عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - المونسـنيور بيوس قاشا

صفحات: [1]
1
والخلائق تسبح بحمده " الصومعة  "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   هنالك مَثَلٌ تركي يقول:"الإنسان يولد في الغرفة ويموت في المرج". والمرج لدى المغول المقاتلين القدماء يعني أن الموت الطبيعي للرجل يحدث في ساحة الوغى، كما يقول الجزّار: أن الموت الطبيعي للثور يحدث داخل المسلخ.
   يا رب!، هل إن معارك الحرب العالمية الأولى والثانية وما أفرزته من جبابرة طغاة وتجّار حروب، هي أقل همجية ووحشية من حكمة الأتراك المغول أو عقلية الجزّارين؟!. كنتُ أتمنى لو نظرتُ إلى غرفتي التي أسكنها بعين أكثر مسيحية!. إن غرفتي هي جزءٌ من حياتي. إذا كان كل ما فيها من كتب أو تحفيات أو ذكريات ذا طابع وثني، فإنها ستكون قاحلـةً مجدبةً كالصحراء!  فيا سيدي، إنكَ خبّأتَ في كل غرفة يسكنها إنسان بعضاً من سرّ وجوده وقَدَره، وأنه يكفي أن يكون المرء  أميناً مخلصاً لغرفته ليجد أن النقص الذي يبحث عنه هو داخل نفسه!. فيا رب!، أعطني القوة والشجاعة لكي أستطيع أن أخلو إلى غرفتي ساعة الضيق، وألاّ أخرج متسارعاً إلى زفّة العالم طلباً للنجدة والخلاص!.
   غرفتي هي كَوْني الصغير، هي محطتي التي منها أراقب العالم وأحكم على مجرى الأمور وسير الزمان. في غرفتي أكون حقيقةً أنا ذاتي!، بعيداً عن مضايقات البشر وتصنّعهم، بعيداً عن المجاملة والتكلّف، ومتحرراً من قيود الإيتيكيت. غالباً أنسى أن أشكركَ يا سيدي لكونكَ أعطيتَني غرفةً أسكنها، وكم وكم من الفقراء المساكين الذين لا مأوى لهم ولا دار، وكم من المستأجرين الذين يحسبون كل ليلة ألف حساب كيف يدفعون أجور شقّتهم أو غرفتهم في صبيحة اليوم التالي. كم من الذين يعيشون في أكواخ حقيرة، وكم الذين يقطنون في حظائر جماعية!، وأنا أجد أمراً طبيعياً أن تكون لي غرفة مؤثَّثة مفروشة، أو صومعة أستطيع أن أغلق بابها وأستقر مستريحاً من ضجيج العالم. أربعة حيطان سميكة تحميني من سيول المطر، وسقف كونكريتي يقيني من الصواعق وهزيم الرياح، وأنا منكبٌّ بهدوء على مائدة مطالعتي تحت مصباح كهربائي بالقرب من مدفأة، مطمئناً راضياً، معتقداً أن جميع الناس مثلي.
   إني لم أمرّ قط بالمآسي المؤلمة عندما يُطرَد المستأجر من شقّةٍ أو دارٍ يسكنها مع عائلته وأطفالــه. ولم أعرف لوعة الناس الذين يهجرون مدنهم وبيوتهـم تحت وابل من قصـف الطائرات والصواريخ، أو بسبب الزلازل والفيضانات، وهم يتركون كل شيء متشرّدين في الأزقة والغابات ليناموا على حافات الأرصفة أو في الساحات العامة أو في المخيّمات، بدون وسادة ولا غطاء!.كما حصل للنازحين بسبب داعش وكما يحصل اليوم للمهجرين .
   لتكن صومعتي حافزاً لي على التقوى ومخافة الله، وباعثاً فيّ الشعور بالعطف نحو المشرَّدين في جميع أصقاع الأرض، ونحو التعساء المطرودين والمهجرين ، من أوطانهم والذين اكتظّت بهم الملاجئ والثكنات، والذين عليهم أن يتابعوا سيرهم في الأيام التالية بدون توقف أو هدف. مقابل هذا، هنالك بيوت مترفة يتمتع كل طفل من أطفالها بغرفة خاصة منذ ولادته، وهنالك أيضاً غرفة مخصصة للعب وأخرى للجلوس والحديث والسمر، وثالثة لتناول الطعام ورابعة للنوم... وهنالك غرفة يتألم فيها المريض قبل أن تقطف روحَه يد المنون، وغرفة صامتة لا يُسمَع فيها سوى أنين المنازعين، وغرفة للطبابة، وغرفة أخرى للعمليات الجراحية وللتشريح وغرفة خاصة للمصابين بفيروس كورونا !.
فيا رب!، وهنالك أيضاً غرف السجون ذات الجدران العتيقة والأبواب المقفلة حيث ينتظر المحكوم عليهم بالإعدام. وكما كان أتذكر أنَّ هناك صوامع النسّاك في الكهوف وفي أطراف الجبال، وصوامع الرهبان في نهايات الأديرة ذات الممرّات الطويلة. (ومن المؤسف اليوم) مجرد ذكريات .
   غريبٌ هو عالمنا يا سيدي! فما يعتبره البعض عقوبةً وقيـوداً داخـل السجون، يتخذه آخرون سبيلاً للتحرّر والانعتاق داخل الأديرة!، وهذا ما يفسّر لنا أن سعادتنا أو تعاستنا لا تعتمـد على المكان أو الزمان أو البيئة، بل على ما في داخل نفوسنا من نوازع ومن استعداد للبذل والعطاء!. فالصومعة لا تعني الاحتكار أو الانطواء، بل تعني التدفق والانبساط والخروج عن الذات، والاندماج مع الآخرين ومشاركتهم همومهم وأحاسيسهم وآمالهم. أتمنى ألاّ تكون صومعتي المنعزلة ملجأً أحتمي به، تُبعدني عن الناس وتُنسيني العالم، بل أن تذكّرني بالبشر أمثالي، وبالمعذَّبين الذين يتخبّطون ويكافحون، يجوعون ويعطشون... أخشى يا سيدي أن تصيبني محبتي المفرطة لصومعتي بداء النسيان!، أو بخَدَر كسول منبعث عن طول الانعزال!.
   أنتَ يا سيدي دخلتَ عليّة صهيون والأبواب مغلقة (يو19:20)، تستطيع أيضاً أن تدخل صومعتي وتقصّ عليّ حكايات البشر وما يحدث فوق كوكبنا هذا من غرائب ومصائب، وفي زمن الوباء هذا ، من مآسٍ ومن مهازل. وتحدثني عما حصل قبل ألفي سنة عندما رفعتَ صوتكَ في موعظة الجبل بتسع تطويبات (متى3:5) لم يبقَ اليوم منها في عالمنا إلا أصداء فارغة!. وحيث سقطت حبّة بشارتكَ " فوق حجارة"  ( متى 20:13) " صلدة" ( لو 6:8) ،وقلوب لا تفهمكَ" ، وحيث باتَ صليبكَ عاراً ولعنةً في عصرٍ انقلبت فيه القِيَم والمفاهيم رأساً على عقب!بسبب الكبرياء والعولمة المزيّفة والمصالح والانانيات بين الشعوب ، وعفوا ان قلت لم يعد احد يبالي بها الا قلة من كبار الكنيسة القديسين وليس مدراء المعابد والدنيا الزائلون .
    يا رب!، هبني أن أتغلّب على لذّة النسيان لأتذكّر دوماً أن هنالك بشراً يتعذّبون، وأن أذوب خدمةً ومحبةً لهم.
   يا رب!، هبني أن أتسمّع إلى أنين البشر حتى نهايات قواقع آذاني وإن عند البشر محسوبيات لا تعلمها إلا النيات السيئة  وكبار السلطة الزائلة  ، وأن تكون صومعتي الوادعة ملجأً لدموع الحزانى والثكالى وانتحابات الأيتام الطويلة الهادرة في أعماق الليالي، وأن تكون صومعتي مرصداً يقتنص جميع حركات الناس وخلجات قلوبهم لأمزجها في صمت عزلتي بصلواتي وابتهالي إليكَ، واجعلني افتش عن الذين يسكنون على شواطئ الدنيا واشم رائحة غنمي ، وأسأل هل اليوم من صومعة في عالم الوباء هذا؟ وهل أدركتُ ماذا تعني الصومعة أمام العولمة المزيفة ؟ وهل سيبقى قلبي مسكنا لكَ يارب.فارحمني يارب ،  نعم وامين .

2
والخلائق تسبح بحمده " الكراسي "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
          الأساتذة عادةً يقضون معظم أوقات دوامهم جالسين أمام اللوحة واليوم أمام الحاسوب، وكذلك طلبة المدارس. والقضاة يجلسون عندما يصدرون أوامر الحكم على المجرمين بالإعدام. رؤساء الدول والمعابد  والحكومات والمعابد يتربّعون على كراسي الحكم والمناصب ، والملوك والأباطرة وكبار الزمن يتبوّءون سَدّة العرش، والذي لا يزول ولا يتغير وكأنهم آلهة الزمان وأصنام الحياة في قصورهم ومجالسهم  .
   وفي الكنائس، المسيحيون يجلسون على كراسي ومصطبات عندما يستمعون إلى موعظة واليوم يلازمون بيوتهم بسبب الكورونا ويتابعون الصلاة عبر  الفيس بوك والاون لاين ،  ولا شيء أكثر تفاهة من الكراسي والمصطبات ، ولا أقلّ إيحاءً وإلهاماً منهما. يحصل لي مراراً إنني أصلّي وأنا جالس على كرسي، ولكن لا يحدث أبداً أن يتّخذ أحدٌ الكرسي موضوعاً للتأمل، خوفاً من كونه مصاباً بآية دنيوية أصدرها رجال الزمن وكبار الكراسي والحكم .
   نعم ، الكراسي تافهة جامدة، وهي خرساء وطيّعة. كراسي غرفة الاستقبال وغرفة الطعام، كرسي طبيب الأسنان، الكرسي الذي يجلس عليه خادم البيت، كلها مصنوعة من نفس مادة الخشب وليس فيها ما يشدّ الانتباه. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا إذن قلتَ لنا يا سيدي أنكَ جالسٌ عن يمين الله الآب؟ (متى44:22)، ولماذا سفر الرؤيا يشبّه السماء الواسعة بكرسي في الوسط والله جالس عليه؟ (رؤ2:4)، ولماذا تتغنّى المزامير بأريكتكَ الكبيرة التي أعدَدْتَها منذ بداية الأجيال؟، ولماذا قلتَ لتلاميذكَ يا سيدي أنكَ سوف تحتفظ لهم"  بكراسي في ملكوتكَ" ( متى 28:19) ؟، ولماذا قلتَ لأبنَي زَبَدَى بأن الآب وحده هو الذي سوف يجلسهما عن اليمين أو عن الشمال؟ (متى21:20).
   ألستُ غبياً وقريباً من الوثنية عندما أفكر ما للكرسي من سمات التقوى؟. إن كرسياً بسيطاً يذكّرني بجميع الذين جلسوا عليها: من متى العشّار الذي دعوتَه عندما كان جالساً على طاولة الخزائن (متى10:9)، إلى حنان وقيافا والى بيلاطس البنطي الذي أعلن حكم الموت عليكَ وهو جالس على كرسي القنصلية  التي لا تفنى ؟ (متى11:27). وثمّ تلاميذكَ الذين كانوا جالسين عندما حلّ عليهم الروح القدس في العنصرة. وأنتَ نفسكَ يا سيدي، أنتَ الكلمة المتجسد، فادي البشر، لقد نزلتَ إلينا من السماء وجلستَ بيننا كواحدٍ منا، ولكن " وديعاً ومتواضعاً " ( متى 29:11).
   الكرسي الذي أجلس الآن عليه في غرفتي يذكّرني بكل ذلك، كما يذكّرني بجميع الذين يجلسون على كراسي الرحمة وليس كراس الحكم  من مُقعَدين ومشلولين وجرحى منتظرين ساعة الرحمة والفرج، وبجميع إخواني وأخواتي الجالسين والجالسات على مقاعد العمل في المصارف والدوائر والمعامل لكسب لقمة العيش، أو في المـدارس والكليات لتحصيل العلم، وبجميع المسنّيـن في دور العجزة الجالسين على أرائك طويلة ينتظرون خاتمة حياتهم المليئة بالآلام والأحزان. ويذكّرني أيضاً بجميع الذين لا يملكون سوى الحضيض لأجل الجلوس والرقاد، حيث أن الكرسي يُعتَبَر لهم بمثابة أثاث ترف وكماليات.
   إن تقديم كرسيٍّ إلى شخص للجلوس عليه يعتبر سمة من سمات حضارتنا المعاصرة واحترامنا الكبير ، ولكن المعنى المسيحي الكامل لهذا العمل البسيط يأخذ كامل دلالته في المحبة التي تجمع بين قلوب البشر الذين جلستَ معهم عندما تجسدتَ وأصبحتَ واحداً منهم (لو7:2)، فسكنتَ بينهم ولم تبالي بكراسيهم،  كما هو اليوم حال كبار دنيانا  ،  بل " بخلاص نفوسهم" ، وأخذت تعلمهم وتتحنن عليهم ، فشفيت مرضاهم وخطاياهم ،  ومنحتهم الثقة والمحبة ، فأخذوا  يفتشون عنك،  لانهم لم يعد يخافون منك لانك منهم ، فقد أحبوك فصاروا لك ، إنهم مؤمنيك " ( متى 13:13-14) لانهم ادركوا ان دنياك لا كرسي لها ولا مصلحة بل خدمة وتفانٍ ممزوجان بعصير الحب الالهي وليس الحب الاناني والشخصي ( لوقا 22:27) ، نعم يارب، نعم وآمين .


3
والخلائق تسبح بحمده " العاصفة"


نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   غالباً ما ينزلقُ الانسان وراء المسالك السهلة، ويميلُ إلى حلّ مشاكله بطريقة كسولة ومريحة. فالجمود يغويه أحياناً، أما الجهود فتُتعبه. إنه بين كفَّتَيْ أرجوحة، ما إنْ ترتفع به إحداهما برهةً وجيزة إلى الأعلى، حتى تهبط الكفّة الثانية نحو الأسفل فيستقرّ فيها ويتسمَّر. أما أنا لا يبـــــدو عليّ إنــــــــي يقــــــظٌ حتى عندما أكـــــون واقفــــــاً على قدمـــــيَّ. بيـــــــن أجفاني نسيجٌ من النعــــاس، وبيــــــن شفتــــــيَّ مـــــوجٌ مــــــن التثاؤبات، حتى أمــــــام أروع عجائب الدنيــــــا، أخـــــــالني فاقــــد الذهــــن وغيــــر منتبه جيداً. دمدمــــةُ الريح، خريـر الميــاه، وشوشة الحشـــرات، صمــــت الريـــــــف، جميــــــــع مخلوقاتكَ الفاتنة يا سيدي، لا تلقَ مني إلاّ أذنـــــاً صمّــاء، وعيناً غافية، وعقلاً خامداً.
   منذ أن دخلت الآلة حضارتنا، لم تعد طواحين الهواء ذات قيمة لسحق حبوبنا، ولا الأشرعة باتت ذات نفع لتعيين اتجاه الريح في تسيير بواخرنا. فالصواري والأشرعة المنتفخة بالهواء أصبحت من المخلّفات الأثرية، والطواحين ذات الأجنحة العملاقة الدائرة ليلاً ونهاراً اختفت تماماً من مدننا وأريافنا، بعد أن كانت تخلب الألباب بشاعريتها وجمالها. فما هو سرّ الزوابع والرياح؟.الرياح قبل أن تكون مقياساً في علم الأنواء الجوية، هي قشعريرة غصن يهتزّ وسط غابة عذراء. هي رجفة عصفور يختبئ في عشّ بين أجنحة أمّه. هي اصطفاق بابٍ لكوخٍ حقير في زمهرير الشتاء.
   لقد علَّمتَنا يا سيدي عندما كنتَ نائماً في قارب على بحيرة طبريّة (لو23:8)، أن غضب الريح المفاجئ سوف يقف جامداً بإشارة واحدة من"  إصبعكَ"( لوقا 20:11  ).   وعندما كانت الريح تلعلع في إحدى ليالي الشتاء، قلتَ لنيقوديموس:"لا أحد يعرف من أين تأتي الريح ولا إلى أين تذهب، وهكذا كل مَن يولد من الروح" ( يوحنا 8:3) . إن هذا الروح الذي تحدثتَ عنه هو الذي هزّ أركان " عليّة صهيون في صبيحة العنصرة" ( أع 2:2)، وهو الذي نفخ على سطح المياه في فجر الخليقة فخرجت اليابسة من قلب المحيطات الخاوية. أين أتلفَّتُ، أجد حضوركَ ماثلاً أمامنا يا سيدي، وحضوركَ هذا غالباً يُخجلنا ويحاول تحطيم معنوياتنا من فرط ما يكشف لنا الهوّة الهائلة التي تفصل بيننا.
   مخلوقٌ وخالق! شتّانٌ ما بين الثرى والثريا!. ومع هذا، فكلما سمعتُ صرير ريح خلال درفة باب غرفتي تعرّفتُ على صوتكَ يا سيدي!، فأخرُّ ساجداً لعبادتكَّ، ولكن سرعان ما يخامرني شكّ بأني أخلط بين العبادة والحلولية.
   لتكن حكمتكَ الإلهية حاميةً لنا من كل ضلال. إنكَ علّمتنا أن كل مخلوق هو طريق إلى الخالق، وإن التوقف في منتصف الطريق معناه الولوج في زقاق مسدود، وجنَّبْتَنا من الوقوع في الوهم الذي يدفع البعض إلى اعتبار الهوس الصوفي عبادةً حقيقية، أو اتخاذ الذهول الشاعري صلاةً. ومع ذلك فأنا لا أنكر ما للمخلوقات من دور هامّ في حضوركَ، وفي عملية الفداء.
   بيني وبينكَ يا سيدي لا توجد مسافة. بين الخالق والمخلوق لا توجد هوّة غير قابلة للردم . في نفخة الريح، في ارتطام الزوبعة، في"  هيجان العاصفة"(مرقس 4:35)  ، لا أتردد من العثور على جبروتكَ. عندما يلاطف وجهي النسيم، عندما تكتسح العواصف أوراق الأشجار وتكنس الرمال، أعلمُ جيداً أن العناية الإلهية هي التي تتجوّل في زوايا الكون، فأخرُّ ساجداً بصمت. أنا لا أسجد للريح أو للزوبعة، بل لكَ وحدكَ، أنتَ الذي تبرز من ثنايا الخليقة، ينبوعاً متدفقاً في دوّامة الكون، ومصدراً للوجود المتجدّد.
   لو سألتُ الريح عن سرّكَ الأزلي لأجابتني:"إني ألثم الثلوج في قمم الجبال كما ألثم أقدام الكنائس، وأنفخ في صواري السفن الشراعية، كما أعمل على دوران طواحين الهواء. إني أهبُّ شمالاً وشرقاً وغرباً وجنوباً. أنا في الكل ومن أجل الكل، لم يستطع أحد أن يحتكرني حتى الآن بعكس البشر فهم يحتكرون أنفسهم بانانيتهم ، ولا توقِفني حدود الممالك والإمبراطوريات. لا أخاف ناطحات السحاب، ولكني أشفق على ساق زنبقة ضعيف قد يلتوي!. إني كالنعمة، أتسرب إلى النفوس الخاطئة من خلال فجوات ضيّقة غير مرئيّة، وأستغلّ البوابات الكبيرة لأملأ الفراغات الواسعة. الوثنيون كانوا قد صنعوا مني إلهاً، وعلماؤنا اليوم لا يجدون فيّ إلاّ "تيّاراً" لا اسم له، أو "شيئاً" لا ينسجم مع أي تعبير، وأنا لستُ مجبَراً على اختياري اسماً مشوَّهاً من بين أسماء صاغتها عقول بشرية ناقصة، خوفاً من أن أفقد كثيراً من الكنوز التي وضعها الله فيّ عندما خلقني" . صحيح إن البشر عقولهم ناقصة( مع اعتذاري ) ، بالإضافة إلى أنهم طرش وعميان.لذاأسألكَ يا سيدي أنْ تحميني خاصةً من عمى الألوان!، لأن ألوان مخلوقاتكَ بديعة زاهية، وصعبٌ عليّ التفريط بها!. هبني يا سيدي أن أراها دوماً بعينٍ صافية، فأشعر بالسعادة والغبطة، وأمجّدكَ من أجلها، فما أجملها رسالة الطبيعة ،  يا سيدي، يا إلهي، أنت فقط شهادتك صادقة "( يو 33:3) .نعم ونعم وآمين . 

4
الى الاخ العزيز MICHAEL CIPI  المحترم
سلام المسيح معك
ارجو ان تقبل تحياتي ومحبتي
انني اقدم لك شكري النابع من عمق فؤادي وانني اعتز بك واكن لك محبة واكراما خاصا وبعد
وتعليقك ما هو الا علامة محبتك للاخر المختلف ، نعم انني ادرك جيدا " ان الجنة والحشر العظيم " ليستا من ثقافتنا المسيحية ( كما قلتَ خطأ ، عذرا،  لغويا فالكلمة يجب ان تكون مؤنثة وليس مفردة كما قلتَ ) وادرك بالتمام والكمال ولكن لابد ان تسال نفسكَ كما سالتُ نفسي هل المقال يقرأه الذين من ثقافتك ام المقال مفتوح للجميع وأليس انت تؤمن  ان تكون يوما في الجنة بعد العمر الطويل وكما قال ربنا يسوع حينما يدعو اليه الابرار والاشرار للدينونة ( متى 25: 31) ؟ لذلك لا اريد ان اطيل الشرح واليوم انت لم تُخلق لنفسك ولشعبك ولايمانك انما خُلقت بمحبة لتزرع حب الاخرين وثقافتك ليست لك بل لغيرك ايضا وتظهر ايمانك . وامام هذا كله فانا اقول انني لبيب ومن الاشارة افهم جيدا ما كتبتُ قبل ان تقولها وتذكرني بها لذا ارجو ان كان بالامكان ان توسع افكارك لتوصل ايمانك وثقافتك الى الاخرين وكم صديق لك منهم فالايمان ليس بالكلام بل بالاعمال يقول مار يعقوب في رسالته( 14:2) . فارجو منك  ان تقبل اعتذاري وشكرا
محبك ابونا بيوس قاشا
بغداد الجريحة

5
والخلائق تسبح بحمده " جسد الانسان "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   الإنسان مركَّب من نفس وجسد( تك1) . جميع مدارسنا الفلسفية تعترف بذلك. إنها قضية منتهية منذ أجيال، ومن غير المناسب العودة دوماً إليها. ومع ذلك لا تـــــزال المشكلة الأزليـــــة الرهيبــــة تطرق أبــــواب العالم: كيف الموازنـــــة بين أعمال الــــروح وأعمـــــال الجسد؟، هـــــــذا الجسد الثقيل المهدَّل، بـأمراضه ونقائصه و"بعرقلته للتفكير المحض المجرَّد"، كما كان يقول أفلاطــون، مما دعـــــا العباقرة وجهابذة المفكريــــن إلى الخجل من كــل ما فيــــه من فظاظــــة وضعف. هذا الجسد الذي يصــــرخ وينـــــام، ويغطّ وينتحـــب ولا ينفكّ يُزعـــج هذه الروح اللطيفـــة التي قُدِّر لها الاتحاد به حتى الممات!.
   لقــــــد قــــال الفلاسفة كـــــــل هذا وأثبتوه وبنوا عليه أنظمـــةً صوفيـــة للترهّب والتنسّك. قالوا: إن الجسد هو عدو النفس ونقيضها، ولذا يجب الحذر منه ومعاملته باحتقار وقسوة. كم هو سهل الاستهزاء بالجسد البشري والضحك على مظهره وخشونته وغبائه، والاشمئزاز من بُنيَتِه التشريحية، ثم وضع قائمةً طويلة عريضة بجميع عِلَلِهِ وأورامه القبيحة وصفاته الغير المشرِّفة. ولكن هل في هذا الانتقاد القاسي للجسد شيء من روح الإنجيل؟، وهل كان الإيمان ضرورياً ليظهر لنا عيوب جسم الإنسان التي بإمكان أي وثني أن يُظهرها؟.
   ما أحوج الإنسان إلى القداسة ليكون أهلاً لاحترام جسده وامتلاكه بصورة لائقة، وأعتقد أن هذا الإنسان يستحق كل تقدير لأنه يعتبر جسده من صنع الله رغم تركيبه الحيواني، ورغم ما فيه من عيوب مضحكة وأمراض مزمنة، وكل ما يخدّش أفكارنا الرفيعة السامية وإلهاماتنا الروحية ومُثُلنا العليا.
   هذا الجسد الفاني، ببؤسه وبجميع احتياجاته وتعاسته، الذي يكدّ ليلاً ونهاراً لتحصيل لقمة العيش"  بعرق الجبين" ( تك 19:3) . هذا الجسد الذي كُتِبَ له العذاب على الأرض، هو أولاً وآخراً من صنع الله!. وفوق كل هذا، فإن النفس لا تستطيع أن تربح الجنة وحدها بدون هذا الجسد، لأن في الكيان البشري لا توجد تجزئة تفصل بين أعمال الجسد من جهة وبين أعمال الروح من جهة ثانية، بل هنالك تركيب متماسك ووفاق متين يجمع في آنٍ واحد في انسجام وتكامل ما بين أعمال الجسد وأعمال الروح.
   نحـن لسنا من الذين يدّعون أن الإنسان البارّ هو روحٌ محض، وإن الإنسان الشرير هو جسدٌ محض، لأن البشـر جميعهم سواسية لا يختلفون إلاّ في لونهم ولهجتهم، وجميع المؤمنين يملكون نفس العظم واللحم والدم. والكنيسة ما هي إلاّ مجموعة كبيرة من البشر يحملون أمراضهم وعفونتهم، خطاياهم وأوبئتهم على مناكبهم، ويتقرّبون من المسيح المصلوب ليتطهّروا به ويتقدّسوا. نحن في الكنيسة، لسنا فقط لأجل سماع الموسيقى الرخيمة والأنغام الملائكية العذبة، بل جئنا لنبحث عن مشاكل الإنسان منذ يوم طرده الله الآب من الجنة إلى يوم عالجه الله الابن بدفقة من دمه المهراق على الصليب... جئنا نعالج بؤسنا وضعفنا وتعاسة جسمنا المنهوك المحطَّم، وبدلاً من أن نحتقر جسدنا، علينا أن نرفعه إلى قمّة الصليب ليتعذّب ويتحمّل ويعرق، ويشترك في عملية الفداء مع المسيح.             
   فعملية الفداء إذن ليست تحطيم معنويات الجسد وإبراز النفس وكأنها تتفوق تفوقاً ساحقاً عليه، بل هي انسجام الروح مع الجسد، رفع الجسد إلى مستوى درجات سموّ الروح، من دون سيطرة الروح وطغيانها على الجسد، تجمعهما معاً إصبع الله الآب منذ أن كوّنهما معاً في يوم الخليقة الأول من حفنة تراب!. عندئذٍ سترتفع جميع الفضائل المسيحية الخاصة بالجسد كالقناعة والعفّة والحشمة إلى المستوى الصحيح واللائق بجسد مطهَّر بروح القدس، بدلاً من أتاركسيا الإغريق أو نيرفانا البوذيين.
   هذا هو " جسدكَ المعلَّـــــق  على الصليب يا سيدي"( يوحنا 31:19)  ، لقد كـــان شبيهاً بجســــدي. وجســــد والدتـــــكَ مريـــــم العذراء كان شبيهـــاً بجميع أجســـاد نساء العالم بكل ما تحتويـه الواقعية من علم الفسلجة والتشريح.
   وربما الأطباء والممرضــات في المستشفيــــــات يعلمــــــون أكثــــــر من غيرهــــــم من الموظفيــــــن قبحـــــة هذا الجسد الذي يعاني كثيراً من الأمراض والآلام والعذاب، والذي يحتلّ رغم ذلك الموقع الأعلى والمركز الأسمى في المجتمع الإنساني.
   وقديماً كان المسيحيون الأوائل يتبارون في ادّخار بقايا أجساد القديسين من عظام وأسنان وقطع صغيرة من مفاصلهم، كانوا يحتفظون بها في علبٍ صغيرة مقدسة، يتبرّكون بها عند الشدائد والملمّات أو عند الشعور بالضيق.
   واأسفاً! لقد تبعثرت بقايا القديسين تلك، ولم يبقَ لنا منها سوى انتظار يوم الحشر العظيم، " عندما يقوم الأموات من قبورهم بالنفس والجسد" ( رومية 17:8)، بكيانهم الموحَّد كله، بهذا الجسد الذي تعب وتعذّب، شَقِيَ وجاهدَ كثيراً على الأرض، وينتظر الآن " المجد السماوي بصحبة روحه الخالدة!." ( متى 3:22) نعم وآمين .


6
والخلائق تسبح بحمده " مائدة الطعام   "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   هنالك خطأ جسيم يتربّص بالمسيحي الذي يعتبر الأسرار مسائل تحتاج إلى حلول. وإن العقائد هي تعاليم تحتاج إلى دراسة وفهم، لأن العقائد الإيمانية هي أكثر من تعاليم، إنها حقائق، ولأن الأسرار الإلهية هي أكثر من مسائل، إنها انجذاب وانخطاف. المسائل والتعاليم هي أفكار مؤطَّرة تنتهي بنهاية فهمنا لها أو حلّها، بينما العقائد والأسرار الإلهية هي ينابيع حقائق تتدفق بدون حدود، ولا تنضب أبداً. ولكي لا تنحدر الأسرار إلى مسائل والعقيدة إلى تعليم يجب ألاّ يتحول (أستغفر ربي) الله إلى صنم تشّع منه الأحاجي والخرافات، وألاّ يُسجَن الوحي داخل أقفاص صِبَغنا الفلسفية البائسة.
   لأجل حثّنا على الإيمان قيل لنا أن ملكوت السماء هو الرؤية الأبدية لجوهر الله،( متى 20:5) وإننا من خلال جوهر الله سوف يمكننا أن نشاهد ما لا نهاية من الكينونات الممكن حدوثها، وهذا ما سوف يكون موضوع سعادتنا إلى الأبد. إنها لنظرية محبوكة جيداً وصحيحة مئة بالمئة رغم صعوبتها، غير إنني أتساءل: لماذا أنا أمكث جامداً إزاءَها غير مكترث بها، لاسيما عندما أسمعكَ يا سيدي تشبّه ملكوت السماء بمائدة كبيرة للطعام"وياتي من المشرق والمغرب" ( لو 29:13) و   هنالك مَثَل قديم يقول:"لا أحد يرغب ما لا يعرف، وكلما ازدادت معرفتنا لشيء من الأشياء، كلما ازددنا شوقاً وميلاً له".
   ومَن منا لا يعرف لذّة الطعام والغبطة التي يشعر بها وهو جالس برفقة أصحابه على مائدة الطعام؟. أما بصدد الجوهر والكينونات الممكنة فأنا لم أصادف في حياتي جوهراً ولا مررتُ بكينونات محتَمَل حصولها!. وهل يُعقَل أن يتوب إنسان إلى ربّه وينخرط في المسلك القويم ويبذل جهوداً مضنية لنيل ملكوت السماء( متى 1:20)  )  لا لشيء إلاّ لرؤية أعداداً متزايدة من جواهر الكينونات الممكنة على مدى الأبدية؟؟... هذا يشبه الفرق بين ما يعلنه مركز الإرصاد الجوي عن شؤون الشمس في الساعة الخامسة صباحاً، وبين ما يتغنّى به شاعر رومانتيكي عن روعة انبلاج الفجر.   عندما نكون جالسين جميعاً على مائدة كبيرة ونحن نشرب نخب الله الآب ونتسامر مع بعضنا كأصدقاء، هذا هو الفجر، وهو شبيهٌ بالفجر الأول عندما خلق الله أول نهار وأول إنسان في الكون!.(تك 1). إن المائدة المقدسة حيث يجلس الأبرار بصحبة الله تتجاوز جميع نظريات اللاهوت عن الجوهر والكينونة، كما يتجاوز فجر الخليقة الأول جميع أرقام المراصد الجوية وحساباتها عند إعلانها توقيت طلوع الشمس.
   إن المدعوّين إلى مائدتكَ الإلهية يا سيدي، " يجلسون حولكَ" ( متى 28:19)، ويأكلون جسدكَ الذي فديتَ به العالم، ويتحدثون معكَ بكل بساطة وسذاجة بعيداً عن التعقيدات والأفكار الغامضة وعن جميع فلسفات الأونطولوجيا!. والروح مثل موسيقى عذبة تناغينا وتتركنا مغمورين في عمق أسراركَ عندما نجلس معاً على مائدتكَ المقدسة وكأننا عائلة واحدة، وأنتَ بعيد عن جلال عرشكَ، لأنه هل من المعقول أن تحتفظ بعرشكَ وأنتَ بين أحبابكَ وأخدانكَ؟.
   في مائدتكَ المقدسة حينما باركتَ الخبز وقلتَ:"هذا هو جسدي" (متى26:26)، وباركتَ الخمر وقلتَ:"هذا هو دمي" (متى27:26)، أكان هنالك حاجز يفصل بين الله والإنسان؟!، ألم تصبح قريباً من متناولنا وكأنك تشير لنا بما سوف تكون وليمة السماء؟. السماء ليست صالة سينما، بل صالة طعام. في صالة السينما تكون بين الجالسين مقاعد فارغة والجالسون أنفسهم غريبون عن بعضهم ولا يتحدثون، كما هو حالنا اليوم بسبب وباء كورونا، بل ينظرون فقط نحو الأمام ليشاهدوا الصور المتحركة على الشاشة. أما في قاعة الطعام فإن الأنظار تتصالب، والأسئلة تتشابك، والفكاهات تتبادل، والفرح يعمّ جميع المدعوّين.
   سماؤكَ يا سيدي هو دار ضيافة، قاعة طعام، ووليمة عيد. تبّاً لنا إذا لم نستطِعْ أن نضع في صيغة فلسفية مناسبة بساطة هذا السرّ الإلهي، لأنه صعب على العقل أن يشرح ما هي الأعياد، فهو يترجمها على أنها حفلات محتشمة، لكن هذه الترجمة البائسة تفتقر إلى الجانب المهم من فرح الأعياد الذي هو روحها ورحيقها.
   يا سيدي، إني أفضّل أسلوبكَ الفلكلوري البسيط على جميع فلسفات الأرض، فأرى جميع القديسين مصطفّين أمامي في وليمتكَ الكبرى، وفي مقدمتهم مريم العذراء، ثم بطرس الرسول والمفاتيح ترنّ بين أصابعه، وزكّا بقامته القصيرة، ولعازر وهو يخرج من القبر بأكفانه البيضاء مترنّحاً. هنا لا جوع ولا تعب، لا موت ولا عطش. فمائدة الطعام هي العهد الذي أبْرَمتَه مع مدعوّيكَ منذ الأزل، مدعويك المتواضعين والمخلصين والاطهار ، ويشترك فيها جميع البشر، الفقراء والاغنياء ، القريبين والبعيدين ، وشرفنا هو أنكَ دعوتَنا إلى مائدتكَ مجاناً. بكلامك المحي وقولك المحب في أنجيلك المقدس، وليس عبر حاسوب الدنيا ، وموبايل الزمن وآي بات الحياة والتي ترافقنا ومن المؤسف ، منذ الصباح وفي القيلولة كما ساعة النوم بعد منتصفها ،  واليوم ومنذ عرس قانا، منذ سمعان الأبرص في بيت عنيا، منذ عليّة صهيون وحتى تلميذَي عمّاوس... وحتى يومنا هذا أيضاً لا زلتَ تشير لنا يا سيدي أن مائدة الطعام ليست إلاّ رمزاً لملكوت السماء!.(متى 28:19 ) . نعم وامين .

7
والخلائق تسبح بحمده " الفلس   "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   طالما ناقش اللاهوتيون موضوع الفضائل، واحتاروا كيف يصنّفونها. إضافةً إلى صعوبة ممارستها، فقد حمّلوا أنفسهم جهداً مضنياً في طريقة تعريفها. فضيلة التواضع مثلاً، لم يتّفق اللاهوتيون حتى الآن على تعريفها تعريفاً دقيقاً وصحيحاً. فبعض المدارس اللاهوتية تقول: إن فضيلة التواضع هي أن يكوّن الإنسان فكرةً بائسةً عن نفسه. أن يتلذّذ في إذلالها وتعذيبها وتحقيرها وأنْ يفرح عندما يُسيء الناس إليها.
   وفريق آخر من اللاهوتيين يعلن: إن فضيلة التواضع هي أنْ يزن الإنسان جميع الأشياء في ميزان عادلة هي شخصه هو بالذات، وحذارِ أن يَهبَ لنفسه قيمـــةً أكثر مما تستحق ولا أقلّ مما تستحق. وفريق ثالث يرى: إن فضيلة التواضع لا تتعدّى أنْ تكون أنفةً وكبرياءً، تمنع الإنسان من هضم حقوق نفسه والتشكيك في قدراتها أو احتقارها.
   وبيـن هذا الفريق وذاك، أنّى لي يا سيدي أن أختار التعليم الصحيح؟؟، وأكتفي فقط بالنظر إلى قطعة نقود معدنية شبيهة في الشكل والحجم بتلك التي جاءكَ بها اليهود يوماً ما ليجرّبوكَ "وهي تحمل صورة قيصر" ( متى 18:22) . لربما كانت من فئة الدينار أو الربع دينار، أو ربما كانت من فئة الفلس فقط!، لا أحد يعلم. والأناجيل لم تذكر لنا ذلك، وقد اختفت جميعها من تداولاتنا وأصبحت مجرد هواية لجامعي المسكوكات القديمة. فالنقود المعدنية! منذ أجيال وهي تدور بين أيدي البشر، واليوم بمقدور الأوراق المالية والصكوك والكمبيالات أن تحلّ محلّها أو تبادلها قيمتها. أما قيمتها فهذا أمر لا يتعلق برأيها هي، بل قيمتها موجودة فيها منذ أن وُجِدَتْ يمكن للمرء أن يكوّن عن نفسه فكرة رفيعة أم حقيرة، ولكن هذا لا يؤثّر في سلوكه ولا يدفعه إلى الصلاح. فكم من أناس حطّمـوا معنويات أنفسهم لغرض تدريبها على التواضـع، ولكنهم احتاجوا إلى مَن يعيد الثقـة إلى أنفسهم من أجل مواصلة سيرهم في الحياة، وآخرون رفعوا أنفسهم أكـثر مما ينبغي فبدت فضائلهم الحقيقية منفّرة وعبئاً على الآخرين، .لانّ حقيقتهم مصالحهم فشوّهوا افكارهم مجاناً بسبب سماعهم اكاذيب عن الابرياء.
   يا رب! أليست فضيلة التواضع هي أن تكون قيمتي الذاتية الحقيقية ثابتة منذ أن خلقتَني؟. لقد قال سقراط:"أعرفْ نفسَكَ!". أفما يجدر بالمسيحيين أن يعرفوكَ أنتَ، ومن خلالكَ يعرفوا أنفسهم؟!. إنّ ما أُساويه أنا بالضبط، لا علم لي به مطلقاً. والناس أيضاً مثلي جَهَلَة، فهم يهنّئونني أحياناً على أعمال قمتُ بها ولكني غير راضٍ عنها، وأحياناً ينقدونني على أعمال أخرى كنتُ أعتبرها من أعظم الفضائل. إن قطعة النقود المعدنية لا تملك رأياً عن نفسها. فالفلس لا يساوي أكثر من فلس لأنه يملك فكرةً جيدة عن نفسه، ولا الدينار يساوي أقل من دينار لأنه يملك فكرةً سيّئةً عن نفسه، وجميع الفلوس رغم حقارتها هي ضرورية للتداول من أجل حسم الحسابات بشكل دقيق ومضبوط.
   ما هي إذن قيمتنا الحقيقية؟، هل إن رأينا عن أنفسنا أو ما يقوله جالسو قصورنا هو الذي يرينا قيمتنا الحقيقية؟، هل الفلس يرفع من قيمة نفسه عندما يعتقد أنه مصنوع من الذهب؟، منذ يوم صِيْغَ الفلس في آلة المسكوكات طبقاً للمواصفات المطلوبة، جمدتْ قيمته وثبتتْ إلى الأبد. والإيمان يقول لنا: منذ خلقْتَنا على" صورتكَ" ( تك1) ، ودمغتَنا بخاتم ثالوثكَ في سرّ "المعمودية" ( متى 19:28)، أصبحنا مؤهلين للتداول بين كافة البشر، مثل قطعة النقود، بدون زيادة أو نقصان، ومهمّتنا على الأرض ليست في معرفة أو التأكد من قيمتنا الذاتية، بل بكل بساطة أن نتفانى في " خدمتكَ" (لوقا 28:22)  وليس أن ندين ابرياءنا .
   إني أحب " التواضع" ( متى 29:11) وعلى مثالك ، فهو ينتشلني من الشطط في تقييم ذاتي، هذا الشطط الذي يُتعبني أكثر مما يُفيدني.كما أحب التواضع الذي يحرّرني من الانشغال المستمر في تقييم أثماني وكأني سلعة في سوق المزاد . أنا لستُ إلاّ فلساً يدور ويضيع بين الجماهير، ولا يجد قيمته الحقيقية إلاّ في سجلات الحسابات الأبدية" ( يو 16:3) ،والشهادة لحقيقة الحياة  حيث تتمّ الموازنة الحقيقية بين أعمالي وبين نِعَمِكَ المجانية يا سيدي على كفَّتَي ميزانكَ الإلهية في عمليَّتَيْن متلاحمتَيْن تجمعهما محبّتكَ المتدفّقة بغير حدود ولا ثمن " إنه حب عظيم" ( يو 34:13) . نعم وامين.

8
والخلائق تسبح بحمده " الكتاب "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   كلنا يعلم، وكذلك أطفالنا يعلمون، أنكَ يا سيدي مصدر جميع الأشياء في الوجود. فالزوبعة والصاعقة مثلاً تأتيان منكَ من السماء مباشرةً. ولكن هذه الكلمة وتلك الركلة، وهذه القنبلة وذلك الصاروخ، أليس الإنسان هو مصدرها وعلّتها؟؟!. وجميع أعمالنا البشرية وابتكاراتنا، أليست دلالات ضعفنا وتفاهة مشاريعنا وآمالنا الخائبة؟!. ومع ذلك، فإني أجد أن لهذه الأعمال البشرية دلالات متصلة بحكمة الله الربانية بشكل غريب. ولتبيان ذلك، قبضتُ اليـوم على كتاب لا لقراءته بل ليكـون وسيلةً لربط حكمة الباري بدور الكتاب.
   إن البشر هم الذيـن اخترعوا الكتاب، وهم الذين يكتبون ويؤلفون ومنهم تلميذك يوحنا فقد كتب بصدد بشارتك " " فلست اظن ان العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة " ( يو 21: 24-25)، واما انت يا سيدي، " كنتَ قد كتبتَ على الأرض بإصبعكَ"( يو 6:8)  رموزاً لم يفلح علماء الآثار منذ عشرين قرناً حتى اليوم في اكتشاف معانيها وحلّ رموزها. وكانت هنالك أيضاً الألواح الحجرية التي كتب الله عليها بإصبعه وصاياه العشر في سيناء، وفي سفر الؤيا " طوبى للذي يكتب وللذين يسمعون اقوال النبوة ويحفظون ما هو مكتوب فيها " ( 3:1). ومع هذا فلا زلنا ندّعي أن الكتابة هي من اختراع البشر.
   إن الكتب تنتشر اليوم في جميع أصقاع الأرض بشكل فظيع، وهي بأحجام وأغلفة ومواضيع مختلفة: فمنها القواميس، ومنها الكتب الدينية والعلمية والفلسفية والأدبية، وكتب الصلوات. ومنها ما هو ثمين ونادر جداً، ومنها ما هو نجس مبتَذَل، ولا يباع إلاّ على الأرصفة. لقد رأيـتُ وقرأتُ كتباً كثيـرة، ودخلتُ مكتبات عديدة تغصّ رفوفها بملايين الكتب والمجلّدات. وغالباً ما كنتُ أنظر إلى الكتب بعين الفضولي الوثني كَمَن يستجدي منها الحقائق النهائية والخالصة والمطلقة. وغاب عن بالي أن هنالك الكتب المقدسة التي هي من وحي الله، والتي وحدها تحتوي على الحقائق النهائية والخالصة والمطلقة. ونسيتُ أيضاً أن هنالك كتاب سفر الرؤيا المختوم بسبعة أختام والذي سوف لن يُفتَح إلاّ في يوم الدينونة العظيم. وقد قرأت إن هنالك كتاباً آخر كان قد أكله أحد أنبياء العهد القديم، فأخذ ينتحب ويبكي لِما سبّبه من المرارة في أعماق أحشاءه.
   إلى جانب هذه الكتب المقدسة، توجد كتب الكفر والإلحاد، وكتب متميّعة أخلاقياً وأخرى خلاعية داعرة، وهنالك أيضاً روايات الجرائم والدسائس والقرصنة. ولكن مهما فعل البشر لتلطيخ سمعة الكتاب وتدنسيه، فإني لا أزال أحتفظ بجلاله وقدسيّته، لأنني بواسطته استقيتُ أصول الدين والأخلاق منذ صغري، وتعلّمتُ القراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري، وبه أدركتُ التمييز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل منذ حداثتي. فضلاً عن أنه خير صديق وجليس لي في دنيا الحياة. ولولا الكتاب لما تعرّفتُ على مفكّرين وعباقرة عظام خدموا الإنسانية بعلمهم وتجاربهم في أزمنة وأمكنة مختلفة.
   فبمجرّد إنني أفتح كتاباً قديماً وأتصفّحه، فإني سوف أعيش حياة كاتبه التي تختلف زماناً ومكاناً عن حياتي الخاصة التي أعيشها الآن وفي هذا المكان، وهذا سوف يُغني تجربتي ومعرفتي كمّاً ونوعاً. فالطباعـة إذن، كما كان يقال سابقاً، هي "فن إلهي"، وهذا ما دفع البعض إلى الاعتقـاد أن نشر الدين والعلم والأخلاق بين الناس أمرٌ هيّن، لا يتطلّب إلاّ الطباعة دون اللجوء إلى معلّمين ومعتلي المنابر والبلاغات وخطباء ومرشديـن. ورغم هذا فإني أقدّس الكتاب، لأن الإنجيل أيضاً هو كتاب، ولكن كتاباً للحياة ، بل هو أعظم كتاب، فيه أعطيتَ تعاليم وحقائق ، " مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الانسان ، ويوصي ملائكته بكَ وأعظمها لا تجرب الرب الهك " ( متى 4: 4-7)  وليس للقراءة فقط . ونحن المسيحيون نُدعى "أهل الكتاب". كما إني لا أفرّط في الطباعة لأنها ساهمت كثيراً في انتشار بشارة الإنجيل على سطح الأرض.واختم واقرأ ماكتبه يوحنا تلميذك " ها أنا آتي سريعا ، طوبى لمن يحفظ أقوال نبوءة هذا الكتاب "( رؤ 7:22). فلنؤمن أن الكتابة علمٌ وفهمٌ وحكمةٌ ونعمةٌ وموهبة من الروح وأتألم أن هناك من يقرأ ولا يكتب وربما لا يقرأ ولا يكتب ولا يترك أثراً ، وأنني تربيتُ على أن الحياة ليست لهواً بل رسالةً ، إنها رسالة  الكتاب ، إنها حقيقة الحياة، إنها مجانية من الله " ( متى 8:1) . نعم وآمين .

9
كورونا ... وحقيقة وجودنا
المونسنيور د . بيوس قاشا
من المؤكَّد إننا نعيش في عالم تغيّرت فيه كل المفاهيم، وبسبب اللامبالاة والأنانية والكراهية والخوف من الآخر أصبحنا نُعدّ أرضنا أرض العذاب والألم بدل أن نُعدّها أرض الحلم المنشود والتعايش المقبول. وأصبحت أخبار الموت تُنقَل إلينا من كل مكان في العالم يرافقها شعور بالندم والحسرة بسبب تلوث العلاقات البشرية ببعضهم البعض، وعزلتهم في بحر الظلمات واليأس، وأصبحنا نعيش ونعلّم تعاليم غريبة بل عجيبة ومفادها: أن لا مكان لله في عالمنا وفي أوساطنا، وإذا ما كان هناك مَن يدافع عن الإيمان والأخلاق وكشف حقائق الحياة في مسيرة الدنيا يُصبح ذلك الإنسان عرضة للضحك والاستهزاء والإتّهام بالرجعية والتخلّف والتشاؤم وربما بالفاسد من كبار الدنيا وصغار الزمن . وإذا ما أعلن الإنسان أن بشارة اللامبالاة بالدين والعيش بملذات الحياة ما هي إلا رسالة بائسة، يتّهمونه ويعنّفونه قائلين إنه شخص لا يعرف ما هو التجدد وعيش الزمن العلمي المتقدم.
وهنا أسأل: هل التجدد هو بنكران حقيقة عيش الإيمان أو تقليص الصلاة؟، فقد قال مراراً قداسة البابا فرنسيس: من المؤسف إن عالمنا يتجه نحو "جعل لا مكانة لله". فعالمنا مخيف وخطر بظروفه العصيبة، حيث أصبح فيه السؤال عن الدين منبوذاً ومُخجلاً وليس بالإمكان أن يقف الانسان بكامل جرأته مواجهاً حقيقة الإيمان في هذه الظروف الخطرة، باقياً متمسكاً بحالته المزرية بسبب خطواته الشريرة والتي يعتبرها حقيقة العيش وتجديد أُسس الحياة.
واليوم،لازلنا نواصل السير،  وبسبب كورونا، نسير في أرض غريبة وعلى مسارات جديدة لم نعهدها من قبل، ولم نُهيِأ لهذه المسيرة الفيروسية لا عقلَنا ولا علمَنا ولا سياستَنا بل كبرياءَنا ومصالحَنا، وجعلناه زمناً للتبشير بحقيقة وجودِنا ومنصبِ زعامتِنا وربحِ سياساتنا. فما نحتاج إليه ليس فقط أن نفتح عيونَنا لنرى حقيقةَ الإختراع وندرك وما هي حقيقةَ الصراعات والحروب، وكذلك ليس فقط أن نفتح آذاننا لكي نسمع طلبات واستنكارات وبيانات كبار الزمن والدنيا والإعلام البائس، لكن الأهم أن نفتح قلوبنا وضمائرنا وآذان وجداننا فنسمع صراخ الأرملة وهي تستعطي قوتاً لأيتامها(لوقا 12:7) ، ودعاءالبائس والفقير لعازر ( لوقا 20:16) يتأوه من أجل لقمة تسدّ رمق عائلته،وكذلك صراخات المتألمين والابرياء المظلومين بسبب مصالح الزمن ، وكما قال البابا فرنسيس "إنها صرخة الشعب المخفية".
فما نحتاج إليه ليس فقط تحمّل المسؤولية عبر إعطاء الأوامر للآخرين كي يكونوا منفذين مسيرة المصالح من درهم الفساد، فلنعلم أن الزمن مُتعِب والفيروس  مرعب والمسؤولية ليست إلا في الخدمة عبر علامات الحب معنوية كانت أم إنسانية أم اجتماعية، لأن الحفاظ على كياننا ووجودنا لا يعني الحفاظ على أنفسنا بل يجب أن يكون الحفاظ على الآخر والاخر المختلف سوية، ليتعلم ويسترشد ويؤمن إننا نتقاسم سوية أوكسجين الهواء وإنسانية الخلق ونبتات الأرض ونِعَم السماء، وإنْ كان الإختلاف حالة كل فرد وقدراته. من هنا تكون رسالتنا في أن نمحو من البشرية المبتلاة بوباء الكورونا مشاعر الحزن والعنف والقلق والغضب وضياع صوت الله، وقبل ذلك نهيئ قلوبنا للمسيح الذي أحبنا فهو لم يأتِ لنفسه بل ليكمل " مخطط الله"(غلا 4:4) فقال"ما جئت لأنقض بل لأكمّل" (متى17:5) ويرفعنا من دنس الخطيئة، أبرصاً كان أم أعمى أم أعرجاً أم ميتاً، وحقيقة الإيمان تكمن في قوله "مَن آمن بي وإنْ مات فسيحيا" (يو25:11)، وكم أتذكر هنا احتضان البابا فرنسيس لمرضى عديدين وبامراض معدية مصابين، وكان الرب له حامياً.
لنتذكر دائماً أننا ضيوف على هذه الأرض، وبأننا لسنا محور الحياة، وما نعطيه لا يساوي حريتنا وحقيقة إيماننا وكرامة إنسانيتنا. فعندما نتذكر مواقفنا الإيجابية بإنسانيتنا نعبرُ من ذواتنا إلى حب ألآخر بعيداً عن نرجسيتنا وحبنا لمتاع الدنيا على حساب الآخرين.
قد تنجو أيها الإنسان من فيروس كورونا بأخذ الإحتياطات اللازمة، ولكن لن تجد راحة الضمير إذا لم يكن لك إرادة قوية تعترف بأخطائك وتكون مستعداً لأن تعترف بجميع أفكارك الدنيئة وأعمالك المحسوبة للتخلص من أورام النفاق والخداع والإنتهازية، وهذه ليس من المستحيل التخلص منها إذا عزم الإنسان قبل اللقاء مع الرفيق الأعلى.لذا، إجعل مكانك مع الحق حتى وإنْ كانت السلطة صاحبة الكلمة، عليك أن تتذكر ربنا يسوع وقوله "ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه" (مر36:8). فعلى الانسان ان يكون صادقاً مع نفسه، مع الآخرين، مع صغائر إيمانه، فإذا كان صادقاً مع نفسه سيكون صادقاً مع غيره، ولا يجوز التعامل من أجل إرضاءالإنسان،فأين مكانة الله ؟ فاعطِ صوتك لنصرة المظلوم مهما كان ذلك، واشهد من أجل الحق وكرامة الإنسان، ولا تصلب الحياة بعلمك أو بدونه، ففي لحظات يزول كل شيء، إنها رسالة إيماننا، وأعلم أن المسيح أحبنا حتى الموت وبموته أعطى الحياة." فيه كانت الحياة " ( يو 4:1) ، والحياة ما هي الا حقيقة وجودنا . نعم وامين


10
والخلائق تسبح بحمده " الصخر  "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   حيثما تتعثر حكمتنا الناقصة بازدواجية الكلام، وضعتَ يا سيدي كثيراً من الحقائق الغير المتوقعة في طريقنا.
   وجواباً لسؤالك يا سيدي ، عندما دعاكَ مار بطرس باسمكَ الحقيقي "ابن الله الحي" (متى16:16)، أجبتَه بأنه الصخر (متى18:16)، وعزمتَ أن تبني كنيستكَ على " صخرة" (متى 18:16)عليه هو ،  وجعلتَه نائباً لك ، ولكنكَ أبقيتَ على اسمه كما كان في اللغة الآرامية وهو "الصفا" . وفي قاموس المنجد ، الصفا: جمع الصفاة! لقب بطرس رأس الرسل (والكلمة سريانية معناها الصخرة). وفي المنجد أيضاً: الصخر معناه الحجر العظيم الصلب! يقال:"فلانٌ صخرة" أي ثابت لا يتزعزع ، ولكن بعض المناظرات البشرية حاولت إقحام نفسها في تفسير العلاقة بين الصخرة والرئاسة من جهة وبين فضيلة الطاعة من جهة أخرى.
   دعني يا سيدي أنظر فقط إلى صخرةٍ ما، بكل بساطتها، ومهما كان حجمها وشكلها. إنها توحي إليّ بثبوت الصلابة والجمود، فلا شيء يتحرك فيها. وأسهل ما في الكائنات هو عدم حركتها، ومن بين جميع الفضائل، أسهلها الطاعة العمياء لأنها شبيهة بالصخرة الصمّاء التي لا تتحرك. في صميم الطاعة يوجد نوع من الراحة والطمأنينة والاعتماد على الغير وعدم التعرّض للمسؤولية. كما في الطاعة يوجد نوع من الاستسلام والرضى، نوع من التنازل والاعتزال كما هو الحال في العسكر "نفّذ ثم ناقش " يعني الطاعة اولاً ، ويقول عامة الناس:"ما لَنا والرئاسة؟ حسبنا الطاعة! أصدروا لنا أوامركم ونحن ننفّذها بحذافيرها! وهذا ما يضمن لنا راحة البال. جمّدونا في وصاياكم وقوانينكم، وما علينا نحن إلاّ أنْ نطبّقها إذا أردتم أن تنقذوننا من هذا الجدل المتعِب الذي يضايقنا بثرثرته وانتقاداته الكثيرة التي لا طائل تحتها".
   هنالك طاعة تستمتع بسعادة عزلتها مثل آلة تدور وتنجز أعمالها بدون شعور ولا تفكير. إن نوعاً من الكسل الروحي يطال حتى أعلى مراتب فضائلنا عندما يأخــذ شكل الاعتزال، ونحن نعتبره واهمين أنه نوع من التجرّد أو الزهــد. إن مثل هذه الطاعة تشبه أيضاً نوعاً من التعب الروحي أو الملل، لأننا نريد من غيرنا أن يتحمّل المسؤولية بدلاً عنا، فيأمرنا ونحن فقط نطيع، وبذلك نهبط إلى مستوى الإتّكالية. فنحن لا نريد السلطة، بل نريد زعيماً يتولّى عنا تدبير أمورنا، ويحلّ بدلاً منا مشاكلنا، ويقرر توجّهاتنا، وينقذنا من أعباء المسؤولية. فالطاعة الحقيقية إذن ليست في الخضوع أو الخنوع، بل هي تدفق الإرادة نحو العطاء بحرارة ومحبة وحماس والشهادة للحقيقة الامينة " أنت المسيح أبن الله  الحي " ( متى 16:16) .
   حنانيكَ يا الله!، فقد تأخذ الطاعة أيضاً شكل الهزيمة والاستسلام. إن الشعوب المتعَبة والمغلوبة على أمرها، أيضاً تلقي مقاليدها ومقاديرها بين أيدي الطغاة المستبدّين!. لربما ذلك أهون الشرَّيْن، إذا كان الشرّ الأكبر في نظرها هو مجابهة مشاكل الحياة التي فوق طاقتها. ومع ذلك يا سيدي، فإن الفضيلة كانت وما تزال أبداً وليدة المحبة والمغامرة والعطاء، وليست ثمرة التدابير البشرية أو آلية الحاسوب.
   إن الصخرة التي اتّخذتَها أساساً للكنيسة، هذه حجر الزاوية التي يستند عليها البناء الشامخ كله هو " راس الزاوية حسب قولك " ( متى 42:21 ) ، ليست في حقيقة الأمر إلاّ طاعة تمتصّ زخم البناء كله وتسيطر على توازنه. هذه الصخرة الغير المتحركة، المدفونة في أعماق الأساسات، والتي لا تستطيع أنْ تغيّر مكانها أبداً، ولا أن تصنع ما يحلو لها، ولا أن تقوم بأعمال باهرة، ولا أن تحتلّ مكانة الصدارة أمام أنظار الناس، والتي لا تجد مجدها وعظمتها إلاّ في الاختفاء وهي ممدودة كأنها داخل مقبرة، هي الأساس الذي يربط ما بين السلطة والطاعة، لأن كل زعامة في هذا العالم هي خدمة والتزام، وكل طاعة هي تعاون وتآزر. مهما كان دورنا على الأرض، علينا جميعاً أن نخدمَ  كلٌّ من موقعه، ومن كل قلبه وطاقته. فالطاعة إذن هي إخلاص في العمل قبل أن تكون خضوعاً،  والمتقدم هو من كان في " خدمة للآخرين"(لوقا 26:22 ) . فقد قلت يا سيدي" انا بينكم مثل الذي يخدم" ( لوقا 27:22) ،  قبل أن يكون استعلاءً وسيطرةً ومصلحةً وكبرياءً وأنانية. فالتعاون إذن يربط بين الرئيس والمرؤوسبين، بين المتقدم والخدام ، في انسجام تام، وليس تدمير المرؤوسين أو الخدام بسبب نيّات ومصالح  وغايات المقتدرين  وكبار الدنيا والزمن . فحجر الزاوية داخل أساسات البناء لا تستطيع أن تمنع انهيار البناء بمفردها، ما لم تساندها أجزاء البناء الأخرى، وتساند الأجزاء بعضها بعضاً .لذا يجب أن يهتم الجميع بالخير المشترك، وإلاّ فقد المجتمع توازنه. فلا شيء يهدم المجتمعات البشرية أكثر من الانعزالية الجبانة، حيث يتهرّب كل فرد من الدور الذي عُهِدَ إليه للقيام به بكل رضى والتزام.
   نعم ، آه يا سيدي، إن الطاعة الحقيقية ليست عبودية، ألستَ أنتَ الذي علّمتنا هذا السبيل حينما ناجيتَ الله الآب "لتكن مشيئتكَ" (متى10:6)، فكانت الكلمة بسموّ معناها بل طاعة فائقة الإدراك، لأنكَ علّمتَنا ان نقول الحق بكل صراحة" لانك الطريق والحق والحياة " (يو 6:14) ،علمتنا أنْ لا فرق بين عظيم وحقير، ولا بين " كبير وصغير" ( لوقا 24:22) ، ولا بين " سيد وعبد" ( لو 25:22) ، ولا بين " متقدم وخادم" ( لو26:22) ، فهناك أسياد يُطلقون على أنفسهم بأنهم حقراء في تواقيعهم، وما هذه إلا علامة التواضع لله والطاعة له، " فهو الكبير، العظيم والسيد" ( يو 12:13). إنها قمة التواضع والطاعة والمحبة وحقيقة الوجود، فالذي يأمر هو مثل الذي يطيع، كلاهما سواسيةً أمام نظرك يا " خالق الأكوان" ( يو 16:13)، والسّيد الديّان" ( رو 6:3 ) ، وهذا إيماني . نعم يا سيدي ، نعم وامين .

11
والخلائق تسبح بحمده " القلم "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   غريبٌ أمر قلمي!، فهو أصمّ أخرس، أُمّيٌّ لا يعرف القراءة ولا الكتابة أو الحساب، ويجهل الإنكليزية والفرنسية وجميع اللغات الاوربية  كل الجهل، ولا يميّز بين الشعر والنثر، ولا يعرف معنىً للرموز الكيميائية، أما المعادلات الجبرية والأشكال الهندسية فإنه لا يفهم منها شيئاً مطلقاً. وهو، فضلاً عن ذلك، لا يتفاهـم، فكيف الوثوق به؟، وكيف أُسِرُّ له بجميع أسراري وهواجسي وأفكاري، وأبوح له بمكنونات قلبي ليدوّنها؟؟. وعندما أفكّر مليّاً في هذا الأمر، أجد أن قلمي لا يُسدي لي خدماته الجليلة إلاّ لكونه أُمّيّ وعديم الفهم.فلو كان قلمي يملك لغةً خاصة وأبجديةً خــاصة وأفكاراً خاصة به، لأصبحت الكتابة به حرباً سجالاً، والتفاهم مستحيلاً، ولكان الجدال بيني وبينه أبدياً ومضيعةً للوقت.
   عندما أريد أن أكتب بالعربية، يتّجه قلمي من اليمين إلى اليسار. أريد الآن الكتابة بالإنكليزية فإذا بقلمي يتّجه من اليسار إلى اليمين مبتدئاً بالصفحة الأخيرة. عندما أضعه على الطاولة لا يعترض، وعندما يرسم غالباً ما تكون رسومه طريفةً وجميلة. شرطٌ واحدٌ مطلوبٌ من قلمي: ألاّ يكون رأسه المدبب رفيعاً أكثر مما ينبغي، ولا غليظاً أكثر مما ينبغي، مما يسهّل له الكتابة بدون مقاومة تُذكَر، لأني لا أتسامح معه أبداً إذا تلكّأ أو تردّد.وهذا ما يبتغيه كبار زماننا ورؤوساء دنيانا أن يصوغوا بشرا على قدر قاماتهم ومصالحهم ليكونوا لهم من الخاضعين ومن المطيعين لاجل دنيا الزمن وحقيقة الدنيا المزيفة .
   يا سيدي، إنه لَدَرسٌ بليغ يعلّمني إيّاه اليومَ قلمي. فأنا لستُ بحاجة إلى فلسفة أو إلى العلل الأولية لكي أفهمكَ. بمجرّد أن أنظر إلى القلم بين أطـراف أصابعي، أدرك حالاً ما هو الدور الذي يجب عليّ أن أقوم به " وأنا بين يديكَ"( مز 31 )  كما على الصليب  . يا سيدي ، ليس لديّ أفكار تختلف عن أفكارك، ولا أبجدية تختلف عن أبجديتكَ. إن النشيد الإلهي الذي أتلوه منذ ولادتي، إنما أنتَ الذي وضعتَه ولحَّنتَه.كي أنشده. وإزاء حكمتكَ المبدعة، أنا أيضاً لستُ إلاّ أُميّاً ساذجاً يا سيدي. لا أعرف المصطلحات التي تخوّلني التحدث عن الألوهية وعن اللامتناهي ولا عن أسرار الوجود. وخوفي من أنّ الايمان اليوم هو ارادة دنيانا وعولمة زماننا وليس حقيقة عقائدنا .
   وما نتداوله أحياناً أنا وأقراني من حِكَم بشرية،وكتابات روحية ومقالات شرتونية ،  إنما هي إفرازات جهالتنا وموتنا وحنيننا إلى الخلود، بينما الحكمة الأزلية نابعة من كيانكَ أنتَ وحدكَ يا الله! بشرط أن أكون في تماسٍّ معكَ، فباستطاعتي أن أخلق للبشر أعظم الآمال،بدل اصدار اوامر من اجل الطاعة ،  أو أن أزرع بينهم حقائق لم يكتشفها أحد ولم تخطر على بال إنسان، على غرار قلمي الذي يكتب بالفرنسية أو الانكليزية ، وهو لا يعرف منها حرفاً واحداً. أنتَ، يا إلهي، الذي أوصيتَنا مراراً أن نبقى متمسّكين بكَ" إذا ثبتم فيّ وثبت كلامي فيكم " ( يو7:15 ) ،وليس بغيرك ، وان كانوا اساتذة الادراك وفطاحل المسيرة والعلم. فإذا أردنا أن تكون أنتَ أيضاً معنا.فلأنك أنت الحقيقة بالذات واياك ينشد قلمي .
ولكن القلم متنــاقض يا سيدي، فهو يجمع ما بين الطاعة والتمرّد. وقد تكلّمتُ عن الطاعة المتمثلة بطرفه العريض حيث أقبض عليه جيداً وأُديره كما يحلو لي، فهو مطيع لي ولا يعصي لي أمراً. أما جهته الرفيعة المدبَّبة فهي تناقش وتنتقد وتهجوني أحيانا وتتمرّد عليّ بكل صلافة وصفاقة. هكذا أنا أيضاً عندما أتوجه إلى البشر، غالباً ما ألاقي النفور بسبب مصلحة أو غرور في تدمير الاخر ، فهم عندما يحاولون التنصّل من الأحكام السماوية، والابتعاد عن الأحكام الإلهية، يفسدون ويكرهون ويُرَكبنَّ مصالحَهم بحيل شتى وطرق عديدة ، من أجل براءَتهم ،  وهذا مسلكهم من اجل احكامهم الدنيوية . في هذا ما يثبّط عزيمتي، فأعيد الكرَّة ثانيةً وثالثةً، إلى أن أجد الحل عندما أتذكر وصيتك يا سيدي، "وصية المحبة" " أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببنكم " (يو 34:13).  والتي ناديتَ بها. ولأن البشر مهما بلغتْ جهالتهم وأطماعهم وعنجهيّتهم، سأبقى أحبّهم لانك أنت أوصيتَني يا سيدي، وعبر وصيتك أعرفهم جيداً، وأعلم أنني واحد منهم، خاطئ مثلهم ، وجعلتني أن أكون كلمة، في قلمٍ ،  كي أكتب"  أغفر لي يا سيدي أنا الخاطيءفارحمني "( لوقا 13:18 ). نعم وامين .

12
والخلائق تسبح بحمده " الضوء "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   لقد خلقتَ الضوء يا سيدي فوق الخواء الكوني منذ فجر التكوين،"  فكانت الشمس وكان النهار"( تك 5:1) ، ووجدتَ الضوء جيداً ومفيدا بل" حسناً "(تك 40:1). ونحن أيضاً نقدّر قيمة الضياء لاسيما عندما ينقطع التيار الكهربائي فجأة.فنحن اليوم نعيش في عصر يدعى "عصر النــــور"" عصر التكنولوجيا " ،  كما كانوا يسمّون القرن الخامس عشر "عصر النهضة". وقد تعــدّدت مسمّيات الضوء وأوصافه، استعمالاته ومنافعه، فيقال مثلاً: أن هذا المربّي يحمل أنوار الحكمة وهو كشمعة تحترق، وإن الثورة الفرنسية جاءت بمشعل الحرية، وإن الوحي وهب البشر نور الإيمان، وإن المسيح الرب صعد إلى السماء بضياء مجده. وكانت الشعوب البدائية تعبد أشعة الشمس، وأحياناً تتحدث الصحافة عن الحفلات الماجنة تحت الأنوار الصارخة في الليالي البيضاء للمدن الكبيرة الصاخبة. وقبّة كنيسة مار بطرس في روما تتلألأ بالأنوار الساطعة كلما أقيم إحتفال تتويج لبابا جديد.
   نحن مغمورون بالضياء من قمة رأسنا حتى أخمص قدمنا إلا في وطننا فهذه سنين ونحن نعاني من عدم الضياء إلا عبر المولدات،  فهو لنا كنشرة ضوئية،  ومع الاسف . لقد دجَّنا الضوء كما قمنا بتدجين الحيوانات من قبل. ويهرب الظلام مذعوراً مندحراً ومعه جميع الأطياف والأوهام والخرافات بمجرد أننا نضغط على زرّ كهربائي صغير بإصبع متراخية. مصابيح زيتية، مصابيح نفطية، مصابيح كهربائية. لا شيء أكثر تفاهة من الضوء في زماننا هذا، لا بل أصبح حتى أطفالنا يحملون مصابيح متنقلة داخل جيوبهم. أما الخسوف والكسوف فما عادا يخيفاننا، ولا أحد اليوم يقرع الطبول عند حصولهما، لا بل أن الجرائد تعلن عنهما بدقّة رياضية مع صور تبيّن خطوطهما البنفسجية وما فوق البنفسجية وما دون الحمراء. ومنذ المرحلة المتوسطة يعرف الطالب أن سرعة الضوء تساوي (300) ألف كيلومتر في الثانية كما هو تعليمنا في مدارسنا بالامس . 
   لقـد غدا الضوء سجين حساباتنا ومعادلاتنا، ويخال لي أنه أصبح اليوم أمراً صبيانياً أن يقف شاعر أمام غسق الصباح مستلهماً قريحته ليصف أشعة الشمس المشرقة، أو يلجأ ناسك متعبّد إلى شفق الشمس الغاربة بحثاً وراءها عن إلهامات وانخطافات روحية. ومع ذلك فقد قلتَ يا سيدي إنكَ "الضياء الحقيقي ومَن يتبعكَ لا يسير في الظلام" (يو12:8).وجعلتَ رجالات الكنيسة تُشبه الثالوث المقدس بضياء الشمس ونورها وحرارتها .
   نعم في ظلمة الليل أتلمّس طريقي، وأتخيل أشباحاً ملثّمة تتهامس، وعفاريت تثرثر، وأقزاماً تتعثّر، وأتحسس لطخةً في ثوبي، وبقعةً أو حفرةً لا وجود لها على الجدار. ذلك لأن الوهم هو وليد الظلام. فإذا غمرنا الضياء على حين غرّة، إذا بحجاب الظلمة كأنه ينشقّ حالاً بضربة قاصمة، لأن الضياء عنيف وسريع عندما يقتحم، ولأنه صريح عندما يتكلم، ولكنه يتكلم بدون صوت، ولا يستخدم ألفاظاً ولا يناقش عندما يصعقنا حضوره ببريقٍ مفاجئ، وبدون سابق إنذار، يبدّد من أمامنا كل أنواع الخرافات والأوهام، ويفضح جميع أكاذيب العالم!وبياناتهم المصلحية والتدميرية القاتلة المحشوة حلاوة وكأن العالم لا يسير إلا بدفن الحقيقة قبل وقوعها من أجل انتصار كلام الدجل والكذب والفساد .
   إن القبح لا يظهر بأتمّ وضوح إلاّ عندما يفاجئه النور!. ونحن في الشرق لا نجهل ما للشمس من قوة حرارة وضوء، وهذا مما دعا الهنود القدماء يشيّدون لها المعابد الضخمة، وسكان المكسيك يقدّمون لها آلاف القرابين. إنها ليست كشمس شعراء الغرب الرومانتيكيين التي تتلصلص بين وريقات أشجار الصفصاف والصنوبر والتي يحتمي بها الشيوخ المقعدون في آخر سنواتهم على الأرض... بل هي الشمس الاستوائية المحرقة، سيدة الحياة والموت، والتي تتلوى الأرض تحت حرارتها مثل دودة عارية.
 لقد لعبنا كثيراً بهذا اللغز العظيم الذي هو الضوء،والحقيقة ما هي إلا فيه ،  وتجاسرنا وقلنا إنه محتوى داخل مملكتنا وقصورنا وبلاطاتنا ، بينما في الحقيقة كان هو الذي يضمّنا داخل مملكته الواسعة. إنه يمتلكنا ويحتوينا، وفي أية لحظة، من أية ثغرة، من أي ثقب صغير، من أية ثلمة في جدار يستطيع أن يفاجئنا داخل غرفنا المقفلة. مهما لجأنا إلى بيوتنا واحتمينا بعماراتنا الشاهقة،واشخاصنا المختارين والمنزهين ،  فإنه ينساب بدون تحفّظ أو خجل، ويتسرّب حتى ما بين أجفاننا وداخل خياشيمنا.
 ليس عبثاً يا سيدي أنكَ ناديتَ منذ عشرين قرناً من الزمن أنكَ "الضياء" كما أنكَ "الحق"! (يو12:8).بل الحق بذاته . وإني أعلم اليوم أن الكذب والتنكّر ، وان كان اليوم سبيلا للنجاح،  ففي وسط الأنوار الكاشفة أكثر صعوبة مما داخل الظلمات السوداء الثخينة. وإذا كانوا قد صوّروا لنا السماء مغمورة بالضياء، أفليس لإفهامنا أن الحقيقة هي المنتصرة دوماً!؟.ففيها يُظهر كالنور برك وكالظهيرة حقَك ( مزمور6:37).
 نعم لا أريد الرجوع إلى كهوف أفلاطون المظلمة حيث لا تبدو الحقيقة إلاّ من خلال أنصاف أطياف وأنصاف خيالات تتمايل ثم تختفي، لأني أحب الأنوار القوية الساطعة التي تُظهر جميع الأشياء كما هي على حقيقتها،  نعم على حقيقتها ، والتي تمزّق جميع البراقع والأقنعة، وتصيّر الكون شفافاً رائقاً بدون أي لُبْس أو تشويه!!.   
   كم يلزمنا من الشجاعة يا سيدي للحصول على شرف الشفافية وعدم الهلع من الانكشاف أمام الناس كما نحن!.في قول الحقيقة بام عينها ، فقد قلت في إنجيلك " الذي أقوله لكم في الظلمات قولوه في وضح النهار " ( متى (10 :26-33) . وإذا ما أردنا أن نتشبه بك ،يا سيدي ، كما تقول ، فلنكن شفافين صريحين مملوئين نوراً بل ضياءً من أجل دروب الحياة كي لا نكون ظلاماً . إن الأطفال يخافون سواد الظلمة، أما البالغون فإنهم يتدثّرون بجلباب صفيق تجنبـاً من لدغة النور الذي يكشفهم على حقيقتهم، وهناك أشياء كثيرة نريد أن نخفيها عن أنظار الناس، وحتى داخل معابدنا ومن أجل مصالحنا. هنالك مَن اعتاد الوقوف منزوياً وراء أحد الأعمدة أو يلجأ إلى الاختباء في ركن مظلم بعيداً عن أنظار المصلّين. ولكن نظرتكَ يا سيدي من فوق المذبح تخترق حتى أعماق القلوب، وتدعونا إلى نوركَ الإلهي ليطهّرنا من كل ما نخجل من كشفه على رؤوس الملأ، وينقذنا من هواجسنا، ويشفينا من تخيلاتنا المريضة، لكي نرى ذواتنا بواقعيتها كما تراها أنتَ ، لانك النور،  نعم أنت النور الذي يجب أن يُبشر به ليُبدد الظلام " وبنورك نعاين النور أيها الممتلىء نوراً " ( مزمور 36) وعبر حقيقتك نشهد للحق " لانكم تعرفون الحق والحق يحرركم " ( يوحنا 32:8) فأملأ يارب قلوبنا من نورك كي نعرف حقيقة ضياءنا ، آمين ، نعم وامين .

13
والخلائق تسبح بحمده " الرمال "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   مَثَل صيني قديم يقول: أن الأشياء الليّنة والرخوة تستطيع أن تتغلّب على الأشياء الصلبة وتحطّمها، ولكن العكس غير صحيح. فالهواء يقتلع الأشجار القوية العملاقة، والماء ينخر صخور الجبال ويفتّتها على مرّ الأجيال. حاولتُ أن أفهم هذه الحقيقة يا سيدي، وأنا قابض على حفنة من الرمل بين أصابعي. إن رمال الشواطئ كانت في الأصل صخوراً صلبة وكثيفة ثم تفتّتت وتآكلت بفعل المَدّ والجَزر. واليوم أصبحت هذه الصخور الضخمة عواصف من الرمل والغبار، تدور في بطون الصحارى ثم تهجم على مدننا وأريافنا، وتدخل حتى في خياشيمنا( أنوفنا) .
   إن الرمال تحكي لنا قصة تاريخ الكون بصوت خفيض. أريـد أن أجدكَ يا سيدي في صميـم هذه الحكاية. أريد أن أفهم العلاقة بين الصلابة والنعومة، بين القوة والليونة، بين الحقيقة والفساد، بين الكبرياء والوداعة ، بين السذاجة والبساطة ، بين الغرور والانفتاح ، ومَـن منهما سوف يتغلّب على الآخر؟. لاشكّ أن النعمة تحاول جذب الإنسان إلى الله، وإن الحرية الشخصية تحاول الابتعاد عن الله. ولكن هنالك مؤرّخون مسيحيون كثيرون أدانوا حملات الحروب باعتبارها وسائل عنف محرَّمة في الدين المسيحي. وأنا بدوري لا أريد أن أخوض في المعارك الدامية التي دارت بين الألبيجيين والهوسيين من جهة، وبين المحاربين البابويين من جهة أخرى، ولا في السجون المظلمة التي أُعدَّت للهراطقة، ولا في محارق محاكم التفتيش الإسبانية، ولا في صكوك الحرمان التي كانت تتهاوى كالصواعق والرصاص على كل مَن يَحيد قيد شعرة عن قرارات المجامع.
 إن الرمل الناعم يعلّمني أن القوة الغاشمة ليست هي أصل الدين،وأن المصالح ليست حقيقة الحياة ، وأن القساوة ليست حقيقة الغفران، وإن صلابة الجماد غير كافية لمنع تفتّت الصخـور، كما إن الطغيان والاستبداد لا يحميان البشر من الاندثـار. فما تعلّمني الرمال خاصةً هو أنْ أقيم ألف حساب لعامل الزمن. هذا الزمن الذي لا يرحم البشر، ويكشف كل خفّي حسب قولك يا سيدي " ليس خفي إلا سيظهر "( لو17:8) فيه تُبان الحقيقة والذي لا يستطيع جبابرة الأرض وكبار دنيانا، ورؤوساء زماننا، صدّه مهما فعلوا. إن الزمن يردّد لي على لسان الرمال أنْ لا شيء على الأرض يدوم أو يثبت بصورة نهائية، وأن الحقيقة ستبان يوما حسب قولك يا سيدي ، ولأجل الاستمرار في الحياة على البشر أن يتجدّدوا كما يتبدّل جلد بشرتهم الذي ينضرنّ ويتوالد باستمرار.
   إني أعلم أنه من الممكن أن ترتخي عزيمتنا شيئاً فشيئاً، وتتبدد إرادتنا درجةً درجة بفعل نفخة من الريح، وبدون سابق إنذار، وهذا ما يدعوه المرشدون الروحيون بالإهمال أو الطيش أو الروتين أو "الفتور". لقد رأيتُ حولي ألوفاً مِمَّن سقطوا من ارتفاعات عالية ببطء وبدون شعور، كالجبال الشاهقة التي سقطت فيما مضى في بطون البحار، وإني أعتقد أنه للحفاظ على مستوانا وعدم الانخفاض إلى الأسفل، هو نوع من أعمال البطولة، لأن الذي لا يتقدم سوف يهبط حتى إلى الأسفل، ولأن عدم التقهقر هو نوع من التقدم، لأن عدم التقهقر معناه المقاومة بصلابة ضد قوة معادية،أو كبار مغرورين ، وعدم الارتخاء تحت ضغط الأعداء مهما كان فسادهم وعمق مصالحهم وشرورهم وكبريائهم . أنا لا أحب كلمة "رجعي" أو "محافظ" في السياسة لأنها كلمة مقيتة، ولكن عند المسيحيين "المحافظة على النعمة" تعني شيئاً كثيراً لأنها تتضمن شجاعةً وبطولة، إحتمالاً وداعةً ، إنتظاراً وفرجاً .
   هناك صفة أخرى أساسية للرمل مهمة جداً وهي، إذا كان الرمل ناتجاً عن تفتّت الصخور، فإنه سبق وأن كوّنها بواسطة الترسبات، خلال أجيال وأجيال تراكمت الترسبات في أعماق البحار، وتكدّست وتكثّفت بفعل الضغط الشديد الهائل وتحوّلت إلى حجارة نبني اليوم بها منازلنا وكنائسنا وقصورنا وصروحنا واستراحاتنا الصيفية ، . هنالك إذن طريقة لحصول كتل كبيرة صلدة من حبيبات صغيرة مجهرية لا تُرى بالعين المجرَّدة. إن عملية رصّ هذه الحبيبات الناعمة في مجموعة متينة هي سرّ قوة الوجود. كانوا يكررون علينا غالباً أن الاتحاد قوة، ولكن الاتحاد لا ينتج دائماً قوة، بل أحياناً ينتج الضعف. هل إن إضافة حفنة من المترهلين المصابين بداء المفاصل إلى مجموعة من الشباب المحاربين تزيد هؤلاء قوة؟ هل أن فيلقاً من الخيّالة تصبح أكثر شجاعة لأنكَ عضدْتَها بكوكبة من الحمير؟ هل وضع أناس مصابين بالكورونا فايروس مع كبار السن والمرضى المزمنين تحمي من الاصابة أليس ذلك تدمير شعوب وقتل أبرياء ، وفي كل جيوش العالم قاطبة، تخلية الجرحى والقتلى من ساحة المعركة أمر ضروري لتجنب عرقلة سير القتال... إن الاتحاد ضمن التجانس هو الذي يصنع القوة، بشرط أن كل عنصر يلعب دوره المخصَّص له، ويحترم أدوار الآخرين.
   كم أحبّ ذرّات الرمل المتكدّسة فوق بعضها بصمت ومحبة واحترام لحقوق بعضهـا دون كراهية ، بكل طاعة واتّضاع. إن كل رملـة وجدت مكانها واستقرّت فيه، من دون أن تحاول أن تميّز نفسها عن غيرها، ولا أن تبرز في المقدمة بمظهر المباهاة، ومن دون أن تختار جاراتها، ولا أن تتدافع لاختيار مواقعها، كل هذا سهّل عملية تكوين الصخرة الصلدة. وأنا هل اخترتُ عائلتي وطبيعة وطني وتاريخ ميلادي؟، ألم تكن أنتَ يا سيدي أساساً لوجودي حيث أنا الآن؟ شئتُ أم أبيتُ فإني جزء من مجموعة عليّ أن أرضى بالانتماء إليها،  وبوطن ولدتُ فيه، ولكن وا أسفاه، غالباً ما أتمرّد وأشكو من ظروفي التي وضعتَني فيها. ما كان ينفع مريم المجدلية (يو7:26) لو تمرّدت على دورها وحاولت أن تقوم بدور مار بولس؟، أليس الاكتفاء بالقيام بأدوارنا دون أستغلال المصالح والمحسوبيات هو طريق تقدمنا في البرّ والفضيلة؟ عندما تحاول العين اليمنى أن تلعب دور العين اليسرى، أو بالعكس، فإن النتيجة الوحيدة هو "الحَوَل". إذن ، إن القوة الحقيقية غير ناتجة من مجرد التراكم، بل من الوفاق.وهذا ما حصل مع إبراهيم بطاعته إذ " جعلتَ سلالته كرمل البحر" ( تك 17:22). نعم يا إلهي، اجعلني مثل حبة الرمل التي تستقر في مكانها راضيةً، وإن رفضها حاملها ،فاجعلني ياسيد،  متّحداً مع ذاتي، عاملا " بكلمتك ومشيئتك"(متى 42:26) ، لأستمر في القيام بالدور الذي خصصتَه لي منذ خلقتَني.نعم ياسيدي ، نعم وآمين .

14
والخلائق تسبح بحمده " الماء  "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   لاشيء أكثر شذوذاً من الماء فهو يتمدد عند الإنجماد. ولا شيء أكثر تناقضاً من الماء فهو يجمع ما بين التفاهة والضرورة. وبدون الماء لا يمكن للإنسان العيش على سطـــح الأرض. فالماء يُستعمل للشرب والطبخ والسباحة والغسيل، كما يُستعمل في الآلات التجارية والتبريـد، والماء موجود في كل مكان: في باطن الأرض، وفي عيون الجبال، وفي المستنقعات، وفي أعماق الآبار، وداخل الحقَن الطبية، كما أن أكثر من ثلثي جسم الإنسان يحتــــوي على الماء. فقد اعتبر الفلاسفة الإغريق الماء واحداً من العناصر الأساسية في الكون. ولكن علماءَنا منذ أن قاموا بتحليله كهربائياً إلى حجمين من الهيدروجين وحجم واحد من الأوكسجين، فَقَدَ الماء جاذبيته وسحره. وعندما أخذتْ حضارتنا المعاصرة العمل على تدجينه وتسييجه فسجنتْه داخل السدود والخزانات، فَقَدَ الماء كلَّ أبَّهته وبريقه وأصبح من الأشياء المألوفة التافهة لاسيما عندما حصروه داخل الأنابيب ووزّعوه على البيوت والمرافق العامة بواسطة النافورات. فالماء قديمٌ قِدَم الأجيال، ولم يتغيّر منذ أنْ خُلق، إنما الذي يتغيّر هو لهفة الإنسان وشوقه له عندما يتكرر العطش، فيهب للماء صفات الشباب والاستمرارية والتجديد الأزلية. لأن الماء يختلف مذاقه في كل مرة، وعطشي لا يمكن أن يكون شبيهاً لنفسه تماماً مرّتين. فلا أحد يشعر بالعطش أمام آنيةٍ مملوءةٍ بالماء، لأنه باستطاعته أن يشرب منها بحرية متى شاء.
أما في الكتب المقدسة فَحَدِّثْ عن الماء ولا حرج. فمنذ اليوم الأول من الخليقة حتى عبور بني إسرائيل" مياه البحر الأحمر"( خروج 21:14) ، وحتى "عمادك ياسيدي يا مسيحي يا ربي والهي بمياه نهر الأردن( مرقس 9:1)، وتحوّيلك " الماء إلى خمر في قانا الجليل" ( يوحنا 48:2)، وفي عشيّة الآلام والصلب عندما تأزَّرْتَ وغسلتَ أرجل تلاميذكَ بالماء (يو5:13)، وإبان المحاكمة عندما غسل بيلاطس البنطي يديه بالماء أمام الملأ متبرّئاً من دمكَ الزكي (متى25:27). فالناس العِطاش هم وحدهم الذين يفهمون قيمة قدح الماء البارد الذي يُعطى إلى فقير متسوّل، وأنّ جزاء واهبه لا يذهب دون " ثواب حسب قولك"( متى 42:10). إن الذيـن يعيشون بعيداً عن مجرى المياه، ولا يملكون جرعة ماء إبان حرّ الصيف هم الذين يفهمون معنى كلامك:"إنّ مَن يعطش فليأتِ إليّ ويشرب" (يو37:7). فهل يجب عليّ أن أكون بعيداً عنكَ كثيراً يا إلهي لكي أدرك قيمة محبتكَ؟!، وهل لكوننا قريبين منكَ جداً؟ هل لاننا اعتدنا أن تكون حاضراً بيننا فوق المذبح؟ فهل يجب أن يكون حضوركَ بيننا أمراً تافهاً؟! في الكنيسة نتلفّتُ يمنةً ويسرى ولا نبالي،نثرثر، وتتيه أفكارنا في شتى الأمور بعيداً عنكَ، فهل يجب أن نفقدكَ لكي ندرك قيمتكَ الحقيقية؟ ونشعر بحاجتنا الماسّة إليكَ؟، هل يمكن أن تكون سعادة المسيحيين باقتنائكَ سبباً في الابتعاد عنكَ وعدم التفكير فيكَ بجديّة؟.
إننا نعتبر أنفسنا مُلْكاً لكَ، يا سيدي ،  ونعتبرك مُلْكاً لنا، ونحن تحت ستر حمايتكَ نتمتّع بحيازتكَ كما يتمتّع البرجوازي الصغير بامتلاك أرضه ومنزله، فلم يعد ينتابنا أيّ قلق أو ضيق من خشية ضياعكَ، لأننا نمتلككَ بواسطة النعمة في هذه الحياة، وسوف نمتلككَ في السعادة الأبدية بعد الممات. هنالك مسيحيون يتصرّفون كذلك بأسرار الكنيسة وبِنِعَم المسيح وبهبات الله المجانية. إن في تمتّعهم الكامل بكل سكينة وغبطة بامتلاكهم النعمة، يكمن خطر ضياع النعمة وفقدانها. الشرائع!. الطقوس!. كتب الصلوات التي حفظتُها على ظهر القلب!. ما لي ولها إنْ لم أكن متعطشاً إلى ينبوع الحياة الذي أنت تعطيه،  بل أنت هو!؟. لماذا التوقف في منتصف الطريق؟. إذا لم تتجاوب رغباتي الغير المحدودة مع كمالكَ اللانهائي، يا سيدي، فإن جميع اجتهاداتي وجهودي فاشلة!.لأجل معرفتكَ حقاً يا سيدي، يجب الشعور المؤلم بالحاجة الماسّة إليكَ، إذ بدونك سأبقى عطشاناً، لذا أخشى يا سيدي أن يتحوّل رجائي الأبدي إلى ملجأٍ أمين أحتمي به وأتجمَّد!.وأخشى أيضاً ، يا سيدي،  أن أكون مغتبطاً بامتلاككَ، ممتلئاً منكَ، غارقاً فيكَ، قافلاً على نفسي مثل قوقعة بدون الحاجة إلى ماء ولا هواء، وبدون شهوة للطعام، بدون أي مرض، بدون وعكة، بدون لوعة، بدون اضطراب. عندئذٍ سوف أكون أنا وحدي بدون أمل للمستقبل، بدون حاجة إلى مخلّص، بدون مسيح يتجدد صلبه يومياً في ذبيحة القربان!!.وهذا ما حصل في زمن الكورونا فبيوتنا أُفرغت ربما من إلهها بسبب خوفنا من الاخر الغريب ، ونسينا أنك أنت حقيقة المياه وليس كبار دنيانا ورؤساء زماننا .وهذا ما أخشاه يا سيدي أن يتحوّل إيماني المشرق بكَ ، إلى ظلمة أتلفّع بها وأحتمي بهم من كوابيس الليل المخيفة!. فتتحول يا سيدي صلواتي وتأملاتي إلى مجرد صِيَغ طقسية جامدة وعقيمة أردّدها بدون محبة ولا تفكير!.وتنقلبَ ملحمة الفداء الإلهية بكل ما رافقها من مجازفات غريبة وآلام وإهانات، إلى سكينةٍ مطمئنةٍ من ذاتها وهي تمتلك مفتاح بيت القربان، مكتفيةً بوظيفة الحراسة!.
   كلنا نعلم أنه قد اندثرت آثار القوافل المؤدية إلى ينابيع المياه في الصحارى القاحلة والرمال المحرقة ، بسبب هبوب الرياح العاتية. إنّ مَن لا يملك حاسّة الجَمَل القوية لمعرفة المسالك المؤدية إلى المياه، سيموت عطشاً لا محالة. إنّ ينبوعاً صغيراً واحداً ينبثق من واحةٍ مجهولة في أحد أطراف الصحراء، لأَكثَرُ روعةً وجمالاً من جميع قصور الملوك الفخمة!. سيدي ، هذا الينبوع الضئيل هو الذي يستقطب جهود السالكين في الصحراء، ويوجّه القافلة بأسرها، إنه يجتذب إليه الناس قبل أن يهبَ نفسَه لهم. إن غيابكَ هو درس! إننا بكل ما نملك نستطيع أن نفهم مَن أنتَ، إن العطش الذي يتكرّر بدون انقطاع هو ما يهب للماء طراوته الأبدية، عليكَ يا صاحبي أن تمرّ في منتصف تموز وسط صحراء أفريقيا المحرقة وقد اشتدّ بكَ أوار العطش، أو أن تدوس قدماكَ الرمال الملتهبة في الصحراء الكبرى لجزيرة العرب، حتى تعرف القيمة الحقيقية لقطرة واحدة من الماء!.
كلماتك يا سيدي ، تعالوا إليّ أيها العطاش.!" (يو37:7)، فاسأل ، هل بإمكانكَ يا سيدي أن تؤثّر إلاّ في المعذّبين وغير القانعين؟، أمّا القانعون السعداء، الراتعون في بحبوحة الحياة ونعيمها، فإن ماءَكَ ستكون تافهةً بالنسبة لهم، وسوف يشربون منها بدافع المجاملة، ولكنهم سوف لا يدركون أبداً ما تحتويه من أسرار!!!. فهبني يا إلهي أن أشعر دوماً بالعطش!، كي اتوجه اليك يا ينبوع الحياة. أنتَ يا إلهي ثابت أزلي، ولا يمكن أن تتكرّر فيك الحقيقة نفسها مرتين، فعندما أكون قد أكملتُ الشريعة كلّها، فهل يا ترى يعوزني شيء آخر؟، أليس ما يتبع واجب الشريعة هي المحبة الكبرى والتضحية الكبرى والسخاء الأكبر؟، وبعد أن أكون قد وهبتُكَ كل شيءيا سيدي ، ألم يبقَ شيء صغير مختبئاً في زاوية حقيبتي يمكنني أن أتقدم به هدية لكَ؟. فكن مبارَكاً يا الله، لأنكَ تركتَ في زاوية من حقائب نفوسنا لهفةً صغيرة، بل عطشاً مستمراً نحو الكمال، يحنّ دوماً إلى الامتلاء بكَ من دون أن تمتلئ، واجعلني أصرخ دائما كما السامرية " يا سيد أعطني من هذا الماء لكي لا أعطش" ( يو 15:4) . نعم يا سيدي، نعم وامين.


      





15
    بمناسبة عيد الجسد                                       
                                             
تناولنا.. حقيقة إيماننا
المونسنيور د. بيوس قاشا
أوصانا الرب يسوع في إنجيله المقدس أن نأكل جسده ونشرب دمه إذ قال:"مَن يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة الأبدية" (يوحنا54:6). والفصل السادس من إنجيل يوحنا، من الآية 25 إلى الآية 59، يتكلم عن أن المسيح هو الخبز الحي. وكنائسنا تقيم قداديس يومية وتكرس يوم الأحد بقداس احتفالي كونه يوم الرب وجميل جداً أن يشارك المؤمنون في القداس ويتقدمون من المناولة من منطلق التقدم في مسيرة الحياة والقداسة والنمو الروحي.. فكل مناولة هي عيد، إنه عيد جسد المسيح الحي، عيد الخبز المحي ، عيد الايمان والرجاء والمحبة .إذ يقول البابا بندكتس "إن سر القربان ما هو إلا غذاء روحي يصعد بنا نحو عالم الألوهة حيث الرجاء والمحبة بالمسيح. فلا شيء يضاهي عظمة هذا السر المبارك من حيث سموّه وارتقاؤه وأهليته المطلقة في عالم الأسرار المقدسة".
   نعم، إن القربان المقدس الذي نتناوله ما هو إلا الخبز الإلهي، خبز السماء، فقد كُسر من أجل خلاص العالم. فبتناولنا للقربان المقدس نتذكر تلك الليلة المقدسة وذلك العشاء الخلاصي في علية صهيون والذي فيه حوّل مادة الخبز والخمر إلى جسده ودمه، " جسد ودم يسوع المسيح"( متى 26 : 26-29) ، وفي هذا كانا سرَّي التجسد والفداء. فبتناولنا نعيش بكل إيمان وعمق لحظات حياتنا. ويذكّرنا الخبز بتعددية القمح الذي يُصنَع منه كما أنّ العنقود يذكرنا بحبات العنقود الذي تُعصر حبّاته ، ففيهما غذاء للبشرية وعلى مدى التاريخ والأجيال، وهذا الغذاء ما هو إلا القداس اليومي أو العشاء الذي نحتفل به.
   نعم ، بتناولنا القربان المقدس ندرك عظمة المسيح الذي أعطى ذاته لأجلنا غفراناً وخلاصاً، لذلك يدعونا مار بولس أن نكون مستعدين لهذا العشاء استعداداً أميناً وليس شكلياً أو عادياً، بل استعداداً روحياً مليئاً بالتقوى" وإذ يقول" ليمتحن الانسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس " ( 1كور 8:11) ، لأنه ليس حضور المسيح فينا حضوراً مادياً كما نراه بل حضوراً إيمانياً غذائياً روحياً عميقاً وعبر إنسانيتنا ليقول لنا إنه يحيا في داخلنا،  ويعلمنا أن الحقيقة هي في النمو الروحي ولا تكون إلا عبر تناول القربان كفيتامين إلهي لمسيرتنا المسيحية، لأننا لولاه لضعنا في مسالك الزمن ومتاهات الحياة بغمها وقنوطها، وعبر المناولة ننطلق إلى الأخوة الذين حولنا معلنين بشارة المحبة والفداء وحقيقة الايمان والاستحقاق .
فاليوم بإمكاني أن أقول: إن مسيرتنا من بيوتنا إلى كنائسنا للمشاركة في القداس وتناول القربان ما هي إلا مسيرتنا في درب الصليب نحو الجلجلة حيث تكتمل الذبيحة على مذبح الرب. فلنتقدم من المناولة ونتقاسم العشاء مع الرب الذي احبنا حتى الموت . مسيرتنا ماهي إلا مسيرة خير لننعم بخير الله وحضوره الإلهي فينا لكي نشهد بعد ذلك لسرّ الخلاص الذي رسمه المسيح لنا ليرافقنا في مسيرة الحياة الدنيوية فيجعل من دنيانا سماءنا، ومن مسيرة حياتنا الروحية أبديتنا، ومع إخوتنا باب خلاصنا.أما اليوم فمسيرتنا تغيرت بسبب فايروس كورونا واصبحت بيوتنا هذه جلجلة الحياة في مسيرة نحو القيامة الاكيدة. نعم أصبحت بيوتنا علية صهيون ومذبحَ لقائنا،  فيها نرفع صلواتنا وشوق تناولنا الروحي الايماني للاتحاد بالمسيح الحي وعيش حقيقة وجوده في قلوبنا . وهذا ما يدعونا الى ان لا يكون تقدمنا من المناولة عادة قد تعوّدنا عليها كما هو الحال أحياناً، فنأكل خبزاً ونشرب كأس الخلاص وننسى أننا بذلك نتقاسم جسد الرب ودمه  بل علينا أن نميّز الخبز العادي لملء البطون عن الخبز الحي  " جسد الرب " ( 1 كورنتس 29:11)،  كما هو دعوة لنا"  لنخبر بموت الرب الى ان يجيء " ( 1كورنتس 26:11) .هذه حقيقة إيماننا بل حقيقة وجودنا . وإذ كلنا أعضاء في جسد المسيح السري فالمناولة تجعلنا ان نحتفل جميعا بضيافة المسيح،  بل اكثر من ذلك ، إنه ( اي المسيح) ربنا، يدعونا الى عشائه ووليمته، وما دعوته لنا إلا لأنه إحتفالنا ، إنه خبزنا وكأسنا، إنه حقيقة إيماننا،  وحقيقة مسيحيتنا، بل حقيقة مناولتنا، بل حقيقة عيدنا. نعم آمين وآمين .

