عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - مروان ياسين

صفحات: [1]
1
موفق

ج15  اكتشاف الحب:اوراق من مدونتي الشخصية

                         
مروان ياسين الدليمي


مراجيح الاميركان في شقق اليرموك   
كنت مطمئنا في تلك الساعة من انها لم تعد تخضع للقلق الذي كان يساورها في الايام الماضية،بينما كنّا ننتظر الى ان يحين دورها لاخذ الجرعة الاولى، لانها بطبيعتها لديها ميل لتطبيق تعليمات الاطباء بحرص شديد، وهذا لانها تحمل شهادة بكالوريوس في الكيمياء من جامعة الموصل،رغم انها لم تنخرط في عالم الوظيفة، لكن اختصاصها العلمي الذي اختارته عن قناعة منحها القدرة على فهم تركيبة الادوية ومعرفة فوائدها ومضارها، حتى انني ذكَّرتُها بذلك اثناء ماكنَّتُ اختلق الاحاديث باية صيغة حتى لاتشعر ببطىء جريان الوقت الى ان يحين دورها، إذ يتوجب علينا ان نكون صبورين لان هناك عشرين امرأة يسبقنها في الترتيب، لذا حاولت  قدر ما استطيع ان الاطف الوقت بمنعطفات تبعث المسرة وتخفف العبء عن الروح المتعبة كي لا نبقى اسرى تلك اللحظات الثقيلة التي امسك بها الزمن بقبضته، فما كان علي الاَّ ان احرِّض ذاكرتها على ان تنتقل معي على اجنحة الكلمات بين ازمنة عَدَّت علينا بحلوها ومُرِّها، وبعد ان اصبحت مطوية في عهدة الماضي، كانت بعض تفاصيلها تأبى ملامحها ان تضمحل  وبقيت تتراقص في مخيلتنا مثل نافورة يعلو فيها الماء وينخفض، فاستدعينا احداثا مرت بنا، خاصة عندما كنا نسكن في شقتنا بمنطقة اليرموك بمدينة الموصل، حيث كانت النساء في العمارة التي فيها شقتنا دائما ما يلجأن اليها لتقرأ لهن مامكتوب باللغة الانكليزية على المصلقات الورقية التي عادة ما يتم بها تغليف علب الادوية، ولم تكن تتثاقل من كثرة الطلبات، بل كانت تشرح لهن مامكتوب فيها من تعليمات تتعلق بفوائد ومضار الدواء، وتطور الامر بعد ان وصلت في الايام الاولى التي اعقبت سقوط بغداد وحدة عسكرية اميركية الى ارض خالية من البناء، كانت تقع في مواجهة العمارة السكنية التي نقيم فيها، ونزل  الجنود من الهمرات وانتشروا بكامل اسلحتهم واخذوا يستطلعونها، ثم بدأوا يرسمون عليها خطوطا بيضاء على شكل مربعات ومستطيلات، وفي فترة الظهيرة جاءت شاحنتان وافرغتا ما تحملانه من اعمدة خشبية وقضبان حديدية، اعقبتها ثلاث سيارات حمل من نوع القلابات محملة بالرمل، وبدأوا باعمال تقطيع الخشب والحديد، وهذا ما دفع سكان الشقق الى ان يتجمهروا على الشرفات والنوافذ واخذوا يراقبون مايجري امامهم ويتساءلون في ما بينهم ولايصلون الى جواب، وجل ماكانوا يخشونه ان يقيم الاميركان قاعدة عسكرية لهم على تلك الارض، فما كان امامهم الا ان يستنجدوا بها حتى تتحدث معهم وتفهم منهم الغرض من هذه الاعمال. وبينما هي تستوضح من العسكري الامريكي عن الغرض مما يجري التف حولهما جمع كبير من النساء،وعدد من الاطفال كانوا قد حشروا اجسادهم الغضة بين النساء ومدوا رؤوسهم نحو الاعلى وكأنهم  كانوا يتابعون امام شاشة التلفزيون فيلما من افلام الرسوم المتحركة باهتمام وشغف،واخذت تترجم لهن ماكان يتحدث به الجندي اجابة على اسئلتها وعلامات الدهشة والابتسامة كانت تعلو وجوههن، لكن دهشتهن لم تكن توازي دهشة الجندي الاميركي عندما وجدها ترتدي العباءة العراقية السوداء التقليدية وتتحدث معه الانكليزية بطلاقة، وتفاجأ اكثر ما أن علم منها بانها ربة بيت وليست موظفة مع انها تحمل شهادة جامعية، ولمّا اخبرتهن بان الاميركان عازمون على ان يقيموا متنزها يضم العابا ومراجيح للاطفال بدل ان تبقى الساحة مكبا للنفايات، ارتفع صوت الصفير والتصفيق من قبل الاطفال، واخذوا يتنططون ويدورون حول الجندي الاميركي وهم يرقصون ويصرخون باصوات عالية " كوود اميركا " وانساق معهم الجندي وهو يردد معهم "كوود اميركا " ولم يترك الفرصة تضيع منه واخذ يرقص معهم، بينما انبطح  بعضهم على الارض وهم يغصّون من الضحك ويؤشرون بايديهم على الجندي.
خلال ثلاثة ايام كان الاميركان يعملون طيلة ساعات النهار مثل خلية نحل، فتمكنوا من اقامة متنزه جميل احتوى على  كل ما يحلم به الاطفال من مراجيح ودولايب دوارة ومزحلقات، في منطقة شعبية تكاد  تكون منسية من قبل السلطة المحلية، كما زرعوا اشجارا بشكل متناسق  حول المتنزه وعلى طول الجزر الوسطية التي كانت تمتد وتقسّم الشوارع الداخلية ما بين العمارات السكنية.
في صباح اليوم الرابع خرجت الى الشرفة كعادتي ولاستمتع بمنظر المتنزه لكني تفاجأت باختفاء الاشجار والمراجيح، ولم يبق سوى القضبان الحديدية المثبتة في الارض، وما ان حل المساء فإذا بالمراجيح يحملها الاطفال وهم يخرجون بها من هذه الشقة وتلك، ويعلقونها بالكلابات المثبته في القضبان ، وبدأوا في التمرجح فيها حتى ساعات متاخرة من الليل وسط صخبهم وغنائهم، وقبل ان يغادروا المتنزه رفعوها من مكانها واخذوها معهم.
وبعد ايام عاد المتنزه الى سابق عهده ليكون مكبّا للنفايات .

الجرعة الاولى
مضت  ثلاث ساعات ولم يتبق الا خمس نساء كن ينتظرن دورهن،عندما نادى باسمها الموظف المسؤول عن تنظيم جدول دخول النساء الى الصالتين المخصصتين لتلقي الجرعات، وكانت الصالة الاولى تستوعب ستة اسرّة، والثانية اثني عشر سريرا. وبينما كانت تستعد للاستلقاء على السرير تذكَّرتْ ما كان قد  حذرها منه الطبيب جمال غفوري بان تتجنب اخذ اي حقنة في ذراعها الايسر حتى لاتتعرض لاي مضاعفات طالما ان العملية كانت في الجانب الايسر من صدرها، فكشفت عن ساعدها الايمن ليتم حقنها اولا وعبر الوريد بسائل لونه يشبه لون الماء كان معبأ بكيس ومعلقًا على حامل حديدي، الغرض منه خلق مناعة دفاعية لديها حتى لاتتقيأ بعد ان تتلقى الجرعة، وبعد ساعة من الزمن نفد ما بداخل الكيس، عندها استدعيتُ الممرضة من غرفة مجاورة فجاءت واستبدلت الكيس الفارغ بكيس آخر معبا بالمادة الكيمائية وكان لونها يشبه لون الدم، وكان يتوجب عليها ان تبقى راقدة في السرير وقتا لايقل عن ثلاث ساعات الى ان ينفد ما بداخل الكيس.
يوسف حنَّا الطفل العملاق
جميع المرضى في الصالة كنَّ من النساء،والى جانبهن تجلس نساء وفتيات يرافقنهن، لذا وجدتني في حالة حرج شديد، وهذا ما منعني من الجلوس بالقرب منها على السرير، وآثرت البقاء حيث كنت اجلس في صالة الانتظار على كرسي بمواجهة باب الصالة المفتوح وفي مقابل السرير الذي كانت ترقد عليه زوجتي، ولاحظت امرأة غير محجبة في العقد السادس من عمرها ترقد على السرير المجاور لها، مصابة بسرطان القولون، ومعها ابنتها التي لم تكن تتجاوز العشرين من عمرها. وكان بامكاني ان اسمع ما كان يدور بينهن من احاديث، فعرفت بانها امرأة مسيحية من الموصل لكنها تقيم منذ ثلاثة اعوام في ناحية عنكاوا التي تقطنها اغلبية مسيحية، وانها على صلة قرابة بعائلة ام يوسف المسيحية التي كانت تقيم مع زوجها وابنيها يوسف وداؤود في شقة مجاورة لنا في نفس العمارة السكنية التي كنا نقيم فيها في منطقة اليرموك، وكانت صلتنا مع عائلة ام يوسف قد إتسمت بالمودة والالفة، ولازلت اذكر ابنهم الاكبر يوسف الذي كان مصابا بمرض السكري ، وغالبًا ما يقضي ساعات النهار في شقتنا يلهو مع ولدي محمد وكان بعمر ستة اعوام، وعلى الرغم من ان يوسف لم يتجاوز السابعة من عمره الا ان ضخامة جسمه مع طول قامته مقارنة باقرانه كان  كافيا حتى يبدو في سن الخامسة عشرة، ودائما ما كان يتعرض للتنمر بشكل وحشي من قبل الاطفال نظرا لتأخره منذ الولادة في النطق حتى انه كان يلفظ الكلمات بشكل غير مفهوم كما لوانه في طفل صغير بعمر ثلاث سنين،وكم من مرة تحايلوا عليه عند خروجهم من المدرسة بحجة اللعب معه ليسقطوه بالتالي في بركة آسنة تقع على الطريق المؤدي الى العمارة السكنية، ورغم كل الجهود التي بذلتها عائلته لمعالجته من مرضه الا انها لم تستطع ان تنقذه من الموت الذي اختطفه مبكرا، وشكل غيابه صدمة قاسية لنا بقدر ماترك اثرًا موجعًا على والديه، فتشابكت الاحداث مع بعضها وابتلعت منّا الشعور بالامان بعد ان شاعت الفوضى في الموصل وبرزت الجماعات المسلحة التي بدأت تنتشر بشكل كبير في منطقة اليرموك بعد العام 2003  فقررت عائلة ام يوسف بيع الشقة بما فيها من اثاث، خوفًا على حياة عائلتها بعد ان انفتحت قروح العنف الديني بكل مايفرزه من كراهية، وغادرت المدينة ولم نعد نعرف عنها اي اخبار، الى ان سمعنا من المرأة المسيحية التي كانت ترقد على السرير بانهم قد وصلوا الى السويد، وان ابنهم الثاني ديفيد الذي كان ايضا مصابا بنفس مرض اخيه قد تمكن الاطباء هناك من معالجته واصبح الان طالبا جامعيا يدرس الهندسة وفي السنة الاخيرة.
نكهة رمضان المفقودة
ونحن نخرج من بوابة المستشفى بحدود الساعة الرابعة عصرا لاحظتُ ان وجهها كان شاحبا جدا، ولما سالتها إذا ما كانت  تشكو من اية اوجاع ،اكدت لي بانها طبيعية جدا، بل اخبرتني بانها تفاجأت لانها لم تشعر بشيء طيلة الثلاث الساعات التي كانت تتلقى فيها الجرعة، بينما كانت قد هيأت نفسها الى انها ستواجه آلامًا ربما لن تستطيع تحمّلها، وما عزز من كلامها انها ما ان دخلنا الى البيت حتى غيرت ملابسها واتجهت مباشرة الى المطبخ لاجل ان تهيء لنا وجبة من الغداء، لانني بقيت طيلة ساعات النهار معتمدا على ماتناولته في وجبة الفطور فقط، واما هي فما كانت قد تناولت حتى وجبة الفطور التزاما بتعليمات الدكتورلقمان الذي كان قد اوصاها بان تمتنع عن الاكل نهائيا في اليوم الذي تتلقى فيه الجرعة،ولما طلبت منها ان تستريح وساتكفل انا بالطبخ رفضت،واعادت على مسامعي مرة اخرى بانها لا تشكو من اعراض ولاشيء يدعو الى القلق.
في اليوم التالي على تناولها للجرعة لم يتبقَّ على انتهاء شهر رمضان سوى خمسة ايام، وكنا قد افتقدنا نكهته الخاصة التي اعتدنا عليها، حيث لم يكن  حضوره في ذاك العام كبقية الاعوام الماضية، بعد ان احاطت بنا الهموم حتى اننا افتقدنا تلك اللحظات التي كانت تظللنا بسحر طقوسها عندما كانت تحين ساعة الافطار، لان الطبيب منعها نهائيا من الصوم واكد عليها بضرورة الاهتمام بنوعية الاكل الذي ينبغي عليها ان تتناوله والاطعمة التي ينبغي ان تتجنبها، إذ يتوجب عليها ان تتناول يوميا انواعا مختلفة من الخضروات والفواكه، وان لاتقترب نهائيا من كافة انواع الحلويات.
 شعرها بدأ يتساقط
كانت تعلم بان شعرها سوف يبدأ بالتساقط في اقرب فرصة، ولكنها في صباح اليوم التالي الذي اعقب تناول الجرعة الاولى كانت قد نسيت ذلك تماما عندما دخلت الى الحمّام، وما ان اخذت تمشط شعرها فإذا بها تنتبه الى ان خصلات كثيفة قد تجمعت بين اسنان المشط ، كما انسلّت من فروة راسها خصلات اخرى وتساقطت على الارض، ولما اعادت تكرار تمشيط شعرها استمر التساقط بشكل كبير، انذاك توقفت عن الحركة، وجمدت في مكانها وهي  تنظر الى الخصلات المتناثرة عند قدميها، ولم تستطع ان تتمالك نفسها، حتى ان دمعة انسابت على خدها، ومن ثم شعرت بتشنجات قوية في معدتها كما لو انها كانت تتمزق، فسقطت مسحوقة تحت احساس عنيف من الالم لم تستطع ان تفلت منه، رغم انها كانت تعد نفسها منذ فترة زمنية لمواجة هذا الموقف باللامبالاة، باعتباره امرًا ثانويًّا ازاء مسالة استجابتها التامة لكل ما تفرضه وصايا العلاج حتى تتماثل للشفاء، كما انها كانت تردِّدُ امامي بان مسالة الشعر اخر ما يمكن ان تضعه في جدول اولوياتها، على الاقل في هذه المرحلة من حياتها، خاصة وانها امرأة محجبة ، لذا لم يكن الشعر ياخذ اي حيز من الوقت  في جدول اهتماماتها الشخصية مثل غالبية النساء، حتى انها رفضت مقترحي قبل ثلاث سنوات بأن تصبغه عندما غزاه الشيب، ولهذا اكدت لي من انها على ثقة تامة بان لا احد سوف ينتبه إذا ما تساقط شعرها، لكن بعد ان وقع الامر، بات من الصعب عليها ان تحظى بلحظة حياد نفسيّة تتحصن خلفها لتتفادى السقوط بتلك الهوة من الاحاسيس المفرطة بالقسوة، لان عقلها الذي دائما ما كانت تراهن عليه في التحكم بقراراتها وانفعالاتها عجز عن اسعافها بالحياد، فادركت انه ليس بوسع المرء ان يتعامل مع انفعالاته مثلما يتعامل مع ازرار المصابيح الكهربائية متى ماشاء ضغط عليها ليتحكم بالظلمة والنور، ولا يستطيع ان يعزل نفسه عما يشعر به في لحظة ما حسب ما يخطط لمشاعره بالصورة التي ينبغي ان تكون عليها كما يشتهي هو ، مهما ارتفع مستوى وعيه بالمشكلة التي يعاني منها، وانحيازه للمنطق والعقل في التفاعل مع مايواجهه من مواقف، ولربما ينجح في الاستعداد مبكرا للمواقف التي يتوقع حدوثها، ويضع خططا مسبقة تجنبه الوقوع في شراك نتائجها، لكنه غير قادر على ان يتحكم بنفسه ما أن تحين ساعة القدر، والأهم من كل هذا ان يمنح نفسه فرصة ان يتسلح بارادة قوية تمكنه من ان لاينجرف ويسقط في دائرة من الاوهام والشكوك والهواجس التي قد تحطم ما لديه من ايمان بامكانية الشفاء او الخلاص من المحنة.

تفكير عميق قبل التنفيذ
في ذلك اليوم نفسه وبعد ان انتهينا من تناول العشاء، وبينما كنا نحتسي الشاي، خيم علينا صمت غريب على غير عادتنا، إذ لم  يحدث ان كانت بيننا مسافات من الصمت المطبق، وكاننا غرباء نجلس في محطة انتظار لانعرف بعضنا، فقد تعودنا على ان تكون لقاءاتنا عند المائدة فرصة ليس لتناول الطعام فقط انما مناسبة لتعميق اواصر المحبة بيننا نحن الثلاثة، ومنح تفاصيل حياتنا ماتستحقه من احتفاء بعفوية مطلقة لانصطنعها ، لاننا عادة لانلتقي معا الاَّ عندما نجتمع لنتناول وجبتي الفطور والعشاء، واحيانا في فترات متباعدة وقت الغداء، اما بقية ساعات النهار فكل واحد منا سيكون مشغولا باعماله واهتماماته، انا منغمس بعملي في القناة الفضائية، وهي في اعمال الشطف والطبخ والتنظيف في البيت، ومحمد في المدرسة، ولهذا شعرتُ بان ثمة امراً ما كان يدور في بالها، وكانت تصارع نفسها بين ان تبوح به او تؤجله لوقت آخر، وما كان صعبا علي ان استشف ذلك، فالعشرة الطويلة التي جمعتنا تكفلت برفع الحواجز التي كانت تفصل بيننا، واصبح كل واحد منا يفهم ما يفكر به الاخر من غير ان تكون هناك حاجة لكي يبوح به، فالنظرة العابرة كانت كافية لان تفك شفرة الايماءة، لكنها في ذلك اليوم كانت تبدو مغلفة بغلالة سميكة من الحيرة جعلتها عاجزة عن الانسياق وراء عفويتها، وقبل ان اسالها استدارت ناحيتي وطلبت مني بأن أحلِق لها شعرها بماكنة الحلاقة وبدرجة صفر مثل حلاقة الجنود المستجدين. ولاني كنت على معرفة مسبقة بمجيء مثل هذه اللحظة، لذا كنت مستعدا لها اكثر منها، ولهذا لم اسالها لماذا، واكتفيت فقط  بان اجبتها بكلمة" حاضر" ولمْ ازد عليها كلمة اخرى، خاصة وانني انتبهت الى انها كانت تبدو مثل شجرة كسرتها ريح عاتية فمالت بجذعها ولامست اغصانها التي مازالت يانعة الارض، فما كان مني الاَّ ان التزم الصمت في محاولة منّي ان يبدو تصرفي طبيعيا، كما لو ان لاشيء يدعوني الى التعجب، لاني كنت مقتنعا في ما اذا حاولت ان اواسيها في تلك اللحظة فإن من الممكن ان ادفعها الى حافة الانهيار والسقوط في نوبة من البكاء، وهذا ما قد يفجر فيها ألمَاً دفينا كانت تسعى طيلة الايام الماضية الى  تجاهله والتهرب منه لعلها بذلك تتغلب عليه، سواء كان ذلك بالصلاة او التسلح بالشجاعة او الايمان بما كتبه الله لها، وربما يتسبب ذلك ايضا في تدهور حالتها الصحية،لان دكتور جمال غفوري كان قد اوصاني بضرورة ان نجنبها اي مؤثرات قد تسبب لها الحزن او الغضب، ويتوجب علينا ابعادها عن اية اجواء قد تولّد في داخلها  انفعالات سلبية، لانها كفيلة بان تمنح السرطان فرصة ان ينتعش مرة ثانية ويبدأ في التمدد من جديد، فليس مثل الحزن ما يمهد الطريق لخيانة جسد الانسان المريض والمساهمة في تدميره خاصة في مثل حالتها، ولهذا كنت شديد الحذر عندما طلبت مني ان احلق شعرها، فتعاملت مع الموضوع باعتباره مسالة طبيعية، لاتستدعي  الاستفسار اوالمناقشة، وكانني لم اسمع امرا مهمًّا يدعوني الى التوقف عنده .

شَعرٌ ومرآة وماكنة حلاقة 
بعد مضي نصف ساعة كانت بيدها مرآة صغيرة وهي جالسة على كرسي وسط صالة الاستراحة في البيت، بينما كنت امسك بيدي ماكنة حلاقة كهربائية، وما أن بدأت في  تشغيلها والبدء بتحريكها عند اسفل مؤخرة راسها حتى طلبت مني أن احلقه تدريجيا وعلى مراحل وليس دفعة واحدة ،لانها لاتستطيع تحمل رؤية نفسها فجأة وقد تحولت الى قرعاء.
تراكمت خصلات شعرها بلونه الكستنائي على الارض، وكأنها كانت تعكس سنوات حياتنا المشتركة التي عشناها معا  لمدة اثنين وعشرين عاما وكانت مشاعر الحب والالفة والاحترام قد منحتها نكهتها وحلاوتها التي جعلتنا لانسقط في دائرة التذمر مما كان يصادفنا في حياتنا من عوز ومشقات وصعوبات في العيش، فكانت المحبة بمثابة الترياق لمواجهة السموم التي ترغمنا الدنيا على تجرعها حتى نستمر في البقاء، ولولاها لما صمدت حياتنا الزوجية كل تلك السنين، دون ان يعكرها شيء سوى خلافات صغيرة عادة ما تنشأ بين اي زوجين بينهما تفاهم كبير، وسرعان ماتنتهي بعد لحظات وكأن شيئا لم يكن، بفعل السحر الذي يمارسه الحب على عقول المحبين قبل عواطفهم ، حتى انه يدفعهم الى ان لايجدوا في الاعتذار لبعضهما تنازلا اواهانة للكرامة الشخصية اذا ما أخطأ احدهما بحق الاخر في لحظة غضب، فالرجل يبقى رجلا في مكانته وحضور هيبته وشخصيته والمراة تبقى محتفظة بانوثتها وجمالها وادميتها وكرامتها، ولن يحدث اي خدش في روح وجوهر علاقتهما ، وبدافع الحب ايضا لايضعان في اعتبارهما ان تخرج اي خلافات قد تحصل بينهما خارج حدود  السقف الذي يجمعها، فلا الاهل ولا الاقارب ولا الاصدقاء يمكنهم ان يلعبوا دورا في حياتهما اكثر من الدور الذي يلعبانه في الحفاظ على حياتهما الزوجية، لان الحب ولوحده يمنحهما طاقة لاحدود لها تجعلهما يستوعبان بعضهما في شتى الازمات النفسية التي قد يمر بها احدهما.
كان ولدي محمد يجلس على الكنبة وهو يراقب المشهد ولم يكن مستوعبا ان يرى امه تفقد شعرها نهائيا، وان تظهر على غير الصورة التي عرفها بها. ولهذا وجدته منزويا في مكانه يراقب مايجري امامه محاولا استيعابه ولم يكن يبدو عليه انه كان مرتاحا .
"ياأمي، لماذا هذا الاستعجال، لربما العلاج الكيميائي لن يؤثر على تساقطه؟".
"لستُ مستعجلة ، انما اريد له ان ينمو بشكل متساوٍ .. لانه صباح هذا اليوم تساقطت الكثير من الخصلات في الحمّام " .
ثم اتى بحركة طريفة بأن غطى وجهه بكفه رغبة منه  في عدم رؤيتها وهي تبدو على هيئتها الجديدة .
بالنسبة لي وجدتها في شكلها الجديد تبدو جميلة جدا ، لانني احب شعر المرأة عندما يكون قصيرا، وكنت قد  طلبت منها مرارا ان تغير من تسريحة شعرها الذي كانت تحرص دائما على ان يكون طويلا .
"صدقيني ، انت الآن بهذه الشكل تبدين اجمل بكثير مما كنت عليه" . 
"انت تجاملني وتحاول ان تخفف عني بهذا الكلام ".
بدت متأثرة من شكلها الجديد، بينما كانت تنظر في المرآة الكبيرة المعلقة على الجدار فوق المغسلة الى رأسها الحليق تماما من الشعر ، ثم مرَّرَت كفها على فروة رأسها  اكثر من مرة تتحسس شعرها الذي اختفى نهائيا .
"انتِ الآن تشبهين المطربة الفلسطينية ريم البنّا التي اصيبت هي الاخرى بهذا المرض، فما كان منها الا ان حلقت شعرها كما انت الان، وظهرت على شاشة التلفاز في عدد من اللقاءات والثقة تملأ نفسها" .
" انا اعلم بانك تحاول ان ترفع من معنوياتي"  .
"ابدا ، هذا الكلام ليس من باب المجاملة ورفع المعنويات، لانك تذكرين جيدا بانني كنت  دائما اعبر لك عن عدم اعجابي بالشعر الطويل ، ودائما ماكنت اقول لك بأنه يذكرني بشعر الغجريات اللواتي يظهرن على شاشة التلفزيون وهن يرقصن متباهيات بشعرهن ". 
اذكر انني وبينما كنت احلق شعرها ،انتبهت الى انها اصبحت تشبه والدها كثيرا ، حتى ان احدى شقيقاتها عندما اتصلت بها في صباح اليوم التالي عبر الهاتف من الموصل ومن خلال خدمة الماسنجر الفديوية قالت لها " انت الان تشبهين بابا كثيرا " . 
لم استغرق وقتا في التفكير عندما وقفت امام المرآة ونظرت لثواني معدودة  الى صورتي المنعكسة عليها ، ثم شغلت الماكنة وبدأت بحلاقة شعري حتى بانت جلدة راسي،بينما كانت الدهشة تعلو وجه ابني وهو ينادي علي"لماذا؟" . اما هي فما كان منها الا ان تمسح دمعة بكفها كانت قد انزلقت على خدها ، ثم تقدمت نحوي وامسكت بكفي ورفعتها الى الاعلى وقبلتها .
                             
 بعد يومين اعتادت على شكلها الجديد،وصارت تتحرك في البيت من غير ان تذهب الى المرآة لتنظر الى رأسها كما كانت تفعل في اول يوم .

انتكاسة في العيد
انتهى شهر رمضان وحل عيد الفطر، وكان صباح اليوم الاول منه مشمسا كبقية ايام الصيف في العراق ، مع ارتفاع كبير في درجة الحرارة وصلت الى مافوق الاربعين. واجتمعنا ثلاثتنا عند مائدة الفطور الصباحي، وكانت تبدو صحتها طبيعية وما من شيء يدل على انها ستنتكس بعد الساعة الثالثة من عصر ذلك اليوم ، حيث بدأت تشعر بالبرد الشديد وجسدها يرتعش اثناء ما  كنا جالسين امام شاشة التلفزيون .
كان من المفروض ان تتناول الجرعة الثانية في الليلة التي تسبق العيد  ،لكن الدكتور لقمان كان قد اجَّل  تناولها الى ما بعد العيد على اعتبار ان لاأحد من الاطباء سيتواجد في المستشفى ابتدأ من ليلة العيد وحتى نهايته، لذلك كنت اخشى ان يكون سبب تراجع وضعها الصحي نتيجة التأخر عن موعد تناول الجرعة،والمفارقة ان حرارتها كانت مرتفعة لكنها كانت تشعر بالبرد. طلبت منها ان تدخل الى غرفتها وتتمدد على السرير، وبدأ محمد يضع كمادات على جبهتها حتى تنخفض درجة حرارتها التي بقيت مرتفعة حتى ساعة نومها في تمام العاشرة ليلا.
"ابي لم لاتأخذها الى الطبيب ؟"
"كان بودي ان آخذها، لكن لاأحد من الاطباء موجود في عيادته الى ان ينتهي عيد الفطر" .
ما كان مني ألاّ أن استسلم للأمر الواقع، لذا عدت الى غرفتي وعاودت قراءة كتاب"قيام وسقوط الرايخ الثالث ونهاية دكتاتور" الذي كنت قد بدأت بقراءته قبل عدة اسابيع لكنني لم استطع ان انتهي منه بسبب انشغالي بمتابعة حالة زوجتي المرضية مابين البيت والمستشفى . 

يتبع ..

2
ج14 – اكتشاف الحب : اوراق من مدونتي الشخصية

                                           
مروان ياسين الدليمي


 نوستالجيا

قبل ان يحين موعد اقلاع الطائرة التي سنعود على متنها الى اربيل احالنا الانتظار الطويل الى الشعور بحالة من الارهاق والضجر، ولكن الذي  خفف عنا هذا الشعورتلك الاحاديث التي فتحت ابواب الحنين على مصراعيها، مع عائلة مسيحية اصولها من محلة السّاعة في مدينة الموصل القديمة، صادف ان جلست بالقرب منا، فاستحال الوقت معها الى حيوات وامكنة استعدنا صدى تراتيلها وانغامها من انفاق الزمن، بعد ان نفضنا عنها تراب النسيان، وما اصاب ملامحها الوديعة من خدوش وتشويه خلال العقدين الاخيرين، فاشرقت بدفء ايامها واخذتنا معها الى مباهج عفوية لم تعد الحياة تلتفت اليها .
كانت العائلة مكونة من أب وأم تجاوزا العقد السادس من عمرهما، وبرفقتهما ابنتاهما اللتان كانتا في سن المراهقة، اضافة الى ابنهما الشاب الذي لم يتجاوز العشرين من عمره، وبسبب قسوة سنين الحصار الدولي على العراق في  تسعينات القرن الماضي اختارت الهجرة الى الولايات المتحدة الاميركية، وهي في ذاك اليوم كانت تروم السفر الى اربيل لزيارة الاهل والاقارب للاطمئنان عليهم بعد ان اضطروا للنزوح الى اقليم كوردستان اثر احتلال الموصل من قبل تنظيم الخلافة.
تأملنا معا سجل ذكرياتنا الموصلية المشتركة وما يضمه من صور بقيت عصية على النسيان رغم تراكم الغبار على جمال لحظاتها، ومازالت كلما احتجنا الى ايقاظها تبعث فينا القشعريرة ما ان تتسلل رائحتها العطرة الى ستائر الذاكرة، وكل واحدة من تلك الصور كانت تشير الى حكايات  محمّلة بنسمات ربيع موصلي لم نجد مثيلا له في اي مكان وصلنا اليه في غربتنا ،وما ان تمس شغاف القلب حتى تُشعِل فيه اللوعة.
حكايات تضم بين تفاصيلها وشخوصها وازمنتها مساحًة من الطمأنينة  لاحدود لأفاقها، وما عاد عالمنا اليوم  قادرًا على ان يشيعها بين سكانه، بينما كانت ازقة الموصل القديمة وشوارعها تمنحها دون شروط مسبقة.
تدفق الحديث متوهجا بمذاق اللهفة والحنين، وكأنَّ الذي بيننا وبينهم عِشرة تمتد الى سنين طويلة وليس لقاءً عابرًا جمعتنا به الصدفة في محطة انتظار ببلد غريب، ولاأدري كيف مضى بنا الوقت سريعا مثل سرعة الضوء، ونحن نحلق بمتعة اخيلتنا بعيدا عن  حركة خطوط الملاحة الجوية ضاربين عرض الحائط  قوانين الجاذبية الارضية، فحطت بنا اجنحة الذكريات عند عتبات تشتاق اليها العيون قبل الافئدة، لكنها مضت بافراحها وبراءتها الى غير رجعة، وفقدنا الطريق الذي يؤدي اليها  بعد ان استحال الفجر الجديد الذي وعدتنا به افانين السياسة الى ليل طويل يخشاه الحالمون والعشاق والشرفاء.
الهروب نحو الماضي في احاديثنا كان شعوراً مثقلا باليأس، ما انفك ينأى بنا مسافات بعيدة ونحن نرى  نداءات الحياة وهي تنطفي في مدينتنا التي كانت في ما مضى مملكة متوجة بانسجام الوانها المتنوعة، فكتبنا في صالة الانتظار ونحن نقرض الوقت، قصائد شوق لسماء كانت تمطر امالاً، فتستحيل المتاهات في دروب المحبين الى فراديس. 
آوينا الى الصمت في ما تبقى من الوقت ونحن ننتظر موعد الاقلاع عن الارض والتحليق في الفضاء بعد ان تعبت مخيلتنا من لملمة شظايا مرآتنا المكسورة في الواقع، بينما كانت شاشة تلفزيونية كبيرة معلقة على جدار في صالة الانتظارتعرض وعبر نقل مباشر من قِبَلِ قناة الميادين موكبا حاشدا للشيعة وهم يؤدون طقوسهم الخاصة التي عادة ما يفيض منها البكاء واللطم اثناء احيائهم لذكرى مقتل الحسين، وتساءلت مع نفسي وانا اراقب مايجري في تفاصيل المشهد الكربلائي: على من تبكي هذه الجموع، على نفسها أم على الحسين؟

اذا ما سهونا
في اللحظة التي خرجنا فيها من مطار اربيل واستقلينا سيارة اجرة ونحن نروم العودة الى البيت ، غمرني احساس غريب  من غير ان يكون بيني وبينه موعد مسبق، ولم اكن اتوقع ان يخطفني على تلك الصورة المحمَّلة بالشوق، ويكشف عما كان مخبوءًا من مشاعر حب ازاء علاقتي بهذه المدينة، مع انني غريب عنها وعن اهلها، ولم اختر العيش فيها بارادتي لتكون الوسادة التي اسند اليها راسي حتى انام مطمئنا، بعد ان امست حياتي قبل اكثر من ثلاثة عشر عاما في مدينة الموصل على حافة الخطر.
عندما خرجت بنا السيارة من محيط المطار ودخلنا الشارع الطويل الذي يمر بمحاذاة  شقق زكريا، انتبهت الى ان حيويتي عادت لي، كما لو اني قد عثرت على شيء ثمين كنت قد فقدته، فأيقنت بان هذه المدينة كانت تمكث معي دون ان تعلن عن نفسها، وانني لااستطيع الافلات من اغوائها رغم اني لااتقن لغة اهلها، ففي بعض الاحيان قد ينال السهو منّا، فيسبب ضررًا في ذاكرتنا، عندها تنسدل غشاوة على اعيينا وتسقط في دائرة النسيان علاقة وثيقة تمثل جانبًا من حقيقتنا، كانت تربطنا بشخص او مكان او مدينة او شيء ما . 
كنت مندهشًا منيّ، لاني كنتُ متعجِّلا  بشكل لافت لاستعادة الرائحة الخاصة للمدينة التي آوتني عقدا ونيف من الزمان بعد ان البستني ثوب الامان، اخترقني هواؤها ونفذ الى كل خلية من جسدي، وكأني استعدت نفسي،  وشعرت بقوة داخلية تحرضني على ان استعين ببراءة الطفولة لامد يدي الى الخارج حتى المس روحها في الهواء الساخن، وجدران الابنية وسيقان الاشجار المزروعة على الارصفة وفي كل ما كان يمر امامي سريعا وانا اتطلع اليها من خلف زجاج نافذة التاكسي. في تلك الظهيرة الحزيرانية التي وصلنا فيها الى البيت كانت المدينة وتحت ثقل القيظ تركن الى هدوء عجيب، لم يبدده الا فرحنا بلقاء ولدنا الذي استقبلنا بشكل طبيعي وهو ينزل الدرج من الطابق الاول وعيناه شبه مغمضتين من اثر النوم، كما لو اننا لم نغب عنه خمسة ايام . وكم شعرت بالامتنان للصديقين اكرم اسوفي ومحمد خيون، بعد ان اخبرني بانهما كانا على اتصال دائم به للاطمئنان عليه اثناء غيابنا. 
بعودتنا الى اربيل فإن اربعة اسابيع تكون قد انقضت من هذه التجربة التي احالت حياتنا الى مايشبه الكابوس، حيث وجدنا انفسنا نقاتل ولوحدنا في معركة لم يكن متاحًا لنا فيها ان نخلد الى الراحة، حتى ان ايامنا بلياليها وصباحاتها بدت مبعثرة على دكة الارتداد الى الخلف مهما حاولنا ان نمسك بالزمن لعلنا نستفيق من الغيبوبة التي قلّمَت اغصان امنياتنا.
ما مضى كان المحطة الاولى وليست الاخيرة في هذه الرحلة المعبأة بالقلق، ولاشك في اننا تمكنا فيها من انتزاع الحياة قبل ان تسقط بين انياب القدر المحتوم، والتقطناها باسنانا واظافرنا مع ان هواجس مرعبة كانت تتسلل الينا ما أن  تنفرد الذات بذاتها، واظهرت هي شخصيًّا قدرة غير متوقعة على ان تقف في مواجهة الرعب الذي كان يحيط بها في كل ثانية، خاصة عندما كانت تختلي بنفسها، وتبدأ محاولاتها في تحطيم حواجز الغيب التي كانت تفصل بينها وبين ما يخبئه الغد من مفاجاءات، وغالبًا ماكانت تقطع في هذه الرحلة المتخيلة مسافة طويلة من الافتراضات التي عادة ما كانت تنطفىء وتشتعل فيها الروح دون ان تصل الى ضفة الامان، ومع ذلك لم اجدها ترفع الراية البيضاء رغم ما كان يصيب دفاعاتها من اضرار.
ابتدأ من اليوم الذي اعقب عودتنا من بيروت كان عليها ان تقف عند خط البداية لتبدأ ماراثونها مع العلاج الكيمائي، وما جمعناه من معلومات عن هذه المرحلة فرض عليها ان تتسلح بالشجاعة القصوى لانها ادركت حجم ما ستكابده من اوجاع، وستكون امام صفحة جديدة ستترك عليها اثارًا نفسية ستلازمها فترة طويلة قبل ان تتجاوزها وتصبح في اضبارة ارشيفها من هذا المرض إذا ما حالفها الحظ .

 رحلة بلا جدوى
عصر اليوم التالي كنا على موعد مع دكتور لقمان في عيادته بمركز ميديا، وكما اعتدنا في زياراتنا السابقة كانت صالة الانتظار مزدحمة بالنساء، حتى بدا المشهد على تلك الصورة روتينيا ، ولم يعد يشكل صدمة لي رغم ما يحمل بين تفاصيله من اشارات غير مطمئنة، كلها تؤكد على انتشار مرض سرطان الثدي بشكل مخيف  بين نساء العراق . ومع ذلك كان من الصعب ان اتقبله باعتباره امرأ مألوفًا، لان من غير الممكن ان يقبله العقل ولكنه سيبقى هكذا على مايبدو، طالما كانت ابواب البلاد مشرعة امام متاهة الفساد . وبعد انتظار زاد عن ساعة من الزمن حان موعدنا مع دكتور لقمان، الذي لم يكن يتخلى ابدا عن صرامته التي تتناسب مع نحافته الشديدة وطوله الفارع وهيئته التي لايظهر منها اي ملامح تعاطف مع المريض، رغم انه في حقيقته على العكس مما يبدو عليه، فقد كان يملك ارادة قوية تجعله يتحمل ساعات طويلة من العمل دون ان يبدر منه اي انفعال مع انه عادة مايكون محاطًا بالعديد من المرضى الذين لايتمتعون باي قدر من الامل، وغالبًا ما يخضعون لسطوة احساسهم باقتراب نهايتهم، وان فرصتهم في اقتناص يوم جديد قبل ان يأتي اجلهم المحتوم لاسبيل الى تاكيدها، ولعل اكثر ما يلفت الانتباه اليهم ، ان الصمت الذي كان يغلفهم قد استحال الى عالم يحيط بهم ، واصبح جزءا من حياتهم، وكأنه تعبير عن شعور بالاستسلام لمشيئة القدر.
قدمنا له مغلفا ورقيا يحتوي على نتائج الفحوصات التي اجريناها في لبنان، وقبل ان يفتح المغلف ارتسمت على وجهه ابتسامة شحيحة، ثم توجه بالسؤال الى زوجتي ليطمئن على صحتها، بعدها فتح المغلف وبدأ في قراءة التقارير الخاصة بالفحص، فإذا به يرفع راسه عن ما كان بيده واخذ ينظر الينا، ثم هز راسه بحركة موضعية خفيفة  كمن تفاجأ بامر لم يكن يتوقعه، عندها وجدت زوجتي تنظر نحوي وكانها كانت تستنجد بي، في محاولة منها لفهم ما صدر عنه من ردة فعل عبّرت عن صدمته مما قرأه، خاصة عندما رفع يديه الى الاعلى فاتحا كفيه، وكأنَّ لسان حاله يقول لنا : " ماهذا ؟ " .
وقعنا في حيرة من امرنا بعد ان رجع بكرسيه الى الخلف، وبقي يوزع نظراته بيننا ، وبدا واضحًا انه كان مستاءً بقدر ما كانت تعلو ملامحه علامات الاستغراب، لكنه تصرف في تلك اللحظات كمن يخاتل استياءه وغضبه، حتى لا يتسبب باي اذى نفسي لمريضه، ولهذا رسم ابتسامة مبتسرة على وجهه، ولم يكن من الصعب ملاحظة ما حصل من تغير في مزاجه، وما كان يشعر به من اسفٍ، عندما اخذ يهز راسه اكثر من مرة وهو يزم شفتيه .
لم نفهم الحالة العبثية التي وجدنا انفسنا فيها، ولانه لم يكن يسعى الى ان يضعنا في دائرة مقفلة من الحيرة، قطع علينا تساؤلاتنا الداخلية وقال لنا " للاسف، لم يكن هناك اي جدوى من رحلتكم الى لبنان " .
" لماذا ؟"  سالتُه بعد ان  شعرت وكأنني قد سقطت فجأة في بقعة مظلمة واحاول ان اتشبث باي شيء حتى اخرج الى النور .
" لان الفحص لم يكن بجهاز ال pet scan   الذي اوصيت به في التقرير انما تم بجهاز ال cet scan وهو نفس الجهاز الموجود لدينا في المركز والذي يعمل عليه الطبيب الهندي " .
"كان لدي احساس في حينه، بان هناك خطأ ما قد حصل، حتى انني تحدثت معي زوجي حول ذلك "  استدركت زوجتي باجابتها في محاولة منها لترميم الخطأ الذي وقعنا فيه والذي لم يعد ممكنا تصليحه، وهذا ماعبّر عنه الدكتور ايضا حين حسم الامر بسرعة وقال "لنطوِ هذه الصفحة الآن، وعلينا ان نبدأ بالعلاج الكيمائي باسرع وقت " ثم وجه كلامه اليها " يتوجب عليكِ ان تراجعي مستشفى نانا كلي صباح يوم غد الثلاثاء، وساكون موجودا هناك، حتى نفتح ملفا باسمك ويخصص له رقمًا " .
كانت صدمتنا كبيرة بعد ان واجهَنا الدكتور بما وقَعنا به من خطأ في لبنان ،خاصة وان اي وسيلة لمعالجته كانت غير ممكنة بل ليست مجدية، لان الوقت لم يكن يمضي لصالحنا ابدا، وهذا ما اكد عليه اكثر من مرة واعاده على مسامعنا، حتى اننا وبعد ان عدنا الى البيت في ذلك المساء لم نستطع ان نتناول العشاء، وبقينا لفترة من الوقت نتداول ما اوقعنا انفسنا فيه من إشكال، فكنّا مرّة نلقي باللائمة على انفسنا واخرى نبرؤها، وظل الشعور بأننا قد خدعنا مسيطرا علينا، ولم نستطع ان نتخلص منه، فضلا عن اننا في رحلتنا كنا قد تحملنا خطورة السفر ومشاقه، اضافة الى ان مجموع تكاليف الرحلة التي وصلت الى 2200 دولار ذهبت كلها هباء منثورا، وبقدر ما شعرنا باننا نتحمل المسؤولية عن الخطأ، لاننا لم نسال ولم نستفسر بما يكفي خاصة عندما شكَّت زوجتي بالامر قبل وبعد الفحص، إلاَّ اننا ولاجل تخفيف العب عن كاهلنا حمّلنا الموظفتين الشابتين في مستشفى الجامعة الاميركية كامل المسؤولية ، بسبب استهتارهما اثناء العمل، ولكن بعد كل مداولة جرت بيننا حول الموضوع كنا نعود لنصل الى نتيجة واحدة بقينا نرددها مع انفسنا "ما فائدة الشكوى ؟ " .   


العثور على مستشفى نانا كلي

رغم عمليات البحث التي اجريتها عبر شبكة الانترنت الا انني لم اعثر على  صورة واحدة للشخص الذي تبرع باقامة مشروع  مستشفى نانا كلي الخاص بمعالحة مرضى السرطان، حتى اسعفني سائق التاكسي الذي سألته صباح يوم الثلاثاء إذا ما كان يعرف مكان المستشفى حتى يوصلنا اليها، فبادر بالحديث ما ان تحركت بنا السيارة، واخبرنا بان احدى قريباته تعمل فيها بصفة ممرضة، ومن خلالها اصبح لديه معلومة  مؤكدة بان تاجرا كورديا اسمه احمد اسماعيل نانا كلي كان قد تبرع بالارض وتكفل ببناء المستشفى وتجهيزها بكافة المعدات، وتم افتتاحها عام 2004 ، كما خصص راتبا شهريا لجميع العاملين فيها قيمته مائة الف دينار يضاف الى راتبهم الشهري الذي يستلمونه من حكومة الاقليم باعتبارهم موظفين على الملاك الحكومي. وطيلة الطريق كان السائق يستعيد المواقف النبيلة التي اقدم عليها هذا التاجر لدعم المحتاجين فذكر لنا بانه خصص رواتب شهرية لعوائل كثيرة في كوردستان ليس لديها من يعيلها، وظل يؤكد على ان الرجل لاعلاقة له بالسياسة ابدا، كما انه يقيم في اغلب الاوقات في الاردن حيث يدير اعماله التجارية من هناك.
ادركت بعد سماعي لهذه المعلومات ان من الممكن للامنيات البسيطة التي عادة ما تراود عموم الناس في العلاج والرعاية الانسانية والحياة الكريمة ان تتحول الى حقائق ملموسة إذا ما ابدى الاغنياء القليل من الاهتمام ببلدهم.
انسابت في الروح نغمات تتدفق عذوبة، جعلتها ترفرف على ايقاع ينهمر منه فرح شفيف، رغم ما كان يثقل عليها من توجس ازاء ماينتظرها في قادم الايام، فقد كان لحديث السائق صدى عميق تناغم بسهولة مع ما احمله من رغبة في التشبث بخيوط الحلم، وكأن القدر بعث لنا اشارة عابرة يدعونا فيها الى ان نستعيد مالدينا من طاقة حتى نتمسك بقدرتنا على مواجهة الانهيار، وليس بغريب على الحياة ان يرتفع صوت النهار فيها من اعشاب يابسة، وان تنمو البذار بين صخور صلدة، ويتفتح الجمال وسط الخراب. وبكل الاحوال كان علينا ان نضبط ايقاع وجودنا على هذه الارض حتى نستعيد الاحساس برعشتنا ما أن يلمس ضوء الشمس اصابعنا، فنحن شئنا ام ابينا علينا ان ننال كفايتنا من العيش مهما نالت منا المقادير .
عندما دخلنا المستشفى تفاجأت بمساحتها الكبيرة، فالمبنى مؤلف من ثلاثة طوابق، كان الطابق الارضي مخصصا للادارة وعيادات الاطباء والمختبرات وقاعات مجهزة باسرة يستلقي عليها المرض عندما يتلقون العلاج الكيميائي، اضافة الى صيدلية توفر العلاج باسعار رمزية بل اقرب الى ان تكون مجانا، كما توجد تحت الارض غرف خاصة تتوفر فيها اجهزة سونار واشعة، والطابق الاول كان للنساء ويضم قاعات مجهزة باسرّة ومعدات واجهزة طبية، اما الطابق الثاني فقد تم تخصيصه للاطفال. ولفت انتباهي وجود عمليات بناء وتوسع لثلاث قاعات كبيرة على مساحة خالية داخل حدود المستشفى .

امرأة تنتظر 
ما كان يخطر على بالي ابدًا ان اجد هذا العدد الكبير من المرضى، خاصة من النساء والاطفال،  وكان امرا مفاجئأ لي عندما وجدت جميع العاملين على درجة عالية من الانضباط في التعامل مع المرض ومرافقيهم، وبما اننا قد تعودنا على غياب حسن الاستقبال في سلوك معظم الموظفين الحكوميين، لهذا كنت في كثير من الاحيان احسد المخلوقات الاخرى الهائمة في البرية  لانها ليست من فصيلة البشر، وهي في غنى عن مراجعة المستشفيات اذا ما اصابها مرض.
كان من الصعب على زوجتي ان تتحمل الوقوف فترة طويلة في ظل مناخ ترتفع فيه درجة الحرارة بشكل كبير، ولكي ان لايكون الانتظار سببا في تدهور صحتها كنت قد اقترحت عليها ان تذهب لتستريح في اي مكان  بعيد عن اشعة الشمس الى ان انتهي من اجراءات فتح الملف .
بعد فترة قصيرة شاهدتها تجلس الى جانب امرأة في الثلاثين من عمرها على مسطبة تحت ظل شجرة في حديقة المستشفى، واخبرتني في ما بعد ان تلك المرأة مصابة بسرطان القولون، وتتعالج منذ اكثر من تسعة اشهر، وحدَّثَتها عن تجربتها مع اول جرعة كيميائي اخذتها وعلِمت منها بانها لم تجد في تساقط شعرها مايدعوها الى الشعور بالالم، بل ان اكثر ما كان يؤلمها التفكير بمصير زوجها واطفالها الاربعة الصغار إذا ما صرعها المرض في وقت مبكر، انذاك من سيعتني بهم وكيف سيكون حالهم، خاصة وانهم يعيشون في مخيم للنازحين يقع في ناحية بحركا عند اطراف مدينة اربيل، كانوا قد لجأوا اليه بعد ان اجبرتهم ظروف الحرب الطائفية الى النزوح من مدينة بعقوبة في محافظة ديالى، بعد ان  اختطف ابنهم الكبير الذي لم يتجاوز السنة العاشرة من عمره، ولانهم عجزوا عن توفير مبلغ الفدية مقابل اطلاق سراحه، وجدوه مقتولا على مسافة قريبة من بيتهم، وعلى اثر ذلك اصابها السرطان، وهم اليوم يتحملون ظروفًا معيشية بالغة  القسوة داخل المخيم، وليس لديهم سوى سيارة قديمة لاتصلح ان تكون تاكسي، ولهذا يعمل عليها زوجها في نقل حاجيات الناس في المنطقة القريبة من المخيم، فيوفر من خلالها الحدود الدنيا من العيش الادمي.


رقم وملف

في تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً اكتملت اجراءات فتح الملف وتم تسليمنا اياه مع الرقم الخاص به الذي كان مطبوعا على قطعة كارتون صغيرة صفراء اللون  بحجم هوية الاحوال المدنية. وتم التأكيد من قبل الموظف الذي كان مكلفا بفتح الملفات على ضرورة ان نحتفظ بالرقم ونبرزه في كل مراحعة نقوم بها للمستشفى حتى يتم تسليمنا الملف ليدوِّنَ فيه الطبيب تطور الحالة المرضية ومراحل العلاج ، وبعد ان ننتهي من المراجعة نستعيد الرقم بعد ان نسلم الملف.
توجهنا على الفور الى غرفة الدكتور لقمان في الطابق الارضي، ونظرا لان عدد المرضى الذين كانوا ينتظرون في صالة الانتظار قد تجاوز الخمسين مريضا اغلبهم من النساء، كان لابد من ان ادون اسمها في سجل يتضمن حقلا خاصا  بتسلسل المراجعين. وبعد انتظار دام  ساعتين من الزمن حان موعدنا مع دكتورلقمان الذي لم يستغرق سوى دقائق معدودة ، إذ اكتفى بكتابة عدد من الاسطر باللغة الانكليزية في اول صفحة من الملف ووقع تحتها، ثم التفت ناحيتها وقال " ستاخذين ست عشرة جرعة كيمائية على مدى ستة عشر شهرا وفي نفس الموعد من كل شهر، وابتدأ من اليوم  ستاخذين الجرعة الاولى " .
" الان ! " ..استغربت زوجتي وانا معها ايضا، لاننا لم نكن نتوقع ان يكون الامربهذه السرعة.
"هل انت غير مستعدة  ؟ "  سالها الدكتور لمّا وجدها قد تفاجأت .
" بالعكس انا  مستعدة " اجابته بثقة ودون تردد، ثم اضافت "انا لست خائفة، ولكن لم اكن اتوقع ان يكون اليوم موعدنا مع الجرعة الاولى".

يتبع ...

3
ج 13 – اكتشاف الحب : اوراق من مدونتي الشخصية

                                               
مروان ياسين الدليمي


تحديق في الفراغ


ما ارهقها وحرمها من الاحساس بطعم الاشياء انها لم تستطع ان تتخلص من مخاوفها،حتى انها بدأت تفقد القدرة على التركيز،واخذ النسيان يستعرض حضوره في ذاكرتها بشكل لافت،لانها لم تكن قادرة على ان تنشغل باي موضوع لربما قد يساعدها على ان تتحاشى التفكير الدائم بتلك النقاط السوداء على الكبد والرئتين،ولهذا كانت في اغلب الاوقات اشبه بشخص تائه يراوح في مكانه ولايعرف الى اي اتجاه يمكن ان يتحرك،فمن النادر ان لااجدها ساهمة في فراغ رمادي لاحدود له،تحدق مستغرقة في نقطة ثابتة لاتحيد عنها،خاضعة تحت سلطة صمت يمتد بها لفترات طويلة من الوقت .
كان راسها اشبه بملعب تشتبك فيه الاسئلة ،دون ان تعثر في اعماقها على اجابة تطمئنها وتخرجها من عتمة كانت تطبق عليها،فما كان منها في بعض الاحيان الا ان تمسك راسها بكفيها،وتضغط برؤوس اصابعها عليه بكل ما تبقى لديها من قوة،لعلها تخفف من شدة الالم الذي كانت تشكو منه بسبب الافراط بالتفكير،فهي في قرارة نفسها كانت تدرك جيدا بان السقوط في هذه الحلقة من دوامة الافكار سيمتص رحيق الخضرة من اغصان روحها،هذا ما افصحت عنه قبل ان نغادر الفندق باتجاه المستشفى،ولم افلح في طمئنتها،رغم تأكيدي مرة واخرى على اهمية كلام الطبيب الهندي عندما تحدث للدكتور جمال غفوري عبر الهاتف في مركز ميديا وقبل اجراء العملية الجراحية بان النقاط السوداء على الكبد والرئتين مجرد ذرات من الغبار.
امضيت الطريق كله ما أن خرجنا من الفندق وانا استعين بكل مايخطر على بالي من افكار وحكم وامثال وحكايات اجدها مناسبة حتى اغير مما رسخ في عقلها من وساوس،وجعلها في حالة مواجهة مع نفسها،الامر الذي اخذ الكثير من صحتها،حتى انها لم تعد تعرف معنى الابتسامة،فاستحالت الى صندوق مقفل مفتاحه كان مفقودا،ومع ذلك لم ادع اليأس يجد وسيلة للوصول الى الموضع الذي كنتُ عليه،وبقيت متعلقا بامل ضعيف لاخراجها من هذه الهوّة التي سقطت فيها ولاتسعى الى الخروج منها،فقد كان من الصعب علي ان اجدها تمضي في ذاك الاستغراق البعيد عن طبيعتها العفوية وروحها المرحة والمتفائلة التي وسمت شخصيتها في جميع الظروف.
كانت تسير الى جانبي،لكنها ابعد ماتكون عني وعما حولها،ونحن نروم الوصول الى مستشفى الجامعة الاميركية التي بدت واضحة في نهاية الشارع عندما نظرت باتجاهها ولمحت القطعة الاعلانية الكبيرة على واجهة المبنى الكبير مشيرة اليها،ولم تكن تبعد عنا سوى مسافة لاتتجاوز خمس دقائق سيرا على الاقدام.
سرعان ما وجدتها تتخلف عني بمسافة لاتزيد عن بضع  خطوات،وهذا ما كنت قد تآلفتُ  معه منذ اكثر من خمسة اعوام،ولم اعد اتضايق منه،لذا دائما ما اكون مضطرا الى ان اتوقف حتى تلحق بي ثم نعاود السير جنبا الى جنب،وكثيرا ما كنت اتأمل حالتها وهي تمشي ببطىء وتثاقل واضحين فينتابني شعور بالالم ازاء ما وصلت اليه صحتها بسبب الروماتزم ومن ثم سرطان الثدي بعد ان هجم عليها ليضعها في خضم معركة شرسة اكبر مما يمكن ان يحتمله جسدها،حتى انها كانت تبدو امرأة في الثمانين من عمرها وليس في الاربعين إذا ما تابعها من الخلف اي شخص وهي تمشي،فمن غير الممكن ان تسير بشكل طبيعي بعد ان نال الاعوجاج من  قدمها اليمنى واخذت تعرج بسبب مضاعفات الروماتزم،ولهذا كان من الصعب عليها ان تجاريني في مشيتي الطبيعية او ان تسرع في حركة اقدامها.

تنمُّر

اكثر ما يستفزني في ما يتعلق بحالتها عندما اجد نظرات الاخرين تلاحقها وخاصة النساء،وكانهن لم يسبق لهن ان رأين امرأة تعاني من عوق في  قدمها،ولم اجد سببا مقنعا يدعوهن الى التحديق فيها على تلك الصورة المستفزة كما لو انهن يتفحصن شيئا غريبا لم يسبق  لهن ان شاهدنه،والغريب في الامر انهن يتصرفن كما لو ان ردة فعلهن بغاية البساطة والطبيعية،ولايدعو الى الاستهجان،ودائما ما اتساءل:لماذا لايبدو عليهن ما يشير الى انهن يراعين حالتها النفسية ويتجنبن الانسياق وراء اي فعل قد يسبب لها الحرج او جرحا في كرامتها ؟ رغم انها لم تكن تعير اهمية لما يجري من حولها بشكل مطلق،إذ ليس من طبيعتها ان تراقب الاخرين،ولم اجدها مستفزة في يوم ما من تلك الوقاحة التي يظهرنهاعديد النساء ازاء مشيتها،وعلى العكس من ذلك دائما ما كنتُ هدفا لسهام نقدها ،فهي تعيب علي بأني اتمعن في متابعة ما يدور حولي من نماذج بشرية،والتقاط ما يميزها سواء في شكلها او هندامها او طريقة مشيها او اسلوبها في الكلام.وتجد في ذلك امعانا في معصية ما يأمرنا به الله،مع اني لم اكن اقصد الاساءة بقدر ما اود الاحتفاظ بمثل تلك الانطباعات في ذاكرتي،لربما تعينني في عملي سواء في الكتابة او في البرامج التلفزيونية التي اتولى اعدادها واخراجها،إلا انها لم تكن تقتنع بمثل هذه التبريرات،لان سلوكي من وجهة نظرها يتقاطع مع تعاليم الاسلام التي تحض المرء على ان يكف نظره عن الاخرين،وتزيد على ذلك فتقول بان استمراري بهذه التصرفات يجعلني اتحمل خطاياهم وذنوبهم .
اذكر انني في يوم ما،وبينما كنّا في احد مولات اربيل نتسوق حاجيات منزلية،وجدت نفسي في موقف لا احسد عليه،جعلني موزعا بين مشاعر مضطربة توزعت ما بين الشعور بالحنق والاهانة والغضب،بعد ان فقدتُ القدرة على التغاضي وتحمّل ما اعتبرته سلوكا مهينا يكشف عن تنمر صدَر عن زوجة شابة، بعد ان لفت انتباهها الطريقة التي كانت تمشي بها زوجتي،ولم تكتف بذلك بل همست في اذن زوجها وبدأ الاثنان يكركران بضحكهما وهما يتابعان سيرها وهي تعرج في مشيتها اثناء ما كانت تتجول في المول وتنتقي مانحتاجه من سلع غذائية ثم تضعها في العربة الصغيرة التي كانت تدفعها امامها.حاولت ان اجد سببا مقنعا لموقفهما،لكني لم اجد اي دافع منطقي ومقبول سوى ان هذا السلوك يعبر عن انحراف في الوعي والاخلاق لدى الانسان إذا ما استمتع بتوجيه الاساءة والانتقاص للاخرين لمجرد ان فيهم عوق جسدي،ولاينساق الى هذا المنزلق  إلاَّ عندما يكون مغترا بهيئته ويجدها خالية من العيوب والنواقص، فيدفعه هذا التوهم بكماله وجماله الى ان يرى في نفسه ما ليس فيها،فيعجز عن رؤية حقيقتها الداخلية بما تخبئه من  بشاعة وغرائز ربما يتساوى فيها الشخص مع الحيوان بتوحشه،وبينما كانت زوجتي قد ابتعدت عني مسافة عدة امتار لتستطلع اسعار الحاجيات التي تنوي شرائها،كنت اقف بعيدا عنها اتطلع الى الاجهزة الالكترونية، في حينه اصابتني حالة من التوتر لانني شعرت بجرح في كرامتي،رغم انها لم تكن منتبهة لسلوكهما وكانت منشغلة تماما بالبحث عما نحتاجه من سلع،وقررت ان اتجه اليهما وأنا معبأ بطاقة من الغضب لم استطع كبتها ومداراتها، لكني انتبهت على صوتها وهي تناديني، فتوقفت عما كنت عازما عليه.
لااستطيع ان انسى حالة الشعور بالقرف التي تلبستني في ذلك الموقف بعد ان اكتشف مدى مايحمله الانسان من قسوة ازاء اخيه الانسان خاصة إذا ما كان في حالة تشوّه او ضعف خلقي .


خلل اخلاقي 
كثيرة هي المواقف التي نواجهها في حياتنا اليومية وتكشف عن عمق الخلل الاخلاقي الرازح فينا والمستتر تحت طبقات من الرياء امام المجتمع،لكن ردود افعال الناس ازاء بعضهم البعض وفي مواقف مختلفة تفضحها وتعريها،بما في ذلك حالات التنمّر،خاصة عندما يتعلق الامر باولئك الذين يعانون من عيب خَلقي،ومن ناحيتي حاولت قدر المستطاع ان استوعب ردود الافعال التي تعبر عن تنمر خاصة عندما نتواجد في اماكن عامة،وارغمت نفسي بمرور الايام كلما خرجنا معا في مشوار على ان اعتاد على مثل هذه الافعال التي تفتح جرحا في كرامة الانسان المعاق ،ومما ساعدني على ذلك انها لم تكن تولي اهمية لهذا الموضوع،لانها دائما ترى نفسها رابحة في هذه المعركة غير المتكافئة بين من هو معاق ومن يجد نفسه كاملا ،وقناعتها التي ما تنفك ترددها بان ضعف ايمان الاخرين  بالله هو الذي يدفعهم الى ارتكاب الخطأ بحق غيرهم،كما انها لاتستطيع ان تعترض على ماكتبه الله لها،فالعوق الذي اصابها لايشكل بالنسبة لها عقدة نفسية او عقوبة بقدر ما تعتبره امتحانا لايمانها،واستطيع ان اجزم بانها استطاعت ان تجتاز اصعب السنين في هذه التجربة،فمنذ العام 2000 كان الروماتزم قد بدأ يرسخ حضوره بمفاصلها بصمت خفي ويستنزف طاقتها مخلفا وراءه يوما بعد اخر تدميرا داخليا في بنية عظامها،ولم تكن تتكشف اثاره بشكل واضح وسريع، انما كان يتوسع ويتمدد شيئا فشيئا من غير ان يثير الانتباه،وهنا لافرق بينه وبين السرطان في خبثه،وهذا ما جعل عظامها تتيبس وتصبح هشة،فاصبحت حركتها بالتالي ابعد ماتكون عن حركة الانسان في حالته الطبيعية.حتى انها ومنذ عدة اعوام لم تعد لديها الرغبة في ان نرفِّه عن انفسنا بالخروج من البيت والتوجه الى المتنزهات العامة،لانها كانت تعاني كثيرا في سيرها،ويزداد وجع قدميها ما ان نعود الى البيت.ولهذا لم اكن مستغربا عندما وجدتها على تلك الحالة التي بدت فيها غير مبالية بما كان عليه الطقس في بيروت من اعتدال ونحن في شهر حزيران،فنحن  في العراق لم نعتد في صباحاتنا الصيفية على ان نستقبل نفحات من الهواء البارد خاصة بعد ان تهجم علينا اشعة الشمس بوقت مبكر مثل اي ضيف ثقيل يأتي دون سابق موعد،فرائحة البحر وماتمنحه من طراوة على ملامح الناس والاشياء وحركة الحياة لايمكن للغريب القادم من مدن القيظ الاَّ ان تتسلل اليه وتعلق بحواسه،ورغم ان اشعة الشمس كانت تحاول ان تؤكد حضورها إلا انني كنت اشعر بحرارتها اشبه بهفهفة ريح ناعمة،فكان من الطبيعي ان يغمرني احساس شفيف بحلاوة اللحظة التي كنت اعيشها،خاصة وان مدننا في العراق كانت تستيقظ في مثل تلك الايام على لفحات ساخنة من هواء مشبع بذرات من الرمال قادمة من قلب الصحراء،ولما سالتها عن رأيها بطبيعة المناخ اكتفت بكلمة واحدة "لطيف" ولم تزد عليها كلمة اخرى،لانها كانت منفصلة عما يحيطها،في محاولة منها ان تستجمع مشاعرها المضطربة التي كانت تتشظى كلما اقتربنا من المستشفى التي باتت تبعد عنا مسافة تقل عن خمسين مترا.

محطات انتظار 
نولد ونموت عشرات المرات في مسيرة حياتنا،وبين الموت والميلاد هناك لحظات نتحرك فيها ونحن نحترق بغيوم داكنة سوداء تضلل كل خطوة نخطوها،احيانا ننجح في استرجاع اشلائنا ونعيد اليها صوتنا،ونفلح في ان لانستسلم للروائح المتعفنة التي تسد علينا سبل الخروج من محطات الانتظار،نحن هكذا ما أن تضرب اقدامنا الارض ونستفيق من سماء طفولتنا البريئة،حتى نجد انفسنا في غيبوبة ابدية لانصحو منها الا عندما يوشك ناقوس النهاية ان يُقرع.
لم استطع ان اقفز من ارجوحة التفكير التي اخذتني من حيث كنت اجلس معها داخل المستشفى ننتظر نتيجة فحص الدم،فقد طُلِبَ منها ذلك قبل ان  تدخل الى غرفة جهاز الفحص الاشعاعي "PTE SCAN " وخلال فترة الانتظار لفت انتباهي وجود الكثير من المراجعين العراقيين الذين جاءوا من بلد النفط والخيرات ليتلقوا العلاج في لبنان،فمن نجا منهم بحياته من نيران الحروب اصطاده السرطان،فقد تحول العراق الى لعنة سرطانية تطارد الجميع.
انتابتني رغبة كبيرة في ان اصرخ لعلّي استطيع ان احدث شرخا في هذا التآكل الذي اصابنا،حتى اننا لم نعد نوقن بامكانية الخلاص.
بقيت انظارنا خلال ساعة من الزمن ترنو الى الشاشة المعلقة على الجدار والتي كانت تعرض ارقام من ينتظرون استلام نتيجة فحص دمهم.واثناء ذلك مالت ناحيتي وهمست في اذني بان الدم والسوائل قد تجمعت في مكان العملية الجراحية،ولابد من سحبها اليوم،لانها بدأت تشعر بثقل يدها اليسرى ولم تعد تستطيع ان ترفعها او تحركها بسهولة.
"هل تستطيعين ان تتحملي الى ان تنتهين من اخذ الاشعة ؟ "سالتها لاتأكد فقط من قدرتها على التحمل .
" نعم استطيع " .


شكوك       
استلمنا النتيجة بعد ساعة من الانتظار،واتجهنا الى موظفي الاستعلامات لنسألهم عن كيفية الوصول الى غرفة الفحص بجهاز"PTE SCAN"وعلِمنا منهم بانها توجد في الطابق الذي يقع تحت الارض.وبعد بحث واستفسار بين الممرات الطويلة التي تشبه الملاجىء المحصنة في الحرب العالمية الثانية وصلنا الى غرفة الفحص وسلمنا البيانات الى فتاتين تديران مكتب الاستعلامات الخاص بجهاز الفحص،واحدة كانت محجبة والاخرى سافرة،وكان من ضمن البيانات التي سلمناها رسالة من الدكتور لقمان الذي سيشرف على علاجها الكيميائي ما أن نعود الى العراق مباشرة،كانت موجهة الى ادارة المستشفى يؤكد لهم فيها على اجراء الفحص بجهاز"pte scan"اكملت الفتاة المحجبة تسجيل المعلومات في الكومبيوتر استنادا على الرسالة ونتيجة فحص الدم وبقية البيانات الاخرى التي جلبناها معنا من العراق،ثم طلبت مني ان اذهب الى قسم الحسابات حتى اسدد مبلغا بقيمة 650 دولار ثمن الفحص،ومن ثم العودة والانتظار الى ان يحين موعدنا.
جلسنا على مصطبة مقابل غرفة الفحص لفترة من الزمن تصل الى اكثر من نصف ساعة،وكان من المفروض ان نجد التزاما وانضباطا في السلوك ما يعزز الثقة من اننا في مكان يليق باسم الجامعة الاميركية،ولكن ما مَثُل امامنا من مزاح بين الموظفتين الشابتين لم يكن الا شكلا من اشكال الاستهتارالذي لاينسجم مع وظيفة المكان،انذاك تعززت لدي  قناعة لم استطع ان استبعادها ،بان لبنان والعراق اقرب شبها بالفتاتين في  تارجحهما بين الحداثة والتقليد.
كان باب غرفة الفحص مواربا ويقع على مسافة قريبة منا،لذا كان من السهولة ان نرى جانبا من جهاز الفحص،وبقيت زوجتي تمد رأسها الى الامام حتى تتمكن من ان تعاينه بشكل جيد، فإذا بها ترفع حاجبيها الى الاعلى وتظهر عليها ملامح الاستغراب بينما كانت تهز راسها وكانها ليست مصدقة ما كانت تراه . 
التفت ناحيتي وقالت"هذا الذي اراه امامي ماهو الا صورة طبق الاصل عن جهاز ال CTE SCAN الموجود في اربيل،والذي سبق ان فحصني به الطبيب الهندي،فهل هذا معقول !؟".
"ولم لا  ؟ ربما التشابه بينهما من حيث التصميم،بينما من حيث الوظيفة يختلفان " .
نادت عليها الفتاة غير المحجبة وطلبت منها التوجه الى غرفة الفحص .


في غرفة الفحص       
منذ ان اصيبت في نهاية شهر ايار حاولت قدر المستطاع ان  اخفي عنها كل ما كنت احمله من قناعات متشائمة،وبدلا عن ذلك بدأت امضي في طريق آخر يخلو من النبوءات التي تجعل النهايات لاتبعث على التفاؤل خاصة ما يتعلق بالحياة في العراق ،حتى انني عملت على شطب القنوات الاخبارية من قائمة اهتمامتي،كل ذلك في محاولة مني لاشاعة مناخ من الهدوء في البيت،لانني اعلم جيدا ان متابعة الاخبار السياسية اكثر ما سمَّم حياتي،وفتحت قروحا في مسامات وجداني،وجعلتني اهدر الكثير من الجهد والوقت دون جدوى،فالتغيير في هذه البقعة من الكرة الارضية عبارة عن خرقة يمسح بها الساسة احذيتهم.
ايقنت من ان علاقتي بها بدات تخطو نحو منطقة عاطفية اكثر عمقا،لاعلاقة لها بالاشفاق عليها لانها مريضة،بقدر ما اكتشفت بان ما يبقى من المسيرة الحياتية هي الروابط الاسرية التي يؤسسها الانسان،ولن تجدي نفعا كل النجاحات المهنية التي من الممكن ان يحققها إذا لم يفلح في بناء اسرة متماسكة يسودها الحب.
عندما خَرجَت من غرفة الفحص بعد نصف ساعة بدت علامات الاستغراب على وجهها اشد وضوحا،فبادرت هي بالحديث" ليس هناك اي فرق بين هذا الجهاز وجهاز الفحص  cte scan الموجود في اربيل،اكثر ما اخشاه ان يكون هناك خطأ ؟ " .
"لا اعتقد،لان التقرير الذي كتبه د. لقمان كان واضحا " .
على مايبدو فأنني قد  تطوعت من ذاتي لتبديد وساوسها،مع اني لم اكن متأكدا في ما إذا كان هناك خطأ في الموضوع،ولاادري لماذا لم نحاول في حينه ان نستفسر من الطبيب نفسه الذي كان يعمل على الجهاز،على الاقل حتى نقطع الشك باليقين.وبينما كنا نتجادل حول موضوع الجهاز نادت علينا الفتاة المحجبة وابلغتنا بان النتيجة ستظهر بعد ثلاثة ايام،ولما اعترضت على طول الفترة،اجابتني بان من الممكن ان اتحدث مع الطبيبة المسؤولة عن القسم ،واشارت الى غرفة قريبة منّا.
وبعد جهد بذلته مع الطبيبة المسؤولة عن تسليم التقاريراستطعت ان اقنعها باننا لانستطيع الانتظار،ولابد ان نستلمه في اليوم التالي ووعدتني بانها ستبذل جهدها حتى نتمكن من استلامه في تمام الرابعة عصرا .

سَحبُ الدَّم
بقي لدينا فائض من الوقت ذاك النهار،وكانت الساعة تشير الى الحادية عشرة صباحا عندما نظرت اليها ووجدتها متعبة فكان لابد من اجراء عملية سحب للدم والسوائل،وسرعان ما تمكنا من الوصول الى الطبيب هاشم معتوق حتى يتولى عملية السحب. كانت عيادته تقع في مبنى كبير ملحق بالمستشفى.وبعد ان اطلع على مكان العملية،سالنا عن اسم  الجراح العراقي الذي تولى اجرائها،وابدى اعجابه الشديد بدقة عمله،ثم رفع سماعة الهاتف الموضوع على مكتبه واجرى اتصالا هاتفيا،وعاد مرة اخرى يستفسر منها عن صحتها وفي ما اذا كانت تعاني من اية مشاكل وفي تلك الاثناء دخل شاب الى الغرفة يرتدي رداء ابيض  خاص بالاطباء، طلب منه الطبيب معتوق ان يتولى بنفسه عملية سحب الدم.ثم استدار ناحيتنا ليطمئننا مشيدا بكفاءة الطبيب الشاب خاصة وانه يشرف شخصيا على رسالة الماجستير التي يواصل التحضير لها .

باتجاه البحر 
عندما خرجنا قاصدين البحر مشيا على الاقدام كان جبين الشمس يلوح من نافذة الغرفة في الفندق معلنا اقتراب فترة العصر على الافول .اخبرنا عامل الاستعلامات بان من الممكن ان نصل الى الكورنيش من غير ان نستعين بسيارة اجرة لانه يبعد مسافة لاتزيد عن عشر دقائق.
دائما ما كنت اعتقد بان العلاقة بين الانسان والمكان ليس من السهولة ان تتشكل ويكتمل حضورها في طبيعته وثقافته وردود افعاله،فهي تحتاج الى مشاركة وتفاعل وجداني اكثر مما تحتاج الى سنوات طويلة من الاقامة،ومن الممكن هنا الحديث عن انطباعاتي الشخصية حول هذه المدينة التي كنت ازورها للمرة الاولى، ومع ذلك فإن قناعتي لايتوفر فيها قدر كبير من المصداقية، لانني لمستُ المدينة من السطح، ولم تتكامل الظروف بعد حتى تنبسط العلاقة بيني وبينها،ولتنشأ بيننا لغة عفوية في التعامل، فأنا بالكاد تعرفت اليها وجها لوجه منذ ساعات،رغم انني اعرف عن تاريخها الكثير،ولكني لااستطيع ان انكر بانني لم استلم اي اشارة حب تجاه هذه المدينة التي كانت في يوم ما الملاذ الذي كنت اتمنى ان ابدا منه حياة جديدة،إذا ما غادرت العراق ،وهذا ما صدمني منذ ان وطأتُ ارضها قبل يومين.
طيلة الطريق الطويل المؤدي الى البحر لم اجد فيها ما يدفعني الى ان اندهش، فليس فيها من ابنية معمارية تمنحني الشعور بانني في مكان لن اجد ما يشبهه في مدينة اخرى،انها نسخة من مدن كثيرة منتشرة في هذا العالم،فهي ليست مثل صنعاء على سبيل المثال المدينة اليمنية التي تفرض حضورها بخصوصية طرازها المعماري الذي يعود الى مئات السنين او ايطاليا التي لاتستطيع فيها الا ان تستنشق رائحة عصر النهضة بكل فخامته في النصب والتماثيل التي تواجهك اينما استقرت عيناك في الشوارع والساحات العامة. اما بيروت فلن ترى فيها اكثر مما تراه من تصحر في المدن العربية الاخرى، فخلف تلك الابنية والعمارات الحديثة لن تعثر على قصص تفتح الافاق امامك نحو المستقبل.
البحر هو الشيء الوحيد الذي جعلني استسلم لجاذبيته ما أن رايت اشعة الشمس بلونها الذهبي وهي تنعكس على امواجه،فكان الماء بذاك المدى الشاسع قد شكل مساحة حرة من المشاعر الناعمة مثل نعومة الرذاذ الذي ترسله الامواج ما ان تصطدم بالصخور الراسخة عند الشاطىء، وخلال لحظات ازاحت رائحة البحر الحواجز النفسية التي احالت بيني وبين بيروت.
وقفت مسحورا امام صخرة الروشة،ورحلتُ بمخيلتي معها الى سنين بعيدة من التاريخ مرت بها هذه المدينة التي كانت في ما مضى بوابة العبور نحو العالم المتمدن ،ولطالما بقيت ابوابها مفتوحة امام المغامرين والحالمين بعالم افضل . اطلتُ النظر طويلا وانا اتأمل الصخرة وهي تقف شامخة وسط الماء مثل كائن اسطوري عملاق ،غير عابئة بالامواج ، وكانت بمثابة شاهد على التاريخ ،إلا ان متعتنا افسدتها إمرأة بدينة ملحاحة بينما كنا نتكىء باذرعنا على السياج الحديدي نتأمل البحر،فما أن لمحتنا حتى اقتحمتنا ونحن نحلق بمخيلتنا مع سحر المكان،فانتزعتنا من صفاء تلك اللحظة الآسرة وهبطت بنا على الارض الى حيث الكورنيش الذي كان يعج بحركة الناس.بدت المرأة في لون بشرتها المائل الى سمرة داكنة اقرب ماتكون الى الغجر،وماعزز ذلك الاحساس تلك الوشوم التي كانت تزين ذقنها وكفيها اضافة الى سِنِّها الذهبي الذي كان يلمع بين بقية اسنانها الاخرى. ظلت تحوم حولنا لاقناعنا بقدرتها على قراءة الكف،ولكننا لم نعرها اهتماما،إلا ان زوجتي اشارت بحركة من راسها بان امنحها اي مبلغ بسيط ،لكني رفضت،لقناعتي بانها امرأة تحترف الشحاذة مثلما هي تحترف النصب والاحتيال،ولم نفلح بالخلاص منها الا بعد ان ابتعدنا عنها وغادرنا المكان .

شعور بالارتياح   
قبل موعد عودتنا الى اربيل بيوم واحد،قررت ان نذهب الى الطبيب الذي سبق ان اجرى العملية الجراحية لزميلتي المهندسة في القناة الفضائية والتي سبق ان زودتني برقم هاتفه وعنوانه.
احيانا لاتحتاج الى وقت طويل حتى تكتشف حقيقة بعض الاشخاص،ومن الممكن ان تصل الى اعماقهم بكل سهولة ما أن تلتقيهم اول مرة،وكانك تعرفهم منذ فترة طويلة،وهذا ما حصل مع الطبيب رضا الطفيلي ما ان التقينا به في عيادته،فما أن علِم باننا من مدينة الموصل ابدى تعاطفه معنا،ولم يكن يحتاج الى ان يجاملنا،خاصة بعد ان وجدته يحمل ذاكرة عاطفية تطغي عليها مشاعر المحبة ازاء العراق،حيث سبق له ان زار النجف وكربلاء اكثر من مرة ،وبعد ان اطلع على التقرير الخاص بالفحص الذي اجريناه يوم امس اكد لنا بعدم وجود اي اشارة على ان النقاط السوداء هي عقد سرطانية،وبذلك تطابق رايه مع راي الطبيب الهندي في اربيل. انذاك استوت في جلستها،وكان من السهولة ملاحظة البريق الذي بدأ يشع من عينيها.

 يتبع ..


4
.ج  12 – اكتشاف الحب : اوراق من مدونتي الشخصية

                                                   
مروان ياسين الدليمي


                                      يوم الهروب
عليك ان تختار، إما ان تمضي للامام غير عابىء بالمخاوف او تنجرف الى فكرة الصمت، باعتبارها اضعف وسيلة لمعاندة جريان الزمن، فأنت في كلا الحالتين ستغادر الامنيات والاحلام في آخر المطاف، لتغتسل روحك بعد أن ينطفىء الجسد في اعماق الارض، ولن تتاح لك فرصة ان تودع المخاوف والمباهج ، ولا أن تمسح عينيك بتراب الاماكن التي دائما ما  تحتفظ برائحتها تحت جفنيك.
فلماذا اذن تنتظر وصول المعجزات، طالما لن تهبط عليك بالمظلات، ولن تعرف طريقها اليك لترتمي بين احضانك؟.
حتى وانا في بيروت، لم استطع ان اتجاهل في فجر اليوم الاول روتين النهوض الصباحي، الذي اعتدت عليه مذ وصلنا هاربين الى ناحية عنكاوا في اربيل مطلع العام 2007، قبل اكثر من ثلاثة عشرعاما، بعد ان حالفني الحظ  في انقاذ نفسي وعائلتي من خطر الاغتيال في الموصل من قبل تنظيم القاعدة.
مذ ذاك اليوم وانا بغاية الحرص على ان تنتعش علاقتي مع الزمن، فلم ابخل على نفسي متعة ان اناجي الغيم والاشجار، وألامس الضوء وهو يتغلغل في زوايا العتمة.
ما زلت اذكر تفاصيل ذلك اليوم ، خاصة عندما اجتازت الشاحنة التي اقلتنا حدود مركز مدينة الموصل مع الاثاث البسيط لشقتنا الذي استطعنا نقله فيها، ووصلت بحدود التاسعة صباحًا عند اول حاجز لقوات البيشمركة الكوردية، بالقرب من بلدة برطلة، حتى وجدتني مشبعًا باحساس من يُكتَبُ له عمر جديد، فتنفست الهواء بعمق، مثل سجين يخرج الى النور بعد ان كان محكومًا بالاعدام فيسعى بكل مايحمله من شهوة للحياة الى ان يعانق كل ذرة في الفضاء، ويمتص ما فيها من رحيق، حتى ان السائق الذي كنت اجلس الى جانبه في قمرة القيادة شعر بما كان يصدح في روحي من اغاني، وما كان يتوهج فيها من فرح مفاجىء احال القمرة الى سفينة هائلة تشق عباب البحر، فالتفتَ ناحيتي وقال لي" اطمئن، الآن عبرنا مرحلة الخطر" .

                                     مكالمة هاتفية اخيرة
 لم اجد نفسي إلاَّ وانا احتضن ولدى الذي كان يجلس بيني وبين زوجتي، فقبلته من خدّيه مثل من يقبِّل غريقا ليمنحه الحياة، ثم مددت يدي وامسكت بكف زوجتي التي كانت تجلس صامتة الى جانب النافذة معزولة عما حولها من صخب، تفكر بما ينتظر حياتنا القادمة، وما ستشهده من تحوّلٍ، فبدت كما لو انها كانت ضائعة في غابة من الحيرة، لانها لم تستطع ان تفتح نافذة في تلك العتمة التي كانت تغلف الافق امامها، لتستشف الصورة  التي سنكون عليها في اليوم القادم، وكما حكت لي في ما بعد فإن مشاعر الحسرة كانت تتناهبها لانها ستفارق اهلها وربما لن تراهم لفترة طويلة، وما كانت تبصر في داخلها اي علامة تشير الى ان ما ينتظرها في جوف المجهول سيبعث فيها الاطمئنان، خاصة وانها مازالت تحت تأثير المكالمة الهاتفية التي جرت بينها وبين شقيقها الاكبر اثناء ما كانت الشاحنة تقطع الطريق المحتقن بصمته الموحش والمعبأ بالمجازفات ما بين دورة اليرموك والجسر الثالث الذي سيفضي بنا من الجانب الغربي الى الجانب الشرقي من الموصل، حتى انها لم تستطع حبس دموعها بينما كانت تتحدث معه عبر الهاتف وتخبره بصوت خافت بما اقدمنا عليه من خطوة بالرحيل عن المدينة والتوجه الى اربيل، ولم تنس ان تحمِّله امانة ان ينقل سلامها ومحبتها لوالديها، وان يدعو لنا بالسلامة والنجاة، وبسبب ضعف الاشارة وتقطّع الصوت لم تستطع ان تسمعه بشكل واضح وهو يتحدث اليها، لكنها شعرت بالصدمة التي نالت منه وكان  تاثيرها واضحا في صوته الذي اخذ يتكسر مثل عشب يابس وهو يحاول ان يسيطرعلى مشاعره التي ارتفعت درجة حرارتها قبل ان ينقطع الاتصال الهاتفي بينهما، وما أن انقطع الاتصال حتى حامت غمامة من الحزن على وجهها، وبصعوبة واضحة ابتلعت ريقها بعد ان احسّت حلقها وقد نشف تماما من اللعاب.
ضغطتُّ على كفها بكل ما لديّ من قوةٍ اظنها كانت توازي ماكنتُ اشعر به من خوف على سلامة حياتنا طوال الطريق منذ ان انطلقت بنا الشاحنة بحدود الساعة السادسة صباحا من امام العمارة السكنية الكائنة في مجمع شقق اليرموك، لاننا كنّا بغاية الحرص على ان ننتهي من تحميل ما لدينا من حاجيات واغراض دون ان نثير اي جلبة، ومن ثم الانطلاق قبل ان يصحو سكان العمارة ، حيث كانت شقتنا تقع في الطابق الثالث منها، نظراً لان الوشاية كانت قد نقضت العهد مع الاخلاق نهائيا واحكمت قبضتها على طباع البشر، وتبددت الطمانينة مع الجار والصديق والاقارب بشكل مرعب، ولم يعد ممكنا ان نجني الثقة في زمن ارتبكت فيه القيم فأمست المسافة مابين الفرد والآخر ارضا قاحلة تنمو فيها الدسائس والاكاذيب التي كان كثير من العراقيين يتبرعون بها للجماعات المسلحة تعبيرا عن احقاد شخصية .
                                   دورة اليرموك وشارع بغداد
ازدحمت في راسي الذكريات مثل حقل من الزهور العطرة، فكانت  تفيض برائحتها مع  كل ركن من اركان مدينتي التي كنت اودعها بصمت من خلف زجاج النافذة الامامية للشاحنة، لكنها سرعان ما تختلط مع هاجس الخوف كلما كانت تتقدم باتجاه مبنى بدالة ابي تمام للاتصالات التي تطل على شارع بغداد، فهناك الكثير من قصص الموت والرعب المرتبطة بهذا الشارع، الذي يمتد بشكل مستقيم لمسافة طويلة تبدأ من دورة اليرموك وتنتهي عند بوابة مدينة الموصل التي تفضي الى الطريق المؤدي باتجاه العاصمة بغداد، فبين ليلة وضحاها امسى  مسرحا مفتوحا لمواجهات دموية مسلحة، دائما ما كانت تقع ما بين تنظيم القاعدة والقوات الاميركية، حتى ان الناس بدأوا يطلقون عليه شارع الموت، فكان الوقت يمر في زواياه معبأً بالترقب ومشحونا باشعاعات الهلع وهي تحبس انفاس الناس في التاكسيات وباصات النقل الخاص عندما يذهبون صباحا الى عملهم ويعودون مساء الى بيوتهم.
تحوّل الشارع الى لحظة زمنية داكنة انتظمت فيها انفاس الانسان على ايقاع الرصاص الذي كان يغترف من ابارٍ معبأة بمشاعر الحرمان والكراهية والتكفير، وتفشَّت فيه صور الموت مختلطة مع رائحة البارود، فنقشت الحرب ملامحها القاسية بكل بشاعتها على واجهات البيوت والابنية الحكومية مثل دائرة الماء والبلدية والبنك، وانزاحت عنها ظلال الاشجار المزروعة في الجزرة الوسطية التي كانت تمتد على طوله، ولم تعد الحياة تجرؤ على نثر خصلات شعرها خلف النوافذ ولاان تطلق ضحكتها امام واجهات المطاعم والمقاهي التي امست ملاذا للقطط والكلاب السائبة وجثث القتلى، مِن المدنيين ومنتسبي القوات العسكرية والشرطة، فغدا اشبه بمقبرة تسكنها الاشباح  بعد ان كانت الحياة تضج في اركانه طيلة ساعات الليل والنهار، لانه كان المحطة الرئيسة التي تنتهي فيها رحلة شاحنات النقل القادمة من تركيا وسوريا وهي محملة بالبضائع، قبل ان يتم تفريغها بشاحنات عراقية لتنطلق في ما بعد الى بغداد ومدن العراق.

