد على ستمائة من خيرة علماء العراق ونخبه العلمية والأدبية والعسكرية على أساسي طائفي مقيت ولمجرد أنهم من أهل السنة ليس إلا وبوجود أجهزتك الأمنية والعسكرية، وستسأل عنهم يوما ما كما ستسأل لا محالة عن إسقاط الموصل وغيرها.*

     يا (دولة الرئيس السابق) خلال حكمك لثماني سنوات حولت واحدة من أجمل بلاد خلق الله إلى افشل دول العالم وأفقرها وأكثرها تعاسة، كما وصفتها تقارير مؤسسة الشفافية الدولية، حيث ارتفعت مستويات الفقر المدقع إلى ما يقترب من 40% من أهاليها، واستشرت البطالة بشكل مرعب، وتدنت الخدمات إلى مستويات خطيرة، وفي عصرك الدموي سقطت مدن وقرى ما يقرب من نصف أراض العراق، وتهجر أكثر من أربع ملايين إنسان، التجأ نصفهم إلى كوردستان ونصفهم الآخر يلوذ في البلدان!

     واليوم وقد دقت طبول الحرب لتطهير تلك الأراضي التي تسببت أنت وجنرالاتك في تدنيسها من قبل عصابات الإرهاب، يختلط دم البيشمركة والجيش من أجل قضية واحدة في تلاحم وتنسيق وطني رفيع يشهد له كل العالم، وفي الوقت الذي تحقق فيه تلك القوات تقدما نوعيا مهما في عملية تحرير الموصل، تحاول وضع العصي في عجلة تلك العملية لإعاقتها أو إفشالها، وأنت بالذات آخر من يحق له الكلام عن الموصل وتحريرها وعن العراق ومستقبله، فقد تسببت في دماره واهانة شعبه، وكعادة كل الفاشلين ممن تربعوا على مقاليد الأمور في غفلة من الزمن الرديء، تعلق فشلك وهزائمك على شماعة أمريكا وإسرائيل متناسيا أسئلة الناس المريرة في كل هذه البلدان التي ابتلت بالمزايدات والأكاذيب، فهل يا ترى نفذت إسرائيل الأنفال التي دفنت ما يقرب من مائتي ألف إنسان وهم أحياء في صحاري العراق؟ أم إنها ملأت جنوبي العراق ووسطه بالمقابر الجماعية وضربت حلبجة بالأسلحة الكيماوية، أو إنها تذبح البشر من الوريد إلى الوريد في سوريا والعراق وليبيا وأينما وجدت عصابات التطرف والطائفية والعنصرية؟ 

     الموصل سيتم تحريرها، وداعش حالة طارئة، وستنكشف كل أسرار السقوط، لكن من جانب آخر يتوقع الكثير من المراقبين إن فوضى ستعم المدينة على خلفية دخول بعض الميليشيات التي يوجهها نوري المالكي لإتمام مشروعه الذي أسقطت الموصل لأجله، وخاصة في منطقتي تلعفر وأطراف الموصل الشمالية والشرقية، ويبقى السؤال الأهم أمريكيا هل ستمنع الولايات المتحدة هذا التمدد المذهبي في عقر دار سنة العراق العرب!؟ 
 
•   قوائم بأسماء مئات من العلماء والأكاديميين والأطباء الذين تمت تصفيتهم خلال فترة حكم نوري المالكي.
https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=450629771799116&id=450358295159597

78
داعش وجمعة كركوك المميتة!

كفاح محمود كريم
 
     ما حدث في كركوك يوم الجمعة الماضي ( 21 أكتوبر 2016 ) عبر بشكل دقيق عن فعالية بعثية بنهج صدامي متميز، أعادنا إلى حقبة سلوكيات ذلك النظام وأجهزته  الخاصة التي كانت تمارسها مع المعارضين، وفي مقدمتهم الكورد ومقاتليهم من البيشمركة، حيث يتذكر العراقيون ردود أفعالهم، عندما كانت قوى المعارضة تحقق انتصارا نوعيا في أقصى كوردستان أو في جنوب البلاد، كانت تلك الأجهزة الخاصة تعتقل عوائل الثوار في كركوك أو الموصل أو كربلاء أو الحلة.
 
     لقد أثبتت الأحداث خلال السنوات الأخيرة تورط قيادات وكوادر الأجهزة الخاصة لنظام حزب البعث في العراق ومثيلاتها في ليبيا وسوريا واليمن بمعظم العمليات الإرهابية التي تقع في هذه البلدان، خاصة تلك التي تنفرد بحرفية منفذيها، كما حصل في كركوك مؤخرا، بالاستعانة بمتطوعين أجانب تم تجنيدهم على خلفيات عقائدية أو نفسية أو اجتماعية لتنفيذ عمليات انتحارية في أمكنة يتم اختيارها من تلك القيادات، حيث ألقت السلطات في كركوك القبض على احد أفراد حماية صدام حسين وابن خاله وهو " نزار حمود عبد الغني " في قضاء داقوق بتهمة اشتراكه بالهجمات الأخيرة، وقد اعتقل داخل صهريج لنقل المياه وبحوزته 4 بنادق نوع " كلاشينكوف " وأكثر من 1000 رصاصة، وعدد من القنابل والمتفجرات.
 
     لكن الرياح لم تكن كما أرادها ربابنة تلك البواخر الانتحارية، ولم تعد تلك الأقراص التي تحمل صيحات الضحايا وهي تذبحهم بسكاكين السادية، ترهب الأهالي كما كانت، فخرجت جموع الأهالي في كركوك تحمل ما تيسر لها من سلاح، لتستبق أجهزة الأمن والبيشمركة، ملاحقة اولئك البائسين المغرر بهم تحت سطوة وتخدير عقيدة فاسدة وعنصرية مقيتة، ما يزال صداها يسمع بين الفينة والأخرى، تحت خيمة وإيقاع زمرة تسلقت مؤسسة التشريع والتنفيذ في غفلة من الزمن الرديء، الذي مهد لها سلالم التسلق من خلال صناديق العشائر والمذاهب والسحت الحرام الانتخابية، في بلد ما يزال أكثر من نصف سكانه أميون وثلاثة أرباعهم أميون حضاريون بامتياز، وانتهازيون للعظم دون منازع، تحكمهم قوانين الخيمة والصحراء من تحت ملابسهم وسياراتهم الحديثة، يحملون على أكتافهم كل صفحات التاريخ الأسود من يوم اغتيال الفاروق وحتى خيانة الحسين وإبادة أسرته.
 
     في كركوك التي رفضت أن تكون بيئة لثقافة داعش المتوحشة،  انهارت في ساعات تلك الهمجية التي أسقطت ثلث العراق خلال أيام، لأن أهاليها بمكوناتهم الرئيسية كوردا وعربا وغيرهم، وبمؤسساتها الأمنية والعسكرية رفضت أن تسقط مدينتهم تحت قوانين التوحش والبدائية، فسقطوا لأنهم مشروع انتحاري همجي يسير إلى الفناء، وتنهض كركوك وأهلها لأنهم فرسان للشمس والحضارة.
 
 


79
غدا تسقط داعش.. ولكن!

كفاح محمود كريم

     قبل أشهر ضجت إحدى قاعات كوردستان التي ضمت مختلف الناشطين والحكوميين والبرلمانيين من كافة المكونات العراقية الدينية والمذهبية والقومية، بصرخة مدوية أطلقها المطران السرياني داود شرف، وهو من اعرق أبناء الموصل التي ارسي أجداده حضاراتها الأولى، وتعرض أهله وعرقه ودينه لعملية إبادة جماعية، كما حصل للكورد الايزيديين والشبك في سنجار وسهل نينوى، أقدم المستوطنات البشرية التي صنعت الغذاء وأقامت أولى القرى الزراعية قبل سبعين ألف سنة، كما ورد في أبحاث المؤرخ والاثاري الأمريكي سيتون لوئيد إبان زيارته لسنجار عام 1963م.

     هذه الصرخة التي عبرت عن ماسي لم تقع اليوم باحتلال داعش للموصل وسنجار وسهل نينوى واستباحتها لكل شيء، بل لمئات السنين من مخازي التعامل مع المكونات المختلفة قوميا ودينيا ومذهبيا، فقد تعرض الايزيديون إلى ما يزيد على سبعين حملة إبادة استهدفتهم لكونهم مختلفين دينيا، وكذا الحال مع المسيحيين الذين لم يشعروا بالأمان والاطمئنان منذ قيام مملكة العراق وحتى استباحة داعش لهم في مدنهم وقراهم، ناهيك عن المختلفين قوميا أو عرقيا عن الأغلبية، في بلاد لم تحترم قيمة الإنسان لكونه إنسانا إلا حينما يكون عبدا لأولئك الطغاة الذين يعملون ليل نهار من اجل إذابة الجميع في بودقة قوميتهم تارة ودينهم تارة أخرى وأخيرا في مذهبهم، وليس للمقابل خيار إلا الموت أو التهجير.

     إنها فعلا كما قال المطران داوود شرف وكررها ( عيب عيب عليكم جميعا ) وما بعدها من عيب أو خزي أو عار، أن يتبوء كراسي التشريع والتنفيذ في واحدة من اعرق بلدان العالم، أبناء الشوارع من النكرات واللصوص وتجار الحروب، ومجاميع من عصابات وميليشيات الفساد والإفساد مما رأيناهم في دفوعات وزير الحرب العراقي الذي كشف مستوياتهم المتدنية وكيفية نهبهم وسرقتهم للمال العام دون أي ضمير أو عُرف أخلاقي، مستغلين مواقعهم لامتصاص الأهالي وإذلالهم.

     عيب وعار على مواطني هذه الدول التي أسقطت امريكا وحلفائها أنظمتهم الدكتاتورية، أن يعودوا ثانية تحت أي مسمى أو تأثير لينتخبوا جوقات من الحرامية والمنحرفين الذين يعرفهم الأهالي ليس في العراق فحسب، بل في طرابلس وبنغازي وصنعاء ودمشق وغيرها من دول المختبر الديمقراطي، من الذين يرفعون شعارات دينية أو مذهبية أو قومية تنفي الآخر وتلغيه ممن دمروا حضارات الشعوب ومنعوا شعوبهم من التطور بفسادهم وعنصريتهم وتشددهم الديني والمذهبي المقيت.

     وما زلنا نتذكر بألم بالغ تلك الموجة من التسقيط العرقي أو المذهبي باستخدام أسلوب ( النكات ) أو الطرائف التي كانت تصنع في أجهزة دعاية السلطة وأحزابها الحاكمة ضد الكورد تارة وتارة أخرى ضد الشيعة أو السنة أو المسيحيين أو اليهود أو التركمان، بحيث تستهدف تلك النكات شخصية أبناء هذه المكونات بما ينتقص إنسانيتها ويسلب مواطنتها، ممهدة بذلك لعمليات إبادة كاملة كما حصل للكورد في انفالات صدام حسين وكيميائيات علي حسن المجيد في حرق وإبادة مدن وبلدات بأكملها في كوردستان ( أكثر من ربع مليون إنسان تم قتلهم )، وكذا الحال حينما استهدفت خلاصة الشوفينية والتطرف الديني والقومي المسماة داعش الكورد الايزيديين وقتلت الكثير من رجالهم وشبابهم وسبت آلاف أخرى من بناتهم ونسائهم تحت غطاء ديني مقيت ( أكثر من ألف قتيل و2745 يتيم و 6413 مختطف منهم 3543 من الإناث والباقي من الأطفال والشبيبة)، وما حصل للايزيديين حصل للمسيحيين في الموصل وسهل نينوى وسنجار ( آلاف الأسر تم نهبهم وسلبهم ولم يسمح لهم بمغادرة الموصل أو سهل نينوى أو سنجار إلا بملابسهم فقط )، حيث تمت فرهدتهم كما فرهدوا اليهود في أربعينيات القرن الماضي.

     تاريخ من العارات والمخازي والأكثر عارا أن لا يدرك البعض ويعترف بهذه الحقائق ويحترم خيارات الشعوب وحقها في تقرير مصيرها بعد فشل كل أشكال الحكم والحروب بما فيها الإبادة، عيب كبير أن لا نسمع الصوت الآخر الذي يرفض بعد مئة عام من العيش المشترك الفاشل أن يقرر مصيره بنفسه.
     غدا سيتم تحرير الموصل من هيكل داعش العسكري، كما حررت أمريكا العراق من هيكل صدام الإداري والأمني، فهل سيطمئن أولئك الذين بقوا من حملات الإبادة على مستقبلهم ثانية، ومن يضمن لهم عدم ظهور داعش جديد بمسمى آخر ومنهج ربما أكثر توحشا من تنظيم الدولة أو نظام البعث أو نظام الميليشيات!؟
     ودعونا نردد ما قاله المطران بعد استباحة داعش للموصل وسنجار وسهل نينوى هل فعلا هناك شرف في هذا العالم الذي أصبحنا فيه غرباء!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إشارات
-   الفرهود: عملية سلب ونهب أموال اليهود إبان تهجيرهم في أربعينيات القرن الماضي من العراق.
-   الأرقام والإحصائيات التي وردت في المقال مأخوذة من مديرية الأوقاف الايزيدية في الحكومة الكوردستانية.
-   كلمة المطران داوود شرف مطران السريان في الموصل وكوردستان:
https://www.facebook.com/axina.shengale/videos/1104478069641549/



80

العراق بين المعممين وشيوخ العشائر!

كفاح محمود كريم


     بعد سنوات مريرة من استخدام شيوخ العشائر كوسائل لتنفيذ مآرب النظام، واستحداث قسم خاص بتصنيعهم في ديوان رئاسة صدام حسين وتصنيفهم إلى موديلات أ،ب،ج، تم إسقاط هيكل ذلك النظام من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، واستبشر العراقيون خيرا حيث نالوا كأقرانهم الليبيين واليمينيين والسوريين وغيرهم من دول المختبر الديمقراطي شتى أنواع الاضطهاد، خاصة من تولى أمرهم من قيادات حزبية أو أمنية أو شيوخ أطلق العراقيون عليهم تهكما ( شيوخ التسعين )، استبشروا في أن لا يعود هؤلاء ثانية ليحكموا الدولة، لكن ما حدث للأسف كان أقبح مما مضى.

     وباستثناءات قليلة جدا لا تخضع للقياس العام، أمام أعداد هائلة من شيوخ وأغوات العشائر والقبائل التي كانت وما تزال وستبقى إلى أن يأذن الله ويقيم مملكة المواطنة لمخلوقاته العاقلة، أدوات طيعة ولينة حد التدليس بيد المسؤولين والقائمين على الإدارة والحكم من مدير الناحية وحتى رئيس الجمهورية، مروراً بكل ضباط الأمن والاستخبارات والشرطة والمرور والمحاكم، وليس غريبا أن تضع مملكة العراق في أيامها الأولى قانونا للبلاد باسم قانون العشائر، ثم يطور صدام حسين تلك العقلية إلى تأسيس مكتب خاص للعشائر وشيوخها في ديوان دكتاتوريته، بل أن تجلياته الفكرية تفتقت عن قوانين شتى من قبيل قانون إلغاء تسمية العمال واعتبارهم موظفين مع (علس) كل حقوقهم كطبقة عاملة وكل نظريات كارل ماركس حولهم، ثم قانون تصحيح القومية الذي يجيز للكوردي والتركماني والكلداني والأشوري الاعتذار عن خطأ أجدادهم في تسجيلهم باسم قومياتهم وتصحيح ذلك استنادا إلى تفتقات الفكر البعثي وإعادتهم إلى الصف الوطني في القومية العربية، والغريب انه اعتبرهم في معظمهم ( سادة ) ومن الدوحة الهاشمية، ولم يكتف بذلك بل عمد لتصنيف شيوخ العشائر والأغوات إلى ثلاث موديلات وهي ا،ب،ج ولكل موديل حقوقه ونوع العباءة والدشداشة التي يلبسها في المناسبات الوطنية والقومية، كما كان يفعل احدهم في مدينتي حيث لا تتجاوز ( عشيرته ) بضع عشرات من الأسر وما لا يقل عن خمسة شيوخ و17 رئيس فخذ ووجيه، وكان قد اشترى لمعظمهم إكسسوارات المشيخة من الدشاديش والعباءات والعقال والكوفية وحتى الحذاء والسبحة.

     بهذه العقلية أقام صدام حسين دولته العظمى، التي انهارت خلال بضعة أيام، لا بسبب جبن مواطنيه بل لأنه أهانهم وجرح كرامتهم، ولم يكتفِ أولئك الذين احتلوا كرسيه في الحكم بمرارة تلك التجربة البائسة، فكرروا المشهد ثانية في استخدامهم لشيوخ العشائر ذاتهم، بعد أن استبدلوا صورة صدام بصور مختار العصر والمعممين الجدد و (بلشوا ) بالعمل على مسرح الديمقراطية بمعية وكلاء الرب على الأرض من بعض المعممين من المذهبين، ففي المحافظات الغربية التي سقطت بيد داعش المتوحشة، حاول نوري المالكي وجماعته تقليد صدام حسين باستخدام مجاميع من الانتهازيين والمرتزقة الذين كان يعتمدهم، مما عرفوا في كوردستان بـ (الجاش) أو (الجته) أي عملاء الأنظمة الطاغية، خاصة بعض شيوخ وأغوات العشائر ممن أدمنوا عطايا وهبات القائد الضرورة، مضافا إليهم إكسسوارات جديدة مثل بعض النواب، حيث أصبح لدينا الآن سنة المالكي وأكراد المالكي، وهكذا دواليك في مصانع التهريج الديمقراطي، الذي تنتجه مؤسسة الفساد السياسي والمالي والاجتماعي وواجهاتها المتمثلة بمؤتمرات العشائر وتكريس القبلية والمناطقية والطائفية المقيتة، من أجل البقاء في السلطة باستخدام كل الوسائل الميكافيلية مهما كانت نتائجها وتداعياتها.

     بالتأكيد في ليبيا وسوريا واليمن وغيرها من البلدان التائهة، ذات النماذج وان اختلفت الأسماء والعناوين لكنها بذات النهج، والسؤال المر هو هل إن الربيع العربي من إنتاج أولئك الذين أسقطتهم جماهير القدحة الأولى في كل من تونس ومصر وليبيا وقبلهم العراق الذي يصلب اليوم على مقصلة رجال الدين وشيوخ العشائر!

kmkinfo@gmail.com





81
القومية المفرطة وفرط الموَحَد!

كفاح محمود كريم

     حينما يصل الشعور بالانتماء إلى العرق مستوياته العليا يكون قد بدأ بإلغاء الآخرين لحساب ذلك الشعور، ومن خلاله يدخل تدريجيا إلى مرحلة التعصب الأعمى، الذي يمقت أي عرق آخر ويتصور بأنه العرق الأنقى والأكثر حقا بالعيش والاستحواذ على السلطة والمال وفرص الحياة من الأعراق الأخرى، التي ينظر إليها المتعصب وكأنها مخلوقات اقل آدمية منه، ولأجل ذلك دفعت البشرية نظير ذلك الشعور عشرات الملايين من البشر قتلى ومعاقين وعبيد، منذ أن صنف بعض المفكرين أو السياسيين البشر إلى أصناف راقية وأخرى حقيرة أو إلى طبقات غنية أو فقيرة، ووضعت أسسا للعداء والانتقام بينهم، كما حصل في القرنين السابقين التاسع عشر والعشرين على أيدي الامبرياليين والمتطرفين اليساريين  والنازيين والفاشيين في اوربا، وانعكاسات ذلك على نشوء أحزاب وحركات وعصابات عنصرية مقيتة أبادت تحت تلك الشعارات ملايين البشر.

     ومن تداعيات تلك الأفكار انتشرت في شرقنا عموما مشاعر تقترب أحيانا كثيرة من الأفكار الشوفينية، وأحيانا أكثر من الشعور الطبيعي بالانتماء إلى عرق معين أو قوم ما، بما نستطيع أن نطلق عليه بالشعور القومي المفرط الذي بدأت أولى براعمه مع انهيار الدولة العثمانية وظهور الطورانية السياسية بقيادة كمال أتاتورك في تركيا الحديثة، ومن ثم في العراق وسوريا والعديد من بلدان الشرق الأوسط التي استخدمت أنظمتها  السياسية شعورا قوميا مفرطا تجاه المكونات العرقية المختلفة عنهم قوميا ودينيا او مذهبيا، حيث تعرض الأرمن والكورد والشيعة والايزيديين والمسيحيين واليهود والبهائيين إلى أبشع أنواع الصهر والإلغاء والتهجير، بل وحتى الإبادة الكلية كما حصل للأرمن والكورد نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين، وتبعتها عملية التتريك والتفريس والتعريب سيئة الصيت لمعظم المكونات العرقية المختلفة في كل من تركيا وايران والعراق وسوريا، أنتجت جميعها عمليات إبادة جماعية وثقافية منظمة كما في حرب الأنفال التي أبادت أكثر من ربع مليون طفل وامرأة وشيخ من كوردستان العراق، وفي كل الأحوال لا يمكن أن تكون هناك مشاعر مفرطة خارجة عن السيطرة ما لم ترتقِ في مرحلة من المراحل إلى مشاعر شوفينية وفاشية تؤدي إلى ما ذهبت إليه هذه الأنظمة، سواء في العراق أو سوريا وما ستنتهي إليه الأنظمة المشابهة لها في ايران وتركيا والدول التي تهمش الامازيغ وغيرها من المكونات سواء في افريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية، حيث الحروب والتطاحن والتخلف وضياع فرص ثمينة للارتقاء إلى مستويات آدمية مدنية متحضرة.
 
     إننا اليوم نواجه تحديات خطيرة جدا إثر ولادة منظمة ما يسمى بالدولة الإسلامية (داعش) من رحم تلك الأفكار العنصرية المتعصبة دينيا وقوميا،  ونجاحها في تمزيق ما تبقى من أنسجة الترابط بين المكونات في معظم المناطق التي سيطرت عليها عسكريا أو فكريا، ولم تعد اليوم على سبيل المثال أي فكرة ممكنة للتعايش بين الكورد الايزيديين والذين تسببوا في إبادتهم وسبي نسائهم على الشكل الذي كانت عليه سابقا، وكذا الحال مع المسيحيين والشيعة والعلمانيين، مما يتطلب تقديم حلول واقعية بعيدة عن الأوهام، تضمن أن لا تقع هذه المكونات ثانية فريسة بيد منظمات إرهابية متوحشة بأسماء دينية أو قومية شوفينية أخرى، حيث دفعت شعوب الدول  متنوعة المكونات القومية والدينية في الشرق الأوسط، بحورا من الدماء تحت مظلة الوطن الواحد والشعب الواحد، وقد أثبتت تجربتها خلال ما يقرب من قرن من الزمان، وبمختلف أشكال النظم السياسية التي حكمتها، فشل إقامة دولة المواطنة بمنظور مدني متحضر، وعليه فقد آن الأوان للمجتمع الدولي ومؤسساته، أن يستفتي هذه المكونات العرقية والقومية والدينية والمذهبية على مصيرها وشكل الحكم الذي تريده سياسيا وجغرافيا لضمان حياتها وأمنها وتطورها، وبدون هذا الخيار سننتظر حروبا أكثر شراسة ووحشية في ظل حكومات القومية المفرطة والتدين الأعمى!

kmkinfo@gmail.com







82
( عابَ شيءٌ لا يشبه أهله )

كفاح محمود كريم


     ما بعد إسقاط أنظمة القائد الضرورة وملك ملوك أفريقيا ومن ماثلهم في دول المختبر الديمقراطي، انبثقت مؤسسات وحكومات وبرلمانات أقل ما يقال عنها هو المثل العراقي الدارج ( عاب شي ما يشبه أهله ) أي إن كل هذه المؤسسات أتت مطابقة لكل ما اعتادت عليه شعوبها من سلوكيات وثقافة وتقاليد اجتماعية وسياسية، فما أن بدأت أنسام الربيع العربي تعطر الأنوف وتطرب الأسماع في تهاوي أنظمة الزعيم الأوحد والحزب القائد والجمهوريات الوراثية، حتى عاودت فيروسات تلك الأنظمة بالانتشار في المفاصل المهمة من الهياكل الجديدة التي حاولت ملأ فراغات ذلك الإخطبوط، الذي هيمن لعشرات السنين إن لم تك مئات السنين على صدور وعقول ملايين البشر المقموعين جينيا بأفكار البداوة والقبيلة والغزوات، لا من اجل البقاء فقط بل من اجل الزعامة حتى وان كانت زعامة ثلة من السراق والقتلة، وقد رافق عملية سقوط تلك الأنظمة نشوء تنظيمات وعصابات وأحزاب ومنظمات ووسائل إعلام ونقابات من رحمها  ومنظومتها الفكرية، لكي تحتوي أو تلتهم ما سمي في حينه بثورات الربيع العربي، التي سرعان ما تحولت إلى ما نراه اليوم في ليبيا وما فرخته في سوريا واليمن وغيرها من دول المنطقة، ولعله اخطر ما امتلكته تلك الفايروسات تحت مظلة الانفتاح الديمقراطي وحرية تأسيس وسائل الإعلام، هو الفضائيات وخاصة هنا في العراق وفي سوق " المريدي " الشهير، والذي تخصص بعد سقوط نظام صدام حسين بمنح الشهادات العلمية وخاصة الدكتوراه لكبار مسؤولي النظام الجديد في سلطاته الثلاث، وبالذات التنفيذية والتشريعية في المركز والمحافظات، ناهيك عما يسمى بهيئة الإرسال العراقية المفترض أن تكون ملكا للشعب العراقي ومن يمثله واقصد هنا وبنية صافية برلماننا العتيد، لكنها في غفلة من الزمن أيضا تم تأجيرها لحزب السلطة الجديد صاحب ما يسمى بالكتلة الأكبر، والوريث المتطابق لسابقه أيام القائد الضرورة المتحول إلى مختار العصر، الذي يصر مريدوه على استنساخ مجموعة منه وتوزيعها على الدول العربية والإسلامية والأوربية والأمريكية، لكي لا تفقد فرصتها الذهبية في امتلاكها فلتة زمانه وعصره.

     هذه الفضائيات المفترض أن تكون وسيلة إعلام متحضرة، تعوض سنوات القهر والاستلاب الفكري والثقافي والسياسي، أنتجت مجموعة ما يسمى بالبرامج الموجهة لتوعية وتطوير الرأي العام باتجاه قبول الآخر وحرية التعبير، خاصة بعد قيام النظم الديمقراطية المفترضة كبديل لتلك التي حكمت بثقافة تكميم الأفواه وخنق الآراء والتعبير، وافتراض وجود مساحة لتلك الحريات، وعلى هذا الافتراض أنتجت كما قلنا مجموعة برامج حوارية على شاكلة مجلس عراقي والأستوديو التحليلي أو منابر متعددة أو سميها ما شئت، حيث تستضيف " دقاقي الثوم بعكوسهم " كما يقول المثل الموصلي إشارة للفضوليين ومساحي الجوخ والملكيين أكثر من الملك نفسه، لكي تفرض مجموعة أفكار لا تقل في شموليتها عما كانت تقدمه قنوات ووسائل الأنظمة السابقة، خاصة وكنموذج لتلك الاستخدامات السوداء للإعلام هنا في العراق ومن خلال شن حملات عنصرية طائفية طيلة أشهر عديدة قبل سقوط ثلث العراق بيد داعش، ضد الكورد من جهة وأهالي الموصل والانبار وتكريت وديالى من جهة أخرى، مستخدمة شعارات وطنية وقومية كما كان يفعل صدام حسين في إبادته للكورد وانفلتهم باعتماد آيات من القرآن الكريم، ثم تكتشف إن تركيا وقطر والسعودية ومصر والباكستان وجزر الواق واق عملاء للصهيونية والامبريالية، وان كوردستان أصبحت ملاذا للبعثيين وداعش والامبريالية الأمريكية ( طبيخ مكادي ) كما يقول أهل الموصل، في توصيفات بائسة تستغل بها عقول الأكثرية الجاهلة والجائعة لتنشر الحقد والكراهية ولتوسع بيئة انتشار داعش وغيرها كما حصل فعلا.

     هكذا نجحت طواقم إعلام تلك الأنظمة الفاسدة أن تتوغل في هياكل الأنظمة الجديدة وتؤسس لها موضع قدم لتنطلق بذات الثقافة الشمولية والاقصائية في معظم برامجها الموجهة، معتمدة على إثارة الغرائز والعدوانية وبناتها في الكراهية والأحقاد، واضعة بيوضها الإرهابية في بيئة طائفية وشوفينية جاهزة للتفقيس في أي وقت تشاء، لإثارة كل النعرات وقبول أكثر أشكال الإبادة الجماعية كما حصل للكورد الايزيديين والمسيحيين والشيعة والسنة في كل أنحاء البلاد، حيث مارسوا تعتيما إعلاميا مريبا على واحدة من أبشع عمليات الجينوسايد بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تعرض لها الايزيديون بمئات الآلاف إلى القتل الجماعي والنهب والسلب واسر نسائهم وأطفالهم، بل وبيعهم في أسواق النخاسة، دون أن تثير فيهم هذه الجرائم أي وازع أخلاقي أو إنساني أو حضاري، بل إنهم تعمدوا في إغفال دور البيشمه ركة وعدم التطرق لها في كل عمليات تحرير آمرلي وسليمان بيك وسد الموصل وسنجار ومخمور رغم معرفة قادتهم بدورها الرئيسي في مقاومة الإرهاب وطرده من كثير من المناطق.

     وعادت حليمة إلى عادتها القديمة بعد ربيع دامي بإعلام قاتم ومجاميع سياسية وبرلمانية من المشوهين الفاشلين والمعاقين ثقافيا وأكاديميا وأخلاقيا، تدير أو تشرف على السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وعلى وسائل إعلام مريضة حتى النخاع بالجهل والفساد وتتمتع بدعم كبير من السلطة تحت مسميات عديدة، سواء كانت أحزاب أو جهات متنفذة أو هيئات مستقلة، وخاصة في الإعلام التي كان يراد منها أن تكون على شاكلة هيئة الإذاعة البريطانية، فتحولت بعد أشهر من تشريع قانونها إلى وسيلة لحزب السلطة ورئيسه بإكسسوارات مظهرية تشبه ما كان يفعله نظام البعث في تعييناته لمعارضين أو مشاركين على مقاساته، وصدق من قال في الدارج العراقي:
عاب شي ما يشبه أهله!

kmkinfo@gmail.com

83
دول المختبر الديمقراطي

كفاح محمود كريم


      لن نعود إلى التاريخ وبدايات التجارب الديمقراطية التي زرعها الأوربيون في الشرق الأوسط وتحديدا في كل من لبنان وإسرائيل وتركيا، حيث تعاني التجارب الثلاث من إشكاليات معقدة لا نستطيع الادعاء بأنها ناجحة بالتمام والكمال، خاصة وان تجربتين منها لم تتجاوز علاماتها في الامتحان النصف، أي 50 بالمائة إن لم تكن اقل، وهي الآن في لبنان بدون رئيس منذ فترة طويلة وبحكومة مشلولة ويعيش ( على الله ) كما يقال بتفرد احد الأحزاب بدولة داخل دولة، أما تركيا وحربها الداخلية مع معارضيها، فيكفيها اليوم من اعتقالات وطرد وهروب على خلفية ثقافة الانقلابات.

     نعود إلى دول المختبر الديمقراطي التي تصر الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيون والمتفائلون من أمثالنا على نقل التجارب البريطانية والأمريكية والأوروبية الغربية خاصة، إلى بلادنا وشعوبنا التي تختلف من الأرض حتى السماوات عن شعوبهم، وفي كل مناحي الحياة، ابتداءً من المزاج العام وانتهاءً إلى علاقاتنا الأسرية والعشائرية والدينية، التي تتقاطع حد التقاتل مع مبادئهم وسلوكياتهم وأساسيات تطبيقاتهم للديمقراطية، التي لا تعني كما يعتقد البعض مجرد تداول سلمي للسلطة، حيث أجريناها كما أرادوا وفشلنا فشلا ذريعا، والدليل ما نشهده اليوم في حال بلداننا وحكوماتها وبرلماناتها التهريجية، وتذابحنا على السلطة بشتى الوسائل، فأدخلنا احدث طرق التزوير وشراء الذمم وكيفية قيادة القطيع وإيصاله إلى تلك الصناديق اليتيمة التي تمنح شارة وبراءة الديمقراطية العرجاء في بلداننا.

     لم أجد تعبير أدق من دول المختبر الديمقراطي للإشارة إلى مجموعة دول الربيع العربي التي تتقارب في نشأتها وسلوكياتها ومعتقداتها وعاداتها وتقاليدها مع بعضها، وتعاني من أزمات حادة في مقدمتها أزمة تكوينها منذ البداية، حيث وضعت الأسس بشكل خاطئ أنتج حزمة معقدة من الإشكاليات البنيوية، وكرس القبلية والطائفية على حساب المواطنة، وابعد فكرة إقامة كيانات تقدمية على أسس معاصرة وأفكار خلاقة، ما جعل أنظمتها شمولية تعكس بناءها الاجتماعي القائم على الأحادية من بناء الأسرة وصولا إلى هرم السلطة، هذه الدول وفي مقدمتها العراق وسوريا واليمن ومصر والخليج وكل شمال إفريقيا ومن شابهها، تحتاج فعلا إلى فحوصات وتحليلات مختبرية دقيقة لاختيار شكل النظام السياسي الذي ينقذها من هذا التدهور المريع في معظم نواحي الحياة فيها.

     ربما يرى البعض إن الديمقراطية هي الحل، بينما يرى آخرون إن الإسلام هو الحل، وقد أفشلت هذه الشعوب النظريتين أو التوجهين لحل اشكالياتها، فلا الديمقراطية أنقذت الكورد في تركيا، ولا الإسلام كنظام سياسي أنقذ العراق أو إيران أو أفغانستان من الصراعات والتذابح، وفشل النموذجان في التطبيق لحل أو معالجة التعقيدات النفسية والاجتماعية والسياسية في تكوين هذه المجتمعات، وإزاء ذلك يرى أصحاب الخيار الشمولي بشقيه الدكتاتوري الفردي أو النخبوي بأنهم الأفضل على خلفية تداعيات ما حصل وما زال يحصل في تلك البلدان، لكونهما فشلا في إثبات أطروحاتهما في العدالة والأمن والسلم، ورغم أن كثيرا من هذه الدول تحتضر في مختبرات التحليل، وتحال إلى  الطب العدلي وقاعات التشريح، واحدة تلو الأخرى لإثبات سبب الوفاة، بعد أن فشل كل المحللين وعلماء المختبر من أن يتعرفوا على أنواع الفيروسات المستوطنة في مفاصلها، فان آخرين يؤمنون بوجود آمال ما تزال تظهر في الأفق هنا وهناك لإنقاذ ما تبقى منها.