16
والخلائق تسبح بحمده " الباب "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   لو أنّ أساتذة الفصاحة والبلاغة وعلم البيان كانوا قد التقوا بكَ يا سيدي. لو إن علماء قواعد النحو والصرف والعروض كانوا قد سمعوا بخطبكَ، لكانوا وجدوا فيها أخطاء كثيرة فيما يخصّ أساليب التورية والجناس وعلم المجاز. فمن دون جميع المجازات والاستعارات الجميلة والطريفة الممكن استخدامها، لقد فضَّلْتَ استخدام كلمة بسيطة حقيرة وهي "الباب" للتعبير عن كونكَ "مخلّص العالم " ( 9:10). لقد كان الأتراك العثمانيـون أكثر دهاءً منكَ يا سيدي عندما أضافوا إلى كلمة "الباب" صفة "العالي" فقالوا:"نحن الباب العالي"، مشيرين بذلك إلى أن عرشهم كان يتناطح مع عرش نابليون بونابرت مثلاً، أو يتنافس مع قيصر روسيا. ما أنتَ فقد اكتفيتَ بالقول عن نفسكَ بأنكَ "باب حظيرة" (يو7:10) لقطيع من الأغنام، فإن تفنّنكَ لم ينجح إلاّ في اختيار أحطّ التعابير وأخشنها.
   باب حظيرة أو زريبة أو إسطبل... بابٌ من قصب، بدون قفل ولا مفتاح ولا صقّالات.. أكثر أنواع الأبواب بؤساً، والذي يمكن فتحه بركلة قدم، وإعادة غلقه بواسطة وتد من خشب يُسنَد إليه من الداخل. لماذا استخدمتَ يا سيدي هذا التعبير البائس لإفهامنا أنكَ فادي البشر؟. ما لم أكن مخطئاً في ظني، فإنكَ أردتَ بهذا أن تعبّر عن أعظم الأمور بواسطة أنجس الأشياء وأسهلِها، لأنه لا شيء أكثر سهولة من الوصول إلى الله!.
   لندعْ الفلاسفة والعباقرة يختـارون أكثر التعابير تجريداً.. فهذا أفلاطون كيف مضى بصقل عبارة "الواحد المطلق" ويلصقها صفة بالألوهية، إلى الحدّ الذي لم يبقَ للألوهية صلة مع أي شيء في الكون إطلاقاً!. ومجامع اليهود القديمة كيف كانت أتعب عند كتابة كلمة "الله" أو حتى ذكرها أو النطق بها، وكيف كانوا يرجمون بالحجارة الحيوانات التي تعيش بالقرب من جبل سيناء!. ولكن المسيحيين يعلمون الآن أنه لا يوجد أسهل وأبسط من معرفة الله، وإنك يا سيدي قد كشفتَ لنا سرّ الآب عندما قلتَ لفيليبس في أحد الأيام بعد انتهائكم من تناول الطعام:"يا فيليبس، إن مَن رآني فقد رأى الآب" (يو45:12) نعم نزلتَ من السماء لتسكن بيننا.وربما يعتقد بعضنا أنه للكشف عن وجود الله كانت تلزم للمسيح طبولٌ ومكبّرات صوت لإعلان ذلك على رؤوس الملأ بكل أبّهة وجلال ومن المؤسف ، هذا ما يفكر به اليوم كبار دنيانا،  ورؤوساء زماننا . ولكن هل إن الحقيقة تصبح أكثر وضوحاً وثباتاً عندما تُكتَب بحروف خشنة؟، وهل أن المحبة، هي الأخرى، تصبح أكثر قوةً وعمقاً إذا ما نُفِخَتْ بالأبواق؟( متى2:6).وأُعلنت بالاعلام .
افرضْ أنّ أحد الآباء أراد أن يبدو أكثر عطفاً وحنوّاً نحو أبنائه، فهل يتوجب عليه أن يلبس طاقماً أنيقاً ويضع على أكتافه أوسمةً لامعة ويسير في موكب فخم من الفرسان؟، هل إن النور يحتاج إلى أكثر من ذاته حتى يضيء؟.إن أَسْلَم وأقصر طريق للوصول إلى الله هو قلب طفل نقي طاهر. فإذا أردتم الوصول إلى الله لا ترتفعوا إلى الأعلى، بل اهبطوا نحو الأسفل!. إن الله موجود في مستوى سطح الأرض، في نفس الطرق المألوفة والمشتركة بين جميع البشر، ومَن يحاول الصعود أكثر من اللزوم لرؤيته، كَمَن يحاول صقل صفات وتجريدها من محتواها إلى أبعد حدود حتى يصبح حديثه عن الله بدون معنى وضرباً من الخيال. إن باب الحظيرة البسيط الذي يفتقر إلى مزلاج، لا يستوجب عناءً كبيراً للدخول منه والجلوس بقربكَ، ولا يتطلّب مهارة نادرة للهروب من خلاله والابتعاد عنكَ. وبالنسبة للهاربين منكَ، كان بإمكان محاكم التفتيش وعلى رأسهم (توركويمادا) لكي تلاحقهم وتعيدهم إليكَ عنوةً، ولكنكَ يا سيدي فضّلتَ احترام حرية البشر في اختيار الهروب أو" البقاء معكَ " ( لو 14:10) ، لأن الذين بقوا معكَ ما كان عليهم إلاّ أن يدفعوا هذا البوَيْب بطرف إصبعهم ويعبروا العتبة بدون استئذان من الحرس أو المرور بغرفة للاستعلامات.
   محال أن يفتش عنكَ إنسان ولا يجدكَ، لأن كل مَن عزم على أن يفتش عنكَ يا سيدي، كان لابدّ أنكَ سبق وأنْ وجدتَه بدون علم منه، لأنكَ أنتَ الغاية، فلابدّ إذن أن تكون أيضاً"  الدرب والطريق" (يو 6:14). ولأنكَ أنتَ النهاية، فلابدّ أنكَ أيضاً الباب الذي يؤدي إلى الطريق. لقد مررتُ بأبوابٍ كثيرة في حياتي، كانت منها موصدةً ومنها مفتوحة على مصراعيها، ولكنها جميعها كانت بسيطة جداً. ولكن أكثرها بساطةً وغرابة " بابٌ ضيق جداً" ( متى 13:7) ، لا يسعْ إلاّ لدخول طفل رضيع كان قد وُلد في مغارة مهدَّمة قبل ألفي سنة، مخلِّصاً ومنقذاً للعالم، ومن ذلك الباب الضيق سحب إليه البشرية بأجمعها!، وما هذا الباب يا سيدي إلا أنت ، نعم أنت بابنا ، أنت المسيح الحي ، كلمة الله ، بل ابن الله، هذا إيماني، وهذه حقيقته. نعم وامين .

17
والخلائق تسبح بحمده " الحمام "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   لم يكن ذلك الذي نزلَ عليكَ إبان معموديتكَ يا سيدي، صورةً لحمامة أو شبهاً لها، بل كان"حمامة حقيقية بلحمها وعظمها" ( مرقس 10:1) . وبعد أن قامت بمهمتها عادت إلى عناصرها الأولية كبقية الطيور. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا اختار الثالوث الأقدس الحَمَام بالذات للقيام بهذه المهمة الجليلة والخطيرة؟. لنتصفّح الكتاب المقدس ونعدّد بعض الأدوار التي قام بها الحَمَام على مدى مراحل الوحي الإلهي: فهذا نوح يبعث من نافذة سفينته"  حمامةً "( تك 6:8-7) تعود بعد فترة بغصن أخضر في منقارها علامةً على انحسار مياه الطوفان. وهنالك الحمامتان الصغيرتان اللتـان قدّمتهما مريم العذراء عند ختان المسيح (لو25:2). ونشيـد الإنشاد الذي يتغنّى بترانيم الحَمَامات. ( نشيد الاناشيد 12:5) وعلى مدار العصور، أضاف المسيحيون صفاتٍ جميلة ومحبَّبة للحَمَام فقالوا: إنه يسبح في الماء ليتجنب البواشق والعقبان، وهذا دليل على امتلاكه فضيلة الفطنة. وإنه عديم المرارة والصفراء، وهذا درس بليغ وقاسي ضد المنافقين والحاقدين ووأصحاب المصالح والمحسوبيات. وقالوا أيضاً أن غناءه شديد الشبه بالتنهّد والمناحات وهذا ما يذكّرنا بحزن الخاطئ على آثامه وتوبته إلى الله.
   كل هذه الأوصاف والتشابيه وغيرها، ولكن بدلاً منها أنا أفضّل قولكَ المقتضب والبليغ يا سيدي:"كونوا بسطاء كالحَمَام". لا أحد يستطيع أن يعلّمنا البساطة مثل كلامكَ البسيط يا سيدي. ولكننا غالباً نميل إلى التعقيدات، وفضولنا الفكري يحاول النبش في الشروح اللاهوتية المطوَّلة والمفصَّلة والمبسَّطة، وهذا ربما دليل على أن الخطيئة الأصلية كانت الاقتراب من "شجرة المعرفة"( تك 17:2)،  أكثر مما ينبغي. أنا لا أريد البحث في الكتب والمجلدات، بل أفضّل السير جنباً إلى جنب مع المخلوقات البسيطة متوجّهاً معها نحوكَ يا سيدي، لأن في كل مخلوق يوجد هدف وغاية، وفي كل هدف توجد نهاية بسيطة. لكنّ المسالك المتشعبة التي تؤدي إلى الهدف تكون عادةً متشابكة مشوَّشة ومتداخلة، وأخشى أن أضيع بين متاهاتها. وأبسط حلّ يا سيدي هو البقاء حيثما تطلب مني أن أكون. فإذا كنتَ تريد مني البقاء، فلأبقى بكل بساطة مثلما يمكث الحَمَام في عشّه محتضناً صغاره. وإذا كان الأمر يتطلّب الذهاب والعودة، فلأفعل أيضاً ببساطة مثلما يفعل الحَمام الذي يقطع المسافات الشاسعة جداً ويدور عدة دورات حلزونية في الآفاق، ثم ينسلّ مثــل سهم بخط مستقيـم عائداً إلى عشّه، غير مكترث بالعوائق والحدود.
   إن ما يُفسد علينا أمورنا يا سيدي، هي ظنوننا وحساباتنا التفصيليـة في تحقيق مسيرة مصالحنا المزيفة وحقيقة وجودنا،في اختيار جميع أعمالنا ومقاصدنا على ضوء نتائجها، أو باختصار هو "عدم ثقتنا بالله" ( متى 20:17) . وغالباً نتصرف مثل السبّاحين المنهمكين بتحريك أيديهم وأرجلهم وينسون أنفسهم مما يؤدي إلى سقوطهم في قعر المياه، فيغرقون.لذا لندرك جيداً إن هفوتنا الكبرى هي أننا نفكر بالنجاح أكثر مما نفكر في الأعمال نفسها، وكثيراً ما ننسى الحكمة القائلة "الإنسان يقرّر والله يدبّر". إننا نركض وراء التصنّع والتفنّنات، ونخال أن الارتجال هو نوع من الهمجية، بينما هو قمّة البساطة والكمال، ومعتقدين أن الأشياء كلما ابتعدت عن سذاجتها الطبيعية كلما عظمت قيمتها. ولقد كنتَ في حياتكَ على الأرض يا سيدي تلبس"  قميصاً أقتسمه الجنود بينهم " (متى 35:27)  بسيطاً دون خياطة ولا أزرار وكان يناسبكَ جيداً ويليق بجسدكَ المقدس!.
هذا السعي البشري المحموم وراء الزخرفة والنزيق، وراء الأزياء والكماليات، وهذا الكرّ والفرّ في أنواع الفنون، أدّى إلى ابتعاد الإنسان عن بساطة المخلوقات كما خلقها الله، لا بل إلى ابتعاده عن الله نفسه!. بسبب أنانيته وكبريائه وغروره ، وإننا نعلم أنّ فن الرسم والنحت مثلاً تحولا تباعاً وبسرعة خارقة من الفن التقليدي إلى الفن البيزنطي ثم الباروكي فالسريالي ثـم التكعيبي والتشكيلي والواقعي، وأخيراً وليس آخراً إلى مدرسة الوحوش!!.
   نحن نعتبر الناس البسطاء في حياتهم وفي فنهم أناساً سذَّجاً متخلّفين لا بل أغبياء. ولقد قلتَ يا سيدي:"طوبى للمساكيـــــن بالروح!" (متى3:5). لا فقط هذا، فلقد أمعنّا في تحقيرنا حتى "طيبة القلب" و"سلامة الطويّة" و"صفاء السريرة"، وبتنا نعتقد أن الناس الأذكياء هم الذين يفكرون كثيراً، لا بل هم الذين يستخدمون أدمغتهم في النبش في أفكار الآخرين وأعمالهم وتقليبها على جميع وجوهها وجوانبها، واستخلاص منها ما ينسجم وما لا ينسجم مع أذواقهم وأطماعهم وأنانيتهم... وبات الذكاء مرادفاً للدهاء والاحتيال... الإنسان الذكي والفاسد هو الذي ينتقد كل شيء، ويدعوه الناس عبقرياً، بينما هو في الحقيقة مخادع وماكر، والدنيا مليئة بهم بل وما أكثرهم. فالأفكار التي لا تؤدّي إلى  البساطة والانسجام ما هي إلا أفكار جهيزة، لأن المحبة هي واسعة وبسيطة معاً، ولأن المحبة تمتصّ جميع إفرازات الأرض وشوائبها وأمراضها وتزيلها من الوجود. كما انّ الكون لا يستقرّ إلاّ على كلمتين فقط هما: "المحبة" و"البساطة"، ولا وجود بينهما موقع للتساؤلات والمباريات، لا داعٍ للنبش والتفكير الطويل للتثبّت من الحقيقة وتمحيص صحّتها، ولا حاجة للأضابير ولا للشهود، ولا حاجة لموازين المنطق والجدل للمقارنة بين الموضوع والنقيض.
   هذا هو معنى المحبة "إنها " البساطة- الوداعة- المتناهية" (متى 16:10) إنه الحمام ، إنها الحقيقة المكشوفة والمعروفة ، فالله أحبنا ببساطته وليس بكبريائه ، وفي الاتحاد معه عن طريق المخلوقات ، وبساطُته هي حقيقة روحه ، ". ولأن المحبة بسيطة جداً، فإنها اقترنت مع بساطة الحَمَام، مع الروح القدس الذي هو نفسه "محبة"، إنه حقيقة الله ، بل إنه الله .نعم انه الاقنوم الثالث من الثالوث المقدس ، به أؤمن وبه أحيا . نعم وامين .


18
والخلائق تسبح بحمده " الأحذية "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .

   في أعياد الميلاد، عندما كنّا صغاراً، كنّا نضع أحذيتنا في المدخنة ليأتي بابا نوئيل في الليل ويضع هداياه في داخلها. ولكن الحديث عن الأحذية في هذا المـــقال يبدو لي بعــــيداً عن الذوق الســــليم،
-وربما غير مقبول من البعض-  لأنني لا أريد أن أبحث في موضوع تأملاتي عن حوانيت الإسكافييـن، ولا أن أتكلم بالسوء عن راتقي الأحذية، فإني غالباً أنظر بعين الاحترام إلى مهنة الإسكافيين وصُنّاع الأحذية عند مروري بدكاكينهم. لكني أتساءل: ما الذي يدفعني إلى الحديث اليوم عن الأحذية؟، هل لأن حذائي يتبعني أينما ذهبتُ ورحلتُ؟، أم لكوني، من دون شعور مني، أحتقره، رغم احتوائه على سرّ غامض لم أكتشفه حتى الآن؟، ولكن ما هو سرّ الحذاء يا ترى؟ نعم إن الحذاء لا يَقُصُّ لنا حكايات غريبة، إنه شيء بسيط وليس فيه ما يثير الاهتمام ولا ما يحفّز قرائح العباقرة والشعراء.
   ولكني يا سيدي، كلما نظرتُ إلى حذائي، تذكّرتُ شيئاً قديماً كان غافياً في داخلي، وكأنني كنتُ غافلاً عنه منذ زمن بعيد. فهذه صورة يوحنا المعمدان تنتصب أمامي وهو يعلن أنه لا يستحق حَلّ سيور حذائكَ (مر8:1). وهذا موسى، هو الآخر، عندما ناداه صوت الله من وراء العوسج المحترق:"انزعْ نعلَيْكَ، لأن الأرض التي تطؤها قدماكَ هي مقدسة"( خروج 5:32). أما أنتَ يا سيدي ، فقد قلتَ لتلاميذكَ عندما أرسلتَهم ليعلنوا بشارتك، ألاّ يأخذوا معهم خبزاً ولا نقوداً بل أن ينتعلوا حذاءً (مرقس 9:6). ورسولك بطرس عندما ضربه الملاك على جنبه فأيقظه وقال له:"شدّ حزامكَ واربط نعليكَ ( حذاءك) " (أع 8:12). فإذا كانت الأحذية كذا مهمة عندكَ يا سيدي، فلماذا أخجل أنا الآن في جعلها مادةً لتأملي وصلاتي؟.
   هذه الأحذية التي ترافقني على مدى حياتي، في كل حلٍّ وترحال، والتي بُلِيَتْ وتهرّأتْ كما بُليتْ وتهرّأتْ سنوات عمري، من أجل نشر إسمك وعيشه وإعلان حقيقته وما ذلك إلا فرحي ، هذه الأحذية التي قطعتْ مسافات الأرض التي قطعتُها أنا إبان رحلاتي القليلة والمتواضعة ، هذه الأحذية التي وَهَبَتْني إياها عنايتُكَ الربانية، ألا يجد ربي أن أقدّمها حقيقة لمسيرة الشهادة والبشارة ، نعم لكَ يا سيدي،  لبشارتك، وأنا أتذكر الآلاف من إخوتي الذين يسيرون حفاةً على طرق هذه الأرض، مهجرين ونازحين ، مضطهدين ومطرودين ، يسيرون في الأدغال وفي الصخور، في الرمال وفي المروج، في الوديان وفي الجبال وفي الصحارى؟. ألا يجدر بي أن أتذكر جميع الحجّاج التائبين الذين نذروا أقدامهم العارية لقطع مسافات شاسعة لنيل الغفران منكَ ، وشفاءً من وباء كورونا ؟.
   إن ما يؤسَف له حقاً أننا غالباً نهمل الأشياء الصغيرة والحقيرة التي وضعتَها يا سيدي في زوايا دروبنا وفي جميع منعطفات حياتنا، معتبرين إياها تافهة، باطلة، ودون المستوى الذي يجب أن تكون عليه أفكارنا الروحية العالية. ألا كم نحن نحتاج يا سيدي أن نتعلم دروساً من الأشياء الوضيعة التي وضعتَها في سبيلنا لنستخدمها من أجل الارتقاء نحوك. آه، ليتني كنتُ أكثر تواضعاً وأكثر صدقاً مع ذاتي، وأقلّ إدّعاءً وتصنّعاً، لما تجمَّدتُ في تكرار صلوات مقبولة في شكلياتٍ متحجّرة وكأني أتلو أمثولةً تعلّمتُها منذ صغري في المدرسة، أو أسرد قصيدة كنتُ قد حفظتُها منذ حداثتي، أو ألقي مقالةً فلسفية بطريقة احتفالية كما يلقيها خرّيجو الجامعات!، لأن دروسكَ يا سيدي نابعةٌ من صميم الحياة ومن واقعها، وليس بيانات عبر المايكروفون القوها كبار دنيانا وأسياد ديرتنا، وصراخات واعلانات لننال حقوقنا وإعلان حقيقتنا ، وانتهى مفعولها، ولكن تعليمك يا سيدي من صميم دعوتنا وعبر أشياء نعيشها اليوم والتي عشتَها أنتَ نفسكَ عندما كنتَ على الأرض إنساناً مثلنا. والتاريخ يقول لنا انّ خصاماً حاداً قام ، في الازمنة الاخيرة، بين جماعة من الرهبان المعروفين بتقواهم وزهدهم بصدد الأحذية. فانقسموا إلى فرقٍ ثلاث:
   الفريق الأول: فريق الحفاة. الفريق الثاني: فريق لابسي جوارب بدون حذاء. الفريق الثالث: لا يلبس الجوارب بل فقط الحذاء. أما أنا فإني أحتفظ بالذكرى المباركة بجميع لابسي الأحذية التي ورد ذكرها في الإنجيل، معتبراً إياهايمينا مقدسا في مسيرتنا الايمانية ، أسوةً بتقويات مباركة،  فقد باركها مرقس الرسول بارسالك اياه واخوته ( مر9:6) ، لذا عليّ وعلى إخوتي أن يربطوا أحذيتهم ليكونوا مستعدين للتبشير ثانية، وفي زمن طَردَ الانسانُ اللهَ من قلبه، فضاعت الرسالة والبشارة. نعم يا سيدي ، سأنتعل حذائي دائماً لأكون مستعدا، عملاً بكلمتك. نعم وامين 


19
والخلائق تسبح بحمده " اللســـان "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .

   نعم يا سيدي ، لقد أعطيتَنا أشياء كثيرة ثمينة وجميلة ونافعة  ،  ومنها اللسان. هذا العضو الصغير داخل الفم، والذي بدونه لا يستطيع الإنسان أن يتكلّم، أو يغني أوينشد أو.. إنه أداة الكلام. والكلام أداة التخاطب والتفاهم بين الناس. وبالتفاهم يمتـزج البشر ويتطورون. وبالامتزاج تنمو الحضارة وتتقدم، إنه رسالة اللقاء في مسيرة الحياة. ولقد عرّفوا الإنسان أنه "حيوان اجتماعي".  واللسان كـذلك هو العضو الاجتماعي في جسم الإنسان، ولولاه لما تقدم البشر اجتماعياً وحضارياً. إن التقدم الاجتماعي بدأ من اللسان أي من الكلام وليس من الكتابة. والحضارات ولاسيما القديمة منها نمت بطريقة شفوية بواسطة التقاليد والأحاديث المتداوَلَة والأقاصيص، لأن الأفكار تنتقل بين البشر بطريقة شفوية قبل أن تنتقل بطريقة الكتابة والتدوين... وحتى الكتب المقدسة المنزَّلة لم تُدَوَّن على الورق إلا بعد فترة طويلة من انتقال تلك المعلومات والمعتقدات والتقاليد انتقالاً شفوياً من الأجداد إلى الآباء ثم إلى الأحفاد.
   ولتبيان أهمية اللسان، لنقرأ ما جاء في الإصحاح الثاني من أعمال الرسل: "ولما جاء اليوم الخمسون، كانوا مجتمعين كلهم في مكان واحد، فخرج من السماء فجأة دوي كريح عاصفة، فملأ البيت الذي كانوا فيه، وظهرت لهم ألسنة كلها من نار، فانقسمت ووقفت على كل واحد منهم لسان، فامتلئوا كلهم من الروح القدس،  وأخذوا يتكلمون بلغات غير لغتهم،  على قدر ما منحهم الروح القدس أن ينطقوا" (أع2: 3) .
   إن قطعة اللحم الصغيرة هذه داخل الفم هي سلاح ذو حدَّيْن، يمكن بواسطته إشعال حرب طاحنة بين أمّتين أو بسط أجنحة السلام والمحبة والأخوّة بين الناس، لأن الكلمات التي يتلفّظ بها الإنسان ممكن أن تكون أكاذيب ضد الحقيقة لزرع الشكوك والأحقاد بين الناس، ولتدمير التوازن الأخلاقي بين الشعوب بتحريك فتنة أوبلبلة فيها.ومار يعقوب يقول " واللسان عضو صغير ومن شأنه أن يفاخر بالاشياء العظيمة كما أنه نار أيضاً وعالم الاثم،  واللسان، لا يستطيع احد من الناس ان يقهره انه بلية لا قرار لها ملؤه سم زعاف به نبارك ربنا وبه نلعن الناس المخلوقين على صورة الله "( رسالة يعقوب 3-8:5). ويقول ايضا " من ظنَّ أنه ديّن ولم يحفظ لسانه بل خدع نفسه كان تدينّا باطلا" ( رسالة يعقوب 26:1) .
   أنا لا أتذكر متى وكيف تعلّمتُ الكلام. والذين علّموني الكلام لم يفكّروا طويلاً بجسامة مسؤوليتهم من حيث أنهم أعطوني سلاحاً لا يقلّ خطراً عن السكاكين والمسدسات . وأنا لا أستطيـع أن أزيد سنتيمتراً واحداً على قامتي، ولا أن أغيّر الظروف التي ولدتُ فيها والتي أعيش حالياً ضمنها. وليس بوسعي أن أحوّر شكل الأرض ولا أن أؤثّر على سير فصول السنة، ولكن بإمكاني أن أتكلّم كما أريد ومتى أريد.
  غالباً ما نسمع في المجتمعات الدولية وبعض السياسيين يتحدثون عن "كلمة الشرف". ونحن نعلم أن "كلمة الشرف" عندهم تعني أموراً أخرى لا تليق بقدسية الكلام الذي وهبه الله للإنسان. إنها مهزلة السياسة العالمية. وكثيرٌ من السياسيين العظام عرّفوا السياسة بأنها "أكذوبة متبادلة" بين السياسيين. والسياسي الأكبر هو الذي يكذب الأكثر.
لقد دنّس البشر أفضل ما حباهم الله من نِعَم ألا وهو "الكلام"، فباتت فئة تعتقد أن الكلام ما هو إلاّ تتابع الألفاظ والأصوات لأجل إخفاء أفكارنا وراءها. وفريق آخر يدّعي أن الكلام زائل وزائف لأن الكتابة فقط هي الباقية. ولكنك يا سيدي، أنتَ لم تكتب شيئاً في حياتكَ على الأرض،إلا ما كتبته لخلاص الزانية الخاطئة من شكوى كبار الزمن (يو1:8)  ،  ومع ذلك فإن تعاليمكَ باقية منذ ألفي سنة ونيفٍ، وستبقى إلى أبد الدهور. ولقد كان تلاميذكَ مراراً يردّدون:"إلى مَن عسانا أن نذهب وأنتَ تملك كلام الحياة الأبدية" ( يو68:6) !؟". وفي نهاية العالم، سوف تدين البشر لا فقط على أعمالهم بل أيضاً ولاسيما على أقوالهم، "لأن كل كلمة بطّالة تخرج من فم الإنسان سوف يحاسَب عليها حساباً عسيراً". ( متى 36:12).يا سيدي، ولكنكَ أعطيتَنا بدون تحفظ وبكــل ثقة هذا السلاح، رغم أنكَ كنتَ تعلم مسبقاً إننا يمكن أن نستخدمه من أجل الشرّ والفتك بالآخرين. وكـنتَ تعلم أيضاً أن بعض الناس مَنْ سوف يوجّه لسانه ضـدّكَ، إمّا بالشتيمة أو الكفر أو القَسَم الباطل أو الإلحادأو شهادة زور. وقد خبرتَ ذلك بنفسكَ عندما كنتَ بيننا على الأرض، لما انقلبت هتافات اليهود "أوشعنا لابن داود" (يو13:12) بين ليلة وضحاها إلى زعيق بوجه بيلاطس "أصلبه، أصلبه. دمه علينا وعلى أولادنا" (متى25:27). وعندما فاجأ صياح الديك بطرس وهو يُقسم للخادمة:"أنا لا أعرفه ولستُ من أتباعه" (متى71:26).وما اكثر هذه الالسن في هذا الزمن القاسي وان كانت لا تبان للعيون انما للقلوب .
   كنتَ ترى مسبقاً بنظرتكَ الإلهية،  يا سيدي ،  جميع شتائم البشر وكفرهم وأكاذيبهم الخبيثة ومشاحناتهم الكلامية وحتى ثرثرتهم السخيفة، ومع ذلك أبيتَ أن يكون الإنسان بدون لسان. لا بل أنتَ نفسكَ أعدْتَ النطق للكثير من البكم والخرس وجلستَ معهم تتحدث وتتباحث، وقلت: إنه إذا اجتمع إثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم (متى20:18). وبشارتكَ يا سيدي، ما هي إلاّ كلامٌ انتشر كالريح في جميع أرجاء الدنيا. ويوحنا المعمدان الذي بشّر بمجيئكَ لم يكن إلاّ صوتاً صارخاً في البريّة (مر3:1) .
هبني يا سيدي أن يكون كلامي دوماً لائقاً بلساني، لأنكَ أنتَ الذي أعطيتَني اللسان، ولأن الكذب ما هو إلاّ إهانة للحقيقة لأنه يدنّس اللسان. لأن الإنسان الكاذب يحتقر نفسه قبل أن يحتقر الحقيقة، وما أكثرهم حباً بسبب مصالح الزمن، و يعلمون أنهم في مسيرة الكذب والزور ، كما يدركون جيدا أنّ الحقيقة لا تستطيع أن تشوّهها الأكاذيب. وستبقى صامدة باقية كما هي تماماً قبل الكذب وبعده، ولا تتبدّل أبداً!.
فيا يـا سيدي إن الوحي هو كلامكَ ، هو أنتَ ، ونحن في لغتنا عندما تقول أنكَ "كلمة الله الآب" (يو1:1)، تعبّر عن طبيعتكَ الإلهية الأزلية، وعن حقيقتكَ التي لا تتبدّل أبداً. فأجعل يا سيدي أن يكون كلامي خالياً من الغشّ ، والكذب ، والنفاق ، ومن جميع أنواع البراقع والأقنعة والتمليق. نعم أن يكون كلامي صافياً شفافاً مثل بياض الثلج، وألاّ يخفي بين طياته الحقد والخباثة والغدر، بل أن يكون كتربة خصبة لنمو الحقيقة والخير في العالم،كي لا يكون تدينا باطلاً فأكون شاهداً لحقيقتك المُحِبة في مسيرتك من أجل الانسان ، نعم من أجل الحقيقة ، وشاهداً لها. نعم وامين .

20
الى الانسة المحترمة ان سامي مطلوب
شكر على المقال الرائع الايماني الذي نحن بحاجة اليه اليوم
كي نرفع انظارنا نحو السماء ونرى حقيقة ايماننا بالمسيح الحي
وننقل بركة السماء عبر مسيرة حياتنا لنا ولاولادنا وبناتنا ونكون علامة خلاص
ونحيا الايمان كما يشاء الرب وليس كما نشاء فالانسان اليوم اصبح مطيعا لحقيقة الدنيا ونسى ان يحيى حقيقة السماء
الف شكر وباركك رب السماء ووهبك نعم الروح الذي ننتظره  ليحلّ علينا جميعا
والف شكر للمسيرة الايمانية التي تزرعيها في مسيرة الرعية
مع احترامي ومحبتي
خوري رعية مار يوسف
بيوس قاشا

21
شكرا جزيلا للكلمات التي كتبت في هذا الرد
وبارك رب السماء حقيقة المسيرة التي نحياها من اجله والرب قالها جهارا من له اذنان سامعتان فليسمع ما نحتاجه اليوم ان نكون امناء لكلمة الانجيل في ان نحياها ومن هنا تاتي القداسة فالقداسة لا تشترى ولا تباع انما تعاش وتمجيدي على الارض سينتهي مع موتي وانما الحياة الابدية وعدنا بها الرب يسوع اذ قال من امن بي وان مات فسيحيا  فحياتنا هي شهادة للمسيح وكم عظيم ان يكون لنا اناس يحملون حقيقة الايمان من اجل بشارة المسيح الحي .
بركة السماء هي عظمة التواضع والتواضع رسالة السماء والسماء حقيقة الحياةربنا يبارك بك وبرسالتك عبر اخوات اصدقاء القربان فلنحيا حقيقة محبة المسيح في حقيقة الاعتذار والتواضع . والف شكرايتها الفاضلة وواصلي مسيرة الايمان في عيش حقيقته وليس غلافه . ودمت
مع محبتي واحترامي
ابونا بيوس قاشا

22
الإعتذارُ.. عن الإساءة

المونسنيور د. بيوس قاشا
   في البدء
من المؤكَّد وهو ليس بسرٍّ إذا قلنا أن البشرية ببكرة أبيها، ببلدانها المتقدمة والفقيرة، تعيش لحظات محنة، والجميع يشعر بالحاجة الملحّة والماسّة إلى التضامن والاعتماد بعضهم على بعض انطلاقاً من محدودية المواجهة وهشاشة الوجود البشري أمام الفيروس كورونا هذا الذي ولّد آلاماً كبيرة، وزعزع كافة مسارات ومسافات الخليقة في وقت قياسي، وبإمكاننا أن نعتبر ذلك جرس إنذار للخليقة برمّتها. والبشرية تسعى جاهدة إلى احتواء المرض والحدّ من انتشاره ما يجعلنا أن ندرك إلى أي حد مدى ضعف حقيقتنا الجسدية،  ومسيرتنا الثقافية،  وامورنا السياسية،  ولقاءاتنا الاجتماعية،  فهل نحن في حرب عالمية ثالثة!.
الله وتواضعه
   كما أن الإيمان الحقيقي في المسيحية، والمسؤولية الأمينة في مسيرة الحياة، تمنحان الإنسان قوة داخلية لازمة ليشهدَ الإنسانُ لحقيقة كلماته وفي معنى فحواها وليس في أجواء صداها وقولها بسلاسة الكلمة والنحو. ولا يمكن ان يكونَ اعتذارُنا عبر أبواق الإعلام ودعايات المقالات وإعلانات المصالح كي لا تكون أكذوبةً للزمان وفشلاً للحقيقة  بل عبر الخليقة الجديدة كي يتجلّى الله، وما يقوم به يجري في الله. فاتحاد الله مع هذا الكائن لا يموت بموته بل يواصل وجودَه في الآخرين لأنه الحقيقة بالذات، ويجسد اللهَ وتواضعهَ في مسيرة حياته البشرية، عبر كلمات الاعتذار،  ما أجملها وما أعمق معناها وحقيقتها، إنها تقود الإنسان إلى تواضع حقيقي لأنها نابعة من حقيقة المسيح وبالتالي من الحقيقة الإيمانية التي ورثناها من جرن عماذنا ، والتي عبرها ينحني كبير القوم أمام صغير الدار احتراماً ومحبةً وليس احتقاراً وكرهاً، والسبب يعود إلى تعليم الله لنا في تواضع المسيح يسوع في التجسد والخدمة فقد قال بولس الرسول والرسول يوحنا  "أخلى نفسه آخذاً صورة عبد... وضع نفسه وأطاع حتى الموت... لكي تجثو كل ركبة باسم يسوع" (فيلبي5:2-10). "خلع ثيابه... وصبّ ماءً... وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ" فعمل المسيح هذا ما هو إلا عمل الخادم والعبد (يو1:13-6)، وهنا تظهر لنا صفتان ملازمتان "نزوله إلى الإنسان الخاطئ" و"بذل نفسه عن أحبائه"، وبذلك أغنى بكامل إرادته حقيقةَ بشريتنا، إذ أصبح الاله خادماً حيث ترك سماءه ليُظهر سرّ تواضعه وخدمته بكامل محبته... إنه سرُ السماء وسرُ الحقيقة.
المسيحية وحقيقتها
   لذا فحقيقة الاعتذار لايجوز أبداً أن  تكون عبر شفاهنا فقط، أو عبر عبارات هوائية نقولها غير مبالين،كي نبعد عنا حقيقة خطئنا لنُظهِر براءَتنا بسبب غضبنا كي لا نُشوّه سمعتَنا والحق يقال أنه لا سبيل إلى الشعور بمسؤوليتنا إلا عندما نُدرك جيداً ونفهم ونحيا ما قاله الرب يسوع "أترك قربانكَ على المذبح واذهب وصالحْ أخاكَ ثم عد وقرّب قربانك" (متى24:5)،إنها حقيقة الاعتذار بملء معناها، فالإنجيل ليس كلمات إنشاءٍ نصوغها ثم نعلنهالأحاديثنا البشرية وغاياتنا الكبريائية المصلحية بل حقيقةٌ إيمانية نحياها بكل تواضع لعيش حقيقة المسؤولية التي نفتخر بمنصبها، فليس في المسيحية شيء مستحيل إذا أردنا أن نكتشف المسيح النائم في سواد قلوبنا، وليس في " سفينة التلاميذ " ( متى 25:8)، ليقوم ويقيمنا معه في حقيقة وجودنا .
إنساننا ومسؤولياته 
   من المؤسف أن الزمان يُعولم إيماننا ويجعلنا نقرأ ما نحتاج من الإنجيل لمسيرة وجودنا وليس لحقيقة إنساننا ومسؤولياتنا، فإننا نتباهى أحياناً بأننا في العلم درجةً، وفي البيان درجاتٍ،وفي الجمال درجةً وفي الجاه درجاتٍ وفي المكانة عالية ولا سواها  وننسى أن الحقيقةَ أعمق من ذلك، وأمثلة كبار القديسين عديدة تصف لنا أن طريق الملكوت ليس كلاماً ولا عنوانا بل أن المسيح هو الطريق والحق والحياة. والحقيقة والتي يجب ان تقال علانية هي أن يترك الإنسان قرابينه على المذبح والتي تشهد لعلاقته مع إله السماء  ثم يذهب يفتش ومن حوله ليضمّدَ جراح مَن سبّب في جراحه كي يكون عاملاً أميناً لهذه الحقيقة لينال بعد ذلك كلمة الثقة في المصالحة التي تقول "كل ما فعلتموه بأحد هؤلاء الصغار فبي فعلتموه" (متى40:25).
الله وسره
   في الإعتذار الحقيقي تنفتح عيون الإنسان ليدرك ما ارتكبه تجاه جاره من جرح عميق وإساءة شوَّهت سمعتَه، فلو كان مَن اعتذر يدرك جيداً أن إساءته للآخر ما هي إلا إساءة للسيد الرب بذاته، لمّا قام بهذه الفعلة المشككة فما عليه الا ان يتذكر قولَ الرب على لسان بولس الرسول الذي يقول "إن كنت أتكلم بالسنة الناس والملائكة ولكن ليس لي محبة." (1كور13). فالجمال وهندسة الحياة واللغة وبيانها والأقوال والكلمات والمناصب والسيادات مهما صرخت ليلاً ونهاراً أمام أعين الرب وبذراعين منفتحين لا نفع فيها اذا خلت من محبة الذهاب ليصلح ما افسده ويداوي ما جَرَحه ،  فكل ذلك  لن يُجدي نفعاً، إلا عندما تنتهي من داخل عقولنا وأفكارنا حبنا للذات وللأنانية ولعقليةِ الطائفية ولثقافة المحاصصة ولكبرياء المسؤولية فما ذلك إلا وباء ينخر جسم الكنيسة ومسيرة إيماننا وحقيقة مسيحيتنا ولكي يسمو الى هذا المقام يجب ان نقلع شوكة الالم من داخلنا والتي سببها هذا الحدث ، لذلك لا يجوز أن نرتدي أقنعة لمسيرتنا نختبئ من خلفها ونخبئ ما في داخلنا من أفكار وشهوات وغايات فالرب يقول  "من الفكر (القلب) تخرج أفكار شريرة" (متى19:15). فالتنازل عن الكبرياء إلى حيث الخدمة يهذب حقيقة وجودنا ويشهد لحقيقة اعتذارنا وصلحنا ويقلل من سلبياتنا وأنانياتنا لنزداد قداسة في درجات حقيقتنا الإيمانية. فسرالاعتذار، لا يمكن إدراكه لأنه سر الله وينبثق من حقيقة الله، إنه سر عظيم حيث يتخذ لنفسه تجسيدَ محبة متواضعة - ولكنه اليوم ومن المؤسف- ما هو إلا مرض الزمان، فحقيقة تواضعنا هي حقيقة إيماننا، لأن الإيمان يمنح الإنسان القوة الداخلية اللازمة ليشهد لحقيقة المسيح الذي قال "لا تكن محبتكم بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق" (1يو18:3).
   حقيقة رحمته 
   نعم إن الحقيقة المسيحية تجعلنا ان نفتح عيوننا لندرك أخطاءنا قبل أن نقدم إعتذارنا للذين جرحناهم، فكل إساءة للآخر هي إساءة للرب السيد بذاته حتى لو نرفع دعاءنا إلى رب السماء، فنحن بحاجة ماسّة إلى بعضنا البعض من أجل البقاء على قيد الحياة، فالإعتذار ليس مجاملات.فمن المؤسف ان الذي يقدم اعتذاره أحياناً لا يؤمن أنه في الخطأ بل يعتبر نفسه هو الحقيقة مهما كان إذ يظن أنه مسؤول الزمان وكبير القوم ووحيد الايام  فلا يمكن أن يخطأ، والفيروس، حقيقة اليوم جعلنا كلَّنا خطأة إذا ما أسأنا طريقة وقايتنا.فهو يدعونا جميعا كباراً وصغاراً ، عبيداً وأسياداً، شعباً ورؤوساءً،  الى فعل التوبة الحقيقي كشعب نينوى فنرى حقيقة رحمة الرب. وإذ كنا ننكر مسؤوليتنا في ارتكاب الخطيئة يكفي أن نتأمل ذلك المعلَّق على الصليب والقائل "هذا هو دمي لمغفرة الخطايا" (متى28:26)، إنه "الحَمَل الحامل خطيئة العالم" (يو29:1)، تصرّف وكأنه مسؤول عن خطايانا إذ أنه هو الذي "لم يعرف الخطيئة، جعله الله خطيئة من أجلنا لكي نصير نحن به برّ الله" (2كو21:5).
   الختام 
    في الختام ، المسألة في صعوبة الإقرار بأننا خطأة. نقرّ حقاً أن في حياتنا انحرافات أدبية لكننا لا نقرّ بأننا مسؤولون تماماً عما نقترف بل نَنسب ما نُقدِم عليه إلى ضعف الإرادة أو المزاج أو عنف التجربة، أو إذا اعترفنا بأننا قد أخطأنا لا نرى كيف أن الله قد مُسَّ في كرامته ومجده وحقوقه ومحبته. فلكي نعترف بمسؤولية المَسّ بكرامة الآخر البريء، ينبغي علينا أن نعيد النظر في مفهومنا لله، فالله ليس غريباً، الله أب وصديق، وله معنا ما للأب مع ولده وما للصديق مع صديقه "لا أسمّيكم بعد عبيداً بل أحباء" (يو15:15). فَمَن أدرك سرَ المسيحية فهو يدرك سر الله وسر الإنسان. أجل ما أسعد الإنسان يوم يعود إلى ربه، وليعلم ان التوبة والاعتذار ليستا عودة إلى التقيّد بشريعة بقدر ما هما تقيّد بمتطلبات المحبة ومنها الاعتراف بالخطأ والاعتذار عن الخطأ.والبابا فرنسيس يقول جازماً " بأن ما يحدث حول العالم يهزّنا في عمق أعماقنا ولهذا فقد حان الوقت لإصلاح الظلم الذي يهدد جذور سلامة البشرية بأسرها" .من أجل أن تحيا حقيقة الايمان في هذا الزمان القاسي والمخيف ، نعم إنه يدعونا الى التوبة والاعتراف في سر المصالحة فنترك قرباننا على مذبح الرب ونذهب ونعتذر ونصالح من اسأنا إليه ثم نعود ونرفع الصلاة ، نعم تلك حقيقة الاعتذار . نعم إني أدرك تماماً أن زمن الفايروس كورونا هو زمن الأعتذار عن الاساءة فهو يقول لنا جئتكم علامة فلا تهملوا حقيقة وجودي فاقرأوا رسالتي اليكم ، وعودوا الى ابيكم السماوي  فهو ينتظركم ، إنه رحوم .نعم إنه رحوم فهو يغفر لكم لانه يحبكم . نعم وامين .

23
والخلائق تسبح بحمده " القصبة "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .

مررتُ هذا المساء بمستنقع حيث مئات القصبات المنتصبة تتمايل، فتذكرت معمدك يوحنا فهو القصبة ، فتمتزج همسات حفيفها بنقيق الضفادع، بينما سطح الماء فوق المستنقع يتجعّد بمرور النسيم. وبدا لي كأنّ تلك القصبات تشعر بالسعادة وهي تحتلّ مواقعها. إن هذه النباتات المائية تقوم بدورها على أحسن ما يرام، ببراءة وصفاء طوية، وبدون تمرّد ضد قدرها المحتوم.هل صدفة توقفتُ على حافة هذا المستنقع لأتأمّل قصبات مترنّحة؟، أم لأنني أنا أيضاً قصبة ولكن "قصبة مفكرة" كما قال باسكال؟.إنني لا أبحث عن ذاتي في هذه القصبات، ولكنني أريد أن أضيع في داخلها، لأنني أعلم جيداً أنّ في أعماق هذا التأمل الصامت سوف أجد الحب الأزلي الذي كان مصدر وجودي ووجودها ووجود جميع الكائنات، " وخلقني على صورته" ( تك 1) و"حسنة " وبغتةً، ودون أي جهدٍ، اكتشفتُ نفسي في موقعها الحقيقي بين هذه القصبات، لا بل في هذا الكون برمّته؟.
فغالباً، يا إلهي، مخلوقاتكَ الحقيرة هي التي تقودنا إلى الحقائق الأزلية من دون الاستعانة بالكتب أو استخدام الكلمات. إنّ ما نحتاجه يا إلهي، هو بكل بساطة، أن نحبَّ خليقتكَ. ونحن نصنع العكس، نريد أن نستعملها لأغراضنا المحددة ، وأن تكون عبيدة لاهوائنا وأنانياتنا وكبريائنا. فمنذ أجيال ونحن نقطع القصب لنحرقه ونتدفّأ به إبان الشتاء، أو لنصنع منه أقلاماً للكتابة، أو سهاماً من أجل أن نتحارب. ولكن المحبة تأخذ اتجاهاً مغايراً: فهي تتأمل الأشيـاء ثم تتوقف عندها، لتقيم جسراً يربط ما بين جميع المخلوقات، معتبرةً كلاًّ منها هو خيرٌ بحدّ ذاته.
علّمني يا إلهي أن أحترم جميع المخلوقات مهما صغر شأنها، وأن أحبكَ من خلالها، وأن أحوّل كل غريزة للفتك بها وتدميرها إلى عاطفة حب لها، وأن أكون راضياً عنها لأنها من صنع يديكَ، فقد رأيتَ كل شي حسن " (تك1   ) وبعد كل هذا. نعم أنهم وضعوا قصبةً في يدكَ بدلاً من صولجان (متى29:27)، في تلك ليلة النزاع، ليلة الحب الالهي ،أتذكّر أيضاً الأشواك المغروسة في رأسكَ (متى29:27) بأمر من الانسان المخلوق ،  تحت ضربات قصبةٍ طيّعة، إنها أعمال الخليقة بانانيتها المعهودة ، وحقدها المصلحي، وكبريائها الوجودي.
يا رب!، هل بإمكان قصبات ضعيفة أن تمجّــــدكَ بمثل تلك الموسيقى الغريبة التي كانت تعزفها سيقانهــا المحتكّة بغير عنف مع بعضها!؟.آه يا سيدي!يا ربي ،  لقد شاركتْ هذه القصبة كما شارك الشوك واكليله ، أيضاً بعملية الفداء!عملية الحب السماوي !  وفظيعٌ ألاّ تكون للقصبة مكانةٌ خاصة في قلوب المسيحيين!وبدلا عنها غيّر البشر القصبة بصولجان من ذهب بسبب كبريائهم ، فكانت كعِجل أسرائيل يعبده الشعب المخلوق . فسامحني يارب وأجعلني قصبة تنشد لك لحن الحب الازلي ، ياإلهي ، نعم وآمين.



24
والخلائق تسبح بحمده ( الحمـــار)
المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. وأمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   البشر غالباً يُخطئون في أحكامهم. فإنهم يهابون القسوة ويحترمونها، ولكنهم يحتقرون البساطة ويهزؤون بها. إنهم يمجّدون ما هو ضارّ لهم، ويستخفّون بكل ما له فضلٌ ونفعٌ لهم. فانظروا إلى هذا الأسد الهصور، ذي المخالب الحادة، وهو يتربّص بفريسته للانقضاض عليها، وقد كشّر عن أنيابه. إن البشر يهابون هذا الوحش ويرفضونه جاراً لهم، وبالجهد استطاعوا أن يضعوه في أقفاص حديدية وهو مكبَّل بالأغلال، ولكنهم مع ذلك توّجوه ملكاً، ورفعوا صورته على شعارات الدول العظمى والقوية. وهذا القول نفسه ينطبق على النمور. أما النسور فحدّثْ عنها ولا حرج . في الواقع، النسور هي حيوانات سطوٍ شرسة، والنعاج الصغيرة لها حكايات قديمة مرعبة معها. يملك النسر منقاراً أعقفاً، وصوتاً ذا بحّة غريبة مخيفة. إنه أرستقراطي!. فمنذ نسور الرومان، ونسور الإمبراطورية المقدسة، ومنذ النسور النابليونية وحتى يومنا هذا، يتّخذ العالم من النسر شعارات برّاقة وأمجاداً.
   أما الحيوانات الأليفة، فلا أحد يعيرها بالاً، وغالباً نحتقرها رغم ما تقدمه لنا من نفع وخدمات. فهذه الدجاجات والبقرات والنعاج المسكينة التي تقدّم لنا اللحم والبيض والحليب، وهي خاضعة لأوامرنا كأنها تحت نير العبودية، لا نتردّد عن تسميتها أحياناً حيوانات عاميّة دنيئة.أما عن العجول والكلاب والأوز والديوك الرومية والخنازير، فإن أسماءها انقلبتْ إلى شتائم ومسبّات. والحمار خاصة، هذا الحمار الذي لم يفترس أحداً طيلة حياته أبداً، هذا الحمار الذي يبسط لنا ظهره لنركب عليه أو لننقل أحمالنا الثقيلة فوقه، والذي يكتفي بالنهيق عند شعوره بالجوع أو بالتعب. هذا الحمار الذي أصبح عنواناً للمذلّة والإهانة والاستهزاء، ابتداءً من آذانه الطويلة حتى رفسات أقدامه المتعثرة، حتى أصبحت كل غباوة، كل بلادة، وكل حماقة، صفةً من صفات الحمير، ومع الاسف هذا ديدن الانسان الذي شوّه حقيقة الحياة والحيوان .
   ولكنك يا سيدي، يا إله السماء، عند دخولكَ أورشليم منتصراً، ألم تقرر متعمّداً ركوب جحش ابن أتان؟ (متى 8:21)، كأنكَ أردتَ بذلك أن تعلّمنا كيف نميّز بين الخدمة والعبودية، بين الحقيقة والكذب المزيّف ، وأن العظمة الحقيقية ليست في القوة والإرهاب، بل في البساطة والتواضع . ومنذ ولادتكَ يا سيدي، كان هنالك حمارٌ في إسطبل حقير ينفخ في وجهكَ الصغير الجميل ليدفّئكَ!، ثم بعد ذلك ركبتَ حماراً برفقة يوسف ومريم إلى مصر هرباً من سفكة الدماء!.
نحن نعتقد بسهولة أن الفلاسفة والمفكرين والواعظين وذوي الأقلام والاختصاصات والشهادات العالية والمناصب الرفيعة، هم أكثر نبلاً من الفلاّح الذي يزرع القمح ليقدّمه غذاءً للجائعين، وأن مدافع الغزاة هي أكثر عظمةً وشرفاً من قدور الطبّاخين الذين يُعدّون الطعام للمرضى الراقدين في مستشفى!!. هذا الحمار البسيط الذي جلبه لكَ تلاميذكَ ووضعوا ثيابهم عليه (متى8:21)، يعلّمني أكثر مما تعلّمتُه من الفلاسفة والمرشدين وأساتذة الجامعات، لأن تعاليم الأرض توزّعها الكتب والجامعات، أما تعاليمكَ أنتَ يا سيدي، فمنبعها الحياة ، وما الحياة إلا أنجيل المسيرة .
      إن القديسين الذين أعلَنَتْهم الكنيسة وتعلنهم بصورة رسمية أنهم قديسون، ليسوا هم وحدهم القديسون الحقيقيون، فكم وكم من المسيحيين السذَّج والمَنسيّين والمهمَلين والذين يعتبرهم الناس غير مهمّين وغير نافعين، هم في الحقيقة قديسون، لأنهم يقومون بدورهم بمحبة وإيمان وصمت وبساطة دون حبّ الظهور، مثل ذلك الحمار الصغير الذي قال عنه صاحبه للتلاميذ:"خذوه، فإني لستُ بحاجة إليه" (متى4:21) .
   إن هذا الجحش المسكين لم يترك لنا حتى عظماً صغيراً من أجل تذكّره والتبرّك به. ولكن ألا يمكنني أنا أن أتبرّك الآن بذلك الحمار، بغبائه وغشاوة عقله وعدم نفعه؟، لأنكَ يا إلهي، أنتَ أيضاً طلبتَ مني أن آتي إليكَ رغم غبائي وغشاوة قلبي وعدم نفعي!، ورغم كـل صفاتي هذه التي تشبه صفات الحمار، فقد قررتُ أن أخدمكَ يا إلهي حتى مماتي، مقتدياً بذلك الحمار الذي عاش طيلة حياته ببساطة دون أن يشارك الخيول الملكية المطهمة باستعراضاتها، ولم يشتبك بفرسان الأمراء عند خوض الحروب، ولم يشترك بسباقات البطولة حيث تتقادح سنابك الخيول الأصيلة بشرر الفوز، بل اكتفي بالسير متكردحاً وأنا أوزّع خدماتي على البشر، على غرار الحمار الذي قيل عن جدّته القديمة أتان بلعام (العدد27:22) أنها أكثر دهاءً وذكاءً من أناس كثيرين.
الحمار الذي يقدّم لنا خدماته بصمت وأمانة وإخلاص ومن دون جعجعة ولا تهريج،لا كبرياء ولا غرور ،  إنما يقوم بواجبه الطبيعي ولا يطلب جزاءً ولا ثناءً أو تكريماً، وهو يعلّمني أن العظمة الحقيقية ليست في الفخفخة وحبّ الظهور، وشراء الذمم، والجلوس على كراسي الكراهية والحقد والمصلحة لتدين الشعوب البريئة، وإنما في الخدمة والتواضع وحقيقة الحياة ، والعمل بهدوء بلا اصوات ولا طبول .
آه كم يلزمنا من الوقت يا سيدي، لنفهم أن كل ما في الإنجيل من أشياء تافهة وحقيرة يمكن أن تخترق صفاقة عقولنا وتصحّح كل ما في منطقنا من اعوجاج، وفي أحكامنا من مغالطة وضلال، لتعلّمنا أن الشرف ليس قوةً غاشمة، ولا كبرياء من مغرور،  بل خدمةً متواضعة، وإن عظمة الإنسان هي أن يكون نافعاً ، وكنت دائماً صاحب القول"  أنا بينكم مثل الذي يخدم" (لوقا28:22)  . نعم وامين .

25

والخلائق تسبح بحمده " الغذاء "
المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. وأمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
لقد أُدرِجَتْ الشراهة في قائمة الخطايـــا الرئيسية السبع. ومن التهوّر أنْ يحــــاول أحدهم شطبها من تلك القائمة. ولكن عالمنا اليوم تلفّه مجاعة مخيفة ونقص في الغذاء، فهناك الهند وأفريقيا الوسطى والصين حيث ملايين البشر لم يشبعوا أبداً في ملء بطونهم ولو مرةً واحدة في حياتهم،ومشهد اليوم بفايروسه وكورونه يزيد فقرنا، وتبدو الشراهة لديهم مستحيلة الحدوث.إن القاعدة القديمة الغير القابلة للدحض هي "عدم الأكل أكثر من اللزوم، ولا بشهية أكثر من اللزوم، ولا بسرعة أكثر من اللزوم" قد بطل اليوم مفعولها.إن الوثنيين كانوا قد سبقونا في مثل هذه الوصايا الغذائية، فلابدّ إذن أن هنالك شيئاً أكثر أهمية ونبلاً في فضيلة القناعة.
إن الإنسان الذي عرّفوه سابقاً بأنه "كائن مفكر"، وجدوا أخيراً أنه " عذراً"  "حيوان أكول". إن المشكلة التي نواجهها اليوم هي ليست "متى نتوقف عن الأكل عندما يجب ألاّ نأكل أكثر مما يجب"، بل هي "متى الوصول إلى الحدّ الذي نكون قد أكلنا بالكفاية".إن ما يهددنا اليوم ليس الإفراط في الطعام بل التفريط فيه. وعندما يتضاعف القحط في العالم، تبدو وصايا الكنيسة بصدد الصيام أقلّ تشدّداً وتدقيقاً ومحاسبة. إذا كان الإنسان العادي لا يستطيع الحصول على كيلوين من اللحم خلال سنتين كاملتين، فكيف مطالبته بالامتناع عن أكل كيلو واحد من اللحم خلال خمسين يوماً من الصوم الكبير؟. إن ما يؤسف له أن اللاهوتيين الذين وضعوا الشراهة في قائمة الخطايا الرئيسية السبع هم أنفسهم الذين حذفوا خطيئة الجحود أو نكران الجميل من قائمة الخطايا الرئيسية السبع. لأن الغذاء في النظرة المسيحية الحقّة هو قبل كل شيء عملية شكر وحمد وعرفان الجميل تجاه الله الخالق المبدع " فهو الحياة "( يو10:10) لأنه ما من أحد يستطيع أن يتغذى اعتماداً على ذاته وحدها، ابتداءً من حليب الأمّ حتى هذا الفطور الذي تناولناه في هذا الصباح.
إن كل طعام، إن كل غذاء، هو عطية من الله، ويستوجب الشكر والحمد لله صانع الغذاء. فلم تعد المشكلة هي مشكلة شراهة أو اعتدال في تناول الطعام، بل المشكلة أصبحت كيف نحوّل عملية الأكل إلى حمدٍ وتمجيدٍ لله. بالنسبة للوثني، الأكل هو عملية سحق الطعام وتحويله إلى سعرات حرارية تزوّد الجسم بالطاقة التي يحتاجها للقيام بعمله. سحق الطعام أي تفتيته وتحطيمه وإجباره على إنجاز شغل، كما تُجبَر البهيمة على إنجاز عمل، وكما يُبقَر الثور أو الفرس، وكما يُكسَر القوس من فرط الشدّ عليه وَلَوْيه. ولكن إزاء عطية الله المجانية، فإن المسيحي لا يسحق الطعام ولا يجبره على الامتثال لأوامره، بل بواسطته يمجّد الخالق ويشكره على ما جاد عليه به من إحسان، ولهذا السبب نجد في العوائل المسيحية تُتلى الصلاة قبل وبعد تناول الطعام.- ومن المؤسف فاليوم بعض منّا  لا يبالي بذلك- ، فالأطعمة التي نتناولها تحتوي على كل خزين الأرض والشمس، وعلى تعب جميع الذين هيّئوها، كما إنها تحتوي قبل كل شيء على محبة الله للبشر. لماذا إذن أَمْتَنِعُ عن الإفراط في الطعام؟، هل لأن العقل ينهيني عن ذلك؟، ولكن العقل باردٌ بقوانينه الخالية من المحبة.. هل بسبب اللياقة والذوق السليم أمتنع عن الأكل الكثير؟، ولكن متذوّقي الخمور المعتّقة ومشهيات الأطعمة اللذيذة والمقبلات أكثرهم من أصحاب الذوق الرفيع.. كلا!، إن ما يمنعني عن الشراهة ليس هو نظام المجتمع ولا هو الذوق السليم، إنما أنتَ يا إلهي الذي أعطيتَني كل شيء مجاناً لأجل أن أخدمكَ وأحبكَ وأشكركَ، وأُفكر في الجائع الذي معي .
في عرفان الجميل نتلاقى نحن الاثنان، أنا وأنتَ يا سيدي. ليــــس الموضوع هو كيف أتصرف بأدب وأنا جالس وحدي إنما هو كيف أتصرف بأدب وأنا جالس معكَ وأنتَ حاضر بقربي، وكيف أكون نظيفاً ونبيلاً وأنتَ حاضر معي. هل يسعني أن أسيء استخدام الغذاء وأنتَ جالس بقربي؟، هل يمكنني أن أتلف الغذاء وأبذره وأسحقه كما يسحق الهمجيّ فريسته وأنتَ واقف تنظر إليّ!؟. نعم، أستطيع أن أتلف شيئاً يخصّني وأنا جالس وحدي، ولكن هل يمكنني أن أتلف أو أُفسد غذاءً أنتَ صنعتَه وشاركتَني فيه عندما باركتَ السمكتين والخمسة أرغفة (متى21:14) ثم وزَّعتَها على الجماهير الجائعة!؟.فالشراهة! ماذا بقي منها؟ وهل أستطيع أن أكون شَرِهاً وأنا أعلم أنك عرفتَ الجوع والعطش يا سيدي، وإنك في نهاية صومكَ قلتَ لإبليس "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله"؟ (متى4:4). لذا أنا اؤمن ياسيدي،  يا إلهي،  أنكَ" أنت الكلمة"( يو1:1) وأنت خبز الحياة " ( يو4:6).نعم، كلمتك خبز لمسيرة حياتي ".  نعم وامين .

26
والخلائق تسبح بحمده " الخشب "
المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى
    حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. وأمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
كنا نقول أيام زمان "هذا رأسٌ من خشب" عندما نشير إلى صبي قليل المهارة والذكاء. وعندما يريد المربّي معاقبة أحد الطلاب عن شطط اقترفه، فإنه يستخدم فلقةً خشبية منقوعةً بالماء!. ودكاكين الحطّابين عادةً ليست رائعة الجمال، فنحن نشتري الحطب لحرقه، وجلاّد المقصلة يستخدم خشبة عريضة ضخمة تحمل شفرة كبيرة من حديد لقطع رأس المحكوم عليه بالإعدام، وآلهة الوثن القديمة المصنوعة من الخشب كانت تدعى أصناماً باطلة.إذا كان الخشب يلعب أدواراً كذا سيئة وحقيرة في حياة الناس، فلماذا إذن يا سيدي ، يا يسوعي،  أردتَ أن يكون صليبكَ مصنوعاً من الخشب؟!، ولكنك تعرف جوهـر كينونة الخشب أكثر منا جميعاً. لقد اشتغلتَ به عندما كنتَ يافعاً تعمل نجاراً مع يوسف ، في إحدى دكاكين الناصرة (متى23:2)، وكنتَ تعلم كيف تنشره وتصقله وهو جاف متجنّباً مواقع التقلّصات والعقد، وكنتَ تعلم أيضاً أنكَ سوف تموت ممدوداً على صليب من خشب.ومنذ أنْ غُرِسَ الصليب فوق قمة جبل الجلجلة، أصبح الخشب مسيحياً. اصبح ملكك، " بعد أن كُتب عليه عنوانكَ "،(مرقس 26:15) .  في كل جمعة آلام من كل سنة، بينما يكون بيت القربان فارغاً مفتوحاً على مصراعيه، لا أحد يتردد في الركوع أمامه وذلك تكريماً للصليب الخشبي المنتصب فوقه.
يا سيدي، إن مذابحكَ أغلبها مصنوعة من الخشب. ومن خلال مشبّك من خشب ــ كرسي الاعتراف ــ ينال المؤمنون بعد الاعتراف الغفران عن خطاياهم.باستطاعتي أن أصنع منضدة خشبية أو باباً من خشب، ولكنك أنتَ يا سيدي أعطيتَني الخشب جاهزاً مشاركاً في الخلاص ، مثلما أعطيتَني ضياء الشمس مشاركا في جمال الحياة .أنتَ الذي تجعله ينبت بين الأدغال وفي الحقول والغابات وعلى قمم الجبال، وإليكَ تخضع مملكة النبات ابتداءً من حبة الخردل حتى شجرة البلوط الهرمة، وتلك الألواح الطويلة العملاقة المعدَّة للتقطيع مثل قطيع الماشية الذي ينتظر دوره للذبح.
لماذا التفتيش بعيداً في النظريات الصعبة؟ بينما لا تلزمني سوى نظرة عابرة على باب كنيسة ما، أو على مقعد في كنيسة، أو على مركع في الكنيسة أستند إليه لكي أصلّي.إني أفكر في يوم جمعة الموتى حيث ألوف من الأضرحة المصفوفة تحمل جميعها أنواعاً من الصلبان الخشبية، وأتذكر شهداءَكَ الذين ماتوا من أجل الإيمان تحت لهيب من الحطب، وأتذكر الذين لا يملكون وتداً يسندون به رأسهم في ساعاتهم الأخيرة! وأنت واحد منهم " فابن الانسان ليس له مكان يسند اليه رأسه " ( متى 20:8) . أفكر في جميع الأكواخ الخشبية المتصدّعة التي لا تكاد تحمي ساكنيها من الزمهرير والمطر،وساكنيها الذين يموتون فقراء ،  وبجميع التوابيت التي هي آخر مسكن للإنسان ، غنيا كان أو فقيراً ! وعِبرَه تعلمتُ أن الغنى ليس في خشب التابوت ، إنما في الراقد في التابوت ، وفي هذا يحملُ خشب التابوت،  صفة الحقيقة الامينة، وهذا يا سيدي ما حصل معكَ.
يعلّمنا الخشب ألاّ نحطّ من قيمته رغم ضيق مداركنا، فهو يرافقنا ،ومثل ملاك الحارس، يستمر يحذّرنا وينبّهنا بأنكَ لستَ بعيداً عنا، ويُعدّنا من أجل لقائكَ الأكيد،  فحِملُه رسالة السماء ، وحقيقة ايمانية . نعم  سوف أتجول بكل احترام خلال جميع مخلوقاتكَ يا سيدي، ولكي أستمـر في صلاتي، يكفيني أن أفتح عيني وأنظر الأشياء على حقيقتهـا، عندئذٍ حتماً سوف أراكَ فيها،معلقاً من أجلنا ، أنتَ الكلمة المتجسد، مخلّص البشر، النجّار الناصري (متى23:2)، المصلوب فوق خشبة، وسيرافقنا طوال المسيرة ،وسوف أكتشف بصمات الألوهية من أصغر نُشارة في دكّان نجّار، احتفظَ بها مثل ذخيرة من بقايا القديسين.نعم لخلاصي .

27
والخلائق تسبح بحمده " اليدان "
المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى
    حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى .فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
إنَّ الأدمغة الفارغة لا تقدّم خدماتٍ نافعة للبشرية،إلا محسوبياتها، أما الأيدي الفارغة فإنها ينابيع للتدفّق والعطاء. يزعم المتحذلقون أن العقل الإنساني هو أساس التفكير المجرد والعلوم النظرية، بينما الغريزة الحيوانية هي دافع العمـل اليدوي والعلوم التطبيقية.لكن هذا الوهم يتبدّد عندما ننظر إلى أيدي الأمّهات وهي تحتضن أطفالهنّ وتهزّ مهودهم، وأيدي ملائكة الرحمة وهي تعتني بالمرضى وتضمّد الجرحى، وأيادي الفلاحين التي تقدّم الخبز للجائعين، وأيادي الطبّاخين التي تعدّ الطعام للفقراء،وأيادي الاطباء والممرضين والممرضات التي تبذل قصارى جهدها لانقاذ الانسان من الوباء ،وأيادي الميكانيكيين وعمّال البناء المتشققة التي تقيم المصانع وتشيّد العمارات، وهنالك أيضاً الأيادي التي تمتدّ للاستجداء، والأيادي التي تلوّح في الفضاء لحظة الوداع، ويدا رئيس الجوق اللتان تنسّقان النغم مع عزف العازفين.لكن البشر استخدموا أيديهم أيضاً للقتل والنهب والحرق والتخريب. لقد كان سبب جميع الحروب هو طمع الإنسان وميله إلى الأخذ دون العطاء. فاستخدم العنف والسيف عند الضرورة ليعود ويداه محمّلتان بالغنائم والأسلاب.هنالك يدان كانتا قد امتدّتا أفقياً باتجاهين متعاكسين، وقد ثقبهما مسماران، ومن الحفرتين اللتين صنعهما المسماران، ينبوعٌ أخذ يتدفّق ولم ينضب منذ واحد وعشرين قرناً حتى يومنا هذا، ولا يزال يروي البشرية ويحميها من العطش والضياع. إنه يسوع الحي ، القائم من بين الاموات ، بهاتين اليدين كنتَ تبارك جموع اليهود يا سيدي قبل أن يقبضوا عليكَ ويعلّقوكَ فوق الصليب.
بهاتين اليدين الفارغتين كنتَ تشفي المرضى وتقيم الموتى وتعيد البصر للعميان والنطق للبكم.
وبهاتين اليدين أيضاً حوّلتَ الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل (يو7:2).
يداكَ يا سيدي فارغتان تماماً، مبسوطتان دوماً للعطاء دون الأخذ. لقد أعطيتَني يا سيدي يدين كبقية البشر، فماذا صنعتُ بهما وكيف استعملتُهما؟.لو لم تكن قد حرَّرتَ أيدينا من الالتصاق بالأرض لكنّا حتى اليوم نسير على أربع قوائم كبقية البهائم والحيوانات. وبعد ذلك انقسمت أيدي البشر إلى صنفين متناقضين:
         الأولى: هي الأيادي الفارغة التي تمتلئ، وهي التي تأخذ ولا تعطي.
         والثانية: هي الأيدي المملوءة التي تُفرغ وهي التي تعطي ولا تأخذ.
إن أيدي البشر هي التي بنت كل شيء، وهي نفسها التي هدمت كل شيء في هذا العالم.
هبني يا سيدي أن أكون من صنف الذين يبنون ولا يهدمون، من صنف الذين يقولون الحقيقة شهادة لمسيرتك ، من صنف الذين يعطون ولا يأخذون، متذكراً أيام طفولتي والأيادي التي كانت تحملني وتحيطنــي بالمودّة والعطف، والتي قامت بتربيتي ولا زالت مهتمة بإطعامي وإكسائي وإسكاني، عسى أن تمحو ذكراها مني جميع نوازعــي وغطرستـــي وادّعاءاتي الباطلة، وتضع في قلبي شيئاً من الرأفة والحنان، وتعلّمني معنى التساهل والمحبة!.هبني يا إلهي أن أعمل وأكـدّ وأتعب من أجل الآخرين دون أن أتوقع منهم جزاءً ولا مكافأةً. هبني يا سيدي ألاّ تكون يداي مفتوحتين عند الأخذ، ولا مقفلتين عند العطاء، بل دوماً فارغتين، شبيهتين بيديكَ المثقوبتين بمسمارين.أمين نعم يارب ، آمين

28
شكرا رد على مقال ربنا يشكو حاله
اقدم لك ايتها العزيزة آن سامي لتفانيك في خدمة الكنيسة وكتاباتك هذه تشهد على بعد ايمانك الذي تربيت عليه وما كلماتي الا صميم حياتنا المسيحية فقد ارتوينا تمام من الخطابات الرنانة  والاعلانات  والبيانات الموجهة الى كبار الزمن ولكن لا احد يبالي بذلك فكل اجتماع ينتهي ببيان ولا يُنفذ ما هو الاتضييع الوقت ولنُبعد عن اجتماعاتنا محسوبياتنا وطائفياتنا ومصالحنا لنكون فقط بنعمة الرب من أجل المحبة الى اعطانا اياها الرب يسوع كما علمنا البابا فرنيسس  وما هذا الداء الا رسالة من السماء لندرك ان مشيئة الرب ليست مشيئتنا لان شؤون الرب هي غير شؤؤون البشر فكلنا ابتلينا بهذا الفايروس فلنفتش عن اين هو الخلل هل في الفايروس ام فينا نحن الذين نصور انفسنا من ال بيت الله ونستحق كل شي لاننا من اقرباء الحقيقة وما الحقيقة الا الله وحده فلنعمل ارادة الرب ولا نطلب منه أن يطيعنا بل نحن يجب ان نحيا ايماننا في كلمته ونناشده ان يكون معنا فالرب صخرتي يقول المزمور وعليها ابني كنيستي وبيتي وحياتي غنها صخرة الانجيل وكلمة البشارو وخبز التقدمة وختاما ليباركك رب السماء وما فائدة الكلام اذا كان كلام مجرد.الف شكر لتفانيك وعطاءك والرب هو الحقيقة نعم وامين

29
ربنا يشكو حاله... لماذا!!؟
المونسنيور د. بيوس قاشا
بعد أن وصلت الحضارة البشرية إلى قمّتها بعلمها وتقنياتها وتكنولوجياتها، ظهر أمامها في هذه الأشهر الأخيرة فيروساً صغيراً بل جرثومةً حقيرةً (كورونا) داهمت العالم
كله: عالم الفجور، عالم الأنا والكبرياء، عالم الحقد والبغض والكراهية، عالم المصالح والمحسوبيات، وشلّتْ حركته، وبشكل مفاجئ شكّلت خوفاً ورعباً هائلاً في قلوب البشر، وظهرت كعدو متخفي كالشيطان الذي يهاجمنا ونحن لا نراه ولا نتحسّس به أو نستشعره، وجَعَلَتْنا مبتعدين الواحد عن الآخر حتى داخل البيت الواحد، وأجْبَرَتنا على العيش داخل جدران منازلنا، أغنياء وفقراء، أصحّاء ومرضى، أصحاب أموال وسلطة، قادة نفوذ وسلاح، رؤساء وعبيد، أناساً عاديين ورسميين، ولا أحد يعرف متى تنتهي معركة الفيروس كورونا هذا. فبسببه تغيرت الحياة، وتحولت من حالة إلى أخرى في ليلة وضحاها، وربما سيظهر في المستقبل عشرات الفيروسات الأخرى تفتك بالبشرية، وهل الفيروسات هذه ـــ وكورونا بالخصوص ـــ هو نتيجة لعمل خاطئ قام به الإنسان، أم هو كبرياؤه في الاستيلاء واستعباد الدول عبر الأنانية المعهودة كما كان الحال مع قائين حيث دفعته الأنانية والكبرياء والغيرة إلى قتل أخيه "هابيل" (تك1)؟.
يسأل المؤمنون اليوم: هل هذا الفيروس جاء ليمتحنَ إيمانَنا وطاعتَنا ودرجةَ محبتنا وغاياتنا كما حصل مع آدم حيث كسر وصية الله بعدم طاعته فطُرد من الجنة، وما حصل لأهل نينوى بتهديد يونان، ولكن الرب غفر لهم بتوبتهم؟ وما يحصل اليوم معنا، هل الله لا زال صامتاً أمام الكارثة الوبائية؟، هل يقيس درجة مسيحيتنا؟، فهو لم يأتِ لنجدتنا حتى الآن، فهل هو انتقام من بشريتنا؟، وهل الصلوات والأدعية التي ضاعفناها وعباداتنا الفردية التي أزدنا في إنشادها تقودنا إلى حصول معجزات؟، وهل يعني أن صلواتنا غير مستجابة وصلوات الأبرياء ذهبت سدىً ولم تسمعها السماء؟، وهل نحن نقوم بدعاية لإيماننا بأنفسنا كي نجلب شفقةَ الله، ويسوعُ ربنا يقول "لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَل لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ، وَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ" (متى20:17)؟، و"هل" أخرى عديدة... أمام هذا كله يسأل ربنا ويشكو حاله ويقول:   
   أنا أعرف أين أنتم، أعرف أنكم اليوم تعانون من هلع الفيروس "كورونا"، وأنا أعرف جيداً أنكم لا زلتم في خطاياكم وشهواتكم ومآربكم وحب طائفياتكم أكبر من حبكم لي، ولا زلتم تفسدون في الأرض بحروبكم الخفية والمعلَنَة، فهل أنتم تعلمون بذلك؟، هل تعلمون إلى أين أنتم ماضون؟. فأنا أسأل عنكم ليس لأدينكم بل أنا هنا لأُشعركم بالحقيقة، وأنا بجانبكم لأخفّف عنكم هول الفاجعة التي حلّت بكم وأبعدت الخوف عن قلوبكم، "قَدْ سَبَقْتُ وَأَخْبَرْتُكُمْ" (مر23:13) ــ ولكنكم ربما تقرأون الكلمات في إنجيلي ــ ولكن إيمانكم بعيد عني، وعبر شفاهكم... لذا أقول: آمنوا "سَتَأْتِي أَيَّامٌ لاَ يُتْرَكُ فِيهَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ" (لو6:21). لذا أناشدكم وأقول: كفاكم وضع الحواجز بينكم والهروب لتحتجبوا كما فعل قائين بعدما قتل أخاه، فأنتم تقتلون إخوتكم الأصحّاء كما يقتل الفيروس مرضاكم. أنا أعلم أنّ حِملَكَم ثقيل، ولهذا جئتُ لأقول لكم "تَعَالَوا إِليَّ" (متى28:11) ولكنكم "تَسْمَعُونَ سَمْعاً وَلاَ تَفْهَمُونَ" (متى14:13)، فأنا لا زلتُ أفتش عنكم كما فتشتُ عن "الخروف الضال" (متى12:18-14) و"الأبرص" (لو12:5-14) و"السامرية والخاطئة" (يو5:4-30)، لذلك حطمتُ كل الحواجز التي أقمتموها ومع ذلك لا تستطيعوا أن تمكثوا معي "سَاعَةً وَاحِدَةً" (متى40:26)... لهذا أسأل:
   لماذا، تخافون الموت وساعته، ألم أقل لكم "أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو25:11)؟، لماذا تخافون يوم الحساب، ألا تعلمون أنه مِن صنعكم لأنكم لستم أوفياء فتنالون "الْبُكَاءَ وَصَرِيرَ الأَسْنَانِ" (متى12:8)؟، لماذا تقولون عن أنفسكم أنكم قديسين ونسيتم أنه لو كنتم قديسين لما "تَجَسَّدْتُ وأَتَيْتُ لأُبَشِّركم بِالحَياة وَمُتُّ مِنْ أَجْلِكُمْ عَلَى الصَّلِيب وأفْتَدَيْتكم مَنْ خَطَايَاكُم" (لو20:24)؟، وقد أعلمكم بذلك تلميذي بولس الرسول حين قال "أَنَا الْخَاطِئ أَوَّلُهُمْ" (1تيمو15:1) فجعلتم دمائي تجري سدىً وآلامي حكم المعدوم... فلماذا لا تمنحوني فرصة لأتكلم معكم؟، فأنا لا أجد مجالاً لأستمع إلى شكواكم بسبب الضجيج الموجود في داخلكم، وأنا قلتُ لكم "مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي" (يو24:5)، ولكن ما أراه أنه "لكم أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُونَ، وَلَكُمْ آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُونَ" (مر18:8)... فهل هناك ضعف في سمعكم تجاهي؟، فببساطة لم يعد بإمكانكم سماع صوتي لأن ترددات كثيرة مختلفة في عصركم أخذت آذانكم فضاع صوتي بينها.
   لماذا، تسخرون من وجودي بينكم وأنا دائماً أدعوكم إلى إعلان بشارتي الخلاصية وبكل شجاعة "اذْهَبُوا... وَعَلِّمُوا واعْلِنُوا الْبِشَارَة" (متى19:28-20)؟، واليوم أصبحتم تخجلون منها احتراماً وخوفاً وكأنكم بذلك تفعلون جيداً، فتنكرون إيمانكم بسبب أهوائكم وإرضاءً للآخرين، وهؤلاء أنفسهم يمجّدون أصنامهم ويؤلّهونَ بشراً وأنتم صامتون، وأنا قلتُ لكم على لسان تلميذي بولس الرسول "حَتَّى لَو نَحْنُ بَشَّرنَاكُم، أَو بَشَّرَكُم مَلاكٌ مِنَ السَّمَاء، بِخِلافِ مَا بَشَّرنَاكُم بِهِ، فَلْيَكُنْ مَحْرُوماً! وكَمَا قُلْنَا مِن قَبْلُ، أَقُولُ الآنَ أَيضاً: إِنْ بَشَّرَكُم أَحَدٌ بِخِلافِ مَا قَبِلْتُم، فَلْيَكُنْ مَحْرُوماً!" (غلا8:1-9).
   لماذا، أستغرب منكم كثيراً هذه الأزمنة؟، فمنذ ألفي سنة أرسلتُكم لتؤسِّسوا كنيسة تجمع الأصحّاء والمرضى، وسلّمتُ قيادتها إلى بطرس الرسول وهو بدوره سلّمها أمانة في أياديكم، ولكن ما رأيتُه بسبب خوفكم أنكم أفرغتم حتى دياركم العامرة وتجمعاتكم من روح السماء ومن ذكر اسمي، فلا زلتم تتهجّمون على الشر والشيطان، وتُنسبون الألم إلى إرادتي، وتملئون قلوبكم رعباً وهلعاً، كما لا زلتم في مواعظكم تذكرون اسمه "أي الشيطان" ولا أعلم أخوفاً منه، أم هل نسيتم إني أنا "أتيتُ لخلاصكم"، وإني قلتُ لإبليس في تجربتي معه "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ! لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (لو8:4)؟، فإن كان لكم إيمان لقلتم أيضاً ذلك دون خوف. ومن المؤسف إنني سمعتُ أنكم أنشأتم كنيسة لتكريمه حتى انزوى الكثيرون في عبادته، بينما أنا أنتظر متى تشنّون حرباً عليه لتظهر حقيقة إيمانكم وتتعاملون بالعقل والحكمة بعد أن غلبتُ وطردته ليَسجد للرب الإله.
   لماذا، تعاقبون أنفسكم كل يوم من جرّاء أعمالكم وكبريائكم وتتهموني وأنتم تعرفون حقيقة خطأكم، ومع هذا تقولون إني أنا هو سبب عقابكم؟. فهلاّ تعلمون أن نظرتي ما هي إلا نظرة عطف وحنان وشفقة! وماذا صنعتُ بكم حتى تطردوني من منازلكم وقلوبكم وترفعون صلواتكم وقد سبق فنبّهتكم إذ قلتُ "لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ، يَا رَبُّ! يَسْتَحِقُّنِي" (متى21:7). فحقيقتي إنني لستُ من عالمكم، فلو كنتُ منه لكذبتُ مثلكم وسرقتُ وقتلتُ، وأحببتُ أنانيتي ومصالحي ومحسوبياتي، وكسرتُ وصايا إلهي السماوي وابنتي الكنيسة، وقد سبقتُ فقلتُ لكم "أَنَا لَسْتُ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ" (يو16:17) ولكنكم لم تعيروا لي آذاناً صاغية، ولم تؤمنوا بأنني راعيكم ولستُ أجيراً عندكم فَقَدْ "أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَكُمْ الْحَيَاةُ" (يو10:10)، ولكنكم رفضتم نعمتي هذه. لذا عليكم أن تعلموا جيداً إن الله خلق العالم جميلاً ولكن أنتم وبأعمالكم جعلتموه مغارة لصوص "لأَنَّ أَعْمَالَكُمْ شِرِّيرَة" (يو19:3)، وفي هذا أدركتُ أنكم تعبدوني بشفاهكم وثرثراتكم وليس بقلوبكم لذا قلتُ عليكم "إِنَّ هذَا الشَّعْبُ يُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيداً" (متى8:15).
      لماذا، تخلقون لأنفسكم ممالك ودويلات عنصرية بائسة لكي تكونوا الحاكم الأوحد والقائد العظيم، وتشرّعوا وتقرّروا بارتجال ومزاجية وانفراد ما تشاؤون وما يحلو لكم عبر خطاباتكم المليئة بالوعيد والترهيب وعبر تشنجات وتزمتات ومهام رئاساتكم، وكأنها أُنزلت من عندي لكي يمجّدكم غنمي البريء ويهتف لكم، وقد دوّختموه وشكّكتموه حتى في إيمانه؟، بينما تعلمون جيداً كم كنتُ مُحباً لكم ولرضاكم، وقلتُ لكم "تَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ" (متى29:11). فاليوم تحاكمون أولادكم وخدمكم بدل إرشادهم ونصحهم والتعايش معهم، فغروركم قد طاف دخانه إلى أجواء العلياء بعد أن ملأ نفوسكم، ومصالحكم أفسدت غاياتكم ودياراتكم، فبعتم قدسياتكم بدرهم فاسد، وأنا سبقتُ وقلتُ لكم "لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب" (متى6:7)، وأبلغتُكم في سفر الأمثال وقلتُ "تَوَكَّلواْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْوبِكَم، وَعَلَى فَهْمِكَم لاَ تَعْتَمِدوا" (أمثال5:3)، وأعلمتُكم أنكم في المعاناة تجدوني وأنتظركم لأكون نصيحتكم.
      لماذا، تقولون أن الرب تخلّى عن أبنائه؟، نعم ربما تجدونني صامتاً أمام صلواتكم وأدعيتكم ولكني أقول: هل رأيتم أباً يتخلى عن أولاده في ساعة الهمّ؟، ألم تُدركوا جيداً كيف صَمَتُّ أمام الشتائم والتجاديف التي أُلقيت عليّ ولم أفتح فمي كما قال نبي السماء اشعيا "فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ" (إش7:53)!، كما نعتموني بالكذّاب وأبو الكذب ألم تقولوا "إِنَّهُ بِبَعْلَزَبُولَ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ" (لو15:11)، وفي ذلك ربما ترونني صامتاً وغائباً ولكنكم لا تعلموا إني أعيش فيكم ومعكم ومن أجلكم، وبي أنتم تَتَحَرَّكُون وَتُوجَدُون "لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ" (أع28:17)، وهذا ما اختبره داود الملك حينما قال "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" (مز22:1)... إنني أعدتُ هذه الكلمات عينها في اللحظات الأخيرة وأنا على الصليب (متى46:27؛ مر34:15)، وشعرتُ حينها أن أبي السماوي تخلّى عني ولكن الحقيقة هذا لا يمثل غياب إلهي... إن صرختي هذه هي صرختكم أنتم يا مَن تعانون غياب الله، وأوجّهها إلى قلب الآب ليفتح الله قلبه لكم... إنها أكبر صرخة من صرخات أولئك الذين يدينونه، والمزمور يقول "عَيْنَا الرَّبِّ نَحْوَ الصِّدِّيقِينَ، وَأُذُنَاهُ إِلَى صُرَاخِهِمْ" (مز15:34)، لذلك قد أكون صامتاً لكنني دائماً أسمع. فعندما لا تستطيعون سماعي يجب أن تعرفوا أنني أستمع إليكم دائماً. واعلموا أن صمتي لا يمكن أن تفهموه إلا بالنظر إلى صليبي وهذه هي الحقيقة، فمن على الصليب تنكشف حالة الإنسان الذي يصلّي، فالبابا بندكتس يقول:"إنّنا حين نصلي، غالباً ما نجد أنفسنا في صمت الله، فنشعر بنوع من التخلي، ويبدو لنا وكأنّ الله لا يسمعنا ولا يستجيب لنا. ولكنّ صمت الله هذا يشبه صمت الآب تجاه يسوع، وهو ليس بالتالي علامة غيابه. فالمسيحي يدرك جيداً أنّ الرب حاضر ويصغي، حتى في ظلمة الألم والرفض والوحدة" (تعليم البابا بندكتس السادس عشر الذي تلاه في قاعة بولس السادس في الفاتيكان؛ الأربعاء 7/3/2012). قال القديس أغناطيوس "إن كل مَن يفهم كلمات الرب يفهم صمته لأن الرب يُعرَف في صمته". لذا إنني أتحدث اليكم لكي يكون لكم إيمان بي، ولسوء الحظ لديكم القليل جداً من الإيمان، فأنتم تطلبون حضوري وإيمانكم غير ناضج لأنكم تخلطون بين صمتي وغيابي، فما أنا إلا إله الصمت. لذا أدعوكم أن تغيّروا وجهات نظركم بتوبة صادقة نابعة من عمق أفئدتكم وإيمانكم، فأنا أكشف عن نفسي في الصمت الداخلي في قلوبكم، لأنني أسكن في أعماق كل شخص منكم، فما أنا إلا إله الصمت ولا أسكن إلا فيكم.
   لماذا، جعلتم شعبي يترك كنائسه ويتجه إلى أخرى فيها يصلّي؟، فأمام مقدَّساتي ترقصون وتمثّلون، وقد جعلتموها معابد سياحة وليس صلاة. ألستم أنتم سبب تقسيم دياري، فأنا أعطيتُكم سلاحاً لغفران الخطايا "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاءِ" (متى18:18)، أصبحتم اليوم تعبدون أصناماً بشرية وهي آلهتكم وأصنامكم. إنكم مثل العجل الذي عَبَده شعبي في القديم، وأصبحتم تتقاسمون دياري هذه  طائفياً ومذهبياً، وكل واحد منكم يريد أن يربح عدداً ليملأ معبده، كما أصبحتم تفتشون عن المال والدنيا والاستجمام والراحة قبل أن تفتشوا عن شعبي وغنمي الذي تاه في مجال الزمان. وقد قالها لكم نائبي البابا فرنسيس "اذهبوا بعيداً فتشوا عن الخراف الضالة. خذوا رائحة خرافي. فتشوا عن آل إسرائيل الضالّة" (كلمة البابا فرنسيس التي ألقاها أمام الأساقفة الذين استقبلهم يوم الخميس 19 أيلول 2013 في القصر الرسولي في الفاتيكان)، ولو كنتم فعلاً بهذه الغيرة من التضحية وتفتشون عن الفقير والمريض لرأيناكم تعيشون آلام شعبكم ومآسيه، فإنكم تهيئون تبريركم من قلّة إيمانكم، فأنا أنادي إليكم بالشفقة والحنان كما ناديتُ "بِنِعْمَةِ الْبَصَرِ لِلْعُمْيان" (لو18:4). كما لا يزال إيمانكم يظهر تديّناً، ولا زالت الخلافات والصراعات قائمة بينكم، واجتهاداتكم التي يمارسها بعضكم تؤدي إلى انشقاقات وتحزّبات، وهذا ما يجعل دياري الحبيبة تتحول إلى مؤسسات مجرَّدة من عملها الإيماني في البشارة. فالصراعات التي تخوضونها وإنْ كانت غير مرئية لكني أُدرك ألمها في قلبي، فأنتم تتصارعون إلى كسب عدد من الأعضاء لتوسيع حدود رعيتكم، واستغلالاً لمصالح أنانية ذاتية، والتشهير بالأبرياء علانيةً كان أو بشكلٍ مبطَّن، وهذا ما قادكم إلى الجهل وأَنْبَتَ فيكم نبتة الكراهية اللعينة، ويزداد نموها بدرجات إذا ما كنتم مليئين بالغيرة القاتلة، فتمتلئ قلوبكم حقداً، ويفرغ إيمانكم من جوهره، وتحدث فوضى عقائدية في مسيرتكم المسيحية، وتبدأ الخراف تتشتّت، وتظهر أمامكم ثعالب تطالب بِلَحْمِ الخراف عبر عبارات معسولة وكلمات حنونة يتلقاها المؤمن لتوصله أحياناً إلى حد الخوف والفزع مما يحدث... إنها التجربة... إنه تشويه لحقيقة مسيرة الإيمان... وتموت المحبة بتحريفها ويبقى واجبكم دنيوياً، فكل الاستغراب بنصائحكم، وبينكم أناسٌ في داخلهم شقاق وصراع وخلاف، وفي هذا تسيئون إلى دياركم، فلا حوار ولا أخوّة، بل رزق ومهنة وصراع، وقد سبقتُ وأعلمتكم ماذا يحصل "إِنْ انْقَسَمَ بَيْتٌ عَلَى ذَاتِهِ" (مر25:3).
   لماذا، تنادوني لأعيدكم إلى إنسانيتكم وأنتم شوّهتم الخليقة الجميلة التي أبدعتُها عبر مسيرتكم المشكِّكة، فأصبحتم ذئاباً مفترسة؟، أردتُكم أن ترعوا فيها وتُحسِنوا إلى سكانها وأنتم اليوم تقتلون أخاكم لتحافظوا على مراكزكم ومناصبكم، وشرّعتم قوانين غريبة عجيبة بإسم حقوق الانسان، ووافقتم على الزواج المثلي الذي أهان حقوق إلهي، ورفعتم الصلبان من كل الأماكن العامة، وأزدتم في هذا كله حيث جعلتم من الإباحية حرية إعلامية... وأخرى وأخرى، ألم يحن الوقت لتعيدوا التفكير في الكثير من عاداتكم وتشريعاتكم وقيمكم وأخلاقكم ومجاملاتكم لتشهدوا للحقيقة التي تقودكم إلى احترام قوانين الحياة كي لا تفقدوا حواسكم الروحية، ولا تبيعوا مسيرة إيمانكم ومراكز سلطانكم بأرباح السياسة المزيَّفة عبر أشخاص أصبحتم لهم عبيداً كي تحافظوا على برامجكم وبرامجهم، ومصالحكم ومصالحهم، وكراسيكم المزخرفة؟، فأنا جداً أخاف لأنني متأكد أنكم بعد عودتكم إلى كنائسكم بالسلامة ستعودون كما كنتم وإنْ قلتم أن الفيروس وحّدكم فما ذلك إلا حالة عاطفية وتديّنٌ مهمومٌ، فاعلموا إذن إنّ هذه الظروف القاسية جاءت لتجعلكم تراجعون ذواتكم وحقيقة محبتكم لا أن تكونوا عبيداً لأشخاص أنا خلقتهم مثلكم، فقد قلتُ لكم "مَنْ أَحَبَّ أَباً أَو أُمّاً أَكْثَرَ مِنِّي فَلا يَسْتَحِقُّني" (متى37:10). وجميل جداً أن تجعلوا بيوتكم كنائس ولكن أرجو أن لا تنسوني في مسيرة الدنيا الزائلة، فكل ألم وصليب نعمة وموهبة كما يقول لكم تلميذي بولس الرسول "وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعاً لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ" (رو28:8).
      ختاماً، نعم أنتم تواجهون عاصفة ليس فقط في وسط البحر كما واجهها تلاميذي (متى24:14)، بل أنتم اليوم والعالم بأسره تواجهون فيروس كورونا، إنكم في قمة الفوضى، وفي هذه الفوضى أنا صامتٌ ونائم. وقد أعلمتكم أن كل العواصف والمخاوف تأتي من قلّة إيمانكم. أإلى الآن لا إيمان لكم؟. تنشأ مخاوفكم من عدم فهمكم مَن هو في خضمّ العاصفة والصعوبات. غالباً ما تخافون لأنكم لا تثقون فيَّ أنا يسوع، ولأنكم لا تعرفون ماهي علامات الأمل والزمن الموجودة حولكم، لهذا أنتم عميان في هذه الحالة، وأنا وحدي ولا أحد سواي ــ قلتُ لكم وأكرره الآن "أَنَا نُورُ العَالَم" (يو12:8)، وحدي أنا قادر أن أخاطبكم وأخاطب عقولكم وإرادتكم لكي تتحرروا من عماكم الروحي على الرغم من تقدمكم وجاهكم ومراكز حياتكم ومناصبكم، فهذه كلها تعطّل رؤيتكم الإنسانية والخلقية وأيضاً الروحية، وتفقدون التوازن الاجتماعي بعد أن ملأتْ نفوسكم روح الحرية المزيَّفة عبر تدنّي الأخلاق، وطغى عليكم مستوى الإعلام السياسي. لذا أدعوكم إلى الاستفادة من هذه العزلة في دياركم، والوقوف أمام الداء بحضرة الله وكتبه المقدسة، والإصغاء إلى ما يقوله لكم عالم جديد بولادة إنسان جديد "هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيداً!" (رؤ5:21)، فأنا الألف والياء، الأول والآخر (رؤ13:22). فأنا قادرٌ أن أتدخّل من أجل خلاصكم "وَلكِنْ حينما تثقون بي بأني: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ" (يو33:16). فأنا بينكم ملكوت الله، فارجعوا لحقيقتكم، فإذا ليس هناك كورونا فغيرها، فوباءكم هذا لا يخلص "إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ" (متى21:17). لذا أنا معكم لكي تدركوا أن محبتي هي من أجلكم، وصلاتكم تشير إلى أنكم  بحاجة إلى التوقف كي تعيشوا معي لحظات من العلاقة الحميمة، فأنتم لستم وحدكم بل أنا معكم لأن المزمور يقول "لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز4:23)، وإرميا يقول "لاَ أُوقِعُ غَضَبِي بِكُمْ لأَنِّي رَؤُوفٌ، يَقُولُ الرَّبُّ" (إرميا12:3).
      نرجوك يا رب أن تقلب واقعنا الأليم، وتبعث الرجاء في النفوس، وتريح أعصاب الناس التي تلفت جرّاء تراكم الصدمات المظلمة والكئيبة. إننا نعدكَ بأننا سنحملك يا يسوع في زياراتنا ومشاريعنا وأعمالنا لتغيير وجه الأرض، وسوف لن نخاف ما دمتَ معنا، فإنّا نؤمن بثقة أنك هنا لتخلصنا "نعم، أنتَ تريد خلاصنا"، فلا تجعلنا بعيدين عنك يا رب، سنزيل كل الحواجز بيننا وبينك، فأنت معنا لتساعدنا في ترميم حياتنا بعد تدهورها. فازرع بذرة الحب داخل قلوبنا لأن ما فينا ليس حقيقياً، ولا تجعلنا أن نعود إلى الفراغ ونتتركك، فقلوبنا لن تمتلئ من حبك إلا حينما يرفرف روحك فيها لتعيد ترميمَها وبناءها فنعودَ إلى رشدنا وصوابنا وإيماننا الحقيقي... فارحمنا يارب نحن الخطأة، واجعلنا نُبصر حقيقتك فينا لتملك على قلوبنا... يا ابن داود إرحمنا، نعم إرحمنا... نعم وآمين.