                                       معانقة الحياة
ما ان استقر بي المقام في عنكاوا حتى اندفعت بكل ما لدي من حماس لتجاوز الشروخ التي اصابت حياتي واتلفَت ما كان لدي من احلام، فبعد ان استأجرت شقة وجهزتها بالمستلزمات المنزلية الاساسية، من طباخ غازي وثلاجة وجهاز تلفزيون، لم يكن يدور في بالي سوى ان استوعب نِعَمَ الوجود بملء روحي وعقلي، ولاجل ذلك كنت مستعدًّا ان يكون مسكني خاليا من اي صورة للترف، فما عاد يهمني ان تكون شقتي خالية من الاثاث، ولهذا اكتفيت كما هي عاداتنا في بيوتنا القديمة بان افرش ارضية غرفة الاستقبال  بمجموعة من البسط السميكة التي اشتريتها من سوق الاغراض المستعملة.
حاولت ان اعوض مافاتني في ايام الرعب التي عشتها في الموصل، وبدأت استمتع بكل ثانية بنسيم الهواء وحرارة الشمس وصوت العصافير وخفقة اجنحة الفراشات، فكنت حريصا على ان استيقظ مبكرا كل يوم لتستفيق روحي على ضوء الفجر وهو يلامس كل ما هو كائن على الارض. ولهذا كان امرا طبيعيا بعد اول ليلة في الفندق ان ادفع الغطاء عني في تمام الساعة السادسة صباحا دون ان احتاج الى منبه  يوقظني، وإن كانت الاصوات الخفيفة القادمة من الكشك  كافية  لتشعرني بان الحياة بدأت تدب في الخارج ، وتذكرت بانني سوف لن يكون باستطاعتي ان امارس الهرولة لساعة من الزمن خلال الايام القليلة التي سنقضيها في بيروت كما اعتدت ان افعل يوميا في المتنزه الذي يقع قبالة بيتي في اربيل، وفكرت ان اعوّض عن ذلك بان اؤدي تمارين رياضية خفيفة داخل الغرفة، فالمهم ان لاانقطع عن ممارسة الطقس الذي سبق ان عاهدت نفسي الالتزام به بعد ان تمكنت من انقاص وزني خمسة عشر كغم واصبح خمسة وثمانين، وإنْ كانت العملية قد استغرقت وقتا طويلا جدا لم يكن يتناسب مع ما فقدته من وزن.

                                       لاوقت للمزاح
ما أن هممت بمغادرة السرير حتى اثار انتباهي جلوسها ساكنة على الكرسي بالقرب من خزانة الملابس، ولم يكن يصدر عنها اي صوت، وفي الواقع ما كان لي ان اتفاجأ إذا ما وجدتها قد سبقتني في الاستيقاظ، لانني ادرك مدى حرصها على ان تؤدي صلاة الفجر قبل ان تشرق الشمس. شعرت كما لو انها كانت تفكر بامر كان يثقل عليها، او انها كانت تشكو من ألم، وربما لم تكن ترغب في ان تنتزعني من النوم حرصًا منها على ان لاتبدد الراحة التي كنت اتدثر بها بعد ان نال مني التعب بسبب مشاق السفر، لكنها ما ان شعرت باني قد استيقظت حتى بادرتني بسؤال لم يكن يخطر في بالي ابدا.
" في اي اتجاه  تتوقع ان تكون القِبلة ؟ "
لم تترك لي فرصة ان اعبر عن دهشتي وانا انظر اليها، عندما وجدتها تعيد طرح السؤال عليَّ اكثر من مرة، فما كان مني الا ان اقاطعها لاذكرها فقط بانني لا اعرف اكثر مما هي تعرف، فليس من المعقول ان تستعين بي لمعرفة اتجاه القِبلة ! 
عندها حركت راسها لتقول لي بان لاوقت للمزاح ، ومن الضروري ان اساعدها في تحديد الاتجاه.
"ومالضير اذا ما صليتِ باي اتجاه؟ فالمهم نيّة الانسان، وليس الشكليات ".
بطبيعة الحال لم يعجبها كلامي، ولانها كانت في وضع صحي لايسمح لها بالانفعال، اكتفت قائلة "ارجوك ، الموضوع لايحتمل المزاح " .
ولاني على يقين من انها دائما ما تأخذ الامر على محمل الجد في مثل هذه الموضوعات التي تتعلق بشؤون العبادة والدين، ولن تتسامح ابدًا مع اي صيغة لا تُعلي من شأن الالتزام الجاد بها، لذا كان لابد ان اؤكد لها بانني لم اكن امزح، وان عليها تفويض امرها الى الله طالما هي في بلد غريب، واوضحت لها بأنه ليس من المعقول ان اتصل بالاستعلامات في مثل هذا الوقت لمعرفة اتجاه القِبلة، وعليها ان تتوقع بان لايكون جميع العاملين في الفندق مسلمين، فنحن في لبنان، وليس في مكان آخر من ديار المسلمين.
انذاك وجدتها كما لو انها قد اقتنعت من انني لم اكن امزح معها، وما من خيار امامها إلاَّ ان تصلي وباي اتجاه .
وقبل ان تبدأ في الصلاة اتجهت الى خزانة الملابس وبدأت تفتش فيها ولانها كانت شبه فارغة باستثناء ثيابنا التي علقنا بعضها بداخلها والقسم الاخر رتبناها على الرفوف لم تستغرق عملية البحث سوى ثوان معدودة .
 "ليس من المعقول عدم وجود سجادة في الغرفة !" كان يبدو عليها الانفعال عندما استدارتُ وخاطبتـني بهذه الجملة.
 " لسنا في زيارة للسعودية ، نحن في لبنان ، في لبنان ياعزيزتي ،هل نسيت ذلك ؟ " باجابتي هذه ،لم تستطع ان تمنع نفسها من ان تبتسم وتهز راسها وهي تردد مع نفسها.
" لا أمل يرتجى منك " .
ثم سَحَبَتْ من الخزانة القميص الذي كنت ارتديه اثناء الرحلة، وفرشته امامها على الارض، وبدأت في الاستعداد للصلاة. وقبل ان تبدأ التفتت ناحيتي وكانها تذكَّرت امرا ما ، فخاطبتني "وانتْ..ألا تصلي ؟  لعل الله يسهل علينا امرنا، خاصة واننا في بلد غريب " .
ولانني لست متعنتا في هذا الموضوع، وليس لدي مشكلة في ان اصلي ،اجبتها بانني ساصلي بعدما تنتهي هي. فإذا بها ترفع يديها باتجاه سقف الغرفة بشكل مبالغ به وهي تردد " الحمد لله ، اللهم اهدهِ يارب العالمين "
عندها لم اجد نفسي إلاّ وانا  اطلق ضحكة خفيفة، بينما كنت اتجه ناحية شرفة المطبخ .
"من يسمع هذا الكلام، سوف يعتقد بانني شخص بلا ايمان" .
" ومالذي سيحصل، حتى لو سمعك اللبنانيون كلهم ، ألسنا في لبنان  ؟  "
لم اتمالك نفسي من الضحك، وعدت ادراجي والقيت بنفسي على السرير. 
بينما هي بدأت في الصلاة ورفعت من صوتها وهي تردد "الله اكبر". وكانت بمثابة اشارة واضحة منها بان اكف عن الضحك احترامًا واجلالا لطقس التعبّد. فما كان مني الا ان اكتم ضحكتي وانهض معتدلا بجسمي، واعود من حيث اتيت متجها الى شرفة المطبخ، بعد ان جذبتني رائحة الماكولات اللبنانية التي كانت تنبعث من الكشك .

                                  تشابه النهارات
عشت لحظة ترف حقيقية لدقائق معدودة، انفصلت فيها عن هجير ايامي، شعرتُ بها وهي تنهمر في كياني كله،ب ينما كنت استمتع بنسمة هواء باردة كانت تتهادى في الفضاء، مع اننا في منتصف شهر حزيران، فوجدت نفسي هائما بالفة الاشياء التي كانت تلتقطها عيناي وهي تغرق في صمت المكان. شرعت في  التقاط عدد من الصور الفوتوغرافية بكامرا هاتفي الجوال للعمارات الشاهقة التي كانت تواجهني وانا اطل عليها من خلال الشرفة، والتقطت صورًا اخرى للشارع الفرعي الذي كان يقبع فيه الفندق بعد ان لفتت انتباهي اناقة الحدائق المنزلية  للبيوت الصغيرة التي كانت تتراصف على جانبيه، ولعل الوان الزهور المتنوعة التي كانت مزروعة في سنادين تنتظم على شرفاتها الحديدية اكثر ما استوقفني في ذلك المنظر.
حاولت ان امضي بعيدا بمخيلتي، مجتازا المسافة التي كانت تفصلني عن ولدي الذي كان يغط في نوم عميق في مثل تلك الساعة، لانه اعتاد ان يسهر في ايام العطلة الصيفية الى ساعات متأخرة من الليل وهو يلهو مع اصدقائه بالعاب الكترونية عبر الانترنت، ولهذا كان  يصحو في اغلب الايام بعد الساعة الواحدة بعد الظهر. ويمكنني ان اؤكد بانني لم اكن اشعر بالسنين وهي تزحف متسللة الى خلايا جسمي الا بعد ان وجدته فجأة ينهي دراسته الاعدادية، انذاك تقوست الاشياء امامي، لانني كنت اتجاهل الزمن واحرمه متعة النيل مني، رغم الخراب الذي صادفني، خاصة بعد ان انتهيت من اداء الخدمة العسكرية مطلع تسعينات القرن الماضي بعد حرب الخليج الثانية. فبعد ان نزعت ملابسي العسكرية، ورميتها في التنور الطيني الذي اعتادت جدتي ان تخبز به، وجدت نفسي وسط فضاء عارٍ، لا سماء تستره ولاارض تحميه من السقوط ، لم يكن يشبه ما كنت قد حلمت به قبل دخولي كلية الفنون الجميلة، كل شيء وجدته يتبخر من حولي بشكل متسارع، وبدأت النهارات تتشابه مع عتمة الطريق الذي كانت تمضي اليه البلاد، وتراكمت السنين على كتفيّ مثل الاتربة، وما من شيء كان يربطها الى بعضها الا حكايات لايمس الموج اقدام ابطالها ولا الحمام يميل بهديله اليها ولاضوء القمر ينهمر على نوافذها. كانت حكايات لاتصلح لكي يغفو الاطفال على وقع كلماتها، ومع ذلك لم تشتبه عليَّ الحياة، وظل الزمن يقفز خارج تقويمي الشخصي، الاَّ بعد ان إرتأى  ابني البقاء في البيت، وفَضَّلَ عدم مرافقتنا الى بيروت، وكانت تلك اشارة على انه قد اصبح قادرا على التحليق والطيران لوحده، ولم اعد استطيع  اللحاق به ، وعلي ان استعد لمواجهة صورتي في مرآة الزمن والاقتناع بالاخاديد التي حفرها على ملامحي .
شعرت بالحاجة الى ان اسمع صوته بينما كانت امه ترتب الاغطية على السريرقبل ان تستعد لتبديل ثيابها، لان موعد الذهاب الى مستشفى الجامعة الاميركية لم يحن بعد، فالساعة مازالت تشير الى الثامنة صباحا، اي اننا امامنا ساعة من الزمن، ولكني تراجعت عن فكرة الاتصال به بعد ان تذكرت بانه مايزال نائما. فاستثمرت الوقت المتبقي وغادرت الغرفة لكي اشتري فطورا صباحيا من الكشك الذي يقع مقابل الفندق، مع انها ما كانت تريد ان تفطر، لان ذاك اليوم صادف الاول من شهر رمضان، لكني ارغمتها على ان لاتصوم ، لان حالتها الصحية قد تتدهور اذا ما اصرت على رأيها  .
لم اكن خائفا على ولدي بعد ان تركناه لوحده  في البيت ، لان المنطقة التي نسكن فيها في اربيل كانت تجاور مبنىً حكوميا، لذا كان الحي يخضع لمراقبة دائمة عبر الكامرات، ولزيادة الاطمئنان عليه اتصلت عبر الهاتف باثنين من اصدقائي، اكرم اسوفي ومحمد خيّون، واخبرت كل واحد منهما بموضوع سفرنا، وطلبت منهما ان يبقيا على اتصال دائم به اثناء فترة غيابنا، تلافيا لاي مفاجاءات قد تحدث، ولربما قد يحتاج الى مساعدة بامر ما.
بعد ان اتهينا من تناول الفطور كانت الساعة تشير الى التاسعة صباحا، طلبت منها ان تتأكد من كل البيانات الخاصة بحالتها المرضية قبل ان نتوجه الى المستشفى .

يتبع ..

5
ج 11  اكتشاف الحب : اوراق من مدونتي الشخصية

                                           
مروان ياسين الدليمي


                                     اقرب ماتكون اليه

بَدَت في دهشتها التي استيقظت على وجهها الشاحب،كما لو انها طفلة تكتشف الاشياء لاول مرة،بينما كانت تتابع الفضاء الشاسع الذي يمتد بلانهاية امام عينيها،في اول رحلة لها بالطائرة،فارتسمت على وجهها بهجة،مثل شعاع ينبثق من داخلها،كانت كافية لان تبدد التعاسة التي كنا نرزح تحتها منذ عدة ايام وتمنح من يراها شعورا قويا بالطمأنينة بان الحياة تستحق الاحتفاء بها،رغم مانمر فيها احيانا من انتكاسات حادة،حتى انها قالت متعجبة ان بامكانها ان تلمس الغيم باصابعها،لولا النافذة الزجاجية التي كانت تحول دون ذلك. فما كانت تتخيل في يوم ما ان تتأمل مشهدا كهذا بتلك المساحة الهائلة من البياض الناصع ،فحسدت نفسها لان الفرصة واتتها لتعيش مثل هذه التجربة بكل سحرها،خاصة وانها كانت معلقة على ذاك  الارتفاع الذي جعلها تشعر كما لو انها اقرب ماتكون الى الله ،وقد تبدى لها وجهه،بنوره الآسر في يقظة تلك الآيات التي كان بصرها يقتنصها،بكل ماتحمله من صفاء مبهر تجلى بحضوره النادر في زاوية قصية من هذا الكون.
دائما ما كانت امالها تنأى بها بعيدا عن هوس البشر في المشهد الارضي بكل ما يحمله من توحش غرائزي،وتمضي بكل جوارحها الى حكايات غامضة مرتبطة بالسماء وما يقف ورائها من قوة خفية تمسك بأسرار هذا الكون،ودفاعا عن نفسها عندما كنت اوجِّهُ انتقادا لها باختيارها الهروب من الحقائق الواقعية الملموسة بالالتجاء الى الغيبيات،كان جوابها الذي تعيده على مسامعي مرارا وتحتفظ  في محتواه بكل مالديها من اصرار،بان موقفها يعبر عن ايمانها،وعن احساس عميق لديها لاتستطيع ان تتجاهله،وهو اقوى بالنسبة لها مما تراه وتلمسه في الحياة من صور وظواهر اعتبرها انا ادلة مادية ومنطقية،وهذا ما يدفعها الى ان تبني امالها بعيدا عن اضطرابات النفس الانسانية ونوازعها وهوسها بما هو حسي وملموس.


                                  شرود عن العالم
لم يكن هذا الموقف قد تولد في داخلها بعد ان مرت بتجربة مرض الروماتزم الذي انهكها منذ العام 1999 ولا بعد ان دخلت تجربة سرطان الثدي، اظن بان انفتاحها على هذا العالم المشبع بصمت السماء وغموضها يعود الى سني طفولتها الاولى والى المحيط الاجتماعي الذي شحذ خيالاتها بماهو ابعد من الواقع،فهي لم تكن تأبه بالفرص التي يمكن ان تضعها في طريقها خيارات الدنيا بكل مافيها من مغريات ومباهج،وهنا تحديدا يكمن جانب مهم من الافتراق بيني وبينها،فأنا لا احب التحليق بعيدا عن المحسوسات،بينما هي في كل عمل تُقدِم عليه كانت تبحث عن ممر روحي يفصلها عن الواقع املا في ان تشعر بالاطمئنان الداخلي.فكثيرا ما تنفرد مع نفسها في حالة من الشرود والتيه عما حولها،وتمضي على هذه الحال ساعة من الزمن،تبتعد فيها عن ذاتها لتقترب منها اكثر،وهي غارقة في حالة من التوحد معها،وحينما اجدها على هذه الصورة بعد كل صلاة تؤديها،اغض النظر عنها،ولا احاول ان اثير اي جلبة في البيت،حتى لو كنت اود ان استفسر منها عن شيء ما لحاجتي الماسة اليه.فأنا لست معنيا بما يؤمن به الاخرون،ولااسمح لنفسي ان اشتبك في جدل معهم حول ما إذا كانوا يلوذون بمكان صحيح أو خطأ، فالمهم بالنسبة لي في ما يتعلق بقناعات البشرأن يشعروا باطمئنان داخلي في خياراتهم الذاتية،طالما لايتسببون لي وللاخرين باذى،واكثر ما يشعرني بعدم الاطمئنان عندما اجد من يحاول استنساخ الاخرين على هوى ما يطئمن هو إليه من قناعات، خاصة عندما يغلفها باطر عقائدية،ولم اصل الى هذه الدرجة من الاستيعاب الا بعد تجارب مريرة مع اخرين، وحتى اصل الى ماوصلت اليه من فهم استغرقتُ وقتا طويلا.

                                    مصدر الاسرار
مذ كانت طفلة في مرحلة الدراسة الابتدائية لاتتذكر ابدا انها قد تخلفت عن ان ترفع نظرها نحوها الاعلى في الاوقات الخمسة للصلاة،هذا ماسبق ان قالته لي،لانها كانت ترى مصدر الالهام والاسرار لكل ما هو موجود على الارض يكمن هناك،فإذا ما شاء الانسان ان ينأى بنفسه عن الموجودات التي تحيط به في حياته المادية والتي عادة ما تاكل من جرف روحه ينبغي عليه ان يتوجه بوجدانه الى حيث ما يكون الله حاضرا،وإذا ما شعر بالقهر والجور قد لحقا به فلابد من ان يمد يديه نحوه طالبا منه العدل والانصاف وليس من غيره،وإذا ما نال مبتغاه فلاينبغي ان يتردد في ان يعبَّر له عن شعوره بالامتنان.
"اشعر بنبضي يتسارع كما لو ان قلبي سيطفر من مكانه"
هذا ما قالته وهي ترحل بعيدا في نظرها من خلف زجاج النافذة،كما لو ان المسافة بينها وبين الله باتت اقرب مما كانت تحلم به،ولفرط سعادتها بدأت تردد ادعية وصلوات وتسابيح مع نفسها،واسرّت لي بانها لم تكن تحتفظ في قلبها في تلك اللحظات الا بمطلب واحد "ان ألمس اشارة في روحي تجعلني أطمئن من ان الله راض عني" . هذا ما افصحت عنه لما سألتها بماذا كانت تهمس بينها وبين نفسها.
"ربما لديكِ هذا الشعور لانك اول مرة تركبين الطائرة وتكوني على هذا المستوى من الارتفاع "
بهذه الجملة حاولتُ ان اخرجها من هذا الافراط في التخيل والتحليق بعيدا عن الواقع،وان تتعامل مع ماتراه ليس باعتباره تجربة خارقة لن تتكرر،وذكَّرتها بان هناك ملايين من البشر مثلها ربما يكونوا الان على نفس الارتفاع لكنهم لايجدون انفسهم قد اصبحوا اقرب مسافة الى الله ، ولايعدون ما يمرون به تجربة روحية،انما هو مجرد انتقال في المكان مثلما يركبون سيارة او قطار او باخرة اثناء سفرهم من مكان إلى آخر، فلماذا هذا التوغل العميق في التخيل بما لايستحق كل هذا الجنوح والشطط في الافكار والتأملات التي ابعد من ان تكون منطقية  ! ؟
" احتفظ بارائك لنفسك ،لان ايمانك ضعيف اصلاً " 
كنت مدركا من ان اجابتها ستكون بهذا المعنى،ولم يكن ممكنا ان انجح في اقناعها ابدا ،فالمسافة التي نختلف فيها كانت تبدو واضحة بيننا طيلة الاعوام التي عشناها معا ،فكيف بها ونحن على مثل ذاك الارتفاع الشاهق الذي كنا عليه،وغالبا ما كانت علاقتنا تشهد عواصف من الجدل خاصة إذا ما نشأ نقاش حول هذه الموضوعات،ولهذا كنتُ اتحاشى اي محاولة لتقليص المسافة الفكرية بيننا،لانني على يقين من ان المهمة ستكون مستحيلة،لانها من غير الممكن ان  تغير موضعها للدفاع عن قناعتها، وستبقى تتمسك بما لديها من ثوابت لاتقبل ان يصل الجدل الى حدودها،بل لديها الاستعداد في ان تفرط باي شيء بما في ذلك علاقتنا الزوجية ولا تتخلى عما تؤمن به ،فالعلاقة بينها وبين الله لاتقبل النقاش باي صورة،ولن تقبل في ان نُدخِلَها في النقاش تحت عناوين مثل حرية الرأي وتبادل الافكار وتحت اي ظرف، فهذه منطقة محرمة،وغير مسموح بالوصول اليها من وجهة نظرها، ولاعلاقة يمكن ان تجمعها باي حوار مهما كانت صيغته،ثقافية او دينية،او اي محاولة للفهم عبر فك طلاسمها،بل تعد الخوض فيها يحمل معنى  الاستعداد للتأرجح مابين الايمان والكفر،والخروج من دائرة الرضا والقبول الى دوامة من الشعور بالفراغ الروحي والسقوط في هاوية الشك،فالمسالة إذن بالنسبة لها أشبه بالسؤال الشكسبيري الذي جاء على لسان هاملت"ان تكون او لاتكون تلك هي المسألة " فإما ان تكون مؤمنا دون نقاش ودون الدخول في معمعة الاسئلة او انك ستضع نفسك في حاضنة اللاإيمان مهما كانت نواياك طيبة،فهي  شخصيا قد وجدت نفسها بوقت مبكر في المكان الذي تبحث عنه،دون ان تتعب عقلها بالتقصي عن حقيقة وجوده من عدمه،انه مكان اكتملت فيه الحقيقة طالما وجدت نفسها فيه مستيقظة بعقلها وحواسها،ولن تفلح مراوغات الدنيا بنعمتها ونعومتها وسحرها من تخديرها والنأي بها عنه،فكانت متصلبة جدا خلف قناع من الافكار التي تستلهم منها حقيقة وجودها،وهي مكتفية بها،ولاني بطبيعتي لااقف طويلا امام هذه الموضوعات ولا انشغل بمثل هذا الجدل الفلسفي ،ليس لاني لااملك قدرة على فهمها واستيعابها انما لاني لاأجد في استمرار النقاش فيها اي جدوى،لهذا لم يحصل ان تدهورت علاقتنا بسبب اختلافنا،بل لاننا احتفظنا بهذه المسافة بيننا واضحة وآمنة،تمكنَّا من ان نبعد التصدع عن  حياتنا الزوجية .
التقطتُ لها عددا من الصور بجهاز الهاتف دون ان تنتبه وكانت تبدو بغاية السعادة وهي تنظر من خلف النافذة وتضع كفها على فمها وعيناها مفتوحتان على وسعهما علامة على ماتشعر به من ارتباك وامتنان امام آية من ايات الخلق في هذا الكون العجيب،ثم تهز راسها يمينا وشمالا بحركة موضعية خفيفة تعبيرا عن هذا الشعور الذي كان يتلبسها،ولما انتبَهتْ الى انني كنت التقط صورا لها،ارتسمت  ابتسامة عريضة على وجنتيها عكست شعورا عميقا بالفرح لم اره يتجلى فيها منذ ان شخَّص الطبيب اصابتها وخيم القلق والحزن علينا ثلاثتنا. 

                                    هذه ليست بيروت
وصلنا مطار رفيق الحريري في تمام الساعة السابعة والنصف مساء ،وتفاجأت بانه مطار صغير جدا مقارنة بمطار اتاتورك في اسطنبول الذي سبق ان مررت به مرتين . 
بعد ان انتهينا من اتمام اجراءات الوصول،استأجرنا سيارة تاكسي لتوصِلنا الى فندق "كوين سويت" الذي يقع في شارع الحمراء وعلى بعد مسافة لاتتجاوز خمس دقائق عن مستشفى الجامعة الاميركية .
صُدمت من كثافة العمران في بيروت،حتى انني وجدتها مدينة موحشة، واعترف بانها خلَّفت في داخلي شعورا بالخوف منها،ولم استطع ان استبعد الاحساس بان ما فيها من حيوات كانت تئن تحت وطأة الازدحام الكثيف بالابنية والعمارات الى حد الاختناق وفي مساحات ضيقة جدا، انها مدينة ليس فيها فضاءات مفتوحة تبعث على الشعور بالهدوء والاستقرار، كان مظهرها القاسي مفاجأ ً لي،لم ار سوى مدينة تذبل فيها المشاعر الانسانية امام هذه الشراسة في البنيان،وميلا مفضوحا الى تدمير اي فرصة للتخيل وذلك بجعل الانسان ينزوي  محشورا وراء كتل كونكريتة لا تعبّر عن ميل للتباهي بالثراء فقط ،بقدر ما تعكس جشعا طبقيا يتعاظم حضوره في سلوك ومواقف اصحابه،مثل امرأة لاتكتفي بجمالها الذي خُلقت عليه فتصر على ان تمشي عارية لتستعرضه امام  الملأ .
بيروت المدينة، لم تعد تصلح ان تكون ملاذا للروح الهائمة بالتحليق في فضاء الحرية،ومن تسنى له فرصة العيش فيها فهذا يعني انه قادر على ان يسحق عظام من  يقف امامه،انها اشبه بحلبة دموية يتصارع فيها المتنافسون بكل ضراوة وعبثية حتى يعيش احدهما من بعد ان يموت الآخر، فلامكان فيها للضعفاء الذين يتحاشون اللعب مع الموت،وعلى الرغم من انها تبدو رقيقة في الصور المتخيلة التي ترسمها الاغاني الا انها في حقيقتها الواقعية غليظة وخشنة في ملمسها،انها نموذج للعواصم العربية الكبرى التي اختفت منها المدنيّة،مثل بغداد وصنعاء وطرابلس ودمشق والقاهرة،فتحولت الى كيانات عشوائية لم تعد تنبعث  منها رائحة الازهار بعد ان تلوث هوائها بضغائن تجارالسياسة .
هي مدينة ضاقت الحياة فيها بابنائها،من الشعراء والفلاسفة والادباء والفنانين،ولم تعد تمد ذراعيها لهم لتحتويهم . فهل بيروت اليوم هي ذاتها التي كانت قبل نصف قرن وهي تحمل رائحة المراكب والسفن التي كانت تأتي اليها وتنطلق منها الى كل جهات الارض ؟
لم اجدها تلك المدينة المعبأة بالتفرد الحضاري،كما كانت في مخيلتي،ولم تمنحني الاحساس بانها مثل حورية البحر،وهذا الشعور تولد في داخلي بينما كنت اصغي لسائق التاكسي الشاب،وهو يوجز لي تاريخ الاماكن التي كنا نمر بها والشخصيات التي كانت جزءا من ذاكرتها،وما إن انتبهت الى وجه حسن نصرالله موشوما على ساعده الايسر،لم اعد معنيا بما يقوله،والتزمت الصمت،وتركت له فرصة الاستمتاع لوحده بالحديث ،مكتفيا بتوزيع نظري على جانبي الطريق . 
وبينما كنت اتطلع من خلال السيارة الى المدينة التي كانت في يوم ما غاية ما كنت احلم بالوصول اليه،تساءلت مع نفسي: إين الجمال في مثل هذه المدينة ؟  وكيف يحتمل الناس العيش فيها !  انها تعبير صارخ عن حقيقة المدن العصرية التي تسلب من الانسان شعوره بالحرية ،وتقذف به الى لحظة زمنية من الاهتياج والتوتر،كما لو انه يعود الى الغابة،بكل الوحشة التي تصاحبه فيهاعندما يكون بداخلها،فصمت الغابة معادل لضجيج وزعيق الاصوات في مدينة مثل بيروت،وذهبت مخيلتي  بعيدا عنها الى مدينتي العراقية التي ولدتُ فيها واجريت مقارنة بينهما،بينما كان السائق مايزال يثرثر بالتاريخ من وجهة نظره،واحتفظت بيني وبين نفسي بافضلية ما تفيض به مدينتي من مجازات طويلة يتردد فيها صوت الحياة،مثلما يجري ماء دجلة في شرايين شوارعها وفصولها من غير ان يحدث فيها ضجيجا،وبامكانك وانت الغريب ان تعثر على الراحة فيها،ولن تتأخر هي ايضا في ان تشعرك بالدفء والحنين اليها اذا ما ابتعدت عنها،مع انها مدينة ليس لها تاريخ سري في المتعة مثل بيروت،وايقاع حياتها ينضبط على توقيتات الاذان  .
                                  انطباع آخر مختلف
السفر يسبب الارهاق،حتى لو استغرقت الرحلة زمنا قصيرا،ولهذا ما ان وصلنا الى الفندق حتى اغتسلنا،وتمددنا على السرير لنستريح، لكننا وبسبب التعب دخلنا في نوم عميق،ولم نصحو منه الا بعد ساعتين.
اتصلت عبر الهاتف بموظف الاستقبال وطلبت منه  ان يرسل لنا وجبة عشاء خفيفة.واثناء ماكنا ننتظر وصول عامل الخدمة،تقدمتُ نحو نافذة المطبخ المطلة على الشارع الجانبي الذي يقع فيه الفندق . كان الليل قد اسدل ستارة خفيفة من العتمة على المدينة ولم يكن ينفذ منها الا خيوطا من الضوء تصدر من مصابيح معلقة على اعمدة الكهرباء ومن نوافذ الشقق السكنية في عمارات متلاصقة الى بعضها البعض حد الاختناق،ولم يأسرني في تفاصيل هذا المشهد سوى  حالة الهدوء التي كانت  تعم ارجاء المكان ،باستثناء أصوات رجالية كانت تخترقه قادمة من كشك صغير يقع مقابل باب الفندق،يقدم للزبائن اكلات لبنانية خفيفة مثل بابا غنوج،فتة،حمص بطحينة،كبة محشية. ولم يكن في الكشك سوى عاملين يقدمان الطلبات لثلاثة او اربعة زبائن يجلسون حول منضدتين صغيرتين.
بقيت اتأمل المنظر من الاعلى،ووجدته يعكس وجها اخر للمدينة التي كنت قد شعرت بالنفورمنها قبل ساعات،حيث كانت تبدو حميمية من خلاله، ولا اشك في ان مثل هذه اللحظات غالبا ما تبعث فيّ شعورا بالتواصل والألفة مع المكان حتى لو كان اجنبيا،ولايتوغل التوجس بيننا اذا ما وجدتني فيه لاول مرة،حتى انني اشعر بان الزمن في مثل هذه الاماكن يبدو الاقرب الى الحياة ببساطتها ويتخلى عن اقنعته التي يرتديها في الاماكن الاخرى التي تنحجب فيها الرؤية ويسودها العمى،بفعل الضوء الساطع المنعكس على واجهات مبانيها الشاهقة، بينما هنا،عند هذا الكشك يميل الزمن الى ان يطوق بذراعيه  كل الحيوات الموجودة ويبعث فيها دفئا،لتكتسب حضورا انسانيا اليفا يستيقظ  منها بهدوء،وهو ينساب في ملامح من يشكلون تفاصيل المشهد الانساني.ومثل هذه الامكنة التي تكتب حضورها ببساطتها تشبه ماكنا قد تآلفنا معه من لذائذ العيش البسيط في بيوتنا وازقتنا وشوارعنا واسواقنا في الموصل القديمة والتي اجهزت عليها حرب التحرير في ما بعد ،لان السيناريو المُعَد مُسبقا كان يقتضي ان ترصد عدسات الفضائيات محوها من الوجود،وقطع ظفيرة الشعر الطويلة التي كانت تنسدل على ظهور فتيات المدينة وهن يفتحن اذرعهن لنسمات الربيع،واحتضار الشقوق في الجدران التي تآخى الزمن معها وغفا عند عتبات بيوتها، لتنسل منها الاغاني صامتة ولترقد تحت الاحجار رقدتها الاخيرة .
كان ممكنا ان ابقى هناك في ما كنت غارقا فيه من تأمل لولا الطرقة الخفيفة على باب الغرفة . فتحت الباب واستلمت وجبة العشاء من عامل الخدمة.

يتبع ....

6
ج 10  - اكتشاف الحب : اوراق من مدونتي الشخصية

                                           
مروان ياسين الدليمي

                               
                            ولادة جديدة بعد منتصف الليل

هذه هي المرة الاولى التي نتركه وحيدا في البيت بينما نغادر الى خارج العراق . لم يخطر على بالنا في يوم ما ان نمتلك الشجاعة على تحمل مثل هذه الخطوة،فقد اعتدنا منذ خمسة عشر عاما على ان نكون ثلاثتنا معا، اشبه بمثلث لايكتمل وجوده وشكله الاَّ اذا التقت اظلاعه الثلاثة واستندت رؤوسها الى بعضها،فحضوره كان بمثابة لمسة رمزية من السماء مسحت بدفئها كل الاوقات التي لم تكن تغمض فيها اجفاننا الاَّ بعد ان يثقلها السهر من كثرة التفكير.
انه خيط المحبة المتين الذي اعاد الحياة الى علاقتنا التي كادت اوراق اغصانها الخضراء ان تجف،فكتب بميلاده بداية جديدة لها،ومع اشراقة اطلالته الى الدنيا شَعَر كلانا كما لو اننا استعدنا دهشتنا الاولى امام نور الشمس واخضرار العشب ونسمة الهواء،وكل الاشياء التي تحيط بنا من سماء ونجوم وضياء وجبال وبشر واشجار وحجر واصوات،كل شيء من حولنا اصبح بيننا وبينه لغة سرية نتواصل بها،ومن خلالها نتبادل مشاعر المحبة دون شروط،ولم يعد في هذا الكون ما يبعث على القلق،وبهدوء تام انتظمت حركة الموجودات من غير ان يكون بينها تنافس واحقاد، هكذا بدا العالم ما ان اطلق صرخته الاولى وهو مغمض العينين معلنا قدومه في الخامس والعشرين من شهر كانون الاول 1999 في مستشفى الخنساء للولادة بمدينة الموصل،مِن بعد ان كنّا قد افتقدنا لهذا الاحساس المدهش بجماله طيلة السنين التي كنا ننتظر فيها ان تهبط علينا اشارة تحف حياتنا بنور الطفولة وأن تُكتَب للجنين القادم فرصة الحياة،وأن لا تنطفىء الروح فيه قبل ان يخرج الى نورها مثلما حدث في المرتين السابقتين .
لن انسى ابدا كيف ضج قلبي بفرح طاخ لاشبيه له في تمام الساعة الواحدة والنصف من بعد منتصف ليلة الخامس والعشرين من شهر كانون الاول عندما كنت مع عاصم زوج اختي غير الشقيقة جالسَين في سيارته بينما كنا ننتظر خارج مبنى المستشفى،ورغم انخفاض درجة الحرارة في تلك الليلة شعرت بدفء الحياة ما أن نَقَرت والدتي بسبابة كفها على زجاج نافذة السيارة ، ولما التفتنا ناحيتها وجدناها تبتسم، لحظتها كان بي شوق عظيم لمعرفة الخبر الذي جاءتنا به ، خاصة وان علامات السرور كانت قد جعلت وجهها مشرقا في تلك الساعة ، حيث كان  الظلام مخيّما ًعلى الشارع الطويل الموازي لمبنى المستشفى إلاّ من خيوط ضوء واهنة كانت تهمي من مصباح معلق في نهاية عمود كهرباء يبعد عنا مسافة عشرين مترا .
"مبروك رزقك الله  بولد " قالتها لي والدتي ولم تنتظر حتى افتح باب السيارة ،حينها شعرت بالدم يجري في عروقي،وإذا بي اذرف دمعة ساخنة واعجز عن النهوض من على المقعد،عندها ربَت زوج اختي على كتفي وقال" واخيرا ساناديك ابو محمد " .

                                 اصبحا من طيور الجنَّة
لم يكن مجيئه سهلاً بعد ان طال انتظاره اربعة اعوام بايامها وليالها،كانت انفاسنا فيها تتقطع بسكاكين الياس ونحن معلَّقَين بحبل واهن من الرجاء،في زمن كانت فيه الحياة داخل العراق تئن من وطأة الجوع الذي بات يفتك  باحلامنا بسبب الحصارالدولي،ولن اشكّ ابدا في ان الكثير منّا كان يتمنى في بعض الاوقات ان يودع الدنيا على ان يستمر الحال مرهونا في غياهب المجهول .
مع مرور الوقت بدأ املنا يضعف شيئا فشيئا بامكانية حصول الحمل،مثلما يضعف نظر الانسان كلما تقدم به العمر وتتوغل في جسده الشيخوخة،ولن يكون امامه الاَّ ان يمضي طائعا بهدوء الى اخر رحلةٍ في سفر الجسد،ومن غير ان يكون امامه اي فرصة للرجوع الى الوراء.
كم حاولنا ان نحتمي بجدار الامل،في زمن غاب عنه الامل حتى لاننهار من قسوة الشعور بالألم.ومن جانبها هي لم تكن تحتاج الى من يرشدها للاستعانة بالله ،لانها دائما ما كانت تشعر بوجوده معها في كل لحظة ،وغالبا ما كنت اصحو في عُقبى الليل وقبل ان يطوي رداءه وينسل بنعومة فاسحا الطريق لرائحة الفجر،لأجدها مقرفصة على ارضية غرفة النوم تقرأ القرآن،الى ان تسمع آذن الفجر،عندها تتوقف عن القراءة،ثم تطبق دفتي القرآن وترفعه قليلا لتقبله،ثم ترفعه درجة اعلى حتى  يلامس جبهتها،كما لو انها تلتمس من الله بهذه الحركة ان يحقق لها مرادها ويمسح عنها اوجاعها.
اما من ناحيتي،فقد تسمّر الزمن في مكانه مُعلّقَا مثل صورة فوتوغرافية على جدار،حتى انني وصلتُ الى مرحلة تهاوت فيها الظلال التي كنت احتمي بها في جبهة الحياة،وبدأت اسمع صوتا في داخلي يهمس لي بأنَّ القدر لم يعد يلتفت الينا واشاح بوجههه عنا،رغم ان الفرصة كانت انذاك لم تزل مؤاتية،إذ كان عمرها واحد وثلاثون عاما،وانا لم اتجاوز الواحد والاربعين،فإذا بالحلم الذي تمسَّكتُ به سنين طويلة وكنت عازما على ان ابعث فيه الحياة وذلك بانجاب نصف دزينة من الاطفال قد تحول الى مايشبه سحابة من دخان بعد ان تكرر الاسقاط مرتين متتاليتين،ولم يكن بين الاولى والثانية إلاّ فترة زمنية لم تتجاوز الستة اشهر،وهذا ما اثبت لنا وللاطباء بأن لايوجد اي سبب يمنع الحمل للاعوام الاربعة الماضية .
 قضية الاسقاط المتكرر جعلتنا نرتمي في بؤرة من الحيرة لم نستطع الخروج منها،واكثر ما احزنني شخصيا ان ملامحهما كانت قد بانت، ومن السهولة ملاحظة الشبه الواضح بيني وبينهما، فقط الاختلاف كان في لون بشرتهما التي بدت ابعد ماتكون عن لون بشرتي السمراء،واقرب ماتكون الى بشرة اخوالهما التي تميل الى البياض.واذكر جيدا انني في المرتين شعرت بقواي تنسل مني ،وعروقي تتيبس، وراسي يكاد ان ينفجر من شدة الاحساس بقسوة اللحظة،حتى انني لم امتلك مايكفي من الشجاعة حتى القي عليهما النظرة الاولى والاخيرة إلاّ لثوان معدودة،بينما جسدي كله كان يرتعش وأنا اتقدم نحوهما لأقبّلُ وجنتيها قبل ان يتولى اخواي"غير الشقيقين"غسان وخالد،مسؤولية غسلهما وتكفينهما،ومن ثم الذهاب بجثتيهما بسيارة غسان لدفنهما في مقبرة وادي عكاب التي تقع في الشمال الغربي من مدينة الموصل.وفي المرتين كانت والدتي تقول لي نفس الجملة " لا تحزن ولاتجزع ،لان اي طفل يموت فهذا يعني ان الله قد اصطفاه من بين البشر ليكون من طيور الجنة ،وسيشفع لوالديه يوم القيامه ".
 
                                      حيرة الاطباء
لم نستطع ايقاف نزيف الاسئلة التي بقيت بلا اجوبة،ولم يستطع جميع الاطباء الذين راجعناهم ان يجدوا تفسيرا مقنعا لاسباب عدم حصول الحمل لمدة اربعة اعوام بعد الاسقاط الثاني،وكل واحد منهم كان يقدم لنا فرضية تختلف عن فرضية الاخر،ومع كل راي لطبيب كانت الادوية تتراكم في الثلاجة حتى تحولت الى صيدلية مصغَّرة.
في لحظة ما شعرنا بأن لاجدوى من الدوران في هذه الحلقة المفرغة ونحن نطرق ابواب عيادات الاطباء،ولهذا اقترحت عليها ان  نكف نهائيا عن مراجعتهم،فإنا شخصيا لم اعد قادرا على ان اواصل التشبث باطراف حلم امسى وقعه قاسيا عليّ كلما تعلقت به،رغم ادراكي التام بان الفراغ الذي تشعر به كان قاتلا طالما هي تبقى وحيدة في البيت طيلة ساعات النهاراثناء ما اكون في العمل ، فما من شيء يمكن ان يملأ حياة المرأة سعادة وبهجة مثل الاطفال،وبوجودهم تشعر بكيانها الانساني كانثى،ويتعزز حضورها الاجتماعي. فالاطفال بالنسبة لها بمثابة السقف العاطفي الذي تحتمي به دون تحفُّظ او شروط تخضع لها، ومن خلالهم تستمد طاقة سرية تدفعها لان تتحمل كافة الصعوبات التي قد تواجهها في حياتها الزوجية، فهم الشريان الذي يمدّها بنسغ الحياة ولن تستطيع اي علاقة مهما كانت قوية في عواطفها الصادقة ان تحل بدلا عن علاقتها باطفالها، حتى الزوج غير قادر على ان ينافس هذا الحب الفطري بين الأم واولادها مهما كان يحمل لها من آيات المحبة .
احاطت بنا افكار غريبة في مرحلة ما من الانتظار ، لم نكن نقتنع بها سابقا خاصة من ناحيتي، فأصبحنا نؤمن مثل غيرنا باننا قد وقعنا تحت سلطة الحَسَد،ربما من اقاربي او من اقاربها او من الجيران،هكذا غدونا نذهب في تفكيرنا الى مناطق هشَّة لن تصمد امام المنطق من بعد ان عجز المنطق نفسه عن ان يقدم لنا مايشفي غليلنا، فتحولت حياتنا الى دوامة تنهل من الغيبيات،وبصعوبة بالغة كنت اتقبل الدخول في شراك هذه الغيبوبة العقلية والدخول في دهاليز العقل الجمعي بكل ما فيه من خرافات،لكن ليس باليد حيلة احيانا، ولم استطع الهروب من هذه الدائرة المغلقة في وقت من الاوقات،خاصة بعد ان دخلنا في مرحلة اوشك فيها الاطباء على رفع الراية البيضاء،فما كان امامي الاَّ ان استجيب لرغبتها في اللجوء الى بعض الشيوخ المعروفين في الموصل ممن يقرأون التعازيم ويقصدهم الناس لاسباب شتى مثل سيّد توحي،ورغم ذلك لم نتلقى اي علامة تشير الى ان الفرصة قادمة. لذا طلبت منها ان تسلم امرها لله ،عندها تقبلت الامر ولم تقل سوى جملة واحدة " الحمد لله على كل شيء " .

                                      هل يعقل هذا !
الغريب في مصادفات ماواجهناه ان هذا الشعور بالاذعان والاستسلام لم يدم فترة طويلة،وهنا كانت المفاجئة التي ضربت عرض الحائط بكل تخمينات الاطباء،ودفعتنا الى تنظيف الثلاجة من جميع الادوية ورميها في برميل الزبالة،وفعلا جاءت نتيجة الفحص في المختبر بعد شهرين من انقطاعنا عن مراجعة الاطباء لتوكد لنا بان الامل بمجيء محمد الى الحياة قد اصبح حقيقة.وبقينا في حالة من الشده ،وبينما كان ينظر احدنا ألى الاخر ولسان حاله يقول في داخله" هل يعقل هذا ! " حينها ايقنت بأن لعبة الحياة والموت ليس لنا فيها اي ارادة،ولايمكن للانسان ان يتدخل فيها حتى وإن فعل ذلك،فهي امر لايعيه ولايدركه مهما بلغ به العلم والمعرفة شوطا بعيدا،وسيبقى عند حد معين يتخبط بافكاره مثل من يدخل دهليزا معتما يسير في ظلماته ولن يصل الى جواب عن اسئلته التي دائما ما يكررها :  لماذا ؟ وكيف ؟  ومتى ؟
                            وماذا لو بقي وحيدا في البيت ؟
لكل هذه الاسباب كان قلقنا ازاء محمد من الصعب على الكلمات ان تصفه ونحن نتركه وحيدا في البيت،دون ان نعرف ماذا يخبىء لنا القدر في رحلتنا الى بيروت خاصة من ناحية والدته،لانها كانت في وضع صحي ونفسي لايسمحان  لها ان تفكر باي شيء سوى البحث عن اشارة امل تطمئنها بالشفاء.
كنَّا على يقين من ان الوقت مازال مبكرا جدا حتى يتحمل مسؤولية البقاء لوحده،فهو في نظرنا لم يتعد مرحلة الطفولة ومايزال يعتمد علينا في اكله وشربه وفي كل صغيرة وكبيرة من حياته الشخصية،بل اننا لم نكن نسمح له ما ان يعود من المدرسة يوميا ان يغادر البيت الى اي مكان برفقة اصدقائه،وبنفس الوقت لم يكن هو الآخر يشعرنا بانه متضايق من هذا الاهتمام المفرط ابدا،بل كان حريصا على طاعتنا واظهار مشاعر المحبة لنا،واظنه يوما بعد آخر اصبح منسجا مع هذا النظام، رغم انه كان يتصل باصدقائه عبر الهاتف ويتفق معهم على اللقاء في احدى صالات العرض السينمائي في"فاملي مول" إذا ما تم الاعلان عن البدء بعرض فيلم جديد،ولكنه لم يكن حريصا على الخروج من البيت دائما،وجل وقته كان يقضيه باللعب عبر الانترنت مع اصدقائه،ولهذا لم يشكل سفرنا مشكلة بالنسبة له،ولن يشعر بالفراغ او الوحشة.
ولكي يطمئننا اصرَّ على انه لم يعد طفلا،خاصة بعد أن نجح في امتحانات البكالوريا واستلم النتيجة،رغم انها لم تكن بعلامات جيدة تتناسب مع قدراته العقلية ومستواه العلمي الذي كان عليه طيلة مراحل الدراسة،ولكنني اعلم جيدا بان سبب تراجع مستواه يعود الى ارتباك حالته النفسية بعد ان اصيبت والدته اثناء ما كان يستعد لاداء الامتحانات النهائية.
ركبنا سيارة اجرة من امام باب البيت في الليلة التي سبقت اول ايام شهر رمضان عام 2016 متجهَين  الى مطار اربيل،وما ان تحركت السيارة حتى استدار محمد الذي كان يقف عند عتبة الدار لتوديعنا ،ودخل من بعد ان اغلق الباب الخارجي  خلفه،ولم ينتظر الى ان تختفي السيارة بعد ان تنحرف في اتجاهها وتدخل الفرع المؤدي الى الشارع العام .

                                الحنين وبلبل الحدباء

الاحساس بالغربة لاينتظر منك ان تفتح له الباب حتى يدخل اليك،إذ سرعان ما تجده يقتحم كيانك وانت مذهول وعاجز عن مقاومته،فيستولي عليك الصمت لان الشعور به ينبثق ويتمدد في خلاياك وفي شرايينك،فتشعر كما لوانك معتقل وتخضع لسيل متلاحق من الاسئلة التي تحشرك في دائرة من الاتهامات وانت لاتعرف بماذا انت متهم،ودون ان يتيح لك فرصة الاجابة، فيفتح عليك نيران اسئلته، وانت  تبدو تائها وهائما في دروب بعيدة كما لوانك خاضع لحالة من الخدر.
لااظن ان هناك ما هو اصعب من الشعور بالغربة عندما يستولي على الانسان وينال منه،عندها ينكمش على ذاته ويحتبس في داخله الصوت، فلايقوى على ان يبوح بما في داخله،وحتى لو صرخ بصوت عالي فلن يسمعه احد،انها صرخة في وادي عميق،سيرتد صداها ولكن لااحد سيسمع الصدى سواه  .
 في تلك الساعة ونحن في السيارة نتجه الى المطار تلبسني الشعور بالغربة وتوغل عميقا في مديات الروح،بعد ان هبط علي بشكل غامض ما أن صفع وجهي الهواء الساخن الذي كان يندفع من خلال النافذة المفتوحة على يميني بينما ذراعي كانت تتكىء عليها،لم اصل سابقا الى قوة الاحساس بمثل هذا الشعور كما في تلك اللحظة،مع انني اعيش غريبا منذ ثلاثة عشر عاما،اي انني المفروض قد اعتدت على ان اكون بعيدا عن الاهل والاقارب والمعارف منذ فترة زمنية طويلة ولم يعد وجودي الاغترابي وسط بيئة ليست بيني وبينها تاريخ اجتماعي،وليس بيني وبين من يجاورني من الناس في المنطقة التي اسكن فيها اي صلة،حتى ان اللغة الكوردية التي لم استطع ان اتعلمها ربما بسبب التقدم في العمر ماكانت عائقا ابدا في التواصل مع الاخرين،لان معظم الكورد يتقنون التحدث باللغة العربية،ولهذا لم اشعر بالغربة طيلة السنين التي قضيتها في اربيل.
احيانا كان الحنين يجتاحني مثل طوفان بين فترات متباعدة،إذا ما صادف ان سمعت اغنية عراقية،خاصة عندما استمع الى صوت المطرب الموصلي محمد حسين مرعي وهو يغني"عايل يالسمر عايل ، صَبَّح ضعنكم شايل " ولهذه الاغنية بلحنها وكلماتها وطريقة ادائها ارتباط سري وعجيب بوجداننا الجمعي نحن ابناء مدينة الموصل،ومايزال صوت "بلبل الحدباء "كما يحلو للموصليين ان يطلقوا على المطرب محمد مرعي، قادرا على أن يفجر في داخلي حنينا خطرا بعذوبته الى كل الاشياء التي احببتها في حياتي والتي قطفها الزمن من شجرة الحياة اليانعة وامست راقدة في صفحاته المطوية :ابي الذي لم تره عيني،جدتي العظيمة "فهدو"التي ربتني،خالي محمد ايوب الدليمي الذي كان مثل طائر يغرد في صحراء قاحلة الى ان اعدمته السلطة عام 1993 بذريعة التأمر على قلب نظام الحكم،اصدقائي الذين غادروا الحياة عبدالرزاق ابراهيم وفريد عبد الطيف ، شوارع وازقة الموصل القديمة التي استحالت في مابعد وتحت عنوان تحرير المدينة من سلطة الخلافة الى كومة انقاض تئن تحتها ضحكاتنا وامانينا واعوامنا التي ارتوت من مياه المحبة،الساعات الطويلة التي كنا نقضيها في قاعة الربيع ونحن نتمرن على عروض مسرحية،سنوات المراهقة الجميلة ايام الدراسة الاعدادية بكل مافيها من عبث وتمرد وتقليد لموجة الهيبيز في الشَّعر والثياب،ليالي السهر الطويلة على ضفاف نهر دجلة برفقة الاصدقاء من المسرحيين والشعراء .
غالبا ما يتكفل الدمع بغسل جدران الروح مما علق بها من مشاعر الاسى،ثم ينتهي كل شيء بعد ثوان معدودة ونعود الى طبيعتنا فنمارس حياتنا وكأن شيئا لم يكن،وعلى الرغم من قسوة المشاعر التي يفجرها الحنين الا انه لايترك فينا جروحا عميقة،وكأنَّ له لمسة سحرية يداوي بها ما اصاب براءتنا بفعل وقاحة الزمن،بينما مشاعر الغربة تترك فينا احساسا بالعجز رغم الجحيم الذي يسكننا.

                              نصيحة من السائق الكوردي

في طريقنا الى المطار لااتذكر الان  كيف بدأ الحديث بيني وبين السائق الكوردي، بالشكل الذي رسم الطريق امامي واضحا لكي افصح  له عن سبب سفرنا الى لبنان،مع ان الامر لايبدو مستغربا،فعادة ما تنفتح الاحاديث مع سائقي التاكسيات دون تحضير مسبق،وتنزاح الحواجز معهم شيئا فشيئا،ربما لأنني كنت مهموما وبحاجة ملحة لكي افضفض عما يرقد بداخلي من هواجس لاي شخص كان إذا ما وجدته مصغيا لي،خاصة وان الايام الماضية التي رافقت فيها زوجتي كنت وحيدا ولم يكن معي اي شخص حتى اقاسمه الهموم،فكان الشعور بالغربة يجرحني بقسوة،والمهمة التي كان علي ان اتحملها بدأت تكبر،مع انني مدرك تماما بان المسؤولية اولا وآخرا تقع على عاتقي شخصيا ولاينبغي ان انتظر مساندة تهبط علي من هنا او من هناك ،وكل الخيارات كانت مغلقة امامنا،ولم يكن ممكنا ان يحضر اي شخص من الاهل او الاقارب من الموصل ليكون الى جانبنا،بعد ان سقطت المدينة تحت سلطة تنظيم داعش،وكانت اخبار العنف التي يتعامل بها التنظيم مع الناس تشي بحالة الرعب الذي امست عليها حياتهم،ومما عمق هذا الشعور اشرطة الفديو المتقنة الصنع التي كان التنظيم يحرص على ان يبثها عبر موقع اليوتب بين فترة واخرى مستعرضا فيها عمليات اعدام لمواطنين من سكان الموصل لمجرد خالفوا تعاليماته،حتى انه في يوم 7 / 8 / 2015 علّق على جدار مبنى الطب العدلي قائمة باسماء 2072 شخصا معظمهم من العرب السنَّة اقدم على اعدامهم،مثلما فعل مع البقية من اتباع الاديان والمذاهب والقوميات الاخرى، ولم يكتف بأعدامهم بل رمى بجثثهم في حفرة عميقة تسمى"الخسفة" تقع بالقرب من ناحية حمام العليل التي تبعد 27 كم جنوب شرق مدينة الموصل،وكانت تلك المقاطع الفديوية بمثابة رسائل انذار بالغة الوحشية حطمت اي امل بنجاة اكثر من ثلاثة ملايين نسمة كانوا يرزحون تحت سلطة الرعب  .
أبدى السائق تعاطفه معنا بينما كنت استعرض له ماجرى لنا خلال الايام القليلة الماضية،فنصحنا بمراجعة مستشفى(نانا كلي)في اربيل بعد عودتنا من السفر،وقال لي بأنه مستشفى حكومي خاص بامراض السرطان، وستجدون فيه رعاية جيدة،وكل ما تحتاجونه من ادوية  وعلاجات.
اقتربنا من نقطة سيطرة تابعة للمطار،فتوقفت السيارة بانتظار ان يصلنا الدور بعد ان يتم تفتيش عدد من السيارات التي كانت امامنا .
نزلنا من السيارة عندما طلب منا الشرطي المسؤول عن التفتيش،وطلب من زوجتي ان تتجه الى كرافان خاص لتفتيش النساء يقع على بعد مسافة عشرين مترا من نقطة السيطرة  .

                                      فتاة الآيباد
بعد انتظار لم يدم سوى دقائق معدودة اصبحنا داخل صالة المطار في  الباحة المؤدية الى مكاتب تدقيق الجوازات ووزن الحقائب ،وقبل ان يصلنا الدور لم يخامرني الشك في اننا سنحتفظ بالحقيبتين لتكونا معنا في الطائرة ولن يتم شحنهما مع الحقائب الثقيلة للمسافرين لان وزن كل واحدة منهما لم يتجاوز العشرة كغم .
رفعتُ الحقيبتين عن الارض وتكفلت بحملهما ،ولم اسمح لها عندما حاولت ان تساعدني في حمل واحدة منهما،ثم اتجهنا الى البوابة رقم 2 المخصصة للرحلة رقم 325 .
 تم تفتيشنا بشكل دقيق،ثم استلمنا حقائبنا واتجهنا الى صالة الانتظار حيث كان يتوجب علينا الجلوس فيها قبل نصف ساعة من موعد اقلاع الطائرة . ولأنها لم تتعود ان تجلس على كرسي لفترة طويلة من الوقت بسبب مرض الروماتزم،طلبتُ منها ان تمدَّ ساقيها للامام وترفعهما قليلا ليستقرا فوق حقيبتي السفر بعد ان كنتُ قد وضعتُهما على الارض واحدة فوق الاخرى لتكونا بمستوى ارتفاع الكراسي التي نجلس عليها.
على الرغم من ان صحتها لم تكن تحتمل الحركة لانها تسبب لها الارهاق الا انني لاحظت على محياها ملامح تعبرعن شعور بالراحة وهي تتواجد في مكان جديد غير مألوف لديها،لم يسبق لها ان مرت به من قبل ، وهذا ما انتبهتُ اليه مذ دخلنا المطار الى ان جلسنا في صالة الانتظار، حيث وجدتها تراقب كل شيء حولها بعينين يلتمع فيهما بريق الدهشة،وتحاول ان تستوعب تفاصيل المكان الفخم والانيق الذي بدا عليه مطار اربيل وما يسوده من انتظام دقيق في الاجراءات . في تلك الاثناء لفت انتباهي سلوك غير مريح عبَّرت عنه  شابة محجبة لم تبلغ العشرين من عمرها كانت تجلس قبالتنا وعلى مسافة ليست بعيدة عنا برفقة والديها واخيها الصغير الذي لم يتجاوز العاشرة من العمر،فعلى الرغم من انها كانت تتباهى بجهاز الايباد الذي كانت تحمله بيديها بطريقة استعراضية إلاّ انها بين لحظة واخرى  كانت تسترق النظر الينا بطرف عينيها وتبتسم بطريقة ساخرة ثم تهمس في اذن شقيقها الذي بدوره يبدأ بالنظر ناحيتنا ومن ثم يشاركها الابتسامة بنفس طريقتها.لربما كانت تعتقد بان سلوك زوجتي وهي تمد ساقيها على الحقيبتين ينم عن تخلف،هكذا بدا الامر لي،فازعجني سلوكها واستفزني ،لكني وتلافيا لاي رد فعل لربما قد يصدر عني لايحتمله الظرف المكاني الذي كنا نتواجد فيه ،حاولت قدر المستطاع ان اتجاهلها،وان لا ادع زوجتي تنتبه اليها، ولهذا عملت على ان اشغل انتباهها بالحديث عن المطار الذي كنا نتواجد فيه وسرعة انجازه بعد العام 2003 بفترة قياسية وليكون بنفس المواصفات التي نجدها في مطارات الدول المتقدمة واسهبت بالحديث في محاولة لابقاء انتباهها مشدودا ناحيتي الى ان يحين موعد السفر.
ولمّا وجّهت الاذاعة الداخلية للمطار ندائها الى مسافري الرحلة رقم 325 وطلبت منهم التوجه الى البوابة المؤدية الى الطائرة المتوجهة الى بيروت ،حملت الحقيبتين،وساعدت زوجتي بالنهوض ،وبدأنا بالتحرك نحو البوابة ،ثم دفعني الفضول الى ان استدير براسي للخلف واتجه بنظري الى ناحية الفتاة لارى في ما إذا كان حدسي مصيبا أم لا ، ومثلما توقعت ، فالمفاجأة كانت قد لجمت ابتسامتها الساخرة،كما لو انها قد تلقت صفعة لم تكن تتوقعها، لمَّا رأت زوجتي تضع يدها على كتفي للاستناد عليه،وكان من الواضح لكل من يراها انها كانت تغالب نفسها،لانها تجد مشقة بالغة في تحريك  قدميها. 
يتبع ..



7
ج9 -  اكتشاف الحب : اوراق من مدونتي الشخصية

   
                                   
مروان ياسين الدليمي




                        البحث عن مستشفى الجامعة الاميركية

كنت مشوش الذهن قبل يومين من موعد سفرنا الى بيروت،لاني لم اكن املك اي معلومات كافية عن مستشفى الجامعة الاميركية تزيح عني الشك بمصداقيتها وتجعلني لا احسبها ضمن عديد المؤسسات الصحية في المنطقة العربية التي اصبحت مجرد اسفنجة لامتصاص اموال الناس المرضى،رغم اني على دراية تامة بان علاقتنا بها لن تتعدى جهاز الفحص (PET SCAN) ، إذن لماذا هذا الافراط في التفكير والوساوس من جانبي !، ربما يعود ذاك القلق الى انني عندما اكون مرتبطا بموعد سفر عادة ما اسقط في اعماق حالة غير طبيعية من انعدام الوزن، سببها الانتظار، حيث ابدو فيها غير مهيأ لاتخاذ اي قرار،وفكرة السفر لوحدها دائما ما تسبب لي ارباكا شديدا لااستطيع الافلات منه،تفقدني القدرة على التركيز باي موضوع،ولا استطيع ان انشغل حتى بالاشياء المهة التي عادة ما اكون على ارتباط يومي بها، فمثلا اذا ما حاولت القراءة فسأبقى ساعات اقرأ نفس الاسطر من غير ان افهم منها جملة واحدة،كل شيء يبدو معلقا في الفراغ،فكيف الحال اذا كان السفر مرتبطا بقضية لاتبعث في النفس اي شعور بالفرح،وكأن الرحلة ليست الى بيروت انما الى ارض مقفرة سأقف فيها وحيدا تصفعني الرياح ؟ ، ومنذ ان طلب منا دكتور لقمان اعادة الفحص للتأكد من النقاط السوداء حتى بدأ كلانا يخمن اسوأ الاحتمالات،فليس هناك من برهان بين ايدينا يفندها،وإلاَّ لماذا هذا الاصرار من قِبله على اعادة الفحص لو لم يكن هناك لديه مايبعث على الشك ؟
أوغَلَ كلانا في تخمينات مبتورة تبحث عن اجابات، كل واحد منّا على انفراد ،وتوارينا خلف شطحات مخيلتنا دون ان نصل الى باب مفتوح .
اغلب  الاطباء لهم عالمهم الذي لانستطيع ان نفهمه،ولا يسمحون لنا ان نفهم مايدور في راسهم من افكار،فنحن دائما تحت رحمتهم،شئنا ذلك ام ابينا،وعلينا ان نسلم بما يقولونه،لاننا لانفهم ما يفهمونه،ولانقوى على مجادلتهم،لانهم يعروفون عنّا اكثر بكثير مما نعرف عن اجسادنا،ويرون ما لانراه ولاندركه،واحيانا لديهم مايكفي من العلم لتخمين الفترة المتبقية لنا على هذه الارض.فالاجهزة التي يتعاملون معها اصبحت قادرة على ان تحدد لنا ماينبغي علينا ان نفعله وما لانفعله في ايامنا القادمة،لذا علينا ان نطيعهم وننفذ ما يأمروننا به،وإذا ما عاندنا مايطلبونه منا فسنبقى تحت طائلة الخوف لاننا لم نلتزم بارشاداتهم.
محاولة إبعاد مثل هذه الهواجس عن تفكيري شغلتني كثيرا،لانها على وشك ان تكبلني بحبالها المشدودة الى بؤرة من المخاوف،بينما بيروت لديها كلام الفصل،وهي لاتبعد سوى مسافة ساعتين من الطيران المتواصل وعندها سينتهي هذا الدّوي في الرأس،وتصبح كل الاشياء واضحة،ولم يعد هناك من خلل في نظام الكون ، ولكن لاجدوى، فالهروب من غلبة الوساوس غير مجد ٍ احيانا خاصة اذا كانت متعلقة بحياة انسان بينك وبينه ذرات هواء تتنفسانها معاً.وكلما حاولتُ ان اطردها من ذهني واتعلق بفكرة متفائلة افشل في محاولتي،كما لو انها لعبة الافعى والدرج،ولم اجد سبيلا للخروج من هذه الوساوس سوى الاتصال بالزميلة المهندسة التي سبق ان اصيبت بنفس المرض وذهَبَت الى لبنان للعلاج قبل عدة اعوام،وهي الان حسب ما وصلني من معلومات في حالة صحية مستقرة.
وقبل ان اشرع في الاتصال بها،بينما كنت جالسا في صالة الاستقبال على الكنبة،رفعت راسي قليلا ونظرت الى الساعة المعلقة على الجدار،وكانت تشير الى السابعة مساء،عندها وجدت  بان الوقت امسى ملائما لاجراء مكالمة هاتفية،فاغلب العراقيين في اشهر الصيف يحرصون على ان يأخذوا قسطا من النوم عندما تشتد الحرارة بعد الظهر،ونحن الان في الايام الاولى من شهر حزيران وعادة ما يستيقظ النائمون في مثل هذه الساعة،ويكونوا بامس الحاجة لاحتساء قدح من الشاي حتى يفيقوا من سطوة النوم الثقيل الذي عادة مايكبس على الانسان في هذا الوقت من النهار. وقبل ان اتصل بها كنت ارجو في داخلي ان اسمع منها كلاما يبعث على الاطمئنان،لانني لم اكن اتحمل سماع المزيد من الاخبار المتعبة.
                          الاتصال بزميلة ناجية من المرض
بحثت عن اسمها بين عشرات الاسماء المخزونة في ذاكرة الهاتف،وكنت اخشى بيني وبين نفسي من ان لاترد على المكالمة،فهذه اول مرة اتصل بها بعد ان اخذت اجازة مفتوحة من القناة الفضائية قبل ثمانية اعوام على اثر اصابتها بالمرض وغادرت اربيل عائدة الى مسقط راسها  في قرية تابعة لمدينة دهوك.
ومثلما توقَّعت بقيت نغمة الهاتف ترن وانا انتظر الرد ولكن ما من  رد،عندها وجدت ان من الافضل ان اكتب لها رسالة نصيّة لكي تطمئن من بعد ان تتعرف على اسمي وعلى سبب الاتصال،فكتبت لها "ارجو ان تكوني بخير ، انا المخرج مروان ياسين زميلك في العمل،قبل قليل اتصلت بكِ،لاني اود ان احصل على بعض المعلومات المهمة عن المستشفى الخاص بالجامعة الاميركية،لانك حسبما افترض قد وصلتك معلومة من الزميلة فرقد ملكو بأن زوجتي قد اصيبت بنفس الحالة التي سبق ان مررتِ بها ،واننا نعتزم السفر الى بيروت بعد غد على الاكثر، لذا احيطك علما باني ساتصل بك بعد قليل للاستفسار عن  بعض المعلومات " . ثم ضغطت على اشارة الارسال . 
ساد صمت للحظات،قبل ان ترن نغمة هاتفي الجوال،نظرت الى الشاشة ،فوجدت اسمها.
لم تبخل علي باي معلومات،وقدَّمت شرحا وافيا عن مستوى الخدمات الممتازة في المستشفى إلاَّ انها اقرت بانها مكلفة جدا، وليس بامكان جميع الناس ان يتحملوها،ولكن ليس باليد حيلة طالما لم يكن العلاج في  حينه متوفرا في اربيل والعراق عامة ،فلا الكيميائي متوفر ولا اشعة الليزر،واقترحت عليَّ بان اراجع نفس الطبيب الذي سبق ان عالجها هناك،وعلمت منها بانها بعد اسبوع من اجراء العملية الجراحية في اربيل،كانت قد سافرت الى بيروت وبقيت هناك لمدة تزيد عن  سنة كاملة وستة اشهر،لانها كانت مضطرة على ان تكمل جلسات العلاج الكيميائي وعددها اثنتا عشرة جلسة،توزعت على عدد اشهر السنة،ومن بعدها احدى وعشرين جلسة علاج باشعة الليزر،في كل اسبوع جلسة واحدة.واستجابة لنصيحة الطبيب اضطرت للبقاء لمدة ثلاثة اشهر بعد العلاج لاجل ان تحظى بالراحة والهدوء،فقد اوصاها بان تحاول السير يوميا لمدة لاتقل عن ساعة من الزمن على شاطىء البحر،وان تمارس التمارين الخفيفة حتى تستعيد لياقتها وقواها الطبيعية،ثم عادت واكدت لي لو كان العلاج متوفرا مثلما هو اليوم في اربيل لما اختارت البقاء في بيروت وتحملت اعباء مالية كبيرة.
شعَرت زوجتي باطمئنان كبير على اثر المكالمة التلفونية،وانا ايضا خرجت من هوّة ماكنتُ عليه من افكار اخذت بي الى منحدر لانهاية له،خاصة بعد ان وجدنا ان الحالة النفسية التي كانت عليها الزميلة المهندسة لاتشير الى انها كانت تعاني من اي اثار سلبية نتيجة للمرض او العلاج،فصوتها وحيويتها اثنا حديثها  كانا يبعثان على الاحساس بالتدفق وبانها كانت مغمورة بسعادة حقيقية،فقد مضى عليها اكثر من ثمان سنوات بعد اصابتها واجرائها للعملية الجراحية،ومما عمق لدينا الاحساس بهذا الشعور عندما اكدت لنا بانها قد انهت كافة مراحل العلاج،بما في ذلك حبوب التوماكسوفين التي بقيت تتناولها لمدة خمسة اعوام يوميا،وبين فترة واخرى تحرص على ان تجري فحوصات دورية،وكلها اشارت الى ان وضعها بات  طبيعياومطمئنا.
بعد انتهاء المكالمة تنهدت زوجتي تعبيرا عن شعورها بالراحة،لانني كنت قد تعمّدت ان افتح سماعة الهاتف حتى تستمع بنفسها،ولايبقى لديها شك من ان الشفاء ممكن جدا وليس امرا بعيد المنال.

                                       للكلمة سحرها
يحتاج الانسان الى قشة يتعلق بها ليخرج من عتمة الشعور بالياس إذا ما احاطه من كل الجهات وسد عليه منافذ النور،وربما كلمة يلتقطها بشكل عابر وهو يسير سادرا في لجّة الاصوات التي تحاصره،وتمنعه من سماع ما يشعر به في اعماق روحه،فيكون لهذه الكلمة فعل السحر الذي يعجز عنه الحكماء،وربما تصدر عن  شخص لايخطر على البال،وليس بالضرورة ان يكون هذا الشخص متعلما او ذو مكانة،وربما لم يقصدها هو ايضا،لكنها صدرت عنه في لحظة عفوية ،وقد يستهلك طالب علم ومعرفة سنين طويلة في التأمل ولن يصل الى جوهر ما توصل اليه من حكمة انسان يعيش على هامش الحياة .فإذا ما اردنا ان نتجتازعتمة الجهل بالاشياءونخرج من هلوسات الافكار الهشة والضبابية نحتاج الى ان نفتح نوافذ عقولنا ونبقيها مشرعة على جميع الجهات،فالوصول الى شاطىء الامان لايمر عبر طريق واحد .

                                  ولَدي اصبح رجلاً

في صباح اليوم التالي  نهضتُ مبكراً واخرجت جوازات السفرالخاصة بنا نحن الثلاثة من الخزانة حتى اضعها  في داخل حقيبة جلدية صغيرة،لاني عزمت على ان اتجه الى  مكتب لحجز تذاكر الطيران يقع في ناحية عنكاوا،ومن ثم اذهب من بعدها الى عملي في القناة.
بعد ان انتهيت من تناول الفطور على عجل،اتجهت الى غرفة النوم حتى اغير ملابسي،فإذا بولدي  يقف عند الباب ويخبرني بانه لن ياتي معنا الى لبنان،وانه يفضل البقاء في  البيت،ولمَّا طلبت منه ان يوضح لي الاسباب كان جوابه واضحا "انتما ذاهبان لغرض العلاج،وبحاجة ماسة الى اصغر عملة نقدية بسبب ارتفاع تكاليف العلاج،لذا ليس هناك سبب معقول يرغمني على السفر معكما،كما انني سأبقى هنا لحراسة البيت" .
فشلت كل محاولاتي معه لكي يعدل عن موقفه،لاننا ماكنا نريد ان نبقى مشغولي البال عليه بينما هو باق لوحده في البيت،وبقدر ما احالني موقفه الى ان اكون في حيرة من امري الاَّ انني في اعماقي شعرت بشيء من الفخر ،إذ لم اكن اتوقع ان ترتفع لديه روح المسؤولية الى هذه الدرجة،رغم انه لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، وكان قد انتهى توا من امتحانات البكالوريا،حينها ادركت بان السنين تحرق اعمارنا ونحن غافلون عنها،وعلى مايبدو فأنني قد وصلت الى المحطة التي لم تكن تخطر على بالي اني ساصلها بوقت مبكر، فقد اصبح ولدي رجلا يعبر عن رايه ويتمسك به بينما في نظري مايزال طفلا يحبو،وهذا ما يدفعني الى ان اقاضي رايه بالامتثال له طائعا،ورغم اني ما كنت مرتاحا لبقائه وحده في البيت إذا ما سافرنا،إلا ان سعادتي به كانت كبيرة بعد ان وجدته وقد اصبح على اعتاب ان يصبح رجلا يُعتمد عليه في تحمل المسؤولية.
هاهي اذن علامات الزمن تفرض حضورها واضحة مثل بقية الاشياء التي اواجهها يوميا،وما من مجال لتفادي هذا التغيير،مثلما من غير الممكن ان لااسمع صوت الباعة الجوالين وهم ينادون على بضائعهم يوميا او ان تتفادى انسكاب خيوط الشمس الساخنة وانا امشي في شوارع  العراق.
هكذا تصر الحياة على ان تذكرنا بين فترة واخرى عبر اشارة منها باننا قد استهلكنا سنينا من اعمارنا التي باتت تتراصف خلفنا في دفتر الذكريات،بينما مازلنا في داخلنا نشعر وكأننا لم نغادر اجمل فترة من اعمارنا،ونعاند انفسنا ،فلانريد لها ان تُطوى،ربما لان اغلبنا لم يعش حياته كما كان يحلم،ومازال الكثير من احلامه ينبثق مثل ينبوع في داخله يغذي عطشه الى الحياة رغم انكشاف البياض في  شعر رأسه .

                                  في مكتب الحجز للطيران
وصلت مبكرا صباح يوم الاحد الى مكتب الحجز الانيق الذي يقع في الشارع الرئيس لناحية عنكاوا على الطريق المؤدي الى مقر عملي في القناة الفضائية،ولم يكن اختياري له عن طريق  الصدفة،انما كنت قاصدا التعامل معه لان صاحب المكتب سبق له ان عمل معنا محررا للاخبار قبل ان يستقيل ويفتتح هذا المشروع. وما أن دخلت سألت عنه الموظفة الشابة التي كانت لوحدها جالسة خلف مكتبها، فاخبرتني بانه قد سافر الى  بودابست في رحلة عمل لعدة ايام.
جلست على كرسي الى جانب مكتبها وطلبت منها ان تحجز لي تذكرتين، ذهابا وايابا الى بيروت يوم الثلاثاء القادم،مع حجز بفندق قريب جدا من مستشفى الجامعة الاميركية.عندها اطلعتني عبر الانترنت على خارطة الفنادق التي تقع في المنطقة المحيطة بالمستشفى واشارت الى واحد منها،وكان الاقرب الى مبنى المستشفى . وبعد ان أنتهيت من الحجز حتى اتجهت الى مبنى القناة الفضائية،الذي يبعد مسافة خمس دقائق مشيا على الاقدام، لاجل ان احيط الادارة علما بموضوع السفر واقدِّم بناء على ذلك طلبا رسميا للموافقة على منحي اجازة لمدة اسبوعين حتى لو بدون راتب إذا كان هناك مايمنع ذلك .
كانت الساعة تشير الى العاشرة صباحا وشمس حزيران مصرة على ان تنزل مثل السياط على الرأس رغم ان الوقت مايزال مبكرا قبل ان تحل ساعات الظهيرة،حيث حرارتها تدفعنا الى ان نغمض اعيننا تلافيا لانعكاس اشعتها الساطعة وهي  تسقط على الارض. وبينما كنت اسير على الرصيف مختنقا من ندرة الهواء وانا احاول الاحتماء باي ظل لجدار يصادفني، كنت على يقين من ان اي شخص عابر لايعرفني إذا ما صادف ان انتبه الى وجودي فمن المرجح انه إذا ما خطر في باله ان يخمن عمري فسيضيف اليه عشرين عاما فوق  الرقم الحقيقي،بناء على ما كان يثقل راسي من افكار في تلك اللحظات .

                                خَمَدت جذوة الحب لبيروت
 موعد اقلاع الطائرة في تمام الساعة الخامسة عصرا من يوم الثلاثاء القادم ،أي بعد يومين،وإلى ان يحين هذا الموعد كانت الدقائق تمضي ثقيلة بالنسبة لي وكأنها قد  حُقنت بمخدر ولم تعد تقوى على الجريان،وكم كنت ارجو ان ينقضي الوقت سريعا مثل رمشة عين ليحين موعد السفر،ليس لاني كنت متلهفا وسعيدا بهذه الرحلة،انما لاني كنت خاضعا لسطوة الافكار التي كانت تتناهبني حول النقاط السوداء والتي لن يُكتب لها ان تغيب عن تفكيري الاّ بعد ان يحسِم حقيقتها جهاز(PET SCAN) ، ربما لو كانت الرحلة  في ظرف آخر،لتداخلت فيها مشاعر الفرح والبهجة،لانني سارى بيروت التي كنت احلم برؤيتها،مذ كنت شابا مراهقا في منتصف سبعينات القرن الماضي اتابع اخبارها عبر مايصل من لبنان يوميا من مطبوعات واصدارات حديثة الى شارع النجفي في مدينتي الموصل،حيث مكتباته العامرة بالصحف والمجلات والكتب،وكنت اجمع الفلس فوق الفلس حتى اتمكن في نهاية الاسبوع من شراء مجلة او صحيفة لبنانية لانني كنت مندهشا من انفتاح الحياة البيروتية وحداثتها وارتفاع سقف التعبير عن الحرية فيها وخاصة في الصحافة السياسية،بينما كنا نحن نعيش عصراً آخر لايتسنى للنَفَس ان يخرج منّا إلا بعد ان نتلفت يمينا و يسارا خشية ان يرصدنا المخبرون.فلم اتوقف عن شغفي برؤية البحر وشارع الحمرا والكثير من احيائها ومعالمها ومسارحها وفنانيها،حتى انني عرفت عنها اكثر مما كنت اعرفه عن بغداد،ودائما ماكنت اتسائل،هل سيُكتب لي في يوم قريب ان اقف مقابل صخرة الروشة؟ ولكن في الآخر لنا كأسنا وللدنيا كأسها،وبكل الاحوال الغلبة لها في هذا الشرق المهووس بغلق النوافذ والمنافذ والابواب. ومرت السنوات عجافا وابتلعتنا دروب الحياة وكانت كلها تؤدي الى محرقة الحروب وليس الى بيروت، ثم جاءت سنوات الحصار فإذا بنا ندور في حلقة مفرغة باتت تكبر يوما بعد آخر، الى ان حفر الزمن بمعاوله اثارا واضحة علينا،والقى بنا على رمال ساخنة اكتوت بها ارواحنا قبل اجسادنا،ولم نعد نمتلك مايكفي من العمر ولا الفضول للوصول الى ماكنا نحلم به من مدن وافاق . بدا الامر لي هكذا بينما كنت اتفقد مافي داخل الحقيبتين من ملابس وحاجات شخصية سنحتاجها خلال اقامتنا القصيرة في بيروت لمدة لاتزيد عن اسبوع،ولهذا لم اكن على تلك الحماسة التي كنت عليها قبل اربعين عاما،فقد ذوت جذوة الحب لهذه المدينة التي كانت حلما جميلا ظل يسكنني،ولم يتبق منه ما قد يبعث على الاحساس به ،كما ان بيروت لم تعد بيروت ،فقد تلفعت هي الاخرى بثياب سوداء وباتت مثل اي مدينة شرقية تدفن راسها في رمال التاريخ .

                                      لحظة وداع قبل السفر
كان يتوجب علينا الوصول الى مطار اربيل قبل موعد انطلاق الطائرة بساعتين على الاقل،وما أن حانت الساعة الثانية بعد الظهر حتى بدأنا في الاستعداد لمغادرة البيت،وقبل ان نحمل الحقائب شعرت وكأني بدأت افقد السيطرة على مشاعري بينما كنت احاول ان اجد كلمات مناسبة اوصي بها ولدي للحفاظ على سلامته وسلامة البيت اثناء فترة غيابنا،وضرورة ان يبقي هاتفه مفتوحا دائما. أمّا والدته فلم تستطع ان تتمالك نفسها،وانفرطت دموعها وهي تحتضنه،فاعادني هذا المشهد الى نفس اللحظات قبل شهر ،عندما كنّا نعتزم التوجه الى المستشفى لكي تجرى لها العملية الجراحية،ولكن الاختلاف بين المشهدين،ان محمد ولاول مرة سيكون بعيدا عنّا مئات الكيلومترات وهذا مالم تكن تحتمله هي مقارنة بي . وأنا اجد لها العذر اذا ما كانت تحمل له هذه العاطفة بقدر اكثر مني،فهي لاتستطيع ان تحتمل غيابه عنها إذا ما تاخر ربع ساعة عن موعد وصوله الى البيت بعد خروجه من المدرسة يوميا،لانها عانت الكثير قبل ان يُكتَبَ له الحياة من بعد ان تعرضت مرتين وبشكل متتابع لعملية اسقاط ،ومن جرائها  فَقَدْنا ما كنا ننتظره بفارغ الصبر،ففي الاسقاط الاول كان عمر الجنين قد وصل الى خمسة اشهر وفي الثاني الى اربعة اشهر،ثم شاءت ظروف غامضة لم يحصل فيها حمل لمدة اربعة اعوام،اجتهد في تفسير اسبابها عدد من الاطباء الذين راجعناهم ولكنهم لم يصلوا الى نتيجة تفضي لعلاجها،وكل واحد منهم كان له تشخيصه وتحليله ووصفاته العلاجية ولكن دون جدوى ،الى ان أطلَّ محمد متدفقا بحيوته ونشاطه فاشاع البهجة في اركان البيت،وبعث فيها الامل والاحساس بالحياة من بعد ان عبست بوجهها طيلة اربعة اعوام ولم تجد إلاّ في الدعاء والصلاة وقرأة القرآن عزاء لها،لكنها ورغم الحسرة التي كانت تكبتها في داخلها ما أن  ترى اطفالا يمرحون، لم يكن يصدر عنها اي نأمة بما يشير الى انها كانت غير راضية عن ما كتبه لها الله من قسمة،رغم انني شخصيا كنت عازما على ان يكون لي نصف دزينة من الاولاد،وبقيت محافظة على اتزانها وحكمتها وهذا ما كنت افتقده انا شخصيا،وبتلك التجربة التي عاشتها ولم تدفع ايمانها للاهتزاز،اكتشفتُ ما بيننا من فروقات في الطباع والافكار،فهي امرأة قنوعة ولايُشمُّ منها رائحة تذمر مهما ضاقت عليها صروف الدهر،بينما انا رجل جزوع ملول،وإذا ما وجَدَتني اعبِّرُ عن سخطي ازاء ما قد يصادفني من عقبات،كانت ترجوني ان اكف عن ذلك وان احمد الله على كل شيء.ومازلت حتى هذه اللحظة احسدها على هذه القناعة التي تملكها،رغم ما مرت به من اوجاع اخذت منها الكثير من صحتها،فقبل ان تصاب بسرطان الثدي كان قد داهمها فجأة مرض الروماتزم الرثوي واصاب جميع مفاصلها،ولم تكن تستطيع ان تقف على قدميها لفترة لاتزيد عن عشر دقائق،إذ كانتا تتورمان وتصبحان مثل اقدام الفيل وبقيت على هذه الحال لمدة عام كامل،وفشلت كل الادوية في الحد من تمدده،الا بعد ان لجأنا الى الطب البديل، فاعتمدنا طريقة الحجامة لمدة عام كامل،حيث واصلت عليها في ايامٍ واشهرٍ معينة من السنة، ولمَّا خفَّت اوجاعها بنسبة كبيرة جدا وباتت تستطيع ان تمارس عملها في البيت بشكل طبيعي،ارتأت ان تجري فحصا في المختبر لقياس نسبة الروماتزم في جسمها،فكانت المفاجأة عندما وجدناها قد تراجعت الى 21 % وهي النسبة الطبيعية للانسان بعد ان كانت 56 %  لكن الروماتزم لم يشأ إلاَّ ان يترك اثرا في اصابع يديها اذ انحرفت قليلا عن استقامتها،كذلك قدمها اليمنى بدا عليها شيء من الاعوجاج،حتى انها لم تعد تسير بشكل طبيعي،وهذا مايشكو منه معظم المصابين به،ولازلت أذكر ان اصابتها بهذا المرض كانت عام 1999 بعد ولادة محمد بستة اشهر،ونتيجة للادوية التي كانت مُلزَمَةً بتناولها،نصحها الطبيب محمد طاهر رسول ،وهو اشهر الاطباء المختصين بهذا المرض في الموصل،بان لاتفكر نهائيا بالانجاب مرة اخرى.وخيّرني انا شخصيا ما بين الحفاظ على حياتها او التفكير بطفل آخر،فأخترتها هي .