         وحتى تثبت الأيام فشل أو نجاح هذه التجارب ادعوكم قرائي الأعزاء إلى اقتراح حلول وأفكار أخرى ربما تعين مختبرات السياسة والمنظرين بعيدا عن الحلول التي أنهكت وأغرقت هذه الدول بالدماء والفساد والإرهاب.

kmkinfo@gmail.com


84
المضحك المبكي في عراق اليوم

كفاح محمود كريم

     لقد عُرف النظام السابق بالطغيان والاستبداد والظلم الكبير على كل مكونات العراق القومية والمذهبية، وكان فعلا نظام يثير الأحزان والآلام والبكاء، لكننا لم نسمع بأنه يثير الضحك والسخرية أبدا، لما كان يفعله من ممارسات إجرامية بحق الإنسان، وحينما أسقطته الولايات المتحدة وحلفائها، ضحكنا كثيرا على هشاشته وعلى سنوات عمرنا التي سحقتها ماكينته الإرهابية وآلة الخوف التي زرعها في كل بيت وشارع ومؤسسة، رغم ذلك توقعنا  جميعا أن يبذل المجتمع الدولي والقوى السياسية العراقية المعارضة جهودا من اجل إقامة بديل لذلك النظام، يقوم على أساس العدالة والشراكة والنزاهة واحترام الرأي الآخر، وإعادة بناء البلاد وفق منظور متحضر تسوده الديمقراطية والمساواة والنزاهة، لكن ما حدث عبر ثلاث حكومات وثلاث دورات برلمانية، أنتجتها منظمة الحكم التي تدير البلاد من وراء الكواليس، كانت مزيج مقرف من الضحك والبكاء، ومن الأسى والازدراء، ومن الأمل واليأس، ومن الذهول والخمول، من كل هذه المتناقضات التي يحس بها الإنسان حينما يرى أو يسمع هذه النماذج في الحكومة والبرلمان:

     المضحك إن سياسيا تقدميا قضى أكثر من ثلث حياته معارضا لنظام البعث، ويفترض انه مناضل بروليتاري ومناصر للطبقات المسحوقة من قبل طبقات ماصة لدماء الفقراء ومستحوذة على فائض الربح، كما يفترض انه نزيه لا يقبل أن يدخل في جيبه إلا مال يعرف بأنه قيمة لفعله الخلاق، المضحك جدا انه وضع يده بيد مصاص الدماء وجلس إلى جانبه، وقبِل أن تدخل جيوبه أموالا اقل ما توصف بها إنها سحت حرام، لا علاقة لها بالنضال ولا بمبادئ هذا المناضل الذي تآخى مع حثالة البروليتاريا كما يقولون في تصنيفاتهم للطبقات!

    المضحك إن رجل دين أصبح في بلاد الفوضى الخلاقة منظر سياسي يتعامل مع كل ما يتناقض مع قواعد شريعته في النصب والاحتيال والاختلاس والتجارة السوداء والعمولات والرشوات، وتلوث حتى انفه بالمال المحرم أو المشبوه أو المدنس، ووافق على مشاركة أولئك الزناة والسراق والخمارين ومجالستهم حتى الثمالة، فأصبح منافق فاسق حسب تعريف شريعته!

     والمبكي حينما يتحدث عن النزاهة سارق وعن الصدق كاذب وعن الطهر ملوث، وقد رأينا كل هذه المشاهد المخزية، كاذب وسارق وانتهازي من الزمن الاسوء، يتهم الجميع بسرقة أموال العراق اختلاسا ورشوة وعمولات، وأخرى تعترف بأنها جميع رفاقها في البرلمان والحكومة  التهموا الكعكة ( وتقصد بها أموال العراق )، ناهيك عن معمم آخر يعمر مؤخرته أو أسنانه أو أمعائه المتعفنة بالمال العام، علما إن راتبه وامتيازاته تفوق رواتب وامتيازات مثيله في أغنى دول العالم.

     المبكي انك كنت تنتظر أشرافا يحكمون البلاد بعد حقبة سوداء من حكم الرعاع، فتفاجأت ( وباستثناء القلة القليلة التي لا تخضع للقياس العام ) بأن عصابة لصوص سطت على بنك اسمه العراق، كما قال الكاتب والصحفي المصري محمد حسنين هيكل.

     والمضحك المبكي في هذه الخلطة المقرفة من الفاسدين ومدعي النزاهة، إن معظم رموزهم يمثلون الدورين معا، الفاسد والنزيه، الضحية والجلاد، المظلوم والظالم!؟

     أليست هذه تراجيديا الربيع العربي التي تضحكنا حتى البكاء!


kmkinfo@gmail.com

85
الربيع العربي وبرلمانات العشائر!

كفاح محمود كريم

     على ضوء الهرج والمرج الذي يحصل اليوم في برلمانات ما بعد الدكتاتوريات التي أسقطتها الولايات المتحدة والتحالف الدولي، والتي تحبو باتجاه تأسيس دول للمواطنة تقوم على أعمدة الديمقراطية الغربية، في مجتمعات شرقية تؤمن أساسا في بنيتها التربوية والاجتماعية بحكم الفرد وسلطته، إبتداءا من الأب ومرورا بشيخ العشيرة وإمام الجامع ومختار القرية والزعيم الأوحد، المتجلي في رمز الأمة والمأخوذ من موروث مئات السنين أو آلافها بشخص عنترة بن  الشداد أو أبو زيد الهلالي أو الزعيم الأوحد أو ملك ملوك إفريقيا أو القائد الضرورة أو سلطان زمانه، حيث أدمنت معظم هذه الأنظمة وأحزابهم التاريخية ( العظيمة ) برلمانات من نمط ( اموافج- موافق ) كناية بالتبعية المطلقة لرأي القائد والملك، كونهما يمتلكان سلطة الدنيا والآخرة، وهما ولا غيرهما في الأرض، ولا في الكون ( يفتهم ) مثلهما، وعليه فأنهما دائما على حق ويمتلكان مفاتيح مستقبلنا وسعادتنا!

     وعلى هذه الأسس تم تكوين برلماناتهم والية انتخاب أعضائها، حيث يتذكر العراقيون والسوريون والليبيون واليمنيون والمصريون، وحتى إخواننا في الجيرة أهل إيران وتركيا وبقية الشعوب المبتلاة بثقافة الشرق المريض، كيفية ترشيح ودعم أي عضو لكي يجلس على كرسي ( اموافج ) بالبرلمان، حتى وان كان معارضا، فهو مطبوخ في مطبخ القائد أو الملك أو السلطان، ولكي لا نشتت انتباه القارئ سنتحدث عن النموذج العراقي سابقا ولاحقا، في إيصال هؤلاء الأشخاص، إلى تلك الكراسي في زمن الرئيس المعدوم صدام حسين ومن سبقه من قادة العراق ( العظيم ) المعدومين في الغالب، إلا من سقطت طائرته أو أرسل على عجل إلى عاصمة للسياحة والاصطياف، حيث يتم تبليغ منظمات الحزب والشيوخ وأعمدة القوم لتوجيه قطعانهم لانتخاب فلان بن علان لكونه مرشح الحزب أو القائد، وبهذه الطريقة يصل هؤلاء الأصنام إلى كراسي المغفلين في ما يسمى بالبرلمان.

     واليوم بعد أن أزالت الولايات المتحدة وحلفائها هياكل تلك الأنظمة الشمولية، مدعية أنها تعمل من اجل إقامة نظم ديمقراطية على أنقاض تلك الخرائب، دونما إدراك للكم الهائل من الموروثات التربوية والاجتماعية والعقائدية والسياسية، في مجتمعات تعاني أصلا من الأمية بشطريها الأبجدي والحضاري، وما تزال تعتبر القبيلة والعشيرة ورموزها أهم ألف مرة من الشعب والدولة، وكذا الحال بالنسبة للدين والمذهب، اللذان لا ينافسهما أي انتماء، والغريب انها لم تدرك كيف ستكون مؤسساتها الدستورية والديمقراطية والية انتخاب أعضائها؟

     ما حصل عندنا في العراق وبالتأكيد هو ذاته في ليبيا أو سوريا لاحقا أو مصر واليمن وبقية دول المختبر الديمقراطي، هو نفسه الذي كان يستخدم من قبل الزعماء وأحزابهم العظيمة، حيث يتم تجييش القبائل والعشائر والرموز الدينية والمذهبية، وبتمويل من الكتل والأحزاب، لإيصال مجموعة من الأصنام إلى قبة البرلمان مقابل امتيازات مالية، وهذا ما حصل فعلا منذ 2005 ولحد آخر انتخابات في العراق بشقيه الاتحادي والإقليمي، حيث يذهب إلى تلك المقاعد مجاميع من الأشخاص الذين يدعمهم الحزب أو الكتلة بإسناد عشائري وديني أو مذهبي يذيب شخصية المرشح، بحيث لو انه تجرأ وترشح بنفسه دونما دعم لتلك المؤسسات، لما حصل إلا على أصوات عائلته وبعض أقربائه!؟

     واليوم يجلس على كراسي ( اموافج ) مجاميع تمثل واحدة من افشل دول العالم، وأكثرها بؤسا وتعاسة وفقدانا للأمن والسلم وأي مظاهر للتقدم والازدهار، حيث يستخدمون في آليات الترشيح والانتخاب ذات الآلية التي كان يستخدمها عرابوهم في الأنظمة السابقة، بالاعتماد الكلي على العشيرة والدين والمذهب والحزب أو الكتلة، ويمارسون ثقافة ( اموافج ) وان اختلفت المواقع والعناوين، وبغياب المواطنة والانتماء الوطني وسيادة الانتماء القبلي والديني المذهبي، أصبحت برلماناتنا مسارح لتمثيليات بائسة وسيرك غجري ساذج!

kmkinfo@gmail.com

86
انقلاب تركيا.. هل سيكون الأخير؟

كفاح محمود كريم

     ما حدث في أنقرة واسطنبول وبقية مدن الدولة التركية إزاء الانقلاب الأخير، اثبت إن تلك الثقافة قد انتهت بفعل وعي أهالي تلك الدولة الذين يحاولون إغلاق  أبوابهم أمام أي نزعة انفعالية لمجاميع من العسكر تغامر بتغيير نظام الحكم والاستيلاء على السلطة بقوة الدبابات والطائرات، كما حصل عبر تاريخ هذه الدولة وشقيقاتها من دول الشرق الأوسط ومنها الدولة العراقية منذ صبيحة 14 تموز 1958م حيث قامت مجموعة من الضباط والجنود وأعداد من الدبابات والمدرعات في آخر الليل، بالاستحواذ على السلطة وإسقاط النظام الملكي الدستوري، في انقلاب أباد العائلة المالكة وألغى البرلمان وأوقف الدستور، وبشر الأهالي بيوم ومستقبل جديد على أنقاض حكم ( رجعي عميل متخلف ) كما تم توصيفه يومذاك، وبعيدا عن شخصنة الأمور، فان سكان العراق لم يتمتعوا بعد ذلك بيوم سعيد تحت سطوة الانقلابات التي أنتجت بحورا من الدماء والدموع والحروب، وآخرها مطحنة داعش والميليشيات.

- في تركيا ارث ثقيل من الانقلابات الحمقاء، حالها حال السودان والعراق واليمن وسوريا وإيران، وبقية دول التخلف السياسي في العالم من أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، والتي أضاعت شعوبها فرصا خيالية للتقدم والازدهار، لولا تلك المغامرات التي قادتها مجاميع انفعالية من العسكر والحرامية.

- في مصر ربما كان الانقلاب الأخير فيه بعض من دواء لمعالجة مرض اجتماعي وفكري حاول التسيد على السلطة، لكي يحيلها إلى منبر من منابر مساجد القرى وخطبائها، لكنه كان صيغة مقلوبة عما حصل في تركيا مؤخرا حيث اعتمد الانقلابين على عشرات الملايين من السكان الرافضين لحكم الإسلام السياسي.

- في إيران أيضا وقبل ما يقرب من أربعين عاما، ضرب الأهالي نمطا من الالتحام بالانقلاب الخميني لا مثيل له في الشرق قبل ذلك، إلا اللهم ما حصل في ثورة أكتوبر الشيوعية في روسيا، فقد اندفع سكان طهران وبقية المدن أمام دبابات الشاهنشاه  وعسكره، كما فعل الأتراك في انقلاب العسكر الأخير، وأحالوه إلى أضحوكة وربما إلى خاتمة لتلك الثقافة السلوكية اللصوصية المقيتة.

     لقد دفعت معظم شعوب آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا ثمنا باهظا لتلك الممارسات في اغتصاب السلطة، التي استغفلت الشعوب بشعارات غرائزية تداعب أوتار الطبقات الفقيرة والعامة من السكان، خاصة في بياناتها الأولى التي تبشر بغد جميل ومستقبل زاهر، بينما أنتجت على الأرض في العراق وسوريا واليمن ومصر وتركيا وايران والسلفادور وشيلي والعديد من أعضاء نادي دول التخلف الاجتماعي والسياسي في العالم، مشاهد مأساوية وحمامات دماء، ما تزال عالقة في ذاكرة  الشعوب.

     وبعيدا عن من يؤيد النظام السياسي الحالي في تركيا أو يعارضه، وهم كثر بطبيعة النظام الديمقراطي فيها، وإصرار رجال الدولة على إكمال تجربتهم الرائدة في بناء مجتمع مدني، رغم فشلها لحد الآن في حل مشكلة المكونات القومية التي تشكل واحدة من اخطر التحديات أمام تقدمها، إلا وهي القضية الكوردية والارمنية في تركيا، حيث لا تزال هذه الدولة ممنوعة من ولوج العالم المتحضر بسبب صيغة تعاملها مع القضيتين، ورغم ذلك فان أغلبية السكان الذين خرجوا لنصرة الديمقراطية ورفض الانقلاب كانوا من الكورد ومن الأرمن ومن بقية الأعراق في اسطنبول وأنقرة وبقية مدن أسيا الصغرى، وبالتأكيد جلهم من غير أعضاء حزب اردوغان، وهذا يعني إصرارهم على الخيار الديمقراطي وتمسكهم به مع وجود شوائب مقارنة بأي نظام انقلابي متهور.

     لم أكن أتمنى أن أرى الرعاع ثانية يستخدمون غرائزيتهم في الانتقام كما حصل في انقلاب تموز الأول في العراق، أو في مقتل القذافي في ليبيا، أو ما حصل في بقية دول التخلف السياسي الأخرى، كتلك المشاهد المؤذية التي رأيناها، وهي تجلد جنود الدولة التركية المأمورين بتنفيذ أوامر قادتهم اللصوص، وباستثناء تلك المشاهد فإننا حقيقة نرفع القبعة لشعوب الدولة التركية، التي كانت تسمى ( آسيا الصغرى ) بمختلف أعراقهم وأديانهم وتوجهاتهم السياسية، حيث شهدنا رفضهم لثقافة الانقلاب وإلغائه تماما من قاموس الحكم في هذه الدولة التي تعمل ليل نهار لتنافس شرقيا أنظمة أوربا المتمدنة حضاريا.

     وباستثناء احتمال الإفراط في الانتقام وتحويل الانتصار على الانقلابيين إلى تصفية الرأي الآخر تحت سقف مقاومة الانقلاب مما سيغير الخارطة برمتها، فان الأمور الآن تؤكد انهيار هيكل الانقلابيين، وعلى المؤسسات الدستورية والديمقراطية تعزيز النهج الإنساني المتحضر بالتعاطي مع تداعيات الانقلاب بعيدا عن ثقافة الانتقام والتصفية.

    فعلا كما قال سياسي كوردستاني إن أسوء نظام ديمقراطي أفضل من أي حكم دكتاتوري مهما كان، وقد أثبتت شعوب تركيا في ديار بكر واسطنبول وأنقرة وبقية المدن صحة هذا الخيار الشعبي المتمدن.

kmkinfo@gmail.com

 



87
دروس الفساد الأولى

كفاح محمود كريم


     لا ادعي بان العراق كان واحة للنزاهة حينما حول الأمريكان أنفسهم من فاتحين محررين إلى محتلين فاسدين في بلاد أدمنت التذابح والصراع حتى الموت كيماويا، أو القتل بالدفن للأحياء على أيدي معظم حكامها منذ أن سميت ببلاد العراك وحتى فتح الفلوجة واعتبار أهاليها جميعا نسوان للفاتحين!؟

     دخل الأمريكان وكان في مخيلة كل عراقي خارج دائرة سلطة صدام وطواقمه في المحافظات والبلدات والقرى، نموذج يختلف كليا عما عاشه مع الرفاق وقائدهم الضرورة، وكان يحلم وأنا منهم أيضا بالبدء في إنشاء شيء يقترب من جمهورية افلاطون ضمن خيالنا الذي ضغطته السنوات البائسة، مع حكم لا يعرف إلا لغة الإرهاب التي تترجمها اليوم داعش بكل تفاصيلها، حيث تكتنز ذاكرتنا جميعا سلوكيات أو تهديدات الرفاق ذوي العقيدة الوحدوية وشعار الأمة الواحدة، لمن يخالفهم أو يعارضهم أو يعاديهم بأنهم سيقطعونه إلى أربعة أجزاء أو أن يحرقونه أو يرموه من أعلى بناية أو يذيبونه في أحواض الاسيد، وكل ذلك فعلوه وتترجمه يوميا داعش البعث فكرا وسلوكا.

     في البدء وفي خضم الفرحة بسقوط تلك الأصنام وإزالة حاجز الرعب والإرهاب، لم يدرك الكثير بأن الجيش الذي تحول من محرر إلى محتل يضم الآلاف من اللصوص والقتلة، والذين لا يتوانون عن فعل أي شيء للحصول على الجنسية الأمريكية، التي اعتبرت لكثير من المجندين شرطا لتميزهم في القتال وتأدية الواجب، حينما دخلوا البلاد استقبلهم الكثير كونهم محررين حتى بانت عوراتهم وبالذات المؤسسة العسكرية وطاقمها المدني الذي كان يقوده السيد برايمر كبديل مؤقت لصدام حسين، والتي ساهمت مساهمة أساسية في تدمير البلاد وسرقة أموالها وتخريب مراكزها الحضارية ومتاحفها ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والثقافية.

     لقد وضعت تلك الطواقم التي كان يطلق عليها بالإدارة المدنية لقوات التحالف، أسس الفساد الأولى في البلاد على الطريقة الأمريكية، ودربت آلاف مؤلفة من سقط المتاع من مقاولي السلب والنهب والكثير من المترجمين الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى مقاولين كبار وأصحاب ملايين الدولارات، وبفترة زمنية قياسية لا مثيل لها، إضافة إلى العشرات من المشمولين برواتب الرعاية الاجتماعية في أوربا من الذين تحولوا بعد ساعات من إسقاط نظام البعث إلى ( رجال سياسة ومعارضين مكافحين ضد الدكتاتورية انطلاقا من أمستردام وفينا ولندن وواشنطون وبراغ وباريس وطهران وغيرها من قواعد النضال للعظم !) والذين تم تفعيلهم ودسهم في مفاصل النظام الجديد للدولة، حيث نحصد اليوم زرعهم البائس في عراق أمعنوا فيه ضربا ونهبا وسلبا وحرقا، حتى بات الأهالي يقارنون بين أمس صدام والبعث وكل جرائمهم ومآسيهم وبين فيضانات الفساد والدماء التي اغرقوا بها عراق اليوم.

     صحيح إن صدام حسين انفق مئات المليارات على حروبه العبثية وقصوره، التي لم تسجل باسمه بل باسم ديوان الرئاسة، إلا أننا لم نشهد لصوصا ومختلسين وفاسدين بهذا الكم الهائل الذي نشهده اليوم في الرئاسات الثلاث ومفاصلها، نزولا إلى مجالس المحافظات والاقضية وحكوماتها، حتى باتت المناصب جميعها وعلى مختلف مستوياتها محط للشبهات بل ومخلة بسمعة المواطن الشريف ومصداقيته ونظافة أمواله، حتى وصلت سمعتهم إلى انك لمجرد أن تقدم شخصا بأنه نائب برلماني أو وزير أو مكلف بمنصب رفيع في هذه الحكومة، حتى ترتسم صورة اللص والحرامي والمختلس والبلاف أمام أعين وأذهان الناس، إلا القلة القليلة التي لم تجرفها أمواج الفساد والإفساد لحصانتها الاجتماعية والتربوية.

     إن الأوضاع في البلاد تجاوزت مقولات الإصلاح والتظاهرات المهلهلة، وتقترب تدريجيا من عملية اكبر بكثير لكي تستقيم فيها الأمور.

kmkinfo@gmail.com





88
العراق وشماعة البعث وداعش

كفاح محمود كريم

     ما كدنا ننتهي من نظام صدام حسين وثقافة حزبه وأساليب أجهزته الأمنية في التسقيط والتشهير والفبركات التي يعلقونها على شماعاتهم البائرة، وهي مجموعة التهم السخيفة في العمالة للامبريالية والصهيونية لكل من يخالفهم في الفكر والرأي، والتي أضافوا لها بعد انقلابهم في تموز 1968م العمالة للمنشقين في سوريا وللفرس ( المجوس ) في ايران، ناهيك عما كانوا يسمونه بالجيب العميل توصيفا لواحدة من كبريات حركات التحرر الوطني في الشرق الأوسط والعالم إلا وهي الحركة التحررية الكوردستانية.

     قلنا ما كدنا نخلص من هؤلاء المرضى سياسيا ووطنيا حتى ابتليت البلاد بذات الفيروس والجرثوم الذي انتقل عبر جينات الثقافة البعثية والدكتاتورية إلى معظم مفاصل الطبقة السياسية العراقية والإدارية الجديدة التي ورثت نظام القائد الضرورة بشكل يتطابق تماما معه في السلوك والتصرفات مع اختلاف الأسماء والعناوين، فمنذ صدور قانون الاجتثاث سيئ الصيت الذي تسبب في تدمير البلاد وتمزيق نسيجها الاجتماعي والسياسي وحتى الأخلاقي، وهذه الفيروسات تفعل فعلتها في تسقيط الأشخاص تحت طائلة وشماعة البعث والنظام السابق، ومنذ سنتين شماعة داعش وما يترتب على تلك الاتهامات من عمليات تقتيل واستباحة وتعذيب وتدمير ممتلكات، كما حصل لأملاك البعثيين وبيوتهم وممتلكاتهم خارج القانون، ولما يحصل اليوم تحت شعار التعاون مع داعش من انتهاك فضيح لحرمات الأهالي وحقوق الإنسان.

     لقد أنست داعش أفعال البعثيين ومن ماثلهم في كل من سوريا وليبيا واليمن، وربما كان لأنظمة هذه البلدان اليد الطولى في تربية وإنتاج هذه الفيروسات الفاشية، ومن ثم نشرها في البيئات الجديدة التي ظهرت بعد انهيارها وسقوط هياكلها الإدارية، لكي تقنع الأهالي بأنها ارحم وأفضل مما يجدوه الآن، وفعلا نجحت تلك الماكينة الإعلامية والنفسية والفشل الذريع للأنظمة الجديدة التي ورثت أو قامت على أشلاء تلك الدكتاتوريات، أن تجعل أغلبية الناس تترحم على أيام صدام والقذافي وعلي عبد الله صالح والأسد، إلا أنها ابتليت بثقافة رهيبة ستأتي عليها تدميرا وتمزيقا بعد انتهاء حقبة داعش وتحرير الهياكل الكونكريتية للمدن والبلدات التي كانت تحتلها، حيث نجحت داعش في تمزيق أواصر المجتمعات والمكونات بشكل يصعب خلال المستقبل المنظور التعايش حتى بين أبناء نفس المكون، بسبب الاتهامات التي سيوجهها الجميع للجميع في غياب أي آلية ذات مصداقية مهنية ومحايدة ومتحضرة للقانون أو للجهات القانونية لملاحقة عشرات الآلاف أو ربما مئات الآلاف من الذين سيتم اتهامهم وتعليق تلك الاتهامات بشماعة داعش كما فعلوا في شماعات الانتماء للبعث والأنظمة السابقة في بقية البلدان، وراح ضحية ذلك الملايين من البشر بين مشبوه ومتهم ومبعد ومهمش ومحاصر في لقمة عيشه، مما ولد بيئات الفساد والتمزق وانتشار العنف والإرهاب وبالتالي فشل الدولة وإفلاسها.

     علينا أن ندرك إن أربعين عاما من حكم البعث أنتج الكثير من الظواهر التربوية والنفسية والسلوكية المنحرفة، لكننا وبقليل من الحكمة والإنصاف لا نستطيع أن نتهم ملايين من الذين كانوا ضمن صفوفه أو صفوف اللجان الشعبية للقذافي أو المؤتمر الشعبي لعلي عبد الله صالح ومثلهم في سوريا، بأنهم جميعا مجرمين ومشكوك في وطنيتهم بمجرد إنهم كانوا ينتمون لتلك الأحزاب والحركات التي تتحكم بأرزاقهم ومستقبلهم وكل تفاصيل حياتهم ولذلك انتموا إليها تحت سقف ( الستر على النفس ) كما يقول الدارج العراقي، وكما فعل مئات الألوف ممن لم يستطيعوا أن يتركوا مدنهم أو قراهم التي احتلتها داعش كما في الرقة والموصل والفلوجة.

     ولذلك ولأجل التوجه الجدي والحقيقي لبناء دولة متحضرة مدنية فنحن إزاء إعادة نظر كلية في توجهاتنا والعودة إلى دراسة الأسلوب الكوردي في التعامل مع أتباع نظام صدام والبعث وعملائه حتى أولئك الذين اسائوا إلى شعب كوردستان بعد انتصار انتفاضة ربيع 1991م، علينا فعلا أن نحطم تلك الشماعات التي نعلق عليها فشلنا وإفلاسنا، وبدلا من أن نذبح بعضنا من الوريد إلى الوريد تحت طائلة الاتهامات بعيدا عن آليات القانون والحضارة، وقبل أن نشيد بتجربة نيلسون مانديلا في تعامله مع النظام العنصري في بلاده، علينا أن نذهب إلى كوردستان وندرس تجربتهم في التسامح والتعايش والبناء وكيف نجحوا في الحفاظ على أقدس شيئين يمسان حياة ومستقبل وحيوية أي مجتمع في العالم، ألا وهما الأمن والسلم الاجتماعيين، اللذان بواسطتهما أثبتت قيادة كوردستان وشعبها الصمود أمام أشرس هجمة همجية يتعرض لها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وأمام اكبر عملية نزوح إليها دون أن ترتفع معدلات الجريمة عما كانت عليه سابقا.

    حقا إن تجربة كوردستان جديرة بالوقوف أمامها واعتمادها أساسا للتقدم إلى الأمام،  إن كنا فعلا نهدف إلى بناء دولة مدنية متحضرة ومجتمع أنساني خالي من العقد والاتهامات وشماعاتهم المهترئة.

kmkinfo@gmail.com



 

89
العراق بين الملك والرئيس وعلي الوردي!

كفاح محمود كريم

     بعد ما يقرب من قرن وبالضبط 95 سنة من تأسيس الدولة العراقية، لا يزال الحال الذي تحدث عنه مليك العراق الأول، ومفكره الكبير عالم الاجتماع علي الوردي وإجابات أحد رؤسائه، وما أنتجته حضارة هذا البلد اليوم في خارطة مغبرة ملونة بالدماء والإرهاب والفقر والضياع، فحينما نقرأ لعالم الاجتماع العراقي الكبير علي الوردي وهو يصف الشخصية العراقية بأنها:

    ( شخصية ازدواجية تحمل قيم متناقضة هي قيم البداوة وقيم الحضارة وأثبت أن لجغرافيا العراق أثر في تكوين الشخصية العراقية فهو بسبب وجود النهرين، بلد يسمح ببناء حضارة، ولكن قربه من الصحراء العربية جعل منه عرضة لهجرات كبيرة وكثيرة عبر التاريخ آخرها قبل 250 سنة تقريبا ).

     يصاب المرء بالذهول أو ربما يتهمه بالمبالغة والتعميم، خاصة وإذا ما استرسل في القراءة حتى يصل إلى توصيف لأدق مكنونات الشخصية العراقية نفسيا وسوسيولوجيا حيث يقول الوردي:

     ( أن شخصية الفرد العراقي تتسم بالازدواجية، فنجد أن العراقي المسلم هو من أشدّ الناس غضباً على من يفطر برمضان علنا ولكنه هو من أكثرهم إفطارا وأن العراقي، سامحه الله، أكثر من غيره هياماً بالمثل العليا ودعوة إليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في الوقت نفسه من أكثر الناس انحرافا عن هذه المثل في واقع حياته، وأنه أقل الناس تمسكا بالدين، وأكثرهم انغماسا في النزاع بين المذاهب الدينية، فتراه ملحدا من ناحية وطائفيا من ناحية أخرى ).

     وإذا ما عدنا إلى الأيام الأولى لمباشرة الملك فيصل الأول لمهامه على مملكة تأسست بتوجيه من بريطانيا وفرنسا، عقب اتفاقيتهما حول تقاسم ارث إمبراطورية آل عثمان عام 1916م، نراه متشائما ومحبطا إزاء العرش الذي منحه له البريطانيون على مكونات بشرية لم ترتق إلى مستوى شعب كما يقول:

     ( لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء ميالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت... ).

     وبعد ما يقرب من أربعين عاما على تصريح ملك البلاد العراقية الأول، ومحاولات كثيرة لإرساء مفهوم للمواطنة يجمع كل تلك المكونات تحت سقف هذا الكيان، دخل العراق في دهاليز الدكتاتورية والتناحر الدموي بين فعالياته السياسية ومكوناته بعد انقلاب 1958م وما تلاه من عمليات سرقة بالقوة للنظام السياسي الذي شرعن أولى قوانينه حزب البعث والحرس القومي.

     لقد كانت واجهة البعثيين بعد انقلابهم على الزعيم قاسم، رفيقه وكاتم أسراره عبد السلام عارف، الذي عبر بدقة عن الانتهازية السياسية وهو أمام جمال عبد الناصر في القاهرة حينما سأله عن حجم وعدد الشيوعيين في العراق ؟
فأجاب 8 ملايين شيوعي!
تعجب عبد الناصر وقال له إذن كم هو عدد القوميين ؟ فأجابه ( الرئيس المؤمن ) وهكذا كانوا يسمونه في حينها:
8 ملايين قومي، وما عدد الإسلاميين: فقال 8 ملايين أسلامي!؟
غضب عبد الناصر وألقى القلم وقال: أي ده يا ريس أمال عدد العراقيين كلهم كام؟ أجابه عارف ضاحكا:


( 8 ملايين يا فخامة الرئيس، بس العراقيين تريدهم شيوعيين يصيرون وتريدهم قوميين يصيرون، وتريدهم رجعيين يصيرون، وتريدهم إسلاميين يصيرون، العراقي كل شيْ: عالم دين, عسكري, سياسي, اقتصادي, علماني. ملحد، كل شيْ يفهم... !)

     وبعد سنين سود وثقيلة أزاح الأمريكان وحلفاؤهم النظام الذي تحجج العراقيون بأنه كاتم أنفاسهم ومشوه هوياتهم ومدمر بلادهم وعائق تطورهم وحضارتهم!


     فماذا حصل إذن لشعب يشبه الطماطة في وظيفته، منذ 2003 وحتى يومنا هذا ومن الموصل إلى البصرة؟

     اترك الإجابة لأكثر من سبعة ملايين نازح في الداخل والخارج، وللفقراء من بغداد إلى البصرة، ضحايا المفخخات والفساد، لأنهم يشكلون أغلبية السكان!

kmkinfo@gmail.com


90
المنبر الحر / سياحة إستراتيجية!
« في: 13:13 18/06/2016  »
سياحة إستراتيجية!

كفاح محمود كريم

     واحدة من تجليات رجال السلطة في العراق بعد إسقاط نظام البعث، هي ترويج أنماط ومفاهيم جديدة للسياحة بعيدا عن مفهومها السابق، حيث إن النظام السياسي العراقي الجديد يرفض فكرة السياحة أساسا، لأنه ببساطة نجح في تعطيل دوام الدولة برمتها لما يقرب من نصف أيام السنة، تحت مختلف التسميات والمناسبات، وابتكر نوعا آخرا من السياحة غير الدينية التي تميز فيها، إلا وهي السياحة  السياسية والثقافية والفكرية، من خلال عقد مؤتمرات وندوات وزيارات وفود وورش تدريب، ينفذها متخصصون مخضرمون، خاصة وان معظمهم بعيدون عن السياسة والثقافة والفكر، وتميزوا تاريخيا باستثمار أموالهم على مختلف المسارح والحبال، وبالتأكيد جلهم من خريجي مدرسة اللف والبلف والدوران والسحت الحرام في عهد النظام السابق، ومن شركاء نجل الرئيس صدام حسين وصهره حسين كامل وشلتهم، فهم متخصصين في تبييض الأموال ( على شاكلة مبيضي الأواني النحاسية أيام زمان ) ومن أصحاب الدكاكين الإعلامية وأحزاب الزينة التي أنتجتها حقبة برايمر والسفارة الأمريكية، والأغرب إن العديد منهم ما يزال رغم كل أمواله وامتيازاته وبلفه يتلقى رواتب الرعاية الاجتماعية في بعض دول اوربا التي يحمل جنسيتها جنبا إلى جنب مع جنسية العراق العظيم جدا!