30
اليوم ... إلامَ يدعونا الله
(الحلقة الخامسة والأخيرة(
المونسنيور د. بيوس قاشا
الله، في المسيح يسوع، يدعونا نحن الكهنة، إلى أن نكون بجانب شعوبنا وغنمنا
وحملاننا وكباشنا وتيوسنا، أصحاء ومرضى، كي نعطيهم خبزهم في حينه (متى45:24)، نعم خبزهم، إنه خبز الحياة، وليس خبزنا، دون حملنا لفايروس الطائفية ولا نكتفي برمي البذرة من النافذة فلا شيء يملأ أفواه جياعنا. ولنعلم أن الوطن وشعوبنا ومفهومه قد ضاع وحلّت محلّه المصالح "وما بعدي الطوفان" كما يقول المَثَل الفرنسي. وما يؤلمنا أن نرى الطائفية وقد انتشرت بين جدران القصور والمساجد والمعابد والهياكل، في عقول الناس كباراً كانوا أم صغاراً، رجالاً أم نساءً، عبيداً أم أسياداً، وكلنا أصبحنا طائفيين، نسأل عن الإنسان قبل وجوده وإخوّته وإنسانيته، نسأل عن طائفته ومركزه ومعبده ولِمَن هو ولاؤه، قبل أن نسأل عن إيمانه ودعوته، وهذا ما يجعلنا أن نكون في ضياع حقيقي وإنْ كان التحدي هو البحث عن الأمن والاستقرار ومستقبل أجيالنا والحفاظ على القلّة الباقية من مؤمنينا وفي كنائسنا، والخوف كل الخوف من إفراغ وطننا من مسيحيينا بسببنا أو بسبب طائفيتنا وزماننا فنحن خميرة الحياة وبُناة الحضارة بعيشنا المشترك والحوار المتبادل، فالأخوّة الإنسانية تعلّمنا عبر القيم الأخلاقية والروحية والإنسانية، إننا دُعينا من أجل الجميع، فلا عبادة حقيقية لله بدون إحترام لحقوق كل إنسان وخاصة الضعيف والمحتاج، ونشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام والتدخل فوراً لإيقاف سبيل الدماء البريئة ووقف ما يشهده العالم حالياً من حروب وصراعات وأوبئة وكورونا، وتراجع وانحدار ثقافي واخلاقي، وتأليه الدولار والدينار، فما أحوجنا وأحوج عالمنا المتألم إلى رجال ونساء من ذوي الإرادة الصالحة، وتلك مقولة لقداسة البابا فرنسيس (الأخوّة الإنسانية)، وأن نزيد انفتاحنا في إقامة علاقات احترام وعيش مشترك، وهذا لا يعني أبداً فقداناً لبُعد البشارة فتلك رسالتنا المقدسة، ولا يجوز أبداً أن نجعل بشارتنا للإنجيل حاجزاً فيما بيننا وبين شعوبنا فنحن لإقامة علاقات إخوّة وإنسانية والشهادة للإيمان كل في معبده لأننا مدعوون جميعاً إلى الاندماج في مجتمعنا فنحن شعوب مختارة لنحمل الرسالة لا لندفن رسالتنا لأننا مواطنون ومع الآخرين نجابه مصيرنا، فبآلامنا التي نقاسيها في أوطاننا سبيلاً لقداسة سيرتنا وأمانة لمسيرة شهادتنا، وعبرها نحمل لأوطاننا ولشعوبنا حقيقة شهاداتنا في أننا نقاسمها مرارة الحياة وصعوبة العيش، وننادي معهم من أجل بناء الوطن وحريته في حقوق المكوِّنات المتعددة في الكرامة والإنسانية، ولتكن تلك مفاهيمنا وليس بيانات يصدرها كبار زماننا ورؤساءُ ديارنا لنربح تصفيق الضعفاء وأصحاب المجاملات، ويموت صداها بانتهاء إلقائها، فلنكن شعاراً أميناً ولافتةً دائمة عبر مسيرتنا ودعوتنا... ليس إلا!.
لذا علينا أن ندرك محبة أرضنا وترابنا ووطننا، ولنشارك في حمل هموم الناس وأوجاعهم، فما علينا إلا نقاوم الظلم كما قاوم إيليا ظلم آخاب الملك وزوجته إزابيل، وقتل بثورة غضبه كهنة البعل، وحطّم أصنامهم، وعندما هرب تائهاً في الصحراء ظهرتَ له وعزّيتَه في وسط النسيم العليل لتلطّف عنفه وتدعوه للتعقّل والوداعة، فالرب نفسه علّمنا قائلاً "تعلّموا مني فإني وديع ومتواضع القلب" (متى29:11) فلنذهب إليه لنجد راحة لنفوسنا، فهوذا يرسلنا لنشفي منكسري القلوب ونُبصر العميان ونحرر المظلومين (لو18:4)، ونجاهد في سبيل الحقيقة ولا نأمر الله بأوامرنا أبداً بل لنكن مطيعين لمشيئته فهو الذي دعانا ولتكتمل مشيئته فينا وبيننا ومن أجلنا، فهو يفيض رحمته علينا، وبجرأة نُرذل الكلام الذي يقسمنا كما رذل إيليا النبي مقامَ كهنة البعل، وَلْنَقُل لسامعينا إنْ كان الرب هو إلهنا فلنتبعه (1ملوك21:18)، ولا نجعل من أنفسنا آلهةً لهذا الزمان فنترك الإله الحقيقي، ولنجعل الشعب يدرك صوت الحق بدل أن يسمع صوت المصالح الفاسدة ويعبد الأصنام البشرية الدنيوية المائتة، فنحن شهود لحقيقة الإله وحبه. ولنسأل أنفسنا دائماً: هل انتماؤنا هو للمسيح أم هل نعبر يومياً منا إليه؟، أم ماذا؟... ليس إلا!.
   الله، في المسيح يسوع، يدعونا نحن الكهنة، إلى أن نحفظ أنفسنا وأجسادنا وأفكارنا طاهرة من كل دنس وشائبة، ولننتبه من الشهوات العالمية وأنواعها، فاختيارنا عيش البتولية والأهلية حرية اختيارنا للتبتّل عبءٌ ثقيل يقول الإرشاد الرسولي "يعرّض توازننا العاطفي والاجتماعي للخطر" (ثالثاً/10 من إرشادات لاستخدام علم النفس في قبول وإعداد المرشحين للكهنوت؛ صدرت عن مجمع التنشئة الكاثوليكية؛ 19/11/2008)، فعيون البشر محدَّقة إلينا لتنال منا لأجل مصالحهم وإنْ كنا أبرياء، فوفاءنا لدعوتنا يجب أن يكون مهمازاً يقودنا في كل لحظة نحو حقيقة النفس والجسد وحفظهما طاهرين كي لا يشوِّهوا مسيرتنا ويجعلون من وجودنا عبئاً ثقيلاً لفساد القيم أو الأخلاق (لا سمح الله) والأمثلة على ذلك عديدة، فالحقد يولّد شرارة الكراهية، والكراهية تشعل نار الدمار، وإذا ما حلّ الدمار يضيع الثراء الروحي الذي بداخلنا وهم لا يهمّهم شيء في ذلك إلا مصالحهم وغاياتهم البائسة، ولكن لا نخاف فالرب معنا (متى20:28). فعفاف الكاهن رسالة سامية إن كان متبتلاً أو متزوجاً، ووجودنا في هذه الحالة من المؤكد أننا قررنا ذلك قبل سيامتنا، لنكون في حقيقة دعوتنا ورسالتنا وأوفياء للذي دعانا إليها الرب واخترناها بحقيقة حريتنا، والبابا بندكتس يقول "كل كاهن مدعو إلى السهر والحراسة أزاء قوى الشر المتلبّسة، وعليه أن يظلّ متيقظاً ويقف مستعداً وجبينه عالٍ في مواجهة تيارات الزمن والعصر ليقول الحقيقة، لأن الوقوف أمام الله يعني حمل أثقال البشر على كتفه" (بندكتس؛ قداس تبريك الميرون والزيوت المقدسة؛20/3/2010)، وهذا ما يدعونا أن نشعر أننا بحاجة وعوز للامتلاء من الله في حب الإنسان، فحياتنا ليست مُلْكنا بل هي مُلْك المحتاجين وهذا ما يدعونا أن نقسم خبزتنا ونوزعها على جياعنا قبل أن تكون مأكلاً لنا فقط، وهكذا كل ما وُهب لنا هو نعمة من رب العلياء فلا يجوز أن ننام وجيراننا جياع وإن لم يكونوا من "ربعنا" فربنا يقول "كنت جائعاً فاطعمتموني" (متى35:25)، وما ذلك إلا دعوة من الرب فهو عالم ببؤسنا فلنذهب إليه، فالله يرذل شديد الرذل كبرياء ضمير مَن يتنكر لحقيقة وجوده وتشويه إيمانه، فالخطر القاتل يحضر أمامنا عندما يشعر الإنسان المدعو أنه ممتلئ من كل شيء ولا يحتاج إلى الذي ملأه. وعلينا أن نعرف أنّ البشر لا يرون سوى الظاهر ولا يستطيع بصرهم الولوج إلى أعماق النفس حيث مكمن الخير والشر فلا تغتم إذن إن شجبوك ولا تتباهى إذا مدحوك بل أُجثُ لله وقل "إن كنت يا رب للآثام مراقباً فمن يبقى قائماً" (مزمور1303/3)، فكثيرون يغالون في تقديرهم أهمية ما يسمونه الصيت وغالباً ما يحركهم على صيانته وبحمية مفرطة، فالمحبة الأنانية لا الغيرة الحقيقة أما يسوع المسيح ترك لنا قدوة مغايرة "كان صامتاً ولم يفتح فاه" (مرقس61:14). ولنعلم أن جميع القديسين نظيره إضطُهدوا واتُّهموا فبعد أن يصنع الانسان ما بوسعه في أن لا يشكك اخوته يلزمه أن يكون مرتاح الضمير وإنْ حلّت به المذلّة فليستمر في طمأنينته فالله بكل شي عليم وهذا يكفيه. فالإنسان المتروك لذاته، المتخلي عن كل قاعدة مسلك، المنقاد لأهوائه وأمياله، إنه مستعبد للأضاليل المتنوعة وعبوديته للمال والجاه ومستعبد لشهواته ولرغائب شهواته وهل من عبودية أشر من هذه العبودية؟.
لذا فالخاتمة تقول لنا: نعم لنكن أحراراً، فالحرية الكاملة ليست سوى التتميم الكامل للمبادئ والمشورات الإنجيلية وجميعها تعود إلى أمر واحد وهو نكران الذات، بنكران الإنسان للحق الإلهي في دعوته. إخوتي، كفانا الإحاطة بأحبائنا والانعزال عن جماعة المؤمنين فنحن لسنا لأحبائنا بل لغيرنا أيضاً سوية فلنجعل الرب يمر في حياتنا يقول البابا فرنسيس (آب 2019) ولا يجوز في هذا الزمن المتاجرة وكفانا تسلطاً ودخول بيوت الأغنياء في مناسبات وغير مناسبات وننسى أن الفقراء واجب فالرياء حرب إيمانية إنسانية ضد الفقير الذي لا نطرق بابه فذلك حماقة إذ يضع الإنسان المرء أمله في الناس أو في المخلوقات، لا نخجل من أن نخدم الآخرين حباً ليسوع المسيح فما نحن إلا ضحايا لذا علينا أن نكون أطهار القلوب والعقول وعفيفي السيرة والمسيرة وعيشها وما هذا إلا حقيقة دعوتنا.
ختاماً، من المؤكد أننا قد أدركنا دعوتنا في المسيح يسوع وهي هبة سماوية وعبرنا يواصل الله حضوره ومشروعه الخلاصي فكلنا موضوع الله لأن الله يرى في وجهنا إبنه الذي أحبنا إنما ذلك سر عظيم فالكاهن الصالح عظيم بسيامته ومحبوب في رسالته فهو يسوع المسيح يعكس حقيقة الإله الذي أحبه فهو الطريق التي توصل الله بالبشر والبشر بالله، والكنيسة أمنا طوال تاريخها وتقليدها أعطت لنا مكانة عالية ولسيامتنا حقيقة سامية واعتبرت كهنوتنا مسيحاً آخر. ولنعلم أن الله دعانا لنقوم بعجائب واختارنا كي نكون حقيقة لمن لا فم له وصوتاً لمن لا صوت له لنوصل نعمة السماء إلى أبناء البسيطة فاختيارنا هذا دليل على الحب الذي وسمنا به فمَن لا يحب لا يختار وحبنا هو حقيقة صليبنا فلا يجوز أن نهرب من هذه الحقيقة لأن رسالة الكاهن بلا صليب يعني صليب بلا قيامة وإذا غابت القيامة غابت حقيقة الحياة وانتصارها فإما أن نكون للمسيح أو نكون ضده وهذا يقودنا إلى أن نكون أمناء لدعوتنا ففي القيامة تجلت في المسيح ربنا حيثما إنحنى وغسل أرجل تلاميذه وليس مَن يجلس على المائدة "أنا بينكم مثل الذي يخدم" (لوقا27:22) هذا هو الصليب الذي سلّمه الرب بسيامتنا إلينا عبر هذا نخاطب القلوب من أجل الغذاء الحقيقي. إنه طريق الصلاة الذي يقودنا إلى الرب، فنحن مؤتمنون على شعبنا وليس رؤوساء وأمراء دنيانا نسيّر شعوبنا كما نشاء وأن نعيش مسحة دعوتنا وكما يقول بولس الرسول إلى تلميذه طيمثاوس في رسالته الثانية (10:4) "أما أنت يا رجل الله كن قدوة في الكلام وفي التصرف، في المحبة، في الروح، في الإيمان، في الطهارة. واعكف على القراءة والوعظ والتعليم ولا تهمل الموهبة التي فيك المعطاة بالنبوة وأهتم بهذا وليكن تقدمك ظاهراً ولاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك لأنك إذا فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك واعلم أن محبة المال أصل كل الشرور لأنك إذا ابتغيته تضل عن الايمان" وبما أنك رجل الله فاهرب من كل شر واتبع البر والتقوى والإيمان والمحبة والصبر والوداعة وجاهد الجهاد الحسن وامسك بالحياة الأبدية واحفظ الدعوة بلا دنس ولا لوم واثبت على ما تعلمت وايقنت وأخترتَ" (11:6-15). إننا نسير في رحلتنا في الحياة، نسير في دروب لا نعرف نهايتها وأين وكيف ستكون، ولكن عندما نؤمن بمشروع الله الخاص لكل واحد منّا نسير بخطى ثابتة حتى لو كانت نهاية دروبنا الاستشهاد. فنحن نولد يومياً ونُصلب يومياً فإن خدمتنا في الكنيسة ولادة ورجاء ولا سلام لنا سوى السماء وحضورنا يظهر في أمانة حمل رسالتنا التي تعمدّت بالدماء الطاهرة وعرق المسيرة. فرسالتنا شهادة دائمة، فلا نخاف لأن الربّ معنا، دعائي إلى رب السماء أن يرافقنا في مسيرتنا الكهنوتية فنكون نوراً وعلماً ومحبةً وعلامة للخلاص حسب وصية ربنا يسوع المسيح... نعم ونعم وآمين.



31
كورونا .. فيروس بيننا !!
المونسنيور د. بيوس قاشا
       في البدء
فيروس كورونا "كوفيد-19" (COVID-19) عنوان عالمي يتصدر اليوم الصفحات الأولى من مسيرة الإعلام بمختلف فروعه المرئية والمسموعة ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وغَدا الشغل الشاغل للعالم بأسره، لدول غنية ولدول فقيرة، وسبّب قلقاً واسعاً، وبسببه تعطّلت الحياة كاملة لكونه عدوّاً قاتلاً ، بل "فيروساً" مخيفاً ومرعباً ومميتاً ، كما قدّمه لنا الإعلام المخيف، والذي أزاد هالة الفزع والهلع بنشراته الإخبارية وقنواته الفضائية، وبدأ يشعر الإنسان بأنه في خطر الموت الأكيد إنْ لم يحترس من أجل الوقاية منه، وبانتشاره  تغيرت ملامح الحياة  وبدأ الإنسان يتساءل: هل نحن في عالم نهاية الأزمنة أم بداية نهاية العالم؟، فالإنجيل المقدس يقول على فم المسيح الحي "وفي الازمنة الاخيرة " (متى 7:24-9) . فأين نحن من هذا كله بعد أنْ أُعطيت العديد من أوامر الحيطة والحذر، وأُصدرت عناوين مختلفة "الوقاية خير من العلاج" وماهي الطرق العديدة لتعميم الوقاية؟، وأضاف الخوف هلعاً بغلق المنافذ البرية والبحرية والجوية بين جميع بلدان البشرية، وتحولت العديد من المدن في أوطانها إلى مدن أشباح وشوارع أشبه مقفرة من عقولها، ولم يمضِ حدث عالمي باهتمام من قِبَل الحكومات وعالم الصحة والبيئة والنظافة والطوارئ مثل ما حصل مع "كورونا"، كما لم نعهد هلعاً كمثل هذا الذي أصاب دنيانا بحيث إصابة شخص واحد أمست تطغي على الأخبار ونشراتها، فالمشكلة ربما ضُخِّمت بأكثر من حجمها الحقيقي وربما يعود ذلك إلى الافتقار إلى الدواء الناجع والعلاج الأمين والشافي _ وإنْ كان البحث يجري على قدمٍ وساق _ و... و...
     العولمة وجناحاها

   ومع الهلع من فيروس "كورونا" كشفت العولمة عن علمها عبر جناحيها الإيجابي والسلبي، وحملت إلينا أسئلة عديدة وأجوبة مختلفة. ورغم الإيجابيات العولمية الجديدة في التقدم العلمي والحاسوبي والموبايلي، فهي في الآن ذاته مصدر لكثير من التهديدات كعولمة الأمراض والهجرة والفيروسات المحلية والعابرة للحدود عبر الصواريخ البيولوجية والمنفلقة، ومع هذين الجناحين بدأنا نتساءل جميعاً: هل سندخل مرحلة جديدة في مسيرة الحياة الطبيعية؟، وهل سنكون جميعاً في مصير مشترك؟، أم نحن نتجه نحو تحييد الآخر المختلف والخوف من أهدافه المعلَنة والخفية في الاحتلال وتدنيس حقيقة الاخوّة وإنسانيتها ، وقدسياتها الايمانية ،  وسرقة أموال الفقراء وخيراتهم لتجعل الإنسان وقوداً وأداةً لنشر تلك المبادئ القاتلة؟. وفي الآن ذاته، فالعديد من الدول الفقيرة لا يُحسَب لها إلا التدمير إزاء العالم المتقدم واللاهي بمصالحه وأنانياته، ومن هنا بإمكاني أن أقول: هل الأديان غدت معنية بهذا العالم الجديد وما يحصل؟، وهل أصبحت صلواتنا وأفعالنا لها تأثيرات معولَمة تتجاوز حدود بيتنا ومجتمعنا ووطننا؟، إنْ كان ذلك فعلينا جميعاً أن ندخل مرحلة المسؤولية، وبإمكاننا أن نكون خيراً وصحةً وبناءً ونزرع عالماً آمناً، كما بإمكاننا أن نصنع عالماً متوحشاً ومريضاً. وهنا يظهر جلياً ارتباطنا بالإنسانية وإخوّتها، وبإيماننا وحقيقته، قبل أن تكون العولمة المزيفة قد أبعدتنا عن الآخر المختلف، وأدخلتنا في نظرية المؤامرات والعقاب ليس إلا!.
    من أجل الوقاية

   وفي عراقنا الجريح كما في البلدان الاخرى ، قاد رؤساء الكنائس ورجال الإيمان وأئمة المساجد وشيوخ الجوامع حملة من أجل الوقاية ضد فيروس "كورونا" حمايةً لأبناء الشعب ومؤمني كنائسهم ومساجدهم ونحن لهم شاكرون ومدينون لاهتماماتهم ، وهمس الكثير منهم في آذان بعضهم البعض وأمام مؤمنيهم ما نصّه: إن كورونا (كوفيد-19) دعاية إعلامية واقتصادية في حرب بيولوجية شاملة بين الدول الكبرى ومصالحها...
   والبعض الآخر أكد: إن هذا الشيء ليس إلا كلام بسيط ولا يمكن تصديقه فما هو إلا لتدمير الدول والانسان وخاصة الانسان الفقير لوقف الهجرة القادمة من دول العالم الثالث وهي العالة على الجميع .
   وآخرون في المسيحية يقولون: يجب أن نكون شجعاناً ولا نخاف، فإيماننا عميق بما أعلنه الرب يسوع في إنجيله المقدس إذ قال "لا تخافوا أنا معكم طول الأيام" (متى20:28)، فلا نخاف الداء ولا العدوى لأن الرب حامينا.
   وآخرون اوصوا بعدم الجلوس الواحد بصف الاخر خوفاً من بعضنا البعض مكما علينا تجنب اللقاءات والمصافحات فمنع أخذ السلام في الصلاة وعلى الحاضرين أن يتركوا مسافة فاصلة بينهم وبين البشر الاخرين كما أضافوا الى عدم مشاركة الاحبة افراحهم واحزانهم ولا يجوز من احتضان قريب او بعيد او صديق فقد عزيزاً لنخفف شدة الحزن والفراق وتؤجل الزواجات كي لا يرقص الاهل والاصدقاء فرحاً بزفاف ابنهم أو ابنتهم أو صديقهم والوضع الكارثي شديد على كبار السن والمرضى نخاف منهم ونخاف عليهم انه الفيروس اللعين فقد وضعنا في اختبار اخلاقي عسير وما علينا إلا الامتثال لفرق الصحة وخلايا الازمات واصبحنا قطيعاً حتى في بيوتنا ومجتمعاتنا .
   وآخرون يلومون الله (أستغفر الله) ويقولون: إن الله هو الذي أرسل فيروس كورونا ليهلك البشر بسبب انتشار الخطيئة وابتعاد الإنسان عن الإله الحقيقي، ومذكّرين بما جاء في الإنجيل المقدس " وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في أماكن." (متى7:24)، ويُلحقون بها ما جاء في السر الثالث لسيدة عذراء فاتيما التي تراءت لثلاثة أطفال في البرتغال،وما قالته العذراء سيدة مديوغورييه ،وأخرى على هذه الشاكلة.
وأزادوا في توصياتهم همسَهم  في قدسية الصلوات وبالخصوص الاقتراب من القربان المقدس حيث أوصى رؤساء الكنائس ورجال الإيمان بأنه لا يجوز المناولة عبر الفم أو عبر الملعقة بل يجب أن تتم المناولة باليد خوفاً من الرذاذ المتطاير من فم المتناول حماية لرجل الصلاة والإيمان. وهنا انقسم المؤمنون بين المؤيدين والمعارضين، وأخيراً رضخت الأغلبية لهذا الأمر وإنْ كان قد اعتبره البعض جريمة بحق القدسيات الإلهية مدّعين أن القربان المقدس كونه مقدس فلا يمكن أن يُعدي الإنسان ولا يحمل فيروساً إلى الآخرين.إلى أن بدأ إفراغ أماكن العبادة من روّادها، وأُقفلت الكنائس، وأُلغيت القداديس، كما أُوقفت كل النشاطات الرسولية والكنسية والتعليمية خوفاً من العدوى بسبب التجمعات، وعلى الجميع ملازمة منازلهم، وأصبح الجميع يُنشد مصيراً واحداً مشتركاً، كما بدأوا يعيدون حساباتهم ومستقبلَ أجيالهم، ويؤمنون بأنه لابدّ من تجاوز هذه المحنة الكونية.
وإيماناً بما قاله الرؤساء وبما أُمرنا به وبما صرّحوا به رجال الإيمان، بأمكاننا أن نقول: أنه لا يجوز الخلط بين عيش الإيمان العميق وعيش العولمة الإيمانية العاطفية المزيفّة، فما علينا إلا أن نترك الإيمان العميق والحقيقي يفعل فعله في المؤمن لكي يُظهر زيف الإيمان العاطفي، كما لا يجوز أبداً بيع الإيمان بأقوال وتعليمات وأوامر خوفاً من...!، كما لا يجوز أن يُعاش الإيمان العاطفي ويسود في المجتمع لمصالح لها حساباتها السياسية والمصلحية ، ولحقيقة وجودنا الطائفي حيث ينشأ هنا صراع أكيد بين الإيمان العميق المعاش الذي يستند إلى الحقيقة العقائدية وبين الإيمان العاطفي والعولمي  والذي يستند في كثير من الأحيان إلى العلم الشخصي وليس إلى العلم الطبيعي، أي ينشأ صراع بين الإيمان وحقيقته وبين العلم وعقله، فما أراه وما أدركه أن الإيمان والعلم يسيران كلاهما في سكة واحدة لهدف واحد الا وهو  تمجيد الله من قِبَل البشرية العلاّمة عبر عقلها وغزارة علم الله الذي وُهب للإنسان كعطية حكيمة، وبها أفرزه وسلّطه على المخلوقات الأخرى... إنه الناطق.
     الفايروس بيننا

   توصي الوقاية من "فيروس كورونا" الموجود بيننا بأنه لا يجوز الاقتراب الواحد من الآخر، ولا يجوز اللمس أو العناق حرصاً لعدم انتقال الفيروس، ولكي لا يملأ داخلنا خوفاً وفزعاً. كما توصي الوقاية بالتحذير من المصافحة وما إلى ذلك، فحقيقة الاتصال بالآخر أصبحت عبر الاتصال دون أن أعرف الآخر، وغدونا نسمع ونرى الغرائب في هذه الأزمنة، وانتقلنا جميعاً من حالة البشرية الحسنة _ إذ أن الله لما خلق الإنسان رأى كل شيء حسناً (تك10:1) _ إلى البشرية المختلفة والمؤلِّهة لذاتها، وهذا ما يجعلنا أنْ ندرك أنّ فيروساً لا نراه وإنما نحياه وهو يعشعش في صدورنا ألا وهو فيروس الكراهية بين الأخوّة الواحدة والذي يسود عبر الطائفية بين أفراد المجتمع، والتعصب الديني والقومي والعشائري، وبتسلّط الأغلبية لتدمير الأقلية التي لا حول لها ولا قوة، وهذا ما يؤكد جلياً أن فيروس الكراهية قد أصابنا كلنا بداء الكبرياء في الأنانية والتوحد (حول الأنا) القاتلة والمميتة، عندها تنفجر العنصريات المختلفة، ويزداد عدد البؤساء والمرضى والجياع بين المجتمعات والشعوب، يموت الابرياء لمصالح كبار الزمن والماسكين بامور الحكم والادارة والمختلفة وبذلك ننسى عمل الله الواحد الرائع بأنه خلق الإنسان على صورته (تك27:1) وجعله متسلطاً على دبابات وحيوانات الجنة (تك26:1)، فالوباء الحقيقي الذي أصاب الشعوب هو كراهيتنا للآخر بنظرات ملوَّثة من اجل مصالحنا الضيقة  والذي جعله الله في جنة الحياة، والخشية الأكيدة تظهر في الابتعاد عنه وعدم التعامل معه.. إنها هوية أنانية ومصلحة كبريائية، وفي ذلك قال يوماً سارتر:"الآخر هو الجحيم الحامل للعدوى لذا يجب الابتعاد عنه والانعزال بعيداً، ولا يجوز إقامة علاقة معه لأنه أجنبي الوجود وغريب عن أوطاننا، غريب عن شعبنا. " إذ يقول أحد الكتّاب العرب ، ماذا يعني عندما لا نشعر بمعاناة إخوتنا ونغمض أعيننا عن رؤيتهم كي تتشابك الأيادي وتنطلق لبناء أخوّة إنسانية في أنسانية  أمينة وما ذلك إلا فعل خلاّق.فالاحداث التي نختبرها واحياناً نكون نحن أبطالها في الحرب تجعلنا نصمت ونتأمل بعمق في صفحات التاريخ ونحن نعيش الحزن وبحث عن رجاء يعزّينا كأننا غرباء عن صفحات التاريخ الاليم ولنتأمل كلمات الانجيل فنحن لسنا سوى رسل وتلاميذ والمسيح لنا هو المثال والقدوة في عالم بات مظلم بسواد الحقد والكراهية . ليس إلا!.

      البابا فرنسيس

   في العام الماضي (2019) وبالتحديد في الثالث من شباط، قام قداسة البابا فرنسيس بزيارة إلى الإمارات العربية المتحدة للقاء شيخ الأزهر الشريف وتوقيع وثيقة "الأخوّة الإنسانية". إن توقيعه على هذه الوثيقة جاء ليُظهر للشعوب والحكّام أن البشرية واجب عليها أن تدرك أن الإنسان هو القيمة العليا، وتاجها أن تكون أخوّة في مسيرة واحدة، خشبة إنقاذ تنشل الحكّام والشعوب من بحار المهالك والتباعد بينهم وبين أزمة الأصوليات الضارة والقوميات، وتنشلهم من يمّ العنصريات. والبابا يعتبر أن الأخوّة فعل خلاّق وعبر ذلك يسعى لتغيير وجه العالم عبر مبادرات ونشاطات وأفكار تدعو إلى التسامح والتعاون والعيش المشترك.
   إن البابا فرنسيس نادى منذ إعتلائه الكرسي البابوي وحتى الساعة بالعناية بالمرضى والفقراء وقبول المهمشين،وايواء المهجرين  ولا زال يشدّد على سماع صرخاتهم وآهاتهم،... إنها الأخوّة التي نادى بها البابا فرنسيس حيث تُرجمت الشعارات إلى أفعال رحمة ورأفة وشفقة ومودّة بين جميع البشر من أقصى المسكونة إلى أقصاها، وكل واحد باسمه، وكل واحدة باسمها، ما نحتاجه آذاناً صاغية، ولا يجوز أن نجرّب الرب يقول مار يعقوب (13:1) إن الله لا يجرّبه الشرّ ولا يجرِّب أحداً بل الشهوة تجرب الإنسان فتستهويه".....
 وهذا ما أظهره مؤخراً مع عدوى الفيروس "كورونا"، فقد قال في مقابلته العامة يوم الأربعاء 26/2/2020 بأنه قريب من العاملين الصحيين الذين يعالجون المرضى ويلتزمون بإيقاف العدوى، ويدعو كل واحد ليقوم بدوره لأننا نملك حماية الله الذي يسهر على كل فرد منا بمحبة الآب، كما هو قريب من الذين أُصيبوا بالفيروس أو الذين يشعرون بتهديد في هذا الفيروس.واوصى كهنته ان يكونوا اما المسؤولية ....
     واقعنا الحالي

   ما يحصل بيننا اليوم هو خلطنا الشاسع في عقيدة مسيرتنا الحياتية والإيمانية وخاصة بعدما استفحل فينا حب العولمة وعبادتها وإنْ كان من العولمة ما هو إيجابي يقودنا إلى حقيقة الإيمان العقائدي والذي يجعلنا أن نكون أمناء لِمَا نحياه، وما هو سلبي والذي يزيّن العاطفة بإيمان مطلبي وطقسي. فالعولمة المزيفة ترسم لنا مجموعة من حركات وطقوس وأدعية متنوعة وعبر مناسبات مختلفة ومتعددة، وتُظهر أنها حقيقة الدعاء، فتطلب من رب السماء أن يعمل ما نشاء، وما عليه إلا أن يلبي طلبنا، أو بمعنى آخر إننا نجعل من رب السماء سميعاً مطيعاً لطلباتنا، وعليه تنفيذها بحذافيرها مقابل أن نتلو له مزموراً أو دعاءً أو تمجيداً أو طلبةً، وبالحقيقة ما ذلك إلا صفقة تجارية ربحية بيننا وبين رب السماء، إنها عولمة مزيفة لا ندرك تزييفها لأننا نحن نريد ذلك وتلك مشيئتنا وليست مشيئته تعالى فمن المؤكَّد أن العولمة المزيفة أضرّت بالإيمان عبر خطابات مرتبطة بتدبير بشري باسم الله ، حيث تقول إن الله سلط المرض ولكن بسبب مفهومية العالم وانتشار الفيروس وسرعان ما بدأ يجتاح العالم كله، بدأ الخطاب الديني يتراجع، فبدأ هدف مشتركٌ  يجمع بين البشر، إنها الاخوّة والإنسانية في رسالتها المشتركة إذ توجه الجميع الى محاربته وأصبحت تشعر العولمة بهشاشتها هذه ، رغم علمها وتقدمها. أما حقيقة الإيمان العقائدي فما هو إلا الإيمان المعاش، فهو الاستسلام لرب السماء الذي يقول "إنْ كان لكم إيمان مثل حبة خردل لقلتم لهذا الجبل..." (متى20:17). فإيماني هنا هو علاقتي مع الله الذي أحبني وجعلني أحبه فآمنتُ به وتبادلنا حباً وقبلتُ به كما قبلتُ دعوته "لأتعشى على قربٍ منه وهو على قربٍ مني " (رؤيا20:3)، وحبه هذا علّقه على الصليب علامة وفائه من أجلي إذ قال "ما من حب أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه" (يو13:15). فقد جاء إلى عالمنا وسكن بيننا طاعة ومات على الصليب طاعة وفي كليهما لم يصنع إلا مشيئة إلهه إذ قال "لتكن مشيئتك لا مشيئتي" (لو42:22)... هذه علامة أمينة لحقيقة الإيمان المعاش.
   فالإنسان، المؤمن الأمين لإيمانه يحمل إيمانه في حقيقة حياته مؤمناً أن الله قادر على تلبية طلبه، فيسأله الشفاء ويحمل أقواله في مسيرة حياته، ولكنه لا يفكر أبداً أن الله سينزل من السماء لأنه مؤمن بقدرته عبر مسيرة إيمانه إلا إنْ كان ذلك معجزة (وهذا ما حصل في زمن الرب مع الشعب) "إيمانك خلصك" (لو19:17)، "لم أجد ولا في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا!" (لو9:7)... ولكنه يؤمن بإمكان الله أن يقوم بأعجوبة ما، فصلاتنا للمريض واجبة حسب قول مار يعقوب "وإذا كان بينكم مريض..." (14:5-18)، وفي الآن ذاته يؤمن المؤمن أن استخدام وسائل الطب ممكنة للشفاء وإنْ كان يتمنى أعجوبة وهو يدرك تماماً أن الأعجوبة لا تحمي مَن يُشفى عجائبياً من المرض ثانية ومن الموت ولنا في ذلك لعازر حيث أقامه الرب من الأموات، أحياه ليظهر قوته الإلهية ويؤمن به اليهود. (يو11) لغاية إيمانية. وأما إذا كانت الأعجوبة شرطاً للإيمان فربما تفسد العلاقة بين الله والمؤمن الأمين فيكون آنذاك إيماناً عاطفياً عولمياً مزيفاً. فحينما نمشح شخصاً(سر المشحة ) نؤمن بأن الرب قادر على شفائه، ولكن الأمر يتحول إلى مسيرة الحياة فيمنح مجالاً للعلم كي يظهر حقيقة عقله وغزارة علمه وهو يعلم أنّ الله بأمكانه أن يقوم بأعجوبة. ولكن ندرك جيداً أن الله منحنا عقلاً لنستخدمه ويميزنا بعقلنا عن الحيوان، فبالعقل علامة لإدراك الإنسان حقائق الكون، معه الإيمان يقرأ معاني هذه الحقائق... إنه الواحد يتقبّل الآخر.   فلا يجوز أبداً الخلط بين الإيمان الأمين والإيمان العاطفي العولمي، فالإنسان يشارك الله فقد "تجسد بيننا" (يو14:1) ويقول سفر الخروج  "فيصنعون لي مقدساً لأسكن في وسطهم" (خروج 8:25). ويقول مار أثناسيوس الرسولي  " جاء‏ ‏ونزل‏ ‏لأرضنا‏ ‏ليصعدنا‏ ‏لسمائه‏ " . إنها الأخوّة في مسيرة إنسانيتها كما هي حقيقة ألوهيتها، فيسوع المسيح إله وإنسان، وقال القديس من القرن الثاني "إن مجد الله هو الإنسان الحي" فلا يجوز أبداً الخلط بين الإيمان الذي نحياه في مسيرة حياتنا والإيمان العاطفي بعلمه العولمي، فبالعقل يتقصى الإنسان حقائق الكون وماهيتها، وبالإيمان يقرأ معانيها.
     إرادة الله

   من المؤكَّد أن العلماء وبالتعاون مع الأطباء ومنظمة الصحة العالمية سيجدون أمصالاً تقينا من هذا الفايروس المخيف، فقد سبقهم في ذلك غيرهم من العلماء في إيجاد أمصال من الفايروسات التي حاربت البشرية حتى اليوم... إنه تحدٍّ لا نفهم أبعاده، ولماذا هذا الداء؟، ولماذا الآن؟، ولماذا استُنفر الإعلام المخيف لمتابعة مسيرة الفايروس؟، والسؤال يبقى: مَن يقف وراء هذا الفايروس؟. إنه سؤال لا جواب له إلا من قِبَل الذين خطّطوا لهذه المسيرة المميتة في جعل الإنسان أداة تُباع وتُشترى، وآلة بأيديهم يستخدمونها متى ما يشاؤون، والحكم الأمين له ما هو إلا المصالح والمال الفاسد والكراهية المقيتة للإستيلاء على الآخر كبرياءً وأنانيةً وحساب حقيقة الربح والخسارة.
   نعم، تقدَّمنا في العلم ولكن الأخطار والأمراض والأحقاد والكراهية والطائفية والعشائرية تطورت وتنوعت معنا ومع محسوبياتنا، لذا علينا أن نسأل أنفسنا عن معنى الحياة وكيفية عيشنا، إنه استحقاق يتجاوز نظرتنا لمكافحة الفايروس الفتّاك إلى ما هو أنفع وأرفع لأننا خُلقنا بشراً، فلا فرق أن نميّز بين غني وفقير، مسيحي ومسلم، صابئي وإيزيدي، فنحن جميعاً أخوة كما نحن كلنا إنسان. إن هذا الفايروس يذكّرنا أننا بحاجة إلى التواصل مع بشر كي نفتش عن اختيار إنسانيتنا ومنظومة الأخلاق التي تحكمنا لنكتشف الآثار الكارثية على أصعدة الحياة، وفي عالم من العولمة همَّش الضعفاء وسحق الفقراء وجعل النسيج الاجتماعي عند أضعف أوضاعه في أيامنا هذه. فنحن في النهاية أسرة واحدة وإنسانية معذَّبة تعيش على أرض واحدة، وحين تتألم فإنها تشعر بالألم الواحد، وفي نهاية المطاف ترفع أكفّها بالدعاء والتضرع لربٍّ واحد. وجميل أن نقلق على صحة الإنسان عندما نجتمع للصلاة معاً، ولكن ليس من حق أحد أن يقول إن الله يريد "كورونا" للإنسان. ولكي ندرك ذلك علينا أن نفهم إن إرادة الله ليست إرادتنا ولا يمكن أن ندركها بعقلنا بل عبر مسيرة الحقيقة الإيمانية التي نحياها. فالجهل وقلة المسؤولية والخوف على الذات يمكنه أن يقلق على صحة الناس، فالله يرشدنا باستعمال علم الدواء بحقيقته وعلينا أن نحافظ على تعاليمه كي لا نخلط بين إرادة الله وبين الطبيعة المتمايزة عن الله ولو أنها خليقته. فالإنسان من المؤكَّد أنه يخشى من هذا الفيروس المزعج والمخيف الذي انتشر في أصقاع العالم المختلفة،وأخذَ البعض يتكهن إنها نهاية العالم ، ومع هذا عليه أن يدرك جيداً ويخشى أكثر من أن إصابة هذا الفيروس لجهاز واحد في طبيعتنا ولكن الأكبر من ذلك فقد اصاب إخوّتنا في صميمها وإنسانيتنا في حقيقتها . عندما نغمض أعيننا عن معاناة إخوتنا بحجة كراهيتنا لهم، فنحن لسنا من درجاتهم، وعندما نجعل الآخرين خَدَماً لنا وليس أخوة، وعندما نبرّر بلغة كريهة غضبنا وخوفنا من الآخر الذي يقاسمنا مسيرة الحياة فقد قالت "الأخوّة الإنسانية":إنّ أهم اسباب أزمة العالم اليوم يعود الى تغييب الضمير الانساني والفلسفات التي تؤله الانسان وتضع القيم الدنيوية موضع المبادىء العليا . فالتطرف الديني والتعصب قد أثمر في العالم بوادر حرب عالمية ثالثة وعلى أجزاء وبدأ بتأجيج الكراهية والعنف والله لم يخلق الناس ليتقاتلوا أو يغيبوا أو يضيق عليهم في حياتهم فاية  نظرية بشرية هذه، فإمّا أن نتألم معاً وإمّا أن نتمجّد معاً، بانتصار الحقيقة على العاطفة، وبانتصار الحب على الكراهية، والخير على الشر، والفضيلة على الرذيلة.
     الخاتمة   
فلننتبه إلى أمور الأشياء، ولنأخذ الحقائق كما هي وليس كما نشاء، فالبشرية واحدة والخطر الكبير إننا مقتنعون بأننا قادة لأتباع ديانتنا في كل شيء وننسى أن العالم واسع وكل واحد منا له مساره وللإيمان الحقيقي رسالة سامية، وبهذا الاندماج تكون الحقيقة. فيوماً نجعل أنفسنا وزراء للأوقاف ويوماً وزراء للصحة ويوماً وزراء للهجرة ويوماً وزراء للعمل وننسى أن الحقيقة هي ما نحن إلا خدم لمسيرة الخلاص التبشيرية التي اختارنا من أجلها الرب يسوع حينما قال "اذهبوا وبشروا في الخليقة كلها" (مر15:16). فمع البشارة نحمل قليلاً من زوّادة كل علم ليرافقنا في مسيرة البشارة، لذا علينا أن ندرك ماذا يعني توزير الإنسان في مجال ليس من اختصاصه، فالعلوم الإنسانية والدينية لا تمنع أحداً من أن يكون مثقفاً إلى درجة سامية ولكن تمنعه من أن ينتحل رسالة ليست من اختصاصه، وهذا ما جعل الدوائر الدينية تختار أناساً اختصاصيين في مجالات مختلفة لكي يكونوا عوناً لها لأن ليس من شأننا كل شيء بل من شأن الآخرين، فربنا وضع _ كما يقول مار بولس _ أناساً في الكنيسة: أولاً رسلاً، ثانياً أنبياء، ثالثاً معلمين...." (1كور28:12). وهكذا، فالعلم وحده ليس كافياً ليعطي الإرشادات الممكنة ويحاول التنسيق بين أفكار القرّاء لتخفيف الأضرار واحتواء الكارثة، ولكن تندرج في مساره العديد من المجموعات تكون المصدر الموثوق... كما لا يمكن لأصحاب العلم أن يقولوا شرعاً بوسائل الدين وأحكامه، لأنه لم يُعطَ لهم ذلك وإنما أُعطي لرجال الإيمان، وما ذلك إلا حقيقة المسيرة في الأخوّة الواحدة، فالواحد يكمّل الآخر من أجل الحقيقة، وإنما ما يجوز هو النصيحة، والحقيقة هي عند العالم الأكيد ورجل الدين (الإيمان قلت) الأكيد. فأصحاب الاختصاص لهم أهمية خاصة هنا، وكل في مجاله . 
   نعم، تستطيع البشرية تجاوز محنة هذا الوباء ولكن الحقيقة هي أن الترابط والمصير المشترك للإنسانية أصبح حقيقة علمية، لذا يجب أن تكون لنا مسؤولية الإنسانية مشتركة على مدى الامتداد الجغرافي للبلدان، لأن المآسي تبتدئ أحياناً من نقطة لم نعرها اهتماماً، فإن العديد من أماكن العالم يمكن أن يكون لها تأثيرات مدمِّرة في العالم. فالعالم أصبح مرتبطاً، وما يحصل بمنطقة جغرافية سرعان ما يمتدّ إلى العالم كلّه.ويبقى السؤال هل سنبقى نخاف من بعضنا البعض ، هل نحن سنمضي في عزلتنا وهل يكون مصير الفايروس يأكل منا بعد أن اصبح العزل سياسة مقبولة وسيبقى السؤال: هل نحن في بداية نهاية العولمة والذهاب إلى الانعزالية أم لأ؟ فالمثل يقول " من يمتلك الصحة يمتلك الامل ومن يمتلك الامل يمتلك كل شي" وإنشاء الله كل شيء يمضي وتبقى ايامنا تذكر فايروسها ، والحقيقة ان الفايروس لا يتمثل فقط في تهديد حياتنا بل في تحطيم حياتنا الاجتماعية فقد اصاب قيمنا الانسانية كما الروحية قبل اجسادنا فما لنا إلا أن نتوجه إلى الخالق ليشمل الجميع برحمته ويُطهر العالم من هذا المرض الفتاك. ولنُعلّم شعبنا ونرشده وندلّه الى حيث اصول مياه الينابيع ليستقي من ماء الحياة الابدي وليس من بئر السامرية الدنيوي إنه إيماننا فهو قال لنا " الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ"( يو4: 14) ولنكن مثل  النبي إشعيا الذي بشّر بالفرح والتعزية والرجاء لشعب الله "عزّوا، عزّوا شعبي، يقول الرب إلهكم" (اشعيا1:40-3)، وأملنا أنّ الرب " سيأتي لنجدتنا فلن نغرق ( متى 25:8) فهو لنا خلاصٌ في كل شيء" من الفايروس. نعم وامين .



   
   





32
اليوم ، إلامَ يدعونا الله (الحلقة الرابعة)

المونسنيور د. بيوس قاشا
الله ، في المسيح يسوع ، يدعونا نحن الكهنة ، إلى أن نكون شهوداً
 للحق وشهداء لمسيرة تجسد المسيح ومجيئه إلى هذا العالم حيث ذاق كل أنواع
 الأوجاع من طرد وشتم واضطهاد وإهانات كثيرة وحتى وهو في أرضه بين شعبه وصحبه. هو الذي طُرد من المدن من قبل الناس الذين لم يريدوا سماع الحقيقة وكانوا يجتمعون ليوقعوا به من سطح الجبل، هو مَن شفى المرضى من أوجاعهم وقالوا أن عمله من الشرير. نعم، تألم المسيح لهذا الحد ليعزّينا في كل مراحل حياتنا، ويقول لنا مهما شعرنا بالخوف والوحدة والضعف "لقد غلبتُ العالم، ثقوا وآمنوا بي" (يو33:16). وتلك قدسية مسيرتنا وعظمة دعوتنا حيث بدأت تظهر تعاليم غريبة، وتعلو أصواتٌ تعتبر النبوّة رسالتها، كما ظهر مسلّطون يعتبرون أنفسهم أنبياء يتاجرون بشعب الله ومؤمنيه. فالدعوة تناشدنا اليوم أن ننتبه من الحقائق المزيفة التي يتبنّاها كبار زماننا، ورؤوساء دنيانا ،وأمراء بلاطاتنا، فدعوتنا هي سهرنا على شعوبنا كي نعطيهم القوت في حينه (متى45:24)، ولنرعى أبناءنا بحسب حب قلب يسوع، ونكون لهم قادةً شجعاناً وليس رؤساءً ، رعاةً أمناء، وخدماً أوفياء، نزيّنهم بغيرة إيليا وجرأة يوحنا ووداعة الرسل والفقراء وحقيقة الإنجيل والبشارة، ونعلن مسيرة المسيح شهادة للحقيقة في سيرتنا الذاتية في أن نفتش عن الجائع والعطشان، ونسأل عن المريض والجريح والبريء المظلوم، وندافع عن العريان المسكين، ونزور السجين حاملين إليه تعزية السماء، ولا نطرد الفقير من أبوابنا بحجّة أنه لا يحق أن يستعطي أمام أبواب ديارنا ، دون أن نخاف الزمان وكباره والأيام ومناصبها وأوامرهم وأهدافها،  وما علينا إلا أن نشهد  للحقيقة في وجه الأقوياء كما فعل ربنا يسوع المسيح حينما قال  لحرس حنان " لماذا تضربني الأني قلتُ الحق " ( يوحنا 23:18 ) ،" فالرب أرسلنا لنهيء الطريق للمسيح الحق كما قال يوحنا المعمذان " (مرقس 1: 1-8)  فالخوف كل الخوف من الذئاب وفراخها والتي تدخل سياج الرعية وتفتك بالقطيع والشعب فتسرق وتقتل بنداءات مزيفة ومصالح فاسدة، فتضيع مسيرة حياتنا وتضيع معنا دعوتنا، وبالتالي تفرغ قلوبنا من المسيح الحي وتمتلئ من الروح الشيطانية التي تأتينا "بثياب الحملان" ( متى 15:7) . ولنعلم جيداً أنه مَن اعتصم بالبشر وترك الاعتصام بالله خاب ظنه، فحتى لو إتّكلنا على العظماء والرؤوساء والأغنياء والمقتدرين ومهما كانت وسائلنا فما ذلك إلا ضعف، وفي أي حال فهي لا تدوم وإنما ما يدوم ويبقى هو حقيقة السماء فالحياة مسرح كبير ، الفقير يمضي والغني يمضي ولن يبقى إلا صوت السماء وهو حقيقة الشهادة، فما علينا إلا أن نجعل من أرضنا سماءً شاهدة على أعمالنا الصالحة وغيرتنا المتفانية ومحبتنا غير المتناهية فنحن شهود للحقيقة وشهداء لمسيرتها.وفي هذا الصدد يقول البطريرك ميشيل صبّاح " يجب أن لا نشعر أبداً أننا غرباء عن الشهادة لدعوتنا وان لا نُشعر شعبنا أن الذي دعانا هو غريب عنّا فما نحتاجه أن نحياة حقيقة دعوتنا "
لذا علينا  أن نحب شخصيتنا ودعوتنا ورسالتنا ونكون أمناء لسيامتنا، فما نحن إلا جسر ناقل للإنسان من جانب إلى آخر وليس عائقاً وصدّاً أمام مبتغى الآخرين في لقاء الإنسان مع يسوع المبشر والمتجول في أزقة الحياة. لا نخاف الدنيا، لنقيم علاقات بشكل ناضج مع المهمَلين والبؤساء والعشّارين والخطأة لكي نربحهم لمسيرة الحياة وحقيقتها ومع كبار الدنيا لمصالح أبناءنا ورعايانا، وإنْ قالوا عنا يوماً ما قالوه لربنا وإلهنا يسوع المسيح "إن سيدكم يأكل مع العشّارين والخطأة" (مر16:2).فذلك يدلّ على عمق قضيتنا وإيماننا وأندفاعنا المميت ، فالغنى الحقيقي هو في حمل كنز الله الخلاصي والشهادة الامينة لتمس قلوب البشر العطشى الى الخلاص ، فهذا ما  يجعلنا ندرك حقيقة إنسانيتنا ومواهبنا والقدرة على تفاعلنا مع رسالتنا الكهنوتية ودعوتنا السماوية، فنحن لسنا من المشترين للذمم والمناصب بمصالح ومجاملات بل نحن محبّون لجميع الذين من حولنا لأننا دعامة أكيدة لبيت الرب الذي نخدمه، فتفاعلنا الكهنوتي وقدرتنا السيامية لا يتفاعلان إلا مع جماعتنا في العائلة كما في مجتمعنا، وكنائسنا وأبناءها ورعايانا ومؤمنيها ، ووطننا وشعبه ومكوِّناته، ومدعوون أن نجعل الحياة في أرضنا الجريحة فنحن دواء لها، وقديسوها مثالاً لآل بيتها، فلا نفقّر شعبنا بفقرنا لمسيرتنا ولأمانة سيامتنا ولوفاء دعوتنا، فنحن في هذه الأرض حجّاج ارضيون بدأنا مسيرتنا لنصبح من آل بيت الرب. ولنسأل دائماً: هل نجعل مسيحنا خلف ظهرانينا ثم نعود إليه بعد انتهاء احتفالاتنا ومناسباتنا كوننا الهة الزمان!  أم نحن شخصيات صماء !  هل تعلمون أن الحقيقة هي حقيقة مسيحنا وليس حقيقة أنفسنا وأنانيتنا وكبريائنا. فإذا ما ركعنا قدّام أرجل الناس فنحن أقوى منهم وأجرأ لأن معلّمنا سبقنا في ذلك. فلا نتقاعس عن تأدية واجب إنسانيتنا وعيش حقيقة دعوتنا، ولا نخون المسيح الذي أحبنا ونسلّمه مرة ثانية لبيلاطس، ونأمر بجلده، ونضع إكليل الشوك على رأسه، ليحاكمه قيافا الزمن وحنان كبير المنافقين ،  ونسلّمه إلى الموت من جديد، ففي ذلك نشترك في إهانة وتشويه وجه المسيح الحق وهذا يدلّ على مدى أبتعاد المسيحية الحقيقية عن الرؤوساء الارضيين الزائلين ومدى توغلها في الشهرة والامجاد الارضية للتفاخر والتباهي ليظهروا أنفسهم للناس البسطاء ما مدى تقواهم وورعهم بينما الروح المسيحية ماهي إلا لاجل عمل المسيح وأنجيله... ليس إلا!.
الله ، في المسيح يسوع ، يدعونا نحن الكهنة ، أن نكون شجعاناً كي لا نيأس من الحياة ولا ينطفئ ضوء شمعتنا في مسيرة الدنيا، فالحياة مليئة بالأشرار والمصالح وفساد القيم، كما هي مليئة باناس صالحين وقديسيين،  وهناك مَن يسير عكس أفكارنا وتياراتنا المُحِبَّة، ويقولون فينا سوءاً قدر ما أستطاعوا ، ويحاولون جهدهم كي يغيروا الأمور نحو مساراتهم الأنانية والتدميرية،بسبب غرورهم من حقيقتنا، ويجعلونا أحياناً محاصَرين كي يكونوا سبب إحباطنا أو تشاؤمنا، فلا نيأس فقد أبغضوا قبلنا معلّمنا (يو18:15). فما علينا إلا أن نكون لهم مثالاً، فاليوم كثيرون فقدوا الأمل في الحياة، ويرون حياتهم تموت أمام قسوة مجتمع لا يُصغي، فدروس الأخلاق الآن لا تنفع، وقد ارتفع صوت الكثير على وسائل التواصل الاجتماعي ضدنا، وعلى نوعية الكلام والشتائم التي نسمعها (وللأسف) على الهواء وتحت الهواء وفوقه، وإن ذلك لأمر مشين، ولكن لندرك مهما كان فأولئك هم أولادنا، وتربّوا في رعايانا وهم يحبون كنيستهم ويعيشون إيمانهم .وهذا ما يدعونا إلى أن نبدّل واقعنا فقدْ فقدَ الكثيرون ثقتهم بكل ما حولهم وما ذلك إلا لندرك  لومهم لنا ونفحص ضميرنا أفراداً ومؤسسات لنعيد بناء هذه الثقة وبعدها نحاسبهم. إنهم أملُنا وغدُ كنائسنا ومجتمعنا، إنهم أولادنا، لنفحص ضمائرنا. فمهما كان فلنكن لهم إيماناً يحوّلهم إلى نور الحياة ورسالة تحملهم إلى حقيقة الشهادة،وليس سبباً في إبتعادهم عن معابد الله وهياكل الصلاة ،  ولنؤمن أن ظلام الدنيا مهما كان كبيراً ومخيفاً ستزول معالمه وتفنى هيبة الظلمة ونجد دعوتنا شمساً تضيء لنا طريق الحياة فلا يمكن أن نكون عبيداً لأن العبد لا يعلم ما يصنع سيده، أما نحن فدعانا الرب أحباء أحراراً لأنه أعلمنا بكل شيء (يو15:15). فلنتحمل مسؤولياتنا بأمانة، ونكون أوفياء للذي دعانا،مملوئين من عطاء الأباء والقديسين ونحمل مواهبنا في "آنية من خزف" (2كو7:4).فشجاعتنا عبر مسيرة أيماننا كي نشهد بها أمام ثعالب الزمن وذئاب الدنيا شهادة لحقيقة ايماننا بالمسيح الاله .فرسالتنا ليست النظر إلى الوراء وإلى التافهات من الأمور بل إلى الأمام فمَن ينظر إلى الوراء لا يستحق أن يكون تلميذاً للمسيح الرب الذي دعانا (لو62:9). فالقرار بأيدينا، والنعمة من الحي القيوم.في أن نكون "ملحاً ونوراً" (متى13:5-14)،وهذا ما يدعونا اليه البطريرك ميشيل صبّاح  قائلاً:" في أن نكون بشراً ناضجين ونتعلم كيف نكون شعباً بشجاعة لا مثيل لها " إذ بقدر ما نكون أمناء لمشيئة الله يقول البابا فرنسيس "نكون أكثر فرحاً ونحمل ثماراً وافرة " وأيضاً حينما نكون ذلك نُبعد عن المجتمع الذي نحن فيه جراثيم الفساد ونقاوم التردي الأخلاقي والخطيئة " ، لأننا بذلك نؤدي شهادة لقيم النزاهة والأخوّة بدون السقوط في الإغراءات الدنيوية مثل الأصولية والسلطة والثراء والمحسوبية والوثية الصنمية ، وإن سقطنا (لا سمح الله) وأخفقنا في مسيرة ما ننهض من تراب أخطائنا لنسير بشجاعة مجدَّدة وصبر أمين لنكون من جديد حضوراً ولو متواضعاً، وما ذلك إلاّ بناء أمين. فنحن هنا نور لنزيل ظلام الدنيا ونفسح المجال لرؤيانا، فالمسيح الذي دعانا يحمل نوره إلينا لنضيئ بدورنا ونعلن إنجيله عبر أعمالنا الصالحة (متى16:5).
 لذا لنتوجّه بشعوبنا نحو الله لاختبار صلاحه ورحمته من أجل إزالة الأحكام المسبَقَة والتشهير، ونجعل نور الحقيقة يعود إلى أوضاع لوَّثها الرياء والكذب، والذين يخلطون الدين بالسياسة ، فما نحن إلا أدوات كي نوصل نور المسيح إلى الآخرين وليس التبشير بنورنا .فقد قال قداسة البابا فرنسيس،لا نخاف من العيش في العالم حتى وإن كانت في العالم نزاعات وخطايا، فنحن أمام العنف والظلم والقمع ، لا يمكننا الانغلاق على ذواتنا أو نختبئ من أجل أماننا، ولا نجعل كنيستنا تنغلق على ذاتها وتغلق أبوابها بسبب الاوبئة والتهجير والحروب ، فلا يمكن أن نهجر كنيستنا ولا أن نهجر دعوتنا، فدعوتنا رسالة بشارة وخدمة، فنحن في العالم من أجل العالم وخلاصه ، والرب يحمينا من روح هذا العالم لنسمع صراخ البائسين وآهات المرضى والحزانى، ونكون لهم ملحاً ونوراً... إنها دعوة البشارة كي نتفوّق في عمل البِرّ لأننا متفوقون "في كل شيء، في الإيمان والبلاغة والمعرفة والإقدام على كل شيء" (2كو7:8)، فلنحفظ الوديعة (1طيم21:6) بأن نمتلئ من نور المسيح ونكون ملحاً للشعب البائس ولا نحابي الوجوه أو نخاف من الملوك والسلاطين والمسؤولين كبار زمننا أو صغار دنيانا ، فيوحنا قاوم سلطاتهم الدينية والمدنية اليهودية إذ قال " يا اولاد الافاعي من دلّكم على الهرب من الغضب الأتي " ( لوقا 7 : 7- 9) فقد كان يوحنا بطلَ الأنبياء ثائراً وشاهدا للحق ، وشهيدا من أجل الحقيقة ففي ثورته كانت ثورة التوبة والتغيير لاعادة اصلاح مفاهيم الايمان ومنظومة الحياة وإخلاقية الجمال والغنى لان الايمان هو الحياة والعمل،  والجمال هو وجه الله في وجه الانسان والغنى الحقيقي هو الفقر بالروح من أجل الله والانسان . فنحن بذرة نبوية في أيامنا هذه فلا نساوم على مبادئنا بمجاملة مصلحية زائلة ، في سلطان كبير أو صغير في عبوديتنا لكبار زماننا،  فالوضع الحالي يحتاج من يرعى مؤمنينا جميعاً على السواء دون تفرقة  وتمييز اجتماعي ، ويخدمها ويحمل عنها الضيم والكبرياء والانانية والمصلحة بالتواجد معها والعيش بجوارها ومقاسمتها الحياة بمرّها وحلوها كما يقول البابا فرنسيس " أن يشمَّ ريحة( رائحة) خرافه "، وليس رائحة عطره ونوعه، - ومن المؤسف هذا ما يحصل اليوم- ومهما كان لا نيأس من الحياة بل فلندرك أننا لسنا لأنفسنا (1كو19:6) ولا يمكن أن يفتح لنا الرب باب السماء دون غيرنا، فنحن نورٌ وملحٌ لشعبنا لنضي له درب الحياة في شهادة لحقيقة ايمانه بالاله إبن مريم القديسة ، أم الله  ، فصراعنا مع الارواح الشريرة وحيلها العالمية ومع كبار الزمن وسلاطينه والذين يعملون من أجل مصالحهم ومناصبهم لن ينتهي إلا بحقيقة مثالنا في أن نكون أيليا النبي حامل حقيقة الله ويوحنا شاهد الحقيقة الجريء،  ليس إلا!. ( شكرا لمتابعتكم ، والى الحلقة الخامسة )



33
اليوم، إلامَ يدعونا الله!! ( الحلقة الثالثة)

المونسنيور د. بيوس قاشا
 الله ، في المسيح يسوع ، يدعونا نحن الكهنة  إلى حمل بشرى الخلاص بفرح عظيم وإذاعتها دون خوف، فقد قال في إنجيله المقدس "احملوا نيري عليكم وتعلموا مني .. (بشارتي)" (متى29:11) و"إعلنوها للخليقة كلها" (مر15:16). فإنسان اليوم متعطش إلى ملء جعبته رجاء الحياة وفرح الأيام، وإن كانت ايامنا قاسية فالله أرسلنا جميعاً لندرك حقيقة الألم والضعف والموت التي يقاسيها إنسان اليوم فنكون له أملاً في مسيرته ومستقبله ، ورسلاً من أجله، وخدّاماً لأجل خلاص شعبه. فلا نخاف أن نفتح قلوبنا للمسيح الحي، ونملأ زيتاً في مشاعلنا وفي آنيتنا (متى4:25)، ولنطلب روح الحياة ليرينا طريق السماء فنحمل التعزية ونحن منتبهين إلى كل صراخ يعلو في منتصف الليل (متى6:25)، كي لا نكون عبئاً آخر على شعوبنا فربما نعرّض مسيرتنا للخطر بسبب ما يظهر في مسيرتنا من شوائب، فنحن في كل لحظة أمام خبر مشبوه لا نعرف حقيقته من عدمها ، وإذا ما كانت بشارتنا مبنية على رمل الحياة فالويل لنا، فالضياع نصيبنا، و"أعداؤنا من أهل بيتنا" (متى36:10)، وأما إذا كانت حقيقتنا مبنية على صخرة الإيمان بالمسيح الحي فلا نخاف،ولا نخجل من إعلان بشارة الانجيل  أمام  كبار الدنيا ، ورؤساء الزمن، وامام كبار الدار فهم صامتون كي لا يفقدوا دنياهم وهداياهم وصداقاتهم ، وصدق فيهم قول المسيح الحي " اضطهدوني قبلكم" (يو20:15)، فما علينا إلا أن نعلنها بشارة محيية، مخلِّصة، فالمسيح  كلمة أُرسل الينا ليقاسمنا الحياة وليشاركنا إنسانيتنا " فهو لمْ يأتِ ليُخدم بل ليَخدم" (متى 28:20) ويعمل معنا في روحه عبر مثالنا ولغتنا وصوتنا ومسيرة حياتنا وخدمتنا وإخلاصنا ووفاءنا، فنحن له ولزماننا أنبياء .
    لذا علينا أن نحمل رسالتنا في البشرى على أكتافنا وفي أعماق قلوبنا، نحملها بكل همّة ، ونصغي إلى صوت الروح ونستحضره ليرافقنا في مسيرتنا الدنيوية والروحية. " فما نحن له الا هياكل " (1كو19:6)، فالله لم يعطنا ـــ يقول مار بولس ـــ " روح الخوف بل روح القوة والمحبة والفطنة كي لا نستحي بالشهادة لربنا " (2طيم7:1-8). فلا نيأس إذا ما رفَضَنا كبار الزمان ورؤساء المكاتب والدنيا،  ومهما كان ، علينا أن نكون  صوتاً صارخاً في  وجه قوى الظلم والشر والكبرياء والذين يتاجرون بمستقبل الخليقة ويبيعون مقدسات الدنيا والزمن، لان بشارتنا تستدعي عدم لهونا باحترامات الزمن وتحيات الكبار ومجاملاتهم وما تلك إلا أمور الدنيا،  بل بالعكس تدعونا لنتاجر بالوزنات التي منحنا إياها الرب يسوع، ونكون لوزناتنا أمناء ولإيماننا وإنسانيتنا ولشعبنا أوفياء، ولنحمل حقيقة البشارة كما يريدها معلّمنا وربنا وسيدنا يسوع المسيح في الخدمة والعطاء، ولنكن آباءً لكل يتيم، وتعزية لكل بائس، ورحماء، وليس فقط مرشدين وواعظين وآمرين .وهذا ما يجعلنا ان  ننتبه كي لا نقلع البسمة من فم المحتاج والفقير اللذين هما " أعمدة لمسيرتنا ولهيكل صلاتنا"  كما يقول البابا فرنسيس وما علينا إلا أن " نمسح كل دمعة من عيونهم " ( رؤيا4:21) ، وتلك حقيقة بشارتنا السماوية والخلاصية ، شاركنا الله معاناتها في شخص يسوع المسيح، وإنْ صدَّنا مَن كان يحسب نفسه ملاكاً ورئيساً فلنطيعه ولكن لنقل له كلمة في الحق وفي المحبة ، مع أحترامنا الواجب،  فإن قبلها فخير على خير وإن لم يقبلها فتلك إرادته ، فلا مساومة على الإيمان، فالسير نحو الاستشهاد من أجل المسيح والإنجيل دون خوف أو تردد فمن سبقنا كانوا توّاقين وعلى استعداد دائم لتعذيبهم وقتلهم من دون تردد، وطُرحوا أحياء في حلبات المصارعة لتفترسهم الأسود والحيوانات الكاسرة بعد أن يقوموا بتجويعها. والبعض الآخر كان يُطرح حياً في براميل زيت محمّاة إلى درجة الغليان، أو كانوا يقومون بحرقهم أو بتقطيع أجسادهم إرباً إرباً. لقد قدّموا في ذلك أروع مثال للمؤمن المسيحي الحقيقي وإنْ وُجِدَ هنالك لقب ما على الأرض من ألقاب القدسية والتمجيد ــ بالطبع بعد المسيح ــ فيجب أن تُعطى لهم ولِمَن سار على دربهم ونهجهم القويم والسليم.كما سبق بولس الرسول وأعلمنا أنه قد ظهرت تعاليم مختلفة من كل جانب وضاع غنمنا في مراعٍ غريبة بين كثيرين فطوبى لوفائنا لأننا في ذلك نربح السماء"  ونكنز ما لا يُفسده سوس الكراهية"  (متى19:6) وتلك حقيقة دعوتنا  فهي تدعونا الى عدم التوقف عن إعلان البشارة الخلاصية ، فنحن خلق جديد لبشارة المسيح في عهده الجديد (2كو16:5).فلا نقلق للغد فالغد سيهتم بنفسه ، إلا لشيء واحد ، وهو دورنا في نشر كلمة الله فما نحن إلا شهادة في بلاد مضطربة فلا سلام لنا إلا في السماء . ليس إلا!.
 الله، في يسوع المسيح ،  يدعونا نحن الكهنة، كي نكون علماء في الحاسوب لا أن نكون عبيداً لآلة نحن اخترناها، بل في خدمتنا فاليوم يجب أن نعرف حقيقتنا بأننا نمثل الله على الارض وصحيح أننا بشر كالاخرين ولكن الله أختارنا وأعطَينا جواباً بكل حريتنا ومع إختيارنا لنا أصبحنا تلاميذ له بسياماتنا بل رسلاً . ومسحاء آخرين،  وعبر الحاسوب نُدرك خطوات مستقبلنا ففيه نكتشف شخصياتنا وكراماتنا، وفيه نقرأ ما يطيب لنا ولرغباتنا وربما لشهواتنا، وفيه نشاهد ما يُرضي نظراتنا ومبتغانا وعقولنا ويريح نفسياتنا... كل ذلك جميل ولكن ليكن في سراط مستقيم، فكل شيء يَحِلُّ لنا ولكن لا ينفع كل شيء كما يقول مار بولس  "كل الأشياء تحلّ لي، لكن ليس كل الأشياء توافق. كل الأشياء تحلّ لي، لكن لا يتسلّط عليّ شيء" (1كو12:6). فمواهب السماء أُعطيت لنا ونِعَم العلياء سُكبت على هاماتنا عبر أفكارنا العملاقة والالكترونية وحريتنا الإنسانية وعقولنا الإيمانية وعلومنا الغزيرة وكل ذلك كي نكون بُناة لمستقبل أفضل فنكون لرعايانا رسل الايمان في علم الروحانية والحياتية فنحن "أنبياء ومعلمين ومترجمين" (1كور13).
لذا فلنناشد بعضنا البعض في أن نكون في علاقة حميمة مع إنسانيتنا وعِلْمنا وعقولنا وحواسيبنا "لاننا إناءٌ مختار" (أع15:9). ولننتبه إلى ما نقرر ونتذكر تلك العبارة الكتابية ، "ليس كل شيء ينفع وليس كل شيء يفيد" (يشوع بن سيراخ31:37). كي نعيش أحراراً بقراراتنا وليس عبيداً لشهواتنا واستعباداتنا فنخسر زمننا إذا ما كنّا نقضي أوقات أيامنا باللهو وضياع الحقيقة ، ومستقبلنا المباع لمصالح النميمة والافتراء وإفساد مسيرة أيامنا عبر لهونا بشاشات زرعناها أمام عيوننا وأوجدناها امام أنظارنا ولم نعد نرى غيرها وهذا ما جعلنا ننسى صورة رعايايانا ومؤمنينا وربما نرتكب فيها خطايانا ونحن لا ندري وذلك يعني أن الشيطان هو الذي يحكمنا ويُسيِرنا كما يشاء ،وننسى انّ دعوتنا المقدسة هي أن نغسل أقدام بعضنا كما فعل ربنا (يو4:13-14). كي لا  نخسر ساعات زماننا عبر اللهو في مشتهى شهواتنا ورغباتنا في الحاسوب والاي بات ، وفي النوم واللهو واللعب والرحيل،  وكما قال مار بولس " اسهروا ، والويل للعبد الذي يبدأ في السكر واللهو وبضرب غلمان سيده " (لوقا 45:12) . فقراءة حاضرنا وواقعنا بنظرة مستقبلية علامة لقدسية أجسادنا وحقيقة دعوتنا عبر التقدم العلمي والالكتروني والانفتاح العالمي والتكنولوجي والبعد الإنساني والذي يشكّل أساس كل إعداد ودعوة وتنشئة، وهذه متطلبات حاجاتنا في زمننا هذا وفي أيامنا هذه، وليكن افتخارنا ليس بأعمالنا ومزايانا البشرية وإنما "ليكن افتخارنا بالرب" (1كور31:15) وبعطاياه. ومثالنا في ذلك  امرأة وضيعة وهي خادمة الرب إنها العذراء القديسة مريم ، وإنْ هي صارت عظيمة وأنشدت للإله فليس لأنها عملت بنفسها ما لم تعمله امرأة بل لأن الله هو الذي "صنع بها العظائم " (لو48:1). لذا علينا أن نتّعظ في مسيرة حياتنا فنكون أمناء لحقيقة دعوتنا، وأوفياء لعلمنا وتقنياتنا،فالشيطان يتربص فينا لذا فلنقدس ذواتنا بالروح القدس ومسيرة النِعَم التي توهَب لنا... ليس إلا!. ( شكرا لمتابعتكم ، والى الحلقة الرابعة  )

34
اليوم، إلامَ يدعونا الله ( الحلقة الثانية )

المونسنيور د. بيوس قاشا
واليوم نسأل أنفسنا كما يسأل العديد من المدعوين "إلامَ يدعونا الله؟"،
 وفي هذا الزمان بالذات المليء بالكراهية والطائفية في عراقنا الجريح،الغائص
بالمحسوبية والقومية، والمشبَّع بالدنيوية القاتلة والعولمة المزيَّفة وشراء الحقائق بدينار فاسد ودولار مسروق، ، وانحصار مسيرة الأيام ، وأخرى أمثالها ، وأصبحنا نتساءل اين الله أمام بيع الضمائر لمصالح أنانية ومنافع زائلة، وازدياد اتّهام الأبرياء، وأصبح الكذب مقدساً والتمليق والمجاملات والمظاهر الخارجية سبيلاً ومسلكاً للوصول إلى مبتغى الحياة في احترام خالٍ من محبة أمينة. ومما زاد في الطين بَلَّة استعمال الأجهزة الألكترونية الحديثة والحاسوب والاي بات  بتشويه صور الآخرين الأبرياء لغايات مدمِّرة للإنسان الحكيم والعاقل والبريء وتدمير مستقبله غشاً وتزويراً وانقياداً للرغبات الشخصية كما كانت خطيئة آدم، وكأنّ الله فوّض القائمين على العمل البائس هذا،  فضحَ الآخرين لغايات في نيّات، إنها حقيقة المسيرة، وأمام هذه الحقائق كلها والمؤلمة، نسأل جميعا اين الله في مسيرة دعوتنا الكهنوتية  ودنيانا ؟ هل أبتعد الله عن الانسان ؟ أم الانسان أنكر وجود الله ، وأهمل دعوته ؟  وأسلم نفسه وأصبح من أملاك الشرير والشرور،أم ماذا؟  لذا اسأل "إلامَ يدعونا الله اليوم وفي هذا الزمن بالذات؟".
 الله ، في المسيح يسوع ، يدعونا أولا وقبل كل شيء ، نحن رجال الكهنوت ، أن نكون رجال صلاة، بقراءتنا لكلمة الرب والتأمل بها كي نعيش حقيقة الصلاة فالرب يقول "صلّوا ولا تملّوا" (لو1:18)، ونكون أمامه في مسيرة الحياة علامة إخلاص لأنه أحبّنا، فهو حي في داخلنا، كما يقول الكتاب "حيٌّ الرب الذي أنا واقف أمامه" (2مل16:5). فالصلاة تقودنا على المحافظة على عدم ضياع مفتاح باب السماء للدخول ونتعشى مع المسيح الرب(رؤيا 20:3) فصلاتنا ما هي إلا مجموعة فيتامينات روحية وهي تملأ نفوسنا كي نبقى أقوياء وشجعانا لمحاربة كبير الأشرار ، وهيرودس الثعلب ، وحية عدن، وتلك حقيقة دعوتنا ورسالتنا  فإيليا بالصلاة كثّرَ "حفنة الدقيق وقطرات الزيت" (1مل16:17)، وبالصلاة "أحيا ابن الأرملة في صرفة صيدا" (1مل22:17)، وبالصلاة أنزل المطر بعد احتباسه ثلاث سنوات وحلّ الجفاف (1مل1:18) ،معنى ذلك أنّ  الله اختارنا من أجل الناس وخلاصهم، كي نساعدهم على حمل صلبانهم كسمعان القيرواني (لو26:23)، ولنقاسمهم كل السبل التي تقود الى حقيقة الحياة ولننتبه كي لا  نجعلها غطاءً لمصالحنا بل مقدمةً لرسالتنا كما علّمنا الرب يسوع حيث" كان يصعد الجبل ليصلّي" (متى23:14)، "كما كان يقضي الليل كله بالصلاة" (لو12:6). فلترتفع أصوات صلاتنا كبخور نحو العلياء، ولتكن صلاتناأصواتاً لا لرضى الناس وكبار الزمن ولكن أصواتاً تمجّد الله من أجل الإنسان كي تقوده إلى حقيقة الدعوة في لقائه فهو يعرفنا حق المعرفة.ولنجعل الناس يقولون كما قالت المرأة لايليا " الان علمت أنك رجل الله وان كلام الرب في فمك حق " (1ملوك 24:17).
لذا فلنناشد بعضنا البعض في أن نشارك مؤمنينا في ابتهالاتهم وصلواتهم، ونكون منتظرين إياهم في هيكل الرب وليس هم الذين ينتظروننا _ ومن المؤسف وهذا ما يحصل اليوم _  فتلك علامات الراعي الصالح .ولنكن بجانبهم وليس الابتعاد عنهم أوتركهم يرعون لوحدهم ،ونحن نذهب ونجيء من أجل أمورنا الدنيوية،  وفي صلاتنا لنتحلّى بروحانية عميقة وقيم إنسانية في مسلك نقّي عبر طهارة القلوب وصفاء النيات، وعبر ضمير حي ومميز، وأجمل صلاة نشاركهم فيها هي قداسنا اليومي حيث المسيح في قلوبنا يجدد دماء إيماننا،  وحقيقة دعوتنا ، وسبحة مَريمانا والتي نخجل _ ومن المؤسف_  أن نحملها معنا في ذهابنا وأيابنا،  وهل أجمل من هاتين الصلاتين ،  كما هو فرضنا الصباحي والمسائي والتأمل اليومي وتلك سبل قداستنا ووفاء لدعوتنا ومسالك أمانتنا كما أنها منشطات روحية وغذاؤنا اليومي ، ولنقل للرب دائماً " يارب علمنا أن نصلي " ( لوقا 1:11) فنعلّم أبناءنا صلاة القلوب وحقيقتها، ولنسأل أنفسنا دائماً أين عمل الله في  صلاتنا ؟ كما كان ايليا النبي،  وماهي الاعاجيب التي أجترحناها؟  بعدما قال يسوع ربنا " الحق اقول لكم لو كان لكم ايمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا الى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم"(متى 20:17) فإيماننا هو حقيقة صلاتنا ، فنحن في ذلك رجال الله في كهنوتنا ، يعني رجال صلاة ، أي كنيسة صلاة ، نعم كنيسة صلاة ، ليس إلا .
 

35
أليوم ، إلامَ يدعونا الله !!( الحلقة الاولى)

د. المونسنيور بيوس قاشا
من المؤكد أن كل إنسان مدعــو لحيــاة خاصة عبر مسيـرته الدنيوية الحيــاتية،
 وهذه المسيرة الخاصة بإمكاننا أن نسميها "دعوة"، وهي ناشئة من عمق إيمان الانسان
إيمان الإنسان، وعليها يبرمج المدعو مسيرته إما في الكهنوت أو في الرهبانية أو
 التكريس أو البتولية أو الزواج أو أخرى , وما أكثرها . وقد كتب العديد من الأخوة المحترمين والاباء الافاضل مقالاتٍ وفصولاً وخاضوا في هذا الموضوع الحساس ، ومعهم يسرني أن أخوض اليوم في هذا المضمار وفي هذا الزمن بالذات، فكل إنسان مدعو ، يؤمن أن تلك رسالته الشخصية، اختارها بحريته الكاملة دون ضغط أو إكراه، إلا القلّة القليلة من البشر يُجبَرون على اختيار دعواتهم بسبب إرادات وطلبات كبارهم لأنها تتناسق مع مصالحهم ومراكزهم ومناصبهم ومستقبلهم، وتلك حقيقة مُرّة ومبتغى بائس، وأنقياد للرغبات الشخصية واستعبادٌ لأرادة الانسان ليس إلا .
والدعوة بذرة سماوية ـــ حياتية مليئة بمحبة واهبها... إنها بذرة تحمل ثماراً يانعة كشجرة خضراء مثمرة. فالشجرة جميلة بمنظرها وحسنة بأوراقها وظلّها، ولكنها أجمل حين " تعطي ثمرها في حينه"( لوقا 42:12) ، فهي غذاء للجياع وما أكثرهم، فبذلك ما هي إلا هبة يمنحها الله للمدعو، وهي تختلف من شخص إلى آخر وحسب ظروف حياته وعيشه وحقيقة إنسانيته وتربيته ومحبته. فالله يبادر ويدعو كل إنسان بحريته، والإنسان يجيب أيضاً بحريته واختياره حسب قول الرب يسوع "لستم أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم" (يو16:15). والمهم في هذه المسيرة أن يكون حاملها مخلصاً، وفيّاً، أميناً، لا أنانياً أو مصلحياً، لذا فهي تحمل جواباً شخصياً وحساساً لأنها مصير الإنسان، وعليها يبني المدعو حقيقته في أن يكون حراً في اختياره... ليس إلا!.
كان هذا تعريف بسيط عن الدعوة والمدعو، وسوف لن أتطرق في هذا المقال إلاّ إلى المدعو إلى السلك الكهنوتي والرهباني والتكريسي ، وحسب خبرتي ورسالتي المتواضعة، وقد تطرقتُ إلى نفس الموضوع ـــ سرّ الكهنوت ـــ (  بمناسبة السنة الايمانية التي أعلنها البابا بندكتس السادس عشر في 19 حزيران 2009 وحتى 11 حزيران 2010)  واليوم وبعد أربعين سنة من الخدمة أسأل نفسي ودعوتي فما نحن إلا عائلة واحدة  : هل الله لا يزال يدعونا وخاصة في هذا الزمن الإلكتروني والتكنولوجي والحاسوبي والفايروسي  ، ومرور الوطن بأحداث عديدة من حروب إلى حصار إلى احتلال إلى محاصصة مقيتة  وطائفية بغيضة ،  وأخرى وأخرى؟.ليس إلا !.
في هذا الزمن كَثُرَ الحديث عن المدعوين في مسيرة الكهنوت، كما نحن اليوم بل في كل ساعة أمام خبر جديد، فالدنيا عرّفتنا وعلّمتنا كل شيء، وفتحتْ لنا أبواب الحياة والعلم والحاسوب "وبإمكان الإنسان، كل إنسان، أن يكون مدرسة لنفسه"، وهذا ما يقوله الإرشاد الرسولي "الكنيسة وتمييز الدعوة". والمدعوون يسألون أنفسهم: هل نحن في مسيرة مقدسة أم دنيوية عالمية؟، في مسيرة صائبة أم منحرفة؟، هل نحن في مسيرة صحيحة أم مشكِّكة؟، في مسيرة صادقة أم وظيفية؟، في مسيرة رئاسية أم مسيرة قيادية؟، وأسئلة عديدة تحمل كلها علامات استفهام وتعجّب أمام مجتمع متغيّر نحيا فيه ومعه، ونقاسمه مجالات لا تُحصى ولا تُعَدّ، ونشاركه أفراحه وأحزانه، صراعاته وآماله، وربما مآسيه، وما إلى ذلك.كما نعلم أن الوطن مرّ بأزمات الحروب والحصاروأرهاب القاعدة وأزلامها وإضطهاد داعش ومسيرته الوحشية  والاحتلال ، وفي هذه كلها قاسيتُ بوحدي مرارتها ومصابها وتبعياتها وعذاباتها ، ببقائي في العاصمة إيمانا مني بوفائي لدعوتي وعيشي لحقيقة رسالتي ، ولا زال الوطن حتى الساعة يئنّ تحت نير الاحتلال والفساد والمحسوبية والمصلحة الكبريائية، وقد سبقته في ذلك العنصرية والطائفية التي عشنا أيامها وسنيها بالخوف والألم والفزع، وكذلك العنصرية والسياسة البائسة والفوضى الحياتية وفساد القيم واختيار مَن هو لمصلحتي، وفضح الأبرياء لغايات في النفوس، وشراء الدنيا ومناصبها، وبيع الحقائق وقدسيتها،  بتقديس الدجل والكذب، واحتضان الفاسدين من أجل المصالح والغايات، وكأننا في زمن"  بابل وبرجها حيث الله الخالق بَلْبَلَ لغة سكانها"( تك 9) ، فنحن اليوم أيضاً مثلهم، لم نعد نفهم بعضنا بعضاً إلا غاياتنا ومصالحنا ورؤانا، وتلك حقائق الزمن وإنْ جمّلناها أحياناً عبر عقولنا وبياناتنا وخطبنا ومواعظنا برفقة أصوات تهلّل وترنّم، وأيادٍ تصفق وأذرع تحضن، وهذه الأمور كلها تجعل من دعوتنا مشتراة أو مباعة حيث لا ندرك حقيقتنا "ولا تصل إلى نضجها الإنساني والإيماني والمسيحي والخدمي، ولا تسمح لنا أن ندرك حقيقتها بوضوح " ، وإتمام نقاط مسيرتها لغياب الثقة والحقيقة والمحبة الخالصة وتفاقم الاحترام والتصفيق (مؤتمر الكنيسة وتمييز الدعوات؛ 9/11/2008)... ليس إلا!.
يحدثنا الكتاب المقدس عن شخصيات عديدة كأمثلة جريئة لمسيرة الدعوات المختلفة، فلنا في ذلك شخصان مثالان جديران بأن نتشبّه بهما وبحقيقة مسيرتهما وهدف رسالتهما وعمق إيمانهما وحبهما لخالقهما ألا وهما: النبي إيليا (الياس)، والصوت الصارخ (يوحنا المعمذان)، حيث كانا شاهدين وبكل جرأة مليئة برحمة الله ومحبته وبحقيقة الإنسان ودعوته، متّقداين بنور حب السماء وفي خدمة رب العلياء، وحملا رسالتيهما بكل جرأة إلى كل إنسان وإلى كل مَن ظلَّ طريق الحقيقة، طريق الإيمان والعبادة الحقة بروح النبوّة والالتزام الأمين. فالله يعرفهما وهما يعرفان الله حق المعرفة، ولم ينصاعا يوماً لأنانية الدنيا ولمصالح الزمن. وقد أكّد هذه المسيرة ربنا يسوع المسيح حينما جعل من هيرودس الملك ، ثعلب الزمان (لو32:12)، ولم يساوم يوماً حنّان أو قيافا من أجل قدسية الهيكل وخلاص الإنسان كما لم يؤلهما يوما، ولم يلقِ يوماً عليهما حتى التحية ، لأنه أدرك جيداً أن مديح الناس ما هو إلا في حالات الزمن. فصاحب الفضيلة "ليس مَن عظَّم نفسه بل مَن عظَّمه الرب" (2كو18:10)، وإن الحقيقة ما هي إلا قبول مشيئة الله وتحقيق رغبته. ليس إلا!.
لذلك يتميز الإنسان ـــ الذي خُلق على صورة الله ومثاله ـــ بدعوته وأمانته وغيرته وعلاقاته النابعة من عمق الحقيقة الإنسانية عبر المحبة "مَن أحبّني يحبه أبي وعنده نأتي وعنده نجعل مقامنا" (يو23:14)، فحيث نكون يكون الله أمامنا ومعنا وعوننا، مرافِقاً وملهِماً لنكون علامة مميزة لاستمرار عمل الله في الإنسان، ومعلناً ومنشداً "حيٌّ الرب الذي أنا واقف أمامه" (2ملوك16:5). فالله اختارنا بنعمته، فهو دعانا وفرزنا من بطون أمهاتنا (غلا15:1)، وبهذا الاختيار اعلمنا توما الاكويني " أنَّ عظمة وكرامة الكهنوت تفوق عظمة وكرامة الملائكة " من أجل ذلك أرسلنا في مسيرة الحياة وزوايا الألم لنعلن للشعب حب الله ورحمته كي نكون نحن رحمته "كونوا رحماء كما أن أباكم هو رحيم" (لو36:6)، ورحمته تكون لجميع البشر ومن أي أمّة كانوا أو دين أو عِرق أو لون(2كو20:5 و2كو1:6-10)... فما نحن إلا سفراء وكما يقول البابا فرنسيس " ممثلين للمسيح الكاهن الأعظم" من أجل رعاية شعب الله " . ليس إلا. ( والى حلقة قادمة )



36
أسطرٌ من مسيرة الحياة 

المونسنيور بيوس قاشا
في البدء
   إننا نحيا في زمن لا نعرف فيه إلى أين تتجه بوصلة مسيرته وأين سيستقر مستقبلنا كما مستقبل أجيالنا ؟. كما نحن في عالم مخيف حيث يغدو الإنسان وإن كنّا من طينة واحدة أكثر شراسة في كراهيته لأخيه الإنسان إذ لا يرى فيه إلا عدواً ومنافساً، وحيث الزمن غدّار وأيامه قاسية، ونهاراته متعبة، ولياليه مخيفة، فيه نحسب عدد سنينا وأيامنا بسبب عبودية المصالح الكبريائية والمحسوبية الطائفية والانفرادية المليئة بفيتامين الأنانية البائسة الرابضة في الضمائر المشتراة في مجتمعنا حيث يُقدَّس الفاسدون ويُبجَّل شهود الزور والمنافقون من أجل مصالح مغشوشة لمنافع دنيوية زائلة .
منعطف خطير
نعم ، يمرّ بلدنا اليوم بأخطر منعطف في تاريخه الحديث،وربما سيدخل نفقاً مظلماً لا يعلم ساعة خلاصه إلا سبحانه تعالى ( وهذا مالا نتمناه). وما نراه اليوم فاننا نرى بلدنا يعيش مرحلة عاصفة اختلطت فيها السياسة بالدين، والحق بالباطل، والصواب بالخطأ، والمصالح بالفساد ، عبر حملات إعلامية  غايتها تشويشنا جميعاً، وزيادة انقسامات بعضنا على بعض، وبعضنا مع بعض ، وصار الكل ضد الكل والكل ضد البعض وكما يقول المثل ، اختلط الحابل بالنابل ، فبيعت الحقيقة لمصلحة الاغلبية والاقوياء وحياة السماء بركعات معدودة وسجدات محسوبة ، وبرسائل كاذبة وصمت مشبوه وغرقنا في فوضى عارمة لا يستفيد منها إلا أصحاب المخططات وذوي الروح العدائية ليس إلا .
   فلك نوح
ما أدركه، معترفا بحقيقة المسيرة : إن اختلافاتنا في مواقعنا المسيحية ربما يعود إلى أننا قد أضعنا بوصلة حقيقة إيماننا ، وهدف إنسانيتنا، وكلمات إنجيلنا،في المسيح الحي، فاصبحنا نُسيّر رسالتَنا كما نشاء ومتى ما نشاء وحسب مانشاء أصبحنا نؤله أنفسنا ونقول للسماء نحن الهة الزمن وهذا ما جعلنا نستعبد فقراءَنا وصامتي زماننا، ونبيع أنفسنا لكبار دنيانا ومصالحهم، وأصبحنا وكلاء لاناس رسموا مخططاتهم فوق رؤوسنا، وعبر شخوصنا الضعيفة ينفذّون غاياتهم ويملأون بطوننا بخبز الدنيا، وبكلام الطاعة والخضوع، وإذا ما فشلوا فيظهرون ذلك عبر إنساننا الضعيف فيقرروا رمينا خارجاً بعقوبة يهوونها مدعين اننا لا نصلح لأية مسيرة، فنقوم ببيع أرضنا وإنْ خفية لأننا أصبحنا نخاف حتى من ظلهم كما من ظلنا ومن سبب وجودنا، فبذلك تزول روح الاخّوة وتفسد حقيقة الصلاة، ولا مجال لساعة الغفران ، وكبار الزمن لا يدركون خطاياهم وإذا ما أدركوها لا يقروا بحقيقتهم وانما يقدسون مناصبهم  ومكانتهم ، من أجل نجاح مصالحهم ومبتغاهم ، وهذا ما يفسر أننا أهملنا إنجيلنا وجعلناه كتاباً لا يقرأه ولا يتعلم منه إلا " صاعدو فلكَ نوح" (تك 14:6)  والويل لمن يتجاهل صوت السماء  ليس إلا!.
   البابا فرنسيس
نعم ، المرحلة الحالية تحمل لنا تحديات خطيرة بل خطيرة جداً، فوجودنا في امتحان قاسٍ، ودورنا لم يعد له مكانٌ في الدستور والقانون والتجمع إلا في المجال الاجتماعي الاحترامي. فهذا يدعونا الى أن ندرك جيداً ، أنه إذا ضاع شرقنا أو مات حبه في قلوبنا ستموت مسيحيتنا في علامة شرقنا. فالبابا فرنسيس يقول:"إذا افتقر الشرق الأوسط من المسيحيين لن يصبح شرقاً أوسطاً" (لقاء باري للصلاة العالمية بحضور كل رؤساء الكنائس الشرقية، السبت  7/7/2018)، فالويل لنا إذا أضعنا أرضنا. لأننا مسؤولون شهادة للتاريخ أن نقف في وجه كل مَن يريد أن يشوّه مسيرة اصالتنا، وينظر إلينا مستهزئاً بانقساماتنا وطائفيتنا وقوميتنا من أجل المصالح المزيفة والكراسي الزائلة، وكي لا نكون في  خانة المهمَلين،  علينا أن نكون صداً منيعاً أمام ما يحصل، فالمستقبل لا يُبنى في ظل انقساماتنا وإنما في حقيقة وحدتنا ووحدة كلمتنا ومسيرة تواضعنا . فإيماننا نابع من المسيح الحي ورجاؤنا في كلماته ، وليس في أشخاص زائلين. ومار بولس يقول في هذا الصدد "إِنْ كَانَ رَجَاءؤنا في المسيح  لا يَتعَدى هذهِ الحَياة ، فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِيعِ النَّاسِ" (1كورنتس15: 19).
حقيقة وجودنا
هل كُتب لنا أن تكون أوقاتنا مصيرية في ثقل صليبنا، أم ذلك امتحان من رب السماء كي ندرك عظمة كبريائنا وثقل خطيئتنا في مصالحنا وأنانيتنا فنتوب ونطّهر أنفسنا من كل شائبة متأصلة في عمق تفكيرنا وحدقة عيوننا فنقلع عنها كي لا تعيق مسيرتنا وحبنا لصليبنا، فمسيرة حياتنا على المحك فإما أن نبقى نشهد لحقيقة وجودنا وحبنا لترابنا وايماننا بانجيلنا وحملنا لصليبنا، وإما أن نبيع حقيقتنا وعند ذلك نكتب بدء زوالنا عبر ثقافة بائسة، فنكون لها ولهم عبيداً فنشوه مسيرة إيماننا، وتضيع الحقيقة ويسود الكلام المعسول والمجاملات البائسة ليس إلا.
لوحة قاتمة
   صحيح إن تاريخ مسيحيتنا مجبول بالإضطهاد ومليء بألعوبة الحياة والعيش، وإن كان هناك فترات نقول عنها مريحة في بعض الأحيان ولكن،  عامةً لا زال الاضطهاد والسياسة تغدر بنا وتجعلنا مشاريع لمصالحها، وهذا ما يدفعنا إلى أن نقول: لم يعد لنا بعد خبزةٌ في هذا البلد، فننشد ، ها هو شرقنا يطردنا، والأرض تلفظنا، والسياسة تكتب لنا الرحيل، فنرحل الى أرضٍ تنصفنا والسبب كبار دنيانا وزماننا، وهمّهم ، حقائق مزيفة، ومصالح أبدية ، ورؤوساء المناسك لا ينظرون إلا إلى طوائفهم وكراسيهم وقيامهم وجلوسهم، والإعلام البائس يرسم لنا لوحة قاتمة لمستقبل أجيالنا. فيالها من محنة لا توصَف بقساوتها ولا تُرسم حقيقتُها إلا عبر فسادها، فهواء الزمن قد أتعبنا ومفسرو الحقيقة المزيّفة ،سرقوا حقيقة الحياة ،  وأصبحنا راحلين وإنْ كنا بعدُ من هواء شرقنا نتنفس ليس إلا .
الخاتمة
أرجو، طالباً سماحكم، أقول مناشداً كبار دنيانا ورؤوساء مناطقنا وأبناء وطننا وشرقنا : كفانا تشتّتاً وانقساماً، كفانا كلاماً وصراخاً وربما بكاءً، كفانا رحيلاً وضياعاً،كفانا طائفية وأنانية ، كفانا حبَّ ذواتنا ومصالحنا،  كفانا استعطاءاً فنحن أغنياء الزمن كما الدنيا، وكفانا أستفقاراً وملء خزائننا، فالحياة جميلة بعطائها وليس بكبريائها ومناصبها وطائفيتها ،  ولنعلم أنّ الوطنَ أرضُنا، والشرق شرقنا،  وهو ذهبُنا ومالُنا وحامي عيالنا، وزينة دنيانا ، وما علينا إلا أن  نحيى حقيقته عبر حبنا له وليس عبر شفاهنا وبياناتنا واحتراماتنا المجاملاتية ، فالرب اوصانا وصية واحدة ولا اكثر إذ قال وصيتي لكم  " أحبوا بعضكم بعضا كما أنا احببتكم" ( يوحنا 12:15) فالمحبة اليوم ، وللأسف،  ماهي الا  للأقوى ولأمير الزمن ولرئيس الحارة والمحلة والباسط سلطته على الأبرياء المساكين، من أجل صداقة زائفة،  ومجاملات بائسة ، ومصالح معروفة. وننسى أنّ كل شي زائل الا الحقيقة التي يكتبها أبرياء التاريخ ورجال الشهادة فان عشنا حبَّ أرضنا وحبّض بعضنا، عشنا حقيقة وجودنا، وأدركنا، أننا تاريخ كتبنا أَسطرَه بدماءٍ ودموعٍ. فحقيقة وجودنا شاهدة لمسيرتنا ،فلنملأ خطوات مسيرتنا بحقيقة الحبِّ والشهادة ، بالمسيح يسوع الحي ،  فهو الذي قال " أنا الطريق  والحق والحياة "( يوحنا 6:14) ، فما الحياة إلا نعمة من السماء، وما علينا إلا أن نكون أُمناء للنعمة وأوفياء للسماء ،  نعم وأمين .


37
أطراف الميلاد (الحلقة الرابعة والاخيرة )
ولد المسيح ... هاليلويا

المونسنيور د. بيوس قاشا
    في البدء
   أتمنى لكم جميعا أيها القراء الأعزاء ومحرري المواقع الالكترونية ميلاداً مجيدا وسنة مباركة وليبارككم طفل المغارة ويمنح لشرقنا السلام والامان .
   بعد سلسلة البشارات التي بدأ بها لوقا إنجيله تحضيراً للحدث الأهم، ها هو الحدث يتم اليوم "ولد لكم مخلص" (لو11:2). هذه العبارة هي المفتاح من البداية إلى النهاية في مسيرة الحياة وثقتنا بالله المخلص والإيمان به. فبداية تاريخ الإيمان ترتكز على الخلاص الذي عمله الله الخالق للإنسان المخلوق ودخول المسيح ابن الله تاريخ البشر وتبناه هذا ونظمّه. فمع يسوع يصبح التاريخ الطويل تاريخ خلاص للبشرية كلها ليحقق ما تاقت إليه منذ البدء بأن تُصبح شبيهة بالله. ومسيرة هذا التاريخ الإنساني يتجدد دائماً إذ ليست سوى مسيرة خلاص بسبب عدم أمانة الإنسان، فهل يئس الله من خلقه؟، وهل على الإنسان أن ييأس من نفسه؟، إنه السؤال الذي أجاب الله عليه بتجسد إبنه.

     في الميلاد
   ففي الميلاد يتجلى مجد الله وهو لا يزال يتجلى في العالم. أحداث العالم اليوم تشكل هي أيضاً إطار لهذا التجلي، لذا علينا أن نعرف كيف نتخطى الإطار الخارجي لنصل إلى الحدث الأهم، كيف نرى تجلي الله في حياة عالمنا؟، فاليوم أحداث عالمنا أكثر مأساوية وخاصة في شرقنا واحيانا يساورنا الخوف مما يحدث ولكن لله طرقا واساليب عديدة ليزيل هذا الخوف فقد اظهر ذاته للبشر "ولما تم ملء الزمان، أرسل الله ابنه الوحيد" (غلا4:4) فكان المخلّص بيننا. نعم "سكن بيننا "(يوحنا 14:1) ، فقد طال انتظار البشرية لهذه البشرى التي تحققت أخيراً. في ملء الازمنة  فالموعود صار واقعاً والحلم حقيقة. ابن الله صار جسداً وشابهنا في كل شيء ما عدا الخطيئة وكأنه يريد أن يشدد عزائمنا لكي نتحاشى الخطيئة في حياتنا على غرار الذي لم يقع  فيها أبداً، والذي تجسد ليخلّصنا من الخطيئة وعبوديتها.

    مولود جديد
   نعم، "اضجعته مريم في المذود لأنه لم يكن لهما محل في الفندق" (لو7:2)" يقول لوقا الانجيلي ولا شيء ميّزه عن أولاد الفقراء في أيامه، ومع ذلك جاء الرعاة "مسرعين " ( لوقا 16:2) ويُخبرون بكل ما قيل لهم من شأنه. كان في بيت من البيوت، ومع ذلك جاء إليه المجوس، هؤلاء الوثنيون الذين يمثّلون البشرية منذ سام وحام ويافث، فسجدوا له (متى 2:2) وقدمو هداياهم من ذهب ولبان ومّر. فمَن هو هذا الموضوع في القمط والذي لا يتميز في شيء عن الأطفال الذين ولدوا في بيت لحم في تلك الليلة الفريدة التي فيها أنشد الملائكة "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام والمسرة الصالحة لبني البشر" (لو14:2).ونسأل هل هذا هو دليل ضعف إلهي أن يولد ابن الله في كل ما قد يظنه البعض ضعفاً هو بالحقيقة درس في التواضع ونكران الذات لأجل الأهم. وإذا كنا اليوم نلوم يهود ذلك الزمن لأنهم لم يؤمّنوا مكاناً يليق بالمولود الجديد، فهذا يلزمنا أن نعوّض اليوم تقصيرهم بالأمس، أي أن نجد المكان اللائق بالضيف العزيز، وأي مكان هو الذي يطلبه؟ بل هو لا يرغب بأماكن مكلفة أو غالية بل هو يرغب بالقلوب فقط وهي في النهاية عمل يديه.

   ولد في ملء الزمان
   هذا الذي" وضع في مذود"  ( لوقا12:2 ) ، ولد في ملء الزمن هو فوق الزمن، ذاك الذي كُوِّن جسمه مثل كل الأجسام يتميز عن كل إنسان. إنْ كان ابن البشر فهو أيضاً ابن الله، وسلطته سلطة الله، وقدرته قدرة الله. به خُلق كل شيء وبدونه ما وُجد شيء من الموجودات. هو يقيم في الارض ولكنه هو الذي أسس الأرض منذ البدء. وهو يقيم في السماوات ولكن السماوات بعظمتها هي صنع يديه. " الأرض والسماء تزولان"( متى 35:24) ، تبليان كالثوب، أما الابن فهو منذ الأزل. ويسوع هو الابن، عرشه إلى دهر الدهور. صولجانه صولجان الاستقامة بعد أن أتمّ تطهير الخطايا ،  جلس عن يمين الجلالة في الأعالي. جلس عن يمين الله ليدين معه البشرية كلها، فهو في ذلك صورة الله الكاملة. صار الله منظوراً، لمسناه، رأيناه، سمعناه، قال لنا "مَن رآني فقد رأى الآب" (يو9:14)، فالبشر كلهم خليقة الله، والملائكة وحدهم خلائق الله، ووحده يسوع هو جوهر الله، فهو مساوٍ للآب في الجوهر. فالقديس بولس يقول في رسالته إلى العبرانيين "هو شعاع مجد الله، هو صورة الله وجوهره، هو ضابط الكل بكلمة قدرته" (عبر3:1).