يتبع ..

8

ج 8 اكتشاف الحب : اوراق من مدونتي الشخصية


                                             
مروان ياسين الدليمي


غالبا ما أحدقُ في المرآة،لعلّي أعثر على برهانٍ يؤكد وجودي في الهواء الحاضر خارج كوابيس الواقع ، لكني لم أجد غير مسافة تنأى ما بين شهيق الليل وزفير النهار.
فمن غير الممكن ان تختلف الصورة بهذه السرعة الخاطفة¬ ! 
ماجرى في ايامنا الاخيرة اشبه بتركيبة مفاجئِة،هيّأتها مقادير الحياة على غير ما كنتُ أتوقعه،بل ابعد بكثير مما يمكن ان اتخيله.
ففي كل يوم اخذت سيول الخوف تنحدرالى اشناتك،وبدأتَ تخشى ان تتصدع جدران العائلة،وينهار احد اركانها .
احيانا اتساءل مع نفسي:ماهذا الذي اكتبه يوميا،قبل ان اخلد الى النوم ؟ مامعناه ؟   بل  ما جدواه ؟
لا استطيع ان اختزل مايدفعني الى ذلك باجابة واحدة،فهناك الكثير من المشاعر مما لاتستوفيها الكلمات،وانا شخصيا لا املك المقدرة على تفسيرها وفهمها احيانا،لان العلاقة بيننا وبكل قداستها كانت مفتوحة على دورة الايام والليالي والسنين التي مرت علينا،ولولاها لما عرفتُ معنى الخوف،وهو يعني الحب بالنسبة لي .
فإذا  لم تَخَفْ على من يشعرك بالاكتفاء في هذه الحياة الجشعة، فإنك لم تعرف حتى القليل من الحب ازاء الاشياء الاخرى .
عند محطة فاصلة توقفت الرحلة لتبدأ اخرى،ربما اكثر مشقة من التي سبقتها، ومن بعد ان تجاوزتَ هول الصدمة وما احدثته فيك من ارتباك،اصبحتَ مثل السمكة وهي تبتلع الطعم،لكنك وانت قابع في الفخ مازلت تحاول عبر الكلمات ان تستيقظ على مناخ حياتك التي ابتكرت تفاصيلها معها،من بعد ان توقفتَ تماما عمَّا اعتدت عليه من طقوس يومية،لانك ما عُدتَ تستوعب ما يحدث من تغيير.
ما مضى قد مضى وليس لديك الا ان تحاول الخروج من هذا الظهور المختلف الذي ترى نفسك فيه،ولاسبيل الا ان تقتنع بما اصبحت عليه الان،ولكن اياك ان تفرط بالشكوى،واحتفي بما لديك من غبطة ازاء الشمس والنسيم والغسق، فما من جدوى إذا ما عدت الى الوراء،وحاذر من الركون الى دائرة الشجون، أوالخوض في متحف الحكايات المعلقة بين ظلال الامس.
فأنت انت الان في سباق مع الزمن لاجل ان تستعيد ذاتك معها،فتحاشى الانفصال عما يطفيء جذوة الروح فيك وفيها، او السقوط في سفسطات اليأس فتحيلك الى وحشة الاضطراب  في هذه الولادة المتعسرة لاستعادة الانفاس.
ازعم باني لم استطع ان اتحاشى هذه الهواجس التي باتت تتحرك مع كل عضلة من عضلات جسمي،وتفتح سجالا طويلا من الافكار الصاخبة في راسي ،حتى عندما عدتُ وانتظمت بعملي في القناة ،من بعد ان انقطعت عن الدوام  خلال الايام القلية الماضية لكي أُنجِزَ ما تاخّر بعهدتي من برامج ،ولأعود مبكرا الى البيت بفائض من الوقت لاتولى رعايتها .

                                            مأزق
بعد مضى ثلاثة اسابيع على اجراء العملية لم يخطر في بالنا ان الطبيب المختص بالعلاج الكيميائي عندما راجعناه اول مرة ان يطلب منّا اعادة الفحص مرة اخرى،وكأننا عدنا الى  نقطة البداية بما كنَّا عليه من حيرة وقلق:"من الضروري وقبل ان نبدأ العلاج الكيميائي لابد من اعادة الفحص،لنتأكد من حقيقة النقاط السوداء التي كانت قد اظهرتها اشعة الميموغرام في الكبد والرئتين قبل ان تجري العملية " . بهذه الجملة قطع الدكتور لقمان الصمت الذي كان يغلفنا ونحن ننتظر ما سيقوله،من بعد ان انتهى من مراجعة ملفها الذي يضم الاشعة والبيانات المتعلقة بوضعها الصحي قبل وبعد العملية، اضافة الى  التقرير النهائي الموجه اليه من قبل  الدكتور جمال غفوري.
"ولكن يادكتور سبق للطبيب الهندي الذي التقط لها الصورة باشعة الماموغرام ان ازال الشك نهائيا عن النقاط السوداء واكد للدكتور جمال عبر مكالمة هاتفية،بانها مجرد ذرات من الغبار" . حالما خرجت مني هذه الجملة بشكل عفوي ومن دون ان افكر بما يمكن ان يكون عليه رد فعل دكتور لقمان،فإذا بعلامات عدم الارتياح ترتسم  واضحة على وجهه،واظن ان جملة عدم الارتياح ليست دقيقة في وصف رد فعله. ولاضير من اعترف بانها كانت محاولة فاشلة مني في القبض على حقيقة الصورة التي بدا عليها،والاصح انه كان غاضبا،إلاَّ انه امسك بغضبه في محاولة منه للحفاظ على صورته الرصينة امامنا،فحاول ان يُظهِر لنا فقط مايشير الى انه فاتر الشعور وبارد العاطفة بعد ان استفزه كلامي . حينها شعرت بان ثمة هفوة قد صدرت مني بحق مكانته كطبيب دون قصد،لانني تحدثت بشأن مسالة طبية اجهلها وليست لدي اي فكرة علمية عنها،فبدوت امامه بصورة من لايعير اهمية لخبرته ومكانته،وهذا ما جعله يرتد الى الخلف قليلا في مقعده.
كان من الواضح بانه قد شعر كما لو انني لم اضع بعين الاعتبار اختصاصه الدقيق بالعلاج الكيميائي الذي ناله من السويد فاقدمت بما يشبه التشكيك بخبرته عندما اشرت الى ما كان قد اكده الطبيب الهندي. فما كان منه إلاَّ ان ضغط بقوة على شفتيه ورفع راسه الى ناحية سقف الغرفة لثواني معدودة ،بعدها شد كتفيه الى الاعلى وهو ينظر نحوي،ثم اعاد اوراق الفحوصات والاشعة الى داخل المظروف ومد يده ليسلمني اياه:"خلاص ، المسالة تعود اليكما ، وليس لدي اكثر مما قلته " .
اكتفى بهذه الجملة التي اراد من خلالها ان يَعتِقَ نفسه من الجلسة، ولم اكن احتاج الى وقت طويل حتى استوعب الشرخ الذي تسببتُ به،إذ  ما كان يصح ابدا ان اذكِّرَ الدكتور بما قاله الطبيب الهندي،لان التقرير النهائي الذي كتبه دكتور جمال كان قد اورد فيه كل ما يتعلق بتفاصيل حالتها قبل وبعد العملية بما في ذلك موضوع النقاط السوداء،ولكن ما لعمل والخطأ قد حصل وانتهى الامر الى ماهو عليه من توتر،واصبح الدليل واضحا امامنا بان الدكتور لقمان قد تضايق كثيرا من ملاحظتي،وأن صبره قد نفد بسرعة غير متوقعة، وهذا ما لم يستطع وجهه الذي كان متجهما ان يخفيه. وربما لم تعجبه طريقتي في الكلام وليس ملاحظتي التي تفوهت بها،وعلى الاكثر انني وتحت تأثير الضغط النفسي كنت منفعلا  الى حد ما ولم اكن منتبها الى ذلك،وارجِّحُ ان هذا هو الذي لم يستسيغه . 
شعرنا بعدم رغبته في الاستمرار بالحديث عندما التزم الصمت ولم يصدر عنه اي حركة وهو جالس خلف مكتبه،وكان ذلك اشارة كافية على انه ينتظر منّا ان ننهض ونغادر،فبلغ مني الحرج مبلغا كبيرا ،عند هذا الحد علا الذهول وجهينا انا وهي، ومن ناحيتي كنت كمن استيقظ مصدوما على اثر صوت مفاجىء،وفي اللحظة التي استَرَقتُ فيها النظر اليها،لمحتُ نظرة عتاب شديدة تعلو ملامحها،وبدت كما لو انها كانت  مصعوقة من سرعة ماحدث امامها،حتى ان  لسانها انعقد بينما نظرتها كانت تلتمس مني ان اتدارك الموقف باي طريقة،فلامجال لاضاعة الوقت.
لفتت انتباهي الصفرة الشاحبة التي كانت تعلو وجهها وهذا ما جعلني اشفق عليها كثيرا،وامام هذا التطور المفاجىء الذي كاد ان يُنهي اللقاء الاول مع دكتور لقمان  بتلك  السرعة الخاطفة،عقدتُ النية على ان اصحح الموقف،إذ لاخيار امامي سوى ان اعيد الثقة التي انعدمت بيننا ربما بسبب سوء فهم من قبلي او من قبله هو ايضا، فثمة اشياء لانستطيع ادراكها ساعة نُقدِم عليها وربما تسوقنا الى ذلك دوافع نجهلها،والاهم بالنسبة لي في تلك اللحظة ان تفكيري انشغل فقط في كيفية تبديد الخوف الذي استحوذ عليها وزاد من شحوبها بعد ان وجَدَتْ نفسها وسط مشهد مرتجل بشكل سيء من ناحيتي،وهذا مما ادى الى ان تتوتر الاجواء،خاصة وأن الدكتور بدت عليه علامات الحنق الشديد ولم يستطع ان يخفيها رغم التزامه الصمت وارتكانه الى الهدوء،فما كان مني إلا ان اتقدم بخطوة لمعالجة المأزق:"عذرا دكتور،ربما لم احسن صياغة الجملة عمَّا اردت ان اقوله فذهب الكلام الى غير محله ". ثم تابعت الحديث واصبغت عبارات التقدير والتعظيم لشخصه ومكانته،علَّني ارمِّمَ ما تسببتُ به من إشكال،فأعدّتُ على مسامعه ما كان قد اسبغه عليه دكتور جمال من صفات رائعة جعلته يبدو امامنا افضل طبيب مختص بالعلاج الكيميائي،وهذا مادفعنا الى ان نتمسك به ولم نراجع طبيبا آخر غيره،وارفقت ذلك باعتذارعن الهفوة التي صدرت عني، ثم حاولت توضيح اسباب الالتباس الذي حصل واكدت له بان ما اردت ايصاله كان القصد منه ان انقل معلومة كنت اتوقع بانها لم ترد في التقرير وتتعلق بما جرى من حديث عبر الهاتف بين الدكتور جمال والطبيب الهندي حول النقاط السوداء لا أكثر ولا اقل. انذاك اعتدل دكتور لقمان في جلسته ومال بجسمه الى الامام . عندها شعرت بشيء من الابتهاج الداخلي بعد ان تيقنت من انني قد افلحت في ازاحة ما كان يشعر به من انزعاج بعد ان لاحظت ارتخاء عضلات وجهه واستعادته لهدوئه، وتاكدت من صدق ما توصلت اليه ما إن  فتح المظروف واخرج منه البيانات ورصفها امامه،وبعد ان القى نظرة عليها قال لي :"اخي العزيز،الان امامنا مشكلة جديدة،لابد من ايجاد حل لها،والمشكلة لاتتعلق بوضعها الصحي،انما بجهازالفحص(scan pet) الذي  بواسطته سوف نتأكد من حقيقة النقاط السوداء الموزعة على الكبد والرئتين،فهذا الجهاز لايوجد في العراق نهائيا،فقط موجود في تركيا والاردن ولبنان وايران،وإذا كنتم  تمتلكون الامكانية المادية فعليكم ان تسافروا اليوم قبل الغد الى واحد من هذه البلدان لاجراء الفحص".
لم يكن امامنا اي عقبة قد تعيقنا عن السفر،لكني احببت ان اعرف من الدكتور تكاليف الفحص بجهاز(pet scan) حتى لا اكون في موقف محرج من الناحية المادية،خاصة وانني اسمع كثيرا من الذين يسافرون للعلاج خارج العراق عن ارتفاع الاجور في بلدان مثل الاردن ولبنان وتركيا.
" تتراوح تكاليف العلاج مابين 800 الى 1200 دولار في لبنان وتركيا والاردن ".
هذا ما اخبرني به،ولكن من غير ان يحسب النفقات الاخرى المتعلقة بتذكرتي الطيران والاقامة في الفندي لمدة لاتقل عن اسبوع والتي لاتقل عن 2000 دولار،بذلك يتوجب علينا ان نضع في حسابنا ان الرحلة ستكلفنا بحدود 3000 دولار إن لم يكن اكثر من ذلك . 

                                        لستَ انت !
هكذا ببساطة شديدة وفي ايام معدودة تستيقظُ من تجليات حياة كانت تشبه بحيرة يسودها الهدوء،فإذا بك وانت تصحو على نفخة ريح عاتية،وانتَ كما انت،مازلت مستغرقا في لجّة التامل،ولم تعرف طريقا الى العبث في حقولٍ كنت دائما ما تسير اليها وتغمض جفنيك عليها.
تنظر الى صورتك في المرآة فلا ترى ذات الشخص الذي كنت تعرفه.
هناك انقطاع حاد في الزمن يفصل بينك وبين الذي يومىء اليك في المرآة،اشبه بارتجال فنان في لحظة الهام.
انقطاعٌ افترقت فيه الاحداث والاحاديث،وباتت الصورة مكتظة باحتمالات مودّعة في خزانة خيار وحيد،وليس امامك من خيارات اخرى قد تصل اليها سوى ان تتسلق جدار الامل وتتسلح بالحرية وانت تسترجع في ذهنك ما جرى ، وتكتب عمّا لايمكن للكتابة ان تستوعبه بكلمات وجمل محددة، فأنت تلاحق اشبه مايكون بالظلال،ومهما حاولت الامساك بها فلن تقوى على ذلك.

                                    الاشكالية في اسمي
في موضوعة السفر لم اضع ايران في حساباتي،فقد استبعدتها تماما من تفكيري،رغم انخفاض تكاليف العلاج فيها بشكل كبير مقارنة ببقية البلدان الاخرى،لاني لم اكن بحاجة الى ان اضع نفسي في مواقف حساسة بسبب اسمي الذي قد يسبب لي اشكالات معقدة قد تواجهني ابتدأ من وصولي الى مطار طهران،واحسب اني على عِلم بان اسم مروان لن يوفر لي الامان والحماية مثل اسماء اخرى يفضلها الايرانيون على غيرها،بينما اسمي لا اشك ابدا في انه من الاسماء المكروهة جدا من الناحية الطائفية،على الاقل لدى جمهور المتعصبين والمتطرفين ممن يحملون كراهية تاريخية للامويين،فقد اصبح في الذاكرة المذهبية مرهونا بهم وبفترة حكمهم،طالما ارتبط  باكثر من خليفة تربع على عرش الخلافة الاموية،وبذلك تم تجريد الاسم من دلالاته المعجمية وانحشر في زاوية ضيقة من التوظيف المذهبي مثل اسماء اخرى،ولم يعد هناك اي فرصة لتفادي هذا التوظيف وتبعاته الحساسة في بيئة اجتماعية تكاد ان تنسدُّ فيها كل منافذ البراءة وتنعدم العفوية في المواقف الانسانية خاصة إذا ما أخطأ من يحمل هذا الاسم وانزلقت قدماه واخذته الى الضفة الاخرى،حتى انني وتلافيا لكل ما يمكن توقعه من ردود افعال مسرفة في سلبيتها لربما ينجرف اليها البعض من الموتورين طائفيا،لم أتجرأ على زيارة بغداد منذ العام 2003 خشية ان لا يستفز اسمي البعض من المتطرفين من الذين قد يصادف وجودهم  هنا وهناك،خاصة بين العناصر المسلحة التي عادة ما تقف في السيطرات الكثيرة المتواجدة على طول الطريق مابين الموصل وبغداد،ولا يُعرف إذا ماكانوا ينتمون الى مؤسسة الجيش العراقي ام الى ميليشيات مذهبية،وكثيرة هي الحوادث التي ذهب ضحيتها اناس ابرياء كانت اسمائهم هي السبب في النهاية المأساوية التي انتهت بها حياتهم،إذ يكفي ان يكون اسمك  دليلا كافيا على انك مدان بجريمة تاريخية وقعت قبل اكثر من  1400 عام.وانت لاناقة لك فيها ولاجمل كما يقال،ولهذا امتنعت نهائيا عن السفر الى العاصمة،رغم اني عشت فيها مدة تزيد على العشرة اعوام،اثناء ما كنت ادرس في كلية الفنون الجميلة ومن بعدها الفترة التي كنت فيها اقضي فترة خدمتي العسكرية وكانت من اجمل السنين .
                       
                                   ملاذ آمن
غالبا ما يصعب على المرء ان يشطح به خياله بعيدا،ليصل به الى اكتناه ما ينتظره في الاقاصي البعيدة،مهما انصاع الى صمته وغرق في معبد ذاته متأملا ذاته، فسرعان ما يتيه القارب الذي يقوده في ضباب الرحلة ويغرق في لجة مايتنازعه من صور متخيلة.ورغم اني قد افلحت في الافلات من هشاشة خُطى مدينتي قبل اكثر من عشرة اعوام حيث كانت قد انعطفت بها ايامها الى عتمة سحيقة اغرقتها في دوامة من الموت العبثي،واستطعت الوصول الى ملاذ آمنٍ بعيدا عن  فوضى الرايات التي كانت تخنق سمائها ،إلاّ ان مخيلتي بكل جنوحها لم تفلح في ان تقود حدسي الى ما سأصل اليه من تخوم تستلقي عليها رياح مشبعة بالغبار. ولم يخطر على بالي ابدا انني كنت اسير على اطراف طريق معبد بالوساس والارق،مثل الذي يسير في يقظته الى فردوس احلامه بينما عيناه معصوبة بضمادة من اوهام .

                                    لاطريق الى تركيا 
علمت من احد زملائي في العمل ان السفر الى لبنان لايحتاج الى  تأشيرة دخول،إذ يكفي فقط ان نقطع تذاكر من اي مكتب طيران،وما أن تهبط الطائرة على المدرج ونضع اقدامنا على ارض مطار رفيق الحريري حتى تُختَم جوازاتنا بتأشيرة الدخول مقابل مبلغ لا يتجاوز 75 دولارا،لذا قررنا ان نسافر الى لبنان ونجري الفحص في المركز الطبي التابع للجامعة الاميركية بدل ان نسافر الى تركيا التي كانت خيارنا الاول في البداية،لكني اضطررت لاستبعادها بعد ان راجعتُ مبنى القنصلية التركية في اربيل،واتضح لي بانها قد توقفت عن منح العراقيين تأشيرات دخول منذ مايقرب الثلاثة اشهر،بسبب الانتقادات الشديدة التي تعرضت لها حكومة انقرة من قبل الاتحاد الاوربي،والضغوطات التي مورست عليها على اثر افواج اللاجئين الذين سمحت لهم بالعبور من شواطئها وبشكل غير شرعي الى جزيرة ليسبوس اليونانية منذ منتصف العام 2015،ومن ثم اكملوا رحلتهم مشيا على الاقدام باتجاه الدول الاوربية،فكان حدثا ملحميا لم يسبق للعالم الغربي ان واجهه،وهذا المشهد بصوره الصادمة كشف ستر الانظمة العربية وعرّاها،وسلط ضوءا ساطعا على حقيقة البؤس الذي يرزح الانسان تحت مخالبه في عدد من بلدان المنطقة العربية والاسلامية مثل سوريا والعراق وافغانستان وايران.وإلا ّ ما معنى ان يغامر مئات الالاف بحياتهم، نساء واطفال وشباب وشيوخ،ويقذفوا بانفسهم في عرض البحر،تاركين اوطانهم خلف ظهورهم ؟
تشير ارقام الامم المتحدة عام 2018 الى ان( 70 )مليون شخص شردوا  من اوطانهم في جميع انحاء العالم بسبب القمع والصراعات السياسية .
انا شخصيا كنت انتظر مثل هذه الفرصة،والتي ربما لن تتكرر كل مائة عام ،لكنها وللاسف جاءتني في الوقت الضائع.

                                    المرأة سفينة انقاذ
النساء عالم غريب مثل قارة مجهولة يصعب على الرجال سبر اغواره،وكم سيصبح العالم موحشا ورهيبا إذا ما غابت عنه المرأة ،بل سيتوارى  تماما عن الوجود،وإذا ما تنازلنا نحن الذكور عن كبريائنا قليلا  ساعتها نستطيع الاقرار بأنهن مساحة مجهولة من الاسرار،لاتختزلها خصلات الشعر المتطايرة في الهواء،ولا سحر العيون السود،ولا الجسد الجميل وهو يبعث الضوء في عتمة الليل . وبقدر ما تُشعل فينا انوثة المرأة صورالدهشة والجمال والرقة، بقدر ما تحمل  في ضعفها البدني قوة داخلية تتفوق بها على قوة الرجل العضلية،ومهما حاول ان يستخدم دهائه فلن يستطيع احتواء غابات هذا العالم،فلاغرابة ان تكون الافعى ومنذ القِدَم بملمسها الناعم ولدغتها القاتلة صورة رمزية عن هذه الثنائية،في معنى وقوة حضورها ،ويكفيها سحرها الخاص وهي تنثر الدفء في اي مكان تهب عليه نسائمها،ولعل الابرز في سماتها انها دائما ما تكون مشغولة في كيفية التعبير عن عطائها الانساني لبيتها وزوجها واولادها وكل الذين ترتبط معهم بصلة ما.
انا شخصيا ومن ناحيتي استطاعت شريكة حياتي بحنكتها وحسن تدبيرها،وهذا ما تتميز به عني،ان توفر مبلغا من المال لابأس بقيمته،كانت تستقطعه من راتبي الشهري،مع انه بالكاد يكفيني للإيفاء بمتطلبات العيش في مدينة مثل اربيل ترتفع فيها تكاليف المعيشة الى درجة كبيرة،حتى ان احد اصدقائي المغتربين في اوربا عندما زارها،قال لي بان الغلاء فيها لايفرق شيئا عن الغلاء في بريطانيا.
المبلغ الذي إدَّخَرَته كان بمثابة سفينة انقاذ لنا،وينطبق عليه المثل الشائع"الفلس الابيض ينفع في اليوم الاسود" . وقبل ان ينال منها المرض لم يكن ضمن ماكنا نخطط له أن يكون هذا المبلغ سبيلا لمواجهة الحالات الطارئة التي قد نتعرض لها في المستقبل،انما كان هدفنا منه تغطية نفقات ابننا الوحيد لاكمال دراسته الجامعية خارج العراق من بعد أن ينهي دراسته الاعدادية في السنة القادمة 2017 ،وفي الحقيقة لم نضع في حساباتنا فكرة ان يدرس خارج العراق ابداً،إلاَّ بعد ان وجدنا امكانية قبوله في الكليات الحكومية في اقليم كوردستان غير واردة في تلك الايام،باعتبارنا كنّا نازحين ولسنا من سكان الاقليم،ولنا في سجل دائرة النازحين والمهجرين صفحة ورقم منذ العام 2007 ، ففي يوم ما من العام الدراسي 2014 اخبرني ولدي بان معاون المدير قد اجمتع بهم في ساحة المدرسة،وقال لهم  بان القوانين حتى هذه اللحظة لاتتيح قبولهم في الكليات الحكومية داخل الاقليم عندما ينتهون من دراستهم في المرحلة الاعدادية،ولن يكون امامهم سوى خيار الانتساب الى الكليات الاهلية او ان يكملوا دراستهم خارج العراق.
لوهلة شقَّ عليَّ ان استوعب كلام المعاون،لذا قررت ان اذهب بنفسي في اليوم التالي الى المدرسة لمقابلته والاستفسار منه شخصيا،إلاَّ انني سرعان ما تراجعت عن نيتي،استجابة لمشورة زوجتي،بعد ان طلبت مني التريث قليلا " لماذا تستبق الامور! ، فمايزال امامه ثلاثة اعوام حتى ينهي دراسته للمرحلة الثانوية،ومن الممكن ان يتغير هذا القانون بين ليلة وضحاها خاصة مع ازدياد اعداد العوائل العربية النازحة الى الاقليم بعد ان احتل تنظيم داعش مدن الموصل وصلاح الدين والانبار والحويجة، فالوقت مايزال مبكرا للتفكير بموضوع الكلية،وربما قد يكمل دراسته الجامعية في الموصل اذا ما تحررت،فلا احد ياعزيزي بامكانه ان يتكهن بما تخبئه سماء العراق من مفاجاءات،وربما قد يمر العراق بظروف قاهرة في الاعوام القادمة ،لاسامح الله ،ترغمنا مع اخرين على مغادرة العراق نهائيا " .
يتبع ..






9

ج7 - اكتشاف الحب :اوراق من مدونتي الشخصية

                                                 
مروان ياسين الدليمي

نحن مثل بقية الاشياء،مثل ورق الاشجار،او طائر يحلق في الفضاء،مثل قطرة ماء وذرة هواء ،نحن جزء من هذا الحضور اللامتناهي، يجمعنا ويحركنا شيء غامض،مكانه ليس ببعيد عنا،انه كامِن بداخلنا،ومع ذلك فأنا  اجهل اين يكون،هل في اصابعنا ام في اضلعنا ام في رؤوسنا ام في شرايينا ، ام ... ؟ دائما ما افكر في كيفية الوصول إليه ،وهو اشبه بشعاع من نور يرسل طاقة الحياة فينا،مع ان العتمة شديدة حولنا.
وفي ما يتعلق بها،هي ايضا تعيش حياتها مثلي تحت سطوة هذا الغياب الذي يقلقني، لكنها ابعد ما تكون من ان تشبهني،لان غيابه يعني حضوره كاملا فيها،وفي كل ثانية تمر عليها تشعر به وتسبِّحُ باسمه،فلا يقلقها اين يكون،طالما هو كائن في كل شيء،لانها تعرفه في غيابه اكثر مما تعرفه في حضوره . . فهل احسدها ؟

                               فوضوي واقتراح عبقري

لم تنقطع عن اداء واجباتها المنزلية التي اعتادت عليها،رغم ما كانت تعانيه من متاعب صحية والضعف الذي بدا واضحا في قدرتها البدنية،اضافة الى ما كانت تسببه لها من ازعاج،العلبة البلاستيكية التي كانت تتدلى من تحت ثيابها وتتأرجح امام قدميها فترتطم بها اثناء قيامها بإي حركة،خاصة عندما تمتلىء بالدم والسوائل اللزجة،وفشلت كل محاولاتنا لاقناعها بأن تجلس على الكنبة وتستريح،وسنتحمل بدلا عنها،انا وابني محمد،انجاز ما يحتاجه البيت من اشغال،بما في ذلك التنظيف والطبخ الى ان يتم رفع الانابيب والعلبة عنها في نهاية الاسبوع،وما عليها سوى ان توجِّهنا فقط . كانت تنظر الينا بزاوية من عينيها ثم تكتفي بابتسامة خفيفة ساخرة ترسمها على شفتيها ثم تقول"اقتراح عبقري"وتتبعها بجملة قصيرة دائما ما كانت ترددها " في هذه المسالة لافائدة منكما،لانكما تخربّان المعمور" ثم تمضي الى المطبخ بحركة بطيئة فيها حرص شديد على ان لاترتطم  قدمها اليسرى بالعلبة،ومن دون ان تلتفت الينا بعد ان اخذتَنا نوبة من الضحك .
لا اذكر في يوم ما انني دخلت المطبخ ووقفت الى جانبها لاجل ان اساعدها  او أتعلم منها،فعالم الطبخ بالنسبة لي اعقد من عالم الرياضيات،ومن ناحيتها فهي على يقين من انني إذا ما اقتحمته فساحيله الى فوضى،فما من شيء سيبقى في مكانه،لا علب بهارات ولاقنينة زيت الزيتون ولاكيس فانيلا،وستصاب بالذهول وتفقد اعصابها قبل ان تعيد كل شيء الى مكانه المعتاد،ولاجل ان يبقى النظام فيه سائدا وفق ما تشاء وترغب،اقتصرت مهمتي على ان استلم ورقة صغيرة بين يوم وآخر مكتوبا عليها قائمة بالمشتريات الغذائية ويتوجب علي شرائها من سوق شيخ الله وسط مدينة اربيل.ولهذا لم اجد غرابة في اصرارها على ان تبقى تمارس دورها التقليدي باعتبارها ربة المنزل والمسؤولة عن رعايته ورعايتنا رغم مرضها ووزنها الذي تناقص بشكل واضح خلال اسبوع واحد بعد العملية الجراحية،وحتى عندما كانت تتأفف وتبدي تذمرا لم يكن لدي ادنى شك من ان ذلك لم يكن بسبب تقاعسها عن العمل،انما لان جرح العملية لم يندمل بعد ،وقواها مازالت ضعيفة،فكانت تجد صعوبة في اتمام عملها،وهذا ما كان يزعجها.
لا استطيع ان انكر بان ضميري بات يؤنبني،عندما  كنت اتابعها وهي تتحرك ببطىء وتثاقل واضحين بينما هي تتنقل بين اركان البيت لاجل ان تحافظ عليه نظيفا ولاتسوده الفوضى . وماكان امامنا الا ان نرضخ لارادتها وننساق مع رغباتها مراعاة لحالتها النفسية،بعد ان وجدناها تستعيد شيئا من حيوتها ويختفي توترها ما أن تكون مشغولة بالعمل،ولهذا لم نعد نحاول ثنيها عن الاستمرار باعمال الطبخ والتنظيف،وبدأنا نبذل جهدا في مساعدتها،ومع ذلك لم تنقطع سخريتها منّا ازاء ما ننجزه من اعمال،وفي الواقع اننا كنا نتعمَّد انا ومحمد في ارتكاب بعض الهفوات الصغيرةعندما نساعدها في غسل اواني الطعام ،مثل ان نترك اثرا بسيطا من بقايا الاكل في واحد من الاواني لاننا نعلم جيدا بانها ستبدأ في اطلاق سيل من تعليقاتها الساخرة باعتبارنا لانصلح للقيام باي عمل. وكان هدفنا من ذلك ان تشعر كما لوانها تمارس حياتها بشكل طبيعي فتنسى مرضها،ولهذا حرصنا على ان نفتعل القليل من المرح الذي افتقدناه،فكانت المفارقة في هذه اللعبة تكمن في فوضويتي لانها تتقاطع تماما مع صرامة تعليماتها ازاء ماينبغي ان يكون عليه البيت من تنظيم ونظافة،وهي بذلك تتشابه مع معظم نساء الموصل في حرصهن على  ادارة شؤون المنزل باكمل صورة.ومما زاد في وتيرة انتقاداتها انني اورثتُ ولدي جزءا من فوضويتي،وإنْ كان لايصل الى ما انا عليه من مستوى متقدم . 

                                     تباين وانسجام
طيلة اكثر من ربع قرن كان التباين بيننا قد بدأ يتضح يوما بعد آخر،وحاول كل واحد منا ان يبقى متحصنا وراء ما يؤمن به من افكار دون ان يتزحزح عن موقعه،ساعيا بنفس الوقت لسحب الآخر الى جهته اخذا به الى حيث خياره الداخلي،ولكن لم يفلح كلانا بهذا المسعى،ولم يكن من السهل علينا نحن الاثنان ان نستدير عمّا يملؤنا من افكار نهتدي بها في تحديد هويتنا التي نطل من خلالها على الحياة،ورغم بقائنا على ماتغفو عليه جفوننا وتنفتح عليه شرفات عقولنا من آيات الاطمئنان إلاَّ ان ذلك لم يحدث خدشا في علاقتنا مع بعضنا،ولم يتمكن الصقيع من ان يحقن برودته في حقل مودتنا،فالحياة بين اثنين يعيشان تحت سقف واحد لفترة طويلة لاتعني ان يكونا نسخة طبق الاصل عن بعضهما،كما لو ان احدهما ينظر الى نفسه في المرآة،ودائما ما كنتُ اعتقد ان هذا النمط من العلاقة بين زوجين اذا ما وجِد فانني لااشك ابدا في انه يعكس حالة من القمع يمارسها احدهما ضد شريكه الاخر وعادة مايكون الرجل،مستثمرا تواطوء الواقع معه، بفعل عوامل عديدة ومختلفة،عادة ما تستمد قوتها من الموروث،الذي يملأ شرايين الفرد بثوابته ويمنحه القوة ويحميه من اي تبعات تدينه،لِما له من قداسة،ومن جانبي ارى السبب الرئيس في هذا الاختلال يعود الى ضعف كبير في شخصية واحد منهما،ودائما ماتكون المرأة ،وهذا ما يدفعها الى ان تتنازل عن ذاتها كليا لصالح شريكها،ربما بسبب الحب احيانا، وليس بسبب سلطة الخوف الاجتماعي،وغالبا مايكون الخوف هو السبب لان سطوته كبيرة وقادرة على ان تسد منافذ الهواء امام المرأة وتكسر اجنحتها،بالتالي سيبدو الانسجام قائما بينهما امام الاخرين،ولكنه انسجام مزيف،لانهما يفتقدانه،طالما علاقتهما قائمة على مبدأ الاستحواذ الذكوري الذي شرعنَتهُ تمائم واعراف مخزونة في شقوق جدران متهالكة،أجازت للرجل ان يحيل  المرأة الى ظل باهت يتبعه،فلاغرابة ان ينهار السقف عليهما في اية لحظة اذا ما نال الطرف المقموع حريته او استيقظ هذا الظل في لحظة ما من غفوته.وهذا ما لاحظته مع كثير من اصدقائي الذين هاجروا الى اوربا،إذ تفاجأت بأن اغلبهم يعيشون منفصلين عن  زوجاتهم،وفي معظم الحالات كانت الزوجة هي التي تطلب الطلاق،بعد أن وجدت قوانين بلد اللجوء تنصفها ،وتمنحها ما كانت محرومة منه في بلدها .
من ناحيتي لم اتوقف امام ما كنا نختلف عليه،خاصة في ما يتعلق بالشكليات  الذي نعبِّر من خلالها عن قناعاتنا الروحية،وإن كانت مسالة الحفاظ على التوازن في هذا الاختلاف لن تمر في مسالك معبَّدةٍ لفترة طويلة من الزمن من دون ان تنفجر فيها انفعالات وخلافات ربما لاسباب تافهة،وهذا ما مررنا به،وهو امر طبيعي جدا في حياة مشتركة بين اثنين تجمعهما رابطة قدَّستها قوانين السماء والارض،وسيكون امرا طبيعيا ان تعصف بهما الخلافات احيانا،فمسالة الانسجام ليست بتلك البساطة،انما هي بغاية الصعوبة اذا لم يكن الاثنان يحملان قدرا ادنى من الاستعداد لاحترام حرية الاخر في قناعاته،واظننا بمرور السنين ادركنا ذلك فتعاملنا مع مانختلف عليه باعتباره مسألة لاخلاف فيها ولاعليها .

                                     وصايا الدكتور
بعد ان رفع الدكتور جمال الانبوبين من مكان العملية،لم يعد هناك ضرورة للعلبة ايضا،ولهذا بات لزاما علينا ان نتهيأ في تمام الساعة الرابعة عصرا لمغادرة البيت يوميا ولمدة اسبوعين،ونتوجه عبر سيارة اجرة الى عيادته حتى يتولى بنفسه سحب السوائل ،إذ بدأت تشكو من صعوبة في تحريك ذراعها ما ان تتجمع تحت ابطها الايسر.وكان لتلك المراجعات اثر كبير في رفع معنوياتها التي كانت قد بدأت تهرم تحت سطوة الظنون والهواجس المسكونة بالخوف،فأخذت تنزاح عنها مشاعر القلق بعد كل جلسة كانت تجمعنا معه، فمارس دوره كطبيب على اكمل صورة وهو يسدي اليها النصائح ويفتح امامها نوافذ الامل،وبدأت وساوس الخنوع والخضوع تحت سلطة اليأس تبتعد عن تفكيرها،وارتفعت عاليا اشرعة الثقة بنفسها،واطلت في داخلها امكانية عودة الشمس لتعانق الظلال المعتمة التي ركنت اليها في الايام الماضية،وبذلك يعود اليه الفضل في انها بدأت  تشعر بالاطمئنان على وضعها الصحي،وأن من الممكن ان تطوى هذه الصفحة من حياتها نهائيا وتصبح مجرد ذكرى إذا ما استمرت على تكملة مراحل علاجها والتزمت بوصاياه حرفيا، خاصة في ما يتعلق بالغذاء،فقد حذرها من تناول السكريات نهائيا،واذكر انني  ابتسمت بعد ان خطفتُ نظرة سريعة ناحيتها عندما وجدته يطلب منها ان لاتقترب نهائيا من كل انواع الحلويات،وبفطنته ادرك سبب ابتسامتي،فاعاد عليها وصيته محذرا اياها من تناولها،كما اوصاها بالابتعاد عن احتساء المشروبات الغازية وانواع الاطعمة المعلبة،والوجبات الغذائية التي تزيد فيها نسبة الدهون عن 30 % وان تحرص على التقليل من تناول اللحوم الحمراء.في المقابل اكَّدَ عليها بأن تكثر من تناول الخضروات مثل الكرنب والقرنبيط والبروكلي والفجل واللفت والملفوف الأحمر مرّة أو مرّتين أسبوعيا ،والأفضل ان تتناولها خلال وجبة الغداء ،لانها تحمي خلايا الجسد من السرطان،نظرا لما تحتويه من كيميائيات نباتية تحفز على إنتاج الإنزيمات وتوقف الضرر الناجم عن المسرطنات، ،وكلما قل طهيها كلما احتفظت بخصائصها الغذائية،اضافة الى تناول الثوم والبصل لانهما تحتويان على مواد مضادة للأكسدة والالتهاب والميكروبات،ومن الضروري ايضا ان تكون بعض الخضروات مثل الطماطم والقرع والبنجر(الشمندر)وكذلك الجزر مادة اساسية في وجباتها الغذائية لانها غنية بمضادات الأكسدة التي تقي الخلايا من الشيخوخة،بالاضافة الى الحمضيات مثل البرتقال واليوسفي والليمون والكيوي والأناناس لان هذه الفواكه عادة ما تكون غنية بفيتامين "ج" فتقاوم أنواع العدوى وتحمي الأوعية الدموية.

                                       اتصال هاتفي
قبل منتصف الليل تمكنت شقيقتها الوسطى من الاتصال بها عبر الموبايل من الموصل،بعد اكثر من محاولة فاشلة لان الاشارة كانت ضعيفة،فبدا صوتها متقطعا وبالكاد ان يُسمع،وهذا ماضطرها الى ان تصعد السلالم لتكون فوق سطح الدار واختارت زاوية وقرفصت فيها،فعبّرت لها عن المها الشديد لما اصابها،وتمنّت ان تكون الى جانبها لترعاها وتخدمها،ولكن ذلك غير ممكن مع بقاء المدينة تحت سلطة تنظيم الخلافة،واخبرتها بما تعرضت له قبل بضعة ايام من موقف زرع في داخلها الخوف من قبل اثنين  ينتميان الى مايسمى بهيئة الحَسبة التابعة لتنظيم الخلافة،فبينما كانت متوجهة مع ابنتها الصغرى التي لم تتجاوز الستة اعوام الى الاسواق القريبة من البيت فإذا باحدهما ينادي عليها بصوت عالي، ولما انتبهت الى انها كانت هي المقصودة،التفت الى ناحية الصوت، فإذا بهما  ينهالان عليها بسيل من كلمات التوبيخ والتقريع والتخويف لان ابنتها لم تكن ترتدي الحجاب، واجبراها على ان تعود مع ابنتها الى البيت وتضع على راسها الحجاب . واخذت تدعو من الله ان يرفع عنهم هذه البلوى ، ثم عادت لتطمئن على صحتها ولتعيد عليها هذا السؤال اكثر من مرة وكأنها تريد ان تؤكد لنفسها بان موضوع مرضها ليس خطيرا،وبدا عليها الوقوع تحت تاثير ما كانت تعانيه شقيقتها من  احساس بالشوق اليها والى جميع اهلها اكثر مما كانت تعانيه بسبب المرض  فاحتبس صوتها وتوقفت اكثر من مرة عن اكمال ما كانت تتحدث به معها واخذت تتنهد،فإذا بها بدأت تبكي ما أن قالت لها بانها يوميا مع اولادها وزوجها لايضعون الاكل في فمهم إلاّ بعد ان يرفعوا ايديهم نحو السماء ويدعون لها بالشفاء التام ،ثم انفرطت بنوبة نحيب مكتوم ٍ خشية ان يسمعها الجيران،ويصل بالتالي امرالمكالمة الى عناصر امن الخلافة.

                                      قوائم انتظار
خلال مراجعتنا اليومية للعيادة كنّا مرغمين على ان ننتظر لفترة زمنية تزيد عن الثلاث ساعات قبل ان يحين موعدنا،لكثرة النساء  المصابات بمرض سرطان الثدي فالعدد يوميا يتجاوز الخمسين امرأة كانت تنتظر دورها وعلامات الشحوب بادية على وجوههن جميعا،فاصابنا بالهلع إذ لم نكن نتوقع ان نجد مثل هذا العدد مسجلا على قائمة انتظار الامل في عيادة دكتور واحد فقط،فماذا عن بقية النساء المنتظرات في قوائم الاطباء الاخرين ؟ عند هذا التساؤل الذي داهمني وانا معلق على مشجب الانتظار تشكلت في راسي صورة قاتمة عن التركة الثقيلة التي خلفتها الحروب في هذه البلاد التعيسة والتي ستعاني منها الاجيال القادمة ايضا .
كانت الصالة تضيق بالنساء ومن جميع مدن العراق،خاصة تلك التي سقطت تحت سلطة تنظيم الخلافة،ومازالت ترزح تحت مخالبه مثل الموصل والانبار وتكريت.ودائما ماكانت هناك وجوه جديدة نلاحظها تضاف يوميا على قائمة الانتظار. دفعني هذا المنظر الذي اعتدت على رؤيته خلال اسبوعين الى رسم صورة مرعبة في مخيلتي عن حقيقة تفشي هذا المرض،إذ لم يكن لدينا اي تصور عنه مهما حاولنا ان نتخيله،فاصبحت على يقين من ان ما يطفو على السطح من حقائق اقل بكثير مما يسكن في العمق ويضرب في عظام المجتمع.وتمكنت من الحصول على مجموعة بيانات كان قد اصدرها مجلس السرطان في العراق تشير الى تزايد حالات الاصابة بالسرطان في العراق مابين عامي(1991 – 2016 )وكانت عدد الاصابات(5,720 )وبمعدل(%31,05 )عام (1991 )في حين ارتفع عدد الاصابات ليصل الى(25,556 )وبمعدل(%67.4 )عام (2016 )لكل (100,000)نسمة .

                                      حكايات منسيّة
بدأت تتكشف امامنا حكايات كثيرة،التقطتها مسامعنا من افواه النساء بعد ثلاثة ايام من مراجعتنا لعيادة دكتور جمال،كلها كانت تعكس جوانب اخرى من العذاب الذي يعاني منه المصابون بمرض السرطان،لم يكن يلتفت اليها احد ،طالما كانت تنبت مثل الصبار في ارض قاحلة،لتكمل بقسوة تفاصيلها ما كنا نراه ونسمعه من حكايات في عيادات الاطباء وممرات المستشفيات . انها حكايات منسية مع سبق اصرار وتعمد حكومي،تختفي بين سطورها مخلوقات ادمية تنزوي بألامها في بيوتٍ خزائنها فارغة مثل بطون اصحابها،ونوافذها مفتوحة على غموض ايامها القادمة،فالواقع موحش جدا ولايبعث على الامل بسبب ارتفاع نفقات العلاج،فالعملية الجراحية تصل تكلفتها الى خمسة الاف دولار وكل جلسة من جلسات العلاج الكيمائي تصل تكلفتها الى مئتي دولار،ومثلها جلسات  العلاج بالليزر،وعادة ما يحتاج المصاب الى  عِدَّة جلسات وليس الى جلسة واحدة وعلى الاكثر تصل الى ست عشرة جلسة في مرحلة العلاج الكيمائي ومثلها عند العلاج باشعة الليزر،وعلى ذلك سيكون من الصعب على الفقراء ان يخرجوا من براثن هذا المرض اذا ما نال منهم،ومن لايملك المال عليه ان يستسلم للقدر،لان المستشفيات الحكومية في جميع مدن العراق بعد العام 2003 تفتقر الى الادوية واجهزة الفحص والى ابسط الخدمات العلاجية.

                                       نموذج واقعي
اذكرُ ان احدى النساء كانت قد جلست هي وزوجها الى جانبنا اثناء ما كنا ننتظر دورنا في العيادة،وأكثر ما لفت انتباهنا ذاك الشحوب الذي كان يصبغ لون بشرتها اضافة الى بنيتها الضامرة بشكل مخيف،واثناء ما كانت تتحدث معها زوجتي وتستفسر منها عن حالتها اخبرتها بانها لولا تبرعات الجيران والاقارب لما تمكنت من اجراء العملية الجراحية لازالة الثدي،لانهم فقدوا بيتهم ومزرعتهم وكل ما يملكونه عندما سيطر تنظيم الخلافة على محافظة نينوى،وهذا ما اضطرهم الى الهرب بجلدهم من قريتهم الكائنة في منطقة برطلة عند اطراف مدينة الموصل،لان تنظيم الخلافة اعتبر ابناء اقليتها الشَّبكية كفَرة،ويستحقون الموت حالهم حال ابناء الطائفة الايزيدية،فما كان امامهم سوى خيار النجاة بانفسهم،ولينتهي بهم الحال في مبنى خاص بالنازحين بمدينة اربيل،ويعتمدون في معيشتهم على ماتقدمه لهم المنظمات الدولية من مساعدات غذائية.

                                 الجرَّاح يستعد للسفر
بعد ان واظبنا على مراجعته يوميا لسحب السوائل ابلغنا الدكتور جمال في نهاية الاسبوع بانه سيسافر بعد يومين الى انكلترا ليستمتع باجازته السنوية حيث سيبقى لمدة ثلاثين يوما الى جانب عائلته التي تقيم هناك،وابلغنا بانه قد كلف احد تلامذته من الاطباء في مستشفى ويلفر بان يتولى عملية سحب السائل بدلا عنه اذا ما تجمع خلال الايام القادمة،كما اوصانا بضرورة ان لانتأخر خلال اليومين القادمين  في مراجعة الدكتور لقمان نانا كلي المختص بالعلاج الكيميائي في عيادته الكائنة  في نفس الطابق ونفس المبنى الذي تقع فيه عيادته،واكد لنا بانه من افضل الاطباء المختصين العلاج الكيميائي. 

                         
                                    الخروج من الأوهام
قادتني رحلة العلاج في اولى مراحلها الى اكتشاف الوجه الآخر للحياة بينما كنا نتسابق مع الزمن،في محاولة منا لتفادي عبوسها ولسعاتها القارسة،علَّنا نعثر على ظل نحتمي به من غلاظة مشاعرها،ونسترد القليل من انفاسنا المتقطعة.
لم استطع الافلات  من كابوس الافكار التي باتت تلاحقني،من بعد ان وجدت نفسي اشبه بمن يدخل صدفة الى ممر طويل يؤدي به الى عالم سفلي يختفي تحت زيف عالمنا الواقعي. فكنت اصبُّ اللعنات على الحروب وعلى من تسبب بها ويدعو اليها كلما استعيد صور الاعداد الكبيرة من المصابين بمرض السرطان من النساء والاطفال والرجال الذين كنت التقيهم في عيادة دكتور جمال وفي ممرات المستشفى،وبقدر ما قد قادتني هذه الرحلة الى داخل نفق معتم إلاّ انها اخرجتني من غابة اوهام كانت تسكنني .

يتبع ..
   









10
ج6  اكتشاف الحب : اوراق من مدونتي الشخصية


                                               
مروان ياسين الدليمي

خيط رفيع نعجز عن الاحساس به يفصلنا عن معنى وجودنا،وعلى سرير المرض غالبا ما نتوصل الى اكتشافه،من بعد ان نواجه حقيقتنا عارية ،وندرك مدى هشاشتنا امام غطرسة الزمن،فتتبدد اوهامنا المثقلة ببريق من الخواء،تلك التي قادتنا الى ازمنةٍ من قش،لكنَّا وجَدْنا فيها ماكُنّا نعتقد انها ذخائرنا التي ستُفتَحُ امامها نوافذ وابواب وتنحسر تحت بريقها الحسرات . كنَّا على موعد مع متغيراتٍ غير مُنتَظَرةٍ،وستجرف رياح الانتظار الكثير من تفاصيل حياتنا من  بعد ان نغادر المستشفى ونعود الى البيت. فما ان اوشك الدكتور جمال على الانتهاء من  معاينتها حتى اتى بحركة خفيفة من راسه اشارةً منه بان الحَقَ به،وكان حريصا على ان لايثيرانتباهها،فتبعته كما لو اني اتصرف بشكل طبيعي من باب اللياقة والاحترام لمكانته. ولمّا اصبحنا في الممر بعيدا عن الغرفة بدأ حديثه معي مؤكدا على ان اهتَمَّ بما سيقوله،لانه مرتبط بما ينتظرها في مراحل علاجها المقبلة.
ابتِدأً حذَّرني من مغبة الانزعاج ازاء ما قد يطرأ عليها من تحوّلٍ ملموس في ردود افعالها،لانها ستكون عرضة لخليط من مشاعر التوتر والاحباط والياس والاكتئاب،وأعتَبَر ذلك امرا طبيعيا رغم ما أبدَتُه من إرادة قوية اثناء وبعد العملية،إلا ان المتغيرات في حالتها النفسية من الممكن ان تصبح عائقا امام شفائها،عندما ستخضع لجلسات العلاج الكيميائي واشعة الليزر في المراحل القادمة إذا لم نحسن استيعابها،ولهذا اوصاني بان يتقبَّلها الموجودين في البيت لانها ستكون تحت ضغط نفسي واجتماعي  في آن .

لم اسقط في دائرة من الخوف وانا اصغي لكلام الدكتور،لاني خلال الايام القليلة الماضية كنت قد بدأتُ بجمع اي معلومة تتعلق بسرطان الثدي داخل ملف خاص خزنتُهُ في حاسوبي،فكنت حريصا على ان اقطع مسار الوقت الذي يجري بسرعة وانا اقلب المواقع الالكترونية عبر هاتفي الشخصي لاجتياز حدود الجهل الذي يحيط بي ازاء هذا المرض،لكن الجديد الذي اثارني في حديث الدكتور انه ايقظني امام ما ينتظرني من مهمات،فقد وضعني امام مسؤولية كبيرة ستجعلني ابدو كَمَن يصعد سلالم ناطحة سحاب معتمدا على قدميه حتى يصل الى اخر طابق،وهذا يعني ان يقسِّم جهده  ليحتفظ بلياقته.ولما اخبرته بان لاأحد من افراد عائلتَينا يسكن معنا او بالقرب منّا،لان جميعهم يقيمون الموصل،عندها قال لي "هذا الوضع ربما يبدو افضل بالنسبة لها على الرغم صعوبته عليك انت شخصيا،لانك ستتحمل ولوحدك مسؤولياتها التي كانت تتولاها في ادارة البيت" . من الواضح انه لم يكن ينتظر اجابة مني،لان حدسه كان يقوده بسهولة الى توقع ماسيصدر في مثل هذه الحالات من ردود افعال،باعتباره قد تعامل مع مئات النماذج الانسانية التي خبِرها مثلما خَبِر انسجة وشرايين الجسد الانساني وعرف كيف يصل اليها بمشرطه،ولهذا استَبَقَني قائلا."ليس امامك من خيار آخر " .  وفي محاولة منه لفتحِ نافذة من الأمل لمَّا وجدني لم اعلِّق على ماقاله واكتفيت بأن استدرت بوجهي ناحية النافذة الواسعة المطلة على الشارع تابع حديثه قائلا "ارجو ان لاتبتئس،لان الوضع الذي انتم عليه في البيت بتقديري هو الافضل بالنسبة لها،وسوف يساهم كثيرا في توفير بيئة هادئة هي بأمس الحاجة اليها،طالما ليس هناك فوضى قد يتسبب بها اطفال في ما لو كان هناك اخرين يشاركونكم المسكن" . ثم كرر على مسامعي وصاياه ."من المهم السير على السياق الذي يوفر لها الدعم النفسي في البيت،لانه يمثل نصف الشوط في معركة مواجهة المرض بينما النصف الاخر ستتكفل به الادوية التي ستتناولها" .

تفاصيل كثيرة داخل لوحة حياتي الشخصية ستخضع هي الاخرى الى التاجيل حتى اشعار آخر بعيدا عن سياق طقوسي اليومية التي اعتدت الركون الى تناسقها،فكان لابد من ان اتحمَّل يوميا ولمدة اسبوع مسؤولية تفريغ علبة بلاستيكية بحجم الكف ما ان تمتلىء بخليط  لزج من الدم والماء كان ينسكب فيها من خلال انبوبي بلاستيك رفيعين طولهما بحدود 70 سنتم ينفذان الى داخل العلبة عبر فتحتين ضيقتين تمنعان تسرّب السوائل خارجها،وينتهي الانبوبان من الجهة الاخرى في فتحتين صغيرتين جدا داخل جسدها،الفتحة الاولى تحت الابط الايسر حيث المكان الذي ازيلت منه سبع وعشرون غدّةً لمفاوية،والثانية في منطقة الصدر من الجهة اليسرى ايضا،وفي نفس مكان الثدي الذي تم ازالته نهائيا ولم يبق منه سوى قطعة جلدية تمت خياطتها على شكل خط افقي متعرج.


للتخفيف مما كنت اشعر به من ضغط نفسي شديد،شعرت برغبة قوية للخروج من البيت والقيام بجولة قصيرة في المتنزه الذي لايبعد عن بيتي سوى خطوات معدودة. كنت بحاجة الى ان اكون وحدي اكثر من اي وقت آخر . ولم اغادر الا بعد ان تأكدت من انها قد خلدت الى النوم،ثم ناديت على ولدي الذي كان يراجع دورسه في غرفته الكائنة في الطابق الاول وطلبت منه ان يتصل بي إذا ما شعر بانها ليست على مايرام . في المتنزه انتبهت على اسناني التي كانت تصطك بعنف بينما كنت اتساءل مع نفسي لماذا عاقبني القدر على هذه الصورة وكانه عقاب إلهي على خطا ارتكبته متعمدا ؟ . في حينه بدأت انساق في دوامة تفكيري الى نفس الدائرة المغلقة التي اعتاد عامة البشر ان يُرجِعوا الاسباب اليها اذا ماوقع عليهم خطب ما،لكني سرعان ما تراجعت عن هذه الفرضية الغيبية،على الرغم من انها تبدو واقعية لكثير من الاشخاص الذين سبق لهم ان ارتكبوا جرائم بحق الاخرين،وبقدر تعلقها بي فهي تبدو ابعد من ان تكون منطقية، لاني لم ارتكب جرما حتى اتلقى عقابا ؟  . نعم ، قد اكون لامباليا الى حد ما،مقارنة مع اخرين،رغم انني شديد التعاطف مع من يقع في محنة، لكني لاابذل مايكفي من الجهد لمساعدتهم،ولاأظن ذلك يستوجب هذه العقوبة ، لكن لا ، من غير المعقول ان يصل بي التفكير الى هذا المستوى من السذاجة كما لو انني شخص غير متعلم.ربما التفسير الاكثر واقعية لهذه التجربة اننا ندفع ثمنا باهظا جراء تلك الاسلحة المحرمة دوليا التي جربها علينا الاميركان بعد غزو الكويت وفي الحرب التي تلتها عام 2003 . وهل من المعقول ان ارفع اثم الخطيئة عن كاهل من ارتكبها والقيها على كاهل الضحية ! ثم  مَن اكون انا وبكل اخطائي،امام اولئك الذين تسببوا في قتل ملايين البشر؟


صباح  اليوم الثالث من بعد عودتنا الى البيت وبينما كنت قد انتهيت من اعداد مائدة الفطور لاحظتُ تغيَّرا في مزاجها،وبدا ذلك واضحا في التزامها الصمت لفترة طويلة،وظلت ساهمة،كما لو انها منفصلة تماما عمّا يدور حولها.كانت مستغرقة في عالم آخر،وارتسمت على وجهها علامات توحي بسقوطها في حالة من القنوط جعلتها اشبه بجزيرة معزولة بمياه عميقة عما يحيطها من كل الجهات،حتى انها لم تفتح التلفزيون ولم تعد مهتمة بمتابعة القنوات الفضائية المختصة بفنون الطبخ التي كانت قد وضعتها في مقدمة القائمة المفضلة لديها. حاولتُ ان اخرجها من الحالة التي كانت عليها من غير ان يبدو ذلك مقصودا. فتحتُ التلفزيون وبحثتُ عن قنوات الطبخ وتوقفت عندها،ثم ناولتها الريمونت كنترول،فأتت باشارة من يدها تعني بانها لاترغب بذلك،وبقيت تعابير وجهها كما هي دون تغيير،ولانني كنتُ مستعدا لاي رد فعل قد يصدر عنها، فما كان مني الا ان اخفضت صوت التلفزيون ثم التفتُ اليها لاستفسر منها عما إذا كانت تشعر بألم ؟ لم تكلف نفسها بالرد عليَّ واكتفت بان هزَّت راسها هزة خفيفة دون ان تنظر الى ناحيتي ، ومضت على هذا الحال بقية اليوم.



قبل ان تميل الشمس الى الغروب نهَضَت لكي تتوظأ بعد ان انتبَهتْ الى صوت المؤذن يدعو الى صلاة العصر اتياً من الجامع القريب الى بيتنا، وبدا عليها الشعور بالانزعاج،فاخذت تتأفف،ثم اطلقت زفرة قوية وهي تنظر الى العلبة التي كانت تتدلى من تحت ثيابها،فقد كانت تعيقها كثيرا وتحد من حركتها خاصة اثناء النوم وعندما تعتزم الدخول الى  الحمَّام،لانها تصبح ثقيلة ما ان تقترب من الامتلاء،ولهذا عمِلتُ على تغليفها بشكل محكم بكيس من النايلون ثم ربطتُّها بحبل رفيع وطويل من الجانبين حتى يسهل تعليقها من جهة الكتف الايمن لتبقى متهدلة ومستقرة على الجانب الايسر من جذعها وتحت ملابسها وهذا ما سيجعل وزنها خفيفا،وكنت حريصا على معاينتها بين فترة واخرى للتأكد منها في ما إذا كانت قد امتلأت حتى افصلها عن الانبوين،واذهب بها الى الحمّام لتفريغها وتنظيفها،ومن ثم اعادة ربطها من جديد. وهذا ما اوصاني َ به الدكتور مِن بعد ان طمأنني بان عملية افراز هذا الخليط امر طبيعي جدا،وسيتولى هو بنفسه رفع الانابيب والعلبة في نهاية الاسبوع عندما نراجعه في عيادته ولن تعود بحاجة اليها،وشدد على ضرورة ان لاتشعر بالخوف إذا ما وجدت انتفاخا في نفس  مكان العملية بعد رفع الانابيب لان الانتفاخ يعني ان السائل الذي كان يفرزه الجسم والذي عادة ما كانت تستقبله الغدد اللمفاموية  قبل العملية قد بدأ يتجمع تحت الجلد طالما لم يعد لديها غدد لمفاوية لتستقبله،وسيكون حجم الانتفاخ حسب  كمية السائل،وبعد مدة زمنية تتراوح ما بين شهر او شهرين سيتوقف الافراز نهائيا. 


بقدر ما كنتُ واثقا من معرفتي بادق التفاصيل المتعلقة بشخصيتها،خاصة ما يتعلق بطبيعتها النفسية،الا اني بعد خروجها من المستشفى وجدتني في كثير من اللحظات وكأني امام امرأة اخرى اجهل ردود افعالها،وعليّ ان ابذل جهدا حتى استوعبها واتقبَّل مزاجها. ازاء هذا الحال اصبحت  امام خيار مزدوج،فمن جهة كان علي ان اراعي وضعها المعقد ومن جهة ثانية كان لابد من ادلف الى داخلي واشرع في تثليم مزاجي الذي يتسم بالحِدّة،خاصة عندما اتعرض لضغط ما.


لم افكر بالتراجع عن مسؤوليتي تجاهها ولو بخطوة واحدة الى الوراء،بل ازددتُ اصرارا على المضي فيها حتى آخر الشوط، رغم ادراكي لثقلها.وبدأت احاسب نفسي اذا ما داخلني اي شعور بالانزعاج كلما نظرت اليها ووجدتها مثل زهرة قد مالت اوراقها الى الذبول،بعد ان كانت تفيض صحة وحيوية وهي تعمل طيلة ساعات النهار حتى يكون بيتنا واحة آمنة نلوذ بها بعد مشاق العمل، فعاهدت نفسي على ان اكون حذرا في تعاملي معها حتى لا أُسبِب َ لها آلامَاً جديدة فوق الآلام التي تتحملها.وازاء ذلك كان عليَّ ان اخوض معركة مع نفسي حتى اتمكن من هزيمة نزقي لاستيعاب اي صدمات قد تواجهني في  دوران الايام القادمة وحمولاتها المعبّقة برائحة المطهرات والكيميائي واشعة الليزر وهي تحاول اجتياز محنتها،وإلاّ ستضعني التجربة امام عجلاتها وتسحقني اذا لم اكن معها في كل خطوة وعلى قدر كبير من ضبط النفس.


هناك حدود لكل شيء،ومن غير المعقول ان تكون الاشياء سائبة في الفراغ بما في ذلك مشاعر واحاسيس الانسان،وما يشعر به من تحولات نفسية نتيجة ما يواجهه من مؤثرات،والتي ستجعل حضوره الانساني  يتخذ شكلا معروفا به،ولكن هذا الشكل لن يبقى ثابتا طالما يتعرض لضغوطات،فإذا به يخرج عن صورته المعتادة ويصبح شخصا آخر،حتى انك تفقد كل وسائل التواصل معه وتعجز عن مساعدته ليستعيد نمطية شكله الذي يعبِّر عن حقيقته الجوهرية،هذا ما اصبَحَتْ عليه بعد يومين من عودتها الى البيت،حيث بدت متوترة واخذت اعصابها تنفلت لابسط الاسباب. أذكُر انها بينما كانت تجلس صامتة على الكنبة في صالة الاستقبال انتبهتُ الى انها مدَّت يدها ناحية العلبة وهي تتدلى من تحت ثيابها وكانها تعتزم انتزاعها " ماذا تفعلين ؟ " سالتها بعد ان نهضتُ من مكاني واصبحت قريبا جدا منها وامسكتُ بيدها " لم اعد احتمل هذه العلبة والانابيب " كانت نبرتها تشير الى انها كانت تشعرُ بجزع كبير، فما كان مني إلا ان اعيدها برفق الى مكانها حيث كانت تجلس ." اين ذاك الصبر،واين الايمان الذي كنت احسدك عليه  واين هي الحكمة ؟ ". وكأنها لم تسمعني فإذا بها تحاول مرة اخرى ان تمد يدها لتنتزع الانبوبين من العلبة،لذا كان لابد من ابذل جهدا كبيرا وانا احاول اقناعها بخطورة ذلك،معيدا عليها كلام الدكتور بان هذه  الانابيب مع العلبة سيتم التخلي عنها نهائيا في نهاية هذا الاسبوع ،ومن بعدها سيتولى الدكتور بنفسه سحب السائل المتجمع بواسطة سرنجة خاصة كل يوم اويومين.ومع ذلك عجزتُ عن اقناعها،ولما وصلتُ معها الى طريق مسدود،وخشيةً من ان ترتكِبَ خطأ ما بسبب مزاجها الذي امسى متعكراً ولربما يؤدي بها الى انتكاسة صحية،كان لابد من اللجوء الى حل واقعي آخر،فاضطررت الى الاتصال بشقيقها الاكبر عبر الهاتف مستنجدا به،لعله ينجح في ان يطمئنها،نظرا للعلاقة القوية التي تربطهما معا.


لاتعادل ثقل تجربتي مع مرضها سوى الفترة التي استُدعِيتُ فيها لاداء الخدمة العسكرية في ذروة ايام الحرب العراقية الايرانية،فما أن تخرجت من الكلية فإذا بي وجها لوجه امام عربَدتها وعبثها وسخريتها،وبسببها عشت ظروفا لم اكن اتخيل ان اعيشها،ومنها ما كانت استثنائية عنها لظرافتها،فمازلت اذكر اول يوم لي في الجيش،عندما سلمني النائب ضابط المسؤول عن المذخر،ملابس عسكرية جديدة مغلفة بكيس من النايلون مع بسطال،فعدت بها الى غرفتي في الفندق الذي اقمت فيه مؤقتا في العاصمة بغداد،وكان يتوجب علي ان انهض في تمام الساعة الرابعة صباحا لاستقل الباص من ساحة الميدان حتى اصل معسكرالتاجي في الخامسة ولا أتأخرعن التعداد الصباحي في ساحة العرضات.ولما استيقظت من النوم وارتديت ملابسي العسكرية لم اتمكن من معرفة الطريقة الصحيحة لربط الشريط الخاص بالبسطال،وبقيت في حيرة من امري،فما كان مني إلاّ ان اطرق باب الغرفة المجاورة التي كان يقيم  فيها صديقا قديما من ابناء مدينتي كان قد سبقني بعام واحد في اداء الخدمة العسكرية،فطلبت منه ان يعلّمني كيفية ربط الشريط . للوهلة الاولى بدا طلبي بالنسبة له مزاحا سمجا في تلك الساعة المبكرة، حيث الظلام مايزال يخيم على بغداد،ولمَّا اكدت له باني حقيقة لااعرف،اطلق ضحكة بصوت عالٍ،وما ان انتبه الى ان معظم رواد الفندق مازالوا يغطون في النوم حتى كتمها بسرعة بعد ان ضغط بكفه على فمه،ثم مدَّ يده وامسك بفردتي البسطال وقال لي"تنقصك الكثير من الخبرة في الحياة،وستواجه اياما صعبة طالما لاتعرف كيف تربط شريط البسطال".


يتبع ..

11
ج 4  -  اكتشاف الحب:اوراق من مدونتي الشخصية



مروان ياسين الدليمي


إستيقظتُ في تمام الساعة السابعة صباحا،وفي الحقيقة لم يغمظ لي جفن حتى بانت اولى خيوط الفجر من خلف زجاج النافذة في غرفة النوم،وعلى الاكثر لم انم سوى سويعات من الزمن قبل ان يطوي الغسق بساطه ويرحل بهدوء مثل بقية الايام بعد ان سقطتُّ صريع الاعياء من دوامة التفكير بالعملية الجراحية التي ستجرى يوم غد.اذكرُ جيدا كم بذلت من جهد ذهنيٍّ ونفسيٍّ وأنا أحاول استمالة النوم الى جانبي علَّه ياخذني معه في رحلة بعيدة استسلم فيها الى حالة من الخَدَر والانفصال عما انا فيه من اكتواء داخلي لكن محاولاتي فشلت،وبقي الارق والقلق يستهزئان بي ويسامراني رغما عني ويطردان النعاس عن جفني،حتى اني استعنت بكل الالعاب التي سبق ان تعلمناها في طفولتنا إذا ما ارغمَنَا اهلنا على ان نأوي الى اسِرَّتنا حتى ننام،مثل ان نعدَّ قطيعا من الخراف،ولن انسى في تلك الليلة انني اخطأت في العدِّ اكثر من مرَّةٍ،فكررت المحاولة من جديد ولكن دون جدوى،حتى ان الخراف خلدت للنوم بينما بقيت انا صاحيا،وماانفكت الافكار تداهمني مثل اشباح وهي تعبث بي في ظلمة الليل،كانت تدور في رأسي عابثة بي،وعجزتُ عن طردها بعيدا عني حتى شعرت برأسي يكاد ان ينفجر وانا اتارجح مابين حقول تبعث على التفاؤل وبِركٍ رمادية من هواجس اخذت دائراتها تضيّق شيئا فشيئا من حولي.احسست وكأني قد انشطرت الى نسخٍ طبق الاصل عنّي،كل نسخة تتحرك باتجاهات مختلفة وتتقاطع في ما بينها فتصطدم مع الاخرى،فإذا بي اقع فريسة دوامة من المشاعر المتضارية تحت ضغط  تخيلات موجعة كانت قد فتحت في روحي ممرَّاً نحو المجهول ولهذا غادرت السرير مرتين في محاولة للتحايل عليها،في المرة الاولى جلستُ في غرفة الاستقبال وفتحت جهاز الموبايل وبدأت اتصفح المواقع الالكترونية ثم مررت على صفحتي في موقع الفيس بوك وتويتر ولكني لم اعِ  ما افعل،لاني كنت شارد الذهن تماما عن الصور والتعليقات التي امررها امامي بطرف سبابتي بشكل آلي على شاشة الموبيل فكانت تنزلق تباعا دون ان اتوقف امامها او اميزها او افهم مافيها.لم يستغرق ذلك سوى دقائق معدودة حتى اغلقت الجهاز وعدت الى السرير،وفي المرة الثانية خرجت الى المرآب ثم فتحت الباب الخارجي ووقفت عند عتبة الدار،كانت البيوت وهي تتراصف بشكل منتظم على جانبي الزقاق تغرق في سكون ناعم ترسمه أضاءة شفيفة تهمي عليها من اعمدة النور المنتصبة بين مسافات محسوبة على طول امتداد الحي السكني،ولغة الصمت تحتوي الفضاء بحنان،مثل موسيقار يحتضن آلة العود بينما يعزف لحنا صوفيا،ولم يخدش هذا الانسجام الروحي بين تلك العناصر سوى اصوات كلاب كانت تنبح في مكان بعيد،بالكاد يصل نباحها الى مسامعي،تطلعتُ الى النجوم في السماء وحاولت ان اميَّز واحدة عن الاخرى،وتساءلت بيني وبين نفسي كيف كان لجدادنا ان يعرفوا اسماء بعضها وسط هذه الاعداد الهائلة وهي ترصِّعُ قبة السماء؟ ومع اني استغرقت طويلا في تأمل النجوم، لكن لم استطع الافلات من حالة الجزع التي كانت قد تلبستني بسبب عدم قدرتي على النوم،فعدت مرة اخرى الى السرير وقبل ان اغلق باب الغرفة خلفي،استيقَظَتْ زوجتي وسألتني في ما إذا كنتُ اشكو من ألمٍ أو شيءٍ ما،فأجبتها بان ليس هناك مايدعو للقلق،فقط كنت بحاجة للذهاب الى الحَمَّام.ولانها اذكى من ان يقنعها مثل هذا التبرير ردَّت عليّ بما يعني انها تعلم ماهي مشكلتي "تعوّذ من الشيطان واستغفر ربك اكثر مرة،واترك الباقي على الله،فهو ارحم الراحمين". 
غالبا ما فشلت في تمريراكاذيب بيضاء عليها،بعد ان اصبحتُ مثل كتاب مفتوح امامها،فلم تكن تجد اي صعوبة في قراءة ما بين سطوره من كلمات وجُمَلٍ لاتظهر لمن يتمعن فيها،وكم من مرِّة حاولت ان اخفيها عنها على سبيل المزاح،واظن ان هذه الخاصية تنفرد بها النساء عامة عن الرجال،لذلك هي لم  تكن بحاجة الى ان تسمع اجابتي لتعرف بماذا كنت افكر وماذا يشغلني،فالعشرة الطويلة التي بيننا كانت بمثابة مختبر خضعنا فيه لضغوطات وظروف مختلفة،فأنكشفنا لبعضنا البعض،وما عاد هناك من شيء نتستر عليه في ما بيننا،بما في ذلك مشاعرنا وانفعالاتنا الداخلية،وما عاد ممكنا ان نخفيها او نتحايل عليها،حتى اصبح كل واحد منا مرآة للآخر يرى فيه عيوبه واخطاءه ومايحمل في داخله من هواجس واحاسيس مدفونة في اعماقه،ولدي قناعة بما كنت قد سمعته اوقراته لربما في كتاب او مقال من ان العلاقة الزوجية اذا كانت مبنية على المحبة تجعل ملامح الوجه بين الزوجين فيها تشابه كبير حسب ما يترأى للناس وكأنهما توأم.
كانت الساعة تشير الى الثامنة صباحا لمَّا حان وقت مغادرة البيت والتوجه الى مستشفى "ويلفر" في منطق  بختياري،وكان القيظ يتسلل الى مدينة اربيل ليطبق عليها مع الارتفاع الملحوظ في درجة الحرارة. وبينما كانت زوجتي تهمُّ برفع  حقيبة صغيرة عن الارض وضعت بداخلها منشفة وشرشفا خفيفا ومُعطِّرا للجسم ومستلزمات شخصية  اخرى قد نحتاجها خلال اقامتنا القصيرة في المستشفى والتي لن تتجاوز ثلاثة ايام بعد اجراء العملية،تقدَم منها ولدي وقبَّل راسها ويديها وتمنى لها ان تنهض سالمة وتعود بكامل صحتها،وبدورها هي ايضا قبلته من وجنتيه واحتظنته بقوة ولم تستطع ان تحبس دمعة انزلقت على خدها وهي تدعو له بالنجاح وان يطول بها العمر حتى تفرح بزواجه وتحمل ابنه بين ذراعيها،ولاجل ان احتوي الموقف من الانفلات والسقوط في مشاعر عاطفية ملتهبة قد ننجرف اليها ثلاثتنا في تلك اللحظة ونحن في غنى عنها،سحبت ولدي جانبا وطلبت منه ان يبقي هاتفه مفتوحا لربما اتصل به في اية لحظة اذا ما احتجت الى شيء ما من البيت،ولاطمئنه على صحة والدته بعد خروجها من صالة العمليات،ولم انس ان اذكِّرهُ بضرورة ان يستثمر الوقت بمراجعة دروسه وان لاينشغل باي شيء،وان يدعو لوالدته بالسلامة.   
لا أعرف إذا ماكنتُ قد ارتكبتُ خطأ كبيرا بحق ولدي عندما منحته حرية مطلقة ولم ارغمه ابدا على مرافقتنا انا ووالدته كلما كنا نتوجه لزيارة اهلنا  في مدينة الموصل بين فترات متباعدة بعد ان استقرينا في مدينة اربيل عام 2007 ، ولم يكن خروجنا منها الا بعد ان مالت الحياة بكل زاوية فيها  الى فقدان الامن والامان وبات الانسان فيها يسيرعلى حافة السكين،ففي كل ثانية كانت اوضاعها تقترب سريعا من حافة الجحيم لتبتلع كل شيء جميل كان ينادينا في صباحاتها واماسيها،ولتحل بدلا عنه صور الخوف والتوحش،فتحولت المدينة الى نقطة جذب تستثمرها  المحطات ووكالات الانباء يوميا لصناعة اخبار ساخنة عن حوادث اختطاف المدنيين وتفجير السيارات واغتيال العاملين في الصحافة والاعلام من قبل تنظيم القاعدة وجماعات اخرى لا احد يعرف هويتها.
ثلاثة عشر عاما من الغياب القسري زمن طويل،لم يخطر في ذهني ابدا ان ابتعادي عن المدينة سيمتد بي كل هذه الفترة،وان مشاعر الشوق والحنين اليها ستكبر فيَّ وتنال مني في موضع لم اكن قد وضعته في حساباتي،فقد وصلت العلاقة بين ابني وبين الموصل الى مرحلة الاغتراب الكامل،ولم يعد يجمعه معها سوى خيط واهن،ربما اشبه بقطرة ماء ما ان تلوحها اشعة الشمس حتى تختفي ولاتترك خلفها اي اثر يشير اليها،فهو لايعرف عنها اي شيء،ولايرتبط مع شوراعها وازقتها ومعالمها البارزة باي عاطفة،لانه لم يزرها ويتعايش معها ولااشك ابدا في انها لا تخطر على باله مطلقا لولا انه دائما ما يجدها ترد على لساني بشكل عفوي من غير قصد مني،فأنا من غير الممكن ان اتحدث عن نفسي وتجاربي في الحياة دون ان اذكرها،لان طفولتي وشبابي والشطر الاكبر من حياتي قد انسابت اليها ملامح هذه المدينة  في كل تفصيلة،فلا استطيع ان اتخلى عنها بارادتي او بغيرها،ومن غير المكن ان يتخلى الانسان عن دمه وجلده وذاكرته،وكم اشعر بالحزن عندما اجده لايذكر منها سوى صور باهتة تعود الى السنة الاولى والثانية من دراسته في المرحلة الابتدائية انمحت الكثير من تفاصيلها مع تقادم السنين.
كلما خلوت الى نفسي دائما ما اتمنى ان تعطب شرايين ذاكرتي وتتوقف تماما عن ضخ الحكايات من ينابيع ماضيِّ الذي تركته خلفي،فلامهرب لي منها ومن شبحها الذي يطارني مثل ظلي،وما ان ترصدني احيد عن  يقظتي وعما اراه واتفاعل معه في حياتي اليومية  من موجودات وحيوات واشياء حتى تقفز وراء المقود وتتحكم بدوران عجلة الزمن،وهكذا فَعَلَت ما ان استقلينا سيارة الاجرة وانطلقت بنا نحو المستشفى فشرَعَت تطلق سيولا من الامطار تنهال على روحي من سحب الامس ونسج حكايات  بخيوط الماضي لها رائحة المرمر الموصلي في حياتي العائلية.لكني لم ارد لها ان تستمر في لعبتها العاطفية التي تشبه عملية جلد الذات،فالوقت الحرج الذي أمرُّ  بِهِ لامجال فيه للانفتاح على اوراق الماضي الجميل وتصفحها،ولهذا راهنتُ على هزيمتها بالثرثرةِ،بسؤال السائق مثلا عن اسباب ارتفاع اسعار السيارات ؟او هل كانت  في العقود الماضية محطة للقطارفي مدينة اربيل ؟ فالمهم ان نتحدث وليس مهما عن ماذا نتحدث،وما إذا كان حديثا جادا ام مضيعة للوقت،بل المهم ان افلح في اعتقال الذاكرة ونفيها بعيدا عني في تلك الساعة .   

فتحتُ باب الغرفة التي خُصصت لنا في المستشفى وكان الى جانبي اثنان من زملائي يعملان معي في القناة الفضائية "محمد خيون وهلو جباري" اصرّا على ان يتواجدا معنا ويقفا الى جانبنا اثناء اجراء العملية،لانهما كانا على علم بأن ليس لدينا اقارب يسكنون في اربيل،ومازال اهل زوجتي واهلي يقيمون في مدينة الموصل،ولن يتمكن اي واحد منهم  من مغادرتها بعد ان سقطت تحت سلطة تنظيم الخلافة وهذا ما ضاعف لدي الاحساس بالوحدة والاغتراب في تلك الساعة،وليس اقسى من ان يجد الانسان نفسه وحيدا في محنته خاصة عندما تضعه الظروف رغما عن ارادته في موضع الغريب فلايجد احدا يحيطه من اهله واقربائه واصحابه مع انهم على بعد خطوات منه،فكيف به اذا كانت اعز اماله معلقة بين الحياة والموت. لم استطع ان ازيح نظري عنها وهي تجلس على حافة السرير مستسلمة لقدرها،وبين هنيهة واخرى كانت تغمض عينيها وتصدر حركة موضعية خفيفة عن شفتيها المطبقتين،فكُنتُ على يقين من انها  تُردِّدُ بينها وبين نفسها ادعية أوتقرأ ايات من القران، مثلما اعتادت ان تفعل دائما،ومن ناحيتي ترسخ لدي يقين بان الايمان باعتباره قيمة روحية داخلية هو بمثابة ذاكرة الانسان الحقيقية التي لاتشيخ،ولن يقوى الزمن على تدميرها،وهي التي تؤكد حضوره الانساني،وبغيابها لاوجود له،وكم تمنيت ان يلمسني مثل هذا الايمان،وان اقضي حياتي سائرا في طريق واحد لا احيد عنه طالما يحقق لي اطمئنانا داخليا وشعوراً بالاكتفاء من هذه الدنيا،ويشعرني بالسعادة والرضا مهما تبدلت الاحوال وضاقت السبل وشح الرزق وقد ايقنت من ذلك من خلال اصرارها على ان تستيقظ يوميا في تمام الساعة الرابعة صباحا منذ ان تزوجنا قبل ربع قرن ثم تبدأ بقراءة القرآن مدة لاتقل عن ساعة من الزمن قبل ان تؤدي صلاة الفجر لتعود بعدها الى النوم.ولااعرف حتى الان لماذا لم احاول ان ادخل هذه التجربة لاكتشفها واعيش رعشتها الروحية ؟ ربما لان قناعتي بمسالة الايمان الروحي اكبر من ان تُختَزل بطقوس وشعائر،فالمهم بالنسبة لي ان يشعر بها الانسان من الداخل باعتبارها شعورا ذاتيا وليس مجرد تواصل مع قوة  فوقية خارجية،لانه إذا ما غاب الداخل فلن يشعر الانسان بالاطمئنان الروحي والانسجام خارج ذاته،وسيداهمه الشعور بالوحدة اينما كان،سواء كان بين جموع المتعبدين او بين اهله واصحابه.وبينما كنت ارصدها وهي مازالت تغمض عينيها وتطبق شفتيها وتردد مع نفسها ما يعزز في داخلها الشعور بالقوة ازاء الضعف الجسدي الذي بات يقتات منها،كنت اقلب الافكار مع نفسي وانا احاول ان احطم مصداقية ما توصلتُ اليه واؤكد عجزه عن الثبات امام الجسد ساعة يسقط  في ضعفه،وهذا ما جعلني اشعر بان مسؤوليتي باتت  اكبر حتى لاينتصر الجسد بضعفه على الروح السامية.
فُتح باب الغرفة من قبل اثنان من العمال اظنهما يحملان الجنسية البنغلاديشية ثم دفعا بهدوء الى وسطها سريرا يتحرك على عجلات،واستأذنا من زوجتي ان تستلقي عليه وان نغطيها بالبطانية التي جلبناها معنا من البيت وكانت قد وضعتها الى جانبها على السرير في الغرفة،وهذا يعني ان موعد العملية قد حان.فلم استطع لحظتها السيطرة على مشاعري وعجزت عن لملمت ما تبقى لدي من قوة لضبطها،فخنقتني عبرة بذلت جهدا حتى اتحكم فيها،ولم اجد نفسي إلاَّ وانا اتقدم نحوها واقبل راسها وادعو لها ان تنال العافية،بينما هي بقيت هادئة مستسلمة ولم يصدر عنها اي اشارة على انها كانت خائفة،واكتفت بان امسَكَت كفي وضغطت عليها بقوة،ثم سمعتها تردد بصوت خافت احمد الله على كل مايكتبه،والى ان وصلنا باب المصعد حيث سينزلونها الى صالة العلمليات الكائنة تحت الطابق الارضي كنت ممسكا بكفها،وبعد ان دفعا العاملان بالسرير الى داخل المصعد،انتبه احدهما الى اني تحركت خطوة للامام في اشارة على انني كنت عازما على مرافقتهم فأتى بحركة من يده بمعنى انه لايُسمح لي وان علي ان الانتظار حتى الانتهاء من العملية .   

بعض الاحداث التي نمر بها ونكون طرفا فيها او احد شخوصها الرئيسة سرعان ما تتحول الى قصص تحمل بين طياتها دلالات لم ننتبه اليها عند وقوعها،وقد لانلتفت ابدا الى اهميتها،ونتعامل معها كما لو انها ليست الا ضمن ما يمر بنا في نهر الحياة اليومية من احداث كثيرة عابرة،فإذا بها قد استحالت الى تجربة مثيرة ما ان تصبح جزءا من الامس،فيحلو لنا ان نستعيدها رغم اننا عشناها وكنا خاضعين تحت ضغط مشاعر تتوزع مابين القلق او الخوف او الشعور باننا قد اقتربنا من حافة الهزيمة،وكان حرصنا شديدا على ان نخفي عن الاخرين كل مايدور ساعتها في دواخلنا من افكار وهواجس،لكنها بعد ان تطوى وتصبح تلك الاحداث رهينة الماضي فإذا بنا نكتشفها من جديد كما لو انها شريط سينمائي مؤثر نتابعه بشغف ونحن مشدودين اليه بكل حواسنا،نتابع نمو احداثه وتطورها وما تواجهه الشخصية الرئيسة من تحولات في مسار حياتها،ومن الغريب ان  يسري في داخلنا احساس اخر غير الذي كنا قد مررنا به لما كانت التجربة تلقي بنا في مرجلها، فيحلو لنا ان نسرد ما مررنا به امام الاخرين بينما لم نكن نشعر بالمتعة عندما كنا جزءا من الحدث ساعة وقوعه،هذا ما خطر في بالي وانا استعيد ماكنت عليه خلال ثلاث ساعات بينما كنا جالسين في الغرفة ننتظر انتهاء العملية الجراحية،مع ان الطبيب الجراح جمال غفوري لما سالته عن الوقت الذي سوف تستغرقه اخبرني بانها لن تتجاوز اكثر من ساعة ونصف من الزمن،فما كان امامي من حل للخروج من حالة القلق الا ان الجأ لاستهلاك الزمن بالحديث والدردشة مع زميليَّ المصور محمد خيون ومقدم البرامج هلو جباري،ولكن دون جدوى،فقد كانت مخيلتي تهرب بعيدا عن الغرفة وتجتاز الجدران والطوابق الاربعة لمبنى مستشفى ويلفر ولم تكن تحتاج الى ان تستعين بالمصعد للنزول الى صالة العمليات القابعة تحت الارض،ورغم جنوحها الا انها عجَزَت في ان تستحضر وقائع ما يجري هناك لاني لم اكن امتلك الجرأة على رؤية الدم،فكيف اذا كان المشرط يتوغل في جسد شريكتي الوحيدة في الحياة .كانت عقارب ساعتي اليدوية كلما نظرت اليها اجدها ثابتة في مكانها ولاتتحرك، بقيت مشغولا عن احاديثهما وانا خاضع تحت سطوة ذاكرتي التي كانت تنشط في عملها على غير عادتها وفَتَحَتْ صناديق معبأة بمشاهد وانفعالات وهدايا تبادلناها في مناسبات مختلفة وتفاصيل كثيرة مرت في حياتنا الزوجية ،بدأت بالبونط الابيض الذي رأيته اول مرة وهو يطوق شعر راسها،ولم تنتهي الذاكرة من لعبها العبثي الاّ وقد انهكها التعب وهي تنبش ما كانت تخبئه في خزائنها التي لاتنضب محتوياتها. فجأة فُتح باب الغرفة فإذا بالعامل البنغلاديشي،ويالها من لحظة انبثق فيها الخوف ومد اذرعه ليرسم وجهه الثقيل على ذرات الهواء فضاقت الغرفة عليّ رغم سعتها حتى كدّتُ ان اختنق،ولكن ما أن رسم على وجهه ابتسامة خفيفة وهو يردد"الهمد لله "حتى  استعدت قواي التي كانت قد تراخت قبل لحظات وما كانت قدماي قادرة على ان تحملني،ثم اشار لنا ان نتبعه فخرجنا خلفه مسرعين الى الممر باتجاه باب المصعد الذي كان مفتوحا بينما كانت ترقد ممددة على السريرالمتحرك ومغطاة ببطانية حتى كتفيها،وترآى وجهها لي شاحبا بعد ان فقد نضارته تماما،وما أن لمحتني حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة وكأنها حاولت ان إنتزاعها بمشقة بما تبقى لديها من قوة، ورافقتها هزة خفيفة من راسها اشارة على انها قد اجتازت اول عتبة في محنتها. تعاونّا جميعا في رفعها من على السرير المتحرك بعد ان أمسكنا بالاطراف الاربعة للبطانية التي كانت تحتها ونقلناها على سريرها في الغرفة،واثناء عملية رفعها وجدتها تنظر لي  بعينين مجهدتين،كان لدي احساس لايخطىء بما يدور داخل راسها من افكار،وايقنت بانها تريد ان تقول لي  نفس الجملة التي طالما كانت ترددها امامي منذ أن اصيبت عام 1999 بمرض الروماتزم بعد ستة اشهر من ولادة ابني محمد الطيب " يامروان،مالذي يُجبرك على الاستمرار مع امرأة مريضة بالكاد تمشي على قدميها من شدة المرض،وها هي اليوم بعد العملية الجراحية قد اصبحت نصف امرأة  ؟" .   
 تابع . .