     هؤلاء ( الحبابين ) ينتشرون في العواصم القريبة ذات الظلال الناعمة والليالي الخلابة في بيروت وعمان واستانبول ودبي وأخيرا في باريس التي فشل رئيسها فرانسوا هولاند في احتضان أتباع الرئيس صدام حسين الصديق الصدوق للرئيس جاك شيراك، وربما استبدلهم بسياح آخرين يمارسون نوعا من السياحة السياسية ( برؤوس العراقيين )، ناهيك عن مئات المؤتمرات السياحية الثقافية والفكرية التي تقيمها دكاكين منظمات المجتمع المدني أو مراكز الدراسات والبحوث الديمقراطية، التي انتشرت بعيد سقوط أنظمة الحزب الواحد والزعماء الاوحدين واستبدالهم بتنظيم الدولة الإسلامية الديمقراطية للعظم، أو بأحزاب تقلد تقليدا أعمى كل ممارسات البعثيين وقائدهم الفذ أو المؤتمرات الشعبية وقائدها زعيم الثورة العالمي وملك ملوك أفريقيا معمر القذافي ومن ماثلهم من الخلفاء العظماء أو مختارين العصر الحديث.

     ولا عجب فقد أصبح للسياحة أشكالا وأنماطا غير التي في أذهاننا، حيث السياحة العلاجية التي تستقبل (المريض وخاصة مرضى البواسير والضعف الجنسي وتشوهات الأسنان والوجه) من باب الطائرة إلى المستشفى الفندقية ذات الخمسة نجوم، بشرط أن يكون الشخص متمتعا بصحة حصانية جيدة وأموالا مكدسة لا يعرف أين يصرفها، وأخرى سياسية أو ثقافية أو إستراتيجية على شاكلة المحلل الاستراتيجي أو الخبير الاستراتيجي التي انتشرت هذه الأيام في الفضائيات العربية، وثالثة تلك التي تقوم بها وفود الحكومة أو البرلمان بزيارات جدا رسمية وتتضمن برامج وفقرات ليس فيها واحدة تهم البلاد!.

     والغريب إن معظم هذه المؤتمرات والزيارات والاستراتيجيات تقام في عواصم الأنس والفرفشة، لكي يمنح الإستراتيجيون فاصلا للاستراحة والمتعة وإعادة النشاط الاستراتيجي للسياحة الفكرية والسياسية وذلك لإنقاذ شعوب الربيع العربي المغمس بالدماء والجوع والهجرة إلى المجهول!

     لا غرابة فنحن ننتمي إلى موطن شهريار وشهرزاد والأمل الذي يغتال في كل صباح!


kmkinfo@gmail.com


91
المنبر الحر / حاميها حراميها
« في: 18:49 09/06/2016  »
" حاميها حراميها "

كفاح محمود كريم

     حاميها حراميها من أجمل الأمثال الدارجة عراقيا وربما في بقية الدول العربية والتي تعبر بدقة عن هوية معظم حكام هذه المنطقة من العالم على مختلف مستوياتهم التنفيذية والتشريعية والقضائية، خاصة وان معظمهم أعضاء متميزين في نادي افشل دول العالم، الذي صنفته مؤسسة الشفافية الدولية ومنظمات مراقبة عالمية أخرى، حاميها حراميا مثل متداول بين معظم شرائح المجتمعات العراقية والعربية وهو الأكثر شفافية في التعبير عن نبض الشارع، وعن رأي وتقييم الأهالي لحكامهم على مختلف مستويات الحكم والإدارة، ليس هنا في العراق فحسب بل في كل دول العالم الثالث وفي مقدمتهم دولنا الشرق أوسطية والإسلامية عموما، وهو لا يعبر بالضرورة عن الحالة الآن، بل يمتد في تعبيره وتوصيفه للحكام ( حاميها ) لعقود طويلة من تاريخ شعوب هذه المنطقة وأنظمتها السياسية، والدليل على ذلك ما نشهده اليوم، كناتج لعشرات السنين من إدارة هذه الأنظمة، فبينما تحولت الصين وكوريا واليابان إلى عمالقة الصناعة والتجارة والحداثة والتطور، تدهورت معظم دولنا ولم تتقدم إلا أمتار بائسة إلى الأمام!
 
     في الأسابيع الأخيرة ( طافت الخوقة ) كما يقول الدارج الموصلي والذي يعني بان الفضيحة بانت وانكشفت، فقد اندفع عدة مئات من المواطنين المخلصين إلى الساحات العامة للتظاهر ضد المفسدين، وسرعان ما استدركت مؤسسات الفساد في البلاد خاصة تلك التي تنضوي تحت قبة البرلمان والحكومة، وأرسلت آلاف من أعضائها المستفيدين للمشاركة في التظاهر، بل أنها اغتالت مع سبق الإصرار والترصد واحدة من وسائل التعبير عن الرأي في التظاهر والاعتصام، واخترقت مباني البرلمان والحكومة تحت مسميات وشعارات لا تختلف عن تلك التي رفعها البعثيون أمام وزارة الدفاع العراقية صبيحة إسقاط عبد الكريم قاسم، وذلك لتشويه حركة الأهالي في الضغط على الحكومة والبرلمان لإحداث تغييرات جدية في العملية السياسية والبدء بإصلاحات حقيقية لمكافحة الفساد، ولتحويل وسيلة راقية من وسائل التعبير عن الرأي والاحتجاج، إلى ما تكلس في ذاكرة العراقيين أيام الانسحاب من الكويت وانتفاضة الأهالي، ونجاح نظام صدام حسين بدس المئات من عناصر الأجهزة الخاصة لتقوم بعمليات السلب والنهب والحرق والتخريب لتشويه انتفاضة الشعب ضد نظام حكمه، وكما فعلت تنظيماته وقيادات حزبه وعناصر أجهزته الخاصة بعمليات الحواسم التي نقلتها كاميرات الإعلام العالمي، لتشويه واحدة من أهم عمليات التغيير العالمية لأنظمة الحكم الشمولية، طبعا بمساعدة أغبياء في العسكريتارية الأمريكية.

     اليوم تتكرر ذات السلوكيات في سرقة دور الأهالي في الانتفاض أو الاعتراض ويتحول السراق والحرامية إلى منتفضين ومعارضين يتم توجيههم من أحزاب حكمت البلاد منذ 2005 وأوصلتها اليوم إلى افشل دول العالم سياسيا واقتصاديا، وأثبتت أنها لا تمتلك رجال دولة بل رجال سلطة وسراق مال عام، والدليل مقارنة بسيطة مع ما ورد للعراق من أموال منذ 2005 ولحد يومنا هذا والتي تقدر بأكثر من ألف مليار دولار، مع ما تم انجازه خلال هذه السنوات، سندرك هول الفاجعة بل الكارثة التي أحدثتها طبقة الحكم في هذه البلاد.

     إن الشق اكبر بكثير من الرقع البالية التي يقدمها خياطو المنطقة الخضراء، لسبب بسيط، هو إن حاميها هو ذاته حراميها!

kmkinfo@gmail.com


92
فرهود التعبير عن الرأي

كفاح محمود كريم

     منذ سنوات طويلة وبعد أكثر من ربع قرن من وضع أسس نظام ديمقراطي برلماني في العراق بعد قيام المملكة العراقية مطلع عشرينات القرن الماضي، عَبر آلاف العراقيون في العاصمة بغداد ومعظم محافظات المملكة من الموصل إلى البصرة عن آرائهم بالعراقيين اليهود، فابتكروا تلك الثقافة التي أطلق عليها ( الفرهود ) والتي أباحت سلب ونهب وقتل كل يهودي عراقي بعد آلاف السنين من العيش المشترك مع المسلمين والمسيحيين والايزيديين والصابئة المندائيين، في واحدة من أبشع صور الغوغاء وإلا آدمية!

     وبعدها بسنوات ليست طويلة وتحديدا في انقلاب 1958 م تكررت ذات المشاهد في عمليات تصفية العائلة المالكة وسلب ونهب ممتلكاتهم، ولم تمض سنوات أخرى حتى قدم البعثيون في صبيحة 8 شباط 1968م وهم يتغطون بشعارات ( ماكو زعيم إلا كريم ) لكي تبدأ اكبر عملية إبادة في تاريخ المنطقة لتدمير شعوب وحواضر العراق تحت بوابات شعارهم المقدس ( امة عربية واحدة ذات رسالة خالدة )، وكأن التاريخ يعيد نفسه كل حقبة منذ أن فتكوا بإمام الثورات الحسين بن علي بن أبي طالب وأبناء أسرته.

     آلاف مؤلفة من الضحايا الذين قتلوا شنقا أو رميا بالرصاص أو سحلا حتى الموت، لم ترو ظمأ بعثيوا شباط بعد صولتهم الأولى، فاتوا كغزاة البدو في تموز 1968 ليحرقوا الأخضر واليابس وليؤسسوا لدولة الإرهاب الأولى في الشرق الأوسط التي مازلنا نجني ثمارها العلقم المغمس بالدم والخراب الذي اجتاح معظم مدن العراق وآخرها الموصل والانبار وسنجار وبقية حواضر بلاد ما بين النهرين.

     ما يحصل اليوم في العاصمة بغداد وعواصم الربيع الأحمر في اليمن وسوريا وليبيا، لا علاقة له بتنظيم الدولة الإسلامية أو القاعدة أو غيرها من التسميات والعناوين، بل هو تراكم هائل من ثقافة البداوة الاجتماعية والسياسية والدينية التي لا تقبل الآخر إلا عبدا ذليلا أو سبية تباع وتشترى في أسواق النخاسة النسائية أو السياسية، وهي بالتالي تكلس مريع من العادات والسلوكيات في كل مفاصل المجتمع وشرائحه، تنعكس على شكل ممارسات نشهدها يوميا في تفاصيل حياتنا وبمستويات مختلفة يحكمها الخوف تارة والحاجة تارة أخرى، وفي كل الحالات فهي بركان قابل للانفجار في أي لحظة أو حقبة، وها هي اليوم تثور في مدن الشام والعراق واليمن وليبيا وغدا في مدن أخرى تنتظر نضوج براكينها هي الأخرى؟

     لا مناص من إعادة النظر جذريا بأسلوب الحياة وبرامج ونظريات التربية والتعليم، والفصل الكلي للدين عن السياسة والحكم، وبلورة مفهوم رفيع للمواطنة على أساس العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لإقامة نظام مدني عابر للقوميات والأعراق والأديان والمذاهب بقوانين وتشريعات صارمة، وإلا ستبقى مجتمعاتنا مصانع لتنظيمات الإرهاب وثقافة الإبادة لكل من يخالف الآخر في الفكر والرأي، وسيمكث الفرهود سلوكا وممارسة حتى وان اختلفت الأساليب والعناوين!

kmkinfo@gmail.com


93
المنبر الحر / مشكلتكم البارزاني!
« في: 18:23 30/05/2016  »
مشكلتكم البارزاني!

كفاح محمود كريم

     كنا قد كتبنا في مناسبة أخرى مقالا تحت عنوان " ما مشكلتهم مع كوردستان "*، وقد كاتبني الكثير ممن يسألون عن أصل المشكلة هل هو فكرة الاستقلال أم الرئيس مسعود بارزاني؟

     والحقيقة هي الاثنان معا، وربما يركزون جام غضبهم وحقدهم على البارزاني اكثر لأنه فعلا هو قائد مشروع الاستقلال الذي يعبر عنه بصراحة وشفافية وجرأة خالية من أي إكسسوارات دبلوماسية، فهو يعبر عن فكرته ومشروعه كبيشمركة لا يقبل القسمة الا على نفسه لتكون النتيجة نفسه أيضا، ومن يتابع أحاديثه ولقاءاته المتلفزة يدرك حقيقة صدق وصراحة هذا الرجل بعيدا عن الفذلكات اللغوية أو المتاهات الدبلوماسية، فهو يتميز بوضع النقاط على الحروف وإعطاء الأشياء والأحداث والمواضيع عناوينها الحقيقية دونما رتوش ومجاملات، ولا يختلف اثنان من قادة العراق والعالم الذين عرفوه على صدقه وصراحته وشفافيته، وهنا تكمن مشكلته مع الأصدقاء والأعداء والمنافسين.

     منذ البداية قاد الملا مصطفى البارزاني هذا المشروع، وجمع حوله كل المختلفين والمتفقين في غاية واحدة هي تحقيق الاستقلال، لكنه أيضا لم يتخط واقعيته المشهودة، فلم يقدم مشروعه دفعة واحدة لكنه احترم ظروف شعبه والمنطقة التي تعيش فيها كوردستان وشركاؤهم في الأرض من عرب العراق، فكان شعار مشروعه في البدء الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان، وهو يؤمن تماما لو أن العراقيين طبقوا النظام الديمقراطي بشفافية فان استقلاله سيكون أكثر سلاسة كما يفعل البارزاني الرئيس اليوم، حيث يؤكد دوما على التحاور مع الشركاء بشكل سلمي متحضر وبأساليب وأدوات ديمقراطية هي التي ستعتمد أساسا في تحقيق الغاية التي ينشدها شعب كوردستان العراق الذي يتجاوز تعداد الستة ملايين نسمة تربطهم جميعا روابط مشتركة في الأرض واللغة والثقافة والعادات والتقاليد والاهم أنهم جميعا وان اختلفوا في كل الأمور لكنهم يتوحدون تحت راية واحدة وهدف اسمي هو الاستقلال وتأسيس دولتهم بعد أن نجحوا في بناء تجربتهم الفيدرالية منذ 1991م وحتى سقوط نظام صدام حسين، وفشلت بغداد في إيجاد صيغة علاقة تضمن حقوقهم كاملة طيلة ما يقرب من مائة عام!

     ولذلك نرى بشكل إجمالي معظم الذين يقفون بالضد من تحقيق هذا الهدف إنما يتناولون شخص السيد مسعود بارزاني والعمل بشكل مستمر على إعاقة مشروعه لتحقيق المرحلة الأولى وهي الاستفتاء، وما هجمة داعش الشرسة إلا صفحة من صفحات معاداة هذا الهدف وما ترتب عليها من استنزاف موارد الإقليم التي كانت قد خصصت لعملية التنمية الكبيرة التي شملت كل مناحي الحياة في الإقليم، وفي نفس السياق فرضت حكومة نوري المالي حصارا ظالما على الإقليم، تضمن حرمانه من كل مستحقاته كشريك أساسي في الدولة العراقية حسبما اتفق عليه في الدستور الأخير، إلا أنهم وأمام إصرار البارزاني على تطوير تجربة الإقليم في مزيد من الاستقلال عملوا بشكل مكثف على مد أصابعهم إلى الداخل الكوردستاني للضغط مباشرة وإرباك القيادة السياسية في الإقليم وتأخيرها من المضي في تنفيذ مشروعها الحضاري.

     إن البارزاني ينطلق من تراكم أهداف ومشاعر شعبية ووطنية شفافة لا تقبل المزايدات، فهي تمثل أساس قيام حركة التحرر الوطنية الكوردستانية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، التي عملت لعقود طويلة من اجل تحقيق الاستقلال عبر مراحل، رفعت فيها شعارات تواكب حركة تطور الوعي السياسي للأهالي في كوردستان ولمن يحكم في بغداد، وكانت الخطوة التاريخية الأولى هي اتفاقية آذار 1970م مع نظام الرئيس احمد حسن البكر، التي اعترفت لأول مرة بحق شعب كوردستان بالحكم الذاتي.

     ورغم فشل تطبيق تلك الاتفاقية لأسباب كثيرة في مقدمتها؛ إن مراكز قوى مهمة في بغداد آنذاك كانت تعتبر الاتفاقية تكتيكا لاحتواء الحركة التحررية الكوردستانية، إلا إنها كانت منطلقا لاستمرار الحركة في العمل الدءوب على الأرض وفي المحافل العالمية حتى نجحت في انتفاضة ربيع 1991م في تحقيق الاستقلال الذاتي وبحماية الأمم المتحدة والتحالف الدولي آنذاك.
     واليوم وبعد إسقاط نظام صدام حسين في نيسان 2003 عمل مسعود بارزاني ورفاقه من القيادات الكوردستانية الأخرى على إرساء نظام ديمقراطي تعددي اتحادي يضمن للجميع حقوقهم بدستور جديد يعتبر كما اتفق عليه غالبية العراقيين ضامن لحقوق كل المكونات، لكن السنوات التي تلت تشريع هذا الدستور والممارسات العملية على الأرض أثبتت إن مبدأ المشاركة غير موجود أساسا في ثقافة الحاكمين الجدد، بل إنهم غير معنيين أو مهتمين بما يريده شركاؤهم في الأرض والدولة، ولذلك تراهم في تقاطع مع من يعطي الأشياء مسمياتها الحقيقية وعناوينها الرئيسية وهو مسعود بارزاني الذي يستهدفونه أولا في حربهم ضد حق تقرير مصير شعب كوردستان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* http://elaph.com/Web/opinion/2015/11/1059222.html

kmkinfo@gmail.com

94
البيشمركة والمؤسسة العسكرية العراقية

كفاح محمود كريم


    منذ أن فرضت الحرب على شعب كوردستان بسبب مطالبته بحقوقه المشروعة في العيش الحر على أرضه وممارسة حقه في تقرير مصيره، وهو يواجه أشكالا مختلفة من المؤسسات العسكرية وشبه العسكرية التي تتفنن في محاربته، حيث مارست كل الأنظمة اساليبا وحشية في محاربة ثوار الشعب الكوردستاني المعروفين بالبيشمركة، وهو مصطلح كوردي يعني أولئك الرجال والنساء الذين يستبقون الموت في تحقيق أهدافهم أثناء الحروب، فقد استخدمت الحكومات العراقية منذ قيام المملكة في مطلع عشرينات القرن الماضي بعد اتفاقية سايكس بيكو، أشكالا وأنماطا متنوعة من المؤسسات شبه العسكرية في محاربة البيشمركة، إضافة إلى الجيش وكافة صنوفه بما في ذلك الصنف الكيماوي، الذي استخدم بكثافة في منطقة حلبجة وكرميان وبادينان في أواخر الثمانينات، بعد أن فشلت قنابل النابالم التي استخدمت هي الأخرى قبل ذلك بعشرين عاما، ومعظم هذه التشكيلات شبه العسكرية تم تنظيمها كميليشيا من المرتزقة العاطلين عن العمل أو من خلال شيوخ وأغوات العشائر الذين عرفوا في المنطقة بال ( الجحوش ) حيث جندت الحكومات افواجا اسمتها بالأفواج الخفيفة ( فرسان صلاح الدين الأيوبي ) و ( سرايا أبو فراس الحمداني ).
 
     وقبل ذلك وحينما انقلب البعثيون على عبد الكريم قاسم، أسسوا ميليشيا أطلقوا عليها أسم الحرس القومي، وكانت مسؤوليتها تصفية كل المعارضين لهم من تقدميين وديمقراطيين عراقيين وكوردستانيين وذلك من خلال عمليات الاغتيال التي شملت الاف من خيرة الكوادر في بغداد وكوردستان، ثم تلا ذلك وبعد انقلابهم على الرئيس عبدالرحمن عارف في 17 تموز 1968م أن استخدموا الجيش بقساوة لإحراق كوردستان بالنابالم وبراميل البنزين والديناميت، حتى أسسوا ميليشيا الجيش الشعبي التي فتكت بكوردستان ونفذت عمليات التهجير القسري للسكان الكورد الى جنوب وغرب العراق، ومارست أبشع أنواع القتل والتعذيب والارهاب والسلب والنهب بحق الاهالي، يدا بيد مع ما كان يسمى بالأفواج الخفيفة، حتى بلغ عدد القرى التي تم تدميرها بالكامل اكثر من 4500 قرية بما تحويه من مزارع وبساتين ومساجد وكنائس ومدارس ومراكز صحية، وتهجير سكانها الى صحراوات العراق الجنوبية، ومن ثم ابادتهم ودفن الكثير منهم وهم احياء، حيث بلغت اعدادهم اكثر من 82 الف نسمة من النساء والاطفال والشيوخ، في واحدة من ابشع عمليات الابادة الجماعية بعد الحرب العالمية الثانية.
 
     ويتذكر الجنود العراقيون وحتى عناصر تلك الميليشيات التي كانت تقاتل اما امام الوحدات العسكرية او تأتي لتمسك الارض بعدها، ماذا كانوا يفعلون بالأهالي، وكيف كانت تتعامل معهم قوات البيشمركة حينما يقعون جرحى أو أسرى بأيديهم، وكيف يتخلى البيشمركة عن حصته في المأكل والمشرب والأغطية لصالح الأسير أو الجريح، بينما كانت أجهزة الاستخبارات العسكرية والأمن العسكري يتفننون بتعذيب الأسرى والجرحى حتى الموت أمام الأهالي في مراكز القرى أو البلدات أو المدن.
 
     وحينما تعرضت كوردستان إلى اخطر هجمة إرهابية من قبل ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أثبتت هذه القوات المسلحة جدارتها وبسالتها في القتال، واحترامها لقوانين الحرب والتعامل مع أسرى وجرحى العدو، وحققت انتصارات أبهرت الرأي العام العالمي بما جعل من مصطلح البيشمركة مصطلحا عالميا متداولا يرمز للبسالة ولانتصار المدنية والحضارة على التخلف والإرهاب، حتى إنها وصفت بالقوة التي تقاتل بدلا عن العالم المتحضر ضد الهمجية والتخلف، رغم أنها أي هذه القوات لا تمتلك أسلحة نوعية متطورة في قتالها، وما تزال تعاني من حصار الذين يقودون المؤسسة العسكرية والأمنية في البلاد سواء في التسليح أو التدريب أو الرواتب والمخصصات.


95

كوردستان والاستفتاء!

كفاح محمود كريم

     في الأمس غير البعيد ذهب الملايين من الرجال والنساء الاسكتلنديين ليقرروا مصيرهم في الاستقلال أو البقاء ضمن جسد المملكة المتحدة العظمى، واسكتلندا مقاطعة تتمتع بالفيدرالية وكانت قد انضمت إلى المملكة المتحدة قبل أكثر من ثلاثمائة عام وليس قبل مائة عام، مثلما أدغمت كوردستان إثر توقيع اتفاقية سايكس بيكو في أربع كيانات، لم يستفتَ سكانها أصلا على القبول بتلك العملية، التي تعتبر من اكبر عمليات النصب والاحتيال واستغفال الشعوب، بينما مقاطعة لا يتجاوز عدد نفوسها خمسة ملايين نسمة تختار الاستفتاء وتذهب إليه دون أن تتهم يوما ما بأنها مست السيادة المقدسة وإنها عميلة للاستعمار والصهيونية بسبب خياراتها في الاستقلال أو ممارستها لحق تقرير المصير، كما يفعل المتوحشون البدائيون هنا في عالمنا الشرقي المريض، حيث ما يزيد على أربعين مليونا من الكورد يعيشون في وطن ممزق لأربعة أجزاء، قسمتها الدول الاستعمارية في حينها وأدغمتها في كل من العراق وإيران وتركيا وسوريا، وحينما يفكر أي جزء منها بحق تقرير المصير تقوم الدنيا ولا تقعد، كما فعلت غالبية وسائل الإعلام العربية والإقليمية وحتى العالمية حينما صرح الرئيس مسعود بارزاني رئيس إقليم كوردستان العراق قبل عدة سنوات بأنه آن الأوان لكي يذهب شعب كوردستان إلى الاستفتاء حول مصيره، بعد أن فشلت كل محاولات القيادات الكوردستانية في إيجاد صيغة للحياة المشتركة في كيان واحد.

    إن حق تقرير المصير حق أنساني نبيل قبل أن يكون مواثيق وعهود، فقد تبنتها الأممية الثانية عام 1896م، وأكد عليها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في إعلان مبادئه الأربعة عشر بتاريخ الثامن من أكتوبر لعام 1918م، وقد أعلن يومها بأن الولايات المتحدة دخلت الحرب دفاعا عن الحرية والتطوّر الحر للشعوب وعدم إرغام أي شعب للعيش تحت سيادة لا يرغب فيها، كما إن حق تقرير المصير جاء في صلب اتفاقية فرساي 1919م التي وُقعت بعد خسارة المانيا والنمسا الحرب حيث تنازلت الدولتان عن الأراضي الملحقة بهما، وسمح  بالإعلان عن دول قومية جديدة في أوروبا، وورد نص واضح في هذا الشأن عام 1960 بقرار من الجمعية العمومية للأمم المتحدة حول منح الاستقلال للأمم والشعوب المستعمرة، إضافة إلى ذلك كله  كان إعلان الأمم المتحدة عن مبادئ القانون الدولي في عام 1970م بشأن العلاقات الودية والتعاون بين الدول حسب ميثاق الأمم المتحدة، ووضحت فيما بعد محكمة العدل الدولية في قرارها الاستشاري المعلن في عام 2010م: أن إعلان الاستقلال من طرف واحد لا يتناقض مع القانون الدولي.

     ويذكر العراقيون كيف تخلى الكوردستانيون عن استقلالهم الذاتي منذ انتفاضة آذار 1991م والتحقوا بركب وحدة العراق لبناء تجربة جديدة على أنقاض تجربة فاشلة لما يقرب من قرن من الزمان، يشترك فيها الكورد والعرب في بناء دولة اتحادية تعددية ديمقراطية لا تشوبها ثقافة إلغاء الآخر أو إقصائه أو محاولة احتوائه، لكن ما حدث بعد توقيع تلك العهود والمواثيق وفي قمتها الدستور الدائم، بدأت بغداد لعبة لا تختلف عما كانت تلعبه تحت ظل أنظمة سبقتها في التعاطي مع الشريك الأساسي، وتمخضت خلال سنوات قلائل عن نهج عدواني تجلى في محاولة إخضاع الإقليم لسطوة الحاكمين في بغداد بوسائل اقتصادية تؤدي ذات الغرض الذي توخته قيادة البعث ومن سبقها في حرق كوردستان وإبادة شعبها، حيث تم إيقاف حصة الإقليم من الموازنة السنوية بحجج واهية وتفسيرات مضللة للدستور وللرأي العام مع إيقاف صرف رواتب مئات الآلاف من الموظفين العموميين والعسكريين في الإقليم، بل والذهاب ابعد من ذلك في تسهيل احتلال الموصل وبلداتها من قبل داعش الإرهابية وتهديد وجود الإقليم وحياة سكانه وإدخاله في حرب ضروس مع ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية الذي اعتمد في قياداته الفكرية والميدانية على خيرة ضباط وقيادات البعث الذي حاول تحطيم كوردستان فتحطم على صخرة صمود شعبها.


     
     واليوم وتحت يافطات مثيرة وشعارات مخدرة تتعلق بأوتار شعبية متعبة بسبب فشل القيادات السياسية العراقية منذ 2003 ولحد الآن، فقد بدأت مجاميع ممن يشنون حملات الكراهية والأحقاد ضد الإقليم شعبا وقيادة وتطلعا، عملية انقلاب واضحة المعالم على الدستور، وبمطالب مغلفة لتعديل مسار العملية السياسية، وإبعاد ممثلي المكونات والشركاء الحقيقيين، والإتيان بقرقوزات على شاكلة أكراد البعث والأحزاب المصنعة في دهاليز أجهزة الأمن، ليجلسوا في مقاعدهم البرلمانية أو الحكومية في عملية يراد منها منع الإقليم وإيقاف تطوره وازدهاره من خلال إذلال شعبه وتفقيره، وزرع الفتن والاضطرابات في جدرانه الداخلية.، وإزاء ذلك فلا مناص من الذهاب إلى خيار آخر لتعديل صيغة العلاقة مع بغداد، بعد أن فشلت كل الصيغ السابقة، وأصبحت كاهلا ثقيلا ومبطئا للتقدم والاستقرار لدى الطرفين، والعودة إلى الشارع لاستفتاء الأهالي في كوردستان ومناطق المادة 140على شكل العلاقة مع بغداد، وتقرير مصيرهم بشكل ديمقراطي يقوم أساسا على مبدأ الحوار والتفاهم ولمصلحة الشعبين ومستقبليهما بعد فشل كل صيغ العلاقة بينهما طيلة ما يقرب من قرن من الزمان.

kmkinfo@gmail.com



96
طفيليات دبلوماسية!؟

كفاح محمود كريم

     قبل سقوط هيكل نظام صدام حسين وبعثه المهترئ، كان معظم ممثلو العراق في دول العالم من السفراء، إما عملاء للمخابرات العراقية أو من كوادرها، رغم وجود قلة من الدبلوماسيين الحقيقيين الذين اضطر الكثير منهم للمراءات وتمشية الأمور مع نظام يقتل معارضيه بالأسلحة الكيماوية أو قطع الرؤوس أو رميه لكلاب متوحشة جائعة لمجرد الاختلاف معه فكريا أو سياسيا، وبعد أن نجح الأمريكان وحلفائهم في إزالة الهيكل الإداري لذلك النظام واستبداله بما نراه اليوم قبل أكثر من عشر سنوات، فان من يمثل العراق في سفاراته وقنصلياته ولا أريد أن أعمم أيضا، لكنني لن أكون ظالما إذا زعمت إن جلهم أو غالبيتهم ليسوا وكلاء للمخابرات الوطنية بل وكلاء لمعالي الوزير أو عشيرته أو رئيس كتلة أو حزب أو متنفذ، وهم في جلهم من أشباه الأميين في العلاقات الدبلوماسية، وفي مواصفاتهم المعلوماتية لا يتعدون سواق التاكسيات، أو من عامة الأهالي ومن أشباه عريسي الغفلة.

     ولا اظلم أحدا منهم؛ وأدعو قرائي ممن يراجعون سفاراتنا، أو ممن يعرفونهم عن قرب واقصد شخصيات أولئك المكلفين بتمثيل وزارة الخارجية تحت مسمى سفير فما دون حتى الطباخ، وسيدركون بعد ( صفنة ) غير طويلة بأننا لم نظلمهم، وقد عرفت الكثير منهم قبل إسقاط هيكل نظام صدام والبعث، فلم يكن أفضلهم أحسن من أي عضو من أعضاء مجلس النواب ( الفلته ) الذي يتداول حكم البلاد منذ انتخابات 2005م وحتى يومنا هذا، وبفضل عمل ونشاط وفعاليات أعضائه، أصبح العراق من افشل وأفقر دول العالم، بل وقد خسر سمعته ومصداقيته، ولم يعد الجواز العراقي بفضل نضالات سفرائنا وقنصلياتنا في الخارج أثمن من قيمة الدينار العراقي في أسواق الصرف مقارنة مع أي عملة مثيرة للسخرية في العالم، ليس هذا فقط فقد أنجزت ممثلياتنا وطورت علاقات غير مشبوهة مع كثير من شرائح المجتمعات الليلية في العواصم الساخنة والحمراء وهيأتها لاستقبال من عينهم أو رشحهم لإشغال تمثيل شعوب العراق ودولتهم ( العجب ) في العالم.
     وبحمد الله والشكر للقادة العظام في الطبقة السياسية العراقية التي زرع كل واحد منهم أخا أو ابنا أو زوجة أو خالة أو عمة أو عما أو خالا وما نزل أو صعد منهم، في كل سفارات وقنصليات العراق في الخارج، تيمنا بان الأقرباء أولى بالمعروف وهم بالتالي أكثر حرصا وغيرة على البلاد التي حباها الله ونضال شعبها بهؤلاء القيادات التي جاءت لتعوضنا ما خسرناه أيام النظم الدكتاتورية من زعيمنا الأوحد وحتى قائدنا الضرورة.

     وحتى تكتمل الصورة أدعو أولئك الذين يراجعون السفارات أو القنصليات، أو ممن يعرفون السفراء فما دون حتى الطباخ، هنا في بلادنا التكنوقراطية، سواء في قراهم أو مدنهم أو عشائرهم، ادعوهم بل اترك لهم عملية التقييم ومقارنتها مع الأسطر التي قرأت الآن، والأجر بعد ذلك  على رب العباد وعلى فيلسوف المارد والقمقم!؟

kmkinfo@gmail.com


97
حكومة وبرلمان الـ ( شلع قلع )!؟

كفاح محمود كريم

      يتداول العراقيون هذه الأيام بكثرة مصطلحا شعبيا، بعد أن استخدمه احد قادة التيارات الإسلامية مهددا به الحكومة العراقية وملحقاتها بالاقتلاع والطرد من المجمع الحكومي والبرلماني في العاصمة بغداد ( المنطقة الخضراء )، أو بمعنى أصح إسقاطهما بسبب تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، محملا إياهم سبب هذا التردي، رغم إن هذا التيار يجلس على أربعين كرسيا في البرلمان وعدة وزارات ونيابة رئاسة الحكومة ومواقع متنفذة في الدولة عموما، وشارك منذ البداية في كل نشاطات الحكومة والبرلمان، ومن ضمنها كل الفوائد من مرتبات وامتيازات وصفقات، ووافق أيضا على كل التشريعات والقوانين التي أصدرها البرلمان بما فيها القوانين التي حفظت رواتب وامتيازات أعضاء البرلمان والحكومة وملحقاتهما.   

     وفي نفس السياق لكنه يختلف في الأساسيات تم طرد نائبين من البرلمان العراقي في احد مسارح بغداد من قبل الجمهور، حيث كانا يحضران عرضا مسرحيا هناك، وقبل ذلك حصلت العشرات من المواقف لأعضاء في مجلس النواب أو الحكومة، تعكس حالة التردي الكبير في سمعة المؤسستين لدى قطاعات واسعة من الأهالي، ورغم إن البعض من هذه المواقف ربما نراها في كثير من الديمقراطيات العريقة، إلا أن ما يحصل الآن في العراق وخاصة لدى الأهالي فيما يتعلق بتوصيفهم لأعضاء البرلمان أو الحكومة، يدلل على إنهما فقدا فعلا مصداقيتهما وسمعتهما كمؤسستين منتخبتين من الشعب، حيث صدى هتافات الأهالي تتطابق مع ما يحصل لأعضاء المؤسستين في الشارع الراقي.

     لا نقول إن 100% من الأهالي غير راضون عن أعضاء الحكومة والبرلمان، لسبب بسيط هو ربما إن أهالي أولئك الأعضاء وبعض من عشيرتهم يمتدحونهم لأسباب معروفة، إلا إن أي مراقب بإمكانه أن يستشف من خلال سؤال بسيط لأي مواطن في أي زاوية من البلاد ومن أي شريحة كانت، وحينها سيسمع جوابا صادما ينم عن تصور متراكم في ذاكرة الأغلبية الساحقة من الأهالي عن أعضاء البرلمان والحكومة، حيث يختصرون تقييمهم وتعريفهم لهم بكلمتين ( كلهم حرامية )، والمثير عدم اختلاف اثنين من الأهالي حول هذا الموضوع، وحينما تطالبهم أي الأهالي عن وثائق تؤكد لصوصية هؤلاء يقولون لا نحتاج إلى وثائق فضخامة رواتبهم ومخصصاتهم وامتيازاتهم تؤكد أنهم إن لم يكونو لصوصا فأنهم متسترون على اكبر عملية سرقة للبلاد باستحواذهم على مبالغ خيالية في المرتبات لا نظير لها في العالم، وشرعنة تلك العملية بقوانين!