    إنه كلمته
   كلمته تحققت، تجسدت. ابن الله هو الكلمة، معنا وعندنا. ونحن كيف نتكلم مع الله؟، ما هي كلمتنا؟، وكيف هي؟، هل تخرج كلمتنا من نطاق الأحرف والألفاظ لتصير "جسداً" حقيقة، عملاً، التزاماً وحياةً. كلمة الله صار جسداً وعاش بيننا، رأيناه ، عمانوئيل، إلهنا معنا، كلمتنا.وانا كلمتي هل يمكن أن تكون "أنا مع الله"، كلمتنا إن تجسدت علامة في العمق مع الله وحقيقة مع الناس قد تصير قوة تغيير وخلاص في قلب العالم، وقد تصير "علامة" لتحقيق وعد الرب وحضوره في قلب البشرية "كلامه لأجل سلامي" على الأرض وإعلان ملكوته في السماء.   كلمتنا اليوم كشهادة الرعاة الذين انطلقوا من حيث هم "ذهبوا ليروا" (لو15:2)، وأخبروا بما رأوه فأدهشوا سامعيهم ومجّدوا الله، فهل لكلمتنا أن تُدهش لأنها شهادة حية، وتمجد الله لأنه منه وبه وإليه. نعم، ولد اليوم مخلص بتجسده بيننا، فلا خلاص إلا بابن وحده.

    خاتمة
بالامكان ان اسال هل ممكن ان يولد المسيح في قلوبنا هل المسيح موضوع في قلوبنا، في حياتنا، في اهتماماتنا؟.
هل تعلم أنه ولد من أجلك؟، هل أنت مستعد لأن تقبل اليوم بشرى الرب في حياتك؟، هل تعتبر أن المسيح مخلص لحياتك؟، وكيف تعيش الميلاد حدثاً لكل يوم؟.هل أنت مستعد لأن تسهر مع الرعاة وتنتظر مجيء الرب؟.ما هي المسيرة التي تقوم بها من أجل الوصول إلى الرب؟.هل يدعوك حدث التجسد للتأمل في سر الله وفي سر خلاصنا؟، هل تستطيع أن تقرأ هذا الحدث بعيني مريم وتتأمل به كما كانت ؟.هل تدرك أن المعنى الذي يعطيه الله للتاريخ هو غير المعنى الذي يعطيه البشر؟، فالبشر يتوقون عند فوضى الأحداث والأخطاء المرتَكَبة أمام الله، فيتجاوز هذه الفوضى ويستغل أخطاء البشر ليحولها إلى خير لهم. فهل نعرف كيف نقتنص الرجاء والفرح ونزرعهما من حولنا  ولكي ننزع  الخوف ونحوّله رويداً رويداً إلى رجاء وفرح؟.
ختاماً ، هذا هو الميلاد ، نعم إنه لقاء السماء بالأرض، الملائكة والرعاة، الله والإنسان، في شخص يسوع ابن الله وابن مريم .فالميلاد حدث عظيم التقى فيه الله مع الانسان ، و السماء والارض ، المسيح الاله الانسان ، نعم ولد المسيح ، هاليلويا .. نعم وامين

38
أطراف الميلاد (الحلقة الثالثة)
يوسف البار ... صامت كبيروإيمان مُعاش

المونسنيور د. بيوس قاشا
    في البدء
   حَدَثُ تجسد المسيح يسوع في تاريخ البشر هو الذي يعطي التاريخ معناه. فالتاريخ ليس تراكمَ سنين
 وأجيالاً تمضي وتفنى بل هو مسيرة خلاصية تتمحور حول الكلمة الذي تجسد بيننا "ولما تمّ ملء الزمان أرسل الله ابنه". (غلا4:4). فالتجسد حدث نحياه في إنسانيتنا، ونعيش أبعاده عبر إيماننا وصبغة عماذنا، وهو يبدو في أوسع آفاقه حدثاً ثالوثياً من جهة ومشاركة بشرية تامة من جهة أخرى. فالآب السماوي بتدبيره الإلهي، والابن المتجسد في حضن الآب بروحه القدوس الذي قدس الإنسان للمشاركة في هذا الحدث إذ سكن في أحشاء العذراء لإتمامه، وانتسب بشرياً إلى أب أرضي يرعاه كسائر أبناء البشر. إنه الصامت الكبير، يوسف البار، حيث أعلمه الروح ببيانه عن الحبل الإلهي ليتهيأ لاستقبال وليد السماء عبر طاعة أبدية وتامة لإرادة الله، فقد أدرك بصمته وبرارته "سرَّ المسيح" (أفسس1:3-3).
رجلاً باراً
يقول متى الانجيلي أن " يوسف كان إنساناً بارّاً"( متى18:1)،  والبارّ يعني المحافظ على شريعة الرب، والشريعة بالنسبة إليه كانت الهدف الأسمى. صَمَتَ وبصمته كان حقيقة كلامه، فلا يناقش ولا يطلب تفاسير لأنه رجل التقوى، ويعني السالك في مسار الشريعة. فقد أظهر الله له إرادته فأصبح وذاته كلاًّ لله وليس بعضاً من جوارحه كما هو حال الكثيرين في دنيانا، فهم خُلقوا من أجل مصالحهم وأصدقائهم، بينما يوسف البار أحبّ من عمق قلبه ولم يفكر يوماً بانانياته ومخططاته. عاش بهدوء عزيز وصمت كبير وطاعة أمينة فأقدم بكل همّة كما قال له الملاك، وتخلّص بعد قيامه من النوم من قلقه وتردده وتراجع عن قراره وعن حقه ، وفكّر هل يحق له مخالفة الشريعة وهو البارّ "وكَانَ يُوسُفُ رَجُلُها بَارّاً، ولا يُرِيدُ أَنْ يُشَهِّرَ بِهَا، قَرَّرَ أَنْ يُطَلِّقَهَا سِرّاً" (متى18:1-25)، والشريعة تخوّله الحق بمحاكمة مريم ورجمها "كزانية"، لكنه عمل بكل جرأة إيمانية مع دعوة الخلاص، فتخلّى عن هذا الحق الانتقامي وصمّم على طلاقها سراً. كيف يتم هذا الطلاق بالسر؟ ربما يوسف الصامت صمّم على الرحيل بعيداً وتَرِكْ مريم وشأنَها، فموقفه هذا يعبّر عن المحافظة على الشريعة من جهة وعن نبل إنساني عظيم من جهة ثانية. فهو الرجل الصالح، ولأنّ للصلاح أرضية لابدّ منها لأهلية المزمع أن يطّلع على الوحي الإلهي. وصلاحه ليس إدّعاءً خادعاً قد يعزوه إلى نفسه، فحياته مسيرة تقوى وليس كلمات تباهي وإعلام إيماني مخدوع، وإنما كلَّ همّه إرضاءُ الله فيعرف أيَ منحى يسلك عندما يطرأ عليه حدث مفاجئ.
ملاك ويوسف
   اختار يوسف أن لا يعرّض مريم للمهانة عندما وجدها حبلى وإنما يهجرها سراً من دون أن يضيق عليها بأسئلة مربكة، فاختيار الفضيلة يفرض على الإنسان سلوك طريقٍ غير عادي ولا يأخذ بأحكام البشر ولا يركن إليها ولو كانت سليمة، وهذا ما جعله ـــ كما قال له الملاك ـــ أن يأخذ مريم امرأة له" قم خذ مريم أمرأتك " (متى 20:1) ، أي أن يطمئن إلى أبوّته في الصلاح. فيوسف الصامت ولانه كبير بصمته " ولم يشأ أن يشهرها " (متى19:1). لم يستسلم لشيء بسبب صلاحه، ولم يتهوّر في التشهير بمريم بفضل براءته (كما هو شأن الكثيرين في هذا الزمن القاسي )، فالإنسان يُعرَف عند المحنة وأمام صدمة كبيرة وخاصة إذا كان قد تسبّب بها أحبُّ الناس إليه. فالنبل الإنساني والموقف الإيماني يتجليان في ردة فعل والقرار الذي يتّخذه. إنها ثقة لا ينبغي الامتناع عن قبولها إذ هي صادرة من الله نفسه، العامل في مريم، والتي باتت مسكن العليّ وبات هو جزءاً من التدبير الإلهي، وهذه كلها تحمل معانٍ تدلّ عن مدلولها وعلى الورع الذي تتّسم به نفس يوسف البار. فماذا كشف الملاك ليوسف؟ كشف له أن حبل مريم هو من الروح القدس. كشف له هوية يسوع" عمّانوئيل " الله معنا"  (الله يخلّص) " لأنه يخلص شعبه من خطاياهم"(متى 21:1) ، وبكلمة كشف له أن الأزمة التي يمرّ بها لا تخصّه ولا تخصّ مريم فقط، إنها لخير البشرية جمعاء.
   الزمن المسيحاني
نعم الله ذاته كشف السرّ ليوسف. هذا الولد الذي في حشا مريم لا يشبه سائر الأولاد. حُبل به بواسطة الروح القدس. هذا السر لم تعرفه الأجيال الغابرة وأُعلن الآن، صار معروفاً، ما عدنا في انتظار بعيد أو قريب كما كان حال الأنبياء. قال إشعياء للرب "ليتكَ تشق السماوات وتنزل" (اشعيا1:64 )، والآن شقّ الله السماء ونزل لا بواسطة حلم في الليل مع ما في هذا الظهور من نور وعتمة، ولا بواسطة ملاك، الله ذاته نزل، أخذ جسداً من جسد مريم، ويوسف يرى هذا الحبل دون أن يفهم، ولكن الله بيّنَ له حقيقة الحبل. فكان الحلم هو إحدى الوسائط التي يعلن الله من خلالها عن إرادته، وهي عند الأنبياء ظاهرة من ظواهر الزمن المسيحاني، ويدعوه الملاك "ابن داود"(متى 20:1)  ليذكّره بهويته الملوكية.
     فطنة وحكمة
   هناك دائماً اسباب تدفعنا للتشكيك بغيرنا وربما بأقرب الناس وأحبّهم إلينا، لذا علينا أن لا نحكم أو نَدين غيرنا بل نحاول أو نجد حلولاً تحفظ كرامة الآخرين وتترك مجالاً لجلاء الحقيقة، لأن المنطق البشري وحده لا يكفي أحياناً كثيرة لكي نعرف كيف نبني أحكامنا وتصرفاتنا، فنحن بحاجة إلى إلهام (رؤيا)، فهل نصلّي ونسأل الله ليمدّنا بوحيه وينير عقولنا وقلوبنا.فهل نتحلّى بالفطنة والحكمة ونترك مجالاً للفهم فلا نجعل الأوضاع أكثر تأزماً، بل نسعى لاقتناص المناسبات فنحصل على ما يكفي من أنوار لفهم الآخرين ومساعدتهم. لذا نحن مدعوون إلى أن نعي إيماننا لنتمكن من الإصغاء إلى المهمة التي سيوكلها إلينا في هذه الحياة ونحن نحمل صفة الصمت بل الصمت العميق، فلا نَقْدمْنَ على أي تصرف ينبع من انفعال بشري بل ننتظر بصمت كبير ورجاء بيان مشيئته.
       الخاتمة
هوذا يوسف يدفعنا إلى التفكير في تصرفاتنا،كي تتماشى مع الرغبة الإلهية بأن لا نظلم أحداً أو نفتري على أحد. جميل أن نطيع الذي أحبنا. جميل أن نتمّم إرادة الله لخلاص نفوسنا.لذا علينا أن نصغي إلى ما يريده الله من خلال تأملنا بكلامه دون انتظار إجابة واضحة، في الأوقات العصيبة، فنحن متأكدون بأن لا حلول ممكنة، لولا تدخل الرب في حياتنا ليكشف لنا سرّ ما نتحمّله ويعطيه المعنى الجوهري. لذا نسأل حتى ما نجعل الآخرين يعانون من ظلمنا لهم وتشويه صورتهم!من أجل مصلحتنا وسهولة وصولنا حاملين قساوة الافتراء وأنانيتنا وخاصة عندما يكون الظلم من  كبار دنيانا ، لأنَّ عالمنا اليوم ، ومن المؤسف ،  يدعونا إلى أن نكون في محطة الكبرياء، وأن نزرع الأنانية في مواقف مسيرتنا،  وننسى أن الحقيقة هي أن نقف مع المظلومين لا أن نكون من جماعة الظالمين والفاسدين لتدمير الاخر البريء، وأن تحمل نفسنا صمتاً كيوسف البار، وروحنا هدوءاً، ونجابه الشر بقول الحقيقة مهما عاث الفاسدون ومهما تسلط كبار الزمن ناسين أنهم في الحياة ليس  لتدمير الإنسان الآخر بل لبنيانه ، ولندرك جيدا أنه مهما عمل أصحاب المصالح والطائفيات إلى زرع الفتن والشقاقات وتفضيل شخص على آخر من أجل الدنيا وكراسيها بل ومملكتها، سيأتي يوم الديان ، لذا فالمطلوب أن نكون في الحقيقة فهي علامة صمت كبير وثقة عمياء بالذي أحبّنا حتى الموت ، إنها إيمان مُعاش ، ورجاءٌ في قوة الصمت والصلاة، فاختبار يوسف هو دعوة لنا لسماع صوت الرب الذي يكشف لنا البُعد لكل ما نعيشه. ، إنه صوت الصامت الكبير.. نعم وامين

   
   


39

والى من لم يذكر اسمه ايضا وان كنا نعرفه جيدا ولكن نقول ايفاء للكلمات ان كلمة الشكر واجب
وان كان المقال قد عجبك فلك الشكر وان لم يعجبك فتلك مسألتك لوحدك فقط
ولم اكن اعلم ان الحقيقة تختفي بالقلوب وليس بكلمات الافواه والعجب
ومع هذا ما قلته سابقا كان عليك ان لا تقوم بمثل هكذا عملية فانت معروف من انت
ولكن الرب يكون في عونك لكي لا تظلم الناس وان تعرف الحقيقة والحقيقة هي ماذا ستقول
يوم الحساب امام الرب
مع التحية
اخوك الخوري بيوس  وليس فقط الاب وبدون احترام كما كتبته
والرب يغفر لك

40
أطراف الميلاد: (الحلقة الثانية)
مريم... مسيرة الروح في الأيمان
المونسنيور د. بيوس قاشا
   في البدء
وهانحن نواصل مسيرتنا الميلادية برفقة مريم العذراء ، نقرأ ما كتبه  متى الإنجيلي "أما مريم فكانت تحفظ هذا  الكلام كله " (لو19:2)، وبحفظها لهذا الحدث السماوي عاشت بجسدها حقيقة عمل الروح في حشاها. فبولس الرسول يقول:"أرسل الله إبنه مولوداً من عذراء" (غلا4:4)، وفي هذا الإرسال جمع الله كل تاريخ شعبه منذ يعقوب وإلى داود ليكون علامة يجمع تاريخ الشعوب حين يكون المُلك له (1 كورنتس 24:15-26) فتراه يملك على قلوب الكثيرين بفيض حبه واحترامه لإنسانيتنا الضعيفة والتي قدسها بمسيرته الإلهية هذه. فقد أمسك الرب بيد الذين إختارهم ليقودهم في طريق لم يكونوا ليحلموا بها. وها هي مريم، تلك الفتاة الوضيعة، المسكينة، الفقيرة، المتبتّلة في الهيكل، الطاهرة، أقرّت بذلك عن نفسها إذ قالت "صنع القدير بي عظائم" (لو48:1).

مسيرة ايمانية
   إنها مسيرة مريم الايمانية ، بل إنها مخاطرة في الإيمان في اختيار الله لها. فقد سبقها في ذلك موسى الذي استطاع أن يكلّم الله على الجبل، وقبله إبراهيم في تقدمة إبنه اسحق، ويشوع في حبسه للشمس ، ولكن مريم اختلفت عنهم جميعاً لأنها "امتلأت من نعمته" كما قال لها الملاك "يا ممتلئة نعمة" (لو28:1). وإكراماً لهذا الاختيار ولهذه المخاطرة في الإيمان كان الفعل الشخصي لها بذاتها والاستسلام الكامل لمشيئة الله وإرادته، وعبر النعمة التي أُعطيت لها أعطت قلبها بعد أن امتلأ من الله وتمّ التجسد في حشاها فصارت هيكلاً لسكنى الله بل أصبحت حشاها أوسع من السماء، بعد أن تواضعت امام مخطط الله ورسالة الخلاص  .

    مريم بتول
   ففي ذلك ادركت مريم ان دعوتها ما هي الا عبر تواصلها الشخصي بينها وبين الله، فأنشدت "نعم"، وما ذلك إلا دعوة وتعليم لنا إذ حينما يسكب الرب نِعَمَه، علينا أن نقول "نعم" جواباً لسؤال الرب لنا. ولكونها وفية وأمينة لدعوتها البشرية طلبت من الملاك أن يوضّح لها سر النعمة هذه فقالت "كيف تريدني يا رب أن أكون في الوقت عينه أمّاً وعذراء؟"" أنا لا اعرف رجلا " ( لو 35:1) ، أجابها الملاك "الروح القدس نفسه يحلّ عليكِ" (لوقا 35:1)، " ويتكون في حشاكِ يسوع الذي يدعى المسيح" (لو11:2)، حينها ادركت أنه يجب عليها أن تترك الأرض وأفكارها، والناس ومشاغلهم، والمسيرة وكبريائها،والكراسي وعناوينها والرئاسات وازلامها لتسكن متواضعة أمام جواب الرب.من اجل السماء وعمل خلاصها . وهذ الروح هو نفسه الذي حلّ على وجه المياه كما يقول سفر التكوين (2:1) فأخرج منها كل حياة، هو نفسه يحلّ اليوم على مريم لتصير أرضاً للحياة، وفيها يقيم الإله مَن هو الحياة (يو4:1) ومَن هو الطريق والحق والحياة (يو6:14). وهو نفسه الذي رافق مريم طوال المسيرة، هو نفسه يرافقنا. فمنذ قبولنا سر العماذ المقدس نقبل نفحته، ومريم التي غطست في يسوع المسيح فقد تعمّذت بقوة روحه. كما إن الرسل تعمّذوا بموت وقيامة المسيح فما احتاجت مريم ولا احتاج الرسل إلى معمودية الماء، ولكن بالنسبة لنا كان رسالة أسمية فقد أعتمذنا باسمه ،"  من آمن واعتمذ خلص " ( مر 16:16) فنكون من رعيته" الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف " ( يو11:10) ومن أغصانه " أنا الكرمة وانتم الاغصان " ( يو 5:15)، فهو يسلك معنا وهو لن يسمح أن يمسنا الشرّ، كما لم يسمح لأحد أن يمس حشا العذراء، فحفظها بتولا  مدى الايام وحتى النهاية.منذ الحبل بها وحتى انتقالها .

أمناء وأوفياء
إنَّ الحياة توصينا دائما أن كل كلمة "نَعَم" والتي قالتها مريم ترسم لنا طريق السماء حينما نقولها و ما هي إلا لتحقيق مشروع الله الخلاصي الذي عُرض علينا واخترناه. إنه مشروع الله وليس مشروعنا، وعلينا أن نحمل العهد على أكتافنا" أحملوا  نيري عليكم" (متى29:11) "كما حملته مريم وحفظته ( لوقا 19:2) كما يقول الرب ايضا والذي قطعناه على عاتقنا يوم صبغتِنا بماء العماذ ونفحة الروح التي حلت علينا  كي نكون أوفياء وأمناء لتحقيق ما بدأنا به ولا نحتاجه لتمجيدنا من البشر المائتين، وهنا تكمن الحقيقة في مسيرة نحملها نعمة في قلوبنا و إيماناً بعقولنا ، كي نواجه صعابنا وما يعترض طريقنا. فالعذراء مريم تعلمنا انها ليست لنا مثالاً فقط ولكنها مسيرة ايمان  ووفاء تجاه مخطط الله وليس مخططات الدنيا المزيفة وكبار الزمن ومصالحهم لأن الحقيقة هي أساس الحب وعليه يعتمد كل شيء..ومن يحب يترك كل شي ( لوقا 22:18) من اجل الذي احبه .

الخاتمة
   ما نحتاج إليه استسلامنا لمشيئة الرب، وان نجعل من مريم مثالَ مسيرتنا في طريق الحياة وان لا نجعل من أمراء الدنيا آلهتَنا، ومن كبارِ زماننا أسياداً علينا، ومن أصحابِ المركبات والكراسي حقيقةَ وجودِنا،  ونعمةَ عالمِنا، فلا يجوز تأليه من نشاء من أجل مصالحنا المميتة والفاسدة،  بسبب دنيانا ومشيئتها ، ونهمل بل ننسى أن الحقيقة ما هي إلا حقيقة ايماننا وعبر النعمة التي وُهبت لنا وليس من اشخاص يتزعمون براءتنا ويدعون أنهم  كبارُ زماننا ورؤساءُ ديارنا ، فيجعلون من انفسهم أسيادَنا ، ويعلنون أنَّ الربَّ  أرسلهم،  وينسون أن كل نِعَمِهم ليست بهمّة عقولهم ونعمة قلوبهم بل بالروح الذي اختارهم ليكونوا مَثَلاً كما كانت مريم العذراء. وليدركوا أنَّ مريم سارت امامهم لتعلمّهم عملَ الروح بقولها" نظرَ الى تواضع أمته فصنع بي عظائم "  (لوقا 1: 52) ، فعظمتنا ليست فقط في وجودنا البشري ولكنها بعظمة الروح الذي يحيا فينا ويعمل معنا ويشاطرنا مسيرة الحياة ، كما كان مع مريم،  فما علينا الا ان نكون أوفياء لسؤال الرب لنا،  وأُمناء جواباً لسؤاله هذا ، وليرشدنا الروح الى هذه الحقيقة ، إنها مسيرة ُحياتنا ، وهذه رسالتنا إنه عملُ الروح عبر إيماننا وصبغةِ عماذنا ، نعم وامين .

   

41
أطراف الميلاد: (الحلقة الاولى)
   وجه الله الحقيقي

المونمسنيورد.  بيوس قاشا

   في البدء
نقرأ في سفر التكوين  " خلق الله الإنسان على صورته ، على صورة الله خلقه " (تك27:1)، وهذا إيماننا، خلقه الله بملء محبته لكي يكون معاوناً له في تحقيق تصميم الخلاص عبر التاريخ البشري، ومن أجل هذا كشف الله عن نفسه إذ يقول مار بولس:"فلمّا تمّ ملءُ الزّمان، أرسلَ اللهُ ابنَهُ مَولوداً من عذراء تحت الناموس، ليفدي الذين هم تحت الناموس" (غلا4:4). فالابن صار إنساناً مثلنا ليكلّمنا عن حقيقة الحياة، ويسير معنا في طريق الإنسانية، ففي ذلك يشهد الله عن حبه عبر إبنه يسوع المسيح وحياته وأعماله وأقواله ومشيئته إذ قال "إن كل إنسان يرى الأبن ويؤمن به له الحياة الأبدية" (يو40:6)... إنها رسالة الخلاص، بل مسيرة حياة.وهذا ما جعل مريم العذراء تحمل إبنها في أحشائها إذ يقول لوقا الانجيلي  "فذهبت مريم مسرعة إلى بيت أليصابات" (لو39:1)، انطلقت لتعلن بشرى الخلاص التي ستتمّ في أوانها، وستظهر جلية من أجل الإنسان لخلاصه، وهي تعلّمنا أن نحمل رسالة المحبة والبشارة  بدورنا الى الأخر وفي ذلك نعرف أن الله أحبنا، وحينما نعرف هذه الحقيقة نسير في طريق الخلاص بل في طريق الحياة الأبدية.
   تجربة آدم
نعم ، من المؤكد أن عالمنا اليوم يتخبط في شروره وفي مشاريعه الدنيوية المزيفة، وشروره في كل مكان تنشر أذيالها، حروب، نزاعات، إرهاب، ظلم، تهجير، مصالح فاسدة، غايات مزيفة لحقائق دنيوية قاتلة،وطائفية مقيتة ،  وسبب كل ذلك جهل حقيقة الله في إبنه بل في حبه، لأنه لو أحسن العالم تدبير مسيرة التاريخ لنجح في تدبير مسيرة الحياة وجعلها رسالة ليس للحرب بل للسلام، ليس للتهجير بل للعيش المشترك، ليس للمصالح المزيفة بل للحقيقة الفاخرة، فيكون العدل والإنصاف والأمان، ويستتب السلام، ويتعايش المختلفون، وكما يقول إشعياء:"الذِّئْبُ وَالْحَمَلُ يَرْعَيَانِ مَعاً..." (إش25:65). وهذا فعلاً ما يجب أن يتّصف به الذين لهم مسؤولية في عالمنا سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو أخلاقية لأنها كلها تصبّ في مجرى واحد وتنبع من ينبوع واحد فيكون للبشر حقوقهم، وإن هذا لم يحصل فلأن أصحاب القرار والمسؤولية لم يعرفوا الله لأنهم لا يعرفون حقيقة مسؤوليتهم، وقد يرون ذلك عبر عيون أجسادهم ولا يتأملون ذلك بعمق عيونهم وفي افئدتهم . فلا يمكن أن يعرف الإنسان الله على حقيقته إنْ لم يعكس وجهه بأعمال مسيرته الإنسانية والاخلاقية والشفافية دون انانية وكبرياء وإذا ما كان عكس ذلك فسيقع في تجربة آدم بل فيُهمل الحقيقة التي وُضعت في المذود، ورُفعت بعد ذلك على الصليب. ففي المذود حَمَلٌ، وعلى الصليب هو الحَمَل ذاته، إنه وجه الله الحقيقي، فمَن يرى هذا الوجه لا يتخبّط في أزمات الدنيا وفساد معيشتها الكبريائية وأنانية مناصبها المزيفة.
معرفة الله
صحيح أن الإنسان سيد الدنيا كما هو سيد العالم، ويبدو أن السيد لا يفكر إلا بمصالحه وحروبه وينكر حقيقة عبيده الأبرياء، فيستغل كبرياءه من أجل استعبادهم، وهذا ما يجعل ضمائرنا ترسل لنا رسائل عتاب، ولكن زخم الدنيا ومصالحها لا تجعلنا نبالي بها لأن أنانيتنا قد غطّت على بياض عيوننا.وفي هذا يصدق قول النبي أشعيا فينا " قد أعمى عيونهم ، وأغلظ
 قلوبهم ، لئلا يبصروا بعيونهم ، ويشعروا بقلوبهم ، ويرجعوا فأشفيهم وقال اشعيا هذا حين رأى مجدَه وتكلمَّ عنه " ( يوحنا12: 40-41). إنها الحقيقة السماوية ، ولكن ما نراه في كثير من الاحيان هو حقيقتناالشخصية  ، وننسى الحقيقة السماوية وعمقها لذلك وصلنا إلى ما نحن عليه. فرغم ذلك فان الله ومعرفته تفتح  فينا أبواباً للخروج من أزمات المسيرة لأن مفاتيحها محبة وخير وعدالة واستقرار ونزاهة كما هي معرفة الإنسان، وكذلك معرفة الكرامة والشهادة للحقيقة وليس للفساد والكبرياء.
   
    الخاتمة
ما نحتاج إليه ونحن في زمن الميلاد ، أن ننير ، صورة الله التي فينا،  والتي أبدعها رب السماء والتي جُبلت عبر إيماننا في قلوبنا ومسيرة حياتنا ، فنعرف حقيقة وجودنا. فالله يجعل لكل إنسان برنامجاً خاصاً فيه يزداد تقدماً يوماً بعد يوم في هذه المسيرة إذ فيها يرافقنا الابن الذي تجسد في أحشاء بشريتنا لينير لنا دروب الحياة الأبدية فيجعلنا في ذلك أن نعلن الشهادة ونحمل الرسالة بكل أمانة كل يوم وبكل شجاعة ، ونتأمل كلامه كما نشاهد تقدمته على مذبح الخلاص... إنه الحقيقة التي وُلدت فينا ومن أجلنا ، فوُضعت في المذود ، ورُفعت فوق الصليب . إنها رسالتنا ومعنى وجودنا، وهذه حقيقة حياتنا. فما علينا إلا أن نبحث عن الله لنرى وجهه ثم نشهد له بأقوالنا وتصرفاتنا، وهذه هي حقيقتنا أن الله خلقنا على صورته (تك27:1) وفي ذلك سنجد أنفسنا في أطراف الميلاد المجيد إنها حقيقة الميلاد ألا وهي إعلان الحقيقة والبشارة في مسيرة حياتنا والتي حملتها مريم العذراء ونحملها إلى الاخرين رسالة وخلاصاً عبر عمق مسيحيتنا وإيماننا ، فما نحن إلا صورة الله بل وجه الله الحقيقي وما علينا إلا أن نحافظ على صفائه عبر عيشنا الايمان وليس التباهي باطار ايماننا وبهرجته فقط . إنها حقيقة السماء . نعم وآمين.

42
صباح الخير ايها السيد المحترم الذي يتخذ من اسمه اسما مستعار
باركك رب للسماء لتعرف حقيقة الامور
انها المرة الثانية تكتب باسماء مستعارة وان كنت تعمل في الكنائس كشماس ومن المؤسف ينقصك ان تقرأ حقيقة الاستشهاد من كتب الكنيسة لتدرك كيف كانت الام تقف بجانب ابنها قبل استشهاده وتعرف كيف كان الكاهن والمطران والرئيس الكنسي يسشهد قبل ان يُقتل شعبه ليكون مثالا وهل تعلم ايها الكاتب باسم مستعار اننا نعرف جيدا من انت وكيف تلعب ادورا مخجلة من اجل مصالحك وتغني على هواك وكانك الفطحل الامين لحقيقة الانسان ونسيت ان حقيقة التراب اغلى من حقيقة الهزيمة واخذ التاشيرات لتعيش بهناء فالمسيح لم ينهزم من الصليب وانت وعشيرتك ركبت البحار لكي تحصل على تاشيرة لمدة عشر سنوان بجاه الضحايا والابرياء الذين سقطوا. فاتمنى لو لك شجاعة مسيحية ان تشهر عن اسمك الحقيقي واذكرك ان لا تنسى نحن نعرفك جيدا جدا جدا ولكننا ساكتين عن ادراج اي شي فالمسيحية تعلمنا ان نحمل صليبنا فاعداء الانسان اهل بيته . واوصيك اذهب واقراء سير الشهداء القديسين ثم تعال ودافع عن المسيحية التي ربما لا تؤمن بها الا عبر هوية الاحوال وكفاك من هذا الاسلوب الغير الانساني والمسيحي وان تبعث رسائل هنا وهناك كي تنشر الغسيل أخرج اولا الخشبة  من عينك كي ترى وتخرج القذى من عين اخيك  والرب يمنحك النعمة لتدرك الحقيقة وليس اطارها بل مركزها .
واللبيب من الاشارة يفهم وليبارك رب السماء وارفع صلاتي لتعود الى ماء الحياة فتشرب منها ما يكفيك انت وافكارك واسماؤك المستعارة واعلم انه ليس خفي الا سيظهر ولا مكتوم الا سيعلم ولك جزيل الشكر دمت
مع محبتي ابونا بيوس ولست كما تقول للكهنة قاشا بدون احترام وكما قلت الان وشكرا .

43
المنبر الحر / حقيقتنا في إيماننا
« في: 06:05 15/11/2019  »


     في البدء
لعديد من العصور والسنين ولا زال حتى اليوم يعاني المسيحيون من الاضطهاد الديني، وارتبط اضطهاد المسيحية ارتباطاً استشهادياً وهو يسير معها جنباً إلى جنب حتى الموت، فلقد بدأ الاضطهاد في وقت مبكر وفي وسط يهودي حيث صُلب المسيح، كما رفض اليهود رسالة المسيح وتلاميذه فحكموا عليهم بالقتل والتعذيب والتهديد والصلب والموت. وسارت مسيرة الاضطهاد  والأسشهاد ، حيث دخلت المسيحية الناشئة في صراع من الوثنية المتمثلة بالإمبراطورية الرومانية، ووصل هذا الصراع في أحيان كثيرة إلى حد الإبادة إذ لم يكن للإيمان الجديد ما يشهده من قوة زمنية أو سلاح اللهمّ "إلا ترس الإيمان ودرع البر وخوذة الخلاص وسيف الروح" (أفسس16:6-17).

     الضحايا الابرياء
الضحية أو ضحايا أبرياء: إنهم أشخاص أبرياء، أصيبوا بسبب مرض أو صدمة أو حادث أو خطأ أو نزاع أو حرب وهو خارج عن إرادتهم ،  وهم بريئون . والضحايا تشمل الإصابات والوفيات، وضحايا الحروب تشكل نسبة كبيرة من المدنيين. فقد أفرزت الحرب العالمية الثانية أكثر من (97) مليون ضحية، كما أفرزت  ضحايا الإرهاب بسبب التفجيرات، أكثر من مليون ضحية.  والعراقيون يشكلون أكبر ضحايا الارهاب في العالم بسبب القاعدة وداعش وغيرها ، وغالبيتهم هم من النساء والأطفال. ذنبهم أنهم يعيشون في تلك المنطقة التي تشهد أعمالاً إرهابية. والضحايا هم مَن يموتون، أما مَن يبقى على قيد الحياة فيعيش إلى آخر عمره في إعاقة معينة جرّاء الأعمال الارهابية، والشعب العراقي كان ضحية لمختلف أنواع الإرهاب،

     في العربية
في العربية يقال "استشهد" بمعنى "قُتل في سبيل الله"، هذا هو المعنى الإصطلاحي. أما المعنى الإيماني، فالاستشهاد مشتق من الشهادة، و"استشهد" بمعنى "سُئل الشهادة" أو "طُلب للشهادة". والشهادة هنا هي الشهادة لحقيقة الإيمان الذي يدين به ويذود عنه ، لأن إنكار المسيح خيانة "مَن ينكرني قدام الناس لأنكرته قدام أبي الذي في السماوات" (متى33:10).  والإعتراف به وفاءً وتكريماً لِدِينه، ، مؤمناً أن الإيمان رسالة تعاش في مسيرة الحياة وليس فخراً وجاهاً أو تباهياً أمام حكّام الزمن وكبار الدنيا ورجال المعابد وأعدادٍ من شعوب حوالينا.

     إيمان الشهداء
يقول القديس يوستينوس الشهيد(100-165) : ها أنت تستطيع أن ترى بوضوح أنه حينما تُقطَع رؤوسنا، ونُصلَب، ونُلقى للوحوش المفترسة، ونُقيَّد بالسلاسل، ونُلقى في النار وكل أنواع التعذيب، إننا لا نترك إيماننا ولا نترك وطننا ولا نرحل بعيداً من أجل الحياة والرفاهية والعيش الهنيء، فالرب يقول "مَن آمن بي وإنْ مات فسيحيا" (يو25:11)، بل بقدر ما نعاقَب بهذه الضيقات بقدر ما ينضمّ مسيحيون أكثر إلى الإيمان باسم يسوع المسيح. فالكرّام يقطع أغصان الكرمة التي تحمل ثماراً حتى تنمو أغصان أخرى.

     حقيقة الاستشهاد
فما هي حقيقة الاستشهاد في المسيحية؟، هل هي نوعاً من الجنون والجهل والحماقة؟، أم هي نوعاً من الهروب من الحياة أو الانتماء تحت ظروف قاسية؟. بالطبع لم يكن هذا، بل كان مجداً لأولئك الشهداء ، فقد سنحت فرصة لبعض منهم للهروب من الموت، لكنهم رفضوا وثبتوا- عكس ماحصل في بلداننا،حيث تخلوا عن الأرض وقدسيتها ، والوطن واصالته -  وهذه كانت شجاعة لم يكن يألفها العالم بدكتاتورية حكّامه، ومسلَّطي كراسيه، ومحسوبية كباره، فقد كانت البشارة بالإيمان بالاستشهاد أكثر من التعليم، لذلك قال ترتليانوس العلامة ( 160-220) "دماء الشهداء بذار الإيمان"، إذ لم تنجح الشدائد في أن تجعلهم يتخلّون عنها حتى بعد الموت. ولولا الإيمان بالقيامة والدينونة الأبدية لما كان الشهداء يجدوا ما يدفع بهم إلى قبول العذاب في سبيل إيمانهم.

     مسيحيون شهداء
لا يوجد في كل تاريخ البشرية شهداء مثل شهداء المسيحية في حماسهم وشجاعتهم وصبرهم واحتمالهم أيام زمانهم، فقد كانوا يقبلون الموت في فرح وهدوء ووداعة تُذهل مضطهديهم، وجعلتهم يقبلون الاستشهاد على أن ينكروا إيمانهم، فقد كان أول سؤال يوجَّه إليهم "هل أنت مسيحي؟"، وكان مجرد اسم "مسيحي" في حد ذاته يحمل أبشع جريمة تلصق بصاحبها الشبه بالعصيان وتدنيس المقدسات، فكان لهم رداً واحداً لا يتغير "نعم، أنا مسيحي"، فيجاهر بإيمانه ويعلنه في جرأة مذهلة فيصرخ الحكّام "الموت للمسيحي".
     صبر الشهداء
في رسالة كتبها أهل أزمير في القرن الثاني (107) إلى القديس اغناطيوس النوراني ، في وصف الصبر الجميل قالوا: إن المعترفين ضُربوا ضرباً عنيفاً بالسياط حتى ظهرت عروقهم وأعصابهم، وكانوا في معمعة هذا العذاب ثابتين بلا ضجر، في حين أن الحاضرين كانوا ينفرطون شفقة عليهم. فما كنا نسمع من جند المسيح هؤلاء أدنى صراخ أو أنين بل بالعكس كنا نشاهد الدماء تجري من جراحهم في غزارة، ومع ذلك ما كانت ألوانهم تتغير. تقدموا للعذاب بسرور وابتهاج، وتألموا وهم صامتون، لم يفتحوا أفواههم إلا ليباركوا الرب ويسبّحوه كأنهم ليسوا في أجسادهم أو منزَّهون عن الآلام، لأنهم أصغوا بالحري إلى صوت الرب يسوع يناجي قلوبهم، ومن فرحهم بحضوره إزدروا جميع العذابات وعدّوا أنفسهم سعداء لاجتناب العذابات الخالدة في الأبدية باحتمال عذاب لبعض دقائق، وهذا كله احتمله الشهداء بصبر ليس له نظير، وعيونهم شاخصة إلى السماء. وأحياناً كان المعذِّبون يتوبون إلى رشدهم كما فعل الشهيد أريانوس ( مستشار في الامبراطورية الرومانية ) الذي ـــ بعد أن قتل الألوف ـــ مات هو نفسه شهيداً بعد أن رأى صبر الشهداء وقوة إيمانهم. واليوم أين نحن من هذا الإيمان؟، نبكي على حالنا قبل أن تحل ساعة الألم والإضطهاد، ونناجي دولاً كي تنقذنا من الاضطهاد الآتي كي لا نقع في غياب الموت، وكي تفتح لنا حدود بلدانهم من أجل تأشيرة الدنيا الزائلة ، وننسى حقيقة استجابة رب السماء لنا إذ قال:"إنَّ أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه" (متى8:6).
 
   تعذيب الشهداء
وأما وسائل تعذيب الشهداء فكانت متنوعة بقدر ما كانت قاسية، كان من بينها الضرب والجلد، والإلقاء للأسود الجائعة والوحوش الكاسرة والنيران المتأججة، والإنزال في براميل كبيرة من الزيت المغلي، والسلخ ونزع الأظافر والكي بالحديد في مناطق مختلفة من الجسم، وأيضاً تقطيع الأعضاء وتمشيط الجسم بأظفار من حديد وضعت على صفائح محميّة، وتعذيبه بسكاكين حادة حيث يتمزق جسم الشهيد إرباً إرباً، ووسائل أخرى متعددة إضافة إلى الصلب في وضع عادي أو في وضع مقلوب، وكان أسهلها قطع الرأس بالسيف أو الفأس إما على حجر أو على هواء .

     دور الكنيسة
يؤكد تعليم الكنيسة الكاثوليكية (رقم 2473) أن الشهيد هو ذاك الذي يشهد للمسيح حتى الموت. وانطلاقاً من هذا التعليم كانت الكنيسة تقف وراء المقبوض عليهم في السجون تمهيداً لاستشهادهم، وتشجيعهم لبسالتهم وعمق إيمانهم، وتعزّيهم عمّا هم فيه من ضيقات وآلام. وقد كتب مرة القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة(200-285) قبل استشهاده للسجناء تمهيداً لقتلهم قائلاً لهم:"وكأننا محبوسون معكم لأننا بالقلب معكم، نشعر مثلكم بما أنتم مدينون به من الشرف لعطايا السيد المسيح. إن القيود التي في أيديكم وأرجلكم ليست سلاسل من حديد بل هي جواهر ذهبية تزيّنكم في أوقات الاضطهاد. الموت يغلبنا لكن الخلود ينتظرنا. تنتهي هذه الحياة القصيرة وتبدأ الحياة الأبدية... فيا له من شرف، يا له من فرح، أن نرحل هكذا في مجد وسط الاضطهاد والضيق والهوان، ونغمض أعيننا عن العالم والبشر لنفتحها هنا في الفردوس أمام وجه حبيبنا القدوس".

     كلنا شهداء
إن سحابة الشهداء في عمق بعض مؤمنينا ما زالت مضيئة في الكنيسة إلى يومنا هذا، فعيشنا لإيماننا ـــ وبالرغم مما يحيط بنا من ضنك ومن ضيق ومن ألم ومن مرض ومن ظروف قاسية، ومن ظلم وحكم فاسد، وتدنيس للحقيقة وتشويه لوجه الله بسبب كبريائنا وأنانية مصالحنا ـــ فلا زلنا نعيش مبادئنا على الرغم مما يعترضنا من أجل الحفاظ على حقيقة عقيدتنا التي ورثناها من جرن عماذنا، ونحيا على الرغم من مثيرات الخطيئة والشهوات والظلم والمصلحة المزيفة والكبرياء المتباهي. فصمودنا أمام الإغراءات والمثيرات وشهادات الزور الكاذبة والتقارير المزيفة والاحكام الكبريائية ، وأمام العذابات والاضطهادات يجعلنا أن نحيا شهداء لحقيقة الحياة. فالمؤمن الشهيد هو مَن يكون أميناً حتى الموت، فالآية تقول "كن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة" ( رؤيا 12:2) ، وهذا يعني أن السماء هي للإنسان الهدف الأسمى، وليس الدنيا وأخضرها وعبادة كبار زمانها وتبجيل مناصب كراسيها وهنائها، في بيعها أو شرائها أو تحقيق مصالحها،  والحقيقة قالها الرب يسوع في إنجيله المقدس "تعالوا يا مباركي أبي، رثوا المُلْكَ المُعَدّ لكم منذ إنشاء العالم" (متى34:25).

بذار وحدة
   نحن اليوم مدعوون إلى السير على درب الشهادة الحقة ــ وليس عيش الإيمان المتباهي والإعلامي المزيّف ـــ برفقة هؤلاء الضحايا الأبرياء، الذي يُعتبر دمهم المسفوك بذار وحدة. ففيها مسكونية الدم(16 شباط 2015) كما يقول البابا فرنسيس " دماء أخوتنا المسيحيين شهادة صارخة قلّما يهم سواء كانوا من الكاثوليك أو الأرثوذكس أو الاقباط أو اللوثريون ، إنهم مسيحيون والدم هو عينه"  ،  فالاستشهاد ليس مجرد سفك دم، ولا هو مجرد اعتراف شفهي بالسيد المسيح، لكنه ممارسة كمال الحب حتى بذل الذات "ما من حب أعظم من هذا أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه" (يو13:15)، وهذا ما يجعل إيماننا ثابتاً بقول المسيح "إنْ لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتموت فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير" (يو24:12). فنحن شهداء وإن لم نمتْ ـــ وإنْ لم نُعلَن بعدد من الأوراق الخضراء والبيضاء والحمراء ـــ كما كان القديسون الشعبيون "بهنام الشهيد وأخته سارة والأربعين شهيداً والشيخ متى الناسك" فهم شهداء من الشعب وإلى الشعب من أجل السماء، كنّا ولا زلنا، كلنا شهداء في مسيرة الحياة، وسحابة شهادتنا لا زالت مضيئة أو تضيء دروبنا في هذا الزمن القاسي بعيش إيماننا والشهادة لمسيرة مسيحيتنا، وهذه هي حقيقتنا ولا شي أخر .

الخاتمة
نعم ، اليوم كلنا شهداء، وكلنا يجب أن ننظر إلى الصليب على أنه علامة الحب كما يقول مار بولس "لأنه قد وُهب لكم لأجل المسيح، لا أن تؤمنوا به فقط بل أيضاً أن تتألموا لأجله" (فيلبي29:1)، وأيضاً "إنْ كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه" (رومية17:8). وليس من المبالغة في شيء إنْ قلتُ: أن الإيمان المسيحي انتشر في العالم كله باستشهاد القديسين الأبرياء أكثر من  انتشاره بوعظ المبشرين وتعليمهم، فنما الإيمان، وأتى بثمار كثيرة لحساب ملكوت الله، فقد كانوا فخورين بدينهم وبتبعيّتهم للمسيح، ولم يكن الصليب عندهم عاراً وإنما كان لهم عزّاً وافتخاراً رسموه على وجوههم وأياديهم.

أمّا اليوم نحن ، ومن المؤسف ، نحمل رزق زماننا بحيلة أو بمكر أو بقصة كاذبة أو حتى بإدّعاءات زائلة، لننال مآربنا ونفوز بدنيانا وبعيش رغيد، وننسى أن الحقيقة ما هي إلا شهادة الإيمان بالمسيح الحي. نعم علينا أن ننظر إلى الصليب ونسبّح الذي مات عليه من أجل خلاصنا، ونناجيه بفرح وحبور وليس فقط إلى لمّ الشمل من أجل الدنيا والزمن، أو الحصول على شهادة سفر حيث الجنة الزائلة والملكوت المباع  وبعيش إيماننا كما نشاء ، فالكنيسة تقول "الإيمان شهادة حياة في وقت الألم وليس ساعة رحيل"، والرب يسوع قال " من أحبَ أباً أو أُماً اكثر مني فلا يستحقني " (متى 37:10)  وما هذا الملكوت الدنيوي الذي نبتغيه في هذه الحياة إلا مزرعة للزؤان" ( متى 36:13) ، ومن المؤسف أن تكون هذه الحقيقة هي المتربِّعة اليوم على عرش الإيمان الصوري، بينما حقيقة السماء تدعونا لنحيا الإيمان بعمقه وصليبه وليس تباهياً وشهادةَ زورٍ وكبرياءً ومصلحةً وإعلاماً ، ، فما أجمل أن نحيَ حقيقتنا في مسيحيتنا وليس إعلاماً وإعلاناً  ، فالرب يعرف ما في القلوب إذ ما من مكتومٍ إلا سيُعلَن ( لوقا 17:8) ، نعم وآمين. 


44

حضرة الاخ والسيد المحترم   ow17  " البوم  الحكيم " .
صباح الخير، سلام المسيح يكون في داخلك .
شكرا جزيلا لانك تنازلت وقرأت المقال وكتبت حقيقة ما يجيش في فكرك وكشفت ما في عقلك وقلبك من محبة واحترام لتقول الحقيقة كما شئتها وكما اردتها . فاسمح لي ان اقول :
المقال . فقرات وكل فقرة لها عنوانها وعليك ان تدرك ماذا يحمل العنوان لتدرك عمق الفقرة في كلماتها العديدةوبعد ذلك ستدرك الغاية واللحمة الي تقصدها انت يا كاتبنا الفخري باسمه المستعار . فاللغة يميني والعربية لغتي وامتي كنيسة السريان.
اما ايات من الكتاب المقدس  التي ذكرتها بطريقة الترقيع ربما هذا ما انت تؤمن به ، فالايات ماهي الا خلاصة وتاكيد لفحوى الفقرة ان كانت الاية كلمة او فقرة واما انتقادك انني غير مطلع بالكتاب المقدس حيث استعملت كلمة حمل بدل كبش كما جاءت الكلمة في سفر التكوين ، عليك ان تدرك ان المسيحيين في هذا الزمان يعيشون حياة الحملان وليس حياة الكباش فاحتراما لمسيحيتي كانت هذه الكلمة ، فالمسيحيون ليسوا كباش ولا هم اسماء في هوية بل هم حملان يا ايها السيد المستعار الاسم .
اماالفقرة ما يحصل في عراقنا من تهميش ، اني اجدها مسبوكة لغويا سبكا رائعا بعربيتها فالمسيحية في العراق امتداد لمسيحية الشرق وما هذا الا تاريخ نحياه .
واما كلامك في تفسير الكلمات ، انت تدرك جيدا اين حقيقتك ، فحينما ينقص عددنا تزول اصالتنا ويبقى الكلام من على المنابر كلام في كلام فلا احد ياخذ به . واما كلامك عن كلمات قداسة البابا فرنسيس اطال الله في عمره فالترجمة اخذتها من مقال ادرجه الفاتيكان على موقعه ولم ارد ان ادخل عليها تعديلا عربيا ، نعم يااستاذنا الجليل ، فكلام قداسة البابا ماهو الا كلام لحقيقة الحياة .
واعلم جيدا ايها السيد " البوم الحكيم" ان المسيحين عبر التاريخ ما كانوا الا مطيعين لدستور ربما لا ينصف حقوقهم ، اقول بامكانك ان تكون مناديا من اجل نيل حقوقنا حين ذاك سنقدم لك التحية الواجبة ، لذلك عليك ان تقبل الحقيقة بكلمتها اولا ولا تختبى خلفها .وتذيعها من اوطان غير وطنك .
ختاما ، سابقى احب وطني واشهد لتراب ابائي واجدادي ولن ابيع وطني كما باعه الكثيرون وربما انت واحد منهم وسابقى شاهدا للحقيقة وان اردت ان تشوه سمعتي ، في كل فرصة سانحة ، وسابقى اقول اقرا المقال جيدا فتدرك ان صاحب المقال يؤمن بمبدا الحياة ، عنه قال البابا بندكتس السادس عشر ، انه الشاهد للحقيقة ، . لذا اذا سمحت لي وتسمع نصيحتي اقول ، اولا اكتب اسمك واضحا ولا تخبى حقيقتك خلف حروف وارقام مبهمة فليس خفيّ الا سيظهر هكذا يقول الرب يسوع  واكتب اسمك صريحا لتنال احترام القراء الكرام فانت معروف بهمتك وغيرتك وما احلاها الحياة بصفات النصح والارشادوبامكانك ان تنقد نفسك قبل ان تنقد غيرك لتدرك ما في داخلك واللبيب من الاشارة يفهم. وليبارك الرب يسوع وانشاء الله  وارجوك ان لا تحمل اسمه في هويتك بل في مسيرة ايمانك وحياتك ، فلا تظلم الابرياء فالمثل المصري يقول نم مظلوما ولا تنم ظالماً ..نعم امين وتحياتي لك ومحبتي واحترامي . ودمت تحت شفاعة القديسة مريم ويوسف البتول الصامت الكبير . وشكرا
محبك الاب بيوس قاشا

45
مسيحيينا ... قراراتنا من كبريائنا !!! 

المونسنيور د. بيوس قاشا
    في البدء
   يقف العراق والشرق ومنذ سنين عديدة على مفترق طرق وخاصة في هذه المرحلة الراهنة،
ومعه يمرّ المسيحيون بمواقف قاسية ومؤلمة بل مميتة في الكثير من الأحيان، وينسبون إليهم الكفر وما عليهم إلا أن يكونوا كحَمَل إبراهيم وحينما يشاؤون، وهذا ما يسبب خوفاً وخطراً على
وجودهم بل عاملاً أكيداً لهجرتهم وإفراغ الشرق منهم، ولمحو أصالتهم وتدمير حضارتهم وإن أمكن حتى تشويه إيمانهم ومسيرة عقيدتهم، والسبب يكمن في أن حقوقهم قد صودرت وأصالتهم قد شُيّعت وأصبحوا غير مرغوب بوجودهم إلا عبر كلمات مؤتمرات فيها التعليق والتلفيق، والسبب سببنا فما نحن إلا عملاء لمصالحنا ومصالح مطيعينا وأزلامنا ، وأوفياء لمناصبنا، وحقيقة وجودنا، وكبار دنيانا، ومنشغلون بأمور كثيرة فنهمل ماذا يحصل، ولا نملك "غير صوت صارخ" (مرقس 3:1) ، ونحن ندرك جيداً (ومن المؤسف) أنه لا أحد سيسمع صراخنا، فما نحن إلا تقدمة الوجود وضحية المذابح... أليس كذلك!.

     جهل شعبنا
في عراقنا... ما يحصل في عراقنا الجريح من تهميش لمسيرتنا وعدم تلبية حقوقنا ما هو إلا تفتيت لوجودنا، وما يحصل في شرقنا ألا يجعلنا نحن المسيحيين ـــ وإنْ كان لأبنائنا رؤى مختلفة ومتعددة لحل مشاكل شعبنا بحرية فكرية وليس بطروحات خيالية يعلنها كبار الزمن ورجال المعابد، وهذا ما يؤدي إلى تقطيع شعبنا وتقسيمه، وفقدان الثقة بكبار رجالاتنا وبتراب سهلنا. فكلنا نعاني، وكلنا تحت هذا الثقل واقعون ـــ نقول لأنفسنا: ألم نتعلم درساً مما حصل لتاريخ داعش معنا؟، ألا يكفي أن نرسم حقائق وجودنا كما تشاء مصالحنا؟، ألا يكفي استغلال جهل شعبنا من أجل مستقبل مناصبنا وديمومة كراسينا وحقيقة مصالحنا حينما نبيع مقدساتنا من أجل سياسة مزيفة ومصلحة مبرمجة؟، ألا يكفي أن نكون علامة خلال بدل أن نكون علامة حوار لحلول أمينة يطمئن إليها شعبنا ويستعيد ضميرنا حقيقته وعقيدته دون تمييز أو إلغاء أو تهميش أو تشويه... أليس كذلك!.

    نطمر رؤوسنا
في عراقنا... إن خطر محو المسيحية لا زال يُسرع الخطى نحو تحقيقه شئنا أم أبينا، والمشكلة ليست في معرفتنا ذلك بل الحقيقة تكمن في أننا غير مبالين، ونجعل أنفسنا نعامة ترى كل شيء ولكنها لا تُدرك شيئاً لأنها تخبئ رأسها أسفلاً. هكذا نطمر رؤوسنا كي لا ترى عيوننا من أجل توحيد كلمتنا وتجاوز خلافاتنا، وكبار زمننا ليسوا إلا حُماة كراسيهم ومناصبهم، ويبقى قداسة البابا فرنسيس ينادي كما نادى قبله أسلافه "إن الشرق الأوسط من دون مسيحيين لن يكون شرقاً أوسطاً"، لذا اسمحوا لي أن أقول: إن ما يحصل اليوم بعالمنا وفي شرقنا وخاصة في عراقنا ما هو إلا إبادة وإخلاء، وما ذلك إلا قراءة واضحة لواقعنا، ومن المؤسف ما نحن إلا مشاهدون بل متفرجون... أليس كذلك!.

     حقيقة السماء
   في عراقنا... هرب أولادنا وشبابنا بسبب ما حلّ ببلدنا من مآسي مؤلمة، وتكفير القاعدة وتهجير داعش، وضياع القيم والأخلاق، وفساد السيرة والمسيرة، وتحقيق الأماني كذباً وغشاً ورياءً، وتقديم التحايا والسلام المزيف الذي نصطنعه لتبجيل مسيرتنا، ونرسم على جباهنا ديناً وإيماناً حسب ما نشاء، فنؤلّه مَن نشاء ومتى نشاء وحسب ما تراه حقيقتنا وإن كانت مزيفة. إنها سياسة مصالح، وليس ذلك حقيقة السماء، والنجاح يُكتب لها لأننا نريد أن تكون هكذا. فهذا الوضع الهش الذي فيه ربما نبيع مقدساتنا بأسباب سياستنا لنكسب ما قسمه الله للذين يسألون على الأخضر لتدمير "الشجرة المثمرة " (لوقا 43:6) ، وما ذلك إلا سيمونية مدروسة لحقيقة معاشة. فأين نحن من حقيقة أيامنا؟. فلنصلح حالنا ولا نبقى ساكتين على واقعنا المزيف الذي يرسمه لنا كبار زماننا، فالرب أوصانا أن نسهر لئلا يأتي "السارق فيزرع زؤان الدمار" (متى 24:13-30) ، لذا علينا أن نكون شجرة مثمرة (لوقا 43:6) كما قال متى الانجيلي كي "تُثْمِرُوا ثَمَراً يَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ" (متى8:3) أليس كذلك!.

     عزة كبرياء
في عراقنا... علينا أن ندرك أين نحن من الذي يحصل في مسيرة حياتنا اجتماعياً وسياسياً وإيمانياً. فهزيمتنا في هجرتنا حقيقة خوفنا " من الآتي إلينا" ( لوقا 19:7) ، وهذا ما جعلنا نتشتت في أصقاع الأرض ونفتش عن مأوى آمن وأمين ليضمن أيام حياتنا ومستقبل أطفالنا ـــ والسبب واضح ـــ بسبب الحروب وشراستها ومآسيها. كما ندرك أنه لا دور لنا في قانون البلد ومرحلته الدستورية، فما نحن إلا خاضعون بل أحياناً خانعون (وعذراً للكلمة)، ولا نفتش إلا عن حقيقة تباهينا وفخرنا وعزة كبريائنا وشهرة أنانيتنا، وهذا ديدن كبار زمننا ورجال معابدنا. والقول يصح إذا ما قيل "فليأت الطوفان من بعدي". إنني اليوم موجود، آمر وأنهي ما أشاء، ففي ذلك يقول البابا فرنسيس (في كلمته أمام أعضاء عون الكنيسة المتألمة التي تهتم بكنائس الشرق الأوسط):"إنها خطيئة التسلط والهيمنة". وهذا ما يقودنا إلى السكوت عن حقيقة إيماننا حينما ندرك جيداً أنهم يعملون ما يشاؤون، ويفسرون حقائقنا بما يهوون، والسبب كان ولا زال ـــ ومع الأسف الشديد ـــ تمسكنا بطائفيتنا وننسى أن نُصلح حالنا، وكلنا ندعو أننا كنيسة المسيح ولكن كل واحد منا يعيش مسيحاً يشاءه، وغنىً وثراءً باسم عون الفقير، وهذا ما يعلّق عليه البابا فرنسيس قائلاً "إن البعض يدعون كنيسة المسيح الفقيرة وهم يعيشون الثراء"، إنها خطيئة كبرى... أليس كذلك!.   
    زمن عصيب
في عراقنا اليوم وفي هذا الزمن العصيب المؤلم يعتبر بلدنا من البلدان الخطيرة التي فيها قلّ عددنا. ففي عراقنا اليوم يبكي أولادنا على مسيرة أيامهم في دستور غائب عن حقوقهم، وتعليم بعيد عن إيمانهم وفحوى عقيدتهم، وإن كانوا يقولون عنا أنتم أصلاء البلاد وأوائل بلاد بين النهرين، والحقيقة أقوال بلا أفعال. فما يحصل يتناقض مع وجودنا وحقيقة أصالتنا، وما ذلك إلا سبب نقص عددنا عبر هجرة مؤلمة. فالأرض كانت لآبائنا ولنا، واليوم سُلبت من صدورنا وأمام عيوننا. فالمعاناة كبيرة، والمأساة أكبر، والمحنة مؤلمة... أليس كذلك!.
     
     الخاتمة
   لذا أقول: حتى ما نبقى نتفرج على ما يحصل في عراقنا وما يعانيه شعبنا. ولنعلم جيداً أن شعبنا يموت كل يوم من خوفه من الآتي المخيف ونحن نداويه في تخدير مسيرته بأقراص مهدئة، جاعلين من أصالته رمزاً لوجوده وإن كانت لإبادته، ولم ندرك بعدُ أن كلامنا ما هو إلا ثرثرة بشرية. فالمستقبل ليس بين أيدينا وإنما ما نراه، فالمستقبل يكسوه ضباب السياسة والمصالح المزيفة والأنانيات والمحسوبيات المحسوبة والمبرمجة لتدمير الأصلاء والأبرياء، وحقيقة الاحتلال تلعب دورها لإفساد معالمنا، وفي ذلك ضاعت حقيقة وجودنا، ويئس أطفالنا وشبابنا، لأننا لا ندرك إلا غاياتنا. وأختم بكلام حقيقة الحياة ماقاله قداسة البابا فرنسيس في قداسه في كابيلة سانتا مرتا (25 تشرين الأول 2019):"إن الروح الشرير يحبطنا على الدوام لكي يتغلّب علينا. لذا أوجّه الدعوة إلى كل فرد لكي يسأل نفسه إن كان شخصاً في مسيرة ولكنّه لا يتنبه لما يجري حوله، وإن كانت قراراتنا من الرب أم انها تنبع من كبريائنا ومن الشيطان. من المهمّ أن نعرف ماذا يحصل في داخلنا، من المهمّ أيضاً أن نعيش قليلاً في داخلنا وألا نسمح بأن تكون نفسنا درباً يمرُّ عليها الجميع. لأننا أحياناً نعرف ما يحصل في الحي وفي منزل الجيران ولكننا لا نعرف أبداً ما يحصل في داخلنا". وأخيراً سنبقى ننادي "أنبقى مهمشين، أنبقى بلا حقوق ، أنبقى نحيا بما يريده ، دستورهم، وطائفيتهم، وكراسيهم، أنبقى نقدس الكذب والتزوير والفساد ،من أجل مصالحنا ،أنبقى نُشيّع الحقيقة وحامليها، ألم يُعلمنا الخوف والخطف والتهجير والقتل، ألم تعلمنا الأيام البائسة التي مرّت علينا ولا زلنا نحياها ، حتى ما!.نعم حتى ما تبقى قراراتنا من كبريائنا!"كماقال قداسة البابا فرنسيس !نعم وآمين... أليس كذلك!.                   


46
لماذا ... إنني لا أعلم

المونسنيور د. بيوس قاشا
في البدء
    لماذا .. كلمة مَلكَت على قلوب الكثيرين أطفالاً كانوا أم شباباً ، رجالاً أم نساءً ، وبعدَدٍ مِن لماذا أَردتُ في هذا المقال، أن أسأل لماذا . فهذه الكلمة ترافقنا في مسيرة الحياة، ونسأل فيها، ولكن لا أحد يجيب جواباً يُعلن فيها حقيقةَ وجودِها، وإذا ما أُعطي فيها تفسيراً ،فلا يأتيك إلا ناقصاً، فلا تعلمْ لماذا كانت لماذا، ولماذا لا تعلمْ لماذا كانتْ لماذا، فاليكم قليلاً من كثير ، مِن لماذا.
  لماذا نقول ما لا نؤمن به ، ونجعل أنفسنا آلهة الزمن على فقراء الدنيا ومساكين الحياة ، طالبين الى فقرائنا  أمراً أن يكونوا خاضعين له فما نحن إلا اسيادٌ عليهم  وإلا سيُطرَدون خارجاً، معتبرين إياهم متذمرين ويسمّونهم عبيداً وصانعي البلبلة، بينما المسيح الحي دعا الجميعَ قائلاً "أَنْتُمْ أَحِبَّائِي" (يو14:15)... لا أعلم!!!.
 لماذا نلوّن أيامَ مسيرتنا لحساب مصالحنا، فيكون ترحيبُنا حقيقةَ أنانيتِنا، وهي نفسها تدغدغ قلوبَنا، فنحضنَ مَن نراهم بقبلة مزيفّة ونرى ذلك أنها أعمالَ السماء، ولكن الزمانَ يكشف حقيقةَ المسيرة المزيفّة يوماً، إذ المسيح الحي  يقول "ما مِن خَفِيٍّ إِلاَّ سَيُظهَر، ولا مِن مَكتومٍ إِلاَّ سَيُعلَمُ ويُعلَن" (لو17:8)... لا أعلم!!!.
 لماذا نخاف قولَ الحقيقة أمام أقوياءِ الزمن ولكننا بدل ذلك نلتفّ حولَها مستنبطين ما نراه حقيقةَ مناصبِنا ومكانتِنا وصداقتِنا ، وننسى أن فكرَنا هذا ما هو إلا حساب فشلِنا، وما علينا إلا أن نكون شهوداً للحقيقة لاّن المسيح الحي يقول "تَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يو32:8)... لا أعلم!!!.
 لماذا يقولون لا تغادروا، فهذه أرضُكم وحقيقةُ وجودِكم، وآباؤكم فيها كانوا شهوداً كما كانوا شهداءَ وهم يسابقون زمنَهم في دعوة أبنائهم وأقربائهم ومعارفهم وعائلاتهم إلى حيث الهناء والوطن الجديد والاخضر العزيز للعيش الكريم وراحة البال، والمسيح يسوع يقول:"إنْ كُنْتُمْ أنتمْ الاشرار تَعرِفُونَ أنْ تِمنِحُوا أَولادَكم عِطايا جَيدة فْكِمْ بِالحِري أَبُوكُم الذي في السماء يُعْطي الروحَ القدس للذين يَسألونَه " ( لوقا 13:11) ... لا أعلم!!!.
 لماذا دخل داعش أراضينا ونهب منازلَنا وكسّر صلبانَ كنائسنا وأحرقَ معابدَنا وشتّتَ أبناءَنا وعوائلَنا، وجعلنا نازحين وغرباءَ عن أرضنا وكفّارَ إيماننا،إننا نؤمن بالمسيح الحي ، وذلك ما يقوله الكتاب،  ولكن أقولُها ، مهما حلَّ بنا ومهما حصلَ سنبقى أُمناءَ له ، فقد علَّمنا المسيح الحي ان نقول " أَحبّوا أَعدائَكُمْ باركوا لاعنيكم أحسنوا الى مَنْ يبغضكم وصَلّوا لاجلِ الذين يُسيئون أَليكم ويطردونكم " (متى 44:5)... لا نعلم!!!.
 لماذا نطالبْ بحقوقنا الدستورية الشرعية في مؤتمراتٍ ومناسباتٍ وأجتماعاتٍ ولقاءاتٍ ، عبر أصواتٍ متألمةٍ وقاماتٍ يافعاتٍ وصراخاتٍ عالية ، والكل يعرف أنّ حقوقَنا منقوصةٌ وأنّ الحقوقَ ليست إلا للأغلبية ومع ذلك لا يجيبون الى أسئلتنا وأدعيتِنا ، لا أعلم لخوفهم منّا أم ماذا ؟ فنحن لا نخيفُ أحداً،  فهم يحترموننا ويطيّبون خواطرَنا بكلمات ملؤها الحلاوة والعسل ، والحقيقة تبقى بعيدةَ المنال ، والمسيح الحي يقول " مَن ليسَ معي فهو عَليَّ  ومن لا يجمع معي فهو يُفرق" ( لوقا 23:11) وايضاً " أطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه وهذا كله يُزاد لكم " ( متى 33:6) ... لا نعلم!!!.
 لماذا نميّز شخصاً عن آخر وكلّنا نؤمن بالإنسانية وكرامةِ الشخصية، وكلّنا نفتخر بحقوق الإنسان ومشروعِه القويم في أبوّة واحدةٍ ودستور واحدٍ إذ يقول في المادة (14) منه "كلنا متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي" والحقيقة أنّ لا احد يؤمن بذلك لذا اصبحت هذه العبارة بين اسطرِ الدستور  وفي هذا يدعونا المسيح الحي ربنا ويقول لنا ان نقول ماقاله يوما لتلاميذه "أنتم جميعاً إخوة ( متى 9:23 ) وأيضاً ، إنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (متى9:23) فكونوا كاملين كما أنّ اباكم الذي في السماوات هو كامل" ( متى 48:5) ... لا أعلم!!!.
 لماذا يشترون ويبيعون ويغرسون ويشتلون وكأنهم إمراءُ الزمن الذي لا نهاية له، ويبنون ويهدمون بصكوك مزيفّة مليئة بالحسابات المرتشية ليمجّدهم أناسُ الدنيا وبشرُ الحياة، ويرسمون لوحةَ عملهِم أمام أقدار السماء فتخضع لهم حتى العلياء، فيقدسون الفاسدَ ويجعلونه بريئاً بتواقيع وأختام ملؤها حبراً أحمراً أو أخضرا... ما هذا الذي يجري في مسيرة الزمن؟ وهل المسيح يقول "أصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ" ( لوقا 9:16) فقط .ألم يقول لنا أَلأمينُ في القليل أَمينٌ في الكثير والظالمُ في القليل ظالمٌ في الكثير(لوقا 10:16)... لا أعلم!!!.
 لماذا تملك الطائفية على أفكارنا، والمحسوبية تتربع على كراسي عقولنا، والقرابة هي الحقيقة في أمورنا، ومصالحنا هي كل شيء في مسيرة زماننا، والأنانية غذاءٌ لما نختاره وما نرسمه، والمسيح الحي يقول "ابوك الذي في السماواتِ يَعرفُ ما تحتاجون اليه وهو الذي يَرى في الخفيةِ فهو يُجازيكَ"  ( متى 4:6)... لا أعلم!!!.
 لماذا نضع خطوطاً حمراءَ وزرقاءَ وصفراءَ أمام أُناسٍ ظلمناهم إذ لم يذعنوا لمصالحنا ولحقيقة مخططاتنا، فجعلناهم خطأة لا يستحقون الحياة، فما عليهم إلا أن يتربعوا على تراب الارض فقراء ، مهمشين ، وننسى أن الله قد أبدع الإنسان بحبه الذي لا يوصف، وجعلنا أخوة في مسيرة جنة عدن فالذي يعتبر نفسه طاهرا فليقرأ ما قاله المسيح الحي "إنّ ابن الانسان لم يأتِ ليهلك الناس بل ليخلص الناس  "( لوقا 56:9)" فكما تريدونَ أَن يفعلَ الناسُ بكم أِفعلوا أَنتم بهم هكذا " ( لوقا 31:6)... لا أعلم!!!.
 لماذا يبقى الإنسان في هذه الكينونة وينسى أن التوبة لها كراسي في زوايا المعابد حيث تعلّم حقيقة الإنسان مجاناً ودعوته إلى التوبة ليلمس الغفران بعد أن ركب كراسي الزمن، ومركبات الحياة يجرّها مستضعفو الطرق والسياجات لحقيقة مقدسة بل مزيفة، فيجد نفسه في خانة الاطهار والابرار واما الآخرين ما هم إلا عشارون وخطأة بينماالحقيقة تدعونا حينما نحيا الانجيل ان نغفر للناس زلاتهم فالمسيح  الحي يقول "إذا ماتذكرت انّ لاخيك شيئاً عليك فاترك قُرْبَانَكَ هُنَاكَ أَمَامَ الـمَذْبَح، وَاذْهَبْ أَوَّلاً وصَالِحْ أَخَاك، وحينَئِذٍ عُدْ وقَدِّمْ قُرْبَانَكَ"(متى 23:5)... لا أعلم!!!.
 لماذا نخطب في الناس ونأمرهم أن يعملوا مشيئتنا وما ذلك إلا مراد الدنيا، فننقل إليهم تعاليم اصدرناها كبرياءً لمسيرتنا ، بينما الحياة تأمرنا أن نكون سبّاقين في المثال والتواضع وكرجال صلاة ومحبة وبساطة كي ندرك حقيقة قدسيتنا ومسيرة قداستنا، فيتأثروا بما قلناه وما عشناه، إذ المسيح الحي يقول " إن أَحبَبْتُم الذين يُحبونَكُم فأي أَجرٍ لكم " ( متى 46:5) وأَيضاً كلَّ مَا عَمِلْتُمْ لَمْ تَعْمَلُوا إلاّ ما أُمرتم به وليس ما أَمرتُكُم به"( لوقا 10:17) ... لا أعلم!!!.
 لماذا ولماذا ولماذا، وستبقى "لماذا" تزهو في حقيقة الإنسان ومسار الحياة. فما نراه وما نسمعه، ما نشاهده وما نفكر به، ما يخطّطون له وما يرسمونه ـــ حقيقة كان أم زيفاً ـــ لمصالحهم وطلب رغباتهم، كباراً كانوا أم أسياداً، من أجل حياة لا تموت بفكر عقولهم وديمومة وجودهم، وينسون أن القدير في السماء يدرك ما هو خفي عن حقيقة أذهانهم. فليكن مخطّطنا كما رسمه لنا مار بولس يقول عن المسيح الحي "أَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئاً بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوباً" (1كور2:2).نعم .
 
الخاتمة :
الحقيقة رسالةٌ يحملها فقراءُ الزمن فهم شهودُها البسطاء وهي تدور في أفئدتهم وترافقهم في مسيرة حياتهم ، إنها شاهدةٌ لهم وشهيدة من أجلهم . فهي تعلو درجاتٍ سامية عبر خطواتِ حياتهم وأعماقِ أنفسهم وهي تشهد عن وجودهم وليس كما يفعل كبارُ زمننا، فما هم إلا كبارٌ بكلامهم ، وليس بافعالهم ، فإن أنتهوا من كلامهم ، أنتهى تعبير وجودهم ، وهذه كانت بعضٌ من لماذا، تحكي مسيرة الزمن والحياة ، شاهدةٌ لحقيقة السؤال، وشهادةٌ للزمن القاسي وأقولها خاتماً: إنني أعلم، أنني لا أفهم لماذا ، والحقيقة تعني أَنني في كل ذلك لا أعلم لماذا ، .. " فيَارَبّ ، نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ" (متى13:6) ، وستبقى الحقيقة شاهدةً ، فلا أعلم.. لماذا.. لا أعلم !!! نعم وآمين.





47
   بمناسبة زيارة البابا فرنسيس إلى العراق الجريح

المونسنيور د. بيوس قاشا
  قداسة البابا...
إنَّ الذي تحبه مريض ... تعالَ وضع يدك!
     في البدء

نعم، مرّ العراق في أوضاع مأسوية أدّت إلى هجرة العديد بل الآلاف من العوائل المسيحية كما الإسلامية، فمنهم مَن سكن شمالنا الحبيب، وآخرون لجأوا إلى دول الجوار ينتظرون موعدهم من أجل الرحيل، ولا زال نزيف الهجرة قائماً، وما ذلك إلا هاجس مؤلم وضياع شعب أصيل. وها نحن اليوم أمام حدث إنساني نرتقبه بشغف الروح من أجل عراقنا الذي عانى من الحروب والحصار والاحتلال والتهجير والنزوح، ولا زال يعاني اليوم من التشرذم والفساد وعبودية الطائفية، وتقديس الأشخاص، وتثبيت المحاصصة وأزلامها، وضياع الوطنية وجنودها، وخاصة ما حلّ بنا بسبب القاعدة وداعش ولا زال حتى الساعة يعاني من الجراح المثخنة بسبب أبنائه البعيدين القريبين.

     فكرة ملّحة
زيارة قداسة البابا فرنسيس إلى العراق الجريح تُعَدّ الأولى من نوعها في تاريخنا الحديث، وقد أعلن قداسته أن تفكيره في هذا البلد ترافقه فكرة ملحّة إذ قال "لديّ استعداد للذهاب إلى هناك العام المقبل (2020)"، ليتمكن هذا البلد من المُضي قُدُماً من خلال مشاركة سلمية ومتعاونة في بناء الخير العام" (أمام أبناء الكنائس التي تساعد جمعيات الشرق الأوسط 21 حزيران 2019). وقد أكّد زيارة البابا للعراق نيافة الكاردينال بيترو بارولين أثناء زيارته للبلد في أعياد الميلاد 2018، كما استقطبت دعوة رئيس الجمهورية الأستاذ برهم صالح إلى قداسة البابا فرنسيس اهتماماً متزايداً على الصعيد الرسمي ومن جميع الشرائح والمكونات وخاصة من لدن البقية الباقية من المسيحيين العراقيين.

     الماضي القريب
لقد أراد قداسة البابا القديس يوحنا بولس الثاني عام 2000 وبمناسبة احتفالات الكنيسة الجامعة بيوبيل الألفين أن يكون العام مكلَّلاً بزيارة قداسته إلى أور الأثرية والتي تُعَدّ مسقط أبينا إبراهيم أبي الآباء والأنبياء، وكان من المقرر أن تكون الزيارة هي المحطة الأولى ضمن رحلة تشمل العراق ومصر وإسرائيل، ولكن المفاوضات بهذا الشأن من الجانب العراقي انهارت، ولم يتمكن قداسته حينها الذهاب والحج إلى حيث بيت إبراهيم.

 

     جيوب الدنيا

إن زيارة البابا فرنسيس إلى عراقنا الجريح تُعتبر إنجازاً رائعاً بل مميَّزاً، بدأ في نسيج مسيرته نيافة البطريرك الكاردينال لويس ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية (الكلي الطوبى) وتوالت دعوات عديدة وخاصة بعد سنوات الحروب المميتة والصراع الطائفي ومسيرة القاعدة القاتلة بحق أبناء شعبنا، كما كان هجوم داعش الإرهابي شرساً علينا وعلى مدننا وقُرانا ولا زال حتى الساعة يعمّر الخوف في قلوب الكثيرين، كما لا زالت الفوضى في كل اتجاهات الوطن، والكل يسأل: أين نحن من بلدان شعوب المنطقة ومن تقدمهم؟، أين نحن ومستقبل أجيالنا؟، فالأجواء لا زالت متلبّدة وكلٌّ يفتش عن مصلحته وحصته من الغنيمة، والفساد لا زال يملأ جيوب كبار الدنيا والزمن والزوايا الخفية، وسيبقى الشعب على صفيح ساخن، لينكشف كل مستور، وكي لا يقدّس الفاسد كذبه، فيكون بريئاً أمام أعين البشر المرائين المائتين، وتبقى الحقيقة معلَّقة على خشبة العار كما كان شأن المسيح الحي، لحين إعلان السماء نهاية الحكم.

     صفحة جديدة
أيجوز أن نستقبل قداسته بقلوب متوشّحة كانت ولا زالت بسواد الخطيئة والفساد؟، أيجوز تلك الأيادي المقدسة البيضاء أن تحضن وتصافح الأيادي التي نهبت أموال الفقراء، وخبزة اليتامى، ورغيف المهجرين، باسم القداسة أو غيرها، وظلمتْ أبرياء المسيرة للبقاء في المناصب والكراسي، وشوَّهت مسيرة الفقراء، فظلمتهم وسُرِق مستقبلهم كما حقوقهم، وباعت حقيقة الأبرياء من أجل حفنة خضراء، واستولت على العروش بالكذب والنفاق وبضمائر كُتب لها التشييع! أيجوز أن نبقى إخوة أعداء!... أيجوز أن يبقى شعبنا نازحاً ومهجّراً ونحن في إحتفال الاستقبال!... أيجوز أن نستقبل قداسته وكلنا لا زلنا طوائف منقسمة على ذاتها ولا تفتش إلا مبتغاها!... أيجوز أن نستقبل قداسته ونحن لا ندرك مفهوم رسالة الإخّوة الانسانية وحقيقة كلماتها!. فزيارة البابا دعوة لنا لكي نترك الماضي ونفتح ليس صفحة جديدة فقط في مسيرة الحياة ولكن صفحة ناصعة البياض في مسيرة من أجل الوطن ومن أجل المواطن، ليس كلاماً ولكن قولاً وفعلاً ورسالةً.

    فقير وفقراء
نعم، إن زيارة البابا ليست زيارة عاطفية وترفيهية وسياحية، بل هي رسالة حج ٍسامية من أجل أن يملك السلام والأمان بين أبناء هذا البلد الجريح، وليست الزيارة من أجل الوقوف في الصفوف الأمامية، وإلقاء الخطب الرنّانة والكلمات المُبجِّلة وربما الغير الصادقة، وتوزيع البسمات المصطنعة، والوقوف أمام الكاميرات قامة وموقفاً، والجلوس أمام المآدب الفاخرة وشعبنا يستعطي على الطرقات خبزة وفلساً، ويأوي خيمة وكرفاناً، ويعاني حراً وبرداً، كما أنّ زيارة قداسته ليست من أجل ملئ صفحات الإعلام والتواصل الاجتماعي بأخبار منمّقة، بل هي زيارة رجل متواضع ومحب، وحبيب للفقراء والمساكين... إنه آتٍ ليقاسمَنا جوعنا، ويعيش فقرَنا، ويشاركنا آلامنا، بعد أن أدرك أن الشعب قاسى سنين الحروب والخصام والطائفية والمحاصصة وفي عمق ديارنا ومعابدنا التي فيها عادينا إخوتَنا... زيارته هي من أجل أن يشاهد ويطّلع بأمّ عينه ماذا حلّ بنا بسبب الحصار والقاعدة وداعش والميليشيات والتهجير والنزوح، فهو يحمل رسالة الخير والبركة من أجل شعوب المنطقة في شرقنا المعذّب وشعبنا الجريح، ومن أجل حكّام البلد ليملأ قلوبهم خدمة وأخوّة ومواطنة وحباً لشعوبهم ولترابهم من أجل وحدة العيش وحقيقة الحياة.
 
     زيارة تاريخية
إن هذه الزيارة التاريخية يجب أن نستعد لها أولاً ـــ وقبل أن تكون رسمية ـــ ليكن أستقبالنا لقداسته بروح البساطة التي تجمعنا مع بعضنا، وروح الأخوّة التي توحّد مسيرتنا، لأنني متأكد تماماً أن انفتاحنا يجب أن يكون من أجل وطن بآفاق جديدة وعبر مسيرة تقودنا إلى الحوار المسيحي الإسلامي، لأن ذلك سيعزّز مبدأ التعايش المشترك بين أبناء الديانات المختلفة بعد أن نكون قد منحنا حقوق شعبنا بأقلياته ومكوناته بدستورنا، في حرية الحياة والإيمان، وبيّضنا فسادنا، وأعدنا المال إلى أصحابه، وأنزلنا المتربّعين من على عروش مسروقة، وجعلنا كلامنا صادقاً وحقيقةً، نابعاً من عمق أفئدتنا وليس من بيان شفاهنا، وتركنا الكذب والمصلحة جانباً. فالعراق عزيز في عيني قداسته، إنه عراقنا، فها هوذا آتٍ ليضع يده عليه، فيكون الشفاء روحاً ونفساً قبل أن يكون ظاهراً وإعلاماً، عبر مواطنة ودستور يجمع شملنا ويبني وطننا.

     الخاتمة
لنسأل أنفسنا هل نحن فعلاً تهيأنا لهذا الحدث المميَّز في تاريخ الشعوب؟... هل هيأنا أنفسنا لهذه الزيارة المُحبة؟... هل يمكنني أن أسأل؟... هل إستعد كبار زمننا ورجال معابدنا ليكونوا كلاًّ للكل وليهيئوا كل شيء وليس بعضاً من شيء؟ (رسالة بولس الرسول الأولى إلى كورنتس 22:9)، ولنتهيأ "ليس لإكليل يُفنى بل لإكليل لا يفنى"؟ (آية 25). فالبابا أدرك جيداً أن الوطن الذي يحبه مريض، ونحن هل أدركنا ذلك، لنسأل أنفسنا، أم لا زلنا نصارع بعضنا بعضاً وعلى هوانا نُسيّر مركبَنا؟. فمرقس الإنجيلي يقول "قوموا فها هو ذا آتٍ" (41:14) "لئلاّ يغلبكم النعاس" (متى 43:26) فيضيع الوطن والحقيقة، وسنكون كلنا من الخاسرين. فلنقل: تعال أيها البابا... تعال إلى ديارنا، فالوطن الذي تحبه مريض" (يو3:11)، "تعال وضع يدكَ" (يوحنا 43:11)... نعم وآمين.



48
المنبر الحر / زوالنا آتٍ إنْ لم...
« في: 18:17 05/08/2019  »
زوالنا آتٍ إنْ لم...

المونسنيور د.بيوس قاشا
     في البدء
   حروبٌ عديدة مرّت على عراقنا الجريح وآخرها عام 2003 والتي خلّفت دماراً كبيراً في الأنفس كما في أرض الوطن، وبسبب ذلك هاجر عدد كبير من المسيحيين كما من المكوِّنات بعد استهدافهم من قبل جماعات متطرفة وخاصة بعد دخول تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابي إلى أراضي أهلنا في سهل نينوى والموصل عام 2014 والذي فرض على المسيحيين الأصلاء شروطه الثلاثة: إشهار الإسلام، دفع الجزية، قطع الرؤوس ومصادرة الأموال في حالة الرفض، أو عليهم الرحيل. وكانت المسيرة المؤلمة تأخذ معايير مختلفة ومنها كانت إبادة المكوِّن الأصيل حتى 28تشرين الأول من عام 2016 حيث حُرِّر سهل نينوى والموصل.

     على مدار التاريخ
   لن نخوض الآن في ما تعرض له المسيحيون وما يتعرضون إليه ولا زالوا وإنْ بطريقة أبطأ، ولكن بإمكاننا أن نقول أن المسيحيين على مدار التاريخ لم يعيشوا في بحبوحة ورخاء بل مورست ضدهم وخلال الأنظمة المتعاقبة على الحكم بالعراق سياسات مختلفة فيها التعصب أحياناً وفيها الاحترام الواجب أحياناً أخرى، فيها التعامل بعنجهية وفيها التعامل عبر غياب العقل والتحزب، وهذه كلها أدت إلى جعلهم مرة جالية لا ذكر لها وأخرى أقلية مستَضعَفَة، وكم شهيد أو جريح سقط ضحية هذه السياسات، وكم نازح ومطرود ومهاجر شهدت بلادنا بسبب السياسات المؤلمة التي مورست ضدهم وفي مناسبات عدة كان استخدام الدين من أجل الإرهاب تبريراً للأعمال الإجرامية التي كلفت المئات من حياة المسيحيين الأبرياء.

     خابت آمالنا
   هذه الممارسات أفرزت نتائج وخيمة على مستقبل وجودنا المسيحي في العراق خاصة وفي الشرق الأوسط عامة، وتناقصت أعدادنا وخابت آمالنا في العيش مع الآخر المختلف. وما يواجهه مسيحيو اليوم من تحديات هي الدافع الأكيد لإفراغ البلد منهم. فقد ضربوا الناس بتدينهم، وفي داعش بلغ التطرف الديني أقصى حدود القوة واللاإنسانية. إنهم يجهلون وجودنا سواء متنا أم حيينا، فذاك بالنسبة إليهم سواء.ومن هذه التحديات:
فبين فترة وأخرى يتنامى الخطاب الديني المتشدد.ولا زلنا نعاني من عدم إصلاح قانون الأحوال الشخصية، ولا يوجد تطبيق فعلي لمبدأ "لا إكراه في الدين" حيث أسلمة الأطفال القاصرين قسراً حين إشهار أحد الأبوين إسلامه.وقانون توزيع الأراضي السكنية من أجل إحداث تغيير ديموغرافي في مناطق تواجد الأقليات، هذا هو العامل الأكثر خطورة في زوال الوجود المسيحي بزوال أراضيهم ومنها قرار (117).ووجود تخوف وتشاؤم من مستقبل الأقليات وبقاء وجودهم في الشرق والعراق بسبب إفرازات العنف المتشدد ضدهم والذي ولا زال الخوف مسيطراً ويؤدي في النهاية إلى زيادة نزيف الهجرة بشكل كبير.والكتب المنهجية التي لا تعير اهتماماً بالأقليات ودياناتها ومكوناتها.وتوفير الأمن والاستقرار في مناطقهم واستنباط وظائف للحصول على أرزاقهم وإشراكهم في الحياة العامة وليس التمييز الطائفي الموجود بالأغلبيات عربي، كردي، تركماني... وأخرى عديدة...

     في الختام
   هل صحيح إن المصالح تريد أمرين، هل فعلا يريد الغرب أن يكون الشرق بلا مسيحيين، ويريد مسيحي الشرق عنده وهل يريد الشرق ان يرحل كل المسيحيين الى الغرب ،  هل هي فعلا محاولة لأسلمة المنطقة وهناك قاعدة شرعية تقول "لا يكون دينان في جزيرة العرب".ولا اعلم أين تكمن الحقيقة هل في واحد من هذين السؤالين أم في كليهما. والحقيقة ، حقيقة لا يعرفها إلا المخططون لها ، ولا ينفذها إلا راسمو مستقبل الشعوب إن كان هناك مستقبلاً أم استعماراً أم احتلالاً أصولياً لكرامة وحقوق الإنسان "شماعة الخلاص" فالمطلوب منا توحيد كلمتنا ، وعيش حقيقة وجودنا ، وتبديل مواد دستورنا ليكون دستورا للمواطن والمكون على سواء وليس للاغلبية الحاكمة والحزبية المتسلطة ، والطائفية المقيتة ، والكراهية الحاقدة ،والمصلحة المالكة والمستكبرة ، وللحقيقة المزيفة ، وما نحتاج اليه غسلا اوتوماتيكيا،  في ماكنة تحمل حقيقة وجودنا ، وكسرٍ لزيف مصالحنا ،  وانانية الوهيتنا، ومسك الختام ما نحتاجه ان نركع امام كرسي التوبة والاعتراف ، فما نحتاج ليس كلمات احترامية نقولها ونعلنها في مؤتمرات وبيانات تنتهي مع خاتمة أعمالها، بل حقيقةً ودستوراً واضحاً يمنحنا حقوقَنا ويُختَم على ورقة يعلن فيها المبادئ التي نادى بها البيان، وإلا كله لا يحرّك ساكناً في مسيرة الشعوب بل كلام "گرانيل" كما يقول المَثَل المصري ليس إلا!. والا فزوالنا آتٍ شئنا أم أبينا ، وهذه هي مسيحيتنا ، نعم وامين !.




49
الإرشاد الرسولي والأخوّة الإنسانية
سكّة واحدة لمسيرة الحياة

المونسنيورد. بيوس قاشا
     في البدء
   ممارسات الكراهية والتكفير، وإفرازات العنف والتمييز وعدم الاستقرار، وإبعاد الأقليات عن نيل حقوقهن، أفرزت نتائجَ وخيمة على مستقبل وجودِنا المسيحي في العراق خاصة وفي الشرق الأوسط عامة، وبسببها تناقصت أعدادُنا، وخابت آمالُنا في العيش مع الآخر المختلف. وما يواجهه مسيحيو اليوم من تحديات هي الدافع الأكيد والأكبر لإفراغ البلد رغم أن الكنيسة ـــ عبر إرشادها الرسولي والأخوّة الإنسانية ورسائل عديدة ـــ لعبت دوراً ولا زالت حتى الساعة تنادي بحقيقة العيش ومقاسمة الحياة مع الآخر المختلف، وبالمواطنة الصالحة، وبأصالة الوجود المسيحي، ولكن لا زال قلب المسيحي يحسب للخوف حساباً ولمسيرة المستقبل كتاباً.

     البابا فرنسيس
   نعم، أقولُها: إن البابا قد أحسن قراءة مسيرة تاريخ مسيحيتنا في الشرق وقضية وجودنا فيه، واستدرك أن الآتي ربما يكون خطة ممنهَجَة، مدروسة، منظَّمة، لتفريغ الشرق الأوسط من سكانه الأصليين، حاملي اسم المسيح، من أجل رسم خريطة جديدة لواقع البشر الأناني، لغاياتٍ ومصالح. فالقرار صعب، وتنفيُذه بحاجة إلى شجاعة إيمانية تقف ندّاً أمام الذين يستغلون خيبة أبناء الشرق، فيجعلون من معتقدِهِم إرهاباً مؤلماً كما حصل في العديد من بلدانِنا الشرق أوسطية، بدءاً من عراقِنا الرافيديني مروراً بمصرَ الكنانة ووصولاً إلى سوريا. ولا زالت المسيرة المؤلمة تدور فصولُها مما يجعل من مسيرة الحياة ناقوساً يعلن خطرَ البقاء وفراقَ المثقفين وتشتيتَ المتعايشين وازدياد عدد المهجَّرين وكره الأصوليين بدلاً من ان يجمعهم لصلاةٍ واحدة وفي معبدٍ واحد وتحت اسمٍ واحد ولوطنٍ واحد.

     الإرشاد الرسولي
   لقد جاء الإرشاد الرسولي عام 2010 قبل أيامٍ معدودة من كارثة كنيسة سيدة النجاة في العراق، والتي فيها استؤنفت إبادة مكوِّننا الأصيل. وقد جاء الإرشاد بعد لقاءٍ جمع أباءَ الكنيسة الكاثوليكية في العالم أجمع وخاصة بمشاركة رؤساء كنائسنا الشرقية، وحمل عنواناً "شركة وشهادة"، وسُلِّمت الوثيقة من قِبَل البابا بندكتس السادس عشر في الرابع عشر من أيلول عام 2012 في بيروت ـــ لبنان إلى رؤوسائِنا الموقَّرين.   ويقول الإرشاد في وثيقته "شركة وشهادة"، ومن خلال المواضيع التي نوقشت وحُلِّلت إنطلاقة الوحدة بين الكنائس المختلفة، وانطلاق الحوار في الإنسانية، وبعد تأمل عميق لإدراك واقع عالمنا المعاصر وكوراثة لتضع المبادئ الدنيوية موضع المبادئ العليا والمتسامية من أجل غدٍ مشرق لكل بني الإنسان ومن أجل التآلف بين أصحاب الديانات، كما كان الإرشاد علامة السلام والمشاركة في شهادة واحدة.
سكة واحدة   
   إنها سكة واحدة ، فالإرشاد دعوة لإقامة الحوار مع أعضاء باقي الديانات، حوار لا تفرضه سياسات المصالح بل يستند قبل كل شيء إلى أسس لاهوتية مرتبطة بالإيمان، فيدركوا أنهم يؤمنون بإلهٍ واحد، ومن هنا يكتشفون في المؤمن الآخر أخاً يُحتَرَم ويُحَب من أجل شهادة جميلة للصفاء والمودّة بين ابناء إبراهيم. وبما أن المسيحيين يتقاسمون الحياة اليومية مع المسلمين حيث وجودهم لأنهم في ذلك جزء لا يتجزأ من محيطِهِم. فالمشاركة في حياة الوطن من واجب وحق كل مسيحي لأنهم أصلاء البلاد ولذلك يعملون على بناء أوطانهم. من هنا ينبغي أن يتمتعوا بمواطَنَة كاملة، ويتمنون أن يكونوا أمناء تجاه كرامة الشخص البشري في حريته الدينية التي يرتأي الشخص إليها والتعبير على ذلك علانية وبحرية دون أن يعرّض حياتَه الشخصية للخطر، لأن الإكراه فيما يتعلق بالدين غير مقبول خصوصاً إذا تمّ بواسطة العنف، حينذاك سيكون التسامح رسالة يحملها المؤمن في عيشه المشترك والذي سيكون مثالياً عبر الحياة اليومية، ومن خلالِها يدركون غِنى الحوار الذي يجمع بينهم.
   أما الوثيقة "الأخوّة الإنسانية" فقد وُقِّعت أبوابُها من قِبَل البابا فرنسيس وشيخ الأزهر الشريف أحمد الطيب في الرابع من شباط عام 2019، وقد جاءت الوثيقة ـــ بتقديري الضعيف ـــ بعد تحرير أراضي سهل نينوى، وبدأت تتغير مفاهيم السياسة بسبب المصالح والطائفية وتهميش الأصلاء والمكوِّنات، وفرض الأغلبية وشريعتها على الأقليات ودياناتهم، فكانت الحصيلة مآسي الحياة، حينها أدركَ جيداً قداسة البابا فرنسيس فقد قام الفاتيكان وبكل حكمة وذكاء وعقلانية إنسانية بإطلاق محادثات أخوية صادقة مع سماحة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف ومع الدوائر الأزهرية المتعددة، فكانت أنْ وُلِدتْ الوثيقة الإنسانية حاملة عنواناً إنسانياً "الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والتعايش المشترك".فالأخوّة الإنسانية تدعونا إلى أن التعددية واختلاف الدين واللون والجنس والعِرق ما هي إلا حكمة لمشيئة الله، فلا يجوز إكراه الناس على دين معين أو ثقافة محدَّدة، أو فرض أسلوب حضاري لا يقبله الآخر. فاليوم حان الوقت لتقدم الأديان نفسَها بطريقة فعّالة وشُجاعة كي لا تقتصر الحرية الدينية على حرية العبادة بل ترى في الآخر أخاً في العقل،  كما في الفعل،  كما في الإنسانية. لأن أهم أسباب أزمة العالم يعود إلى تغييب ضمير الإنسان وإقصاء الأخلاق الدينية والنزعات التي تؤلِّه الإنسان. فغياب الصوت المسحي ووجودُه سبّبّ في افتقار المجتمعات وخسارة للتعددية التي تميزت بها بلدان الشرق الأوسط.

     في الختام
   نعم، لنفتح أبوابَ قلوبِنا وكناشسِنا، فالأقفال ومفاتيحها في أيادينا جميعاً. ولنفتح الأبوابَ ليس فقط على مصراعيها بل بروح الشِركة والشهادة والتواضع. فالإرشاد كما الاخوة الانسانية أعادَا التصويب لبوصلة الحياة، وحسما الجَدَلَ القائمَ ومفاده بل سؤاله: أين سنكون اليوم وغداً؟... والكنيسة، هل هي كنيسة المؤمنين أم كنيسة المصلّين؟، إنها مبنية على صخرة البشارة عمرها ألفين عاماً، لذا لا يحق حتى للقيّمين على الشأن المسيحي في الشرق أن يتنازلوا عن هذا المجد الذي أُعطي لهم لأنه إرث الكنيسة جمعاء. فمجد الرسالة المسيحية أُعطي لأبناء هذا الشرق، ولنرى الأيام، إنها أفضل مستشار.
   أرجو ختاماً أن لا يكون الإرشاد إعلاماً فقط ، ولغة المثقفين لشريحة كبار الزمن ورؤساء الدوائر وكبار المسيرة والمعابد ، وكذلك وثيقة "الأخوّة الإنسانية" ، ومن المؤسف اقولها فلقد طويناهما ووضعنا نصوصهما على الرفوف لترتاح حيث الراحة الأبدية، نعم ، من المؤسف ما هذه إلا الحقيقة وأقولها بالمٍ . فاليوم شعبنا بسيط وبريء وجريح الحياة، ولا يحتاج إلا أن يتفاعل بقدر ما وهبه الله من النِعَم لكي لا يكون شعباً مسيَّراً بل مُحبّاً، شاهداً وشهيداً لحقيقة البشارة والحياة والإيمان من أجل العيش بسلام وأمان... وهذا هو الرجاء في الإيمان بقوة الروح القدس (أفسس17:6)، والذي سيجعلنا على سكة واحدة من اجل مسيرة الحياة عبر ما رسمه الارشاد الرسولي والأخوة الانسانية. في ان نكون أُمناء تجاههما واوفياء تجاه تعليمهما والعمل به في كنيسة أم ومعلمة،  وفي المسيح الحي ،وما هذا إلا ايماني بكنيستي ،  نعم وامين . 

 
     الختام (2)
   ختاماً ما نحتاج ليس كلمات احترامية نقولها ونعلنها في مؤتمرات وبيانات تنتهي مع خاتمة أعمالها، بل حقيقةً ودستوراً واضحاً يمنحنا حقوقَنا ويُختَم على ورقة يعلن فيها المبادئ التي نادى بها البيان، وإلا كله لا يحرّك ساكناً في مسيرة الشعوب بل كلام "گرانيل" كما يقول المَثَل المصري ليس إلا!.