12
ج3   اكتشاف الحب : اوراق من مدونتي الشخصية

                                         
مروان ياسين الدليمي

مالذي يدفعنا الى ان نقتسم مع الاخرين عذاباتهم بمحض ارادتنا ؟
ونحن نغادر عيادة الدكتور كاروان اقتحمني هذا السؤال على حين غفلة،دون ان يطرق الابواب التي يتحصن خلفها ذهني،كانت محاولة يائسة لاستدراج الحكمة الى عتبة تفكيري الذي هيمن عليه التشوش ، علَّها تكشف ببلاغة اختزالها للتجارب،ماتخبئه الحياة بين سطورها من اجابة تطمئن ذاتاً امست اسيرة مساحة ضيقة جدا رسمها القدر كعادته،دون ان يمهد لها بانذار مبكِّر،ذاتٌ كان الامل يتصارع ببسالة في داخلها ضد مشاعر الخوف والقلق،فما كان منها إلا أن تلجأ الى الاستغراق في داخلها،لعلها تتلمس في ضباب الطريق بزوغ روحها،من بعد ان مالت اوراقها الى اليباس،ومع اني بحثت في ذهني عن اجابة غير متكلفة بين قصائد لشعراء مثل ويتمان وييتس،اضافة الى روائيين يتقنون الكشف عن مشاعر الحب مثل ايزابيل اليندي واليف شفق إلاَّ اني في ذات اللحظة كنت مشغولا بحماية العلبة الزجاجية التي كانت تحوي بداخلها خزعة الانسجة التي انتزعها الدكتور كاروان،وكان من العبث ان اسمح لخيالاتي ان تذهب الى ابعد من الاهتمام بها،لذا احتويتها بذراعي اليمنى واسندتها الى صدري حتى اتفادى سقوطها على الارض،رغم ان وزنها ثقيل الى حد ما،لانها كانت معبأة بمحلول خاص للحفاظ على العيِّنة من التلف لاجل ان نصل بها على وجه السرعة الى المختبرالذي يبعد مسافة لاتزيد عن خمس دقائق بالسيارة،ولزيادة الحفاظ عليها تم احاطتها بمادة سميكة من الفلين ثم غُلِّفت بطبقة من ورق الالمنيوم الخفيف. لذا ايقظتُ كل حواسي لتفادي اي احتمالات مفاجئة قد تصادفني دون انتباه مني خاصة وانني كنت خاضعا بكل كياني تحت تأثير الحدث الذي اخرجنَا عنوة انا وزوجتي وابني عن سياق حياتنا العائلية البسيطة،فكنت حذرا من أتعثَّر أو اصطدم بشخص او شيء ما اثناء مسيرنا،لذا لم أبال بالألم الذي بدأ يزحف على ذراعي اليمنى نتيجة ما اصابها من تشنج وانا احمل العلبة بحرص شديد،ولم اكن قادرا على تحويلها الى ذراعي الاخرى لانها لم تكن طليقة بل كانت ممدودة بشكل افقي لتحيط بكتفي زوجتي التي مازالت تشعر بالاعياء،وبسبب ذلك لم تكن قادرة على السير بمفردها دون ان تتخذني سندا لها.

ما أن خرجنا من العيادة واصبحنا بمواجهة الشارع العام الذي كان مزدحما بحركة السيارات المسرعة ذهابا وايابا انزاحت غيمة السؤال بعيدا عن ذهني وتوقفت دوامة التنقيب في ارشيف الذاكرة بحثا عن اجابة شافية لسؤالي الداخلي .
انتبهتُ الى سيارة اجرة اخذت تبطىء في حركتها وهي تتجه نحونا حيث وقفنا عند حافة الرصيف،وما ان احنيت جذعي وممددت راسي باتجاه نافذتها لأدلَّ السائق على المكان الذي ينبغي ان يتوجه بنا اليه، بدا الرجل وراء المقود بشعرِ راسه الابيض القصير بحدود العقد الخامس من عمره . وضعتُ العلبة الزجاجية بحرص شديد على المقعد المجاور له واستأذنته بأن يتكرّمَ ويضع يده عليها باحكام حتى لاتتزحزح عن مكانها وتنقلب،ثم استدرت لاساعد زوجتي حتى تجلس في المقعد الخلفي،ثم عدت لاجلس الى جانبه بعد ان رفعتُ العلبة عن المقعد ووضعتها في حضني ثم طوقتها بكفيَّ .

في طريقنا الى المختبر حاولت ان اشحذ مخيلتي لتسعفني بوسيلة ما لربما تعينني ولو بالايحاء على ان اتمكن من ارسال طاقة ايجابية عبر الكلام تخفف عن زوجتي قليلا من وجعها،ولم اجد سوى الثرثرة انجع وسيلة لطرد السحابة الثقيلة التي كانت تخيم علينا داخل السيارة فطرحت على السائق سؤالي الذي لم استطع ازاحته عن ذهني “ما الذي يدفعنا لان نتقاسم مع الاخرين عذاباتهم ؟”.

كانت مفاجأة له ان يُطرح عليه مثل هذا السؤال. وخلال ثوان وجدته يستعيد طبيعته بسلاسة،فقد تعوّد على التعامل مع انواع مختلفة من طبائع البشربحكم مهنته،لكنه بدا سارحا مثلما يتهيأ عادة اي سائق قبل ان يعالج عطلا ما في ماكنة سيارته،وإذا به يرد على سؤالي باسلوب هادىء يشير الى رجل قد عجنته الحياة بمعجم احداثها “والله يا أخي هذه من طبيعة الانسان..لأنه سبحانه وتعالى قد خلق المحبة اصيلة في داخل كل واحد منا،ولولاها لما كانت هناك حياة على هذه الارض،ولاصبحنا جميعا وحوش،لااحد يرحم احد،ولا احد يقف الى جانب احد “.

لم اعد بحاجة الى اكثر من هذه الاجابة العميقة رغم بساطتها والتي جعلتني استعيد ماكان يردده صديقي الممثل المسرحي فريد عبد اللطيف قبل ان يفقد صوته ويغادر الحياة،كان يقول لي اثناء تجوالنا في شوارع الموصل القديمة بعد ان افضفض امامه عن قرفي من الحياة في العراق ورغبتي بالخروج بعيدا عنه “يا ابو الطيّب ما معنى ان نتوق الى النزوح نحو اماكن بعيدة عن صباحات تعودنا ان نستقبل بها الحياة في ازقتنا القديمة،برائحة حيطانها الجصّية التي تذكرنا دائما بجذورنا واحبتها واغانينا وطفولتنا ؟ ما معنى ان تقذف بنفسك في اماكن واسعة بعماراتها الشاهقة وجسورها العملاقة وهي تبدو مثل متاهة اذا كانت المساحة الصغيرة التي وجدتَّ نفسك تتحرك ضمن حدودها مُذ ابصرتَ نور الحياة قد منحتك السعادة التي دائما ما يرجوها الانسان ؟ “. ثم يتوقف هنيهة ليشعل سيكارته ويعاود استرساله . “صديقي ابو الطيّب،نحن نبتة لاتعيش خارج هذا المكان الصغير والجميل،وهذه الارض منحتنا روحها فكيف لنا ان نبتعد عنها ؟ كما اننا انسجمنا معها ومع العالم المحيط بنا،مِن اهل واقارب واصدقاء وجيران ووجوه كثيرة اخرى لانعرفها،لكننا تعودنا على رؤيتها في شوارعها ومقاهيها وازقتها ومكتباتها ومسارحها وصالات السينما فيها،في منطقة الميدان وشهر سوق وشارع فاروق والدواسة والسرجخانة وباب البيض وباب لكش وسوق العطارين واصبحت كل هذه التفاصيل والاماكن جزءا منَّا لانستطيع الانفكاك عنها،وسبب جوهري في عشقنا للحياة”.

داخلني شعور لطيف كنت بحاجة اليه بعد ان جعلتني إجابة السائق استعيد جانبا مهما من ذاكرتي مع صديقي فريد التي يسعى الزمن الى محوها،وما اعجبني من حكمة السائق انها انسابت بسهولة على لسانه بينما كانت يده اليمنى تمسك بالمقود والثانية تستقر على حافة الباب وعيناه تراقبان حركة السيارات على جانبي الشارع عبر المرآة،مع ان عبارته قد اختزنت ببساطة مفرداتها،الحقيقة التي نلهث خلفها ونستهلك اعمارنا للامساك بها،لكنها غالبا ما تنساب بسلاسة على لسان بسطاء الناس ممن لاتربطهم اي صلة بعالم الكُتب،فالحياة بكل تعقيداتها وما يطرحه ازاءها الفلاسفة والمفكرون والشعراء من اسئلة مُربكة،بالنسبة لهؤلاء تبدو مجرد اخذ وعطاء متبادل بين البشر انفسهم،وبينهم وبين الطبيعة وبقية المخلوقات من شجر وماء وتراب وحيوانات،وليس في كل هذا التكوين والموجودات مايدعوهم الى الشعور بالوحشة والاغتراب رغم مايكابدونه من اجل توفير لقمة العيش لهم ولاطفالهم،وهم ليسوا بحاجة الى ان يتقنوا حرفة التلاعب بالكلمات حتى يعبِّروا عما يشعرون به،لان الكلمة عندهم مقارنة مع الفعل اعجز من ان تقوم بدور الوسيط في ما بينهم.

تفحصت جيدا ملامح السائق،وهو ينظر بحذر الى الامام ويراقب بزاوية عينيه عبر المرآتين الجانبيتين حركة السيارات،كانت التجاعيد في وجهه وجبهته اشبه بحكايات مفتوحة على ايام وليالي طويلة تمخضت عن دأبه اليومي وهو يدور في طرقات المدينة بحثا عن الرزق المدفون في شرايينها،وفي لعبة هي اقرب الى الحظ منها الى السعي والاجتهاد كانت تقذف له باصناف من البشر،بينهم قتلة ومحتالون وشرفاء وضعفاء وعاجزون وناقمون ومرتشون وسماسرة ومعارضون للسلطة وخبثاء،وكل واحد منهم له خزين من الحكايات التي يحتمي باسرارها ويحتفي بها،وما أن يجلس في السيارة حتى يسرد منها ما يشاء،ساعة يكون فرِحا او ممتعضا او مخمورا،وقد يحاول البعض منهم من خلالها استدراج الاخرين للايقاع بهم .

ابلغني الموظف المسؤول في مختبر زرع العينات بعد أن سلَمتُه العينة التي تحتويها العلبة الزجاجية بان التقرير سيكون جاهزا لاستلامه بعد يومين،اي في مساء يوم الاربعاء الذي يسبق يوم اجراء العملية،ولما همست له بان هناك توصية تخصنا من قِبلِ الدكتور جمال غفوري،اخبرني بانه يعلم بذلك لان الدكتور قد اتصل بنفسه قبل قليل عبر الهاتف بالدكتورة امل المفتي مديرة المختبر وذكر لها الاسم الثلاثي لمريضتكم وأكد على ضرورة ان يصل تقرير فحص عيِّنَتِها قبل موعد العملية،لان اي تاخير سيتسبب بتاجيلها،وهذا غير ممكن لانه ليس بصالحها .

كانت الساعة تشير الى الثامنة مساء والليل القى بغلالته السوداء على نهار المدينة بينما كنَّا في طريق عودتا الى البيت.اما سائق التأكسي فقد رفض ان اجلس في المقعد الخلفي الى جانب زوجتي وطلب مني ان اجلس في المقعد الامامي الى جانبه،في حينه لم اطل الجدال معه،لاني اعلم بأن هذا عرف راسخ لدى كافة سائقي سيارات الاجرة في العراق،ومن الصعوبة بمكان تغييره،ومراعاة للحالة النفسية التي كانت عليها زوجتي لم اتورط معه في جدال،ولكني بعد ان جلست على المقعد الى جانبه،قررت ان اجس نبضه وأخرمش باظافر الحوار وجه الاعراف،لاني كنت بحاجة الى ان افضفض عن امتعاضي من هذا السلوك القمعي التي اعتاد السائقون فرضه على الركاب،وفي حقيقة الامر كنت ابحث عن وسيلة لتفريغ ما تكدس بداخلي من مشاعر اختلط فيها الالم والغضب والوجع خلال الساعات الماضية.وما ان وجدتُ السيارة تقطع مسافة قصيرة من الطريق التفتُ اليه ووجهت له سؤالا عبأت فيه ما احمله في داخلي من غضب”لماذا ترفضون ان يجلس الراكب في المقعد الخلفي،حتى لو كانت معه امه او شقيقته او زوجته المريضة التي ربما تحتاج الى ان يكون الى جانبهاوتصرون على ان يجلس في المقعد الامامي الى جانبكم ؟ .

وإذا ما اردت ان اكون صريحا فإن سؤالي لم يكن الا قِناعا،احتميت به حتى لاينفرط عقد مشاعري ويفتضح ما كنت اقصده من وراء طرحه على السائق المسكين،فكل ما اردته بهذه المرافعة الخبيثة ان افتح ثغرة أُلقي بحمولتي الثقيلة من خلالها الى خارج روحي وبعيدا عني،حتى يتناثر بين ذرات الهواء ميراثٌ مُتعب، خَلَّفَته لنا هذه الحياة. كنتُ بحاجة الى الاسترخاء،الى العودة بمشاعري الى تلك اللحظات القصيرة والجميلة من اعمارنا،حيث نحتكم فيها الى محبتنا وصفاء سريرتنا،ونستدعيها متى ما نشاء،ونصغي عبرها الى اصواتنا وهي تَنفضُ مثل حبات البَرَد فرحنا الطفولي الذي تعادل اي لحظة منه الوجود كله،ويمكن لنا ان نتخلى عن اي شيء يعود الى حطام هذه الدنيا مقابل ان نستعد تلك اللحظات البريئة من اعمارنا.

لم ينتظر السائق فترة طويلة قبل ان يرد على سؤالي فالاجابة كانت جاهزة لديه.ودون ان يلتفت ناحيتي قال لي بان هذا السلوك يُعدُّ عيبا اجتماعيا،ويحمل انتقاصا من كرامة السائق.! .

كنت متوقعا مثل هذه الاجابة،لذا اردت ان اخذ الحديث الى ناحية اعمق حتى ابتعد به عما هو متداول من مفاهيم، فأجبته بأن المسالة تبدو لي على العكس مما يرى،فأنا اعد ذلك انتقاصا من كرامة الراكب،لانه يملك الحرية في اختيار المكان الذي يجلس فيه طالما يدفع ثمن الخدمة التي تقدمها له،ثم لماذا يا أخي هذا الربط القسري بين الكرامة الشخصية والجلوس في المقعد الخلفي ! ؟ . عند هذه الملاحظة انتهى الجدل بيننا.فقد اكتفى السائق بالالتفات ناحيتي وكانت عيناه تحمل اشارة سخرية مما سمِع ،ثم عاد لينظر امامه مكتفيا بالصمت،ولعلي خمَّنتُ ساعتها مايدور في راسه من افكار، وأظن لو لم تكن معي زوجتي لأسمَعني كلاما مزعجا،ولربما يوقف سيارته فجأة ليأمرني بالنزول منها لينطلق بها من دوني وهو ممتعض،ولهذا ارتأى الركون الى الصمت بدل ان يرد عليّ.

في العراق للحرية مفهوم خاص دائما ما تتولى السلطة انتاجه،السلطة بمعناها الديني والاجتماعي والسياسي،وهي حرية مزيفة بكل معانيها وصورها،لانها مغلفة باعراف وممنوعات ومحرمات تصل بها حد القداسة،ورغم ما يتكدس على هذا المفهوم من غبار واساطير يتوجب عليك ان تخضع له وتتبارك به شئت ذلك أم ابيت.

في الليلة التي سبقت موعد اجراء العملية الجراحية،جلست لوحدي في غرفتي الخاصة التي ليس فيها ما يميزها من اثاث سوى الكتب المرصوفة على الرفوف الخشبية التي صنعتها بنفسي من باب الهواية لحرفة النجارة . طالت فترة جلوسي الى ساعة متأخرة من الليل،ورغم ماكنت اشعر به من تعب جسدي وحاجة شديدة الى الراحة الا اني قاومت رغبتي في النوم،فتخيّلت نفسي اسير وحيدا في غابة صفراء تخيّم عليها عتمة شديدة ولايسمع فيها اي صوت،ومع ذلك لم اكن اشعر بالخوف،مع ان كل شيء فيها يبدوخياليا،الوانها،اشجارها،والحشائش التي كانت تسحقها قدماي،وحتى القمر لم يكن شكله دائريا بل اشبه بنافذة مستطيلة يخرج منها ضياء بلون اخضر،والحقيقة الوحيدة في هذا المشهد انني كنت ارتدي بنطالا لونه بني وقيمصا ناصع البياض،سبق لي ان ارتديتهما كثيرا وانا ذاهب الى المدرسة عندما كنت طفلا ،لكني اضطررت للتخلي عن البنطال بعد ان تمزّق من عند الركبة على اثر سقوطي على الارض اثناء ما كنت امارس لعبة كرة القدم مع اطفال الحي.
انتبهت على صوت زوجتي الواهن وهي تناديني بينما كانت تقف عند المغسلة تنظف اسنانها بالفرشاة،وتعيد عليَّ وصيتها بان احاول الاتصال باهلها في مدينة الموصل واخبرهم عن موعد العملية يوم غد وبقية التفاصيل المتعلقة بالمرض،لانني سبق ان حاولت الاتصال بهم عبر الموبايل قبل ساعة ولم يتحقق الاتصال بسبب ضعف اشارة الشبكة من بعد ان سيطر تنظيم الخلافة الاسلامية على المدينة،كما ان التنظيم فرض عقوبة صارمة على من يتم ضبطه وهو يحمل هاتفا في جيبه تصل الى حد الاعدام بدعوى انه يتخابر مع حكومة بغداد التي يصفها بالمرتدة عن الاسلام .

كان علي ان امنح جسدي قليلا من الراحة وأن لا اطيل من سَهَري لاننا لابد ان نصحو مبكرا حتى لانتاخر عن موعد اجراء العملية.
وقبل ان انهض استعدادا للنوم دخل ولدي الى الغرفة،وطرح علي سؤالا مفاجئا”ستبدأ بعد يوم غد امتحانات البكالوريا،فهل استطيع ان اؤجلها الى الدور الثاني ؟” . سرعان ما ادركت الدافع وراء هذه الرغبة،فالحدث الذي نمر به قد ادخل حياتنا في منعطف حاد،سرعان ما وضعنا امام لحظة بَدَونا فيها كما لو اننا نواجه عاصفة رملية تمنعنا من الرؤية بشكل واضح رغم اننا مازلنا قادرين على السير،ومن الطبيعي ان ينغمس ولدي بهذا الجو المشحون بالقلق والتوجس وهو يرى امه وقد اعياها الخوف،لذا كان من الصعب عليه ان يحافظ على ذهنه صافيا وهو يستعد للامتحانات النهائية،وسرعان ما سيجد نفسه عاجزا عن التركيز اثناء ادائها،بالتالي لن يحصل على المعدل الذي يتيح له دراسة الحاسوب حسب ما كان يرغب. اصبح واضحا اننا فقدنا نهائيا السياق الروتيني الذي كانت بموجبه تنتظم حياتنا العائلية وفق مسار معلوم منذ سنين عديدة وهو الذي كان يمنحها مذاقها الخاص وايقاعها الهادىء رغم الفوضى التي كانت تعصف بالعالم الخارجي وتهز جدرانه وتصيبها بالتصدعات،لذا كان علينا ان نواجه هذه الانعطافة الحادة التي اصابت كيان اسرتنا وان نتفادى نتائجها ونخرج منها باقل الخسائر،ولكي يستوعب ولدي المكان الذي امسينا نقف فيه،وجدت من الاجدى ان اتحدث اليه باعتباره رجلا،حتى أُعيد اليه تماسكه لكن من بعد ان اجعله مطمئنا على صحة والدته،وأن امامها فرصة كبيرة جدا للشفاء بعد اجراء العملية،وان مرضها ليس خطيرا كما يظُن،خاصة وان هناك العشرات من النساء قد مررن بنفس التجربة وخرجن منها سالمات معافات وعدن الى حياتهن الطبيعية والى مزاولة عملهن مثل بقية النساء،فحاولت ان اقنعه بان كل شيء سيكون على مايرام،ولاينبغي ان تذهب به ظنونه الى مخاوف غير واقعية،بل يتوجب عليه ان لايتخلى عن احلامه ولاينشغل باي شيء يعيقه عن تحقيقها طالما مازلنا نشم الهواء ونمد بساط امالنا في امتدادات الحياة الواسعة،فالمشقات من الممكن ان تفاجئنا في اي لحظة،وعلينا ان نتعلم كيفية التعامل معها ومواجهتها والاحتيال عليها احيانا للتقليل من اضرارها هذا إذا لم نستطع قهرها.
وما أن شَعَرَ بانّي قد استوفيتُ ما اردت قوله،تقدم منّي وامسك كفي وقبّلها،ثم قبّل راسي مثلما اعتاد ان يفعل كل ليلة قبل ان ينام .

تابع ..

13

ج2  اكتشاف الحب : اوراق من مدونتي الشخصية


                                                               
مروان ياسين الدليمي

يمضي الوقت مثل سيف مسلَّط على رأسَينَا،ولم يكن امامنا انا وزوجتي ثمة متسع من خيارات نحتمي بسواحلها،لان كل الابواب المعبأة برائحة الامل قد أُغلقت،وما عاد هناك من اطلالة ولو كاذبة تحمل لذة الحياة،فما كان لنا الا دخول تجربة الجراحة وازالة الورم السرطاني،بعد ان انعدمت كل الخيارات،وهذا سيفرض علينا ان نتسلح بما تبقى لدينا من قوة منبعها رابطة الحب التي تجمعنا لمواجهة التحولات التي ستصيب حياتنا وتترك اثارها عليها،فبدأنا نُهيءّ انفسنا  لخوض معركة طويلة مع عدو شرس لاينهزم بسهولة،ولن تكون العملية الجراحية خطوتنا الاولى والاخيرة للعبور الى ضفة الامان بقدر ما ستكون عنوانا لرحلة طويلة سنعبر فيها محطات تزدحم فيها الاوجاع والاعراض وبدايتها مع جلسات العلاج الكيميائي الاسبوعية ومن بعدها مرحلة العلاج باشعة الليزر ومن ثم الاستمرار على تناول حبوب التاماكسوفين لمدة لاتقل عن خمسة اعوام .كل هذه المعلومات استطعت ان احصل عليها واخزنها في ذاكرتي من مواقع الكترونية وانا ابحث عن كل ما يتعلق بمرض سرطان الثدي في محرك البحث كوكل،كل ثانية حاولت ان استثمرها لمعرفة اسرار هذا المرض ومايجب علينا ان نفعله حتى لانمنحه فرصة ان يتمدد اكثر،مع انني مدرك تماما بان زوجتى ليس لديها مساحة من الشك  بما يكتبه لها الله،فهي مقتنعة بكل جوارحها ومنصهرة بايمانها مع ارادة الخالق،ولاتسمح لنفسها في ان تنقطع ولو لثانية عن التسليم بهذه المشيئة القدرية،وعلى العكس منها كنت جزعا من نفسي لاني لااملك مثلها هذا الاستشعار العميق بما يمكن ان تمده السما من رحمة ورأفة،واصبحت على يقين بانها ورغم ما ستكابده من آلام لكنها ستتمكن من الوقوف على قدميها. في مقابل ذلك تولدت في داخلي قناعة راسخة بان الانسان يولد مصابا بالعمى ولن يبصر مابين يديه من ايات الحب والجمال في هذا الكون الا بعد ان يحاصره الحزن على فقدان الحياة،انذاك تستيقظ حواسه ليكتشف حقيقة الفرح الذي كان يحيط به.
مهمة العثور على  طبيب جراح يملك خبرة كبيرة تقطع الطريق امام الخوف في ان يعاودنا مرة ثانية ويبعث فينا الاطمئنان امست متاهة تجرفني انا شخصيا وتاخذني بكل الاتجاهات،كنت مثل شخص تائه في درورب مقفلة تتسارع فيها خطوات الزمن ولايبرق منها بصيص امل،فقد رافقني شعور بعدم الارتياح من امكانات الطبيب الذي شخَّص الحالة في ما لو اجرى  بنفسه العملية الجراحية رغم انه طبيب جراح،وهذا الشعور الذي كان اشبه باليقين لم يكن مبنيا على معرفة بامكاناته لكنه نابع من احساس داخلي فرض سطوته علي منذ ان كنا في العيادة،وتعمَّق هذا الاحساس لان اسمه لم يكن مشهورا ولامتداولا بين عامة الناس،اضافة الى اننا في القناة الفضائية التي اعمل فيها كنَّا قد استضفنا العشرات من الاطباء والكثير منهم تحدثوا عن مرض سرطان الثدي واشاروا في معرض احاديثهم الى اسماء معينة من الجراحين من ذوي الخبرة ولم يكن هو من بينهم،فأن تضع حياة شخص عزيز عليك تحت رحمة شخص آخر وبكامل اراداتك فهذا يعني انك سوف تتحمل مسؤولية النتائج،هذه الفكرة لوحدها ارعبتني،واعطبت اخر الخلايا في رأسي عن العمل.
بات الوقت خصمي اللدود،إذ لم يترك لي خيار ترتيب الفوضى التي اصبحت عليها حياتي،وقطع الطريق امام اي فرصة لالتقاط الانفاس،فكرتُ كثيرا بقضية اختيار الجَرَّاح الكفوء طيلة الليلة الماضية بعد ان عُدنا من عيادة الطبيب.
ورغم الارهاق الذي اصابني نتيجة التفكير وعدم استطاعتي النوم الا انني تذكرت زميلة لي كانت تعمل مهندسة بث في القناة الفضائية التي اعمل فيها،اصيبت هي الاخرى قبل خمسة اعوام بسرطان الثدي،واجرَت عملية جراحية ناجحة وهي الان تتمتع بصحة جيدة لكنها تركت العمل في القناة، فكان لابد من العثور على رقم هاتفها ومحاولة الاتصال بها،ومشكلتي انني لا املك وسيلة للتواصل معها.
تملكني احساس يشبه احساس الغريق ما أن يتفاجأ بيدٍ تمتد اليه لانقاذه بعد ان تذكرت زميلتي في العمل مقدمة البرامج فرقد ملكو التي كانت من اقرب صديقات المهندسة، وَلَدَيَّ معلومات عرفتُها منها قبل عدة اشهر تؤكد لي بانها مازالت على تواصل معها وتزورها بشكل مستمر في بيتها ومن الممكن ان ترشدنا على عيادة الطبيب الذي اجرى لها العملية. لم اعد احتمل بطىء دوران عقارب الساعة المعلقة على جدار غرفة النوم وكانت تشير الى الخامسة صباحا،فرجوت بيني وبين نفسي ان تدور باقصى سرعة  لتصل الى التاسعة حتى اجري اتصالا هاتفيا مع المذيعة فرقد .
في السنوات الاولى من حياتي الزوجية التي ابتدأت في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي،وتحت ضغط الحصار الاممي الذي فُرِض على العراق تناسيت مُكرَهاً التلصص على ما تحتويه الكتب من فضاءات معرفية وادبية كانت بتجانسها مع  تطلعاتي تحتويني وتقودني  لاكتشاف عوالم جديدة،كنت منزعجا من هذا الاكراه الذي خَضَعتُ له،تحت عبء ضغوطات البحث عن مصدر للرزق والخوف من السقوط تحت رحمة الحاجة الى الاخرين وطلب العون منهم لمواجهة الجوع،فهبطتُ الى قاع الحياة الى حيث المواجهة مع قسماتها الحادة بكل توحشها بما امتلكه من قوة بدنية متواضعة لاني اعاني منذ ولادتي من اصابتي بمرض فقر الدم،وهذا ما جعلني لااملك الحيوية الجسدية الكافية مقارنة باترابي،إذ سرعان ما تهبط لياقتي مع اي مجهود بدني ابذله،فتحاملت على ما انا عليه من ضعف وطويت عقلي الذي هو رأسمالي الوحيد الذي افتخر به والجَمتُ منابع التفكير فيه الى اشعار آخر،وحشرت نفسي مع القطيع ادور في الدوامة اليومية التي يدور في فلكها العمال والكادحون،وطيلة السنين التي كنت اعمل اجيرا مثلهم  لم يداخلهم الشك في اني لست واحدا منهم،بعد ان اتقنت معجم ولائمهم في التخاطب والتودد والشتائم والعراك،وطيلة وجودي معهم تناسيت نفسي التي اعرفها،وقطعت صلتي بشكل مؤقت مع الحروف والافكار والاسئلة التي كان وجداني يرتوي منها إلاّ اني حافظت على عقلي من الاعوجاج امام خبث المال واساليبه التي تقود النفس الى الاذلال،وكم افزعني ان اخرج من حقيقيتي الجوهري التي كنتُ قد صيَّرتُها بفضولي الدائم الى المعرفة لادخل مُرغما في ما صيرتني عليه الايام،ولتنقلب حياتي وتتداعى خارج عاداتي التي كنت قد عززتُ فيها قناعة راسخة بأن الانسان ليس مجرد خيال عابر بل هو معجزة هذا الكون .
في تمام الساعة الرابعة من عصر يوم  السبت  22 / 5 / 2016 كنّا نجلس انا وزوجتي في عيادة الجراح جمال غفوري في مركز ميديا الخاص بالاورام الخبيثة وسرطان الثدي الكائنة في وسط مدينة اربيل،وهو نفس الجراح الذي سبق ان اجرى العملية لمهندسة البث التلفزيوني.استدار ناحيتنا بعد أن اطال النظر والتدقيق في مجموعة صور اشعة المميوغرام للمنطقة المصابة من الصدر،وهذه الاشعة كانت اجراء اساسي اوصى به الدكتور غفوري قبل ان يبدأ بالكشف والمعاينة لانه سيعتمد عليها في اتخاذ قراره النهائي،فإمَّا ان يجري العملية او سيعتمد اجراء آخر.
كنا في حالة قلق وترقب شديدين بانتظار ما سيقوله،ورجوت من الله في داخلي ان يبشرنا بخبر يبعث فينا ولو شعاع امل بسيط  يؤكد لنا مثلا ان الاشعة خالية من اية اشارة على انها مصابة بالمرض،مع انني كنت مقتنعاً ان هذا مجرد حلم بعيد المنال،إلا انني حاولت ان اقاوم مخاوفي بالتمسك باية ذريعة حتى لو كانت وهماً لاخفف مما اشعر به من مواجع،ولو سألني شخص ما عن حقيقة ما اشعربه في تلك اللحظات لاجبته باني اشبِّهُ نفسي بقصر فخم تحول الى خربة مهجورة . 
كلانا لم نتوقف عن مراقبة حركة يده وهي تُمسك بالقلم وتتحرك على سطور التقرير الذي كتبه طبيب هندي يعمل في نفس المركز مختص بجهاز المميموغرام،وكلما توقَّفَتْ يده اثناء القراءة ليسحب خطاً تحت احدى الكلمات كنت اشعر بأنه قد عثر على معلومة  لاتدعو الى الاطمئنان .
تضاعف شعوري بالخوف ما ان رفع سماعة الهاتف واتصل بالطبيب الهندي وبدأ بالحديث معه باللغة الانكليزية،وفهمت من المكالمة انه يستفسر منه عن كلمة وردت في تقريره.لكنه بعد ان انهى المكالمة الهاتفية نظر الينا وهو مايزال ممسكا بالقلم الجاف..مضت ثوان معدودة بدا فيها منفصلا عما حوله كَمَنْ يحاول ان يُرتب افكاره ليصيغها بجملة واضحة ودقيقة مثل حدة مبضعه الذي يتعامل معه بحذر شديد منذ اربعين عاما اثناء اجرائه للعمليات الجراحية،ثلاثون منها كانت في مستشفيات بريطانية،لانه  ما ان تخرج من كلية الطب بجامعة الموصل حتى سافر الى المملكة المتحدة فاكمل تعليمه وبقي فيها يمارس اختصاصه كطبيب جراح الى ان عاد بعد العام 2003 الى اربيل المدينة التي ينتمي اليها وولد فيها وافتتح مع اطباء اخرين هذا المركز المتخصص لعلاج امراض سرطان الثدي بعد ان وفروا له احدث الاجهزة والمعدات الطبية  .
شعرتُ بشيء من الاضطراب والقلق ما أن وجدته يضع القلم بهدوء على تقرير الطبيب الهندي الموضوع امامه على المكتب،بدت تلك الحركة بالنسبة لي مثل من يريد ان يتخلص من شيء ما ،بعد ان وجد دوره قد انتهى ولم تعد اي فائدة ترجى منه،لكنه سرعان ما بدد خطأ هواجسي لمَّا رسم ابتسامة بانت على جميع ملامح وجهه،واعقب ذلك بجملة وجهها إلينا " اردتُ فقط ان أتأكد من نقاط سوداء صغيرة جدا، كنتُ قد لاحظتها في صورة الاشعة موزعة على الرئتين والكبد،وهذا ما اقلقني،لانها فيما لو كانت خلايا سرطانية سوف تجعلنا نؤجل اجراء العملية الجراحية لإزالة الغدد اللمفاوية والثدي ولنبدأ بدلا عن ذلك في العلاج الكيميائي لإيقاف زحف وتوسع هذه الخلايا الصغيرة،ومن بعد ان نقطع شوطا في ايقافها والقضاء عليها انذاك سنتمكن من اجراء العملية الجراحية،وبما ان الطبيب الهندي قد اكد لي بأن هذه النقاط ليست خلايا سرطانية انما هي حالة شائعة لدى العراقيين نتيجة تلوث الجو بالغبار والاتربة لذلك سنجري العملية بعد ثلاثة ايام،اي  يوم الاربعاء القادم  26 / 5 / 2016 ".
الغبطة سرت في روحي وجسدي وشعرت لحظتها وكأني اطير واحلِّقُ في السماء،ودون تفكير مسبق نهضت من مكاني وأمسكت بكف الطبيب وقبلتها،وفشلتُ في أن احبس دموع الفرح التي غلبتني خاصة بعد ان التفتُ الى زوجتي ووجدتها قد غطت وجهها بكفيها وهي تبكي.فاتجهت اليها واحتضنتها محاولا تهدئتها .كان من الممكن ان تستمر هذه اللحظة المشحونة بعواطف يختلط فيها البكاء مع الفرح  لولا ان طلب منا الطبيب ان نهدأ قليلا لان الوقت ضيق امامنا وهناك عمل لابد ان ننجزه على وجه السرعة خلال اليومين القادمين،واضاف "الخطوة الاولى ستبدأ من الان،إذ يتوجب عليكما الاتجاه فورا  الى عيادة الطبيب كاروان،وهو ليس ببعيد عن عيادتي،وسادلكم على عنوانه،حيث سيعمل على انتزاع عيِّنة صغيرة من انسجة الثدي،ثم تاخذانها مباشرة الى مختبر الدكتورة أمل المفتي وهو قريب ايضا من عيادته لاجل ان يتم زرع العينة لمعرفة طبيعة الورم حتى نقطع الشك باليقين،ونتأكد فيما إذا كان خبيثا أم حميدا قبل البدء بالعملية الجراحية ،ومن ناحيتي ساتصل بالمختبر لكي تصلني النتيجة في صباح اليوم الذي سنجري فيه العملية " .
على وجه السرعة خرجنا من العيادة وكانت عقارب ساعتي اليدوية  تشير الى الخامسة عصرا فاستقبلتنا اشعة شمس  شهر ايار وهي تودع ايامه الاخيرة،وتُذكِّرُنا بما سنشهده في الايام والاشهر القادمة من ارتفاع شديد في درجاتها كما عودنا على ذلك صيف العراق الذي لايشبه في جحيمه صيفا اخر ربما في اي بقعة اخرى من  الكرة الارضية،ومع  كارثة الانقطاعات المستمرة في التيار الكهربائي منذ مايزيد على العقدين من الزمان يتوجب على اي واحد منا ان يعد العدة لمواجهة برمجة حياته واحلامه ومشاريعه طيلة ساعات النهار وفقا لمزاج من يضع خطة تنظيم قطوعات التيار الكهربائي،فهو الذي يحدد لك متى تنام وتصحو ومتى تقرأ وتعمل وتكتب ومتى تلهو وتغتسل،ومتى تشاهد التلفاز،فلاخيار لديك في هذا العراق ان تقرر ابسط الاشياء واهمها وفقا لما تراه انت .
الى حد ما غمرني احساس من يجد نفسه قد خرج توا الى النور بعد ان كان محتجزا في غرفة تسودها عتمة شديدة،ورغم الشحوب الذي اسبغ حضوره وبقوة على ملامح زوجتي خلال الساعات الماضية إلا انني وجدتها قد استعادت شيئا من حيويتها وانقشعت عنها حالة التشنج التي كانت قد امسكت بها وجعلتها على غير طبيعتها الهادئة .
اتجه بنا سائق سيارة الاجرة الى عيادة الطبيب كاروان.وبعد انتظار في صالة المراجعين استغرق اكثر من نصف ساعة أذنت لنا السكرتيرة بالدخول الى داخل العيادة،وما لفت انتباهي اول وهلة هيئته البدينة بشكل مفرط لدرجة لم أكن اتوقع ان ارى طبيبا شابا على تلك الصورة التي لاتنسجم مع مهنته،ولكن رغم وزنه المرتفع كان نشيطا في حركته،كما ان شخصيته تبعث على الحيوية وعلى الانسجام مع المكان رغم رائحة المعقمات والمطهرات التي تشبَّع بها الهواء وكل مافي العيادة من اثاث وموجودات،اضافة الى  قسوة العمل الذي ينجزه والذي يتطلب منه ان يكون على قدر كبير من الجَلَد والصبر نظرا للالم الشديد الذي يشعر به المريض لحظة انتزاع عينة من انسجته بسرنجة خاصة اكبر حجما من تلك التي تستخدم في زرق الابر في الحالات الطبيعية حتى ان المريض لايستطيع ابدا ان يكتم صرخته.
طلبَتْ مُساعِدة الطبيب من زوجتي ان تستلقي على السرير الخاص باجراء العمليات،ثم حقنتها بابرة مخدِّر،بدا الطبيب كاروان يمتلك مهارة كبيرة في عمله وانا اتابعه في كل تفصيلة من التحضيرات التي كان يجريها قبل بدء العملية الى ان يسري مفعول المخدِّر،ثم تقدم نحوها لمعاينتها. وبعد ان تأكد من دخولها حالة الخدر والغيبوبة وانها لم تعد قادرة على ان تعي بما يدور من حولها،غرز الابرة في وسط ثديها وبدأ بسحب عينة من نسيجه بهدوء لكن مفعول التخدير تلاشى ولم يعد له اي تأثير عندما انكسر الصمت الذي كان متراصا مثل قطعة فخار وقعت على الارض،ما ان أطلقت زوجتي صرخة موجعة،ومن المؤكد ان كل الذين كانوا ينتظرون دَورَهم في صالة الانتظار قد سمعوها،فما كان مني الا ان انهض فزِعا واتجه نحوها لامسك بيدها اليسرى وامسد على جبتها وانا اردد على مسمعها بان كل شيء مضى على خير،في  محاولة مني لكي اخفف عنها المها.
الشحوب الذي بصم حضوره القوي على وجهها جعلني اتيقن بان طاقتها قد نفدت منها.فامسكت بكتفيها من الخلف لاساعدها على ان تعتدل بجسدها وتجلس على حافة السرير،طلبت مني ان اساعدها على تعديل غطاء الرأس الذي انزاح الى الخلف. وبعد ان استراحت لبضع دقائق استنَدتْ على ذراعي ونزلت عن السرير وحطت قدميها على الارض بهدوء ،بدت لي وكأنها تقدمت  في السن عشرون عاما فوق عمرها الذي لم يتجاوز العقد الرابع،لم تستطع الوقوف الا بعد ان بذلت جهدا ملحوظا لانها مازالت تحت تاثير المخدر،حتى انها عجزت عن السير بشكل طبيعي،ومن الواضح انها لم تكن قادرة على ان تحافظ على توازنها اثناء سيرها،لذا رَمت بكل ثقل جسدها عليّ.
ولما مررنا بصالة الانتظار قرأتُ سؤالا مُلِحاً في وجوه المرضى ومرافقيهم،كانوا يبحثون فيه عن الاسباب التي جعلتها تصرخ على تلك الصورة المفزعة التي كانت تشي بها عيونههم وهي تتابع سيرنا باتجاه باب العيادة الخارجي .
يتبع ...


14
ج1  اكتشاف الحب:اوراق من مدونتي الشخصية
 
                                                                                   
                                               
مروان ياسين الدليمي 


 
 "لاتكوني على هذه الدرجة من القلق،ومع ذلك،ارجو ان تطمئني بان يوم غد سيكون لنا موعد مع الطبيب".
كانت تلك الاجابة بغاية السخف وبعيدة تماما عما كانت تنتظره وهي على  ماهي عليه من حالة الهلع التي اصابتها حتى بدا وجهها شاحبا وجسدها يرتعش،ولهذا ارتفعت درجة عصبيتها،وبَانَ ذلك في حدة صوتها وهي تُصِر على ان نذهب عصر نفس اليوم الى طبيب مختص،وليس في اليوم التالي مثلما كنت ارغب.
عِشرتنا الطويلة التي تمتد الى ما يقرب من ربع قرن اضافة الى ذكائها كان ذلك كافيا لأن يمنحها ميزة قراءة مايدور في راسي من افكار من غير ان انطق بحرف واحد،حتى لو  تسترتُ باقنعة لاتعكس ما يدور في داخلي من هواجس ومشاعر،فأنا امامها ممثل فاشل لايستطيع ان يتقمص شخصية اخرى،مع انني احتفظ بتاريخ مشرق في عالم التمثيل يحسدني عليه كثير من الممثلين،بعد ان نجحت في تقديم ادوار مُركَّبة مثلتها طيلة فترة الشباب وصولا الى المرحلة التي تألقت فيها بعدد من العروض المسرحية اثناء دراستي للمسرح في  كلية الفنون الجميلة،ولهذا كنتُ على يقين من انها قد ادركت باني لمْ استوعب حقيقة مخاوفها ولم ينل مني حديثها ما يستحقه من اهتمام. ورغم ثقل الهم الذي اصابني فجأة،حاولت بكل ما استطيع ان اتحايل على مشاعري المضطربة حتى ابدو هادئا امامها ما أنْ افصَحتْ عن سبب قلقها،حيث اكتشَفَتْ بنفسها قبل ثلاثة ايام وجود انتفاخ صغير في ثديها الايسر بحجم حبة العدس،وفي حديثها معي الذي كان اقرب الى الهمس،اخبرتني عن فشل المضادات الحيوية التي تناولتها لغرض معالجته،ولهذا اصرّت على ان آخذها الى طبيب مختص بالاورام والغدد اللمفاوية.
انتظرتُ مايقرب ساعة من الزمن قبل ان تنتهي طبيبة السونار من الفحص،كنت خلالها جالسا في صالة انتظار المراجعين وشعور بالاستسلام قد تلبَّسني تماما مثل سجين اقترف جرما وينتظر صدور الحكم عليه ليقضي ما تبقى من حياته خلف القضبان.اخذتني دوامة من الافكار المشوّشة الى مناطق بعيدة من الذاكرة تنقلت فيها بشكل عشوائي في ازمنة مختلفة من حياتي،واحتفَظَتْ بعض المشاهد المُستعادة بقدرتها على المناورة،فكانت تختفي ثم تعاود الظهور مرة اخرى،مثل رؤيتي لها اول مرة في بيتهم عندما تقدمت للزواج منها،وحديث صديقي فريد عن ضرورة الزواج بعد ان تعديت العقد الثالث من عمري،وانها قادرة على ان تمنحني الاستقرار والاطمئنان اللذان ابحث عنهما،لانها من عائلة محافظة،وستجعلني قادرا على ان استعيد توازنني النفسي وتطرد ما تراكم في نفسيتي من بقع موحشة بسبب الشعور بالوحدة والتقدم في العمر،ومثل هذه الانعكاسات المشعة لمشاهد من حياتي الماضية تؤكد لي على ان بعض الذكريات من الصعب ان تفقد بريقها أو تمحى تفاصيلها مهما ابتعدت بنا عجلة الايام واخذتنا مع غبارها الى محطاتها المتناثرة في صحراء الحياة . لفت انتباهي وجود عديد من النساء ينتظرن موعد دخولهن للفحص،ولم يكن من الصعب على شخص مثلي حين ينظر في وجوههن أن لايكتشف ملامح قهرحادة التفاصيل لاعلاقة لها بما يعانين منه من امراض،بل كانت تشي تلك الملامح بقصص مرعبة. لم يخطر على بالي ان اتعمَّد استراق السمع لما يتحدثن به في ما بينهن،لكن مادفعني الى محاولة معرفة فحوى حديثهما ان احداهن توقفت عن الكلام بعد ان غلبتها دموعها التي فاضت بها عيناها،في البدء لم اتأكد بالضبط من اي مدينة قد جئن منها،لكني تيقنت من خلال لهجتيهما ان المرأة الشابة التي بكت من مدينة الفلوجة،اما الاخرى فقد سمعتها تقول انها من قضاء الدُّور التابع لمدينة تكريت.وبينما هنّ مستمرات في  تبادل الذكريات بشكل متقطع وبايقاع بطىء كنتُ احاول احالة كلماتهن الى مخليتي لتعيد تركيب وترتيب الاحداث التي مرت بهن بعد أن استولى تنظيم داعش على المدن التي جئن منها،مع تركيز شديد اثناء عملية التخيّل على ان تكون صور العنف والقتل التي احاطت بهن واقعية دون مبالغة او تعديل في وحشيتها.
ليس شجاعة مني،بل هو شعور اقرب الى الانهيار كان قد دفعني الى ان امارس الخديعة ضد احساس مؤلم بات يسحلني الى حيثما يريد ما أنْ  ظهرت زوجتي خارجة من غرفة الفحص الخاصة بجهاز السونار وهي تحمل بيدها الصورة الاشعاعية،لحظتها انتبهت الى شدة احمرار عينيها،وكأنها كانت تبكي طيلة يوم كامل،وبدت عاجزة عن السير فاحتويت كتفيها بذراعي اليسرى وجعلتها تستند عليّ حتى تتمكن من السير،ولمَّا سالتها عن النتيجة ردَّت بصوت واهن يقطعه صوت بكائها "يوجود ورم صغير جدا،ولكن لايعرف ما إذا كان خبيثا ام حميدا وهذا ماسيحدده الطبيب المختص" حاولت ان اخفف عنها وارفع من معنوياتها التي انخفضت الى درجة الصفر وقلت لها بان من الممكن ان يكون الورم حميدا،ولابد ان تتفائلي،  ولم تكن عيادة الطبيب المختص تبعد سوى بضعة امتار عن عيادة السونار .
خيم صمت ثقيل على ارجاء عيادة الطبيب،حتى انني شعرت بانحسار الهواء منها. حاولت ان انتزع من ملامحه اجابة ترضيني وتبدد ما اشعر به من قلق بعد أن انتبهت الى انه لم يعد محتفظا بتلك البشاشة التي كانت ترتسم على وجهه عند دخولنا عيادته. لم يكن من الصعب أن الاحظ مدى الجهد الذي بذله حتى يجد كلمات مناسبة ليس لها وقع قاس على كلينا.  اعاد النظر مرة اخرى في الصورة الاشعاعية الموضوعة امامه على مكتبه. فبدا شبه تائه لايعرف من اين يبدأ. طيلة الاعوام العشرين الماضية من حياتي الزوجية كنت احسد نفسي على ما اشعربه من احساس قوي بالسعادة رغم ادراكي بان مستواي المعيشي اقرب الى الفقر منه الى حالة الاكتفاء،إلاّ ان هذه الحياة بايقاعها الهادىء اهتزت فجأة مثل غصن يابس امام ريح عاتية. كان الزمن يجري سريعا مثل قطيع  خيول هائجة وهي تركض بقوة هائلة ناهبة الارض بحوافرها،بينما انا كنتُ اقف على ارض رخوة وقدماي تنغرسان في رملها الذي تزداد حركته نحو الاسفل كلما حاولت  الخروج من هذا المأزق قبل ان تصل الخيول وتسحقني . بعد مضي عدد من الثواني لم يجد الطبيب مفرا من أن يرفع رأسه وينظر نحونا،حينها وجدت نفسي كما لو أنني اجلس امام شخص يخرج من تحت الانقاض بهيئة موحشة. خاطبنا بصوت خفيض يحمل نبرة مواساة وتشجيع في آن"من خلال الاشعة،واضح انكِ في المراحل الاولى من المرض " . زوجتي التي تجلس على كرسي بجانبي،بعد أن كانت قد غادرت سرير المعاينة الموجود خلف ستارة بيضاء،ما أنْ سمعت ماقاله وجدتُها تحني رأسها الى الاسفل. لم تستطع ان تمنع نفسها من البكاء بصمت،لكني شعرتُ به اشبه بنحيب حارق يتردد صداه في ارجاء العالم كله .
في ايامي التالية بلياليها،شعرتُ وكأن سكينا تنغرس في صدري بعد أن وجدتُ كل خيارات النجاة قد تلاشت من امامي.وهذا الاحساس كان يتصاعد حِدَّة كلما رأيت ابني جالسا لوحده وهو يحدق في نقطة بعيدة جدا تستقر عند فراغ لاحدود له،يبدو فيها كما لو انه يحاول ان يستجلي ما تخبئه الايام القادمة من احداث ومفاجاءات،وانا ادرك تماما قسوة التجربة عليه ربما اكثر مني لانه لم يزل صغيرا حيث لم يتجاوز السنة الخامسة عشر من عمره،اضافة الى انه الابن الوحيد،والعلاقة بيننا نحن الثلاثة كانت تحمل بين تفاصيلها ينابيع من مشاعرالالفة والمحبة والتلاحم ماجعلت حياتنا في العراق خارج مدار الخوف الذي يفرغ وحشته في كل زاوية منها خاصة بعد العام 2003 .
جثوت على ركبتيّ اكثر من مرّة ووجهي نحو السماء،اناشد الله ان يحتويني برحمته الواسعة،رغم اني لم اكن في يوم ما ملتزما بشعائر الصلاة،ولكن الضعف الذي يشعر به الانسان في ساعة المحنة يقوده في اغلب الاحيان الى طلب الرأفة من الله بعد ان يتمكن منه القنوط .اعترف باني لاأملك قوة داخلية كافية تجعلني قادرا على أن أحتمل رؤية انسان يتألم،فأنا هش جدا في هذه الناحية،فكيف بي وأنا أمام رفيقة عمري ؟ .
كان الوقت مساء عندما غادرنا عيادة الطبيب واستقلينا سيارة اجرة،ونحن في طريق عودتنا الى البيت .بدَت شوارع اربيل طافحة بحياة ناعمة،توّجَتْها اضوية ملونة كانت تصدرمن محلاتها العامرة بالبضائع وبحركة الناس،بينما خيم صمت ثقيل علينا،حتى ان السائق بفطنته المهنية انتبه الى ذلك،فما كان منه إلاّ ان مدَّ يَده وأطفأ جهاز التسجيل الذي كانت تنبعث منه اغنية كوردية لم أستطع فك شفرات مفرادتها إلاّ ان احساسا قويا تولّد في داخلي جعلني اتيقن من أن كلماتها تتحدَّث عن الحب واللوعة والفراق بين المحبين.ورغم جلوسي في المقعد الامامي الى جانب السائق إلاّ اني  كنت اشعر بسخونة الدمع وهو يسيل على خديها بينما هي تجلس في المقعد الخلفي للسيارة .
في تلك الليلة،لم يغمض لنا جفن،كنّاننتظر الفجر لعله يوقظنا من هذا الكابوس الذي جثم علينا فجأة. استعدتُ مشاهد كثيرة من حياتي وانا انظر الى سقف الغرفة وسط الظلمة،واكتشفت بأن حبي لزوجتي كان ينمو ويكبر مع مرور الايام والاعوام،لأني تزوجتها بطريقة تقليدية،ولم تكن بيننا علاقة حب،ولاتربطني بها صلة قربى،وليس بيني وبينها سابق معرفة،لكن القدر شاء أن نرتبط معا،ومازلت اذكر جيدا اليوم الذي ذهبتُ فيه لخطبتها بصحبة امي وخالتي الصغرى،حينها شعرت بالاطمئنان ناحيتها ما ان دخلتْ الى غرفة الضيوف بعد أن نادت عليها والدتها أكثر من مرة،فجلست قبالتي الى جانب والدتها،ومن شدة حيائها لم ترفع راسها طيلة فترة جلوسها. واستطيع القول وللمرة الألف وهذا ما اكدته لها مرارا وتكرارا اثناء احاديثنا ونحن نستعيد تفاصيل اليوم الذي تمت فيه خطوبتنا بأن "البونط الابيض"اول ما لفت انتباهي اليها،ولم يكن سوى شريط من القماش القطني كانت تربط به شعرها بما يشبه الطوق،ولربما ما كان ممكنا ان يحصل النصيب ونجتمع معا تحت سقف واحد،لو لم يكن البونط يربط شعرها انذاك ويُظهر لي وبوضوح ما تحمله في طبعها من رقة وهدوء وصبروحكمة.
احيانا تقودك مشاعرك في لحظة ما الى اكتشاف جوهر الاشياء من غير ان تخوض تجربة فعليّة لمعرفة حقيقتها،وغالبا ما يحدث العكس في هذه الحياة إذ تتسبب بسقوطك في تجارب قاسية مع اشخاص اوهمَتك مشاعرك في معرفة حقيقتهم وظننتهم اصدقاء،ليتضح في ما بعد انهم اعداء،ويضمرون لك من الكراهية ما تعجز عن تفسير اسبابها.انا شخصيا مررت بكلا التجربتين،إلا ان الصدمات والمفاجاءات الغير سارة كانت هي الاكثر حضورا،ومازلت غير قادر على معرفة الدوافع التي تجعل البعض ممن كنت احسبهم اصدقاء يضمرون في داخلهم مشاعر حقد تجاهي،مع اني لم اتورط في يوم ما باي عمل القصد منه الاساءة لاي انسان او تشويه سمعته امام الاخرين،وهذا لايعني تنزيها مطلقا لشخصي حتى ابدو مثل الملاك،فأنا مثل غيري من البشر دخلت في خلافات مع اخرين،بينهم اقارب ومعارف واصدقاء وزملاء عمل،ووصل الخلاف في بعض الحالات الى الاشتباك بالايدي،لكني لم الجأ ابدا الى الطعن في سمعة من تقاطعت معهم او الايقاع بهم. اكثر ما اتعبني في حياتي ان ملامحي كانت دائما ما تدفع من لايعرفني عندما يلتقيني اول مرة الى ان يتشكل لديه انطباع بانه يقف امام شخص لايبعث على الثقة والاطمئنان،وعلى الاغلب ابدو لئيما وحقيرا وغير مؤتمن،وهذا ما اكده لي عدد لاباس به من الاشخاص الذين تعرفت عليهم واصبحوا في ما بعد من اصدقائي المقربين،معظمهم اتفق في رايه على ان طبيعتي التي تميل الى التزام الصمت وعدم الثرثرة تُشعر الاخرين باني شخص غامض،يبعث على الالتباس،فتزداد المسافة بعدا بينهم وبيني،وكم ساءني هذا الانطباع الخاطىء عني،وافقدني الكثير من فرص العمل والعلاقات مع اشخاص كنت ارجو ان يكونوا ضمن قائمة اصدقائي،ولا اعرف في ما إذا كان هناك الكثير من الاشخاص قد مروا بنفس تجربتي . 
زميلي وصديقي المدرس في معهد الفنون الجميلة فريد الذي كان يسكن في نفس الحي الذي تسكن فيه عائلة على صلة قربى وثيقة بعائلة زوجتي،بقيتُ احمل له في داخلي مشاعر الامتنان،لانه كان سببا في زواجي منها،فهو الذي اقترح عليّ بان اتقدم لخطبتها من بعد أن اثنى عليها وعلى سمعة عائلتها،ولكي يُطمئنني اكثر قال لي بأنها فتاة متعلمة وتحمل شهادة جامعية،رغم انها لم تلتحق بوظيفتها كمدرِّسة لان تعيينها قد صدر في احدى القرى البعيدة التابعة لقضاء سنجار التابع اداريا لمحافظة نينوى.وكنت الاحظ على صديقي فريد مدى الراحة التي يشعر بها ما أن يسالني عن احوالي العائلية بعد الزواج خاصة عندما اؤكد له بانني مرتاح وبغاية السعادة،لكني بدأت اشعر في الفترة الاخيرة بتغير احواله الصحية بعد ان بدأ الضعف ينحدر الى صوته الرخيم الذي يتميز به وبشكل متسارع لايدعو الى الاطمئنان،ولمَّا سالته عن ذلك اخبرني بانه قد راجع اكثر من طبيب واجرى فحوصات كثيرة،وان جميعهم قد اكدوا له بان لاشيء يدعو للقلق،وان هذه الاعراض في الصوت ماهي الا بسبب مايُدعى في المتداول الشعبي "حبَّة بغداد" التي عادة ما تنبت في اعلى الحلق او في نهاية اللسان،إلاَّ ان حالته الصحية اخذت تتدهور بشكل لافت،واصبح صوته يميل الى الحشرجة والوهن يوما بعد آخر. وتحت الحاح زوجته اضطر للسفر لغرض العلاج في مستشفيات دمشق واعاد هناك اجراء الفحوصات،واسفرت نتيجتها عن اصابته بسرطان الحنجرة حسب ما اكد له الاطباء المختصون،فاجريت له عملية جراحية على وجه السرعة،ثم عاد الى العراق بعد ان امضى هناك ما يقرب الشهر،لكن حالته الصحية لم تتحسن،واخذت تتدهورت بشكل سريع،ولم يعد العلاج الكيميائي يجدي نفعا. وفي زيارتي الثانية له عام 2004 بعد عودته من سوريا لم اكن اتوقع ان اراه على تلك الصورة،حاولت ان اخفي صدمتي وان لااظهر امامه مشاعر الالم التي اعتصرتني بعد ان وجدته جالسا على كرسي خاص بالمعوقين،وجسده قد تضاءل بشكل كبير،وبدا ووجهه بلون اصفر شاحب،ورقبته كانت ملفوفة بضمادات،كذلك راسه،حتى أن عجزه الجسدي لم يساعده على ان يرفع يده ليرد عليَّ السلام ساعة دخولي الى غرفة الاستقبال.وطيلة فترة جلوسي معه بحضور زوجته وابنه وبناته الثلاث لم يتمكن من الحديث،مكتفيا بهز راسه اشارة على تواصله معي.وبعد ثلاثة ايام على هذه الزيارة ودَّع الحياة.
حاولت ان استعيد ابتسامته الدائمة التي كانت ترتسم على وجهه كلما كنا نلتقي طيلة اكثر من ثلاثين عاما من صداقتنا،واكتفيت بالقاء نظرة اخيرة على جسده الملفوف بالكفن الابيض قبل ان يوارى الثرى في مقبرة حي الكرامة،ولما وجدت نفسي غير قادر على ان اسيطر على مشاعري تنحيت جانبا وابتعدت عن المشيعيين وانا اذرف الدمع حزنا على فقدان صديق مخلص.
يتبع ..

15
ادارة قناة عشتار الفضائية مابين الخبرة وغيابها

                                   
مروان ياسين الدليمي


مدخل

علاقتي مع قناة عشتار امتدت 14 عاما وهذا المسيرة الطويلة تمنحني الحق في مراجعة هذه التجربة وتقييمها،والاشارة الى مافيها من مفارقات وتفاصيل، لعل البعض يجد فيها درسا مفيدا،وليس الهدف من هذه المراجعة الاساءة الشخصية لاي اسم يطاله النقد،بقدر ما يتعلق النقد،بالجانب المهني البحت،فمشروع قناة عشتار،طالما قد انطلق على الفضاء العام في النصف الثاني من العام 2005، فقد اصبح من حق اي شخص ان يضعه في مرصد التقييم والنقد الموضوعي،ومن ارتبط بهذا المشروع سيكون من باب اولى الاضطلاع بمسؤولية نقد التجربة لانه على معرفة بكل تفاصيلها. 
جورج منصور صاحب الرؤية الاعلامية
ثمة مفارقة غربية في حكاية قناة عشتار الفضائية تستدعي التفكير فيها،تتعلق بمنصب مدير القناة،ففي بداية التاسيس كان يقودها الاعلامي جورج منصور منذ لحظة وضع حجر الاساس،وهو رجل يمتلك مجموعة مؤهلات شخصية ومهنية تجعله قادرا على ان يصل في اي مشروع اعلامي يتولى ادارته الى ضفة النجاح،فمن الناحية الشخصية،يتمتع منصور بحضور مؤثر،يرفعه الى المستوى الذي لايختلف فيه اثنان على انه شخص يمتلك مزايا قيادية،وهذه المزايا تتجلى في فاعلية دوره في كافة حلقات الانتاج داخل القناة،وهذا الاسهام وصل به الى ان يكون متابعا لجهد جميع العاملين في كافة مفاصل الانتاج،ولانه يمتلك رؤية واضحة واستراتيجية نظرية في رسم افاق عمل القناة الى جانب الخبرة العملية،فقد حول متابعته الى ملاحظات مستمرة ويومية تنير جوانب كثيرة قد يغفل عنها اي شخص منتج داخل القناة،ومن سماته انه كان حاضرا في تقييم الاعمال حتى يتوفر فيها التكامل والنضج،ولاجل ان تكون متابعته تاخذ مسارا جديا ومؤثرا بدا بغاية الحرص على تكريم المثابرين والمجتهدين،وتنبيه الاخرين الذين يتلكـأون في اداء عملهم.وبذلك اوجد نظاما واضحا في العمل قائما على اعلاء شأن المنتجين واقصاء من لاتتوفر فيه صفات الاخلاص والمثابرة. فكانت قناة عشتار خلال الفترة التي عاصرته فيها نموذجا للمؤسسات الاعلامية التي لاتختلف في التزام عامليها بالمواعيد والعمل والانتاج والاحترافية عن اية مؤسسة اعلامية في بلدان العالم المتقدمة .
المسالة الاهم في شخصية جورج منصور انه كان يمتلك خزينا معرفيا وثقافيا مكنه من ان يرسم ستراتيجية للخطاب الاعلامي الذي انتهجته قناة عشتار في عهده الذي لم يتجاوز العامين،وجوهر هذه الاستراتيجية يتمحور في تأكيده على ان القناة ليست دينية،وليست ذات خطاب فئوي،بل عزز حضورها العراقي وبقوة،وانفتح مجال خطاب القناة على جغرافيا العراق بمحتوى يخلو من اية نبرة انعزالية تبعد المسيحيين عن الفضاء المجتمعي العراقي،وهذا ما جعلها تكرس انطباعا مشرقا لدى متابعيها على اختلاف هوياتهم،ولعل ابرز ما يعبر عن ذلك ما كان يجسده محتوى نشرات الاخبار التي كانت تنجز من الالف الى الياء في غرفة اخبار القناة،فهناك متابعة تفصيلية لكل تطورات الاحداث يرافقها حوارات مباشرة عبر النشرة الاخبارية مع ساسة ومحللين عراقيين،فالانفتاح على الشأن المحلي العراقي شكل ركنا اساسيا في نشرات الاخبار الى جانب شؤون المسيحيين العراقيين،وهكذا الحال مع بقية البرامج بكل انواعها الوثائقية والترفيهية ،حيث كانت تنطلق من سعة رؤية جورج منصور نفسه،وثقافته وخبرته الاعلامية،ومن المنطقي جدا وفق هذه الرؤية ان يصل صوت المسيحيين العراقيين الى كل بيت عراقي يصله بث القناة داخل وخارج العراق،طالما خطابها يعكس محتوى فكريا منفتحا على جميع مكونات المجتمع العراقي.
الفرق بين منصور ومراديان
لااحد يستطيع ان يسجل على الفترة القصيرة التي ادار بها جورج منصور قناة عشتار اية ملاحظات سلبية،واتضح اهمية دوره وما انجزه بعد ان غادر منصب المدير ليتولى منصبا رفيعا في حكومة اقليم كوردستان،فتولى من بعد ادارة القناة رازميك مراديان،ومن لحظة مجيئه الى منصب المدير اتضح مدى الفوارق الكبيرة بين الاثنين،على مستوى الادارة والشخصية والثقافة،إذ لم يكن للمدير الجديد اي صلة في صناعة الخطاب الاعلامي،لان الرجل ليس له اي خلفية ثقافية،فمع احترامنا لشخصه إلا انه لم يكن في يوم ما صحفيا ولاكاتبا ولاشاعرا ولاعاملا في ميدان الثقافة مثل جورج منصور،وكل هذه المؤهلات ينبغي ان تتوفر في اي شخص يتولى مسؤولية ادارة قناة فضائية،فكيف إذن تمت ترقيته الى هذا المنصب ! ؟ وهذا يعني ان هذا المشروع الاعلامي بعد مجيئه قد اصبح امام مفترق طرق كلها ستؤدي الى تراجع مستوى اداء القناة وانتكاس مسيرتها،وهذا ماحصل فعلا ، فعلى مدى 13 عاما تولى فيها ادارة القناة، لم يكن حريصا على عقد اجتماعات مع العاملين في القناة لغرض مراجعة ماتم تقديمه من محتوى في البرامج المنتجة، وجل اهتمامه كان منصبا على عقد اجتماع سنوي في نهاية الشهر الحادي عشر لاجل الاستعداد لاقامة الاحتفال السنوي بذكرى تأسيس القناة،وطيلة السنوات التي عقد فيها هذا الاجتماع السنوي لم يكن يحتوي على اي افكار جديدة ، فالافكار نفسها كانت تعاد سنويا،دون اي تغيرات .
لاصلة تجمع الهندسي بالاعلامي
في واقع الامر السيد رازميك كان رجلا بسيطا جدا في ثقافته،لان طبيعة عمله الاساسي طيلة اربعين عاما قضاها في تلفزيون بغداد والبصرة كان هندسيا فقط ،إذ ليس له اي صلة في ادارة وتخطيط البرامج وتحديد محتواها،وكانت مسؤوليته المهنية تنحصر في معالجة الاخطاء التي قد تحدث في البث،واصلاح اي عطل في الاجهزة والكامرات والفديوات،ومن غير الممكن ان ينجح رجل هندسي في ادارة مشروع اعلامي،ومن المكن جدا ان يتفرغ للعمل الهندسي في المشرع وينجح فيه لكنه ابعد مايكون عن رسم محتوى الخطاب الثقافي والاعلامي للقناة الفضائية،خاصة إذا ما اتسعت المسافة كثيرا بينه وبين عالم الصحافة والاعلام والثقافة وكانت اقرب الى علاقة اغتراب وعدم تواصل في اسس ومفاتيح هذه الحقول المهنية بجوانبها الابداعية والثقافية والحرفية،ولهذا كان يحاول السيد رازميك قدر المستطاع عدم عقد اي اجتماع لاجل وضع خطط لتطوير خطاب القناة وبرامجها،وحتى عندما يصادف ان يعقد اجتماعا يتيما بين فترات طويلة ومتباعدة جدا،لم يكن يطرح معالجات فكرية تحث العاملين على تطوير مالديهم من افكار،ودائما ماكان يكتفي في ادارة الجلسة فقط، من دون مشاركة ايجابية تتمثل في اثراءها بمقترحات وخطط،وهذا ابسط دور ينبغي على مدير اي محطة فضائية ان ينهض به.لذا كان الاجتماع اذا ما عُقد يبعث على الملل،على العكس منه المدير الاسبق جورج منصور حيث كان يمارس دورا مركزيا في ادارة الاجتماعات،فيقترح على العاملين افكارا ويطلب منهم تطويرها،ويعدل من الافكار التي يطرحونها،بمعنى ان حضوره كان يثري الجلسة لما يقدمه من افكار ومشاريع للدورات البرامجية القادمة،ولهذا كان حريصا على ان يعقد اسبوعيا اجتماعا مع رؤوساء الاقسام ،للاطلاع على سير العمل،وتقييم ما تم انجازه،اضافة الى اجتماع شهري مع العاملين،وعدد من الاجتماعات الاخرى لرسم خطة متكاملة للدورة البرامجية القادمة.كل هذه التقاليد توقفت تماما مع مجيء السيد رازميك مراديان،والسبب في ذلك لانه لايملك مايكفي من الخبرة الاعلامية والثقافية لرسم تصور عمّا يمكن ان يكون عليه طبيعة عمل القناة ومحتوى برامجها شكلا ومضمونا،والمسؤولية هنا لاتقع عليه بل تقع على من حمله مسؤولية ادارة القناة وابقاه لمدة 13 عام ، بينما كان الخط البياني لمستوى القناة بكل محتوى برامجها في تراجع مستمر .بل انه حولها الى قناة مختصة فقط في نقل القداديس،وتحولت من قناة عراقية الى قناة دينية ،وهذا ما جعلها موضع انتقاد الكثير من متابعيها المسيحيين .
وماذا عن المثقفين والاعلاميين السريان
كان ينبغي على مالك القناة سركيس اغاجان ان يختار احد المثقفين او الاعلاميين المسيحيين،ممن لهم اسم رصين في عالم الصحافة او الاعلام او الثقافة او احد الاكادييميين،وهناك العديد منهم في الثقافة السريانية مؤهلون لان يشغلوا هذا المنصب بكفاءة،مثلما كان السيد جورج منصور ناجحا في ادارتها،ولانعلم لماذا تم استبعاد العديد من الاسماء الفاعلة في الثقافة السريانية عن ادارة هذا المشروع الاعلامي المهم للمسيحيين العراقيين،فهناك اكاديميون وشعراء وكتاب وصحفيون على درجة عالية من الحضور الفاعل في الثقافة السريانية والعراقية كان ينبغي الانفتاح عليهم ودمجهم في سياق عمل القناة لاجل ان يبقى خطابها على درجة مهمة من النضج ويصل بالتالي الى ابعد تأثير في الساحة المحلية والاقليمية.

16
لم يعد ينقصنا سوى الاغبياء

مروان ياسين الدليمي


في ما لو تم تطبيق قرار دونالد ترامب"المهارة قبل الشهادة في التوظيف" في العراق، ماذا سيكون مصير العشرات من اصحاب البدلات والاربطة،ممن يحملون شهادات عليا،ماجستير ودكتوراه ،خاصة في كليات الفنون الجميلة،فهناك العديد منهم يُدرِّسُ فن التمثيل واسس الاخراج المسرحي،بينما مسيرته خالية من اي مشاركة في عروض مسرحية،اي انه يفتقد المهارة والخبرة المتراكة نتيجة الاستمرار في العمل،ومن الطبيعي سيفتقد القدرة والامكانية التي تؤهله للوقوف على خشبة المسرح .ومثلهم في قسم السينما ايضا،حيث لاتجد في ارشيفه اي عمل سينمائي،وإذا ما وجِد ،فلا يستحق ان يصنَّف ضمن خانة الفيلم.وهكذا الحال مع بقية الاختصاصات.
انا شخصيا اعرف نماذج من هؤلاء، لم يكن لهم اي مشاركة وحضور في النتاجات المسرحية والسينمائية طيلة فترة دراستهم في الكلية،لكنهم اليوم يحملون شهادات عليا ويتخرج مئات الطلبة من تحت ايديهم.فلاغرابة اذا ما وصل حال الانتاج الدرامي في العراقي الى ما هو عليه من ضعف .
كيف لاستاذ اكاديمي ان يقف في قاعة الدرس ويلقي محاضرة على طلبة يدرسون الفن من غير ان يكون له خزين من التجارب العملية التي خاضها بنفسه ، وخرج منها باستنتاجات ذاتية لن يعثر عليها الطلبة في اي كتاب ، لانها،خاصة به ومن وحي خبرته التي تشكلت عبر مخاض تلاقحت فيه الفكرة النظرية مع الفعل،ولايمكن باي حال من الاحوال مقارنتها مع اي معلومة قد يحصل عليها الشخص من كتاب او مقال وقع تحت يديه،فالعبرة دائما في التلاحم المباشر مع الحياة،فكيف اذا كان هذا الالتحام سيشكل جوهر الشخصية الاكاديمية ؟  من المؤكد ستكون الفرادة في الحضور والفاعلية هي النتيجة التي ستتمخض عنها .
 
في منتصف ثمانيات القرن الماضي كنّا نقف الى جانب الاستاذ "جعفر علي" رئيس قسم السينما في كلية الفنون الجميلة، فإذا بواحد من اولئك الطلبة بعد ان تخرج ونال شهادة البكالوريوس وكان معروفا عنه مع شقيقته باعتبارهما اشهر ثنائي غنائي في تلفزيون العراق يقدمان الاغاني التي تروج لسياسات النظام انذاك،ومازلت اذكر جيدا ان قبول هذا الطالب في قسم السينما في مرحلة البكالوريوس لم يكن بناء على رغبة قوية في داخله هي التي دفعته لدراسة الفن السينمائي انما لانه لم يأت بمعدل في امتحانات البكالوريا يؤهله لدخول اي كلية،فجاء قبوله بقرار من صدام حسين شخصيا،مثل اخرين تم قبولهم ولنفس السبب في كليات اخرى ليسوا مؤهلين للدراسة فيها.فتخرجوا منها واصبحوا في مراكز وظيفية،وبعضهم اصبح معيدا في نفس الكلية .
وبعد ان القى التحية علينا،توجه بحديثه الى الاستاذ جعفر مستفسرا عن امكانية اكمال دراسته العليا في قسم السينما،عندها ابتسم استاذنا رحمه الله،وبما عُرف عنه من اسلوب ساخر في التعليق على الاحداث،ردَّ عليه قائلا:" لم يعد ينقص قسم السينما سوى الاغبياء " .
مرت الايام والسنوات،فإذا بالمطرب الشاب وشقيقته بعد العام 2003 يظهران في برنامج تلفزيوني لاحدى القنوات العراقية،بضيافة احد اشهر المحاورين،وفي اسفل الشاشة قرأت cg التعريف بهما، فوجدته يشير الى انه يحمل شهادة دكتوراه في الاخراج السينمائي.ساعتها تذكرت تلك الابتسامة الساخرة التي ارتسمت على ملامح الاستاذ جعفر علي،وعبارته التي لازلت اذكرها " لم يعد ينقص قسم السينما سوى الاغبياء " . 


17
لن اكون عنصرياً مثلك ياجناب المدير

                                             
مروان ياسين الدليمي

ليست المفاجأة عندما تكتشف بانك كنت مخدوعا،بل المفاجأة في انَّ من كنتَ تثق به هو الذي خدعك وليس الذي كنت لاتثق به.
المرارة التي ستشعر بها اليوم ليس لها حدود،ولن تقوى الكلمات على وصفها،بغض النظر عن حجم الخسارة المادية،والاعوام التي ضاعت هدرا ،فليس مهمَّاً ما خسرته مِن مال،فهذا شأن بسيط لاقيمة له،طالما انك لن تأخذ معك الى القبر سوى حفنة تراب ،ويمكنك وببساطة شديدة ان تعوض ماخسرته من مال غدا او بعد غد .
 الخسارة الحقيقية في انك خسرت ثقتك بنفسك اولا، قبل ان تخسر الثقة بالاخر الذي خدعك.
من الصعب عليك ان تكتشف كم انتَ ساذج ،وكم انتَ غبي رغم ما تحمله من  عِلم ومعرفة وثقافة وذكاء .
من الصعب ان تكتشف الحماقة في الحكمة التي كان الاخرون يشيرون بها اليك،فتتباهى بها بينك وبين نفسك .
قاسية جدا هذه النتائج عندما تكتشفها متاخرا جدا.
والاقسى منها،انك  ما كان ممكنا ان  تكتشفها،لولا انك وقعت في الفخ، الذي نصبه لك،من كُنتَ تظنه اهلاً  للثقة، فراهنت عليه دون غيره من الاخرين،وفضَّلته حتى على  ابناء جلدتك،لانك توهمت كثيرا بما يحمله من قيم لها طابع انساني،لذا كنتَ منسجما معه،ومؤمنا به.
لكنك اكتشفت متأخرا جدا بانه مرواغ ومحتال،ويضمر في قلبه كراهية لاحدود لها،ولم تكن تتصور ابدا انه يملك من افانين الاحتيال،ما جعلك لاترى حجم السواد الذي يملأ قلبه .
لكن الندم ماعاد يجدي نفعا على السنين التي ضاعت وعلى الجهد والاخلاص اللذان تبددا.
ماخرجتَ به من هذه التجربة: انك لم تعد تثق بمن يدعي البراءة والنظافة والوداعة.
اصبحت تشكُّ بالجميع،دون استثناء،واقرب الناس باتوا موضع شكِّ لديك. فالتجربة كانت من القسوة في ان تمنحك العذر والحجة بان لا تكون بعد اليوم طيبا على ما جُبلت عليه من فطرة .
وان لا تسيء الظن بالاخرين ابدا،مثلما اوصاك اهلك وعلموك مُذ وعيت الدنيا وادركت الحياة . 
كان عليك ان تصحو من هذه الغفوة طالما الفرصة كانت قد جاءتك مبكرا  في حينه،عندما لم يزرك في البيت ايَاً من اولئك الذين عملت معهم ولاجلهم،حينما سَقطت زوجتك بمرض السرطان،وأجريت لها العملية الجراحية،وبَقِيتَ تنتظر قدومهم ليزورنك في البيت،ولم يأت منهم احد،اي واحد منهم  لم يات،لا المدير،ولا من هو اقل منه درجة،ولا بقية اعضاء ادارة المؤسسة،ولا شقيق صاحب المؤسسة،ولا اي زميل في العمل..!
شعرتَ بالخجل الشديد امام نفسك،وكان عليك ان تهرب من قسوة العتاب الذي كنتَ تقرأه في وجه زوجتك الشاحب اثر العملية الجراحية.فأختلقتَ الاعذار كلما وجَّهت اليك السؤال:" لماذا لم يزرنا احد في البيت !؟" 
كنت تكذب عليها،لتخفف عنها وعنك ألمَ هذا النُّكران والجحود.ومرَّت الايام،ولم يقدموا اعتذارا عن عدم ادائهم الواجب،ولم تسمع منهم كلمة مواساة ودعم حقيقية. وكان الكلام يجري عابرا اذا ما صادفوك في ممرات المؤسسة "صباح الخير ، صباح النور ، مرحبا ، شلونك " . فهذا يكفي بالنسبة لهم،يكفيهم كلاما عابرا روتينيا،لمداواة الالم الذي كنت تعاني منه وانت تقضي الساعات مع شريكة حياتك حتى تنتهي من اخذ  جرعات الكيمياوي والليزر لمدة عامين .
من وجهة نظرهم،ومن وحي احاسيسهم الباردة،بدا العالم الذي كنت تعيشه طبيعيا جدا،وكأن لاشيء قد جرى عليك،وعلى اغلى انسان في حياتك،وانت الغريب في ارض غريبة،وما من احد الى جانبك من الاهل والاقارب لانهم هناك،في المدينة التي استباحتها السلطة بطائفيتها قبل ان يستبيحها الارهابيون الدواعش.
وحتى عندما تعرضت زوجتك للدهس بسيارة من قبل سائق مستهتر،لانه موظف بجهاز امني،بعد عامين من علاجها المستمر للشفاء من السرطان،لم يطرقوا باب بيتك ايضا،سوى انهم همسوا في اذنيك بكلام عابر في ما إذا كنت تحتاج الى مال او مساعدة، فعلوا ذلك مثلما يفعل اي غريب قد يصادف وجوده ساعة تتَعثر وانت تمشي على الرصيف،فتسقط على الارض،لترد عليه " شكرا اخي" فيغادر الى حيث سبيله. فكانوا هم ايضا غرباء عنك، وكنت انت غريبا عنهم، فقط ثلاثة من الزملاء كانوا معك،وستبقى مدينا لهم،ولو لم تكن تعلم جيدا ان هؤلاء الثلاثة يرفضون ان تذكر اسمائهم لذكرتها الان،لكنك ستكتفي بالحروف الاولى ( ه ، م ، ي).   
بينما في المقابل تتذكر جيدا  كيف كان الموظفون الكبار في المؤسسة،وفي المقدمة منهم المدير،يتسابقون لاداء الواجب اذا ما تمرض اي زميل..كان الكل حريصا على ان يذهب الى بيته حتى يقدم له الدعم النفسي والمعنوي والمادي ،ولم يكن السيد المدير يذهب لاداء الزيارة الا ويأخذ معه اغلب الزملاء.
واحتراما لكرامتك الشخصية،اقسمت على ان لاتؤدي الزيارة لاي شخص منهم مهما مرت عليهم مصائب او افراح ،ابتدأ من كبيرهم الى صغيرهم،بعد ان وجدت في سلوكهم معك،مساحة شاسعة من التمييز لم تجد لها اي تبرير مقنع،لانك لم تعبّر طيلة وجودك معهم إلا عن احترامك لهم،ولم تكن منتبها على اية فوارق بينك وبينهم،ولم تكن تخطرعلى بالك فكرة انهم يجدوك غريبا عنهم،لانك لم تعتد على مثل هذه الافكار العنصرية،فأنت عشت طوال حياتك في بيت يقدِّر تنوع الهويات والمسميات،ولم تكن البيئة الاجتماعية الشعبية التي ترعرعت فيها غريبة عما يحمله اهلك من قناعات انسانية معتدلة،لذا لم تعرف انت شخصيا معنى التمييز .
فاتخذت قرارك مرغما بان تبقى وحيدا بارادتك،لابارادة الغير.
وبقي السؤال حتى هذه الساعة :لماذا المدير كان على هذه العنصرية معك ؟
لماذا لم يكن شجاعا ويقول لك مبكرا لسنا بحاجة اليك،فأنت لست منّا ؟
لاجواب سوى انه لم يكن شجاعا،وانه كان بحاجة اليك،والى خدماتك فقط، فتحمَّل وجودك مرغما،حتى استنفد كل ما يرجوه من عقلك وفكرك وطاقتك،فأعتصر اخلاصك مثل ليمونة ثم رماها .   
نعم انا نادم على كل لحظة مرَّت كنتُ فيها مغفلا بالحب والثقة. 
لم يخدعني من كان يمارس كراهيته ضدي علنا
لم يخدعني من كان يقول لي بانه لايطيق رؤية وجهي
لم يخدعني من كان ينكر وجودي صراحة
لم يخدعني من لم يعترف بي 
لم يخدعني من ارغمني على ان اهرب من مدينتي لانه كان يريد قتلي
لم يخدعني ذاك الذي احتقرني عندما لامني وبقسوة لاني ارتضيت ان اعمل مع من هم ليسوا من ابناء جلدتي
بل خدعني من ظننت انه لن يخدعني
خدعني من كان يمد يده اليمنى ليعطيني بينما يطعنني خفية بيده اليسرى.
خدعني من كان يتظاهر بالطيبة
خدعني من كان يمثل دور الضحية
ولم يخدعني من كان يفتخر بانه قاتل .
ورغم ذلك ، فأنا لست نادما لاني لم اكن في يوم ما عنصريا، ولن اكون .


18
المنبر الحر / س من الناس
« في: 22:09 20/06/2020  »
س من الناس

                                                           
مروان ياسين الدليمي

لم يجد “ط”اي وسيلة تحت يديه يمكن ان تتيح له فرصة النيل من كفاءة“س“ المهنية واخلاصه في العمل،حينها لجأ الى اضعف واوسخ السبل ، كما هي الطبيعة السيئة للفشلة والعاجزين ، فأخذ يردد همسا بين العاملين:“ انا سأصاب بالجنون ياناس..كيف سَمح مجلس ادارة المؤسسة لنفسه ان يمنح شخصا ليس على ديننا،فرصة ان يكون رئيس قسم علينا ! ؟ “ . لكن كلماته ارتدَّت عليه وصفعت عنصريته،عندما لم يجد بين جميع من كان يراهن عليهم من زملاء المهنة اذنا صاغية،ولم يكتفوا بذلك،بل زادوا عليه وجعه،عندما اثنوا على حسن اخلاق “ س “ وحرصه ومثابرته في العمل، واصراره على ان يكون متميزا في نتاجه،فتحطم القليل مِمَّا كان يملكه من كرامة وكبرياء،لكنه لم يتراجع ولم يراجع نفسه،بعد ان كان يتلقى الدعم والتحريض بالاستمرار على النيل من“ س“من قبل زوجته التي تشبه”ليدي مكبث“ في مسرحية شكسبير بقسوتها وسواد قلبها،الى ان وجد ضالته في شخص المدير “ ر “ لانه يشبهه تماما بتفاهته،وغيرته مِن اي شخص كفوء قد يجده بين الموظفين،خشية ان يحظى باهتمام مالك المؤسسة ،فيحل محله بمنصب المدير .
هذا المخلوق “ ر “ مثل كثيرين غيره الذين بدأوا يطفحون على سطح المشهد العام في زمن انتعاش الطائفية بعد العام 2003 خدمه الظرف افضل خدمة،عندما أُطيح بالمدير الاسبق “ج “ لانه كان مهنيا ويتمتع بشخصية قوية فجعلته هذه الخصال،مبادرا في خطواته لتطوير العمل،ولايخضع لمالك المؤسسة الذي لاتجمعه اي صفة مهنية بعملها سوى مايملكه من مال ،فكان ذلك سببا جوهريا للاطاحة به .
وبضربة حظ لم تخطر على باله،حتى ولو في الحلم،وجد “ ر “ نفسه، متربعا على كرسي المدير،مستمتعا بامتيازات المنصب،من مرتب شهري عالي وقصر فخم،وسيارة حديثة،اضافة الى الدعوات الرسمية والحفلات الليلية،ونفاق البعض من الموظفين وتزلفهم اليه، وووووووووووووو....الخ ، مِن بعد ان كان حافيا اذا جاز التعبير لمدة اربعين عاما،طيلة فترة عمله في الوظيفة الحكومية .
ولااظن ان الذين يملكون ولو قدرا قليلا من الذكاء والنباهة لقراءة مابين السطور،سيحتاجون الى المزيد من الاسطر،لمعرفة ما اصبح عليه حال الموظف “ س “ بعد ان تواطىء المدير “ ر” بملمسه الناعم وطائفيته الدفينة ، مع عنصرية “ ط “ العلنية .
فكَم مِن “ ط “  و  “ ر “ ارتكبوا جرائم بحق اشخاص مثل “ س “ .... ؟

* رموز الاشخاص التي جاءت بصيغةحروف ، ليس لها صلة باشخاص واقعيين .