     وبمتابعة أولية لمعظم أعضاء البرلمان والحكومة ومقارنة أوضاعهم المالية قبل الدخول إلى ( عالم الحرامية ) من خلال بيئتهم ومصادر رزقهم وسلوكياتهم سندرك حقائق لا تحتاج إلى وثائق بقدر حاجتها إلى قضاء نزيه وعادل يضع النقاط المسروقة من حروف ( من أين لك هذا!؟ ) وحينها سنعرف إن سبب انهيار ووصول العراق إلى مرتبة افشل دولة في العالم، إنما هو وجود هذه الطواقم من اللصوص الذين يحكمون البلاد تحت مختلف التسميات من كل المكونات والطوائف، حيث يختلفون في منابرهم وصراخاتهم لكنهم يتفقون تماما على اقتسام لحم البعير الجريح!

     وأعود إلى طرد النائبين من احد مسارح بغداد على خلفية السمعة المخزية لمؤسستهم بين الأهالي، حيث يبدو أنها مربط الفرس كما يقولون، وما الحكومة إلا نتاج تلك المؤسسة الفاشلة التي اسمها مجلس النواب، والتي وباستثناءات نادرة جدا في أعضائها، فإنها ضمت مجاميع من المرتزقة والجوعية كما يصفهم الشارع العراقي، ووقفت طيلة أكثر من عشر سنوات خلف كل أسباب فشل العراق في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية والاجتماعية، وتسببت في وقوع البلاد بين أنياب منظمات الإرهاب ومافيا الفساد، وانهيار منظومتها الاقتصادية والإنتاجية وتمزيق الأمن والسلم الاجتماعيين.

     حكومة التكنوقراط لن تحصد أكثر مما حصده الشعب طيلة العشر سنوات الماضية، مهما كانت نقاوة البذور التي ستزرعها، لان البيئة قد تلوثت والأرض قد بارت!؟



98
المنبر الحر / سلالات الإرهاب
« في: 09:32 28/03/2016  »
سلالات الإرهاب

كفاح محمود كريم

     بعد مئات السنين من الدكتاتوريات الدينية والقبلية والعسكرية، وتراكم هائل من التربية والسلوك الاجتماعي والديني الشمولي، صاحبه على طول الخط الخوف والرعب والاستكانة، جاءت داعش خير ما يمثل حقيقة تلك الأفكار والمناهج والإيديولوجيات، التي تبيح قتل المختلف فكرا ورأيا، بل وتستبيح مجتمعات ومدن ودول، وتحيلها إلى خرائب تنعق فيها غربان البدائيات الأولى والسبي وأسواق النخاسة، كما فعلت في أثرى مكنونات الحضارة الإنسانية في بلاد الشام والعراق، وبعودة سريعة إلى صفحات التاريخ البعيد والقريب التي تطلعنا على أصل وأوليات ما حدث في سنجار والرقة والموصل والانبار وتكريت وغيرها من بلدات وحواضر الشام والعراق، تؤكد إن ما حدث لم يكن جديدا بل جاء امتدادا لثقافة وسلوك مؤدلج دينيا وعنصريا عبر مئات السنين، تعرضت فيه وبسببه الأقوام والأديان المختلفة إلى حملات إبادة جماعية واستعباد ملايين الأطفال والنساء وبيعهن في بازارات تمثل ( مولات وأسواق ) تلك العصور، ولعل أسواق النخاسة التي انتشرت في المدن والقرى التي أعاد نفسه فيها داعش كمرآة لممارسات قديمة ومتوارثة وغير مستهجنة، تؤكد إن البعث بشقيه السوري والعراقي وبقية الحركات والأحزاب الدينية والقومية العربية التي نشأت خلال القرن الماضي وفي معظمها، ما هي إلا استنساخ أو تطوير لتلك الثقافات والإيديولوجيات الصحراوية التي انتشرت لتحصد كل ما على الأرض من غير أصلها العرقي أو الإيديولوجي الذي تبشر به لإقامة إمبراطورية الغرائز.

     هذه السلالات من الإيديولوجيات الدينية والقومية، لم تك من إنتاج الأمريكان والإسرائيليين، كما يفبرك أولئك الفاشلين من تافهي السياسة في الشرق الأوسط، بل هي من إنتاج منابر التخلف ومراكز ومؤسسات الدعوة والتبشير والتعريب والتبعيث القومي والديني عبر قرون من الزمان، جعل هذه المجتمعات التي نعيش فيها تقبل تكفير المسيحي والايزيدي والمندائي واليهودي والسيخي والهندوسي والبوذي ما لم يدفع الجزية أو يستعبد أو يقتل رغم إن أوامر الله في القرآن الكريم أقفلت على ( لا إكراه في الدين )، وهي ذاتها روضت تلك المجتمعات لقبول انتقاص كل القوميات والأعراق من غير العرب، خاصة تلك الأحزاب والحركات التي تشيع أفكارا ونظريات لإذابة كل الأعراق والأقوام في بوتقة الأمة العربية، بكل ما تعنيه كلمة الإذابة فكرا وثقافة وكيانات، وقانون تصحيح القومية من الكوردية إلى العربية نموذج من تلك الداعشيات الأولية التي انتهت في تطبيقاتها إلى الإبادة الجماعية للسكان، كما حصل في حلبجة والأنفال 1987-1988 وسنجار 2014م، حيث قتل مئات الآلاف من الكورد أطفالا ونساءا وشيوخا، وسبي الآلاف من بنات ونساء الايزيديات والمسيحيات وحتى الشيعيات، كما تؤكده الوثائق الرسمية إبان استباحة سنجار وتلعفر وسهل نينوى.

     إنها سلالات الإرهاب الفكري والقومي والديني ومن ثم المذهبي، حيث الشيعي مرتد كافر يحل قتله وسبي نسائه واستعباد أطفاله، وكذا الحال فالسني من النواصب الذين لا حياة لهم إلا بالتشيع، وقس على ذلك ما يفعلونه اليوم من إشاعة الكراهية والأحقاد على بقية الأقوام والأعراق لكونها وعت ظروفها وتحاول الخروج من دائرة الصراع البدوي البدائي، الذي يمتد في أعماق التاريخ ويستمر بالتناسل والتوالد بأشكال وهيئات مختلفة في الأسماء والعناوين وموحد في أصل الفكر والسلوك والممارسة، وخير دليل على ذلك ما تفعله اليوم سلالات الكراهية المنتجة للإرهاب من ميليشيات وأحزاب متنفذة في بغداد ولبنان واليمن وليبيا وسوريا وبعض دول اوربا، حيث تمارس أبشع أنواع إشاعة ثقافة تقتيل وإبادة الآخر من خلال الادعاء بأن المختلفين معهم كفار يجب إباداتهم، وفي العراق وسوريا يتم تداول إن الكورد على سبيل المثال من أبناء الجن وإنهم سبب تخلف وانحدار الأمة والدولة، وكذا الحال في لبنان مع المسيحيين والدروز أو مع السنة من جهة أو الشيعة من جهة أخرى، ولا تعليق عما يجري في عجقة وتراجيديا ما يحدث في بلاد الشام من عشرات  الكتائب والميليشيات.

      واليوم تشن معظم دول العالم حربها ضد هذه السلالات المتوحشة باستخدام كل أنواع الأسلحة، لكنها نسيت أنها تعتمد على بيئة تتميز بثقافة وفكر وسلوك يتقبل الكثير مما تفعله تلك السلالات، ولا يمكن للمدفع الرشاش أو قنابل وصواريخ طائرات F16 أو غيرها من القضاء عليها في واقع ما يزال يؤشر لنا بأن أكثر من نصف سكانها أميون، وبنفس القيمة والكم تحت خط الفقر والوعي والحضارة والبطالة والاستكانة وسلوكيات القطيع بسبب توالد الدكتاتوريات الاجتماعية والسياسية والدينية عبر الأجيال!؟

    إنها تحديات اكبر من الحرب الدائرة الآن، وتحتاج إلى جهود نوعية فائقة تحدث تغييرات ثورية في البنية الثقافية والفكرية والاقتصادية للمجتمعات المنتجة لقوى التطرف الديني والقومي معا، وحتى يتحقق ذلك فان عجلة الحرب ستنتج أفعالا وردود أفعال ربما تمتد لعشرات السنين القادمة ما لم يذهب العالم برمته إلى مشروع ماريشال ثوري جديد يعتمد الأسس الفكرية والثقافية والاقتصادية التي تنقل تلك المجتمعات الخاملة إلى مجتمعات منتجة، فالإنتاج والرفاهية بيئتان لا يعيش فيهما التطرف والإرهاب!

kmkinfo@gmail.com

99
مدرسة البعث وتفوق داعش

كفاح محمود كريم

      من أكثر شعارات نظام البعث في شقيه العراقي والسوري سخرية ( البعث مدرسة الأجيال )، ذلك الذي حاولوا طبعه في أذهان الناس وإيهامهم بأنهم امتداد لفكرة الرسالة الدينية المحمدية، باعتبار إنهم حاملي تلك الرسالة والمبشرين بإعادة الإمبراطورية العربية تحت مسمى دولة البعث وشعاراتها المعروفة، وطيلة ما يقرب من نصف قرن ذهب ضحية تلك الشعارات مئات الآلاف من البشر في كل من سوريا والعراق، تحت عجلات نظامهم الدكتاتوري ومدرستهم الإرهابية، التي اعتمدت إيديولوجيا مهجنة وظفت فيها العقيدة الدينية لاستخداماتها القومية، خاصة في الشق العراقي الذي اعتمد ما سمي في حينه بالحملة الايمانية على مقاسات قومية وبأساليب وسلوكيات تنفذها القاعدة وداعش اليوم.

     وقراءة سريعة لمعظم الشعارات التي رفعت خلال النصف قرن من حكم هذا الحزب، ندرك هول ما حاول إنتاجه وبشر به خاصة مقولة رئيسه حينما شعر بالخطر في إزالة حكمه، حيث قال أنهم لن يستلموا العراق إلا حفنة تراب، وفعل الرجل ذلك من خلال مجموعات تم تنظيمها بعد سقوط هيكل نظامه الإداري، تحت مسميات عديدة لمقارعة المحتل الأمريكي تارة، أو من خلال الاندغام أو الاندساس في الأحزاب الدينية الشيعية والسنية والعمل من خلالها، وقد نشرت في حينها وثائق مهمة عن أوامر من قيادة صدام حسين وأجهزته الخاصة إلى معظم كوادرهم ( العقائدية ) بالانضمام إلى تلك الأحزاب، وقسم آخر وبالذات رجال المخابرات والأمن والاستخبارات والحرس الخاص والجمهوري بتشكيل منظمات ( مقاومة ) للمحتلين والتنسيق مع القاعدة ومن ماثلها من المنظمات العالمية للإرهاب.

     ويتذكر العراقيون قبل سقوط نظامهم بأسابيع تصريحاتهم حول توافد الآلاف من الفدائيين ( الانتحاريين ) العرب والمسلمين الذين فتحت لهم معسكرات إيواء بانتظار بدأ الحرب للقيام بإعمال انتحارية، وفعلا أظهرت وسائل الإعلام البعث آنذاك عمليات انتحارية لمتطوعات ومتطوعين قادمين من الدول العربية والأجنبية، قاموا بها مع أول دخول للقوات الأمريكية في جنوب البلاد وغربها، وفي حقيقة الأمر كانوا هؤلاء من أعضاء القاعدة والتنظيمات الدينية المتطرفة الأخرى التي نسق معها نظام صدام حسين ومن بعده بشار الأسد لإرباك الأمريكان وتخريب أي محاولة لبناء نظام ديمقراطي، وتدمير كل ما تستطيع أن تصل إليه أيديهم، وهذا ما حصل فعلا، حيث نرى الدمار الشامل لمدن سنجار وزمار وجلولاء والسعدية والمقدادية والرمادي وتكريت وبيجي في العراق وفي سوريا كل المدن والبلدات التي طالتها المعارضة السورية ووصلت إليها داعش فمسحتها من الأرض!

     يقينا هناك حبل سري يربط مشهد آلاف الجثث التي رميت في شوارع بغداد والموصل وكركوك من المعارضين للبعث مع أول أيام انقلاب شباط 1963م، وبين مشاهد حرق حلبجة وكرميان وبادينان والأنفال والمقابر الجماعية، واخيرا ما يفعله الجيل الجديد للبعث المسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ( داعش )، لتكتمل الصورة مع ظلالها في أفعال وممارسات الميليشيات في بغداد وغيرها من المدن العراقية والسورية، حيث ذات السلوك الإرهابي الذي مارسته عصابات الحرس القومي وسرايا الدفاع ومنظمات سيف وفدائيو صدام والحرس الخاص وعشرات التنظيمات الفاشية التي انشطرت وتكاثرت من هذه المدرسة عبر عشرات السنين في الفكر والسلوك.

    فعلا كانت مدرسة الأجيال للإرهاب والسادية والخراب، وتميزت داعش ووصيفاتها بتخرجهم من هذه المؤسسة بتفوق كبير!

kmkinfo@gmail.com



100
المنبر الحر / أنتم صنعتم داعش!
« في: 22:23 27/01/2016  »
أنتم صنعتم داعش!

كفاح محمود كريم

 ربما يظن كثير من الناس إن داعش وما قبلها من قاعدة ومن ماثلهم في العقيدة والسلوك إنتاج حملة إيمانية أو نزعة دينية فقط بقدر ما هم نتاج تراكم سلوكي وتربوي لعشرات السنين من الحكم الدكتاتوري الممنهج فكرا وسلوكا في مختلف دول الشرق العربي والاسلامي، ولا يختلف اثنان من العراقيين على سبيل المثال من إن نظام البعث احدث تغييرات مهمة في البنى التحتية للدولة العراقية بعد هيمنته على السلطة أواخر ستينيات القرن الماضي، ونفس الاستنتاج يتفق عليه المصريون أيضا بعد تولي الضباط الأحرار مقاليد الحكم في مصر عام 1952، وكذا الحال مع القذافي أيضا، لكنما التغييرات المهمة التي أحدثتها تلك الأنظمة لم تشمل الإنسان ولا البنية الاجتماعية لتلك الدول، بل على العكس أوصلتها إلى حافة الانهيار الذي شهدناه عند مرور أولى نسمات الحرية فيما سمي ظلما بالربيع العربي، وان حقيقة أخرى رافقت تلك العمليات وأظهرت بشكل جلي إن ما كان يجري لم يتجاوز إلا البناء الكونكريتي، الذي رافقته عملية تهديم هائل لشخصية الفرد وتدمير منظم للبنى الأساسية والنسيج الاجتماعي للمكونات، حيث اقتُرفت خلال السنوات الأربعين من حكم حزب البعث في العراق، أبشع أنواع الجرائم والكوارث بحق الأهالي سواء في كوردستان أو في بقية العراق وسوريا، وكانت بحق حقبة سوداء تدحرجت فيها الحياة في كلا الدولتين إلى ما نشهده اليوم من كوارث ومآسي يندى لها جبين الإنسانية.

     لقد استهدفوا كرامة الإنسان وهويته ولم ينجو منها حتى أولئك المصنفون بالانتماء العرقي أو القومي لهم، فقد صادروا أي محاولة لإبداء الرأي أو حرية التعبير أو الانتماء، إلى الدرجة التي أباحوا فيها إبادة من يتعرض لعقيدة حزبهم أو رئيسهم أو قيادتهم حتى الدرجة الثالثة من الأقرباء، وذهب ضحية ذلك آلاف مؤلفة من خيرة شباب وشابات العراق بكل مكوناته، حتى تطاول غيهم وطغيانهم إلى دفن مئات الآلاف من الكورد والشيعة ومن ناصبهم العداء من السنة في قبور جماعية وهم إحياء، وبسبب تلك التراكمات الهائلة من الجرائم التي اقترفتها تلك الأنظمة تولد شعور مطبق بالإحباط واليأس يقبل أي بديل آخر غير تلك الأنظمة، ولذلك لم نشهد أي مقاومة حقيقية للذين اسقطوا تلك الأنظمة أو عملوا على إسقاطها، فلقد أسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين لأنه تحول إلى غول متوحش لم يعد باستطاعة أي قوة محلية أو إقليمية إسقاطه، وكان يفترض إقامة نظام مختلف تماما على أنقاضه، لكن يبدو إن القائمين على ذلك المشروع نسوا أو تناسوا آثار عشرات السنين من التربية الخطأ ابتداء من كتاتيب الجوامع ومنابرها وانتهاء بالجامعات وما قبلها من ابتدائيات وثانويات وما رافقها من أحزاب وجمعيات ساهمت بشكل أو بآخر في الإبقاء على ذلك النهج الخطأ بإشكال من الشمولية والدكتاتورية الفردية، حتى تحول الرئيس أو الوزير أو المدير أو المحافظ إلى أنصاف آلهة إن لم يكونوا آلهة وأنبياء؟

     لقد اقترفت الأنظمة البديلة جرائم بشعة بحق المعاني السامية للحرية والديمقراطية، وعملت على استخدام سلالمها للصعود إلى دفة الحكم وتسخير آلياته لتكثيف وجودها بذات الأساليب التي كانت الأنظمة الدكتاتورية تستخدمها في النفوذ والهيمنة والاحتواء، حتى أجبرت شعوبها في كثير من المناطق والأحايين إلى تفضيل أي بديل آخر عنها، حيث وصل الأمر لدى الكثير من المحبطين إلى تمني أن يحكم الاستعمار بلادهم بدلا من هؤلاء المستبدين الجدد، كما حصل هنا في العراق حيث شقت عصابات داعش طريقها عبر آلام وإحباط الأهالي وفشل حكومة المالكي ومؤسساته المهلهلة إلى اعرق مدن العراق وأكبرها نينوى والانبار وصلاح الدين وديالى وبعض من كركوك، حيث البيئة المتخلفة وبقايا نظام البعث، وتغافل مقصود وموجه من قبل إدارة المالكي في انتقام ساذج وبدائي من خصوم مفترضين ( السنة والكورد).

     ونتذكر جميعا هنا في العراق وفي سوريا وليبيا واليمن، وكل مواطن الدكتاتوريات البشعة كم كان كثير من الأهالي يتمنون أن تحكم إسرائيل تلك البلدان بدلا من ظلم أنظمتها التي أذلتها أكثر من أي مستعمر في تاريخ المنطقة، بل إننا لو أحصينا عدد ضحايا تلك الأنظمة وقارناها مع ضحايا كل الحروب التي خاضتها تلك الدول مع إسرائيل أو غيرها، لتبين لنا إن من قتل على أيدي الأنظمة الدكتاتورية أو بسببها أكثر أضعاف المرات من عدد ضحايا تلك الحروب مع إسرائيل التي وظفوها لكي تكون جواز بقاء كل الأنظمة!؟

     داعش ليست وليدة السنوات الأخيرة بل هي إنتاج البعث ومن شابهه عبر التاريخ من الأحزاب والحركات العنصرية الفاشية، ليس في بلاد الرافدين فحسب بل في كل دكتاتوريات العالم، من صنعاء وحتى مقاديشو، مرورا بدمشق الأسد وطرابلس القذافي ومن ادعى انه حزب الله أو وكيله على الأرض، وصولا إلى أولئك المنحرفين القادمين من أصقاع أوربا وأمريكا وشوارعها الخلفية المظلمة، تبا لكم انتم صنعتم داعش وان نكرتم!

kmkinfo@gmail.com

101
 
عقيدة البعث وسلوك داعش!

كفاح محمود كريم


     منذ أن تسلط البعثيون في كل من سوريا والعراق مطلع ستينيات القرن الماضي بعمليات انقلابية، وهم يرفعون شعارات تخديرية لشعوب تعاني من أمية أبجدية وحضارية هائلة، وتغط في نظام قبلي بدائي تتحكم فيه عادات وتقاليد لا علاقة لها بالزمن، وفقر مدقع يتجاوز نصف السكان  بكثير، وأفكار دينية ومذهبية ضبابية لا تفقه من الدين إلا مظاهره دونما  الغوص في جوهره وفلسفته، في هكذا بيئة زرع البعثيون الأوائل بذور الفاشية الأولى في العراق وبلاد الشام وسوريا حصريا، وابتدئوا حكمهم منذ الساعات الأولى بأنهار من الدماء وآلاف القتلى والمغيبين والمعتقلين، حتى غدت هذه البلاد معسكرات تشبه إلى حد كبير معسكرات النازية في المانيا، كيف لا وقد تشربت أفكار البعث الأولى بما طرحه النازيون الألمان، وأسسوا عليه نظامهم الفكري والعقائدي، مغلفا بعلمانية كاذبة تهرأت ملابسها بالحملة الإيمانية المشبوهة التي قادها صدام حسين، لنشر بذور داعش اليوم وفتح قنوات مع المتطرفين الدينيين وفي مقدمتهم القاعدة.

     لقد كانت هناك فرصة لتأسيس جيوش على مبدأ المواطنة في كل من العراق وسوريا، خاصة وأنهما يضمان مكونات قومية ومذهبية وعرقية عديدة، لا تقبل فرض مذهب أو دين أو قومية كما حاول البعثيون ذلك، وقادوا البلدين إلى ما نراه اليوم، تلك الفرصة التي سنحت مع تأسيس هذه البلدان اثر هزيمة العثمانيين وتوزيع ارثهم على الحلفاء، لبناء جيش على أسس المواطنة، إلا إن الانقلابات الفاشية أنهت تلك المحاولات والفرص، وبتسلط البعث على البلدين، بدأت مرحلة ادلجة النظام السياسي والاجتماعي فيهما، مع وضع أسس لعسكرة المجتمع من الابتدائيات وحتى الجامعات،  في ميليشيات عقائدية وتحت تسميات الطلائع والفتوة والشبيبة، ومن ثم الجيش الشعبي وقبله الحرس القومي، حيث تعتبر مدارس تمهيدية لإعداد كوادر أمنية ومخابراتية وعسكرية مؤدلجة، ومن أكثر المنظمات الإرهابية توحشا تلك التي أطلق عليها أسم فدائيو صدام، ومنظمات سرية مثل منظمة سيف والأمن الخاص وأشباههما في سوريا أيضا، حيث كانت تتدرب على عمليات قامت بها القاعدة وأبدعت في تطويرها اليوم داعش، وخاصة ما يتعلق بالتوحش الذي ورد في كتابها الذي صدر منذ فترة، والذي يصف عمليات القتل الوحشي المنظمة والمبرمجة والمصورة سينمائيا، وقبل ذلك عثر المواطنون على عشرات الأفلام الوثائقية التي كانت تصور تلك الممارسات الوحشية في مقرات البعث ودهاليز الأمن والمخابرات والاستخبارات العسكرية والسجون والقلاع السرية التي ضمت الآلاف من ضحايا البعث في كل من العراق وسوريا.

     وحينما أسقطت الولايات المتحدة وحلفائها الهيكل الإداري لنظام صدام حسين، شعر نظام الأسد في سوريا بالخطر، خاصة وان النظام البعثي في بغداد حول إليه كل ممتلكاته الخطيرة والقذرة من الأسلحة الكيماوية والجرثومية قبل إسقاطه، وبذلك تحولت سوريا إلى معسكرات للإرهابيين من شتى أصقاع العالم، وسهلت دخولهم إلى العراق بحجة مقاومة الأمريكان تحت مسميات عديدة، وخلال سنوات قلائل استعاد البعث قوته مع فشل إدارة المالكي وطبقته السياسية في إدارة البلاد سياسيا واقتصاديا وعسكريا، واستطاع بتنسيق دقيق مع منظمات الإرهاب الدينية أن يشكل جبهة ضمت خيرة جنرالات الحرس الجمهوري ورجال الأمن والمخابرات والاستخبارات العراقية التي أسسها البعث ورباها منذ مطلع الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وحان موعد حصادها لتحيل العراق إلى حفنة تراب كما وعد صدام حسين في حالة إسقاطه، وقد شهدنا الدمار الشامل في سنجار والرمادي وزمار وتكريت وبيجي وعشرات البلدات والقرى التي أحالها إلى حفنة من تراب.

     بعد كل هذه الحقبة المليئة بالدماء والدمار لم تنجح الطبقة السياسية العراقية في إنتاج مؤسسة عسكرية تقوم على قواعد المواطنة والمهنية بعيدا عن القومية والدين والمذهب، وتلك ورب الكعبة أهداف لا تقل خيالية عن أفلام الخيال العلمي، إلا الهم إذا نجحت في استثمار انتصارات الرمادي والتقدم خطوة باتجاه بلورة قوة عراقية مهنية خارج الانتماء المذهبي والعرقي.

kmkinfo@gmail.com





102
 
عقدة المناصب في العراق!

كفاح محمود كريم

     لن نغوص في التاريخ للبحث عن مجموعة عقد ومركبات نقص أصابت الطبقة السياسية والإعلامية العراقية وغيرها في هذه المنطقة، التي تغلي وتفور منذ تأسيس كياناتها السياسية قبل ما يقرب من مائة عام، لكننا سنسلط قليلا من الضوء على هذه العقدة منذ إسقاط الهيكل الإداري لنظام البعث وصدام حسين، حيث ظهرت طبقة سياسية بمواصفات اقل ما يقال عن أغلبيتها، أنها فاشلة في إدارة بلد صنفته مجاميع من الخبراء والمختصين بأنه من البلدان الغنية والمثالية في طبيعتها وثرواتها ومياهها ومكوناتها، فأحالته خلال عقد من الزمان مع ما يقرب من ألف مليار دولار إلى هباء منثورا، بل وجعلته من افشل الدول وأكثرها تخلفا وفقرا!

     والمتفحص لسيرة حياة معظم من تولوا مناصب في هذه الحقبة، وعلى مختلف المستويات في البرلمان والسلطة التنفيذية وملحقاتهما في المحافظات وحكوماتها المحلية ومجالسها الشعبية، يدرك فداحة الأمر وكارثية إدارة هذا البلد، لما اقترفوه من جرائم بحق الوطن والشعب، ونظرة ثاقبة لسيرة حياة معظم من تبوء موقعا بالتعيين أو بالانتخاب في مفاصل الدولة، منذ إسقاط نظام البعث وصدام حسين وحتى يومنا هذا، يدرك حقيقة المأساة وما أصاب البلد على أيدي هؤلاء المصابين بشتى العقد النفسية وفي مقدمتها مركبات النقص والارتزاق والاستحواذ والتعويض، واستغلال المنصب لإغراض شخصية نفعية بعيدة عن أي علاقة بالوطن والدولة والشعب.

     ونتيجة للتهالك والتنافس المقيت على المناصب وامتيازاتها بانت ظاهرتان، الأولى ( دلاليات أو بازار ) من بقالي المناصب، الذين يبيعون ويشترون بالمواقع ولديهم قوائم بالأسعار والحصص والنسب، حتى وصل سعر موقع وزير لوزارة ( منتجة ) إلى عدة ملايين من الدولارات، كما تناقلت أوساط ما وراء كواليس الحكم إبان تشكيل أي وزارة منذ 2005 وحتى الأخيرة، والثانية التي تبدو أكثر قبحا وهي مجاميع من فضلات النظام السابق أو مرتزقته المتهالكين على المناصب، خاصة من أولئك الذين طردوا أو فصلوا لأسباب أخلاقية تتعلق بسلوكهم الفاسد أيام الأنظمة السابقة، والتي وظفوها بفبركة التظلم باعتبارهم مفصولين أو مطرودين لأسباب سياسية، ومعظمهم إما هاربين أو متخلفين من الخدمة العسكرية أو مفصولين بسبب الاختلاس أو السرقة أو خيانة الأمانة، أو مطرودين فصلا أو تقاعدا لأسباب تتعلق بنزاهتهم أو سلوكهم الأخلاقي، سواء من كان منهم في العسكر أو الإعلام أو حزب البعث أو الإدارة، وبدأوا بتسويق أنفسهم مناضلين أو محللين سياسيين أو خبراء عسكريين استراتيجيين أو إعلاميين مرتزقة، والغريب أنهم توزعوا على كل الكتل والأحزاب المعارضة السابقة، وحينما لم يجد البعض منهم موقعا أو منصبا تحول إلى معارض للنظام الجديد، أو بوقا لإحدى دول الجوار لعله يعوض ما فاته!

     حقا إنها إمراض نفسية وسلوكية واجتماعية تمتد إلى مرحلة الطفولة والبيئة والتربية، تركزت في دواخل معظم من يقودون البلاد إدارة أو مالا أو إعلاما، أنتجت لنا بعد عقد من الزمان وما يقرب من إلف مليار دولار وثلث البلاد إن لم يكن أكثرها مدمرا بالكامل، هذا الشكل المروع لبلاد طالما تغنينا بأمجادها وأساطير الأولين فيها، والذين كما يبدو لم يكونوا يختلفوا عن هؤلاء إلا بالأسماء والعناوين وإلا كيف نحلل هذه الزبدة التي خرجت من لبنهم، وحتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود فان الفرق بين من يبحث عن المنصب وبين من يأتيه إلى باب داره سيبقى عنوان الفشل والنجاح لتجربتنا في بناء دولة عصرية، تقوم على أسس المواطنة والكفاءة والنزاهة التي تكاد أن تختفي تماما من مسرح العمل الوطني.

kmkinfo@gmail.com

10/1/2016م


103
كوردستان والافتراء الروسي!

كفاح محمود كريم


     اليوم وبعد أكثر من سنة ونصف من الحرب الضروس التي حققت فيها قوات البيشمركة انتصارات كبيرة على داعش التنظيم الديني الأكثر تطرفا وعنصرية ووحشية في تاريخ البشرية، تبدأ بعض الأطراف بخلط الأوراق لتنفيذ مخطط جديد ربما يأتي بعد فشل التنظيم الإرهابي من إسقاط تجربة الإقليم ليستكملوا تحقيق ذات الهدف تحت يافطة محاربة داعش، التي نجح فيها  الرئيس بارزاني القائد العام لقوات البيشمركة في الحفاظ على وحدة هذه المؤسسة العسكرية وقدسيتها لدى الأهالي في كوردستان، فأبعدها تماما عن أي مناكفات سياسية أو خلافات، وكانت بحق محط تقدير عالي من الشعب في الداخل ومن الرأي العام العالمي وزعماء الدول الصديقة في المحيطين الإقليمي والدولي، حينما لم تتدخل في الأمور السياسية، واستمرت في أدائها العسكري المنضبط الذي نال إعجاب العالم، وما حققته من انجازات مهمة جدا أثارت اهتمام المراقبين والخبراء العسكريين، وخاصة في المحاور الأربعة التالية:

- محور كركوك:
     لقد نجحت قوات البيشمركة في درء الخطر عن مدينة كركوك وآبارها النفطية، والتي كانت داعش والعنصريون يستهدفون إسقاطها، والسيطرة على منابع النفط فيها، بعد احتلالهم لأكبر مصافي النفط في بيجي، وفي هذا المحور تجلت وحدة المؤسسة العسكرية الكوردستانية حيث ضمت مختلف الانتماءات السياسية وحتى العرقية، إلا أنها عملت بعيدا عن تلك الانتماءات بمواطنة كوردستانية رفيعة المستوى.
- محور مخمور:
     وقد كثفت داعش ومن والاها هجماتهم على هذه المنطقة، كونها استراتيجيا الأقرب إلى عاصمة الإقليم، وفعلا نجحوا في بداية الأمر بالسيطرة على مركز مدينة مخمور، إلا أن قوات البيشمركة استطاعت بعد فترة وجيزة تطهيرها ومعظم القرى في أطرافها، وأبعدت الخطر تماما عن العاصمة كما كانوا يخططون.
- محور زمار وسد الموصل:
     حيث ركزت داعش هجماتها النوعية على المنطقتين للوصول إلى منفذ ربيعة وقطع أي اتصال بين منطقة وحوض زمار سنجار وبين كوردستان، ومن ثم السيطرة على اكبر سدود الطاقة المائية والكهربائية في الشرق الأوسط، وفعلا نجحت في تحقيق تلك الغاية التي أدت إلى سقوط قضاء سنجار برمته، بما في ذلك الحوض الممتد من زمار إلى سنجار.

     وخلال فترة أشهر قليلة اكتسحت قوات البيشمركة بعمليات نوعية وبقيادة مباشرة من الرئيس مسعود بارزاني وكبار أركان قوات البيشمركة، كافة المناطق التي كانت تتمركز فيها داعش وخاصة سد الموصل الذي هددت داعش بتدميره لإغراق كافة مدن حوض دجلة، واستطاعت قوات البيشمركة بعد ذلك بتحرير زمار واسكي موصل وربيعة وتطهيرها تماما، والاندفاع إلى تحرير حوض زمار البالغ أكثر من ثلاثة آلاف كيلو متر مربع، وبذلك تم تحقيق تواصل بين جبل سنجار وكوردستان بعد تحرير كافة القرى الكبيرة ( المجمعات ) المتاخمة للحدود العراقية السورية من ربيعة وحى ناحية سنون.
- محور سنجار والطريق الدولي بين الموصل والرقة:
     بعد تحرير حوض زمار سنجار وفتح الطريق إلى جبل سنجار، وضعت قيادة البيشمركة بالتعاون مع التحالف الدولي خطة محكمة لتحرير مركز مدينة سنجار وأطرافها بأقل الخسائر الممكنة، وتقدمت إليها من محاور رئيسية ثلاث، أطبقت فيها على العدو الذي أبيد بالكامل إلا من هرب، وتم تحريرها بوقت قياسي لم يتجاوز الثلاثين ساعة، قطعت فيه قوات البيشمركة العصب الرئيسي لتمويل داعش في الموصل، وهو الطريق الاستراتيجي الدولي الذي يربط الموصل بالرقة عبر سنجار، وبذلك أصيبت داعش بخسارة فادحة إن لم تكن مميتة لاحقا.