50
صراع من أجل البقاء أم من أجل الفناء

المونسنيور بيوس قاشا
   في البدء...
   أسباب عديدة دفعت المسيحيين للهجرة من بلدان الشرق الأوسط وبالخصوص من بلادنا ، بسبب ما حلّ بنا من قتل وتهجير، وتراجع الظروف الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وصعود التيارات المتطرفة، والاضطهاد الديني الذي مارسته بعض الجماعات التكفيرية وأحياناً كثيرة بسبب معاداة الأقليات وفقدان مناخ وغياب رسالة التسامح الديني والتعددية والإختلاف، وهذا مؤشر أكيد لتلاشي الوجود المسيحي في المنطقة بعدما كانوا أعداداً وجماعات يفتخرون بوجودهم في بلدانهم، وتفتخر المنطقة بعطائهم وعقولهم.
  صراع وبقاء
   ما يجب أن ندرك جيداً، اليوم وليس غداً، نحن أمام وضع مأسوي، فالواقع تُمَرَّر مصالحه ومخططاته بين ظهرانينا، وما أشاهده فنحن لسنا إلا من المتفرجين والناطرين قسمتنا دون إرادتنا وإن كانت ليالينا لا ترزقنا خبزتها، فالمنطقة في غليان وفي صراع المصالح والعقول، كما المحسوبيات والوجبات، وكل يريد أن يحصد غلاّت غيره، حقيقة أو زيفاً، يسلبون ما لهم وما ليس لهم بعد أن أصبح الفساد سيرة مقدسة ومسيرة مستدامة. فعراقنا يقود اليوم صراعاً طائفياً لا شريك له، ومذهبياً لا ينافسه قول، وإقليمياً لا تحسده الأوطان. إنه صراع من أجل البقاء، صراع النفوط والمصالح والسياسات المدمِّرة في قانون اسمه "شريعة الأنا"، فحيث الجثة، يقول الإنجيل المقدس، هناك تجتمع النسور (لو37:17). فالإرهاب المزيف بأشكاله المختلفة وبأدبياته الفاسدة ينهشنا من حيث لا ندري، والزمرة المزيفة تصفق لهذه المسيرة من أجل مصالحها ومراكزها ومناصبها غير مبالين بالحقيقة والحياة، بالوطن والإنسان، بهبات الله ونِعَم السماء. فهم المخطِّطون وهم المنفِّذون وهم المكفِّرون، وهم في كل ذلك هيرودس الشرير الذي خلط دماء الجليليين بذبائحهم (لو1:13)، وما أكثرهم للحق كارهون (وفي هذا يفسدون ضمائرهم) في الحياة... إنها سلسلة متصلة من الضيق والغضب والضغط والانفعال، وأخيراً الموت.ما هذا الذي يحصل إنه سؤال بلا جواب ، ليس إلا . 

   آيات عجاب
   أبناء شعبنا لا زالوا يطرقون أبواب الهجرة والرحيل، والكنيسة ورؤساؤها يضعونهم أمام حريتهم في إختياراتهم، والسبب أنهم لا زالوا في شكٍّ من وجودهم كما هم في حالة يأس من مستقبلهم، يصبحون وينامون تعساء وبؤساء على مصيرهم ومصير صغارهم. إنني أتعجب لكبار يقولون أنهم قادة الزمان ، يملأون بطونهم بوعود كاذبة، ، فيقررون ما يحلو لهم وإن كان ذلك بغيضاً في حقيقة أعينهم ولكنه محبوباً في أفكار عقولهم ومسيرة سلطتهم، فهم ينزّهون أنفسهم من كل دنس وكأنهم أُنزلوا من السماء كآيات عجاب، ويُصدرون فتاوى انتظار بالبقاء في أوطانهم وهم يذهبون ويجيئون كأسياد مسلَّطين بمالٍ ليس لهم ويولولون قائلين "من أجلكم نُمات كل يوم وقد حُسبنا مثل غنم للذبح"  (مز 22:44) ويزيدون في شكواهم إننا من اجلكم نعمل ونذهب ونجيء" فقد تعبنا الليل كله" ( لوقا 5:5)  والحقيقة إنهم يستهزأون بشعبهم والله بعيد عن مآربهم وعن عقولهم فهم آلهة لانفسهم ليس إلا.

   خوف وضعف
   نحن المسيحيين نتخبط اليوم أمام مآسي عديدة لم يكن لنا فيها لا ناقة ولا جمل، وإنما قادونا مثل الخراف خضوعاً وخنوعاً، ولا زالت المسيرة مستمرة هنا في وطننا وفي أنحاء عديدة من شرقنا المعذَّب وأنحاء أخرى من هذا العالم البائس حيث الظلم والألم واليأس والمستقبل المجهول لنا ولأجيالنا ولأحفادنا، ولا نعلم أين صوب مسيرتنا وإلى اين نحن نتجه أمام صراع لم نكن فيه مستعدين. وأمام ما يحصل يجعلنا أن نحمل أفكاراً ملؤها الخوف والجُبن والضعف والتعاسة بسبب انتشار الشرّ وانعكاساته على الأصعدة الإجتماعية والسياسية والعائلية والطائفية في فوضى عارمة وشغب وحروب تكفيرية وديموغرافية، وظلم وقمع الآخر البرئ في تدمير الإنسان الآخر المختلف، وكما يقال "يدنا على قلبنا"، وبالتعبير الشعبي "إيدنا على قلبنا" ممّا سيحلّ بالمسكونة وبالمسيحية، فالكثير منا يعيش بلا هدف واضح، يرقص مع الأغنية ويولول مع العدّادين، ولا يعلم ماذا يصنع وأين محلّه من الإعراب في مجال وجوده وحقيقة ترابه. إنه صراع نفسي، فإذا سألتَه: لماذا ترقص أو تولول؟، يجيبك: هذه هي الحياة. وإن كان الهدف الوجودي قد ضاع فحتى متى سنبقى من المهمَّشين؟، وحتى ما ينتهي الصراع؟ هل هو صراع من أجل البقاء أم صراع من أجل الفناء... ليس إلا!.

   نؤمن ونعلم
   يراهن الكثيرون اليوم على ترحالنا أو على تقلّص أعدادنا بصورة كبيرة، ولكننا نؤمن أن الله سيد التاريخ وهو يرعانا ويرعى كنيسته في الشرق. إننا نؤمن بيسوع المسيح القائم من الموت والمنتصر على كل شرّ. وبناءً على إيماننا هذا نقول "سوف يبقى في الشرق مسيحيون يحملون إنجيل ربنا يسوع المسيح، ويشهدون لقيامته المجيدة، ولو بقينا عدداً قليلاً"، وقد سبق وأنبأنا "ستعانون الشدة في العالم، ولكن ثقوا إني قد غلبتُ العالم. فلا تضطرب قلوبكم ولا تفزع" (يو33:16 و27:14). نؤمن ونعلم أن الإيمان صعب، بينما تغشانا ظلمات هذا العالم ومظالمه. نرى شقاء الأرض، نرى قسوة الناس بعضهم على بعض وعلينا، نعيش في زمن استشهاد وننظر إلى صلاح الله ونسأله تعالى القوة لقبول نعمته، نسأله أن يرافقنا سواء حضرت ساعة شهادة الدم أم بقينا في بيوتنا وكنائسنا المهدَّمة أم تشتّتنا في أنحاء العالم، نسأله القوة لنبقى مؤمنين به وبصلاحه، ومع الموت الذي نتعرض له نؤمن أن الله ما زال يرسلنا في بلداننا أو في العالم وفينا صلاح من صلاحه وقوة من قوته ومحبة من محبته ليس إلا .

   الخاتمة
   نعم ، إننا اليوم أمام أسئلة لا أحد يجيب عنها، وإنْ أجابوا عنها فما جوابهم إلا كلام ليس إلا، فلا رجاء فيه ولا أمل لتحقيقه. فقد طال الزمان، ومالت السنون إلى النسيان، وغابت الشمس عن كشف حقيقة وجودنا وقضيتنا... وعود ووعود ووعود. فالأغنياء إلى أوطانهم الجديدة رحلوا، فهم لا يحتاجون إلى درهم أو أخضر، هاجروا وتركوا أصالة بلدانهم. والفقراء ركبوا المراكب القاتلة والمهرِّبة بسبب دخلهم المحدود ينتظرون ساعة رحيلهم، فلا عون لهم، لا من رؤسائهم ولا من كبار دنياهم وزمانهم. فرؤساؤهم لم يرحّلوهم لأنهم ليسوا روّادهم وكبار دنياهم وأبناء عشيرتهم ، يتركونهم إعلاماً لمصالحهم، وكبار زمانهم يقولون عنهم إنهم عادوا والحقيقة مؤلمة وإن قلناها، فحتى متى!!!. هل يبقون ينتظرون ما يقع من فتات الغني (متى27:15) ليشبعوا ويملأوا بطونهم، فهم ليسوا من أقرباء الكبار ولا من حشم الموائد بل هم فقراء الرحمن ومعوَّقو البابا فرنسيس... إنهم الأغلبية المهمَلَة. فصراعنا هو من أجل الحفاظ على الوجود المسيحي كمكوِّن أساسي في نسيجنا الإجتماعي، ولا نكن من الخاسرين في هذا الصراع من أجل البقاء كما خسر الوطنُ المكوَّنَ الموسوي، لأن التنوع ما هو إلا مدعاة فخر وسمو، إنه تاريخ التسامح والعيش المشترك. ويبقى السؤال إذا ما خسرنا في صراعنا هذا سنكون في خطيئة لا غفران لها، إنها خطيئة التلاشي، إنه صراع مميت ، وخيارنا واحد فهو إما بقاء أو فناء ، ليس إلا!.

   



51
هل نقرأ السلام على الشرق المسيحي ؟؟
المونسنيور د. بيوس قاشا
إنَّ الكنيسة اليوم، وفي شرقِنا المعذَّب بل في عراقنا الجريح ،
 تمرُّ بمرحلةِ إرتباكٍ وغليانٍ وأزمةٍ، في حالةِ ضياعٍ وفقدانِ الهوية الوجودية. 
والسؤال يبقى بلا جواب: هل ستدوم مسيحيتُنا؟، هل سيبقى وجودٌ للمكوِّن المسيحي في مجتمعاتِنا الشرقية؟، هل سيبقى الإنجيلُ محافظاً على كلمةِ البشارة؟، وهل سيبقى المسيحيون في ضبابيةِ المفاهيم الإنجيلية، التي لا تقتصر فقط على مجتمعاتِنا الشرقية بل تتخطّاها لتشمل العالَمَ بأسره؟، هل فعلاً سنتَّحدُ يوماً بعدما عُرِفنا بطائفيَّتِنا وانقساماتِنا وخصوصيات معابدنا وقومياتنا وتسمياتنا ؟، وهل نحن نؤمن أنّ لنا إيمانٌ واحد، وربٌّ واحد، ومعموديةٌ واحدة، وإلهٌ واحد (أفسس5:4-6)؟، وإلا ما نفعُ كراسينا ومناصبِنا، وما نفعُ كلمةِ المسيح الذي قال:"أتركْ كلَّ شيءٍ واتبعني" (مر21:10)... نعم أسئلةٌ عِدَّة ترافقُ مسيرتَنا المشرقية.
لاشكَّ أن الكنائس الشرقية ــــ والتي تضمّ العائلات الروحية المسيحية من كاثوليكية وأرثوذكسية وإنجيلية ــــ تنظر إلى الإعلام بوصفه وسيلةً فعّالةً في إيصال الرسالة المسيحية، رسالة الخلاص والفداء، فكنائسنا ما وجودها إلا شهادةٌ للمسيح وعملاً بقوله:"إذهبوا وتلمذوا جميعَ الأمم وعمّذوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلّموهم أنْ يحفظوا جميعَ ما أوصيتُكم به. وها أنا معكم طوال الأيام إلى انقضاء الدهر" (متى 19:28-20).
إنّ مجيءَ وحلولَ عصرِ المعلوماتية أدخَلَ الكنيسةَ الشرقية في أزمةٍ حقيقية، وفي هذا المزيج الصاخب من المشهد المعلوماتي الجديد تجدُ الكنيسةُ نفسَها في مواجهةِ تحدٍّ، وهو تحديد موقعِها في علاقةٍ حِوارية بين متطلبات هذا الوضع المُسْتَجِدّ في فوائدِهِ كما في مخاطرِهِ، بحيث يجب عليها أنْ تحافظَ على هويَّتِها دون التخلّي عمّا تؤمن به.
والسؤال هنا يطرح نفسَهُ: كيف تستطيع الكنيسة في مجتمعاتِنا الشرقية، وأمامَ هذا المشهد الإعلامي والمعلوماتي، حيث الثقافاتُ المتنوعة والعديدة، أنْ تُتِمَّ رسالتَها التبشيرية الإنجيلية، وأنْ تجيبَ على سؤالٍ يتردَّدُ باستمرار: ماذا يعني أنْ يكونَ الإنسانُ مسيحياً اليوم؟، وهل ستدوم المسيحيةُ في مجتمعاتِنا الشرقية كما دامت منذ ألفي سنة ونيفٍ، ونحن لا زلنا نعيش عدمَ إتحادِنا وإعلامِنا المنقسم.
صحيح إنَّ هذه الضبابية في المفاهيم حول المسيحية والمسيحيين، لا تقتصر فقط على مجتمعِنا الشرقي بل تمتد الى مجتمعات أخرى، والذي يقاوم الإرهاب والشرّ والخطيئة، خاصةً بعدما إستفحلَ داعش الإجرامي، الذي أبادَ كلَّ شيء دون وجهِ حق، ودمّرَ كلَّ شيء، ونحن لم يكن في يدِنا حيلةٌ، بل كنا ضحايا ومهجَّرين ونازحين وراحلين أمامَهُ وأمامَ غيره، ولا زلنا حتى الساعة. وحتى الذين إدَّعَوا حراستَنا وحِفْظَ أراضينا، تركونا وحيدين، فكُتِبتْ علينا الهزيمةُ، وهذا كلُه يدعونا إلى أنْ نسمّي الحقائق بأسمائِها كي نستطيعَ مناقشتَها واستيعابَها.
من المؤكَّد إننا شرقيون، بل مشرقيون، بعودةٍ إلى سببِ وجودِنا. فالشرقَ وطنُنا، وفيه نجدُ مسكَنَنا ومستقبَلَنا، وفيه أملُ أولادِنا وأحفادِنا وسبب حياتِنا. وحينما يكون المواطن في حبّ وطنه يتجسّد الوطن في داخله، فيكون الوطن هو العنوان، وهنا يتكاتف الوطن والمواطن في إتحاده، وينتج عنهما حبّ الوطن، وما أغلاه، وما أجمله، بل وما أقساه!!!، وهنا تبدأ رسالةُ الإعلام في جعلِ مسيرةِ الحياة تتبلور بتقنيةٍ عالية، لذا يجب أنْ نُدرِكَ مَن نحن، وإلى أين متَّجهون، في إرادةٍ واحدة، لأنَّ استخدامَ وسائل الإعلام الحديثة بطريقة صحيحة ومعلوماتية مُوجَبَة، تساعدنا في نهضةِ الإعلام الكنسي في العيش المشترك، بيننا أولاً ثمّ مع أبناء وطننا، وخاصةً مع أبناء شرقنا بل مع مؤمني كنائسِنا، وإن كان هذا ليس سهلاً.
نعم، إنَّ الأوضاع في شرقِنا مؤلمة، وهي تدعونا إلى إفراغِ البلاد والهجرةِ والرحيل، ولا تستطيع كنائسُنا الشرقية ومجتمعاتُنا أنْ تزرعَ وجوديةَ البقاء للشهادة في أرضِنا لسببٍ أو لآخر، فهي تنادي عِبْرَ الإعلام أنَّ قدسيةَ مشرِقِنا وطينَ شرقِنا مقدسٌ لأننا مخلوقون منه، وهناك يقابلها إعلامٌ رخيص ملؤه النفاق والتطبيل والمراءاة والكذب والمصلحة والطائفية، لذا عليها أنْ نُدرك ذلك كي ترسمَ كنائسُنا الشرقية سويةً رؤيةً واحدةً خاصة، في وحدة الكلمة واتحادِ الرسالة، وإنَّ ذلك لهو مَطْلَبُ الإرشادِ الرسولي "من أجلِ كنائس الشرق الأوسط: شركة وشهادة" والذي عُقد في روما للفترة من 10-24 تشرين الأول (أكتوبر) عام 2010، وبطلبٍ من رؤساءِ الكنائس الشرقية الكاثوليكية من أجلِ معالجةِ أمورِ المنطقة بعد الإضطهادات التي حلّتْ بالكنيسة وبالمسيحيين وهجرتِهم، وسُلِّمَت الوثيقةُ إلى رؤساءِ الكنائس في بيروت من قِبَلِ البابا بندكتس السادس عشر في إحتفالٍ مهيب في 16 أيلول (سيبتمبر) عام 2012.
فماذا تنفع الإنفرادية والطائفية والمحاصصة إذا كان كبارُ معابِدِنا قد علّموا مؤمنيهم بصورةٍ أو بأخرى هذه الطائفية الانفرادية والتسميات المختلفة والقوميات المتعصبة ، وكأنَّ الإرشادَ الرسولي الذي أُعْطِيَ لنا قد وضعناه على رفِّ التاريخ ليكونَ كلمةً صامتةً بعد أن تجاهلناه إعلاماً وجودياً ومسيحياً وحياتياً، والذي كان يجب أن نسلك طريقه، بدلاً من تجاهله!.
فرجال المعابد ومؤمنيها ، هم أنفسهم،  بل كلنا،  مدعوّون أن يعيشوا حقيقةِ وجودنا، فلا وحدة ولا إتحاد، كما لا إرشاد ولا رسالة،إن كنّا فقط بحاجةٍ إلى قراءةِ أسطرٍ ملؤها عبارات قواعدية إيمانية شرتونية ، وما فائدتها إذا لا تعمل فينا ولا في مسيحيتِنا، وخاصةً نحن أمامَ سيلٍ من المعلومات الضديّة، فتكون النتيجة حتماً إفراغَ الشرق والرحيل وحينذاك نقول:"إقرأوا السلامَ على الشرق المسيحي"، فقد أفرغناه من وجودِنا لأننا لم نحيا وحدَتَنا ولا إتحادَنا، فضاعَ إعلامُنا، وماتت كلمتُنا في داخلِنا، وأصبحنا تائهين في صحراءِ الضياع، والسبب سببُنا وليس تعاليمَ مسيحِنا والرسول بولس يقول:"مَنْ هُوَ بُولُسُ؟ وَمَنْ هُوَ أَبُلُّوسُ؟ بَلْ خَادِمَانِ آمَنْتُمْ بِوَاسِطَتِهِمَا، وَكَمَا أَعْطَى الرَّبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ" (1كو5:3).
نعم، عذراً أقولها: أليست زيارة البابا فرنسيس الى ديارنا المعذبة رسالة ، يحملّنا اياها وهو يدعونا الى ان نسلك طريقا يقودنا الى التوبة والمحبة والخدمة كي لا نكون إلا مسيحيين، نعم نكون مسيحيين في إتحادنا وليس في فرقتنا ‘ في صلاتنا وليس في انقساماتنا ، فالزيارة تدعونا الى ان نلملم جراحاتنا ، أليس هو الذي قال يوما بعد استيلاء داعش على ديارنا وسُكبت دماؤ شهدائنا ،ما معناه  "ان دماءَنا امتزجت وتوحدت في مسيرة إيماننا  " اليست هذه قوتنا في وحدة إيماننا ،  أليس هذا من صميم إعلامنا ، وما يدعونا إليه إرشادُنا لكنائسنا وإلا ماذا .. نعم وآمين.
                               ( نص الكلمة التي أُلقيت في مؤتمر الاعلام المسيحي نحو الاتحاد)

52
حقائقنا… كلام في كلام!!!

المونسنيور د. بيوس قاشا
    في البدء
من المؤكَّد أن المسيحيين في الشرق هم مكوّن أصيل وليسوا أرقاماً وأعداداً، كما هم جزء لا يتجزأ من هذا الشرق ومن مكوناته. فالمسيحيون أصلاء بوجودهم وليسوا بقايا شعوب، وهويتهم شرقية الوجود، وحضارتهم سامية التاريخ، وديانتهم لا تحمل إلا السلام والخير والمحبة وتتقاسمها مع الشعوب
والحضارات المتعددة. فوطنهم واحد، وهم في مجتمع واحد، ويؤمنون بل ويعلمون أن إيمانهم صعب، وممارسته تخيّم عليه ظلمات الفاسدين ومظالم المحسوبين، فهم يرون قسوة الناس بعضهم على بعض. كماهم يعيشون زمن الشهادة والإستشهاد، إذ يرون كنائسهم مهدَّمة وأموالهم مسروقة، وتشتُّت أبنائهم أمام عيونهم يرسم خارطة الضياع في أنحاء العالم، ومع هذا يبقى المسيحيون يؤمنون أن الله ما زال يرسلهم في بلدانهم، ويرافقهم في مسيرة الحياة القاسية، مدركين أن الرب قال:"ستعانون الشدة في العالم، ولكن ثقوا إني قد غلبتُ العالم" (يو33:16) و"فلا تضطرب قلوبكم ولا تفزع" (يو27:14).

    وشك المغيب
ما أدركناه أن التضحيات قد تمّت بالإنسان وبشعوب المنطقة ومكونات الأوطان في سبيل مصالح طائفية وأخرى قومية وربما حزبية، ومرّت معظم بلداننا بمرحلة دمار شامل، ومع هذا لا زلنا في تهديد دائم، وهذا ما نراه عبر صراعات مليئة بالحقد والكراهية بإنشائها الخطابي عبر تكفير الآخر المختلف، وقد قالوا عنا يوماً: أن المسلمين المتطرفين هم الذين قتلوا أبناءنا المسيحيين، وغايتهم إقصائهم وإلغائهم من الوجود، وهذا صحيح وظاهر، إنهم متطرفون مسلَّحون، هم الذين قتلوا المسيحيين والمسلمين بسنّتهم وشيعتهم والإيزيديين وكل مَن عارضهم، والقاتل الحقيقي معروف بأهدافه فهو صاحب القرار وحلفاؤه في ديارنا من أجل مشرق جديد وبحسب مصالحه ورؤيته، فهل اليوم نعيش مصيراً جديداً مختاراً من ذوي القرار؟... وما أقساها إزدواجية القرار، ونتيجتها عدم الاستقرار، ولا يمكن أن نستقر إذا لا تستقر حقائقنا.

    أجيال رحماء
أمام هذا الواقع الأليم والمخيف نتوقف لنتأمل ونحاسب أنفسنا: أين هو موقعنا؟، أين هي مواقفنا الموحَّدة؟، أين نحن من مسيرة الألم بعد كل الذي عشناه ورأيناه ولمسناه بأعيننا وأيادينا وأفكارنا؟، هل استطعنا أن نبدّل مواقفنا من أجل خير أمّتنا وكنائسنا؟، هل تواضعنا حتى نكران الذات من أجل كلمتنا الموحِّدة والموحَّدة؟، هل أدركنا أن الألم الذي جاءنا وعشنا مراحله المؤلمة ما هو إلا للتآلف بين القلوب، لا فقط كلمات تبجيل واحترام متبادَلَة؟، هل أدركنا أننا نحمل رسالة إلى العالم تحمل الحياة للآخرين، إذ أن رجال المعابد وكبار الزمن عليهم أن يربّوا أجيالاً رحماء لا قتلة أشقياء، وإن المحبة تتجاوز حدود الإنسان لأنه لا حدود لها؟، وتقول رسالة بطاركة الشرق (2018) ألم ندرك جيداً أن الشرق قد إرتوى بدماء آبائنا وأجدادنا حتى الموت؟، ألا يدعونا هذا إلى حاجتنا إلى قيادات ترشدنا إلى طرق الحياة وحقيقة الإيمان والشهادة في مقاومة التفرقة والموت التي لا زالت فاعلة في مجتمعاتنا وإنْ كانت صغيرة، وتعمل في طائفياتنا بنسب أعمارنا؟... إننا بحاجة إلى قيادات تملك القدرة والإحساس بكل آلام الناس، ومنهم نتعلّم أن الآلام ليست للموت بل هي طريق إلى الحياة، فطريق الصليب كان طريقاً من الموت إلى القيامة.

    فاجعة ودمار
إن ما حصل في مناطقنا في سهل نينوى خاصة، وما حلّ بأبناء العراق عامة، فاجعة ودمار وتخلّف وفساد. فالعديد في سهل نينوى _ كما في المناطق الأخرى _ تركوا ديارهم ومنازلهم ومناطقهم الأصيلة وحضارتهم التاريخية من أجل الحفاظ على حياتهم بسبب القاعدة وأزلامها، ثم داعش وإرهابه، والميليشيات وأفرادها، والدستور وأبوابه. فالهدف واحد وإنْ تعددت المسارات، والتقصير تجاه الشعب ومكوِّناته أكيد، فهي في هذا تواجه خطر الإنقراض إضافة إلى التهميش والإقصاء في كثير من الأمور وفي وضع مهلهل ومستباح، وبأيادي تفكر عشوائياً ولا تدرك جيداً حرصها إلا على المصلحة الخاصة والكبريائية، ناسية أن المصلحة يجب أن تكون من أجل الوطن والشعب ومكوِّناته، وبعد أن أدركنا أن داعش على وشك المغيب، وقد أنهى مهمته في تدمير ما رُسم له، وقد أكمل ما طُلب منه، وأعماله الإجرامية تركت آثاراً مؤلمة وعميقة في نفوس شعبنا، تركت نزعة تكفيرية بحقنا، ومقاتلتنا بأية طريقة كانت، وأصبحنا ضحايا لسياسات فاسدة ولفتاوى متعددة، وهذا ما زال يعكّر صفو عيشنا، وفي هذا نسأل أنفسنا هل نبقى أم نرحل؟.

     تربية جديدة
نعم، نحن بحاجة إلى تربية جديدة لأجيالنا الصاعدة من أجل إنسان جديد يحمل عبء الحياة بروح المحبة، وعلى قواعد المساواة والكرامة التي منحنا إياها رب السماء. فكلنا مسؤولون أمام الله وأمام الضمير الحي، فالدولة مسؤولة، والكنيسة مسؤولة، والمسجد مسؤول، وكلنا كرجال معابد _ ومن أي معبد كنّا _ مسؤولون لكي نبني وطناً للجميع وفوق الجميع، حيث ولحد الآن هناك تفرقة وتفضيل مواطن على آخر بسبب دينه أو قوميته أو طائفته، وما زال حتى الساعة تكفير واضطهاد وفساد، خفيّاً كان أم ظاهراً. فما نحتاجه أن نجعل من الدين طريقاً يوحدّنا وليس مسلكاً يفرّقنا، فالمختلف مهما كان دينه أو عقيدته أو لونه هو أخ لنا، وكل أبناء الوطن هم إخوة. فأنتَ أولاً إنسان وخليقة السماء، وفي هذا الصدد يقول الإمام علي "إنْ لم يكن أخوك في الدين فهو نظير لك في الخلقة"، وهذه التربية توصينا بمحبة المسيح لناإذ يقول "أحبوا بعضكم بعضاً" (يو34:13) و"أحبب قريبك مثل نفسك" (يو15:12 وغلا14:5)، والقريب هو كل إنسان.

     في الختام
نعم، نحن أصبحنا اليوم نعيش تحدّياً نواجهه معاً، والخوف لا زال يملك على صدورنا، فما نحتاجه اليوم هو مسيرة إنسانية وطنية ودينية، مبنية على أساس أن كل إنسان هو خليقة الله الواحد الأحد، كما على كبار زمننا ورجال معابدنا أن يكون لهم الدور الرئيسي في معالجة أسباب الفكر الديني المتطرف في تجديد الخطاب من أجل إنسان جديد، وروح مشاركة، وإشاعة روحانية المودّة واحترام التعددية الدينية، وقبول الآخر المختلف بفكره وعقيدته، ونبذ الطائفية المقيتة والمحسوبية المزيّفة، والعشائرية القاتلة، فواقعنا يطلب منّا حواراً وقبولاً متبادلاً وباباً مفتوحاً أمام الجميع وللجميع، يسمع من الجميع، غرباء كانوا أم أقرباء، وإن كانت هناك تيارات دينية مناقضة لا تقبل التعاون والمساواة بين مؤمني الديانات المختلفة بل حتى من الديانات المشتركة بكتبها وايمانها. فشرقنا يجب أن نجدّده نحن لا غيرنا، ولا يكون بتبديل حدوده أو ديموغرافيته أو شعوبه، بل ننظر إلى القلوب، فالشرق بأهله، وأهل الشرق لشرقهم، كلهم متساوون ولا أحد يفرض سيطرته على الآخر، وبهذا نبني وطناً وأجيالاً ورسالةً. إنها رسالتنا، إنها حقيقتنا، أكيداً إنها حقائقنا، وفي هذا السراط تكمن الحقيقة، وأرجو أن لا تكون كلام في كلام، ولكن إيماني يقول: أنه مهما قيل فالنهاية لتشييع الحقيقة، ولدفنها، وتبقى الدنيا وحقائقنا كلام في كلام ليس إلا!!... نعم وآمين.


53
الكذبُ كذبٌ وإن كان أبيضاً

المونسنيور د. بيوس قاشا
    البدء
بداية ، لنقرأ الفصل الخامس من سفر أعمال الرسل حيث قصة حننيا وسفيرة،
 فقد قال بطرس لحننيا "أنت لم تكذب على الناس بل على الله" (أع 5:5)، وما إن سمع حننيا هذا الكلام حتى وقع ولفظ روحه، وهكذا زوجته من بعده (أع 10:5).وقال المسيح الحي:"أنا الطريق والحق والحياة"( يو6:14). ويُحكى أن واعظاً وقف وسط شعبه وقال لهم هذه العبارة "رأيتُ جنّازة يشيّعها مليون، فقلتُ: مَن المتوفى؟، فقالوا لي: الحق"... ونحن اليوم أمام عالم نقول عنه عالماً فاسداً، وأمام مهمات وظروف تجعلنا أن نقدس كلامنا وإنْ لم نكن صادقين، وأصبحنا نسمّي الفساد موهبة، والكذب مقدساً وأبيضا ، والحياة مسيرة سُجلت محطاتها باسمائنا ، ومن المؤسف أن تصل بنا الحياة إلى هذه الحالة التي فيها نحن سادة القوم بلا منازع ، فنحن الامراء بكلامنا واوامرنا وكبريائنا متى نشاء ومتى كانت فيه مصالحنا  . 

     ماهو الكذب؟
   الكذب ، هو إخفاء حقائق أو جزء منها وقولها بإيحاء يتنافى مع الواقع أو يعطي انطباعاً آخر يخالف الحقيقة، يعني هو قول أمر يعني به القائل أمراً آخر ليجعل السامع يفهم الكلام على محمل غير سليم، فهو حلّ سهل وإليه تلجأ جميع شرائح المجتمع بمختلف درجاتهم وأماكنهم ومراكزهم، فهو في أفواه الأغلبية الساحقة. ومن المؤسف أن الكذب أصبح اليوم عادة سلبية، وحلاً مقدساً ، أخذت تنتشر بسرعة هائلة.وتزداد بشاعته كلما عظمت مكانة مَن تكذب عليه أو تملّقه أو تكون بوجهين من أجل مصالح دنيوية وأرباح زائلة وصداقة مزيَّفة، وكما يحمل صاحبه إلى خلق جو من التذبذب وعدم الثقة والمصداقية مثلاً: بين الزوج والزوجة، بين رئيس الدائرة وموظفيه، بين العاملين ورب العمل، بين الأولاد ووالديهم... وما ذلك إلا دليل على الخوف وضعف الشخصية، أما الإنسان الصادق فهو شجاع إذ يتحمّل مسؤولية أعماله حتى لو أصدر كبار الزمن حكماً كبريائيا بحقه من اجل تبرير انفسهم . وفي هذا المجال تدخل المحطات الاخرى لمسيرة الكذب ، التمليق ، المحاباة ، والمديح الزائد والتباهي وخاصة اذا كان صاحبه بوجهين، والظن السيء والرياء والنفاق والذي يقول نصف الحقيقة او يعكس مفهوم الحقيقة .

     سؤال لأنفسنا
لنسأل أنفسنا: لماذا نكذب؟، هل البشر كلهم ينتحلون صفة الكذب؟، لماذا يكذب بني البشر؟ هل بسبب الخوف؟هل من أجل مصلحة أنانية شخصية وهدفية؟ هل لإبعاد الحقيقة عن الإعتراف بها؟ هل لينجو من مواجهة أو عقاب أو الخروج من مأزق وضع نفسه فيه؟، هل يدرك الإنسان حينما يكذب ماذا يترتب على ذلك؟ والرب قال في وصاياه إلى موسى "لا تشهد بالزور" (خروج16:20) الوصية الثامنة)؟، أيجوز جعل قول الكذب حقيقة؟، وابن سيراخ يقول في هذا الصدد "الكذب عار قبيح في الإنسان" (سيراخ 26:20).
   إذاً دوافع عديدة وأسباب متعددة يضعها الإنسان من أجل تبرير موقف خاطئ ارتكبه، أو تغطية عيب، أو ضعف عنده. فالموظف الذي يتأخر عن الذهاب في الموعد المحدد إلى دائرته قد يكذب ويدّعي أن المواصلات لم تأتِ في موعدها المحدد، أو هناك ازدحام في السير، وتفتيش وسيطرات أو حادث اصطدام. والطالب الذي لم يكمل واجباته المطلوبة قد يكذب ليخلّص نفسه من توبيخ المعلّم، وقِسْ على هذا المنوال.

        الكذب الكذب
   قد يكون الكذب مباشراً أو غير مباشر، وناقل الكذب يعتبر كاذباً أيضاً لأنه شريك في الكذب ونشره (مثل مروّجي الاشاعات)، فالذي يسمع الكذب ويقبله إنما يشجع الكاذب على الاستمرار بكذبه، لذلك فخطيئة الكذب يشترك فيها ثلاثة: الكاذب، ناقل الكذب، متلقي (قابل) الكذب. فالإنسان ينقل خبراً قد يكون جاهلاً حقيقة أمره أو مبالِغاً فيما يسرده من أخبار، أو أن مصادره التي استقى منها المعلومات غير سليمة وقد يكون فاسد النيّة بضمير تجاري مصلحي  فيما يقوله. فالرب قال في وصاياه العشرة لا تشهد شهادة زور(لا تكذب) .. فالكذب خطيئة وعصيان لوصايا الله. فحالة الكذب خطيئة مزدوجة، أي أن هناك خطيئة أخرى دفعته إلى الكذب. فلو كنا نعيش في عالم مثالي لأمكن أن تصدق كل ما يقال، ولكن ما دام الكذب موجوداً في العالم فيجب علينا أن نحقق وندقق قبل أن نصدق. فلا يجوز استعمال أساليب ملتوية، فمهما يبدو الكذب نبيلاً لا يمكن أبداً أن يغيّر من حقيقة أنه كذب، ولا يمكن للأمور أن تستقيم إن كان الكذب هو الأسلوب المتَّبع لإخفاء الحقائق أو لتحقيق مكاسب بأسلوب لا يليق. ومار بولس يقول "اطرحوا عنكم الكذب وتكلّموا بالصدق كل واحد مع قريبه" (أفسس25:4)، وايضا "ابتعدوا عن كلام الكذب" (خروج7:23).
   فنحن هنا نقول: إن الكذب كذب وإنْ اختلف شكله ومضمونه وألوانه، فلا يوجد كذب أبيض أو مقدس أو أسود. فالكذب مهما حاولنا إخفاءه أو معالجته فهو كذب، وما هذه التعابير أو الصفات لتجميل لون الكذب إلا محاولات الناس لإقناع الآخرين بقبول كذبهم، كأن يقول البعض أن الكذب حلال غذا كان هدفه هدفاً نبيلاً أو عظيماً كإخفاء حقيقة مرض خطير عن المريض، أو أدراك الحقيقة ونقلها بأسلوب ملتوٍ محشو بروح كاذبة . واعلم ان الكذب يأتي بمزيد من الكذب، ومثال في ذلك قصتنا مع أبينا آدم، ثم حواء، ثم الحيّة، أغوتهما الحية ليأكلا من الثمرة فيصيران شبيهان بالله، عارفين الخير والشر، فأتت الشهوة بكسر وصية الله، ثم كان السقوط نتيجة الخطيئة بسبب محاولة كل طرف إلصاق التهمة بالآخر، وأخيراً وُجِّهت التهمة لله نفسه وكأنّ آدم يقول لله "لو لم تكن أنتَ قد أعطيتني هذه المرأة لما كنتُ قد أخطأتُ هكذا" (تكوين12:3)، ثم النتيجة كانت الطرد من الجنة... فالكذب في المسيحية غير مباح مهما كانت الأسباب، كما قد يوجد أحياناً في أديان أخرى.
   
        الخاتمة
   ليعلم كل إنسان أن ما يخفيه اليوم أو ربما يهرب منه أو يداريه بالكذب لابدّ أنه سيدفع ثمنه غداً، وهذا هو القانون الطبيعي لا محالة، وسيأتي الوقت الذي فيه سينكشف الكذب مهما طال الزمان، فالمسيح الرب يقول "ليس خفيٌّ إلا سيظهر، ولا مكتومٌ إلا سيُعلَن" (لو17:8). ومن المؤكَّد ستبقى الحقيقة تقاوم الشر والشرير وإن لبسا أثواباً ملونة بأصنافها ودرجاتها ومعالمها. والإنسان الصريح والواضح في فكره له الإحترام الكبير من مجتمعه، والإعتراف بالخطأ يزيد ثقة في نفس صاحبها... للاقلاع عن الكذب يتطلب قناعة تامة وتصميماً إرادياً،. ، لذا فالاستقامة والصراحة والوضوح كلها مفاتيح مهمة، ثم التصميم الذي يجعلني أكون حاسماً مع نفسي، فالرب يسوع قال "ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشرير" (متى37:5) .
فلا تصدق كل ما يقال، ولا تحكم بدون تحقيق حتى لو قالها كبار الزمن أو صغاره ، هم الذين يقولون كلاماً يُظَنّ منه حقيقة، فكلامهم ملون حسب مصالحهم وحسب مشيئتهم من أجل دنيويات زائلة فهو مليء بالمحاباة والتملق والنفاق ، ولاسباب شخصية تدفعهم إلى طمس الحقائق أو إلى الدسّ والإيقاع بين الناس، ولهم رغبة خاصة في إيذاء شخص معين أو جماعة معينة لغايات مشبوهة ومصالح أنانية. فلا يصحّ أن يكون الإنسان سماعاً يصدق كل ما يسمعه، أو يكون توّاقاً لسماع الاتهامات الباطلة،. وفي هذا المجال ما أكثر الاتّهامات التي توجَّه إلى الأبرياء ولكنها كذباً ودسّاً ووقيعة، وللأسف تكون مثل هذه التهم أحياناً محبوكة حبكاً عجيباً حسب مهارة الشيطان في تبرير الشر، وفي كثير من الأحيان تكون أخباراً مختلفة جداً عن الواقع والحقيقة وأخيرا لنصرخ مع المزمّر(2:120 ). " فيا رب نجِّ نفسي من شفاه الكذب ومن لسان الغش" والرب يسوع يقوللا تخافوا ان تعرفوا الحق فهو " يحرركم " (يو32:8) ، ومع غاندي أجعلني أن اقول الحق في وجه الاقوياء .




54
أيها الشباب : أقامكم الرب شهوداً
المونسنيور د. بيوس قاشا
     في البدء
بسبب ما يجري في شرقنا وبالخصوص في عراقنا الجريح وفي مسيرة الرحيل، وما نراه من حولنا من ثورات وحروب وتهجير واضطهاد وتفجيرات وتكفير، دأبت الكنيسة المقدسة على إدراك هذه المواقف الصعبة، وأعطت زخماً قوياً لمسيرة الشباب في الكنيسة والمجتمع والعالم عبر عقدها سينودس خاص للاساقفة من الثالث وحتى الثامن والعشرين من اكتوبر الماضي موضوعه "الشباب، الإيمان وتمييز الدعوة". وعملا بايصال صوت سينودس الشباب ، عقدت رعيتنا مار يوسف في بغداد مؤتمراً خاصاً في العاشر من أيار الحالي حمل عنوانً "أنتم مسيرة الإيمان"، دعت فيه العديد من الشباب إيماناً منها بأن الشباب متى يعيشون إيمانهم بإمكانهم أن يكونوا رسلاً لمسيرة الدعوة التي اختاروها، وهذا ما فرضه واقعنا علينا من أجل مستقبل كنائسنا وشبابنا كما هو مستقبل أجيالنا. فشبابنا اليوم يبحثون عن المادة ولقمة العيش وبناء مستقبل حياتهم والتفكير في السفر بسبب الأوضاع الراهنة، ومغريات الحياة ربما استحوذت عليهم وهذا من حقهم في ذلك، هذا من جانب. ولكن من جانب آخر للأرض حقوق، وللوطن حقيقة الوجود، وللكنيسة حقيقة الرسالة والدعوة.

        البابا بندكتس 16
لقد وجّه المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني رسالة إلى الشباب في ختام أعماله ودعاهم "أنتم مستقبل الكنيسة وأملها". كما إن البابا القديس يوحنا بولس الثاني وجّه رسالة رسولية عام 1985 إلى جميع شباب العالم قال فيها:"عليكم تعقد الكنيسة الرجاء لأنكم للمستقبل، وعلى عاتقكم تقع مسؤولية ما سيُصبح معكم يوماً ما واقعاً وهو لا يزال الآن عالم المستقبل".والبابا بندكتس السادس عشر يدعو الشباب كي يتغذّوا من الإنجيل، ويقول لهم:"إصغوا بانتباه كلي إلى كلام المسيح الذي بإمكانه أن يغيّركم. فأنتم لستم فقط مستقبل الكنيسة، أنتم حاضرها. فتغذّوا من الكتاب المقدس، واحفظوا كلامه في قلوبكم على مثال مريم. فالمسيح هو الطريق والحق والحياة، وهو يريد أن يكون حاضركم ومستقبلكم، فافسحوا له المجال كي يغيّر حياتكم ويوجّهها فهو ينتظر منكم أجوبة قادرة على أن تُشبع توقعاتكم الأصيلة للحياة. فإذا أردتم اكتشاف مشروع لحياتكم فاصغوا إلى كلام الله فهو يُشبع توقكم ويقضي مشاريعكم".
   
        أسئلة مصيرية
   صحيح أن شبابنا اليوم أمام أسئلة مصيرية وربما تسير عكس التيارات العقلية الحالية. فالشباب اليوم أمام عقلية تدعو إلى حرية مطلقة، حرية "ما يعجبهم" و " ما يشاؤون " ، وربما خالية من القيم والقواعد، وتدعو إلى رفض كل حاجز أمام الرغبات الآنية، وهذا التحرر من المؤكَّد أنه يجعل الإنسان عبداً لذاته ولملذّاته ولعبادة شهواته وأهوائه، إضافة إلى العبودية الدنيوية كالسلطة والمال والطائفية والقومية واللذة وإغواءات العالم وإغراءاته، فيُصبح الإنسان عاجزاً عن إتّباع دعوته الأساسية إلى الأسمى في المحبة والحب. أمام حيرة وتساؤل وتردد، يساور بعضهم القلق العميق حيال المصير، ويبحثون عن مستقبل يطمئنون إليه.

        مسيرة الإيمان
نعم، ماذا تعني "أنتم مسيرة الإيمان... أنتم مستقبل كنيسة الغد" قالها يوما مؤتمر رعية مار يوسف في المنصور ؟، إنه سؤال مصيري، حيث تسألون: ماذا علينا أن نفعل؟، وفي داخل كل واحد منكم تتشابك الأفكار والهموم الحاضرة والمستقبلية والأهواء، ولا زال الطريق في شرقنا فيها شوك وحجارة، وتغيب أمامكم صورة مستقبلكم وحقيقة اختياركم، وتبقى أحلام مسيرتكم تراودكم، وتشعرون أحياناً أنكم مكبّلي الأيادي وأحياناً _ رغم الأزمات والأحداث الأليمة ـ تبحثون عن الأفضل لمسيرة الحياة من أجل التحدث عن المسيحية وقيمها، فتقعون في مشكلة البحث عن مَن يقودكم ويعلّمكم بأن مسيرة الحياة جميلة في لقاء شخصي مع المسيح  من أجل حوار أمين كتلميذي عمّاوس (لوقا13:24-35) عبر تساؤلات وأجبة من أجل أجوبة أمينة وحقيقية، وذلك من خلال التعمّق في الإيمان، والوثوق بمعرفة الذي يرافقكم... وأكيداً أنه يسوع المسيح.
        رسالة ودعوة
   من المؤكَّد أن لكل شاب رسالة يحملها وليس دوراً يؤديه. فالرسالة أعمق وأقوى من الدور، والفرق بين الدور والرسالة هو: أن الدور ينحصر في التمثيل ويستمر ما دامت الأحداث تدور، بينما الرسالة تحملونها في قلوبكم وترافقكم طيلة مسيرة الحياة لتحملونها إلى الآخرين. وبما أنكم تعيشون في وطن مليء بالمتناقضات، ويعاني من هشاشة الأمن والاستقرار سياسياً واجتماعياً، لذا عليكم أن تُدركوا جيداً أن رسالتكم هي بناء وطنكم وتحقيق أماني مواطنيكم وعيش إيمانكم، وكمايقول البطريرك ميشيل صباح ( مطران اللاتين في الاردن سابقا)  "لا يمكن للمسيحي أن يعيش على آلام غيره ثم يطالب بالمواطَنة الكاملة" فلا تختبئوا خلف شعارات دينية أو نداءات قومية لتعبّروا عن إيمانكم الحي وأنتم تُهملون حقيقة ترابكم ومسيرة وجودكم. فرسالتكم هي أن تكونوا جسور اتصال مليئة بالثقة والنزاهة، أساسها الحوار وقبول الآخر، وهذا يتطلّب منكم أن تحملوا تنشئة إيمانية اجتماعية وعقلية ثابتة كي لا تقعوا في تجربة العزلة أو الذوبان أو الفساد ، فأنتم أحرار في ذلك، ولكن عليكم أن تُدركوا أنكم مسؤولون عن غيركم، وفي هذا تقررون مصيركم.وأدركوا جيداً أن إيمانكم ليس نظريات وأفكار فلسفية أو مجرَّدة، ولا هو تنفيذ حرفي لوصايا وشرائع وقوانين جافة، بل هو مسيرة حياة، هو لقاء معرفة مع يسوع لتوطيد العلاقة معه. كما أن المسيحية ليست مجرد شرعة أخلاقية، بل هي لقاء محبة مع يسوع "ينظر إليكم ويحبكم" (مر21:10)، "فلما نظر إلى الشاب أحبه" (مر21:10)، وهو يحب كل واحد منكم شخصياً حتى عندما ندير له ظهرنا كما فعل الشاب لأنه كان ذا مال كثير (مر22:10)، وتجلّت محبة يسوع لنا على الصليب حيث بذل نفسه في سبيل أحبائه (يو13:15).

        نعم... دعوتكم
   فدعوتكم المسيحية هي اقتراح حب من قبل الرب، ولا يمكن تحقيقها إلا بواسطة الحب، وهذا الحب ما هو إلا هبة الذات. فالشاب الغني لم يقبل دعوة يسوع بل مضى حزيناً (لوقا18:18-27) إذ لم يجد الشجاعة الكافية للتجرد عن الخيرات المادية ليجد الخير الأسمى الذي يقدمه يسوع. فيسوع الشاب يدعوكم إلى خيارات أكثر جذرية، فأنتم مدعوون لقبول الدعوة بإيمان والإلتزام مع وضع أسس متينة لعيش حب أكبر وأمين ومنفتح على هبة الحياة، وقد قَبِلها قبلكم شاوول (بولس) الذي قال:"لقد أحبني وبذل نفسه لأجلي" (غلا20:2). فلا تخافوا أن تغوصوا في المحبة التي عمقها الأخوّة الإنسانية، لأنه إن حييتم منفردين في محبة الله لن تحظون أبداً بثمار الحياة، لأنه لا يمكن حب الله الذي لا ترونه ولا تحبون أخاكم الذي ترونه" (1يو20:4). وتشير الوثيقة الختامية لسينودس الاساقفة للشباب ، "الى أن الله يكلّم الكنيسة والعالم من خلال الشباب الذين إذ يحملون قلقاً سليماً يمكنهم أن يكونوا سبّاقين، ولذلك ينبغي قبولهم واحترامهم ومرافقتهم. إن يسوع لا يحرمنا الحرية بل يحررها لأن الحرية الحقيقية ممكنة فقط في إطار الحقيقة والمحبة، ويرتبط مبدأ الدعوة بمبدأ الرسالة ارتباطاً وثيقاً أيضاً. وكل حياة بالنسبة لله دعوة، وكل دعوة معمودية هي دعوة للجميع،  إلى القداسة" .
        كرامة الإنسان
   نعم، أنتم مسيحيون، وهذه أرضكم ، وأنتم في ذلك تشكّلون نسبة من سكان هذا البلد، لذا فأنتم مواطنون وأصلاء ولستم أقليّة. فلا تخافوا من هذه التسمية، ولا تنكمشوا على ذواتكم أو تهربوا أمام صعوبات تلاقيكم في هذا السراط، أو تتعرضون لخيبة أمل قاسية، فعددكم قليل وهذا لا يعني أبداً أقل مواطَنة، فأنتم لستم عدداً بل مواطنون، وحقوقكم يجب أن تكون على هذا المقياس ولكم الحق، وعليكم ما لغيركم، فأنتم كرامة الإنسان وبالتالي أنتم كرامة الله نفسها. ويقول المطران لحّام ( مطران الاردن سابقا) لا تخافوا أن تكونوا الخميرة والملح من الداخل وليس في الجوانب، والمسيحي الذي هو ملح العالم يجب أن يكون في داخل العالم لا بجانبه ولا على الهامش. فكونوا أمناء على رسالتكم، لأن صاحب الرسالة أمين تجاهكم، " لأنه هو الذي انتدبكم إليها وهو أمين " (1كور9:1).لذا عليكم أن تُدركوا أن هذه أرضكم، وتعلّقكم بها يعني مسيرة حياتكم. فما عليكم إلا أن تكونوا _ كما يقول البابا القديس يوحنا بولس الثاني:"كونوا شعلة نار القيامة التي أضاءها المسيح. تسلّحوا بالروح القدس، وفجّروا طاقاتكم الروحية والفكرية في سبيل خير الإنسان. فلا تخافوا، فأنتم مستقبل الكنيسة".

منعطف خطير
   نعم ، مسيرة عيش شبابنا تتفاعل اليوم، فيها أفكار ونظريات على مختلف الأصعدة، دينياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وكأنكم في سباق إلى حريات شخصية ونظريات جديدة في مسيرة الحياة. ولاشكّ أن من حق أي شاب أو إنسان أن يوظّف طاقاته وقدراته وإمكانياته من أجل بناء مستقبل أفضل. نعم، هذا المنعطف منعطف خطير واساسيّ لمسيرتكم ومسيرة الوطن، إنه تاريخ وطننا وكنيستنا وهو يجبرنا أن نعيش في صراعات عديدة، فلا الماضي يرضينا ولا الحاضر يفرحنا ولا المستقبل يشجعنا... ما العمل؟، هل نراوح في أماكننا؟، هل نسكت أمام ما يجري حولنا؟، أنبقى متفرجين وكأن الأمر لا يعنينا؟. أظنّ أن هذه المواقف ليست مواقف إنجيلية بل بالعكس، فالأمر يعنينا جميعاً. فحاجتنا اليوم إلى شباب مسيحي ناضج، متّحد، يُدرك غايته، يحيا دعوته، يقاسم رسالته، فالبابا فرنسيس يقول:"تحمّلوا مسؤولياتكم في جميع الحقول التي تنفتح أمامكم في عالمنا لتغيّروه، وتجعلوه أكثر إنسانية وأخوّة، وفي الوقت نفسه مشدوداً أكثر إلى الله".

الخاتمة
   أنتم معروفون بشغفكم للحق والحرية والخير والجمال، ورسالتكم أن تميّزوا بين الحقيقة والكذب، وبين ما هو إنساني مصلحي وما هو دنيوي. لذا عليكم أن تتمسكوا بهذه الخصال، واصمدوا أمام التيارات الزائفة وفي وجه محاربيها، كونوا شهوداً للحقيقة في أن تحملوا الإيمان والإنسانية كتلاميذ حقيقيين للمسيح يسوع، فيوحنا يقول:"أكتب إليكم أيها الشبّان لأنكم قهرتم الشرير، ولأنكم أقوياء، وإن كلام الله مقيم فيكم" (1يو13:2-14).
   وأختم وأقول نعم ، إنكم تفكرون بطريقة مختلفة عن والديكم ورؤسائكم، وقد لا يرضى الكبار دوماً عن آرائكم وعن تصرفاتكم، ويسوع يقول:"دعوهم" واعملوا ما يأمركم به "(يو 5:2) . لكم شخصيتكم ولكم مواهبكم المختلفة ولكم دعوتكم ومهمتكم الخاصة التي لا بديل لها ولا ينوب عنها غيركم. عيشوا حياتكم ودعوتكم، واذهبوا "واعملوا في كرمي" يقول الرب يسوع (متى4:20-7) فقد "أقامكم الرب شهوداً" (أع8:1).فأنتم مسيرة الايمان بل أنتم اكثر من ذلك شهود للمسيح القائم فلا تترهلوّن نتيجة تراكمات الحرب وعدم وجود خارطة طريق واضحة من أجل اعتمادها وتطبيقها بشفافية وكأنكم تتخبطون في حلقة مفرَغَة بسبب الحروب. فالكنيسة أعطتكم الإرشاد جواباً ولم تعطكم  حلاً اجتماعياً وسياسياً، لأن الحل مرتبط بكم ، فاحملوا هذه الرسالة أن تكونوا شهودا للحقيقة فهو المسيح الحي الذي اقامكم شهودا " (مرقس 15:16)عبر ايمان معاش لحياة انسانية مسيحية حقيقية، والبابا فرنسيس يقول " أن ثقافة اللقاء هي نداء ودعوة للتحلي بشجاعة أن نبقي حيًا حلمًا مشتركًا. حلم كبير قادر على إشراك الجميع... حلم اسمه يسوع... حلم يجري في عروقنا ويحرّك قلوبنا كل مرة نسمع "أحبُّوا بعضُكم بعضًا. إذا أحبَّ بعضُكم بعضًا عرفَ الناسُ جميعًا أنَّكم تلاميذي".(يوحنا 13، 34 -35) ( اللقاء العالمي للشباب 2019 ) وأن تكونوا شهودا كونوا في محبة الحياة  .نعم وامين.   



56
بمناسبة صلوات الشهر المريمي
مدعوون مع مريم

المونسنيور د. بيوس قاشا
في البدء
واقعنا عالم في بلبلة متواصلة، وشعبنا في مسيرة مشوَّشة، والإضطرابات تتعاقب، والمآسي هي من صميم تاريخ البشرية، والإرهاب لا زال يعمل في عدة محاور ليفسد مسيرة الحياة، وحب الأنا وإكراه الآخر من مقدسات الحياة، وحقيقة الدنيا بفساد كبار زمانها، والكذب رسالة سامية يحملها الحاقدون والكارهون لتشويه صور الأبرياء لغايات في الغيرة والكراهية، وازداد عدد التجّار الذين يتاجرون بقدسية الحقيقة والوجود بسبب ضياع كرامة الإنسان وحقيقة الحياة .
وفي عالم كهذا، يشعر العديد من ذوي الارادة الصالحة وفقراء الروح ونحن أبناء الله إننا معزولون ويائسون، ويأخذ الشك محله، والتجربة الإيمانية تهب قوية لفتور السبل المسيحية... أمام كل هذه البلبلة أدركتُ عبر تأملي نحو مسيرة مريم أن الرب يريد أناساً ممتلئين رجاءً لا يخيب، رجاءً موعده في الله الآتي إلينا، وليس الرجاء الذي يعطيه انسان الدنيا وكبارها ومواعيدهم ،  وما هذه الدعوة إلا أن نذهب إلى مريم كما ذهب صاحب العرس في قانا ونقول لها "لم يبقَ معنا خمرٌ" (يو3:2).
   مريم رحمة
   يعلمنا الكتاب المقدس أن كل ما خلقه الرب هو" حسن" (تك1) ، وأن أهم حَدثٍ في التاريخ حَدَثَ على ألأرض هو تجسد الرب من مريم في مغارة. فمنذ خطيئة الإنسان الأول بانت رحمة الله، فغفر للعائلة الأولى، وجعل عداوة بين الحيّة والمرأة بانتظار أن تأتي بنت حواء "مريم" لتدوس رأس الحيّة (تك15:3). وعبر نشيد الرحمة الذي انشده زكريا الكاهن ، بهذه الرحمة وعد الله الآباء (لوقا 72:1) ، وعد بها شعب عرف أنه مدعو لكي يحمل اسم الله، ولكن وعده لم يتوقف عند زمن من الأزمنة بل هو وعد لجميع الأزمنة إلى أن يأتي وقت يجمع الله في المسيح كل ما في السماوات وعلى الأرض ( لوقا 75:1). فالعهد الجديد ما هو الا بداية ثانية للعهد القديم، إنه عمل الله الذي وعد فكان صادقاً في وعده "فأرسل الله ابنه مولوداً من امرأة.." (غلا4:4). حَدَثَ في تدبير الخلاص، أرسل الله ملاكه (لوقا 26:1)  والملاك يدلّ على حضور الله ـــ إلى عذراء في الناصرة. إنها مريم، مخطوبة شأنها شأن كل فتيات عمرها. لم تتميز مريم في الخارج عن بنات الناصرة، بل اختيار الله لها هو الذي يميزها. ونداء "السلام عليكِ" نداء الفرح والسلام، هو البركة التي تملأ قلوبنا وحياتنا وبيتنا. نالت مريم ملء البركة "ممتلئة نعمة" ( لوقا 28:1) ، نالت أن تكون أمّ ابن الله،  حين أعطانا الله ابنه أعطانا كل شيء، وكانت مريم أول مَن تسلّم هذا العطاء فانتقلت مريم من الإصغاء إلى الخوف والسؤال قبل الجواب النهائي "أنا أَمَةُ الرب" (لو38:1).
   مريم مسيرة 
من هنا تميزت مسيرة مريم عن أي مسيرة بشرية أخرى، وعرفت أنه يكفي للمؤمن أن يرى الحاجة لكي يلبّيها.ها هي ذي العذراء في مسيرة نحو اليصابات( لوقا 39:1  ) ... كما هو الحال مع السامري في مسيرة نحو العمل الصالح (لوقا 25-37) . حملت مريم يسوع ليحمل إلينا يسوع بركات وحب الآب السماوي لأبناء البشر. فما حصل لمريم من أمومة ومن قبض نور هو ما يحصل لنا نحن أيضاً إذا عرفنا كيف نسمع كلام الله ونعمل به( لوقا 30:1   ) ، وكيف نستقبل الله في قلوبنا فيكون لنا قبض نور. قبلت مريم كلام الله "وكانت مريم تحفظ هذا الكلام وتتأمّل به في قلبها" (لو19:2). بهذا الكلام وبهذا التأمل بلغت مريم أسمى درجات الكمال في حياتها وطاعتها للرب. إنها التلميذة الأولى التي جسّدت نموذجاً للحياة الجديدة في المسيح. لقد فتحت مريم لنا طريقاً جديدة لنلتقي إبنها، إنه طريق الصلاة والتأمل والرجوع إلى الذات والخضوع لإرادة الآب. هكذا أصبحت مريم طوباوية، واشتركت في المهمة الرسولية فعاشت المسيح وشهدت له. ولم تؤسس الكنيسة ولم ترأسها بل رمزت إليها وعاشت دعوتها كأمّ تلد أبناءً جدداً لحياة جديدة... إنها المؤمنة والمعطية والمتأملة والمتألمة مع ابنها، إنها أم الكنيسة .
   مريم سراج
إذاً علاقة مريم بيسوع ـــ قبل أمومتها الجسدية له ـــ هي علاقة على مستوى الإيمان بالبشرى والطواعية التامة لإرادة الله. تكون مريم مثالاً للعلاقة الإيمانية التي تربط كل مؤمن بيسوع وتوطّد معه أواصر القربى، لا مكان للحم والدم فيها ( متى 17:16) بل فقط للإيمان بالبشرى التي أتى يسوع من أجلها. نعم، مريم هي حقاً أمّ يسوع بالجسد، إنها الجسدية، فملاقاتها بابنها هي أبعد من أن تشرحها العلاقة البشرية التي تربط الأمّ بابنها.لقد برهنت مريم خلال حياة يسوع وبعد قيامته وصعوده وببقائها بين التلاميذ الأُوَل على أنها الشاهدة الأولى لابنها، لقد كانت حقاً سراجاً مضيئاً أمامهم(يو 35:5)  ينير دربهم ويهديهم إلى المسيح، وهكذا بقيت وما زالت في أيامنا ـــ بواسطة ظهوراتها ـــ نوراً يهدي الناس إلى الإيمان.
مدعوون مع مريم
مع مريم نحن أبناؤها وأبناء الله في آنٍ، ومع يسوع نحن أخوة وأبناء الله في آنٍ، ويكون الحظ لكل منا بأن يكون بدوره لا مسيحاً فقط ولا ابناً تابعاً لمريم بل يكون بدوره مسيحاً آخر وابناً لله، وبدوره يكون ـــ على غرار أبينا الذي في السماوات ـــ أباً للآخرين وأخاً بالرحمة. بعد أن ألغى الإنسان الله ألغى أخاه وقتله، أما مريم فراحت تحمل الفرح إلى مَن ماتت فيها قوى الحياة ( اليصابات)، وبهذا سارت مريم مسيرة معاكسة لبداية الخليقة. بدأ الإنسان يرفض الله فكانت الخطيئة، وجاء جواب مريم كجواب الإنسان على نداء الله وفق مخطط المحبة الذي وضعه الآب منذ الأزل. على هذا المستوى الإيماني نحن مدعوون مع مريم لأن نبني على الأرض عائلة، عائلة الله الآب التي أتى يسوع ليجمع إليها وفيها كل المؤمنين بالله. إن الروابط التي ترتكز عليها هذه العائلة أقوى بكثير من روابط اللحم والدم لأنها تبقى للحياة الأبدية، أما روابط اللحم والدم فتزول مع زوال الحياة.
مريم بشرى
إن مريم كانت خادمة للبشرى، بشرى الخلاص والسلام. في قلب هذه البشرى تجد مريم مكانها الحقيقي وتلقى الإكرام اللائق بمقامها. البشرى السارة "الإنجيل" تلقّتها مريم وآمنت بها فنشأت علاقة كيانية. فالبشرى ليست خبراً بل هي شخص ابن مريم... إنها بشرى يسوع المسيح ابن الله الذي صار إنساناً. ببشارة الملاك أصبحت مريم مؤتَمَنة على ابن الله الذي أخذ إنسانيته منها، ووقَّفت حياتها على خدمته.إن هذه البشرى "الإنجيل" كانت محجوبة عن الجميع إلا عنها هي. لقد عاشتها في العمق كما تعيش الأمّ خبرة الأمومة " أما مريم فكانت تحفظ هذا الكلام كله وتتفكر به " ( لوقا 19:2). عاشتها بخبرة إيمان فريدة جعلتها تزداد يوماً فيوماً بثقة وتعلّق بالذي اختارها، فكانت معه في مسيرته حتى النهاية المفجعة على الصليب مشاركة له سر الخلاص ، ومن ثم القيامة المجيدة ، والصعود إلى السماء. ويمكن القول أن مريم كانت المبشِّرة الأولى بابنها، والخبيرة بامتياز في سرّ ابنها، وهي بالتالي مثال وقدوة لكل مؤمن، بل لكل رسول .
صوت مريم
على هذا المستوى الإيماني نحن مدعوون مع مريم للسير نحو الاخر حاملين معها المسيح ونوره وبشارته فهي تقودنا لتقول لنا " افعلوا ما يأمركم به"(يو5:2)  كي نكون معها بناة لارض السلام والمحبة،  رغم جريمة داعش ، ومنصتين الى صوت مريم بعدما اعلنّا "ليس لهم خمر " ( يو2:1-11)  ولم يعد بامكاننا ان نواصل العرس بسبب فسادنا وكراهية شبكة عيوننا اللذان لايسمحان لنا ان نرى الا انفسَنا . نعم ، لقد فتحت لنا مريم طريقاً جديداً لنلتقي ابنها، إنه طريق الصلاة والتأمل والرجوع إلى الذات والخضوع لإرادة الآب. لنسأل ؟ هل سمعنا نداء الرب كما سمعته مريم؟ ام لازلنا نلهو بالدنيا وما فيها ونعمل من انفسنا الهة الدنيا بعد ان اصبحنا عبيدا للحقيقة المزّيفة ، والكراهية المشروعة،  والفساد المقدس ،  وننسى ان الاله الحقيقي في المذود بيته ، ومع الابرص والاعمى مسلكه ، وعلى الخشبة موته ، ونحو السماء كانت قيامته ، فلننتبه لئلا يسيطر علينا الضباب والقلق والتراخي،وتجارة الحقد والكراهية ، وتشويه سمعة الاخرين ،  وربما بدأ يعشعش في صدورنا كما سيطر على واحات مسيرتنا ،  فإذا ما أصابنا ذلك ليس لنا إلا أن نعود بتصحيح مسار الضمير ، وحقيقة الايمان ، ومسلك الحياة ، وبكل ايمان وثقة .
في الختام
 لنسمع ثانية صوت مريم ، ولنجعله يتردد في داخلنا "هأنذا أَمَةُ الرب" ( لوقا 38:1)، فالله اختار مريم لمهمة ما بعدها مهمة،إنها سماوية أرضية ، الهية بشرية ، اشترك فيها الاله والانسان، وهو يختار كل واحد منا، للشهادة للحقيقة دون كذب او رياء ،  والحقيقة تدركها السماء كما ادركت مريم حقيقة الحياة فآمنت واعطت حياتها .  عسى ألا يكون جوابنا ابن ساعته فنرى مصالحنا وننسى حقيقة مسلكنا ، فنصرخ " اصلبه اصلبه" (لوقا 21:23)  ، بدل " لم يبق لنا خمر"  من اجل طلب معونته في العمل اليومي خدمةً ومحبةً وعطاءً، شهادة لحقيقة الحياة وطاعة لرب السماء وفي ذلك نحن مدعوون مع مريم وهي مثالنا نعم مريم مثالنا ، نعم وامين .


57
حقيقة وطنٍ ام حقيقة ايمانٍ

المونسنيور د. بيوس قاشا
في البدء
إنني أجد نفسي اليوم أمام حسرات لا تنتهي وتأوهات لماضٍ قد مضت أيامه بسوادها وهجرِها، وتألمت كثيرا لما احتمله آبائي وأجدادي بسبب الكراهية التي حملها الآخرون المختلفون فحُسبوا فيها أعداءٌ بسبب مسيرتهم المسيحية الايمانية ، وبسبب عنصرية الإنسان وحقده تجاه المختلف عنهم ديناً وعِرقاً وطائفةً. واليوم لا زال التاريخ يعيد نفسه بمجاميع أخرى وبأسماء متعددة، وأدركتُ أننا أمام ضياع أكيد بسبب تراجع قيم الإنسان، وبتُّ أخاف من تسميات دينية تتحدث باسم الله، وباسمه تعالى يكون العنف كلمة قاتلة ومسيرة تكفيرية، وهم في ذلك ليسوا إلا آلهة مزيفة عبر مخططات همجية بائسة من أجل إراقة دماء المصلّين الأبرياء وضحايا الشعوب الفقيرة وكلها باسم الدين ـــ والدين منهم براء ـــ عبر كراهية حاقدة من أجل إبعاد الأصيل والأصلاء، وإلى إفراغ البلدان وتهميش المكونات.
تطرف ديني
   ظهرت في هذه السنين الأخيرة تيارات دينية متشددة، وإنْ كانت في الماضي هذه التيارات تُحسب من التيارات الهادئة والقريبة من الآخر، ولكنها اليوم لا تقبل المساواة بين المؤمنين في ديانات مختلفة، ولا تحمل إليهم استعدادها من أجل بناء دولة مدنية لأنها ترفض المواطنة، وهذا ما يجعل التطرف الديني سائداً في مسيرة الحياة ويعمل على إقصاء الآخرين بعيداً، كما لا يزال تلوح باستمرار عصبيات طائفية تقسم بين المؤمنين وتفرّق بين الشعوب باسم الله الواحد الذي خلق الإنسان على صورته ومثاله
(تك 27:1)، وفي ذلك يكون القتل والسلب والإرهاب مساراً باسم الله، بينما البابا فرنسيس يقول في وثيقة الأخوّة الإنسانية "لا يجوز القتل باسم الله".أمام هذا كله تدعونا الحياة إلى عدم تسييس الدين لخدمة مصالح معينة، بل يجب احترام جميع الأديان والحريات والسهر على عدم تحويل الدين إلى طائفيات، وهذا يتطلب مواطنين قادرين على معانقة إخوتهم جميعاً وليس بعضاً منهم، ومن هنا ينشأ المشروع الوطني ويعمل على بناء وطن للجميع وفوق الجميع، وهذا ما ننادي به ولكنه لم يتحقق حتى الساعة، فما زال هناك تفرقة وتفضيل مواطن على مواطن بسبب دينه، ومؤمن على مؤمن بسبب قرابته وطائفته، بل ما زال هناك اعتداءات ودمار وحقد وكراهية. فما نحتاج هو تربية المؤمن على أنه إنسان، فكلنا بالخلق إخوة، وكلنا في الوطن سواء ، وفي هذاالصدد يقول الامام علي " إن لم يكن اخوك في الدين فهو نظير لك في الخلقة "
وطن ومستقبل
   علينا أن نطرح سؤالاً على أنفسنا وعلى الذين يعملون معنا: أي نوع من المؤمن المسيحي أو المسلم أو الصابئي أو الإيزيدي نعدّ!؟، أي مستقبل نعدّ للوطن ونعدّ أجيالنا لحمل مستقبل وطننا!؟، كيف نربي أطفالنا وأجيالنا لمستقبل الحياة في التعايش المشترك وقبول الآخر؟، ما هي الأسس التي عليها نبني إيماننا؟، أي نوع من المواطن نعدّ للمستقبل الآتي، وأي مستقبل نعدّ للوطن؟، هل نعمل لوطن واحد متماسك بمختلف مكوناته، أم نعمل على نشر روح الطائفية والمحاصصة كما هو الحال اليوم عند الكثيرين من كبار الزمن؟، أي نوع من المؤمنين نريد؟، هل نريد أو نعدّ أن يكون المواطنون مؤمنين أم أن يكون المؤمنون مواطنين!؟، هل مصلحة الشعب هي مصلحة الله؟، هل نحمل إلى الآخر محبة إيماننا "أحبوا بعضكم بعضاً" (يو12:15)؟، ألا ندرك أنه سيأتي يوم ـــ بل نحن في هذا اليوم ـــ الذي فيه بدأنا نحصد ثمار الحروب القاتلة وتدمير الشعوب البائسة وبالخصوص إذا كان كل ذلك باسم الله والدين!؟ لذا أسأل: هل يجوز وضع مصالح الشعب ومصالح الأوطان من أجل مصلحة الله، وفي ذلك يقول سعد زغلول "الدين لله والوطن للجميع"؟.
حقيقة وحياة
   بما أننا اليوم أمام إرهاب العنصرية الحاقدة والطائفية المتطرفة والتي زُرعت حتى في قلوب أجيالنا وأطفالنا فأنتجت عقلية كارهة للأقلية وللآخر المختلف، هذه الشرور يجب أن تجعلنا أن نأخذ مصيرنا بيدنا، فالوطن لا يُبنى على رمال الفاسدين وجالسي الكراسي المسروقة ، وإنما على صخرة المؤمنين المخلصين والمحبين، وهذا يدعونا إلى خوض صراع مرير كي ننقذ الدين من حقيقة الحياة والوجود،. ولنترك جانباً جدلية العلاقة بين الدين والسياسة لنحيا الإيمان بحقيقته. وعلينا جميعاً أن نتضامن من اجل هذا المسار كماعلينا أن لا نتمسك بقشوره .فالمحرمات حددها الله في كتابه ولا يستطيع كائناً مَن كان أن يزيدها محرماً واحدا، وننبذ الإرهاب والمحاصصة والتطرف  التي يلهو بها كبار زمننا، وكما تقول وثيقة الأخوّة الإنسانية "يجب وقف دعم الحركات الإرهابية" بجميع أشكالها من أجل السير نحو مستقبل أكثر إنسانية.
البابا فرنسيس
   وفي خطاب البابا فرنسيس قبل توقيع وثيقة الاخوة الانسانية في الامارات يوم 4 شباط الماضي قال  " إن استعمال اسم الله لتبرير الكراهية والبطش ضد الأخ إنما هو تدنيس خطير لاسمه فلا وجود لعنف يمكن تبريره دينياً ، ولا يجب على أحد "استخدام الأديان في تأجيج الكراهية والعنف والتطرف والتعصب الأعمى أو استخدام اسم الله لتبرير أعمال القتل والتشريد والإرهاب والبطش. وتقول وثيقة الأخوّة الإنسانية " إن التديّن الحقيقي يقوم على محبة الله من كل القلب، ومحبة القريب كمحبتنا لأنفسنا، وبالتالي يحتاج التصرف الديني لأن ينقّي على الدوام من التجربة المتكررة لاعتبار الآخرين أعداء وخصوم" . فكل ديانة مدعوّة لتخطّي فجوة التمييز بين أصدقاء وأعداء كي تتبنّى وجهة نظر السماء التي تعانق جميع البشر بدون محاباة وتمييز.
ختاماً
   لنتمسك بقيمنا وآمالنا وما يجمعنا، فالعديد من النقاط تعطي زخماً لحروف الحياة بغضّ النظر عن مَن نكون أو المكان الذي جئنا منه. فلنعمل من أجل التغلب على هذا الظلام، فقول طاغور عظيم لمسيرة الحياة "الإيمان طائر يشعر بالنور حينما يكون الفجر ما زال مظلماً". لقد حان الوقت لنسأل عن الدور الذي لعبتُه: هل هو دور الطائفية والمحاصصة أم دور الإنسانية والأخوّة؟، فنحن لا زلنا اليوم نفتش عن مصالحنا وتبجيلنا وننسى أن يوحنا الرسول قال:"إن قال أحد أني احب الله ويبغض أخاه فهو كاذب، لأن مَن لا يحب أخاه الذي يراه كيف يستطيع أن يحب الله الذي لا يراه" (1يو20:4). فالانسانية ليست اعداء وخصوم،  وإنما مواطنون ومؤمنون،  والوطن رسالة سامية كما ان الايمان رسالة عقيدة،  ومن يحيا حقيقة وطنه يحيا حقيقة ايمانه .فالمسيح الحي يقول " ما من حب اعظم من هذا ان يبذل الانسان نفسه عن احبائه " (يو 13:15) فكلنا في انسانيتنا احباء الله، وكلنا في ايماننا نحيا لله ،  وفي ذلك يقول القرآن الكريم " إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" (سورة القصص؛ آية 56).نعم وامين


58
الإرشاد الرسولي والأخوّة الإنسانية
رسالة حوار واحدة لعيش مشترك في مسار السلام

في البدء
ظلّت المسيحية ـــ وحتى اليوم في شرقنا ـــ تلعب دوراً هاماً وعلى مدى قرون، وها هي اليوم تواجه التحديات القاسية، فاصبحت ضحية للسياسات المصلحية والطائفية التي يقودها كبار زمننا، وجالسو الكراسي المسروقة ،  وإن كان أبناؤنا لا يدركون هذا الواقع الأليم جيداً بسبب تطييب الخاطر في صور احترام عديدة من اجل البقاء وعدم الرحيل ، ولكن رغم كل ذلك يجعلنا الواقع أن نسأل، بل يدفعنا إلى التساؤل: هل هناك مستقبل للمسيحيين في شرقنا الجريح؟، ومَن يتحمّل أخطار هذا السؤال؟. فهم لحدّ اليوم يعيشون في أوطانهم رعايا وليسوا مواطنين، فلا اعتراف بحقوقهم إلا ما يحلو لدستور الأغلبية وحقيقة إيمانها. فرسالة الحقيقة والوجود عبر حوار العيش مخيفة، والقضاء على الهوية أصبح بأيدينا فليس لنا إلا قول الحقيقة في وجه الزمن ، ولنقلها دون أية رتوش أو مبالغة. نحن اليوم أمام عالم أضاع القيم والمبادرة، الحقيقة والاصالة ، كما ضيّعنا البوصلة والإتجاه، وهذا ما يدعونا الى ان  نتصرّف على صورتنا الحقيقية والتي تُخرجنا عن تشوّهاتنا.

الوجود المسيحي
إن الوجود المسيحي كان ولا يزال يواجه خطر الزوال، وهذا يعني أنه لن يرحل الجميع بل من المؤكَّد أنه سيبقى هناك عدد ضئيل جداً منهم في شرقنا وفي وطننا الجريح، ربما بضعة آلاف أو مئات كما حصل يوماً في تركيا مثلاً. فبالحقيقة إن المسيحية هناك انتهت كوجود فعّال والسبب كان ولا زال ذلك التطرف الديني بتشويه مسيرة الحوار وتدمير التعايش وقبول الآخر المختلف وخاصة المختلف دينياً، فهذا التطرف ليس إلا مسيرة معادية لمسيرة السلام وللوجود المسيحي بل لوجود الانسانية ، فكان أن انتهى. وفي هذا الصدد يقول الإرشاد الرسولي كما وثيقة الأخوّة الإنسانية "إن إفراغ الشرق من مسيحييه هو أقسى جريمة تُرتَكَب ضد المسيحية على الإطلاق. فالشرق دون مسيحيين، شرق بلا حوار. فالمسيحية التزمت الحوار ولا رجوع عنه، لانها نبع الشرق هذا وتاريخه، ومنه يشعّ نور بشارة المسيح الحي". فالمسلمون مسؤولون أمام الله وأمام التاريخ عن بقاء المسيحية وكل مكوِّنات الشرق وعلى قاعدة المساواة.

الارشاد الرسولي
يقول الإرشاد الرسولي لكنائس الشرق الأوسط ـــ والذي وقّعه قداسة البابا بندكتس السادس عشر عام 2012 ـــ وسلمه الى رؤوساء كنائس الشرق الاوسط الكاثوليكية  في عدد (28):"إن أنظار العالم كلها متجه صوب الشرق الأوسط حيث الإضطرابات المستمرة والإرهاب المميت والتعايش المخيف والكراهية الحاقدة"، وعبر هذا كله تصاغ أسئلة مخيفة تنذر أحياناً ـــ بل في كثير من الأحيان ـــ بانتهاء الوجود المسيحي التاريخي، وربما يكون في طريق انقراض منظَّم إنْ لم يتغير شيء على أرض الواقع لتغيير النظرات والأهداف بسبب افرازات الماضي الأليم وسياسة المحاصصة والصراعات الكرسوية، إضافة إلى الانقسامات المذهبية والتي بسببها كانت الحروب وأصبحت اليوم بضاعة يتاجر بها المستفيدون كما يشاؤون.

الاخوة الانسانية
قالها البابا فرنسيس في خطابه في الأخوّة الإنسانية "لا يمكننا أن نكرم الخالق دون أن نحافظ على قدسية كل شخص وكل حياة بشرية ، لذا لا يجوز استعمال اسم الله لتبرير الكراهية، ولا يوجد دين يبرر العنف، ولا يجوز لأحد استخدام الأديان في تأجيج الكراهية والعنف والتطرف والتعصب الأعمى"،. فالحروب لا تجلب معها انتصاراً بل تجلب دماراً ومزيداً من الكراهية تورَث للأجيال القادمة.كما قال قداسته:"إن التعدد الديني هو تعبير عن التنوع والاختلاف بين الأخوة، وهذه شجاعة الاختلاف هي روح الحوار الذي يقوم على صدق النوايا. فليس بالإمكان أن نعلن الأخوّة ونتصرف بعدها عكس ذلك. فقد قال أحد الكتّاب المعاصرين: إن الذي يكذب على نفسه ويصغي إلى أكاذيبه، يصل إلى حد عدم القدرة على تمييز الحقيقة لا في داخله ولا من حوله، ويبدأ بفقدان احترامه لنفسه وللآخرين". لذا فالحوار الواحد يقود إلى التعايش المستمر لأنه حمامة سلام. ولكي تحلّق الحمامة في حقيقة الوجود فهي تحتاج إلى جناحين يرفعانها، جناح تربية الحوار وجناح العيش الواحد في قبول الآخر من أجل حقيقة السلام الدائم. إنه التزام ومعرفة من اجل حقيقة الآخر، كي لا يضيع مسار السلام.

حوار وجسور
أقولها: الدين حوار، ورسالة السماء من أجل الإنسان هي عيش مبادئ الحقيقة وقيم الحق، ولكنه ينقلب إلى حالة سلبية عندما يُدار بأيدي مجموعة من المتعصبين مِمَّن نصبوا أنفسهم ناطقين بلسان الحق، يحلّلون ويحرّمون، يفسّرون جانباً ويغفلون جوانب، فيرفعون شعارات التعصب وإلغاء الآخر، ويدعون إلى فرض لائحة من اللاءات والمحرَّمات... إنها قنابل عنقودية مؤقتة لتفجير الثقافات والصراعات الدينية والطائفية.وطريق الحوار هذا دعت إليه الكنيسة والأحبار القديسون ومنهم قداسة البابا فرنسيس، ولا زالت على مرّ أزمنة التاريخ. فالكنيسة تريد متابعة بناء جسور الصداقة لأن ذلك مساهمة حقيقية وقيّمة في بناء السلام، فقد غدا لزاماً علينا جميعاً الانخراط في حوار نابع من العقل النيّر، حوار مبني على احترام كرامة وحرية كل شخص، حوار يرى فيه كل إنسان في الآخر تتميماً له وليس نقيضاً. فالحوار اليوم ليس خياراً إضافياً بل هو ضرورة حيوية يتوقف عليها مستقبلنا، وقد لا يخلو من الصعاب ولكنه يتطلب صبراً لا حدود له.فالمسيحيون والمسلمون مدعوون جميعاً للمُضي قُدُماً مهما اشتدّت الصعاب، ولا يمكن للاختلاف أن يكون سبباً للمشاحنة والاقتتال وقد سبقنا في ذلك قداسة البابا فرنسيس إذ بدأ يرسم لنا طريق الحوار بكل هدوء وصمت وصلاة.وهذا ما يدعو اليه الإرشاد الرسولي ووثيقة الإخوّة الإنسانية فهما يناشداننا بأنه لا بديل آخر إلا عبر الحوار والتعايش، فإمّا أن نبني المستقبل معاً وإلا فلن يكون هناك مستقبل. فلا يمكن للأديان أن تتخلّى عن الواجب الملحّ في بناء جسور بين الشعوب والثقافات. لقد حان الوقت للأديان وبكل شجاعة وإقدام أن تظهر رؤية ملؤها الرجاء واتّخاذ مسار السلام الحقيقي، فالسلام أثمن عطية وأثمن من كل المكاسب، من اجل العمل معاً وقُدُماً في درب الحوار، وعِبْرَ حوارٍ أكيد، بل واجب، من أجل عيش السلام في بلاد الله الشاسعة، لمنع دخول الحقد والكراهية والعدوانية قلب الإنسان".

    الحوار رسالة
ولنعلم أنَّه مهما كان الحوار طويلاً أو قصيراً، صعباً أو سهلاً، فهو رسالة سماوية، رسمها الله لنا من أجل العيش والمسامحة. فالكتاب عندنا يقول "إِذهبْ وصالِحْ أخاكَ، ثُمَّ عُدْ وقَرِّبْ قُربانَكَ" (متى23:5-24)، يعني: إذهبْ وحاوره، لكي يتطهَّر القلب، وتصفى النيَّة، ثمّ تقدِّم الذبيحة.لذا علينا أن نثلم أسِنَّة الرماح، ونكسر كبرياء السلاح، ونبتعد عن أعمال العنف والدمار، من أجل تعزيز وتمتين وصقل سلاح الحوار لتكون رسالتنا رسالة الإعتراف بالآخر المختلف، وحقوقه في المحبة والغفران، لأنهما أساسان جوهريّان لبناء السلام، عِبْرَ فتح قلوبنا للآخرين. ووفق الإقرار بالتعددية والإيمان بها، لذا كان من المنطق والعقل أنْ يتوصَّل البشر إلى قانون يمنع التعرّض لمقدَّسات الناس، ما دام جميعهم مؤمنين بأنبيائهم ورسلهم وإلهٍ واحد. والحوار طرقه التواضع والتسامح، فقد قال الخليفة عمر بن الخطاب (رض) "إذا سَمِعْتَ الكلمةَ تؤذيكَ، فَطَأطِئ لها حتَّى تَتَخطَّاكَ". ومرةً رأى رجلاً يطأطئ رقَّبته فقال "يا صاحِبَ الرقَّبَةِ، إرفعْ رقَّبَتَكَ. ليسَ الخشوعُ في الرِقابِ، إنَّما الخشوعُ في القلوبِ". وقد قال الإمام علي بن أبي طالب "واللهُ، لو ثُنِيَتْ لِيَ الوِسادةُ، لَقَضَيْتُ بين أهلِ التوراةِ بتوراتِهِم، وبين أهلِ الإنجيلِ بإنجيلِهِم، وبين أهلِ الزُّبورِ بزبورِهِم، وبين أهلِ القرآنِ بقرآنهم"، وأخرى "الناسُ صنفان: أمَّا أخٌ لكَ في الدين، أو نظيرٌ لكَ في الخَلْق .
ختاماً
نعم، إنّ دعوتنا في الحقيقة تكمن في مسار الحوار المشترك. فنحن وكلاء لرسالة السماء، وعلى الوكلاء أن يكونوا أمناء، في حمل سلاح الحوار، وليس في عداد تجّار الحروب باسم الله والدين. فالعالم في حاجة لجهود مَن يشيّدون جسور التواصل والحوار، وليس لِمَن يبنون جدران العزلة والإقصاء ". فنحن الآن أمام مفترق طرق: فإمّا أن ندرك حقيقة وجودنا وأصالتنا وتنوعنا، وإما أن نستمر في بناء الجدران وإقامة السواتر والتي تفصل الثقافات والتعارف، وتفاقم الطائفية، وتزيد في الفرقة والانقسامات وضياع الإنسانية المشتركة التي تنادي بحقيقة العيش وإن اختلفت الأجناس والأعراق والديانات.
نعم، للإرشاد الرسولي والأخوّة الإنسانية مسيرة واحدة من أجل فتح صفحة بين المسلمين والمسيحيين ، فالعلاقة بينهما ساءت كثيراً في السنين الأخيرة بسبب ما تعرّض له مسيحيو الشرق الأوسط من اضطهاد وتنكيل وتهجير وقتل وتفجير طالتهم أينما هم. والحقيقة ليست إعلاناً لحرب بالسلاح والصواريخ وإنما حروب متتالية لحقيقة الوجود من أجل المصالح المزيَّفة عبر فوضى اجتماعية وديموغرافية وإفراغية . لذا علينا ان نكون رسل الحوار ورسالتنا مهمة للغاية ولا يمكن الاستغناء عنها .ومن هنا ندرك أنّ الارشاد الرسولي والاخوة الانسانية عاملان يحملان كلاهما راية واحد ورسالة حوار امينة لزرع نبتتة السلام . نعم وامين .

59
حقيقة " الوثيقة الانسانية "
المونسنيور د. بيوس قاشا
في البدء...
     في الرابع من شباط الماضي (2019) وقّع قداسة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب في أبو ظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة الوثيقة المسمّاة "الأخوّة الإنسانية" والتي دعت إلى الحوار وقبول الآخر المختلف والعيش المشترك بين الأديان واحترام الرموز الدينية، كما دعت إلى مكافحة العنف والكراهية والتطرف والترهيب باسم الله، كما نادت بفتح صفحة جديدة وتجديد روح الحوار والمسؤولية في تاريخ العلاقات بين جميع الأديان والمؤمنين وبالخصوص بين المسيحية والإسلام واللذان يجدان نفسيهما أخوة في الإنسانية جمعاء،
   أمل للشعوب
   إن الوثيقة وُضعت ووُقِّعت لترجمة ما تضمّنته من إرشادات أمينة لمسيرة الإنسانية كي تكون علامة بارزة في التعايش من أجل طوي صفحة الإضطهاد والترهيب باسم الدين والتزام مسلك الحوار المنفتح عبر الحرية الإيمانية، وفي هذا السبيل نكون أملاً للشعوب المعذَّبة في منطقتنا والغارقة في الحروب الأهلية والطائفية المقيتة والأغلبية المستكبرة على الشعوب، ولكي تكون أملاً مستقبلياً لأجيالنا وشعوبنا في صنع قرار الحوار والتعايش الأمين... ليس إلا!.
   في الحقيقة
   إن الدين وحده ليس كافياً لتحقيق الخيور والسلام إنما الأنسانية المندمجة والمتأصلة في الدين والإيمان تعمل على نشر التآخي والوئام بين الشعوب، وهذا ما تدعو إليه الوثيقة وبكل وضوح. فالمبادرة التي قام بها قداسة البابا وشيخ الأزهر الشريف أمينة بأسسها وبمسار تسميتها. وربما هناك سؤال يُطرَح من شعوب المنطقة: لِمَن هذه الوثيقة، هل هي للمسلمين أم للمسيحيين أم لشعوب الدنيا والزمان؟... ما أدركه جيداً أن الوثيقة إنسانية بفقراتها وحقيقة بهدفها، فهي ملزَمة للمسيحيين والمسلمين في الشرق الأوسط وفي عوالم المسكونة، لأن الزمان يقول لنا أن الخطر لا زال يهبّ على منطقتنا، وفي أرضنا تدور صراعاته حيث كُتب على المسيحيين الهجرة والرحيل لأنه لا بديل لإحلال السلام إلا الهروب من التكفير، لأن الخوف قد ملك على النفوس ولا ثقة بعد بالتراب وبالإنسان، وقد يقود ذلك إلى الخطر الوجودي والإفراغي جرّاء استمرار الإعتداءات الممنهجة والمخيفة بل والمميتة في كثير من الأحيان وفي عديد من البلدان ليس إلا.
   مسيحيو الشرق
   قبل الغزو الإسلامي أو الفتوحات الإسلامية لبلاد الشرق المسيحية كان المسيحيون بطوائفهم يؤلفون أكثر من 95% من سكان هذه البلدان، واليوم وبعد أكثر من 1400 عام فبدلاً من أن يتزايد عدد مسيحيي شرقنا الجريح تراجعت نسبة الوجود المسيحي إلى أقل من 8% من نسبة سكان المنطقة، وهذا التراجع لا يعود فقط إلى تحول المسيحيين إلى الدين الإسلامي في ظروف صعبة، إنما بسبب تعرضهم لسلطة بدأت ولن تنتهي، فهي تتصاعد وتهدأ بين فترة وأخرى، تحمل في طياتها جريمة الإبادة الجماعية والهجرة والتهجير القسري من بلدانهم الأمّ، وقد كانت واضحة جداً أيام الاحتلال العثماني، وفي زمننا الداعشي حيث تفجير الكنائس والمعابد ونذكر منها كنيسة سيدة النجاة عام 2010، وقد وصف ذلك جيداً كبير أساقفة كانتربري قائلاً:"إن التهديدات اليومية بقتل المسيحيين هي أسوأ وضع منذ الغزوات المغولية للمنطقة في القرن الثالث عشر. فمَن قُتل قُتل، ومَن طُرد طُرد، ومَن هُجِّر قسراً هاجر ولم يعد، والبقية الباقية تسأل اليوم عن سبب بقائها" أليس كذلك.
   في الختام
   إنني أقول خاتماً: إن وثيقة "الأخوّة الإنسانية" هي إحدى الوثائق التي تدعو إلى إنقاذ المسيحيين والمسلمين في الشرق من خطر الزوال والكراهية والمعاداة. فالمسيحيون أمام أعينهم الهجرة والرحيل والنتيجة الإنقراض والزوال، والمسلمون أمامهم خطر الحوار والتعايش وقبول الآخر وهدفه تشييع الإنسانية. فما نحتاجه هو حاجتنا إلى دساتير جديدة تُكتَب سوية ولا تُملأ من قِبَل الأغلبية على الأقلية، كما حاجتنا إلى قرارات دولية ووطنية ليس للإدانة فقط ولكن حاجتنا إلى قرارات ملزِمة لأناس ورجال كبار الزمن الذين يرفضون تكفير الإرهاب بتنظيماته المختلفة وخاصة الإرهاب الداعشي، أكثر التنظيمات توحشاً وإرهاباً والذي جرائمه طالت المسيحيين كما المسلمين أيضاً.
   فلتكن الوثيقة ومبادئها وأهدافها غاية لمسيرتنا البشرية والإنسانية والإيمانية، فنتقاسم حقيقة الحياة وحرية الإيمان، ونتعايش أخوة في الإنسانية في زمن ضاعت فيه بوصلة الحقيقة واستولى الإرهاب على محطات حياتنا.وانني خائف ان لا توضع الوثيقة على رفوف المكتبة وتبقى بلا تفعيل  من أجل مسيرة حياتنا وهذا مؤسف جداً والزمن ينذرنا قائلاً "إمّا علينا أن نتعايش كي نصنع المستقبل وإمّا أن أن نتعادى فلا مستقبل لنا".
لذا علينا أن نكون  أمناء لحقيقة الأخوّة... نعم وآمين.


60
اطفالنا حقيقةُ وجودِنا
المونسنيور د. بيوس قاشا                                                         
في البدء
بألم كبير وأمانة للتاريخ، أروي لكم هذه القصة كما عشتُ فصولها المؤلمة عام 2006 حيث كانت درب الطائفية عنوان المسيرة الحياتية آنذاك.
جاءني أحد أبناء الكنيسة برفقة زوجته وإبنه الصغير والبالغ من العمر خمس سنوات وقال إن إبنه الصغير المسجَّل في الروضة الفلانية قد روى له ما يلي: قال الوالد متالماً عن لسان الطفل بأن المدرِّسة تقول عنه أنه نصراني ولا يحق له ان يصادق أي طفل في الروضة، كما أوصتهم انه لا يجوز للطفل الشيعي أن يأكل ويشرب مع الطفل السنّي. وفجأة صرخ الطفل "أبونا إحنا أطفال ، ليش تعلّمنا المعلمي (المدرِّسة) أنْ ما أحب صديقي المسلم وأنا ما أعرف شنو سنّي وشيعي ونصراني... بابا، أنا بعد ما روح للروضة"... كان هذا الحديث سهماً في قلبي، وكانت الرواية مؤلمة. حملتُ نفسي في اليوم التالي وقصدتُ الروضة وطلبتُ من السيدة المديرة أن أتكلم مع المدرِّسة إنْ كان بالإمكان، فسمحتْ لي. وبعد إلقاء التحية على المدرِّسة المعنيّة، شرحتُ لها دورها الأبوي والأمومي والتعليمي لهذا النشئ الجديد، أطفالنا وأجيالنا ومستقبل لبلادنا، وكيف يجب أن نربّيهم على المحبة وليس على الحقد والكراهية الواحد تجاه الآخر، وعدتُ أدراجي وسألتُ نفسي: أين اصبحنا؟، وما مستقبل أجيالنا، ووطننا؟.

الاخوة الانسانية
أمام هذه القصة المؤلمة أردتُ أيها القرّاء الكرام أن أكون بينكم كلمة عبر أسطر قليلة أُعلن فيها أنّ وثيقة "الأخوّة الإنسانية" التي وقّعها قداسة البابا فرنسيس والدكتور الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف في الرابع من شباط (فبراير) الماضي في دولة الإمارات تناشدنا لتكون لنا جميعاً، مسلمين ومسيحيين ومكوِّنات أخرى، ولمربّي أجيالنا وأساتذة مدارسنا وجامعاتنا موضوع بحث وتأمّل لتساعدنا على خلق أجيال جديدة تحمل الخير والسلام، تحمل الوطن والمواطن، تحمل الإنسان وحرية الإيمان.

ارض خصبة
نعم، أليست المدرِّسة او المعلم والمعلمة ، هم مَن ينشئون أجيالاً ويزرعون حقيقة الطفولة في أهدافها وغاياتها، فالبيت كما المربّي أرض خصبة تقبل الحقيقة بكل صفاء لزرع بذرة المواقف التي تنمو في مسيرة الأطفال، ومنها بذرة القبول الآخر المختلف في دينه وعِرْقِه ولونه، لذا يجب علينا مسلمين ومسيحيين أن ندرك مسؤوليتنا الكبيرة تجاه تنشئة أجيالنا الصغار وأطفال مدارسنا البيتية، لأن التربية تجعلنا أن نقيم بناء مشروع وطني جديد حيث الكل إنسان،  والكل مواطن ، والكل مؤمن في دينه ، ومخلص له بمسيرته الحياتية الزمنية لأجل غاية أسمى... إنه مشروع يبني وطناً للجميع ، وفوق الجميع.

حروب بفتاواها
لقد عاش شعبنا خبراتٍ مؤلمة في هجرته ونزوحه، فمنه مَن إفترش العراء، ومنه مَن سكن الخيم غصباً وخوفاً من داعش، ومنهم مَن رحلوا بعيداً وهم بأسف وآهات على ما حلَّ بهم، فاختلط الدين بالسياسة، وأصبحنا جميعاً ضحايا الحروب الدينية بفتاواها وآياتها، وبتكفيرنا، وأعدنا إلى أذهاننا في مسيرتنا الحياتية قصة قايين كيف قتل أخاه هابيل وهو من لحمه ودمه ، وإبن أمّه وأبيه،  بل وإبن وطنه وأرضه.

حقيقة صغارنا
مسؤوليتنا مقدسة ، انسانية بعمقها،  والهية بهدفها ، إن كانت في مدارسنا الخاصة أو الرسمية، وعلينا ان نطرح كلنا على أنفسنا السؤال المزعج: أيَّ نوع من المؤمن المسيحي أو المسلم أو الصابئي أو الإيزيدي أو البهائي نعدّ لمستقبل وطننا؟، أيَّ نوع من المواطن بجيله نُعدّ؟، ما دور أجيالنا في مستقبل وطننا؟ ما هي حقيقة تربيتنا ومن أي نوع هي؟ هل نربي لوطن متماسك بجميع مكوناته واختلافاته العقائدية والدنيوية؟، هل نربيهم على روح الطائفية المقيتة والأغلبية السائدة لتفسدا يوماً أرضَ وطننا وتدمر رسالةِ أجيالنا في عقر وجودهم، أم نعدهم لحروب عشوائية تُشعل الأخضر واليابس وتزرع الطائفية بسنّتها وشيعتها ونصرانيتها ومكوناتها، وتجعل من كنائسنا وجوامعنا ومساجدنا ومعابدنا أماكن للتكفير والتدمير، للتفرقة والإنشقاق؟، هل نعلّمهم القتلَ باسم الله كما فعل داعش؟... ما يؤلمني أخاف يوماً نحصد فيه ما إبتلينا به بسبب فكر داعش الإرهابي وفي ذلك تموت بذرةُ أرضنا ويكون التكفيرُ والكراهيةُ حقيقةَ أجيالنا. فأيَّ نوع من المواطنين نحتاج، بل نُعِدّْ عبر بيوتنا وروضاتنا ومدارسنا وجامعاتنا من أجل أن نكون مؤمنين بالرب ومحبّين للآخر، أقوياء بإنسانيتنا، لا يستقوي أحد على آخر ولا يسمح لأحد أن يستضعف الآخر. فالقوة بأصالتها وحمل رسالتها لا تكون إلا في المحبة كما يقول المسيح الحي " أحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم " ( يو 12:15)   وفي الاختلاف، وفي بناء جسورها وإعمار مساكنها وإعلان شأن مدرّسيها بمدارسهم ومعاهدهم وجامعاتهم وروضاتهم.