19
المنبر الحر / الحقوق ديون ثقيلة
« في: 14:29 13/06/2020  »
الحقوق ديون ثقيلة


مروان ياسين الدليمي

خصمُك الذي سرق منك اثمن مالديك،وليكن جهدك،او فكرك،او احلامك، وترك في داخلك جرحا عميقا.
هذا الخصم الذي لايستحق ان يكون خصمك،إذا ما لجأ الى التزام السكوت المطبق،بعد ان  تواجهه علنا،وعلى المَلأ،وبصريح العبارة وبالادلة والحقائق التي تثبت ما ارتكبه من اجحاف كبير نال منك،ومن حقوقك في الحياة،ومن ثم ابتلعها،هكذا بهدوء وبدفعة واحدة الى داخل بطنه،من غير ان يشبع منها ولا بغيرها،من بعد ان سلب منك جهداً وعمراً وفكراً واستثمره لصالحه الشخصي.
عليك ان تعلم بانَّه لم يتخذ مثل هذا الموقف إلاَّ  لانَّه يحمل في داخله ايمانا مزيَّفا بانه مخلوق من الله،وانت بنظره لست سوى مخلوق من الشيطان.
أو لانَّه يملك سلطة،واطمئنانا مِن انَّ لا وجود لقانون يُمكن ان يَخضعَ له،ويحاسبه على ما لَهُ وما عليه من حقوق وواجبات ازاء الاخرين،وفي مقدمتهم من سرق حقهم .
وبعيداً عن سلطة القانون الغائب أو المُغيَّب
وبعيداً عن الجَّاه ، والمال ، والغرور ، والتكبر ،
فإن حقوق الناس المهضومة ماهي إلاَّ ديون،احمالها ثقيلة جدا على اصحاب الضمائر،لن يقوى البشر على حملها فترة طويلة،مهما توهموا بقوتهم،وقادهم جهلهم لاستحقار الناس،واعمتهم بصيرتهم.
الحقوق،سيدفعها مِن صحَّتِه مَنْ كانت بذمَّتهِ،
وسيدفعها مِن صحَّة اولاده وبناته واحفاده الى ان تستوفى كاملة.
سيدفعها،قَلقاً وتفكيراً وضميراً موجِعاً،لن يتوقف عن جَلدِه بسياط التانيب والتحقير والذَّم،الى ان تحين ساعة الحساب في يوم الحساب،فيودِّع الدنيا نادمِاً نادباً ، ولكن ، بعد فوات الاوان .
الحقوق لن تضيع، طالما الجباهُ النظيفةُ عَرَقَتْ من اجلها،
والعقول النيِّرة فكَّرت بها.
لن تضيع،حتى لو مات اصحابها وودَّعوا الدنيا مقهورين مغمومين.
لن تضيع،طالما اولادهم وزوجاتهم قد ورثوا عنهم حزنهم،وألمَهم،
طالما دعواتهم التي لهجوا بها كل فجرٍ في قلوبهم،وهم يرفعون ايديهم الى السَّماء مُخاطبين صاحب العدل الذي لا اعدلَ منهُ.
قد يكون الانسان صاحب الحق عاجزاً عن استراد حقه،ربما لانَّ القانون ضعيف امام السلطة،والضعيف دائما ما كانت السلطة تحتقره لتنصف القوي المتغطرس..ولربما لانَّ القوي المغتصب لحقوق الناس اعمى البصيرة،لايرى الاشياء على حقيقتها،فتخونه بصيرته،ويخدعه بصره في تمييز الابيض عن الاسود،والحق عن الباطل،والاحمق عن الشريف،والمقامر في خمارات الليل عن المغامر الشجاع،والثمرة الناضجة عن العفِنة.لكنه بالتالي سيسقط على وجهه في منتصف الطريق،متعثرا باذياله،وستتلطخ جبهته بما خلَّفته اقدام العُمال العابرين الساعين الى رزقهم ورزق اطفالهم .

20
    14   عام  من العمل المثمر في قناة عشتار الفضائية  .. انتهت . .    !
           

مروان ياسين الدليمي
 

إشارة لابد منها
لاجل ان يكون كلامي في هذه السطورعلى قدر معقول من المصداقية والكياسة،ساتناول تاريخ علاقتي الجميلة مع قناة عشتار،وما ترتب على هذه العلاقة من نتائج،الكثير منها، انا فخور به،لانه منحني فرصة تحقيق بعض احلامي واكتساب المزيد من الخبرات المهنية والانسانية مع مجموعة من العاملين،ربطتني بهم صلات اكبر من صفة الزمالة اوالصداقة، لم تقف امام استمرارها ايّة حواجز عرقية او دينية،لكن قرار الاستغناء عن خدماتنا المفاجىء في منتصف شهر تشرين الثاني 2019 ، انهى هذه الرحلة الحافلة بكل ماهو جميل،وحشرني انا شخصيا  في الزاوية الحرجة وفي الوقت الحرج .
لن اناقش اسباب ايقاف البث الفضائي للقناة ،فهذا ليس من شأني ولا من صلاحيتي.وسيقتصر حديثي حول علاقتي الطويلة مع قناة عشتار التي استمرت 14 عام ، بدأت منذ الشهر الاول من العام 2006 وحتى نهاية العام 2019 .

وارجو ان تتفهم ادارة القناة ماسطِّرته هنا من افكار وهموم وملاحظات، فنحن اولا واخرا بشر،نواجه في الحياة مواقف مختلفة،وينبغي ان يكون لنا منها رأي صريح،وموقف واضح،دون مجاملة،مع محافظتنا على احترام وتقدير من نختلف معه في الرأي والموقف.أما ان يطلب منّا البعض ان نلتزم الصمت(لاسباب مختلفة)رغم قسوة ما وقع علينا،وكان من نتيجته ان عوائلنا هي التي تدفع الثمن الباهظ في مثل هذه الظروف الصعبة التي تسببت بها جائحة كورونا،فهذا امر لا أظنه يُصح مع اي انسان تتوفر في شخصيته ولو درجة بسيطة من المسؤولية تجاه نفسه وتجاه الاخرين،فكيف اذا كان مثقفا ومتعلما ويحمل شهادة جامعية،واسما معروفا ويكتب الشعر والنقد في كبريات الصحف والمجلات العراقية والعربية !
اظن ان الهدف من هذه السطور اصبح واضحا،ليس الغرض منه الاساءة لاي شخص او جهة،فهذا ابعد ما نفكر فيه،بقدر ما نسعى للحديث عن تجربة شخصية مررنا بها،وكان وقعها علينا بغاية الصعوبة،ونحتاج الى ان نُخرِج ما خلفته فينا من مشاعر وافكار اقلقتنا واتعبتنا اياما وليالي.

قصتي مع عشتار
في عام 2004 بداتُ العمل بصفة مُحاضِر،في قسم الفنون المسرحية بمعهد الفنون الجميلة في مدينة  الموصل،ونظرا لحاجة القسم الى خدماتي ارسَلَت ادارة المعهد كتابا الى وزارة التربية تطلب بموجبه تعييني على الملاك الدائم،ومن الطبيعي ستأخذ اجابة الوزارة وقتا طويلا، وربما  يستغرق عدة اشهر،بسبب اجراءات الروتين المتبعة في المؤسسات الحكومية،وبعد فترة من الزمن عملت مسؤولا لمكتب قناة عشتار الفضائية في مركز مدينة الموصل وكان ذلك في مطلع العام( 2006 )،فكنت حريصا على ان اوفِّق مابين عملي كمحاضر في المعهد وعملي في قناة عشتار.

العمل في مدينة يسودها الارهاب 
اقتضى عملي بمكتب قناة عشتار في الموصل طيلة العام 2006 ان اتولى اعداد واخراج عدد من البرامج الوثائقية حول الكنائس في الموصل وهي كثيرة جدا،وشرعنا انا وزميلي المصور ثائر خضوري بالعمل،وانجزنا مهمتنا مابين مطلع الشهر الاول من العام( 2006 )الى نهاية ذاك العام، والحصيلة  كانت بغاية الاهمية.

هنا لابد ان اشير الى ان معظم الكنائس التي قمنا بتصويرها في تلك السنة تعرضت في السنوات اللاحقة الى التدمير من قبل تنظيم الخلافة (داعش ) عندما احتل مدينة الموصل عام 2014 ،وبذلك اصبح لقناة عشتار ارشيفا صوريا بغاية الاهمية يتعلق بجميع كنائس الموصل التاريخية.والى جانب هذه  البرامج كنا نعمل على انتاج تقارير يومية لقسم الاخبار،وهذا العمل فرض علينا التواجد يوميا في الشوارع والاماكن العامة والمؤسسات الحكومية،وان نرسل التقارير بشكل يومي من الموصل الى مركز القناة في اربيل،وتطلب منا هذا العمل الحضور الى "مرآب الشمال" لكي نسلم التقارير الى احد سائقي التاكسيات الذين ينقلون المسافرين مابين الموصل واربيل.
يَعلَم جيدا سكان مدينة الموصل انذاك، خطورة التواجد في مرآب الشمال خلال الاعوام(2006- 2007 )والاعوام التي تلتها ، الى  لحظة سقوط المدينة تحت سلطة داعش عام 2014 ، فقد كان عناصر تنظيم القاعدة في حينه يتخفون بين رواد المقاهي المنتشرة داخل المرآب،  لمراقبة المسافرين،وهذا يعني ان اي يشخص يسافر الى الاقليم سيكون تحت مراقبتهم، ومحاسبتهم في ما بعد ، فكيف اذا كان المسافر اعلاميا،فمن الطبيعي سيكون صيدا ثمينا للتصفية. 
عندما تكون محاطا بالارهابيين 
لم يكن من السهل علينا ان نحمل اجهزة التصوير ونتجه الى وسط المدينة لانها كانت تخضع فعليا لسلطة تنظيم القاعدة(ففي تلك السنوات لم يكن تنظيم داعش قد ظهر بعد) حتى ان معظم سكانها كانوا يدفعون الاتاوات لعناصر التنظيم تحت قوة التهديد بالقتل،خاصة التجار والاغنياء ومسؤولي المؤسسات الحكومية والاطباء والصيادلة واصحاب الشاحنات ومحطات الوقود،ووصل الحال الى ان القوى الامنية والعسكرية كانت تقاضي حياتها بدفع الرشى لعناصر القاعدة ومن لايدفع سيكون مصيره الموت لامحالة ،ودائما ما كنا نصحو لنجد جثثا ملقاة على ارصفة الشوارع او عند ابواب المساجد لمواطنين مدنيين رفضوا الخضوع لابتزاز القاعدة او لعناصر من الجيش والشرطة، فجانبهم الحظ ليسقطوا في كمين لها.
تهمة الارتداد عن الاسلام
في ظل هذا المناخ المرعب بين عامي( 2006 - 2007 ) غامرنا بحياتنا لاجل ان ننجز عملنا فكنا نتجول في شوارع وازقة المدينة ونحن نحمل عدّة التصوير.ومما ضاعف من خطورة الاوضاع المتعلقة بي شخصيا، انني كنت في نظر طيف واسع من الناس المتشددين وفي مقدمتهم اولئك الذين ينتمون للقاعدة اعمل لصالح قناة"مسيحية"بينما انا "مسلم"،وهذا لوحده كان سببا كافيا لعناصر القاعدة حتى يتعاملوا معي باعتباري" مُرتدا "عن الدين الاسلامي .
 
حياتنا اصبحت في خطر
الاجواء في المدينة كانت تميل الى التدهور من الناحية  الامنية، فتكدست مشاعر الخوف بين اغلب السكان ،وباتوا يشعرون بأن كل يوم قادم سيكون اشد رعبا وقسوة من اليوم الذي مضى.
من جانبنا انا وزميلي المصور بدانا نستشعر اقتراب الخطر على حياتنا،وتأكدنا من ذلك باكثر من دليل،ربما اول الادلة  الشعور بأن ثمة من يراقبنا عن بعد، لكننا لم نكن نستطيع تمييزهم من بين عشرات الاشخاص المتواجدين في الشوارع،لان هناك عديد المواطنين العاديين اعتدنا ان نجدهم يلاحقوننا اثناء العمل وبدافع الفضول يحيطون بنا،اينما كنا نصوّر في الميادين العامة،لكننا اصبحنا امام دليل من الصعب التشكيك بمصداقيته بعدما ابلغني احد الاصدقاء وكان يعمل في ما مضى من السنين مصورا في تلفزيون الموصل قبل ان يحال الى التقاعد،وسارمز له بالحرفين(س . ص ) حرصا على حياته،هذا الصديق ابلغني هَمساً،بان لديه معلومة اوصلها له احد معارفه بان عناصر من تنظيم القاعدة كانوا يتابعوني انا وزميلي المصور ثائر.
وهنا لابد ان اضيف معلومة مهمة،تشير الى ان مسلسل قتل الصحفيين والاعلاميين لم يكن قد بدأ بعد في الموصل عام 2006،إذ اخذ يتصاعد مع مطلع العام 2007 حتى  وصل عدد الذين قتلوا  اكثر من 60 صحفيا واعلاميا الى ساعة سقوطها الموصل تحت سلطة داعش عام 2014 .

الارهاب يغتالُ مَن حذَّرني 
لم اعر  اهمية لرسالة التحذير التي همس بها في اذني صديقي(س . ص ) والى ما تضمنته من تهديد مبطن لحياتي من قبل تنظيم القاعدة،ولم اقدِّر مدى جديّة ماتحمله من خطورة،ولهذا لم نتوقف عن العمل.
وبعد مدة ربما لاتزيد عن ثلاثة اشهرالتقيت بصديقي آخر اسمه(محمد البان) كان يعمل مصورا ومراسلا لدى قناة الشرقية في الموصل،وفاجأني عندما اعاد همسا على مسامعي نفس التحذير الذي سبق ان وصلني من(س،ص ) .
ثم حدثت المفارقة التي لم تكن في حسباني، ثم غيرت مسار حياتي،وجعلتني اؤمن  بجدية التهديد التي كانت تستهدفني وذلك عندما تم اغتيال صديقي المصور"محمد البان" امام بيته،بعد ايام من لقائي به،وقد اعلن تنظيم القاعدة مسؤوليته عن هذه الجريمة، واقر بيان اصدره بتبعية المسلحين الذين اجهزوا على حياة المصور محمد البان.
وباغتياله بدأت اول صفحة في المسلسل الدموي الذي طال اكثر من (60) صحفييا واعلاميا في مدينة  الموصل.
الهروب من الموصل
وما أن سمعت خبر الاغتيال حتى وجدت نفسي اغادر المدينة صباح اليوم التالي متوجها الى اربيل، لكي اضع ادارة القناة امام حقيقة الوضع الذي اصبحنا عليه انا وزميلي المصور،وكان موقف مدير القناة الاسبق السيد( ج .م )بأن نترك المدينة فورا، والبدء بالعمل في مقر القناة في اربيل، حرصا منه على حياتنا.
وبعد ايام معدودة من مغادرة الموصل ابلغني احد اقربائي عبر الهاتف،بان ثلاثة افراد ملتحين يلبسون داشاديش قصيرة ، كانوا قد قصدوا بيته وابلغوه بأنهم سيعتبرونني "مرتدا" عن الاسلام اذا لم اترك العمل في القناة "المسيحية" واعود الى الموصل .

الاقامة في اربيل
قررت البقاء في اربيل، وعدم العودة الى الموصل ،وليس لانني بطل او شجاع انما ادراكا من ناحيتي  بان  الجماعات الدينية المسلحة مثل القاعدة لن تتسامح ابدا مع اي شخص تجده مخالفا لمنهجها،ولن تتراجع عن تصفيته جسديا.
وبناء على ذلك استأجرت بيتا في اربيل،وتمكنت من اخراج عائلتي من الموصل بشكل خفي على وجه السرعة،خشية ان تتعرض عائلتي(زوجتي وابني الذي لم يكن قد تجاوز السن السابعة من عمره)الى الاستهداف بالقتل بدلا عني،مثلما حصل لاخرين .
وبعد شهرين من انتقالنا الى اربيل اوكلت احد اصدقائي بان يتولى سرا بيع الشقة التي كنت املكها في الموصل،بالشكل الذي لايثير انتباه الجيران في الشقق المجاورة،وتمكن من ان يبيعها مع الاثاث بثمن لايعادل نصف ثمنها،خشية ان يداهمنا الوقت فينتبه الوشاة والمخبرين لتنظيم القاعدة ،انذاك سيكون من الصعب بيعها،هذا إذا لم يضعوا ايديهم عليها،لتكون تحت تصرفهم ،فما من سلطة قادرة على ان تنتزعها منهم،حتى لوشاءوا ان يفجروها .

امر وزاري بتعييني ولكن ..
في  مطلع شهرشباط (فبراير)من العام 2007 وصلتني رسالة من الاستاذ شفوية من (أ ، د) مدير معهد الفنون الجميلة في الموصل عبر احد الطلبة المسيحيين من ابناء قضاء قره قوش وكان يعمل ايضا مصورا في القضاء،   حيث ابلغني بان كتابا صادرا من وزارة التربية وبتوقيع الوزير"خضير الخزاعي"قد وصل الى ادارة المعهد  يتضمن أمرا وزاريا بتعييني بصفة مدرس على ملاك المعهد(مرفق في نهاية المقال صورة من كتاب التعيين) وابلغني بضرورة الحضور الى مبنى المعهد  لغرض استلام امر التعيين والبدء بالمباشرة في الدوام،فكانت تلك اللحظة من اصعب اللحظات التي مرّت عليّ،حتى انني بدأت اضحك دون وعي منّي،بعد ان وجدت نفسي في حيرة من امري،مابين العودة الى الموصل ومواجهة خطر القتل على يد تنظيم القاعدة وبين البقاء في اربيل والحفاظ على حياتي وخسران الوظيفة التي كنت انتظرها منذ ان العام 1992 عندما انهيت خدمة الاحتياط في الجيش.. مضت ايام وليالي وانا اتارجح في حالة من القلق والتفكير بما يمكن ان اتخذه من قرار، في مقابل ذلك حاولت التوسط عبر عدد من الاشخاص المسؤولين لاجل ان انقل امر تعييني الى اقليم كوردستان لكن جميع المحاولات فشلت فاستسلمت اخيرا لما كتبه القدر. 
فشل جهود الوساطة
ما أن تحررت محافظة نينوى من تنظيم داعش عام 2017  اتصلت بوزير التربية(د. محمد اقبال الصيدلي)عبر صفحته في موقع  تويتر،وشرحت له قضيتي بالتفصيل،لكنه اخبرني بعدم قدرته على ايجاد حل لقضيتي،لان التعيينات حسبما قال لي قد توقفت قبل سنتين من قبل رئيس الوزراء حيدر العبادي.
تبخَّر الحلم بالوظيفة
علما بان جهودي لم تتوقف عند هذا الحد واتصلت بعدد من نواب البرلمان مثل عبد الرحمن اللويزي،عادل شرشاب وزهير الجلبي مسؤول لجنة اسناد نينوى، ولكن لم اتلقى منهم سوى وعود او تبريرات بعدم قدرتهم على عمل اي شيء بخصوص قضيتي،وانا على يقين بأن اعادة تفعيل كتاب تعييني كان امرا سهلا جدا، لو كنت مرتبطا باي حزب من الاحزاب الفاعلة في العملية السياسية ، ونظرا لاني مستقل ،وغير منتمي لاي حزب مضت الاحوال معي في طريقها الاصعب .
وهكذا تبخر الحلم البسيط ، وضاعت سنوات الدراسة الاكاديمية ومعها ضاعت الوظيفة التي انتظرتها طويلا .
بناء على ذلك لم يكن امامي سوى الاستمرار بالعمل في قناة عشتار،فقد اصبحت الخيار الذي لاخيار غيره ،خاصة بعد ان اصبحت مسؤولا عن متابعة علاج زوجتي التي اصيبت بسرطان الثدي منذ منتصف العام 2015.
وخلال 14 عام من العمل في قناة عشتار  قدمت مايزيد على(1000 )ساعة تلفزيونية مابين اعداد وتقديم واخراج،ستجدونها مرفقة في نهاية حديثي ، ويمكن العثور على روابطها في قناتي الشخصية في موقع اليوتب . 

قرار مفاجىء
جاءت المفاجأة،عندما ابلغتنا ادارة قناة عشتار ودون سابق انذار وتنبيه في الحادي عشر من شهر تشرين الثاني 2019  بايقاف خدمات العاملين فيها،لانها  عازمة على تحديث اجهزة البث والارسال،والانتقال الى مبنى جديد آخر،وقد تستغرق هذه الاجراءات مدة مابين ستة شهور الى سنة ونصف،وهذا يعني بقائنا بلاعمل طيلة هذه الفترة،إذا لم نتمكن من الحصول على فرصة اخرى  في مكان اخر،ومثل هذا الحال سيكون بغاية الصعوبة على بعض العاملين، خاصة من ليس لديه عمل وظيفي اخر،وليس له وارد مادي غير الاجر الشهري الذي كان يتقاضاه من القناة ،وانا منهم.بينما اغلبية العاملين كانوا موظفين في مؤسسات حكومية .
بالتالي خرجت دون اي تعويض يوازي هذه الرحلة الطويلة،ومايؤلم أن ستة اشهر مضت،ولم يتصل بي اي مسؤول  من ادارة القناة للاطمئنان على احوالي،وكان يكفي اتصالا هاتفيا ولو من باب المجاملة،حتى يشعر المرء بأن سنين العمل المحمّلة بالمحبة والاخلاص والمودة لم تذهب هدرا   .
جائحة كورونا وضعتنا امام الحقيقة،فاكتشفنا ان حياتنا ومعيشتنا وارزاقنا ليس لها غطاء قانوني يحميها في العراق،وكأننا مازلنا نعيش في عصر ماقبل الدولة، فتشابه حالنا مع حال من يعمل كاسبا او بالاجرة اليومية مثل عمال البناء والبسطات،مع اننا نعد من فصيلة الاعلاميين والفنيين الذين يعملون بعقولهم وليس باجسادهم.
اعترف بان عام 2020 وضعني في اقسى  تجربة مررت بها في حياتي، رغم انني عشت طوال عمري في حالة عمل مستمر وصادفت مشقات كثيرة،لكن تجربتي بعد قرار الاستغناء كانت هي الاقسى،اولا لانني لم اعد شابا وبمسؤوليتي عائلة،وثانيا لاني كنت احمل الكثير من المشاريع المهمة التي كنت قد بدأت بانجاز جزء منها،ابرزها المشروع التلفزيوني الوثائقي(مسيحيو العراق )الذي انجزت منه 13 ساعة تلفزيونية،تم عرضها جميعها،والصدفة الغريبة ان اخر حلقة عرضت في اخر اسبوع لي في القناة ،اي قبل قرار ايقاف بث القناة بيومين،وكنت قبل قرار الاستغناء استعد للاستمرار بتكملة هذه السلسة الوثائقية،بعد ان تلقيت دعما وترحيبا ومساندة من قبل العديد من الاصدقاء المثقفين،من بينَهم سريان وعرب وكورد،مسيحيين ومسلمين وايزيدية،وكان جميعهم قد تابعو الحلقات اثناء عرضها اسبوعيا، واتصل بي بعضهم عبر الهاتف،وابدى تقديره للجهد المبذول فيها،وسجل ملاحظاته،كما ابدى البعض استعداده للتعاون معي للعمل على انجاز مشاريع وثائقية اخرى تخص جوانب مختلفة من الوجود المسحيي في العراق، بمجمل ميراثه الثقافي والانساني،ومعلوم لدى العارفين في مجال البحث العلمي وكذلك من يعمل في الافلام والبرامج الوثائقية ان مثل هذه البرامج تتطلب قدرا مهما من الجهد العلمي والبحثي اضافة الى الاستعداد الفني والتقني اثناء التنفيذ داخل الاستديو وخارجه وفي غرفة المونتاج،علما ان سلسة (مسيحيو العراق ) اخذت مني عملا مستمرا مابين البحث والكتابة والتنفيذ استغرق وقتا يصل الى عام كامل،لاجل ان يخرج بالشكل الفني الرصين،بما يجعله صالحا للعرض في اي وقت،أو في ما إذا شاءت اي قناة فضائية ان تشتريه من عشتار وتعرضه على شاشتها في السنوات اللاحقة،واظنني وضعت في هذا العمل الوثائقي،كل ما املكه من خبرة وذائقة فنية متراكمة،بشهادة المنصفين،وكنت حريصا على ان احافظ على موضوعية الطرح وجمال المعالجة الفنية،ولم اكن انتظر من عملي هذا سوى كلمة شكر فقط ،لا اكثر ولا أقل .
قبل ان اختتم حديثي ، استذكر بهذا السياق بعض ما نشرته الصحف العالمية من اخبار خلال الاشهر الماضية بعد استفحال فيروس كورونا الذي اجتاح العالم ، ففي شهر اذار(مارس )من العام 2020 تبرع لاعب كرة سلة يوناني بمبلغ (000 100 ) مائة الف دولار، انطلاقا من شعوره بالتضامن والدعم لكل شخص من عمال الخدمة  في ملعب النادي الرياضي الذي ينتمي له، لانهم اجبروا على التخلي عن عملهم،بعد ان تم ايقاف الدوري المحلي،نتيجة فرض حظر الانشطة العامة في اليونان وقاية من فيروس كورنا.
وفي مكان آخر من الولايات المتحدة الاميركية،منح صاحب شركة  جميع العاملين فيها هدية نقدية ثمينة،عبارة عن مبلغ نقدي قيمته(مليون دولار) لكل موظف من العاملين في شركته،مكافاة لهم،ولجهدهم،لانهم كانوا سببا بما حققه من نجاح .
اخيرا اقول:إن الذي يحفظ  كرامة الانسان،حصوله على مايستحقه في الحياة،والعكس صحيح.
السادة المحترمون في ادارة قناة عشتار الفضائية :انا تحدثت باسمي شخصيا ،وليس نيابة عن احد .
* مرفقات :
1- سيرتي الانتاجية في قناة عشتار. 
2- صورة طبق الاصل عن كتاب تعييني بصفة مدرس في معهد الفنون في مدينة الموصل بتاريخ 15 / 10 / 2006.
سيرتي الانتاجية في قناة عشتار :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
                  برامج وثائقية :
1-   يوميات قرية                                    12  ح
2-   اصوات                                          فيلم وثائقي   
3-   مسيحو العراق                                 13 ح
4-   مواقع اثرية                                     12 ح
5-   الكلمة كانت هنا                                فيلم وثائقي
6-   دير بيث عابي                                 فيلم وثائقي
7-   كمب الارمن                                  3 ح
8-   مهجرون في الوطن                         فيلم وثائقي
9-   حكاية عمر:                                   8 ح
(الصحفي فائق بطي،الممثلة زكية خليفة،المؤرخ البير ابونا،الموسيقار رائد جورج)
 
     برنامج مواقع اثرية : 12 حلقة – وثائقي
1-   مذبحة صوريا
2-   العدة الى جنة اسمها خنس
3-   كنيسة الساعة
4-   منارة الحدباء وجامع النوري
5-   جامع النبي شيت
6-   القناطر في الموصل
7-   الخانات في الموصل
8-   شارع النجفي في الموصل
9-   مرقد الامام يحيى ابو القاسم
10-   قلعة باشطابيا
11-   قره سراي
12-   سور نينوى الاشوري
برامج ثقافية
ـــــــــــــــــــــــــــ
1-   سينوكرافيا          48 ح
2-   تواصل              96 ح
3-   المشهد الثقافي     645 ح
4-   رواق الثقافة       200 ح
5-   كلام طيب          50 ح
برنامج رموز  : 12 حلقة – ثقافي وثائقي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نجيب يونس                   رسام
هشام سيدان                    نحات
جلال الحسيني                موسيقي
منهل الدباغ                   رسام
شفاء العمري                 مخرج مسرحي
لوثر ايشو                     رسام
عباس الخطاط               خطاط
فريد عبد اللطيف            ممثل
عصام سميح                 مخرج مسرحي
عبد الرزاق ابراهيم         مخرج مسرحي
سامي لالو                    فنان تشكيلي
شابا عطاالله                  فنان سيراميك
 
 

21
انَّها مسؤولية المدير أولاً وأخيراً

                                                         
مروان ياسين الدليمي

ادارة اي مشروع ينتظم في صفوفه جيش من العاملين ليست بالعملية السهلة بل في غاية الصعوبة،ولافرق هنا بين مشروع لصنع الاحذية او المنظفات المنزلية عن مشروع ثقافي او اعلامي،فإلى جانب رأس المال رغم اهميته القصوى،فالمسألة تقتضي وجود شخص يمسك بزمام الادارة تتوفر فيه جملة  خصائص،فبالاضافة الى الخبرة والثقافة والمعرفة وسعة الاطلاع،ينبغي ان تكون شخصيته على قدر كبير من الثقة بالنفس والقدرة على التفاعل مع العاملين من الناحية الانسانية،وان لايعاني من شعور بالاحباط والنقص والغيرة من الاخرين،لأن كل ذلك سوف ينعكس على اداء العنصر البشري في المؤسسة،ويطبع مناخها العام بطبع مديرها.
وعلى ذلك لايمكن ان توكل ممهمة المدير الى اي شخص لمجرد انه يحمل شهادة علمية لها ارتباط باختصاص المؤسسة،المسالة تتجاوز ذلك بكثير،لان علم الادارة يعد من احد اهم العلوم الانسانية التي تطورت كثيرا منذ نهاية القرن التاسع عشر مع النمو الاقتصادي السريع للعالم مع مطلع القرن العشرين،ومن هنا ظهرت مناهج مختلفة حول مفهوم الادارة ابرزها : المنهج الكلاسيكي ، المنهج السلوكي ، المنهج الحديث.
اجمالا كل المناهج اهتمت بالطريقة المثلى لانجاز الأعمال في المؤسسات. بمعنى انها اعتمدت مجموعة قواعد ومبادئ علمية غايتها الاساسية تتمحور  في كيفية استخدام الموارد بشكل انسب وافضل لاجل الوصول الى اهداف المؤسسة باقل وقتٍ وجهدٍ وكلفة.
بطبيعة الحال جميع المناهج الخاصة بعلم الإدارة قد اجتهد فيها منظروها كل حسب فلسفته،وهذا يعني ان الإدارة ليست قوالب جامدة،انما متجددة في مناهجها واساليبها وتطبيقاتها،خاصة وانها تعتمد على العنصر البشري ، بمعنى ان الادارة حسب مايتفق العاملون في هذا المجال انها "فن  إنجاز الأعمال من خلال الآخرين" وهذا يستوجب من  صاحب رأس المال ان يفكر طويلا قبل ان يوكل مهمة ادارة مشروعه الى اي شخص،وان يضع في حساباته عدد من النقاط ينبغي ان تتوفر بالشخص الذي سيستلم منصب المدير طالما انه جوهر عمله يتلخص في كيفية استثمار قدرات الاخرين ومهاراتهم لانجاح المشروع،وسيكون مصير هذه المؤسسة الفشل اذا ما كان المدير لاتتوفر فيه الشروط الاتية  :
 -عندما لايملك اي طموح شخصي لتطوير عمل مؤسسته،ويكتفي فقط بما هو قائم من امكانات .
-عندما لايضع خططا جديدة مع نهاية كل مرحلة من مراحل عمل المؤسسة .
-عندما يتحول العمل في المؤسسة الى روتين،بسبب غياب المتابعة والتشجيع على المبادرة من قبل المدير .
-عندما يكون المدير بعيدا عن العاملين في المؤسسة،ولايتقرب منهم لمعرفة الصعوبات التي يواجهونها في عملهم يوميا،ولايسعى لتذليلها .
-عندما لايحرص على عقد اجتماعات دورية ثابتة المواعيد مع رؤساء الاقسام خلال ايام الاسبوع لمتابعة العمل وسيره .
-عندما لايعير اهمية للاجتماعات الدورية (اليومية والاسبوعية والشهرية) مع رؤساء الاقسام ،باعتبارها واحدة من الادوات الناجحة لمعرفة اوضاع المؤسسة وتطوير اليات وبرامج عملها .
-عندما يفتقر الى المخيلة والمبادرة في تقديم اية افكار وبرامج لتطوير عمل المؤسسة وبرامجها،ويكتفي فقط بالسماع .
-عندما لايتابع العاملين الذين يمتازون بالنشاط والمثابرة ولايثني على جهدهم ولايكافأهم .
-عندما ينحصر كل تفكيره في  ان يحسب كل انجاز تحققه المؤسسة لصالحه الشخصي،ويستثمره لتحقيق مكاسب تعود بالنفع له وحده .
-عندما يصر على الغاء دور المستشارين ورؤوساء الاقسام ويحتكر بشخصه مسؤولية ادارة المؤسسة .
-عندما لايمتلك اية مؤهلات ثقافية لادارة المؤسسة من حيث التخطيط والتفكير والتنفيذ ،وهنا لن يجدي نفعا اذا كان يمتلك خبرة تقنية ولايملك وعيا وثقافة تساعده في ان يكون الدماغ الذي يرسم مستقبل المؤسسة .
-عندما يكون المدير منشغلا ومهووسا برغباته وهواياته الشخصية اكثر من  ان يفكر في تطوير المؤسسة التي يديرها .
-عندما يقرِّب الى جانبه موظفين فاشلين في عملهم،ولايمتلكون مؤهلات سوى انهم يرفهون عنه .
-عندما يصغي المدير الى وشاية موظفين محدودي الذكاء والمؤهلات بحق زملائهم .
-عندما لايكافىء العاملين الذين يبذلون جهدا مميزا انذاك سيحطم روح المنافسة والمبادرة بينهم ،ويمنح الفرصة للفشلة في ان يكونوا هم النموذج الذي يحتذى به .
هذه الملاحظات اذا ما اجتمعت في شخص من يدير اية مؤسسة فلن يكون مصيرها الا الفشل والانهيار والافلاس،بمعنى ان نجاح اي مشروع يعتمد على شخصية المدير اولا وآخرا ، والعكس صحيح .
وإذا ما دققنا في اسباب فشل معظم المؤسسات سنجد ان الامر يعود برمته الى شخصية المدير،ولايتحمل العاملين اية مسؤولية من جانبهم ، لانهم ليسوا اصحاب قرار في ادارة المشروع ، وبكل الاحوال هم ينفذون سياسة المدير،خاصة اذا لم يكن هناك مجلس استشاري للمؤسسسة،اويكون المجلس موجودا ولكنه معطل من قبل السيد المدير .
ولكي لاتنجرف سفينة المؤسسة الى الغرق في بحر الفشل يجب العمل على ان لايترك المدير مطلق اليد في ادارة المشروع ،وان تحدد صلاحياته، بصلاحيات هيئة او مجلس استشاري يتشكل اعضائه من خبراء وان تعطى الصلاحيات لرؤساء الاقسام من اجل ادارة اقسامهم .
لعل الإدارة اليابانية تعتبر من ابرز واهم المناهج الحديثة في الادارة،إذ تميزت بما يسمى "حلقات الجودة" حيث يشارك جميع الموظفين في حل المشكلات وتقديم المقترحات التي تساعد المؤسسة.وأثبتت المدرسة اليابانية تفوقها على غيرها من المناهج ويعزى اليها نجاح  الشركات اليابانية في تحقيق إنتاجية اعلى  من الشركات والمؤسسات في اي بلد آخر  ولهذا اعتمدتها اغلب الشركات الاميركية .
من المؤكد ان اصحاب رؤوس الاموال يطمحون جميعا الى ان تنجح مشاريعهم ولايخسروا اموالهم واحلامهم ولايتسببوا بكوارث للعاملين المخرطين معهم،وسيكون من المنطقي ان يتأنوا كثيرا في اختيار المدير الذي سيكون مسؤولا عن اموالهم ونجاح احلامهم ومصيرمستخدميكم وعوائلهم .

22
بيان من فناني نينوى النازحين في اقليم كوردستان

إنَّ شعورا جمعيا يكاد أنْ يكون قاسما مشتركا يجمع فنانين ومثقفين ينتمون لمدينة الموصل ــ من النازحين الى اقليم كوردستان ــ بأن الوقت قد حان من اجل ان يعلنوا صوتهم،ويكون لهم حضور واضح وفاعل في المشهد العام بما هو كائن وماسيكون،ايمانا منهم بأن مدينتهم تستحق أن يُقدّم لها ابناءها الكثير من جهدهم،خاصة وأن محنتها قد طالت كثيرا من بعد ان سيطر عليها تنظيم داعش في 10 / 6 / 2014 ،فأصبحت المدينة مع اهلها آمام خيار واحد لابديل عنه: إما الحياة أو الحياة،وإلا لن يكون الموت دونها سوى أمر عابر لاقيمة له.
والفنانون الموصليون رغم انهم يعانون مرارة حياة النزوح والتشرد بكل ما تحمله هذه الحياة من صور المذلة والمهانة،إلاّ أنهم لن يرتضوا لأنفسهم في ان يتركوا مدينتهم وحيدة لامعين لها،بعد أن تخلى عنها الجميع وفي المقدمة منهم بغداد،التي لم تلتفت اليها منذ عام ونصف وتركت شعبها تحت رحمة حفنة مجرمين وقتلة ،وكأنها بذلك قد شطبت نينوى، ثاني اكبر مدن العراق بعد العاصمة بغداد من خارطة العراق بكل تراثها الحضاري والانساني .
وبناء على ذلك اجريت عدة لقاءات بين عدد من الفنانين الموصليين في مدينتي اربيل ودهوك منذ فترة ليست بالقصيرة استعدادا وتهيئة لما ينبغي عمله في الفترة القريبة القادمة،وتم الاتفاق على ضرورة التحرك باتجاه الهيئات الرسمية وغير الرسمية ومنظمات المجتمع المدني من اجل الحصول على ابسط مستلزمات الدعم لاجل العمل باتجاه إشاعة روح التفاؤل بين اوساط النازحين في المخيمات،لأنهم احوج مايكونوا الى أن يشعروا بوجودهم الانساني وان لهم وطنا ينتظرهم ولن يتخلى عنهم مهما اشتدت الصعوبات.
من هنا التقى الفنانون يوم امس الاثنين 25 / 1 / 2016 في مبنى مجلس محافظة نينوى البديل في محافظة اربيل بالسيد بشار الكيكي رئيس مجلس المحافظة تلبية لدعوته الكريمة التي وجهها لهم .
وقد حضر اللقاء جمع كبير من الفنانين والادباء والصحفيين والاعلاميين يمثلون مركز المدينة واطرافها اضافة الى سهل نينوى، وقد تم الاتفاق في هذا اللقاء على تشكيل لجنة استشارية مؤلفة من ستة فنانين بكافة الاختصاصات الفنية تتولى ايصال الافكار والطروحات والمشاريع الى الجهات الداعمة والمساندة،بِدأً من مجلس محافظة نينوى وبقية المؤسسات والمنظمات المحلية والدولية .
ومن جانبه ابدى السيد بشار الكيكي استعداد تاما لتقديم الدعم والمساندة وكل مامن شأنه أن يساهم في نجاح عمل الفنانين وتنفيذ تطلعاتهم النبيلة خدمة لمدينتهم،خاصة وأن مااجتمع عليه الفنانون في هذا اللقاء ــ بكل انتماءاتهم القومية والدينية ــ كان قد تمحور حول اشاعة روح التفاؤل والأمل بين النازحين،والعمل على اشاعة مفاهيم التعايش والاخوة والتسامح بين ابناء المدينة،كمقدمة اولى تسبق خطوات اكبر تنتظرهم في هذا الاطار القيمي بعد تحريرها،ادراكا منهم بأن مرحلة مابعد التحرير هي اصعب بكثير من تحريرها،لأن ماسيخلفه تنظيم داعش من حواضن ورواسب فكرية تحتاج الى جهد وعمل فكري هو اكبر بكثير من اي جهد عسكري تفرضه معركة التحرير .



                                             الهيئة العامة لنقابة فناني نينوى
                                              النازحين في اقليم كوردستان
                                                   27 / 1 / 2016


23
لاسَماء تستَظلُّ بِفيئِها

                                                   
مروان ياسين الدليمي
مَن يُراقب عَن كثب المشهد التراجيدي في سيرك السياسة العراقية يُدرك جيداً،بأن الابطالَ الذين يتصدرون الواجهة ليسوا هم الابطال الحقيقون،فهؤلاء لاتأثير لهم على تطور الاحداث ونموّها.
وحقيقة البِناء الدرامي لهذا المشهد يشيرُ إلى أنَّهم مُجرّد اقنعةٍ تختفي خلفها شخصياتٌ تُمسك بمفاتيح اللعبة المسرحية في إطارها العام وفي أدق تفاصيلها أيضا.
كانت حكومة السيد العبادي قد إكتشفت بعد الايام الاولى من توليها أنها أعجز من أنْ تواصل حَربها على الفساد والجنود الفضائيين الذين ماان كَشَفتْ عن مجموعة صغيرة  منهم قوامها 50000 جندياً حتى توقفت نهائيا عن الاستمرار في عملية الكَشف والتَّعرية ولمْ تعُد تُريد أنْ تتذكر بأنها قد تناولت مثل هكذا  قضية في يوم ما! 
مازالَ  المالكي هو اللاعب الرئيس في هذا المشهد المُعبّد بالدّم والخراب،فهو الذي يملك القوة والتأثير على معظم المليشيات الشيعية المسلحة،اضافة الى الحشد الشعبي ،الذي جاء تشكيله بناء على مقترحٍ منه قبل مغادرته للسلطة .
فإذا ما أردنا ان نوجِّه رسالة نعبر فيها عن موقفنا ونُخاطبَ بها شخصية نعتقد بأنها تتحملُ مسؤولية سقوط الموصل تحت سلطة دولة الخلافةوماجرى فيها بعد ذلك من عملية تدمير وذبح لسكانها فعلينا أنْ نوجهها الى المالكي شخصيا،لأنّه يتحمل وحدهُ ماجَرى ومايجري فيها من انتهاكات ضد سكانها،قبل أنْ نحمّلَ القادة مِن عسكريين ومدنيين الذين هربوا منها ولم يقاتلوا دفاعا عنها .
إلى نوري المالكي ..
إعلمْ،بأنَّ الشعوب الحيَّة لنْ تموتْ،وأَّنَّ ألاكاذيب لنْ تصنعَ أبطالاً ولاتاريخاً ولامجداً..ومَن يُراهن على أنْ يُسقِطَ مَدينة مِن ذاكرة الإنسانية بالاكاذيب،لنْ ينجح .
واعلَمْ،بأنَّ الأيامَ كتابٌ مفتوح ستقرأ الاجيال القادمة بين سطوره قصَّةَ مدينةٍ ــ إسمها الموصل ــ طُعنَت في ظهرِها بأكثر مِن سكينٍ وأكثر من يَدٍ،وكَمْ كابَدت في محنتها،ثم انتصرتْ ــ بعد مائة عَام  ــ لشرفها.
اليوم تُقدِّم الموصل كوكبة أخرى مِن الشهداء مَنَحت دمَها قرباناً لكرامة مدينتهم، وانتماءً لوطنهم العراق وليس لوطنٍ وعنوانٍ آخر..
أرجو أنْ تفهَم هذا الدَّرس،لأني أُقدِّرُ وضعكَ تماماً،في أنّك بطىءٌ جداً في الفَهَمْ ،فحاول أن تفهم،فماتبقى من الوقت شحيح جداً .
الذين أعدَمَهم تنظيم دولة الخلافة في أواخر شهر حزيران الحالي المصادف في شهر رمضان وعددهم اكثر من 25 شابا بدعوى تورطهم بالتجسس على دولة الخلافة،تفنن في اساليب قتلِهم بطرق وحشية لم تعهدها البشرية في تاريخها،لم يتوصل اليها أعتى المجرمين.
هؤلاء لم يرفعوا راية يَزيد،ولاتوسَّلوا بمعاوية أنْ ينقذهم قبل أنْ يلفظوا أنفاسهم..
هم نطقوا بالشهادة،مثلما نطقها الحسين،والجندي الآسيرمصطفى هاني ابن مدينة الثورة الذي أعدمه تنظيم الخلافة قبل شهر من الآن في الفلوجة .
تذكَّر هذا جيداً،لأنك كُنتَ ومَازلتَ مُصرَّا على أنْ توصِم مَن يختلف مَعك من أتباع الطائفة السنية على أنَّه من جيش يَزيد،وهذا يعني بأنك تطلب الثأر من كل الذين  ينتمون الى هذه الطائفة أينما كانوا،وهُمْ يعدّون بالملايين،فهل ستُحمِّلَ هذه الملايين الموزعة على الكرة الارضية والتي تنتمي لجنسيات وقوميات مختلفة جريمة لم يرتكبوها ؟ .
هل ستمضي بهذا الشوط الدامي حتى النهاية ؟..وماالنقطة التي ستجعلك تقف مكتفياً بما سَال مِن دَم لتأمر زحفك الثأري بأنْ يكُفَّ عن الاستمرار بالقتل ثأراً للحسين ؟ كم من الارواح ستُزهَق من أجل أنْ تبدوــ  أنتْ ــ بالصورة التي ترغب فيها أنْ تكون أمَامَ اتباعك،مُخلِصَاً في الثأر للحسين ؟..كم من الرؤؤس ستسقط في سفر هذا الدَّم لأجل أنْ تبقى في نظر مُريديك مُختار العَصر كما تُحب أن يُطلقَ أن عليك ؟. . كَمْ مِنْ مدينة ستسقط  بعد الموصل؟..كم مِنْ عائلة ستُهجَّر ؟.. كم مِنْ شيخ سيموت مِنَ الحزن ؟..كم مِنْ إمرأة ستضيع ؟.. كم مِنْ طفل سيمتلىء قلبه بالحقد ؟..كم مِنْ جيلٍ سيُسحقُ في هذه المحرقة  بدعوى الثأر للحسين ؟.
أنتَ تعلمُ جيدا أنْ لاأحد من اتباع الطائفة السنية ــ من الاجيال التي جاءت بعد تلك الجريمة التي وقعت بحق الحسين وأهله ــ مسؤولا عنها،وهم أول مَن يتبرأ منها ومِنَ الذين كانوا وراء ارتكابها،ولنْ تستطيع أنتَ ولا أي واحدٍ آخر أنْ يلوي عنق الحقيقة مهما اتَّكأ على مخيلة شعبية مُلِئتْ بها رؤوس البسطاء الأميين من الطائفة الشيعية عبر عشرات السنين،فكان نتيجتها أن ضاع بسببها جوهر الدين القائم على السماحة،وبدلا عنه صار قتل المُسلم لأخيه المُسلم طاعةً وتقرباً لله !.
أنا لاأشك أبداً بأنك تدرك جيدا ماذا تفعل،ولاأشك أبداً في أنك مؤمن بما تفعل ،ولاأشك أبداً في أنَّ لديك ايمانٌ عميق على أنك مُسلم طاهر في نواياكْ،وعلى أنك تتقرب بما تفعل الى الله،ولايداخلك شعور بالندم على مافعلت فيما مضى وماستفعل، ولاأشكُّ أبداً في أنك لست وحدك على هذه الصورة من الايمان،فمثلك آخرين من بين اعضاء حزبك ــ حزب الدعوة ــ يحيطون بك،ومثلهم آخرين يقفون على بعد خطوة منك،ينتظرون الفرصة أنْ تأتيهم ليأتوا بما أتيتَ أنتَ وأكثر،ومِنْ بين هؤلاء مَنْ يحمل إيمانا عميقا مثلما أنت عليه من إيمان بهذه المعركة التي تخوضها انت،ومِنهم من هو ليس بمؤمِن لكنه يؤمن بما أنت مؤمن به .
أنا على يقين بأنك لاتنتمي إلى زمننا هذا،وتعيش زمناً خاصاً لاعلاقة له بِنَا، ولابواقعنا ولابالحقائق التي نتعايش معها ولابالمنطق الذي يحكم افعالنا..فمالديك ومايحتويك وتحتويه ماهو إلاّ زمنٌ افتراضي،أجدك قد استعرته من مُخيلة جامحة تناوبَ على نسج حكاياتها،كهنةٌ ورجالُ دين وساسة،أتقنوا النَّسج افضل إتقان،بعيداً عن تفاصيل الحكاية التاريخية،وبعيدا جداً عن الواقع والواقعة،وقريبا جداًمن الرغبات والنوايا والمطامع والمطامح السياسية.
لن أطيل عليك..وسأختصر فيما اريد أنْ اقوله لك، قبل نفاذ الوقت ونفاذ الصبر .
المِحنة تتسعُ يوماً بعد آخر،والجُرح عميقاً جداً يغورُ في الرّوح،وأرقام الضحايا ستصبح أكبر مما يمكن أن تتخيله أنتْ،وشظايا المِحنة ستطال الكُل،بما فيهم أنتْ،ولن تأمَن شرَّها مِلّة ولاطائفة..عندها ستختفي شيئا فشيئا صور المتورطين بأسبابها،إلاَّ صورتكَ أنتْ ستبقى من بين جميع الصور،ولنْ تمحوها السنين .
وحدك مَنْ سيبقى في الصورة،ومَنْ سيتحمل مسؤولية ماجرى للعراق،وماجرى لأتباع الحسين.
سيتخلى عنك جميع من صفقوا لك وأقنعوك بأنك مختار العصر..ستجد نفسك وحيداًبلاأتباع ولامُريدين ولاأعوان ولاأصحاب..لاأرض تحتويك في شرق البلاد ولاسماء في غربها تستظل بفيئها..
ستنتهي كما انتهى قبلك حُكّاما،غابت الحِكمة عنهم،فحكموا على انفسِهم قبل أنْ يحكم عليهم الدّهر .

24
حِلفُ  الصَّامتين ..

                                                   
مروان ياسين الدليمي
صَوتُكم ــ الحُرْ  ــ يستحق التأييد والاحترام والتقدير وهو يُعلن إدانته الشديدة لجريمة سبايكر، وسبي النساءالايزيديات،وتهجير المسيحيين .
إلاّ أننا نضعُ أكثر مِن علامة استفهام وتعجب،أمَام صَمتكم  ـ الحُرْ ـ على مشهد الأنباريين وهم يقفون يائسين على جسر بزيبز،ينتظرون السماح لهم بأن يدخلوا بغداد..!!!؟؟؟؟؟
فهل صمتكم يعني أنكم تؤيدون أنْ يبقوا في العَراء ينتظرون موتهم البطيء تحت حرارة الشمس  ؟
أم تجدون في موت النساء والاطفال والشيوخ المدنيين أمرا طبيعيا بعد أن تآلفتم مع صور الموت اليومي طيلة الاعوام العشرة الماضية ؟
أم أن الموضوع برمَّته لايعنيكم أصلاً طالما ــ هؤلاء ــ على غير مِلتكم وديِنكم وطائفتكم ؟
أم لأنكم تؤمنون بأن الموتَ حَقٌ في العراق ــ بسبب وبدون سبب ــ ومامِن قوَّة تستطيع أن تقف بوجهه  ؟
أم أن حَالكم المُزري قد وصل بكم الى درجة من اليأس والعجز بالشكل الذي اصبحتم تجدون فيه أنْ لاجدوى ولامعنى من الاحتجاج السلمي على قرارات سلطةٍ جائرة،طالما لاتصغي ولاتستجيب ولاتُعر اهمية لأي صوت قد يحتج أو يستهجن او يدين  ممارسات اجهزتها الامنية والعسكرية ضد المواطن ؟
أم أن الخوف بات يداخلكم ويحذركم في أنكم ستنتهون بنفس الطريقة إلتي أنتهى إليها الفنان هادي المهدي والمدرب محمد عباس والاعلامي رعد الجبوري والشيخ قاسم الجنابي إذا ما اعلنتم احتجاجكم ؟
أم أنكم تخشون بأن تتهموا بدعمِكم لِمَنْ تتهمهم السلطة على أنَّهم كانوا ومازالوا حاضنة للأرهاب والارهابيين ؟
أم لأنَّكم في قرارة صَمتكم ــ الاستراتيجي العميق ــ تتأملون بأن تُصرَّ السلطة على موقفها هذا،وأن لاتسمح للأنباريين ابدا بدخول بغداد،لكي تزداد مشاعر الكراهية والحقد بين الطرفين،فتتسع بذلك المسافة بينهما،إلى الحد الذي يصبح العيش المشترك على ارض واحدة ووطن وواحد أمرا مستحيلاً،وصولا الى أن يصبح قرار التقسيم امرا واقعا ومقبولا من قبل الجميع ؟
أم لأنكم وصلتم الى مرحلة مِن الغيبوبة ــ لكثرة الصدمات والنكبات والطعنات ــ إلى الحد الذي اصبحتم فيها غير قادرين على التفكير والتمييز والتحليل والتقدير،فسلمتم أمَركم وحالكم ومستقبلكم ومصيركم ووجودكم ــ المُشترك الديموقراطي الاتحادي ــ إلى أولي الأمر منكم،في أن يقرروا وينفذوا نيابة عنكم،وماعليكم إلاَّ أن تؤيدوا أو تصمتوا ؟
هذه الاسئلة،لن تنتظر اجابة منكم،فالوقت كفيل بالرد عليها بشكل واضح وصريح،والاجابة ــ حسب ظنّي ــ ستكون قاسية لِمن آثَرَ الصمت ولم يشارك الآخرين محنتهم ــ قولاً وفعلاً ــ حتى وإنْ كانوا من غير ابناء جلدته .
وعذره لن يكون مقبولا،فيما لو أقَرَّ بأنَّه لَمْ يَجد ما يستوجب الاهتمام بمصائب الآخرين ــ حتى لو كانوا شركاءه في الوطن ــ لعِظم المصيبة التي كانت عليها مِللتهُ.
كلنا في مركب واحد،ولن يكون أمامنا إلاّ خيار وحيد يفرض علينا بأن نتشارك معا في أختيار وجهة ومسار الرحلة،وأن لانترك مصيرنا مرهونا بقرار يتخذه فرد واحد او حزب واحد او طائفة واحدة،وإلاَّسنكون حمقى بامتياز،لانملك ذاكرة حية تحمينا من الوقوع في المحنة مرَّة وأخرى .

25


النَّقد يُقصي شُعراءَ الموصل
                                             
مروان ياسين الدليمي

هل بدأنا نشهد تخندقا مناطقيا و طائفيا في إطار الفعل الثقافي مثلما هو حال المشهد السياسي العراقي  بعد العام 2003 ؟
هل بدأنا نؤكد في ممارستنا الثقافية على أننا لمْ نعُد نَخجَل،ولمْ نعُد نتلعثم في الإفصاح عن انحيازانا المناطقي والطائفي ؟
وكأننا قد أصبحنا في تصالحٍ ووئامٍ تام مع ماكُنّا نعدهُ خطيئة قبل أنْ يكون خطأً..مع ماكُنّا نَربأُ بأنفسنا عنه مِنْ توصيفات ومصطلحات وعناوين لاترتبط بأيّة صلة بالمنجز الثقافي،بقدر صلتها بماينتمي الى ماهو متخلف من الموروث القَبَلي بكل اشكاله؟
هذا مايبدو لنا في ظاهر صورةٍ إختفى عنها تعدد الألوان،ليتَسيّدَها اللونان الاسود والابيض..صورةٌ شاحبةٌ مُظلِلَة يقف خلف تصديرها مثقفون يفتقرون الى أدنى مستوى من الشعور بقيمة الهوية الوطنية قبل أن تدركهم شؤون المعرفة والثقافة والانصاف بالقول والتفكير .
صورةٌ بات يعكسها مشهد ثقافي ــ عراقي بامتياز ــ طالته شظايا واقعٍ مُلتَبسٍ ومُتلبَّسٍ  بتناحرٍ وتجاهلٍ وتغافلٍ مناطقي وطائفي،إستعار أدواته من واقع سياسي مُشوَّهٍ ومشوِّهٍ جاء نتيجة طبيعية لما فرضه المحتل الاميركي عام 2003 من مفاهيم،كان الهدف منها تدمير القيم والمثل الانسانية التي كانت تجمع الناس على العيش والتعايش المشترك بشتى مِللِهم ونحلهم وفرقهم،إلى الحد الذي لايرى أيّا منهم إلاّ نفسه وطائفته وعشيرته،وكل ماعدا ذلك لاوجود له.وإلاَّ مامعنى أن يٌشطَب شعراء الموصل ــ جميعهم ــ في اصدار ادبي يدََعي توثيق الأسماء الشعرية ــ مع نماذج من نصوصها ـــ التي ظهرت في العراق خلال الاربعين عاما الماضية ؟   
وكأن الموصل وفق هذا الاصدار لم تعرف الشَّعر،ولم تكتب الشَّعر،ولم تحتف بالشَّعر،ولم تنجب شعراء ! وهذا مالايتفق مع السياق العام للثقافة العراقية التي كان الشعر علامتها الفارقة،ولم تكن تخلو اية مدينة ولاقرية عراقية من شاعر ينتمي لها،فكيف الحال بالموصل وهي واحدة من ثلاث مدن عراقية ــ بغداد البصرة النجف ــ كانت منذ العهد العباسي والاموي رافداً حيويا في مسار الثقافة العربية، وكان الشعر أحد أوجهها.
اليست الموصل في طليعة مدن العراق التي احتفت واحتضنت أولى علامات الحداثة والتحديث في المجتمع العراقي ابتدأ من منتصف القرن التاسع عشر؟
اليست لها الريادة الاولى في تأسيس أول مدرسة وأول مشفى وأول مطبعة وأول عرض مسرحي ؟ 
المدينة التي يكون سياق مسارها الحضاري على هذه الصورة لابد أن يولد فيها الشعر بالفطرة على لسان ابنائها وليس العكس هو الصحيح .
لم تكن الموصل مدينة تقبع في مجاهل الصحراء ولامدينة من رمال،وهي المدينة التي يأبى فصل الربيع إلاّ أن يزورها مرتين خلال العام الواحد،ولهذاتكنى بأم الربيعين،فكيف لايولد من ربيعها شعراء .
أن قائمة المطبوعات الشعرية التي صدرت عن شعرائها خلال العقود الاربعة الماضية يطول ذكرها،وفاز عدد من تلك الاصدارات بجوائز عربية ودولية،وقائمة المهرجانات الشعرية التي نظمها شعراء المدينة من الأهمية بمكان أن دفعت معظم شعراء العراق والعرب المشاركة فيها،كما هو الحال في مهرجان ابي تمام بدوراته الاربع(دورته الاولى عام 1971 ودورته الاخيرة عام 2010 ).وكان لبعض شعراء المدينة حضورا متميزا في مهرجانات الشعر العربية كما هو الحال مع وليد الصرَّاف وعمر العناز اللذان كانا من ابرز المشاركين في مسابقة امير الشعراء في ابوظبي،وقد اكتشف الصرَّاف عندما شارك قبل عامين بمهرجان شعري في موريتانيا ــ بلد المليون شاعر ـــ ان اغلب الحاضرين يحفظون اشعاره ويتغنون بها.   
مادفعني الى هذه المقدمة  ــ التي تحمل رسالة احتجاج اكثر مما تشير الى خلل في عجلة الثقافة العراقية ــ قراءتي لكتاب يحمل عنون(القيثارة والقربان..الشعر العراقي منذ السبعينات وحتى اليوم) الصادر بطبعته الاولى عام 2013 عن دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع (553 صفحة ) وقد تولى تحريره وتقديمه سهيل نجم،كما كتب مقدمة مطوّلة له الشاعر شوقي عبد الامير .
كما يبدو فإن  هذا الاصدار قد جاء ليكون مصدرا  للدارسين والباحثين،  يسهل عليهم معرفة خارطة الشعر العراقي خلال اربعة عقود مضت،اسماءً ونصوصاً .
الملاحظة الجوهرية التي تسجل على هذا المطبوع إغفاله ــ التَّام  ــ لكل الاسماء التي كَتبت الشعر في مدينة الموصل خلال الفترة التي رصدها وارشفها،مع ان الذين كتبوا الشعر خلال الاربعين عام الماضية في مدينة الموصل كان لهم حضورهم المؤثر خلال هذه الفترة،نذكر بعضا منهم على سبيل المثال لاالحصر:معد الجبوري،عبد الوهاب اسماعيل،سالم الخباز، ذوالنون  الاطرقجي،مزاحم علاوي،حيدر محمود،امجد محمد سعيد،يونس صدّيق،رعد فاضل،نامق سلطان،إياد العبّار،محمد صابر عبيد،كرم الاعرجي،كمال عبد الرحمن،كامل النعيمي،زهير بردى،اوس الفتيحات،عبد المنعم الامير،وليد الصراف،عمر العناز،هشام عبد الكريم،محمود الدليمي،ماجد حامد محمد، حاتم حسام الدين،باسل كلاوي،جلال الصائغ،علي حيدر ،مروان ياسين الدليمي،امير بولص وعد الله ايليا،وآخرين.
في المقدمة التي تصدَّرت المطبوع يقول محرر الكتاب سهيل نجم إن:" القارىء سيجد هنا قعقعة اصوات الحروب والآمها وسرفات الدبابات ونداءات وتذمرات،فضلا عن الاصوات الداخلية التي تشتكي العزلة والوحدة ومصارعة وحش الغربة الممضة " .
ويبدو أن سهيل نجم ولا عبد الامير لم يجدا في نصوص شعراء الموصل" قعقعة اصوات الحروب والآمها وسرفات الدبابات ونداءات وتذمرات،فضلا عن الاصوات الداخلية التي تشتكي العزلة والوحدة ومصارعة وحش الغربة الممضة". ولربما وجدوهم قد انصرفوا الى عوالم اخرى لاصلة لها بهموم الشعر العراقي التراجيدية،ولهذ لم يحتف الكتاب بهم .
اي متابع للشعر العراقي المنتج خلال العقود الاربعة الماضية لايستطيع ابدا أن يتجاهل صوتا شعريا مثل مَعَد الجبوري أو رعد فاضل على سبيل المثال .
بنفس الوقت نجد عديد من الاسماء العراقية التي وردت في هذا الاصدار لايمكن مقارنة منتوجها الشعري ــ من الناحية الفنية ــ بمايكتبه الجبوري وفاضل،بما تحمله اشعارهما من  دلالات تشير الى أنهما كانا في تفكير دائم بانتاج نص شعري يحمل علامات التجديد والتفرد  في بنية النص الفنية .
هذا التجاهل  ــ سواء كان مقصودا أم غير مقصود ــ يحمل بين طياته  اجحافا كبيرا بحق شعراء مدينة الموصل،قبل أن يكون تنصُّلاً عن شرف الأمانة العلمية التي يتوجب على الباحث أن يتمسك بها،وهذا ما يفرض علينا أن نطرح سؤالا جوهريا على محرر الكتاب: لماذا تعامَلَ بهذه الطريقة ــ التي اقل مايقال عنها انها تفتقد الى العلمية والموضوعية والأنصاف ــ  مع شعراء الموصل،مع أن المدينة لم تكن طارئة بين المدن العراقية،سواء في وجودهاالتاريخي أوفي حضورها الشعري،بل على العكس من ذلك كانت دائما حاضرة وفاعلة طيلة وجودها الذي يمتد لمئات السنين في الثقافة العراقية والعربية ؟
أجد أن السيد محرر الكتاب سهيل نجم والشاعر شوقي عبد الامير الذي كتب المقدمة له،قد وضعا نفسيهما في زاوية حرجة أمام الباحثين والنقاد والمبدعين المنصفين ــ الذين سينصفونهما جيدا ــ  عندما سيطرحون عليهما اسئلة  محددة بلا أدنى شك : لماذا هذا التجاهل ؟ هل كان القصد منه مدينة الموصل أم شعراءها ؟
جوابهما في كلا الحالتين سيزيد الطين بِلة،فالموصل لايستطيع أن يتجاهلها أحد، مهما كان وأيّا كان ،ولاحتى شعراءها .
ختاما نرجو ان يكون النسيان، وليس أمراً آخر، وراء هذا النسيان  .


26
رواية سقوط سرداب .. للكاتب العراقي .. نوزت شمدين   
           تنوع الوحدات الأسلوبية في  البناء السردي

                         
                                                                  مروان ياسين الدليمي
الناشر/المؤسسة العربية للدراسات والنشر/الطبعة الاولى .
تناوب الرؤى
نَسَجت مخيلة نَوزتْ شَمْدينْ السردية علاقة فنية مُركَّبة في رواية سقوط سرداب،مِن خلالها حَاول أنْ يؤسس عَالما سردياً يكشف أوجاع الانسان في أزمنة يواجه فيها عالما واقعيا تتمدد فيه سلطة الخوف والتقارير السرية ومفارز الأمن والاستخبارات   وهي تقتحم النفوس قبل أن تقتحم البيوت..علاقة في متنها الحكائي يجمعُ المؤلف تداخلات المتخيّل السردي مع الحدث الواقعي في تركيبة تتأرجح مابين:رؤية داخلية، اضطلعت بهاالشخصيةالرئيسة/الساردةللأحداث(ثائر)ورؤيةخارجية/تقريرية اضطلع بها الراوي العليم بكل شيء.
خارطة هذه العلائق الفنية تكشّفت خطوطها في بنية الرواية،متواشجة مابين سلطتي الزمان والمكان،خاصة وان السّرداب ــ باعتباره حيزا مكانيا ــ يشكل بؤرة مركزية محدودة ومنغلقة على شخصية واحدة داخل سلطة زمن ساكن محدود،إلاّ أن شمدين جعل من هذا الحيز المكاني منطلقا لرؤية ذاتية نحو مديات زمنية أوسع ــ زمانا ومكانا ــ  ازاء احداث  وشخصيات عديدة تتوزع في ازمنة وامكنة بعيدة تمتد من مطلع القرن العشرين حتى العام 2003 حيث سقطت الدولة العراقية مع سقوط نظام صدام عندما استباحت البلاد قوات الاحتلال الاميركي وليسقط معها السرداب الذي احتمت فيه الشخصية الرئيسة (ثائر)بعد أن هرب من الجيش .
تكشف بنية المتن الحكائي في مسار الرواية السردي خروجه عن نظام التتابع الزمني في اطاره العام ونهوضه متهيكلاً على اسس علاقة فنية ينتظم فيها شكل الزمن في المتن الحكائي ضمن مستويات متراكبة مابين  التوازي والتداخل والاستباق والارتداد داخل المتن الحكائي .
هذا التجاور والحضور لأنظمة  سردية في صياغة زمن مكونات المتن الحكائي المسرود يشيرُ إلى ان البنية الفنية التي ارتكز عليها شمدين في تكوين منظومة تقانات خطابه السردي قائمة على تقديم العلاقات السردية التي تحتفي بها نماذج رواية مابعد الحداثة،مُستبعدا بذلك العلاقات السببية التي عادة ماتنتظم فيها مقدمات الرواية التقليدية في استباقها للنتائج .
اختيار هذا الاجتراح التقناتي الذي انتظمت فيه نظم الصَّوغ،منح القارىء فرصة كي يعيد تفكيك وتنظيم هذا الزمن المتناثر في المادة الحكائية،ليتولى بنفسه اعادة ترتيبها من جديد،بذلك يكون شمدين ـــ وفق هذه الرؤية ـــ قد إستخدم تقانات وحدات اسلوبية متنوعة في بناء حبكته الروائية،سواء في استثمار صيغة التقارير الصحفية التي عثرعليها في السرداب الذي تختبىء فيه الشخصية الرئيسة،او النشرات الإخبارية الاذاعية عبر المذياع الصغير الذي رافقه طيلة 12 عام في عزلته ،اوالمعلومة المستلة من ركام الوثائق التي تركها جده الذي كان حريصا على ان يؤرخ الاحداث العامة،او ماتبوح به المخطوطات الشخصية التي خطها والده العميد في الجيش العراقي وهو يكشف من خلالها حقيقة التزييف الذي طال سيرته الوطنية.
يمكننا القول بأن شمدين قد انشأ مفتتحا سرديا ــ يحسب له ــ في مسار تجربة الكتابة الروائية داخل مدينة الموصل ــ تحديدا ــ التي لم يشهد تاريخها الثقافي أهتماما واضحا في الكتابة الروائية إلاّ عدد محدود من  المحاولات،اغلبها لم ترتهن التجربة فيها ــ في اطارها الفني ــ الى تأكيد حضورها الخاص،وفقا لما تفرضه الكتابة الروائية من ضرورة الدخول في مساحات الكشف والاجتراح الشكلاني وذلك من خلال مَركَزَة الاسلوب السردي ،المنطلق من عتبة وجهة النظرالذاتية أو التبئير حسب مصطلح الناقد جيرار جينت،والتي يقول عنها د.عبد الله ابراهيم في كتابه المعنون(المتخيل السردي): " الرؤية ،تقدم عالما فنيا، تقوم بتكوينه أونقله، عن رؤية أخرى" . وبقيت كثير من التجارب ــ الموصلية ــ في اطار ارهاصات الكتابة الروائية التي لم تتخلص من الموروث التقليدي ولم تكشف عن هوية واضحة  .
إضافة إلى ذلك فان المؤلف قد تناول في عمله هذا وقائع تاريخية معاصرة لازالت تداعيات بعض فصولها تلقي بظلالها الثقيلة على الحاضر والمستقبل،حاول من خلالها أن يعكس رؤية ذاتية تأتي من خارج اطار منظومة الكتابات التي عودتنا عليها الاقلام في مدينة الموصل والتي غالبا ماتتسم بالمحافظة وعدم التوغل بعيدا في مناطق حساسة من التاريخ، سواء البعيد منه أو القريب .
المتن الحكائي
إن المادة الحكائية كمايقول د. عبد الله ابراهيم في كتابه المتخيل السردي:"ماهي إلا متن مصاغ صوغا سرديا،وهذا المتن إنما هو خلاصة تماهي العناصر الفنية الاساسية وهي الحدث والشخصية والخلفية الزمانية – المكانية،بالوسائل السردية التي نهضت بمهمة نسجها وصياغتها ".
وهنا في هذه الرواية تبدأالمادة الحكائية من شخصية أحلام،ارملة الشهيد سالم جميل ابو درع،الذي كان يحمل رتبة عميد ركن في الحرس الجمهوري ايام الحرب العراقية الايرانية،قبل أن يقرر الهرب من ساحة المعركة تاركا خلف ظهره سيرة ذاتية متوّجة بانواط الشجاعة كان قد قلده اياها رئيس الجمهورية صدام حسين نتيجة بطولاته وحسن ادارته لصنف الدروع الذي كان يقوده.ويأتي قراره بالهرب متجها الى محافظة السليمانية في شمال العراق ملتجئا عند الاكراد بعد أن اكتشف ماكان قد دبَّرَهُ له عدد من رفاقه الضباط من مكيدة ــ نتيجة عدم اتفاقه معهم على ماكانوا يقدمونه من تقارير مزيفة الى القيادة العليا حول معارك وبطولات وهميةلاوجود لها على ارض الواقع ـــ فما كان منهم إلاّ أن يتآمروا ضده ويرفعوا تقريرا الى المراجع العسكرية العليا،يفيد بسرقته لعدد من قطع السلاح،وهذا يعني ان عقوبة شديدة ستطاله فتوصمه هو وعائلته بعار الخيانة وقد يتعرض بسببها الى الاعدام،وقبل ان يهرب كان اتفق مع احد الجنود على ان يروّج قصَّة مقتله في ساحة المعركة، وانَّ جسده قد تناثر الى شظايا نتيجة قذيفة سقطت عليه.وبناء على افادة الجندي تحصل عائلته على كل المزايا والمكرمات التي تنالها عائلة الشهيد،إلاّ أن الجندي  يتراجع عن شهادته فيما بعد ليكشف قصة هروبه من ساحة المعركة،فيتم تجريد عائلة العميد من جميع الحقوق وتصادر كل الاملاك المسجلة بأسمه وليلحقها عار الخيانة.إلا ان العميد سالم شاء أن يعود سرا من شمال العراق ليختفي في سرداب بيته حتى يموت ويدفن داخله .
تبدو لنا شخصية احلام،إمرأة خائفة جدا على ابنها(ثائر)وهو الولد الوحيد بين خمس بنات،فقبل أن ينهي دراسته للحقوق ويلتحق في الخدمة العسكرية،يدفعها خوفها عليه من أن تخطفه الحرب، بأن تضع خطة محكمة لانقاذه من هذا المصير،وتبدأ بتنفيذها ماأن يعود ثائر الى البيت في احدى اجازاته الدورية،لتخفيه في سرداب عميق داخل البيت،مانعة ايّاً من افراد العائلة الاقتراب منه،كما تقرأ على مسمع ابناء الحارة ورجال الحزب الحاكم ــ المسؤولين عن مراقبة الحي ـــ رسالة مزيَّفة من ابنها الهارب الى اليونان،يخبر والدته فيها قصة هروبه من الجيش وسرقته مدخرات العائلة واعتذاره لوالدته عن هذا الفعل،فتتبرأ منه علنا ــ كما هو متفق عليه مع ابنها ــ وليبقى متخفيا داخل السرداب 12 عاما،وشهرين،وثمانية وعشرين يوما،واثنين وعشرين ساعة،وسبع دقائق.فالرحلة الطويلة في عالم الظلمة والوحدة ــ بعيدا عن العالم الخارجي ـــ تبدأ في تمام الساعة الواحدة وثمانية عشر دقيقة من ظهر يوم الجمعة 11 كانون الثاني 1991 عندما هبط مع والدته درجات السرداب التسع.وقبل ان تبدأ هذه الرحلة ومن اجل بعث روح العزيمة في نفسه ودفعه الى بذل المزيد من الجهد في تعلم فن المكوث مثل بومة في العتمة " تناوبت الام والجدة على تعليمه العيش في الظلام ماأن اصبح طالبا جامعيا في كلية القانون،فكان يُجبَر على تلقي فروض اضافية كل يوم جمعة وهو نصف عار ومعصوب العينين في ملجأ كونكريتي مشيد ضمن حديقة البيت الخلفية.كان بمثابة معسكرا تدريبيا اسبوعيا تجري تفاصيله فجرا بعيدا عن اعين شقيقاته ".
كانت فترة العزلة الذاتية عن العالم الخارجي بمثابة معادل سردي عن عزلة العراق وانكفائه على نفسه بعيدا عن العالم الخارجي طيلة فترة الحصار الدولي الذي فرض عليه بعد غزوه للكويت عام 1991حتى سقوط النظام عام 2003.هذه الفترة شهد الاثنان فيها ــ ثائر والعراق ــ مشاهد دراماتيكية كانت نتيجتها تحولات جذرية لكليهما اخذتهما الى مَالم يكن متوقعا من متغيرات وتحولات.


ثناية الداخل والخارج
ثائر ينتمي الى عائلة ذات اصول طبقية برجوازية،في رصيدها عقارات ومزارع تدر عليها مالا وفيرا جعلها تعيش في بحبوحة من العيش حتى في اصعب الظروف التي كان الناس فيها يعانون من الجوع جراء قسوة الحصار .ولم يكن قبل الدخول في تجربة التخفي سوى  شاب مدلل خجول يتأتىء ويتلعثم في الكلام،وغالبا ماتعرض بسبب ذلك الى السخرية مذ كان طفلا،وحتى في السنوات التي قضاها في كلية الحقوق لم يكن يجروء على التعبير عن عاطفة الحب العنيفة التي كان يشعر بها تجاه زميلته ياسمين التي كان يعشقها عن بعد لمدة اربعة اعوام .
طيلة فترة العزلة داخل السرداب ــ باستثناء العلاقة التي كونها مع الفئران والقطط والصراصيرــ  كانت صلة ثائر بالعالم الخارجي مقطوعة تماما،ولم يكن من شيء يربطه به سوى راديو ترانزستر صغير ينقل له مايجري ويدور خارج جدران السرداب،إضافة الى ماكانت تنقله والدته من اخبار اثناء زياراتها الشهرية له .
وعلى العكس من ذلك فإن  صلته بعالمه الداخلي بدأت تأخذ مسارا آخر غير المسار الذي كانت عليه وهو يعيش على سطح العالم الخارجي،فقد انفتحت ذاته على ذاته  بعد أن كانت الابواب مقفلة بينهما بنفس الوقت الذي انفتحت فيها ذاته  على العالم الخارجي من خلال عالم المعرفة التي طاف فيه بعد اطلاعه  وقراءته للكتب والمخطوطات والوثائق الشخصية التي عثر عليها مكدسة في السرداب داخل صناديق وحقائب من حديد وخشب،تعود لجده المؤرخ ووالده.من هنا يرصد شمدين حالة التحول العميق في وعي الشخصية بعد أن تأتي الفرصة للخروج من عتمة الاسفل ـ السرداب ـ والصعود الى الاعلى ومواجهة العالم الخارجي بعد سقوط النظام.
وبعد أن يكتشف حقيقةعمق الخراب الذي اصاب النفوس قبل أن يصيب العمران لعالم فارقه 12 عاما،وهو يدور في شوارع المدينة ويرى الناس تمارس اعمال النهب والسلب للأموال والمؤسسات العامة بعد أن سقط النظام وغابت سلطة الدولة والقانون،يعود مرة أخرى الى داخل السرداب لكن هذه المرة بإرادته الشخصية وبكامل وعيه،وهو يحمل في ذاته ياسا يجعله غير قادر على البقاء خارج السردب  وأن لاسبيل إلاّ في العودة إليه  مرة اخرى.
" فهبطت الدركة الأولى والثانية توقفت في الثالثة والتفت إلى أمي المتسمرة خلفي مع أخواتي،أزحت الشعر عن وجهي قليلاِ وقلت لها بصوت فيه غلظة:   
-   أغلقيه ورائي."
قبل دخوله الى السرداب كان العالم الخارجي مغلقا امامه،ولم يتجرأ تجربة التواصل معه وأكتشافه بنفسه.فكان نزوله الى العالم السفلي المحشور في سرداب تحت الارض ــ والذي يذكرنا بعوالم كافكا  ــ بمثابة محاولة اكتشاف للعالم الخارجي بعد أن كان مغلقا امامه حتى ساعة مغادرته له ونزوله الى العالم السفلي.
هذه البنية الفنية المركبة الحلزونية في تكوين العلاقة الثنائية المعقدة مابين الذات والعالم الخارجي صاغها شمدين في معمارية زمنكانية يتقابل فيها(الخارج والداخل ،الاعلى والاسفل،النور والظلمة،المجموع والفرد،الصوت والصمت،الانسان والحيوان،الموت والحياة ،الحلم والواقع)فكانت مخاضا فنيا نسج فيه مادة روائية توفرت فيها شخصيات واحداث وازمنة وامكنة،جاءت داخل بنية فنية لم يتوان المؤلف في استثمار آليات سرد متنوعة في تشكيلها .

27
حماقاتُنا ساعة النَّصر

مروان ياسين الدليمي

يبدو أن سِمة الاعتدال في التفكيروالسلوك هي ابعد ماتكون عن العراقيين، حتى ان البعض منّا بات شبه مقتنع على اننا اقرب بكثير الى السلوك المتطرف منه الى الاعتدال.
البعض يرجع سبب ذلك الى التكوين الخَلقي،وكأن اصحاب هذا الرأي يقولون لنا بأن المسألة قدرية،ولاسبيل للخلاص منها،مهما مضت  سفينة الحياة بالعراقيين وشقت بهم وبجهودهم عباب التخلف .
احيانا يداخلنا الشك فنضعف امام هذه الرأي عندما نجد المواقف المتطرفة يتكرر انتاجها،فتكشف عن بشاعتها جموع غفيرة من العراقيين وهم يعيدون  انتاج مشهد تاريخي مازال مُختزَنا في ذاكرتهم الجمعية يبعث فيهم مشاعر الآسى والأسف والندم كلما استذكروه،فالمشهدُ يعاد انتاجه بنفس الصورة والتفاصيل والالوان،مشهد يحمل الينا الكثير من  هواجس الفزع والخوف، ولايترك فينا ـــ ولو خيطا ضئيلا ـــ اي شعور بالاطمئنان على ماسيأتي في قادم الايام .
وانت تدقق في انفعالات ابطال المشهد،وهم يتوزعون في مساحة الصورة، يحيطون باجساد القتلى،ستجدهم يحملون التعابير ذاتها،والاشارات ذاتها، وستجد أمامك وجوهاً تشعر بفرح غامر وهي تقتل وتحرق وتنهب،وكأن الصورة نفسها تتكرر منذ عشرات السنين،بنفس المشهد والوجوه،ورغم أن القتلى غير القتلى،لكن لافرق هنا بين ملك قتيل مضرج بدمائه في باحة قصر الزهور لم يكن يحمل سلاحا بيده،وبين شيخ حافٍ طاعن في السن مضرج بدمائه على رصيف في مدينة تكريت ـــ لم يكن هو الآخر يحمل سلاحا بيده ــ طاله رصاص المُحرِرِين بعد أن تقطعت به السبل،فلم يستطع النفاذ بجلده من ساحة المعركة فما كان إلاّ أن يُحسبَ في عداد الاعداء والخصوم المتطرفين !.
في ساعة الانتصار،وفي اللحظة التي ينبغي أن يكون فيها العراقيون اقوياء،مالذي يدعو الى أن تصيب الغيبوبة عقولهم،فتجدهم في لحظة ضعف تسحق فيهم انسانيتهم وتسرق منهم ثمرة نصرهم ومابذلوه من جهد وعرق ودم !؟
مالذي يدفعهم الى أن يعيدوا انتاج ماهو  مُخزٍ  من الافعال سبقهم إلى ارتكابها بعض اسلافهم،وهي افعال اقل مايقال عنها بأنها وحشية وبربرية ـــ مثلما حصل في ديالى والحويجة وتكريت ــ كالتمثيل بجثث القتلى وحرقها ونهب البيوت والممتلكات العامة والخاصة ؟
الاشد قسوة هنا،عندما تصدر هذه الافعال من قوات عسكرية حكومية اوميليشيا مدعومة من الدولة ترفع شعارات الدفاع عن الوطن والمواطن وهي تخوض معارك تحرير المدن من المتطرفين والارهابيين !  .
 مالذي يجعلهم يرتكبون ــ ساعة انتصارهم على خصمهم ـــ حماقات لاتليق بطبعهم المتسم ــ في الظروف الطبيعية ـــ بالبساطة والطيبة والعفوية ؟
إلى متى  سنبقى ندور في هذه الدائرة المغلقة،وكأننا محكوم علينا بأن نخلع الاعتدال من طبيعتنا البشرية  لنستحيل وحوشاً حتى مع من هم ابناء جلدتنا ووطننا  ؟


28

تبادلية العلاقة مابين الواقع والخيال في الفن السينمائي .