     هذه الانتصارات مهدت الطريق وخاصة عملية تحرير سنجار التي حطمت أسطورة داعش، مهدت الطريق للقضاء نهائيا عليها، مما دفع حلف الشياطين إلى شن حملة شعواء من الكراهية والأحقاد ضد الكورد وكوردستان متمثلة بالتصريحات العدائية لرموز في كتلة القانون وتوابعها ممن يقلدون صدام حسين والبعثيين في سلوكهم العنصري البغيض، خاصة وان قوى عالمية تعزف على ذات الأوتار من قبيل إن داعش تصدر نفطها عبر أراضي كوردستان وان أقمارهم الصناعية الغبية قد صورت آلاف الشاحنات متكدسة في الطريق الدولي بين تركيا وكوردستان عبر زاخو، متناسية إن الإقليم يصدر نفطه من هناك عبر طريقين الأول باستخدام أنبوب نفط كوردستان الذي يصب في ميناء جيهان والثاني عبر أسطول من الناقلات التي تنقل النفط إلى المصافي التركية، بعد أن قطعت الحكومة العراقية حصة الإقليم من الموازنة السنوية للبلاد منذ 2014م وحتى يومنا هذا مع إيقاف مرتبات الموظفين والعسكر.

     إن خلط الأوراق بهذا الشكل العدائي تزامنا مع إيقاف حركة الطيران المدني في الإقليم بحجة مرور صواريخ روسية تضرب مقرات المعارضة السورية، تؤدي إلى تعريض الإقليم ومصالحه العليا للخطر الكبير، بل و تعني إن مخططا اكبر في الطريق لقصف هذا الطريق وقطع أرزاق شعب كوردستان وفرض حصار عليه، تضامنا مع أولئك الذين خربوا البلاد وعرضوها للاحتلال من قبل منظمة داعش التي تقاتلها كوردستان على حدود تجاوزت الإلف ومائة كيلومتر وحققت انتصارات أبهرت العالم وجعلت من البيشمركة واربيل رمزا عالميا لمكافحة الإرهاب.


     إن كوردستان على أبواب تحولات تاريخية مهمة مع انتهاء قرن من الزمان على اتفاقية سايكس بيكو، ويتوقع شعبها وقياداتها ومؤسساتها الدستورية، الكثير من العصي في عجلة تقدمها في مشروع نهضتها واستقلالها، ولذلك يقود البارزاني اليوم مشروعا نهضويا بالغ الدقة في جبهات مهمة وعديدة، سواء في الحرب مع داعش التي حطم أسطورتها أو في عملية الاستقلال الاقتصادي والوصول إلى مرحلة الاعتماد الكلي على النفس، إضافة إلى الجبهة الداخلية التي تتبلور فيها القوى الوطنية الخالصة، من القوى الفوضوية الفاسدة، التي تتناغم في سلوكياتها مع ذات المشروع الذي عاداه ويعاديه العنصريون والمتطرفون الدينيون، وبالتأكيد فان ما حققته قيادة الإقليم وسياستها الدبلوماسية، وما أرسته من قواعد متينة للعلاقات الدولية، والانتصارات الكبيرة المتحققة على الأرض، قادرة على تجاوز هذه الظروف والعبور إلى الضفة الأخرى بتوحيد الصف والتعالي على صغائر الأمور لتحقيق الأهداف السامية.
kmkinfo@gmail.com




104
حرامية السياسة والإعلام

كفاح محمود كريم

     بعد انهيار هيكل نظام البعث اندلعت نافورات الأحزاب ووسائل الإعلام بكافة أشكالها المسموعة والمقروءة والمرئية، ومثل المحروم والجائع اندفعت أفواج من الأميين والذين ( يفكون الخط ) على تسمية المصريين للمبتدئين في القراءة والكتابة، مسنودين أو ممولين من مؤسسي أحزاب جدد أو رجال أعمال ( من أثرياء الحواسم ) أو تجار سياسة وحروب، إلى تأسيس أو إصدار صحف ومجلات وإذاعات وفضائيات تحت يافطة حرية التعبير والرأي وممارسة حق النقد ومراقبة الحكومة والبرلمان والعدل (!)، وباستثناء الوسائل الأصيلة منها والمعبرة حقيقة عن كونها وسيلة إعلام مهنية، فان معظمها تقوم بعمليات ارتزاق ولصوصية تفوق ما يقوم به الكثير من أعضاء الحكومة والبرلمان والقضاء من عمليات سرقة واختلاس وفساد وبيع وشراء في المناصب والمواقع، وحتى داخل المؤسسة العسكرية وصفقاتها المشبوهة، والتي أحالت واحدة من أغنى بلدان العالم إلى أفشلها وأفقرها وأكثرها تدهورا وتقهقرا، فهي بالتالي تقترف جرائم بحق الأهالي وتعمل على تسطيح عقولهم وإيهامهم، أو تشنيجهم وإشاعة الكراهية والأحقاد على خلفيات دينية أو مذهبية أو قومية، كما تفعل الآن عشرات الأبواق الدعائية في حملتها على الكورد وكوردستان.

     ولقد كشفت السنوات الأخيرة أنماطا من " الكلاوجية " أو " الفهلوية " في الدارجة المصرية، وأنواعا من الحرامية والنشالة السياسية والإعلامية وخاصة من الذين قدموا تلك الخدمات الفاسدة إلى كوردستان، اثر ازدهارها ونموها الاقتصادي وتحولها إلى واحة للاستثمار والأمن والسلام، مما دفع عشرات من تلك الطفيليات إلى ساحات مفتوحة في هذا الإقليم الناشئ، لكي تستقر في المفاصل الرخوة والزوايا المظلمة من مراكز الفساد، ولتستحوذ على مشاريع من شاكلة تأسيس قناة كوردستانية ناطقة بالعربية، كالتي أنجزها مرتزق بصيغة الاستخدام لمرة واحدة (Disposable)، أو إصدار جريدة عربية تخرج من اربيل، وهي من أفكار مرتزق آخر استخدم فهلويته للارتزاق، وآخر يؤسس مركز أو معهد لتطوير أو تعليم الديمقراطية، شرط أن يكون في عاصمة عربية لا تنام الليل (!)، ورابع من السياسيين البائسين يدعي إن نصف العراق معه ( وربما لا يتبعه حتى أفراد أسرته ) ويتوسل دعمه ببضع آلاف الدولارات لتغيير العملية السياسية نحو الأفضل وإعادة قاطرة الديمقراطية إلى سكتها الصحيحة كما ينظر هو من خلال نرجسيته واكاذيبيه.


    هؤلاء جميعا ليسوا نكرات بل كما يدعون ويعرفهم العم GOOGLE، بأنهم مفكرون وصحفيون وسياسيون، وليسوا مراهقون في العمر والسلوك، حيت تتجاوز أعمارهم سنوات النضج النبوي كما يقولون وتزيد، إضافة إلى العديد من المشاريع الفنية الفاسدة سواء في الغناء أو محاولة صناعة أفلام على شاكلة فلم القادسية الذي استهلك ملايين الدولارات لصالح مرتزقة من مصر ولبنان وسوريا وعرابيهم في العراق آنذاك، والغريب إن بعضهم ما يزال يصر على كونه مفكرا وسياسيا ومنظرا أو صحفيا لامعا أو كاتبا متميزا، وهو في الأساس فاقد لأهم قاعدة أخلاقية في أسس التعاطي مع مفردات وتفاصيل الحياة وقيمها العليا، ولعل ابرز أولئك الذين حاولوا التمثيل على هذا المسرح كانوا من المحسوبين على السياسيين، واندسوا إلى بازار الارتزاق باعتلائهم سلم الشعارات أو الادعاء بأنهم يؤمنون بحق تقرير المصير للشعوب، وإنهم أول من نادى  بإقامة أو أحقية الكورد في دولة، ويباشرون بعد ذلك العزف على وتر في غاية التقديس لدى الكورد، بتنفيذ مشاريعهم الموبوءة بالاحتيال والاختلاس أو التسول والارتزاق، والأمثلة كثيرة ربما نأتي إليها في مقالات قادمة نتحدث فيها عن تفاصيل تلك الظاهرة المرضية التي انكشفت وبانت عوراتها، حيث مثلت بدقة واستحقاق عنوان مقالنا هذا وكانت أهم أعمدة الفساد والحرام في مالها ورزقها وسلوكها في كل المعايير.

kmkinfo@gmail.com



105
دولة " اللنكات والبالات "

كفاح محمود كريم


     في بلاد حباها الله بثروات هائلة تحت الارض وفوقها، ومكونات حيوية سكنت ثراها المتنوعة التضاريس والمليئة بالمياه والغابات، تجملها الهضاب والصحاري المكتنزة بما منحته الطبيعة من معادن ومركبات، بلاد تضم شعوبا واديانا ومذاهب وقوميات وأعراق، لا تختلف عن أي بلاد في الأرض إلا في حظها السيء وإداراتها الاسوء منذ تأسيسها ككيان سياسي رغم إرادة مكوناتها، إدارات تسلطت بغفلة من الزمن التعس والاستغلال البشع لتخلف الأهالي وفقرهم، مستغلة شتى أنواع المفاتيح الغرائزية والدينية والعنصرية لتبرير استمرارها في الاستحواذ على المال والثروة والحكم وترك الأهالي يتلظون فقرا تغطيهم أكداس من أللنكات والبالات في الملابس والأفكار والثقافات.

     ولكي يدرك قراءنا من خارج البلاد العراقية ما تعنيه اللناكات والبالات مفردات ومتداولات شعبية عراقية موروثة تعطي صور بلاغية في التوصيف، قد لا ترتقي له الفصحى في كثير من الحالات، خاصة لدى القراء العراقيين، ولكي يكون قارئنا من خارج العراق على دراية بمعنى مفردتي " اللنكة والبالة " علينا أن نعرف معناهما في الفصيح، فـ "اللنكة" تعبر عن أي شيء قديم بسبب الاستخدام وليس بالزمن فقط، وكذا الحل في "البالات" التي تصف الملابس المستخدمة، والتي تكثر اليوم في أسواق العديد من مدن الشرق الأوسط، وتضاعفت كثيرا بعد اندلاع مهرجانات الربيع العربي الدامي، وهي في معظمها قادمة من أوربا وأمريكا بأكداس معبقة بمشاريع الديمقراطية والعولمة ومراكز ومعاهد تعليمها، التي انتشرت بكثافة تشبه غزارة دكاكين أسواق هرج ومريدي العراقية!

     ودعوني استعير اللفظتين الدارجتين اللتين تعبران عن المواد المستهلكة وأحيانا كثيرة المهترئة، للتعبير عن شريحة من السياسيين والإعلاميين المستخدمين والمستهلكين كثيرا إلى درجة ربما أكثر من اللنكات أو البالات، حيث وصل حال بعضهم إلى درجة مزرية تقترب من الاهتراء والاندثار، رغم كل الإكسسوارات والمنشطات الداعمة من الممولين، والتسميات والعناوين الممنوحة لهم على شاكلة مدير معهد أو مركز كذا للديمقراطية وحقوق الإنسان، خاصة أولئك الذين انتجتهم نافورة الإعلام ومفرخات السياسة البلهاء في بلدان ما يزال سياسيوها اللصوص يصرون على نزاهتهم باسم الرب والكتاب المقدس والأمة العظيمة، حالهم حال رفاقهم في داعش الإرهاب التي ادعت وكالتها للرب على الأرض، وقيامها بواجباته المفترضة على أساس عقيدتها الفاسدة!

     هؤلاء المستهلكين حد التهري، لا لكونهم مخضرمين، بل لكثرة استخدامهم من ممولين وأصحاب أجندات وأموال، ينفذون من خلال مواسم الأزمات والوفرة المالية ليقدموا خدماتهم في بيئة فاسدة تستدعي استخدام المستخدم وان كان مستهلكا، كما يفعل الكثير من الساسة والإعلاميين وما يسمى بالخبراء الاستراتيجيين، ومدراء معاهد ومراكز ما يسمى بالديمقراطية أو كما ينطقها بعض الأهالي تهكما " الديموغلاجية " أي ديمقراطية الحرامية وحكمهم، حيث عجت السوق السياسية العراقية وبازار الفضائيات وقاعات مزايدات المشاريع بالمئات من هؤلاء الحاملين لعناوين لا أساس لها في تكوينهم أو قابلياتهم أو تأهيلهم، فتراهم منتشرين في البرلمان والحكومة والإعلام ومنظمات أو دكاكين ما يسمى بالمجتمع المدني ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ولكي لا نظلمهم ونفرق بين " اللنكة " و " البالات "، فان "اللنكة" خير ما تنطبق على الكثير من شاغلي كراسي البرلمان والحكومة وملحقاتها في جميع الوزارات وخاصة غالية الثمن مثل الخارجية والداخلية والمالية والعدل والدفاع، أما "البالات" فخير ما ينطبق عليهم هذا التوصيف هم إعلاميو الصدفة وفضائيات البذاءة وأصحاب دكاكين ما يسمى بمراكز ومعاهد الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تأسست في السنوات الأخيرة لبيع وشراء كافة أنواع المشاريع والكوبونات والمقابلات الفضائية مدفوعة الأجر، بعد أن فشل أصحابها بالاستئثار على منصب في افشل دولة بالعالم ففتحوا دكاكينهم لبيع أكداس من " اللنكات والبالات " السياسية والإعلامية وحسب المقاسات والأحجام!

     بلاد تعوم على بحور من الثروات وتعلوها أجمل وأثرى ما في الطبيعة من تضاريس ومياه وخصوبة، وتسكنها أقوام وأعراق لو أتيحت لها فرصة التحرر والتقدم وحق تقرير المصير، لأقامت حضارة تفتخر بها الإنسانية جمعاء، لكنهم الأوباش العنصريون والمتطرفون قوميا ودينيا أحالوها إلى دولة للبالات واللنكات!.
kmkinfo@gmail.com
 




106
المنبر الحر / سنجار ورد الاعتبار
« في: 20:44 10/12/2015  »
سنجار ورد الاعتبار
كفاح محمود كريم

     بدخول البيشمركة إلى مدينة سنجار وأطرافها وتحرير أرضها من دنس البدائيين الأوباش، تكون هذه القوات قد أعادت الاعتبار إلى القيم الأخلاقية للحضارة الإنسانية التي دنستها منظمة إرهابية ادعت إنها تمثل عقيدة دينية فاسدة لا تمت بصلة لهذا العصر ولا لحضارة الإنسان وسلوكه القويم، فقد تعرضت هذه المدينة وشقيقاتها في ولآت شيخ بسهل نينوى وتحديدا في بعشيقة وبحزانى وبرطلة وبغديدا وتلكيف وبقية القرى والبلدات التي تضم أقدم ديانات البشرية ومعابدها من الايزيدية والمسيحية، تعرضت إلى أبشع أنواع التعدي على الكرامة الإنسانية في استعباد البشر والمتاجرة به، فيما سمي بالسبي وغنائم الحرب المقدسة القذرة التي شنوها على هذه المكونات الأصيلة في بلاد ما بين النهرين.

     لقد اجتاحت أجلاف الصحراء ومجاميع من شذاذ الآفاق والأخلاق، مدنا وبلدات وقرى آمنة متعايشة، فأشاعوا بينها الموت الزؤام والدمار، وقتلوا آلاف الرجال، واستباحوا أضعافهم من النساء والأطفال، ووصلت بهم الدناءة والسقوط الأخلاقي إلى بيع الأطفال والنساء في أسواق النخاسة، التي أعادوا فتحها في المدن التي احتلوها بعد العاشر من حزيران 2014م في الموصل وسنجار، ومزقوا نسيجا اجتماعيا ومنظومة أخلاقية تراكمت عبر مئات السنين بين سكان هذه المناطق من مختلف المكونات القومية والدينية والمذهبية.

     ولأن عمر الرذيلة اقصر مما يتصوره البعض مهما طال زمن شيوعها، وان الفضيلة وان كانت كما يظن البعض الآخر مفقودة أو قليلة، إلا أن واقع الحياة يؤكد أنها الأكبر والأكثر شيوعا بين البشر، وإلا لما كانت استمرت الحياة ومواصفاتها الراقية، ولذلك لم تجد هذه العصابات المتوحشة أحدا تحكمه في هذه المدن والبلدات الأصيلة، حيث فضل سكانها الشتات والنزوح واللجوء بكل ما تعنيه هذه الصفات من معاني أليمة، على أن تتمتع هذه الكائنات المسخ بممارساتها السادية المريضة، وتشعر بأنها تتحكم بأحد، فتركوا كل شيء إلا أنفسهم وكرامتهم العصية على هؤلاء الإرهابيين.

     حقا ستبقى أفعالهم وصمة عار في جبين الحركات الدينية والقومية العنصرية، ودرسا بليغا لأولئك الذين يعتقدون إن بإمكانهم بالترهيب والإذلال والقتل المروع إذابة المكونات المختلفة، وتحديدا الكورد وديانات الايزيدية والمسيحية والصابئة المندائية، الذين تعرضوا تحت حكم الأفكار الدينية والقومية العنصرية والمتطرفة إلى أقسى أنواع الاضطهاد والتعذيب والانتهاك لأبسط حقوق الآدمية، حيث مارس الفاشيون الجدد تحت يافطة الإسلام أبشع أنواع الممارسات الوحشية بحق الإنسان، وتركوا ورائهم عشرات المقابر الجماعية التي تدينهم عبر الأجيال كما هي مقابر صدام حسين وحزب البعث التي خلفوها بعد سقوطهم، لتكون عبرة للشعوب والأنظمة والدول التي تنتهج الفاشية والشوفينية أسلوبا في نظامها السياسي والاجتماعي.

     إن انتصار البيشمركة في تحرير سنجار ( شنكال ) فتح الطريق إلى تحرير الموصل والرقة والانبار، وبقية المدن المختطفة من قوى الظلام والوحشية، وأعاد للقيم الأخلاقية العليا للإنسان والإنسانية ارفع مستويات الاعتبار.

kmkinfo@gmail.com

107
ما مشكلتهم مع كوردستان؟

كفاح محمود كريم

     كشف الكاتب والصحفي الصديق ابن الحلة الفيحاء الأستاذ عدنان حسين بمقالته النقية ( ما مشكلتكم مع الكرد؟ ) وهو يخاطب طبقة سياسية فاسدة في فكرها وثقافتها وسلوكها وانتمائها، منذ أن تولت في غفلة من الزمن مقاليد الأمر والنهي، في بلاد اختلط فيها الحابل بالنابل لتطوف فوق مياهها الآسنة، مجاميع من السراق والمغتصبين والكذابين والعملاء الأقزام، كشف وهو يكرر سؤاله المليء بالألم لهؤلاء الذين يتمتعون بعذابات شعبهم ويمارسون أسوء عمليات التعذيب بحقه في إفقاره وإذلاله وتسطيح تفكيره وإدامة سذاجته وتخلفه، كشف عاراتهم وعوراتهم التي أخزت البلاد والعباد في بلاد أدمنت حكم الطغاة الأغبياء!

     حينما ارتفعت رايات كوردستان والعراق فوق جبل سنجار على أيدي البيشمركة محررين فيها واحدة من اعرق واكبر مدن الشمال الغربي الكوردستاني والعراقي في مدينة شنكال ( سنجار ) انكشفت عورات اولئك الإبطال الورقيين والفضائيين اللصوص الذين تسببوا في سقوط ثلث البلاد العراقية بأيدي مرتزقة إرهابيين قدموا من كل دهاليز الجريمة وسراديب الأفكار المتعفنة، ليمارسوا فوق أديم العراق واعرق مدنه عمليات إطفاء الشمس وتلويث الحياة وتمزيق نسيجه الاجتماعي والأخلاقي، كما فعل أسلافهم الشباطيون من الحرس القومي وأتباع صدام منذ 1963 وحتى تولي هؤلاء العارات والنكرات مقاليد الأمر والنهي بعد انهيار هيكل البعث وحكومته في نيسان 2003م.

     لقد بانت عوراتهم وعاراتهم بعد تحرير سنجار وقبلها زمار وسد الموصل وربيعة ومخمور والحفاظ على كركوك من السقوط، بينما سلموا هم مدنا عظيمة كالموصل وتكريت والانبار ومساحات شاسعة من غرب البلاد وهربوا بدشاديشهم، ولكي يساووا حيطانهم كما يقول المثل الدارج سخروا ماكينة دعايتهم ومفاتيح الغرائز والعقائد بين العامة من الأهالي، لإشاعة الكراهية والأحقاد وتأجيج الفتنة بين مكونات هذا الوطن المجروح بهم ومنهم، فاختلقوا أزمة في مدينة سلخها زعيم الفاشية العراقية صدام حسين من كركوك وضمها إلى تكريت مع مجموعة من البلدات الأخرى، لإدامة سياسته سيئة الصيت في التعريب والتغيير الديموغرافي العنصري، مدينة اختلطت فيها الدماء رغم كل ما جرى على أرضها وبين مكوناتها، اختلقوا فيها أزمة مفتعلة وجيشوا لها كتائب من ميليشيا القتل والسحل والسرقة والابتزاز، تهدد وتتوعد في اكتساح كوردستان وإبادة الكورد لأنهم أبناء الجن!؟

     مشكلتهم ليست اليوم كاتبنا العزيز، وليست في الطوز أو سنجار أو رفع العلم أو استثمار النفط أو الصلاحيات، مشكلتهم اكبر بكثير، فهي تتعلق ببنيتهم الفكرية والثقافية والسياسية وبسلوكهم المتوارث والمتكلس منذ مئات السنين، مشكلتهم ليست مع كوردستان ومشروعها الحضاري وبنائها المدني وتوجهها إلى حق تقرير المصير، والخروج من دائرة طغيانهم وتخلفهم وأمراضهم وبدويتهم المقيتة، التي تحولت إلى حرباء سياسية في أشكالها وألوانها، منذ أن أدغمنا في كيان اصطنعه البريطانيين والفرنسيين، واستحوذوا فيه على كل مفاتيح السلطة والقرار والمال ومقاليد الحكم المطلق، مشكلتهم مع الكل المختلف معهم سواء في الفكر أو الرأي أو الدين أو المذهب أو العرق أو القومية، المشكلة ليست اليوم فقط، فهم مجرد ممثلين وأدوات لتلك الثقافة التي تحكم هذه المنطقة من العالم منذ أن تأسست كياناتها السياسية في غفلة من شعوبها قبل مائة عام من الآن!

     بون شاسع بيننا وطريقان مختلفان تماما في رحلتينا، نحن ذاهبون الى حيث تشرق الشمس لكي نبدأ حياتنا الجديدة، وهم راحلون الى دهاليزهم المعتمة وافكارهم الظلامية المقيتة!
kmkinfo@gmail.com

كوردستان
26 تشرين ثاني 2015م


108
انتصار الحضارة في سنجار
كفاح محمود كريم

     بين فجر الثالث من أغسطس 2014م وفجر الثاني عشر من نوفمبر 2015م حقبة من تاريخ الحضارات والمدنية وفرق ضوئي بين القيم العليا لحضارة الإنسان بعد ملايين السنين من الوحشية والبدائية وبين سقوط مريع لتلك القيم وانهيار فضيع في سلوكيات كائنات بشرية صادف وجودها في هذه الحقبة من الزمان حينما داهمت إحدى مدن الشمس في كوردستان واستباحت مدينة سنجار أو نكال أو شنخار كما كان يطلق عليها الميديون والآشوريون، أو سبتميا أو اورليا كما كان يسميها الرومان وهم يقيمون فوق ثراها واحدة من أجمل مدنهم خارج إمبراطوريتهم!

     سنجار التي ضمت بين جناحي جبلها المثير ( طوله 72كم وأعلى قمة فيه 1442م فوق سطح البحر ) أكثر من ثلاثمائة ألف نسمة، جلهم من الكورد الايزيديين والمسلمين، استبيحت في فجر الثالث من آب 2014م من قبل  عصابات إرهابية فاشية من بقايا ثقافة الصحراء والفكر ألبعثي العنصري وكوادره الامنية والعسكرية والمخابراتية، تحمل معها أكوام من الحقد المتراكم والكراهية المقيتة ومركبات النقص الهائلة، لكي تفرغها قتلا وتدميرا واغتصابا ونهبا وسلبا في مدينة لم تعرف إلا التسامح والتعايش بين كل الأقوام.

     وخلال ما يقرب من 15 شهرا فقدت المدينة حيويتها وبنيتها التحتية،  وقتل فيها المئات من رجالها وسبيت الآلاف من نسائها وأطفالها، وكان آخر تحديث أصدرته المديرية العامة لشؤون الايزيدية في وزارة الأوقاف لما اقترفته داعش قبل تحرير المدينة من جرائم هو:*

- النازحين: 400000
- اللاجئين: 65000
- المخطوفين: 5838
- المفقودين: 841
- الشهداء: 1280
- المتوفين: 280
- الجرحى: 890
- المزارات المفجرة: 18
- المقابر الجماعية المكتشفة في سنجار: 12
-----------
العدد الكلي للمخطوفين بأيدي داعش 5838
الرجال:كلي للناجين من أيدي داعش : 2014  منهم ..
الرجال : 300
النساء : 767
الأطفال الإناث : 462
الأطفال الذكور : 485

هذا غير الحرق والتدمير لبيوت الأهالي في مدينة كانت تضم في مركزها ما يقرب من مائة ألف نسمة، استهدفتهم داعش ومن والاها من العنصريين والفاشيين لجرح كرامتهم وإطفاء تألق وعنفوان مدينتهم، لكنها كانت مثل جبلها الأشم قوية صلبة رغم جراحها البليغة، قاومت ولم تمت رغم الدمار الهائل الذي أصابها، فلم تنضب ينابيعها وعيون الماء فيها، ولم تتوقف أشجارها عن النمو، وبقيت سماؤها صافية حينما مرت نسائم الحرية واكتسحت دخان داعش الداكن في فجر الثاني عشر من نوفمبر 2015م حيث قاد الرئيس مسعود بارزاني القائد العام لقوات البيشمركة آلافا من مقاتلي شنكال (سنجار) وبقية مدن كوردستان،  ومن مختلف الصنوف لتنفيذ عملية ( شنكال حرة ) التي حررت المدينة  وأطرافها في اقل من 28 ساعة، محققة نصرا كبيرا وانكسارا اكبر لداعش في قوتها ومعنويات أفرادها في العراق وسوريا، بعد أن سيطرت على الطريق الاستراتيجي الذي يربط الموصل بالرقة.

     لقد أعادت قوات البيشمركة الكوردستانية في سنجار، الاعتبار للقيم الأخلاقية العليا لحضارة الإنسان ومدنيته، بعد أن تدنت إلى حد البدائية المتوحشة على أيدي منظمة إرهابية اعتمدت عقيدة بربرية لا مثيل لها في بطون التاريخ المعاصر، حيث لم تشهد البشرية منذ قرون ما فعلته داعش في شنكال ( سنجار ) من عمليات قتل مروعة وسبي للنساء والأطفال والمتاجرة بهم، حقا كان انجازا عظيما ما قامت به قوات البيشمركة، وصدق الرئيس بارزاني في تحقيق وعده، وما تبقى ليس أسهل من التحرير إن لم يكن أكثر تعقيدا وصعوبة، في مدينة مزق  العنصريون الفاشيون أنسجتها الاجتماعية والقيمية والقومية، وخربوا كل بنيتها التحتية، بل لم يبق بيتا واحدا دونما تدمير أو سلب ونهب وحرق، ولأجل ذلك فان أمام حكومة كوردستان والحكومة الاتحادية في بغداد والمجتمع الدولي تحديات كبيرة، في مقدمتها اعتبار ما حصل لسكانها إبادة جماعية وملاحقة مجرميها أينما كانوا، وتحرير النساء والأطفال الذين تم أسرهم واستعبادهم، وإعادة اعمار المدينة وقراها وتعويض سكانها، والعمل بجدية من اجل إعادة اللحمة بين مكوناتها ودرء خطر عودة هكذا عصابات إرهابية مرة أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* إحصاءات المديرية العامة لشؤون الايزيدية بوزارة الأوقاف في كوردستان.

109
كوردستان والقيم العليا

كفاح محمود كريم

     مَن عرف كوردستان وشعبها أدرك قيمها العليا واكتشف إن في سلوكيات أهاليها ما ترفع لهم القبعات كما يقولون، ولعل ما حدث بعد انتفاضة آذار 1991م، وتحديدا بعد سنوات من مجازر الأنفال وحلبجة، أو بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003م، اثبت للعالم اجمع عمق وسمو القيم الرفيعة التي يتصف بها شعب كوردستان وقيادته، حينما احتضن مئات الآلاف من الجند الذين سقطوا بأسر الثوار والشعب، وكيف تم التعامل معهم بأعلى قيم الإنسانية دونما انتقام أو كراهية، وكذا كان الحال مع مرتزقة النظام وعملائه ممن كانوا يسمون بالجحافل الخفيفة التي تم إعفاؤها والتسامح معها، في واحدة من ارقي آيات المسامحة والتعايش التي أدت إلى نهوض كوردستان وتطورها الاجتماعي والسياسي والحضاري.

     لقد واجه الإقليم منذ استقلاله الذاتي عن حكومة بغداد عام 1991م وحتى يومنا هذا، الكثير من المشاكل والتحديات الداخلية والخارجية في خضم حصار مزدوج مضروب حوله من قبل الأمم المتحدة والنظام العراقي في حينها طيلة عقد التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، بما في ذلك تلك الحرب القاسية التي فرضتها أجندات أجنبية أنفقت مليارات الدولارات من اجل تحطيم كوردستان وتجربتها، إلا إن شعب كوردستان وفعالياته السياسية على اختلاف مشاربها ورؤاها انتصرت للوحدة والتسامح والحوار من اجل مصالح البلاد العليا ونجحت في حل أكثر المشاكل تعقيدا، ونهضت كوردستان وغدت ملاذا وواحة للسلم والأمن والعمل والأعمار، فاحتضنت مئات الآلاف من العراقيين الهاربين من جحيم الإرهاب والبطالة والخوف، وغدت كيانا فرض احترامه على الجميع من خلال قيمه النبيلة العليا.

     وفي الحراك السياسي الأخير وما رافقه من عمليات عنفية أثناء التظاهر في بعض البلدات شرق الوطن وتداعياته السياسية، تصور البعض من السذج سياسيا والمثيرين للسخرية إن شعب كوردستان سيتخلى عن قيمه الخلاقة، وان مجرد خلاف سياسي هنا أو هناك سيدمر الإقليم وتجربته، وقد ذهب العديد من أولئك المرتزقة الفاشلين سواء في الداخل أو خارج الإقليم إلى الإيحاء بانهيار الإقليم أو قيام حرب أهلية، واشتغلت أبواق الدعاية لكل من عادى ويعادي الكورد وكوردستان ومشروعهم النهضوي، في شن حملة رخيصة لتمزيق وحدة الصف الكوردستاني باستخدامهم لأقلام وأصوات داخلية، ما هي إلا صدى لذلك التاريخ العفن لجوقة الجحوش سيئة الصيت التي اندثرت مع نهوض كوردستان وشعبها وأصبحت صفحة سوداء مزقها الشعب وأرسلها إلى الماضي.

     إن قيم كوردستان النبيلة الناتجة من تراكم حضاري أخلاقي ونضالي عبر تاريخ طويل من الصمود والمقاومة للحفاظ على الهوية الوطنية والقومية، تعكس اليوم وفي ظروف غاية في التعقيد حيث تتعرض البلاد إلى حرب ضروس تستهدف وجودها شعبا وأرضا، تعكس أصالة هذا الشعب ومقدرته على الوحدة والتعايش والتسامح والانتصار الأكيد على العدو الذي يستهدف ما أنجزه الشعب عبر تاريخه، حيث ستبقى هذه القيم المصد الأقوى والسور الأعلى لحماية كوردستان وشعبها ومشروعها النهضوي.

kmkinfo@gmail.com




110
كوردستان لا يصح فيها إلا الصحيح!

كفاح محمود كريم

     لقد أماطت الأحداث الأخيرة في بعض بلدات السليمانية اللثام عن توجه متطرف يميل إلى الإرهاب أكثر من ميله إلى أعمال العنف فقط، حيث تميزت الهجمات الأخيرة على مقرات الأحزاب والمنظمات ووسائل الإعلام، بتنظيمها الدقيق واستخدامها شريحة المراهقين على طريقة تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) في انتقائها للانتحاريين ومنفذي الأعمال الإرهابية، كما شهدها العالم اجمع سواء في العراق أو سوريا أو غيرها من البلدان، مستخدمة أساليب إرهابية مثل الحرق والرجم بالحجارة وتدمير المقرات وقتل أعضائها أو منتسبيها في أعمال الغاية منها إرهاب الآخر وليس إعلامه أو إبلاغه كما تدعي في التعبير عن الرأي!؟

     وقراءة أولية تحليلية للسلوكيات التي شهدناها على شاشات التلفزة من قبل مجاميع من المراهقين في عمليات الحرق والهجوم والتخريب لمقرات الأحزاب والمنظمات والفضائيات، ندرك ماهية الشخصيات التي تقود وتوجه تلك المجاميع وندرك التطابق الكبير بينها وبين من كان له دورا ميدانيا رئيسيا في مذبحة راح ضحيتها العشرات من بيشمركة الأنصار الشيوعيين عام 1983م الذين تمت تصفيتهم على يده بدم بارد وبغدر مثير جدا لا مثيل له في المنطقة، بل إن الذاكرة الأليمة لفترة الاقتتال الداخلي تؤكد ضلوعه وعصابته بأعمال إجرامية تنم عن إن أصحابها ذوي عاهات نفسية في مقدمتها السادية التي ميزتهم في معظم مراحل نشاطهم.