كلنا معلمون
إذاً، علينا تنقية أذهاننا قبل أذهان الأطفال من شوائب الكراهية والأنانية، والحقيقة لا تكمن إلا بالتعايش وقبول الآخر المختلف بكل صفاء. فأطفالنا دعاهم رب السماء أن يكبروا في القامة والحكمة والنعمة أمامه وأمام الناس(لو2: 52) . ففي قامتهم بطولها وصحتهم، وبحكمتهم بأن يكونوا أمناء وأوفياء لمواهب الرب لمسيرة الدنيا، وبالنعمة ليعيشوا قوة الإيمان بروح المنوّر فيعتبر الطفل أخاه وإن إختلف عنه شكلاً ولوناً وديناً فهم كلهم سواسية ومتساوون في طفولتهم وكرامتهم ، فبقدر ما يكبر الإنسان في الإيمان ويحياه بقدر ذلك يتقبّل الآخر الغريب منه والمختلف عنه. لذا على كل المربين أن يتعاونوا مهما اختلفت أديانهم وعقائدهم، فكلنا معلّمون وخصوصاً كل رجل دين مسيحياً كان أم مسلماً هو المسؤول الأول والأخير، على تربية النشئ تربية جديدة راسخة على قواعد الرحمة والمساواة والكرامة التي منحها الله لكل إنسان. فمسؤوليتنا تضعنا أمام أجيال جديدة تنشئ دولة جديدة لكل مواطنيها أي كان دينهم.

في الختام
ختاماً ، أسال وأناشد المسيحيين والمسلمين ، عبر المّربين والمعلمين والمعلمات،  والمدرسين والمدرسات ، أنبقى نحيا صراعات مريرة؟، أنبقى نزرع في قلوب أطفالنا وأجيالنا الصغار ديناً يقودني إلى تشويه الايمان  ومسيرة الحياة؟... فالإيمان ليس في ديننا أولاً بل في مواطنتنا وإنسانيتنا ، ثم ديانتنا وإيماننا. فنحن من هذه الأرض جُبلنا وما نحن لها إلا مواطنون وخلقنا رب السماء على صورته ومثاله ( تك 27:1) فمنه نحيا إنسانيتنا، وما ديانتنا إلا هذا الرابط الذي يرتقي بنا من الأرض إلى نحو السماء فنحمل رسالة إلى الآخر من أجل ذرى الحياة ومجد السماء. لذا لتكن تربيتنا جديدة كي نكون مواطنين غير منغلقين على ذواتنا بل منفتحين وقادرين على معانقة إخوتنا وأخواتنا جميعاً عبر مسيرة حرية الإيمان التي اكتسبناها يوماً وزرعناها في عمق أفكار أجيالنا الصغار وأطفال مستقبلنا، فيناجي كل واحد ربه بطريقة يريدها ، وفي ذلك كلنا مسؤولون أمام الله وأمام الضمير، الدولة مسؤولة والكنيسة مسؤولة ، والمسجد مسؤول ، والمعبد مسؤول،  وما ذلك إلا حقيقتنا عبر مدارسنا بمختلف مسمياتها،أمام أطفالنا وصغارنا، فهم حقيقة وجودنا وعليهم يُبنى حاضر ومستقبل دنيانا ، إنهم اخوة في إنسانيتهم ، إنهم عطايا السماء لبناء الوطن... هذه هي دعوة وثيقة "الأخوّة الإنسانية" في أن نكون مربين لأجيالنا عبر رسالة تحمل الخير والسلام.كي يكونوا لنا اليوم وغداً رسل المحبة والتآخي ، إنهم حقيقة وجودنا ،  نعم وآمين.


61
الحوار... ركيزة اساسية
لوثيقة "الأخوّة الإنسانية"

المونسنيور د. بيوس قاشا
                                                         
   في البدء...
عُرف الشرق بمسيحييه ومسلميه، فهما توأمان لا ينفصلان في مجتمعاتنا، وأي مساس بأحدهما يضرّ الآخر ويشوّه وجهه وحقيقة إيمانه ،  فقد قال الكاردينال بول بوبار رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان يوما:"إنّ العالم بحاجة إلى مسيحيين ومسلمين يتبادلون الإحترام، كما يؤدّون شهادة المحبة، ويعملون معاً وقُدُماً في درب الحوار من أجل عيش السلام في بلاد الله الشاسعة، نعم والحاجة اليوم مُلحّة أكثر ممّا مضى".
   الحوار... تعايش
   إن الدين رسالة مقدسة تحمل المؤمن الى الحوار عبر مسيرة التعايش مع الاخر المختلف ، ومن أجل تكريس القيم والمُثُل العليا، وإذا كان عكس ذلك فقد يكون حالة سلبية وخاصة عندما يُدار بأيدي مجموعة من المتعصبين وأصحاب الفتاوى والذين نصّبوا أنفسهم ناطقين بلسان الحق، فهم يحلّلون ويحرّمون، ويفسرّون جانباً ويغفلون جوانب، كما يرفعون شعارات التعصب وإلغاء الآخر، ويدعون إلى فرض لائحة من اللاءات والمحرَّمات، وقد يتحول إلى قنابل عنقودية مؤقتة لتفجير التناقضات والصراعات الدينية والمذهبية والطائفية، ويصبح الدين حينذاك أداة سلبية وليس غاية كما ينبغي أن يكون.
   الكنيسة ... والأبواب
   نعم ، إن طريق الحوار دعت إليه الكنيسة ولا زالت عبر أحبارها وعلى مرّ أزمنة التاريخ، وها هي اليوم مع البابا فرنسيس تظهر عمق رسالتها الإنسانية في الأخوّة بتوقيعه في الرابع من شباط الماضي وثيقة "الأخوّة الإنسانية" مع الدكتور احمد الطيب شيخ الأزهر الشريف وفي دولة الامارلات العربية المتحدة  ، وهذا ما يؤكد أن الكنيسة كانت ولا زالت وستبقى أبوابها مفتوحة للحوار، من اجل مد جسور التواصل عبر  الثقة المتبادلة بين الشعوب، والتعايش من أجل السلام مع جميع الديانات، إيماناً منها بأن السلام لا يصنعه إلا الحوار،وقد جاء في الوثيقة "الاخوة الانسانية "   أنَّ الحوارَ والتفاهُمَ ونشرَ ثقافةِ التسامُحِ وقَبُولِ الآخَرِ والتعايُشِ بين الناسِ، من شأنِه أن يُسهِمَ في احتواءِ كثيرٍ من المشكلاتِ التي يعاني منها البشربسبب الاقصاء والطائفية . وهذا يحث جميع كبار الزمن ورؤساء المسيرة الدنيوية ومفكري الايمان ورجال العبادة إلى سلوك السبيل الذي يجمعهم من اجل اقامة حوار صادق مبني على الثقة المتبادلة لرسم خريطة العيش المشترك والمواطنة عبر العدالة في توزيع خيرات الوطن . وهكذا يكون  سبيلنا من أجل الحقيقة والحياة لانه حوار صادق، حوار مبني على احترام وكرامة كل كائن بشري وحريته الضميرية عبر إيمانه ومعتقده ، وليس الانتماء الى الاخر حسب مشيئته  ، وبالخصوص بين الديانتين المسيحية والإسلامية.
   وثيقة ... وحوار
   إن الوثيقة تدعونا اليوم جميعاً إلى أن ندرك مفهوم المواطنة كي يبنى على اسس وركائز امينة لصياغة حقيقة السلام وسبل الحوار الاكيد والمحب ، فعبره تزول الفوارق وتتلاشى الأحقاد، ويرى كل إنسان في الآخر تتميماً وليس نقيضاً، وبذلك يحفظ المصالح المشتركة دون اللجوء إلى العنف، كما يعمل على بناء وإقامة علاقات حقيقية وصادقة، كما يحث الجميع إلى سبيل الصفح والمصالحة... وما هذه العلامات إلا علامات لبناء السلام الحقيقي الذي تنشده شعوب الأرض عامة وشعوب المنطقة خاصة.فهي جسر عبور آمن الى المختلف الاخر .
   الحوار ... ضرورة
   لذا أمام هذه الوثيقة بإمكاننا أن نقول: إن الحوار لا يمكن أن يكون خياراً إضافياً بل هو ضرورة حيوية يتوقف عليها مستقبلنا ومستقبل وجودنا وشراكتنا في الإنسانية والأخوّة الصادقة، وشهادة لإيماننا بالله الخالق الذي اوجدنا بحكمته الالهية لنحافظ عليها . وما هذه الا دعوة  لشعوب المنطقة وبالخصوص إلى جميع المسيحيين والمسلمين للذهاب قُدُماً في هذا السراط مهما اشتدت الصعاب ومهما علت الأصوات من اجل  بناء حوار حقيقي مبني على حقيقة التعايش وقبول الآخر المختلف، وكما يقول البابا بندكتس السادس عشر: إن الحياة البشرية هي مُلك لله وحده، ولذا فكل مَن يتعدى على حياة الإنسان فكأنه يتعدى على الله نفسه، لأن الحياة ما هي إلا هبة من عند الله وهي عطيته وصورته. لذا فمهما كان الحوار طويلاً أو قصيراً، صعباً أو سهلاً فهو رسالة سماوية، رسمها الله لنا من أجل العيش المشترك. فمن هنا ندرك ان الحوار ما هو الا  الركيزة الأساسية للاخوة الانسانية تحت خيمة الخالق الواحد ،  رب السماء.
   الحوار ... والفتن
   نعم، إننا اليوم بحاجة ماسة إلى آلية عميقة لتفعيل الحوار وفق الإقرار به وبتعدديته، فمن المنطق أن يتوصل البشر إلى قانون أو عقد إنساني يمنع التعرض لمقدسات الناس جميعاً ما دام جميعهم مؤمنين بأنبيائهم ورسله، فإلههم إله واحد. فتفعيل الحوار يعمل على تحاشي زرع الفتن الكبرى التي تعمل عليها أيادٍ بغيضة وسوداء تعيش فقط على صناعة الفتن والحروب والإقصاء، فالمسيح الحي يقول ،  "إذهب وصالح أخاك، ثم عُدْ وقدّم قربانك"، يعني "إذهب وحاور أخاك لكي يتطهر القلب وتصفى النية ثم تقدم الذبيحة" ، كما يقول الإمام علي بن أبي طالب:"والله لو ثُنِيَت لي الوسادةُ، لَقَضَيْتُ بينَ أهلِ التوراةِ بتوراتِهِم، وبينَ أهلِ الإنجيلِ بإنجيلِهِم، وبينَ أهلِ الزبورِ بزبورِهِم، وبينِ أهلِ القرآنِ بقرآنِهم"... وأخرى "النّاسُ صِنْفانِ، إمّا أَخٌ لَكَ في الدِّيْنِ، أو نَظِيرٌ لَكَ في الخَلْقِ"، ممّا يعني تجسيداً حقيقياً لعدم جواز تكفير الآخر.
   الخاتمة
وفي الختام ، فالحوار لا يعني الا الاحترام، ملؤه الشراكة الإنسانية والأخوّة البشرية. فالإنسان هنا وكيل لربّ السماء وعلى الوكيل أن يكون أميناً في حمل سلاح الحوار ، وإلا سنكون في عِداد تجّار الحروب باسم الله والدين،وتكون ارضنا ساحة للحروب والقتال ومثيرة للعنف والارهاب واراقة دماء الابرياء وما يزيد في الالم انها ستكون "عبر سياسات التعصب والتفرقة كما تقول الوثيقة والتي تعبث بمصائر الشعوب " . ففي ذلك  سنميت الخليقة التي أبدعها الله بالمتاجرة بكتب السماء وبآياتها الكريمة. والويل لنا إذ جعلنا من أرضنا مكاناً للفساد والعنف والحروب ، فقد يكتب التاريخ عنا مأساة تدمير الآخر المختلف، فلنعلم ان الأرض منها جُبلنا كلنا، والسماء خيمة لدياناتنا." ولا يمكن تاجيج الكراهية والتعصب"  لان الوثيقة هي لنا " نداء  ومطلب كلِّ ضَمِيرٍ حيٍّ ليَنبذُ العُنْفَ البَغِيضَ والتطرُّفَ الأعمى" ، وكما هي "لِكُلِّ مُحِبٍّ لمَبادئِ التسامُحِ والإخاءِ التي تدعو لها الأديانُ وتُشجِّعُ عليها " من اجل رسالة سامية الا وهي  الحوار الامين والصادق ، الذي يقيم جسوراً ويفتح سبلاً للتعايش وزرع بذرات السلام من أجل أن نكون تاريخاً لمستقبل أجيالنا.وما رسالة الاخوة الانسانية الا الحوار ، انه لبنة البناء وطريق الحياة وسبيل العيش المشترك وضميرالعدل والحرية وتلك حقيقة الاخوة فالحوار من المؤكد ما هو الا ركيزة للاخوة الانسانية. نعم وامين .



62
رسالة إلى أبناء بخديدا الأحبة 
بخديدا ... أمّ الشهداء

المونسنيور د. بيوس قاشا
     في البدء
مع محبتي لكم، أستميحكم عذراً، وأضع مسيرة حياتي ووجودي المتواضع ومقالاتي وكتاباتي ورسالتي المقدسة، أمام أنظاركم ومسامعكم، ولكم كل الحق بل كل الحقيقة إذا ما شاءت إرادتكم أو أيّدت ضمائركم وتتصور أهدافكم أنْ تكتبوا ما يطيب لكم وما شئتم، وقولوا ما هو مبتغاكم، فأنتم رسالة سامية تحملونها عبر مسيرة متعَبَة، فهي متأصلة في ضمائركم كسلعة أبدية ولكن بعيدة عن روح الحقد والكراهية، عن روح البغض والأنانية، ولا تُعَولِموا أو تؤلِّهوا مشيئتكم كي لا تُفرغوا من قلوبكم الإله الذي معكم "إنْ كان الله معنا فَمَن علينا" (رو31:8-39) الذي فداكم وفداني، بل أظهروا محبتكم، ولا تبيعوا غايات بائسة، كما لا تشتروا كلمات مزيفة لتجدوا أنفسكم أمام كبار الزمن، فالحياة راحلة يوماً ما. ولا تجعلوا الشيطان يملك على قلوبكم، أو يستولي على مسيرتكم الإيمانية في حبّ الأرض الجريحة والوطن الأسير والمكلَّل بأشواك الطائفية والقومية والأغلبية في زمن العشائرية والقبلية من أجل تقديس الفساد وتكريس الكذب، عملاً بإرادة كبار الزمن، بل احملوا مدينتكم ومآسيها وأفراحها عبر مسيرتكم الزمنية، وكونوا ذائعين لحقيقة إيمان أجدادكم وآبائكم، فأنتم لها أمناء... لذا يسرني أن أرافقكم في هذه الأسطر القليلة، لأكون لكم وبينكم ومن أجلكم، ومن أجل حقيقة إيماننا ووجود شعبنا، كلمةً مُحِبَّة ملؤها الحقيقة والشهادة والتاريخ، فقد قال بولس الرسول:"أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي" (فيلبي13:4)... فهأنذا معكم، وشكراً لكم.

     أمّ الشهداء
مَن منّا لم يقرأ تاريخ بخديدا... إنه تاريخ مقدس، بخديدا قبلة المؤمنين، والشاهدة للمسيحية، فهي أمّ الكنائس السبعة والأديرة التاريخية والتلال الأثرية... أمّ الشهداء... عاصمة المسيحية المتربّعة على بساط سهل نينوى... حاملة لرسالة الإيمان، حيث الكثير من أبنائها خلطوا عرق جباههم بتربة حقولهم وأراضيهم، حاصدين غلاّت زرعاتهم وهم مليئين بالتقوى وبساطة الحياة في عيشهم ولبسهم ومسيرتهم ليكونوا صالحي السيرة والمسيرة، ويربحوا أرزاقهم بالحلال والوصية. وكم احتمل أبناؤها المآسي وتبعاتها، وآفات الحروب ومصائبها، والمجاعات والرحيل والإنتقال من مكان إلى آخر ولحد الآن، بل حتى الساعة، لا زالوا شهداء المسيرة المؤلمة من أجل الوطن الجريح.   نعم، فهي تفتخر بعدد كنائسها وبعطاء أبنائها وعقولهم العلمية المبدعة ومواهبهم المتنوعة في الكتابة والعمران، في الرسم والنحت والهندسة وأنواع الفنون، وبدماء الشهداء التي سُكبت من أجلكم ومن أجل وطنكم، فهي حضارة مملكة، وثقافة وطن، فهي لكم ولمجتمعات وطنكم كلمة وبناء وحضارة، فلا تخافوا بل تشجعوا يا أبناء بخديدا العزيزة، كنتم ولا زلتم أحفاد الرجال الأوفياء وبُناة المعابد الأمناء: كنيسة بخديدا ايتاربثا، مرحانا، مار يعقوب، مارزينا، سركيس وباكوس وبشموني. فالأرض أرضكم، فلا تتهاونوا في إعلاء شأنها، فكونوا لها حرّاساً أمناء، فالغيرة في نفوسهم قد ملكت، ومن حولكم كثيرون يتمنون أن يدخلوها غزاة وليس فاتحين من أجل نيل غنائمها، فهي تناديكم: لا تتركوني وحيدة كأرملة، فالذئاب كثيرون وإنْ لبسوا ثوب القداسة والمهابة، وتزيّنوا بزينة الكلام والقدسية، فغايتهم الجلوس على كراسيكم المقدسة ليحصدوا ما لم يزرعوه (متى24:25). فأرضكم وكنائسكم وسبل إيمانكم وروح شبابكم أمام مصير مجهول عبر زمن بائس، فإنْ غادرتموه أو تغادروه من أجل البطون فأنتم للدنيا أمراء، وإنْ سعيتم الإبتعاد عنه من أجل راحتكم وراحة عيالكم فقد بعتم حقيقتكم واستسهلتم إيمانكم وغيّرتم ترتيلتكم "هذي البيعة ما ننطيها، يشوع ومريم ساكنين بيها" إلى أنشودة يعلنونها "بداثي يوما هر بشقلاخ بخديدا" ما معناه "سيأتي يوم سنحتلّها بخديدا". فاعلموا واعملوا على أن لا تكونوا سبب تفتيت كيانكم وهدم حضارتكم، فيتلاشى وجودكم ولن يبقى لكم ذكر إلا ما قيل "بالأمس كانوا هنا واليوم قد طُردوا"، عذراً "قد رحلوا"، فهم الغزاة الطامعون في مقتنياتكم، وزمناً أحرقوا كنائسكم ودياركم وقتلوا آباءكم وأجدادكم واليوم أحفادكم.
    سلعة للجيران
كنائسكم مقياس حبّكم لأرضكم ولعشيرتكم، ومعبدكم عمق إيمان علاقاتكم، ومستقبلكم واسم موطنكم نداء لا تساويه أثمان بل هو أغنى حتى من عيالكم وأثمن من أجفان عيونكم، فالرب منحكم إياه وطناً ورأى ذلك حسناً (تك1). فلا تكونوا أنتم ومعابدكم سلعة للجيران، شرقاً أتوا أم غرباً، شمالاً أو جنوباً، فهم يوماً قتلوا آباءكم وأجدادكم، وغاياتهم سلب أموالكم وحرق كنائسكم وتدنيس معابدكم كما فعلوها في الزمن الغابر والماضي القريب. فأنا أوصيكم أن تكونوا حكماء النيّة (متى16:10) و"شهود للحقيقة" (يوحنا32:8)، وكلمة شجاعة أمام وجوههم، فلا يملأ الخوف قلوبكم، فقد قال ربنا:"لا تخافوهم"، ولا "تكونوا أمامهم كَحَمَل إبراهيم" (تك2:22)، ولا تهرولوا مذعورين من همجيّتهم ولحاياهم وسيوفهم وفتاواهم، وتشجعوا، والبسوا ترس الصلاة، وتقوّوا بالذي فداكم على خشبة العار (مز10:95)، فهي لكم خلاصاً وبها ستنتصرون، كما قال الرب لقسطنطين الملك:"بهذه العلامة تنتصر". تماسكوا بعضكم بعضاً، وعيشوا في المحبة، فوصية الرب واحدة وهي "أحبّوا بعضكم بعضاً" (يو12:15)، و"احملوا أثقال بعضكم بعضاً" (غلا2:6)، وكونوا قلباً واحداً حيث يسند الكبير صغيركم، ويسقي الشاب شيخكم، وتقود أياديكم الأرملة إلى مسكنها، و"بهذا يعرفونكم أنكم تلاميذي" (يو35:13). فلا تسلّموا أنفسكم لهيرودس الزمان، وما أكثرهم اليوم. لذا فلتتماسك أياديكم بقلب واحد ونيّة واحدة، وكفى أن تكونوا بضاعة للأحزاب والسياسات والحركات والتوجهات والعشائريات والطائفيات المقيتة كخدم للمناصب الزائلة، فأنتم أمامهم دخلاء وإنْ كنتم أصلاء، وكونوا كما قال البابا فرنسيس:"إرفعوا دائماً أصواتكم لكبارهم بإسكاتهم كي لا تغيب قِيَمكم، ولا تكونوا ضحايا للخديعة، فإنّ مَن بيدهم القرار لهم أساليب كثيرة ليجعلوكم صامتين" (فرنسيس؛ أحد الشعانين 2018). فهؤلاء كلهم يتاجرون بمصائركم، فلا تخافوا أن تقولوا الحقيقة في وجه الأقوياء، ولا تقبلوا أن تسيروا في تشييعها كي لا تشوّهوا وجه الله الحق والمحب، وكفى أن تكونوا حماةً لأناسٍ عُرفوا بفسادهم، فإنْ تموت شاهداً أفضل من أن تبقى في الحياة بائساً وخانعاً.
    قلباً واحداً
الشكر للرب الذي أوصلكم إلى هذه المرحلة من مسيرة المحنة التي حلّت بكم في السادس من آب عام 2014، وقبلها التي دامت أسبوعاً واحداً، والتي فيها كنتم "كخراف أمام ذئاب خاطفة" (متى15:7)، وكنتم تائهين في الشوارع ومفترشين الساحات، وكنتم حينها فريسة لمصالح سياسية ديموغرافية وحزبية... مرّت الفاجعة بما حملتها من مآسي، لذا أقول كونوا جميعاً _ أكليروساً وشعباً _ أمناء لرؤسائكم، بطاركة وأساقفة، الذين أعطوا حياتهم من أجلكم ومن أجل إخوتكم، كهنتكم الأوفياء، الذين كانوا من أجلكم شهادة للمسيح الحي في مسيرتهم. فكونوا قلباً واحداً، وكونوا للشرير والفاسد بالمرصاد أينما كنتم وفي أي خدمة أؤتُمنتم. وانتبهوا، فالكثير "يأتونكم بلباس الحملان" (متى15:7)، وبكلام ملؤه العسل وطيب المذاق، وأنتم لهم مصفِّقون من أجل ورقة خضراء أو أكلة صحن عدس. فانتبهوا، إن المستقبل لا يرحم أحداً، والتاريخ لا يجامل الحقيقة ولا يقبل التزوير وإنْ دُفن وأُحرق وشُوِّه تراثنا وحضارتنا وتاريخنا، فالحقيقة "هي هي أمس واليوم وإلى الأبد" (عبر8:13). واعلموا انّ كل ذلك مدوَّن في كتاب مُبين (سورة النساء؛ 144). فلا تخافوا، ولا تكونوا خبزاً للسياسات الكاذبة، فأنتم أغنى حضارة وأسمى ذاكرة على وجه البسيطة. فانتبهوا وتحرّزوا من العقول المزيَّفة ومن الحكماء الفاسدين، فأنتم شعبكم وشعبكم أنتم، وكهنتكم أحباء مخلصين لكم، ويليق بهم كل الإحترام، ورؤوساءكم وأساقفتكم رعاة بسطاء محبّين لخيركم ولعمران مدينتكم ولتعميق إيمانكم، وكنيستكم مسكنكم السماوي، فهي لكم أمّ وحارسة، فاعملوا من أجل أرضكم وأصالة وطنكم، وتذكروا أن ما حدث في كنيسة سيدة النجاة (31/10/2010) _ وكنتُ حينها شاهداً لآهات الشهداء والضحايا والجرحى _ لن تكون الأخيرة إلا إذا عرفتم مقام أنفسكم وسبب وجودكم. فلا تسمحوا للكوارث والمآسي والمحن تنتابكم مرة أخرى كما حصل لكم في الماضي القريب بسبب داعش.
     لا ترحلوا...
وإلى الذين رحلوا أقول: أنتم أحفاد المؤمنين الغيارى، بل أنتم أحفاد رجال الإيمان وبساطة الحياة. وعمق المسيحية التي حملوها تحت صدورهم جعلتهم مِمَّن يفتخرون دائماً أنهم للرب (2كور17:10)، فالأرض أرضكم، فلا تتشتّتوا في أقاصي الأرض من أجل لقمة الحياة وملء البطون والورقة الخضراء، فالحياة أسمى من هذه كلها، وحب الأرض والدفاع عنها وبناء مسيرتها أسمى بكثير مما أنتم ساعون إليه، وأولادكم _ كما تقولون _ ندافع عنهم، فهم ليسوا أولادكم بل أولاد الله، هو الذي رزقكم إياهم وليس أنتم. فلا تتركوا هذه الأرض الطيبة وإن كانت اليوم جريحة، فأنتم بذلك مشارِكون في محو تاريخكم لأنكم بذلك تعملون على قلع جذور إيمانكم منها، بل أقولها: إرجعوا إلى كنائسكم المقدسة وزيّنوها بطقوسكم، عودوا إلى دياركم واسكنوها، فأنتم أبناء واديها وسهلها، وكونوا رسالةً وطريقاً لإعادة بناء حياتكم وحياة شعبكم. فلا ترحلوا وتتركوا المريض والأرملة واليتيم والفقير والشيخ يصرخون "أغيثوني"، فالأرض أثمن عطية منحها لكم رب السماء، "فتحمّلوا، كما يقول البابا القديس يوحنا بولس الثاني القديس، أمانة إيمانكم في قلوبكم". فالقضية ليست في الرحيل والهزيمة، ولكن القضية أسمى من ذلك، فأنتم وطن والوطن أرضكم، فلا تتهاونوا في حمايته، فبينكم أطباء ومهندسون ومهن أخرى، خُلقتم لتخدموا مرضاكم وتشفوهم بنعمة المسيح وبعلمكم، كما جُعلتم لبناء دياركم، ولم تُخلَقوا لتتركوا مرضاكم يتأوّهون واليتامى يصرخون والأرامل تطلبن الشفاعة. وما يؤلمني أن أجد شعبي يستعطي في الطرقات والساحات، شعباً مهجَّراً شارداً ونازحاً، يرحل عبر البحار والمحيطات والقارات، فأعداءكم هكذا خططوا فمنحوكم لفة همبركر وعلبة ببسي، فضاعت حقيقتكم وأُفرغت دياركم وأصبحتم عبيداً لهم ولدستور مزيَّف شغله هدم كينونتنا وقلع إيماننا بسبب قلّة عددنا وهجرة كوادرنا، ونسينا أننا أصلاء وأننا أبناء هذه الأرض قبل غيرنا. وأقولها بكل صراحة إن مستقبل وجودكم رهن بمستقبل بقائكم وعودتكم واستملاككم لأرضكم، لذا عليكم أن توحّدوا أهدافكم، وتعملوا على تراصف صفوفكم، فالمرحلة خطيرة، نعم خطيرة، والزمن ليس زمن البكاء والآهات بل زمن الشجاعة والشهادة، وهذا لا يعني أن أبيع وجودي بسبب خوفي، ولا يجوز أن أخاف، فالشكر لله، ولكنيسته دور كبير في حمايتكم، وصوتها يصل إلى علوّ السماء حيث ينشد أحباءه، وأساقفتنا وكهنتنا أمناء لمسيرتهم، فَلِم الخوف والهزيمة والرحيل!.
     في قارب واحد
نعم، نعم أدرك جيداً أنكم تقفون اليوم أمام مخاطر تداهمكم، ولا زلتم أهل ذمة، والجزية لابدّ من دفعها لإصلاح مسيرتكم، كما لا زلتم تعيشون أياماً قاسية وأوقات عصيبة فُرضت عليكم، ولا زال الخوف يساور أفكاركم ويملك على عقولكم، وإنكم كما أعلم لا زلتم تشعرون بالمذلّة والهوان وأنتم قابعون في دياركم، ولا زالت الثقة بعيدة عن أفكاركم عبر أرضكم التي أصبحت قبلة الغرباء وشهوة الطائفية، وغاية الأغلبية، كما أؤمن أنهم إنْ كان بإمكانهم ذبحكم لَذَبَحوكم دون خجل أو حياء، فهكذا تعلّموا وهكذا يعلّموا كوادرهم، فإنهم في ذلك يرجون رضى الإله، فهم شياطين بل شياطين سود، ولا زال عدوّكم يزداد لحظة بعد أخرى، وفي ذلك يُدركون أنهم يشيّعون الحق إلى مثواه الأخير.   لذا أوصيكم أن تحملوا رسالة شعوبكم، أفرغوا عنكم روح التعصّب والحقد والكراهية، وامحوا سبل الطائفية المقيتة والأنانية الحزبية، ولا تزيدوا مساحات الإختلاف بينكم بل إعملوا على ردمها، فأنتم أصلاء، أبناء أمّة واحدة، وشعب المسيح الواحد، فليكن لكم مَن يتكلم باسمكم أمام الرئاسة والسلاطين ومَن يدافع عن حقوقكم، فهذه بخديدا مستقبلها في رقابكم وخطيئتها على أعناقكم، وبنكرانها تخونون إيمان آباءكم وأجدادكم، لذا ارفعوا عنكم التفرقة والأنانية فكلكم واحد، وكفاكم الثرثرة (عذراً) والخوض في غايات زائلة، واختاروا مَن يناسبكم ومَن ترونه صالحاً وذكياً وفهيماً وأميناً ومؤمناً _ وما أكثرهم _ لينوب عنكم وعن مشاكلكم ومشاريعكم، فكلكم مسؤولون عن كلكم. واعلموا جيداً أن أعداءكم يعملون حتى في ظلمة الليل على إبعادكم عن بخديدا الشهيدة، فأنتم جميعاً في قارب واحد، تخوضون غمار حياتكم، ففي هذا القارب تعيشون وفيه تموتون. فكفاكم الخوض في مشاكل جانبية ومعارك وجودية. اتركوا كل ذلك جانباً، فالزمن بائس وقد حانت "ساعتكم الآن لتفيقوا من نومكم" (رو11:13)، فمستقبل أرضكم وأجيالكم وأحفادكم في رقابكم، وأنتم تتحمّلون وزر خطيئتكم لأنكم ضيّعتم بخديدتكم بسبب خلافاتكم وصراعاتكم ومصالحكم وأهواءكم، ونسيتم أن تكونوا أمناء لوصية الرب، فاعملوا "كل واحد منكم ما يُرضي أخاه لخير البنيان المشترك" (رو3:15)، "مسالمين مع الجميع" (رو4:12).
    الخاتمة
وختاماً أقولها: بدون وحدتكم ستخسرون ليس بخديدا فقط بل أرضكم ووجودكم وتراثكم وأنفسكم، فكونوا أمناء وليس أمراء، أوفياء وليس بخلاء، فحبكم لأرضكم وشعبكم يدعوكم أن تسهروا الليالي "على القطيع من الذئاب الخاطفة" (متى15:7)، كحرّاس أمناء، ولتكن قضيتكم بخديدا الأولى والأخيرة في مسيرة وجودكم. فلا تتصارعوا بينكم، فالتاريخ لا يرحم أحداً. وإنكم ترون أمام أنظاركم كيف يُسلَب سهلكم خطوة تلو خطوة من أجل أن تموت أصولكم ويتيه شعبكم، لذا عليكم أن تتّفقوا برأي واحد وبقلب واحد ولسان واحد (رو5:15)، و"ليكن أكبركم خادمكم" (متى11:23)، وكفاكم طرق أبواب الدنيا الزائلة، واحفظوا لسانكم تجاه كباركم ورؤسائكم وكهنتكم الموقرين من أية كلمة مميتة وجارحة من أجل الفضيحة وتدمير معنوياتهم، واشفعوهم بصلاتكم فهي الساعد الأيمن ليكونوا لكم أمناء وأوفياء، فسلطتهم هي من الله (رومية1:13) "لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلِّصنا الله" (1تيمو1:2-3) فأنتم معهم إخوة أشدّاء، و"أبوكم واحد هو الآب السماوي" (متى8:23). فبخديدا ستبقى أمّ الشهداء وأمّ الكنائس إذا أنتم أردتم ذلك، وإلاّ فاقرأوا السلام إذا ما وجدتم ملء البطون والورقة الخضراء وهناء العيش وراحة البال أثمن من حبكم لأرضكم ووطنكم وكنيستكم وأساقفتكم وكهنتكم وشعبكم... ودمتم في محبتي واحترامي نعم وآمين.

63
بمناسبة زيارة قداسة البابا فرنسيس
      إلى دولة الإمارات

هنيئاً لكِ . ..يا دولة الإمارات
أرض البحر والشمس والعقلاء
المونسنيور د. بيوس قاشا
أمام النزاعات والحروب الإقليمية والمصالح الدولية في تدمير الإنسان، كل إنسان... وأمام إقتلاع المسيحيين من أرض الأجداد من قبل داعش الإرهابي... وأمام المفاهيم القاتلة والأفكار المميتة بتفاسيرها وفتاواها، تطلق دولة الإمارات العربية المتحدة، أرض التسامح وحق الحياة وحقيقة الإنسانية، برئيسها وشيوخها الأجلاء شعاراً لهذا العام سمّته "عام التسامح".
كلنا نعلم أن هذا العنوان ما هو إلا تتويج لرسالة دولة الإمارات الإنسانية والتي أنشأت وزارة خاصة لها لخدمة رسالة السماء المُحبة بين أبناء البشر مسمّية إياها "وزارة التسامح". وفي 20 تموز (يوليو) 2015 أقرّت هذه الدولة الكريمة قانون تحريم وتجريم الإساءة إلى الأديان، ونبذ خطاب الكراهية عبر مختلف الوسائل وطرق التعبير، من أجل إعمار سبل التعايش، وفتح آفاق الحوار في قبول الآخر المختلف. وانطلاقاً من هذه الإنسانية التي تزيّن حقيقة مسيرتها، تسجل اليوم دولة الإمارات علامة تاريخية ناصعة في أن تكون أول دولة خليجية مسلمة تستقبل قداسة الحبر الأعظم البابا فرنسيس، قديس المسيحيين، ذو الرداء الأبيض، ليكون أول بابا يزور دولة من دول الخليج. وهذه الزيارة لها بُعدها الإنساني والإيماني والحواري حيث تتزامن مع التجمّع الدولي الذي تنظمه دولة الإمارات صاحبة المبادرات الإنسانية وحاملة حوار المحبة بعنوان التسامح، والجامعة لأتباع الديانات المتعددة، ففيها يعيش الآلاف بل الملايين من مختلف العقليات والأجناس واللغات والقوميات والطقوس والشعائر بروح المودّة والإحترام.
   في هذا المؤتمر الذي تنظّمه دولة الإمارات، تسطّر الدولة برئيسها وشيوخها وشعبها تاريخاً جديداً عبر المسيرة الإنسانية، ونفحة حوارية تجعل حقيقة التعايش حقيقة إلزامية، وتشهد بذلك أمام هذا التجمّع الدولي وعبر شخصيات دينية ورسمية، عالمية ومحلية، عربية وأجنبية، حاملة عنوانه "المؤتمر العالمي حول الأخوّة الإنسانية"، من الثالث وحتى الرابع من شباط (فبراير) القادم، حيث يتبادل المشاركون ويتحاورون حول سبل العيش المشترك في إنسانية خلاّقة عبر ديانات سماوية قاسمها المشترك إله واحد، خالق السماء والأرض. وما أجمل ما يحمله شعار زيارة قداسة البابا، فهو يمثّل حمامة السلام، حاملة غصن الزيتون ومزيَّنة بألوانها الإماراتية والفاتيكانية، وما أجمله من شعار بل وما أبلغه، فهو رسول السلام بين الإخوة المختلفين، كما كان يوماً فرنسيس الأسيزي في لقائه بالسلطان الكامل بن الملك السلطان العادل الأيوبي في حزيران عام 1219، ومن خلال هذا اللقاء كان الحوار الإسلامي ــ المسيحي شعاراً عبر التاريخ.
   إن هذه الفعاليات الرسمية والإيمانية والحوارية والأخوية ما هي إلا علامات مضيئة على طول درب الحياة في عالم بائس، وعبر عولمة مزيَّنة بطائفيتها المقيتة وتكفيرها القاتل، وفي هذا كله أدركت دولة الإمارات، برعاتها الكرام، أن كلمة السيف لا يمكن أن تحلّ محلّ كلمة الحوار، وإن التعايش ما هو إلا حقيقة الخالق، فما على الإنسان إلا بناء الجسور، كما يقول البابا فرنسيس "إنه ليس هناك دين يمكنه إثارة الحرب بحد ذاته، فلا يمكن إشعال فتيل الحرب وفقاً لأي دين، وبالتالي فإن الإرهاب والحرب لا علاقة لهما بالدين، بل إنهما يستخدمان تشوهات دينية لتبرير أعمالهما، وفي ذلك فالإسلام براء"... وما هذه الإنطلاقة إلا علامة تفاؤل ورجاء من أجل أن يأتي هذا المؤتمر بثمار، وتدوم هذه الثمار، في إقامة علاقات دولية متبادلة في تعايش أخوي عبر العديد من الديانات المختلفة، وكل من دينه ومذهبه، في جامعه يرفع الصلاة كما في كنيسته ومعبده، وما الصلاة إلا علاقة الإنسان بالله من أجل الحياة. فقد جاء في الإنجيل المقدس "أدخل إلى بيتكَ وصلِّ، وأبوكَ الذي يرى في الخفية هو يجازيك" (متى 6:6)، كما جاء في القرآن الكريم: لا فرق بين مؤمن ومؤمن إلا بالتقوى "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (سورة الحجرات 13)، وأيضاً "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى (خطبة حجة الوداع؛ 2-4).
أمام هذا كله أقول: لنحتذِ كلنا، نحن العرب والمسلمون، برسالة دولة الإمارات وما تحمله هذه الرسالة من صفحات الحياة البيضاء، ولنكتب على أسطرها كلمات تنشد الحقيقة والسلام ضد روح البغض والحقد والكراهية، وتحمل معول البناء لتشييد جسور المحبة والتسامح والغفران... فطوبى لكِ، بل هنيئاً لكِ يا دولة الإمارات... طوبى لرجالكِ الشجعان... طوبى لشيوخكِ الأجلاء... طوبى لشعبكِ الوفي الأمين... يا مَن حملتم وأدركتم أن حقيقة الحياة تبدأ بروح التسامح ليس إلا!.
كم أنتِ شجاعة، وهل من رسالة أسمى من هذه في أن تتجرّئين لقول الحقيقة من أجل الإنسانية والخليقة، وما إرادتكم ايها الأمارتيون ، إلا إرادة ذوي الإرادة الطيبة بمفاعيلها المختلفة، ملؤها الخير والبركة من أجل صناعة مسيرة، وصياغة قرار يحمل في طياته حبات التسامح، ليشهد له القاصي والداني، العربي والأجنبي، المسلم والمسيحي، اليهودي والتركماني، الصابئي والإيزيدي. فكم هي عظيمة خصالكم، وكم هي جميلة طيبتكم، كنتم لها بالأمس في الشيخ الكبير، باني صرح دولة الإمارات وقائد المسيرة الشجاعة، الشيخ "زايد بن سلطان آل نهيان" (رحمه الله)، واليوم بكم يا سليلي الباني الكبير، فقد ملأ كرمكم مسارات أفئدتنا وأنتم تجمعون في خيمتكم مسلمين ومسيحيين، وما أجملها تلك الجوامع والكنائس التي تقيمونها على أرض الخير والمحبة، فإنني أتذكر ما قاله وزير التسامح الشيخ "نهيان بن مبارك" ساعة إفتتاح الكنيسة الثانية في أبو ظبي (يونيو، حزيران 2015) "بلدنا، بلد التسامح والحوار".   
نعم ، حينما إستقبل البابا فرنسيس أعضاء من جمعية "مدينة السلام" (4/12/2018) تحدث عن السلام قائلاً:"إنه مسؤولية الجميع، وعلينا بجهود الجميع إزالة الحرب من العالم ومن تاريخ الإنسانية، وهذا يحتاج إلى ساسة قادرين على الحوار مع الآخر، هؤلاء فقط يقيمون السلام"، فالبابا فرنسيس لا زال يرفع صوته عالياً من أجل الدفاع عن شرائح العائلة البشرية الأكثر ضعفاً وتهميشاً عن المساعي الرامية إلى بناء جسور بين الشعوب، وإعادة النظر في المصير الإنساني المشترك.
ختاماً، يا شيوخنا الأجلاء: سماحة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان (رئيس دولة الإمارات)، وسماحة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم (نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة ورئيس مجلس الوزراء وحاكم إمارة دبي)، إسمحوا لي أن أقول:
أرضكم أرض الخير والبركة، أرض البحر والشمس والخليج، أرض السيرة والمسيرة من الحياة المنفتحة نحو الآخرين، ومن هذه الأرض تشهد منابعكم الإنسانية. وما رسالتكم إلا الحقيقة التي تحملها أرضكم من دعوات ومؤتمرات كلها تنادي بالسلام والوئام والتقريب بين البشر، فأصبحت بذلك مثالاً لدولة حاملة راية التسامح والتصالح مع الله ومع الذات ومع الآخر، وإنكم بذلك تكتبون تاريخكم بأحرف الحقيقة، وتحفظون حقيقة تراثكم ومسيرتكم وعنوانكم لأجيالكم. فاسمحوا لي أن اقول لكم: طوبى لكم... طوبى لكِ يا دولة الإمارات... يا أرض البحر والعقلاء... يا أرض الشمس والشيوخ الأجلاء... نعم، طوبى لكِ... بل هنيئاً لكِ... نعم وآمين.


64
وإن كانت أيامنا قاسية.. فالميلاد بيننا
المونسنيور د. بيوس قاشا
في البدء
يقول بولس الرسول "ولما تمَّ ملءُ الزمان، أرسل اللهُ ابنَهُ( كلمته)  ، مولوداً من امرأة تحت الناموس، ليُفدي الذين هم تحت الناموس" (غلا 4:4)... هكذا كان مخطط ربّ السماء... إنها مسيرةُ الله نحو شعبِهِ الخاطئ ، فتجسَّدَ وسكنَ بيننا، وكما يقول القديس أوغسطينوس "نزل اللهُ إلينا ليرفَعَ الإنسانَ إليه"... إنها مسيرةُ حبٍّ وإيمانٍ تجسّدت بظهور الملاك مُعلناً فرحةَ ولادة طفل المغارة قائلاً للرعاة:"إنكم تجدون طفلاً ملفوفاً مُضجَعاً في مذود" (لو12:2).. إنه الحملُ الذي يُبطِلُ حِملانَ التقادم .إنه الكلمةَ التي أيَّدَها الروحُ القدس كان هو نورُ الناس، وفيه كانتِ الحياة، واللهُ كان الكلمة (يو1:1)" إن الله يبشركِ بكلمة منه إسمه المسيح" ( سورة عمران 38)  .وما الميلاد إلا هذه الحقيقة، إنه رسالةُ السماء لأبناء الأرض، ولكن لا أحدَ يُدركُ ذلك إلا الذي "وُلِدَ من عَلُ"( يو7:3).  ورسالتنا في أيامها قاسية ، وقساوتها بسبب الخطيئةُ التي لا زالت تعملُ في قلب الإنسان كما تشاء وكما يشاءُ هو، ولا مجال لنبذِها، فهي حلالٌ في حرام، وهي سيدةُ الموقف وسيدةُ العبيدِ والأحرار. هي عاشقةُ لوط وحبيبةُ هيرودس وشهوةُ داود، كما هي خطيئتُنا اليوم.فاليوم كلُّ شيءٍ مُباح، هكذا تُعلنه العولمةُ المزيَّفةُ عِبْرَ تلفازِها ومذياعِها والفيسبوك وآي باتِها، ويبقى صوتُ البابا بيوس الثاني عشر يرنُّ في الآذان بصداهُ الواسع "أنَّ الناسَ يؤمنونَ أنْ لا خطيئة اليوم".

فساد مقدس
أيامُنا قاسية، فقد شُوِّهت حضارتُنا بتشويهِنا للاخر المختلف، بِتُهَمٍ باطلة وبفسادٍ مقدس، وتبقى الدنيا لطالبيها يزمّرونَ فيها ويرقصون، وبكبريائِهِم يَقيسون مسافات الحياة ليكونوا فيها أمراء، بينما الحقيقة هي ان المولود في المغارة ما هو الا "الطريق والحق والحياة" (يو6:14)، كما أننا نقدّس الدنيا ونكرِّسُ أزلامَها في الأمر والنهي. فيها نعبدُ صَنَمَ الخطيئةِ والوثَنَ والإنسانَ، ونجلس على الكراسي لنحاكِمَ الآخرين الأبرياء كي نبرِّءَ أنفُسَنا نحن المتَّهمين، ونستأزر بالمناصبِ ونبخّر الفسادَ ساعاتِ الفجرِ والصباح والظهرِ والغروب والمساء، وكل ذلك مدَّعين أنّ الجنةَ واحةٌ لأحلامِنا، فنُعلنُها جنّةً موعودة كي يدومَ زَيفُهُم في تدمير الآخرين وقتل الحقيقة في صحّتها ورسالتِها المقدسة.فهم يقتلون ويحرقون ويهدّدون ويدنّسون باسمِ الدين كلَّ كلمةٍ وكلَّ عملِ الله الذي بناهُ بحبِّهِ لخليقتِهِ، فشوَّهوا مسيرتَه وغيّروا مفاهيمَهُ.

صورةالله
أيامُنا قاسية، نعم هُجِّرنا من بيوتِنا، ولا زال الألمُ حتى الساعة يملأُ قلوبَنا ويخيِّمُ على صدورِنا، والغفرانُ سلعةٌ بِعناها ولم نشتريها. ورغم ذلك فالمسيحية لا تكرهُ أشخاصاً فهم صورةُ الله إذ قال:"وخلق اللهُ الإنسانَ على صورتِهِ" ( تكوين 1) ، بل نكرَهُ أعمالَهم وشرورَها، وبسببها تُشوَّهُ صورةُ الخالق. وان كانوا يعملون  على قصرِ ثيابهم ،  وتطويلِ لِحاهم  ، وعنترةِ شواربِهم، وتنوع تسريحاتِهم ، وقّصات شعر رؤوسهم  ، باختراعاتِ عولمية مزيفة وآيات مفبركة. ولم يبقَ لنا إلا أن ندركَ عددَهُ ولونَه، ولكن لا حيلةَ في ذلك فالخالق العظيم أسمى، وعالِمٌ بكلِّ شيء فقد قال:"شعورُ رؤوسِكم كلُّه مُحصى" (متى 30:10). كما أرادوا أن نكونَ من أكاديميةِ الرحيل. وأخذنا نحملُ حقائِبَنا وإنْ كنا في بطونِ أمَّهاتِنا بدعوةٍ من إرهابٍ أو حوّاء أو مكاتبَ بيع التذاكر والتأشيرات بشرعيتِها أو بسرقَتِها، ونسينا أنّ الوطنَ أغلى من الإنسان، والترابَ مُلْكُ الأُصلاء. وما قيمةُ الإنسان بدون وطن. فالوطن حضنني في رحمِ أمّي، والوطن أرضعني حليبَ ترابي، والوطن هلَّلَ معي يومَ فرحي، والوطن أعادني إليه بالسلام يومَ نهاية عمري. إنه لأبي ولإبني ولحفيدي مهما طالَ أو قَصُرَ عمرُ الإنسان. ولكن الفساد والخطيئة جعلاهُ بعيداً ومرذولاً ومُداساً، وننتظر منه ساعةَ تموتُ رحمتُهُ، وما يزيد من قساوتِها وجود الفكر الداعشي الذي لا زال يكفّرنا ويضعنا في صفوف الغرباء. كما إنّ الخطابَ الديني لا زال ينشد بأننا لا ندخل جنَّةً قد ورثوها لحسابِهِم، وما ذلك إلا رسالةُ إبادةٍ وتدميرٍ للمكوِّن الأصيل. فقد أباحوا لأنفسِهِم التدميرَ والتهجيرَ والإستيلاءَ على أموالِهِم، ومن المؤسف إنه تشويه لحقيقةٍ، ولا يعرفون إلى أين هم سائرون، فقد أضاعوا بوصلة الحياة كما أضاعوا كلَّ شيء.

حصاد الحقيقة
أيامُنا قاسية، فاليوم بدأنا نخافُ حتى من ظلِّنا. بإطلاقةٍ واحدةٍ يكتبون لوحةَ قبورِنا. عِبْرَ أصواتِنا ينكرونَ حقيقتَنا، يسرقون أرضَنا ويقولون تلك مُلْكٌ لنا. إنها ايامٌ فيها يشوِّهونَ صورَ قديسينا. لم يعدْ لنا مكانٌ نسمعُ فيه حُكمَنا ونُعلنُ فيه حقيقتَنا وخوفَنا، فنكتبُ رحيلَنا لساعةِ الدنيا، ولا يكونُ للدموعِ آهاتٍ وحَسَراتٍ بل هزيمةٌ من دُنيانا.فبسبب خوفِنا تركنا بيوتَنا وحاراتِنا، قُرانا ومدنَنا، وأمست كنائسُنا بلا أنشودة، واصواتُ أجراسِنا خرساء، وهلهولةُ العرسِ بُحَّت أصواتُها، كما لا زالت قبورنا تنشد مصلّيها فلا من مجيب، وربما كان الضياعُ كما قال تلميذا عمّاوس:"وهل كان قلبُنا ملتهباً بنا" (لو32:24). ولكن مهما كانت الحياةُ قاسيةً بمسيرتِها ستبقى أرجلُنا تحرثُ أرضَنا وتزرعُ الرجاءَ والأملَ في حقولِ قلوبِنا، وسنبقى ننتظر حصاد الحقيقة بثمارٍ تعلنُ أزمنةَ التاريخ ومسيرةَ الحضارة، وسنبني قُرانا وكنائسَنا، وستبقى أجراسُنا تدقُّ وتُنشدُ "المجدُ للهِ في العلى...".

صراعات مذهبية
أيامُنا قاسية، فقد غرقنا في صراعاتٍ مذهبية وقومية وطائفية، بل أكثر من ذلك صراعاتٍ عشائرية وقَبَلية ومحلية وحتى وظيفية، ولا يجوز أبداً أنْ نموتَ ساكتين، أو أن نصمتَ صمتاً مخيفاً ومريباً أو أنْ نرحلَ خوفاً، فالمسيح السيد المولود يقول لنا:"أنا معكم حتى انقضاء الدهر" (متى 20:28). وأملُنا بحكَّامِنا المخلصين، وبرؤساءِنا الأمناء والأوفياء على رعايتِنا، بل أكثر من ذلك أملُنا في الذي أحبَّنا حتى الموت بأنه يكون معنا. فالأيام أيام الشهادة والحقيقة وليست أيام الكذب والتزوير،  والفساد ، والمصلحة ، والعمومية ، والعشائرية،  والطائفية المقيتة. كما أن الكثيرون يقولون لنا كلاماً جميلاً وطيباً ومعسولاً، وكثيرون يفتحون لنا أبوابَ بلدانِهِم وما ذلك إلا علاماتٌ إنسانية، ولكن لا يكفينا قولاً بل ما نحتاجه هو، نحتاج قانوناً يحكم لنا بحقوقِنا، ويفعّلون ما في نيّاتِهِم أقوالاً كي تحمل دستوراً وطنياً يحمي الترابَ والوطنَ والمواطن دون النظر إلى الديانة والأقلية والأغلبية.

تقسيمات شعبنا
أيامُنا قاسية، فلا مكانة لنا من الإعراب في مسيرةِ الوطن، والأغلبية شيعية مسلمة وأخرى سُنيّة مسلمة، والثالثة كردية سُنيّة وفيلية ثم التركمانية والشبك، ثم نحن المكوِّنات. ومن المؤسف هذه تقسيماتُ شعبِنا، فأين محلُّنا نحن وهذا إقرارُ التاريخ ومسيرةُ الأيام وليس إقرارَ أشخاصٍ. وكأنه مخطط إبادتِنا، وما أكبره وما أقساه. والتاريخُ مليءٌ بالمؤامرات وإنْ كان التاريخُ نفسُهُ ليس مؤامرة بل حواراً وتعايشاً. فهم يبغون اليومَ اقتلاعَ جذورِ المسيحية من الشرق باضطهادِ مؤمنينا علناً أو خفيةً، باشكالٍ مختلفة ، ولكن لنعلم أنه مهما كانت الصِعاب ومهما زاد الظلمُ والإضطهاد ستبقى المسيحية تبني جسورَ الحوارِ في كسرِ حواجزِ الإختلاف. وهذا ما يدعونا إلى عدم الهرب من الشرِّ والألم بل أنْ نقاومَ هبوبَ العواصفَ وأمطارَ الشتاء وسيولَ المياه ورياحَ الإضطهاد، وإطلاقةَ الحقد والكراهية، فلا نقبل أنْ نَفنى ونموت، فإمّا أنْ نوجدَ كشعبٍ أصيل وإلاّ فلا حقيقة في مسيرة الزمن لأنَّ معركَتَنا ليست مع اللحمِ والدم بل مع الأرواحِ الشريرة (متى 17:16).

لسنا هنا للبكاء
مهما تكن أيامنا قاسية فهي تدعونا إلى أن نغيّرَ ونعبرَ إلى الحافةِ الأخرى من جحودِ الإيمان وإيمان العاطفة إلى إيمانٍ نابعٍ من دماءِ الشهداء، فكانوا أوفياءَ لنكون نحن أمناء، ونحمل مسيحيَّتَنا ليس على أفواهِنا بل في عيشِنا عمقَ رسالةِ عماذِنا. ومسيحيتُنا ليست أنشودةً وتنتهي بل رسالة سامية تُنشدُ "قد حلَّ الولدُ المطلوب، ضمنَ المذودِ فوقَ التبنِ". فنحن لسنا هنا للبكاء رغم الأيام الظلامية والجاهلية، ونحن لسنا خرافاً بل نحن ضميرُ الشرق، ، نحملُهُ في مسيرةِ حياتِنا، ، في طريق الحضارة والثقافة والبناء. فنحن لا نموت، لأننا في  شرقِنا لنا رسالة، إنها رسالةُ الحوار والمحبة.

الخاتمة
   نعم ونعم، أيامُنا قاسية، ومع هذا فالميلاد آتٍ ، إنه يسكن بيننا، في ولادته يثمر  الرجاءٍ ويزهر الأمل ، حلَّ بيننا لأنه أحبَّنا، وفيه تمَّ ملءُ الزمان ، وليس زمانَ الأيام والساعات فقط، ولكن بمولدِهِ كانت حقيقةُ الخلاص، واكتمل مخططُ الله فهو هو أمس واليوم وإلى الأبد (عبر8:13 ). نعم، سنبقى نحملُ رسالةَ الخير والسلام والغفران، وسنبقى نُنشد مع الملائكة "المجدُ للهِ في العلى، وعلى الأرضِ السلام، وفي الناس المسرَّة الصالحة".فمهما كانت ايامنا قاسية سيبقى الرجاء وافرا في مسيرتنا ومالئاً قلوبَنا كي لا نخاف ، إنه الرجاء ،إنه الميلاد ، إنه تجديدٌ لأيماننا  ولمسيحيتنا ، فالنبي اشعيا يقول " أَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّئاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ ( اشعيا 6:9). هذه هي الحقيقة تنشدها سماء الحياة ويبقى الوطنُ شاهداً لها . وما أجمَلَها فقد كتبناها بدمائِنا شهادةً بل إعلاناً. وعِبْرَ تربةِ وطنِنا نعلنُ عماذَنا ومسيرةَ إيمانِنا... نُعلنُ حبَّنا الموعودَ، وبكلماتِ إنجيلِنا نُعلنُ وَسْمَ حقيقتِنا... إنها حقيقةُ المحبة. فما نحتاجه أنْ نعزّزَ علاقاتِنا، ونثبِّتَ حقوقَنا في دستورِنا أولاً، ثم لا يجوز أنْ نهدأَ أو نسكتَ أو تُرهِقنا الحياةُ فالواجبُ أهم من أن نبقى نطرقَ أبوابَ الداعين من الأوطان. وما علينا إلا توحيدَ كلمتِنا ومبدأَ مسيرتِنا وهدفَ غايتِنا ورسالتِنا، وما ذلك إلا لأجل أجيالِنا كي لا نكون مهمَّشين أو منسيِّين.فإيمانُنا ليس إلا بولادةٍ طفلٍ إسمه يسوع المسيح الحي ،. فكل يوم ، هو ميلاد، وكل يوم ، هو تاريخ ومسيرة، وكلُّ يوم ، رسالة تنمو وتزدهر،  في عقولِنا وأفكارِنا. وليبارك صاحب العيد بلدنا وشعبنا وليحل السلام والامان في ربوع ديارنا من أجل عودة  مهجرينا الى ديارهم نعم وامين . نعم ولد المسيح هاليلويا .





65
بمناسبة حلول عيد الملاد المجيد
إنتظرتُكَ ... أنتَ الرجاء
المونسنيور د. بيوس قاشا
   انتظرتُكَ
   ومللتُ الانتظار
   سئمتُ ... وسألتُ
   بحثتُ عنك...
   في بيوت الأقوياء ... فافترسوني
   في عقول العلماء ... فأصابوني بسهامهم
   في خطب الكبار ... فأخرسني كلامهم
   في مجالس الاقدار ...فهمشوا حقيقتي .. بل وجودي
   بحثتُ وبحثتُ ... فقادني النجم
   إلى كهف صغير ... مغارةٍ لرعاةٍ
   أبرياء .. بسطاء
   هناك وجدتُك ...
   في مذود حقير ...
   في برد وثلج ...
   بين رجل وعذراء...
   بين دفئ الثور والحمار...
   ما هذا الإله ... هل فيه سأجد الرجاء؟
   سألتُ الضيوف الرعاة
   مَن أنتَ؟ ... عن مَن أفتش؟
   أنا الفقير ... الضعيف ...
   عن وليد السماء ..
   فكان الجواب من ملاك
   ترتيلةً ... انشودةً
   مجداً وسلاما وصلاحاً..
   حينها أدركتُ حقيقة المجيء
   ارتعشتُ ... وسجدتُ
   وكررتُ سؤالي ... أفي هذا المشهد رجائي؟
   للعالم الجائع إلى قول الحقيقة؟
   للتائه في صحراء الدنيا والزمن؟
   للحق الذي افترسه الفاسدون؟
   للكبار الذين باعوا ضمائرهم؟
   للإنسان الناكر صراخ الفقراء ؟
   صرختُ عالياً ... وسُمع صراخي
   في الرامة ... بيت لحم ..
   في بيت ساحور ... وأورشليم
   في بلدي ... وحارتي
   يا طفلاً ... يا مضجعاً في مذود
   يا حَمَلاً ... يا صامتاً ومطيعاً
   هكذا أدركتُ
   أنتَ الرجاء ...
   أنتَ الرجاء الذي أختار الصليب
   أنتَ الخاطئ الذي سجد ليوحنا
   أنتَ الحي الذي وُضع في قبر
   أنتَ الاله  الذي لا يموت
   أنتَ الحياة ... انت ستغلب العالم
   لقدغزوتَ نفسي ... وسرتَ معي
   فلا أعلم أراكَ اليوم
   تشبهني  أم أشبهك.. وأسأل
   هل انا صورتك .. هكذا خلقتني
   هل أنتَ اليوم فرحي ... ووجودي
   هل أنتَ اليوم إسمي ... وإيماني
   هل أنتَ اليوم دنياي ... وزماني
   هل أنت اليوم دعوتي ...وقداستي
    نعم ...أنت كل شيء لي...
    نعم انتظرتُكَ ... حينها سمعتُ المنادي ينادي
   ما أجمل الانتظار في الرجاء
    لعالم الفقراء .. البؤساء ..
    فهم الحقيقة والدعاء ...
   همُ الدليل والعذراء
   نحو المغارة  نحو السماء
   ما أبهاكَ ياطفل البؤساء 
   رضيع أنتَ ...بل ملؤه رجاء
   انتظرتك يا طفلنا ..
   للعالم رجاء ...
   وسأعلن الحقيقة..
   مهما كانت الدنيا حمقاء
   فأنا شاهد لها ...وأعلنُ
   أنت ربي .. ورب السماء ...
   انت ربي... أنت الرجاء
   نعم إنتظرتك ...
   وما أقدسه وما أقدسكَ...
   نعم ونعم ونعم وأمين
 
 
 

66
يا مسيحيينا ... كفانا بكاءً ودموعاً

المونسنيور د. بيوس قاشا
في البدء
   عالمنا، عالم واقعه بلبلة متواصلة. فالإضطرابات تتعاقب والمآسي هي من صميم التاريخ البشري، والفكر الداعشي لا زال يعمل في قلوب الإرهابيين، والأغلبية السائدة لا زالت تعمل لإلغاء الأقلية بمكوناتها الأصيلة، والطائفية تتقمّص أدوارها في مسيرة الحياة في إلغاء الآخر... وهذه كلها تتراكم علينا وتخنقنا وأخرى مثلها. ففي عالم كهذا قد نشعر نحن المسيحيون أننا معزولون ويائسون، وإننا نكتب تاريخ محو وجودنا.
مستوى المشاركة
وفي شرقنا الجريح ، عانى المسيحيون في كل الأزمنة ، من أشكال عديدة من التمييز من قِبَل الحكومات ومن قِبَل كبار الزمن وحسب ما يحلو لهم، ومن الدساتير ومستواها القانوني، أو على مستوى المشاركة في الحكومات والأنظمة السائدة، أو التمثيل، أو المناصب السياسية لجهة أو لأخرى، كما هم أقلّ حظاً في نيل حقوقهم عبر مجالات الحريات الدينية أو الوظيفية أو الدستورية، فما عليهم إلا أن يكونوا في درجات أدنى في المجتمعات من المختلف عنهم دينياً وقومياً وأقلية وأغلبية وما شاكل ذلك.
محاولات بائسة
نعم، لقد كان المسيحيون أبناء المنطقة وأصلاء الثقافة والحضارة والتاريخ، كما كانوا دُعاة حرية وتحرر ونهضة وتنوير، وعُرف عنهم إخلاصهم لوطنهم وحبّهم لتربتهم ومناصرين لوحدة أوطانهم في دولهم ومجتمعاتهم، ومساهمين أساسيين في البنيان والثقافة وتطوير المجتمعات اقتصادياً وحضارياً وعلمياً.ورغم هذا كله ، هناك محاولات هنا وهناك تقلّل وتغيّب وجودهم وما ذلك إلا محاولات بائسة ويائسة تقوم بها جهات متطرفة تدّعي أنها الأغلبية فتتعامل بالطائفية من أجل إقصاء الأقلية، والنظر إليها نظرات ثانوية وربما أحياناً يحسبونهم جيوباً وبقايا للإستعمار البائس أو جاليات وافدة إلى مشرقنا، والحقيقة عكس ذلك تماماً فالمسيحيون ليسوا هؤلاء بل هم أهل حضارة مشرقنا وثقافته وتراثه، وأكثر من ذلك حقيقته ووجوده. ووجود المسيحية لا يقبل المقايضة أو القسمة أو الانتقاص والمساومة فهم كما يقول التاريخ،  إن تاريخ المسيحيين ما هو إلا صفحات ناصعة من تاريخ هذه المنطقة، حملوا استقلال بلدانهم على أكتافهم، وبناء أوطانهم في عقولهم، فكانوا مواطنين، بل مواطنين أصلاء ليس إلا...!!.
تدمير الاخر
وأمام ظاهرة صعود الإسلام السياسي في بعض دول مشرقنا ومجتمعاتنا العربية بدت هذه المجتمعات أقل تسامحاً حيال بعض مكوناتها خصوصاً في ظل خطابات مدمِّرة وقاتلة، وانتشار تفسيرات لقراءات متطرفة وشاذّة لتعاليم الدين الإسلامي، بالإضافة إلى تفشّي بين العديد من الأصوليين ، مظاهر الإقصاء والتكفير وتدمير الآخر المختلف ، ومنعه من ممارسة حقوقه وجعله من المنبوذين في هذه المجتمعات، فيبقى الإرهاب هو السبيل، والجزية هي المسار، والهزيمة هي الحل... أليس كذلك؟.ومع هذا يجب علينا نحن المسيحيين أن نميّز بين هذه الحركات التكفيرية والتهجيرية والجزيوية وعدم وضعها في سلّة واحدة مع المعتدلين والذين يفتشون ويقرّون بالمواطنة الحقيقية وليس المواطنة التابعة لإرادة الأغلبية، فما تلك إلا تيارات تكفيرية وإلغائية للآخر وتدمير حقوقهم في سلب حرياتهم ومحو وجودهم، وما على الإسلام المعتدل إلا أن يحارب بجدية تلك تيارات التطرف والتكفير ليس إلا...!!.
البابا فرنسيس
من المؤكد أننا سنبقى في دوامة كان لها بداية ولن يكون لها نهاية إذا كانت مسيرة الزمن تقودنا إلى إقصاء الآخر المختلف، وإلى تكفير المختلف عقيدةً وإيماناً، وسيأتي يوماً نراه أم لا فتلك مشيئة الله. ستفرغ أوطاننا من وجودنا بسبب المختلف عنّا، وسنبيع ترابنا وأرضنا ومياهنا إن لم نكن نغادرها ونتركها لأناس أرادوا بإيمانهم أن يمحوا وجودنا ورسالتنا، وفي ذلك يتحقق قول البابا فرنسيس "إذا ما فرغ الشرق الأوسط من المسيحيين فلن يبقى شرقاً أوسطاً" (لقاء أسيزي للسلام مع بطاركة الشرق؛ 7 تموز 2018)، بل أقولها شرقاً إسلامياً وربما (إسلاموياً)، وما تلك إلا نبوءة وهي الحقيقة بالذات ليس إلا...!!.
تثبيت مسيحيينا
ما نحتاج إليه ومع كل التقدير وآيات الشكر والإمتنان للجهود التي تبذلها أطراف عديدة رسمية كانت أو إنسانية أو دولية بمنظماتها العديدة في المجتمع الدولي والتي تقوم بإعمار ما خرّبه المجرمون وما دمّره الإرهاب، وبتقديم القوت الدنيوي والعون الإنساني لمئات بل لألوف النازحين واللاجئين والمشرّدين، فكل هذا وذاك جميل جداً بل واجب وحقيقة إنسانية ولكن الأولوية تكمن في نقطتين ولا أكثر من ذلك: ففي الأولى يجب أن نعمل كل ما في وسعنا لتثبيت مسيحيينا في أوطانهم الأصيلة والأصلية عبر توفير حسّ الإيمان للثبات في أرضهم وتقويتهم وتشجيعهم على حمل الشهادة في مواجهة المخاطر وإن كانت التحديات تعترضهم. كما على دول المنطقة والدول الغنيّة أن تعمل عبر حكوماتها ومجتمعاتها ومنظماتها من أجل الحفاظ على الوجود المسيحي وتعزيزه في الأيادي العاملة إذا ما أرادوا أن يحيا المسيحيون في مجتمعاتهم المختلفة الأديان والأعراق، وإلا هم أنفسهم يساهمون في إفراغ بلدان مشرقنا من مكوننا هذا. فبدل تسهيل هجرة المسيحيين والمكونات الأخرى لغايات سياسية مصلحية ديموغرافية ، فليكن الصدق والانسانية ولتكن الحقيقة والوطنية هما القاسم المشترك ، كي يكونا البرهان الأكيد في كلامهم وتصريحاتهم ،  وحقيقته في تثبيت المسيحيين في أرضهم ، وليس تهجيرهم لغايات،  نعم فالاولويه هي  في تثبيتهم  وليس في ترحيلهم.
   الختام
      ختاماً... إنني أجد نفسي في ضياع من الحقيقة الأصيلة، ومع هذا الضياع هناك رجاء " إِنْ كَانَ لَنَا فِي هذِهِ الْحَيَاةِ فَقَطْ رَجَاءٌ فِي الْمَسِيحِ، فَإِنَّنَا أَشْقَى جَمِيعِ النَّاسِ. (1كو 19:15) ولكن رجاؤنا في القيامة " حيث المسيح جالس عن يمين الله الاب" ( عبر 2:1-3 ) فهو يملأ مسيرة إيماني. فنحن جميعاً مدعوون لأن نبني أرضنا عبر طرق جيدة وإنْ كان الضباب يسيطر علينا أحياناً والقلق والتراخي، وإذا ما أصابنا ذلك فلنذكر ما قاله الرب يسوع "لا تخافوا"، إنها كلمة ثقة بل كلمة انتماء، فالله اختارنا هنا لنحمل رسالة الإنجيل وليس لنبكي ونولول ونذرف دموعاً على ما ضاع منا  وما حصل لنا وما حلّ بنا ، فلم يكن ذلك أغلى من الجمعة العظيمة، التي فيها حُكم على المسيح ، ففكروا أنّ الرسالة أنتهت وانتهى معها مسيحها ،  بل ليملأ الرجاء قلوبنا ، ولننظر إلى القيامة فنلتقي بالمسيح القائم ن إنه السيد الرب ، إنه ليس في القبر .. إنه الطريق والحق والحياة( يو 6:14) ، وهو كنزنا في السماء ( متى 20:6) ولنبدأ ببناء الحياة، بانتمائنا الى تربتنا وجرن عماذنا ، وكنائسنا ، فانتمائنا هو حقيقة وجودنا، كما هو حقيقة ايماننا .. نعم وآمين.


67
نعم ، كلنا مهاجَرون وشهداء وإنْ كنّا أحياء
   
المونسنيور د. بيوس قاشا
في البدء
نعم،.. هذا هو حالنا، فنحن اليوم وسط عالم ملؤه الكراهية، ويسوده العنف والحقد والطائفية،
 فضاعت كما تاهت فيه قِيَم الإنسانية بشهوة السيطرة على الأقلية وإذلالها عبر سبل الطائفية المقيتة والعشائرية المنبوذة والقبلية المتخلفة بتمييزها العرقي والديني والمذهبي من أجل قلع جذور الأصلاء والذهاب إلى طريق النزوح والهجرة والمغادرة نحو الغربة القاتلة في بلاد الغربة، متسلّحين بذرائع عديدة وحجج مختلفة، وهذا ما يزيد الحياة فساداً وتهميشاً، ويملك حب السلطة والابتزاز من أجل مصالح أنانية... وما تلك إلا مشيئة مسيَّسة.
زيارة حج
حالفني الحظ أن أقوم بزيارة حج ، نعم بزيارة حج إلى دير مار بهنام الشهيد المشيَّد في (القرن الرابع الميلادي حيث يرتبط بقصة الأمير الآشوري مار بهنام الذي أصبح مسيحيا مع أخته سارة وأربعين من اتباعه على يد مار متي ، فلما علم والده الملك سنحاريب بالأمر أمر بقتلهم جميعا. غير أنه ندم ندما شديدا على ذلك فاعتنق المسيحية ، وأمر ببناء الدير تكفيرا عن ذنبه.  فلقد تم بناء الكنيسة والدير في عهد شابور الثالث (383م-388م) ثم بهرام الرابع 388(م-399م) ويزدجر الاول (399م - 420م)  والدير يتربع في حضرة قرية الخضر، وهو شفيع باخديدا وسهل نينوى بامتياز، وكم كنتُ أتطلّع باشتياق إلى هذا الحج وهذه الزيارة، فالفارس بهنام شفيعنا وشفيع مدينتنا وسهلنا بأكمله،مسلمين ومسيحيين ،  وهي المرة الأولى التي أقوم فيها بالحج إليه بعد تحريره من داعش الإجرامي من قِبَل قوات جيشنا العراقي الباسل والحشد الشعبي والعشائري، وقد آلمني ما رأيتُ والدمار الذي أصابه بعد ما اقترفته أيادي الأثمة من تنظيم الدولة، فقد مَحَوا تاريخ الدير من أصوله وحضارته، ومسحوا صفحات تاريخه، ونهبوا ممتلكاته واستولوا على مقتنياته، والأنكى من ذلك أنهم أبادوا كل ما هو مسيحي وكل أثر يحمل علامات إيمان مؤمني المسيح الحي من صلبان وتماثيل وأيقونات مرمرية فدمّروه بفأس العار لا لشيء إلا لأنهم يحسبون أصحاب الإنجيل المقدس كفّاراً ومشركين، فهكذا يقول فكرهم البائس، فنالوا من قدسية الدير مبتغاهم، ولو سألناهم كم وكم من المرات ملأ الدير بطونهم وأتخم كروشهم بما أكلوه من خيراته وما شربوه من ينابيع مياهه فلا جواب لهم إلا إننا كفّار، ومع هذا فهم يحسبون كل شيء يقومون به حلالاً طاعة لإله تنظيمهم البائس،إنه دمار وموت وتهجير وتكفير وذبح وجزية وشهادة وأكثر من ذلك.نعم ، هذا ما خلّفه وراءه تنظيم الدولة الإسلامية، ومما زاد في نهجه التدميري،  انه أنشأ صراعات طائفية، وسيَّس الدين وأولجه في قوالب القتل والدمار والذبح. فالمسلمون والمسيحيون حلال قتلهم إنْ لم يكونوا في طاعة الإرهاب في أي بلد عربي كان،بل في العالم باسره ،  وما هذا إلا ديدنهم. فلقد تمت التضحية بالإنسان وبحضارته وعلمه وبشعوب المنطقة في سبيل مصالح أجنبية وعمالة مربحة، فهذه السياسة المدمِّرة هي التي تسبّبت بقتلنا وتهجيرنا من بلادنا، وفي ذلك ما نحن إلا مشاريع استشهاد في سبيل الحقيقة وإن كنّا أحياء، وما جريمتنا ، إلا أن الأرض أرضنا ونحبها، إنها أرض آبائي وأجدادي، دُفنوا في ترابها، وجَبلوا ترابها بدماء رقابهم ضحايا، شهداء، فعُجنوا فيها كالخميرة وستبقى( متى 6   ) ، ومهما كان زمن الإرهاب طويلاً ستبقى أرض أرضنا ، وبدوننا ستعود الأرض صحراء قاحلة لا نَفَس فيها ولا حياة، كما ستبقى أسواقاً للجاهلية والتخلّف والارهاب .
هجرة وضياع
أكيد إن الأحوال اليائسة التي نحياها جعلت مكوِّننا الأصيل يفكر في الهجرة والضياع بسبب ما يعانيه من الأمان الهشّ وسرقة ممتلكاته وأراضيه. إنهم يريدوننا أن نكون لهم عبيداً. إنهم يريدون أن يستملكوا عقاراتنا، أراضينا، بيوتنا، مدّعين أن ذلك ما هو إلا غنائم حصلوا عليها عبر إجرامهم البائس. فنحن كفرة ولا يجوز أن نمكث ديار آبائنا قائلين "هذه ليست دياركم، اخرجوا ولا تبقوا في البلاد وإلا ستدفعون ثمن بقائكم شئتم أم أبيتم. فارحلوا"... إنها عبارات قيلت لكثيرين من الذين خطفتهم القاعدة بالأمس، واليوم تنظيمهم البائس.
البابا فرنسيس
في الثامن من تموز 2018، قال قداسة البابا فرنسيس خلال لقائه البابا تواضيروس (بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية)، قال:"لقد سادت في السنوات الأخيرة بمنطقة الشرق الأوسط حروب وظلم وعنف وهجرة إجبارية، وأمام كل هذا صمت الكثير وأصبح الشرق الأوسط مهدَّداً بهجرة المسيحيين منه. ولكن إذا افتقر الشرق الأوسط من المسيحيين لن يصبح شرقاً أوسط، وستتغير طبيعته ووجهه"... وما ذلك إلا صوت الحقيقة.
خارطة طريق
   أحبائي المسيحيين... تعالوا نرسم لنا خارطة طريق، فالمرحلة المقبلة تحمل لنا تحديات خطيرة بل مميتة. فوجودنا في امتحانٍ قاسٍ، ودورنا قد انحسر في بيوتنا، فكفانا تشتّتاً وانقساماً، وكفانا كلاماً وصراخاً، فالوطن وطننا ولا يمكن أن نسترجعه إذا ما اضعناه أو إذا ما طُردنا منه، فالحجّة اليوم هي للأقوى، ومع موت الوطن يموت الحوار المتبادَل ويعقبه موت العيش المشترك، وتنحسر فيه التعددية وتموت الاقلية، فيتحقق قول قداسة البابا فرنسيس إذ قال:"إذا افتقر الشرق الأوسط من المسيحيين لن يصبح شرقاً أوسطا، وستتغير طبيعته ووجهه"، والويل لنا إذا اضعنا أرضنا.
   مخططات ومغامرة
نعم، لندرك أن مخططات عديدة تترقبنا وهذه كلها ستحدد مصيرنا ومصير وجودنا في أرض أجدادنا، فما نحن إلا حملان لإبراهيم، ساعة يشاؤون علينا أن نكون لهم ومن أجلهم، فنحن أمام مخططاتهم عناصر معادية يجب القضاء عليها. كما نحن مدعوون إلى أن نخوض المغامرة وإن كان" الاضطهاد " ( متى 44:5     ) يلفّ المسيحيين في العالم وعلى مستويات عالية، فما علينا إلا أن نكافح من أجل البقاء. إننا نرى وطننا يتداعى، وما ذلك إلا وصمة عار على جبيننا كلنا، فنحن على شفير الهاوية، وعبثاً نحن نفتش عن شعبنا ونحن متنازِعون.وإنني متعجب، فلم أجد ولم أسمع ولم أحضر اجتماعات ومؤتمرات ومناشدات وبيانات وإعلانات وصراخات و... و... هذه السنين بقدر ما سمعته في  السنين السابقة التي كنّا فيها لا نحتاج إلى شيء، فكل شيء كان واضحاً، والمسيرة أوضح ومع هذا فالمخطط واضح وظاهر أمام الملأ ولكن ربما لا نريد ان نسمع وأن نرى والقافلة تسير نحو الضياع ، حتى ما ؟؟.
صوت صارخ 
فكونوا أمناء لكنيسة أمّنا، لأنكم أنتم رجاؤها... بالمسيح الذي هو رجاؤنا ، أنتم رسل المحبة بعيشكم القيم المسيحية المتجسدة في الخدمة المجانية من أجل نشر العدالة والسلام. فتعالوا نعود إلى جذور إيماننا، فإنني أقولها: إن إيماننا لا زال ربما سطحياً بل عاطفياً، لا ندرك كيف نحياه في مراحل مسيرتنا الصعبة، وفي الغالب يصيبنا الإحباط والملل بل ربما نقع في مسيرة ضياع تقودنا إلى الهجرة شئنا أم أبينا. واعلموا أن مشكلتنا لا تُحَلّ بالبكاء والعويل والرحيل، فالحياة لا تقاس بسندويج المساء ونعاس الليل، بل أن نكون صوتاً صارخاً متحدّين صوت المخططات السيء الصيت، وفي ذلك ندرك _ كما يقول الكاردينال البطريرك ساكو _ أن كنيسة اليوم هي غير كنيسة الأمس (كنيسة أيام زمان)، فنحن بحاجة إلى مواجهة تحديات جديدة من أجل معالجة ملائِمة وطروحات ينبغي التعامل معها.
موقف تاريخي
      وهنا اذكر ما قاله يوماً قداسة البابا شنودة الثالث مُظهراً موقفه التاريخي في مسيرة الكنيسة القبطية ألأرثوذكسية، قال:"إنْ كانت أمريكا ستحمي كنائس مصر فليَمُت الأقباط وتحيا مصر"، وجاءت هذه المقولة في إطار ما كان يشاع من محاولة تهجير المسيحيين في بلدان الشرق بدءاً بمصر ومروراً بالعراق وسوريا ولبنان.
   إن هذه المقولة علامة أكيدة أنْ لا أحد يحمي المسيحيين والمكوِّنات إلا المصالح والمخططات، وما أكثر الذين يعلنون عكس ذلك عبر البيانات والإعلانات والتصريحات والزيارات. وأما الحقيقة فهي غير ذلك لأن الأيام تظهرها لنا جلياً وتفسرها لنا مسيرة حياتنا، وأصبحنا لا نكترث بالمظاهر الخارجية المفعَمة أحياناً بالنفاق إنما نبتغي نفوساً صدقت في إيمانها، وجسّدت تعاليمها السماء، لأن مثل هذه المظاهر لا يمكن أن تخدعنا لفترة طويلة ولكنها تعجز عن خداع حقيقة الحياة. فما نحتاجه ليس فقط الصمت والسكون بل علينا أن نكسر حداد الصمت ونعلنها واضحاً وجلياً وبصوتٍ عالٍ كي تُعلَن شهادتنا لمسيرتنا ولإيماننا، فإذا خسر المسيحيون حضورهم وتأثيرهم في هذا الشرق فمن المؤكَّد أننا سنكون مع مَشْرِق متطرّف ومتعصّب، وتبقى الحروب ومآسيها جاثمة على صدورنا حتى تدفع بنا إلى الرحيل والهجرة والنزوح والشهادة والموت وفقدان الثقة. فلا يجوز أن نختبئ خلف هموم تافهة فنكون عملاء لغايات شريرة ومسيسة ، فيظيع وجودنا وتموت حقيقتنا.ولنملك رجاء الحياة بالمسيح الحي وان كنا نعيش ازمة رجاء فالواقع يرفض كل حقيقة ويعلن الفساد حقيقة، وهذا ما يجعل الإنسان تعيساً لأن رجاءه وُضِع في هذه الدنيا،  ليس إلا .
الختام
وختاما اقول ، ومع هذا أيها الإرهابيون، اعلموا أنّ الرب المسيح الحي أوصانا بكم وقال لنا "صلّوا لأجل أعدائكم وأحبوهم"(لوقا 6: 27-38) ، فنحن اليوم _ كما في الماضي _ نرفع صلاتنا إلى الإله الحق بالمسيح الحي لكي يمنحكم نعمة التوبة والندامة على أعمالكم الإجرامية. واعلموا جيداً _ أنتم وغيركم من الدواعش _ أن أجدادنا وآباءنا هم علّموا آباءكم وأجدادكم القراءة والكتابة والحساب، وترجموا لكم كتباً لتكون دليلاً لعلمكم البائس القاتل والمميت، وبنوا وأسّسوا لكم مدارس ومعاهد لكي تدركوا علم الحياة. ألبسوكم يوم كنتم عريانين، وطيّبوكم يوم كنتم مرضى في بيوتهم ومستشفياتهم، واسكنوكم حضارة الحياة عبر مساكن الراحة بدل خيم الصحراء، ووضعوكم في مسار التاريخ لتدركوا حقيقة الأثر حينما يُبنى السلام والتعايش، ولكنكم لم تفلحوا في ذلك شيئاً. علّموا أسنانكم أكل حنطة الحياة من أجل سنابل الحضارة والحوار، ولكنكم لا زلتم متعوّدين على افتراس البريء وسحق الحقيقة وقتل الضحية، ولكن اعلموا مهما ذبحتم، ومهما هدمتم منازل وكنائس وأديرة، وسرقتم أموالاً وممتلكات، وحرقتم بيوتاً، فنحن سنبقى نسير بقاماتٍ طوال، ونبقى نحرث أرضنا ونزرعها لتُنبت سنابل السلام بحبات الحوار، وعندما نكبر،  وتتعبون أنتم من حروبكم البائسة، وتفرغون عقولكم من حقدكم وكراهيتكم وتكفيركم وأعمالكم الإجرامية، ندعوكم ضيوفاً لتستظلّوا بظلّها. فالمسيحية شجرة باسقة تعطي ثمراً للجائع في أوانه وفي غيره (لوقا 43:6) ، كما هي ظلّ للمتعَب وحياة للمائت (  يو 25:11 ) . ونعلمكم إذا ما تبتم عن أعمالكم ورجعتم عن جرائمكم، تأكدوا أننا سنسامحكم ونقول لكم "إننا نحبكم" ( لو6: 27-38 ) ، فهكذا علّمنا إلهنا، المسيح الحي، الذي لا يموت.نعم هذه شهادتنا وهذا أستشهادنا ، نعم وامين .


   

68
البابا فرنسيس : إن جذور أنفسنا هي في الشرق الأوسط
المونسنيور د. بيوس قاشا
في البدء
في كلمة لقداسة البابا فرنسيس أمام رؤوساء وممثلي الكنائس الشرقية في الصلاة المسكونية
على نية السلام ووقف الحرب والعنف في منطقة الشرق الأوسط في مدينة باري بأسيزي الإيطالية( اسيزي 7 تموز 2018) قال قداسته"أذهاننا وقلوبنا موجَّهة نحو الشرق الأوسط، من هناك انتشر في العالم أجمع نور الإيمان".إنّ هذا التقليد هو كنز ينبغي علينا الحفاظ عليه بكامل قوانا لأن جذور نفوسنا هي في الشرق الأوسط، ولكن تكاتفت على هذه المنطقة ــ ولاسيما خلال السنوات الأخيرة ــ غيوم الظلام، حرب وعنف ودمار، إحتلال وأشكال من التطرف، هجرات قسرية وترك، وهذا كله في صمت العديد وتواطئ الكثيرين، فأصبح الشرق الأوسط أرض أشخاص يتركون أرضهم. وأضاف قداسته ايضا:  "نريد أن نعطي صوتاً لِمَن لا صوت له"، فالمسيحيون في الواقع هم نور العالم، ليس فقط عندما يكون كل ما يحيط بنا مشعّاً وإنما أيضاً في لحظات التاريخ المظلمة، فهم لا يستسلمون إزاء الظلام الذي يخيّم على كل شيء، ويغذّون فتيل الرجاء بزيت الصلاة والمحبة". ليحلّ السلام... إنها صرخة العديدين، هابيل اليوم، التي تصعد إلى عرش الله، ومن أجل هؤلاء لا يمكننا أن نسمح أن يقال بعد الآن في الشرق الأوسط كما في أي مكان آخر "أحارس أنا لأخي ؟".
ابواب مفتوحة
كما قالت منظمة بورت اوفيرت (أبواب مفتوحة)، وهي منظمة فرنسية غير حكومية مختصة في الدفاع عن الحرية الدينية للمسيحيين، في تقريرها لعام 2018 أن في عن خمسين دولة حيث يتعرض المسيحيون لاضطهاد وتهجير، فقد قالت: أن هناك 215 مليوناً مسيحياً يتعرضون للاضطهاد والتهجير حول العالم، وقد أتت عشر دول عربية ضمن المراتب العشرين الأولى في القائمة، وأحد الأسباب واضحة وجلية ألا وهي انتشار الأصولية والإسلاموفوبيا.
أصبحنا تائهين
   أمام هذا الاضطهاد والتهجير هناك أهواء سياسية عديدة لا زالت تقذفنا اليوم من شاطئ إلى آخر ومن بلد إلى آخر دون أن ندرك ماذا نريد وكيف نحصل على ما نريد وما غاية ما نريد. فَعِلْمُ السياسة والإعلام لم نَتقن حتى الآن فنونَه وقواعدَه ومطاليبه وأهدافَه وغاياتِه، فهو بحر قد غرقنا فيه منذ أعوام، ولا زلنا حتى الساعة لم نتعلم كيف نسيّر مركبَنا وإن كانت الرياح عاصفة، وإلى أي صوب نوجّه بوصلتنا. فما يحصل لنا ولوطننا قد أعمى حتى عيوننا، وأصبحنا تائهين في ساحات التاريخ لا ندرك أين نحن وإلى أين ماضون.. فهل نحن باقون أم ضائعون!!!؟.
   رسالة حوار
   إن الوجود المسيحي العريق والأصيل، ومبتغاه العيش المشترك والحوار المتبادل النزيه مع المسلمين، هو بحدّ ذاته رسالة. وما أراه هو المستَهدَف والذي يراد من قِبَل البعض بل من قِبَل الكثيرين أن ينتهي، ولكن الكنيسة الجامعة توصينا دائماً بمواصلة الحوار. ومهما كانت المسيرة قاسية، فعيشنا المشترك ما هو إلا رسالة حوار وقبول الآخر المختلف لإدراك ما هي القواسم المشتركة الكبيرة التي تجمعنا، لنكون علامة استقرار وازدهار في تحقيق العدالة، وهذه رسالة ملؤها الحيوية لأمن وسلام العالم، والنظر إلى الطموحات والتطلّعات في سبيل هذا العيش المشترك. فنحن مسيحيون ننظر إلى مبادرات قداسة البابا فرنسيس، والبابوات من قبله، ومواقفهم الإنسانية النبيلة والكبيرة والمسالِمة وهم ينادون بالتفكير الجدّي في حل النزاعات والمشكلات، وينظرون إلى التحديات التي تواجه منطقتنا بعين المحبة والإنسانية والتسامح على أساس احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان وقِيَم الإنسانية الرفيعة والمواطنة، وهذه أمور كلها تضمن الحرص على العيش المشترك وعلى أهمية الحفاظ على هذا العيش المشترك كنموذج يُحتذى به في المجتمعات ذات التنوع الديني والعرقي، وما ذلك إلا مباردات يمكن أن تُسهم في إرساء الحوار والتعاون لتكون الشراكة إنسانية وثقافية وحضارية بدلاً من أن تتحول إلى مستنقع للموت والتهجير والتكفير.
   طرق مختلفة
نعم، لا زالت المسيحية في شرقنا عامة وفي عراقنا الجريح خاصة أمام قصص مأسوية لا تنتهي، غريبة بواقعها ومخيفة بفحواها وجريمة بارتكابها، ولا زالت تهاجمنا وبطرق مختلفة كوارث متعددة من أجل النيل من وجودنا. فأزلام الموت ــ الإرهابيون ــ لا زالوا متأهبين دائماً بل مستعدين لتدميرنا وتكفيرنا، ولا زال الفكر الداعشي يريد قتلنا ويصبو إلى نهب أموالنا واستباحة خيراتنا، وما ذلك إلا من أجل محو إسمنا وطمر حضارتنا وإنهاء وجودنا وتغيير ديننا وإيماننا، وفي أرضٍ كانت لنا أصولاً وكنا نحن فيها أصلاء كما كنّا لها حضارةً وعلماً وتاريخاً.

اين نحن
أسأل نفسي: هل هو زمن الهزيمة، هزيمة القِيَم والأخلاق، هزيمة الصدق والحقيقة، أم هزيمة الحضارة والأصالة؟... إنها هزيمة في كل المجالات، هزيمة لتشويه وجودنا وسجلات أحوالنا ومسيرة تاريخنا ليكتبوها لنا دوماً هزيمة أبدية، وما تلك إلا مصيبة ابتُلينا بها واكتنفتنا حينما استولى داعش على أملاكنا، وهجَّرنا من بيوتنا، وسرق أملاكنا وحلالنا، ففي ذلك يعيدون التاريخ وسجّل آبائهم وأجدادهم والتي ارتكبوها بحق شعوبنا وآبائنا وأجدادنا،. وهذا ما يصفه المسيحيون بالاضطهاد، فتعلو أصواتهم "أن هذا البلد لم يَعُد لنا"، "لننفض غبار أرجلنا" (لوقا 5:9)، "علينا أن نهاجر إذ لم يبقَ لنا فيه خبزة نتقاسمها". فالمؤامرة جرفتنا بسيولها، وازدادت همومنا، وتاهت عقولنا في مستقبل مجهول، وما نحن إلا في مستنقع المستقبل المخيف.ما أراه: الدمار والألم والحقد هذه كلها تحوم حولنا، والكراهية تسجل محو وجودنا، والبغضاء في مسيرتنا تنتقل من شخص إلى آخر ومن حارة إلى أخرى ومن دار إلى دار، وازدادت المساحة فصارت من بلد إلى آخر، وأصبحنا مذهباً مكروهاً وديناً كافراً وأمّة لا حول لها ولا قوة، وشعباً يقاسي وحدة، وكل يدلو بدلوه لأمته فلا يجوز ابداً ولا نقبل أن نفنى ونموت لاننا في ذلك سنكون سبباً في ضياع إيماننا وفقدان مسيحيتنا، فتُقلَع جذورنا وتموت أصولنا في أرضٍ غنّينا لها أغانينا ورقصنا من أجلها. وان كان هناك هناك مخططات عديدة تتنازع مسيرتنا في أرضنا الأصيلة، وفي قلع اصولنا وجذورنا لشهوات سياسية ، وديموغرافيات مسيّسة ، لمصالح وغايات تكفيرية، وما رسالتنا الا ان نكون أمناء لايماننا واوفياء لمسيحيتنا فنكون مخلصين لانجيلنا في ان نكون عناصر حوار وتعايش مهما قست الينا الايام علينا ، فالمسيحية نور للعالم ولا يمكن كما لا يجوز ابداً ان ينطفئ هذا النور من شرقنا فلا تهزّكم العاصفة واعملوا على ان لا تغمر السيول والأمواج زورق مسيحيتكم وايمانكم  ، لأنّ إيمانكَم يأمر الهواء والسيول ، الرياح والأمواج بالهدوء والسكون ، عندئذٍ يختفي الخطر .لا تنسىوا أبداً أننا نحن أيضًا كالرسل نُبحِر على بحيرة هذا العالم ولا ينقص فيها لا الهواء ولا الرياح ولا العواصف ولا الأمراض ولا الصعوبات ولا الاضطهاد  بشتّى أنواعها . انها تجارب هذا العالم اليوميّة فهي تغمر سفينتنا كل يومٍ وفِي كُلِّ لحظةٍ ودقيقة .وربما نسأل من أين تأتي هذه الرياح والعواصف ؟ هذه الصعوبات والتجارب ، هل بسبب أن الرّب يسوع نائم او قد نسانا ام ماذا  ” ؟أقولُ لكم : لا ، لو لم يكن الرّب يسوع نائمًا فينا، لما خضعنا لهذه العواصف ، ولكن بإيماننا سننتصر وسنفرح وسنبقى في طمأنينة داخليّة وسعادة كبيرة ، لأنّ الرّب يسوع ساهرٌ معنا  ولا يتركنا  أبداً ، فهو الذي قال  : ” لا تخافوا ، هاءنذا معَكم طَوالَ الأيام إلى نهايةِ العالم ” ( متى ٢٨ : ٢٠ ) هذه هي جذورنا انها جذور ايماننا ، انها رسالة سامية نحملها في مسيرة الحياة ليس الا . نعم وامين 
الخاتمة
نعم كما أعلن قداسة البابا فرنسيس قد أمام المشاركين في لقاء حول الأزمة الإنسانية في سوريا والعراق في أيلول 2018ــ وبصوت يهدر
دون انقطاع، وبشجاعة ملؤها المحبة والغفران ــ "هناك خطر أن يُلغى الحضور المسيحي من تلك الأرض التي منها انتشر في العالم نور الإنجيل" ، فمن المؤكد ليس من السهولة مقاومة هبوب عواصف التكفير وسيول الاضطهاد، وهذا ما يجعلنا أمام أزمة ارهاب تطردنا من ديارنا، ومسيحيتنا لا زالت مجبولة بالمآسي. " إن اللامبالاة تقتل، ونريد أن نكون الصوت الذي يتعارض مع جريمة اللامبالاة. نريد أن نعطي صوتاً لِمَن لا صوت له وللباكين، لأن الشرق الأوسط اليوم يبكي ويتألم ويصمت فيما يدوسه آخرون بحثاً عن السلطة والمال" .لذا عملاً بنداء الكنيسة وبما يقوله قداسة البابا فرنسيس ، لا يجوز ابداً الاستسلام لظلمات العنف، ولنحافظ على شعلة الرجاء متّقدة بنعمة الله، ولننظر إلى المستقبل"... فأنا أؤمن أن الله يرى مآسينا، ويدرك تماماً كم هو" ثقيل صليبنا ومن المؤكد انه سيحمله معنا" (متى 32:27) ، ويسمع صراخنا، وينتبه إلى أنين أمّهاتنا وبكاء أطفالنا وحسرات شبابنا... " فهل سيأتي لينقذنا" (مرقس 4:35) !؟. وما هذا إلا صوت البابا فرنسيس والارشاد الرسولي لكنائس الشرق الاوسط ، صوت ابائنا ورؤوسائنا الاجلاء ، نعم وامين .

69
والشاهدُ على درب الحقيقة يروي قصةَ مسيرةِ الألم (6-4)
                                             
المونسنيور د. بيوس قاشا

في البدء
اقول يارب منك الرحمة لضحايانا وشهدائنا في عراقنا الجريح واسكنهم خدرك السماوي مع الابرار والصديقين نعم وامين .
ويسرني ان اسرد اليكم ما كتبته عام 2010 وبالتحديد يوم 31 تشرين الاول  وما الكارثة التي حلّت بالمسيحيين بل بالعراقيين جميعا ساعة تفجير كنيسة سيدة النجاة  وقد الفّتُ كتابا عن الكارثة ب 666 صفحة ومن الحجم الكبير واعطيته عنوانا  " مريم العذراء .. سيدة النجاة ، سيدة الشهداء ، سيدة الضحايا الابرياء " وقدمته بتاريخ الاربعاء  11 كانون الثاني 2012 الى قداسة البابا بندكتس السادس عشر في قاعة بولس السادس - بحضور سعادة  السفير البابوي المونسنيور جورجيو لينغوا لدى جمهورية العراق انذاك -  فقال لي قداسته حينها وهو يقلب صفحات الكتاب : يا ابانا انت شاهد للحقيقة فاجبته واية حقيقة  ؟ قال هذه ، مشيرا الى الكتاب وهو يقلّب صفحاته .
    اليكم يا احبائي وبناء على طلب العديد من القراء الكرام ولاظهار حقيقة  الحدث الاجرامي ، لنتصفح الكتاب،  ونقرأ سوية الصفحة الاولى ، وساقوم مساء كل يوم بنشر صفحة من صفحات الكتاب الستة تباعا، , ، ولكم الشكر . نعم وامي.

الصفحة الرابعة
الأربعاء، الثالث من تشرين الثاني2010
   إنه اليوم الثاني بعد تشييع ضحايا الكارثة...
   وبعد ليلٍ طويل من الألم والنزاع كما قال ربنا يسوع:"إن نفسي حزينة حتى الموت" (تمنت 867:90)... الحقيقة لم نكن نفكر يوماً أن الموت سيجابهنا بهذه القساوة، ولكن للرب شؤون... وفي وقت لا نعلمه (مكنم 98:98)... إبتدأ هذا الصباح بالذبيحة الإلهية بمناسبة صلاة اليوم الثاني التي أقيمت في الكنيسة نفسها... كنيسة مار يوسف للكلدان في خربندة... وقام بخدمة القداس كهنة وشمامسة قَدِمُوا لموآساتنا ومشاركتنا الألم، ومقاسمتنا مقياس الحزن الذي خيّم على كنيسة العراق عامة وعلى أبناء الأبرشية السريانية في بغداد خاصة... ويُشهَد هنا للأب بيوس عفاص الذي قاد جوق الشمامسة البغداديين والمصلاويين، في خدمة نافورة الذبيحة الإلهية.
   من جانب آخر، لا زال المؤمنون والمسؤولون وأصحاب المناصب والكراسي يترددون إلى كنيسة سيدة النجاة ليروا بأمّ أعينهم الفاجعة التي آلمت بكنيسة السريان، ويقيّموا مدى الحقد الذي يدخل قلوب الأشرار ليبيد كل شيء، ويقتل كل شيء، صالحاً كان أم طالحاً.
   كل شيء يبكي أمام الزوّار... جدران الكنيسة الملطَّخة بدماء الأبرياء... سقف الكنيسة المصبوغ بدماء المصلّين... مذبح الكنيسة، قدس الأقداس، الذي فيه فجّر الإرهابي نفسه فدنّسه بدمائه الفاسدة والمليئة بحقد الآخر الذي ليس من دينه أو مذهبه أو ليس تابعاً له... وهناك متطوعون كثيرون يلملمون ما خلّفته الهجمة الوحشة، ويُخرجون من الكنيسة آنيتها ومصطباتها ولوازمها لتضع محلاً جانباً... يا رب ما أقدس اسمكَ، وما أجمل أحباءكَ، وما أقوى شجاعة أبنائك... فلتكن مشيئتك (نتن 66:08).