                                                           
                                                                                مروان ياسين الدليمي
مابين الفن والعلم
هنالك علاقة وثيقة وجوهرية تربط الواقع بالخيال في كل الفنون الابداعية رغم التقاطع الحاد مابين هذين العالمين.
الواقع بما تُشكِّل فيه الصور والاشياء حقائق ملموسة،والخيال الذي يكون مُنطلقهُ مُخيلة الانسان،بما تملكه المخيلة من مساحة واسعة في بناء صورةِ لعلاقات متخيلةٍ تبتعد تماما في تكوينها عن المنطق والسببية،حتى فيما لو إستعارت مفردات تلك الصورة وعناصرها من الواقع.
الفنون لوحدها فقط تمتلك مساحة واسعة  ــ العلم لايمتلكها مطلقا ــ تجمع النقائض التي تتشكل من : 1- صور الواقع 2-  شطحات المخيلة.
من خلال هذه المساحة  يُبنى عالما جديدا مُفتَرضا تنتجه مخيلة المبدع،هذا العالم الواقعي المُتخيَّل،تتم فيه ومن خلاله مُحاكاتُ أو تخاطرُ أوهَدمُ وإعادةُ بناءِ الواقع باساليب فنية متنوعة ومختلفة،مَرَّة يختارُ فيها المبدع أنْ يكون واقعيا أو تجريديا أو سرياليا أو انطباعيا او تعبيريا ... الخ من الاساليب والمدارس الفنية التي تراكمت في تاريخ الفنون،بينما في المقابل تعجز العلوم عن ذلك،لانَّ جوهرها قائم على عمليات حسابية دقيقة لاتقبل الخطأ،ولامكان للخيال فيها مطلقاً .
تبادل الادوار
طيلة المسار التاريخي للفنون بقيت هذه العلاقة مابين الواقع والخيال قائمة،ولم يخفت توهجها،وكلاهما تبادلا الأدوار فيما بينهما حسب ما يشاء الفنان،مرة ينهض الواقع ليلعب دوره كاملا انطلاقا من ساحة الخيال،وأخرى يلعب الخيال دوره كاملا انطلاقا من ساحة الواقع،وينعكس ذلك واضحا في طبيعة الصورة النهائية التي ينتجها الفنان بما تحمله رؤيته للموضوع من ادوات واساليب في التناول.
وحرية التنقل من الواقع الى الخيال لن تقتصر على فنون معينة لتنحسر أو تختفي في فنون أخرى،إنما تشترك في ذلك كل الفنون السمعية منها والمرئية .
أما فيما يتعلق بمدى منطقية مايُطرح من علاقات واقعية في العمل الفني الذي يتأسس على الخيال بدرجة أساسية،أو منطقية العلاقات الخيالية في العمل الذي يتأسس على الواقع،فيبقى أمر ذلك مرهوناً بقدرة الفنان وموهبته في استثمار ادواته بالشكل الذي يتمكن من خلال معالجته ورؤيته الفنية على تحقيق التأثيرالذي ينشده،سواء كان تأثيرا عاطفيا أو فلسفيا ،لايصال خطابه الفني .
في الفن السينمائي
لو عدنا بالذاكرة إلى الوراء لكي نتأمل بعمق بدايات الفن السينمائي،في اللحظة التي شرعت فيها عتلات كاميرات السينما تدور لأول مرة،حينما صور المهندسان الفرنسيان الاخوين لومير(اوجست ماري لوي نيقولا 19 اكتوبر 1862 – 10 ابريل 1954 )ولويس جان( 5 اكتوبر 1864 – 6 يونيو 1948 )أول الاشرطة السينمائية عام 1869،وكان زمن عرض الشريط لايستغرق سوى 46 ثانية،وقد تم تصنيف الفلم من قبل النقاد على أنَّهُ أول فلم وثائقي،وذلك لأنه يتابع حركة وصول قطار ونزول المسافرين منه على أرض المحطة .
عند مشاهدتنا للفلم سنكتشف أنَّ(الاخوين لومير)حاولا أن ينقلا حركة الاشياء كما تجري في الواقع دون أن يتدخلا في إعادة تركيبها فنيا وفقا لخيالهما،بل اكتفيا بعملية تسجيل الحركة على الشريط السينمائي،كما تجري بتفاصيلها الواقعية.وسبب ذلك يعود الى أنَّ الهدف من عملهما لم يكن صناعة فلم سينمائي،ذلك لأنَّ الفن السينمائي حتى تلك الساعة لم يكن موجودا،والخطوة التي أقدما عليها تعد هي اللبنة الاولى في  بناء طريق اكتشاف اسرارهذا الفن من غير أن يدركا ذلك.
مِن البديهي أن الاشياء في لحظة خَلقها تكون بداياتها بسيطة وتفتقر الى القواعد الواضحة المحسوبة والمُدَرَكة التي تحكم بنائها،ولكن بتوالي التجارب تنضج وتتطور إلى أن تكتمل وهكذا الاساليب والقواعد يتم التوصل اليها حتى تصبح فيما بعد منطلقا لأي عمل فني .
وفيما يتعلق بفلم الأخوة لومير لانستطيع أن نجزم بشكل قاطع غياب الخيال عن عملهما،خاصة إذا ماعلمنا أن عدد من مؤرّخي تطور الفن السينمائي يؤكدون في مؤلفاتهم بأن جميع ركاب القطار كانوا من أصدقاء الاخوين لومير وقد تمت دعوتهم لكي يؤدوا أدوارهم باعتبارهم ركابا يستقلون القطار،هنا بالضبط يَكمنُ هامش الخيال البسيط الذي تحرَّك فيه الاخوين لومير ولكن بلا أدنى شك رغم بساطته كان  له أهميته التاريخية.
بعد هذه التجربة توالت تجارب اخرى يعرفها دارسو الفن السينمائي كانت جميعها تنسج على منوال ماسبقها،مع اضافات صغيرة هنا وهناك،إلى أن نضجت جُملة من القواعد باتت تحكُم وتوجِّه أي واحدٍ يحاول أن يخرج فلما سينمائيا،ومع نضج هذه القواعد واتضاح صورتها ومدى تأثيرها في بناء الفلم،كانت مساحة الخيال تتسع هي الاخرى،لتصبح أهميتها في البناء الفلمي موازية للواقع،وباتت تتبادل معه الادوار والمساحة .
المُنطلَق في المونتاج
إن الخطوة الأهم  ــ بتقديرنا ــ في قضية توسُّع مساحة العلاقة التبادلية مابين الواقع والخيال في الفن السينمائي،جاءت بشكل جوهري من خلال فن المونتاج السينمائي ،الذي لم يكن قد تشكلت ملامحه واسسه حتى العام 1903 عندما أخرج(إدوين إس بورتر) فلمه (سرقة القطار الكبرى)وأهمية هذا الفلم لاتكمن في قيمته الفنية،بقدر ما تأتي أهميته مِن حدث صغير لاعلاقة له بالشريط المصور ومحتواه،وذلك عندما جاءت ساعة عرض الفلم،حينها أعطى المخرج تعليماته للعامل المسؤول عن عرض الفلم بأنَّ له الحرية في أنْ يعرض لقطة عامة كانت من ضمن لقطات الفلم إما يعرضها في بدايته أو في  نهايته حسب ذوقه الشخصي،هذا الموقف الذي تُرِك فيه للعامل أنْ يتحكَّم في موضع اللقطة العامة وحسب(ذوقه الشخصي)لم يكن في حُسبان المخرج سيكون له تأثير ثوري في نضج الوعي الفني لدى العاملين في نطاق الفن السينمائي،ليمنحهم فيما بعد نقطة انطلاق تاريخية وفنية في آن واحد، يكونُ لهم فيها حرية مطلقة في إعادة تركيب الواقع الذي يصورنه في مرحلة المونتاج،وتكون لمخيلتهم الحرية في تقطيع المشهد الواحد وتركيب لقطاته بأكثر من خيار،وفي كل واحد من تلك الخيارات يتم الوصول الى نتائج فنية مختلفة ومتنوعة،من حيث الفكرة والاسلوب والانطباع الحسي لدى المتلقي.
أهميّة المخرج غريفث
ثم جاء  المخرج الاميركي وورك غريفث الذي أحدث تحولا عميقا وجوهريا في بناء الفلم السينمائي بعد أن أخرج خلال الفترة مابين 1908 – 1913  عدد من الافلام القصيرة قبل أن يبدأ في إخراج فلمه الشهير(مولد أمّة)عام 1915.وتوصل في تلك التجارب الاولى الى نتائج هامة جدا،وضعت العناصر الفنية التي تنهض عليها بنية الفن السينمائي،ومازالت تلك العناصر محافظة على أهميتها وحضورها في البناء الفلمي،ولعل أهم ماتوصل اليه كريفث أنْ:يُقسِّم المشهد الواحد الذي يروي حدثا واحداً الى عدة لقطات اثناء التصوير مِن غير أنْ يتم تصوير المشهد دفعة واحدة،وبلا أدنى شك كانت ومازالت هذه القاعدة تشكل جوهر آلية العمل في الفلم السينمائي حتى هذه اللحظة.
إن اكتشافات غريفث لم يتوصل إليها وهو في حالة تأملٍ وعزلة دونما عمل،بقدر ما تفاعلت فيها التجربة العملية والتفكير المستمر في عمله وماكان يتوصل اليه من نتائج.
كريفث لم يكن إلاّ فنانا مغامراً،إعتمد على ذاته وحدسه ومخيلته في التجريب والتقصّي والاكتشاف،وهو ينطلق في حقل فني بكر لتحقيق احلامه مستعينا بمخيلة فذَّة واستثنائية،وعندما أخرج فلمه الطويل (مَولدُ أُمَّةٍ)كانت قد تراكم في ذاكرته الفنية مخزونا معرفيا وقيميا من المفاهيم الفنية إستنتجها بفعل تجاربه الذاتية في افلامه السابقة،فوضع في هذا الفلم كل جهده وخبراته،وجعله ميدانا رحبا لاستعراض ماكان قد توصل اليه من عناصر فنية واساليب في بناء الفلم،والتي اصبحت فيما بعد قيما فنية اساسية لاغنى عنها لأي مخرج وهو يفكر في اخراج مشروعه السينمائي.
هنا لابد أن نذكربعض العناصر الفنية التي أرساها كريفث:لقطة لعين إنسان وهي تنظر من ثقب الباب،لقطات واسعة تستعرض مساحات من الريف،كامير متحركة، قطع متوازي للقطات من مشهدين في زمن واحد،لقطات قريبة ومتوسطة لكسب تعاطف المشاهدين تجاه الشخصية،الى غير ذلك من الاساليب التي تعكس إتساع مساحة الخيال في اعادة تركيب الواقع على الشاشة وخلق واقع آخر موازي له انطلاقا من المخيلة أمست بعد ذلك بؤرة يعتمد عليه المخرج في تشكيل رؤيته الفنية وهو يعالج موضوعات الواقع،وهكذا توالت جهود مخرجين عظام آخرين من بعد غريفث أكملوا ماكان قد بدأه مثل :سيرجي إيزنشتاين وبودفكين .
من هذا السياق الموجز،يتتضح لنا دور واهمية الواقع ووالخيال،باعتبارهما قوَّتان رئيستان في بناء الفلم السينمائي.

29
رواية طابق 99
للكاتبة جنى فواز الحسن

تداعيات الماضي بحثاً عن الذات والوطن والهوية
[/color]

 
مروان ياسين الدليمي



منشورات ضفاف /منشورات الاختلاف
الطبعة الاولى 2014
رواية مرشحة عن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية


عتبة المدخل
"ربما ليس الوطن مكانا ولكن شرطا لايمكن انكاره" جيمس بالدوين .
اختارت جنى الحسن هذه الجملة لتكون عتبة اولى قبل الدخول الى عالم روايتها،مما يفرض على القارىء ان يتوقف عندها،لتكون بمثابة مفتاح دخول الى عالمها السردي .
ماذا يعني الوطن ؟ . .سؤال جوهري يحاصر الشخصيات الرئيسة،كل واحد منهم يسعى من خلال طرحه على نفسه الوصول الى معنى مطمئن يوقف دوامة قلقه وبحثه وهو يمضي في  ترحال بعيد يأخذه إلى خفايا الذات والماضي والأمكنة بحثا عن حقيقة الوطن الذي ينتمون  إليه،فالوطن هو الحضور الطاغي الذي يسكننا،وهو الذي نهجره،ونهاجر اليه،ونعشقه،ونلعنه،وهو الماثل فينا،والغائب عنا .

بنية الزمن السردي

يقول بول ريكور في كتابه الزمان والسرد"يصير الزمن انسانيا مادام ينتظم وفقا لانتظام نمط السرد،وان السرد بدوره يكون ذا معنى مادام يصور ملامح التجربة الزمانية". وبماأن الزمن يشكل وعاء تُبنى الاحداث بين تفاصيله،لذا لايمكن الفصل مابين الزمان والسرد سواء في إطار البناء لدى المؤلف او في اطار تفكيك هذا البناء وتأويله ضمن مسار النقد،فالتلازم يبقى شرطا قائما مابين رواية قصة والطبيعة الزمنية للتجربة الانسانية ــ حسب بول ريكور ــ وعندما نقترب من تفكيك شبكة العمليات التقنية في حركية الحبكة التي ينهض عليها نص هذه الرواية والتي تؤطر جوانب انسانية تحت اقنعتها،فاننا نجد جنى الحسن قد ارتأت ان يكون شكل بناء الزمن ــ الذي سوّغت من خلاله نمو وتطور الاحداث حتى يبدو انسانيا ــ يتحرك مابين الارتداد والاستباق في تداعي الاستذكارات الذاتية للشخصيتين الرئيستين (مجد وهيلدا) وهما تتنقلان خلال الفصول الاربعة للرواية مابين مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982 وبين عام  2000 وكأن الزمن توقف لديهما مابين هذين التاريخين ولم يتحرك. فمَجد كان قد ارتقى بعمله ووجوده ونجاحه حتى أن مكتبه الفخم والانيق يربض في الطابق 99 من احدى ناطحات سحاب مدينة نيويورك وهي علامة على ماوصل اليه من نجاح ومكانة وقوة،كذلك هيلدا،هي الاخرى تعمل في مكتب للأزياء في نفس المبنى،اضافة الى احترافها لفن الرقص الحديث .وكأن أميركا لم تستطع بكل فضاءاتها وحيوتها والفرص الهائلة التي منحتها للدخول الى افاق الحاضر والمستقبل من أن تجعلهما قادران على مغادرة الماضي،ليبقى يلاحقهما ويفرض سطوته على بهجة ونشوة الحب الذي جمعها،بل إن الماضي قد تمكن إلى حد كبير في ان يضع حواجزه واسلاكه ونقاط سيطرته بين مشاعرهما المتدفقة الى حين .
من هنا يأخذالزمن السردي معماريته السيمائية في تشكيل مسار الاحداث عندما يبدأ من نقطة الحاضر ليعود الى الماضي ومن ثم يعود مرة اخرى الى الحاضر،وهكذا تبدو لنا هذه المناورة في هيكلية التصميم لخريط بناء الزمن السردي ،ومحاولة من المؤلفة وهي محاولة لإيجاد معادل شكلي يوحي بما تعيشه الشخصيتان الرئيستان/ الساردتان للاحداث ــ مجد وهيلدا ــ من صراع دائم مع ذاتهما ومع بعضهما ازاء الماضي والحاضر، من هنا كان حضور صوتيهما يتعاقب في بوح متبادل  بينهما او مع اصدقائهما ، ليعكس هذا التناوب صورة جيل آخر يقف حائرا ،غاضبا ،متسائلا ،مشككا ، بما ورثه من ماضي .
هذا السياق الفني الذي اعطى بنية السرد خاصيتها على هذه الصورة جاء مستعارا من تقنية المونتاج المتوازي في بناء الفيلم السينمائي "القت بجسدها على فراشها الأول،وأغمضت عينيها للحظات.كان مجد في سريره ايضا،مغمض العينين يحاول أن يجتاز المسافة ليتوحد بها،سريران منفصلان،ورجل وامرأة وحلم.ماعجز عن قوله لها هو كم أحبَّها،ومالم تقله له،هو أنها ستشعر بأن المكان يضيق من دونه،بأنها ستمد أصابعها في الفضاء لتلتقطه وتشده إليها،ولن تجده" .
المتن الحكائي
عام 84 يصل الصبي الفلسطيني مَجد الى اميركا برفقة والده بعد رحلة هروب من جحيم مجزرة صبرا وشاتيلا التي حدثت عام 82 في لبنان ضد اللاجئين الفلسطينين المقيمين بهذين المخيمين.ثم تلعب الصدفة دورها في أن تنشأ علاقة حب حميمة في  منتصف تسعينات القرن الماضي بين مجد الذي اصبح شابا في منتصف العشرين من عمره،وهيلدا الشابة المسيحية اللبنانية،عندما سمعها تتحدث بالهاتف في مدخل المبنى الذي يتمركز فيه مكتبه في الطابق 99 لصنع العاب الفديو وهذا ماشجعه على الاقتراب منها ليسألها من اين اتت ؟ وليعرف انها لبنانية ولتعرف انه فلسطيني " لم أكن مُعتادا على الحفاوة التي كلمتني بها،ولاأعرف لماذا فعلتْ ذلك،شجعني الأمر على دعوتها لارتشاف القهوة ".هذه العلاقة لن يعكر صفوها سوى التاريخ،سوى الماضي،بحروبه،بعبثيته،بتداعيات مآسيه التي تحملها ذاكرتهما عن الحرب اللبنانية التي كانت قد ابتدأت في منتصف سبعينات القرن الماضي،والتي استمرت اكثر من 15 عاما،خاض فيها حزب الكتائب مواجهة عسكرية شرسة ضد الفلسطينين،لانهم وحسب قناعة الحزب الذي تنتمي له عائلة هيلدا يتحملون جزءا كبيرا من مسؤولية ماجرى من دمار في لبنان .
وتحت تأثير الماضي على هذه العلاقة،يتشكل في داخلهما دافع قوي لإ عادة التفكير والبحث في ماهية العلاقة التي تربطهما مع الماضي والحاضر،مع اميركا،مع الوطن .
مجد:"أعتَرفْ بأني لمْ أشعر بحنين جارف إلى موطني سوى بعد تعرفي بهيلدا، وجدتُ نفسي أروي لها تفاصيل كنتُ أنا نفسي غير مدرك لوجودها في ذهني  ..كنت استرجع زوايا والوانا ظننت انني دفنتها الى غير رجعة،ولكن حتى لون ثوب خالتي الاسود،ووشاحها الابيض كنت استطيع أن ارى قماشه كأن الزمن لايزال هناك " .
مواجهة الماضي
ورغم ألنفوذ الكبير الاجتماعي والسياسي الذي تتمتع به عائلة هيلدا حتى ان والدها يتم ترشيحه لمنصب وزاري،إلاّ أنها اختارت ان تكون حرة في خياراتها،المرّة الاولى عندما تغادر لبنان  بارادتها الى اميركا بحثا عن ذاتها في عالم الرقص الذي ستدرسه هناك.والثانية عندما تعود الى لبنان بحثا عن ذاتها بين ركام الاحداث والحكايات المكدسة في ذاكرة المكان والشخصيات التي كانت جزءا من الماضي الذي يمشي ورائها وكأنه ظلها،والثالثة عندما تقرر مغادرة لبنان للمرة الاخيرة والعودة مرة أخرى الى اميركابعد أن ادارت ظهرها للماضي بكل اكاذيبه عائدة الى حبيبها ،إلى من اختارته أن يكون حاضرها ومستقبلها .
هيلدا :"عندما تقرر أن تدوس الأرض،التي ولدت فيها،بعد غياب طويل،يتطلب الأمر شجاعة قصوى.انت لاتعود إلى ذاكراتك فحسب،بل تنبشهابحثا عن الصواب والخطأ فيها.كانت تلك علّتي طوال عمري،عدم قدرتي على التسليم للأشياء كما هي .ربما لو استطعت أن اكون هذه الأنا المُفترض أنْ أكونها،لكانت الأمور أسهل بكثير .ولكن أقول مُجددا ربما ".
الكراهية ضد الفلسطينين، تلك التي زرعها والد هيلدا في ابنته مُذ كانت طفلة لم يكن من السهل محوها رغم ابتعادها عن العائلة واقامتها لمدة سبعة اعوام في اميركا،لذا كان عليها ان تبذل جهدا حتى تزيح ماضٍ ثقيل عبَّأه عندما كان والدها يسرد لها قصص معاركه وبطولاته برفقة عمها جورج وهم يقاتلون الفلسطينين،الذين سيكونون سببا في انتحار عمها ــــ  حسب مايزعُم والدها في تفسير قرار الانتحار ــــ بعد أن كانوا قد اعتقلوه عند احد الحواجز وحاولوا ان ينتزعوا منه سلاحه،إلاَّ انه رفض ذلك لأن سلاح المقاتل شرفه فقاومهم وتمكن من قتلهم، ،وعندما عاد الى البيت قرر الانتحار،لانَّه لم يتحمل فكرة ان يكون قاتلا  ! !
لم يكن أمام هيلدا من طريقة مُجدية لتصفية حسابها مع ماضٍ ثقيل يطارد علاقتها بمن تعشقه سوى المواجهة معه،هذا إضافة إلى مايضعه الماضي من جدار عال يفصل مابينهما بحجة الدين والهوية الوطنية التي تميزهما عن بعضهما،والمواجهة مع الماضي لن تتم وتكتمل بكل شروطها إلاّ بالعودة الى لبنان،إلى المكان الذي شهد تفاصيل هذا الزمن الذي يسكنها مؤثثا بالدم والرعب..
فالعودة الى المكان/الماضي ماهي إلاّ إعادة اكتشافه من جديد " إريد ان اعرف لماذا غادرتْ،وهل ستكون يوما عودتي النهائية الى هذه الارض مستحيلة ؟ ".فالعودة كانت بهدف اكتشاف حقيقة الحب العميق الذي يجمعها مع قاتل/ فلسطيني ـــ حسب قناعة والدها ـــ وستكون فرصة لتعرف تماما من هو القاتل؟  ومن هو القتيل؟ ومن هوالجاني ؟ ومن هو المجني عليه؟ .
هيلدا:"كنتُ هنا بسببك يامَجد.كنتُ اريد ان اعرف إن احببتك بسبب جراحك،لأثبت أنّي امرأة حنون ومعطاء،أو إن كنتُ قد أحببتكَ لأننا نحب هكذا من دون أن نفهم السبب.عدتُ ايضا لأنك كنت خائفا من عودتي،لأقول لك انك إنْ قررتَ أن تأخذني مجتزأة،ستكرر السبب الذي جعلني أرحل من هنا في الأساس ".
مَجد لم يكُن واثقا من عودة هيلدا اليه مَرّة اخرى بعد ان اتخذت قرار السفر الى لبنان،كان يشعر بالخوف من هذه الرحلة،لانه كان يدرك مدى الصعوبة التي وضع نفسه فيها عندما ارتبط بعلاقة حميمة مع امرأة مسيحية تنتمي عائلتها الى حزب كان بينه وبين الفلسطينين علاقة عداء معمدة بالدم،وهيلدا كانت "جزءاً من منظومة تنتمي الى السلطة،من قوم عاشوا في مَجدِ العائلة والحزب" فليس من السهل ان تُغتَفَر هذه العلاقة من قبل عائلتها،لذا كان يشعر ان عودتها الى لبنان يعني عودتها الى خندق الاعداء الذين لايمكن لهم ان يتسامحوا مع ابنتهم فيما لو واجهتهم بهذه العلاقة.ولم يكن مَجدْ مدركا أن قرار عودتها الى لبنان كان فرصته هو الآخر لكي تخرج روحه الجريحة من اسر جسد منهك بشظايا حرب مجنونة مازالت تدور رحاها بين النفس والمشاعر والاحاسيس.
" إن الدودة لا تتحول إلى فراشة إلاّ عندما تخترق شرنقتها " هذا ماكانت تقوله هيلدا دائما امام مجد ،لذا كانت عودتها بمثابة اكتشاف للذات مثلما هي اكتشاف لحقائق الماضي والتاريخ،وذلك بالتعرف على ماهو مخبوء من حقائق تحت حكايات متوارثة ظلت تتردد على شفاه المتقاتلين،وهذا ما يحصل فعلا عندما تكتشف هيلدا زيف الكثير من تلك القصص التي كان يحرص والدها على ان يعيد سردها على مسامعها،كما هي قصة انتحار عمها،لذا ما كان عليها إلاَّ أن تدير ظهرها لماضي ظل يلاحق عواطفها تجاه من احبته،وبعد أن تكون قد انتهت من تصفية حسابها معه تعود مرة اخرى الى اميركا .
مجد هو الآخر كان اسير ماضٍ حمله معه على شكل ندبة ظاهرة في وجهه،وعوَقا في قدمه عندما كان طفلا ،بعد ان اصيب بشظايا قذيفة سقطتت امام بيتهم في المخيم عام 82 قبل بدء المجزرة بدقائق،فما كان من والده إلاَّ أن يحمله ويركض به الى المستشفى تاركا خلفه زوجته الحامل التي لم يرها من بعد ذلك اليوم،لانها قُتلت من ضمن مئات المدنيين الذين حوصروا وقتلوا بدم بارد في المخيم .
والد مجد كان مدرسا في منظمة الاونروا المسؤولة عن اغاثة اللاجئين الفلسطينيين ،إلا انه اختار ان يتخلى عن الوجاهة التي كان يتمتع بها لكونه يعمل مدرسا،ليرتدي ثياب المقاتل بدلا عن اناقة المدرس،وبعد حصول المجزرة وفقدانه لزوجته والجنين الذي كانت تحمله في بطنها،يصاب بالياس والعجز:"كان أبي قد فقد حماسته للقتال ،واينما مشى بدا وكأنه يجر الخيبة وراءه،كأنه هرم في يوم واحد،وازداد عمره اضعاف السنوات بين ليلة وضحاها فيقرر والد مجد التوقف عن القتال،وبات مقتنعا بأن من يقاتل خارج ارضه "مثل اللي عمَّال يفلح ترابات غيره ". لذا يقرر الهجرة بعيدا عن لبنان متجها الى اميركا من اجل ان يحيا مع ولده في بقعة آمنة بعيدا عن الموت والقتال الذي لم يعد يجد فيه املا بالنصر او العودة الى فلسطين،وبعد أن يطمئن على نجاح ابنه في اميركا الذي اجتاز فيها الدراسة الجامعية بنجاح واسس له شركة لتصنيع العاب الفديو،يموت هناك مِن بعد أنْ يحمِّلَ ولدهُ مَجد وصيته بأنْ يعود في يوم ما إلى الوطن ليطمئن على والدته،وكأنها في قناعته لم تمت،ومازالت حية تنتظره،وهي اشارة واضحة الى أن الوطن المُستلب لن يموت في الذاكرة .




30
  التَّفكير في مواجهة التَّكفير
حول معركة د. اسلام بحيري دفاعا عن رؤيته 

مروان ياسين الدليمي

لايبدو أن هنالك اية علامات واضحة في افقِ ترتفع فيه رايات سوداء تشير بما لايقبل الشك على أن هنالك نيّة جادة لاعادة النظر في كتب التراث الفقهي لدى مؤسسات علمية تدرِّس علوم الدين الاسلامي ويتخرج منها مئات من الطلبة سنويا ليصبحوا فقهاء وخطباء ودعاة وائمة يصغي لهم المجتمع وينصاع لِما يصدر عنهم من احكام،بينما نجد بين طيات  المشهد العام عنفا وتكفيرا وقتلا مستندا الى فتاوى فقهيّة،وهو أمرٌ يبعث رسالة تهديد واضحة للعالم اجمع،فالخطر هنا لم يعد مقتصرا على العالم الاسلامي.
وسط اجواء مثل هذه مظللة بالتشدد والتطرف والتكفير تقمع اي صوت يحاول ان يخرج برؤية مختلفة ــ إنْ لم تكن مخالفة ـــ لرؤية اولئك الذين كانوا قد اغلقوا باب التفكير لمن سيأتي بعدهم،كان لابد أن تختمر بيئة تتوفر فيها كل الشروط لاحتواء قطاع كبير من السذج والجهلة والأميين والعاطلين عن العمل والمهمشين،يتم فيها تعبئة ادمغتهم بخطب واحاديث وفتاوى تبيح لهم قتل كل شخص اعتقدوا باساءته للدين او خروجه عنه او مخالفته لشريعته واحكامه.
من هنا يمكن تعليل الاسباب والدوافع التي كانت مقدمة لأنْ يرتكب محمد بويري جريمة اغتيال المخرج الهولندي ثيو فان غوخ في 2 نوفمبر 2004 ،وانْ يتم اغتيال عدد من صحفيي جريدة شارل ايبدو الفرنسية في 7 يناير/كانون الثاني 2015 من قبل الاخوين سعيد وشريف كواشي،وأنْ يُقتل 132 طفلا  باكستانيا من قبل حركة طالبان في شهر ديسمبر 2014،وأنْ تختطف جماعة بوكو حرام الاسلاموية  200 طالبة نيجرية في منتصف نيسان 2014 . 
سبقت هذه الجرائم التي وسمتها الجماعات الاسلاموية ببصمتها الدموية دفاعا عن الاسلام ــ حسب ماتؤمن وتعتقد وتدّعي ـــ سلسلة اغتيالات شهدتها المنطقة العربية في منتصف ثمانينات القرن الماضي،ابتدأت بجريمة اغتيال المفكر وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني د. حسين مروة في17 شباط 1987 في لبنان، والرئيس المصري انور السادات في 6 اكتوبر 1981،ومحاولة اغتيال الروائي المصري نجيب محفوظ في 5 اكنوبر 1995،واغتيال المفكر المصري فرج فودة في 8 يونيو /حزيران  1992 .
إن قائمة الاسماء التي سقطت من النخب المثقفة بفعل الجماعات الاسلاموية طويلة ولايسعنا هنا استعراضها كلها،وهي علامات  دالة على تحولات باتت تشهدها المجتمعات العربية الاسلامية،منذ أكثر من ثلاثة عقود  تشير الى شيوع ظاهرة القتل لدى الجماعات الاسلامية باعتباره وسيلة لاسكات صوت المفكرين والمثقفين ممن يعتقدونهم  يروّجون للكفر والالحاد،وبذلك يعدونهم بحسب منهجهم قد خرجوا عن ملّة الاسلام واصبحوا بحكم المرتدين،والمرتد مهدور الدَّم . 
الصورة على هذا الشكل ــ تبدو الآن ــ كما كانت عليه منذ عشرات السنين:فقهاء لايتجاوزعددهم اصابع اليد الواحدة،مازالوا يهيمنون منذ عشرات السنين على عقول جموع المسلمين،الى درجة تصل حد التقديس من قبل  دارسين ومُدرِّسين إضافة إلى عموم الناس.
في جوهر هذه الصورة يُعدُّ كل ماجاء به اولئك الفقهاء قبل اكثر من الف عام من فتاوى وتفسيرات وتأويلات،انطلاقا من فهمهم  للنص المقدس او للسنة النبوية،ثابت ومُلزِم طاعته وتنفيذه من قبل جميع المسلمين،بغض النظر عن حسابات الزمان والمكان واشتراطاتهما.
ووفق هذه الصورة بكل تلافيفها والتباساتها وتعقيداتها بات من غير الممكن بإي حال من الاحوال وتحت اي ظرف،القبول بفكرة إعادة النظر أو تجديد الخطاب، والتي يمكن أن تُطرح هنا او هناك من قِبل هذا المُفكر أو ذاك،انطلاقا من  ضرورة مراجعة تراث انتجته تأويلات بشرية،وإعادة قراءته وفق رؤية أخرى مغايرة عن قراءة تلك الاسماء ورفض المراجعة ــ هنا ــ قاطع وحاسم ولاتراجع عنه حتى لو كان الدافع الى ذلك ماتقتضيه ضرورات الواقع وماافرزته من خلط وتحريف وتشويه أصاب شكل وجوهر الدين بخدوش عميقة،خاصة مايتعلق منها بالمفاهيم الانسانية التي تشكل جوهر النص المقدس وهو يتوجه الى تنظيم حياة البشر .
كان لظهور حركات الاسلام السياسي وتنظيماتها المسلحة السبب الرئيس في تشكيل هذه الصورة المعتمة للمشهد الفكري،وقدعبرت تلك الحركات عن حضور قوي لوجودها في مطلع ثمانيات القرن الماضي ايام الاحتلال السوفياتي لأفغانستان، وماتبع ذلك من تداعيات في عموم العالم وخاصة الدول العربية والاسلامية،حينها بدأنا نشهد مظاهر التكفير والعنف والقتل تطفو على سطح المجتمع،وباتت تمارسها تلك الجماعات الاسلاموية ضد كل من يختلف معها في الرؤية والمنهج والتفكير.
الأخطر في هذه الظاهرة أن تلك الجماعات لم تعد تمارس اعمال  القتل والتفجير والتهديد والتكفير بشكل سرّي،ولم تعد بحاجة الى ان تخفي مسؤوليتها عنها،كما كانت عليه اساليبها حتى مطلع العقد الثامن من القرن العشرين،بل على العكس من ذلك بدأت تتتفاخر بها علنا،وتعتبرها جزءا اساسيا من تأكيد نيّتها في تحقيق مشروعها لاقامة دولة الخلافة الاسلامية على انقاض الدولة المدنية الكافرة.
الملفت للنظر بهذا الصدد،ان هذه الجماعات بدلا من أن تلقى رفضا مجتمعيا امست تحظى  بمصداقية كبيرة،وتكسب الكثير من الاصوات المؤيدة والمدافعة عنها بين قطاعات واسعة من المجتمع ابتدأ من الطبقات السفلى وصعودا الى نخب تحمل شهادات علمية،وهذا مايعكس خطورة مايجري وما يحدث من متغيرات اصبحت فيه المجتمعات الاسلامية بيئة حاضنة للفكر الاسلاموي المتطرف على حساب التيارات العلمانية واليسارية والقومية التي اخذ وجودها ينحسر بشكل كبير خاصة بين اوساط طلبة الجامعات،بعد أن كانت هذه المؤسسات العلمية ميدانا رحبا لتصارع وتعايش الافكار بكل الوانها واطيافها،لتصبح منذ ثمانيات القرن الماضي ملعبا لايتسع إلا للفكر الاسلاموي المتشدد ويضيق امام الافكار الاخرى.
ضمن هذا المناخ المعبأ بالتشنج والتشدد تجيء هذه الايام قضية د.اسلام بحيري نموذجا لمحنة المفكر الذي يحتكم الى سلطة العقل في مجتمع تحكمه سلطة كهنوتية ترفض بشكل قاطع مشروعية التفكير ــ مجرد التفكير ــ بعيدا عن منظومتها وآلياتها إيمانا وأعتقادا راسخا منها على انه حكر عليها بذاتها ولذاتها،ولايجوز مطلقا لِمَن لمْ يتخرج من مؤسساتها كما هو الحال مع البحيري الذي يحمل شهادة دكتوراه من المملكة المتحدة،عن اطروحته التي حملت عنوان(تجديد مناهج الفكر الاسلامي)، ومن هذه الزاوية تحديدا بات البحيري يتعرض الى حملة تسقيط وتكفير من قبل هذه المؤسسات،بدلا من مناقشته ومجادلته حجة بحجة،كما يطالب هو بذلك منذ اكثر من عام عبر برنامجه التلفزيوني الشهير(مع اسلام )الذي يبث من على شاشة القاهرة والناس الفضائية،ولم يستجب لدعوته اي شخص يمثل تلك المؤسسات بل استنكفوا الجلوس معه ومجادلته،أولاً لأنه لم يتخرج من هذه المؤسسات التقليدية،وثانيا لأنهم يرفضون من حيث المبدأ فكرة اعادة قراءة التراث برؤية جديدة تزيح عنه ماهو ملتبس ومتقاطع مع السياق العام للنص المقدس والسنة النبوية كما هو منهج البحيري  .
هذه الحرب التي تشن ضده بهذه الطريقة تذكرنا بماسبق ان وقع في مصر ايضا قبل عقدين من السنين مع د.فرج فودة،ود.نصر حامد ابوزيد،ود. سيد القمني،وتعني في دلالتها أنَّ المحنة التي يعيشها العالم الاسلامي مابين سلطة رجال الدين ــ وليس الدين ــ ورجال الفكر منذ مئات السنين،مازالت تدور بنفس الآلية وبنفس الادواة القائمة على التسقيط والتكفير والقتل.
انها  حرب عبثية،قد تكون هذه الجملة تشخيص بسيط  لما يمكن قوله بهذا الصدد عندما نجد انفسنا أمام حالة انتاج متكرر لهذه الحرب من قبل أحد طرفي الصراع ،بنفس اليات الدفاع والهجوم،طالما الطرف المعني لم  يغادر منظومة اسلحته القديمة في مواجهة من يختلف معه في التأويل والتفسير،وهي اسلحة تُسقط من حساباتها امكانات العقل الانساني،وتضعه في خانة التحريم والتجريم،وبذلك ستبقى المجتمعات الاسلامية معزولة عن دينها بصورته الانسانية الناصعة،ومعزولة عن حاضرها ومستقبلها،لتبقى قابعة في كهوف واقبية التاريخ البعيد .
الوسط الثقافي والعلمي بمؤسساته ونخبه يدرك جيدا محنة هذا الرجل،وماستؤول اليه نتيجة هذه المعركة التي يخوضها دفاعا عن منهجه في التفكير واهدافه التي اختصرها بالعمل على تنقية التراث من كل الفتاوى  التي تسيء الى الدين والسنة النبوية وتحتقر القيم الانسانية التي كرَّمها الدين بنصوصه المقدسة التي تدعو  صراحة الى احترام حياة الانسان وخياراته في المعتقد.
معركة البحيري محكوم عليها سلفا بالشكل والمحتوى الذي انتهت به مع فودة وابوزيد وقبلهما الحلاج وابن المقفع الخ الخ الخ ،طالما كانت قوى المجتمع المدني وفعالياته الثقافية والحقوقية لاتملك شجاعة كافية للدفاع عن حرية المجتمع في تحديد خياراته في العيش والحياة والتفكير .


31
المنبر الحر / خداعُ القارىء
« في: 12:23 06/04/2015  »
خداعُ القارىء

 مروان ياسين الدليمي


لمْ أجد في اصدارات الكتَّاب الكبار الذين قرأنا ومازلنا نقرأ لهم اي اهتمام لديهم في أن يذكروا سيرتهم الذاتية بنهاية كتبهم،وحتى فيما لو اضطروا إلى ذلك تحت ضغط الناشر الذي يتولى اصدار مؤلفاتهم فإنهم يكتفون بعدة اسطر تشير الى ما يستحق تثبيته في الاصدار الجديد،هذا لانهم يحترمون القارى الى حد كبير ويحسبون الف حساب لوعيه وذكائه ممايجعلهم على درجة عالية  من الحذر والحرص في التعامل معه،ولأنهم مع كل اصدار جديد ينطلقون الى القارىء بتجربة ابداعية جديدة لاتستمد قيمتها واهميتها وخصوصيتها من تجارب ابداعية سبق أن انتجوها،فالقيمة الفنية للعمل الجديد كما يفهمها هؤلاء الكبار تبقى مكتفية بذات العمل نفسه وليس من مسيرته الادبية وسيرته الذاتية،ذلك لان العمل الابداعي قيمته لاتأتي من خلال علاقة  تراكمية قوامها أرشيف وتاريخ الكاتب،بقدر ماهي علاقة مشروطة بالعمل من داخله وليس من علاقة خارجة عنه.
في مقابل ذلك نجد في واقعنا الثقافي عدد كبير من كتابنا،يمتلكه حرص شديد في أن يضع قائمة طويلة لانشطة شارك فيها مع كل اصدار جديد له في سيرته الذاتيةلايفتأ أن يذكر فيها كل شاردة وواردة من تلك الانشطة،إبتدأً من المؤتمرات والندوات والمهرجانات والحفلات والشهادات وهدايا التكريم من دروع وسيوف وخناجر،ولن يبقى أمامه إلاّ أن يذكر رقم حذائه،وغذائه المفضل،واسماء اولاده واحفاده ونسبائه ورقم داره وعنوان بيته والزقاق الذي يقع فيه ...!
وكأننا هنا،أمام وثيقة أمنيّة من تلك الوثائق التي عادة ما تفرض علينا في بلدان الشرق المتوسط ــ حسب رواية عبد الرحمن منيف ــ لكي نجيب على مافيها من اسئلة واستجوابات عندما نتقدم بطلب رسمي للحصول على وظيفة أو جواز سفر أو حتى طلبا للزواج من ابنة حلال،فقد اعتدنا في هذه البلدان التي عادة مايحكمها عسكر أو زعماء ميليشيا أوزعران،أن نجيب على اسئلة صغيرة وكبيرة تتعلق بكل شؤون حياتنا وحياة اهلنا واقربائنا من الدرجة الاولى وحتى الدرجة العاشرة.
يبدو لي ان هذا السلوك وهذا التقليد للعديد من ادعياء الثقافة والأدب هذه الأيام لاعلاقة له بالتوثيق ولابالأرشفة التي يدَّعونها،إنما محاولة ساذجة منهم لخداع البسطاء من القراء،لإيهامهم على أنهم يقفون أمام كتَّاب كبار يملكون تاريخا حافلا من الانجازات المتوَّجة بالدروع والشهادات والتكريمات والمشاركات، وفي حقيقة الأمر هذا النهج الساذج ماهو إلاَّ سلوك بائس لسد نقص كبير في المحتوى الادبي والشخصي.
و بعيدا عن أصدقاء وحاشية هذا النَّمط من الكتّاب ممن يحسبون ايضا على الوسط الادبي والثقافي،ليس هنالك من قارىء واحد من عامة الناس نجده يعرف اسما واحدا منهم،وما من قارىء يمكن أن يتملَّكه حرص شديد على قراءة ولو اصدار واحد لكاتب(جهبذ سامق)من هؤلاء،لأنه وببساطة لاأحد يعرفه أو سمع بأسمه ! 
في مقابل هذه الصورة الهزيلة لصناعة مجد اجتماعي زائف،مازلنا نجد حرصا لدى عديد من القراء ومن مختلف الاعمار والاجيال على قراءة مؤلفات علي الوردي أو نجيب محفوظ أواشعار محمود درويش،وأسماء اخرى كثيرة،غابت عنا جسدا لكنها مازالت تملك حضورا وتأثيرا في حاضر ثقافتنا ووعينا واهتمامتنا رغم ماحصل من متغيرات في اساليب ومناهج تقنيات الكتابة، ورغم عشرات الاسماء التي جاءت بعدها ورحلت دون ان تترك اثراً يذكر .

32


القاص محمدعلوان جبر،في مجموعته القصصية الجديدة،تراتيل العكاز الاخير*
حساسية واضحة في تناول الحرب وتنوع الصيغ التي جاءت بها شخصية السارد .




مروان ياسين الدليمي

اصدار :دار ومكتبة عدنان     
الطبعة الاولى 2015   
             
يبدو وكأن محمد علوان جبر وهو يتصدى لكتابة مجموعته القصصية الاخيرة(العكاز الاخير)كان ذهنه مشغولاً في أن يبني فضاءً قصصيا مَحمولاً من ذخيرة الحروب التي عاشها العراقي طيلة عقود طويلة مضت عليه،فالقصص تنفتح في حساسيتها السيميائية على ماتفرضه موضوعة الحرب من ازمنة ثقيلة لاتنتج إلاّ مشاعر القهر والكبت والحرمان.
ورغم أن معظم الشخصيات قد تركت الحرب فيها وعليها وشمها واضحا وعميقا ــ نفسيا وجسديا ــ إلاَ اننا نقف امام اصرارها على ان تتنفس الحياة بعمق وسرعة رغم مرارة الحزن الذي يترسب في اعماقها كما هي شخصية صاحب المقهى في القصة المعنونة العكاز الاخير:"سيدتي أنا أُدير مقهى صغيرة تحت ظلال شجرة سدر عملاقة،تماما تحت اليافطة التي كانت تحمل اسم المكان الذي كنا نستلم منه اطرافنا الصناعية .. نكوم السيقان والاذرع الصناعية تحت الشجرة ..نعرضها تحت الضوء،نجلس حولها نحدثها وتحدثنا..ربما كان البعض الآخر. .اقول ربما..لاتستغربي ،ولاتقولي إنني مجنون ...! " .
والتجانس يبدو واضحا جدا في هذه المجموعة القصصية خاصة وأن الحرب تشكل تاريخا شخصيا لمعظم شخصيات المجموعة القصصية .
وفيما يتعلق بتجربة الكتابة القصصية فإن علوان يمتلك خبرة متراكمة تجعله مُمْسكا بأدواته الفنية بحرفية عالية وهو يتصدى لمثل هذه الموضوعة على ماتختزنه من عوالم داخلية شديدة العتمة داخل مغاور الذات الانسانية.
الموضوعة الانسانية
في مشغله الفني بدا واضحا ان علوان قد ابتعد في رؤيته الفنية بدرجة ما عن الانشغال المتقصد بخداع القارىء بمقولات فنية تسعى لتأطير النص ضمن مقاربات اسلوبية تجعله متحركا في حدود المعالجات المتمظهرة في نطاق انشغالات الهموم التجريبية التي تتحرك فيها القصة الحديثة،سواء في استعراض اللغة أو في المعالجة الشكلية التي عادة مايمارسها كثير من كتاب القصة القصيرة الذين عادة مايفتقرون في نصوصهم القصصية الى موضوعة انسانية تتسم بالعمق والاهمية،لذا يتكئون على ارهاصات تجريبية عادة مانجدها في كتابات قصصية تحاول أن  تستظل بتجارب جاءت بها الحداثة ومابعدها.
فتجربة الكتابة لدى علوان تبقى في حدود حرصه الفني على أن تتمظهر رؤيته الموضوعية داخل قصصه ضمن تداولية النص لدى القارىء ومدى القدرة على تحقيق تواصل عميق بينهما.
واللغة لديه اضافة إلى رشاقتها وجمالها تبقى مشروطة بحضور ارسالها الفني داخل إطار وظيفتها السردية، دون أن تخرج  الى ما هو جمالي/شكلاني صرف لاتأثيرله على نمو وتطور البناء .
أقنعة الحرب
ليس للحرب من ذكريات تبعث البهجة في الذات الانسانية،بقدر ما يشكل الاسى قاسما مشتركا بين الجميع،وليس بالضرورة هنا ان تعيش شخصيات علوان حالة الحرب بين الخنادق وتحت القصف،كما في قصة "ضوء ازرق اسفل الوادي".وتبدو لنا هذه القصة من اجمل وانضج قصص المجموعة من الناحية الفنية وهي تتصدى لموضوعة الحرب،بل عمد علوان إلى ان تمتد سلطة الحرب بعيدا عن الخنادق الى ازمنة تأخذ الشخصيات في دوامة الحياة،لتحيط بها وترسم تفاصيل حياتها ومصيرها المأساوي،كما في قصة "ملاذات طالب العجيبة" بعد أن كانت الحرب قد اقتصَّت منه ومن رمز فحولته، فاحالت حياته الاسرية والنفسية الى حطام .
الحروب تبقى تطارد الشخصيات بتفاصيل آخرى،في البيوت والشوارع والمقاهي والازقة التي تنتقل اليها بعد أن تغادر الخنادق،تطاردها في طفولتها كما في قصة(انقلاب)وفي احلامها كما في قصة(مطر بلون الرثاء)وفي لحظات السعادة الشحيحة التي تعيشها كما في قصة (غبار حلم آخر) .
ولافرق هنا فيما لو جاءت الحرب بوجه آخر غير الوجه المتكدس عنها في الذاكرة الجمعية،وذلك عندما تجيء وهي تلبس قناع الرعب السلطوي لتستبيح الحياة الانسانية،كما في قصتي "الاوبتيما الزرقاء " و"انقلاب " .
اختزنت ذاكرة علوان الكثير من التفاصيل الانسانية التي عاشتها الشخصية العراقية في مسارها التراجيدي خلال اكثر من نصف قرن،كانت الحرب والانظمة القمعية يقفان خلفها،ليشكلا علاماتها الفارقة التي وسمت ملامحها،وتركت فيها ندوبا تختلط فيها مشاعر الاسى والخوف والوحدة،كما في قصة "صهيل العربة الفارغة ".
قد تكون هذه العوالم النفسية الحادة هي الأقرب الى مشغل القصة القصيرة،التي تصبح فيها الشخصية الانسانية بؤرة مركزية داخل بنيتها الفنية وهي في حالة من الانشداد والتأزم ضمن قالب زمني مضغوط،يشكل جوهر خيارات تركيبتها البنائية .
إن علوان يدرك جيدا في مجموعته هذه الكيفية التي يبدو فيها امام القارىء مقنعا ومشوَّقا في سرده الفني،خاصة ان لديه مايريد أن يوصله من افكار الى القارىء،بذلك هو غير منشغل  مثل غيره باستعراض مهارته الفنية ككاتب للقصة القصيرة يملك قدرة الامساك بانتباه القارىء الى النهاية حتى لو لم يكن هنالك في القصة مالايستحق قوله من افكار.بقدر ما يكون الأمر المهم لديه بأن يمد القارىء بتجربة انسانية تشير الى عمق الجروح التي تتركها الحروب في روح الانسان،وليس من السهل أن يمحوها الزمن،وذلك من خلال تجربة فنية تستحق القراءة والتأمل.
من هنا لانجده يلجأ الى الحشو والثرثرة اللغوية وهو يؤثث معمار قصصه،بقدر ما نجده يبدأ سريعا في الدخول الى مرحلة العرض وهو ينسج خيوط قصته،لتنمو متدفقة سريعة كما في مفتتح قصتة المعنونة (حفاروا الخنادق):"كنا عشرة،قبل أن نصل إلى وحدتنا الجديدة سقط واحد منا،نقلته سيارة الاسعاف ولم نسمع عنه خبرا " .
القصة القصيرة التي يكتبها علوان تنفتح فضاءات اشتغالاتها على ما يتمظهر فيه السياق العام لاشتغالات القصة القصيرة بكل تداوليتها التي افرزتها تجارب الحداثة ومابعدها،وذلك بالاهتمام بالصنعة واللغة القصصية دونما اسراف،وهذا يندرج ضمن ماتحظى به فنية القصة القصيرة من محاولات حثيثة في الانزياح عن التقاليد والتقليدية في البناء.
لذا يمكن قراءة الحساسية التي اشتغل عليها علوان في بناء قصص المجموعة بما انطوت عليه من تنوع واضح في شخصية السارد،كذلك في تنوع صيغ الضمائر التي جاءت بها،مما يعني ارتهان سياقه السردي ـــ في تعددية صيغه ــ الى طبقات المعنى المحمول في علامات السارد.
* تتألف هذه المجموعة القصصية من ثلاث عشرة قصة قصيرة،وقد حملت عنوان احدى هذه القصص، وسبق للمؤلف أن اصدر مجاميع قصصية بالعناوين الاتية:تماثيل تمضي تماثيل تعود،تفاحة سقراط، شرق بعيد . كما اصدر رواية بعنوان ذاكرة ارانجا.

33
صناعةُ السينما في العراق،حكايتُها أكثرُ إثارةً وتشويقاً من افلامِها



       
                                         
مروان ياسين الدليمي

الحديث عن الانتاج السينمائي في العراق يسحبُك عنوة دون أن تقصد الى ظلال المشهد السياسي،رغم أنك تحاول جاهدا أن تنآى بنفسك عن مستنقعاته الآسنة،لانه صورة مستنسخة عن بقعه الداكنة،بكل تشوهاته وعقده وامراضه العضال،وبكل مايفرزه من متاهات وتواطئات ومجاملات وصفقات مشبوهة تأتي في محصلتها النهائية على حساب القيم والثوابت الاخلاقية والانسانية.
إذن الحديث عن السينما ـــ لايوجد سينما في العراق ـــ سيكون موجعا،تتشابك فيه خطوط حكاياته،بعيداً عن جماليات الصورة والايقاع والاحاسيس،منزلقة الى كواليس خلفية،ابطالها اداريون وموظفون يرتدون بدلات واربطة ،ويجلسون خلف مكاتب انيقة،يتجولون كالطواويس،يحيط بهم حفنة فنانين يعرفون جيدا من اين تؤكل الكتف،ولم تعد تجدي نفعا صبغة الشعر  في أن تعيد الشباب اليهم،حكاية صنع السينما في العراق مشوقة أكثر من افلامها تبدو وكأنها  فصل  جديد ومثير من حكاية علي بابا والاربعين حرامي.
نفخ في قربة مثقوبة
 هل أمسى الحديث عن الفن الجميل يخلو من الجمال،ولاجدوى منه؟ هل نبدو وكأننا ننفخ في قربةٍ ولاندري بأنها مثقوبة؟مع اننا نعلم جيدا بأن كل العيون ترى،لكن مامن اذان تصغي لما يُقال و يُكتب من ملاحظات تهدف إلى تشخيص عللٍ تقف حجر عثرة امام نشوء انتاج سينمائي عراقي ينهض على اسس سليمة  ؟
ومايعكس هذه الحقيقة بكل غرائبيتها،استمرار الواقع السينمائي على صورته هذه،بكل هشاشته وضبابيته وسوداويته،حتى أن شعورا بات يتسلل الى جميع الحالمين والطامحين والموهوبين،بأن لاأمل يبدو في الافق،وترسخ هذا الشعور مع هذا الكم من الافلام التي لاتصلح للعرض تولت وزارة الثقافة العراقية انتاجه خلال العامين الاخيرين 2013 – 2014 وقد وصل عدد الافلام الى 38 فلما،منها  14 فلما روائيا طويلا،و16 فلما روائيا قصيرا، إضافة الى عدد آخر من الافلام الوثائقية،حسب ماذكره مدير عام السينما والمسرح د. نوفل ابو رغيف في ندوة تلفزيونية كانت قد اجرتها معه قناة الحرة عراق الفضائية في نهاية شهر كانون الثاني من هذا العام 2015 وشاركه في الحديث  عدد من المخرجين العراقيين. 
غياب الاشتراطات الفنية
الانتاج العراقي منذ انطلاقته الاولى في فيلم(فتنة وحسن)للمخرج العراقي حيدر العمر عام  1955 ،بقي عاجزا عن تقديم فلم  تتوفر فيه على الاقل الحدود الدنيا من الاشتراطات الفنية التي ينبغي أن يكون عليها الشريط السينمائي،ابتدأً من السيناريو المحكم البناء،والمعالجة السينمائية التي تشتغل بأدواة السينما إعتمادا على رمزية الصورة وماتختزنه من دلالات يتم ايصالها بالايحاء وليس بمفردات العُدَّة المسرحية التي عادة ما يعمل بها معظم المخرجين العراقيين،لان جلَّهم جاء إلى السينما عن طريق خشبة المسرح،وبتقديرنا أن جزءاً كبيرا من الخلل ــ الفني ــ  يكمن هنا،وقد صاحب هذا الخلل مسار السينما العراقية طيلة العقود الماضية إلى أن جاء  العام 2003،حينها بدأنا نشهد تحولا نوعيا في الفهم والعمل والنتائج،جاءناعن طريق مجموعة من الشباب معظمهم عاش شطرا مهما من حياته في اوربا ودرس الفن السينمائي خارج العراق،على سبيل المثال لا الحصر(عدي رشيد ومحمد الدراجي)فقدموا لنا اعمالا سينمائية توفرت فيها جملة من العناصر الاساسية في بناء الفلم،تجاورت في جمالياتها ولغتها وتطلعاتها الفنية مع مايطرح من اعمال سينمائية في العالم المتقدم،وهذا مااعطى لأفلامهم فرصة أن تحظى ببطاقة دخول الى عدد من المهرجانات الاقليمية والدولية،بل إن بعضها ترشح لنيل جوائز رصينة،كما هو الحال في فلم(ابن بابل)للمخرج محمد الدراجي الذي نال أكثر من جائزة في أكثر من مهرجان دولي.
ومضات سينمائية مبعثرة
لو حاولنا الآن أنْ نعيد قراءة بعض الومضات البعيدة في مسار الانتاج السينمائي العراقي التي جاءت  مبعثرة في مسار بعض الاشرطة التي انتجت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي،والتي اشعرتنا في حينها بالأمل،كما في فلم(الحارس 1967)خليل شوقي،(المنعطف 1974)جعفر علي،(بيوت في ذلك الزقاق 1977)قاسم حول،(الاسوار 1977)محمد شكري جميل،فإننا سنجد انفسنا وكأننا كُنّا نعيش وهما كبيراً،وأننا تجاوزنا بوهمنا حدود التفاؤل.
ومثلما تعودنا أن نتغاضى عن اخطاء قادة وزعماء كنا مؤمنين بوطنيتهم، تغاضينا أيضاعن هنّاتٍ حفلت بها تلك النتاجات(الومضات)تدفعنا الى ذلك مشاعر احتفاء ودعم للإنتاج السينمائي العراقي،وياليتنا ماتغاضينا عن أخطاء القادة والمخرجين معاً،لأن البلوى واحدة وإن اختلفت المسميات .
وفيما لو تمت مقارنة تلك(الومضات)مع ماتمَّ تقديمه من اعمال سينمائية انتجت في مصر أو سوريا أو تونس أو الجزائر في نفس فترة انتاجها ،لخرجنا بنتائج ليست في صالح ومضاتنا .
هيمنة الايدولوجيا
إن النتاج السينمائي في العراق ظل يعاني من معضلة رئيسة تتلخص في خضوعه المعيب لايدولوجيا النظام الحاكم،خاصة ذلك النتاج الذي تتولى تمويله دائرة السينما والمسرح،وهو الأكثر حضورا وهيمنة من حيث الكم،وهذا ماأسبغ  عليه صبغة دعائية،ليجرده من فرصة أن تكون أدواته عالية الحرفية إحتراما لذكاء المتلقي ــ وليس احتقارا له كما هو حاصل ــ ولكي يتفاعل معه الجمهور باعتباره عملا فنيا خالصا،يتم التعامل معه نقديا وفق اشتراطات العمل الفني،وليس باعتباره جزءا من اجندة دعائية.
من هنا بقي النتاج السينمائي في العراق محشورا في زاوية الفنون الدعائية التي يتسم خطابها بالمباشرة والسطحية والسذاجة،ولاتحتاج الى وقت طويل لتأملها وقراءتها وتفكيك دلالاتها ورموزها وشفراتها كما هو الأمر في الفلم السينمائي الذي يقدمه الفنان بعيدا عن هيمنة خطاب السلطة.
النتاج العراقي بقي مفتقدا لجوهر مايسعى الى تحقيقه الفن السينمائي :الانتماء للأنسان وإنصاف قضاياه العادلة،بمعزل عن تخريجات خطاب السلطة،بشكله السياسي والاجتماعي،بكل مايحمله من  تزيييف للحقائق،وأنزوى بعيداعن الحياة وماتضج به من دراما انسانية تحفل بالكثير من القصص البَكر التي لم تصلها عدسة السينما،هذااضافة الى مايطرحه الواقع بكل مايشهده من تحولات واحتدامات من قصص جديدة، مكتفيا بإعادة انتاج ماهو شائع ومكرر ،وهذا مايتناقض جوهريا مع وظيفة وضرورة الفن في أن يكون جدليا في رؤيته للواقع وليس تزويقيا وسياحيا إن لم يكن مزوراً في اغلب الاحيان .
وحتى لو صادف أن اقترب المخرج السينمائي العراقي من هذه الرؤية الجدلية فأنه سيلامسها على استحياء وحذر شديدين،كما هو الحال في افلام عبد الهادي الرواي(البيت،افرض نفسك سعيدا،حب في بغداد)الذي لاتنقصه الموهبة ولا الوعي السينمائي،لكنه لم ينصف موهبته بما تستحق،مع تقديرنا  لثقل الظرف السياسي الذي كان يحيط به ــ لكونه شيوعيا ــ وكان سببا في حرمانه من العمل لسنين طويلة قبل أن تعطى له الفرصة ولكن تحت شروط وضوابط صارمة حاول على قدر مايستطيع أن يستغفل الرقيب ليمرر رسالته الذاتية،لكنها وصلت متلعثمة.   
يمكننا القول بأن الافلام التي اقتربت من نبض الحياة بحرارة وجمالية تكاد تكون نادرة في تاريخ السينما العراقية،ويمكن اعتبار فلم المخرج  قاسم حول (بيوت في ذلك الزقاق  1977)ضمن هذا الاطار.لذلك كان تعامل الرقيب انذاك مع الفلم قاسيا جدا،الى الحد الذي تم تغيير مشهده الاخير بنهاية أخرى غير التي وضعهاالمخرج،بشكل ينسجم مع ايدولوجيا النظام القائم،وكان ذلك من الاسباب الجوهرية التي دفعت بالمخرج إلى أن يغادر العراق قبل عرضه خوفا من الاعتقال خاصة وان عرضه قد تزامن مع بدء حملة الاعتقالات التي طالت اعضاء الحزب الشيوعي العراقي . 
إن دائرة السينما عكفت خلال فترة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي على العودة الدائمة الى الوراء،إلى التاريخ ـــ وهذا مايفعله النظام الحالي ايضا ـــ لتقديم اعمال سينمائية ذات كلفة انتاجية عالية جدا إستلهمت فيها من الماضي البعيد قصصا وحكايات تمت معالجتها بشكل يخدم ايدولوجية الحزب،دون أن يكون هنالك اي قدر من الاهتمام بالجانب الجمالي أو المضمون الانساني،بما يشكل هذان العاملان من اهمية فيما لوعرض الفلم في إي مكان وإي زمان،مثال على ذلك فيلم(القادسية)1981من اخراج المصري صلاح ابوسيف،وفيلم(المسألة الكبرى)1982من اخراج محمد شكري جميل،ورغم الاموال الطائلة التي صرفت على تلك الاعمال إلاَّ انها لم تضف شيئا مهما ــ ضمن الاطار الجمالي ــ  للإنتاج السينمائي العراقي،وذهبت في طريقها إلى النسيان بدلا من أن تستقر في ذاكرة الفن السينمائي . 
وهنا ينبغي التوقف أمام رسالة الفنان عند تقديمه لاي تجربة فنية،وتمثل هذه المسألة جوهر العمل الفني وسر حضوره المشرق وديمومته،فالقيمة الاساسية لأي عمل لاتكمن في كونه يعالج الماضي او الحاضر،إنما قيمته تكمن في أن لاتكون رسالته جزءا من منظومة ايدلوجية هدفها تزييف اوتلميع اوترقيع الحقائق.فمهمة الفنان أن يرسم صورة جديدة للغد،لاأن يعيد انتاج صورة قديمة من الماضي حتى لو كانت مشرقة،فكيف الحال إذا كانت تلك الصورة مُزيَّفة ومُزيِّفةبنفس الوقت.
لاجديد في الاشرطة الجديدة
بعد انتظار طويل دام اكثر من عامين كان الجمهور العراقي ينتظر بشوق ــ كعادته ــ ماستفصح عنه مجموعة الافلام التي موَّلتها وزارة الثقافة خلال العاميين الماضيين،اقيم للفترة من 21  كانون الثاني (يناير)ولغاية 11 شباط (فبراير) مهرجانا لهذه الافلام،وبطبيعة الحال،وكما هو متوقع لدى كل من يُعنى بالفن السينمائي من نقاد ومثقفين،كانت النتيجة مخيَّبة،فالضعف في المستوى الفني قد شمل معظم الافلام بإستثناء فلم(صمت الراعي)للمخرج رعد مشتت،وبدرجة اقل فلم(بحيرة الوجع )للمخرج جلال كامل،هذه النتيجة انعكست بالتالي على نسبة حضور الجمهور المتابع للمهرجان،فأخذت تتناقص أعداده بشكل كبير من بعد اليوم الاول لافتتاح المهرجان .
من المعلوم ان هذه الافلام قد خصص لها اكثر من 20 مليار دينار عراقي ووصلت ميزانية بعضها الى مليون ونصف دولار لكل فلم،وهكذا يصبح الرقم تنازليا مع بقية الافلام الاخرى .
ماتم تسجيله من ملاحظات سلبية ضد خطة الوزارة يتلخص أولا في هذا الكم الكبير من الافلام التي تم انتاجها،وكان ينبغي بدلا من هذا العدد ــ  38 فلما ــ أن يقتصر الانتاج على عدد محدود،لايتعدى عشرة افلام،يتم اختيارها بدقة وعناية،ابتدأ من السيناريو وانتهاء ببقية طاقم الانتاج .
ايضا كان يتوجب على وزارة الثقافة ان تعطي الفرصة للمخرجين الشباب الذين اثبتوا كفاءة وحضورا في الافلام التي قدموها خلال الاعوام الاخيرة،وعلى العكس من ذلك  تم استبعاد معظمهم من  خطة الوزارة، لتستولي على الحصة الاكبر من خطة الانتاج بدلا عنهم اسماء مخضرمة دائما ما كانت لها الحظوة في اقتناص الفرص طيلة العقود الماضية لكنها لم تقدم شيئا مهما،لاسابقا ولا لاحقا .
ومن الاسباب الاخرى التي تقف وراء ضعف الافلام المنتجة:عدم كفاءة اللجنة التي تولت قراءة واجازة السيناريوهات المقدمة للانتاج،فقد بدا الضعف واضحا في معظمها،بل أن اغلبها يصلح ان يكون مادة للتلفزيون ولايصلح ان يكون مادة سينمائية،لما حفلت به من ثرثرة في الحوار،وغياب الموضوعة الانسانية التي يراهن عليها في مخاطبة الجمهور العالمي في ايّما مكان وإيّما زمان.

34

رواية ملوك الرمال
للكاتب العراقي  علي بدر
                                     
       التخييل يحلّقُ بالسَّرد ليزيح المؤرخ مِن أمامه
                                                             مروان ياسين الدليمي

لم يكن المؤلف علي بدر يقصد من خلال روايته ملوك الرمال أن يلعب دور مؤرخٍ شاهدٍ على أحداث وقعتْ،بقدر ماكان دوره روائيا بامتياز،اطلق العنان لمخيلته السردية في بناء عالم روائي متخيل لاصلة له بالكيفية التي يُمكن أنْ يتعامل بها مؤرخ مع أحداث التاريخ،مِن هنا لامس في هذه التجربة مشاعر وهواجس شخصيات انسانية إفترَض وجودها عند حافة تحولات عميقةٍ،وجدت نفسها في لحظة زمنية يفصل فيها خيط واهٍ مابين عالم الحرب والسلام،الماء والعطش،الصحراء والمدينة،الموت والحياة .
ارسطو وهو يقارن مابين التاريخ والادب يقول:" إن السرد التخييلي أكثر فلسفية وعلمية من التاريخ لأنه يتعلق بالحقائق العامة،فهو يعالج مايحدث عادة،لامايحدث فعلا ". ( 1 )
من هنا يذهب البناء السردي لهذه الرواية عبر مسار تخييلي  للتاريخ،وفيما يبدو لنا هو تاريخ ليس ببعيد عن المؤلف،حتى وإنْ لم يكتو بأحداثه بشكل مباشر عشية حرب الخليج الثانية 1991.وكان تقسيم الرواية الى جزئين كل منهما يحمل عنوان وهي علامة أولى على تحديد التصنيف الاجناسي لنمط الكتابة،اضافة الى كونها استعارة من تقانات الرواية السير ذاتية،مع أن الرواية تعاملت بكل محمولات خطابها مع حدث تاريخي :" كانت هنالك أسراب من الطائرات المتجهة نحو الشمال،بُهِتُّ أول الأمر،ثم أدركتُ أنْ الحرب قد بدأت،وهذه الطائرات هي طائرات الحلفاء المتجهة لقصف بغداد، كانت هنالك مجاميع أخرى تأخذ الاتجاه ذاته ".
المتن الحكائي
عشية الاستعدادات المحمومة للبدء بحرب الخليج الثانية وتحديدا في شهر يناير كانون الثاني من العام 1991 يتم تشكيل فصيل من كتيبة مغاوير الفرقة الثالثة والعشرين يتألف من تسعة جنود ونقيب،لتنفيذ مهمة قتاليةٍ أطلق عليها"غارة الصحراء "لملاحقة مجموعة من البدو تنتمي لقبيلة جَدلة في مقدمتهم شخص يدعى جسَّاس لأنّهم تورطوا بذبح ثلاثة من ضباط استخبارات الكتيبة كانوا في مهمة استطلاعية داخل الصحراء في جنوب غربي العراق،والأوامر العسكرية العليا كانت تقضي،إمَّا بأسْرَهُم أو قَتلَهُم.أفراد الفصيل الذي تم تشكيله لم يستعدوا لهذه المهمة إلاَّ بما تحتاجه "بندقية رشاشة،وفائضا من الذخيرة الحية،والحربة المسمومة مع عدة ميدان المعركة وكيس التموين الذي يحتوي على الارزاق الجافة مع الخارطة المفصلة والنطاق العريض والبسطار الخاص بالمعارك التي تشن في الصحراء ". من هنا يبدأ مسار رحلة الصراع مع عدو يمتلك قدرة على التآلف والتماهي مع الصحراء،حتى لكأنه يبدو صورة منها، بغموضها، وقسوتها، ومفاجاءاتها،وجمالها. الفصيل يفشل في مهمته ويتمكن جساس المُتهم بقتل الضباط الثلاثة أنْ يقضي على جميع افراد الفصيل الذي يطارده،ولم ينجو منهم إلاَّ جنديا واحداً،يتمكن فيما بعد بمساعدة قبيلة(بني جابر)التي ترتبط بصلة تعاون وثيقة مع الحكومة العراقية من القبض عليه وأقتياده مقيدا إلاّ أنه يُطلق سراحه ماأن يمر بالمدينة وهو متجه به الى وحدته العسكرية لتسليمه عندما يجد أن قوات التحالف الدولية قد تمكنت طائراتها من تدمير الجيش العراقي،وأنَّ حالة من الفوضى والانهيار تسود البلاد .
بدا لنا اختيارعلي بدر تقانة الرواية السيرذاتية صائبا في بناء عمله.من هنا جاء استعمال ضمير المتكلم بصيغة الماضي للسارد/ الشخصية الرئيسة،وكان اختيار سترايجية نمط الرواية السيرذاتية بما تحمله من آليات،قد منحه فرصة تحريك واستثمار مخزونات الذاكرة التي تعني "انسياب حركة الزمن من الماضي إلى الحاضر الذي يتوغل مع المستقبل عبر جدلية التطور وديناميكية التفاعل على صعيد الحياة والأدب " ( 2 ). مع أن خيار الرواية السير ذاتية  يضع القارى في موقف يحاول فيه أن يفك الاشتباك مابين  المؤلف والمؤلف الضمني السارد.وهنا يتردد  سؤال لدى القارىء:هل نستطيع أن نفصل مابين الشخصية الرئيسة والمؤلف طالما نحن ازاء بنية سردية تتحرك في ستراتيجية سيرذاتية ليس من السهل في تركيبتها فك الارتباط ما بينهما ؟.فالسارد مؤلف ضمني،يستعيد تجربة مر بها،والمؤلف إستعار قناع المؤلف الضمني لكي ينزوي بعيدا وهو يحرك الاحداث من خلاله.تبدو الاجابة القاطعة مغالطة،مهما كانت،سواءبالنفي أو الايجاب،وهي في الحالتين تحمل رؤية قاصرة لمحمولات الكتابة السردية من الناحية الفنية.
بنفس الوقت هنالك عدد من الاسئلة الازلية رافقت الأنسان في رحلته السرمدية ودائما مايطرحها على نفسه مُذ أدرك حضوره وهو يواجه الموت والقتل في الحروب،اعاد علي بدر طرحها على لسان الشخصية الساردة/الشخصية المحورية بشكل آخر يعكس معطيات عصره الذي تداخل فيه الواقع والخيال من حيث التأثير المتبادل،إذ لم يعد هنالك من حد فاصل بينهما يمكن الامساك به:" ماهي الحرب؟ كنت أسأل نفسي وأنا أرى كل هذه التحضيرات،كما لو كانت في فيلم سينمائي،من تعلم مِنْ مَن؟الفن من الحرب أم الحرب من الفن ؟ " .
الصوت السارد
يأتي فعل السرد من وجهة نظر الجندي الوحيد الذي ينجو من هذه المهمة  لتتكشف أمامنا شخصية على قدر معقول من الثقافة كونها قد انحدرت من بيئة مدنيَّة،إلاَّ أن المؤلف لم يتوقف عندها طويلاً " فكرت في نفسي:الأحلام بعيدة عني ذلك اليوم، والحرب قريبة جدا،وما من ماض لي أفكر به الآن،ففي الحرب لامعنى للماضي أبدا،ذلك لأن الحاضر وحده الذي يهيمن على تيار الزمن،فاللحظة القادمة مجهولة، والماضي منسي ومتقهقر،والحاضر هو الزمن الأكثر كثافة وواقعية في تيار الزمان".وقد اكتفى علي بدر  باشاراتٍ عابرةٍ عن ماضي الشخصية المحورية/الساردة،ووجد ذلك  كافيا لتحديد مرجعيتها الأنسانيةوماستواجه من صراع نفسي عندما تنتقل الى الصحراء،لتصبح دون مقدمات في مواجهة مصيرية مع بيئة أخرى هي نقيض البيئة التي عاشتها في المدينة،لتكون بالتالي أمام مواجهة حاسمة مع قدرها ووجودها الانساني وسط عالم  مجهول وغامض ومفاجىء مِن الصعب الامساك بتفاصيله المتغيِّرة مع تغيّر رمال الصحراء المتحركة :" كنت أشعر بأن الأرض يغمرها ضوء شاحب،ضوء خفيف كأنه قادم من تبخر بحر في السماء،وكنت أرى هذا الصمت الإلهي العظيم،هذا الصمت الأخرس في الليل،وكأن الصحراء هي الصرخة الأخيرة للرب،فيالها من اشياء تلك التي سمح لي الله برؤيتها على أرضه !.إنها بوابة سامية أدخل منها في اليوم التالي الى الصحراء،حتى كأن الليل يختلط بالسماء،وهذا الضوء الشاحب الذي يغمر الخليقة قادم من اقدام الإله الذي أنار النجوم بضوء ثابت يبرق مثل الماس على بساط اسود ناعم" .
دلالة  السارد
ضمن خصوصيات فن كتابة الرواية "يكون المتكلم أساسا هو فرد إجتماعي، ملموس ومحدد تاريخيا،وخطابه يمثل لغة اجتماعية وليس لهجة فردية،ومن ثم يمكن لخطاب شخصية روائية أن يصبح أحد عوامل تصنيف اللغة ومدخلا للتعدد اللساني ". ( 3 ) ولغة الشخصية المحورية في هذه الرواية وإن كانت تعكس وجهة نظر ذاتية لشخصية تعيش عالمها الايدولوجي الداخلي الخاص بها الذي يعكس فهمها وقناعاتها متجسدة في افعالها ومنطوقها اللفظي،إلا انها تعكس بنفس الوقت دلالة اجتماعية طبقية.
حمَّل علي بدر وهو يختبر مشاعر شخصيته الساردة لغة خطابهِ قيمة ايدولوجية داخل بنيتها الجمالية وهو يتغنى بفرادة عالم الصحراءوغموضها التي مررها على لسان الشخصية المحورية :" لقد شعرت بالتماس مع هذا الرمل،وكأني أذوب في نوع من السرية المطلقة،لقد شعرت وأنا في الأعلى بلحظة غياب مكشوفة مع الصحراء،وأحسست بأصابعي تستدفىء بهذا الوهج القادم من الرمل أولا،ومن الشمس ثانيا،ومن المدار ثالثا وكأن الصقور التي يخشاها الطيارون تفر من خاصرة الرمال لتوقظ في التجرد المديد أنداء الأقاصي " .
الصحراء بمفراداتها هي المحور الرئيس الذي تدور حوله الاحداث،فكانت تجربة علي بدر بمثابة محاولة لفك شفرات البدو او كما يسميهم ارستقراطيي الصحراء وهذا ماجاء على لسان السارد في احدى جمله في الرواية "كان فزعهم يعيد الأمور علينا مقلوبة،دون ابتسام يقرءون ويفكون رموز العالم الذي يحيط بهم ثم يهبطون ليلا في الوديان،يهبطون مثل آلهة قديمة بحركاتهم الرشيقة والبطولية معا ويتلاشون في الظلام ".
أوصل لنا علي بدر مرادفات سردية معادلة لما يحتشد في رمال الصحراء وامتدادتها مِن صورٍ تأتي متداعية من خلال المؤلف الضمني/شخصية الجندي السارد للأحداث الذي هو الناجي الوحيد من هذه المهمة،الذي تحوَّل فيما بعد الى كاتب روائي بعد انتهاء الحرب،فأستثمر هذه التجربة التي خاضها ليعيدَ استدعائها عبر حبكة روائية.

1-   نظريات السرد الحديثة – والاس مارتن – ترجمة حياة جاسم محمد
2-   في الذاكرة الشعرية :قيس كاظم الجنابي
3-   نفس المصدر رقم (1 )














35
رواية ..سيدات زحل
للكاتبة لطفية الدليمي
                          اشتباك الأزمنة في بنية السّرد


مروان ياسين الدليمي


             
بتسعة فصول تنهض رواية سيدات زحل مستندة على 35 كراسة شخصية تجمعها الصحفية حنان البابلي، وهي سليلة اسرة بغدادية عريقة تمتد جذورها عميقا في تاريخ المدينة الاجتماعي والانساني، والكراسات ماهي إلاّ مذكرات تولى كتابتها عدة شخصيات في المقدمة منهم حياة البابلي وهي الشخصية المحورية الساردة للأحداث وعدد من صديقاتها،واشقائها بالاضافة الى عمها الشيخ قيدار،ترتبط هذه الكراسات بسياق مشترك قائم على استعادة صور الحياة في بغداد عبر كتابات شخصية من بعد أن تشظت المدينة بفعل الحروب التي توالت عليها : " غدت سماء المدينة سوادا موشحا بلطخات دموية واتخذ الدخان اشكال تهاويل ووحوش وتنانين تقذف اللهب من افواهها وبغداد تتنفس هواء مسموما والناس تشرب من ماء الجحيم وتهرس تحت العقب الساحقة لجيش الغزاة " .
تقودنا الكراسات الى الدخول في عوالم ذاتية لهذه الشخصيات من خلالها نتوغل في عالم آخر يزداد اتساعا وعمقا كلما توغلنا فيه لتصبح رؤيتنا مفتوحة أمام ازمنة وشخصيات اخرى كثيرة تشكل مدينة بغداد مدارا لها  تدور فيه.
صورة بغداد المدينة،وما كانت عليه  من انفتاح وتنوع في الاعراق والاصول طيلة تاريخها،يعكسها بشكل واضح المسار الحياتي لجَدِّ جَد حياة البابلي رشيد ابن الشيخ نعمان التميمي وكذلك ابناءه، فقد تزاوجوا من نساء ينتمين لأصول واعراق مختلفة،مصرية وتركمانية  وكوردية وارمنية وعربية. وعمها الشيخ قيدار خصَّها هو الآخر بكراسته التي أرَّخ فيها جوانب مضيئة من تاريخ بغداد الثقافي،وذلك برصده لمسيرة علمائها ومتصوفيها،فترك لها الكراسة محفوظة في سرداب بيته قبل أن يهجر الدنيا بعد أن اختطفت زوجته فتنة من قبل حماية احد المسؤولين الكبار في الحكومة قبل العام 2003،وبعد أن اعتقل هو الآخر بذريعة انتمائه لمنظمة سرية.
المتن الحكائي
من الجملة الاولى تضعنا لطفية الدليمي في محنة الشخصية الرئيسة(حياة)إبنة الاستاذ الجامعي البرجوازي اليساري عدنان رشيد البابلي،التي باتت تعاني ذاكرتها من التباس وتشوش كبير،وبسبب ذلك أمست عاجزة عن تحديد هويتها وحضورها الانساني،وهذا مايشكل من الناحية الفنية معادلا موضوعيا لما اصاب مدينة بغداد ـــ التي تموت عشقا بها ـــ من التباس وتشويه في هويتها وحضورها الانساني،وهي تغرق في زمن اشبه بمتاهة بات يلفُّها كل لحظة بدخان من الجحيم:" أأنا حياة البابلي،أم أنني أخرى ؟؟ ".
تعيش البابلي لحظة نفسية ووجودية قلقة لامكان فيها للشعور بالهدوء على وقع انغام حرب مجنونة تسحق المدينة ما أن تجتاحها الدبابات الاميركية ويستبيحها مسلحون ملثمون متتطرفون.ورغم هذا تبقى حياة مُصرَّة على الاحتفاء بالأمل :"مالذي يمنح الروح قدرتها على مجالدة الألم ؟ أهو الحب ؟ أم جرثومة الحياة العنيدة ؟أم هي الأحلام التي نستولدها من شحنات الأمل والحب ".
الاسماء هي أول ضحايا هذه الحرب،وفيها تكمن معاني الاشياء كما اشارت الينا الجملة التي وضعتها الدليمي في الصفحة الاولى قبل بدء الفصل الأول لتكون عتبة دخول الى عالم الرواية،كانت قد استعارتها من فيلسوف التصوف عبد الجبار النفري:"وقال لي لكل شيء شجر،وشجر الحروف الأسماء،فاذهب عن الأسماء تذهب عن المعاني.وقال لي إذا ذهبت عن المعاني صلحت لمعرفتي ".
البابلي فقدت القدرة على معرفة حقيقة الاسماء التي تختلط في ذاكرتها،فلم تعد نعرف من هي(راوية)التي تبعثت لها برسالة تعبر فيها عن دهشتها بعودة حياة من قبرص وهي بين يدي حبيبها ناجي الحجالي الى بغداد مرة اخرى بعد أن كانت قد بذلت مجهودا كبيرا في سبيل الخروج من جحيمها ؟ ومن هي  مَها ؟ ولمى ؟ وحامد المدرس ابو الطيور؟ وآمال ؟ وناجي ؟ وحازم ؟ 
من هؤلاء الذين يتكررون في الاحداث التي تُستعاد في ذاكرة مشوشة عاجزة عن التمييز،حتى أنها تخيلت نفسها وكأنها فقدت القدرة على الكلام،مثلما هي فقدت الاحساس بالزمن:"هل مر يوم ؟ يومان أم ثلاثة وأنا عاجزة عن الكلام ؟ " .
عالم شاسع بات محجوبا عن حياة بعد أن لفَّتها الكوابيس في عتمة سرداب البيت محتمية به من موت همجي يدور بين الازقة والشوارع بحثا عن ضحايا وقد يطرق بابها في اية لحظة،فالذاكرة خذلتها وهي خط دفاعها الأخير،وباتت تتوسل إليها أن تكف عن أن تكون نشيطة:"توقفي عن تعذيبي،إهمدي إلى الأبد ودعيني ..".
كانت تنطق عبارات طويلة ضالة وحكايات مبتورة واغان واشعار وعبارات عشق لارابط بينها يتخلل ذلك عشرات الاسماء وهي في حالة من الهذيان،فايقظها من تشوشها اسم الشيخ قيداروصوته الذي كان يتردد في وحدتها الموحشة وهي تقف أمام المرآة،ويحثها على عدم الاستسلام للموت،وان تقاوم،وان لاتدع هذا الجنون المستفرد بالحياة يفسد حلمها،فاضاء لها ذاكرتها في عتمة السرداب،ومن خلال اسم عمها الشيخ قيدار انكشف عالم شاسع كان محجوبا عنها وهي مختبئة في وحدتها خلاصا من الموت والجنون:"لاتيأسي،إبحثي عن عمك الشيخ قيدار، ابحثي عنه في الجهات والكتب والاسماء والرؤى ..." .
الحرب تمر على كل شيء جميل في بغداد يؤرخ نبرة النهار وفيء النخيل ورائحة الحب فيها،وتتداخل بذات البابلي مشاعر مختلفة ومتناقضة تتأرجح،مابين التوق الى الاستفاقة من هذا الكابوس أوالبقاء في اللحظة الغائبة المغيبة من الذاكرة .
شخصية حياة البابلي حملت في داخلها تحدي كبير وحبا صادقا،هو بمثابة أمل بلقاء قادم مع الحبيب المنتظر ناجي الحجالي المقيم خارج العراق ،فالحب كما تراه "إعادة خلق الزمن والمصير بأصابعنا المشتعلة " .
كان لديها اصرار على البقاء في لحظة لابقاء فيها للحب،كل شيء مهدد بالموت بالرعب بالتوحش بالخيانات،فكانت هي ايضا مهددة ومطاردة من قبل المتشددين بسبب ماتكتبه من تحقيقات صحفية،لكنها كانت تزداد اصرارا على البقاء وعلى الامل،لعلها تلتقي بحبيبها الذي لم تكف عن الايمان بلقاءه:"كلانا كان بانتظار الآخر،كلانا كان يبحث عن روح تكافىء روحه،وتغض الطرف عن نقائصنا الانسانية ".
حياة البابلي كائن له ذاكرة وحلم،كانت تؤمن بأن الجمال هو حقيقة الانسان الوحيدة في الحب وفي الموت،لذلك كان يقول لها حبيبها ناجي الحجالي:" انت تملكين مزيجا متساويا وغريبا من البراءة والغواية ".
كانت تعيش على امل كبير لاخلاص منه،كما هي متشبثة بحبها الذي لن تتخلى عنه،ومثلما هي متشبثة بعشقها لبغداد:"لبثت احرس الصمت وكراسات الغائبين وقصص البنات،متشبثة بيقين حبي وانتظاري لناجي وأمل ظهور عمي الشيخ قيدار".
تقانة السرد
في كتابه المعنون (الزمان والسّرد)يقول بول ريكور:"إن وجود الزمن في السرد حتمي،إذ لايوجد سرد من دون زمن،وهذه الحتمية هي التي تجعل من الزمن سابقا منطقيا على السرد،إذ انَّه بالإمكان رواية قصة من دون تحديد المكان الذي تدور فيه الاحداث،واستحالة اهمال العنصر الزمني في النص السردي الذي تنتظم بوساطته العملية السردية". وفي تعاملها مع الزمن وهي تبني مسار الاحداث ومصائر الشخصيات عمدت الدليمي الى ايجاد إطارين من الزمن لسرد الوقائع :
 1-زمن فيزيائي ( خارجي)  2- زمن نفسي ( داخلي ).
في اطار الزمن الفيزيائي /الخارجي انتظم ترتيب الكراسات،فجاء سياقه منتظما بشكل تراتبي تراجعي،منطلقا من لحظة الحاضر مرتدا الى الخلف لان ذاكرة الشخصية الساردة حياة البابلي كانت تحاول الهروب مِن الحاضر،من النهارات والليالي المروعة :"كان الشَّر يتنزه حولنا ويسخر منّا،يغير سحنته كل برهة،يصير صاروخا أو رجلا ملتحيا،أو عبوة ناسفة أو صديقا يخون ماأن نحدس اقترابه ونتحسب له حتى يغير سيماءه كحرباء ويكمن لنا بهيئة لانتوقعها ".
الدليمي اختارت أن تتخفى خلف قناع الشخصية المحوررية مستعيرة صوتها وضميرها المتكلم في بناء رحلتها  السردية الطويلة المتشعبة في تاريخ وحيوات مدينة بغداد،منطلقة من الزمن الحاضر المؤرخ في اعلى الصفحة الأولى  للكراسة الاولى  بشهر نيسان 2008 ولترتد الى الوراء كراسة بعد أخرى مارّة بالاعوام التي شهدتها بغداد من خلال ما شهدته الشخصية التي كتبت الكراسة من احداث ذاتية،ولتستمر رحلة السرد باصوات ووجهات نظر مختلفة مع تعاقب الكراسات، رجوعا في مسار الرحلة الزمنية التي يتداخل فيها الزمن العام/ الفيزيائي/ الخارجي مع الزمن الخاص/النفسي /الداخلي،حتى تصل الرحلة الى اللحظة التي لم تكن فيها مدينة بغداد موجودة بعد على الارض،إنما كانت في مخيلة ابو جعفر المنصور فقط عندما كان يحلم بها ويفكر في بنائها،ومن ثم تعود بنا رحلة السرد الزمنية من حيث انطلقت بعد أن  سردت لنا حكايا عن  الحب والموت،تعود بنا الى نقطة البدء،الى السرداب،حيث حياة تقف امام المرايا تتساءل مع نفسها في محاولة منها لمعرفة "أين الجهات ؟ أين الاصوات ؟ خرست الساعات ووجدتني في عراء والزمن عماء ،المكان معتم لكنني ابصر ضوءا " .
في اطار الزمن الداخلي/النفسي انتظمت الاحداث داخل كل كراسة لوحدها،وهيكلت  الدليمي مساره بصورة يبدو فيه للقارىء مشوَّشا وغير منتظم فيزيائيا،معتمدة في بنائه ــ وفق هذا الشكل ــ على ماأصبحت عليه ذاكرة حياة البابلي من تشوش واختلاطات بسبب مايحيطها من عنف وقتل باتت تشهده مدينة بغداد،فماعادت بسبب ذلك تملك قدرة على فك اشتباك الازمنة والاحداث حسب تسلسها الفيزيائي ،لذا جاء بناء الزمن السردي  على هذا الشكل الداخلي /النفسي  .
آلية البناء السردي
استعانت لطفية بتقانة المذكرات أوالكراسات الشخصية،وهي صيغة بنائية حميمة في آليات السرد،وهي اقرب التقانات الى الذات لكشف مكامنها وعوالمها الداخلية،لذلك تعددت الاصوات الساردة بصيغة ضمير المتكلم  في كشف المشاعر والاحاسيس المخبوءة،بعدد الاشخاص الذين كتبوا الكراسات،فجاءت عديد من الكراسة تحمل عنوانا يشير الى شخصية محددة تشكل محور الكراسة.وكانت الاصوات النسائية القاسم الأكثر حظورا وهيمنة في مسار السرد(التبئيري)حسب  مصطلح الناقد جرار جينيت.
سيدات زحل مصابات بلعنة زحل تطاردهن من ارض الى ارض ومن زمن إلى زمن ــ  كما تقول حياة البابلي ــ عكسن وجهة نظر نساء حالمات في زمن لامكان فيه للأحلام،وكل الرجال الذين مرَّوا باحلامهن كانوا مجرد أطياف،فالمرأة في زمن تسوده صور الحرب والعنف والقتل على الهوية تصبح فيه طريدة وفريسة سهلة لأمراء الحرب،يتم التعامل معها بابشع صور الاذلال والاحتقار الجنسي والانساني، وهذا ماكانت عليه مصائر سيدات زحل فشخصية هالة المهندسة المعمارية على سبيل المثال كان لها حلم كبير ظل يراودها:أن تصمم مَرقداً مُبهرا في معماريته للحلاج،لكن غزو الكويت اوقف المشروع،والنتيجة ان ضاعت الاحلام في مسافات التشرد بين البلدان بعد أن فقدت عذريتها داخل سجن ابو غريب من قبل الاميركان،وشخصية راوية التي انتظرت حبيبها نديم اعواما طويلة على أمل أن يعود في يوم ما من بريطانيا بعد أن يسقط النظام لتتفاجأ به وقد تحول الى مسخ،بل إلى قواد،بعد أن تخلى عنها وتزوج من بريطانية لعبت دورا كبيرا في مساعدة فصائل المعارضة العراقية قبل العام 2003 في تحقيق اتصال مع الحكومة البريطانية،ولايجد نديم حرجا في ان يعرض على راوية استعداده لتزويجها من مجنَّد اميركي شاهد صورتها وابدى رغبته  بالزواج منها ومكافأة نديم فيما لو اقنعها بذلك .
مفارقة اللغة  
لغة لطفية كما يعرفها جيدا قراءها منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي تنتمي الى مناخ سردي له معطيات انثوية بامتياز يتماوج بشفافيته مابين وقع الجملة الموسيقية في بنائها الهارموني وتجليات العشق الصوفي، وفي هذا العمل يتدفق شلال مفرداتها منفتحا على عالم الزهور والنباتات في مواجهة عالم بشع متوحش:" أشذاء الورد والياسمين وعبير طلع النخل يضوع من الحدائق والمتنزهات المهجورة وبساتين الضواحي في مناطق الدورة والتاجي والفحامة وسبع ابكار،موَّهت الأشذاء لبعض الوقت روائح الجثث المتحللة الملقاة على الارصفة ثم فضحت الشمس نتانة الموت".
الدليمي اعتمدت المفارقة في ازاحة الدلالة بمعناها اللغوي عندما نثرت في بنيتها السردية زهورا ونباتات باصناف وانواع مختلفة كانت جزءا من ذاكرة بغداد نثرتها بين سطور الرواية وفصولها وهي تتحدث عن زمن يمتد فيه الموت والرعب متوغلا في  الهواء والاصوات والاشياء،وكأنها كانت تحاول عبر صوت حياة البابلي أن تعيد لبغداد حياتها المفقودة بنكهتها والوانها ورائحتها التي تعرفها كما لو انه لم يعرف بغداد بهذه الصورة  كاتب عراقي آخر :"احترقت اشجار اليوكالبتوس والصفصاف والارجوان،بعضها قاوم الإهمال والظمأ،المروج جفت وتحولت بعض الشجيرات إلى لون ذهبي محروق،أتراها ماتت ؟؟ ألوانها النورانية تجمل الخراب الذي حاق بالمتنزه،جذوع اشجار التوت العتيقةكانت رحيمة ومتينة ليتوارى وراءها عاشقان يتبادلان القبلات تحت المطر أو غسق الخريف قبل أن يضبطهما شرطي أو عابر متشدد ".