     ويبدو إن أجهزة دعايتهم وبيادقها تمارس نمطا من الإسقاط اتضح بشكل جلي في وسائل إعلامهم وكتابة كوادرهم في الصحف والمواقع الالكترونية، حيث يسقطون ما فيهم من أمراض نفسية وعاهات اجتماعية ومركبات نقص يعانون منها على الآخرين الذين يشعرون إزائهم بالتقزم والشعور بالتلاشي، خاصة وإنهم فشلوا في أن يقدموا أنفسهم كحزب أو منظمة طيلة السنوات الخمس الماضية رغم ما استحوذوه من أموال بأساليب ملتوية ومشبوهة من مصادر داخلية وخارجية، والأغرب من كل ما ذكرناه التطابق الكبير بينهم وبين جوقة المالكي الدعائية ضد الإقليم وقادته ومؤسساته وطموحات شعبه، فهم جميعا يعزفون على ذات الأوتار وبنفس الألحان!؟

     لقد حاولت القوى السياسية الرئيسية في البلاد احتوائهم كمجموعات منفلتة وغير منضبطة، لم ترتق إلى مستو حزب أن تساعدهم للتحول إلى قوى منظمة وفاعلة وطنيا ومشاركة في صنع القرار سواء تحت قبة البرلمان أو في السلطة التنفيذية، لكن الأيام الماضية أثبتت إن تيارا فاشيا ينمو بينهم وبشكل متسارع، تيار لا فكر له ولا برنامج إلا الفوضى وإعاقة تقدم العملية السياسية في الإقليم وتطورها، حيث اقترفوا خطأ فادحا في ممارسة دور المشارك في الحكومة والمخرب لها، وما قاموا به خلال الشهرين الماضيين كشف النقاب عن مؤامرة كبرى كانوا يحيكونها لإيقاف عجلة التقدم السياسي للإقليم والعمل على انهياره ومن ثم انصياعه لمقدرات من يعاديه من دول الجوار وغيرها في الداخل والخارج.

     إن الهجمة الدعائية التي تشنها أجهزتهم وكتابهم أصبحت من السذاجة والبذاءة، محط اشمئزاز وسخرية الأهالي الذين يعرفون جيدا من هم هؤلاء وما هو تاريخهم وأسباب نشوئهم وأساليبهم في العمل التي تؤشر لتبلور قوة فاشية دكتاتورية تعمل تحت طغيان وتفرد شخص لا يؤمن بالآخر ولا يقبل وجوده ويدعي انه يناضل مدنيا وديمقراطيا، وحينما يشعر بالفشل يعود إلى أصله في الإرهاب الذي شهدناه في ممارساته الأخيرة التي اعتمد فيها اساليبا داعشية بتميز، ورغم انه لا يمكن المقارنة بين الثرى والثريا، إلا أن ما أنجزه الديمقراطي الكوردستاني وزعيمه البارزاني طيلة أكثر من نصف قرن يؤكد مصداقية هذا الحزب وجماهيريته العريضة التي تتضح في كل مرة يحاول أعدائه ومنافسيه بشتى الوسائل تحجيمه، يؤكد فوزه العظيم من خلال ما قدمه من تضحيات هائلة وما أنجزه في مسيرة البناء والاعمار لكوردستان خلال فترة قياسية، وما حصل خلال العامين الأخيرين ورغم هول ما تعرض له الإقليم برئاسة الرئيس بارزاني من هجمة متوحشة في حرب ضروس استهدفت كيانه ووجوده، فقد انتصرت كوردستان، وصمدت أمام مشاريع تدميرها من خلال قطع حصتها من الموازنة وإيقاف صرف معاشات موظفيها التي تؤكد أخبار مهمة عن ضلوع هذه الجماعة في تكريس الأزمة المالية بالتعاون مع إدارة المالكي وأجهزته، ورغم ذلك حافظت كوردستان على صمودها وامن وسلامة أكثر من مليونين من النازحين الذين اختاروها ملاذا يحفظ أمنهم وكرامتهم وعوائلهم رغم الضائقة المالية للإقليم.

     بعد عدة أيام من انفلاتهم بانت عوراتهم وسقطوا ليسقطوا ما فيهم على الآخرين، لكنهم نسوا إن حبل الكذب قصير وان فاشية جديدة وقوى فوضوية لن تجد لها في كوردستان بيئة لنموها أو وجودها، لسبب بسيط هو إن الأهالي أدركوا إن اقصر طريق إلى تحقيق الهدف الأسمى لهم، هو الحوار المتحضر وقبول الآخر والديمقراطية والتعبير عن الرأي بأساليب أخلاقية رفيعة وراقية ، لا باستخدام العنف والحرق والإرهاب كما تفعل داعش وغيرها.

ولا يصح إلا الصحيح..





111
كوردستان بأيادي أمينة!

كفاح محمود كريم

     لقد مرت كوردستان والحركة التحررية الكوردستانية بتجارب وتحديات كثيرة، وعصفت بها أزمات وحروب ومؤامرات عديدة، وفي كل مرة كانت تنهض اقوي وأروع مما كانت عليه، وخير ما يجعلنا نؤمن بأنها في المسار الصحيح ولا خشية عليها، إنها تجاوزت الانشقاقات وما تلاها من تآمر دولي لإيقافها في 1975م وبعد ذلك حرب الإبادة والأنفال والاقتتال الداخلي لكنها سرعان ما نهضت اقوي مما كانت عليه، لتتحول بعد انتصار انتفاضة آذار 1991م من حركة تحرر ثورية إلى كيان سياسي ديمقراطي، ومؤسساته المنتخبة مباشرة من الشعب.

     واليوم وبعد بناء أسس المستقبل الزاهر، تواجه كوردستان وقيادتها الحكيمة ثمن إصرارها على إكمال المشوار في البناء والاعمار وتحقيق حق الاستقلال بأي شكل من الأشكال، تحديات كبيرة ومؤامرات خبيثة، ففي مسيرتها منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي واجهت أنماطا وأشكالا كثيرة من الأعداء، سواء من الأنظمة الدكتاتورية وجيوشها أو من المصنوعين في دهاليز المخابرات المحيطة بالإقليم، والتي كانت تعمل تحت كل الظروف سواء من الداخل باستخدام أساليب شق صفوف الحركة أو زرع مندسين يعملون من خلالها على إفسادها، أو الهجوم المباشر عليها كما حصل في إسقاط جمهورية كوردستان الأولى عام 1946م، أو التآمر الدولي لإسقاطها في 1975م، أو من خلال الاقتتال الداخلي لإيقاف مسيرة الاستقلال وبناء أسسه، وها هي اليوم تكشف عن أنيابها ثانية حينما أصبح شعب كوردستان قاب قوسين أو ادني من تحقيق استقلاله الاقتصادي والسياسي وانتصاره النهائي على قوى الإرهاب والشوفينية التي تهدد كيانه.

     إن ماكينة إنتاج الجحوش ( وهي كلمة تطلق في كوردستان على عملاء الحكومات الدكتاتورية ) التي تم تصنيعها في كل من بغداد وطهران قبل أكثر من نصف قرن، بعد اندلاع كبرى الثورات الكوردستانية في 11 أيلول 1961م، وان كانت صدئة اليوم، فإنها ما تزال تنتج أجيالا مشوهة من ( الجته- وهي ميليشيا حكومية من عملاء السلطات تقوم بمحاربة الثورة الكوردية ) بأشكال وأنماط وهيئات لا تختلف في جوهرها عن فرسان الأفواج الخفيفة، المتخصصة في خيانة شعبها وقضيتها والمتمرسة في معاداة كل مشروع من اجل الحرية والاستقلال، تعود اليوم مرة أخرى لتنفذ ذات البرامج التي يتم وضعها في دهاليز مخابرات الدول التي تعادي تطلعات شعب كوردستان وممارسة حقه في تقرير المصير، جنبا إلى جنب مع داعش التي تستهدف وجود الكورد وكوردستان.

    إن كوردستان اليوم قد أخذت كل لقاحات هذه الأمراض الوبائية، ومرت بكل ادوار التحديات الداخلية والخارجية، حيث تجاوزت أكثر الأحداث دموية في حلبجة والأنفال، وأتعسها في الاقتتال الداخلي، وتفرغ شعبها بعد الانتفاضة ورغم كل التعقيدات والمؤامرات إلى بناء تجربته وتحقيق ذاته، فحولها خلال سنوات إلى جزيرة مزدهرة وملاذ آمن لكل العراقيين المضطهدين، لكي تصبح منارا للحرية والازدهار والمدنية.

      إن البيشمركة الذين ارسوا أسس هذا الكيان ونجحوا في الحفاظ عليه منذ ربع قرن وانتصروا على اعتى قوة إرهابية عرفها الإنسان في التاريخ الحديث، بما جعلها مصطلحا عالميا يرمز للمقاومة والدفاع والفروسية على مستوى العالم بأجمعه، قادرة اليوم وبشجاعتها المعهودة الحفاظ على مكتسبات شعب كوردستان وأمنه وسلامة أراضيه وأمنه القومي والوطني.

اطمئنوا كوردستان بخير والغيوم السوداء عدت..

kmkinfo@gmail.com





112
البيشمركة.. الرقم الأصعب


كفاح محمود كريم

     بينما يختار زعماء العالم والرأي العام الأوربي توصيفات رفيعة لقوات البيشمركة التي تحولت من مصطلح يومئ إلى مقاتلين جبليين بالزي الفلكلوري الكوردي،  إلى رمز للمقاومة والفروسية والانتصار للحضارة الإنسانية على اعتي قوة إرهابية وحشية شهدها العالم في التاريخ الحديث، يتنكر بعض المسؤولين العراقيين وعلى رأسهم رئيس الحكومة الاتحادية حيدر العبادي لمجرد ذكر ما أنجزوه من انتصارات جعلت العالم المتحضر في كل أصقاع الدنيا يتداعى إلى كوردستان معجبا وداعما لهذه القوات وزعمائها الذين ما برحوا ارض المعركة منذ اندلاعها وحتى يومنا هذا.

     والغريب إن السيد رئيس الحكومة الاتحادية العراقية من المفترض أن يمثل كل مكونات العراق ومؤسساته، وما أنجزته تلك المكونات والمؤسسات ومنها قوات البيشمركه التي يعتبرها هو جزء من المنظومة الدفاعية العراقية، يخرج في كل خطاب أو كلمة وآخرها في الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا، ليمتدح بطولات وانتصارات الحشد الشعبي وهي مجموعات تطوعية عسكرية تم تشكيلها بفتوى من المرجعية الشيعية العليا للدفاع عن المراقد المقدسة في سامراء والكاظمية والنجف وكربلاء، وعليها اعتراضات كبيرة من أهالي المناطق التي تقاتل فيها، مثل الانبار وتكريت وديالى، وتخوف كبير إلى حد رفض مشاركتها بتحرير الموصل، بينما تنال الأخرى أي قوات البيشمركة رضى وإعجاب العراقيين والعرب عامة ودول العالم خاصة الولايات المتحدة وكندا واستراليا والاتحاد الأوربي، إضافة إلى الرأي العام العالمي الذي وقف إجلالا وإكبارا لها في كل المناسبات والمواقع.

     وبمتابعة سريعة لمعظم المسؤولين العراقيين وخاصة الخارجين من تحت عباءة المالكي وحزبه ومن والاهم، وورثة ثقافة البعث الشوفينية وأمثالهم من المتطرفين الدينيين والمذهبيين، يدرك أن جبهة المعاداة للبيشمركة تصطف تماما مع أولئك الذين ذبحوا أسراهم قبل عدة أيام، في واحدة من أبشع عمليات الانتقام الجبانة التي تمارسها هذه الجبهة وان اختلفت في التسميات والأفكار لكنها دوما تنطلق من ذات المنطلقات في التهميش والإقصاء والإبادة، حيث لا يختلف اثنان في توصيف من يقصي أو يهمش فعل قوات البيشمركة مهما كان موقعه أو انتمائه، عن أولئك الذين ذبحوا أسراهم، وهم يدعون أنهم وارثي عقيدة الإسلام التي تحرص كما جاء إلينا من كتب التاريخ أو القصص على أنهم أطلقوا سراح كل أسير مقابل أن يعلم عشرة من أمييهم القراءة والكتابة، وان لا يقتلوا طفلا أو امرأة أو اعزل أو أسير!

     البيشمركة التي يحاول البعض وخاصة من رموز ترويكة حكم كتلة القانون ومن والاهم، تهميشها أو إقصائها، وذبح الآخرون سبعة من أبطالها الأسرى، هذه القوات وطيلة أكثر من سبعين عاما لم يسجل عليها قتل أسير أو جريح أو القيام بعمليات إبادة جماعية أو انتقام أو عمل إرهابي يستهدف المدنيين بحجة كونهم مع العدو أو بقربه، قوات كانت وما تزال يتخلى أفرادها عن مأكلهم وأغطيتهم لصالح أسراهم وجرحاهم من العدو، ويشهد العراقيون طيلة سنوات الصراع المريرة مع الأنظمة إن هذه القوات كانت حضنا دافئا وآمنا لأبنائهم المغرر بهم والمغصوبين على مقاتلة الكورد وثورتهم حينما يقعون في الأسر أو يلتجئون إليها.

     البيشمركة لم تعد مجاميع من الثوار تقاتل الأنظمة الدكتاتورية، أو رقما عشوائيا في معادلات القوة والسياسة والسلم والأمن الدوليين، بل أصبحت الرقم الأصعب في المشهد السياسي والعسكري الإقليمي والدولي، ورمزا عالميا وليس كوردستانيا أو عراقيا فقط، للدفاع عن مبادئ الحضارة الإنسانية وقيمها العليا أمام غول التخلف والهمجية، ومحاولات إعادة البشرية إلى دهاليز ظلام العنصرية والتطرف الديني المقيت.

     كان حري بالمسؤول العراقي أن يقلد زعماء دول العالم في الإشادة بهذه القوات العريقة التي تنتمي لحد الآن إلى بلاده، لكي يكبر هو ويزهو بنصرهم وبسمعتهم التي تشرفت بها الحضارة البشرية وأصبحت رمزا للقيم الإنسانية العليا.

kmkinfo@gmail.com


113
تصريح من مكتب رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني

     أوردت بعض وسائل الإعلام عن نية الفرع الخامس للحزب الديمقراطي الكوردستاني في بغداد نصب تمثال للبارزاني الخالد ملا مصطفى، وقد تم الاتصال بالفرع الخامس وإعلامه بعدم موافقة ورفض الرئيس مسعود بارزاني لهذا المقترح، والتأكيد على ممارسة نهج البارزاني الخالد في القيم الانسانية والروح الوطنية واشاعة قيم التعايش والتسامح والسلم بين مكونات العراق بدلا من وضع النصب والتماثيل.
 
 
كفاح محمود
المستشار الاعلامي
في مكتب رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني
29 أيلول 2015م


114
كوردستان والأنظمة المعادية؟

كفاح محمود كريم

     طيلة ما يقرب من قرن من الزمان منذ تأسيس الكيان العراقي في غفلة من مكونات، وحتى يومنا هذا توالت على دفة الحكم فيه أشكالا وأنماطا من الأنظمة والحكام، اختلفت في الأسماء والعناوين وربما في آليات تسلق سلالم السلطة أو القفز إليها ببهلوانيات انقلابية، حتى آخرها الذي استخدم صناديق الاقتراع مع شعب لم يبلور لحد الآن مفهوما للمواطنة، تنضوي تحتها كل الانتماءات الأخرى، بل على العكس تم تقزيم الوطنية والمواطنة بالولاء العشائري والمناطقي تارة، وتارة أخرى بالحزبي والديني والمذهبي، وفي كل هذه العجقة من الانتماءات يتقدمها دوما الولاء المطلق للقائد الضرورة، وضع من تشاء من أسماء رؤساء العراق!

     الغريب إن الأنظمة اختلفت في كثير من الأمور لكنها اتفقت جميعها على ذات الثقافة في التعامل مع كوردستان وقضيتها وان اختلفت الأساليب والادعاءات، لكنها تتفق جميعها في الثوابت العدائية مع تطلعات الكورد وحقوقهم الإنسانية، فمنذ ثورة أيلول الكوردستانية التي قادها الزعيم مصطفى البارزاني في مطلع ستينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، لم تختلف القوى المضادة لها قيد أنملة في عدائها وأسلوبها الدعائي وحتى مصطلحاتها التي تستخدمها في توصيف الحركة التحررية الكوردستانية، وليس غريبا أن تتفق أو تتوحد في الطرح كل الأنظمة وان اختلفت إيديولوجيا في نظرتها لقضية شعب كوردستان وحقوقه الإنسانية في حق تقرير مصيره، فتارة هي انفصالية وتارة أخرى انعزالية أو شعوبية أو عميلة للاستعمار والصهيونية، فهذه المصطلحات توحد النهج الدعائي لكل من عادى شعب كوردستان وطموحاته في تحقيق ذاته ونيل حقوقه.

     المتطرفون من البعثيين والقوميين ومن سبقهم، وحتى بعض معارضيهم من اليساريين، وان ابدوا مرونة هنا وهناك، لكنهم لم يأبهوا في توصيف الحركة التحررية الكوردستانية بأنها إما انفصالية أو عشائرية رجعية في اضعف الإيمان، أما البعثيون وورثتهم اليوم فقد شنوا حملات دعائية مكثفة في كل من العراق وسوريا وعملائهم في بقية البلدان العربية، بان الثورة الكوردية وقادتها مجرد عصابات متمردة عميلة للاستعمار والصهيونية، والغريب في هذه الثقافة البائسة إن معارضيهم بعد إسقاطهم وإبادتهم، وصموهم بذات الأوصاف واعتبروهم عصابات عميلة   للصهيونية والاستعمار!؟

     اليوم تكرر بل وتستنسخ أجهزة دعاية حزب الدعوة الحاكم من جماعة المالكي ومن والاه فكرا وعقيدة، ذات المنهج في معاداة الكورد وكوردستان وبذات التوصيفات، وقراءة سريعة لوسائل دعايتهم المسموعة والمقروءة والمرئية والالكترونية، يستدل المرء بأنهم فعلا الوجه الثاني لعملة البعث الفاشية العنصرية، لما يقومون به من حملة ملؤها الحقد والكراهية ضد كل من يعارضهم وفي مقدمتهم الكورد وكوردستان، مستثنين في ذلك القوى العميلة لهم ممن كان يطلق عليهم شعب كوردستان بـ (الجته) أو الجحوش، وهي ميليشيا من عملاء الأنظمة الدكتاتورية في بغداد، وتضم أغوات عشائر وشخصيات كارتونية يتم تصنيعها كبدائل لممثلي شعب كوردستان وفعالياته السياسية، ولكن ممن يحمل عبارة صنع في بغداد، وهم يعاودون صناعة هذه البضاعة الفاسدة ثانية بأشكال سياسية مقززة، فهل فعلا يعيد التاريخ نفسه كما حصل في ستينيات وسبعينيات وما تلاها من القرن الماضي!؟

     إذا تم ذلك فهذا يعني إن مشهد سقوط أنظمة الملكية وقاسم والعارفين والبعثيين وصدامهم سيتكرر هو الآخر، وستبقى كوردستان كما في كل مرة صامدة شامخة كجبالها وأخلاقياتها وقيمها!

kmkinfo@gmail.com

115
المنبر الحر / كلُ يعبر عما ينقصه!
« في: 14:19 04/09/2015  »
كلُ يعبر عما ينقصه!

كفاح محمود كريم

     كثيرا ما يتحدث سياسيو الغفلة في العراق عن الوطنية والنزاهة، فما من اجتماع أو ندوة أو مؤتمر صحفي أو خطاب مهم، إلا وتراهم ينبرون في الحديث عن الوطنية والنزاهة بحماسة لا مثيل لها، بل إنهم يتصببون عرقا من حماستهم وخاصة حينما يتحدثون عن المال العام والسيادة الوطنية ووحدة الأراضي وكل هذه المصطلحات التي يتداولوها بحماس منقطع النظير يخبئ تحت طياته الكثير الكثير من الخفايا والمخازي معا، وعلى ذات المنوال وبحماس ملوث بالحقد والكراهية العمياء يتحدث صنف آخر من العنصريين القوميين عن العرق وتفوقه ونقائه وأفضليته بعنصرية مقيتة، يلغون فيها الآخر ويغطون بواسطتها مركبات نقص رهيبة في تكوينهم أو انتمائهم الحقيقي، وليس الذين يتطرفون في الدين أو المذهب اطهر منهم، فما من متطرف أو متشدد إلا وأخفى تحت عمامته أو سيفه المذنب عقد تاريخية منذ طفولته وتربيته، وكم شهدنا في حياتنا من أولئك الذين يتشددون في عقائدهم وينسون أنفسهم في موبقات تصنف من الكبائر؟

     وفي الجانب الآخر نقارن ذات الحماس والتشدد لكنه أكثر صراحة وتعبيرا وطهارة حتى في تشدده ذلك هو احتجاجات الأهالي والعوام وتظاهرات الشعب ومطالبته بتحقيق العدالة أو الخدمات ومفرداتها في الماء والكهرباء والصحة والتعليم والعمل، كما يجري الآن في بغداد وبعض المحافظات في العراق وفي بيروت ولبنان عموما، دونما فوضى أو اعتداء على احد بل كانوا أولئك الحقيقيون في الاحتجاج والتظاهر ضحية فرق سوداء اندست بينهم من قبل من ذكرتهم أعلاه لإرعابهم أو إخراسهم أو تصفيتهم.

     حقيقة لا أتذكر وأنا أطالع تقاطيع مسؤول من مسؤولي السياسة اليوم في بلادنا وهو في قمة حماسه وتعرق جبينه وهو يتحدث عن الوطنية والنزاهة، إلا ما كان يردده الكاتب الايرلندي الساخر برنارد شو حينما قال ردا على احد الكتاب الكبار وهو يتهمه بالصعلكة في كتاباته التي يتحدث فيها دوما عن المال، بينما يتحدث الكاتب الآخر عن الأخلاق والفضائل، فما كان من برنارد شو إلا ورد قائلا صدقت زميلي فكلانا يتحدث عما ينقصه!

     وهكذا حال السياسيون والنواب والوزراء في بلادنا باستثناء القلة القليلة من الانقياء، يعبرون بحماسة عالية عما ينقصهم دوما كما يفعل المتظاهرون أيضا في حماستهم وهم يطالبون بما يعوزهم وينقصهم، ورغم إن الزعيم البريطاني تشرشل يصر على إن كل شعب ينال الحكومة التي يستحقها، إلا إنني ما زلت مؤمن بأن الشعب إذا توفرت له قيادة مخلصة وفكر وطني خالص يستطيع أن ينجر تغييرا مهما في حياته ونظامه السياسي والاجتماعي.

وسنرى...


kmkinfo@gmail.com
اربيل
31 آب 2015م



116
تجاوزنا المحنة وانتصرت كوردستان

كفاح محمود كريم

     ونجحنا كما قلتها قبل سنين يا كوردستان، ليس اليوم سيدتي الأرقى، بل حينما اختار شعبك في أولى ساعات تحرره من كابوس الاحتلال، وطالب زعيمه البارزاني جماهير شعب كوردستان في اولى أيام الانتفاضة بمدينة كويسنجق في آذار 1991م الخيار الديمقراطي طريقا لممارسة حياته السياسية والاجتماعية، ووضع أسس مؤسساته الرسمية بعد أن انزاح كابوس الاحتلال البغيض.

     حقا كان تحديا عظيما في ظرف معقد لكنه بحجم تلك التضحيات الجسام التي حررت البلاد وأنتجت أول برلمان ينتخب بشكل حقيقي من الأهالي عام 1992م، ليكون واجهة الأحداث بل الجبهة الحضارية الأقوى ضد قوى التخلف والشمولية، فناصبته العداء كل دول الجوار دونما استثناء، حتى منعوا عنه في أبشع حصار شهدته الشعوب، حفنة من دقيق أو كيلو من خضار، بل إنهم أنفقوا مليارات الدولارات لإشعال الفتنة في داخل الإقليم بين المتنافسين ونجحوا إلى حد ما فكانت تلك الحرب التي نالت من البلاد والعباد الكثير الكثير.

     لكنها كوردستان الحكمة والعقل والتاريخ الممتد عمقا والشعب المكتوي بنار الاحتلال، لعق جراحه واتكأ على الحكمة والعودة إلى البداية التي قرر فيها اختيار طريق التداول السلمي للسلطة، فعادت الحياة ثانية لمؤسسات الأهالي وممثليهم وكانت الانتخابات الثانية في 2005م لتضيف جدارا آخرا في بناء المستقبل الذي بدأ يزهر اليوم، حيث تحولت كوردستاننا إلى خلية نحل في كل مناحي الحياة التي أصر الشعب الذي حرموه من ابسط مقوماتها أن يعوض كل سنوات القهر والظلم والحرمان، ويخرج إلى العالم خلال عدة سنوات بصورة أذهلت الأعداء وأثارت إعجاب الأصدقاء، فكانت كوردستان التي تعيش في ظلام دامس لؤلؤة من ضياء ونور، فعل فيها الرجال والنساء من أبنائها وبناتها ما عجزت عن فعله حكومات العراق منذ تأسيسه في مطلع عشرينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.

     وتكللت نجاحات الأعمار والتنمية في أرقى صورها حينما ذهبت أفواج هذا الشعب شيبا وشبابا نساءً ورجالا إلى صناديق الاقتراع بنسبة تجاوزت نسب الناخبين في اعرق دول الديمقراطية، حيث بلغت ما يقرب من 75% من السكان الذين تشملهم الانتخابات والتي أشاد بها ممثل الأمين العام للأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأوربي، إضافة إلى المشاركة الكبيرة للنساء والشبيبة بصورة أعطت الرأي العام حقيقة نتائج التمنية البشرية والوعي الاجتماعي والسياسي المتحضر لدى القطاعات الواسعة من أبناء الوطن، بما يجعلنا نفخر به جميعا ونعمل من أجل تطويره أكثر وأكثر.

     إن ما يحصل اليوم في كوردستان هو مشروع حضاري ومدني كبير يثبت فيه الإنسان مقدرته على تجاوز الماضي بكل مآسيه وكوارثه، والانتقال إلى عالم مشرق زاهر بإصرار الشبيبة على إكمال مشوار الإباء والأمهات في تأسيس وطنهم بعيدا عن العنف والصراعات الدموية بانتهاجهم ثقافة قبول الآخر ولغة الحوار، تحت خيمة المصالح العليا لكوردستان بعيدا عن فرض الإرادات والأجندات الإقليمية، بما يخدم نضال شعب كوردستان ودفاعه المستميت أمام عدو متوحش، توحدت فيه كل أشكال الشوفينية العنصرية والتطرف الديني والمذهبي المقيت، واستطاع بتوحده وقيادته تحطيم أسطورة  الرعب لمنظمة داعش الإرهابية، بما جعل قواته المسلحة من البيشمركة مصطلحا عالميا يرمز للبطولة والمقاومة وقتال الفرسان.

     إن قيادة الرئيس مسعود بارزاني الحرب الدفاعية مباشرة وفي خطوطها الأمامية منذ سنة من اليوم أعطى دروسا بليغة لإصرار هذا الشعب على الانتصار وعلى مشاركة الجميع من اجل الانتصار وتحقيق الحلم الكوردستاني بعد أن نجح في تكريس الديمقراطية ولغة الحوار الحضارية التي اختارها منذ الأيام الأولى لاستقلاله الذاتي في انتفاضة ربيع 1991م.

     لقد تجاوزت كوردستان محنتها ونجحت بامتياز في امتحانها العسير وانتصرت إرادة الشعب التي لا يلوى ذراعها أبدا

 


117
الديموقراطي الكوردستاني بين الحزب والمؤسسة القومية

" على أعتاب ذكرى تأسيس أول مشروع نهضوي كوردستاني "

كفاح محمود كريم

     لقد عاش الكورد مئات السنين من تاريخهم يتعاطون الحياة مع جيرانهم العرب والفرس والترك دونما شعور بأن الآخرين أقوام اقل منهم شأناً أو مكانة إنسانية، وعلى العكس من ذلك فقد تبنوا عبر تاريخ هذه الشعوب قضاياهم وآلامهم وبنائهم للبلدان والأوطان واندمجوا في تفاصيل حياتهم وناضلوا من أجل العيش معا، وقتل مئات الآلاف منهم لأجل قضايا تلك الشعوب بصرف النظر عن الكيفية والوسيلة، وعبر مئات السنين أيضا حاول الآخرون إذابة الكورد في بوتقاتهم، وإلغاء هويتهم القومية، تارة باسم الدين وتارة أخرى على خلفية شوفينية عنصرية استعلائية، وسرقة تاريخهم أو مسخه بما لا يترك أثرا حضاريا لهم، رغم أنهم ساهموا حتى مفاصل القيادة الأولى في كياناتهم السياسية كما فعل صلاح الدين الأيوبي حينما انصهر كليا في بوتقة الدولة الدينية الإسلامية وأقام صرح دولته الأيوبية ذات الغطاء الإسلامي والباطن القومي العربي، وما حققه للعرب والمسلمين من إنجاز لم يتحقق حتى يومنا هذا في تحرير فلسطين آنذاك، ومثل ما فعل هذا فعل المئات من أمثاله في حقول الثقافة والآداب والعلوم والفنون للفرس والعرب والأتراك.

     ولم يشفع هذا السيل من الذوبان والمشاركة الأصيلة في منع أصحاب القرار لمئات من السنين في فكرة قبول الكورد كيانا سياسيا وقوميا مستقلا، لا في الجزء الذي اندمج مع العرب ولا في الجزأين الذين اندمجا مع الفرس والأتراك، بل راح الأخوة الأعداء يمعنون في برامجهم وسياساتهم بكل الوسائل على تمزيق كوردستان وصهر شعبها تارة كونهم أتراك الجبال وتارة الأخ الأصغر لفارس الأكبر وتارة أخرى في بوتقة الإسلام ولغة أهل الجنة، وهكذا دواليك السنين والأزمان، فما ارتضى الكورد استكانة أو امتهان، فقامت لهم انتفاضات وثورات وعاشوا أزمانا من القهر والقتل والتشرد والتهجير والتفقير، حتى انقسموا أربع أجزاء في أربعة دول، وآلافٍ من العشائر والقبائل واللهجات والثقافات، وأعراض رهيبة لشعب أسير ومعتقل في وطنه من اختلاف الولاءات والاتجاهات، حتى غدت القرية والعشيرة هي الأساس في الارتباط والانتماءات. وتسطيحٌ للمفاهيم والتعليم ومنع اللغة ونشر الأمية وتسييدِ جهلة ونكرات، حتى ظن القوم إننا ضعنا في طوفان الإلغاء والأنفالات.

     من إذن يستطيع أن يجمع هذه الأمة التائهة بين ذئاب ووحوش كاسرة من كل الجهات وقطعان من التخلف وطوفان من التشتت والاستلاب والتغييب وعشرات من اللهجات وملايين من علامات الاستفهام والاستفسارات، وانتماء لقرية أو عشيرة أو دين أو فكر، لكنها جميعا بعيدة عن ما كان يفكر به ثلة من رجال صاحبوا الشمس في ظلمة الليل، وفارس جليل يحمل شعلة كاوه وفوانيس ميديا وشموخ جبال امتدت على خارطة الوطن المجزأ كبرياء وعنفوانا ووجود.

     كان ذلك في أواخر النصف الأول من القرن الماضي وأواخر عامه السادس والأربعين وتحديدا في السادس عشر من آبٍ اللهاب بأيامه وأحداثه التي ستغير مجرى التاريخ والأحداث.
     هناك؛ جمع الزعيم البارزاني مصطفى تاريخ أمة، وتشتتَ شعب، وإصرار وجود، وتحقيق هوية وعنوان، القرية والعشيرة واختلاف اللهجات والانتماء للاشيء والتدين القروي وتعدد الفكر ومدارسه من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وطبقات الناس من أدناها فقرا وعوزا إلى أعلاها ثراءً وإقطاعا، وشرائح من ناس، أدباء وفنانين وعلماء وضباط ومتعلمين وأميين وأنصاف مثقفين وأرباع متعلمين وعلمانيين ورجال دين مسلمين وايزيديين ومسيحيين وملحدين، من شرق الوطن وغربه ومن الشمال وأساسه في الجنوب.

من هنا كانت البداية... أين يكمن الألم..؟

     وأين هي تلك الأوجاع المتكلسة عبر الأزمان.. أزمان وتاريخ من الضياع بين أمم حاولت أنظمتها السياسية مصادرة الهوية والعنوان، ولم يك مهما لديها أن تكون فقيرا أو غنيا، مثقفا أم أميا حضاريا، مسلما أو مسيحيا أو ايزيديا، ماركسيا أو ليبراليا، يساريا أو يمينيا، المهم أن تكون تذوب في بوتقتها!؟
     هنا أدرك البارزاني مصطفى وفرسان الشمس الذين إبتدأوا المشوار إن السر في جمع كل هذه المتناقضات في كوردستان يكمن في البحث عن الهوية والعنوان، فكان الحزب الديمقراطي الكوردستاني.
     لم يك حزبا تقليديا كما الأحزاب في كل مكان، يمثل شريحة أو طبقة أو دينا أو عرقا، بل كان مؤسسة قومية ووطنية وإنسانية، احتضنت كل أطياف وشرائح وطبقات وأعراق وأديان حول ما كان ينقصهم جميعهم وهو الهوية والعنوان.
     كان بحق مؤسسة ديمقراطية تزهو فيها كل النظريات وتلتحم حولها كل الأيديولوجيات والأطروحات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، يجمعها ثابت واحد ونهج بلوَر سلوكياته وتطبيقاته الزعيم مصطفى البارزاني وأبدع في جمع شمل كل هذه المتناقضات في بوتقة مؤسسة قومية تضم آلام وأوجاع الملايين من الكوردستانيين في كل مكان، حتى غدت خلال أعوام منارا لكل الأحرار، لا في كوردستان لوحدها بل لكل العراق من أقصى جنوبه إلى أقصى غربه.

     لم يتبنى الحزب مبدأً عرقيا عنصريا أو طبقيا محددا بل كان كوردستانيا منذ اللحظة الأولى فجمع بين صفوفه الكورد والتركمان والعرب والكلدان والآشوريين والأرمن والسريان، وآخى بين المسلمين والأيزيديين والمسيحيين في ثابت الوطن والهوية والعنوان، ولم يلغ خصوصية أي مكون عرقي أو طبقي أو فكري لحساب نظرية أو فكر معين، وبذلك نهضت مؤسسة وطنية وقومية كبرى أفرزت فيما بعد ثورتها الكبيرة في أيلول 1961.

     لقد كان البارزاني مصطفى يدرك بحسه العميق وفهمه لطبيعة كوردستان وشعبها وآلامها عبر مئات السنين إن نظرية أو إيديولوجية قومية أو عرقية أو دينية لن تفلح في جمع مكونات ومتناقضات هذا البلد حول ثابت واحد يدفعها برمتها إلى النضال والكفاح من أجل هدف واحد ألا وهو كوردستان الوطن الحلم.