الصفحة الخامسة
الخميس، الرابع من تشرين الثاني2010

   إنه اليوم الثالث والسابع كما يُسمّى في طقوسنا الشرقية ومسيرة شعبنا، حيث تحتفل الكنيسة بالذبيحة الإلهية بهذه المناسبة، ذاكرةً ضحايا كنيسة سيدة النجاة. وأيضاً أُقيمت الذبيحة في كنيسة مار يوسف للكلدان في خربندة... هيّأ للقداس كاتب هذا المقال، ثم ترأسه مطران الأبرشية، واشترك فيه العديد من الأخوة الكهنة، وبحضور أهالي وأبناء وأقرباء الضحايا. بعدها توجه الجميع إلى مدافن كنيسة سيدة النجاة التي تأخذ محلاً تحت مذبح الكنيسة (السرداب)، وهناك تُليت صلاة التشمشت والجناز، ورافقها وضع البخور... وهكذا طُويت الصفحة الأولى من الألم، ومع هذا لا يمكن لأحد أن ينسى ما حدث.
   والمؤلم في ذلك أن الجميع يتحدثون عن الرحيل وعدم البقاء، سائلين: لماذا البقاء في بلد لا يحمي شعبه وأبناءه؟... ما الذي عمله لنا الوطن؟... منذ سنين نحن نعاني الحروب والحصار والإحتلال، واليوم حلّت الكارثة... ومن جانب آخر أصوات الأحباء كثيرة، ارتفعت هنا وهناك، نحن معكم... سنحميكم... لا ترحلوا... فالبلد بدونكم لا يمكن أن يستمر... وكلام كثير هنا وهناك.
   واليوم ظهراً كان موعد وفد رؤساء الكنائس مع سعادة دولة رئيس الوزراء نوري كامل المالكي، ليشرح له ما حلّ بالأبرياء الذين ذهبوا ضحية الشر والإرهاب. ضمّ الوفد كل من: نيافة الكاردينال البطريرك عمانوئيل الثالث دلي بطريرك بابل على الكلدان، المطران متي متوكه مطران السريان الكاثوليك، المطران آفاك أسادوريان مطران الأرمن الأرثوذكس في العراق، المطران شليمون وردوني المعاون البطريركي الكلداني، الخورأسقف بيوس قاشا حيث كان الشاهد الأول والوحيد في ما حصل وما حملته المجزرة المخيفة، وكيف دخل مع الجنود وهم يقتحمون الكنيسة... إنها عناية ربانية... وقد روى للحاضرين كيف رأى عدّة رمانات ملقاة هنا وهناك، وكيف أن الإرهابي كان لا يزال دمه ينزف ساعة الإقتحام، وكيف أبعد عن المذبح المقدس (قدس الأقداس) قطع من جسم الإرهابي ووضعه جانباً بعيداً عن المذبح، وكيف رافق جنود الإطفاء والدفاع المدني وساعدهم في حمل حمّالة المرضى وإخراجهم إلى حيث سيارات الإسعاف، وكيف استطاع أن يُحصي الضحايا البريئة، وأخرى كثيرة.
   جاء ذلك خلال استقبال سيادته بمكتبه الرسمي اليوم وفداً من الطائفة المسيحية برئاسة الكاردينال مارعمانوئيل دلي رئيس الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في العراق والعالم... وقال رئيس الوزراء خلال اللقاء: أعزّيكم وأعزّي جميع العراقيين وأبناء شعبنا من الطائفة المسيحية ونعزي أنفسنا بهذا المصاب، ونحن نعتز كثيراً بأبناء الطائفة المسيحية ونبذل قصارى جهودنا لتوفير الحماية اللازمة للكنائس وجميع دور العبادة، ليعيشوا في وطنهم بأمان واستقرار ويساهموا في بنائه وإعماره والدفاع عنه، ومستعدون لتلبية جميع المطالب والإحتياجات التي تخص أبناء الطائفة المسيحية العزيزة. من جهته قال الكاردينال مار عمانوئيل دلي: نحن جزء من الشعب العراقي الأصيل، ونعيش مع جميع طوائفه متحابين ومتعاونين فيما بيننا، وإن الأعمال الإرهابية لن تنجح في إبعاد المسيحيين عن وطنهم، ومن واجبنا العمل في وطننا والتمسك به والمساهمة في بنائه وإعماره جنباً إلى جنب مع بقية أابناء الشعب العراقي .
    نعم، لابدّ من القول: فقبول التعازي لأيام الألم والحزن، حيث قصد العديد العديد... مسؤولين ومواطنين، مسلمين ومسيحيين وديانات أخرى، قاعة كاتدرائية مار يوسف للاتين (السنتر)، حيث قُبلت التعازي، ومن كل حدب وصوب... جمعيات... حركات سياسية واجتماعية... لجان... منظمات رجالية ونسائية... أفراد... وفود ومبعوثون... ولمدة ثلاثة أيام حضرها مطران وكهنة أبرشية السريان وأهالي الضحايا الذين بعض منهم قبلوا التعازي في بيوتهم الخاصة وفي قاعات أخرى لكنائس مختلفة... وفي قاعة السنتر، كانت التعزية مخصصة للأبوين ثائر عبدال ووسيم القس بطرس.

الصفحة السادسة
الجمعة، السابع من كانون الثاني2011

   تكريماً لشهجاء وضحايا سيدة النجاة الأبرياء، أقامت رعية مار يوسف في المنصور قداساً إحتفالياً احتفل به الخورأسقف بيوس قاشا وشارك فيه أبناء وأهالي الضحايا والشهداء. وقد ألقيت بالمناسبة عظة قيّمة عن العطاء ورسالة الشهداء وبذل الدم ورسالة الألم، شهادة لِمَا يحمله الإنسان من معاني المحبة.   وبعد القداس التقى خوري الرعية أهالي الشهداء في قاعة الكنيسة، وتبادلوا كلمات العزاء والمحبة وسموّ التضحية التي حملت شهدائنا إلى سماء الأبرار والقديسين. ختاماً الراحة الابدية أعطهم يارب ونورك الدائم فليشرق عليهم أمين .



70
والشاهدُ على درب الحقيقة يروي قصةَ مسيرةِ الألم (2)

                                             
المونسنيور د. بيوس قاشا
في البدء
اقول يارب منك الرحمة لضحايانا وشهدائنا في عراقنا الجريح واسكنهم خدرك السماوي مع الابرار والصديقين نعم وامين .
ويسرني ان اسرد اليكم ما كتبته عام 2010 وبالتحديد يوم 31 تشرين الاول  وما الكارثة التي حلّت بالمسيحيين بل بالعراقيين جميعا ساعة تفجير كنيسة سيدة النجاة  وقد الفّتُ كتابا عن الكارثة ب 666 صفحة ومن الحجم الكبير واعطيته عنوانا  " مريم العذراء .. سيدة النجاة ، سيدة الشهداء ، سيدة الضحايا الابرياء " وقدمته بتاريخ الاربعاء  11 كانون الثاني 2012 الى قداسة البابا بندكتس السادس عشر في قاعة بولس السادس - بحضور سعادة  السفير البابوي المونسنيور جورجيو لينغوا لدى جمهورية العراق انذاك -  فقال لي قداسته حينها وهو يقلب صفحات الكتاب : يا ابانا انت شاهد للحقيقة فاجبته واية حقيقة  ؟ قال هذه ، مشيرا الى الكتاب وهو يقلّب صفحاته .
    اليكم يا احبائي وبناء على طلب العديد من القراء الكرام ولاظهار حقيقة  الحدث الاجرامي ، لنتصفح الكتاب،  ونقرأ سوية الصفحة الاولى ، وساقوم مساء كل يوم بنشر صفحة من صفحات الكتاب الستة تباعا، , ، ولكم الشكر . نعم وامي.

الصفحة الثانية

الاثنين، الأول من تشرين الثاني2010

   بدا النهار عند إنبلاج فجره كئيباً... حزيناً... بل يتيماً... وأشرقت الشمس كعادتها ولكن لم تكن تلك الشمس التي تضحك أمام وجوه السائرين على طريق البسيطة... بل شمسٌ تحكي أشعتها عظمة الحزن الذي يلفّ كنائس العراق بعد حادثة كنيسة سيدة النجاة... أشعة تحكي خيوطها عظمة الحقد والكراهية اللتين يحملهما الأشرار، فكانت أشلاءً ودماءً بريئة... سُكبت دون إذن من أحد، ولعلّ في ذلك لرب السماء شؤون... أشعة إصطحبت معها خوف المسيحيين من الآتي، فأخذوا من بدء النهار يمشون الخطى ويفتشون عن مكان للرحيل... وأين ستقودهم عاصفة الأمس ليلاً؟... وإلى أين ستحملهم؟... فها هم أبواب السفر ينشدون... وملف الهجرة يكتبون رغم تطمينات ذوي الإرادة الصالحة ورجال المعابد ومسؤولي السلطة وهم يردّدون: هذه أوطانكم فلا ترحلوا... فنحن معكم. نعم، ما حلّ فينا حلّ في غيرنا، ولكن كارثتنا كانت صعبة الإدراك... قاسية القبول... مهجِّرة للشباب ومسجِّلة أنْ لا مكان للمسيحي في بلد الأعراب عامة وفي بلد الأموال خاصة.
   ومنذ باكرة الصباح... توافد كثيرون... وتقاطر عديدون... زرافاتٍ ووحداناً... جماعاتٍ وأفراداً، لزيارة ما حلّ وما حصل أمس، وراموا دخول بيت الله لرؤية الفاجعة... لقياس الكارثة... لمعرفة مَن ارتكب ذلك ولمن إرتكبها ولماذا إرتكبها... وللإطّلاع على دماء الأبرياء... كاهنان في عمر الربيع وأربعين طريحاً على أرض مقدسة حملوهم مساء البارحة إلى مشافي مختلفة ليسكنوا برادات تحت رحمة الجليد، وحوالي أربعين جريحاً آخرين نُقلوا إلى العناية في مستشفيات الكندي وأبن النفيس لعّل وعسى يكون العلاج سبباً منقذاً لحياتهم.
   نعم، كانت جدران الكنيسة ملطِّخة بدمائهم، فصبغوها بأحمر الفداء، كونهم هم الأبرياء... هنا وهناك وفي كل مكان تجد بقع دماء... صور لأيادي رُسمت على جدران الكنيسة... آثار ذلك الشهيد أو ذلك الجريح... فكانت كلمة وحقيقة أنْ مهما جارى الزمان، فإن الدماء بذار الحياة... وما المسيحية إلا حياة وفداء. نعم، الكل كان ينوح ويبكي، فبالأمس كانوا هنا والليل سرقتهم يد المنون، وأي منون شرير... فالموت أحياناً صديق الإنسان، أما موتٌ كهذا ما هو إلا شهادة وإستشهاد، إعلان وبيان... وهل الذين خطّطوا ورسموا ونفّذوا أدركوا أنهم بشر أم شرّ؟... هل أدركوا انهم  يقتلون بشراً أجمل خلائق الله أم يقدمون قرابين على مذبح الحقيقة، أم أن قلوبهم مليئة بالحقد والكراهية والشر حتى أمعنوا بأنيابهم في قتل الأبرياء من أجل مصالحهم وأنانياتهم ليأتوا بما يؤمنون به، بمبادئ أو بأشخاص، فيسود الجو كبرياءً مليئاً حقداً وأنانية؟؟... يا لهم من ذئاب خاطفة، وإنْ سَمُّوا أنفسهم حملاناً بيضاء، ولا يمكن أن يعيشوا مَن هم بأعينهم أشرار وهم أبرياء. إنها مذبحة مروّعة، هكذا أرادوها وهكذا نفّذوها... إنهم جبناء الزمن... فحتى الكبار يسجدون لمآربهم، وأصحاب السلاطين يُفسدون كلماتهم ومطالبهم... فماذا لو رُفضت أفكارهم ونياتهم!... ألا يكن ذلك درسٌ في القيم والإصلاح، في الإعتراف والندم، في التوبة وقبول الآخر... فالذئب ذئبٌ حتى لو عُلِّق في رقبته جرس المرعى وفارس "المرياع"، ومهما طال الزمان فلابدّ للسلاطين وأصحاب القرار أن يفهموا أن الأقداس ما هي إلا للقديسين، وإن الأشرار ما هم إلا أشرار، وإنْ جعلوا من أنفسهم حملاناً، ولغتهم هذه ما هي إلا لتشويه الحقيقة التي يجب أن نسمعها ولا نصدقها لندرك عظمة الغيرة والحقد والكراهية التي يملأون بها أوعيتهم العقلية والفكرية، وأن التوبة ما هي إلا مسيرة القداسة.
   فلماذا دماء الأبرياء تُسكَب بقلوب باردة... هكذا مرت قاسية ساعات ذلك النهار... وكم كان النهار طويلاً... وكم كان مساؤه قاسياً، بل كم كان ليله متعباً ومؤلماً وموجعاً رغم طوله، وبعد ساعات سواده... إنه يوم بين الذبيحة والوداع... يأخذ من الأول ليكون في الثالث وهو الثاني... ثلاثية في واحدة... ضحايا ودماء وفراق... أبرياء ودموع وشهداء. نعم، لقد كان النهار بليله أمسية لا ينسها التاريخ إلا ويكتب صفحاتها على ورق الزمن وسجلات المسيرة... وإلى الرب إستسلمتُ، وبين يديه أودعتُ روحي.


71
والشاهدُ على درب الحقيقة يروي قصةَ مسيرةِ الألم (3)

                                             
المونسنيور د. بيوس قاشا

في البدء
اقول يارب منك الرحمة لضحايانا وشهدائنا في عراقنا الجريح واسكنهم خدرك السماوي مع الابرار والصديقين نعم وامين .
ويسرني ان اسرد اليكم ما كتبته عام 2010 وبالتحديد يوم 31 تشرين الاول  وما الكارثة التي حلّت بالمسيحيين بل بالعراقيين جميعا ساعة تفجير كنيسة سيدة النجاة  وقد الفّتُ كتابا عن الكارثة ب 666 صفحة ومن الحجم الكبير واعطيته عنوانا  " مريم العذراء .. سيدة النجاة ، سيدة الشهداء ، سيدة الضحايا الابرياء " وقدمته بتاريخ الاربعاء  11 كانون الثاني 2012 الى قداسة البابا بندكتس السادس عشر في قاعة بولس السادس - بحضور سعادة  السفير البابوي المونسنيور جورجيو لينغوا لدى جمهورية العراق انذاك -  فقال لي قداسته حينها وهو يقلب صفحات الكتاب : يا ابانا انت شاهد للحقيقة فاجبته واية حقيقة  ؟ قال هذه ، مشيرا الى الكتاب وهو يقلّب صفحاته .
    اليكم يا احبائي وبناء على طلب العديد من القراء الكرام ولاظهار حقيقة  الحدث الاجرامي ، لنتصفح الكتاب،  ونقرأ سوية الصفحة الاولى ، وساقوم مساء كل يوم بنشر صفحة من صفحات الكتاب الستة تباعا، , ، ولكم الشكر . نعم وامي.


في البدء
الصفحة الثالثة

الثلاثاء، الثاني من تشرين الثاني2010

   يوم الوداع... يوم الرحيل... يوم الفراق... يوم التشييع... يوم الصلاة... يوم الضحايا الأبرياء... يوم سيدة النجاة... سيدة الشهداء... أمّ الشهداء... الكارثة كبيرة بحجمها... قاسية بحلولها... فظيعة بدمائها... والسؤال: لماذا، ولماذا، ولماذا كل هذا؟... قالها يوماً شهيدنا، بل شيخ الشهداء، المطران بولص فرج رحو وهو يؤبّن الأب الشهيد رغيد كنّي، الذي سبقه إلى الأبدية: لماذا قتل الأبرياء من شعب العراق مسلمين كانوا أم مسيحيين أم؟... لماذا قتل المسيحيين؟... إنهم أناس مسالمون... إنهم أناس المحبة... لماذا هذا الحقد؟... لماذا هذه الكراهية؟... لم يقترفوا شيئاً... هل الجريمة كانت كونهم مسيحيون، أم ماذا؟... من أجل مناصب وكراسي وزعامات أم ماذا؟... سالت دماؤهم دون أي سبب، بعد إحتجازهم نحو ثلاث ساعات... كانوا حينها في دعاء البسطاء إلى رب السماء في قداس المساء... لم يفكروا أبداً أن أيادي الأشرار ستصل إلى هذه الساعة الرهيبة... وإن أقدامهم ستدنّس تلك الأرض المقدسة (خروج 12:99) ، ولم يخلعوا حتى نعالهم (خروج 23:344)، كون الشرّ قد ملك فيهم أميراً قاتلاً شريراً، لا رحمة في دواخله، ولا حنان لجاره، ولا إحترام لإنسانيته... إنه وحش مفترس إنقضّ على فريسة، على حَمَل بريء، بل على حملان بريئة... وكان ما كان.
   واصلت الساعة مسيرتها لتقترب من الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، الثلاثاء، الثاني من تشرين الثاني عام 2010، إنها ساعة لا يمكن أن تُنسى... إنها ساعة الذاكرة... وها هي كنيسة مار يوسف للكلدان في خربندة قد امتلأت بالمشاركين... قصدوها من كل حدب وصوب ليحملوا النعوش، ويرفعوا الصلوات، وعيونهم تذرف الدموع حباً وألماً وسؤالاً... وأيضاً، لماذا؟... لماذا؟... لماذا؟... هل أذنبنا وأذنبوا ضحايانا بشيء؟... هل اقترفنا نحن وضحايانا جريمة لا سمح الله؟... لماذا كل هذا العِداء؟... لماذا كل هذا الدمار؟... لماذا كل هذا؟... وهكذا حتى حانت الساعة الرابعة عشرة ظهراً والنصف حتى أخذ العديد من المسؤولين والمندوبين والرؤساء الكنسيين أمكنتهم على مذبح الكنيسة، والشعب حول النعوش والجثامين، جالسين وراكعين وواقفين، كما كان قسم آخر في صالة الكنيسة.
   ودقت ساعة الصفر... وصلاة الرحيل والوداع... صلاة الجناز والبخور... وكل مرة كان يتقدم نعش، كان خوري التشييع يعلن بصوت ملئ آهاتٍ وحسرات: هوذا شهيد آخر يُحمَلُ إلينا فلنصفق... ليعلو التصفيق، فكنتَ تسمع صوتاً واحداً بنغمة واحدة، ترافقه دموع المحبة والألم، فاختلط الفرح والألم في الحاضرين... إنها دموع الألم... إنه تصفيق الفرح... فرح الشهادة.
   وحلّ خمسة عشر جثماناً... نعشاً... تتقدمها نعشان للأبوين الكاهنين ثائر ووسيم... صُفَّت أمام مذبح الرب لتزيّنها أكاليل وورود وأزاهير... وابتدأ خوري التشييع يعلن عن بداية صلاة ترأسها نيافة الكاردينال البطريرك عمانوئيل الثالث دلي بطريرك بابل على الكلدان، ومطارنة الكنائس الأجلاء وعدد كبير من الكهنة والرهبان والراهبات قَدِمُوا من العاصمة ومن شمال البلاد ومن موصل الحدباء... كما شاركت شخصيات سياسية وحزبية وجماهيرية... وابتدأت صلوات الجناز... وكانت هلاهل النسوة وتصفيق الحاضرين تقاطعها لتضع المصلّي في حيرة من أمره... فالحادثة، فاصلة في تاريخ المسيحية في بغداد، بل في العراق... ومسألة وجوده وبقائه مسألة وُضعت على المحك... بل وضعوها هم من أجل مآربهم. وبعد إكمال الصلوات الخاصة بالتجنيز والدفن والتشييع، إنبرى نيافة الكاردينال، وألقى كلمة قال وأكد فيها على القيم المسيحية الحقة، مبيّناً أن الإرهاب ليس من العراق، ومَن يقوم به يريد التفرقة بين المسيحيين والمسلمين في الوطن، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك لأننا السكان الأصليين لهذه الأرض. مطالباً إياهم بالتماسك وعدم ترك العراق، والوقوف بوجه مَن يريدوا زرع التفرقة والفتنة بين مسلمي ومسيحيي العراق، كما دعاهم أن يكونوا صفاً واحداً مع المسلمين.
   ثم كانت كلمة المطران متي متوكه الذي أكد أن هذه الجريمة نكراء، وإن الذين قاموا بها ما هم إلا أناس أشرار يريدون الشرّ بالأبرياء، ويحتقرون الناس. فقد قتلوا كاهنين هما الأب ثائر والأب وسيم مع اثنين وخمسين ضحية... لماذا كل هذا؟... وطلب في ختام كلمته الرحمة لشهداء الكنيسة.
   ثم قرأ المونسنيور يوأنس لحظي جيد مستشار السفارة الفاتيكانية في بغداد رسالة الأب الأقدس البابا بندكتس السادس عشر هذا نصّها:
   سيادة المطران أثناسيوس متي متوكه رئيس أساقفة بغداد للسريان الكاثوليك
   لقد تأثرتُ بشكل عميق عندما سمعتُ بالموت العنيف لكثير من المؤمنين وللأب ثائر سعد الله عبدال وللأب وسيم صبيح القس بطرس، ولهذا أرغب في هذه اللحظات، الخاصة بالصلاة الجنائزية، أن أكون حاضراً روحياً معكم. وأصلّي من أجل أن تشمل رحمة السيد المسيح جميع هؤلاء الأخوة والأخوات فيجدون مكان في بيت الآب القدوس.
   منذ سنوات والعنف غير المتوقف يضرب هذا البلد الحبيب مخلّفاً آلاماً، وقد أضحى المسيحيون هدفاً لهجمات وحشية، هجمات تعبّر عن احتقار الحياة، الحياة التي هي هبة من الله تعالى، لا يجب المساس بها. فنحن نريد بناء الثقة والتعايش الأخوي.
   وها أنا أجدّد ندائي، لكي تكون ذبيحة إخوتنا وأخواتنا هؤلاء بذوراً للسلام ولميلاد جديد، ولكي يقوم كل الأشخاص، ولكي يجد في ذوي الإرادة الحسنة من الذين يريدون المصالحة، الأخوّة، والحياة المشتركة القائمة على المساواة، قوةً لكي يصنعوا الخير.
   ولتصل إليكم جميعاً، إخوتي وأخواتي الأعزاء، بركتي الرسولية لتعضيدكم، وبصفة خاصة لجميع الأخوة والعائلات الذين يمرّون بهذه اللحظات المؤلمة.
   وبعدها كانت كلمة الأب يوأنس مستشار السفارة البابوية وهذا نصّها:
   كتب ديوجنِس (حوالي القرن الرابع) في إحدى رسائله عن "السرّ المسيحي" أن "لا وطن، ولا لغة، ولا لِباس، يُميّز المسيحيين عن سائر الناس. لا يقطنون مدناً خاصة بهم... يُجارون عادات البلاد في المأكل والملبس ونمط الحياة... يُقيم كلّ منهم في وطنه، إنّما كغريبٍ عابر. يتمّمون واجباتهم كمواطنين، ويتحمّلون كلّ الأعباء كغرباء. كلّ أرضٍ غريبة وطنٌ لهم، وكلُّ وطنٍ أرضٌ غريبة... إنهّم في الجسد، ولكنهم لا يَحيون حسبَ الجسد. يَصرفونَ العمرَ على الأرض، إلاّ إنّهم مِن مواطني السماء. يمتثلون للشرائع القائمة، إلاّ أنّ نمطَ حياتهم يسمو كمالاً على الشرائع. يتودّدون إلى الجميع، والجميع يضطهدونهم ويتنكّرون لهم ويحكمون عليهم، وبموتهم يربحون الحياة. إنهم فقراء، وبفقرهم يُغنونَ الكثيرين. يفتقرون إلى كلّ شيء، وكلُّ شيءٍ فائضٌ لديهم. يحتقرُهم الناس، وباحتقار الناس إياهم يتمجّدون... يشتمونهم فيبارِكون، يُهينونهم فيكَرِّمون. لا يعمَلون إلاّ الصَلاح، ويُعاقَبون كالسفلاء، وفي عِقابهم يتهلّلون، كأنهم يُولدون للحياة... (يضطهدهم الجميع)... وإن سألتَ مُبغضيهم عن السببِ، فلا يعلَمُون".
   إنها كلمات تلخص "السر المسيحي"، سر المحبة الكاملة للجميع، سر الحياة المسيحية التي تقوم على الإيمان بأن الشهيد، بحسب الإيمان المسيحي، ليس مَن يقتل الآخرين بل مَن يقدّم حياته لأجل خلاص الآخرين... ليس مَن يفجّر الأبرياء ولكن مَن يضحّي بحياته لإنقاذ كل حياة... ليس مَن يدافع عن إله كاذب، فالإله الحقيقي يدعو للمحبة ولا يحتاج إلى مَن يدافع عنه... الشهادة في المسيحية هي التشبّه بالسيد المسيح الذي قدّم ذاته ليخلص الجميع.
   لقد أكد قداسة البابا بالأمس أن السلام هو عطية إلهية ولكنه أيضاً ثمرة لمجهودات ولعمل ذوي الإرادة الحسنة، ولهذا يجب على الجميع تحمل مسئوليتهم ومسئولياتهم والتحرك السريع والمدروس لحماية كل دور العبادة، مسيحية وغير ومسيحية، وحماية الجماعات المسيحية المستهدفة. وقد أكد قداسة البابا أيضاً رفضه لهذا العمل الخسيس والحقير لاسيما وأنه استهدف مصلّين أبرياء لم يرفعوا قط أصواتهم ضد أحد ولم يحملوا قط سلاحاً في وجه أحد... كل ذنبهم أنهم "مسحيين"... كانوا يصلّون من أجل السلام والمصالحة... فويلٌ لأمة لا تستطيع حماية أبنائها الأبرياء.
   ولهذا فنحن نقدّم تعازينا القلبية لأهالي الشهداء ولكل أهل العراق الطيبين والمسالمين ولكل عراقي حُرّ ولكنيسة السريان الكاثوليك التي فقدت كمّ هائل من أبنائها الغاليين من آباء كهنة وشعب مسيحي... ونقدم عزاءنا لشهداء الشرطة ولرجال الأمن المخلصين.
   ونشكر جميع الذي اتّصلوا وقدّموا العزاء من الدول الصديقة وجميع مَن شرّفونا بحضورهم من المسئولين ومن الدبلوماسيين ومن أهل العراق الحزين.
   وليحفظ الرب العراق وجميع العراقيين. ثم قُرئت كلمة رؤساء الطوائف المسيحية في العراق. كما ألقى رئيس المجلس الإسلامي الأعلى السيد عمار الحكيم كلمة أشار فيها إلى الفاجعة الأليمة التي ألمّت بالوطن في هذا الحادث الأليم، فتحت جرحاً أليماً في نفوس كل العراقيين. وإن الحزن والألم والعزاء ليس للمسيحيين فقط بل لكل العراقيين. فهذا عزائنا جميعاً وألمنا جميعاً مسيحيين ومسلمين وصابئة وايزيديين وكل القوميات والديانات والمذاهب في العراق وكل مواطن بالعراق هم معزى في هذا اليوم. وأوضح أن هؤلاء الأبرياء استُهدفوا وهم يصلّون لله، فالإرهاب يقتل المسلم والمسيحي والصابئي والإيزيدي بظلم، فهؤلاء الإرهابيين الدين منهم براء. وأقول لهؤلاء المجرمين: مهما قتلتم فينا ونكلتم بأبناءنا واعتديتم على حرماتنا فذلك لن يزيدنا إلا إصراراً على إعمار وبناء هذا البلد. والمسيحيين ليسوا جزءاً طارئاً على هذا البلد وهذه الأمّة بل هم الشركاء الأساسيين للوطن وسوف ندافع عنهم وعن ممتلكاتهم وأعراضهم، وأقول لإخوتي وأعزائي المسيحيين أن الرسالة التي تقدمونها لهؤلاء الإرهابيين الظلاميين هي بقاؤكم وثباتكم وإصراركم على الثبات في هذا البلد الكريم.
   وقد أكد زعيم المجلس الإسلامي الأعلى عمار الحكيم خلال حفل التأبين لشهداء كنيسة سيدة النجاة في كنيسة مار يوسف ببغداد إن "الحزن على ضحايا الكنيسة ليس حزن العوائل المسيحية على عوائلها فقط بل هو حزن كل العراقيين, وإن ضحايا أبناء الشعب المسيحي هم ضحايا العراق كون المسيحيين ليسوا جزءاً طارئاً على العراق بل هم من أبناءه الأصلاء".
   ودعا الحكومة والقوات الأمنية إلى ضرورة التحقيق في ما حصل وتعويض العوائل, واعداً أبناء الشعب المسيحي في العراق بتحقيق الأمن لهم ولدور عبادتهم, مطالباً إياهم بالتماسك وعدم ترك العراق والوقوف بوجه مَن يريدون زرع التفرقة والفتنة بين مسلمي ومسيحيي العراق.
   ولفت إلى أنه "إذا كان ذوي الشهداء المسيحيين يعتقدون أنهم أصحاب العزاء فهم مخطئون, وإن كان المسيحيون في العراق يعتقدون أنهم أصحاب العزاء فهم مخطئون أيضاً, بل إنه عزاء العراقيين جميعاً, مسيحيون ومسلمون صابئة وإيزيديون من كل القوميات والديانات, وكل مواطن في العراق هو معزّى لما حصل لإخوته المسيحيين".
   وأشار إلى أن الضحايا الذين استُهدفوا كانوا يمارسون طقوسهم الدينية وهذا أبسط حق من حقوقهم, وكانوا يصلّون لربهم, وهي ظلامة أخرى للإرهابيين تضاف إلى ظلاماتهم, منادياً رب العالمين بالقول:"يا ربنا أنت شاهد على ظلاماتنا وتجد كيف أن المسلم والمسيحي والصابئي والايزيدي يتعرضون إلى القتل على أيدي الإرهابيين".
   وتابع الحكيم: إن الإرهاب الذي استهدف الأبرياء من المسيحيين العزّل لا دين له, وإنهم استهدفوا المسيحيين لإنسانيتهم, ولأنهم أرادوا الحياة في بلدهم العراق, وإن رسالتهم في تأدية طقوسهم هي رسالة الحياة.
   وبعث الحكيم برسالة إلى الإرهابيين من خلال كلمته قائلاً:"مهما فعلتم فينا، ومهما نكّلتم في أبناء شعبنا, ومهما اعتديتم على حرماتنا, فإن ذلك سوف لن يزيد العراقيين إلا إصراراً على الإعمار والبناء في العراق والبقاء فيه".
   ولفت زعيم المجلس الأعلى إلى أن المسيحيين ليسوا جزءاً طارئاً على العراق بل هم شركاء أساسيين في بناء العراق, وسوف ندافع عنهم وعن حرمتهم وعن أعراضهم وممتلكاتهم مهما كلف الأمر.
   ودعا المسيحيين في العراق إلى التمسك ببلدهم وثباتهم وتماسكهم وإصرارهم للبقاء في العراق ليكون ذلك شوكة في عين الإرهاب ومَن يريد زرع الفتنة بين أبناءه من الإسلام والمسيحيين, داعياً إلى تراصف الصفوف العراقية بكافة طوائفها وقومياتها ودياناتها, والتماسك ووضع اليد باليد من أجل العراق وشعب العراق وبناءه. ومن أجل الدفاع عن العراق والإعمار, ومن أجل أن ينطلق العراق إلى الأمام ليكون اسمه شامخاً في المنطقة والعالم. وطالب الحكيم بضرورة تعويض العوائل والعمل الجاد من قِبَل قوات الأجهزة الأمنية على توفير الحماية الكافية للكنائس ودور العبادة ولكل المسيحيين في العراق.
   بعدها ألقى الناطق الرسمي باسم الحكومة العراقية الدكتور علي الدباغ كلمة بالمناسبة الأليمة وقال: إن الحكومة تعمل جاهدة وستعمل أكثر على توفير الأمن والأمان لدور العبادة والكنائس وتوفير الحماية اللازمة وتعويض مَن تضرروا من جراء الإستهداف الغاشم على كنيسة سيدة النجاة، وإنها فتحت تحقيقاً في ما حصل ولن تتوانى في كشف الحقائق أمام الشعب العراقي والرأي العام في مثل هذه الجرائم. ودعا المسيحيين في العراق إلى تفهم الوضع وما يحصل، وأن لا يتأثروا بما يريد الإرهاب والمجرمين من وراء أفعالهم الإجرامية.
   كما عبّر الناطق باسم الحكومة عن أسف الحكومة الشديد لما حصل بحق المسيحيين الأبرياء العزّل وما طالهم من استهداف أثناء تأديتهم لمراسيمهم الدينية. وقال الدباغ:"إن الإرهابيين وبفعلتهم الشنيعة واستهدافهم لمواطنين عزل واعتقالهم واحتجازهم وقتل عدد منهم لن يمكنهم من زرع الفتنة والفرقة بين مسلمي العراق ومسيحييه. وإنهم لن يستطيعوا أن يحدثوا أي شرخ بين العراقيين بمختلف دياناتهم".
   وأضاف الدباغ: إن مسيحيي العراق هم أبناء العراق الأصلاء ولهم مثل ما لكل الطوائف والقوميات والديانات من حقوق، وإن العراق بلدهم ولن يتمكن أي مجرم أو إرهاب من إخراجهم منه، هم يحاولون بفعلتهم هذه أن يجعلوا المسيحيين يغادرون العراق، لكننا نعتقد أنهم لا يمكن أن يتركوا بلدهم الذي ولدوا وعاشوا فيه.
   ثم كان التبخير ورش ماء الحياة... ليُبرد أجسامَ الفتية في آتونهم... هو يمهد الطريق ليدخلوا ضحايانا باب السماء... ولتكن دماؤهم غفراناً لنا ولهم... ثم تُليت صلاة الختام.
   وكانت الخاتمة بتصفيق حار صعد كبخور إلى حيث رب السماء... وحُملت النعوش إلى مثواها الأخير... والعيون دامعة... والأكفّ مصفّقة... والبكاء علامة... إنها ساعة ما أصعبها وما أقساها، ولكن ما أحلاها حينما نكون في سعادة الله في الأبدية، كقول يسوع:"تعالوا إليّ يا مباركي أبي، رثوا المُلْكَ المُعَدّ لكم منذ إنشاء العالم". و"حيث أكون أنا تكونون أنتم" (يو 76:090). ونُقل جثمانا الكاهنين ثائر ووسيم الى كنيسة سيدة النجاة حيث أودعا مدفن الكهنة، أما الجثامين الأخرى فنقلت إلى المقبرة العامة .
وأُسدل الستار عن مشهد أليم، ليوم لا تنساه الذاكرة، وعن كارثة لم تكن في الحسبان ولم تخطر على بال... نعم، لقد كانت حالة فاصلة... بل حدثاً ولا أفجع.


72
والشاهدُ على درب الحقيقة يروي قصةَ مسيرةِ الألم

                                             
المونسنيور د. بيوس قاشا

في البدء
اقول يارب منك الرحمة لضحايانا وشهدائنا في عراقنا الجريح واسكنهم خدرك السماوي مع الابرار والصديقين نعم وامين .
ويسرني ان اسرد اليكم ما كتبته عام 2010 وبالتحديد يوم 31 تشرين الاول  وما الكارثة التي حلّت بالمسيحيين بل بالعراقيين جميعا ساعة تفجير كنيسة سيدة النجاة  وقد الفّتُ كتابا عن الكارثة ب 666 صفحة ومن الحجم الكبير واعطيته عنوانا  " مريم العذراء .. سيدة النجاة ، سيدة الشهداء ، سيدة الضحايا الابرياء " وقدمته بتاريخ الاربعاء  11 كانون الثاني 2012 الى قداسة البابا بندكتس السادس عشر في قاعة بولس السادس - بحضور سعادة  السفير البابوي المونسنيور جورجيو لينغوا لدى جمهورية العراق انذاك -  فقال لي قداسته حينها وهو يقلب صفحات الكتاب : يا ابانا انت شاهد للحقيقة فاجبته واية حقيقة  ؟ قال هذه ، مشيرا الى الكتاب وهو يقلّب صفحاته .
    اليكم يا احبائي وبناء على طلب العديد من القراء الكرام ولاظهار حقيقة  الحدث الاجرامي ، لنتصفح الكتاب،  ونقرأ سوية الصفحة الاولى ، وساقوم مساء كل يوم بنشر صفحة من صفحات الكتاب الستة تباعا، , ، ولكم الشكر . نعم وامين

الصفحة الأولى
مساء الأحد، الحادي والثلاثون من تشرين الأول2010 (وذاك الاحد طقسياً وسريانياً كان يُسمى أحد تقديس البيعة)
   صدمة كبيرة أبعدتني عن عالم الكتابة، ألا وهي نكبة مساء الأحد، الحادي والثلاثين من تشرين الأول الماضي... نكبة الهجوم على المصلّين في كنيسة سيدة النجاة... ومن حينها لم أستطع الكتابة حتى الساعة، ولم يرافقني يراعي في مسيرة الحدث، كما ولم أنبس ببنت شفة بسبب هول الفاجعة... إذ ما حصل لم يكن بالبال ولم يكن بالحسبان، كما ولم يكن يفكر كائناً مَن كان أن الإجرام سيصل إلى هذه الدرجة من العنف والبشاعة، وإنّ الذين خططوا له ونفّذوه ما هم إلا وحوش في غاية العِداء وفي غابة الإفتراس، أبرزوا عن أنيابهم من أجل مآرب دنيوية مصلحية شريرة، فحرقوا أجساداً بريئة، وقطعوا أيادٍ مرتفعة نحو ربّ السماء، مصلّية إليه ومبتهلة.
   مرّت الأيام، وإيماناً بعطاء الرب لنسمة الحياة لتواصل المسيرة كونه هو الحياة (يو4:1)، ها أنا ذا أعود إلى قلمي، وجدتُه يعاتبني إذ وجد نفسه ضائعاً _ بل مهمَلاً _ بين أوراقٍ ومسودّات وقصاصات، شاكياً حاله إلى عالم التاريخ. فاعتذرتُ وأدركتُ أن الحقيقة أحياناً تدعونا إلى الصمت والتأمل بالآتي، وقبول ما لم يكن بالحسبان أو حسب المشيئة من أجل الحياة... من أجل الحقيقة... هذا هو قول الرب:"قولوا الحق والحق يحرركم" (يو32:8)... وها أنا أعود خاضعاً ومطيعاً لرسالة القلم لأروي قليلاً من كثير عن نكبة الكنيسة وما حلّ فيها وفينا وعن المذبحة، وسقوط الضحايا وشر العنف القاتل، والعقل الشيطاني المخطط لهذه الفاجعة، والمارقين الذين قاموا بتكميل المخطط... والسؤال يبقى: لماذا هذا؟، لماذا بيت الصلاة؟، لماذا الأبرياء المصلّين؟، لماذا المؤمنين المسالمين؟، لماذا باعوا الإنسانية كأخوة يوسف، وكما قتل قائين أخاه؟... لماذا ولماذا؟ وتعددت اللماذات... كل هذا والأسئلة تطول... ومهما كتبتُ وصوّرتُ الفكرة، فلا من جوابٍ وافٍ، كما لا تسع الكتب صور الدماء البريئة، ولا يمكن إدراك سرّ تلك الضيقـة، فقـد أعـادني التاريخ إلى ما حصل في الجيل الثاني من القرن العشرين، يوم ساقوا كهنتنا ومؤمنينا إلى ساحات الإعدام، ونكلوا بهم أبشع التعذيب، وأخذوهم بحدّ السيف، ورموهم أمام أنياب الوحوش، وهدموا الكنائس ودنّسوا الأديرة، وسرقوا ونهبوا، وكل ذلك في فكرهم حلال بل أكثر من حلال، إنها الغنائم _ ولكن أبهذه الطريقة تُجمَع الغنائم _ بالحقيقة لم يُدركوا جيداً أنهم قد شوّهوا وجه الله الذي خلقهم على صورته كمثاله، وإنهم جعلوا من جنة عدن زريبة (حظيرة) للوحوش الضارية، وطارت أرواح الضحايا إلى حيث فردوس السماء.
   وها هي اليوم تتجدد الأحداث وتعاد المآسي في شرقنا، بل في عراقنا الجريح، وكأن التاريخ يعيد نفسه ولكن بأبشع من سابقاته، وعبر وحوش شطرنجية لغايات ومآرب لا يعلمها إلا راسموها ومخطّطوها... ولكن، "لا من خفي إلا سيظهر ولا مكتوم إلا سيُعلَن" (لو 2:12)... و"كل ما يقال في الخفية سيُعلَن على السطوح" (لو 3:12)، وربما فاعلوها هم أحفاد أولئك.
   ولنبدأ فنقول: بينما كنتُ أمنح البركة الختامية لأبناء رعيتي المشاركين في قداس مساء الأحد، قداس ختام شهر الوردية المقدسة، أُعلمتُ بقيام زمرة من الإرهابيين بدخول كنيسة سيدة النجاة في الكرادة عنوة، واقتادوا المصلّين في الكنيسة رهائنَ... منحتُ البركة، ورجوتُ المؤمنين بعدم الوقوف في ساحة الكنيسة وتبادل الأحاديث كون ذلك المساء كان مظلماً بل قاسياً، ودعوتهم إلى الإنصراف حالاً إلى بيوتهم بسلام الرب وحِرسِه، وركبتُ السيارة، وكنتُ أنهب الطريق نهباً، وتوجهتُ إلى حيث الحدث، ووصلتُ المكان بسرعة هائلة ولا أعلم كيف وصلتُ وكيف كان ذلك، وما لا أعلمه كيف استطعتُ عبور السيطرات وازدحام الطرق والحواجز،... نعم، لا أعلم... المهم إنني وجدتُ نفسي واقفاً أمام مدخل الكنيسة أتابع الحدث المأسوي المريع وكأنني أمام مشهد تراجيدي رُتِّبَ له مسبقاً، ويمثَّل أمام الملأ.
   بدأتُ بالاتصال مع الأبوين الضحايا عبر هاتف الحياة الدنيوية، يرنّ الهاتف ولا من مجيب، إلا مرة واحدة لم أسمع فيها إلا كلمة "هلو" من الأب وسيم... وانتهى كل شيء... فكان الإقتحام ودخول الكنيسة... ومعها كان الألم... وبعد لقائي لبعض الدقائق مع الأحياء الناجين الهلعين من هول الكارثة،ومنه الشماس فائق كساب وعائلته ، واخرين  والذين خلطوا دموعهم بأصواتهم "أبونا، أبونا"، دخلتُ صحن الكنيسة وكلّي إيماناً وأملاً بمشيئة الرب، ولكن الموبايل كان يزعجني بكثرة دقّاته وأسئلته عن الضحايا الذين سقطوا بسبب ناسفة ورمي رمّانات وإطلاق عيارات نارية، وبدأتُ أقلب الجثث، جثّة جثة، علّني أصل إلى جثث الكهنة.
   وبينما الجنود ينقلون الجرحى، بدأتُ أفتش الجثث وأقلبها لأتعرف عليها 1، 2، 3، 4، قلبتُ جثة وكانت منطرحة على وجهها، فوجدتُ الوجه ممخّضاً بدماء جامدة، وتمعّنتُ جيداً فلاحظتُ بطرشيل الغفران في رقبته، عندها أدركتُ أن الضحية هذه هو الأب وسيم حاضناً غفارته القصيرة، فقلبتُه على ظهره وطلبتُ من أحد الجنود مساعدتي في نقله إلى سيارة المحبة _ سيارة الإسعاف _ التي كانت في انتظار الجرحى والضحايا أمام بوابة الكنيسة. وواصلتُ مسيرة الجلجلة ثانية وهي مملوءة شجاعة إيمانية، ولكن كانت أصوات العسكر تناديني بالإنتباه وأخذ الحيطة والحذر حيث هناك أسلحة لم تنفجر بعد... وبعد برهة رأيتُ رمانتين غير منفجرتين، وطلبتُ من أحد العساكر معالجتها لكي أواصل أنا اكتشاف ثقل المسيرة، وصعدتُ درجة كرسي الإنجيل وصحن المذبح ، وقلبتُ جثة، ولم أصدق ما أرى... قلبتُها ثانية وثالثة، حينها تأكد لي أنه الأب ثائر بحلّته الكهنوتية _ حيث كانت الإطلاقة قد اخترقت رقبته من الجانب الأيسر _ وهو ممخَّض بالدماء، هو وحلّته، كان رأسه على الدرجة الصغيرة وجسمه ممدَّد عند الدرجة الاولى من قدس الاقداس في صحن مذبح الكنيسة، فطلبتُ نقله أيضاً إلى حيث سيارة الإسعاف... وكانت المأساة... صعدتُ درجة أخرى من درجات المذبح... جثة أخرى... إنها جثة رائد شقيق الأب ثائر... وهكذا أحصيتُ اثنتين وأربعين جثة ، ثم ثلاث جثث اخرى . حينها قفزت إلى فكري رؤية أعادتني إلى الماضي السحيق يوم استشهد مار بهنام وأخته سارة ورفاقه الأربعين.وما هي الا زمن يسير ويرن هاتفي  ابونا قلت له نعم من أنت ؟ قال انا ابونا يوانس( سكرتير السفارة البابوية انذاك )  لا يسمحوا لي بالدخول فقلت له اذا خرجت لا استطيع الدخول مرة اخرى . ثم رن مرة ثانية وهو نفسه ابونا يوانس ابونا اشلون ؟ قلت له سآتي اليك . واصطحبني احد العساكر من الداخل حتى الباب الرئيسي للكنيسة ، فناديته فقد كان واقفا عند الباب الحديدي الخارجي واقترب من باب الخشب الرئيس" والمفلش "  واستطعت ان اسحبه من يده واصطحبته  الى داخل الكنيسة ، ولم يعرفه العساكر انه كاهن لانه كان يرتدي قميصا ابيض وبنطلوناً اسود ،وقد تغيرت ملامح وجهه بسبب ما عانه من الممنوع من الدخول الى الكنيسة  ، نعم فكان معي وكانت كاميرة موبايله الشاهدة الاولى معنا على حقيقة الجريمة ، فوثقت بها كل الصور والمشاهد المؤلمة لضحايانا وشهدائنا وكنيستنا ودماءَهم التي سالت ولطخت جدرانها .
   وما هي إلا دقائق وهاهو سائق الإسعاف يخبرني أن المستشفى الأهلي لا يمكنها استقبال جثث الأبوين، مما حدا بي أن أطلب إليه نقلهما إلى مستشفى حكومي ليتسنّى لي في اليوم التالي نقلهما إلى المستشفى القريبة من الكنيسة الشهيدة، كون شهادة الوفاة لا تُنَظَّم إلا في مشفى تفجير أحزمة حكومي... وبينما أنا أتأمل ما حصل، وأجول هنا وهناك حيث قدس الأقداس الملطَّخ بدماء الإرهابي وجسده المقطَّع... إلى غرفة السكرستيا حيث سقط الجرحى والضحايا إلى المحيط حيث الجوانب ملطَّخة بدماء المصلّين الأبرياء الذين قُتلوا عبر العيارات النارية، والذين استُشهدوا بتفجير الإرهابيين لأحزمتهم الناسفة ورميهم للرمانات القاتلة... وبقيتُ أجول وأصول من ركن إلى آخر ومن زاوية إلى أخرى، ولم أكن أتخيّل ما الذي حصل ولماذا بهذه الصورة البشعة وفي أقدس مكان وزمان... وهل للرب شؤون في ذلك!!... يا رب لتكن مشيئتك.
   وهكذا واصلتُ التفتيش في كل ركن من أركان الكنيسة وزواياها ومساحة صحنها... أسأل عن سبب ارتكاب هذا العمل الإجرامي، لماذا هذه البشاعة؟ وأسئلة أخرى كثيرة أوقفت شعرات رأسي القصيرة مستقيمة ومتعجبة... وهل الذي حدث حقيقة أم لا زال خيالاً؟... لا، إنه واقعة أليمة أتى بها الشر والحقد ليس إلا.
   وبقيتُ على هذه الحال حتى الثانية بعد منتصف الليل، ثم قفلتُ راجعاً إلى حيث رعيتي في المنصور بعد أن رتّبتُ وضع الجنود والسهر على الكنيسة وحراسة الأبواب لحين اصل الى رعيتي واعود ثانية وهذا ما حصل حيث في تمام الساعة الثالثة والنصف فجرا عدت ادراجي الى حيث الكارثة رغم اوامر منع التجول انذاك فقد سمح الحراس لي بالمرور رغم ان ممنوع التجول كان ينتهي في تمام الخامسة ولعلمهم بالكارثة وما حصل .
   وأنا عائد إلى حيث يجب أن أكون، تأملتُ الحدث الذي أعادني إلى الماضي القريب، حيث كان المسيحيون أهدافاً لموجات من الهجمات على كنائسهم وأديرتهم وبيوتهم وأعمالهم وعليهم شخصياً، فقد قُتل المطران بولس فرج رحو، وذبحوا عدداً من الكهنة بدم بارد، وفُجّرت باصات الطلبة وهم في طريقهم لنهل العلم في الجامعات، وأرهبوا عوائل عديدة وقتلوا أغلب أفرادها بعد نهب وسلب وسرقة أموالهم ومجوهراتهم، وكل ذلك في عيونهم حلال حتى دماءهم... هكذا كانوا يقولون، ولا زالوا يقولون!!!.
   نعم، تلك الليلة المأسوية لم أغمض فيها جفنيّ ولا عينيّ، فالحدث يمرّ أمامي كمشهد تمثيلي رُتّبت له لغاية في نفس المشاهد. تخيّلتُ صور الضحايا وكيف فتك بهم الأشرار وسقطت أجسادهم البريئة إرباً إرباً هنا وهناك... رأيتُ الجرحى ممخَّضين بدمائهم... حالة الهلع والفزع والخوف لا توصَف... وكنتُ طوال الليل أرسم في مخيّلتي شراسة الحدث وعنف الإنسان، وكيف خلع صورته ولبس صورة المتوحش والكاسر ولم يبالي بالقيم والأعراف، حيث الدنيا جعلته ذئباً أمام حملان... بُرَكٌ من الدماء... أشلاء ملقاة ومبعثرة هنا وهناك... كتب مقدسة مدنَّسة بالدماء ومبعثرة... قربانٌ ملطَّخ بدماء الإرهاب... هيكل الرب قد دُنّس حيث فجّر الإرهابي نفسه وكأنه يكمل ما جاء على لسان عيسى الحي:"وما يعملونه فيكم، إنهم يقدمون قرباناً لله"... وما إن دقت الساعة الرابعة فجراً حتى غيّرتُ ملابسي وأكملتُ صلاتي وقصدتُ الكنيسة فجراً في الخامسة والنصف.
   إن ما حصل ما هو إلا شيء محزن ومؤلم وفاجعة وكارثة ومذبحة تلك التي حصلت... التاريخ لم يسجل مثل هذه الكارثة.... إنها أسوأ مذبحة في تاريخ المسيحيين العراقيين منذ الغزو والإحتلال الأمريكي للعراق... إنه حدث مأسوي. وربما هناك منظمات دولية معروفة تختفي وراء لافتات إنسانية، لكنها في الحقيقة تحاول إفراغ العراق من الطائفة المسيحية، والأسباب غير معروفة بالنسبة لنا.
   والحقيقة يجب أن تقال: إن الغزاة ومخططي الإرهاب ليسوا أبرياء من دمائنا ودماء سوانا، غير أن أبرز ما في المسألة أنهم ينظّمون القتل والإرهاب من بعيد ثم ينكفئون تاركين الفرق القاتلة والمميتة ومنظماتها لتُمضي فينا فتكاً وخراباً وتهجير كنائسنا الأصيلة في أرض الرافدين من أجل إبراز وجودها وديمومتها، لتحلّ محلّها وحسب مخططاتهم وإراداتهم الشريرة... نعم، أقولها "الأصيلة" كونهم اليوم يقولون عنها أنها شاخت في أيامها وعلينا تغييرها، وما هذا التعبير إلا لغة سخيفة لكسب بسطاء الشعب وأبرياء البلاد  فإمّا الخضوع لهذا الشرير، وإمّا قبول الضربات وحالات التهجير، وكأن الزمن هو زمن النهايات لأصلاء الأرض والعقائد الإيمانية الصحيحة لتحلّ محلّها ما يخدم، وما يبشر به وما يُصفَّق له من أجل مصالح بلباس سماوي، وهم من الداخل سياسات منظمة لطوبوغرافية معينة وجيوفزيائية مقيتة!!... إنهم ذئاب خاطفة (لو3:10)... وفي هذه النهايات سيكون مؤمنو كنائسنا ذبيحةً ومذبحاً، قرباناً ومقرَّباً... فعقيدتهم الأصيلة ما هي إلا عقيدة الآباء والأجداد... عقيدة بعيدة عن كل تشويه وتزييف وبدع، لم تشترها الأيام بحلل الزمان، ونِعَمْ المكان، وعطاء السفر والترحال... إنها عقيدة فيها تأصل إيماننا كما تأصلنا في كنائسنا، لذلك فهم يحاولون ضربها بالأكاذيب والعولمة والدعايات، وشراءها بما يملأ البطون، وفتح طرق الرحيل لهم، والذين يدعمونهم ما هم إلا زنادقة القرن الحادي والعشرين.
   ومن المؤسف أن نقولها إن الشر ذبحنا بأدواتنا وبإيماننا، وأشرارنا ومنافقينا، فرقصنا أمامهم وغنّينا لهم فكان ما كان إلى أن أصبحنا في هذه الحال، ومنهم تعلّمنا كيف نحمل حقائبنا إلى المنافي ولتستقر حقائبهم في أرض النهرين بل الرافدين وكما يقال في أندلس العرب.       
   لقد كان العراق مزيجاً رائعاً من المعتقدات والعادات والتقاليد، غير أن الهجوم على الكنيسة وضع حاجزاً جديداً داخل الدولة التي قسمتها الحروب والإحتلال والحرمان، حيث ارتفع الحديث عن الهوية، وتراجع التنوع في المجتمع العراقي، ونمت الهجرة، ولكن الهجرة ليست حلاًّ للكارثة هذه، واستمرارها يمثّل تحدياً صعباً، كما أن خطورة وسخونة هذه المرحلة لا تتقبل أي تهاون أو تقاعس من أي طرف، ولا يجوز أن نكون أحجارَ دومينا أو حصناً شطرنجية.
   إن رسالتنا إلى كل واحد يريد أن يلغي وجودنا على الأرض... إلى كل واحد يريد أن يُسكت صوتنا... إلى كل واحد يحس إننا لسنا أبناء هذا الوطن... هي أن تمسكّنا بإيماننا وبكنائسنا يزداد قوة... إن وجودنا مرتبط بأرضنا... نفتخر بعراقيتنا... نفتخر أن دماء شهدائنا بذارٌ تروي هذه الأرض... كفى دماء، فقد جاء وقت البناء... نحن باقون والإرهاب زائل.           يا رب، لتكن الدماء المهدورة نبع سلام وتآخي، اجعل أن يتمكن شرقنا الأوسط العزيز من أن يخرج من نفق التخلف والتعصب والتمييز والكراهية إلى نور المحبة والإخاء والعيش الكريم، فنحن لا ذنب لنا كوننا تلاميذك الذين حملوا السلام ولكنهم ينكرون.
   نعم، ذنبنا الوحيد هو تمسكنا بإيماننا وأرض آبائنا وأجدادنا التي هي أرضنا منذ كانت وكانوا ولا زلنا، والذين ضحّوا في خدمتها وازدهارها والدفاع عنها بكل غالٍ ونفيس.
   فيا رب، أحلّ السلام والأمان في عوائلنا وفي عائلتنا،العراق الجريح، بشفاعة أمّنا القديسة مريم سلطانة السلام.


73
عاجل وترقبوا
ونحن نستقبل الذكرى الثامنة لكارثة سيدة النجاة يدعوكم الشاهد للحقيقة المونسنيور الدكتور بيوس قاشا لقراءة الصفحات اليومية لمسيرة الالم حيث سيروي حقيقة احداث كنيسة سيدة النجاة كما عاينها وشهدها وقد تتبعها كلها من اصولها لتتيقنوا صحة ما حصل وما حلَّ وما افجعها منة كارثة .
وذلك بدءا من يوم الاربعاء 31 تشرين الاول 2018 لذا نسترعي انتباه المتابعين لصفحتنا الكرام
مع تحياتي وشكرا


74
نعم، إنه الپاپا فرنسيس ... فقير بين الفقراء

المونسنيور د. بيوس قاشا
  في البدء
يُعرف الفقر بأنه حالة من الحرمان المادي تتجلّى في أشكال متعددة أهمها:
تناقص مستويات التغذية، تدهور الحالة الصحية، تراجع المستوى التعليمي والوضع السكني. وللفقر مخاطر عديدة منها: مخاطر صحية تتمثل في إنتشار الأوبئة والأمراض، مخاطر إقتصادية تتجلّى في إرتفاع معدلات البطالة، مخاطر إجتماعية وهي الأكثر إيلاماً ونراها في زيادة معدلات الجريمة والعنف والرذيلة والتخلف والعنصرية الجغرافية وارتفاع الغضب الشعبي الذي قد يؤدي إلى أعمال شغب وانقلابات، وموت الآلاف من السكان من الجوع والعوز دون أنْ نفكر أنّ خيرات الأرض ما هي إلاّ لأهل الأرض.

  الكنيسة والفقير
نعم، لا زال الفقر منتشراً رغم ما يتمتع به العالم من خيرات أرضية تنتشر من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. والكنيسة الكاثوليكية لا زالت تفتش عن الفقير أينما كان، لا لكي تكون بجانبه فقط، بل لتحميه من عولمة الدنيا المخيفة، وتوصله صوت المسيح في البشارة الحية، وتُفهمه أن الفقر ما هو إلا دعوة في تمجيد اسم الخالق وفي حمده وشكره، وهذا ديدن الكنيسة الكاثوليكية في الدفاع عن الفقير، ومرات عديدة يرتفع صوتها من على المنابر الدولية والمحلية والإقليمية تنادي بالوقوف مع الفقير.

     وأطلّ الپاپا
في الثالث عشر من آذار (مارس) عام 2013، أطلّ الپاپا بيرغوليو ــ أول پاپا من الأرجنتين كما هو أول پاپا من خارج أوروبا منذ عهد الپاپا غريغوريوس الثالث، وأول پاپا راهب منذ الپاپا غريغوريوس السادس عشرــ الذي اختار اسم فرنسيس، واختياره لإسم "فرنسيس" تيمّناً بقديس الفقراء إذ قال:"إن فرنسيس هو اسم السلام، وهكذا دخل هذا الاسم قلبي"، ولعلاقته بالفقراء فكرت في فرنسيس الأسيزي في الحروب، رجل الفقر ورجل السلام. ولقد روى ــ وهو في مَجْمَع الإنتخاب ــ قال: خلال الإنتخاب كنتُ إلى جانب رئيس أساقفة ساوپاولو كلاوديوهوميس، الصديق الكبير، شجعني عندما أصبحت الأمور خطيرة، وعندما بلغت الأصوات المؤيِّدة لي الثلثين، غمرني بذراعيه وقبّلني وقال لي:"لا تنسَ الفقراء" ــ أطلّ من على شرفة بازيليك مار بطرس، على  جميع المؤمنين المحتشدين في ساحة القديس بطرس ليمنحهم بركته الأبوية الرسولية.

 نعم، إنه الپاپا فرنسيس، وقد أتانا من بلاد بعيدة ومعقدة بقضاياها السياسية، وفيها تقلّد عدة مناصب، وتم إنتخابه پاپا في مَجْمَع يُعتبر الأقصر في تاريخ المجامع المغلقة، كما اعتبرت الصحافة الإيطالية إنتخابه ثورة في تاريخ الكنيسة.

 نعم، إنه الپاپا فرنسيس... عُرف عنه رجل هادئ في مسيرته وفي قيادته الحكيمة حيث الفكر والتأمل والتبصّر. يطلب عون الجميع في صلاة إلى رب السماء. ومقولته الشهيرة "أرجوكم إذكروني في صلاتكم"، كل هذه  الصفات قادته إلى أن يكون متواضعاً وبسيطاً وبعيداً عن كل التكلّفات في التقليدات، ومؤمناً أن الصلاة سبيل في عيش الإيمان. ناظراً إلى قضايا العالم بنظرة صائبة، متفائلة. مؤمناً أن يد الله ستقوده إلى الخير. مشجِّعاً الحوار بين أبناء المسكونة المختلفين في الثقافات والقوميات. وقد أظهر ماضيه في بلاده "الأرجنتين" دلالات عميقة في إتجاه مسيرة الكنيسة. إنه نهج جديد يقود إلى البساطة والتواضع وعيش الفقر، وينشد كنيسة فقيرة وقريبة من الفقراء ومن أجلهم وفي خدمتهم، وهذا ما جعله يتوقف بين الناس ليصافح الجميع وخاصة المعاقين والأطفال، ويقبّل المشوهين والمهمَّشين، فما كان منه إلا أن عمل على تعيين أسقفاً يوزع حسنات الپاپا للفقراء بدلاً من أن يكون بقربه في الإحتفالات الكنسية.

    نعم، إنه الپاپا فرنسيس... إنه الفقير الذي بقي يلبس الحذاء الأسود الذي أتى به من الأرجنتين، واضعاً صليب الحديد... إنه الفقير الذي يتسلّل، أحياناً، ليلاً خارج أسوار الفاتيكان لزيارة المرضى والفقراء وفي أحياء فقيرة من روما كما كان شأنه في بلاده، إضافة إلى إتصاله بالكثيرين تلفونياً ليشكرهم ويعزّيهم أو يردّ على طلباتهم. إنه في أرض الفقر يحيا ليعيش فقره، ويكون فقيراً شاهداً لآلام المتألمين والمظلومين من أجل إعلان شأن الحق والحقيقة. وفقره وحبه لهم جعله يعلن يوماً خاصاً عالمياً للفقراء خلال نوفمبر الماضي (2017)... وهذه هي لمسات الپاپا فرنسيس، پاپا الفقراء "كي لا تكن محبتنا بالكلام بل بالعمل والحق" (يو18:3).

 نعم، إنه الپاپا فرنسيس... قريب من الفقراء، فهو لا يملك شيئاً إلا حبه لفقره. يدافع عن فقراء بلاده الساكنين بيوت الصفيح، ومحبته لهم تجعله أحياناً يخاطر في سبيل محبته لهم. كما واصل شأنه مسيرته في ذلك حيث اختار ــ بعد أن أصبح "پاپا" أن يسكن في بيت الضيافة مع الزوار في بيت القديسة مرتا، وليس في القصر الرسولي، ليكون بذلك أول پاپا منذ پيوس العاشر لا يتخذ من القصر الرسولي مقراً دائماً لسكناه. كما ألغى العديد من التقاليد البابوية. غسل الأرجل في السجون في السنة الأولى لإنتخابه، وفي السنة الثانية أعاد رتبة غسل الأرجل في بيت للمعاقين. وفقره يظهر محبته لفقراء الدنيا أجمعهم، وهذا ما جعله يستقبل فقراء مدينة أسيزي، ويوجّه لهم كلمة عفوية قائلاً:"لا يستطيع المسيحي أن يعيش مع روح العالم ذلك أنه يقود إلى الغرور والكبرياء والعجرفة كما ويتعارض مع روح التطويبات"، ودعاهم إلى التجرد من روح العالم الذي يقتل.

 نعم، إنه الپاپا فرنسيس... إنه جواب لسؤال كل فقير ومهمَّش ومرذول... إنه جواب لكل عطشان إلى حيث هو ينبوع الماء الحي... إنه جواب لكل سائل أين أجد خبز الحياة؟، أين هي الكنيسة؟، أين هو إنجيل المسيح المخلص؟، أين هو المسيح الرب؟... إنه صوت المتألمين ونداء المظلومين، يزيل الحواجز بين الشعوب، ويمدّ جسور الوفاق والسلام والمصالحة من أجل بناء القِيَم وحمل الأخلاق عبر مسيرة الإنسان ليسود الخير، فلا طبقات ولا أجناس، حاملاً محبة واحتراماً عبر كلمات تهزّ القلوب بعد أن تفعل فعلها في العقول.
   
 نعم، إنه الپاپا فرنسيس... بفقره وتواضعه وبساطة حياته، وبكلماته الرحومة وقوة صلاته الدائمة. علّم الكبار كما أفهم الصغار، كبار الزمن وصغار الدنيا، بأنّ أقوى سلطان هو الخدمة. فدعا الكهنة إلى أن يعرفوا رائحة غنمهم وخرافهم، وأوصاهم أن يسيروا أمام القطيع وفي وسطه وخلفه، وهذا الحب من أجل غنم القطيع، مما دعا قداسة الپاپا إلى يكون على المائدة مع الفقراء مشاركاً آلامهم، يبادلهم الكلمة، فهو لهم ومن أجلهم، فيزرع الأمل هنا والتعزية هناك، وينطلق ليعاني المرضى ويباركهم، ويواسي المعوّقين ويشاطرهم أتعابهم، ويزور المساجين ويَعِدَهم بالصلاة من أجلهم كي يكونوا يوماً ما في حرية إنسانية ببركة رب السماء.
 نعم، إنه الپاپا فرنسيس... يدعونا لنفتح قلوبنا ليسوع. لنساعد الفقراء والضعفاء. لنهتم بالمستضعفين في هذه الحياة. شاهدين لحقيقة إيماننا ومسيحيتنا، وفقرنا لغنى المسيح في الكنيسة كما في المجتمع الذي نعيش فيه. لنهتم بالمرضى الذين يعانون ولا يجدون مَن يهتم بهم. لنزرع الحب ونوزّعه لكي نجده في الآخر. لنساعد ونعلّم الأطفال، ونرعى كبار السنّ ونحترمهم. لنعمل  مع المهمَّشين والغير المقبولين في هذه الحياة لأنهم علامات محبة من قبل السماء. وحينما نعمل ذلك فنحن صورة المسيح الذي أوصانا بالمحبة والخدمة، وفيهم ومعهم تكون لمسات الحقيقة التي نحياها في مسيرة دعوتنا.

  الكرسي الرسولي
لقد أكد مراقب الكرسي الرسولي الدائم لدى الأمم المتحدة ــ في 18 تشرين الأول 2016ــ في موضوع إلغاء الفقر، قال:"إن الفقر يشكّل حلقة مفرغة يكون فيها التهميش السبب والنتيجة في الآن الواحد. فالتهميش يزيد من فقر العائلة البشرية ككل، فيما تهميش الفقراء يعني أيضاً حرمانهم من حقهم في العيش كأحد مكونات العائلة البشرية، وتجريدهم من آمالهم وأحلامهم ونجاحاتهم وإنجازاتهم". كما أكد مراقب الكرسي الرسولي أن إستئصال الفقر يتمّ من خلال إشراك الفقراء في الحياة العامة على الأصعدة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية والثقافية، وهذا يعني دعوة الفقراء ليكونوا "شركاء" بكل ما للكلمة من معنى، وهذا الأمر يساهم في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، وجعلها تعزز الشراكات من خلال الإفادة من خبرة وكلمة أشخاص يواجهون التحديات اليومية التي تطرحها آفة الفقر بصبر وشجاعة.

   الخاتمة
إننا مدعوون جميعاً لنكون فقراء، ونتجرد من ذاتنا، ولهذا بالذات ينبغي أن نتعلم المكوث مع الفقراء. كما نحن  مدعوّون للتجرد من خوف فتح الأبواب والخروج للقاء الجميع لاسيما الفقراء والمعوزين والبعيدين. ولنعمل على أهمية إتّباع طريق الفقر الذي يعني أن نتضامن مع المعوزّ، وما على الرعاة كما يقول قداسة البابا فرنسيس إلا" أن يعرفوا رائحة غنمهم وخرافهم، وأوصاهم أن يسيروا أمام القطيع وفي وسطه وخلفه، وهذه هي الحقيقة ان نكون لله  وان نكون اغنياء بفقرنا ، فهو الذي يغنينا هكذا يقول مار بولس. ولنذهب الى لقاء الفقير حيث ما هو ولندرك ان ربنا من اجل ذلك دعانا والمثل شاهد بيننا انه البابا فرنسيس ،فهو يعلمنا كي نذهب الى حيث السياجات والطرق وندعوهم ليدخلوا الى حيث السيّد الرب ينتظرنا وينتظرهم . نعم أختم فأقول: إنه قام بيننا فقير غني، فأغنانا بصلاته وبفقره... إنه الپاپا فرنسيس... نعم، إنه الپاپا فرنسيس... فقير بين الفقراء... نعم وآمين.

75
  يقولون "لا ترحلوا .. !!!"
المونسنيور د. بيوس قاشا
   في البدء
منذ أن عرفتُ علمَ الحياة وما يعنيه في دنيا الزمن، وعرّفتني الدنيا بمسيرتها،
لم أجد في منطقتنا العربية والشرق أوسطية فترةَ هدوءٍ وراحةَ بال. فالأهواء السياسية كانت ولا زالت تقذفنا جميعاً من شاطئ إلى آخر، ولم نكن ندرك ـــ وحتى اليوم ـــ شيئاً من هذه الأهداف والاهواء وما غايتها ، بمعنى آخر أن منطقتنا ووطننا ومسيرة إيماننا مرّت ولا زالت تمرّ في مراحلَ صعبة، وفي أغلب الأحيان يصيبنا الإحباط وتعلو أصواتُ الهجرة، ولولا إيماننا بالمسيح الحي وشهادتنا لتربتنا لما بقي مسيحي واحد إلا وهاجر من هذه الأرض الطيبة والتي كانت تدرّ حياةً وخضاراً، واليوم نفطاً وكبريتاً، دولاراً وديناراً، نزوحاً وهجرةً، أحزاباَ جشعة، وخطاباً مميتاً، طائفية وعشائرية، حروباً مرعبة ومخيفة جعلتنا ضحايا وعبيداً لمصالح سياسية ، ولمحاصصة حزبية، للقاصي والداني، للغريب والقريب، للفساد والسرقة، وتفاقمت حتى أصبحنا تائهين في مجال الوجود والبقاء ، ليس إلا.

الرحيل والعويل
   نعم، إننا اليوم نقف على مفترق طرق مخيف ملؤه الضياع والخوف وأمام مواقف صعبة ومؤلمة، فالخطر يداهمنا من زوايا شتى ومن أماكن متعددة، وأيامنا تعلن ـــ شئنا أم أبينا ـــ خطرَ محو المسيحيين من هذا الشرق وإبادة وجودهم وتغيير أماكن سكناهم بديموغرافية مزيَّفة ساندتها العشائرية والطائفية ، والأغلبية هي الحربة ورأسها، ولم تترك مجالاً لإعلان حقيقة وجودنا، فبقينا خائفين، معلنين فشلنا في سكوتنا، وتكون الخاتمة والرحيل والعويل.

مكوّن اصيل
   مَن منا لا يقول أن المسيحيين كانوا هم الأوائل في هذه البلدان الشرق أوسطية. ومَن منا لا يقول أن هذه البلاد كانت مهدَ المسيحية وبدء رسالتها السماوية. ومَن منا لا يقول أن المسيحية مكوِّن أصيل وقد سبقت الشعوب والقبائل في وجودها وفي مسيرة حياتها ، وفي كتب تاريخ الزمن ... كل ذلك حسن وجميل لأسطر التاريخ، ولكن لقد سئمنا من هذا الكلام لكثرة تكراره فالواقع والدستور وما يحصل يقولون غير ذلك، والحقيقة لا تكمن بالأقوال بل بالأفعال إذ يقول مار يعقوب الرسول "ماذا ينفع الإنسان يا إخوتي أن يدّعي الإيمان من غير أعمال... فالإيمان بغير الأعمال يكون في حدّ ذاته ميتاً" (يعقوب14:2)... نعم، الواقع ليس كذلك مطلقاً.

بيانات ومؤتمرات
   نعم، تعرضنا للذبح والطرد والتهجير، وما اقترفه تنظيم الدولة "داعش" بحق المسيحيين والمكونات الأخرى لهو دليل أكيد على تهجيرنا، فقد كان حينها الكثير من أبناء العروبة يتفرجون، وآخرون يصدرون بيانات ويعقدون مؤتمرات ويلقون خطبهم،  ونحن لهم كنا شاكرين ، ولكن كل ذلك لم يكن إلا نقطة في محيط وعلى حديد ساخن فلا أثر لها بعد أيام بل بعد ساعات ، وكأنّ كل شيء قد تمّ وأُصلح. فالحقيقة يجب أن تقال، فاليوم الكثير من المسيحيين وفي جميع بلدان الشرق الأوسط والعالم لا يستطيعون التعبير بحرية عن إيمانهم وعيشهم في مجتمعاتهم وهم يكافحون من أجل البقاء والوجود والعيش بسلام في أراضيهم، والعدد لا زال في تناقص مستمر، والاستمرارية هنا ما هي إلا ضياع الوطن وفقدان الوجود والأصالة وطعن مسيرة الحوار كي لا تقوم لها قائمة.

فقدان وثقة
   إن عددنا يتناقص بمرور السنين والأيام والأزمنة، ولا أظن هناك مَن يريد العودة بعد أن هاجر وترك وغادر، فمِحنَتَهم كبيرةُ الحجم والمأساة، فهم لم يكونوا ذلك ولكن أجبروهم بشتى الأساليب على فقدان الثقة بأرضهم ووطنهم وهم الذين سكب أبناؤُهم دماءَهم من أجل تربتهم وأرضهم. واليوم ما يعانوه في شرقنا المعذَّب لم يكن بالحسبان وبالصورة التي نحن نحياها، فما هي إلا صورة بائسة لمستقبل قاتم ولأيام ملؤها الغيوم والعواصف، وهذا ما يجعلنا أن نقلق على مستقبلنا ومسيرة إيماننا، وكفانا أن نقول وما نفعله هو عكس ذلك تماماً لأنهم لا زلنا عرضة للاضطهادات والقتل والتهجير شئنا أم أبينا، وانسلاخ مسيحيينا عن أرض آبائهم وأجدادهم ما هو إلا كونهم ضحايا لقادة فاسدين فاشلين، ولمخططات مشبوهة أرادها لنا كبار الدنيا والزمن وأصحاب المعالي والقصور ليشوّهوا سلام مسيرتنا وصفاء إيماننا في حبنا لأرضنا وإنجيلنا وكنيستنا، لأن المسيحي قوته في إنجيله، في مسيحه الحي ، ليس إلا .

البابا فرنسيس
   هناك صوت يهدر دائماً دون انقطاع وبشجاعة ملؤها المحبة والغفران والتسامح، إنه صوت كبير الفاتيكان، بابوات روما ومنهم  البابا فرنسيس، حيث قال للمشاركين في لقاء حول الأزمة الإنسانية في سوريا والعراق في أيلول الماضي (2018) ما نصّه:"هناك خطر أن يُلغى الحضور المسيحي من تلك الأرض التي منها انتشر في العالم نور الإنجيل. فلا يجوز الاستسلام لظلمات العنف وليحافظوا على شعلة الرجاء متّقدة بنعمة الله ولننظر إلى المستقبل".. إنها الحقيقة في الصميم، فما يحصل يقودنا الى أن نسأل ، هل هو تهميش متعمَّد لإنساننا المسيحي في العراق؟، هل هو تدمير لتاريخنا الحضاري الموغل في القِدَم والسنين والأزمنة؟، هل هو محو لديانة من أقدم الديانات التي نادت بالتوحيد؟، هل نحن في زمن يخبئ تحت عباءته طائفيتَه وفساده فيقيم صراعاتٍ دموية وعشائرية وحتى إيمانية لتحقيق مآربه وإعلانها؟... إنها ظلمات العنف ليس إلا!.

في الختام
   ختاماً أقول: نعم، لقد تضاءل عددُنا وهذا لا يعني ضياعنا ورحيلنا بل على الإسلام أولاً حماية البقية الباقية من أجل ضمان بقائهم وحقوقهم. فالعديد من الذين رحلوا يتردّدون في العودة إلى موطنهم الأمّ، ولا يفكرون إلا بالبقاء في الغربة لأسباب عديدة منها الوضع الأمني الذي يعيشه شرقنا المعذَّب. وهناك، أي في الغربة، يجدون ضالّتهم حيث كل إنسان له قيمته وحقوقه، له كرامته وإنسانيته في حرية إيمانه وممارسته لعقيدته دون خوف وعلانية، فلا يحكمه إلا قانون الوطن والدولة الذي يحميه من جميع التعرضات والمعاكسات بل أكثر من ذلك "إنه خُلق على مثال خالقه" ( تك27:1). ويقول الكتاب:"إن الله رأى كل شيء حسن" ( تك31:1). فنحن لسنا بحاجة إلى عودة داعش بنسخ أخرى أو بصراع طائفي فقد أكلتنا نارُ الحروب والصراعات وأخاف أن يؤول البلاد إلى الغرباء عاجلاً أم آجلاً.
   شكراً..وكفانا وعوداً، بل بالأحرى نحن بحاجة إلى تثبيت وجودنا. أعملوا ... ولا تقولوا  بعدُ "لا ترحلوا ، بل قولوا هذا وطنكم، سنكتب دستورنا معاً ، أعلنوا فيه وجودكم". واعملوا معنا كي نحمي تراث آبائنا وأجدادنا، وحضارتنا وكنوزها الروحية والزمنية، وما عليكم إلا العمل والاجتهاد في سبيل ذلك. ولا تجعلوا مسيحيتنا تمزقها الحروب التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل فنتيه في المجهول،مثل نزوحنا في زمن داعش الارهاب، ولم نعد نحتمل ما حصل وما حلّ بنا ، وهذه حقيقتنا، فأملاوا قلوبنا الامل والرجاء واعملوا من أجلنا وأشهدوا لاصالتنا وليس لهجرتنا ، ولا تخافوا أن تقولوا الحق فالمسيح الحي يقول " قولوا الحق والحق يحرركم " ( يو 32:8)  وجبران خليل جبران يقول " يا رب ساعدني أن أقول كلمة الحق في وجه الاقوياء وألا اقول الباطل كي أكسب تصفيق الضعفاء "  والمهاتما غاندي يقول ايضا " حتى وإن كنتم أقلّية تبقى الحقيقة حقيقة " !والقرآن الكريم يقول " وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ  وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهَ "( صورة البقرة آيه 282)...نعم وامين .



76
يقيم المنتدى الثقافي لكنيسة مار يوسف للسريان الكاثوليك في المنصور محاضرة ثقافية ضمن البرنامج الشهري للملتقى بعنوان (ثقافة التطوع وأثرها على التنمية والتطوير في العراق) يلقيها ألأستاذ وليم وردا وذلك في الساعة السادسة من مساء يوم السبت 1 أيلول 2018 في قاعة معهد الكلمة الرعوي التابع للكنيسة
حضوركم يشرفنا ومشاركتكم تغنينا
والدعوة عامة للجميع
مع محبتي
أبونا بيوس

77
مسيحيّونا ... بين الحق والحقيقة
   في البدء
   شاءت إرادة الخالق في سمائه أنْ حلّ ما حلّ فينا، وما ذلك إلا إرادته، فليكن إسمه ممجَّداً ومسبَّحاً مدى الدهور وكما يقول مار بولس:"كل شيء فيه وبه وله، فليكن إسم الرب مبارَكاً" (رومية37:11). أما الدنيا فقد شاءت بإرادتها أن تحمل إلينا هموم الحياة ومتاعب الزمن وحقيقة الألم ودنيا المصائب، فطُردنا من منازلنا، وهُدِّدنا في قرانا ومدننا، وأُجبرنا على ترك كل شيء، نعم كل شيء، وسُجّلت بيوتنا وعقاراتنا بأسماء تنظيمهم الإرهابي، وألصقوا حرف النون على أبوابنا مدّعين أن لهم الحق بكل شيء، وما نحن إلا كفّار في الدين والدنيا، ولا يحق لنا أن نملك حتى ما يكسو أجسامنا، وكل ذلك بسبب كوننا مؤمنين بالمسيح الحي. أرادونا أن نتخلّى عن إيماننا، فعملوا ما استطاعوا من أجل إهانتنا وتحقيرنا وتكفيرنا، كما أمعنوا في تدميرنا، ولكن نقول: مهما كتبوا عنّا ومهما نوّعوا في تحقيرنا فلا نكران لإيماننا مهما خسرنا من دنيانا، فما نحن إلا شهود لحقيقة الإيمان ولمسيرة الحقيقة... ليس إلا!!!.

   أقلية بائسة
   بعد خمسة عشر عاماً مرّت بمآسيها وطياتها المؤلمة، بطائفيتها وعنصريتها، ولا زلنا نراوح من أجل نيل حقوقنا، بل لا زلنا ننظر إلى مستقبل مجهول فيه نسأل وهو يتساءل فينا قائلاً: ماذا تنتظرون؟، ما رؤيتكم للمستقبل؟، ألا تكفي هذه الأعوام وما حملته إليكم لتدركوا حقيقة كبار زمنكم وكلمات دستوركم؟، ألم تعرفوا أن لا حقوق لكم إلا في ملء كنائسكم، ولا صيانة لحريتكم في الإيمان والحياة إلا ما يشاؤون وما يرسمون؟... فما نحن إلا أقلية بائسة موضوعة على رفّ الدنيا والمصلحة، يجمّلون مسيرتنا متى ما شاءوا، ويقدموننا قرباناً إذا كان ذلك من أجل دنياهم وأهدافهم ليلاً ونهاراً، فنخاف من ظلّنا، ونتألم على وجودنا، ونسأل عن كبارنا وشهدائنا فهم "ليسوا في الوجود" (متى18:2)، وشبابنا قد رحلوا، فدنياهم وأرضهم أصبحتا هيرودس بظلمه الفاحش (متى13:2)، هذا حالنا حتى الساعة... أليس كذلك!!!؟.

   تجربة مأسوية
   إن التجربة المأسوية التي خيّمت علينا منذ أمد بعيد، وفي هذه السنين الأخيرة عشنا مآسيها، فقد كانت مليئة بالمعاناة والألم والصعاب وقسوة الحياة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فرّقتنا الطائفية وجعلتنا العشائرية والقبلية أعداءً، وملأتا قلوبنا عداوةً وحقداً وكراهية، فأصبحنا نتكلم عن أنانيتنا وكأن المُلك والعالم هو لنا (  يو10:1)، ونسينا أن هناك أخوة من أديان أخرى، من مكوِّنات مختلفة، تقاسمنا حب التراب والوطن، وتشاطرنا المسيرة المتعَبَة... وأمام هذه تتّجه أنظارنا وتطلعاتنا على حكومة مدنية عابرة للطائفية والمحاصصة والعشائرية، ويحكمنا الدستور الذي كتبناه بعرق جبيننا، وليس الذي أُعطي لنا، كي نكون عبيداً له، وننادي بمبدأ المواطنة في العدالة والمساواة... أليس كذلك!!!؟.

   ثمناً باهضاً
   إنها الحقيقة بالذات... شعبنا كله دفع ثمناً باهضاً عن خطأ لم يرتكبه. فالسياسة في كثير من الأحيان تجعل الشعوب عبيداً للمبادئ المزيَّفة، ومطيعاً لمنافقي المسيرة. نعم، إستشهد عديدنا، وقالوا لنا يوماً "إرحلوا عنّا، فهذه ليست أرضكم"، وعانينا، ولا زلنا نعاني عدم الاستقرار وهجرة أبنائنا، وبالأمس القريب طردنا داعش الإرهاب، وأزاد الفوضى في مسيرة حياتنا بسبب نفاق كبار الزمن وغواية الشر الذي مَلَكَ في قلوب المستعبدين، فماتت الضمائر. ولكن، من أخطر الأمور عندما يُقنِع المنافق الآخرين أنه ذو ضمير حيّ ولا يرضى أن يخالف تأثيره على حياته. ومن المؤلم حقاً عندما يكون المنافقون من كبار الدنيا ورجال الزمن الذين يحلّلون كل حرام، وينسون أنهم يلوّثون سمعتها بوصمة عار يتعذر على التاريخ محوها، فيقرأها الأجيال ويترحموا على الأبرياء وعذاباتهم... أليس كذلك!!!؟.

   غبار السياسة
   أين هي الرؤية الواضحة لمستقبل أجيالنا من قِبَل حكوماتنا الموقرة؟، فالمسيحيون أمناء لتربتهم وأوفياء لمسيرتهم وحقيقة إيمانهم وحبّهم لشعبهم، ويُبان هذا جلياً في صلواتهم إلى ربّ السماء من أجل الحكمة والعدالة. وأمام هذا كله لا زالت حقوقنا في نسيان الطلب، ومآربنا وآمالنا في تهميش، شئنا أم أبينا، وربما وُضعت فوق رفوف الطلب تنتظر مَن يمسح عنها غبار السياسة المزيَّفة والحقوق المكتوبة لتُبان جلياً أصالتنا وعمق وجودنا قبل غيرنا، فنستطيع أن نقوم بدورنا ونجدّد حيويتنا كي نبني ما دمّره الإرهاب القاتل، وما هدمته الطائفية اللعينة، وما رسمته العشائرية المقيتة، وما ظلمه الدستور في مواده وأسطره، فنكون أخيراً مواطنون بحقوقنا وواجباتنا... أليس كذلك!!!؟.

   ضاع الحق
   مرات عدّة ــ وعملاً وطاعةً لرؤسائنا ــ كنا نقف من أجل الدفاع عن حقوقنا، فكنا ننادي بكتابة حقيقتنا وإعلان بياناتنا ومحو مواد كُتِبَت من أجلنا لتدميرنا ولإهانة كرامتنا، وتصغيراً لمسيحنا وتقليلاً من شأننا، وكنا كلنا أملاً أن هذه الهتافات ستحصد ثمارها، وهذه البيانات سنقطف عناقيدها، وهذه الصراخات سترفع عالياً شأن احتياجاتنا كي نكون أمناء لمستقبل أجيالنا وأطفالنا كي لا يكتبوا يوماً على صفحات قلوبهم أننا لم نكن لهم أمناء، فيرحلوا ويهاجروا بعيداً، نعم بعيداً، معلنين أن الإنسانية قد فقدت مصداقيتها، وإنها ليست من زرعات وطننا، وحقوقنا لم تُكتَب في صفحات أسفارنا. فنحن لا حول لنا ولا قوة إلا أن نهتف وننادي ونلجأ إلى الأقوى وأغلبيته كي ننال ما نشاء وإن كان ناقصاً، فنحن في ذلك لهم شاكرون. ولكن هل نعلم جيداً أن حقوقنا هُضمت وبيعت وقُسمت ولم يبقى منها إلا الأثر والتراث، فضاع الحق ومَلَك الظلم... أليس كذلك!!!؟.

   الارشاد الرسولي
   ما سبب دنيانا وما بالها اليوم في شرقنا، تطرد أبناءَها وتُجبرهم على أن يكونوا في صفوف المهجَّرين والنازحين والمسجَّلين في دفاتر الأمم من أجل التفتيش عن السلام والاستقرار وقد رفع البابا بندكتس صوته في الارشاد الرسولي  لكنائس الشرق الاوسط مناديا " أنه لا يجوز أن يخلو الشرق الاوسط من المسيحيين " . فهل هناك من كبار الزمن مَن يراهن على زوالنا وعدم بقائنا؟، وهل هناك مَن يتألم لنقص أعدادنا وإن كانوا يتأهون لذلك؟، أليست هذه مأساتنا وقضيتنا التي لا نريد لها إلا البقاء في صفحات الدستور جبراً؟، أليس في ذلك مصالح لسياسات الموت سواء رفعنا أصواتنا أو تضامنّا مع غيرنا؟، فما مصيرنا إلا مجهولٌ سواء متنا أم حيينا وذلك لا يهمّ صنّاع القرار وتجّار الأوطان، فالمهمة الأولى والأخيرة ضمان مصالح كبار الحكم والدنيا والزمن... إنها سياسة الدمار التي تسببت في مقتل وتهجير ونزوح الآلاف منّا ومن غيرنا، وما كان الدستور لنا إلا صفحات لكتاب نحلف بوجوده وهو لا يقرّ بوجودنا، فلا آذان صاغية، ولا أسطر وافية، فما حصل لنا ترك في نفوسنا آثاراً عميقة وبائسة، وأصبح الخوف علامتنا، بل حقيقتنا... ليس إلا!!!.

   الختام
   أمام ما يحصل في بلادنا الجريحة، وأمام ما قاسيناه منذ عقود وأجيال وسنين، سنبقى أمناء لتربتنا وسيبقى صوت الكنيسة والبابوات يرنّ في اذاننا أننا أصلاء الارض ، ولا يمكن أن نبيع أرض آبائنا، فهذه قد عُمّذت بعرق جبين أجدادنا، وجُبلت بدماء شهدائنا الأبرياء، شهداء سيدة النجاة، ولا يمكن أن نكون ضحية لتجّار الناس فيخرّبوا ما بنيناه. فأرضنا ليست للبيع، وعراقنا ليس للتهميش، فنحن لسنا عبيدَ المال بل نحن أبناء الرافدين الذين صمدوا بإيمانهم وبسالة احتمالهم فكان النور مضيئاً (يو9:1) بعد ظلام مَلَك علينا (يو5:1). ونقولها وبكل شجاعة: من المؤسف أن أبناءنا الأبرياء قُتلوا بسبب مصالح في حروب شُنّت علينا، كما أن جرحانا ملئوا المستشفيات ودور الشفاء فجعلونا معوّقي الحياة من أجل أن نكون بلا حركة ولا بناء، بل أن نحيا بتأوّه وأسف. وأصبح الدواء بعيداً عن مرضانا كما أصبحنا لا نملك دينارنا، كما أن نفوطنا حلّت نقمة علينا.
لذا أقولها: ألا يكفي مما أينعت وأثمرت مصالحكم يا كبارنا، يا جيراننا؟، أتركونا نبني ديارنا، فأمّهاتنا تبكي فلذّاتها ولا من يواسيها (متى18:2) كما يقول الكتاب "صوتٌ سُمِع في الرامة، نوحٌ وبكاءٌ وعويلٌ كثير. راحيل تبكي على بنيها ولا تريد أن تتعزى لأنهم ليسوا بموجودين"... إنها آلام الحزينة، فَمَن يعزّيها؟. فاتركوا ــ بحق المسيح الحي، بحق الله الذي أحبنا (يو34:13) ــ أتركونا نناجي ربنا، ندعو إليه لينعم علينا برحمته، ويزرع بذرة السلام في قلوبنا، وننمو وطناً عزيزاً، وشعباً مُحبّاً، وغداً لأجيالنا، ومستقبلاً لأولادنا وأحفادنا.فذلك حقنا وتلك حقيقتنا..وما رجاؤنا إلا بالله.. أليس كذلك! نعم وآمين!!؟.


78
بالامس كنا واليوم أصبحنا

المونسنيور د. بيوس قاشا
إن عالمَ اليوم أكثرُ عنفاً وفتكاً بأبناء الأرض الأبرياء، وعلى المسيحيين أن يدركوا أنّ ارضهم كانت بذرة ايمانهم وان مسيرتهم ما هي الا شهادة فهناك من يريد ان يفرغ البلدان منهم  ، وذلك ليس سرّاً فوسائل التواصل الإجتماعي تفضح كل شيء وتُعلن المستور حسب قول المسيح الحي:"ليس خفيٌّ إلا سيظهر، ولا مكتومٌ إلا سيُعلَن" (لو17:8)، كما تُظهر الوسائل تزييف الحياة التي يحملها الفاسدون والسرّاق المبارَكون من قِبَل رجال الدنيا والزمن والمهمات والمناصب والمعابد بسبب المصالح والقربى، كما إن الصراع الطائفي السلطوي البغيض أزاد في الطين بلّة وبدأت معه النزاعات والخصومات والالتفافات العشائرية والعقائدية والطائفية والمحسوبية ، وأخذت تمزّق أصالتنا من أجل أن نكون أو لا نكون.فما اقساه الزمن الذي نحن نعيش ايامه ومن المؤكد ان رؤوساءنا ورجال زماننا -وأنا كلي ثقة - بأنهم ملمّين بكل حيثيّات المسيرة المسيحية المؤلمة ومسيرة البلد المتعبة ، لذلك تراهم  يعملون في الرجاء من اجل مواصلة الحياة ، لذا سنبقى نشهد للحقيقة بعينها، إذ لا بدّ أن نعرف مسيرتنا الى اين نحن ماضون وكيف كنّا واين اصبحنا وهذا قليل من كثير وموجز لمواضيع شتّى فأقول :
بالأمس كنا مواطنين أصلاء، واليوم نحن مهجَّرون ونازحون؛ بالأمس كنا وطناً واحداً وكنيسة واحدة بإيمانها، واليوم أصبحنا نفتش عن تسميات كنائسنا وعن طائفياتنا وعن أمكنتنا وكراسينا والويل إذا دخلتُ عتبة كنيسة لا انتمي اليها؛
بالأمس كنا شعباً سعيداً مُلمّوماً شمله، واليوم تشتّتنا في بقاع الأرض عبر الطرق البعيدة الشاسعة؛ بالأمس كنا نملك وطناً وأرضاً وعراقاً، واليوم نحن لا نملك حتى الهواء الذي نستنشقه فما نحن إلا غرباء وأناس مأجورون؛ بالأمس كنا ننعم بأجواء بيوتنا وقصورنا، واليوم نلف الكرفانات والخيم والمعسكرات  ؛ بالأمس كنا نزرع حدائقنا وروداً ونقطفها باقات، واليوم نجمع دموعنا ونقطفها آهات ؛
بالأمس كنا نبني ونحصد والحرية ترافقنا، واليوم أصبحنا نفتش عن فلك نوح خوفاً من الطوفان؛بالأمس كان الفرح يملأ صدورنا والرقصة( الدبكة ) تشاركنا بهجة الحياة ، واليوم حسرات هي نتاج امراضنا وعاهات في صدورنا ؛ بالأمس كنا نعمل في دورنا وبعرقنا نربح أيامنا، واليوم فقدنا حتى بيوتنا فقد نُهب كلُ شي وأُحرق ما بقي من شيء ولم يبقَ لنا إلا نون ؛
بالأمس كانت خزائننا مليئة بما تعطيه الحياة، واليوم أمام المنظمات نقف طوابيراً نستعطي ارزاقناً؛ بالأمس كنا ننام وأبواب دورنا مفتوحة احتراماً لضيوفنا، واليوم نتّفنن في كيفية تحصين أبواب دورنا خوفاً من الآتي؛  بالأمس كنا نجول نشامى في شوارع مدينتنا، واليوم أضعنا حتى عنوان حارتنا؛
بالأمس لم يكن لنا لجانٌ تهتم بشؤوننا وكانت المسيرة صادقة باهلها ورجالها، واليوم مجالس وشؤونهم ولجان والقائمون عليها فاسدون يخفون فسادهم وما إصداراتهم إلا بيانات ومناجاة عبر المنابر والمايكروفانات ؛
بالأمس كانت الحياة طبيعية برجالها الأوفياء الأمناء، واليوم فسدت الدائرة بفساد مدرائها وموظفيها وأهداف طائفيتها؛ بالأمس كان الإعتذار من كبير القوم والاقرار بالخطأ سبيلاً ، واليوم أصبح فاسد القوم قديساً تُحجَز له المقاعد الأولى  وله تنحني القامات كما له يجب الإكرام والمجد والتسبيح والترحيب ؛
بالأمس كانت الشهادة هي الحقيقة فانجيلها نورها لسبيلي واليوم اصبح الكذاب والمنافق والسارق وشاهد زور هو الشاهد لحقيقة مزيفة ؛ بالأمس كان عدد مؤمنينا يفوق المليون والنصف واليوم اصبحنا نحصى بعدد ايام السنة ؛
بالأمس كانت قرانا مفعة بالحياة ، بالذهاب والاياب في البناء والعمران واليوم نسال هل سنبقى نواجه التحديات الداعشية وديموغرافية المطالب ويبقى السؤال لماذا البقاء؛ بالأمس لم نكن نفكر في هجرتنا ومغادرتنا وكنا نحسب ارضنا لنا ونتشبث بها واليوم الهجرة هاجسنا وموضوعنا ولا ثقة لنا بارضنا التي احببناها لان الزمان قد غدر بنا وبدات تلفضنا ؛ بالأمس كان لنا ماء وخضار ونهران وكم كانت حياتنا جميلة بخالقها الذي أبدع كل شيء ، واليوم نفتش عن خضار لنلاعب اطفالنا فيها وندغدغ حركاتنا فكل شي قد ضاع ؛
بالأمس لم نكن نعلم ماهي الاحزاب والتقسيمات وماذا تعني الحركات واليافطات فكل شيء كان على بساطة الحياة محبوباً وموقراً واليوم نحن احزاب باسماء ومكونات وعددها يفوق عدد اصابع اليدين وحركات واقليات وطوائف وقوميات ومهامها مسموعة وغير مرئية ومصالح لا تعد ولا تُحصى ولا تُرى بالعين المجّردة نسمع بآياتها وما نعرفه وما نسمعه ماهو إلا بياناتها ولا نرى افعالها وتوضع على اكتافنا  ونحملها ونحن لهم راكعون فالكبار لها ساندون والصغار من اجلها واجلهم مطيعون خانعون ؛
انا لست متشائما ولكني سابقى اقول كما قالها يوما المسيح الحي " تعرفون الحق والحق يحرركم" (يو32:8) وقالها غاندي " ان اقول الحق في وجه الاقوياء"  والخوف لا زال هاجسا مخيفا فهل سيعود ثانية فقد كان لنا تجربة قاسية واجهناها برجاء اكيد في ايماننا بالمسيح الحي ولكن اسال السنا امام تحديات جديدة تحديات المستقبل تحديات التشبث بالارض والبقاء فيها شهادة لايماننا ووفاء لمسيحيتنا ولحوارنا وسيبقى السؤال يراوح في محله وبدون جواب هل  سيعطى للمسيحيين حقوقهم ويعودوا يعيشوا مطمئنين الى قراهم .
ولكن إذا ما بقينا على هذه الحال فالقادم مخيف، وشعبنا لا زال يرحل، ولنعلم أننا بعد أن جُرّدنا من كل شيء، من المال والمجوهرات، من الأملاك والحاجيات، سنترك شعبنا ومعابدنا ونقصد جمعيات وافدة بسبب عدم إدراكنا للطرق الملتوية والغريبة التي يأتون بها أصحابها، فهم يعلّمون أولادنا أن هذه كلها كنائس ولا فرق بين هذه وتلك، وتضيع الحقيقة،ويضيع الوطن ،  ويتم المَثَل القائل "بطني عبادتي، وإلهي دنياي"، والويل إذا كان الراعي في سبات عميق أو كان أجيراً إذ لا يهمه أمر الخراف "فيأتي السارق ويذبح ويُهلك" (لو39:12)... وياليتنا كنا أمساً في يومنا. وسأبقى بنعمة الرب متفائلاً وسأبقى أقول " لتكن مشيئتك يارب: تلك مسيرة إيماني ، نعم وأمين ، أليس كذلك .


79
رسالة مفتوحة الى غبطة ونيافة ابيناالكاردينال مار روفائيل الاول ساكو السامي الاحترام
نعم : أنتم لنا ملاّحٌ وراعٍ

في البدء
أعلن البابا فرنسيس يوم 20 أيار الماضي في صلاة التبشير الملائكي عن ترقيته لأربعة عشــــر كاردينـــالاً جديداً، وجاء اسم غبــطة البـــطريرك لويس روفائيل ساكو (الكلي الطوبى) في المرتبة الأولى، من بينهم أحد عشر ناخباً للبابا و3 من المتقاعدين، والبطريرك ساكو من ضمن الكرادلة الناخبين.ان هذا الحدث الذي شهدته كنيسة العراق بطائفتها الكلدانية ما هو إلا علامة لتأكيد إيمان الشعب الذي شهد لمسيرة الهجرة والنزوح والتكفير وفي هذا الزمن القاسي .بهذا الخبر رقصت قلوبنا وابتهجت افئدتنا وزغردت افواهنا واستولى الفرح على وجودنا وتجسد العيد بيننا بمسيرة الحياة في كنيسة العراق الشاهدة والشهيدة .