36
فنان ، متطرف دينيا!!!
                                               
مروان ياسين الدليمي

عندما تجد فنانا شابا،ينساق فجأة كبقية القطيع وراء مناخ التطرف الذي يسود العالم،هذه الايام،ليكرس جل وقته لاقامة حفلات بائسة من الشتم والاساءة للآخرين على صفحات الفيس بوك وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي الالكتروني،بدلا من تطوير ادواته الفنية وتقديم مشاريع ابداعية ترتقي بذائقة الانسان.فلابد ان يكون سبب هذا الخلل العقلي والروحي الذي اصابه :افلاس تام في مشواره الفني،وعجز عن اثبات حضور مهم بين اقرانه وزملائه،لذا لم يجد في نفسه سبيلا وقدرة على إثارة اهتمام الاخرين به،سوى ان يركب مطية التطرف الديني،لانها بضاعة رائجة وهي ارخص مايكون في سوق الانحطاط والرداءة والبذاءة .وإلا ليس من المنطقي ولامن المعقول ان يتنازل الفنان عن مكانته السامية ورسالته الفنية بكل جمالها وعظمتها وخلودها لصالح خطاب ديني متطرف،لاقيمة له بقدر ارتباطه بمصالح واجندات سياسية ينتهي حضورها واهميتها من على سطح المشهد الانساني مع اي تبدل يطرأ على مسار العلاقات بين قوى سياسية تتصارع على النفوذ والمطامع،وليس دفاعا عن المبادىء والقيم الانسانية والدينية .
ملاحظة : ليس هنالك اي شخص محدد نقصده في هذا المقال،بقدر ماكان الهدف من كتابته،الاشارة بشكل عابر وعام لحالة يمكن ان نواجهها هنا وهناك .لأنني شخصيا لايعنيني الشخص الذي يصدر عنه الفعل بقدر ما يهمني الفعل نفسه ومدى اهميته ودلالاته ودوافعه ونتائجه على المستوى العام.

37
المنبر الحر / مَسارُ العَمى
« في: 14:41 18/02/2015  »
مَسارُ العَمى
 

                                               
مروان ياسين الدليمي

لم يعد يستفزني ولايدهشني،ماأقرأه من كتابات بعضها لأصدقاء ومعارف،من بينهم فنانون وادباء ومثقفون،ومن كل الاديان والطوائف والقوميات والملل والنحل،تنضح منها افكار متطرفة -دينية ،عنصرية ،طائفية -بعد أن اقتنعت شخصيا بأن لابد لنا من أن نبذل جهدا نفسيا وفكريا كبيرا لكي نخرج من منظومة ماتوارثناه -عبر اجيال وحقب متعاقبة -من افكار تحمل نظرة استهانة بالآخر ،إن لم تكن افكارا تحمل نظرة كراهية وتطرف اعمى،ولكي نخرج من هذه الهوة السحيقةالتي تروج لها كثير من القوى التي تتحكم بمصائر الناس -داخلية وخارجية -لابد لنا من ان نستعين بفطرتناالانسانية القائمة على التآخي،قبل القراءة والدراسة والمعرفة ،خاصة قراءة فترات التاريخ الانساني التي شهدت مانشهده اليوم من تطرف،عندها سنخرج بنتيجة واحدة تقول لنا بأن :من الغباء على الانسان أن يهين عقله وآدميته وفرصته الوحيدة بالعيش على هذه الأرض ليصدق اكاذيب الساسة ومن يروج لهم من رجال دين وثقافة وفن واعلام وصحافة،وهم يصدرون لنا كل يوم خطاب التطرف والكراهية ضد بعضنا البعض مغلفا بشعارات الدفاع عن العرق والدين والطائفة،واجدني اليوم على قناعة عميقة بأن من ينساق وراء هذا الخطاب،مندفعا دونما روية وتفكير خلف طغيان موجة مشاعر التطرف والكراهية،وهو يخوض في مياهها الآسنة،لن يتمكن من تحقيق اي نصر على من يعتقد بانهم اعداءه،فضلا عن تلويث روحه فقط،بما تفرزه الكراهية من قيح وأدران،ليتحول يوما بعد آخر ودون أن يشعر الى كائن مسخ،دميم ،كئيب،حاقد على نفسه قبل الآخرين،ولتتعبأ دواخله بمشاعر وافكار تزداد قتامة الى الحد الذي يصبح فيه العالم بعينيه بلون اسود قاتم،ولم يعد يملك مايكفي من بصيرة كافية تمكنه من رؤية الاشياء في الحياة على حقيقة الوانها الجميلة المتعددة..إنه بذلك يطعن روحه يوميا بمدية التطرف المسمومة وهو مغيب عن وعيه،ولن ينجو من هذه اللحظة الدامية إلا إذا توقف لحظة ليحاسب ذاته بما جنى،بما انتج،بما حقق من اعمال تستحق الفخر،بما ارتكب من حماقات حتى ولو كانت مجرد شتائم والفاظ، وليست افعال ،ثم ليتقدم خطوة واحدة إلى الأمام نحو النور ،نحو المعرفة،ليرى بوضوح ماحوله،ليكتشف أن وجوده كمخلوق،زائل في هذا الكون الشاسع،ولايشكل حضوره فيه سوى ذرة تراب لاترى بالعين،بينما يعتقد هو واهما،بأنه ند لهذا الكون،وانه ملك يديه،وملك مايعتقده ومايؤمن به حول نفسه ودينه وقوميته وطائفته،فقط لاغير .

38

  التّحليقُ عاليا،في مناخ شعري بعيد

   قراءة في ديوان (خارطة اللون .. قبعة السماء)*
 للشاعرة المصرية سمية عسقلاني

  مروان ياسين الدليمي

سمية عسقلاني تصارع الحياة بصوت أنثوي حرّ


كما لو أنها لوحدِها،تأتي الشاعرة د. سمية عسقلاني الى منطقة الشعر قادمة من لحظة زمنية بعيدة جدا،يعود الشعر فيها الى منابعه الأولى،حيث الصوت ولِدَ عاريا حراً،لا تكبله القواعد،ليتجلى فيه الصوت الانساني ــ الانثوي ــ بكل حساسيته ورقته،في لحظة محسوسة بالنبض.لحظة،مازالت ــ كما هي ــ على نداوتها قبل أن تكون مرئية،دون أن تكبلها أعباء واحمال ثقيلة تكدست على أصوات شعراء أخرين .وهذا ماتشير إليه عسقلاني في جملتها الأولى قبل أن ندخل عالمها الشعري:
انتبهوا
هنا عشبة لم تجف
وشعاعٌ يثقب غيمة .
الشعر يعكس تجربة الشاعر وذاتيته ازاء العالم الموضوعي،ويأتي النص محاولة من الشاعر لايقاظ الوعي في ــ ذات ــ تجربته الشعورية،بعد أن كانت الذات قد خاضت إرهاصات تلك اللحظة،والشاعرة هنا،تمارس فعل الاكتشاف، لتعيد مرة أخرى اكتشاف الاشياء التي خَبَرتها،وبنفس الوقت هي تعيش لحظة الاحساس بدهشة الحياة ساعة تتشكل بتفاصيل صغيرة تمرُّ أمامها،فتستدعيها بذاكرتها الشعرية مُحيلة إيّاها الى معانٍ أخرى جديدة،وإنْ ليس هنالك من شبه مابين الدلالات،وبذلك هي تسعى إلى أن تفصحَ طاقةُ الشعر عن نفسها،بإعادة الروح الى طاقته العضوية/ الفطرية،كما يسميها هربرت ريد في كتابه المعنون طبيعة الشعر:"حين تتوافر للعمل الفني قوانينه الفطرية الخاصة به،وينبثق عن روحه الابداعي الحقيقي ويدمج في كلِّ واحد حيّ البنية والمحتوى،فالشكل الناتج مِن ثمَّ يمكن أن يوصف بأنه عضوي ". هذا المنحى الذي تتحرك فيه الشاعرة لايتعارض مع الفعالية القصدية التي يتجوهر فيها عمل الشاعر طالما هو مدرك تماما أن:كينونته الاسلوبية التي يتطلع بها ومن خلالها أنْ تكون خارج التصنيفات النقدية الجاهزة والمتداولة .
كآبة ديسمبر ٍ
تتدحرج فوق النوافذ
وكان الزجاج يعكس صورة مشوشة
إنه القرنفل
متعدد اللون مثلي
هو الآن يغلق براعمه
في انتظار الشمس "
نصوص عسقلاني تحمل بين تجليات صورها،بما تحمله من سلاسة وتدفق وشفافية  تأملات عميقة في تفاصيل حياتية لم نعد قادرين ونحن في فوضى الحياة واحزانها أن نحسن اكتشافها،لاننا قد اصبحنا فجأة حزانى على غير عهدتنا،نسير باجساد ميتة لانبض فيها،لكثرة ما اتخمها الحزن فاحالها الى سلّة مهملات تُلقى فيها مشاعرنا كما تُلقى السجائر في المنفضة،إلاَّ أن عسقلاني تعيد صياغة الاشياء المستهلكة ــ فلسفيا ــ  من جديد كما لوأنها ترنو أن تعيدها الى دورتها الاولى.
سأتخلى عن حزني
هكذا ببساطة
سألقي به في مطفأة السجائر أو سلة المهملات
لن التفت إليه حين يرجوني لالتقطه ثانية
سأدير ظهري لدموعه المنهمرة
وأنا أنظر في ساعتي .
الشاعرة عسقلاني تأتي جملها محمولة عبر صور حسية كثيفة في دلالاتها،وفي مجمل بنيتها الشعرية تعكس في سياقها العام  ــ صوتا أنثويا ــ خاص بها،لن نجد بين مفرداته صدى لأصوات اخرى قد تأتي متسللة إليه من نفس المكان الذي تقف فيه الشاعرة داخل مشهد شعري عربي عادة ما تفصح معظم اصواته عن مشتركات عضوية لايستطيع الشاعر العربي الفكاك منها طالما كان مفهموم الشعر لديه بما هو شائع ومتداول ــ افقيا وعموديا ــ  مرهونا بماهو سياسي / اجتماعي .
هذا الفهم الفني للتجربة لايقتصر على الشعر الذي يكتب وفق المنظومة الكلاسيكية فقط،بل يتجاوزه الى بقية الاشكال والتجارب الشعرية التي ابتعدت في بنيتها الفنية عن منظومة البناء الكلاسيكي،مثل قصيدة التفعيلة،او قصيدة النثر،او النص المفتوح  ..الخ من الاشكال،فتجدها هي الاخرى لاتستطيع إلا أن تُحرِّك مفرداتها داخل  مناخات ماهو سياسي / اجتماعي،وكأن الشاعر بهذا الفَهم يعكس ازدواجيته،ذلك لأنه ظاهريا ونظريا يدَّعي التَّمرد والتجاوز في رؤيته الفنية عن كل ماله صلة بالمورث،لكنه في نفس الوقت لايستطيع أو في الأصح يخشى أن يُعبِّر عن هذا التمرد فنيا،أو الخلاص مما هو سياسي / اجتماعي في معظم مايكتبه من مفردات شعرية،وصولا الى التعبير عن ذاته الانسانية الخالصة،وعن فردانيته الانسانية، احساساً،وانطباعا،وصورا،ومفردات،وبذلك يبقى مناخه الشعري الذي يحلق فيه،هو نفس المناخ الذي ينتجه الشاعر الكلاسيكي،وليبقى الفرق قائما في إطار شكلاني فقط.وقِلَّة هُمْ اولئك الشعراء الذين يتصالحون مع ذواتهم الانسانية ــ كما هي عسقلاني ــ  دون أن يعيروا أهمية فيما لو نُزِعتْ عنهم صفة الشرعية الفنية التي تعني أن: يتطابق النص ــ شكلا ومحتوى ــ مع المشتركات العضوية التي تحدد ملامح البيئة الاجتماعية /الثقافية في المنطقة العربية توافقا وتصالحا وانسجاماً.
من هنا يأتي سِرُّ جمالية الصورة الشعرية لدى عسقلاني،في انسلاخها عن ــ المشترك ــ مع  ماهو مكتوب قبلها،ومايجاورها،في ذات اللحظة الزمنكانية التي يصدح فيه صوتها .
محيط ٌ من الصحراء
تبدو صفحتي
هوّةٌ  تبتلعني
أحكم قبضتي على الحروف
لأخفي تخلخلا واضحا في بنائي الداخلي
أتسلل من قافية الملح
وأوازن الزبرجد
اتبع اتكاء الريح
على موجة تائهة
اتناثر ...
ييدو التلاقح الواعي مع طبيعة الشعر الاجنبي خارج المنطقة العربية ــ خاصة الشعر الاوربي ـــ واضح جدا في العالم الشعري الذي تتحرك فيه عسقلاني،فالمفردة لديها تحمل صفائها وبراءتها،وكأنها مفردة تدخل الى هذا العالم المتشنج ــ بمايبعثه من صخب ــ باستحياء انثوي جميل،يعكس فطرتها ونقاوتها ونأيها عن كل مايحيط بها من اصوات،وكأن الكلمات لديها تُستَعمل لأول مرَّة،ولم يقترب منها احد قبلها،مع انها قد انتُهكت،لكثرة مااستعملت في ماهو شائع من اشعار،إلاَّ أنَ عسقلاني تراها من زاوية غير مألوفة، لم تطرقها خطوات قبلها،مع انها مألوفة بنفس الوقت.
صخبٌ داخليٌ
يتصاعد مع دقة الحذاء على رصيفٍ متكسر
أقول لمن يحادثني :
أنا بخير .. بخير .. بخير
أرددها ثلاثا حتى أسمعها
لاأحب ظلي المتضائل في الظهيرة
أطيل النظر إلى أظافر قدمي
يعجبني هذا الطلاء
معانقة الأبيض للأرجواني
يمنح الحذاء الأسود خفة موجة .
تتزاحم الاسئلة الكبرى في ذاكرة الشاعرة،دون ان تنأى بها خبث الاسئلة الفلسفية بعيدا عن الشعر،الى ذهنية التراكيب اللغوية في الاسئلة،لتبقى مفرداتها تلامس الاشياء برفق وطراوة لاتستطيع أن تطأها اقدام الفلسفة،وهذا ما يجعل تفاعلنا حميميا مع مانقرأ ونحن نلامس القسمات .
ينبغي عليك أن تواجه ألمك بلا مخدر
أن تضعه في علبة حمراء اللون
الألم الأزرق بلون العلبة
عليك أن تطمئن على وجوده
انظر إليه
لن يتجاوز الأمر وخزة
تشعرك بالحياة
لاتتركه ممدا في علبته
تنساه أو تعتاده
أخرجه كل فترة
تأمل قسماته
امسح عليه بلا رفق
حتى لايصدأ
علقه في رقبتك
ليلمس صدرك
أو اربطه في قدميك
ليبطىء خطوك
عندئذ .. قد لاتسقط .
*(خارطة اللون .. قبعة السماء)هو الاصدار الشعري الثالث للشاعرة المصرية د. سمية عسقلاني،الصادر هذا العام 2015 عن دار الأدهم للنشر والتوزيع في العاصمة المصرية القاهرة.بعد أن كانت قد اصدرت في وقت سابق مجموعتين شعريتين الأولى بعنوان(البوح بالمكنون)2012 والثانية بعنوان(وجه في دفتر الابدية)2013،ونصوص المجموعة جاءت مقسمة على ثمانية عناوين رئيسة: الزهرة،الشجرة،الجغرافيا،القصيدة،اللون،التاريخ،الحب،الزمن.وفي داخل العناوين الرئيسة هنالك عناوين فرعية تكتسب دلالاتها من تدرجات جنس العناوين الرئيسة.فعنوان الزهرة رقم 1 تتبعه صولو الريحان ،قرنفلة الشتاء ،سوناتا الياسمين،وهكذا .


39
 

رسالة الفلم : أنْ نصبح وحوشا ً

                                         
مروان ياسين الدليمي
ينبغي أن نعترف،أن لدى دولة الخلافة في العراق والشام(داعش)فريقا فنياً على درجة عالية من الاحتراف،تفتقر له ـ جميع ـ المؤسسات الاعلامية الرسمية وغير الرسمية في كل الدول العربية.والتي فشلت تماما في مواجهة الفكر الارهابي،باساليب ذكية وغير مباشرة رغم الامكانات المادية الكبيرة التي بحوزتها،ومازالت مُصرَّة على أن  تعتمد المهرجين في هذه المهمة الخطيرة وسيلة لها .
ولم يعد أمراً خافياً،أنّ دولة الخلافة باتت تراهن على الاعلام المرئي في ايصال خطابها بالشكل الذي تعجز عنه الكلمة المنطوقة لوحدها.
وماشاهدناه من مادة فلمية عن حرق الطيار الكساسبة،والتي لاأشك في حقيقتها كما إعتقدَ البعض،يكشف عن امتلاك دولة (الخلافةالاسلامية)لطاقم عمل فني واعلامي خبير،يعرف بشكل ممتاز،الكيفية التي تدار فيها كافة العناصر الفنية مجتمعة(تصوير،اخراج،مونتاج،ايقاع، موقع تصوير،مؤثرات صوتية).
ومعلوم لذوي الاختصاص السينمائي،أن لقطة واحدة في السينما، يستغرق زمنها على الشاشة ثوان معدودة، تحتاج الى ساعات مرهقة وطويلة من التحضير لها في موقع التصوير،فكيف الحال بهذا الفلم الذي ضم العديد من اللقطات ! ..وهنا سأسمحُ لنفسي أنْ اطرح سؤالا خبيثا : لماذا عجزت الاقمار الاصطناعية الاميركية الاستخبارتية التي تحتشد بها سماء الشرق الاوسط أنْ تلتقط مايجري من تحضيرات فنية على الارض،قبل وبعد البدء  بالتصوير ،ومن المؤكد أنها قد استغرقت ساعات طوال ! ؟
إنَّ جوهر رسالة الفلم المصدرة لنا من مجموع الجهات المنتجة له،أرادوا من خلالها أنْ يطفئوا الوعي في عقولنا،والرحمة في ضمائرنا،وأن نكون على الصورة التي يريدونها لنا،وأن نتحول وحوشا لاأكثر !..
والسؤال الأهم بعد هذا الفلم : هل نجحوا في تدمير ماتبقى من انسانية فينا،أم أرتكبوا خطأ جسيما ماكان في حسبانهم عندما انحرفت رسالة الفلم عن مسارها المرسوم،فأزاحت غشاوة ثقيلة عن بصيرتنا،لنرى بوضوح تام اكداسا من الركام،قوامها تاؤيلات وتفسيرات وتخريجات فقهية،كنّا رفعناها في معتقداتنا وممارساتنا إلى  حدِّ القداسة منذ قرون،ولم تكن في حقيقتها سوى أوهام وخرافات كانت قد انتجتها عقول مختلة  ؟

40
نينوى ، أنا فَرِحٌ جِداً
                                   
مروان ياسين الدليمي

يوم الاربعاء 21 // 1 / 2015إستعدتُ كرامتي التي جُرِحَت،وغاب عنّي حزنٌ مُعتَّق،وغمرتني سعادة مفقودة لاحدود لها،حينما قال أهلي في الموصل كلمتهم الفَصلْ،بجملةٍ واحدة،لاأبلغ منها إيحاءً وفصاحة ً ودقةً في التعبير،وذلك عندما رفعوا علم العراق عاليا ً تحديا لسلطة لداعش وليس علماً آخَر فوق سطح بناية مجاورة لمبنى محافظة نينوى الذي يتخذه تنظيم داعش مقرا له بعد احتلاله للمدينة في 10 / 6 / 2014 ..
خطوتهم هذه بكل بساطة هي أكبر تحدٍ  في معناه ودلالته من إية رصاصة يتم توجيهها ضد داعش،هي الأشد خطورة من كل القنابل التي تتساقط عليهم من طائرات التحالف،لأنها تأتي من إناس عُزَّل،لايملكون شيئا يواجهون به عدوهم  سوى إيمانهم بأنفسهم وأرضهم ووطنهم ولاشيء آخر . 
الموصليون يوم أمس أطلّوا على العالم المُغيّّب في وعيه وضميره بإظاليل الإعلام الرخيص،أطلّوا بجمال كلمتهم مثلما جمال مدينتهم بِكل مايملكونهُ من عِشقٍ لها ولبلدهم العراق،وأعلنوا بصوت هادىء وقوي،أطلقوه مِن دهاليز عُزلة مفروضة عليهم بقوة السلاح منذ أن سقطوا أسرى تحت سلطة تنظيم داعش.
أمس قالوا لنا،ولِمنْ خَذَلهم ومَنْ خَدَعهم ومَنْ خَانَهم،قالوالأصدقائهم وأشقائهم وللعالم أجمع بصوت واضح يَعكس مَدنيَّتهم وتحضُّرهم وانتمائهم الوطني لبلدهم أولاً وآخرا ً: - مازلنا هُنا ، كما نحنُ ، نَعبُرُ ظُلمة أيامنا بالصّبر على البلوى..
الموصليون أمس،وكما هي خِصال الشُّرفاء ساعة المحنة،كانوا في ذروة تفاؤلهم،وأعلنوا مُبكراً بيان انتصارهم، وردَّوا بمُختَصِر القولِ وأجمله على كل الذين خَانتهم ذاكرتهم وخذلتهم ثقافتهم مِن أبناء جلدتهم، فتوهَّموا فأساوا كثيرا في فَهمهم،وأخطأوا،وشتموا في كل ما  كتبوا وتقوّلوا وهزجوا ليطعنوا في العِرض،وفي النوايا.
ماجاء به الموصليون أمس،اثبت لنا،نحن ابناء المدينةأولاً،نحن النازحون والمهجرون قبل أن يثبتوا للآخرين من أشقاء واصدقاء واعداء،على أن صمتهم لن يكون أبدا تواطأً ولااستكانة ولاخضوعاً لإرادة غاصب مُحتل،  إنما مُكوثاً  في حضرة الأمل .
الموصليون العُزَّل قالوا لعدوِّهم يوم أمس:- لن نكونَ عبيداًَ لكُم ولا سِواكم، طال الزمان أو قصر،حتى لو تخاذل بعض ابنائنا وصاروا مَعكم بإرادتهم أو بغيرها،حتى لو هَربت كل الجيوش الجرارة  أمامكم .

41
المنبر الحر / نحنُ عنصريون . .
« في: 15:08 20/01/2015  »
نحنُ عنصريون   . .
   
                                     
                                             
مروان ياسين الدليمي
تعوّدنا على أن نمارس سلوكا عنصريا في ردود افعالنا اليومية إزاء بعض المواقف والاحداث،سواء كان ذلك  بوعي منّا أو دون وعي،وذلك عندما نروّج لمشاعر الكراهية والعنف والتطرف ضد آخرين لايمتّون إلينا بصلة دينية أو قومية أو طائفية.
وعادة مانعبّر عن تلك الكراهية بسيل جارف من الشتائم والالفاظ البذيئة والمهينة نتفنن في انتاجها ونحن نقذف بها الآخرين في لحظة ما في حياتنا اليومية .
قد يكون سبب انحدارنا الاخلاقي هذا سببه خسارة فريقنا الوطني بكرة القدم مع فريق خليجي أو افريقي أومصري أو أيراني أو سوري .... الخ .أو قد يكون السبب تفجير انتحاري راح ضحيته العديد من المدنيين الابرياء،كشفت لنا التحقيقات الرسمية أن الانتحاري كان افغانيا أو باكستانيا أو فلسطينيا أو سوريا أو سعوديا أو أو أو أو ....
فالمهم في هذا الموضوع أن الطرف الآخر ليس من أبناء جلدتنا،لكي تتوفر  لنا فرصة مناسبة جدا حتى نُفرِغ مافي جعبة دواخلنا من عبارات الكراهية ضد الآخرين،عادة ما كدَّستها خلال عقود وازمنة طويلة في وعينا وممارساتنا،ثقافة عامة شائعة في مجتمعاتنا الشرقية ،يتحمل مسؤوليتها عدة اطراف، منهم رجال دين متطرفين في فهمهم وقراءاتهم لنصوص الدين إلى الحد الذي لايترددون في التصريح علانية دون تردد بكل عبارات الاساءة والتحقير لأتباع الديانات الاخرى،أيضا أحزاب سياسية تراهن ايدلوجياتها دائما على ترويج قيم التعالي بين اتباعها ضد الآخرين من القوميات الاخرى بقصد الحصول على اكبر قاعدة جماهيرية من المؤيدين،كذلك ساسة وزعماء وقادة ومثقفون انتهازيون لايترددون في خطاباتهم على  استثمار عبارات  العداء ضد اديان وطوائف اخرى لاينتمون لها حتى يصلوا الى مايبتغون اليه من مناصب ومكاسب ومغانم .
لم نتوقف يوما أمام  مانردده ونلوكهُ من كلمات وعبارات عنصرية تعوَّدنا على استعمالها دون وعي منّا وكأنها أمر طبيعي لايحمل شيئا مستفزا ومسيئا للآخرين لكي نحاكمها ونجتثَّ منها ماهو شاذ ومريض وطارىء على الفطرة والثقافة الانسانية ويتقاطع مع قيم التسامح والاخوة والمحبة التي تدعو اليها ادياننا والتي طالما تبجحنا بها كلما اصبحنا في موقف حرج .
لم نتوقف يوما أمام هذه العبارات لنفكك ماتحمله من كراهية وعنف موجه ضد اخرين يختلفون عنّا في الدين والمعتقد والهوية عبرمؤتمرات وتجمعات واجتماعات عامة، وكذلك في  المدارس والجامعات والجوامع والكنائس.
ينبغي أن نعترف ونقر بأننا تعوّدنا في حياتنا اليومية وفي ثقافتنا العامة ــ ولاأستثني من ذلك حتى النخب المثقفة ــ على أن نشتم الشعوب الأخرى دفعة واحدة بكل سهولة فيما لو تهيأ لنا  ظرف ما .
ولكي نصحو من غيبوبتنا العنصرية،ونرى الاشياء بوضوح ونحدد مايستحق الادانة أو الشتم،ينبغي أن يذهب غضبنا في مساره الصحيح نحو الاطراف التي تستحق الادانة والشجب والشتيمة التي لاتتعدى الانظمة والحكومات والجمعيات والمنظمات والافراد وكل الذين يشجعون على التطرف والارهاب والعنصرية خدمة لمصالحها وليس الشعوب والاديان والقوميات مهما كان شكلها او لونها او جنسها  .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

42

عزازيل .. للروائي  يوسف زيدان
                المراوغةُ في تكثيفِ الإيهام مابينَ المتخيَّل والتاريخي


طبعة دار الشروق الاولى 2008
                                                       مروان ياسين الدليمي
السرد يتخيل التاريخ
ما يتفرد به الخطاب السردي في المشروع الروائي عندما يعود الى وقائع تاريخية من قبل الروائي،أنه يتوقف امامها ليتأملها بمخيلته،ثم يعيد قراءتها في بنية سردية مفارقة عنها،وكلما زادت شقة الافتراق عنها كلما كان اكثر قربا من الخطاب الروائي،واكثر بعداً عن السرد التاريخي .
في هذا المشغل الفني لعالم الرواية بما يملكه من مفردات وتقنيات وأدوات لتفكيك وتركيب الواقع والوقائع،لعب المخيال الروائي لزيدان دوره في مشروعية الحضوروالهيمنة التخييلية في إعادة تشكيل الواقع والوقائع الموضوعية/التاريخية في بنية معمارية،وفق رؤيته الذاتية كمؤلف سارد للتاريخ،له الحرية في أن يستثمر ادواته التقنية في مايريد أن يسردهُ،معتمدا على طاقته التخييلة وهو يتعامل مع الواقع أو التاريخ .
رواية عزازيل باعتبارها مخطوطة فنية تنهض فيها الاحداث من ماضي بعيد ـــ النصف الاول من القرن الخامس الميلادي ـــ انطلاقا من منظور سردي/ موضوعي ينزوي فيه المؤلف زيدان،متسترا بقناع شخصية اخرى ــ وهذه تقانة جوهرية في الفن الروائي ــ هي شخصية المترجم/ مؤلف ضمني .
ابتكر مخيال زيدان شخصيةالمترجم ليفتتح عبر المقدمة التي جاءت على لسانه  الصفحات الاولى من مخطوطته ممارساً من خلالها مع القارىء لعبة مرواغته الفنية،وذلك في خلق الايهام بالواقع وهويدخله الى عالم الرواية المتخيل،انطلاقا من مدخل الواقع والتاريخ،الى الحد الذي يتماهى فيه الحد الفاصل مابين الحقيقة التاريخية والصورة المتخيلة.هذا ما مضى به زيدان من خلال المقدمة التي كتبها والتي جاءت على لسان شخصية المترجم التي افترضها،والتي من خلالها اوضح قصة الرقوق الثلاثين التي تم العثور عليها في خرائب على حافة الطريق الواصل مابين حلب وانطاكية،وكيفية العثور عليها وكيف تعامل معها لمدة سبعة اعوام وهو يترجمها من اللغة السريانية الى اللغة العربية :"يضم هذا الكتاب الذي أوصيت أن ينشر بعد وفاتي،ترجمة أمينة قدر المستطاع لمجموعة اللفائف(الرقوق)التي اكتشفت قبل عشر سنوات بالخرائب الاثرية الواقعة الى جهة الشمال الغربي من مدينة حلب السورية ...ولست واثقا من أن ترجمتي هذه الى العربية قد نجحت في مماثلة لغة النص السرياني بهاء ورونقا ....وقد جعلت فصول هذه الرواية على عدد الرقوق التي هي متفاوتة الحجم.وقد اعطيت للرقوق عناوين من عندي،وتسهيلا للقارىء ايضا استعملت في ترجمتي الاسماء المعاصرة للمدن التي ذكرها الراهب هيبا في روايته ......." .
بعد هذه المقدمة التي لم تتجاوز الصفحتين،تختفي شخصية المترجم تماما،بعد أن اكتمل دورها في المهمة الموكلة إليها في تعميق وتكثيف الايهام  لدى القارىء بأن مايقرأه قد استند الى وقائع تاريخية،ولكي تكتمل عناصر اللعبة التي يمسك بطرفيها زيدان،فسح الفضاء الروائي لحضورشخصية الراهب هيبا لكي يصبح  الصوت السارد الأوحد للأحداث بدلا عن شخصية المترجم التي تختفي نهائيا .
دائرية الزمن
ينطلق الزمن السردي للأحداث بالتدفق بطريقة دائرية،بالشكل الذي تتداخل فيه الازمنة وهي تتحرك مندفعة للأمام ومن ثم تعود الى الخلف وهكذا دواليك،لكن الزمن الروائي يتوقف في لحظة الحاضر:"هاهي الايام الاربعون قد مرت،وتم اليوم التدوين ".أي أن سرد الحكاية في بنية الزمن الروائي ينتهي في الحاضر،إذ يعود الى نفس النقطة التي ابتدأت فيها لحظة السرد:"سأبدأ من الحاضر،من اللحظة الحالية،من جلستي هذه في صومعتي التي لايزيد طولها ولاعرضها عن مترين.من القبور المصرية ماهو أوسع منها ..."
تركيبة الزمن الدائرية هذه التي شكلها زيدان في بناء المسرود الحكائي،جاءت على لسان الراهب هيبا/الشخصية الساردة للأحداث،عندما يفصح عن حيرته في اختيارلحظة بدء التدوين:"فالبداية والنهاية،إنما تكونان فقط في الخط المستقيم ،ولاخطوط مستقيمة إلاّ في اوهامنا،أو في الوريقات التي نسطر فيها ما نتوهمه.أما في الحياة وفي الكون كله،فكل شيء دائريُّ يعود إلى ما منه بدأ ويتداخل مع ما به اتصل.فليس ثمة بداية ولانهاية على الحقيقة،وما ثمَّ إلاّ التوالي الذي لاينقطع ،فلاينقطع في الكون الاتصال،ولاينفصم التداخل،ولايكف التفريغ ولا الملء ولاالتفريغ..الأمر الواحد يتوالى اتصاله،فتتسع دائرته لتتداخل مع الأمر الآخر ،وتتفرغ عنهما دائرة جديدة تتداخل بدورها مع بقية الدوائر.فتمتلىء الحياة،بأن تكتمل دائرتها،فتفرغ عند انتهائها بالموت،لنعود إلى ما منه إبتدأنا..آه لحيرتي،ماهذا الذي أكتبه ؟ " . 
الصراع مع الذات
هيبا كان مطاردا من قبل عزازيل ـــ الذي هو الشيطان نفسه ـــ وهو يتنقل بين البلدان والتجارب.فالجدل والصراع بينهما كان قائما،فعزازيل كان حريصا على ان يوقظ في داخله رغبات ومشاعر وهواجس انسانية تتقاطع مع زهده عن الحياة ويثير في داخله اسئلة تجعله متأرجحا وقلقا في ايمانه وقناعاته فتتولد في ذاته شكوكا تتعرض لما كان مؤمنا به من عقيدة مسيحية اختارها أن تكون طريقا له في الحياة بعد أن كان ابوه على دين ابائه واجداده من الفراعنة،حتى انه شهد مقتل والده ـــ وكان عمره لم يتجاوز الثانية عشرة ـــ عندما كان برفقته على قارب الصيد،حينما خرج عليه مجموعة من المسيحيين كانوا قد تربصوا به عند معبد قديم يعتكف فيه مجموعة قليلة من الكهنة الفراعنة،اعتاد والد هيبا ان يجلب لهم خفية وقبل شروق الشمس نصف مايصطاده من السمك كل يومين..
عزازيل لم يكف عن مطالبة هيبا بتدوين كل مارآه في حياته مع ان هيبا على النقيض منه  كان مؤمنا بأن لاقيمة لحياته اصلا حتى يدون مارآه فيها:"انقذني ياإلهي الرحيم من وسوسته لي،ومن طغيان نفسي.انني يإلهي لازلت انتظرمنك إشارات لم تأت..ولو ترتكتني لنفسي،اضيع ..فقد صارت نفسي معلقة من اطرافها،تتنازعها غوايات عزازيل اللعين ونكايات اشواقي " .
في ليلة السابع والعشرين من شهر ايلول وبعد أن قرر الأب هيبا أن يعتكف في صومعته لمدة اربعين يوما لأجل أن يتفرغ للتدوين ــ وهو على ماكان عليه من حيرة ــ يبدأ في تدوين ماهو كائن في سيرته،واصفا مايجري حوله ومايضطرم بداخله من اهوال.على غير ماكان عليه من نيّة عندما اشترى الرقوق الثلاثين:" ياإلهي الرحيم،لك المجد،تعلم أنني أقتنيت هذه الرقوق قبل سنين،من نواحي البحر الميت، كي أكتب فيها أشعاري ومناجاتي لك في خلواتي،ليتمجد اسمك بين الناس في الارض مثلما هو مجيد في السماوات.وكنت أنوي أن أدوَّن فيها ابتهالاتي التي تقربني إليك ".
يبدأ الأب هيبا التدوين ليحكي ماجرى بينه وبين مرتا الجميلة من غوايات وعذابات ،وماكان من أمر عزازيل المراوغ اللعين،وماعاشه من حكايا منذ اللحظة التي خرج فيها من بلدته الواقعة في جنوب مصر باطراف بلدة اسوان ووصوله الى الاسكندرية،والعلاقة الحميمة التي سقط فيها مع اوكتافيا،وخروجه مرعوبا من الاسكندرية بعد الذي شاهده فيها من غلوِّ وتطرف لدى قساوستها وهم ينجحون في اقناع عامة الناس وتحريضهم على قتل وسحل وحرق هيباتيا الكاهنة الفرعونية الجميلة،التي كانت تدرِّس علوم الرياضيات والفلسفة،ومعها اوكتافيا ــ التي حاولت الدفاع عنها وإنقاذها ــ المرأة التي كانت قد ارتبطت بعلاقة حميمة مع الأب هيبا قبل أن تطرده من حياتها بعد أن اخبرها بأنه مسيحي وليس على ديانة الفراعنة التي كانت هي عليها.يخرج هيبا من الاسكندرية هائما مرعوبا مما رأى متجها الى اورشليم،لينتهي المقام به في دير صغير يرقد في أعلى جبل قرب انطاكية.
يوسف زيدان في هذه الرواية التي تدور احداثها في منتصف القرن الخامس الميلادي نسج عالما ينبض بالحياة والصراعات الفكرية والعقائدية /الدينية.والرواية تتصدى لفترة زمنية خصبة شهدت أفول عالم قديم بكل اساطيره ومعتقداته لينهض فوق انقاضه عالم روحي جديد،ومع ذلك،تطل منه مشاهد متطرفة،بعضها لاتهدأ إلا بالدم والسحل والحرق لأناس لاذنب لهم سوى انهم يحملون فكرا آخر يتحرك خارج السياق العام الجمعي،فكان القتل عقابا لهم،كما تفعل الان بعض التنظيمات الاسلاموية المتشددة.تلك الممارسات تلقي بظلال قاتمة على من كان يبحث عن الحقيقة كما هو الحال مع الراهب هيبا وهو يتوغل في رحلته بحثا عن الخلاص الروحي بينما ذاته قلقة تتأرجح مابين العالم الميتافيزقي الذي يعيش مفرداته وبين علوم الفلسفة اليونانية والرياضيات بعد أن جعلته الكاهنة الفرعونية هيباتيا يعشق دراستها عندما حضر درسا لها في اول يوم من دخوله الى مدينة الاسكندرية .

43
تقنية السيرة الذاتية
أداة لتعميق الاحساس بواقعية الاحداث



تقنية السيرة الذاتية.. في (تلك العتمة الباهرة) للطاهر بن جلون
مروان ياسين الدليمي الأحد 7 كانون الاول 2014
عتبة المدخل
"احداث هذه الرواية واقعية.. مستلهمة من شهادة أحد معتقلي سجن تزمامارت. إنَّهُ عزيز، وإليهِ أهدي هذا العمل الروائي، وأهديه ايضا إلى صغيره رضا، نور حياته الثالثة".
 بهذا التمهيد الذي كتب بلغة واضحة، قصد المؤلف الطاهر بن جلون من خلالها أن يخاطب القارئ بشكل مباشر قبل الدخول في عالم مخطوطته السردية المعنونة (تلك العتمة الباهرة) والتي استند في بناءها على وقائع حقيقية، كما اشار الى ذلك، فكان الهدف من عتبة التمهيد أن:يضع القارىء أمام حقائق واقعية تعامل معها مخياله السردي في هذه الرواية، من اجل أن يكون خطابه الفني غير بعيد عن الأمانة في كشف ماتعرض له الانسان من قمع وقهرعلى يد الاجهزة الامنية المغربية، خلال فترة زمنية محددة داخل أحداث الرواية.
 ولأجل أن يوظف جلّون مخياله السردي لتعميق واقعية الاحداث الواقعية، تموضعَ ــ تقنيّا ــ خلف ضمير المتكلم/بصيغة الماضي، الذي جسدته شخصية (سليم) الملازم في جيش المملكة، والذي يعمل والده موظفا في القصر الملكي بصفة مهرج للملك وصديقا مقرباً منه، يسليه بنكاته التي يلقيها على مسامعه. وكان هاجس الوالد/ المهرج، كما يقول ابنه سليم أن:"يخدم الملك، أن يلبث عند قدميه رهَن إشارته، ألاّ يغمض عينيه قبله، أن يسرد له القصص، يضحكه حين يكون قانطاً، أن يعثر على العبارات الملائمة، وأن يضع لكل مقام مقاله، أن يرضى بألاّ تكون له حياة خاصة به..وأن يكون على الدوام طوع مزاجه، وقبل كل شيء ألا يفقد أبداً حس الدعابة".
 المتن الحكائي
 الملازم سليم/ الشخصية الساردة للأحداث، يتم اعتقاله مع 22 عسكريا من رفاقه، على إثر محاولة انقلابية فاشلة كانوا قد تورطوا بالمشاركة بها دون أن يعلموا بذلك! في ليلة العاشر من شهر تموز عام 1971 بعد مهاجتمهم للقصر الملكي، ليتم زجهم في سجن تزممارات الصحرواي عقوبة لهم.
 سليم: "منذ ليلة العاشر من شهر تموز 1971 توقفت سنوات عمري.لم اتقدم في السن، ولم اجدد صباي.من يومها فقدت سنّي، فلم يعد باديا على محياي، والواقع أني ماعدت هناك لكي امنح عمري وجها، إذ وقفتُ ناحية العدم، هناك حيث لاوجود للزمن".
 سليم مع بقية زملائه العسكرييين المعتقلين، لم يكونوا على علمٍ بطبيعة الهدف من الواجب العسكري الذي أمرهم بالتحرك نحو القصر الملكي، فالمسألة بالنسبة لهم لاتخرج عن كونها استجابة لسياقات ضبطٍ عسكري يفرض عليهم تنفيذ أي أمر يتلقونه من سلطة أعلى رتبة منهم، ولن يكون لهم أي حق لمعرفة الاسباب الموجبة لهذا الأمر.ورغم عدم معرفتهم بحقية الهدف من واجب التحرك نحو القصر الملكي، إلاّ أن هذا لم يشفع لهم، ولم يخفف العقوبة عنهم.حتى أن والد سليم، لم يتردد في أنْ يتبرأ منه أمام الملك.
 سليم: "لم يكن لنا رأي.كنّا مجرد جنود، بيادق رتباء لاتخولهم رتبهم أن يمسكوا بزمام المبادرة".
 )ستة آلاف وستمئة وثلاثة وستين يوما)قضاها سليم مع زملائه في معتقل تزمامارت الصحراوي ، أي مايعادل(18)عشر عاما من عمره، معزولا فيها عن الحياة الأنسانية بشكل تام ، قبل أن يطلق سراحه، في 29 تشرين الأول 1991، مع آخر ثلاثة معتقلين بقوا معه على قيد الحياة، بعد أن سقط خلال هذه المدة الطويلة (19) معتقلا من زملائه الـ(23) الذين كانوا معه. وكان كل واحد منهم قد غادر الحياة بطريقة مآساوية تختلف عن الاخر.
 سليم: "معظم الذين قضوا، لم يقضوا جوعا بل حقدا.فالحقد يضعف، إنه يتآكل الجسم من الداخل، ويصيب جهاز المناعة.فعندما يقيم الحقد في دواخلنا ينتهي الأمر بأن يسحقنا".
 
جميع النهايات التي انتهى اليها المعتقلون، كشف المؤلف من خلالها عن بؤس الوضع اللانساني الذي كان يعيشه السجناء، وهم يقبعون في ظلمة زنزانات انفرادية ضيقة مغلقة، تخلوا من أية نافذة، سوى فتحة صغيرة جدا معلقة في منتصف السقف، تتيح لهم التنفس فقط من غير أن تسمح لهم حتى رؤية السماء، فيها تسرح العقارب والصراصير، والزنزانة لايتجاوز طولها 3 امتار وارتفاعها متر ونصف المتر، تفوح منها رائحة الفضلات التي تطرحها اجسادهم، ولاتتوفر على أدنى الشروط الانسانية التي تصون كرامة الانسان وآدميته.فكان وجودهم في تلك الحفرة بمثابة موت بطيء جدا .
 سليم "آه من البطء! أول اعدائنا، ذاك الذي كان يغلف جلودنا المقرَّحة فلا يلتئم الجرح الفاغر إلا بعد وقت طويل، ذلك البطء الذي كان يجعل قلوبنا خافقة على الايقاع العذب للموت القليل ، كأنَّ علينا أن ننطفىء كشمعة مضاءة بعيدا منّا، وتذوب بعذوبة الرغد".
 وبسبب العتمة الدائمة التي كانت تغلف المكان انعدم الاحساس لدى المعتقلين بجريان الزمن. سليم:"ماكان الليل يهبط، كما يقال، بل كان هناك، مكتنفا طوال الوقت..كانت صورنا ظلالاً متنقلة في العتمة، بعضها بالبعض، أو يعثرُ بكرّار الماء أو يطيح بكسرة الخبز اليابس التي يحتفظ بها البعض اتقاء لتشنجات المعدة ".
 ازاء هذه المحنة التي وقع فيها سليم، بات عليه أن يكتشف ماينبغي عليه أن يفعله، كان عليه أن يلبث واقفا، أن لاتمس كرامته من الداخل، وبنفس الوقت أن لايدين من يضعف ويتخلى عن الصراع، لينتهي بهم الامر الى الانهيار تحت وطأة التعذيب، وقد استمد عزيمته من أمه.
 سليم: "أمي التي طالما رأيتها تقاتل، لكي تربِّينا، أنا وأخوتي وأخواتي، ولم ينل منها القنوط يوما، كانت أمي قد فقدت كل أمل في أبي المُقبل على العيش، الأناني حتى الأذيَّة، الغندور الذي نسي أنه رب اسرةٍ، وراح ينفق كل ماله على الخياطين الذين يفصلون له جلبابه من حرير كل اسبوع .لكي يتبختر في قصر أسرة الباشا.وفي هذه الاثناء كانت امي تشقى طوال الاسبوع".
 
تقنية الايهام بالواقع
 جمالية الخيار التقني الذي استعاره جلّون من آلية بناء خطاب السيرة الذاتية يأتي من كونه يذهب بعيدا في تعميق الاحساس بواقعية الاحداث المروية عبر لسان الرواي/ الشخصية الرئيسة.الذي أخذ يستعيد تلك التفاصيل والاسماء بعد مضي خمسة اشهرعلى خروجه من رحلة شاقة نالت منه كثيرا، ليبدو وكأنه "عجوز ضامر قد رأى النور لتوّه" .
فالبحث عن الادوات التقنية التي اقتضى حضورها في بنية الرواية يعني التوصل الى ما قصده المؤلف عندما اختار أن يخفي وجهة نظره خلف ـــ الملازم سليم ــ الشخصية الرئيسة، من أجل أن يكشف ويعري الحياة الذهنية لذات الشخصية المحورية عن طريق الايهام الكثيف بالواقع. ومن خلالها أيضا يتم تقديم رؤية موضوعية عن 23 معتقلا كل واحد منهم يقبع في زنزانة انفرادية هي بمثابة ثقب محفور في الارض لقضاء الحاجة.لم يعد اي واحد منهم بحاجة الى اسمه، فقد كان محظورا عليهم أن ينادوا على بعضهم البعض بأسمائهم. وما عادوا ايضا بحاجة إلى ماضي شخصي يتذكرونه، ولا إلى مستقبلٍ ينتظرونه، فقد كان الهدف من نفيهم في هذا المكان هو تجريدهم من كل شيء.فالتذكر هو الموت.وماكانت ادارة السجن تريد لهم أن يموتوا، فمن يستدع ذكرياته يمت تواً، كأنه يبتلع قرص سم، كما أدرك ذلك سليم بعد مضي فترة طويلة من الاعتقال.
 سليم: "كان المُعتقل حميد الذي يحمل الرقم (12)أول من فقد عقله، وسرعان ماأصبح لامبالياً، احرق المراحل، دخل سُرداق الألم الكبير تاركا رأسه، أو ماتبقى منه عند باب المعسكر. وزعم البعض أنه رآه يوميء وكأنه يخلع رأسه ثم ينحني ليطمره بين صخرتين.دخل طليقاً، لاشيء يمسَّه، يحادث نفسه بلا انقطاع.وإذا كان رقم(12)قد فقد عقله من اللحظة الاولى، فالآخرين فقدوا حياتهم واحدا تلو الآخر بسبب ما كابدوه من صنوف التعذيب" .
 
أسعد اللحظات التي يعيشها السجناء"عندما يستحيل الموت شعاع شمس بهية"تلك التي كانت تحمل في داخلها نقيضها، وذلك عندما كانت إدارة السجن تسمح لهم بالخروج من زنزاناتهم لدفن احد المعتقلين بعد أن يلفظ انفاسه.
 سليم: "كنا سعداء، فقد شهدنا ضياء السماء..كانت أجفاننا ترف، وجعل بعضنا يبكي..طوال ساعة أو أقل أبقيت عيني مفتوحتين وفمي فاغراً لكي اتجرع ماأمكن من الضوء لكي اتنشق الضياء، وأختزنه في داخلي واحفظه ملاذاً لي، فأستذكره كلما أطبقت العتمة ثقيلة فوق جفني، ابقيت جذعي عاريا لكي يتشبع جلدي بالضوء ويختزنه كأثمن مايقتنى".
 


44
هزيمة الثقافة أم انتصار للمقاومة  ..   ؟
   
مروان ياسين الدليمي

منذ أن غادرت القوات الاميركية العراق نهاية عام ٢٠١١ والبعض يردد مبتهجاعلى مسامعنا بأن "الاميركان قد خسروا معركتهم في العراق أمام صلابة المقاومة " ! .
تبدو المعركة،لدى اصحاب هذا الرأي ــ بكل مايحمله من تبسيط وتسطيح لطبيعة الدور الذي لعبه الاميركان في العراق ـــ وكأنها ذات بعدعسكري لاغير ! .
مايؤكد خطآ هذا الاعتقاد،كل مؤشرات الواقع الذي بتنا نعيشه بكل قساوته ومرارته،بعد أن أبتلع الطعم الاميركي معظم العراقيين،وذلك عندما ازاحوا من قناعتهم،انتمائهم للوطن،ليحل بدلا عنه انتمائهم الفئوي  .
فالمعركة بوجهها الثقافي ـــ وليس العسكري ــ جوهر ستراتيجة المواجهة الاميركية مع المجتمع العراقي،من خلالها تم تفتيت ثوابته الانسانية والاخلاقية التي حصّنت وجوده واستمراره بكل تنوعه طيلة تاريخه،وكانت الثقافة بمفهومها واطارها الانساني العام،آخر جدار منيع يتخندق خلفه العراقيون عندما كانوا يواجهون المحن على مدى تاريخهم.
فالمعركة بدأت صفحتها الأولى مع بدء الحصار الدولي على العراق على اثر غزوه للكويت عام 1990،عندها بدأ العراق يفرغ  شيئا فشيئا ًمن العقول التي كانت تتنتج هويته الانسانية بكل روافدها وملامحها الثقافية،ولتنتكس متراجعة الى الخلف القيم الاخلاقية التي كانت تشكل اسسسا ثابتة يقف عليها المجتمع .
 ثلاثة عشر عاما من حصار دولي لم تشهده البشرية طيلة تاريخها تركت جروحا عميقة في بنية ونسيج العلاقات الاجتماعية،افرزت جيشا من العاطلين عن العمل والسراق والقتلة والانتهازية،مما مهد ارضية صالحة لشيوع مظاهر الرشوة والفساد الاداري في الدولة العراقية بشكل كبير لم يكن معهودا في منظومة الحياة الاجتماعية.
هذا الاجراء الذي وقفت  اميركا خلفه،لم يكن إلاّ مقدمة أولى للصفحة الثانية من المعركة عندما وطأت على ارض بغداد قدم أول جندي اميركي في 9/ 4 / 2003.
وعليه سيكون من الخطأ بمكان أنْ نصل في استناجتنا لطبيعة الصراع مع الوجود الاميركي في العراق مابين 2003 -2011 الى نتيجة لاتعكس حقيقته وجوهره،ولتُختَصَر بشكل مُبسَّط على انّها مواجهة مع مجاميع مسلحة كانت تظهر هنا وهناك  تحمل اسم المقاومة .
الأخطر في هذه المعركة لايكمن في المواجهة المسلحة،ولاعدد الضحايا الذين سقطوا ولا البيوت ولاالمنشأات التي تم تدميرها،إنما في المسار الثقافي لهذه المواجهة،وقد تكفل بهذه المهمة ساسة وقادة الاحزاب العراقية بكل انتماءاتهم الدينية والقومية،أولئك الذين كانوا يعارضون نظام حزب البعث،وجاءوا مع قوات الاحتلال الاميركي،وكانوا على درجة عالية من التبعية والضعف والخضوع لكل ماتمليه عليهم الإدارة الاميركية من أوامر وتعليمات.فتولوا نيابة عنها المضي في مسار استكمال تدمير ماتبقى من روابط وثوابت قيمية تجمعُ النسيج الاجتماعي العراقي.
كانت الخطوة الاولى في هذا المسار تفكيك مؤسسة الجيش العراقي،بما يشكله الجيش من ضمانة لوحدة العراق وامنه،ولتحل بدلا عنه ميليشيات ومجاميع طائفية مسلحة اشاعت الخوف والرعب والهلع في المجتمع،ثم تبع ذلك جملة من القوانين والقرارات،حُشرت في دستور البلاد الجديد،بموجبها تم تكريس الانقسام المجتمعي على اسس طائفية واثنية وقومية،وبتنا نسمع وفق ذلك مفردات جديدة مثل مفردة (المكوّنات) بات الساسة يرددونها بديلا عن مفردة الوطن،واصبح الشعب كذلك يرددها ورائهم مثل الببغاء،لتتحول يوما بعد آخر هذه المفردة الى قناعات وممارسات ومشاعر ومواقف،تمكنت من تقسيمه وتجزأته الى طوائف تتحصن في خنادق متقابلة وهي تكن العداء والكراهية لبعضها البعض .
لم نعد بعد هذا مع بعضنا البعض كما كنّا على فطرتنا،لم نعد إخوة،ولاأصدقاء ولازملاء،حتى أنّ الكثير منّا بات لايشعر بالألم ولاالتعاطف مع الضحايا ،عندما يجدهم يسقطون هنا وهناك،طالما لاينتمون الى مِلّتهِ ! .
بل ماعاد يتردد بعضنا  في أن يُجاهر علنا بالسخرية والاستهزاء بالمعتقدات الدينية لغيره،دون أن يراعي مشاعره ! وعلى العكس من ذلك،اصبحنا نراعي مشاعر اي ملة أجنبية تعيش بعيداً عنّا حتى لو كانت في اقصى الكرة الارضية – فقط من باب النكاية بأبناء وطننا ـ  وليس مهما إنْ كانت تعبدُ روث البقر أو تقدس زواج المرء من الكلاب ! .
فهل بعد هذا الخراب الذي اصاب ثقافتنا في عمقها الاجتماعي،يمكن للبعض ــ من دعاة المقاومة ــ أن يبقى يصدع رؤوسنا ليل نهار وهو يردد على مسامعنا بان الاميركان قد خسروا معركتهم في العراق ؟



45
الموصل خارج التغطية . . .
                                             
مروان ياسين الدليمي

بين يوم وآخر تصلنا اخبار مؤلمة - تؤكدها وكالات الانباء - تفيد بقيام عناصر داعش الارهابية في مدينة الموصل بإقامة حفلات اعدام جماعية.  ومن بين الضحايا كان هنالك اطباء وطبيبات ونواب ونائبات في البرلمان، ليصل عددهم الى اكثر من ٤٠ شخصا خلال الشهرين الماضيين،وهي الفترة التي باتت فيها داعش ممسكة بالمدينة،وآخر جرائم داعش تمت في مطلع شهر ايلول الحالي،بالقرب من منطقة باب شمس في الجانب الايسر من المدينة،عندما رُجِمَ بالحجارة شابين إثنين أمام انظار الناس - بحجة ارتكابهما فعل الزنى- الى أن توفيا .
مايثير التساؤل أنّ: كل هذه الجرائم حدثت ومازالت تحدث وليس هنالك من صورة توثقها،إذ لم يتجرَّأ ــ حتى هذه اللحظة ــ أي واحد من ابناء المدينة على التقاط صورة لواحدة من تلك الجرائم  وليعرضها فيما بعد،من خلال  وسائل التواصل الاجتماعي .! ! ؟ ؟ .
نحن ندرك جيداً،وحشيّة داعش تجاه من يفضحها ويواجهها..من هنا يتحمل التنظيم مسؤولية كافة عمليات قتل الصحفيين والاعلاميين من ابناء الموصل تلك التي جرت خلال الاعوام الماضية،الى الحد الذي كان قد وصل عددهم قبل سقوط المدينة تحت سلطة داعش  في يوم ١٠ / ٦ بعدة اشهر الى اكثر من ٥٠ قتيلا،وهذه النسبة من القتلى هي الأعلى مقارنة مع جميع الضحايا الذين سقطوا دفاعا عن الحقيقة من الصحفيين والاعلاميين في مدن العراق الاخرى بما فيها العاصمة بغداد..
إلاّ أن هذا الواقع ــ بكل قسوته وخطورته ــ لايكفي لأنْ يكون عذرا مقبولا للتخلي والتنصل عن مسؤولية التوثيق(بالصورة والصوت)لجرائم داعش. والمسؤولية هنا لاتقتصر على الصحفيين وحدهم،بل تتعداهم لتشمل جميع ابناء الموصل دون استثناء .
ولاأدري مالذي يدفع سكان المدينة إلى أن يكونوا على هذا الموقف اللامسؤول إزاء مايقع عليهم من ظلمٍ وقهرٍ،بات يتصاعد يوما بعد آخر ! ؟.
هل ينتظرون الخلاص يأتيهم من السماء ؟..هل مازالوا يراهنون على التدخل الخارجي ؟ . .
إنَّ ثمن الحرية والتحرير إعتماداً على القدرات الذاتية ــ مهما كلف من تضحيات كبيرة ــ هو الاقل كلفة فيما لو قورن بخيار الحل القادم عبر تدخل قوة اجنبية.
بنفس الوقت أجد الموصليين حتى الآن مازالت تتملكهم هواجس خوف وعدم إطمئنان تجاه قوات البيشمركة الكوردية عندما يصلهم خبر يفيد بتقدمها خطوة باتجاه تحرير الموصل من سلطة داعش . . فهل لهذا الخوف مايبرره بعد الجرائم التي  باتت تطالهم كل يوم  من قبل داعش ؟ .
ربما لهذه الهواجس اسبابها،ولم تأت من فراغ،لكنها مبالغ بها،ولربما تكمن الاسباب في قضية المناطق المتنازع عليها مابين محافظة نينوى واقليم كوردستان،فمن المعلوم أن مايقارب 16 وحدة ادارية كانت تابعة لمحافظة نينوى قبل 9نيسان 2003 اصبحت بعد هذا التاريخ تحت سلطة وادارة الاقليم قبل أن يحسم الخلاف عليها من قبل الجهات القانونية والقضائية..فكانت هذه القضية خير منفذٍ ليدخل من خلاله عدد من الاطراف السياسية العراقية لتأجيج الصراع وتغذيته مابين محافظة نينوى وحكومة الاقليم،ومن الطبيعي جدا أن يلقي هذا الصراع بظلاله القاتمة على البنية الاجتماعية،خاصة لدى الفئات والقوى التي تتبنى الافكار القومية المتعصبة.
على الموصليين إزاء ماحصل من متغيرات مؤلمة بعد سقوط المدينة تحت سلطة داعش،أن يتقدموا خطوة للأمام نحو خيار الحوار والتفاهم باتجاه تصحيح العلاقة مع اخوتهم الكورد وتمتينها بالشكل الذي يتناسب مع أبعادها التاريخية والاجتماعية،فلا أحد منهما يستطيع أن ينأى بنفسه عن الاخر ويستبدله بجار جديد،وعلى الاخوة الكورد ايضا ان يتقدموا بمثل هذه الخطوة. إن التواصل والتعايش المشترك مع الاخوة الكورد أمر طبيعي اثبتته عشرات السنين من التجاور والتعايش المشترك وخاصة مع الموصليين،فالعلاقة بينهما لها جذور تاريخية ومجتمعية عميقة جدا..فالكورد يشكلون  بثقلهم السكاني في المجتمع الموصلي أكبر نسبة بعد العرب.وهنالك عوائل وقبائل كوردية تعد عناوين بارزة للمجتمع الموصلي. .لذا ليس من السهل القفز فوق هذه الحقائق المشرقة والانسياق العاطفي وراء محاولات مشبوهة تدفع بها بعض القوى السياسية سعيا منها  لزرع الفتنة بين الاثنين .
إنَّ الاقدام نحو مزيد من التفاهم مع سلطة اقليم كوردستان،سيدفع المجتمع الموصلي الى شاطىء الأطمئنان والاستقرار،وينآى به بعيدا عن  مخططات تلك القوى السياسية التي تعتاش على خلق الازمات،وفيما لو تحققت تلك الخطوة عندها يصبح بالامكان التوصل الى حلول ممكنة وواقعية ازاء  قضية المناطق المتنازع عليها.
حتى هذه اللحظة،يبدو لي أن محنة المدينة لم يتمخض عنها اية صورة واضحة تبعث فينا احساسا قويا بالامل،فلم نتلمس من خلال هشاشة الوضع المجتمعي مايطمئننا على ان هنالك ولادة جديدة لقوى مجتمعية /سياسية تمتلك مايكفي من النضج بما يكفي  لترتقي بموقفها الى مستوى هذا الحدث الجلل.
بل على العكس من ذلك،نجد قصورا خطيرا في الرؤية،مبعثه تلك الاخطاء التي كانت قد صاحبت وجود فرق الجيش العراقي الاربع في شوارع وطرقات المدينة قبل سقوطها.
وهنا علينا أن لا نتغافل عن بعض الحقائق المهمة التي استجدت بعد هروب الجيش ودخول داعش،وخاصة فيما يتعلق بالحواجز والسيطرات ونقاط التفتيش والتي دفعت  اعداداً  كبيرة من الموصليين في الايام الاولى لسقوط المدينة الى أن يرتكبوا خطأ كبيرا عندما خرجوا  الى  الشوارع للاحتفال بتحرر المدينة (كما سماها البعض ) من سلطة الجيش،بعد أن كان قد تسبب لهم بالكثير من الأذى طيلة اكثر من عشرة اعوام.إلاّ أن ماأعقب تلك الاحداث من تداعيات خطيرة،كانت من السوء والقسوة والوحشية ما لايصح مقارنتها مع ما كان يصدر من تجاوزات طائفية لبعض من فراد الجيش العراقي،وحتى  لوتمت مقارنتها،فإن النتيجة ستصبح لصالح الجيش العراقي(مع تحفظنا ورفضنا لكل ما صدر عن بعض افراده من اساءات)،ومالم يستيقظ ابناء المدينة على جرحهم ليدركوا عمقه وخطورة تجاهله،فإن  داعش لن تخرج من الموصل حتى بعد أن تتحرك ضدها الولايات المتحدة ومعها الدول الاربعون التي تحالفت معها.
عندما تكون محافظة نينوى محتلة من قبل قوة غاشمة بربرية ترتدي ثوب الدين وتحكم بأسمه،فإن هذا الوضع يفرض على الموصليين مسؤوليات وواجبات وطنية ينبغي ان يتحملوها،دونما تردد حتى مع افتراض أن اميركا ومن معها بما يملكون من ترسانة عسكرية متقدمة سيتكفلون بمطاردة داعش وسحقهم.
والآن .. بعد أن اتضحت صورة الحكم الاسلاموي،على بشاعتها ودمويتها حتى لأولئك الذين كانوا يحملون في داخلهم تعاطفا وميلا الى دعوات الاسلامويين بإقامة الخلافة الاسلامية،بات أمراً ملزماً على مجتمع نينوى أن يخرج من حالة الصدمة التي آسَرَته طيلة الفترة الماضية وافقدته الرؤية والقدرة على الفرز والعمل،وأنْ يتحرك بوعي ومسؤولية بما يُبعد عنه تهمة الخيانة بالتواطىء مع داعش .


46
مَن يُمْسِك بصولجان السُّلطة  ..  ؟
                                         
مروان ياسين الدليمي
سأفترض أن السيد حيدر العبادي صادق بعزمه ونواياه في 
أن يبدأ مرحلة جديدة من العلاقات مع العرب السنة،تنهض على الاحترام والاستجابة لمظالمهم التي اعتصوا سلميا من أجلها طيلة عام كامل،على العكس من سلفه الذي تفنن كثيرا في التشكيك بولائهم ونواياهم ومطاليبهم،ولم يبخل بأي وسيلة من أجل أذلالهم والحط من شأنهم،وكأنه بذلك يعكس موقفا شخصيا يضمره في داخله يهدف الى تكريس الافتراق الطائفي بين الشيعة والسنة.لذا لم يكن يتردد في أن يشبِّه المعركة التي يخوضها الجيش العراقي المؤتمر بأمره ضد المدن العربية السنية على انها معركة اتباع الحسين ضد اتباع يزيد ! .
من هنا كان قرار السيد العبادي بوقف عمليات القصف الجوي على المدن (الانبار وصلاح الدين ونينوى وكركوك ) دليل على ماأشرنا اليه من تحول وتغير جوهري في النوايا والمنهج.
لكنني أجد أنّ سعي العبادي هذا ــ رغم أهميته في خلق ارضية جديدة للحوار والتفاهم مع العرب السنة ـــ سيصطدم بعقبة اساسية اسمها المالكي.
فكما يبدو من ظاهر الصورة التي جاءتنا بها الايام القليلة الماضية ــ بعد قرار وقف القصف ــ أن المالكي سيبذل كل مافي وسعه لكي يُفشل جهود العبادي،انطلاقا من فرضيتين..الأولى:عقدة الطائفية التي يحملها تجاه الاخرين ــ والتي لم يستطع اخفائها أو تجاوزها ــ وعبر عنها في اكثر من موقف ومناسبة،أبسطها تبدو واضحة في أنه لم يكلف نفسه زيارة اية مدينة عراقية ذات هوية عربية سنية،بذلك يكشف موقفه هذا عدم إستعداده النفسي في أن يلتقي بأبناء تلك المدن المعتصمين والتحاور معهم بشكل مباشر. .ثانيا: هو لايريد لجهود العبادي أن تثمر عن نتائج طيبة تصب في مسار تصحيح العلاقة مع العرب السنة، بعد أن وصلت في عهده الى مرحلة القطيعة والعداء.
وفيما لو نجحت مساعي العبادي ستنكشف بذلك اكاذيبه التي طالما روّجها عن العرب السنة وحشّد من خلالها المجتمع ضدهم وخاصة جمهوره الحزبي، بهدف تسقيطهم،تمهيدا لضربهم بقسوة ووحشية كما فعل في الحويجة والفلوجة وبهرز .
 إن المالكي مازال ممسكان بالصولجان،مستثمراً سلطة وسطوة ونفوذ القائد العام للقوات المسلحة على قيادات الجيش العراقي،رغم فشله في الوصول الى الولاية الثالثة.لكنه وإن بات يمارس مهام نائب رئيس الجمهورية لكن بصلاحيات القائد العام للقوات المسلحة ! ..
هو اليوم ــ وكما يبدو ــ يجني ثمار إصراره وتعنته على أن يمسك بيده طيلة فترة حكمه ــ ولوحده ــ بالمناصب الامنية(الداخلية،المخابرات،الدفاع)إضافة الى الفرق العسكرية الخاصة مثل(قوات سوات والفرقة الذهبية)التي كان ارتباطها به شخصيا،ضاربا بذلك عرض الحائط بكل الجهود والمطالبات التي كانت تسعى اليها الكتل والاحزاب والشخصيات المشاركة في الحكم والتي كانت تدعو إلى أن يتخلى المالكي عن تلك المناصب لتتولاها بدلا عنه عناصر كفوءة ومهنية تملك القدرة على أن تدير الملف الامني بشكل افضل،بعد أن تسبب طغيانه واستفراده بالقرارات اضافة الى انعدام الخبرة العسكرية في إحداث فوضى عارمة عمّت البلاد بأجمعها،نتيجتها كانت عشرات الضحايا يسقطون يوميا في مدن العراق بفعل قوى الارهاب،هذا اضافة إلى سقوط نصف البلاد تحت سلطة داعش وبقية التنظيمات الارهابية.
إن المالكي استطاع طيلة فترة حكمه أن يستميل اليه قيادات الجيش ويكسب رضاهم وولائهم،خاصة بعد أن حصّنهم وحماهم بعدد من الامتيازات التي  تجنبهم اية عقوبات قد تطالهم بسبب ماارتكبوه من انتهاكات وخروقات وجرائم في اكثر من مدينة، هذا اضافة الى المكاسب والمنافع المادية التي اغرقهم بها.فكان هذا النهج ــ الذي كشف من خلاله عشقه العميق للسلطة ــ خياره الذي راهن عليه،حتى يبقي الجيش والقيادات الامنية تحت نفوذه،عندما يفشل في الوصول الى الولاية الثالثة.
وعليه يتوجب على العبادي أن يضع في الحسبان مايشكله وجود المالكي في التشكلية الحكومية من تهديد وخطورة لكل مايسعى اليه من اهداف وخطط تهدف أن تبدأ صفحة جديدة من العلاقات مابين قوى المجتمع،قائمة على تبادل الثقة والعمل المشترك لمواجهة الارهاب وبناء الوطن.
وليس من سبيل أمام العبادي ــ فيما لو اراد أن لاتذهب جهوده هباءً ــ سوى تحديد وتحجيم سلطات المالكي،أو استبعاده من الطاقم الحكومي،وهذا هو الحل الاجدى،لتجنيب البلاد أوضاعا أسوا بكثير مما هي عليه  الآن، لن يتوانى المالكي في أن يوعز لقيادات الجيش أن تتسبب بها. 

47
      ماالفرق بيننا وبينهم  .. ؟

                                 
  مروان ياسين الدليمي


ليس جديدا عندما نؤكد بأن داعش:تنظيم إجرامي تعكس أفكاره وممارساته أبشع صور التطرف المذهبي،وتسببت ممارساته التي ارتكبها بحق المدنيين ــ  سواء في سوريا او في العراق ـــ بضرر كبير أصاب سمعة الدين الاسلامي والمسلمين ــ ليس من السهل محوها ــ وقد يحتاج المسلمون الى الكثير من العمل المثمر لكي يبددوا هذا الهلع والخوف الذي بات يشعر به العالم تجاه كل ماله علاقة بالاسلام .

هذا التنظيم لم يلق ــ كغيره من التنظيمات المذهبية التكفيرية المتطرفة ـــ قبولا ولاتأييدا من قبل عموم المسلمين السنة،إلاّ في حدود ضيقة جدا ــ وهذا التأييد له ظرفه وأسبابه المرحلية ـــ بالقياس الى الجمهور العام للمسلمين.
كما لم يحظ بإي تعاطف انساني، طالما لايتردد افراده في أن يقطفوا رؤوس الابرياء ويستبحيوا حياتهم وكرامتهم الانسانية
لكن،مالفرق بيننا وبين الداعشيين فيما لو وقع بين ايدينا واحداً من أولئك المجرمين،أو أي شخص مشتبه به،فإذا بنا نمارس ضده نفس اساليب داعش الطائفية / الهمجية !؟ .. مالفرق  ؟
هل يحق لنا ــ طالما نحن لسنا على مذهب داعش، أو ، لاننتمي له تنظيميا ــ في أن نكون  طائفيين وقتلة ؟
هل يحق لنا مالايحق لغيرنا ؟ .. ماالشرع الذي نستند اليه ؟ .. ماالقانون ؟
إناستبعاد سلطة القانون في حسم الصراعات التي يشهدها المجتمع والأحتكام بدلا عن ذلك،الى سياسة قائمة على ردود افعال منساقة الى مشاعر وعواطف عامة،لن تذهب بالمجتمع الى حياة طبيعية آمنة بقدر ما ستذهب به الى دوامة مهلكة من الاحقاد والقتل المتبادل.
وإذا ماكنّا نسعى،أنْ لايدفع العراقيون جيلا بعد جيل حياتهم وارواحهم قربانا للكراهية الطائفية،التي عادة ما ينفخ في نارها رجال الدين والاحزاب الاسلاموية وقادة التنظيمات الارهابية والميليشيات حتى تبقى مستعرة،ينبغي أن ندفع بالقانون لأن يقتص من كل الذين يستهينون بالحياة الانسانية،ولافرق في هذا بين قاتل محترف وبين منتسب للجهاز الامني الرسمي،بل إن العقوبة ينبغي أن تكون اشدّ على الثاني أكثر من الاول لأن خطأه ستتحمله الدولة التي ينتسب إليها وظيفيا قبل أن يتحمله هو،وسيلطخ عار جريمته سمعة الدولة قبل سمعته،ولن يمحى هذا العار أبدا من تاريخها إلا إذا إحتكمت للقانون وقدمت المجرم المنتسب اليها للمحاكمة...
معضلة العراق في أنّ سلطة الدولة هي من الضعف الى الحد الذي لم تتوانَ من أن تستعين بالميليشيات ذات الهوية الطائفية الشيعية بشكل أكبر بكثير من إعتمادها على الجيش الوطني،وبقية قواها الامنية وهي تخوض معركتها ضد التنظيمات الطائفية السنية الارهابية مثل داعش والقاعدة.
هذا المنهج -الخطأ -افرغ معركتها من محتواها الوطني،وأسبغ عليها سمة طائفية،مما دفع الجمهور العام المعتدل من الطائفة السنية،بأن ينآى بنفسه بعيدا عن تأييد الدولة في معركتها هذه.
وإذا ماأرادت الدولة معركتها ضد الارهاب،لأن تصبح معركة المجتمع بكل قواه ومكوناته،ينبغي أن يكون الجيش هو القوة الوحيدة التي يتم الاعتماد عليها.
في هذه اللحظة بقدر مايبدو الدين الاسلامي في ظاهر المشهد العام منتصراً برايات داعش،كما يعتقد الجمهور العام للمسلمين عندما يبدو لهم وقد استحوذ واستملك الواقع والعقول،إلاّ أن الحقائق على الأرض تؤكد خسارته الكثير من المؤيدين والمتعاطفين معه ــ اضافة الى المؤمنين العقلاء المعتدلين ـــ بشكل لم يخسره منذ ظهوره قبل اكثر من ١٤٠٠ عام .
فمااظهرته التنظيمات الاسلامية المتطرفة من وحشية وعنف ودنائة قد عجَّل في أن يتحول عديد من المسلمين الى قائمة اللادينين والملحدين،بذلك يكون الاسلام هو الخاسر في هذه المعركة،طالما قد تخلى عنه العقلاء،وأصطف الحمقى والاغبياء والجهلة إلى جانب من يتاجر به.
والفكر الداعشي باعتباره اقصى درجات التطرف الديني،لم يقتصر حضوره في البيئة السنية فقط ،فهو موجود ايضا بهذا المحتوى ــ وإن بشكل آخر ــ  في البيئة الشيعية،حتى لو  كان لايحمل نفس الاسم،رغم محاولات  البعض  من المتفيقهين أن يسبغ عليه بعدا اخلاقيا !! .
بعد المحن التي مرت ــ ومازالت تمر ــ علينا قد نصل الى نتيجة مُرّةٍِ مفادها:أننا شعب مازلنا في مرحلة المراهقة،ولم نصل بعد الى مرحلة من النضج،بما يكفي لكي ندرك مانحن عليه من بؤس،وماينبغي أن نتخذه من ممارسات وافعال،تعبيرا عن حضورنا ووجودنا.
وإذا ماأردنا الخروج من هذا الحضيض الطائفي،ينبغي الوصول بأسئلتنا الى مرحلة لايكون فيها للخوف سلطة على وعينا في اللحظة  نتصدى فيها  لثقافتنا بكل روافدها الاصولية.
فإلى متى سنبقى نحرص على أن نستدعي اسماءً من الماضي(علي وعمر والحسين وعثمان ،الخ .. . ) فنقسم بها،وبعدالتها،وحكمتها،في نفس اللحظة التي يكون فيها سلوكنا ضد اعدائنا أبشع واقسى من سلوك اعدائنا ؟
ماالفرق بين ذاك القاتل التاريخي وبيننا ؟ .. ماالفرق بين يزيد والشِمر وبيننا؟ ماالفرق بين قسوته ودناءته وقسوتنا ؟ .. ماالفرق بين شدّة ظُلمهِ وبشاعة ظُلمنا ؟ .. متى نصحو على ازدواجيتنا ؟ .. متى نتبرأ من الظلم فكراً ومنهجاً وسلوكاً؟ .. متى نتوقف عن ممارسته ضد انفسنا قبل أعدائنا ؟
وبعد . . 
السنا داعشيين ايضا !؟





48
          الخروج من العتمة          

 مروان ياسين الدليمي

 بسبب التواطئات والمصالح المشتركة مابين جميع الفرقاءالسياسين العراقيين بكل انتماءاتهم واحزابهم: لن ولن تظهر نتائج تحقيق اية لجنة تشكل لأجل الكشف عن الجناة المتورطين بجريمة مسجد مصعب بن عمير،وسيكون النسيان حالها،كبقية اللجان التي سبقتها من دون أن تعلن نتائجها،مثل:- جريمة الحويجة،الفلوجة،بهرز،جريمة سبايكر،اغتيال كامل شياع،اغتيال هادي المهدي،اغتيال مدرب فريق كربلاء محمد عباس،خطف واغتيال موظفي وزارة التعليم العالي،خطف واختفاء احمد الحجية رئيس اللجنة الاولمبية مع عدد من اعضاء اللجنة،خطف واغتيال المطران فرج رحو، تفجير البرلمان العراقي،اغتيال عضو البرلمان حارث العبيدي،اغتيال عضو البرلمان صالح العكيلي ، خطف واغتيال شيخ عشيرة السعدون في البصرة وغير ذلك كثير . وفيما لو اعلنت النتائج ــ وهذا أمر بعيد المنال ــ  فإن ذلك سيكون اشجع قرار يتخذه مسؤول سياسي في عراق مابعد العام 2003 ،ولاأظن وفق المعطيات الحالية لواقع المشهدالعراقي أن احداً سيقدم على ذلك . وعلى الرغم من النتائج الكارثية التي سيؤدي اليها قرار الكشف عن الجناة  فيما لو تم،إلاَّ أنه سيفضي ــ في ختام الفوضى التي تعقبه ــ الى عتبة جديدة تضع الجميع في حالة حذر شديد تجعلهم يفكرون الف مرة قبل أن يقدموا على قرار تصفية خصومهم بالقتل . المسالة هنا في هذه القضية تكمن في انعدام الشفافية كمنهج وتقليد يصونه الجميع،في مقابل الاحجام عن كشف الحقائق امام المجتمع،وهذا الامر ليس مرهونا بالسلطة التي جاءت بعد العام 2003،إنما يشمل السياق العام لمنظومة المشهد السياسي العراقي برمته منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921. فهنالك الكثير من الجرائم التي تصل الى مرتبة الابادات الجماعية كان العراق قد  شهدها خلال هذا التاريخ الطويل،لم يتم الكشف عن مرتكبيها ومن يقف ورائها،وحتى فيما لو توفرت ادلة واضحة امام الجهات القضائية وامام الرأي العام واشارت الى الجاني فلن يطاله العقاب الذي يستحقه وفق القانون.وعليه بقيت العديد من الجرائم تلقي بظلالها الثقيلة على العلاقات مابين ذوي الضحايا والدولة العراقية،كما هو الحال على سبيل المثال لا الحصر: جريمة سميل عام 1933 ضد الاثوريين التي ارتكبها الجيش العراقي وراح ضحيتها مايصل الى 3000 قتيل،وجريمة صوريا في زاخو عام 1968  التي  ارتكبها الجيش العراقي ايضا ضد سكان القرية وجلهم من المسيحيين والكورد وقد بلغ عدد الضحايا 50 قتيلا ً. الخروج من هذه العتمة،يقتضي في أولى الخطوات اعتماد الشفافية في منظومة الحياة بما فيها الكشف عن الجناة بعد انتهاء اجراءات التحقيق الاصولية،وهذا الاجراء سيعطي بلا ادنى شك تطمينات وضمانات قوية لأفراد المجتمع تجعلهم يشعرون بأنتمائهم لهذه الدولة التي تحترم القانون قبل اي شيء آخر . 

49
دلالة المشهد في خطاب التنحي

                                               
مروان ياسين الدليمي
... ثمانية اعوام عجاف بقيادة حزب الدعوة، لم تفح منها سوى رائحة القهر ،والدم،والاعتقالات،والتقارير الكيدية ،والاعدامات..هذا المسار المالكي المرعب، فيما لو قد حصل جزءا يسيرا منه في اية بقعة من العالم يتوفر فيها قدرا معقولا من العدالة لتم القبض على المسؤول الاول في هذه الحكومة وكل الذين وقفوا معه ونفذوا اوامره ،ليتم محاكمتهم امام القضاء،وليتم الكشف عن كل الغموض والتزييف والتظليل للرأي العام التي مارسته اجهزة الحكم،خاصة تلك التي تتعلق بجرائم الابادة الجماعية ،مثل جريمة الحويجة وبهرز والفلوجة والزركا،لكن ،هذه العدالة المرجوة لن يتحقق منها شيئا في عراق تغيب عنه العدالة والمواطنة وتحكمه عقلية الطائفة..ومع كل هذا ،جاء خطاب التنحي - صلفا- مليئا بعبارات الفخر والافتخار والتبجح بما حققه من انجازات اولها فك العزلة الدولية عن العراق !!! وهذا الانجاز هو اكثر مايدعو للضحك والسخرية،ذلك لانه تغافل وتجاهل حجم العزلة المحلية والدولية التي بات هو شخصيا عليها،قبل العزلة التي امسى عليها العراق،وليس أدل على ذلك سوى عبارات الكراهية التي وزعها- طائفيا - مختار العصر ،على الجميع،في المقدمة منهم، شركائه في العملية السياسية وخاصة من يمثلون الطائفة الأخرى، وليس آخرهم دول عربية اعتاد ان يرمي عليها عجزه وفشله في مواجهة قوى الارهاب،ولم يستثني أحدا من طعناته سوى حزبه..ومع كل الاكاذيب التي حفل بها بيان التنحي والتي كانت واحدة من الاسباب التي دفعت التحالف الشيعي - وفي مقدمتهم حزب الدعوة الذي يرأسه المالكي - لأن يتخلي عن ترشيحه لصالح رفيقه في الحزب حيدرالعبادي،إلاأن الطاقم الدعوجي كان حريصا على التواجد بكثافة ساعة قراءة البيان -حتى من كان على خلاف شديد مع المالكي - والاحاطة به وكأنهم يريدون بذلك ان يقولوا للآخرين :نحن معه،رغم خلافاتنا،ونقف صفا واحدا حول اي واحد منا،ندعمه ونصفق له ،حتى لو كان احمقا ،او كاذبا او حاقدا او مجرما ،حتى لو ارتكب الكثير من الخطايا بحق الوطن،حتى لو زرع الكراهية بين ابناء الشعب الواحد،او إختصر الدولة باولاده ونسبائه أو اطلق سراح الوزراء والمسؤوليين المتورطين بقضايا فساد واختلاسات أو تغاضى عن قادة خذلوا الوطن وهربوا من ساحة المعركة ماأن هجم الاعداء ...الخ الخ ..من هنا ،ومن وحي ودلالة مشهد خطاب التنحي،الذي تم اخراجه بشكل واضح وبسيط لايقبل سوى التفسير الذي أشرنا إليه: لاغرابة أن بدأنا نسمع في نفس الليلة مفردة التسامح يرددها جميع الطاقم السياسي الذي يسبح بحمد المالكي .بينما كانت هذه المفردة تعد في قاموس المحرمات،عندما كان الامر يتعلق برجالات عهد صدام من المسؤولين والبعثيين،وتحديدا اولئك الذين لم يتورطوا بجرائم وانتهاكات ضد المجتمع - وهم كثيرون - ولم يسجل ضدهم في المحاكم اية دعاوى تثبت ادانتهم !! وهذا يعني،أن ترديد مفردة التسامح هذه الأيام ،ليس بريئا،ولايقصد منه السمو بالأنفس فوق الخلافات من اجل غاية نبيلة وطنية عليا -خاصة وأن نصف البلاد في عهد المالكي قد سقطت بيد قوى الارهاب الاسلاموي المتطرف - انما يهدف الى تمهيد الأرضية والأجواء لقطع الطريق امام اي جهة تتهيأ لأن ترفع شكوى ضد المالكي ..لكن الذي اخرج لنا مشهد التنحي على الشاشة،تناسى حقيقة المجتمع الدولي الذي يعرف جيدا متى يفتح ملفات الأدانة -مثلما يعرف متى يضعها في الأدراج -حتى ولو بعد سنين،وفقا لمصالحه وحساباته.