     وأصبح الحزب الديمقراطي الكوردستاني ملاذا لكل الأحزاب الوطنية في كوردستان والعراق وحضنا دافئا وكريما لكل الاتجاهات الفكرية والسياسية بتنوعها من اليمين إلى اليسار وملاذا لكل طبقات المجتمع وشرائحه
، وكان البارزاني مصطفى منارا تلتقي عنده كل هذه المكونات وكأنه يمثلها جميعا وهو كذلك، لم يكن ملكا لحزب أو عرق أو دين أو طبقة بقدر ما كان زعيما وطنيا وقوميا ومؤسسة كوردستانية، يجد الجميع فيها ما يصبو إليه. وهكذا كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني مؤسسة وطنية وقومية مشاعة لكل أطياف المجتمع وأعراقه وطبقاته وأديانه دونما التدخل في خصوصياتها، بحيث يجد الجميع أمالهم وأهدافهم ومصالحهم العليا في مؤسسة البارتي.

     ومنذ البداية تبنى الحزب أرقى ما أنتجه العقل البشري في نظم العلاقات الاجتماعية والسياسية وهي الديمقراطية، بل وجعلها هدفا استراتيجيا من أهدافه في كوردستان والعراق، وربط بعلاقة جدلية بين الديمقراطية في العراق وتحقيق أهداف شعب كوردستان فكان شعاره الذي ناضل من أجله:

( الحكم الذاتي لكوردستان والديمقراطية للعراق )

     إن سر ديمومة هذا الحزب هو انتهاجه لسلوك وأطروحات وأخلاقيات قائده التاريخي الزعيم الخالد مصطفى البارزني الذي حول الحزب إلى مؤسسة قومية كوردستانية ذات أخلاقيات سامية تلتف حولها كل شرائح المجتمع وطبقاته وأعراقه حول ثابت الهوية والعنوان لوطن مغيب منذ آلاف السنين في حركة تاريخية للنهوض الوطني والقومي.

     إن العودة للينابيع الأولى في نهج البارزاني الخالد في معالجة التناقضات والإشكاليات التي تفرزها كل حقبة ومرحلة كفيلة بحلها والتسريع في الانتقال إلى مرحلة أكثر تطورا واستقرارا.


kmkinfo@gmail.com

118
كوردستان والتعامل المتحضر مع الملفات الساخنة

كفاح محمود كريم

     في الوقت الذي يتعرض فيه الإقليم إلى حرب شرسة من منظمة إرهابية تحولت إلى دولة إرهابية بفعل سيطرتها على محافظات عراقية وسورية كبيرة وأسلحة عدة فرق عسكرية هائلة في كل من الجيش العراقي والسوري، وتصدي قوات البيشمركة لها وتحطيم أسطورتها في الرعب وطردها من أكثر من 90% من أراضي كوردستان العراق، تندلع على حدودها الشمالية عمليات عسكرية عنيفة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكوردستاني، والتي اخترقت في كثير من صفحاتها أراض الإقليم جوا وبرا، مستخدمة أسلحة ثقيلة كالمدفعية والطائرات وأدت إلى استشهاد العديد من المواطنين الكوردستانيين المدنيين من سكان الحدود، إضافة إلى جرح أعداد أخرى وتهجير الكثير من العوائل من مناطق الالتهاب الحاصل بين الطرفين، ورغم ما يتمتع به الإقليم من مشروعية الرد بالمثل وإمكانياته العملية على ذلك مع تواضعها، الا أنها تربك العملية برمتها لو أنها استخدمت كرد فعل غير محسوب، وقد خاطب الرئيس مسعود بارزاني مع أولى ساعات التصعيد الأخير الطرفين إلى الإذعان للغة السلام والحوار والمفاوضات قائلا لهم إن سنوات من المفاوضات والحوار أفضل من ساعة حرب واحدة وطالبهما بإيقاف العمليات الحربية.

     لقد تعاملت قيادة إقليم كوردستان وما تزال مع معظم هذه الإشكاليات بمرونة معهودة بالحكمة والتأني وحسابات بعيدة المدى فيما يتعلق بالأمن والسلم الداخلي والإقليمي، وتأثيرهما على النهضة الاقتصادية والعمرانية والصناعية لكل الأطراف، وكانت الدبلوماسية الرفيعة التي قادها رجل الدولة الديناميكي نيجيرفان بارزاني رئيس الحكومة ونائب رئيس الحزب الديمقراطي الكورستاني اكبر الأحزاب السياسية في الإقليم وأعرقها، قد أتت ثمارها في كثير من الإشكاليات في الداخل والخارج وبالذات ملف الحدود مع الدولة التركية وجمهورية إيران، وقد أدركنا جميعا أثناء تأزم العلاقات بين تركيا والإقليم وتحشيدها لعشرات آلاف من جنودها مع كامل تجهيزاتهم الهجومية قبل عدة سنوات، كيفية معالجة الموقف بهدوء وتأني من لدن الحكومة ورئيسها السيد نيجيرفان بارزاني، حينما خاطب الأتراك قائلا لهم إن مصالحكم العليا وامن بلادكم واستقرار اقتصادكم يكمن في مئات الشركات التركية التي تستثمر مليارات الدولارات في كوردستان والتي ستتعرض جميعها للخطر في حالة تأزيم الأوضاع إلى درجة الفعل العسكري.
 
      لقد قاد الرئيس بارزاني في كثير من المواقف الصعبة الدبلوماسية الكوردستانية لحل إشكاليات معقدة بدءً من الصراع مع حزب العمال الكوردستاني في تسعينات القرن الماضي، وانتهاءً بكثير من المشاكل الداخلية والأزمات السياسية التي نجح في حلها أو تهدأتها سواء مع الحكومة الاتحادية ومؤسساتها أو بين أطراف العملية السياسية في الداخل، ويأتي ذلك ترجمة لنهج اعتمدته الإدارة في التعاطي مع الأحداث بحكمة وتأني ومرونة تخدم مصالح البلاد العليا، ذلك هو نهج البارزاني الخالد في التعامل مع الأزمات والحرص على وحدة الصف والأمن والسلم الاجتماعيين في كوردستان.


     لقد أدركت الإدارة في الإقليم بسلطاتها الثلاث وفعاليات الشعب السياسية والاجتماعية إن معالجة أي مشكلة من المشاكل تستلزم وعيا عميقا وإيمانا راسخا بمصالح البلاد العليا قبل القيام بأي عمل أو رد فعل غير محسوب النتائج، وبذلك اعتمدت أسلوبا حضاريا ومدنيا تميز بالصبر والمطاولة والدقة في موضوع المناطق المتنازع عليها، التي حاولت كثير من الأطراف إشعال نار الفتنة والحرب، هذا على المستوى الداخلي، أما على المستوى الخارجي وفيما يتعلق بانتهاكات دول الجوار شمالا وشرقا، اعتمت ذات النهج في مقاومتها ورفضها للتدخلات والتجاوزات بالتظاهر والاعتصام والاحتجاج والدبلوماسية الهادئة بعيدا عن تشنيج الرأي العام وإشاعة أجواء الحرب والقتال، التي لا تخدم أحدا في أي حال من الأحوال بالحفاظ على إعلام هادئ ومتزن يحفظ الأمن والسلم الاجتماعيين.

    إن إقليم كوردستان الذي يتميز اقتصاده ومجتمعه بالديناميكية والحيوية، ووضعه الأمني بالاستقرار والسلام تحول إلى ملاذ آمن لكل العراقيين حيث يضم اليوم ما يقرب من مليوني نازح من جحيم الصراعات المذهبية والسياسية في بغداد أو المحافظات التي تعرضت لاحتلال عصابات الإرهاب رغم أن حكومة نوري المالكي فرضت حصارا اقتصاديا بمنع حصة الإقليم من الموازنة منذ مطلع عام 2014م مع وقف رواتب الموظفين، إلا إن الإقليم يقوم بواجباته الإنسانية والحضارية تجاه مواطنيه والنازحين اليه، كما انه حافظ على كونه منطقة جذب مهمة جدا للاستثمارات الوطنية والأجنبية، التي تساهم في تطوير الإقليم ونهضته الكبيرة، والتي حولت كوردستان إلى ورشة كبيرة في كل ميادين البناء والأعمار والتصنيع وتحديث الزراعة وتطويرها، وما حصل في قطاع الكهرباء والطرق والخدمات الأخرى خير دليل على نجاح برامج الحكومة ودبلوماسيتها الهادئة في التعاطي مع الملفات الساخنة، بما يجعل كوردستان في منأى عن أي عمليات طائشة ربما تؤذي مصالح كل جيران الإقليم الاقتصادية والمالية والسياسية وفي مقدمتهم تركيا وإيران اللتان تتمتعان بمصالح اقتصادية مهمة جدا في الإقليم.
   
     لقد أثبتت السنوات الماضية التي قاد فيها الرئيس مسعود بارزاني الإقليم، انجاز مهمات ومشاريع بالغة الأهمية في ميادين الأعمار وتحديث المدن والخدمات والسكن، وإرساء منظومة علاقات دبلوماسية رصينة مع كثير من بلدان العالم، على أسس متوازنة تحكمها العلاقات الاقتصادية والسياسية بشكل مهني، مما بلور نسقا ديناميكيا من الدبلوماسية التي تعتمد العمل المنتج بعيدا عن التهويل والتشنيج، والذي دفع كثير من بلدان العالم إلى افتتاح ممثليات لهم في العاصمة الإقليمية اربيل والعمل من خلالها لخدمة الاستثمارات في كافة المجالات التي تتيح تبادلا مشتركا للمصالح الاقتصادية والمالية بين دول الجوار والإقليم.


     وفي الحرب مع داعش التي استهدفت كيان ووجود الإقليم شعبا وأرضا، لم تذهب قيادة الإقليم ورئيسها البارزاني إلى النفير العام وتعطيل الدستور وإعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية التي تتطلبها حالات الحروب المماثلة، بل حافظت على الأمن والسلم الاجتماعيين بشكل أثار إعجاب كل دول العالم بما اتصفت به من حكمة ودقة وشجاعة واشتراك فعلي للقائد العام الرئيس بارزاني وأفراد أسرته في كل العمليات التي تصدت للإرهاب، دون أن تحدث أي ضجيج أو تشنيج للشارع الكوردستاني الذي اتصف حتى الآن بمستو راقي في تعاطيه وتفاعله مع الأحداث، حينما استقبل رغم الضائقة الاقتصادية ما يقرب من مليوني نازح عراقي وسوري.

    إن مصلحة كل دول الجوار للإقليم وخاصة إيران وتركيا هي ترسيخ السلام في إقليم كوردستان والحفاظ عليه، لأنه يحافظ بالتالي على مصالحها الاقتصادية وسوقهما الكبير في الإقليم خاصة والعراق عامة، وغير ذلك مهما كانت الأسباب والمبررات سيعود عليهما بالضرر الكبير، لا من الجهات الرسمية بل من الأهالي الذين سيعزفون تماما عن أي مصلحة تركية أو إيرانية مهما كانت، وهذه بتقديري هي رسالة كوردستان المتحضرة والدبلوماسية إلى الجميع.

kmkinfo@gmail.com 

119
في ذكرى تمزيق سنجار!

كفاح محمود كريم

      مدينة سنجار ( شنكال ) الصغيرة في حجمها والعميقة في جذورها والكبيرة في أحداثها وتاريخها والأليمة في مآسيها، يتعايش فيها خليط من مكونات العراق، كثر من الكورد الايزيديين والمسلمين أقل، لكن فيهم الشيعة غالبة والسنة أقلية، عرب عاربة ومستعربة لم يستقدمهم البعث بل استخدمهم رغم أقليتهم، معهم في أصل المدينة الآشوريون والكلدان، مسيحيون على مذاهبهم الشتى، كاثوليك وارثيدوكس وأرمن من الطائفتين، مدينة أجمل مبانيها حتى ساعة سقوطها عديد من الجوامع المتقاربة مع كنائس قديمة متاخمة لمزارات ايزيدية، لم يبق منها داعش اثر، فسوى بها الأرض مع مساجد الشيعة ومزاراتهم وجوامع السنة التي احتوت أضرحة بُناتها.

     مقدمة مقتضبة عن مدينة سنجار ( شنكال )* التي مزقتها داعش ودمرت غالبية مبانيها وأطفأت أنوراها وأسكتت مآذنها ونواقيس كنائسها، وهجرت غالبية سكانها الأكثر من ربع مليون نسمة، حينما استعبدت من وقع منهم في الأسر، سبايا وجواري وغلمان وعبيد، في واحدة من أتعس وأقذر ممارسات التاريخ القديم للبدائية البشرية، في مدينة لم تك تعرف الفرق بين الكوردي والعربي والكلداني وأديانهم إلا في المناسبات التي تخصهم قوميا أو دينيا، حتى ظهرت فيروسات البعث العنصري، فمزقت ذلك النسيج ودمرت تلك المشاعر الرابطة، حيث استخدم البعث في تطبيق برامجه اللا آدمية شذاذ الآفاق من المنحرفين الأميين والمتخلفين المعدمين من سكان الصحراء والقرى النائية المحرومة أساسا من ابسط مقومات الآدمية، ليبرمجهم ككائنات متوحشة منفلتة من جوع وعوز وامتهان، مستخدما عقائد منحرفة تعتمد السادية والانتقام أساسا في سلوكها، حتى حان وقت إطلاقهم فبدأت غزوتهم في الثاني والثالث من آب 2014م على سنجار الآمنة المتعايشة المتصالحة، مدينة كل الأديان والمذاهب والقوميات والاثنيات، فمزقوا صباحاتها بنافورات من الدماء والأشلاء وصراخات الصبايا والأمهات المسبيات، وأقاموا أسواق النخاسة في تلعفر والموصل والفلوجة والحويجة والرقة ومعظم المدن المستباحة لفتيات ونساء تم سبيهن تحت صيحات ربهم الأكبر بعد أن نحروا آبائهم وأزواجهم وإخوانهم.

     إن انهيار هذه المنظومة من القيم الإنسانية والحضارية، وتبخر وشائج العلاقات الاجتماعية لدى أناس فقدوا كل ما له علاقة بإنسانية الإنسان وتمدنه، أدى إلى خطف الآلاف من الأسر، وقتل رجالهم وشبابهم أو إدخالهم في عقيدتهم، واعتبار النساء غنائم حرب كسبايا وجواري تم بيعهن في مزادات بأسواق المدن المستباحة، حيث لم ينفع المسلم الشيعي أو السني دينه ومذهبه، ولم يتذكر هؤلاء الهمج طيبة ومواقف الايزيديين والمسيحيين عبر التاريخ معهم وفي أيامهم الحالكة، فأنتجت جريمتهم خلال عدة أيام في مدينة سنجار ( شنكال ) هذه البانوراما الرقمية لضحاياهم:*

     لقد خطفوا 5838 شخصا جلهم من الأطفال والنساء وتسببوا في فقدان 841 شخص من النساء والرجال والأطفال، وقتلوا بدم بارد ذبحا أو رميا بالرصاص 1280 شخص، وجرحوا 890 شخصا آخرا، مات ما يقرب من نصفهم فيما بعد، وتسببوا في تهجير أكثر من ثلاثمائة ألف إنسان من قضاء سنجار لوحده ناهيك عن سهل نينوى، تركوا كل ما يمتلكوه من تحويشة العمر، وخرجوا بملابسهم حفاظا على شرفهم وأطفالهم من وحوش بشرية فقدت كل أنماط السلوك الآدمي وأخلاقيات الإنسان السوي.

     واليوم وبعد عام على سقوط القيم الخلاقة للإنسان لدى داعش ومن والاها فكرا وثقافة وعقيدة وأخلاقا وسلوكا، والذي أدى إلى سقوط مدينة سنجار وغيرها من مدن الحضارة والأخلاق الرفيعة، سقطت تلك الأنسجة الاجتماعية التي كانت تربط معظم المكونات الدينية والقومية، وأنتجت جوا نفسيا معقدا وبيئة تملؤها روح الانتقام بسبب الجروح الغائرة التي أنتجتها تلك الجرائم البشعة لمنظمة فاشية خطفت آلاف النساء والأطفال، واغتصبت تحت ضلال عقيدة مسخ المئات من النساء والفتيات في وسط اجتماعي قبلي محافظ ومتشدد في علاقاته الاجتماعية يعتبر الشرف أهم أعمدته المقدسة، ورغم يقيننا بأن داعش وفكرها لا يمكن أن يعيش طويلا وسيسقط حتما، إلا أن الأخطر هو ما بعد مرحلة تطهير البلدات والقرى من عناصره، حيث الإرث الهائل من الحقد والانتقام خاصة وان جروحا بليغا سببتها عمليات المساس بالشرف الشخصي للفرد والمجتمع، مما يتطلب حلولا جذرية في فك التداخل بين المكونات التي تعرضت للتعريب والتبعيث والاسلمة والجينوسايد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
•   سنجار، شنخار، سنجاره، شنكال، سنغار، سبتميا، اورليا.. كلها أسماء المدينة وهي كلمات كوردية وآشورية ورومانية
•   إحصائيات رسمية صادرة من المديرية العامة لشؤون الديانة الايزيدية في وزارة الأوقاف الكوردستانية.


kmkinfo@gmail.com


120
حينما يكون الرئيس بيشمركة
كفاح محمود كريم
     من عاصر الزعيم الكوردي الكبير مصطفى البارزاني وعايشه وأدرك أخلاقياته وسلوكياته كقائد سياسي وعسكري، لا يستغرب في أن يكون أبناؤه وأحفاده اليوم في خطوط المواجهة الأولى مع العدو، وهم يدافعون عما زرعه ذلك الشيخ الجليل والقائد الحكيم من أسس أخلاقية غاية في السمو والرفعة، فمنذ الساعات الأولى لهجمة ما يسمى بالدولة الإسلامية داعش على حدود كوردستان من سنجار في أقصى الغرب إلى السعدية في أقصاه الشرقي، ترك مسعود بارزاني مقره الرئاسي واختار أكثر الجبهات سخونة ليقود بنفسه معارك تحرير البلدات والقرى التي استباحتها داعش قبل بضعة أشهر، بينما توزع أولاده وأخوته وأولادهم وأبناء عمومتهم، كل حسب موقعه ومسؤوليته، على كافة الجبهات في مخمور والخازر وسهل نينوى وكركوك، في سابقة هي الأولى من نوعها على الصعيد الوطني والإقليمي، حيث يترك الرئيس وأبناء أسرته وأقربائه مقراتهم المدنية أو العسكرية بصفتهم القيادية لينتقلوا إلى الخطوط الأمامية للمواجهة مع واحدة من أشرس القوى الإرهابية وأكثرها همجية ودموية في العالم.
     ربما يتصور البعض إن في هذا السلوك بعضا من الاستعراض أو محاولة لرفع معنويات المقاتلين هنا وهناك قياسا على الثقافة السائدة في أنظمة الشرق الأوسط السياسية، حيث يذهب الرئيس أو وزير دفاعه في جولة استعراضية لا تتجاوز في مفهومها وتوقيتاتها زيارات الاطلاع على العمل ميدانيا، لكن حقيقة الأمر مع مدرسة مصطفى البارزاني وطلابها أو خريجيها هي غير ذلك تماما، فقد ذهب مسعود بارزاني بصفته بيشمركة وقائد عاما لها منذ الساعات الأولى، لا ليطلع فقط ويعود، بل ليقيم هناك مع جنده وضباطه ويرسم ويخطط ويقود بنفسه مع أولاده وأخوته وأولادهم سواء كانوا مقاتلين عاديين أو ضباطا أو آمرين، حيث أدت تلك القيادة المباشرة والتواجد الفعلي في كل تفاصيل الحركة إلى إحداث تغيير نوعي  في المشهد العسكري، لا في كوردستان والعراق فحسب، بل حتى على مجمل حركة منظمة داعش في سوريا، التي بدأت بالتقهقر والانكسار على أيدي قوات البيشمركه التي استوعبتها واحتوت صدمتها بعد هجماتها الأولى التي قامت بها واحتلت فيها بعض المدن والقرى في سنجار وكوباني وزمار ومخمور.
     ورغم إن كل السياقات العسكرية ترفض تواجد قائدها العام في الخطوط الأولى للجبهة مع العدو فترة طويلة، وتحدد تواجده في غرفة القيادة أو العمليات المحصنة والبعيدة عن التماس، إلا أن مسعود بارزاني الرئيس لم يتخلَ عن وظيفته الأساس وهي كونه مقاتل في قوات البيشمركة، مؤكد في أول حوار له من الجبهة مباشرة مع الإعلامية زينة اليازجي، والتي لم تك تبعد عن خط المواجهة مع العدو إلا عشرين كيلو مترا فقط، بأنه عاد أخيرا إلى مهنته الأولى ويقصد البيشمركة، لكي يعطي نموذج القائد العسكري والسياسي الذي يحمل على أكتافه مسؤولية حماية امن وكرامة وارض شعبه ووطنه.
     لقد رأيناه هناك في خط المواجهة للعدو مقاتلا لا يفرق عن أقرانه قيد أنملة لا في المأكل ولا في المشرب، يجلس مع جنده وضباطه أخا ورفيقا لهم، يناقشهم ويرسم معهم خططهم ثم يقودهم جنبا إلى جنب مع أولاده وإخوته وأبنائهم الذين ما برحوا الجبهة منذ اندلاع الحرب مع داعش وحتى يومنا هذا، في واحدة من ارقي تجليات القيادة والزعامة الحقيقية التي اختفت في عالمنا اليوم، حيث ينكفئ الرئيس أو الزعيم في قصره العاجي ويوجه أركان حكمه للقيام بواجباته كما يحصل في معظم بلدان العالم وخاصة في شرقنا الأوسط والأدنى والأقصى!
     إن وجود مسعود بارزاني في خط المواجهة الأولى مع العدو إنما يمثل تلك الأخلاق والفلسفة القيادية التي أنتجها الزعيم التاريخي للكورد مصطفى البارزاني وهو يضع أسس مشروعه لنهضة كوردستان، دفاعا عن قيم التسامح والتعايش وحماية الإنسان من أن تنال منه أفكار التطرف وعصابات الجريمة والهمجية، بل والحفاظ على ديمومة بقاء كوردستان ملاذا لكل المضطهدين في المنطقة، خاصة أولئك الذين يتعرضون إلى حملات الإبادة الجماعية بسبب دينهم أو مذهبهم أو عرقهم، حيث شهد العالم باجمعه التجاء مئات الآلاف من المسيحيين والشيعة والسنة والصابئة والايزيديين إلى أحضان بلد يتكفل بحمايتهم ويتقاسم معهم لقمة الخبز وهو في ضنك العيش بسبب حصار بغداد له منذ ما يقرب من سنة.
    وأخيرا لم يهب العالم المتمدن إلى دعم ومساندة مسعود بارزاني وشعبه وقواته إلا لأنهم أدركوا هذه الحقائق وامنوا بأن كوردستان جزيرة للسلوك القويم والأخلاق الرفيعة، وان سر انتصار الكورد وكوردستان يكمن في عدالة قضيتهم وإن قادتهم يحاربون كمقاتليهم في الخطوط الأمامية ضد الإرهاب والتخلف والهمجية لحماية الإنسان والحضارة.
     كوردستان بخير وازدهار يكللها الأمن والسلم الاجتماعيين، ولن تستطيع عصابات شاذة قادمة من خارج الزمن والحضارة، ومن عفونة العنصرية والشوفينية، إيقاف نهوضها وتقدمها أو تمزيق نسيجها وتعايشها.

kmkinfo@gmail.com

121
نحن نبني الاوطان ونحترم الانسان

كفاح محمود كريم


     تمر بعد أيام الذكرى السنوية الأولى لتلويث واستباحة واحدة من اعرق مدن كوردستان وبلاد الرافدين مدينة سنجار أو شنكال وقراها وبلداتها، التي وقعت بيد وحوش بشرية لا قيم لهم ولا خلق إلا القتل والسبي والنهب والسلب والاغتصاب، حيث سقطت المدينة في الثالث من آب أغسطس 2014م وكنا قد توقعنا ذلك قبلها بأكثر من عقد من الزمان، ففي 25 نيسان من عام 2003م اثر سقوط هيكل نظام صدام حسين، التقينا بعض قيادات وأعضاء حزب البعث في منطقة سنجار، ومعظمهم من أهالي المدينة وأطرافها، بل إن قسما كبيرا منهم كان من المعلمين ومدراء المدارس وبقية الدوائر، وكان أكثرهم إما قد هرب تاركا أسرته أو مختبئا بسبب اعتقاده بفكرة الانتقام المتكلسة في ثقافة البعث، وبعد أن شعروا إن الدنيا غير دنيتهم والسياسة غير ما اقترفوه هم بحق شعبهم، وان البيشمركة ومؤسسات الإقليم الأخرى التي أدارت الحياة بعد 9 نيسان 2003 ليست إلا مشروع حضاري وإنساني وحمامات سلام وأمان واطمئنان، لبوا دعوتنا للتباحث حول الأوضاع الجديدة وإعادة الحياة إلى المؤسسات الرسمية وخاصة التعليمية والخدمية التي كانوا يديرونها، وتسليم ما بعهدتهم من أمانات وسيارات، وأسلحة حزبية، وأمور أخرى.

     قلنا لهم إن العراق قد أدمن الانقلابات منذ تأسيسه ولنعتبر إن ما حصل انقلابا في بغداد بين متنافسين على السلطة ولا أظنكم بمستوى من ينافس، وعليه نتمنى على الجميع ترك الماضي والالتفات إلى المستقبل لكي نعيد الحياة بشكلها الزاهي ونعوض مدينتنا وأهلنا ما خسروه بسبب سياسات التعريب والتبعيث القسري، ولذلك فلا إثم على احد منكم ما لم يشتكي عليه مواطن ما لدى القضاء، علما إننا نعلم جيدا بأن هذا السلوك لا وجود له في ثقافة البعث وأخلاقياته، واقسم لو كانت الأمور معكوسة أي نحن الذين تم إسقاطنا من قبلكم لكنتم بعثرتم جثثنا على أرصفة الشوارع وقتلتم جميع من تولى منا إدارة أو مسؤولية، لكننا لسنا هكذا، فالحياة لا تبنى بالانتقام والدماء بل تبنى بالتسامح والعفو، كما فعلنا في 1992م في بقية أجزاء كوردستان المحررة اثر انتفاضة آذار 1991م حيث اصدر الرئيس مسعود بارزاني وقيادة كوردستان قانونا بعفو أمثالكم ممن عبثوا في حياة المواطنين، وحتى من اقترف جرائم بحق شعبه من أولئك الذين كانوا يسمون بالجحوش، فنهضت كوردستاننا وغدت واحة للحرية والتقدم والازدهار.

     نحن بناة جيدون للحياة والاعمار لذلك ندعوكم للتطهر من آثامكم وبقايا ثقافة الإقصاء والهمجية، لكي نعيش معا ونبني معا بلدنا هذا، وفعلا طوال أكثر من عشر سنوات تم احتوائهم جميعا ولم يخدش أي منهم بسبب بعثيته أو حتى بسبب استحواذه على بيوت المرحلين من الكورد، وقلنا ليكن القانون هو الفيصل، ولأن الطبع يسبق التطبع فقد صدقت توقعاتنا واستطاعوا بعد أكثر من عشر سنوات أن يخترقوا دفاعاتنا ونقاط ضعفنا ويركبوا جواد المالكي الذي أرهق قوتنا العسكرية بالحصار المالي والتسليحي، فاندفعوا كالغيلان المتوحشة وبهمجية لا مثيل لها في التاريخ البشري، إلا فيما اكتنزوه في عقيدتهم وسلوكهم وأخلاقهم، فقتلوا الأطفال والنساء قبل الرجال وسلبوا ونهبوا واختطفوا آلاف النساء والأطفال بعد أن قتلوا آبائهم وأزواجهم بقسوة تجاوزت قسوة هولاكو وجيوشه، ثم عادوا ليدمروا كل شيء من بيوت ومزارع وبساتين وشوارع ودوائر، فأحالوا سنجار وبلداتها وقراها ومجمعاتها إلى خرائب ينعقون فيها، بعد أن سرقوا كل مقتنيات بيوت الأهالي ومخازن التجارة ودكاكين الناس، ولم تقتصر جرائمهم على الايزيدية فقط بل طالت آثامهم كل الكورد السنة والشيعة والمسيحيين.
 
     واليوم وبينما يحرقون آلاف البيوت في سنجار وقراها وهم يتقهقرون منكفئين إلى جحورهم التي خرجوا منها، تتقدم قوات البيشمركة لتحرير ما بقي من تلك المدن والقرى، وتعثر في مسيرتها على عشرات المقابر الجماعية التي فرختها مقابر صدام حسين والبعث وهي تضم آلاف الأطفال والشباب والشيوخ ممن طالتهم تلك الهمجية، التي فاقت كل جرائم التاريخ البشري إلا تلك التي بدأها أسلافهم في الأنفال الأولى وحلبجة وأخواتها من قرى كرميان وباهدينان.

     لقد غدت حلبجة رمزا من رموز المأساة الكوردية التي نبهت الرأي العام العالمي إلى عدالة قضية كوردستان والاهتمام بها، فتحولت بدماء أولئك الشهداء من ضحايا الهمجية إلى واحة للسلام والأمان والازدهار، وستكون سنجار وجبلها الأشم وتحريرها عنوانا لانطلاق كوردستان المستقبل إلى ذرى المجد والانعتاق بعد إنهاء آخر فصول البعث والنازية الجديدة المتمثلة بداعش الإرهاب والتخلف.

kmkinfo@gmail.com


122
أسئلة ساخنة في رمضان لاهب!

كفاح محمود كريم

     لطالما طرقت أسماعنا توصيفات لشهر رمضان منذ أن كنا صغارا وإمام مسجدنا يقول انه شهر التراحم والتوبة والمحبة والمغفرة بين بني البشر المسلمين طبعا، وهي حقا توصيفات تطرب الأسماع وتطمئن الأرواح بما فيها من معان رفيعة تكتنز إن طبقت اسمي صور المحبة والتسامح والألفة والتكافل بين البشر، لكنها في واقع الحال تختلف كثيرا، وانا أتحدث عن بيئتنا لكي لا نذهب بعيدا إلى التعميم في كل أصقاع الدنيا التي يتواجد فيها المسلمين، ويزعل البعض منا في التعميم مدعيا إن بلاده أو مدينته مكة على عهد رسول الله (ص).

     حقيقة واحدة من ابرز ما تعاني منه مجتمعاتنا عموما، وخاصة تلك التي سادت وما تزال تسود فيها النظم السياسية والاجتماعية الشمولية، هي الازدواجية التي هي بحق الابنة الشرعية للنظم الدكتاتورية سواء السياسية أو الاجتماعية أو الدينية، وهي التي مسخت وشوهت هذه المجتمعات أفرادا وجماعات، فأنت لا تكاد تعرف منهم الحق من الباطل، ولا الأسود من الأبيض، حتى تظن إن الأكثرية تكذب أو تدعي أو تمثل أو تتقي الشر!

     وقد شهدنا خلال النصف قرن الأخير وتحديدا فترة ظهور الدكتاتوريات  الجمهورية في معظم بلدان الشرق الأوسط وخاصة هنا في العراق منذ إسقاط الملكية وإقامة الجمهورية وحتى يومنا هذا، تضاعف هذه المظاهر المتناقضة في أدق سلوكيات الفرد والجماعة، بل وفي أكثرها عقائدية فيما يتعلق بالعبادات وما تقتضيه من سلوك وتعامل وأخلاقيات، وفي طبيعة العلاقة مع الأنظمة ورموزها، كما كان يحصل مع الدكتاتور صدام حسين وقبله البكر والعارفين وقبلهم جميعا مع الزعيم الأوحد، والآلاف المؤلفة من كل الشرائح والطبقات دونما استثناء التي رقصت على كل حبال تلك الأنظمة ثم عادتها ولعنت سنسفيل الي خلفوها متحالفة مع من انقلب عليها وهكذا دواليك، حتى تم تشويه ومسخ أكثر الأمور قداسة وهي تلك العبادات التي يفترض بها أن تكون عاملا للمحبة والألفة والرحمة والتراحم والصدق والحلال في الأكل والشرب والربح والنية!

     إن البون الشاسع بين النظريات والتطبيق أمر مرعب ومخيف جدا، لا يتعلق فقط بالازدواجية بل بشيزوفرينيا الأفراد والمجتمعات وبشكل عدواني وعدائي رهيب، هذا البون الكبير أنتج اختلاف معقد بين ما نسمعه وما نشاهده من تفصيلات يومية لها علاقة في البنية الأساسية للعقيدة الفكرية والدينية والأخلاقية تدفعنا جميعا لكثير من الأسئلة وفي مقدمتها ما له علاقة بالبناء الأساسي للعقيدة ألا وهو الإيمان:

- في معظم بلداننا من القرية إلى العاصمة، ترتفع الأسعار بشكل جنوني قبل وخلال شهر الرحمة والتراحم والغفران؟
- وبنفس القياس وربما أكثر قبل العيد أيضا؟ فهل لهذا أي علاقة بتوصيفات شهر رمضان وأخلاقياته المفترضة، وهو ركن أساسي من أركان الدين؟
- هل فعلا التوبة محصورة في شهر واحد من السنة أي في رمضان، وهل الصوم عادة أم عبادة لدى أولئك الذين يمتنعون عن المحرمات المفترضة فقط في شهر رمضان؟؟
- بنفس القياس هل تعقل الصلاة في رمضان فقط وتترك بقية أيام السنة، أو أن تختصر في أيام الجمع والأعياد!؟
- هل فعلا إن الصلاة تمنع الكثير من هؤلاء عن الفحشاء والمنكر والاستغلال والنفاق والكذب والتدليس وانتهاز الفرص؟


     والأسئلة كثيرة تلك التي تنتجها حالات الاختلاف بين النص والتطبيق وتؤشر الخلل الكبير في البنية الأساسية لكثير من الممارسات السياسية والاجتماعية والدينية وحتى الأخلاقية، فكلما توغلنا فيها أكثر أدركنا حقيقة  التخلف المرعب لمجتمعاتنا ودولنا، وأسباب هذا التناحر البدائي والتقهقر المتوارث عبر الأجيال.
kmkinfo@gmail.com




123
كوردستان تسأل حكيم الهند

كفاح محمود كريم


     لم يمر في تاريخ البشرية المعاصر رجل سياسة وحكم، مسالم وحكيم الا باستثناءات قليلة جدا مثل المهاتما غاندي، حيث رفض العنف بأي شكل من أشكاله ومهما كانت أسبابه أو مسوغاته، واعتمد العقل والحكمة وفكرة السلام المقاوم للعنف بدلا من العنف ضد العنف، والمعجزة انه نجح ومع من؟ مع اعتى استعمار شهدته البشرية، واستطاع إرغامهم على قبوله وقبول مشروعه، ناهيك انه أسس لإمبراطورية ديمقراطية في بيئة لا تصلح إطلاقا لهكذا ممارسة أو نمط اجتماعي وسياسي في مجتمعات متخلفة للعظم، ومتناقضة حد التذابح، ومتشعبة إلى مئات من الاثنيات والقوميات والأديان، ورغم ذلك نجح غاندي إلى حد اللحظة في إشاعة التسامح والسلام والتعايش بينهم جميعا.