طوائف ومسيرة
في 9 شباط 2010، أُعلن عن تأسيس مجلس رؤساء الطوائف، وقد استبشرنا حينها كلنا خيراً، وتنفس المؤمنون رائحة المسكونية التي نحن في انتظارها كي تتفتّح في حياة المؤمنين فتكون وحدة الكلمة والإيمان، وأن يكون المجلس ممثِّلاً للحضور المسيحي، ويعمل على تفعيل التعاون المشترك دون التدخل في خصوصيات الكنائس أو الكيانات الخاصة لأيٍّ منها.. وكل هذا وبعد ثمان سنوات لم يتحقق منها شيء إلا النزر اليسير، وهذا ما جعل غبطته حينها أن يُظهر عدم ارتياحه لهيكلية مجلس رؤساء الطوائف المسيحية في العراق، فأصدر في 3 كانون الثاني 2017 بياناً أعلن فيه إنسحاب الكنيسة الكلدانية، وطالب بإجراء تعديلات واعتماد تسمية "مجلس كنائس العراق" بدلاً من "مجلس رؤساء الطوائف المسيحية"، وتفعيل دوره خصوصاً وإنه حتى الآن لم يقدم شيئاً كبيراً يُذكر.
 نعم يا رؤوسائي الكرام إنَّ كنيستي اليوم في وطني تشعر إنها وحيدة وحائرة ومضطَهَدة وشهيدة، ويحمل أولادها مستقبلاً مبهَماً من أجل البقاء أو الرحيل، وهذا ما يجعل أن تتسرب إليها المياه وخوفي أن تغرق في أفكار ضالّة كموجات عارمة، لأن كبار الزمن ورجال العابد  غير مهتمين بشأنها وشأن ركّابها وقوة الأمواج التي تناطحها، فهناك مَن يتركها دون أن يعرف لماذا قائلاً: لا يجوز البقاء فيها، فالقائمون عليها من المتعصبين والمختلفين والطائفيين، وقل ما شئت في هذا الشأن والسبب ربما يعود إلى أن حضورهم في الكنيسة لم يكن إلا تماثيل صامتة، فلم يتعلموا طرق الإيمان في رفع الصلاة بتقوى القلوب.فما أقسى الزمن الذي نحن نعيش أيامه، هل هو زمن الإضطهاد ربما؟، هل هو زمن المآسي والأنانية ربما؟، هل هو زمن التهجير والرحيل ربما؟، هل هو زمن النزوح وإفراغ البلد ربما؟... كل هذه تذكّرنا بمأساة القرن الماضي، ما حلّ بأجدادنا وكيف فتكوا بهم وقتلوهم ورحّلوهم وذبحوهم كخراف ونحروهم ككفرة وكأنّ تلك الغيمة السوداء توقفت على رؤوسنا فأصبحنا دخلاء في أرضنا، وغرباء عن تراب خُلقنا منه، ولا يمكن أن ننسى ما حصل للشهيد المطران فرج رحو والاب رغيد والشمامسة رفاقه وما حصل بكنيسة سيدة النجاة واستشهاد 47 بينهم الابوان وسيم وثائر ، كما  لا زلنا نذكر ما قام به الارهابيون من أعمال شريرة وراح ضحيتها أبرياء.ولا زالوا حتى اليوم يفتكون بنا كما لا زال السطر لم ينته. أتساءل: أين المجلس الموقر، من هذا كله ، وأين أصبحنا؟، أين أصبحت أمّنا الكنيسة المقدسة؟، هل ضيّعنا السبيل وتهنا في طرق الدنيا والزمن وأصبحنا نلفّ دنيانا لنجد أبواب معابدنا؟، وهل إيمان آبائنا وأجدادنا كان إيماناً صورياً وعاطفياً؟، وأخذنا نتساءل: أين هو المعيار الحقيقي للإيمان، للعبادة؟، وأين هو الإيمان الصحيح؟، أين نحن وأين هي كنيسة العراق اليوم، بل كنيسة الغد، بل كنيستنا الآن؟. ولكن لنعلم أن الكنيسة قبل كل شيء ليست فقط طائفة أو رعية أو حظيرة أو مسمّيات مختلفة وبإسم أشخاص بل هي لراعيها يسوع المسيح الذي قال:"انا هو الراعي اصالح ...." (     )، فهو يعمل فيها كونه الكائن الحي، نولد به بالعماد، ونتغذى بقربانه فننمو ونتوحد معه، وهذا سبيل كنيسته وأما سبيل كنائسنا ؟

ساكو كاردينال
الحقيقة أن الكنيسة اليوم بحاجة إلى عَنصرة جديدة تهبّ على العالم وعلى ساكني هذا العالم وعلى القائمين عليها، وهنا كانت نفحة الروح بمواهبه بأنْ أعطت لنا السماء رسولاً يحمل صليب المسيح ليشهد على ذلك بإيمانه، ويعمل بضميره وبالروح والقلب من أجل تجديد ونفض الغبار عن مسيرة الكنيسة عبر مجالس كنسية، جاعلاً أن لا تبقى أسيرة الخوف وسجينة الطائفية، فما عليه في هذا الزمان إلا أن يحضن حتى الأعداء -وان لا عداوة في المسيحية - الذين يظنّهم خارجين عن سياق مسيرته، فالمسيح الرب قال:"أحبوا أعداءكم... صلّوا من أجل الذين يضطهدونكم" (لو27:6-28)، يذهب إليهم _ وربما هم الخروف الضال _ فيأتي بهم لأن الكنيسة لا تتجدّد إذا لا تحمل سِمات الروح ومواهبه على مرّ الأجيال، فهي تجمع في شبكتها من كل جنس، وتجمع من بينهم الخطأة فيشعرون بما أحدثته الخطيئة في داخلهم من تمزق، فهم بحاجة إلى غفران لينهضوا من كبوتهم وليس معاداتهم بسبب آخرين شوّهوا سمعتهم وبصائرهم، وربما هؤلاء الآخرون هم أفسد الأصدقاء، ويتراؤون انهم  أقدس الحكماء. فما نحتاجه هو الغفران لتبدأ الكنيسة مسيرة جديدة براعٍ حمل أفكاراً ونظرات ومثالاً وحقيقة لابدّ من أن تكون من أجل حقيقة الكنيسة، فهي تحتاج إلى تقديس ذاتها فالمسيح قال:"لأجلهم أقدس ذاتي ليكونوا هم أيضاً مقدَّسين بالحق" (يو19:17) وهنا كان مخطط الرب عبر اعلان قداسة البابا فرنسيس بتسمية البطريرك ساكو كاردينلا للكنيسة الجامعة . 
غبطة ونيافة ابينا ساكو ، أن يعيَّن كاردينالاً من قبل قداسة البابا فرنسيس ، فما ذلك الا عَنصرة جديدة لكنيسة العراق وليس فقط للكنيسة الكلدانية وإنْ كان من حقها أن تقول هذه الحقيقة، ولكننا نحن اليوم في زمن نُحسَد عليه، فالعراق يفرغ من مسيحييه، ومؤمنونا يقصدون جمعيات وافدة، وخلافات بين كبار المعابد وخدّامها، آفة تشكّك مسيرة الكثيرين. وهنا أعاتب سيدنا( سيادة المطران يوسف توما ، مطران كركوك ، الجزيل الاحترام ، بعد أن أطلب بركته فليس من الصحة أن يقول انّ هدية البابا إلى كنيستنا وان الكنيسة الكلدانية التي كانت تناضل ضد التعصب والإرهاب فإنها ذات مغزى، فإنها قدمت العديد من الشهداء ربما فيه شيء من الصحة. ولكن يا سيدنا لا تنسى الماضي القريب الذي شهد كارثة كنيسة سيدة النجاة وضحاياها فهي الشاهد الأكيد، وإذا عدنا إلى القرن الماضي ستجد ما أعطته العديد من الكنائس شهداء ليعجز اللسان عن ذكر أسمائهم وأعدادهم، فأرجو عفواً سيدنا أن تزيل أحياناً الطائفية والمصلحة في مثل هكذا مناسبات، فالبابا أهدى الكاردينالية لغبطة سيدنا ساكو وما هو إلا لكنيسة العراق المتألمة والمهاجرة ، وهذا ما قلته أنت في سطر سابق لكلمتك "إن هذا الترشيح هو علامة على شموليتنا"، ما أجملها من عبارة!، ولكن ألا يكفي من أن نكون طائفيين أو إنفراديين لوحدنا وكأنّ الدنيا لنا والسماء لمصيرنا، فهذا لا يجوز في هذا الشرق القاسي. والكلدان ليسوا فقط السكان الاصليون للعراق بل كل المسيحيين وكل العراقيين هم السكان الاصليون وإنْ كان المسيحيون بصورة خاصة أصلاء، فالعلاقة بين الكنائس اصيلة ومتجذرة. وفرحة الكنيسة هي فرحة كنيسة العراق حيث توجهها البابا فرنسيس بان جمع شملنا حول غبطته ونيافته لنكون معه صوتا من اجل كنيسة العراق ويكون لها راعيا امينا ومحبا.
علامة متميزة
نعم، يكفينا فخرا واعتزازا ، ان كاردينالنا السامي الوقار غبطة ابينا سيدنا ساكو ، عمل ولا يزال يعمل  من أجل السلام دون كلل، ذهب، رحل، حطّ رحاله، قال، صرّح، عبّر، قل ما تشاء فهو يستحق هذه الألقاب، وقد شهدناه في الأيام القاسية لداعش كما شاهدنا وسمعنا آباءنا الروحيين ورؤساء كنائسنا والعديد من الخَدَمة الصغار كانوا علامة لروحانية واحدة حملها الروح إلى العالم حيث الكنيسة تشهد بتاريخ مسيرتها، فقد دافع وناشد الحكومات والسلطات المحلية والدولية والذين بيدهم القرار إنْ كانوا رجالاً رسميين أو مقدسين أو مسؤولين من أجل أن يعود السلام والأمان ويعود شعبنا إلى بناء قراه ومدنه، نعم حملَ هموم الكنيسة والشعب والمؤمنين وقضاياهم ، انها علامة متميزة في مسيرة الكنيسة الواحدة. ليس إلا!.
فاسمحوا لي ان أناشدكم يا سيدنا الكاردينال أن كان مستطاع ان تعملوا على تغيير الوجوه والنيات في جميع مجالات الكنيسة وفعالياتها ، من أجل صفاء الجو المشحون الذي تمرّ به الكنيسة، وإبعاد الفاسدين والمسؤولين المهتمين بشؤوننا كما يقولون والذين شوّهوا بمسيرتهم أصالة المسيحية وإنْ كانوا قريبين منكم أو من طائفتكم أو من طوائف عدة،أو مراكز مهمة ، او دوائر محتلفة ، وجعلوا من انفسهم قادة وقديسين ،  فالله لم يخلق شخصاً ابديا واحداً لقيادة سفينة الحياة او لاجيال لا تحصى ولسنين عديدة ، بل خلق ومنح مواهب عديدة لأشخاص عديدين فقراء كانوا ام اغنياء ،ولزمن محدود ، واعملوا على تشكيل لجان انقاذ يحملون حقيقة العمل والايمان فالوجوه الجديدة سمة تجديد الكنيسة وتحمل رسالة سامية ولو لفترات عبر الكنيسة من اجل المسكونية وبالامكان تغيير وجوههم واتيان بوجوه اخرى  لم نتعود على مشاهدتها ، فكونوا لها من أجل قول الحقيقة دون خوف، وتغيير مجال المسيرة كي تنهض كنيسة العراق. فإذا ما فاقت الكنيسة ورجالها من نومها يفيق العراق كله من سباته مع مسؤوليه، فأنتم صفحة  بيضاء نكتب عليها ما نشاء، وهذا ما علّمتَنا إياه نيافتكم في مناسبات عديدة ولقاءات متعددة في ان نقول الحقيقة في وجه الاقوياء . وكفانا رجاءً عيش المحسوبية والطائفية والقومية، وليُغلَق باب العشائرية والقبلية والقرابة والمصلحة، فالزمان ليس لصالحنا، ووجودنا على المحكّ. فاعملوا سويةً، فكنائسكم تكتب لكم تاريخكم، ومؤمنيكم ينتظرون منكم ثمار وحدتكم وخدمتكم "فالشجرة الصالحة تثمر ثمراً صالحاً" (متى17:7)... أنتم هذه الشجرة التي من أجلها أتيتم وضحّيتم ومنحكم الرب أقدس ما يملك فكونوا من أجل شعبكم قديسين "فالرب هو قدوس" (1بط16:1).ومبروك لكم الكاردينالية وكرسيها وسلطانها وابوتها .
المونسنيور د. بيوس قاشا
ختام وتهنئة
نعم هنيئا لكم قبعتكم الكاردينالية فسفينة الكنيسة في العراق الجريح تنظر اليكم وانتم لها وتنتظر منكم وانتم ملاحها ، نعم أنتم ملاح ماهر ، وراع ساهر ، فمبروك لكم يا نيافة ابينا الكاردينال هذا المنصب المقدس والرفيع ، ولننتظر لنقطف يوما ثمار الروح ، والله على ما اقوله شهيد ، واختم طالبا بركتكم الابوية بعد تقبيل يمينكم المقدسة ، ودمتم . نعم وامين 

80
رسالة مفتوحة إلى الفائزين للدخول في قبة البرلمان

عذراً .. يا ممثلي شعبنا .. كونوا أمناء وأوفياء
المونسنيور د. بيوس قاشا
   في البدء
أستمحيكم عذراً في بدء مقالي هذا، وإنني أضع نفسي وأقوالي ووجودي المتواضع
ورسالتي المقدسة أمام أنظاركم ولكم كل الحق والحقيقة في أن تكتبوا تعليقاتكم كما تشاء إرادتكم وكما تتصورون أهدافكم، وقولوا ما يطيب لكم وما شئتم أن تقولوه، وسجّلوا ملاحظاتكم وكونوا شهوداً لما أقوله وما أفكر به، ولكن كونوا أمام مسؤولية ضمائركم، وحقيقة إيمانكم، ووفاءكم لشعبكم، فأنتم من أجل رسالة سامية أتيتم، ومن أجل فدائه إنتخبكم شعبكم، فلا تبيعوا حقيقة إيمانكم ومسيرة ضمائركم كسلعة من أجل الغيرة والحقد والحسد والكراهية والتجارية، فالأنانية إذا سمحتم لها مجالاً ستتربّع في قلوبكم، والمصلحة تنتظر وتراقب ساعة ضياعكم، والعولمة المؤلَّهة تُفرغ عقولكم وقلوبكم من الإله الحقيقي يسوع المسيح كي تتربعوا أنتم على كراسي مسروقة، ومناصب مباعة، وغايات مشتراة، وأوليات مبهمة، فتسترخصوا ضمائر شعبكم وتبيعوها في مزاد ساحاتكم، وتجعلون من أنفسكم أبرياء من خطايا إرتكبتموها بحقكم كما بحق شعبكم البائس الراحل والمهاجر بسببكم، وبعد أن لعب الشيطان الرجيم دوراً هاماً في مسيرة حياتكم، فانتبهوا إلى أن لا تعودوا إلى زمن الكراسي والمناصب، وزمن الطائفية والقومية، وزمن العشائرية والقبلية، وزمن المصلحة والمحسوبية، ولكن بالعكس إعملوا على إحياء زمن الشهادة للحقيقة وإنْ كلّفتكم حياتكم، لذا أقول لا تبخلوا أن تكونوا لها حاملين، ولإسمها ذائعين، وتحت شفاعتها مؤمنين.

  مسيرة الصراع
نعم، إنتهت مسيرة الصراع في سباق الإنتخابات. قاسيتم ما قاسيتم، سهرتم، خطّطتم، ذهبتم ورحلتم هنا وهناك من بلدة إلى أخرى ومن مدينة إلى جارتها ومن قرية إلى قرية، فكان السهل، كما الوطن، أمامكم ساحة واسعة لنضالكم ومستقبلكم، ومن المؤكَّد كنتم رسلاً لتحملوا رسالة إيمانكم سياسياً واجتماعياً، ونعمة العماذ تتراءى على وجوهكم كما على جبين كل واحد منكم، وها قد وصلنا جميعاً إلى نهاية المطاف وحُسمت الإنتخابات بنتائجها، ففاز مَن فاز، ومبروك للفائز، وهاردلك للآخر.

  كلمة حق
نعم، أكتب أسطراً ملؤها حقيقة الحياة وشهادة الإيمان كملحق لرسالة كتبتُها تحت عنوان "كلمة من أجلكم" قبل حوالي فترة من الزمن وبالتحديد في 9 نيسان 2018، وما أتمناه منكم أن تكون لكم آذاناً صاغية لإدراك وفهم ما تسمعون وما تقرأون، وما يتردد عبر إعلام موجَب أو سالب في رسالة الوطن والكنيسة والدنيا. ولا يسعني إلا أن أقول بدءاً مبروك، إنها كلمة الحق أمامكم وإنْ كان في داخلي يحاربني التشاؤم بشكل غريب ولا يسمح مجالاً للتفاؤل ليكون أمام الأنظار بسبب ما حلّ بنا وبسبب البؤس الذي ملأ قلوبنا وعشناه في الحروب التي دارت على رؤوسنا، والحصار الذي أنهك قِوانا، وكم كنتُ قريباً في هذا كله من آلام شعبنا ومرارة حياتنا. ولا يزال السؤال يجدد استفساره: إلى أين نحن نتجه؟، وصوب أي هدف نتوجه؟، فهل ستكونوا أمناء للشعب الذي انتخبكم أم لمصالحكم؟، وهل ستقولون بكل شجاعة حقيقة الحدث في وجه الأقوياء من رجال الدنيا والزمن والمعابد، أم ستكونون خاضعين وخانعين لمراكزهم وكراسيهم وتخوتهم، ولا تشعرون بجوع أبنائكم أو بعطشهم إلى الحقيقة في دستور الحياة والوطن؟. لذا إنني أرى همومي أكبر من طاقتي، والحياة بالنسبة لي ما هي إلا ضياع وكفر بحقيقة الإنسان البريء، كما هي  مسيرة مؤلمة نحو مستقبل مجهول، ولا زالت الهجرة كما الرحيل ينخران في أجسادنا ووجودنا، وأصبح كل واحد منا يعلن من على المنابر أو في المجالس بأننا يوماً سنرحل ولا يجوز البقاء في هذا البلد المخيف وأمام رجال خانوا شعوبهم، فذلك اليوم ليس ببعيد.

   السبيل الصحيح
إن مستقبل شعبنا رهنٌ بمستقبل وحدتكم، وحدة أفكاركم وأهدافكم، ومدى بُعدكم الواحد عن الآخر، فهل فكرتم بأن تعملوا من أجل تراصف صفوفكم؟، فالمرحلة التي نجتازها خطيرة أكثر من خطر داعش الإرهابي، واعلموا أن الحروب التي خضناها كُتبت علينا دون إرادتنا، ولا زال أولادنا في صفحة عدم الوجود منذ سنين طويلة، وبعد حروب عديدة، كما إن قوانين بلدنا تجعلنا من التبعية المحبوبة لمصالح محسوبة، وأمام هذا كله وأخرى عليكم أن تعرفوا أننا ذقنا آلاماً لم تكن في الحسبان، لذلك أخاف أن لا تكون إنقساماتكم تؤدي بنا إلى نهاية المطاف وهو الضياع الأكيد، فتعمل على إفراغ قراكم ومدنكم وكنائسكم من مؤمنيكم وأبناء شعبكم، فما عليكم إلا أن تنسوا الماضي ومآسيه لتبدأوا حاضراً ومستقبلاً بربيعه وليس كالربيع العربي البائس، وهذا لن يكون أكيداً إلا بتضامنكم وما ذلك إلا السبيل الصحيح والسراط المستقيم "والله بكل شيء عليم" (سورة الحجرات؛ آية 16) وهذا سيرسم لكم صفحة تاريخ وجودكم ليقول لكم: أنتم كنتم ولا زلتم وأحفادكم، وستبقون أصلاء كما أنتم، فالعراق أرضكم أولاً وأخيراً، أصلاً وأصالةً وأحراراً، والمسيح الحي يقول:"إذا حرركم الابن صرتم بالحقيقة أحراراً" (يو36:8).

   مذلّة ... وهوان
أحبائي... إنكم تقفون اليوم أمام مخاطر تداهمكم أنتم ونحن من الداخل كما من الخارج، فأنتم لا زلتم أهل ذمّة، ومرشَّحين لدفع الجزية والتكفير عند بعض من أبناء الدنيا. ومن المؤكَّد أنكم تعلمون جيداً كم عشتم أياماً قاسية وأوقاتٍ عصيبة فُرضت عليكم، كما لا زلتم عند البعض تشعرون بسببهم بالمذلّة والهوان في كل الأزمنة والأوقات وهم أنفسهم الذين دنّسوا أرضنا وكنائسنا، وأجرموا بحقنا، وجعلوا من أرضنا غابة أدغال، ومحوا الإنسانية من وجوههم فأصبحوا ذئاب الحياة، وأفسدوا ما استطاعوا، وإنْ كان بإمكانهم ذبحنا لعملوه دون خجل ولا حياء، فهم من أجل هذا كانوا وسيبقون، وفي هذا كله أدعوكم أن تحدّدوا رؤيتكم ومصيركم، فلا تبيعوا الحقيقة من أجل مصالحكم، ولا تخافوا أن تقولوها أمام كبار الزمن الفاسدين والذين يحتضنون الحيتان الصغيرة، ويكتبون أسماءهم إنهم من الأبرياء، وهم شياطين سود إذ عملوا على تشييع الحق إلى مثواه الأخير. إحملوا رسالة شعوبكم وهمومهم، وأفرغوا عنكم روح التعصب والحقد والطائفية المقيتة والأنانية الحزبية والخضوع سجوداً للفاسدين من أجل حمايتهم، ولا تزيدوا مساحات الإختلاف بينكم بل إعملوا على إزالة التفرقة والأولية، فكلكم واحد، وأنتم كلكم متساوون في حبّنا لكم واحترامنا لشخوصكم، وكلكم مسؤولون عن شعوبكم وشعبكم، وبكلمتكم الواحدة الموحَّدة تكونون صوتاً واحداً لأنكم جميعاً قطيع المسيح الحي "أنتم خرافي" (يو4:10)، ومسؤوليتكم جميعاً هي أمام الله. فقضيتكم ليست فقط قضية وجود بل أيضاً تحملون رسالة خاصة في عالم مضطرب يشهد تحديات لا حصر لها، فأعدائكم يعملون في ظلمة قراراتهم على إبعادنا وإفراغ ديارنا، فيطيّبون رحيلنا، وأنتم جميعكم في قارب واحد تخوضون فيه عباب البحر الواسع، وفي هذا القارب تعيشون معاً وتموتون معاً. لذا أناشدكم: كفاكم الخوض في معارك جانبية ولا تدوروا بعدُ في حلقات مفرغة وفي صراع من أجل المصالح والمحاصصة، واعلموا أن لكم أباً واحداً هو "الآب السماوي" (متى9:23) فقد حانت "ساعتكم الآن لتفيقوا من نومكم" (رو11:13) فلكم سيد واحد هو المسيح (متى10:23)، ومستقبل أجيالنا وأحفادنا في رقابكم وأنتم تتحملون وزرهم لأنكم ضيّعتم مستقبلهم بسبب خلافاتكم وصراعاتكم ومصالحكم وأهوائكم ولهوكم ونسيتم أن تكونوا أمناء لمسيحيتكم، فوصية واحدة أوصانا الرب إذ قال:"أحبوا بعضكم بعضاً كما أنا أحببتكم" (يو34:13) واعملوا "كل واحد منكم ما يرضي أخاه لخير البنيان المشترك" (رو3:15) "مسالمين جميع الناس" (رو4:12).

   الإرشاد الرسولي
نعم، إرفعوا أصواتكم في وجه الشرّ والفساد والإرهاب والتطرف، وقاوموا ثقافة الخوف والموت، واحملوا شجاعة الإيمان و"ترس الحياة" (أفسس16:6)، وقدّسوا تراب أرضكم، وارفعوا شأن وطنكم، ولا تقبلوا تفسير آياتٍ وفتاوى من أجل تدميركم، ولا تسمحوا بإصدارها، فالإرهاب داعش أسود يفسد الحقيقة والخير والبركة، وضعوا في هذا كله ونصب أعينكم رسالة المحبة والتعايش والحوار، فالإرشاد الرسولي "شركة وشهادة" أوصى بهذا كله ونادت به كنائسنا المشرقية إذ يقول:"إن كنيستكم في الشرق الأوسط تحجّ إلى هذه الأرض المباركة منذ فجر الإيمان المسيحي وهي تواصل بشجاعة شهادتها ثمرة حياة شركة مع الله ومع القريب" (عدد1) و"شركتكم هي حياة الله نفسها التي يعطيها لنا بالروح القدس وهي جامعة كما أنها منفتحة على أشقائنا اليهود والمسلمين وعلى جميع الأشخاص" (عدد3).
   
   الختام
واليوم، وإذ وصلتم إلى قبة البرلمان، لا تكونوا ممثّلين لأحزابكم ولأقربائكم ولمصالحكم ولمنابركم، بل كونوا من أجل شعبكم ووجوده، واعلموا أنه بدون وحدتكم ستخسرون أرضكم ووجودكم، وماذا ينفع إن ربحتم جيوبكم ومناصبكم ومصالحكم وخسرتم أنفسكم (مرقس 36:8). فاصلحوا الفاسدين، ولا تكونوا من الحامين عنهم والذين لا يقرّون بسرقتهم وحقدهم لأنهم مؤمنين بأن كبار الزمن عنهم يدافعون. وفي الختام، أدعو لكم خالق السماء وساكنها أن يطيل في أعماركم، ويأخذ بأياديكم ويبارككم، لتكونوا أمناء وليس أمراء، وأوفياء وليس بخلاء، فحبّكم لأرضكم وشعبكم يدعوكم أن تسهروا الليالي "على القطيع من الذئاب الخاطفة" (متى15:7)، ولتكن قضايا شعبكم مصائر مسيرة أعمالكم ومسؤولياتكم وواجباتكم، ولا تكونوا متصارعين فيما بينكم فالتاريخ لا يرحم أحداً، فأمام أنظاركم يُسلَب سهل نينوى خطوة تلو خطوة فتموت أصولكم وتغادركم أرضكم ويتيه شعبكم "واتفقوا برأي واحد وبقلب واحد ولسان واحد" (رومية5:15)، واحملوا أثقال بعضكم بعضاً وهكذا تقضون شريعة المسيح (غلا2:6) و"ليكن أكبركم خادمكم" (متى11:23) وكفاكم من طَرقِ أبوابِ السياسة المزيفة التي تضعكم في حلبة الصراع من أجل البقاء في تدمير واحدكم الآخر، حتماً ستكون هذه نهايتكم (لا سمح الله) إذا ما واصلتم صراعاتكم الزائلة وأقوالكم المزيفة وأهدافكم المتعصبة، فأنتم إخوة أشدّاء و"أبوكم واحد هو الآب السماوي" (متى8:23). واعلموا أن الأشد خطراً هو أن يتخلى المسيحيون عن رسالتهم وشهادتهم، فالمسيحية لا تزول إذا أراد لها المسيحيون ألاّ تزول. فالكنيسة معكم، فهي ليست حاكماً أو نظاماً بل مهمتها أن تربط مسيرة حياتكم وشعبكم بالمسيح الرب ، وحرية العيش والإيمان، وليبارككم ربّ السماء، فلا تخافوا أبداً من قول الحقيقة، فالمسيحيون أصول وأصلاء وليس طوائف وغرباء... ليس إلا!، نعم وآمين. 

81
محطات في مسيرة الرجاء
المونسنيورد. بيوس قاشا
في البدء
إنها المحطة الاولى من محطات عديدة مرّت علينا من أيام الأحتلال وإلى الآن ،  أرويها لكم أيها القرّاء الكرام   لتعرفوا حقيقة الأمور( لوقا 4:1)  دون رتوش، ولتُدركوا وتعلموا أنّ  الإتّكال على رب السماء شجاعةٌ إيمانية، فهو الذي  وعدنا أنه سيرسل مَن يتكلم ويجيب عنّا أمام كبار الزمن الأشرار الذين يشوّهون مسيرة الإيمان، فليكن لكم رجاء باسم
يسوع، فإنه أحبّنا حتى الموت(1كو 15: 19)  وفدانا ليعلّمنا أنّ طريق السماء هو غير طريق الدنيا المزوَّرة، فأرجوكم أن تعيشوا وتثبتوا في إيمانكم ولا تخافوا ولا تشكّوا ( متى28:10) . فمسيرة حياتنا محطات املٍ  ورجاء ، فإلى المحطة الأولى .
كان ذلك الصباح مشرقاً بشمسه، وعظيما بقداسته، وكبيراً بمناسبته، وكم كان هواءُه عذباً، الساعة تشير إلى العاشرة والثلث صباحاً. غادرتُ مقرّ رعيتي مار يوسف الكائنة في منطقة الكرخ ، إلى منطقة الرصافة ، حيث مقرّ الأبرشية السريانية ، للمشاركة في الإجتماع الشهري لكهنة الأبرشية ومأدبة الغداء التي أقامها المطران متي شابا متوكه (رئيس الطائفة آنذاك) بمناسبة سيامته كاهناً وأسقفاً. وكان قد فُجِّر قبل يوم بالضبط سيارة مفخخة امام مقهى شعبي قرب مرقد الشيخ عبدالقادر الكيلاني في منطقة باب الشيخ وسط بغداد.وراح ضحيته اربعة قتلى و24 مصابا " .   إنتهى الإجتماع، وبعد المشاركة في الغداء الذي دعانا إليه سيادته _ والذي أقيم في دار إحدى العاملات في دار المطرانية حينها (الآنسة "م")، حيث كانت تقيم في بناية خاصة تابعة للطائفة _ كانت الساعة تشير إلى الثالثة والربع عصراً بتوقيت بغداد،. ألقيتُ التحية على الحاضرين من سيادة المطران والكهنة، وشكرتُ الآنسة "م" على الدعوة، لأعود بعدها إلى رعيتي مار يوسف في المنصور. كان الوضع الأمني متأزّماً جداً في بغداد بين الإخوة الأعداء، وحرب الطائفية على أشدّها وفي أماكن متفرقة، فالضحايا الأبرياء يسقطون، وجثث ملقاة هنا وهناك، وكان القتل على الهوية ، والأسماء كانت هي الفاصل المميت، وكان للإرهاب دورٌ في عدم إستقرار الأمن في بغداد. وكوني أحد سكان منطقة الكرخ، كنتُ قد أستأجرتُ _ للعمل معي _ سائقاً ويدعى "أبو علاء" من أجل ذهابي وإيابي فهكذا كان يتطلب الأمر حينها.

ساحة التحرير
وصلتُ إلى منطقة ساحة التحرير وسط بغداد، وبعد إجتيازي إيّاها بأمتار قليلة، وأمام بناية وزارة الإعلام سابقاً، أوقفتني سيطرة شرطة لا أعلم هل هي سيطرة وهمية أم سيطرة حكومية إذ لا يوجد علامة تشير إلى أن السيطرة نقطة رسمية وحكومية وكان تعدادها ثلاثة أشخاص، شرطيَّين وضابط، يرتدون زي الشرطة وبرفقتهم سيارة زرقاء اللون بلون الشرطة العسكرية المعتاد،  وبدون لوحة تعريفية مرورية، مما يعني شكاً أنها سيارة للشرطة. نظرتُ فإذا بالشارع خالٍ من المارّة تماماً. نعم، إستوقفني الشرطيان الواحد عمره لا يتجاوز (19سنة) والآخر ربما يقترب من (24سنة) ، وأشهر أحدهما سلاحه في وجهي، وفتحا بعنف باب السيارة، وفي حالة هجومية أنزلاني بسرعة غريبة من مقعدي، وما هي إلا لحظات حتى وجدتُ نفسي خارج السيارة، فيما دخل الخوف إلى قلب سائق السيارة ، حيث كانت حرب الطائفية مستعرة تماماً في العاصمة بغداد، ومن خوفه أخذ يتلعثم في الكلام، حينها أجبروه على البقاء في  السيارة وعدم الكلام والحركة "يلا إركب السيارة واكعد وما تحجي شي وما تتحرك"، وأشاروا إليه مجبرين إيّاه بالبقاء في السيارة دون حركة. وأنا لم أكن أبالي بشيء ولم يكن الخوف قد ملك قلبي وحواسي، كما لم أكن أظنّ أنّ مشكلتهم معي ، كوني أولاً مسيحياً، وثانياً رجل دين، وثالثاً كنتُ مرتدي جبة رجال المعابد، كما لم أكن أحمل سلاحاً، وهذه علامة أكيدة لمسيحيتي ولدرجتي الدينية. وحتى هذه اللحظة لم أشعر بأي خوف، ولكن الحقيقة كانت غير ما كنتُ أفكر، إذ كنتُ أنا المقصود من قِبَل هؤلاء. صرخ أحدهما في وجهي وبكل شراسة وقال:"تعال إنزل حالاً هنا أنت مطلوب من الجهات الأمنية وأكو كتاب بإلقاء القبض عليك"، فقلتُ لهم:"عفواً يمكن أنتو متوهمين"، ردَّ بكل عصبية:"لا إحنا ما متوهمين"!!!.

منع التجول
نعم، أُمرتُ بمغادرة مقعد السيارة. أنزلاني خارج المركبة، ومدّ أحد الشرطيين يديه في جَيْب الجبّة الأمامية وأخرج للحال _ ودون إذن _ بطاقتي الشخصية (هوية الأحوال) وجهاز الموبايل ومفاتيح الكنيسة وقال لي مرة أخرى:"إنتَ أكو عليك إلقاء قبض"، قلتُ له:"على ماذا؟ وشنو المشكلة أو الجريمة اللي عملتها"، فقال:"إحنا ما نعرف هسة راح ناخذك للضابط مالنا ونشوف بعدين". وبدأ يفتش ويقلّب في الموبايل عن الأسماء الموجودة وأرقام الهواتف، ثم قادني إلى ضابط كان جالساً في مقدمة سيارة شوفرليت زرقاء اللون أيضاً خلف العمارة (كما قلت عمارة وزارة الإعلام سابقاً) التي أوقفوني بجانبها، لا أعلم هل هو ضابط أم لا، لا أعلم، لأنه كان مرتدياً زيّاً نصفه الأعلى يدلّ على أنه زيّ الشرطة والقسم الأسفل بنطلون جينس بلون خاكي، وسيارته هذه كانت تبعد عن مكان توقيفي حوالي عشرين متراً.
في هذه الأثناء طرق بابَ مخيّلتي قولُ الرب يسوع:"لا تخافوا، أنا معكم" (متى 20:28)، "الروح هو الذي يتكلم عنكم" (متى20:10 و مرقس 11:13)، فشعرتُ في داخلي أن قلبي قد إمتلأ شجاعة إيمانية، وأية شجاعة!. ولما قادوني إلى الضابط لم أشعر بأية حركة فيها علامات الخوف. وسألني كعَلامة إستجواب عن إسمي بعد أنْ إطّلع على بطاقتي الشخصية التي سلّمها إليه الشرطي، وقال لي:"إنتَ شسمك واشعندك إنت هنا لي هسة"، فأجبتُه:"إسمي هو شخصيتي وهويتي، وأنا رجل دين مسيحي، واسمي مكتوب عندك بالبطاقة الشخصية اللي موجودة بين إيديك"، فأجابني:"وين تعمل؟ وشنو شغلك؟ وليش إنت هْنَا؟ ما تعرف أكو منع التجول بهالمنطقة!!"، فقلتُ له:"لا ما أعرف أكو منع التجول وبعدين كنت بواجب خاص بالكنيسة وهذا شي يخصني"، فقال:"إنت ما تعرف شكنسويت"، ثم أعاد السؤال بطريقة أخرى:"شنو الجريمة اللي سويته حتى يكون عليك أمر إلقاء القبض؟"، أجبتُه:"أنا ما عملت أي جريمة وإنت توجّه تهمة عليّ هذا ما مقبول منك وهذا إدّعاء باطل وغير صحيح ورّيني أمر إلقاء القبض أنا ما عندي شي أنا رجل دين مسيحي لا أقول إلا الحق وما ممكن أقول كلمة كذب وهاي كلها من شيمة مسيحيتي وإيماني"، وواصلتُ الحديث وقلتُ له:"أترجاك إعطيني هويتي الشخصية حتى أرجع للكنيسة قبل ما تبدي الدني تظلّم وأروح أعبر إلى منطقة الكرخ وتعرف اليوم عدنا عيد القديسة السيدة مريم العذراء، مريم أمّ عيسى اللي القرآن الكريم يبجّلها ويقدّسها واليوم عدنا صلوات لتكريمها" (وفعلاً كان ذاك النهار يوم الخميس، عيد الحبل بلا دنس، 8 كانون الأول 2005).

أمَرَ الضابط
   بعد هذه الاثناء، عاد الشرطي إلى حيث صديقه الآخر بأمر من الضابط قائلاً له:"أتركنا وَحدْنا روح إنت لشغلك". تركنا لوحدنا، وبقينا أنا والضابط، حينها أحسستُ بحركة شجاعة في داخلي تدفعني ولم أشعر بشيء إلا بحرارة الشجاعة تلتهب بي دون أن أعرف لماذا. مددتُ يدي لأصافحه، وقلتُ له:"أنت هوني بوحدك وأكيد تعبان وعطشان"، أجابني:"لا أنا مو تعبان ولا عطشان"، فقلت له:"العفو"، وفي حركة غير مرسومة مددتُ يدي إلى جيبي فوجدتُ فيه قطعتين من جكليت الماكنتوش _ وهما اللتان حفظتهما من دعوة الغداء التي أقامها سيادة المطران متوكا إذ كنت آملاً أن أقدمهما لساعور الكنيسة المدعو "ف"  فأخرجتُ واحدة وقدمتها له احتراماً، وأعطيتُه إياها وقلتُ له:"الله يساعدك وأكّلك ليش ما تحلّي ثمّك أنتَ هوني بوحدك والوضع مو زين وأكيد إنت شوية تعبان"، وللحال تغيرت ملامح وجهه وأخذته "الصفنة"، وفي حركة رياضية إستطعتُ أنْ أعطيه "الجكليت" وأسحب من يده بطاقتي الشخصية بحركة لا أعلم كيف قمتُ بها، فصرخ في وجهي وقال:"إنت وين رايح"، قلت له:"أروح أشوف السايق مالتي"، وبسرعة تركتُه عائداً إلى حيث ينتظرني السائق ولا أعلم ما حصل له بعد أن تركته لأكون أمام الضابط، الذي لم يستطيع متابعتي ربما خوفاً من مرور دوريات الحكومة آنذاك، أقولها وأنا شاكٌّ في ذلك.
   
موبايل واسماء
وقصدتُ الشرطيين، فقال لي أحدهما:"شنو طلعت بريء ماكو أمر إلقاء القبض عليك"، قلت له:"لا ماكو أنا رجل دين مسيحي ما عندي شي"، وطلبتُ من الذي بيده الموبايل أن يعطيني إيّاه، فوجدته لا زال يقلّب بلائحة الأسماء الموجودة في الجهاز، فقلتُ له بكل هدوء:"هذا الجهاز ما يفيدك، لو يفيدك كان إنطيتونو إلك هدية، هو جهاز قديم وما بينو شي إلا أرقام خاصة برجال الدين والكنيسة"، فقال لي:"ما يهم ما أعطيلك هو إلا أشوف الأسماء والأرقام، ولازم تدفع مبلغ من المال"، وأضاف:"يعني شكد تكدر تدفع؟"، فقلتُ له:"ما عندي ولا فلس بجيبي، حتى اليوم أنا ناسي محفظتي وفلوسي بالكنيسة"، ونظرت هنا وهناك وفي داخلي غليان وأقول "يا رب ماهذه اللعبة وما هذا الإتهام وما هذه الرشوة"، نظرت وكان الشارع خالٍ من البشر، من الرايح والجاي، فقلت له:"يا أخي يا سيدنا يا محترم إذا إنت جوعان خليني أروح أجيبلك شي اللي أشوفو فرد لفة حتى تاكل واللي راح أجيبو هو بركة بس أظن ماكو واحد مفَتِّح"، فأجاب:"لا أنا أريد فلوس"، قلت له:"أنا ما عندي فلوس ما تشوفني لابس ملابس الفقراء هاي اللي يسمّوها جبة مال رجال الدين هذا يعني أنا مُلْك الناس والفقراء"، ثم سألتُه راجياً:"أرجوك أعطيني جهاز الموبايل خلّيني أروح لكنيستي والوقت هسّة متأخر"، فقال لي:"شلون أخلّيك تروح وإنت ما أنطيت شي؟"، قلتُ له:"عندي جكليت ماكنتوش بجيبي وهذا جكليت مشهور وطيب"، وأخرجت الجكليت من جيبي، وقدمتها له فأخذها واستطعتُ أن أمدّ يدي الأخرى وأصافحه، ثم أخذتُ جهاز الموبايل بسرعة غريبة وصديقه الشرطي الآخر لا زال ينظر إلينا، وانذهل، وحالاً، وفي لحظات صعدتُ السيارة، والسائق لا زال جالساً أمام المقود لا يستطيع الحركة أو الوقوف أمام الشرطي بسبب الخوف الذي كان يملأ قلبه والأمر الذي فُرِض عليه وأُلزِم به، وبقي ساكتاً صامتاً متفرجاً على ما يحصل، ومن المؤكد أنّ الشرطي قال في نفسه بأنه لا يمكن أن يربح مني شيئاً لذلك لم يبالي بشيء حينما صعدتُ السيارة.

ساعة الفرج
   وإذ أقفلتُ الباب، ما كان من السائق (أبو علاء) إلا أن قاد السيارة بسرعة جنونية كالبرق، نظرتُ إليه فوجدتُه يرتجف من الخوف ووجهه أصفر، وقد بانت عليه ملامح الفزع، فقلتُ له:" إنها ساعة الفرج ، روح بسرعة، يلا سوق بسرعة ولا تخاف أبو علاء، المسيح الحي راح يخلّصنا، أكو الله يحمينا وشفت شلون حمانا"، ولم تكن إلا دقائق حتى وجدنا نفسينا عابِرَين جسر السنك الذي يربط منطقة الرصافة بالكرخ من جانب ساحة الوثبة ومنطقة السنك والجانب الآخر وزارة الإعلام في الصالحية، فاطمئنّ السائق كونه عبر إلى منطقته، ولاحت علامات السكينة على محيّاه، وهدأت أعصابه الخائفة. أما أنا فقد أخذتني (الصفنة) وقلت في نفسي:"عظيم هو الرب، نعم الروح يتكلم فينا وهذا ما شفتونو فعلاً... شكراً إلك يا رب، وشكراً للقديسة مريم اللي حَمِتْنا"، حينها قلتُ للسائق (أبو علاء):" تعرف يا أبو (أبا) علاء إحنا الناس الأبرياء ما نخاف أن نكون صادقين لأن نعرف أنّو ربنا راح يحمينا، وإنتَ شفتْ عيسى الحي شلون جا وخلصنا"، فرددتُ مرة أخرى "شكراً لك يا رب".    

صلاة الصليب
من بعد هذه الحادثة قمتُ بتأليف صلاة أسميتُها "صلاة الصليب المقدس"، وكان ذلك صباح الاثنين 12 كانون الأول 2005 وأنا في كنيسة مار كوركيس بالغدير إذ كنتُ أعمل كقاضي بداءة في المحاكم الكنسية الموحَّدة. كتابتها كانت عبر تلقين وحديث بجهاز الموبايل مع سكرتيرة الكنيسة _ ولتأليفها حَدَثٌ سنرويه لاحقاً بمشيئة الرب _ والتي لا زلتُ أتلوها كما نتلوها كل يوم أحد مع أبناء الرعية وبعد نهاية القداس الإلهي أي بعد البركة الختامية، وكان للحدث "حقيقة الإيمان" أنْ لا تخافوا" (متى 20:28).
نعم، هذه محطة  من محطات زمن الرجاء التي عشتُ مراحلها ومسيرتها المؤلمة، حيث كنتُ الكاهن الوحيد في منطقة الكرخ الذي لم يغادر بغداد بسبب الحصار والحروب التي مرّت، فكان الرب حافظي وكانت العذراء حاميتي، وسأطلب من ربّ السماء نعمةً كي أواصل الحديث عمّا حصل عبر حلقات " محطات في مسيرة الرجاء".


الخاتمة
وبعد حوالي نصف ساعة من الحدث، أُدرج الخبر من على أحد المواقع الألكترونية، وقرأه أحد الأساقفة الأجلاء (م. و) واتصل بي وقال:"أبونا أرجوك بلكي تطلب من مسؤول الموقع أن يلغي الخبر لحساسية الأيام والزمن"، فكان أنْ إتصلتُ بمدير الموقع وبعد جهد جهيد إستطعت أن أكلّمَه عبر الموبايل وطلبتُ منه راجياً أن يرفع الخبر من على أسطر صفحات الموقع، فأُخفي الخبر الألكتروني وهذا ما حصل... ربما هناك مَن لا يأخذ الحكاية على منظر الجدّ، أو ربما هناك مَن يستهزء قائلاً كيف أنّ قطعة من الماكنتوش كان لها دور في مسيرة الخلاص التي حصلت. لذا أقول عزيزي القارئ: الحقيقة تُقال مهما كان الحدث ،  هل تعلم يا اخي ،أن ما هو مستطاع عند الله هو غير مستطاع عند البشر (لو27:18 ومر27:10)، لذا فمن الناصرة كان شيء صالحٌ (يو46:1)، كما أن ربّنا بإمكانه أن يقيم من الحجر أولاداً لإبراهيم (متى9:3)... هذا هو إيماني في حقيقة ما رويتُه لكم.إنه محطة من محطات الرجاء .. نعم وآمين.
                             (كُتب هذا الحدث في يوم الخميس، الثامن من كانون الأول عام 2005، عيد العذراء المحبول بها بلا دنس،
                                         الساعة الثامنة والربع ليلاً، وعلى ضوء الفانوس بسبب إنقطاع التيار الكهربائي). 

82
عذراً...كلمتان في مسيرة الحياة
المونسنيور بيوس قاشا
في البدء
   عندما ننظر إلى تاريخ عالمنا وحالته الحاضرة بعلومه وتقدمه
وبدواعشه تغمرنا التعاسة والقلق حيث نرى ونسمع ونشاهد ما يحدث وما يحصل من إجرام وظلم وفساد، وما تنتجه الكوارث
 من مآسي وخسائر بشرية ومادية، والأدهى ، أن الإنسان الذي مارس قديماً إجرامه ووحشيته على أخيه الإنسان ما زال يقوم اليوم
بالاعمال عينها. وبسبب هذه التناقضات الصارخة كثرت هموم الإنسان ومشاكله، وأصبحت مسالك الحياة خطرة، ولا زال البشر الأبرياء يتألمون من آفات الحروب والنزاعات التي تلقي  بثقلها على الحياة الخاصة، فردية كانت أم عامة، وأصبح وجودنا نحن المسيحيين في الشرق قضية موت أو حياة. نعم، إنها مرحلة شديدة الخطورة ولا نعلم مداها وتبعاتها، هل هي على المدى القريب أو على المدى البعيد!.

هذا حالنا:
   هذا هو حالنا أمس واليوم، ففي الأمس القريب والبعيد ثمّة توترات وصراعات نشبت منذ البدايات بين البشر كما بين أتباع المسيح حول السلطة والأولوية، وكذلك خلافات في البقاء والوجود، وهذه كلها كانت مليئة بمشاعر الحسد والغيرة والأنانية والبغضاء والكراهية، كما نخرت في جسم الكنيسة الواحد، في حين أن الرب وصية واحدة أعطانا وهي" وصية المحبة الإلهية"(     ) ، لذلك نرى الكثيرين ومنهم الأقربين تعساء أكثر من كل الناس لأنهم لم يعيشوا هذه المحبة بكل أبعادها، بل بالعكس فقد راحوا يعيشون أحياناً إنسانهم القديم الذي لا يصير أو يرفض أن يصير إنساناً. وكما كان حال التلاميذ أمس هكذا حالهم اليوم إذ ليس أفضل من حال مَن سبقوهم.
   يكفي أن نلقي نظرة سريعة إلى حالهم اليوم لنرى كم أن هناك خصام وانقسام ونزاع وصراع،  وعشائرية وطائفية وقومية ومحسوبية بدل الوئام والإنسجام والسلام ووحدة الهدف والغاية، وهذا ما يجعلنا أن نرى أيضاً كم أن مشاعر الغيرة والحسد والحقد والكراهية والإنفرادية والمصلحية تعتمر قلوب الكثيرين منهم ، ويستثمرون هذه بدل تلك، وهذا ما يجعلني أن أقول أننا لم نستفد من عِبَر الماضي البعيد والقريب، ولم نحصد ثمار آلامنا وهزيمتنا وتهجيرنا كي نكون في الوحدة والتماسك والتجديد واحترام القيم في قول الحقيقة عبر مسيرة الحياة.

رسالة حقيقة :
   أقولها، إذا أردنا أن نكون أوفياء لمسيحيتنا علينا أن لا نخاف مظالم الناس بل نعلنها للملأ بكل شجاعة، كما علينا أن نبقى في مقاومة الظلم والعنف والفساد، وكفانا أن نُجلس الفاسد في أولى الصفوف ونبجّلُه بما لا يستحق، ونستقبله بأجمل ترحيب وكأنه أمير أُرسل من قِبَل ربّ العباد، وهذا ما يجعل رسالتناالمسيحية رسالة خنوع وليست رسالة حقيقة. وصحيح أنه لم نُخلَق ولا يجوز أن تكون مهمتنا الدخول في صراع، بل لا يجوز أيضاً أن نكون خانعين أمام المظالم وعبيداً سيئين أمام محبّي المصالح الضيقة وإرادتهم الفاسدة وشهواتهم الشريرة وشهاداتهم المزيَّفة والزورية.

حواء الامس:
   صحيح نحن المسيحيين عانينا ولا زلنا، واحتملنا الآلام بصبر وإيمان ولا زلنا حتى الساعة، والخوف يملأ قلوبنا من الآتي إلينا، ولا زال لبعض منا بذرة الإيمان لديهم لا تدعهم يغادرون أرض أجدادهم، ولكن كما كانت حواء بالأمس ،لا زالت اليوم تلعب دور الرحيل والهجرة بطرق بائسة مدَّعية أن الله لا يتذكّرهم، وأن أقرباءها ينتظرونها في أرض الله الواسعة، فتُفسد حياة الشهادة في أرض الأجداد من أجل الرحيل نحو أرضٍ تدرّ لبناً وعسلاً، فتُهدي لآدم تفاحة ألكترونية ، لأنه لا يمكنها أن تبقى صامتة أمام ما يحصل دون أن تلعب دوراً في إفساد بذرة الخليقة على صورة العلي ومثاله (تك26:1) من أجل أن تجعل من حب الأرض ضياعاً وفقداناً وموتاً، وهذه علامة من علامات الزمن... إنها أميرة الدنيا أمام آدم الضعيف، ووزيرة الجنة أمام الثقافة الإلكترونية، وفي هذا فقدنا الإنسان وفقدنا قيمته كما فقدنا الأرض ومُلكيتها، وغفلنا عن نداءات المعابد وخدّامها في أن نكون شهوداً وشهداء ليس إلا!.

حياة وموت:
   من المؤكد أننا بقدر ما نتغنّى بالمسيحية ورسالتها وعظمة إنجيلها إنْ لم نحياها كمسيحيين فأي دينونة تنتظرنا؟، وكيف سنقف أمامها؟، فعلينا أن نصغي ونحفظ ما كُتب إلينا وما سلّمنا إيّاه سيد السماوات حيث عاشه الكثيرون ولم يكن يوماً كلاماً ونظريات، بل كان المسيح بيننا ومن بعده رسله، وما تلك إلا وديعة الإيمان. ولنعلم أن الله يريد أن يجلب الحياة حيث يوجد الموت، وكفانا من الفقر الإيماني والروحانية الصحراوية، فلا زلنا نفتش عن المال والسلطة بينما الحقيقة تدعونا إلى أن نقرأ كتاب حقيقة إيماننا ووجودنا ومسيرتنا لندرك أنه كتاب مؤلم بسبب انقساماتنا وطائفيتنا ومصالحنا. ولا يجوز أن يبقى الإنجيل بعيداً عن مسيرة حياتنا، فإذا استمر التباعد بيننا وبين معابدنا ورجالها ، فلن يكون هناك مستقبل لمسيحيتنا ولمسيحيينا في أرضنا وربما نقرأ السلام في آخر المطاف.
   
مواطنة واصالة :
إنني أخاف أن تضيع المواطنة والأصالة في أرض أجدادنا بسبب انقساماتنا وفي ذلك سنشابه الجنود الذين "ليتم الكتاب القائل اقتسموا ثيابي بينهم، وعلى لباسي ألقوا قرعة" (يو19: 23- 24، مز22: 18). ، كلٌّ يريد حصّته ويرحل، وفي هذا أخاف أيضاً أن يمحو التاريخ وجودنا بعد الذي نشهده على ساحة الوطن وساحة بخديدا من خلاف واختلافات، من مصالح وعشائريات، من طوائف وكيانات، من تكتّلات وتشكيلات، من أقوياء وضعفاء، من فقراء وأغنياء، من آدم وحواء، من مصالح وفساد، ويُكتَب بدلَ هذا التاريخ الأصيل الذي عاشه أجدادنا وآباؤنا وبُناة ديارنا ومعابدنا وكنائسنا وحضاراتنا، يُكتَب تاريخاً مزيَّفاً يهوى مصالح البشر وأهداف الحركات والأحزاب والتكتّلات والطائفيات والأئتلافات ، بأسطر حماية الفاسد المعروف والذي يحميه كبار الزمن، فما ذلك إلا تدمير لحقيقة التاريخ ومسيرة المسيحية في أرض الوطن المباع مع الشعوب الأصيلة، وإعلانٌ بزوالنا من حقيقة أرضنا بسبب غايات ومسمّيات وديموغرافيات متعددة لأنه لا مجال للأصلاء أن يُظهروا حقيقتهم خوفاً من أقرانهم البائسين والفاسدين الذي يطلقون شعارات فارغة لكسب عددٍ من الأبرياء الأصلاء، لذا فمن المؤكَّد أن حقيقتهم ستموت يوماً شئنا أم أبينا إذا ما استمرت حالة انقساماتنا في مسيرتنا المؤلمة كما هي اليوم.
   إنني أتألم حينما أرى المواطن البريء سلعةً تُباع وتُشترى، وهذا ما أراه في مسيرة الوطن وما نجده، ومن المؤسف هذا حال الكثيرين أمام رجال الدنيا وكبار الزمن وحرّاس المعابد، وكما يقول المَثَل "الفقير فقير وإنْ لبس ثوباً من ذهب"، فكفانا كبرياءَنا وحمايةَ مصالحنا ، وعن أناس عُرفوا بفسادهم والذين سرقوا قوت المهجَّرين وأحوال المواطنين. فحتى ما يبقى شاهد الحقيقة وفقير الدنيا مكبَّلاً بالسلاسل ومقيَّداً بأوامر مصلحية وسلطوية، وربما أحياناً يُمنح الفقير والشاهد جرعةً مسمومة للتخلّص من شكواه وصراخه ليبقى الفاسد متربّعاً على عرش الدنيا المزيَّف بسندٍ ودعمٍ وحمايةٍ من كبار الدنيا ومن أجل تجارة المصالح، وننسى أن ننظر إلى يسوع الحي الذي علّمنا وسار أمامنا ليرشدنا إلى طريق الحقيقة في" مقاسمة الفقراء والخطأة"  ( متى 11:9) وشهود الحقيقة مسيرتهم.

شاهد وفقير:
   ما أكثر الذين يتراكضون وراء المال الحرام على حساب الأيتام والأرامل والمهجَّرين والنازحين الذين يفتشون عن امتيازات ليست من حقهم وليست مكتوبة بأسمائهم، بينما الشاهد والفقير يبحثان عن لقمة عيش ومكان آمن ليستقرا فيه داخل الوطن وخارجه. أين الضمير الذي يسمع نداء واستغاثة الشاهد؟، أين النخوة المسيحية التي تشهد لحقيقة الإيمان؟، فإنني حتى اليوم كنتُ أفتخر بوطني وبشعبي، وإنني أخاف لعلّني أكون من الذين يخجلون حتى من جوازاتهم، فأكون لاجئاً، فلا آذان تسمع الحقيقة، ولكن بدلا منها نجد أيادي تحضن الفاسدين ليس إلا!.
 إن أشد الأخطار هو أن يتخلّى المسيحيون عن رسالتهم وشهاداتهم التي يمكن إيجازها بالإبتعاد عن الصليب ومسيرته، ويهملون آيات الإيمان والصبر والرجاء حتى تنقضي هذه الأيام السوداء. فلا يمكن للمسيحيين أن تزول مسيحيتهم إذا أرادوا لها ذلك. فالكنيسة مع الوطن ومع كل مواطن، وهي ليست لحاكم أو نظام، مرتفعة فوق الجميع، ومهمتها ربط كل شيء بالمسيح يسوع. فما نحتاجه أن نتعامل بالضمير وليس بالمنصّات والمنابر ، والتهديد والوعيد، بالغيرة والكذب ، ولا يجوز أن يكون رجال المعابد والعاملين فيها ، تابعين لأحزاب أو حركات أو جمعيات لغاية أو لغايات، فلننتبه هناك مصالح عديدة تُمَرَّر ومخططات بين ظهرانينا وخلف شخوصنا. فلنكفّ عن تقطيع بعضنا البعض وزرع بذور الطائفية المقيتة، ومَن لا يستطيع فعل شيء في هذا المجال عليه أن لا يكون حجر عثرة في طريق المسيرة المسيحية والإيمان الإنجيلي، ومَن بإمكانه أن يعمل فليعمل لأجل شعبنا المظلوم والإصطفاف معه إنْ كان شخصاً مستقلاً أو حركةً أو حزباً سياسياً أو منظمة كبار كانوا ام صغاراً، فلا يوجد في التاريخ إلا مَن يدخل التاريخ، ولا تفتخر الكنيسة إلا بأشخاص أخضعوا ذواتهم شهادة للحقيقة من أجل الشعب البائس. فحامل مشعل الإيمان _ وإنْ كان ضعيفاً أمام أقوياء الزمن والذين بيدهم سلطة الدنيا المزيفة _ فهو لا يمكن أن يحني قامته لغير السيد المسيح الحي، وهو يدرك أن شهادته ما هي إلا حمل هموم شعبه وفكر المتألمين والمظلومين دون الانغماس في ترّهات الدنيا.

مرحلة حاسمة:
   إنتبهوا، أقول ، لا تشوّهوا صورة الأصيل والمواطن البريء وإبن شعبكم، بل اسمحوا له بتحقيق وجوديته وإنسانيته فهو اليوم مرهون كما أن صورته مرهونة بعدة عوامل وبعدد من الأسباب ومن أجل غايات، واعملوا أن يحلم بمستقبل ينقله من حالة يائسة وبائسة إلى كرامة إنسانيته ليكون حراً مستقلاً، فهو الركيزة الأساسية وكلنا أبناء هذا الشعب الجريح، فلا يمكن بعدُ أن تكون الطائفية أو العشائرية أو المحسوبية هي مَن تحمي شعبنا وخاصة نحن على أبواب الانتخابات، فإنها خطوة مهمة للغاية في اختيار الناس الكفوئين لخدمة الوطن والشعب والكنيسة، وليس لأنه من قوميتي أو طائفتي أو طاعةً لفلان وفلان واحتراماً لمنصب ومركز، فلا يجوز أبداً أن يكون الناخب شاهدَ زور فمن هنا يبدأ الفساد وهنا تبدأ الخطيئة ، ويبدأ التغيير... إنها مرحلة حاسمة. نعم، إنها دعوة كي نداوي إنشطارنا، كي لا تخيّبنا عواقبه بعد أن نكون قد ضيّعنا مسار طريقنا بانتماءاتنا المختلفة لمصالح متعددة منها كبريائية وأنانية، فالإنقسامات للمسيحيين ما هي إلا خسارة فادحة واضطهاد من أنفسنا لشعبنا، و"أعداء الإنسان أهل بيته" (متى36:10). فلنفتح أعيننا لمسيح الإيمان وليس لمسيح التاريخ والثقافة، فإذا ما كان لنا إيمان عميق به سنرى كل شيء قد تغيّر بقوته ونعمته وبشهادتنا الحقة.

الخاتمة :
   ختاماً: فاليوم أبناء شعبنا ليسوا جائعين إلى الخبز وليسوا عطاشى إلى الماء بل إلى سماع كلمات الرب إذ يقول:"كونوا واحداً كما نحن واحد" (يو21:17)، "أنا والآب واحد" (يو30:10)، لأنني أُدرك أن سبب ضعف الكنيسة في شرقنا ووطننا حاجتها إلى الصليب الضائع منها. فكل إنسان يشتكي ويصرخ من ظلم وقع عليه ويلوم الله على كل شيء، والحقيقة إننا محتاجين أن نعود إلى الصليب بحقيقة الخلاص وشهادة الحقيقة التي علّمنا إياها ربّ الحياة يسوع المسيح ، فشعبنا يتقوى ويمتلئ رجاءً وشجاعة عندما نرى المسيحية التي نتكلم عنها، عندما نرى السيد والإنجيل الذي نحبه، ونرى أشخاصاً يحبون ويجسّدون هذا الإيمان حتى النهاية... فشعبنا صليبنا، وعلينا حمله بكل فرح وإيمان وليس كسمعان القيرواني جبراً ومصلحةً، فأنتم لا تستعطون شيئاً من أحد حينما تطالبون بحقوق شعبكم. فكفانا نقطّع بعضنا البعض، وان كنّا ضحية السياسات الفاسدة ، لنعمل من اجل عودتنا الكريمة وبناء سهلنا وديارنا ومعابدنا وتلك رسالة ووصية الاجداد في أن " لا نخاف" ( متى 28:10) . فإنْ كان شعبنا مظلوماً فلأنكم حافظتم على فسادكم ومصالحكم وغاياتكم ومناصبكم... فلا تبيعوا شعبكم وأرضكم لأنكم أمراء الديرة بل كونوا خدّاماً لبناء الديرة، ولا تكن أسماءكم في الحصاد ومنجلكم مكسور، وايضا لا تنزلوا الى المعركة وانتم غير مسلحين بايمان المسيح الحي . . نعم إنه ايماننا بالمسيح ، إنهما كلمتان وبس ..نعم وآمين.

83
شكرا لمشاركتكم وليبارككم رب السماء

اسس الايمان هي ما تعلمني الكنيسة المقدسة من تعاليمها وشرحها للانجيل المقدس وتعاليم الرسل والاباء القديسين
والاصنام التي انجرفنا بها هي عبادة من اشاء مفسرا الانجيل كما اشاء واعلن تعليمي كما اشاء والايمان ما هو الا هبة من رب السماء واحياه كما تريد مني الكنيسة المقدسة والجامعة الرسوليه نعم هذا هو الايمان الصحيح ايماننا بالثالوث الاقدس بالاب والابن والروح القدس ولكل من الاقالنيم رسالته السماوية والخلاصية وهم بايماننا اله واحد وقد اعلمنا ذلك يسوع المسيح ربنا عبلر انجيله والكنيسة امنا نعم ربما هناك تعابير جادل فيها الاباء في نشاة المسيحية في طبيعة المسيح ودور العذراء ووصل الينا وهذه من خلال اللجان اللاهوتية ستجد طريقها والمهم ان يكون لنا ايمان بالمسيح الحي وبانجيله المقدس ورسالة الروح القدس المعزي وما تعلمه الكنيسة امنا من شرحها للعقائد المسيحية وتعاليم الاباء فنحن نؤمن بكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسوليه . وشكرا ومحبتي لكل المشاركين ولتباركم يد الله القديرة ودمتم .

المونسنيور بيوس قاشا

84
كنيستنا أم ضعف ايماننا

المونسنيور بيوس قاشا

في البدء
إننا في ظروف صعبة من الحياة، وإزاء تخلّي بعض المؤمنين عن التمسك بإيمانهم وطقوسهم ، بأمانتهم ووفائهم ، بمسيحهم وكنيستهم، وتسللهم الى ما يسمى بكنائس او جمعيات او معابد ، وفدت الى ارضنا بالامس القريب ، وحتى اليوم ، ولا زالت . لذا نتساءل مثل إيليا: إنْ كان الله قد نبذ شعبه، إنْ كان الرب قد نسي كنيسته الاصيلة في عمق المشرق المعذب ، ما هذه الاوجاع ، لماذا نُضطهد ، حتى ما قتل الأبرياء ، في هذا كله نشعر أيضاً مثل النبي إيليا بالوحدة والغربة في وسط شعبنا، ونتعجب أشد العجب من خيارات أبناء جيلنا ومن تهاملهم وتخلّيهم عن أسس الإيمان الصحيح، وانجرافهم وراء أصنام جديدة ، وتعاليم جديدة ، وجمعيات جديدة ، شكلاً ولوناً وحجماً وغاية ... ويعود السؤال نفسه مرة أخرى إلى أذهاننا: هل نبذ الله شعبه؟... أين أصبحت أمّنا الكنيسة المقدسة؟ هل ضيّعنا الطريق التي توصلنا إلى أبوابها؟ هل ايمان ابنائنا واجدادنا كان ايمانا صوريا ... أين هو المعيار الحقيقي للإيمان؟ للعبادة؟ وأي إيمان هو الصحيح ؟ وهل طقوس كنائسنا سندٌ لايماننا ، ام اصبحت طقوسنا  حركاتٍ بالية لا يابه بها احد ... أين نحن، وأين  هي كنيسة اليوم ،بل كنيسة الغد،  بل كنسيتنا الآن؟.

شعب الله
من المؤكد ان ملامحَ الكنيسة الأولى بدأت مع مخلّع كفرناحوم، حيث الجماهير المحتشدة والأربعة الذين حملوا الُمقعَد إلى حيث يسوع...نعم  هنا ظهرت ملامحُ أبناء الله في اجتماعهم في بيت لسماع كلام الله، وبيت الله يعني كنيستنا، كما هي خيمة العهد القديم... فالكنيسة، قبل كل شيء، هي شعب الله، وهي الحظيرة والرعية التي فيها وبها يَعمل المسيح القائم ، وهي ككل كائن حي ، تولد بالعماذ وتتغذى بالقربان، فتنمو وتتوحد. وهي مقدسة، وقداستها تقوم في المسيح القدوس لانه اساس قداستها ، . وهي جامعة كما أرادها المسيح بالذات، أي لا يحدّها زمان أو مكان، وهي لكل إنسان،فهي ليست مسجلة باسم شخص مهما كان بل هي خاصة المسيح ، وتنتشر في كل الأقطار كما دعاها المسيح ان تذهب " اذهبوا الى العالم كله" ( متى 19:28) فيها يتابع المؤمن خبرتَه الإيمانية التي بدأت بالعماذ، وتتوضح معالمُها يوماً بعد يوم من خلال قراءة أحداث حياتنا على ضوء خبرة يسوع لاسيما خبرة الموت والقيامة. والكنيسة تحمل طابعاً شمولياً، فهي الوحدة والقداسة والرسالة. فهي تسعى إلى تقديس الناس لتقربهم من الله بما تضع في متناولهم من وسائل وخصوصاً الأسرار المقدسة. ففي ذلك تعني الكنيسة المقدسة الفصل والتكريس. ففي سفر الخروج، عندما اقترب موسى من أرض تجلّى فيها الله، سمع صوت الله يقول له:"لا تدنُ إلى هنا. اخلع نعليكَ من رجليكَ، فإن الموضع الذي أنت فيه قائم أرض مقدسة" (خر 5:3)... هكذا حضور الله يوجب علاقة جديدة.

ايمان وبشرى
لقد شبّه الرب يسوع ملكوت الله بشبكة أُلقيت في البحر ، فجمعت من كل جنس. والكنيسة تجمع جميع أنواع الناس ، ومن بينهم خطأة يشعرون بما أحدثته الخطيئة في داخلهم من تمزق. وهي تقدم _ على مثال مؤسسها السيد المسيح _ ما يحتاجون إليه من غفران لينهضوا من كبوتهم، فهي تحتاج إلى تقديس ذاتها في شخص المنتمي إليها، "لأجلهم أقدس ذاتي ليكونوا هم أيضاً مقدسين بالحق (يو19:17). كما ان  الكنيسة شاهدة لرسالة الإيمان والبشرى، وشهيدة من أجل أبنائها في تقديسهم... إذن هي مدعوة لأن تنطلق في رسالتها إلى العالم كله من الجليل، المكان الذي يرمز إلى الشمولية والخطيئة، لان العالم يحتاجه اليوم وكل يوم ومن المؤسف هناك من  ينصب نفسه داعية ، في أنه اكتشف طريقا جديدة بل مسيحا جديدا قائلا: كفاكم بعبادات وطقوس بالية بل ميتة فلا غير المسيح حسب قول مار بولس إلى تلميذه " لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ اللهِ وَالنَّاسِ: الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (1تيمو 5:2) فيجد نفسه مصلحا بل اكثر من ذلك، يترك كنيسته الاصيلة ويعود يقول ان كل الكنائس هي واحدة .

الكنيسة وبلدي
واليوم تشعُر الكنيسة في بلدي بأنها وحيدة وحائرة ومضطهدة وشهيدة ، كأنها على متن سفينة سريعة العطب، تتسرب إليها المياه من كل جانب،فهناك من يتركها دون ان يعرف لماذا ، متأملا انه لا يجوز البقاء فيها  وهناك من يدرك  وهناك من لا يدرك أنها لن تثبت إلا عبر الصلاة في الإيمان والمحبة لكي تنتصر على كل المحن والصعوبات، وأيمانها الوحيد والأخير هو أن الله أصبح في يسوع وبصورة نهائية عمانوئيل "الله معنا"، الذي يقودها لتشرح وتعلّم أبناءها كأمّ ومعلّمة، تشرح لهم كلمة الله وتحفظ لنا وديعة الإيمان، وتتابع تنشئة الأمم كي يصبحوا رسلاً يتبعون طريق المعلم ليشهدوا حتى أقاصي الأرض.اذن عطاء كنيستنا يعني قوة إيماننا، فإذا كانت كنيستنا خائرة أحياناً في نقل البشرى إلى العالم، فما ذلك إلا دليل على ضعف محبتها للرب، وعدم تجاوبها مع الروح القدس الحال فيها. لذلك يترتب علينا كمؤمنين أن نعي القدرة الكامنة فينا. قدرة الروح القدس الذي حلّ على الكنيسة يوم العَنصرة وما زال يحلّ على المؤمنين في المعمودية. هذا الروح، متى دُعينا وأَصغينا لحركاته، يجددنا ويقوينا، وما من تجديد ممكن في الكنيسة أو في حياة المؤمنين إلا من فعل الروح القدس.

كنيستنا وهوانا
اليوم كثيراً من الأحيان نبيع كنيستنا بسبب هوى هوانا، ومصلحة من مصالحنا، وبسبب أشخاص يعملون لكبريائنا ، ومن اجل ارازقنا خضراء كانت ام حمراء أم صفراء ، أو حجز بطاقة سفر الى أرض الله الواسعة ، لأننا نؤمن أن الخلاص بنا وليس بغيرنا ، او بعيش رغيد وهذا لا يعني إلا إدراكنا الناقص لإيمان آبائنا وأجدادنا الذي استلمناه وورثناه من جرن العماد وفي كنيستنا الجامعة .. نعم، ربما ذلك صحيح حينما نقول: أن كنيسة اليوم بحاجة إلى عَنصرة جديدة تهب على العالم، عالم الباطن، عالم الضمير والروح والقلب من أجل تجديده ونفض الغبار عنه.وهذا لا يعني ان اجعل نفسي مُصلِحا لها ولرجالها ، لذا يطيب لي ان اتساءل ماذا تعني الكنيسة التي لا تحتفل بعشاء الرب القائم؟.ماذا تعني الكنيسة التي تشتري أناساً بزاد الدنيا الزائل؟.ماذا تعني الكنيسة التي لا تؤمن بالأسرار وبسلطة الأولوية البابوية  والرسولية والولاية الكهنوتية؟.ماذا تعني الكنيسة التي لا تحمل أولادها الخطأة إلى كرسي الاعتراف - وان كنّا اليوم قد استبعدناه عن ضمائرنا - أمام مَن خوّلته ليربط ويحلّ بسلطان مؤسسها يسوع الفادي؟.انني ارى اننا نحن لسنا اليوم بحاجة إلى كنيسة تجمعنا فقط يوم الأحد وان كان ذلك عملا بوصية الرب " قدس يوم الرب" (     )  وتقديسنا هو كسر الخبز وكاس الخلاص .ما يجعلنا ان ننظر بكل عمق  نحن اليوم بحاجة إلى كنيسة تحيا وتعيش إيماننا، وترشدنا إلى طريق الحياة في رسالة المسيح الخلاصية.نحن بحاجة إلى كنيسة تحتفل بعشاء الرب وليس باجتماع لاكل الخبز ، ورجالها يربطون ويحلون وكانهم اولياء الله عليها ، وتدفع بأبنائها إلى تبشير كل إنسان، والحقيقة لا ولاية لهم ولا كهنوت،  وهل تلك دعوة مقدسة؟ ان امنا الكنيسة  هي التي تعلّمنا دائماً في أن نقول:"ماران آثا" تعال أيها الرب يسوع. لأنه معها ومعنا حتى نهاية العالم "ها أنا معكم طوال الأيام حتى نهاية العالم" (متى 20:28 ) ، فهو معنا منذ البداية وحتى النهاية، معنا يرافقنا لنكون معاً جماعة الكنيسة، جماعة الملكوت.

الكنيسة والروح
نعم، خاف الرسل عندما اختبروا غياب الرب، ووبّخهم ربنا على ذلك (لوقا 36:24)  وخافوا من عاقبة تنكّرهم له، ولكنهم خافوا أكثر عندما تراءى لهم بعد قيامته، في ذلك كلنا أسرى الخوف، ولكن المسيح الذي أحب كنيسته وأسسها لتنطلق في مسيرة الخلاص، حرّرها من الخوف بكل أنواعه... وهذا النداء كان لهم دور الشهادة للرسل الذين حملوا الكنيسة عبر إعلانهم البشرى السارة. لا نيأس ولا نفقد الأمل، بل لنتسلّح بالتوبة والصلاة مبتعدين عن كل ممارسة دنيوية، وواضعين حياتنا في يدي الله حتى يأتي ملكوته.

نفخة وسلطان
بعد مرور حوالي ألفي سنة على حدث القيامة لا يزال الرب يضرب لكنيسته موعداً ليلتقيها، فيجدد لها عطية السلام ونفخة الروح القدس وسلطان مغفرة الخطايا، ويعطيها ذاته جسداً ودماً كي يغذيها ويرسلها ملحاً للأرض ونوراً للعالم.فهلاّ وجدت الكنيسة في ذلك رجاءً وعزاءً في مواجهة تقاعس الكثيرين من أبنائها، وحصناً وملجأً في مواجهة هجمات المشككين والمضطهدين؟... فكنيسة اليوم ما زالت تتجدد وتعيش بقوة الروح القدس وإرادة الرب في وصية المحبة ، ففتور الكنيسة في نقل البشرى دليل على ضعف محبتنا، وعدم تجاوبنا للروح القدس. لذا يترتب علينا أن نعي القدرة الكامنة فينا، قدرة الروح القدس الذي حلّ على الكنيسة مازال يحلّ على المؤمنين في المعمودية، هو يجددنا ويقوينا، وما من تجديد ممكن في الكنيسة أو في حياة المؤمنين ولو توفرت له جميع العناصر البشرية إلا هو من فعل الروح القدس.
    الختام 
اليوم يدعونا المسيح، وكل واحد باسمه، لنكون حاملي رسالته الخلاصية الى عوائلنا ثم إلى العالم كله. اختارنا المسيح لنكون كبطرس ومتى ويوحنا، وليس كيهوّذا الذي خانه ونحن نخونه بتقاعسنا عن تأدية واجبنا، ولهونا بامور الدنيا المزيفة ،فنقضي اقدس اوقاتنا في اللهو واللعب وكأنّ الرب لا يرانا فنشهد حقيقة أنفسنا غشاً ورياءً كي نكون للكبار عبيدا، وما ذلك إلا مصالحنا ،  وعن تقاعسنا في احترام اساقفتنا القديسين وكهنتنا الغيارى ،  إننا في ذلك نخون المسيح ونسلّمه إلى الموت من جديد... ولنسأل أنفسنا ، هل نحن اليوم نفتح له آذاننا والقلوب، أم أن صخب هذا العالم ووسائله الصارخة تمنعنا من رؤية ما يريده الروح القدس، وسماع ما يأمر به.فما ينقصنا أحياناً شجاعة لكي نكون أمناء لله،وليس الى اصحابنا ومصالحنا فلا نهوى الا ما نهوى وليس لنا الا هم وهنّ ، لاسيما عندما نقف موقف الدفاع عن إيماننا... ولنسأل أيضاً أنفسنا:أين نحن من المسيح؟... أين نحن من كلمته حينما يقول لنا في بولس الرسول  " وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»"( غلاطية 8:1)! "؟... أين نحن من كنيسته؟.مَن هو المسيح بالنسبة لنا؟. كما يقول مار بولس " أفأستعطف الآن الناس أم الله؟ أم أطلب أن أرضي الناس؟ فلو كنت بعد أرضي الناس، لم أكن عبدا للمسيح " ( غلاطية 1:10).ولنعلم إن يسوع حاضر بيننا ، ليساعدنا على عيش هذه الساعات الصعبة ، من مسيرة زمننا فلا نخاف مادام الرب معنا فمن علينا ، وليدرك الجميع وبالاخص الذين يكتشفون طريقا جديدة انّ أمنا  الكنيسة تقول في طقسها السرياني ما نصه " ان جاء احد وبشركم بخلاف ما بشرناكم فليكن محروما من البيعة فقد ظهرت تعاليم مختلفة من كل جانب وطوبى لمن بتعليم الله يبدا ويكمل " . نعم وامين



85
إلى المرشحين من أبنائنا لدورة البرلمان المقبلة

كلمة من أجلكم

في البدء
 
يسرني في البدء أن اهنئكم، بحلول أعياد القيامة المجيدة، من صميم الفؤاد وأدعو
لكم ولبلدنا بالخير والسلام والمحبة، ولينصر الرب شعبنا على الأشرار والإرهاب بجاه المسيح الذي إنتصر على الموت وغلب الجحيم وخلّصنا. ومار بولس يقول في رسالته:"لنخلع الإنسان القديم ونلبس الإنسان الجديد. فكل شي جديد بالمسيح القائم" (أفسس22:4-24). نعم، "فهو حيّ بيننا". ومع مسيرة الإنتخابات _ التي نحن سائرون نحوها _ أُمنيتي أن أرافقكم لأكون لكم كلمة من أجلكم ومن أجل حقيقة شعبكم وما ذلك إلا رسالة سماوية وإن سمحتم فهأنذا.

حقيقة وإيمان
 
إسمحوا لي أن أقول _ وأنتم أعلم مني بذلك _ كنّا وكانت أرضنا وكان سهلنا وربوع ديارنا عامرة، بالأمس بأجدادكم، واليوم بكم وأنتم أهلها، وهي لكم أمّاً حملتكم في صغركم، وهلهلت يوم عماذكم، وزغردت ساعة زفافكم وعرسكم، وبعد أيام وسنين تعودون إليها فتحتضنكم لتذكر ذكراكم ومقامكم في السماء كما على مذابح الرب. نعم، تذكّروا دائماً أنكم الأصول والأصلاء، أنتم الأصالة وعمود البقاء، وحين تموت أصولكم فلا تذكار لكم، وما أتعس الإنسان بدون جذور، فلا تجعلوهم يقلعون أصولكم والويل إذا كنتم لهم مساعدين.
لا تخافوا، فأنتم لستم مستَورَدين... نعم، أنتم لستم جاليات ولا أقليات في إنتماءاتكم، ولا عابري سبيل أو أهل ذمّة أو ضيوفاً عند أحد أو عند شعوب، وارفضوا أنْ يُنظَر إليكم كذلك، فأنتم مكوَّن أساسي، حاملون كرامة الإنجيل وحرية المعتقد، فلستم كفّاراً بل أنتم مؤمنون بالذي أرسله الله كلمة إلى مريم (سورة آل عمران؛ 45) وهو من عمل الروح القدس. ومسيحيتكم من صميم أرضكم وشرقكم، وفي هذه الأرض المشرقية إنتشرت البشرى السارة (مرقس15:16) فكانت نوراً للأمم ومجداً للشعوب. فأرضكم أرض المسيح الحيّ الذي أحبّكم حتى الموت (فيلي8:2)، وحضوركم علامة يعمل الكثيرون على دفنها وتشييعها ورحيلها وإنْ أمكن حتى قراءة الفاتحة على بقائها، فأنتم أعرق وأقدم مراكز روحية مسيحية في المشرق الجريح وإنْ كان صحيحاً بانّ أعدادكم تراجعت وبشكل مقلق بسبب الظروف السياسية والأمنية التي ألمّت بكم وهمّشتكم وجعلتكم تُبّاعاً من أجل مآرب المصالح المزيفة والكراسي المسروقة والمناصب المشتراة والتي عنها يدافع كبار الزمن بأنهم الحقيقة، وفي ذلك يغشّون أنفسهم أو يضعون على عيونهم ما لم تره العيون حقيقة. فلا تستسلموا للواقع الذي يرسمه لكم الأعداء بل إعملوا وخطّطوا لغدٍ أفضل من يومكم، وعالجوا قضاياكم وهمومكم وهواجسكم ـ التي تعصف بكم ـ في تكريس الخطاب الديني المُحبّ والمليء بالرحمة والتسامح، والمتصالح في قبول الآخر المختلف والمهمَّش المنبوذ، بعيداً عن ثقافة التكفير والتحريض والكراهية. فبدلاً من التحريض الطائفي والمذهبي ليكن خطابكم خطاباً ملؤه روح الأخوّة والمحبة والخير واحترام الآخر، ولا تكونوا من المكفّرين، فأنتم بدلاً من ذلك إملأوا عقولكم حكمةً وتفكيراً للنهوض بواقعكم الأليم، واجعلوا من سلبياتكم إنموذجاً إيجابياً يُحتذى به في معالجة الأمور والقضايا بالتروّي والتعقّل... نعم، إنجيلكم يحثّكم على أنْ يُشار إليكم بالبنان.

أجراس وكنائس

أقولها: ما يؤلمني أن أجد شعبي مهجَّراً شارداً نازحاً... ما يؤلمني أن أجد شعبي يستعطي في كل الطرقات... ما يؤلمني أن أجد شعبي يرحل إلى كل المحيطات... ما يؤلمني أن أجد حكمة شعبي قد تاهت في كل القارات، وضاعت الحقيقة، وأصبح الفساد قداسة، والكذب حقيقة، والغش رياء، والكراهية سبيلاً، والعولمة المزيفة طريقاً، والصلاة رياء، والمختلِف عدوّاً، والأرض غريبة، واعلموا أن مسكني قد هُدم وأُفرغ من ساكنيه ومن أهله وأصحابه ومالكيه، وأصبحنا عبيداً لدستور مزيَّف شُغْلُه هدمَ كينونتنا وقلعَ جذورِنا، ومُشرَّعاً ضد عقيدتنا وحرية إيماننا في محو تاريخنا وتدمير حضارتنا، فلا شي غير المال والجاه والكراسي، ومن المؤسف أن تكون تلك أحاسيسي. واعملوا أن إنحيازكم إلى كل إنسان مظلوم ومضطَهَد _ وهذا هو عمق الإنجيل ورسالة الإيمان _ أن تكونوا معزّين للمظلومين والمعذَّبين والمأسورين والمضطَهَدين والمستَهدَفين، وكونوا ملحاً وخميرةً لهذه الأرض، وبقاؤكم هو مصدر خير وبركة وبناء وتضحية. فاعملوا على إعادة بناء أوطانكم ودوركم ومنازلكم، وفكّروا في مشاريع رزق لأولادكم وأحفادكم، ولا تستسلموا لليأس والقنوط وتجعلوا التاريخ يضلّكم ثم يشهر بكم بأنكم بعتم أرضكم ووطنكم بأكلة عدس كما فعل قبلكم عيسو من أجل معدته ودنياه. فواجبنا أن نفتش عن حقيقة الإنسان والله، وعن الحاجة إلى العمل معاً كي لا نعيش في قلق الحياة والخوف من القادم والإرهاب من الجار، فأنتم ملتزمون للعمل لصالح أرضكم وكنيستكم وأصالتكم بعمل يهدف للخير معاً.
نعم، أنتم باقون في منطقتكم، وستبقى أجراس كنائسكم في هذا المشرق العربي تدقّ وبأصوات متناغمة ومعلِنَة أنكم شهود للحياة وشهداء من أجل الحقيقة في إعلان قِيَم المحبة والأخوّة والتلاقي. وتذكّروا دائماً أن المسيح قام حقاً قام. واعلموا أنكم قضية، وقضيتكم أرضكم وكل الوطن، فكونوا مدافعين عن حقوقكم وأرضكم ولا راحلين عن وطنكم، فأنتم وطن والوطن أرضكم وإنْ كان الكثيرون قد غادروه فذلك شأنهم، فالمسيح الرب واحد، أرسله الله لخلاصنا ولا يمكن أن يكون هناك مسحاء آخرين إلا دجّالين، وخوفي أن لا تكونوا كذلك... فلا تيأسوا، فمن المؤكد أن الإرهاب في النهاية سيختفي.

أرملة ... وذئاب

تشجعوا، لا تخافوا يا أحفاد الرجال الأوفياء وبُناة المعابد الأمناء، فالأرض أرضكم فلا تتهاونوا في حمايتها، فهي تناديكم لا تتركوني أرملة فالذئاب كثيرون وإنْ لبسوا ثوب القداسة، وتزيّنوا بزينة الطهارة، وجلسوا على كراسي الزمان، فما هم إلا فاسدون يتاجرون بما لا يملكون، ويحصدون ما لم يزرعوه (متى 24:25)، فأنتم اليوم، وأرضكم ووطنكم أمام مصير مجهول إنْ كنتم قد غادرتموه من أجل ملء البطون وراحة البال وتربية العيال، فالهجرة نخرت صفوفنا وشتّتت كياننا وهدمت حضارتنا فتلاشى وجودنا، ولم يبق لنا من ذكر في تاريخ مسيرة الوطن. واعلموا أن الأرض بمقياسها بنت عشيرتكم ومعبدكم وعائلتكم كما هو وليدكم، ومستقبل أرضكم نداء لا تساويه أثمان بل هو أغلى حتى من عيالكم، فالرب أعطاكم ما لم تفكروا فيه، وما لم تتعبوا به، ومنحكم وطناً ورأى ذلك حسناً (تك 1) فلا تكونوا سلعة للجيران _ شرقاً كانوا أم غرباً، شمالاً أو تيمناً (جنوباً) _ الذين قتلوا آباءكم وأجدادكم يوماً، بل كونوا معهم حكماء النيّة وسليمي السيرة وقائلي الحقيقة وإنْ كانوا أقوياء، ولا تكونوا خروفاً أو حَمَلاً كحَمَل إبراهيم لأنهم يوماً سيسوقونكم إلى المحافل ويطردونكم ويذبحونكم وتُقادون بالسلاسل، بل إحملوا مشعل الإيمان وتشجعوا وترس الصلاة وتقوّوا بالذي فداكم على خشبة العار (مز10:95) فكانت لكم خلاصاً، بهذه ستنتصرون.
تذكّروا قسطنطين وأمّه هيلانة، ولا تسلّموا أنفسكم لهيرودس الزمان _ وما أكثرهم في هذه الحال _ ولا إلى بيلاطس الجائر بحكمه وما أكثر كراسيهم، فأنا بينكم ومعكم نعمل إرادة الإله من أجل الإنسان وخلاصه في شهادة للحقيقة. فلتتماسك أيادينا بقلبٍ واحدٍ ونيّةٍ واحدةٍ، وكفى أن نكون بضاعة للأحزاب والحركات، والديمقراطيات والتوجّهات، والعشائريات والقبائليات والمناصب الزائلة، ولا زلنا نعاني الأمَرَّين كبقية الشعوب والمواطنين على أيدي فئات لا تُقيم أي إعتبار لنا واحترام لمشاعرنا الدينية، وتتلاعب بمصيرنا ومستقبل أبنائنا وكأننا دخلاء على هذا البلد وما شابه ذلك. كونوا كما قال البابا فرنسيس:"إرفعوا دائماً أصواتكم لكبارهم بإسكاتهم كي لا تغييب قيمكم ولا تكونوا ضحايا للخديعة، فإنّ مَن بيدهم القرار لهم أساليب كثيرة ليجعلوكم صامتين"  (البابا فرنسيس في أحد السعانين؛ 2018)، قولوا الحقيقة في وجه الأقوياء، ولا تسيروا في تشييعها وأنتم قتلتموها، ولا تكونوا من الذين يؤمنون بالإنسان وانتم تشوّهون وجه الله المحب.

لحظة ورجعة
 
مرّت المحنة بداعشها وبمآسيها وآلامها، بزواياها المظلمة وسقوفها المهدومة، وإنْ كانت أذيالها طويلة وقاسية. والشكر لربّ السماء الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة من مسيرة المحنة التي نكبت بنا في السادس من آب عام 2014، والتي فيها كنتم كالخراف أمام ذئاب غادرة، وفي تلك الليلة المخيفة والمفزعة كانت الهزيمة، حيث افترشتم حدائق أرض الشمال، وأصبحتم حينها تستعطون حتى منازلكم وكرامتكم بعد أن دُمّرت بيوتكم ونُهبت أموالكم، وأصبحتم تائهين في شوارع المدينة وساحات الإنضباط والتفتيش، وربما _ بل من المؤكد _ أن الغلطة لم تكن غلطتكم، بل كنتم فريسة لمصالح سياسية وديموغرافية وحزبية، من قريب أو من بعيد. إنها لحظة ولّت دون رجعة، وإن شاء الله وبعون سيدة بغديدا أمّنا القديسة مريم بثولتا (العذراء). ولكن إنتبهوا من الآن _ عبر أساقفتكم الحكماء وكهنتكم الأوفياء ومؤمنيكم البسلاء _ أن تكونوا بالمرصاد للشرير والفاسد أينما كان، وانتبهوا أنْ "لا يأتونكم بثياب الحملان" (متى15:7) وبكلام ملؤه العسل والمذاق، وأنتم لهم مصفّقون، فالمستقبل لا يرحم أحداً، كما إن التاريخ لا يجامل الحقيقة، ولا يطاله التشويه أو التبديل أو التزوير، كما إنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة، نافعة أو ضارة، إلا ودوّنها في كتاب مبين (سورة النساء؛ 144).

خبز وسياسات

إنّ ذاكرة الشعوب لا تمحوها الحروب والإرهاب، فلا تكونوا خبزاً للسياسات المزيَّفة، بل كونوا مِمَّن يريدون أن ينتفعوا من تجارب الماضي، واستخلاص العِبَر والدروس، فأنتم أغنى حضارة وأسمى ذاكرة على وجه البسيطة. وانتبهوا واحرزوا من العقول المزيَّفة ومن الحكماء الفاسدين. واعلموا أنكم شعبكم وشعبكم أنتم ، فلا تتقدموا للبرلمان من أجل جيوبكم ومصالحكم الكبريائية الدولارية، ولا من أجل محسوبياتكم وأقربائكم وطائفياتكم، بل إعملوا بكل شجاعة من أجل أرضكم وأصالتكم ووطنكم، ولنتذكر وأقول لكم: إن ما حدث في كنيسة سيدة النجاة _ وكنتُ سامعاً وحيداً للآهات، وشاهداً لِمَا حلّ بها من تدمير وقتل الأبرياء المصلّين _ لن تكون الأخيرة إلا إذا عرفتم مقام أنفسكم وقيمة سياساتكم ومنهج مسيرتكم بروح المواطنة والتمسّك بها وحبّ الوطن، كي لا تسمحوا للكوارث والمآسي والمحن تنتابكم مرة أخرى كما حصل مع داعش. فلا أحد معكم إذا كنتم مشتّتين، منفردين، محبّين لذواتكم وأنانياتكم، بل إعملوا من أجل وحدة وطنكم ومحبّة ترابكم وشعبكم، وإعادة بناء مدنكم وقُراكم، وحقيقة مسيرتكم المسيحية والإيمانية والإجتماعية، تاركين الخيارات الطائفية والمذهبية والسياسية والمصلحية والقومية الضيقة خلف ظهوركم، وانتبهوا من رفع الشعارات التعبوية من أجل دغدغة المشاعر فما تلك إلا بالونات وزوبعة في فنجان، فأنتم أحفاد المؤمنين الغيارى. فكونوا شهوداً للحقيقة وشهداء من أجلها، واعلنوا من بينكم الفاسد واعملوا على إصلاحه وليس على تقديسه، قولوها بأعلى أصواتكم فالمسيح الحيّ ربنا كان لها شاهداً، وإلا سيكون الضياع والفشل وداعش أسود آخر، فلا تحلموا بالعودة، فالأحلام تُشيَّع نهاراً، بل عودوا إلى دياركم، وكونوا أحفاد الذين كانوا من أجل العراق، أبناء الرافدين وأبناء دار السلام وأور أبينا إبراهيم. أنتم أبناء الجبل والوادي والسهل، والقرى والمدن. عودوا إلى دوركم واسكنوها، وارجعوا إلى كنائسكم المقدسة وزيّنوها بطقوسكم السريانية والكلدانية والآشورية والأرمنية... كونوا رسالة وطريقاً نحو السماء.

الختام
 
حينذاك لا تخافوا، فالشعب سينتخبكم لأنكم له ومن أجله، ومنه كنتم وأتيتم ولا زلتم. سيبقى المسيح حيّاً فينا، فلا تخافوا مهما كانت الجمعة العظيمة قاسية فهناك نور أمل ورجاء بالقيامة المجيدة وفيكم، ألم يقل المسيح:"مَن آمن بي وإن مات فسيحيا" (يو25:11). فشهادتكم لمسيرتكم، مسيرة من أجل أحفادكم ومدنكم، ورجاؤكم ورجاؤنا بالمسيح الحي "فالمسيح قام حقاً قام"، واعلموا أن الإنسان هبة من عند الله وهو عطيته وصورته، والله وحده سيد الحياة، وهو الذي أرادنا هنا لنؤدي شهادة حسنة ليس لها بديل، وتلك دعوتنا السامية. وفي ذلك سنتمنى للكفوء أن يأخذ مكانه ويفتح عينيه (لو:28:24) ليقرأ ما أرسلَتْه السماء من أجل الإنسان، وما أبدعه المسيح الحي بقيامته من أجل إعلان ملكوته، وهكذا تقضون شريعة المسيح وإن ظنّ أحد أنه شيء... لا تتطلّعوا إلى أمجادكم الشخصية وإبراز ذاتكم وعضلاتكم من أجل صورة مزيّفة، ولا تكن رغبتكم بالكلام والمواعيد، فستنجرفون وراء الأخضر، وتبيعون الفقير وقضية وطنكم، وتحمّلكم لمسؤولياتكم يعني القدرة على زرع نبتة الحقوق وليس لزرع المنافسة والقتال والغيرة بينكم. فلتكن ضمائركم يقظة خوفاً من هبوب العاصفة، فستجدون أن منازلكم وقصوركم قد بُنيت على الرمال الكاذبة والمواعيد المرجوَّة الفاسدة فيكون سقوطها عظيماً (متى 27:7). ويقول مار بولس:"إعلموا أن كل شيء طاهر للطاهرين وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهراً بل قد تنجس ذهنهم أيضاً وضميرهم. يعترفون بأنهم يعرفون الله ولكنهم بالأعمال ينكرونه إذ هم رجسون" (1تيطس 15:1-16)، و"كونوا قدوة للمؤمنين في الكلام، في التصرف، في المحبة، في الروح، في الإيمان، في الطهارة، في قول الحقيقة في وجه الأقوياء دون خوف والشهادة لحقوقكم..." (1طيماثاوس 12:4).
وأخيراً يقول البابا القديس يوحنا بولس الثاني:"لا تيأسوا ولا تستسلموا أبداً، لا للإحباط ولا للخوف، بل عليكم أن تحملوا أمانة إيمانكم في قلوبكم"... ومبروك لكم ترشيحكم، وإن شاء الله فوزكم... فالمسيح قام... حقاً قام... نعم وآمين.



86

الى الاخ العزيز ظافر شنو الموقر
تحياتي ومحبتي
ربما يكفي لي شرفا وفخرا انني تعرفت عليك عبر المراسلة من موقع عنكاوة الاغر وتعليقاتك على مقالات عديدة وهذا لي شرف كبير ان يكون لي اخ دون ان اراه كما يقول ربنا يسوع " كلكم اخوة "
عزيزي استاذي ظافر
اني ما كتبته في هذا المقال " الى من يهمه الامر " اخوض فيه مواضيع عديدة واذهب لاعاتب الذين شنوا الحروب علينا والزمونا الحصار دون ارادة منا فنحن شعب ووطن لم يكن لنا لا ناقة ولا جمل في موضوع الحروب والحصار والطائفية الا اليسير من الذين باعو انفسهم لمصالح سياسية واخرى غيرها ومن جميع المكونات والعقائد . هذا اولا اما ما جاء في الرد على مقالتك اقول هل نحن فعلا مهيئين لنفهم ماذا يريد شعبنا كما تقولون" شعبنا " وهل فعلا لنا ثقافة حب الارض والوطن وان كانت ظروف الوطن قاسية فما يحصل هو اننا لانجسد اطلاقا ما جاء في الانجيل لربنا يسوع المسيح الذي سبق واعلمنا انهم يضطهدونكم ويطردونكم وووو بمعنى ذلك ان نصف الانجيل يجب ان يوضع على جانب ( استغفر الرب ) فانا ما قلته ايضا لمل البطون ويلهو بالحياة ما اقصده اننا احيانا على مسيرة حياتنا بالكذب امام رؤوسائنا كي لا نظهر انفسنا الا  قديسين ونحن من الداخل غير ذلك ز هذا جانب ايضا وهل يجوز افراغ البلد من مسيحييه وعفوا داعش اراد ذلك اليس كذلك . هل تعلم انني قاسيت الامرين منذ عام 1983 حيث استلمت رعاية كنيسة مار يوسف في بغداد واقولها " الحقيقة لا اعلم انت اين تسكن يا سيدنا ظافرداخل البلد ام خارجه " فقاسيت الحروب والخوف والحصار والحرب الايرانية العراقية وحرب الخليج الثانية ثم الحرب الامريكية وايضا الحصار وكم قُتل من الاطفال في الحصار واليوم شعبنا يموت بسبب امراض قاتلة ، ولم اترك بغداد حتى في اعتى الايام وخاصة الحرب الطائفية كما تركها الكثيرون ايمانا مني وحبي للمسيح الحي وان اكون وفيا له وللانجيل المقدس ولكن كل هذه الايام القاسية التي مرت لم تخيفني يوما لان الرب كان معي ومعكم فلا نخاف اذا هناك ايمان وان كان كبار الزمن لا يفتشون الا عن مصالحهم ويزينون مسيرة حياتهم بحقائق مبهمة .ولم اسمع منهم كلمة معزية في ذلك .وهذا لا يعني انني احبهم واحترمهم .نعم انا لا انكر اولئك الذين احتملوا الالام والعذابات وشهادتهم للمسيح من ابناء شعبنا الطيبين فلا داعي ان نسال عن شعبنا وبحجته كي نربح تصفيق كبار الدنيا والزمن والمعابد  ونكون مثالا يحتذى به ونحن غير صادقين حتى مع انفسنا . ثم اسالك هل حينما تمر ذكرى كارثة سيدة النجاة وفيها كنت الاول من اقتحم وعاين كل شيى فالذين كانوا ضمن الكارثة ربما يقولون او قالوا وهم في حالة مؤلمة وغير طبيعية ولكنني رايت وعاينت وحينما اتكلم عنها اقول حقيقة ما رايت فهل تعلم في ذكراها لا احد من اهلي الضحايا والشهداء يشاركوننا في الصلاة لان كلهم رحلوا . فهل كانت سيدة النجاة سببا للهزيمة ام للشهادة ولا اخوض اكثر في هذا المجال فقد اكون في اعين الكثيرين غير صائب فاقدم اعتذاري .
اخيرا نعم سيدنا ظافر الموقر ، خضت في مواضيع عديدة وغايتي فيها معروفة امام القراء وواضحة وضوح الشمس. فارجو اعتذاري منك للاطالة وسابقى لك وفيا ولشعبي ومهما قالوا عني او ظلمني كبار الزمن لمصالح او لاسباب اخرى كما اتهمني ربما الاحبة والاصدقاء بامور عديدة لغايات في قلوبهم فتلك محطات مؤلمة ولكنها مواقف تجعلني ان اثبت ايماني في المسيح الحي الذي من اجله ساموت متى يدعوني وسيذكر التاري