     لست قاصدا أن اشرح لكم تجربة الهند أو معجزة الهند، وأؤكد أنها معجزة خارقة في تطبيق الديمقراطية في بلاد وبيئة لا يمكن بالقياسات الأوربية والأمريكية إلا أن تتقسم أو يحكمها دكتاتور بالحديد والنار، خاصة وان النموذج العراقي والعربي والشرق أوسطي عموما هو أسوء ما يمكن اعتباره تجربة ديمقراطية رغم الفارق الكبير بين الهند وبينهم في حجم المكونات وعددها، وتقاربهما في التخلف عند نقطة الشروع، لكنني طالعت واحدة من أروع تجليات الزعيم الهندي الكبير المهاتما غاندي وانأ ابحث عن توصيف لسلوك البعض ( الديمقراطي ) في مسألة ولاية الرئيس البارزاني للرئاسة وكوردستان تخوض واحدة من أشرس حروبها ضد الفاشية والشوفينية الدينية والقومية استهدفت وجودها بالكامل أرضا وشعبا وكيانا، ورغم أن الرئيس بارزاني يصر على عدم استبدال تاريخه النضالي بكرسي الحكم وهو زاهد كما يعرفه الجميع، فان ما قاله المهاتما غاندي قبل عشرات السنين كأنما جاء صدى لما يحصل اليوم، وربما كان الأصدق في توصيف الحالة التي نمر بها الآن وتستدعي الانتباه والحذر خاصة وان المنافقين على الطريقة البريطانية يمارسون أدوارهم بكل خبث ولؤم.

     ودعونا الآن نتوقف عند ما قاله حكيم الهند وفيلسوفها الكبير غاندي:
" كلما قام شعب الهند بالاتحاد ضد الاستعمار الانجليزي يقوم الانجليز بذبح بقرة ورميها بالطريق بين الهندوس والمسلمين لكي ينشغلون بينهم بالصراع ويتركون الاستعمار!"

     وكلما اقترب شعب كوردستان من تحقيق أهدافه السامية، أنتج الاستعمار لعبة جديدة تشبه بقرة الانكليز لكنها على الطريقة البعثية مجملة بإكسسوارات ديمقراطية ومعفرة بأنفاس الجيران اللدودين! 

     لقد انتصر حكيم الهند، وسينتصر حكيم كوردستان

kmkinfo@gmail.com 

124
لا خشية على كوردستان!

كفاح محمود كريم

     الأصدقاء الحريصون على بقاء كوردستان رمزا للسلم والأمن والتقدم والازدهار، شابهم نوع من الخشية والقلق بسبب الحملة التي شنتها أجهزة الدعاية المغرضة والمعادية للإقليم شعبا ورئيسا وحقوقا وتجربة، فبمجرد انعقاد جلسة البرلمان ليوم 23 حزيران وانسحاب الكتلة الأكبر ومعها الكتلة التركمانية ومجموعة الأحزاب الأشورية الكلدانية السريانية، تناولت تلك الأجهزة المريضة بعقد النقص الموضوع بأسلوب يوحي للرأي العام خارج الإقليم، وكأنما انقلابا عسكريا على أبواب إقليم اختار التبادل السلمي للسلطة في خضم انتفاضته الشعبية العارمة في ربيع 1991م، والانتقال السلس من المشروعية الثورية إلى البناء الدستوري والقانوني لمؤسسات الدولة، التي دشنها بعد اعتماده الانتخابات وصناديق الاقتراع خيارا وحيدا لممارسة السياسة والسلطة قبل ما يقرب من ربع قرن من الآن.

     هذا الخيار والاختيار هو الذي أنتج صمامات الأمان لتجربة الإقليم، خاصة وان أحزابه خاضت تحت مختلف الأسباب والمسببات صراعا عنيفا فيما بينها لم يؤدِ إلى تحقيق أي من أهدافها، ولذلك توصلت مع تعاون أصدقاء كوردستان إلى اتفاق استراتيجي ينظم العلاقات في ما بينها على أسس المصالح العليا للإقليم وشعبه، وهذا ما جرى وأدى إلى تطور الأداء السياسي والاقتصادي والعسكري والأمني، وحول الإقليم إلى جزيرة للأمن والأمان والازدهار في بحر متلاطم من الإرهاب وفقدان الأمن والسلم الاجتماعيين في معظم مناطق البلاد خارج هذه الجزيرة.

     إن الذين وضعوا أسس نهضة كوردستان ونهجها المتمثل بنهج الزعيم الكبير مصطفى البارزاني في مختلف مناحي الحياة في الإقليم ومن مختلف الأحزاب والفعاليات السياسية والجمعيات والمنظمات المدنية، وملايين المواطنين الذين يعملون ليل نهار وتحت ظروف لا يحسدون عليها بسبب فرض بغداد حصارا في قطع حصة الإقليم من الموازنة والمعاشات، دون أن تؤثر هذه السياسة وبوجود أكثر من مليوني نازح جلهم من غير الكوردستانيين، وتحديدا من محافظات غرب العراق، على سلوك الأهالي وحالة الأمن والسلم والتسامح والتعايش مما يعكس أخلاقيات من يحكم البلاد على كل المستويات.

     إن ما يحصل الآن في كردستان هو حراك سياسي ضمن العملية الديمقراطية، وإن شابته هنا وهناك بعض المناورات الحزبية، أو استخدمت فيه بعض المظاهر الإعلامية التي خرجت عن ثقافة التوافق الوطني، إلا إن الثوابت الأساسية في البناء تؤكد انه لا خوف على تجربة إلاقليم، وإن كل الوطنيين من الزعماء الكوردستانيين السياسيين المنصفين، يؤمنون بأن الرئيس مسعود بارزاني أرسى قواعدا وأسسا لإقليم كردستان لا يمكن أن تهزها أية أزمة أو خلاف سياسي بين حزب وآخر في وجهات النظر والآراء، والإقليم وبصرف النظر عما يجري الآن متوحد الصف، والزعماء الكورد من كل الأطراف سواء الذين يؤيدون البارزاني أو الذين يعترضون عليه، يقفون جميعهم تحت مظلة مصالح كردستان العليا ويدركون انه قائد لهذه المرحلة الدقيقة من تاريخ شعب كوردستان سواء كان رئيسا أو بيشمركة كما رأيناه دوما في المواقف التاريخية والحاسمة.

     لقد أكد الرئيس مسعود بارزاني منذ البداية على مسألة مهمة جدا، وهي أنه على شعب كوردستان ومن يمثله من أطراف وأحزاب سياسية سواء الموجودة في البرلمان أو خارجه، اختيار رئيس له بطريقة متحضرة لا تتقاطع مع القانون ومع التوافق الوطني وتخدم المصالح العليا للإقل
يم.

     بهذه الشكل ينظر الرئيس بارزاني إلى موضوع الولاية، وهو يشدد في كل اجتماعاته مع كل الاطراف السياسية على أنه لا يستبدل تاريخه النضالي بكرسي الرئاسة خارج ارادة الشعب والقانون.

kmkinfo@gmail.com




125
العراق بين الفضائيين والاستراتيجيين؟

كفاح محمود كريم

     ظهرت خلال الفترة الأخيرة في متداولات وأدبيات السياسة والإعلام وأجهزة الدعاية الحزبية والمذهبية والعشائرية في العراق، تسميات وتوصيفات تتطابق وحالة الفوضى اللا أخلاقية التي تمر بها بلاد النهرين وما بينهما، هذه التوصيفات جاءت إما على شكل مصطلح يعبر عن ظاهرة استمدها ورثة نظام البعث وصدام ممن كانوا يسمون بالجحوش، وهي تسمية كانت تطلق على عملاء السلطة من شيوخ وأغوات العشائر الذين كانوا يشكلون أفواجا ( عسكرية ) بأسماء أفراد عشيرتهم باسم الأفواج الخفيفة، ويلغفون رواتبهم مقابل عدم خدمتهم في الجيش، وقيام العديد منهم بتنفيذ عمليات مخزية ضد شعبهم، وقد احدث الوارثون الجدد في المؤسسة السياسية والعسكرية وملحقاتها تعديلات طفيفة على أصل الفكرة، مستخدمين مصطلحا أكثر حداثة وأكثر مقبولية من منظمات حقوق الحمير وأحزابها، فبدلا من ( الجحوش ) ساد اليوم مصطلح ( الفضائيين ) تعبيرا عن اولئك العساكر الوهميين الذين تصرف لهم معاشاتهم وتفرغ في جيوب جنرالات مكتب القائد العام السابق المنحل فخامة نائب رئيس الجمهورية الحالي.

     هذا في فضاء الجحوش سابقا والفضائيين لاحقا، إما في سماوات الإعلام العراقي ونافوراته التي بدأت تتراقص بعد سقوط نظام الحنفية الواحدة وفكرة القناة الأولى والثانية والإذاعة المركزية والصحيفة الوحيدة عموما ما يسمى بالمحللين الاستراتيجيين أو الخبراء الاستراتيجيين في مختلف الاختصاصات، فتراه ضابطا عسكريا يتحدث بإستراتيجية في علم السياسة، وكذا الحال في محلل سياسي ينبري خبيرا عسكريا أو اقتصاديا أو زراعيا، وهناك من استخدمها أي كلمة أو مصطلح الاستراتيج كتوصيف لجمعيته أو مركز أو مجموعته على شاكلة المجموعة الفلانية للدراسات الإستراتيجية أو معهد فلان للدراسات الديمقراطية الإستراتيجية، وهكذا دواليك، تحولت كثير من التفاصيل التكتيكية إلى إستراتيجية، خاصة وإنها أثبتت نجاحها كوسيلة رزق أو كما تقول الدارجة العراقية ( حيلة رزق ) لجمع داعمين تكتيكيين هذه المرة من اجل ( لغف ) اكبر كمية من الورقة الخضراء من أناس أتقنوا فن اللعب على الحبال أو على الثلاث ورقات حسب توصيف الأخوة المصريين!

     والغريب إن وسائل إعلام مهمة يفترض أنها تضم متخصصين في السير الذاتية لمن يستضيفونهم، يشاركون هؤلاء المشوهين مهنيا في جريمة تلويث الرأي العام وتخديش حياء المجتمعات بادعاءاتهم ودعاياتهم التحليلية التي لا تمت إلى الحقيقة بأي شكل من الإشكال بل هي نتاج أفكارهم ومصالحهم ومن يسخرهم لخدمة برامجه كما كانت تفعل أنظمة صدام حسين والقذافي والأسد وأمثالهم ممن يعرفون كيف تؤكل كتف السياسة بصناديق الانتخابات المعاقة في مواطنتها وفي مستوياتها الثقافية والوطنية.

     حقيقة فلقد ابتلت بلدان ما يسمى بالربيع العربي وفي مقدمتهم العراق كونه ( ربّع ) قبلهم بفضل العم سام وأشقائه أبو ناجي وجماعته الميامين الذين ساهموا مساهمة ( جادة ) في الربيع العربي وفي إنتاج جمعيات ومراكز ومعاهد الدراسات ( الجداً ) إستراتيجية وخاصة لتعليم الديمقراطية في بلدان معظم سكانها أميين في أبجديتهم وفي خيارات انتماءاتهم.

kmkinfo@gmail.com


126
كوردستان هي التي تسأل؟

كفاح محمود كريم

     قبل عدة أيام وجهت اللجنة التحقيقية النيابية المشكلة للنظر والتحقيق في سقوط الموصل المخزي أكثر من خزي سقوط بغداد والعراق برمته في نيسان 2003م، مجموعة من الأسئلة إلى رئاسة إقليم كوردستان حول هزيمة فرق الجيش العراقي في كل من الموصل وتكريت والانبار وكركوك وديالى، وهي أكثر من أربع فرق بكامل أسلحتها واعتدتها التي تجاوزت عشرات مليارات الدولارات من احدث الأسلحة الأمريكية، هذه الفرق التي كان يقودها جنرالات بأمرة القائد العام للقوات المسلحة العراقية نوري المالكي ومكتبه، أسئلة اقل ما يقال عنها إنها جاءت معبرة عن تركيبة غريبة من الأمراض وعقد النقص التي يعاني منها أولئك الذين صاغوا الأسئلة بطريقة سطحية وسمجة، حيث حاولت ببلاهتها واستغفالها للرأي العام إغفال الأسباب والمسببين الحقيقيين لكارثة الموصل وصلاح الدين والانبار وفيما بعد مركز الرمادي التي سقطت بذات الأسلوب والطريقة!

     لقد اتضحت وفضحت عارات سقوط الموصل وشقيقاتها من المدن المستباحة في غرب البلاد، لا من قبل عصابات داعش الإرهابية بل من أولئك الذين تسلقوا سلم الديمقراطية ليؤسسوا دكتاتورية جديدة أعمدتها آلام وعظام آلاف البشر من أبناء العراق سنة وشيعة، كوردا وعربا، مسيحيين وايزيديين وصابئة مندائيين، الذين حاولوا إقصائهم تحت يافطة الأغلبية البرلمانية، في بلاد يئن غالبية سكانها تحت وطأة الفقر والعوز والفاقة وتعددية الولاءات وفقدان مفهوم المواطنة واستخدام مفاتيح الغرائز بأبشع صورها من خلال استغلال انعدام الوعي والسطحية التي أورثها نظام البعث لخلفائه اليوم، فقدموا الموصل وتكريت والرمادي وديالى وعشرات البلدات والقرى قربانا لأهدافهم التي ارتكزت على مبدأين مهمين؛ الأول استباحة داعش لهذه المدن لتؤدب السنة المزعجين لحكمهم، ومن ثم ثانيا لتكون خنجر خاصرة لكوردستان التي فضحت تخلفهم وأظهرت عوراتهم في الفساد والفشل في إدارة الدولة، ولإيقاف نموها وتطورها، خاصة وأنهم فشلوا في إقناع الآخرين من شركائهم الأقربين والأبعدين بولايتهم الثالثة، فذهبوا إلى خيار إسقاط الموصل وتسهيله بل وتعجيله، لكي يكون احد أهم أسباب فشل أي حكومة لاحقة بعدهم؟

     أسئلة عبرت عن الكم الهائل من الكذب والادعاء والفشل، وإسقاط ما في دواخلهم على الآخرين لتمرير وتمويه الأسباب الحقيقية والمسببين الحقيقيين في تلك المسرحية المأساوية المشبعة بالحقد وروح الانتقام، أسئلة ردت على أعقابها لأنها فعلا لا علاقة لكوردستان بهذا الخزين من الكراهية والادعاء والتخلف، فكوردستان هي التي تسأل باستحقاق دماء آلاف الشهداء والجرحى وأروع صور البطولة والصمود والانتصار، كوردستان التي قاتل أبنائها وبناتها دون أن يسلموا اطلاقة واحدة للعدو حتى وان كانت أرواحهم فداء لذلك، كوردستان ورموزها في التضحية والصمود والانتصار في كركوك ومخمور وكوباني وتل الأبيض وسنجار وزمار وجلولاء والسعدية واسكي موصل والسد، وكل المدن والقرى التي تم
تحريرها ورسم حدودها الطاهرة بدماء البيشمركة، ولأجل كل ذلك..

كوردستان هي التي تسأل وعلى الآخرين الإجابة![/b]


127
أجهزة دعاية أم وسائل إعلام؟

كفاح محمود كريم

     بعد سقوط هيكل نظام صدام حسين والبعث وتهاوي سلطة الاستبداد الفكري والإعلامي، تصور الكثير منا إن مرحلة جديدة من حرية التعبير عن الرأي وممارسة الإعلام الحر المراقب لحركة السلطة والمجتمع، بما يعزز القيم العليا للمجتمعات المدنية الراقية واحترام حقوق الإنسان والمهنية  الإعلامية والسياسية، متناسين إن حقبا من التخلف والتربية الخطأ وعقود من الدكتاتورية وثقافة الشيخ والأغا وسلطة الكثير من رجال الدين غير المرئية المرسلة عبر المنابر أو الإرهاب الاجتماعي القائم على التخلف وانعدام الوعي والأمية الأبجدية والحضارية، ستنتج أجيالا حاملة لموروثات جينية دكتاتورية دعائية كما كانت أسلافها في الحقب الماضية.

     وليس هناك أفضل من النموذج المالكي للدعاية التي تستخدمها وسائله سواء المرئية أو المسموعة أو الالكترونية وبسذاجة مثيرة للسخرية، حيث تتناقل في ما بينها خبرا عن اكبر ملعب كرة قدم أنجزته حكومة إقليم كوردستان التي تحاصرها حكومة بغداد التي يقودها المالكي من وراء الكواليس، إن إسرائيل قامت ببناء ذلك الملعب، وفي جهة أخرى تنشر شبكة فيس بوك المالكي التي يتم تمويلها من خزينة العراق، إن الرئيس الكوردستاني أصيب بجلطة دماغية أدت إلى نقله إلى المستشفى (!) في واحدة من أسخف أنواع الدعايات الساذجة لتمويه الرأي العام الذي تشتغل عليه، وهو الآخر لا يقل سذاجة وسطحية من المؤثرين عليه، فهو أساسا مغيب بالكامل عن الواقعية ويعيش في خزعبلات وخرافات سقيمة من قبيل أن الكورد قبيلة من الجن!؟

     بالله عليكم أي إعلام هذا وأي جهاز دعائي يعبث بهؤلاء السذج ويقودهم إلى هاوية التفكير السطحي الأكثر ملعونية من أجهزة دعاية حزب البعث، بحيث يشيع بين الناس إن شعبا عريقا صاحب اكبر وأطول ثورة في التاريخ المعاصر هو من أبناء الجن؟ وإنهم أكثر عداوة من اليهود للعرب وللمسلمين متناسين إن احد أبنائهم حرر القدس وان آلافا مؤلفة من شبابهم ضحوا بحياتهم من اجل فلسطين، وإنهم نجحوا في تحويل إقليمهم إلى جزيرة للأمن والسلام والازدهار في بحر من الخراب والإرهاب والدمار.

     أجهزة دعاية لا تمت بالإعلام بأي صلة لأنها لا تدرك سر هذه المهنة وأصولها، ومراقبة سريعة لوسائلهم الدعائية في التلفزيون أو شبكات التواصل الاجتماعي أو صحفهم الورقية والالكترونية ستظهر لنا بشاعة توجهاتهم وبدائيتهم وسذاجة ما يروجونه من دعايات وأكاذيب مفضوحة وطوفان من الشتائم والبذاءة والأخبار المفبركة، حتى يظن المرء انه أمام مسابقة لكذابي العصر، بل إن الذاكرة تعيدنا للأيام الأولى لماكينة دعاية البعث حينما استباحوا العراق وكل ما على أرضه، فكانت ضيعة لأولئك المنحرفين والمتخلفين الذين يحصد ورثتهم في بطانة المالكي ما زرعوه من قيم وتقاليد بالية أخذت البلاد إلى ما نشهده اليوم وكما وصفها أبوهم الروحي وعرابهم صدام حسين بحفنة من تراب.

     فعلا لقد سقط هيكل نظام صدام حسين وحزب البعث، لكن ثقافته وأساليبه وماكينة دعايته لم تسقط، بل ما تزال تمارس دورها الذي نراه ونسمعه من خلال أداء ودعايات هذه الأجهزة المولعة بكراسي الحكم وتسطيح الرأي واستغفال الأهالي وتصنيع أعداء مفترضين لإدامة حكمهم وشرعيتهم في واحدة من أبشع ما عايشه العراقيون من دمار وتقهقر هائل في كل مناحي الحياة، فينما ينهض فرسان الشمس في كوردستان لافتتاح اكبر ملعب كرة قدم في كوردستان والعراق بمواصفات عالمية يغوص النازيون الجدد في بحور ظلامهم وأحقادهم وتخلفهم ودعاياتهم السوداء.

kmkinfo@gmail.com

128
الخناثة السياسية والإعلامية

كفاح محمود كريم

 لا اعرف إلى أي حد مصطلح ( المخنث السياسي ) متداول لدينا في مجتمعاتنا السياسية، لكنه في هيئته الانكليزية ( politicall androgynous ) ربما يعطينا وضوحا في دقة معناه، رغم عدم تداوله كثيرا في الأدب السياسي العربي والشرقي عموما، فهو يعبر بشكل مركز عن عدم وضوح هوية المخنث السياسي، بالضبط كما تعني في العربية من ناحية جنس الفرد ذكرا كان أم أنثى، فهو رمادي اللون إذا أردنا الوصف بين الأسود والأبيض، ويحمل ضربات لونية من الاثنين، وهو بطبيعته يميل إلى انتهاز الفرص التي تسنح له بالحركة فهي مجاله الحيوي، خاصة في الأزمات وأبان عمليات التغيير الحادة، وقد شهدنا أفواجا من هؤلاء المخنثين سياسيا منذ قيام الجمهورية الأولى في العراق وحتى بدأت أوضح عملية ظهور للمخنثين بل اكبر عملية تصنيع للخناثة السياسية بعد نيسان 2003م؟

     وازعم إن كلا منا لا يحتاج إلى بحث أو تمحيص دقيق لكي يتعرف على نماذج من هؤلاء المخنثين سياسيا واجتماعيا وإعلاميا بدءاً من قريته أو محلته وانتهاءً بالمجتمع السياسي الفوقي حيث تتضح الصور هناك مزركشة أكثر ومالكة لوسائل تمويه وخداع واليات عمل ( أي سي، دي سي Ac,Dc ) كما يقول العراقيون للشغالين بوجهين والمنافقين من المرتزقة الانتهازيين الذين يجيدون اللعب على كل الحبال وينافسون الحرباء والضفادع بسرعة التلون مع الطبيعة والبيئة التي يعيشون أو يعتاشون منها، وقد بانت عوراتها بشكل واضح بعد انهيار نظام صدام حسين الذي احتوى الكثير منها خلال حكمه وتخرجت من مدارسه لتستقبل العصر الجديد بخبرات واليات متقنة سهلت لها عملية التسلق المالي والإداري.

     واذكر للتاريخ نماذج من الوسط الإعلامي والسياسي وللأسف حتى الفكري والأكاديمي ممن ساقتهم خناثتهم السياسية أو الإعلامية إلى منحدرات وقيعان آسنة، مستغلين فيها طيبة هذا الشعب ومأساته عبر تاريخه وتشبثه بمن يعده بالعمل إلى جانبه وخدمته وهو يكن له كل الحقد والكراهية، ظاهرا له المودة حتى يحقق مآربه الرخيصة في المال كأي بائعة هوى أو سمسار في سوق النخاسة!

     في العراق وكوردستان ومنذ سقوط هيكل نظام البعث تهافت إليهما  الكثير من المخانيث السياسيين والإعلاميين، بحثا عن متعة المال في رقصة اللواكه والسمسرة السياسية والإعلامية، فبعد أن أتاها مخنث عسكري خان شرفه المهني وحنث بيمينه الغليظ مدعيا إن صدام يعاديه بسبب معارضته لنظامه وكان رئيسا لجهاز المخابرات العسكرية وقائدا مهما في قيادات البعث، حقق أولى أهدافه مستشارا لرئيس الجمهورية الجديد ناسيا انه ضالع في جرائم الأنفال التي دفعته إلى الهروب بجلده ومعاونة أمثال علي كيماوي له، ليستقر في عاصمة الضباب متلوكا لرئيس آخر كنسته إرادة الكتل السياسية من الولاية الثالثة، طمعا في منصب جديد على أطلال جرائمه السياسية والأخلاقية، بعد هذا المخنث العسكري ظهر نكرة إعلامية آخر لم يك أكثر من مفوض شرطة أو نائب ضابط هارب من الجيش مرتديا ملابس قريبه الميت ومتقمصا شخصيته كصحفي وكاتب ورسام، ليوهم فاسدين مثله لتأسيس قناة ناطقة بالعربية في كوردستان (لاغفا ) أي ناهبا ومختلسا مئات الآلاف من الدولارات التي ضمها على ملايين أخرى سبق له أن سرقها من صفقة ورق لحساب الحكومة العراقية قبيل سقوط نظامها الإداري في عام 2003م، وآخر من ممثلي السياسة القابعين في عاصمة الملاهي من الذين ( ينفشون ) ريشهم المبلول متوهمين أنهم طواويس سياسية، جاء إلى كوردستان يشحذ ويتسول لجمع مبالغ لتغطية مؤتمر وطني بديل للعملية السياسية، وحينما جمع ما يغطي ديونه المتراكمة أو كلاواته، عقد في إحدى الجايخانات مؤتمر للفاشلين كان مثالا للسخرية ونموذجا للنصب والاحتيال السياسي والفكري.

    هذا غيض من فيض كما يقولون، دونما ذكر للأسماء لان الأفعال تدل إلى عناوين أشخاصها ومرتكبيها لأنها تقع في باب أو حقل النصب والاحتيال، ورغم هذه الكائنات المريبة حققت بعضا من أهدافها في ملئ مركبات نقصها، إلا أنها في النتيجة مهما كانت أو بلغت فهي مجرد مخانيث سياسية وإعلامية، لا يمكن لها أن تكون في الشمس واضحة الملامح والعناوين، لأنها كائنات أدمنت الاعتياش والنمو في بيئات مظلمة ورطبة ومتعفنة!؟
kmkinfo@gmail.com


129
لا تعادوا كوردستان؟

كفاح محمود كريم

     واحدة من اكثر حقائق التاريخ السياسي لدولة العراق وعبر كل مراحل الحكم والانظمة التي مرت عليها وبها، إن ما من احد عادى كوردستان وشعبها وحركتها التحررية إلا وخسر المعركة آجلا أم عاجلا، سواء بانهيار نظامه كاملا كما حصل لمعظم من تولوا حكم العراق، أو تمت تصفيته بانقلاب أو محاكمة كما حصل مؤخرا للرئيس الاسبق صدام حسين ورجال حكمه، بنهاية مثيرة ومخزية، وليس غريبا أن يصف الشيخ الجليل الدكتور احمد الكبيسي تلك الحقيقة قائلا:

" كلهم عادوا البارزاني وحركته وشعبه وكلهم ذهبوا وبقت كوردستان وشعبها وانتصرت وخسروا هم كل شيئ! "

     والغريب إن البعض لم يفهم الدرس بعد، رغم بلاغته ووضحه وتواليه كمتوالية سياسية، متصورا بان حملات إعلامية مزركشة بأكاذيب وفبركات صحفية تشفي غليله وعقده المتراكمة إزاء نجاحات الكورد وساستهم في البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لإقليمهم، متناسين ان اخطر اسلحة الدمار الشامل واخبث اساليب التمزيق النفسي والقيمي للمجتمعات لم تنفع قيد انملة واحدة لتحقيق ما يصبون اليه، تراهم اليوم ينبرون على شاشات التلفزة في إعلانات مدفوعة الثمن، من قبل أولئك الحرامية الذين سرقوا الف مليار دولار خلال اقل من عشر سنوات، وسلموا أكثر من ثلث العراق ومدنه الشامخة بيد عصابات الإرهاب، ظنا منهم في ضرب ثلاثة أهداف بحجر واحد، الكورد والسنة والشيعة!

     ومراقبة سريعة لوسائل إعلام نوري المالكي ووعاظ سلطنته يدرك حقيقة إن البعض ما يزال يعاني من عقدة اسمها كوردستان، ولم يطلع ربما لعمى في بصره او بصيرته على مجريات الأحداث منذ تأسيس كيان المملكة العراقية في غفلة عن ساكنيها وحتى انزواء المالكي، انه إنما يقلد بشكل لا يدلل على ذكاء أو شطارة بل على العكس بأسلوب متهرئ عفى عنه الزمن، ولعل ما تقوم به مجاميع من الثرثارين في ماكينة دعاية المالكي وعصبته التي ترقص على حبال الفتنة والحرب والخراب لتغطية واحدة من أبشع عمليات السرقة وتدمير البلاد، باستقدام كل مجرمي العالم وسادييه وشذاذ آفاقه ليحتلوا اعرق مدن العالم في نينوى والانبار وسنجار وتكريت ويستبيحوا الأرض والعرض، لا لسبب إلا لعقلية مريضة حاقدة موبوءة بمركبات النقص والإحباط والفشل ليؤدبوا السنة كما كانوا يتهامسوا في دهاليز حكمهم واجتماعاتهم أو يزرعوا خنجرا في خاصرة كوردستان.

     انهم يستنسخون صناعة الجحوش التي مارسها وتخصص بها نظام البعث، وشهدنا جميعا كيف آلت والى أي نتيجة انتهت، انهم يعيدون الى الذاكرة تلك الافواج من خونة قومهم رعاع الزمن وشذاذ الافاق بوجوه جديدة واسماء محدثة، حيث تداولت وسائل الاعلام مصطلح دقيق في توصيفهم ( سنة المالكي وبعض جحوشه من المحسوبين على الكورد بالجنسية كما يقولون ) فهم وسائل دعايته ووجه القباحة التي يدفعونها الى مسرح التهريج الاعلامي في مسرحية بؤس التفكير والسلوك والغباء السياسي المطبق من هؤلاء الذين جاءوا في غفلة من الزمن السيئ وبيئة الخواء الفكري والنضج السياسي والحكم الرشيد، الذين يعادون شعبا ما بردت بارودته كما قال احد شيوخ شمر في وصفه للكورد وإصرارهم على حقوقهم، ويكرسوا الاحقاد والكراهية مع نسيج اجتماعي عملوا على تمزيقه، ومحاولة اقصاء مكوناته كما فعل اسلافهم عبر مائة عام من تأسيس الدولة، وما فعلوه هم من مخازي خلال عقد واحد فقط من مهزلة حكمهم الفاشل، ازاء ما فعله شعب كوردستان ومؤسساته وقواه السياسية خلال نفس الفترة، وصدق من قال شتان بين الثرى والثرية!؟

kmkinfo@gmail.com



130
وكالة عامة باسم الشعب!

كفاح محمود كريم

     منذ تسلط الأنظمة الشمولية في معظم دول الشرق الأوسط وخاصة تلك التي تمت صناعتها في أقبية وزارتي الخارجية البريطانية والفرنسية إثر انهيار إمبراطورية بني عثمان، وقيام ممالك ومشيخات وجمهوريات الدول العربية، والجميع منح نفسه وكالة عامة مطلقة من تلك الشعوب التي سادتها لعقود ثقيلة ثقافة وسلوكيات القطيع المستكين، تلك الوكالة التي منحت  شرعيتها كيانات وهيئات (نفذ ثم ناقش) إما بمجلس قيادة الثورة أو بصلاحيات ألقذافي الفضائية أو فرمانات الملوك والشيوخ ونزولا إلى فرمانات الأغوات وشيوخ عشائر اليوم الحائرة ( بين الحانة والمانة ) كما يقول العراقيون!؟

     لقد تحولت تلك الممارسات الشمولية إلى ثقافة وسلوك عام يمارسه معظم المسؤولين ابتداءً من رئيس الجمهورية وصولا إلى السلطة السابعة التي يصفها احد مخاتير القرى، والذي يصر على انه هو السلطة السابعة حسب تسلسله الإداري للسلطات التي تبدأ برئيس الجمهورية ثم رئيس الوزراء والوزير وبعده المحافظ ثم القائمقام ومدير الناحية والسابع مختار القرية الذي يؤكد على حقه في التحدث باسم الشعب أي باسم أهل القرية الذين عينوه مختارا، وهي ذات الصلاحية التي يمنحها لنفسه شيخ العشيرة حينما يتحدث ويصرح ويأمر وينهي باسم كل أفراد عشيرته نساءً ورجالاً، أطفالا وشيوخاً، الذين يحبونه والذين يكرهونه أو ينافسونه على كرسي المشيخة، وهكذا دواليك حتى زعماء الأحزاب والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني التي تتكاثر بشكل رهيب، والوزراء والنواب الذين يتكاثرون أكثر من القطط الشباطية، وكل من هب ودب يتكلم باسم الشعب!؟

     والانكى من ذلك حينما يصدر رئيس محكمة أمرا قضائيا باسم الشعب، وهو يدرك إن هذا الكل مجروح على الأقل بذوي المحكوم عليه، فكيف له أن يدعي الحكم باسم الشعب، وكذا الحال بأولئك النكرات الذين أوصلتهم صناديق العشائر والغباء الاجتماعي والسياسي إلى كراسي البرلمان، وهم يتحدثون باسم الشعب كله؟
     حقيقة؛ هناك مهازل لا تعد ولا تحصى في بلد أراد زعماءه الانتقام من بعضهم ففتحوا الأبواب لعصابات الهمجية والجريمة لكي تؤدب مكون مخالف لهم وتكون خنجر خاصرة لقومية مختلفة عنهم، فانقلب السحر على الساحر، والغريب إن الجميع يتحدث نيابة عن الجميع دون تخويل أو وكالة، ابتداءً من فراش المدير وانتهاءً بفخامة نائب رئيس الجمهورية الذي يصر على أن الشعب العراقي سيقاتل أي عملية تسليح للمكونات خارج سلطته، وان برك الدماء تنتظر من ينتقد مؤسساته العسكرية!؟

     قلت الغريب وأنا آسف جدا لأنها في بلدي ليست غريبة إطلاقا، فهي الشائعة وغيرها الاستثناء، فالكل هنا مخول بالحديث والحكم وإبداء الرأي والقرار بدل الكل، لأننا فعلا في مجتمع العرض واحد والجيب واحد والرأي واحد والشعب واحد والحزب واحد والشيخ واحد والملك والرئيس والإمبراطور والرب واحد، وصلوات على الديمقراطية.

kmkinfo@gmail.com



131
العراق والدول الثلاث

كفاح محمود كريم