50
موتٌ الوطنْ أمْ  مَوتُ الأملْ  .. ؟

                                                           
مروان ياسين الدليمي
منذ بداية الوعي بضرورة النهضة الفكرية في مجتمعاتنا العربية والاسلامية،التي ابتدأت مع منتصف القرن التاسع عشر،ومازالت اسئلة رواد النهضة مطروحة أمامنا،لكننا لم نصل بعد الى إجابت سليمة وصحيحة،فالمجتمعات العربية الاسلامية بقيت على حالها، قلِقةً ،تعيش حالة صراعٍ في تحديد هويتها الحضارية،وشكل ومحتوى مسارها الوجودي،لتبقى على هذا الوضع الإشكالي، مُتأرجحة ،مابين الذهاب إلى الأمَام أو الرجوع إلى الخلف، لتبقى نتيجة ذلك،تعيش واقعا حضاريا ساكناً، هشَّاً، لم يتحرك بما يكفي،لكي يجعلنا نؤمن بأنه قد أجاب بشكل مُطمئنٍ على بعض تلك الاسئلة التي طرحها رواد النهضة،هذا إنْ لم يتراجع كثيرا،وإن كنّا قد توهمنا على أنه يحمل في كثير من مظاهره على اجابات واقعية تستجيب لمتغيرات الحياة .
لن يكون الشعب العراقي مسؤولاً عما وصلت وماستصل إليه حال البلاد،بسبب جهله وانسداد وعيه،نتيجةَ مايتلبسه من معتقدات طائفية، كما قد يعتقد البعض.
لأنَّ حاله هذا ليس بجديد،ولم يدفعه هذا التخلف ولاهذا الاختلاف الطائفي مابين السنة والشيعة خلال تاريخه الطويل الى مثل هذه المرحلة الدموية من  التمزق والانهيار في بنية علاقاته الاجتماعية والانسانية.وعلى العكس من ذلك،كان دائما يتوق وينسجم الى حد كبير مع  القوى التي تدعو إلى التغيير والتقدم في منظومة القيم والافكار .. إنّما يتحمل مسؤولية ذلك كل القوى السياسية،بما كشفته ممارساتها ومواقفها مع بعضها البعض،عن جُبنٍ وخسةٍ ودناءةٍ ورجعيةٍ،بما يتقاطع تماما مع ما رفعته من شعارات وخطابات،ووتتحمل هي،ولوحدها،مسؤولية الخراب الذي وصلت إليه البلاد،وما أريقَ وماسيُراق مِن دمٍ في الايام القادمة.
الحرب الآن في العراق،وهكذا هو الحال في سوريا،حربٌ لاتاريخية،يتحرك قادتهاوأمرائها في الزمن المطلق،ولاصلة لها بالزمن الواقعي النسبي المتغير..هي حربٌ مرتبطةٌ باللأيدولوجية الطائفية،للأحزاب الدينية المتصارعة،أكثر مما هي مرتبطة بإنقسامات  طبقية حادة أو احتجاجات تعكس حالة احباط اجتماعي،نتيجة ماوقع من بؤس وحرمان على هذه الفئة أو تلك،مع الإقرار بوجود هذا الحرمان بشكل فاضح،لكن هذه العوامل،التي تشكل بتوفّرها ارضية مادية وواقعية تكفي لقيام صراع اجتماعي وتكفي لقيام ثورات وانتفاضات.إلاّ انها في الحالة العراقية تحديداً،لم تشكل اسبابا جوهرية لِما نشهده من سقوط وانهيار للدولة،في معظم المدن التي يسكنها أغلبية سنية .
الصراع في حقيقته،كما يبدو لنا،يأخذ بعده الطائفي بشكل واضح جداً،لايمكن اخفاءه ،فالتقاطع الفكري مابين الاحزاب الشيعية التي تمسك بمفاتيح السلطة،ومابين التنظيمات السنية،هوالعامل الابرز والاكثر حضورا وفاعلية وخطورة فيما يجري من احتراب على ارض العراق .
المعركة الآن،وبعد سقوط الموصل بأيدي الجماعات المسلحة السنية،يريدها كلا الطرفين المتصارين،أن تكون استمراراً لصراع يعود تاريخه الى أكثر من 1400 عام ! .
صراعٌ ، بين اولئك الذين  نادوا بشرعية  الخلافة للأمام علي بن أبي طالب بعد موت النبي محمد،وبين الذين وقفوا إلى جانب خلافة ابي بكر الصديق وعمر وعثمان.
فالمالكي بنظر مَن يسانده من الأطراف السياسية الشيعية، يبدو بالنسبة لهم رمزا لكل من  يناصر علي بن أبي طالب وال البيت وأحقيتهم في الخلافة والحكم،وقد دفع هو شخصياً بهذا الأتجاه الخطأ من التفسير للصراع القائم مع الجماعات الارهابية المتطرفة،عندما وصف في خطاباته ولأكثر من مرة،المعركة ضدهم على  أنها: أشبه بالمعركة مابين الحسين  وجيش يزيد !!.لينتزع بذلك قسراً،هذه المعركة المنظورة،بكل اطرافها،من زمنها وميدانها الواقعي،بكل وضوحه،إلى زمنٍ مطلقٍ،غامض،بعيدٍ بكل تعقيداته والتباساته التي لم تهدأ ولم تُحسم حتى الآن،رغم مرور اكثر من 1400 عام عليها ! .
بطبيعة الحال عندما تُدفع الاوضاع بهذا الأتجاه الذي يهيّج العواطف ويدمي القلوب،لجموع الشيعة،عندها لايمكنهم  إلاَّ الوقوف معه في نفس الخندق،حتى وإنْ كان طيلة فترة حكمه ــ التي امتدت لدورتين انتخابيتين امدها ثمانية اعوام ــ  قد خذلهم فيها،ولم يفِ بوعوده،ولم يستجب لتحقيق أدنى إحتياجاتهم وأحلامهم في العيش الآدمي البسيط والكريم،بعد أن ذاقوا الحرمان طيلة عقود من الزمان! .
لذا كان لابد لجموع الطائفة أنْ تقف معه وهو يخوض حربه ضد التنظيمات المتطرفة "القاعدة وداعش" إضافة إلى بقية الأحزاب والتجمعات السياسية السنية حتى وإن كانت تحمل عناوين قومية وليست دينية أو طائفية..
هذا  المسار الطائفي للمشهد السياسي،قد عكس هذه الصورة،بكل تعقيداتها واختناقاتها، طيلة الاعوام السابقة منذ العام 2003 .
جاء حدث سقوط مدينة الموصل بشكل كامل في 10 / 6 / 2014 بأيدي مجموعة من التنظيمات السنية المسلحة،أبرزها:(داعش،جيش الطريقة النقشبندية،حزب البعث،الحراك الشعبي،ثوار العشائر،تنظيم القاعدة)،ليكشف حقيقة الصراع الطائفي القائم في العراق،بشكل واضح،ولم يعد بالأمكان التغطية عليه بكل قساوته ومرارته رغم الشعارات والعبارات الوطنية الجوفاء التي طالما رددها الساسة والزعامات الدينية،دون أن يؤمنوا بها،فقط كسباً للوقت لأجل البقاء اطول فترة ممكنة في مناصبهم،بكل ماتخبئه من ثراء فاحش وأمتيازات،ولتمرير ماكانوا يخططون له في الخفاء ضد بعضهم البعض.
سلاح الميليشيات كان عُمقاً ستراتيجياً،طالما راهن عليه الطرفان الطائفيان المتصارعان،في اللحظة التي تصل فيها العلاقات السياسية بينهما،الى مرحلة من الانسداد والاحتدام،والفرق البسيط  في ثنايا هذه الصورة المعتمة،يكمن في أن الميليشيات الشيعية كانت تعمل علناً،ولا تخفي انشطتها،ولا الأدوار التي تلعبها هنا وهناك،سواء داخل العراق أو خارجه،لتأكيد:قوتها ووجودها وإنحيازها وهويتها الطائفية،كما يبدو ذلك واضحا في الدور الكبيروالواسع الذي لعبته ومازالت تلعبه في سوريا في مجريات الصراع الدموي الدائر هناك،لمساندة نظام بشار الأسد،وإنْ تم تسويق هذا الدور للرأي العام ،تحت ذريعة الدفاع عن مرقد السيدة زينب .
بينما نجد على الجانب الآخر،الميلشيات السنية، ماكانت تستطيع أن تعلن عن نفسها بشكل واضح على الارض العراقية أو خارجها،ولاأن تستعرض قواتها وامكاناتها بشكل علني،مثل قرينتها الميليشيات الشيعية،وبقيت هيكلية تنظيماتها وزعاماتها تلفها الاسراروالغموض،إلاّ أن هذا الأمر لاينطبق على التنظيمين الدوليين"القاعدة وداعش" انما  يقتصر ذلك على التنظيمات العراقية المحلية،التي لايمكن معرفتها بشكل واضح،وليس بالإمكان حصر عدد افرادها،بنفس الوقت،هنالك عدد من تلك التنظيمات،ذاع صيتها خلال مراحل معينة من مراحل الصراع السياسي في العراق،خلال الاعوام العشرة الماضية،كما هو الحال مع الجيش الاسلامي،وانصار السنة،وكتائب ثورة العشرين،وغيرها من التنظيمات التي لايتعدى عدد افرادها العشرات .
ما وصل إليه الصراع على السلطة في العراق من خطورة شديدة بعد ان اصبحت الموصل،كاملة تحت سلطة تنظيمات مسلحة سنية،ينذر بلا أدنى شك بنشوب حرب دموية طويلةالآمد،ستنهك البلاد،أكثر مما انهكت سوريا،وستقضي تماماعلى آخر أمل بالتعايش،بعد أن يكون أمراء الحرب جميعا قد أنجزوا مهمتهم وأطلقوا رصاصة الرحمة على جسد البلاد،ليتمزق إلى اشلاءــ اقاليم ودويلات صغيرة ــ لايمكن جمعها مرة أخرى تحت خيمة وطن واحد .
فهل نحن دخلنا ، في لحظةِ موتِ الوطن أمْ موت الأمل ؟

51
الهزائم الوطنية..
لاتتحملها شعوب مسلوبة الارادة والحقوق
.
                                                         مروان ياسين الدليمي

الى/ الشاعر زاهر الجيزاني بعد أن القى بتهمة الخيانة على أهل الموصل:

التشكيك بوطنية مجتمع ما،واتهامه بالخيانة،لاينبغي أن يصدر من شخص مثقف..خاصة إذا ماكان هذا المجتمع،يشعر بالقهر،وسبق له أن طالب ــ بشكل سلمي ــ بحقوقه لمدة عام كامل دونما ايّة استجابة من السلطة ، بل على العكس ، تعاملت معه بكل استهتار واستخفاف وعنف.

من الطبيعي أن يصدر حكم الخيانة،مِن رجل يعكس ويمثل رأي السلطة، لكنْ ــ وهذا مايثير الدهشة ــ أن يكون هذا الحكم لسان حال شاعر "حداثوي " وقف الى جانب معاناة أهله في يوم ما ،فهذا مايدعو إلى الرثاء على الحال الذي وصل اليه موقف المثقف في العراق،عندما نجده ينحاز للسلطة والطائفة قبل أن ينحاز الى جانب الضحية .


وإذا كانت الموصل اليوم،قد سقطت في قبضة حفنة متطرفين،فلن يكون أهلها هم المسؤولون عن ذلك،ولن يكونوا أبداً هم السبب،إنما مسؤولية ذلك تتحمله اساليب السلطة بأجهزتها الأمنية التي كانت تمسك بشرايين الحياة،وتعتاش على مصائبهم،ومعاناتهم.

أيها الشاعر الكبير،قبل أن تلقي باللائمة على الناس،عليك أن تتصل بهم ،وتصغي اليهم،وهذا أمر ليس بالمستحيل،وهو ماينبغي أن تفعله باعتبارك مثقفا،وليس رجل سلطة لايعير أهمية لعذابات البشر،ولاأنت بمواطن عادي يفتقر الى التعليم،لايهمه في هذه الدنيا الفانية سوى أن يعيش،وليس يعنيه أن يبحث عن الحقيقة من مصادرها المتعددة.

سيدي الشاعر الكبير،وإذا ماأردتم البحث عن اسباب الهزائم الوطنية،اسألوا الزعماءوساسة البلاد،ولاتلقوا بالأحمال ــ ثقيلة ــ على شعوب مسلوبة الإرادة والحقوق ،وأنت شخصيا ، أول الناس أدرى بذلك.

إن ماجرى من خراب ودمارٍ طيلة الاعوام العشرة الماضية،أصاب شعوب العالم أجمع بصدمة كبيرة،قبل العراقيين،حتى أنَّ أعتاهم لصوصية ودموية يعجز عن الاتيان بما جاء به ساسة العراق،وستنكشف بلا أدنى شك في يوم ما،صفحات سوداء كثيرة،تم التستر عليها،مثلما كُشِفت من قبل صفحات الانظمة السابقة بعد سقوطها.

ونتيجة مارتكبه ساسة العراق الجديد من تدمير للقيم الوطنية في مقابل تعميم ثقافة طائفية عفنة،تبخرت بسببها من مخيلة العراقيين الشرفاء كل الأمنيات التي داعبتهم عقودا طويلةــ بما فيهم اهل الموصل ـــ وهم يحلمون بالكرامة الانسانية و العيش الآدمي البسيط.

ليست مفاجأة بعد كل الذي شاع من قيم تتقصد تظليل الانسان عبر تمجيدها للحَجرِ قبل البشر،والماضي المُلتبسٍ السحيقٍ قبل الغد الآمن المشرق..ليست مفاجأة أن ينحاز كثيرٌ ممن يحسبون على الثقافة العراقية الى طائفته،حتى لو إرتكبَت خطيئةَ الظلم بحق طائفة أخرى .

القضية الأصعب التي باتت تواجه المجتمع العراقي،هي نسبة الجهل العالية المتفشية في أوساط النخب المثقفة.وليس في عموم الناس البسطاء.

والغريب،عندما نجد أن الكثير منهم،مازالوا يعانون من قصر نظر شديد ـــ رغم كل التجارب المريرة التي مرّبها العراق مع الانظمة السابقة ــ إلى الحد الذي يجعلهم غير قادرين تماما،على التمييز مابين الوطن والقائد،وهذا ما سيبقيهم ــ دون بقية الشعوب ــ يضحون بالوطن، من أجل عيون القائد، حتى لوكان مجرماً واحمقاً ومنحطاً !!!

نتمنى،على المثقف العراقي أن يكون على قدرالمسؤولية الانسانية، فقط ، قبل أن يتخندق مع الطائفة..عندها سيجد بأن معظم مايردده من تحليلات ومعلومات ــ على اعتبار انها حقائق ثابتة ــ ليست سوى اكاذيب سلطةٍ،لم تراع حقوق الناس،بعد أن كانت لعقود تتاجر بشعارات الحرية والمظلومية.

خلاصة اقول: إن الخطأ سيتكرر .. وستنكسرُ البلاد، أكثر مِن مرّة ، طالما ،لا أحدَ ــ حتى هذه اللحظة ــ لديه الشجاعة ، لأن يعترف ، بمسؤوليته عن الخطأ.





52


 بولص ادم .. يفوزبجائزة ناجي نعمان لعام 2014
   




                                                                 
مروان ياسين الدليمي

فاز الشاعر العراقي بولص ادم .. بجائزة ناجي نعمان لعام 2014 , عن مجموعته الشعرية " اللون يؤدي إليه ". وسبق أن كتب الشاعر شاكر سيفو عن هذه المجموعة قراءة نقدية يقول فيها  " تتفيأ نصوص مجموعة - اللون يؤدي إليه - للشاعر بولص آدم تحت شجرة الحزن بوعيها التام باللحظة الشعرية والوعي الشعري الفني العالي الذي تتسم به مخيلة الشاعر واستغراقه الطويل في اجتراح زمنه الكارثي الجنائزي عبر مجموعة نصوص شعرية تنضوي تحت سقف – النص السيرالذاتي بآقترانها بالأهداءات المتتالية واستدراجها لبنيتي الزمان والمكان واستثمار مخطوطة المناسبة – المحنة – الكارثة المتمثلة في الرحيل المبكر لشقيقه الفنان لوثر ايشو - فالنصوص تتحرك عبر خطوط متوازية في صناعة مشهدية شعرية تضج بمزاج اللغة السوداوية وايقاعاتها المتصدعة واستعاراتها- التحولية، وكناياتها وقيمات المعاني ". .الكاتب ادم ،اضافة الى كونه يكتب الشعر والقصة فهو مخرج سينمائي ، سبق ان تخرج من كلية الفنون الجميلة قسم السينما عام 1985 ، وعاش تجارب حياتية صعبة ،دفاعا عن مبادئه وقيمه الانسانية، فقد دخل سجن ابو غريب في مطلع تسعينات القرن الماضي وقضى فيه مدة عامين ونصف، بعد هروبه من الخدمة العسكرية ، ثم غادر العراق عام 1994 الى النمسا ، حيث مازال يقيم هناك . وسبق له أن أصدر مجموعة شعرية بعنوان " ضراوة الحياة اللامتوقعة " عام 2010 ، عن دار الحضارة في مصر ، اضافة الى المجموعة الشعرية الاخيرة الفائزة . . آدم ،من مواليد مدينة الموصل عام 1962 ،وينتمي لعائلة، معظم افرادها يمتلكون مواهب فنية، في المقدمة منهم الفنان التشكيلي الراحل لوثر ايشو آدم . وإضافة إلى الكتابة الشعرية والقصصية فقد كتب واخرج عددا من السيناريوهات السينمائية.. يذكر في هذا الصدد بأن هذه الجائزة سبق ان فاز بها من العراق في الدورات السابقة كلُّ من :هيثم بردى عام 2007 ، حسين رحيم ومحمد صابر عبيد وحسين الهاشمي عام 2009 ،مروان ياسين وسعد العميدي 2010 ، شاكر سيفو 2012


53
 

جنسيات مزدوجة بضمائر مزدوجة
                                   
مروان ياسين الدليمي

أصابنا قَرف شديد من سياسين لصوص يحملون جنسيات مزدوجة، سئمنا منهم، من وطنيتهم المزيفة، من كذبهم، من غرورهم، من أسمائهم، ملامحهم، عباراتهم، من تكالبهم على المغانم، على المناصب، على السلطة، فهم ليسوا إلاّ تجار دَم، يتقنون بيع أي شيء، مع أنهم لايملكون أي شيء.

وحدهم مَن جاءوا بالمحتل وقالوا عنه محرراً، وأنه جاء بجيشه وسلاحه ليبني دولة المواطنة والديموقراطية، فكانت النتيجة، أن خسرنا المواطنة، ومسحنا الارض بثياب الديموقراطية، وعوضاًعنهما سقطت على رؤوسنا دفعة واحدة فؤوس دولة "المكونات"، فتشرذمنا إلى اقليات وقوميات وقبليات واثنيات واديان ومذاهب  وطوائف !! وما عدنا نعرف من نحن ؟

كم تاجروا بنا، بعرينا، بعذاباتنا، بشحوب احلامنا أيامَ كان الحصار يقرض فيها 13 عاما، لحظة بعد لحظة، وعاما بعد عام.

كم تاجروا بدم الضحايا، كم  تاجروا بجوعنا، بأمراضنا المزمنة.

هل كان نضالهم من أجل ارواح كانت تسقط واحدة بعد أخرى، شيوخا ونساء وأطفالا ؟ . هل كان دفاعا عن حرية إنسانية طالما تغنوا بها وتباكوا على غيابها في عراق البعث؟ .

جلَّ ماكانوا يطمحون إليه كرسي السلطة، ولتذهب من بعده كل البلاد إلى الجحيم، وها نحن في الجحيم، كما شاءوا لنا أن نكون .

هي "دولة المكوِّنات"، كم صدعوا بها رؤوسنا طيلة أعوام عشرة، كم احالت حياتنا، نحن الذين نعيش في الداخل، الى موتٍ مستمر، الى شكٍّ وكرهٍ وبغضٍ وحقدٍ يزداد سعيره بيننا، يوما بعد آخر. .

بفضلها فقدنا الشعور بدفء الوطن الواحد، وبأننا ننتمي لشعب واحد.. بعد الآن ليس ممكنا أن تكون مطمئناً، ولا أن تكون آمناً وانت تقطع الطريق مابين زقاق وزقاق، مابين جنوب وشمال، فالخوف كل الخوف أن تفضحك اللهجة، أن تشير اليك الجغرافيا أن يتأمر عليك التاريخ أنْ يُعرِّيك الهندام ، فتقتلك الهويّة. .

أصبحنا نخشى أنْ تُذكر أسماؤنا صريحة، أن تُذكر ألقابنا..

حياتنا اليوم  لايَعرفُ طعمَها، مَن يقيم خارج الوطن، مهما كانت غربته قاسية عليه، ومهما كان عراقيا أصيلاً، من أبٍ وأمٍ عراقيين .

إخواننا المغتربون العراقيون، إن غربتنا هنا بين أهلنا، وعلى أرضنا، باتت أقسى  من غربتكم، كل شيء بات حولنا غريبا: الشوارع، الجيران، المناهج، قوات الأمن، الجيش، السماء، الهواء، القضاء، المدن، كل شيء، فما مِن شيءٍ يمكن أن يبعث على الطمأنينة سوى الموت.

نخاف من سيارة تقف عند الناصية لربما قد تكون مُلغَّمة، نخاف من مُعوّقٍ  نصادفه في الطريق فنخشى أن يكون انتحارياً، نخاف من الشارع إذا كان في لحظة ما هادئا بلاضجيج، نخاف الازدحام، نخاف السيطرات، نخاف "سوات"، فهل بإمكانكم أن تستبدلوا حياتكم الهادئة، أنتم وأولادكم، وتتركوا خلف ظهوركم ألإحساس بالأمن والعيش المطمئن الرغيد، لتقتسموا معنا ذُلّنا ؟

فإن كان لديكم الاستعداد، فأهلا وسهلا بكم، مواطنينَ وأعضاء في البرلمان ووزراءَ وحُكَّاما مُعزَّزين مُكرَّمين.

إخواننا المغتربون، ليس من حق أي واحدٍ منّا أن يصادر حق انتمائكم للعراق، فهذا وطنكم، ولكم أن تعودوا اليه متى شئتم، وأنْ تقرروا البقاء فيه متى شئتم.

بنفس الوقت، لاتصادروا حقنا في أن نختار من  ينصفنا، فلاتحرمونا اختيار حياةً حُرمنا مِنها، لاتسرقوا فرصتنا في العيش مثلما تعيشون أنتم وأولادكم.. 

وإذا كان بينكم مَن يسعى لأن يكون صوتنا في البرلمان، أو أن يكون رئيسنا، فينبغي أن يعيش بيننا، وأولادهُ يدرسون مع أولادنا، وله أن يَعلم مُسبقاً قبل أن يتورط في إتخاذ قراره، أنَّ مَدرِاسَنا مبنية من طين، لا مصاطب فيها، ولاتدفئة، ولاتبريد، بل إن كثيراً من الأطفال حتى بلا كتب.

عليه أنْ يقاسمنا كل شيء، أكوام الزبالة بين البيوت، حرارة الصيف بلاكهرباء، قسوة الشتاء بلا نفط للتدفئة، الوقوف في طوابيرلأنجاز معاملة رسمية مُتحملاً إهانات حراس وموظفين متعجرفين.   

لن نسمح لأنفسنا أنْ نشكك  بعواطفكم تجاه وطنكم العراق .. لكننا نقول لكم: إنَّ مسؤولية المنصب السياسي ليست بالصورة الرديئة التي قدمها سياسيو العراق، وكلهم كانوا يحملون جنسيات مزدوجة بضمائر مزدوجة، بما فيهم رجال الدين، ويساريون وقوميون ومتأسلمون، كلهم كانوا يدَّعون النضال من أجل الوطن، وأثبتت الايام كذب ما ادّعوهُ، وأنَّ ولاءهم أولاً وآخراً لوطنٍ كانوا قد لجأوا إليه، وكم كانت فرحتهم كبيرة به وبجنسيته.

الاقسى في قضيتنا: أنَّ أصحاب الجنسيات المزدوجة قد اثبتوا في كل مارتكبوه من خطايا بحقنا أن بينَهم وبين العراق ثأراً كبيرا، ولم تكن عودتهم إليه بدافع الحنين، ولا رغبة في البناء، وإنما ثأراً وانتقاماً منه: وطناً وشعباً وتاريخاً وقيماً!.

حمَّلوهُ المسؤولية كاملة عن غربتهم، عن تشردهم، وقد آن الآوان لكي يدفع لهم الثمن باهظا، مُتناسين، مُتغافلين، مُتجاهلين، عن سبقِ إصرارٍ وتعمّد، حقيقةً واضحةً لا يختلف عليها اثنان من المناضلين، في أيّة بقعة من العالم، بأنَّ من يتحمل مسؤولية النضال ضد سلطة غاشمة تحكم بلده، يتوجب عليه أن يتحمّل منذ اللحظة الأولى وحتى وفاته تبعات هذا الاختيار، مُستبعدا من حساباته أن يطالب الآخرين، من البسطاء والمغلوبين على أمرهم بأن يدفعوا له ثمن نضاله، قصوراً وأراضيَ وأرصدة في البنوك، له ولأولاده وأحفاده.

لكن سياسيناجعلونا ندفع لهم فوق هذا:أرواحنا وأبنائنا وبيوتنا ومدننا وأحلامنا.

ولو كان للعراقيين بقية وعي وإرادة، لتوجب عليهم أن لايكرروا الوقوع في الخطأ مرة أخرى، وأنْ لا يثقوا بمثل هؤلاء، فيمنحوهم فرصة للكذب عليهم مرة أخرى، ليدمروا ماتبقى لديهم من وطن.



54
لاجَدوى مِنَ النَّفْخِ  !

مروان ياسين الدليمي
رغم إيماني العميق بالخيارات الليبرالية والعلمانية في البناء السياسي لهوية الدولة والاحزاب،إلاّ انني شخص مستقل سياساً،وليس في قناعتي أن أنتمي إلى اي حزب مهما رفع من شعارات علمانية أو ليبرالية،ذلك لأنني أؤمن بأنَّ مَن يعمل في ميدان الفن والثقافة ينبغي أن يكون حراً،بنفس ألوقت لاأجد ضيراً في أن أتفق أو أتفاعل مع أي حزب،سواء في الفكر أو الممارسة،ربما أجده الأقرب إلى قناعاتي،والأفضل لمجتمعي،في مرحلة من المراحل،خاصة إذا ماتعلق الأمربثوابت أساسية مُقدسة في منظومة قيمي،تنحصر في تحقيق  الحرية والعدالة الاجتماعية .
من هنا استطيع القول بأن الاحزاب الدينية العاملة في العراق بمسمياتها المتنوعة غير قادرة على إدارة بلد مثل العراق،تتعدد فيه الأديان والطوائف والقوميات،وتجربة العشرة اعوام الماضية بعد العام 2003  اثبتت بما لايقبل الشك عدم قدرتها على أن تنآى بالبلاد إلى زمن واقعي عقلاني يحقق العيش الكريم لعموم المجتمع،كما فشلت في إيصالها إلى لحظة زمنية  يكون المناخ العام فيها نظيفاً وخالياً من سموم الاحتقان والصراع الطائفي،لأن جميع هذه الاحزاب أساس عقيدتها السياسية ووجودها،قائم على التخندق وراء ستار الطائفة التي تنتمي لها،وبذلك هي تتحمل كل صور العنف والقتل والتهجير واللصوصية.
وإذا ما شاء العراقيون الخلاص من محنتهم التي يتحملون الجزء  الأكبر من مسؤوليتهاــ لسلبيتهم في التعامل معهاــ والعودة إلى طبيعتهم الاجتماعيةالبسيطة والمعتدلة،خاصة وأنهم مقبلون على الانتخابات في مطلع شهرايار2014 ،سوف لن يكون أمامهم إلاّ خيار طي صفحة الاحزاب الدينية واعطاء الفرصة لأحزاب ليبرالية وعلمانية لايشكل الانتماء الديني أو الطائفي أي قيمة في أسس تشكيلها.
أيضا لابد من التأكيد على أن الاحزاب القومية،هي الأخرى من غير الوارد الرهان عليها طالما خطابها الايدولوجي ــ القومي ـ سيضعها اليوم أو غداً في مواجهة مع القوميات الاخرى،وتاريخنا القريب فيه الكثير من الشواهد المؤلمة التي تؤكد ذلك،خاصة بعد أن  لاحظ المواطن عودة شعارات قومية قديمة في هذه الدورة الانتخابية مثل(إذا ذُلَّ العرب ذُّلَّ الأسلام ! ) بدأت ترددها مرة أخرى كتل واحزاب في حملاتها الانتخابية،في محاولة منها لأستثمار حالة هيجان وانفعال شعبي باتت تجتاح قطاعا كبيراً من المجتمع العراقي بعد الحضور الواضح للسياسة الايرانية في رسم خارطة المشهد السياسي العراقي خاصة في عهد حكومة المالكي بدورتيها.
هذه الشعارات المتعصبة والمنغلقة،بلا أدنى شك تقفز فوق حقائق دامغة اثبتتها شعوب ومجتمعات مسلمة ــ غير عربية ــ  حققت تقدما اجتماعيا كبيراً جعلها تحظى بأحترام المجتمع الدولي خلال فترة قياسية مثل ماليزيا وتركيا وايران بينما عجز مجموع العرب المسلين عن تحقيق ذلك خلال عقود وعقود،فأمست مكانتهم بين الأمم في وضع لايحسدون عليه .
لذا لم يعد يجدي نفعاً رفع شعارات لاأساس لها من الصحة في واقع يعاني مرارة الهزيمة بمفهومها المطلق ــ الأخلاقي والعلمي والثقافي ــ وذلك لخلوها من البرامج والسياسات الواقعية التي يمكن أن تنهض بمجتمع دخل في مرحلة خطرة من التشظى والتشرذم،بفعل ما خططت له الادارة الاميركية في أن تحوِّله إلى مجتمع منقسم بشكل حاد إلى مكونات واقليات وطوائف تتصارع مع بعضها،وتسود بينها مشاعرالشّك والبغض والكره وقدنجحت في تحقيق ذلك بشكل كبير.
إن شعارات مثل هذه لازالت تبدو براقة لدى البعض ــ إما لمحدودية فهمه أو لأنه يؤدي دوراً مرسوما غير مسموح له أن يخرج عنه ــ قد فقدت أهليتها ومصداقيتها، بعد أن كانت قد رفعتها انظمة سياسية تناوبت على كرسي الحكم خلال العقود الخمسة الماضية في أكثر من بلد وفي اكثر من فرصة،لكن جميعها فشلت في أن تحقق شيئا مهما وملموساً على المستوى الحضاري يستحق الفخر أو الاحتفاء به،سواء للعرب أو للمسلمين،إضافة الى ذلك،هي لم تترك ورائها إلاّ تاريخا عناوينه هزائم وانكسارات وتخلف . 
فهل من جدوى وفق هذه الصورة المعتمة،إشهار السيوف والصراخ تحت راية " لبيك ياعلم العروبة كلنا نفدي الحِما " بدلا من رسم سياسات وبرامج تنصف المواطن بعيش لائق كريم تنسجم مع احدث ماتوصلت اليه العلوم والمعارف !؟ وهل من جدوى أن نفخ مرة أخرى في قربة مثقوبة ! ؟


55
مشعان الجبوري ..والدور القذر
                                                                                                            مروان ياسين الدليمي
يُصر مشعان الجبوري على أن يكون في واجهة المشهد السياسي العراقي، بأي ثمن رخيص يدفع له،وليس مهما في هذا،من هي طبيعة الجهة التي تدفع،وإلى ماذا تخطط ،وماهو الدور الموكل إليه .
كل هذه الاسئلة لاتعني شيئا،لواحد مثل مشعان ارتضى لنفسه أن يكون مرتزقاً يتقن اللعب في الاماكن القذرة،وتشهد على ذلك مسيرته الحافلة بالقفز على الحبال هنا وهناك.
ويبدو أن المالكي قد ادرك حقيقة هذا المخلوق المشوَّه والمشوِّه،فاوكل اليه اقذر مهمة يمكن أن يؤديها فرد تجاه وطنه وشعبه،وذلك بإشعال نار الفتنة والحرب مابين العرب والكورد،وهذا ما عبر عنه بصراحة ووضوح من على شاشة قناة العربية إذ قال بالنص :" ينبغي محاربة وطرد الاحتلال الكوردي " .
يبدو أن ترتيب هذا الدور لم يأتي بعد تداعيات مقتل محمد بديوي كما يظن البعض منّا،بل يمكن القول أن التحضير له قد بدأ من اللحظة التي هبط فيها مشعان بطائرة خاصة على ارض مطار المثنى قادما من سوريا قبل عامين من الآن،وليتم خلال اقل من ساعتين قضاها في بغداد اسقاط كافة التهم والدعاوى المثبتهة ضده من قبل القضاء العراقي،وليعود بنفس الطائرة ــ التي كان المالكي شخصيا قد ارسلها له ــ الى سوريا.
مشعان،في كل المراحل التي كان فيها لاعبا في مستنقع السياسة قبل العام 2003 وبعده،لم يكن يمثل نفسه ابدا في أي موقف سياسي عبّر عنه،ذلك لأنه كائن بلا موقف ،بلا ضمير ، بلا حياء ، بلا كرامة ، بلا قيم .
إن اهالي نينوى قبل أي مدينة أخرى يعرفون من هو مشعان جيداً .ولن يغفروا له أبداً،مارتكبه من جرائم وسرقات بحق المدينة،واكبرها سرقته للبنك المركزي العراقي في ليلة الخميس 10 / 4 / 2003 عندما سقطت المدينة واصبحت تحت سلطة الاحتلال.والتفاصيل في هذا الموضوع كثيرة وتناولها العديد من الصحفيين والاهالي في مقالات وشهادات كتبوها في صحف الموصل الصادرة انذاك،ويمكن العودة الى هذا الموضوع في وقت آخر .

اليوم يثبت مشعان الجبوري مرة اخرى أنه يستحق الاحذية التي انهالت عليه من اهالي مدينة الموصل في نهاية شهر نيسان من العام 2004 في الايام الأولى التي اعقبت احتلال العراق،عندما خرج مشعان بنفسه الى جموع المتظاهرين ضد الاحتلال امام مبنى المحافظة في محاولة منه لتهدئتهم،بعد أن كان قد اعلن نفسه محافظا على المدينة،وماأن ظهر امامهم في الساحة المقابلة للمبنى حتى تساقطت عليه عشرات الاحذية من المتظاهرين الغاضبين.فما كان منه سوى الهرب والعودة الى الداخل . 
آن الآوان،لكي يقذف بالاحذية مرة ثانية بعد أن كشف حقيقة المهمة القذرة التي أوكلت إليه وجاء لتنفيذها..
ويتوجب على رجال القانون أن يرفعوا قضية ضده بأسم الشعب العراقي  يتهمونه فيها بالدعوة الى الحرب الاهلية مابين العرب واخوتهم الكورد .

56
إعجابي،بِصراحةِ الفتلاوي

                                                
مروان ياسين الدليمي

دعوةالسيدةالنائبةحنان الفتلاوي الى ضرورة تحقيق التوازن في عدد القتلى الذين يسقطون مابين الطائفتين المسلمتين الشقيقتين المتقاتلين السنية والشيعية، التي عبرت عنها في حوار تلفزيوني،كانت صادمة لدى البعض منّا وبعثت فينا شعورا بالخيبة.
وإضافة الى كونها دعوة صريحة لتبرير جرائم القتل الطائفية المتبادلة،واستمرارها،بدلاً من البحث عن سبلٍ واقعية للتعايش والاحترام ــ وهي كثيرة ـ فيما بين الاطراف المتقاتلة، فهي تعكس مدى البؤس الذي يعشعش في عقلية طاقم سياسي يرسم مصيرنا.
بنفس الوقت تثير دعوتها هذه تساؤلات عدة:- فأنْ يصدُر هذا الكلام على لسان امرأة،أمرٌ يدعونا لاعادة النظر في مفاهيم أساسية كرستها ثقافة انسانية  تؤكد على أنَّ المرأة رمزٌ للحنان ! !. وأنا لم أجد ايَّ علاقة مابين الأسم والمُسمى.
بنفس الوقت أشعر أن السيدة حنان لاتستحق ألإدانة ولاألشجب على صراحتها مع نفسها،ولاعلى تفكيرها بصوت عالٍ بكل ما يحرص آخرون أشد الحرص على اخفائه في دواخلهم ــ من ساسة ونواب ــ من افكار وقناعات راسخة،قد يكون بعض تلك الافكار المَخفية في قلوبهم ورؤوسهم،سواء من هذا الطرف أو ذاك أشدُّ تطرفاً وقسوةً ووحشيةً مما قالته الفتلاوي،لكنهم لايمتلكون وضوح وجرأة الفتلاوي ليعلنوها أمام المَلأ.
فنحنُ أحوج مانكونُ إلى المواجهة مع النفس لمكاشفتِها وكشفِها دونما كذبٍ وخداعٍ لأنفسنا وللاخرين،لكي نختصرَ رحلة طّعنٍ من الخلف،لطالما مارسناها،ضد بعضنا،وماعترفنا بها.
كلانا يعلم جيداً أننا نُعلن غير مانُخفي،فالحبُّ قناعٌ للكُرهِ،والثقةُ قناعٌ للرِّيبة والأحترامُ قناعٌ للسخريةِ والتديّن قناعٌ للرذيلةِ والعلمانيةُ قناعٌ للتقديسِ والشيوعيةُ قناعُ للطائفيةِ والقوميةُ قناعٌ للتعصبِ والفضيلةُ قناعٌ للسرقة ِ والقناعة قناعٌ للعجز والرَّحمةُ قناعٌ للقتلِ والأخوّةُ قناعٌ للعدواةِ.
الأمثال عادة تضرب ولاتقاس،ولأنني أؤمن بحكمة صينية تقول:" شيطانٌ واضح،أفضلُ من قدّيس غامض".لذا أُعلن إعجابي بصراحة السيدة حنان الفتلاوي.
  

57
بدلة وربطة عنق وشهادة دكتوراه *

                                                                                                                 مروان ياسين الدليمي

مسؤوليتنا أمام عوائلنا تشكل جزءً كبيراً من محنتنا الشخصية،هي بمثابة قيدٍ ثقيل يلجمُ حريتنا في مواقف كثيرة،ويفرض علينا خيارات محددة،لاتتيح لنا في أغلب الأوقات اختيار ماينبغي أن نختار مما هو أكثر صحّةً وسلامةً ودقّةً من مواقف تعكس في جوهرها قناعاتنا ومبادئنا،تجاه مايواجهنا من حالات نرفضها،سواء في ألأماكن العامة أوفي أماكن العمل،وعادة مايكون أبطالهاغريبو الاطوار،أقل مايقال عنهم،شُذاذ، انتهازيون،لصوص،متصابون،كذابون، أدعياء ثقافة .
أمثال هؤلاء،لديهم من الاساليب مَايربأ البشر الاسوياء بأنفسهم،بعيدا عنها، وعن الذين يلجأون اليها تحقيقا لما يصبونَ اليه من مَالٍ أوشهرة،أو وجاهة اجتماعية طالما إفتقدوها،وذلك لخللٍ يكمن في ماضيهم أو سيرتهم الشخصية.
وبما أنَّ الحصول على لقب علمي،عبر المال  والتزوير بات سهلُ المنال، أصبح  البعض مِن هؤلاء ــ ممن يحمل شهادة اكاديمية عليا ويحرص بشكل مُبالغٍ به على أن يسبِق اسمه لقب دكتورــ لايتردد في أن يستثمر لقبه العلمي أسوأ استثمارٍ في دائرةٍ لاتخرج عن شبهة التزييف أوالتحريف أوالسرقة.وليس الأمر هذا مقصورا على دهاليز السياسة وكواليسها المظلمة،بل تعداده الى أروقة الأدب والثقافة،وهذا هو مربط حديثنا.
في كثير من المواقف تعجز تماماً منظومة الثوابت والقيم الاخلاقية،والتي عادةً ماتفصل بين سلوك الانسان وسلوك الحيوان،في صدِّ مايصدرُ  عن  هؤلاء من تحطيمٍ وتشويهٍ للقيم الانسانية،لتتهاوى بذلك أمام وقاحتهم،سُبل الحوار المُتمدن والمتحضر في أرقى صورها! 
عند ذاك،ستجد نفسك مُرغَمَاً أمام خيار وحيد،لامفرَّ من اللجوء اليه،وليس من السهولة الانزلاق فيه.
خيارٌ يدعوكَ أنْ تُنحّيَ جانباً كل ماقرأته من روايات وفلسفة وشعر،كما يدعوك لأنْ تعتذرَ من أفراد القبيلة التي تنتمي لها:شكسبير وماركس وسارتر ونصر حامد ابوزيد وديستويفسكي وماركيز وشاكر سيفو وعلي بدر وفرج فودة وزهير بردى وحيدر سعيد وعلي شريعتي وهيثم بردى وعبد الخالق الركابي ونجيب محفوظ وعبد السادة البصري وكمال سبتي والسياب وكرم الاعرجي وسعدي يوسف ورعد فاضل  وآخرين .
تعتذر لهم،وتتناسى مؤقتاً،ماتعلمته منهم خلال عقود من القراءة والبحث والتأمل،من اساليب ومعالجات وافكار وأنت تواجه الحياة.ليس لأنَّ افكارهم وفلسفتهم،باتت متخلفة وقديمة ورجعية،ولم تعد تصلح للأستعمال الآدمي.
بل على العكس من ذلك،تعتذر منهم،لأنَّ ماجاءوا به من قيمٍ،لاتصلح إلاّ أنْ تكون منظومةَ للأرتقاء بإنسانية المجتمع البشري.
ولأنك في مثل هذه المواقف،تتواجه مع فصيلةٍ لاتنتمي للجنس البشري إلاّ من حيث الهيئة والشكل والهندام: بدلة وربطة عنق وشهادة دكتوراه  .
فصيلةٌ مُستئذِبةٌ مُتوحشِةٌ،لاتَردَعُ رغباتها وشهواتها ودناءتها،حكمةٌ بليغة ٌلعلي بن أبي طالب ولاصرامة عمر بن الخطاب ولادم الحسين ولامحبة المسيح ولاتسامح مانديلا ! .
ليس أمامك هنا،إلاّ أن تعتذر من هذه الاسماء،وتنحني احتراما وتقديرا لها،قبل أن تطوي جذعك للأمام لتمدَّ يدك الى قدمك وأنتَ تفكر في أستعادةِ وأستعارةِ موقفٍ سَبق أنْ مرَّ به الرئيس الاميركي بوش الأبن،على يد صحفي شاب،قبل أن يلقي كلمته أثناء زيارته العراق في 14 ديسمبر 2008 . 
إلى كل الاسماء الكبيرة بعطائها،وأخرى لم يسعفني المجال لذكرها:- أخشى ياسادتي،أنْ أقدمَ لكم اعتذاراً بين فترة وأخرى.
*مناسبة المقال،ماجاء من إساءةٍ طالت عملي المهني،أوردَها أحد أدعياء الثقافة،في مقال خصنّي به.  جوهرها قائم على تزييف الحقائق،

58


إصبر ياصابر مع الصابرين..
اصدار جديد للكاتب الصحفي توفيق سعيد



                                                           
 
مروان ياسين الدليمي

توفيق سعيد كاتب صحفي واعلامي مهموم بقضايا شعبه الكلداني السرياني الاشوري.والأهم في هذا حيويته وفاعليته الانسانية والاجتماعية التي تجعله قريبا جدا من الاخرين وعلى تواصل معهم.وهذا مايشكل خصوصية واضحة فيه تبعث في حضوره الانساني طاقة ايجابية.فهو لايكتفي بالتأمل والقراءة عن بعد بل يذهب بعيدا في الارتماء بين طيات واخاديد وتشعبات الواقع والمجتمع بشكل ايجابي.وهذا هو نموذج المثقف العضوي الفعال كما شخصّهُ الفيلسوف غرامشي،مثقف يزاوج مابين التفكير النظري ومابين العمل الفعلي في الميدان بين اوساط المجتمع.وفي هذا الامر نجد توفيق سعيد يلعب اكثر من دور في الحياة فهو لايكتفي في كونه كاتبا وصحفيا واعلاميا بل ناشطا مدنيا فاعلا في الحياة.  
العنوان
تأتي اهمية عنوان الاصدار الاخير للكاتب الصحفي توفيق سعيد"اصبر ياصابر مع الصابرين"للتعبير عن السياق العام لأفكاره ودعوته الى التفكير والعمل،وعدم الاتكاء فقط على التغنّي بالأرث الحضاري ومنجزات الماضي البعيد.وذلك بالعمل مع الاخرين تضامناً وتوحداً  قلبا وقالبا.من خلال تحديد الهدف.لان من يفقد الهدف يصبح فاقدا للأستمرار والمقاومة. وقد اختار الكاتب عنوان احدى مقالاته التي ضمّها الاصدار ليكون عنوانا لمطبوعه الذي احتوى على 70 مقالة سبق للكاتب ان نشر بعضا منها في الصحف الورقية والبعض الاخر في عدد من المواقع الالكترونية .
الموضوعات
تتوزع طبيعة الموضوعات التي جاءت في مقالات هذا الاصدار في أكثر من منحى  :
1- موضوعات تتناول شؤونا تتعلق بالمسيحيين العراقيين الذين يتكونون من الكلدان والسريان والاشوريين.ويكاد هذا الموضوع يستحوذ على اهتمام الكاتب بشكل رئيسي مثال على ذلك المقالات التي حملت العناوين الاتية : تضامنوا مع حملة الدفاع عن القضية ،خبب كرسي من ذهب،لقد كان رجلا،باستشهاده ولد رحو من جدي،هل ستعاقبون انفسكم،وهناك مقال مهم بعنوان "للنناضل بالحق ونتكلم من اجله " يدعو فيه سعيد الى ضرورة تركيز الجهد عبر الكتابة للتعبير عن واقع واحلام الشعب الكلداني السرياني الاشووري.ايضا هناك مقال مهم اخر بعنوان " من له اذان ليسمع "يدعو فيه ابناء شعبه الى عدم الهجرة والبقاء في الوطن.من خلال استدعائه لحديث خاص كان قد تم عبر الهاتف  بينه وبين واحد من ابناء جلدته كان قد اختار الهجرة والاغتراب .
2- موضوعات ذات طابع فلسفي عام تتحرك في مطلق المفاهيم الاخلاقية والاجتماعية كما في: قولوا اللهم يارب،معايير الحقيقة،الديو قراطية تجتاز الخط الاحمر،من الغباء أن تكذب،لن ندعكم تشعرون بالعار،ولتسقط الخرافات الملعونة،حكمة التائه في جزر الواق واق .
3- مقالات تستعير من فنون كتابية اخرى ادواتها وتقنياتها في بنائها،كما في المقال المعنون "قبل أن يدخل القمر المدار"التي استعار تقنية كتابتها من الفن القصصي،وفي مقال آخر حمل عنوان "لايزال ذبح الثور مستمراً" استعار حبكته  من بنية الكتابة المسرحية .
4- مقالات تتصدى لموضوعات مهنية موضوعهاالاعلام والصحافة وشؤونهما.مثل المقال المعنون"عام تحقيق الاماني" وآخر بعنوان"سلاح ذو حدين ".
5- موضوعات ذاتية فيها مراجعة وتقييم للذات في إطار النقد والتشريح فيما ذهب إليه من اقوال وافعال كما في المقال المعنون " وقائع صادقة ".
6- موضوعات تتعلق بالادب والشعر كما هو المقال المعنون " هو كلمات واحاسيس وموسيقى " وآخر بعنوان " ياطيب القلب ".
الاسلوب
 اهم قضية تفرض نفسها في عالم الكتابة بشكل عام هي قضية الاسلوب، فمن خلاله يتسنى للكاتب أن يكشف عن  تفرد وتطور أدواته كما يكشف عن رؤية الكاتب في كيفية تناوله للموضوعات التي يكتب فيها وعنها. فالاسلوب هو الذي يُبقي اسم الكاتب حاضرا لدى القراء ويعكس ذكاءه وموهبته وتفرد شخصيته في النظرة والقراءة للأحداث.
توفيق سعيد  بأعتباره كاتبا صحفيا تبدو شخصيته قد توضحت في ادواته الكتابية،وذلك من خلال عدد من المفردات الفنية التي نجدها واضحة وشاخصة في مقالاته وتبدو لصيقة به وباتت تميزه عن غيره بصورة اوضح كثيرا من نصوصه الشعرية ،التي لاتبدو واضحة المعالم بالقياس الى مقالاته. لذا على المستوى الشخصي ارجو ان يكرس جهده في كتابة المقالات الصحفيىة التي نجده فيها مؤثراً اكثر من الشعر.
لابد أن يلتفت قارىء مقالاته الى الانسجام الواضح لديه في استخدام المتواليات اللفظية بشكل متواتر وسهل،مع لمسة ِ واضحة لحضور الصيغ التقليدية في نمط الكتابة العربية المتوارثة من الطباق والجناس والسجع في بناء جُمَله كما في  المثال الاتي:" لاتتفاجأوا بما يدور،فسنرد الصاع صاعين،ونكشف المستور،من الداخل والخارج،حتى لو اغلقوا بوجوهنا المخارج،امس واليوم وغدا،سنتكلم ولن نسكت ابداً،فلاتتفاجأوابما يدور،لان الخبر الحار يخرج من جوف التنور،والدنيا تقعد ومن ثم تدور".والملاحظ كذلك  في بنية مقالاته حرصه الدائم على استثمار الموروث الشعبي لدعم وتوضيح افكاره من خلال الحرص على استعارة امثال وحكم مأثورة ،وعادة مايستعين بها في مقالاته مثال على ذلك"القرد في عين امه غزال،وكل غريب للغريب نسيب،ماضاع حق وراءه مطالب ،تمنى لأخيك ماتتمناه لنفسك ، حارة كلمن ايدو ألو ".هذا الاستثمار يعكس بطبيعة الحال حضور الذاكرة الجمعية بما تحمله من خصوصية في القول والخطاب والفكرة للتعبيرعن ثقافة المجتمع واراءه وافكاره.
بنفس الوقت اتسمت لغته بليونتها وابتعادها التام عن التقعر واقترابها من اللغة التي تتأرجح مابين النثرية والشعرية بشكل عام،فبدت سلسة ومطواعة وموحية.هذا اضافة الى نبرة النقد المغلفة بالسخرية التي تبدو واضحة في عدد من الموضوعات التي تناولها كما في المقال المعنون "حزب الفشلة " ففي هذا المقال نجده  ينتقد الاحزاب السياسية التي جاءت بعد العام 2003 وفشلت تماما في تقديم اي شيء للوطن والمواطن.فآثر ومن باب السخرية والنقد اللاذع أن يعلن انتماءه لحزب الفشلة  فهو اكثر جدوى وصراحة ووضوحا وصدقا من كل الاحزاب الاخرى .
في عموم كتابات سعيد يبدو واضحا جدا مايسعى اليه من اهداف وافكار ينوي ايصالها.ولن يجد القارىء صعوبة في التوصل الى ما يبغي اليه، وهذا امر يبدو في غاية الاهمية عندما يرتبط الامر بفن المقالة الصحفية التي تخاطب جمهورا واسعا من القراء يتنوع في مستوياته الثقافية .
كما تعكس كتاباته ارتباطه الوثيق بالحياة،فهو على تماس حيوي ومباشر معها ومع مايطفو على سطحها من احداث عامة او خاصة تتعلق بشعبه. وهذا هو جوهر مهمة الكاتب والمثقف ومسؤوليته الانسانية والمهنية في آن واحد.وفي خضم هذا الانتماء والتفاعل مع الحياة نجده يقظا في الامساك بمسار واضح في كتاباته ينأى من خلاله عن التشتت والقفز في تناول موضوعات مختلفة.ذلك لأنه قد التزم بشعبه وقضاياه،تاركا الموضوعات الاخرى لكي يكتب عنها كتابا اخرين.
ايضا يعكس توفيق في مقالاته استجابته الواعية لماحصل من متغير في بنية الكتابة في اطار المقالة الصحفية،خاصة من ناحية  عدد الكلمات،فكل مقالاته تتراوح مابين 300 الى 500 كلمة وهذا مااصبح عليه شكل المقالة المعاصرة وماتقتضيه من ايجاز وتكثيف في بنائها والتخلي الواضح عن الاستطراد والمقدمات المطولة مما كان يعد سمات واضحة للمقالة في بنيتها الكلاسيكية .
غلاف المطبوع  
فيما يتعلق بغلاف الكتاب بما شكله من مفتتح للدخول الى عالم المؤلف فأنني قد وجدت ان المصمم رغيد جرجيس حبش كان موفقا الى حد كبير في قراءة افكار الكاتب وايجاد نص بصري موازٍ  لها ،وذلك باعتماد اللون الاسود مفردة مهيمنة على  معظم مساحة الغلاف الاول،وهذا الاختيار جاء منسجماً مع تراجيديا المكان الذي تحركت عليه موضوعات وافكار الكاتب سعيد.
تظافر مع اللون الاسود مجموعة (فيكرات)اشكال بشريية مشغولة بخطوط حادة،تتداخل وتتجاور وتتقاطع مابين اللونين الاسود والابيض،فما يلفت انتباهنا أن كل الوجوه تنظر بأتجاه واحد، لتلتقي هذه النظرة مع زاوية نظر قارىء الكتاب. وجميع هذه الوجوه (الفيكرات) تبدو لنا وكأنها  تكشف عن نظرة فيها الكثير من الترقب والانتظار، لتبدو وكأنها  تعيش حالة هي اقرب الى المحنة منها الى نكبة تحيط بها.ويشكل حضورهذه الوجوه البشرية بكليتها مفردات لغوية مختلفة تنسج متناً لحكاية انسانية.كما اضاف وجه الطفلة الذي وضعه المصمم  في الزاوية العليا اليسرى من الغلاف بعدا زمنيا وانسانيا الى التصميم،منح القارىء احساسا عميقا بحضور الصوت الانساني بكل براءته ونقاءه وطهارته وهو يأتي من الغد متأملا في لحظة تفاعل وتفكير وتساؤل،زمناً ماضياً مستسلماً،تكدَّس عليه الصمت ثقيلا.ومما عمّق هذه الفكرة أن جعل المصمم جميع الوجوه مغطاة بغلالة شفافة،غيّبَ من خلالها ملامحهم،وفي مقابل هذا منح وضوحاً واشراقاً  لوجه الطفلة،والذي شكل بحضوره معادلا موضوعيا يشير الى الغد في مقابل الوجوه البشرية بما تعكسه من انتماء للماضي والحاضر بكل مايحملانه من غموض وقلق وهواجس .
سبق للكاتب توفيق سعيد ان اصدر خمس مجاميع شعرية حملت العناوين الاتية: ديوان  الجسد عام 1985،الى السمراء قبلات وبكاء عام 2003 ،سيمفونية الرجل المهموم بسعادة عام 2004 ،أحمل زورقي لأغرق عام 2006،قناديل ومواويل عام 2008 .

59
ولأنَّها إبنةُ الحُرية .....
                                                                                                                    مروان ياسين الدليمي

مانديلا هو نفسهُ بشحمهِ ولحمهِ وسواد بشرته وابتسامته المشرقة أبداً،هذا الذي بكته الشعوب جماعات وافراد بما فيهم السَّجان الذي كان يقف عند باب زنزانته.كان قد حُكِم عليه بالسجن لمدة 27 عاما بتهمة الارهاب !!!!!!!!!!! قضاها كلها في زنزانة انفرادية.
أي أن مانديلا في يوم ما ــ في نظر السلطة والقانون الدولي ــ كان إرهابيا.!!
المفارقة هنا..أنَّ العالم بَكَاهُ ساعة موته،وتوحَّد حُزناً على من سَمَّاهُ ايقونة السلام،بعد أن كان يُعدّهُ ارهابيا فيما مضى من الايام !!!!!!!!!!!.
في مقابل ذلك ــ وكما تعودنا في الشرق ــ سيأتي يوم ليس ببعيد ولابغريب علينا،نجد فيه أنفسنا وجها لوجه،أمام زعماء كان يصفق لهم الشعب ومعه تصفق عواصم أجنبية كانوا يزورنها.سنقف ساعتها بصدور تضجُّ بمشاعر يمتزج فيها الندم مع الاحتقار،لأنّنا أكتشفنا بوقت متأخر كعادتنا بأنّا قد خُدِعنا،فالزعيم المُفدَّى داعية السّلام والتضامن والتآخي بين الشعوب والقبائل والطوائف،لم يكن طاهر اليدين ولاحكيما ولامُختارَ عصره،بل كان إرهابياً مأجوراً مجرماً !!!!!!!
وفي تلك اللحظة سيجد الزعيم نفسه وحيدا منبوذا لاناصر ولامعين له مثل الذين سبقوه من الزعماء الى مثل هذا المصير.
نفس الشعوب ونفس المحافل الدولية التي كانت تستقبله وترحب به وتصفق له وتبارك خطواته واعتقالاته واعداماته وغزواته وإباداته وميليشياته وخياناته،نفسها تلك،ستصدرالحكم عليه وتنأى بذاتها عنه وعن خطاباته وعبقرياته وسياساته واتفاقاته .
إنَّ الدنيا دوارةٌ كما توصفُ في المخيال الشعبي "يوم لك ويوم عليك " تدور غير عابئة بأقدارها على بني البشر،لايسلم منها أحد،كبيراً كان أو صغيرا،سنياً كان أو شيعيا،مسلما أو مسيحيا،ملحداً أو متدينا،لافرق بين هذا وذاك،سواء وقفت معه ايران أو أميركا أو روسيا أو فرنسا،الكل واحدٌ في سلة القدر،والمثل الشعبي يقول:"المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين ". 
إلاّ أنَّ فرصة النجاة من سوء المكتوب على الجَبَين قائمة لمن يقف على شيء بسيط مِن الحِلمْ،لينأى به قولاً وفعلاً عن الحماقة والجَّهالة والنَّدامة والسَّفالة والكذِب والتزييف والتطرُّف،مُتفادياً مُتحاشيا في ختام عُمره أسوأ الايام وأقساها .
ولو لم يكن مانديلا صادقا في نضاله من أجل حرية الانسان بشكل مُطلق  ،نائياً بنفسه عن كل ما يُفرِّقُ بين الانسان وأخيه الانسان،مِن لونٍ ودينٍ وعِرق،لو لم يكن بهذه الحكمة،لما أنحنى له في حياته قبل مماته أحتراما وتقديرا وتبجيلا،أعداءه قبل أصدقاءه،ولمَابكىيناهُ جميعا ساعة فراقه،عَربا وكورداً وأمازيغ وهنوداً وخُلاسيين وأفارقة وأوربيين،مع أننا جميعا لسنا على دين واحد ولا لون واحد ولا قومية واحدة.
هذا يعني أنَّ الحقيقةَ هي الاصدقُ والأطهرُ والارسخُ والأبقى من كل مُسمَّيات الترقيع والتلميع والتزييف،ولأنها أبنة الحرية: لاتُعتقل ولاتُقتَل ولاتنطفىءولاتموت .


60
استقالتي ...من اتحاد المسرحيين /فرع نينوى


انطلاقا من مسؤوليتي الشخصية تجاه تنظيم مهني كنتُ سببا رئيسيا في ولادته بعد شهرين من سقوط بغداد عام 2003.أعلن انسحابي واستقالتي من اتحاد المسرحيين فرع نينوى،طالما لم يعد يعكس ماكنت اطمح اليه ساعة التفكير بتكوينه.
لقد جاءت فكرة تأسيسه عام 2003 بعد مرور شهرين على سقوط بغداد، وذلك عندما وجدتُ مع آخرين،أن اجتماع الفنانين الذي كنت قد عملتُ بكل جهد لتحقيقه انذاك بالتشاور مع المرحوم الفنان فريد عبد اللطيف والفنان عادل محمود ومحمد العمر،قد ذهب بعيدا جدا عن ماكُنّا نطمح اليه من اهداف وبتأثير عدد محدود من فنانين آخرين كانت لهم اهدافهم التي إختلفنا وتقاطعنا معها جملة وتفصيلا،وقد إستلم هؤلاء فيما بعد مسؤولية نقابة الفنانين لعدة دورات،وبطريقة خلت من الاجراءات الاصولية التي عادة ماتقتضيها الانتخابات،ولسنا هنا بصدد عرضها وتشخيصها،وقد يجيء الوقت لهذه المهمة عندما تقتضي الظروف  .
 لقد اخذ ذلك الاجتماع العاصف ــ الذي عقد في شهر حزيران من العام   2003 في المسرح الصغير من الطابق الثاني داخل مبنى معهد الفنون الجميلة بالموصل ــ  مساراً مرفوضا وغير مقبول من قبلنا.
مسارٌ يتواكب ويتشاطر ويتماثلُ مع صورة مجلس الحكم الذي كان قد أسسه بول بريمر الحاكم المدني للسلطة الاميركية على العراق،وفق اسس طائفية وقومية واثنية ودينية !. وهذا ما لم نعهده في لغتنا وثقافتنا الانسانية التي نؤمن بها،وتعايشنا من خلالها داخل محيطنا الاجتماعي العراقي عامة، وفي مدينتنا الموصل خاصة.
فما كان منّا إلا أن ننسحبَ ــ من الاجتماع ــ احتجاجاً ورفضاً وقطيعةً مع ماذهب اليه من افكار خلت من المسؤولية الوطنية.. ولنجتمع مع مجموعة من الفنانين في احد صفوف المعهد يحدونا أمل كبير في البحث عن تشكيل مهني جديد ينأى بنا عن ما آلت اليه الأوضاع من رثاثة وانحراف كنّا قد استشعرنا بها ولم تكن خافية علينا.
من هنا جاءت فكرة تأسيس اتحاد يجمع المسرحيين(وكان عنوانه في بداية الامر اتحاد الدراميين).وفيما بعد جرت بقية الترتيبات التنظيمة لتأسيسه ،ولأنني لم أكن راغبا ولاطامحاً في تولي أي مسؤولية بسبب ارتباطاتي الشخصية،لم أُرشِّح في حينها لعضوية الهيئة الادارية،بل توليتُ مسؤولية الهيئة التحضيرية للأنتخابات.وليظهر بعدئذ  الاتحاد على وجه الحياة .
ولأنَّ مساره طيلة الاعوام الماضية،ومنذ تأسيسه كان على حافة النسيان والضعف والغياب،ولم يتشكَّل حضوره على أرض الواقع وفق ماكنّا نطمح له:جاء اعلان انسحابي واستقالتي منه.

                                           مروان ياسين الدليمي
                                             8/ 12 / 2013

61
المنبر الحر / سؤال خبيث..
« في: 19:46 04/12/2013  »
سؤال خبيث..
                                                                                                                  مروان ياسين الدليمي
مقدمة لابد منها :
عوّدتنا أيامنا العراقية المُظلَلَة بالخوفِ والغموضِ والدَّمِ،أنْ نتلقَّى خبراً رئيسيا في طبخة نشرات الاخبار،ولكثرة تكراره وتداوله في حياتنا المقذوفة في فراغ ٍمن الجنون،بات لصيقا بذاكرتنا المُتعَبَة بصورٍ من موت يوميٍّ لايمكن أن يكون إلاّ عبثياً.
الخبر مفاده أنَّ:"جريمة أختطاف وقتل جماعية تم ارتكابها من قبل مجموعة مسلحة،يرتدي افرادها،ملابس قوات أمنية حكومية،وكانوا أثناء ارتكابهم لجريمتهم يستقلون سيارات حكوميةمنها ماكانت ذات دفع رباعي". . انتهى الخبر. 
في موضوعة هذا الخبر الذي بات يستفزني مثلما يستفز آخرين لكثرة مايتردد على مسامعي وبنفس صياغته ــ مع اختلاف وكالات الانباء التي تبثه ــ أجدني مدفوعا الى طرح سؤالٍ واحدٍ،يبدو خبيثاً،على الاقل بالنسبة لي ! ذلك لأنني أُضَمِّنُ الجواب الذي أقصد بين طيّات السؤال،وليس من الصعوبة بمكان على أي قارىء ــ عراقي فقط ــ  حتى وإن لم يكن خبيثا على شاكلتي،التوصّل الى ماذهبت اليه ضمناً.
قد يبدو سؤالي لدى البعض طائفياً،ولدى آخرين مشروعا،أو ذكيا أومجرد سؤالٍ أطلقه شخص غبيّ يدَّعى الفَهمَ.
لابأس .. فليكن مايكون. .أنا،كُلُّ ماشاءني أن أكونَ هؤلاء البعض،ولن أدَّعي غير ذلك:- طائفيٌّ، ذكيٌّ، خبيثٌ،غبيٌّ، دعيٌّ،مدسوس.وووووو
لكنْني ــ وهذاهوالمهم ــ بصريح القول:- لست بعثياولاداعشيّا ولاصداميا ولاتكفيريا ولاوهابيا ولاسلفيا ولاقرضاويا ولاقوميا ولاقَطَريا ولاتركيا ولاسعوديا ولاصهيونيا .
يمكن أن اكون:- مُلحدا أو علمانيا أوليبراليا ًأو غير متدين،أو يساريا مسالماعلى طريقة نيلسون مانديلا وليس ثوريا مسلحاًعلى طريقة جيفارا.
ويمكن أن أكون:-لاشيء على الاطلاق..أومجرد مواطن لاأكثر ولاأقل تغمره أوحال الطرقات في فصل الشتاء،ويقتله الحَرُّ في فصل الصيف. يكافح طيلة حياته من أجل لقمة العيش،ويخاف الحكومة مثلما يخاف الله،بل إن خوفه منها قد يكون أشدُّ وأكثر،لأنه على يقين تام بأنَّ الله قد يغفر ويرحم من يخطىء في السؤال،بينماالحكومة لن تغفر ولن ترحم .
ولكي لاأطيل في مقدمةٍلاجدوى من الاطالة فيها،عنيتُ من وراءها أن أكشف جانبا جوهريا من هويتي على قدر استطاعتي لكي لايلتبس القصد من السؤال على القارىء .
السؤال :- 
لماذا يقتصر أرتداء ملابس القوات الامنية العراقية عندما يتم ارتكاب جرائم شنيعة ضد طائفة ما !؟ والامثلة هنا كثيرة،منها على سبيل المثال لا ألحصر:-إختطاف وقتل أكثر من 150 منتسب لوزارة التعليم العالي قبل عدة أعوام،إختطاف وقتل رئيس واعضاء اللجنة الاولمبية السابق أحمد الحجيّة مع عدد كبير من الذين كانوا يحضرون معه اجتماع اللجنة في نادي النفط وسط العاصمة العراقية بغداد،إختطاف وقتل شيخ عشيرة الغانم في البصرة قبل ايام معدودة !!!!!؟ ؟ ؟ .
وهكذا يمكننا أن نذكر العديد على شاكلة هذه الجرائم.ألايمكن أن يكون هذا الأجراء ماهو إلاَّ خديعة خبيثة،هدفها خلط الاوراق وتزييف الحقائق يقف وراءها قادة ينتمون للقوات الامنية الحكومية،وهؤلاء ليسوا سوى عناصر طائفية كانوا فيما مضى جزءاً من ميلشيات مسلحة طائفية واصبحوا فيما بعد العام 2008 ضمن تشكيلات القوات الحكومية بعد أن صدر قرار دمجها مع الاجهزة الرسمية اثناء حكومة الجعفري،ولتصبح عناصر تلك الميليشيات ـــ وهذا أمر ليس بعيدا عنها لان معظم تلك العناصر تفتقر الى ابسط درجات الثقافة والوعي الوطني ــ بيادق تباع وتشترى من قبل  ساسة واحزاب متنفذة،تحركها هنا وهناك،لتصفية حسابات سياسية وطائفية فيما بينها،وفي مجمل صراعاتها لاترتقي في أعلى مراتبها وقيمها إلاّ إلى اقتسام النفوذ والسلطة والثروة لاأكثرولاأقل .
ولكي يتم استبعاد الشبهة عن القوات الحكومية وعن تورطها بارتكاب مثل هذه الجرائم،يتم القاء مسؤوليتهاعلى ميلشيات ذات صبغة طائفية معروفة سواء كانت سنيّة أو شيعيّة،مازال البعض منها يتحرك علنا فوق سطح الارض وأخرى تعمل تحتها.
ألايمكن أن يكون هذا أمراً وارداً في بلد مثل العراق،ساسته واحزابه ــ  أثبتت الايام ــ تورطهم بقضايا فساد مالي واداري وسياسي،كانت فيها الشعارات الوطنية غطاءً براقاً لصفقات مشبوهة لم يكن الهدف منها سوى تقاسم الربح من غنيمةٍ إسمها الوطن ؟ 

62



الهوية العربية .. ومَنْ يزدريها

                                                                                                        مروان ياسين الدليمي

يمكن أن نغيّر أيدولوجياتنا،أفكارنا،لغتنا،أوطاننا،جنسيتنا،مذهبنا،طائفتنا، وحتى ديننا.يمكننا ذلك بنفس السهولة التي يمكن أن نغير فيها مكان سكننا.
لكن انتماءنا القومي الذي ولِد معنا،لن نستطيع أبدا أن ننزعه عنّا،ولن يقنع الاخرون ذاك حتى لو حاولنا،فالعنوان القومي يبقى علامة أساسية لفرز الفروقات الشكلية فيما بين الشعوب.
لذا من الطبيعي أن لاننكر أو نتنكَّر أو نخجل من هويتنا العربية..بنفس الوقت ليس من الطبيعي أن نشعر بالفخر والغرور فقط لاننا نحمل هذه الهوية.
وليس من الطبيعي أن يشتمنا آخرون ــ بمناسبة وبدون مناسبة ــ فقط لاننا عرب ! .
وليس من الطبيعي أن نحتقِرَ الاخرين فقط لأنهم لايحملون هويتنا العربية.
أسوق هذا الكلام لأنني أجد الكثير من الكتابات هذه الايام على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ــ تويتر والفيس بوك وغيرها من المواقع الشبيهة ــ معبأة بشتائم وإساءات واضحة لكل ما له صلة بالهوية العربيةــ شخوصا واحداثا وتواريخ ــ حتى ماكان منها نظيفا وليس هنالك مايدعو الى الطعن فيه والاساءة له.
فمايدعو الى الاستغراب في هذا الموضع أن نجد تلك الكتابات تُحمِّلُ العرب ــ وكلمة العرب هنا بمفهومها المطلق ــ كل أخطاء وجرائم الساسة والحكام،ماضيا وحاضراً!!
فهل يصح أن يُختصر شعب ما،بزعيم إرتكب جرائم بحق  شعب آخر !؟ وهل يصح النظرإليه بإحتقار مثلما ينظر الى ذاك الزعيم ! ؟
وهل يصح أن تنسب إلى الشعب بِرُمَّتهِ مسؤولية تلك الجرائم  !؟
مثل هذا الموقف،خاصة إذا ماعبّر عنه مثقفون ــ بما يعكس من خلط للقيم وتشويه للمفاهيم الانسانية ــ يحمل في داخله بذرةَ خطيئةٍ،لأن سياقه قائم على التعميم والاطلاق،وابتعاد عن الموضوعية،واقصاء للمنطق وماتفرضه المسؤولية العلمية من بحث وفرز وتصنيف للوقائع قبل تقييمها.هذا إضافة الى مايحمله من  موقف عنصري لايمكن اخفاءه !
في نهاية الامرهذا الموقف،تنبعث من مفرداته رائحة لايخطىء المرء في تمييز عفونتها،يُشَمُّ منها مشاعر الازدراء والاحتقار لكل ماهو عربي، ويعكس  بشكله ومضمونه ازدواجية الفهم والمعايير في رؤية الذات والآخر .

63


وحدها شجرة الرمان


رواية للكاتب العراقي سنان انطون
مشهدية المكان في احتوائه عوالم انسانية سحقتها الحروب


                                                                                                           مروان ياسين الدليمي


خلال الاعوام العشرة الاخيرة طالعتنا العديد من العناوين الروائية التي انشغلت بموضوعة الحرب بما انطوت عليه من  مساحات واسعة داكنة سلبت الكثير من عمر المجتمع العراقي منذ مطلع  العقد الثامن من القرن العشرين والى مابعد سقوط بغداد تحت الاحتلال الاميركي عام 2003.
جماليات الفوضى
يأتي هذا النص الروائي  ــ وحدها شجرة الرمان ــ ليضاف الى تلك القائمة من الاعمال،فالحرب تتموضع هنا في خلفية الصورة المشهدية لتكون مرجعية واقعية يتشكل من ضراوتها السياق السردي العام للرواية،عبر تواريخ محددة تترشح من دخانها،ولتتداخل تداعيات الاحداث في سياق المبنى الحكائي وفق رؤية تنهض على الخروج من صرامة اشتراطات التسلسل الزمني ــ ماضي، حاضر، مستقبل ــ ومرتهنة بجماليات لاتتيحها إلاّ تركيبية الفوضى ــ بارتداداتها للخلف واندفاعاتها للأمام ــ لتقطيع مسار الزمن الطبيعي.من هنا بدا شكل تبادل المواقع الزمنية مهيمنا في البنية السردية للأحداث كما نظَّر له الشكلانيون الروس في نظرية (التحريف الزمني) لقطع التعاقب الطبيعي للأحداث .
لم تكن حكاية جواد كاظم الفنان التشكيلي ــ وهو الشخصية المحورية والساردة للأحداث بنفس الوقت ــ الاّ ذريعة أراد الكاتب سنان انطون من خلالها أن تكون أداته الاساسية لمعالجة موضوعة الحرب بسردية عالية ومميزة،من دون أن يذهب بعيداً في خنادقها وساحاتها إلاّ في مساحات ضيقة جداً.ذلك لأنَّ الشخصية في البنية السردية تشكل محورا أساسيا عادة مايضعها الكاتب في مقدمة اهتماماته،فمن خلال فاعليتها تنمو حركة الاحداث وتتطور،وبنفس الوقت تنعكس عليها.وهكذا تبقى العلاقة ديالكتيكية بينهما "فالشخصية تقع في صميم الوجود القصصي،فهي اشبه ماتكون بقلب السرد النابض،وتتقاطع عندها العناصر الشكلية كافة بما فيها الاحداثيات الزمنية والمكانية" 1
تضاد الامكنة
كماإحتلت دلالة المكان عناية فائقة في هذه الرواية خاصة وأنَّ حضور المكان  " يشكل عنصرا اساسيا في العملية السردية،بوصفه يمثل الارضية الفكرية والاجتماعية التي تحدد مسار الشخصيات التي يذكر فيها وقوع الاحداث،ضمن زمن داخلي نفسي يخضع لواقع التجربة في العمل القصصي " 2 .
تمظهرت مشهدية المكان في احتوائه عوالم انسانية مركونة في زوايا وامكنة مُغلقة على الحياة(المغيسل/محل غسل الموتى)خاصة وأنها مازالت أماكن بكر لم يطأها السَّرد:"أول ماوقعت عليه عيناي بعد أن قطعنا الممر ودخلنا الغرفة الرئيسة كانت دكة المرمر التي يُغسلُ عليها الموتى،والتي يرتفع طرفها الشمالي قليلا حيث يوضع الرأس،كي يسيل الماء،وكيلا يتجمع.كانت الجدران والسقف مطلية بلون ابيض مائل للصفرة،لكن الزمن والرطوبة كانا قد جعلا بعض المواضع خصوصا في السقف،تتقشر وتبدو كأوراق خريفيةعلى وشك السقوط.توسّطت السقف مروحة بدأت تدور بعد أن كبس أبي الزر على الجدار،نظرت الى اليمين فرأيت التوابيت التي يؤتى بها من الوقف وقد صُفَّت في الزاوية،وفوقها بمسافةٍ نافذة متوسطة الحجم أعلى الجدار تسمح لاشعة الشمس بإضاءة المكان،تحت النافذة كان هناك باب يؤدي إلى حديقة صغيرة فيها شجرة الرمان التي كان ابي يحبها كثيرا وبجانبه مصطبة يجلس عليها احيانا أقرباء الميت وهم ينتظرون ويراقبون،في صغري كنت آكل ثمار هذه الشجرة حين يقطفها أبي ويعود بها إلى بيتنا بنهم.لكنني توقفت عن ذلك بعد أن أدركت بأنها تشرب من مياه الموت " .
ولأن المكان في العمل الروائي لايمكن للكاتب إلاّ أن يوليه الاهمية التي يستحقها بأعتباره " الكيان الاجتماعي الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الانسان ومجتمعه لذا فشأنه شأن أي نتاج اجتماعي آخر يحمل جزءاً من اخلاقية ساكنيه وافكارهم ووعيهم " 3.
من هنا رسم المؤلف مكانا آخر( كلية الفنون الجميلة )ليقابل(المغيسل /مكان غسل الموتى)ويتقاطع معه من حيث المعمار والسِّعة والانفتاح والوظيفة.  
ومابين تناقض وتقاطع هذين العَالمين وانقسامهما،يتأرجح جواد، فالمغيسل بات دلالة على:الماضي /الموت /السكون.وكلية الفنون الجميلة  دلالة على: الغد /الاحلام /الحبيبة ريم.
ومن خلال حضورهذين العالمين،افرغ انطون ماجاءت به الحرب من ذاكرة تراجيدية،ليس من السهل نسيانها والهروب منها، فأستحالت الى كوابيس تعزف لحنها الجنائزي المرعب والموجع في ذاكرته .
جواد لم تمنحه الحياة فرصة أنْ يحيا أحلام يقظته،فلاحقته الخسارات واحدة بعد الاخرى،أولها كانت مع مقتل شقيقه الاكبر امير ــ الذي كان قد تخرج من كلية الطب ــ في معركة تحرير مدينة الفاو عام 88 في نهاية الحرب العراقية الايرانية،ثم السفر المفاجىء لحبيبته ريم خارج العراق من دون أن تخبره،مع اشارة إلى انها من طائفة غير طائفته.وليعلم فيما بعد،انَّ سبب مغادرتها كان لاجراء عملية استئصال لثديها بعد أن استفحل فيه مرض السرطان.لينتهى به الحال عاطلا عن الحياة والعمل لمّا اشتدت أحداث العنف الطائفي بعد العام 2003 .
وبعد فشل سفره الى الاردن وعودته مرغما من الحدودالى بغداد وجد نفسَهُ العاجزة تقوده بكل احباطاته الى محل عمل والده،للعمل مرة أخرى في مهنة غسل الموتى كما كان يريد له والده " لايكتفي الموت منّي في اليقظة، ويُصِرُّ على أن يلاحقني حتى في منامي،ألايكفيه أنني أكد طول النهار معتنيا بضيوفه الابديين وبتحضيرهم للنوم في احضانه ؟هل يعاقبني لأنني ظننتُ بأنني كنتُ قادراً على الهرب من براثنه ؟
1-   مقاربات في الرواية والاقصوصة،بشير الوسلاتي وسعيدان سوسة .
2-   جماليات المكان الدمشقي ،شوقي بغدادي ،مجلة عمان ،العدد 34 سنة 1988 .
3-   الرواية والمكان،ياسين النصير .


64
اصدار جديد  للناقد المسرحي صباح هرمز
(قراءات في المسرح المعاصر،سبعة مؤلفين أنموذجا )
                                               
مروان ياسين الدليمي
كتاب جديد للناقد المسرحي صباح هرمز صدر عن وزارة الثقافة والشباب في حكومة اقليم كوردستان والكتاب من منشورات الدورة الثالثة لمهرجان اربيل الدولي للمسرح عام 2013 . تناول المؤلف هرمز في هذا الاصدار خمسة كُتَّاب عالميين وكاتبان عراقيان.وهم كل مِن:انطوان جايكوف،تينيسي ويليامز، اوجين اونيل،ارثر ميللر، برتولد برخت ،جليل القيسي ،محي الدين زنكنة .
هذا الاصدار للناقد صباح هرمز توفرفيه مستوى عالٍ من البحث والقراءة النقدية لمجموعة مختارة من النصوص المسرحية لكل اسم من الاسماء التي اختارها هرمز لتكون تحت مشرطه النقدي.وقد تتبع الكاتب في آلياته النقدية القيم الفنية التي توفرت في النصوص المختارة لتلك الاسماء التي شكلت فضاءنا الدرامي المعاصر خلال القرن الماضي،ومازالت تستثير القارىء والناقد والمسرحي لاستدعاءها، بالنظر لما تمتلكه من بنية فنية واضحة وقوية باتت على اثرها مرجعا كلاسيكيا واكاديميا للدراسين والعاملين في الحقل المسرحي . مكانة هذا الاصدار واهميته تأتي من كونه يعود الى ناقد مسرحي طالما اتسمت كتاباته ومتابعاته النقدية بالجدية والعمق والجرأة وهو يلاحق المشاريع المسرحية نصوصا وعروضا،من غير أن يكتفي بصيغ المجاملة والاحتفاء التي عاة ماتسود وسطنا الفني والثقافي على حد سواء من غيرأن تتصدى لتفكيك القيم الفنية التي يقوم عليها النص او العرض المسرحي . وقد سبق لهرمز ان اصدر العناوين الاتية:التقليدي واللاتقليدي في المسرح الكردي،مدخل الى المسرح السرياني في العراق،ثلاثة عقود في المسرح الكردي ،قراءة اخرى في المسرح السرياني .




65

مهرجان اربيل الدولي الثالث للمسرح
للفترة من 7 – 13 /10/ 2013

مهرجان أربيل الدولي للمسرح بكردستان العراق يجمع مسرحيي العالم
.

                                                                                                          مروان ياسين الدليمي/اربيل
من البديهي أن الاعداد لمهرجان دولي مسرحي تشارك فيه فرق تنتمي لقارات متعددة،يعد مسؤولية كبيرة جدا ليس من السهل النجاح فيها إلاّ إذا كانت عملية الإعدَاد قد بدأت منذ فترة مبكرة،وتولت لجان متعددة ومختصة مسؤوليتها،كلٌّ تعمل حسب اختصاصها ومسؤوليتها،فالمسألة لاترتبط فقط بتقديم عروض مسرحية،انما تتعلق بجوانب ادارية وتنظيمية لها صلة مباشرة بما يتم يتوفر من ارضية مادية مناسبة لاستيعاب واستقبال الوفود المشاركة في اماكن تليق بهم، وبما يوفر لهم الراحة والهدوء والتقدير العالي،بالشكل الذي يجعل جميع الفرق المسرحية تشعر بأهمية حضورها ومشاركتها في فعاليات المهرجان من دون أن يكون هناك أيّة تفرقة في التعامل فيما بينها،هذا اضافة الى اهمية المحافظة على نوعية العروض المختارة للمهرجان وذلل بالحرص على انتقاءها وفقا للمعايير الفنية التي تضعها إدارة المهرجان،واستبعاد ايّة حسابات اخرى لاصلة لها بتلك المعايير،وهذا ماسيعطي بالتالي انطباعا حسنا لدى المشاركين وجمهور المهرجان.كماسيعزز بالتالي اصرار الفرق المسرحية على المشاركة مرة اخرى في الدورات القادمة .
مسار صحيح
في تقديرنا الشخصي أن مهرجان اربيل الدولي للمسرح الذي تنظمه سنويا المديرية العامة للثقافة والفنون في اربيل ودائرة الفنون المسرحية بوزارة الثقافة والشباب في حكومة اقليم كوردستان قد بدأ فعلا يخطو باتجاه المسار الصحيح الذي اشرنا اليه في مقدمة المقال،اخذين بنظر الاعتبار حداثة مسيرته. فالدورة هذه هي الثالثة من عمره منذ أن بدأ مسيرته قبل ثلاثة أعوام.اضافة إلى حداثة التجربة بالنسبة الى القائمين على تنظيمه.وقد بدا واضحا أن ادارة المهرجان تجاوزت  بشكل كبير  الثغرات والهفوات التي صاحبت الدورتين السابقتين سواء في الجانب التنظيمي أو العروض المشاركة،فالتحسُّن بات واضحا بشكل ملموس في هذين الجانبين. 
تنوع المشارَكَات
شهدت دورة المهرجان هذا العام مشاركة سبع فرق مسرحية من جنسيات اوربية وعربية وتم تقديم14عرضامسرحيا خلال سبعة ايام،وقد جاءت الفرق المشاركة من:فرنسا،المانيا،بيلاروسيا،السويد،كتالونيا،وتونس ،المغرب، أوغندا ،بغداد، اضافة الى ثلاث فرق من كوردستان العراق.
بطبيعة الحال يعكس تنوع الفرق المشاركة سِعة أفق ادارة المهرجان وحرصها على أن يكون هذا الملتقى الفني الدولي،نقطة التقاء واسعة تقام عليها أسس  حوار جاد ومثمر لثقافات متنوعة في إطار الفضاء المسرحي.
والفن المسرحي بما يملكه من ادوات اشتغال فنية ــ نضَجَت عبر مسيرته التاريخية الطويلة ــ يتمحور عمله على مفردة التفاعل مع المتلقي ،اضافة الى كونه حقل فني ومعرفي لتبديد الظلمة عن جمال العالم،وذلك عبر مايرسله من خطاب فني تتكامل فيه عناصر سمعية وبصرية لتبرق من خلاله رسائل طمأنةٍ للأنسان في وجودٍ يسودهُ الخوف والاضطراب وذلك عن طريق اشاعة الوعي في ذاته القلقة وهي تبحث عن الحقيقة.
والمسرح في هذا الإطار من بين بقية الفنون هو الاكثر فعالية وجمالية لتحقيق هذه القيم النبيلة بشكل واقعي وملموس بعد أن بدَّدَت السياسةُ أحلام الانسانية في تحقيق مناخ آمن ونظيف للتعايش والحوار.
هذا اللقاء الدولي ستبدو بلاشك نتيجتة واضحة ــ شكلا ومضموناً ــ على صورةِ المسرح الكوردي مُستقبَلا،ومن خلاله سيكتسب خبرة عالمية تضاف الى رصيده المحلي ــ وهو أحوج مايكون اليهاــ ستؤهله بالتالي  للخروج نحو افق دولي يتسع لأحلام الواسعة . 
ومما يدلل على جدية ادارة المهرجان في الاخذ به نحو مسار سليم وطموح حتى يصل في هيكليته التنظيمية والفنية بمستوى المهرجانات الدولية أنْ عهدت مسؤولية لجنة تحكيم المهرجان الى نخبة ممتازة من الاسماء المسرحية الرصينة والمعروفة على المستوى الدولي،فقد ترأس اللجنة البريطاني البروفيسور روبرت لينج وسكرتير اللجنة د. فاضل جاف ،أمّابقية الأعضاء فهم كلُّ مِنْ:الناقد المسرحي المغربي عبد الواحد بن ياسر، وكريستوف بلا تيد مدير بيت المسرح الالماني،والمخرج الايراني قطب الدين صادقي.
بروتوكل تعاون
شهد المهرجان بالاضافة الى العروض المسرحية حضور وفد مصري كبير ضمَّ عددا من نجوم المسرح والسينما والتلفزيون في مقدمتهم النجم فاروق الفيشاوي وصفية العمري وسامح الصريطي وسامي مغاوري وخليل مرسي وايتن عامر ووفاء الحكيم وغادة طعمة وفاروق الرشيدي وعمر عبد العزيز وكمال عبد العزيز ومحمد ابوداؤود والمنتج محمد فوزي ورئيس اتحاد الفنانين العرب مسعد فودة،والأمر المهم في المشاركة المصرية هو:توقيع اتفاقية مشتركة مابين نقابة فناني كوردستان ونقابة المهن السينمائية ونقابة المهن التمثيلية.وقد وقع الاتفاقية عن الجانب المصري الفنان سامح الصريطي ممثلاً عن نقابة المهن التمثيلية إضافة إلى مسعد فودة رئيس اتحاد الفنانين العرب.وتهدف هذه الاتفاقية الى تفعيل سبل التعاون المشترك مابين الجانبين في إطار تبادل الخبرات والمشاركات في المهرجانات والفعاليات الفنية،اضافة الى تقديم كافة التسهيلات الانتاجية لتحقيق العمل المشترك مابين الجانبين.
أمَّا فيما يتعلق بالجانب الفني الذي ظهرت عليه العروض المسرحية المقدمة في المهرجان ــ خاصة ماقدمته الفرق الاجنبية ــ فقد لوحظ عليها اهتمامها بالرقص بشكل اساسي،كذلك الاعتماد على لغة الجسد في مقابل تهميش عنصر الحوار القائم على الكلمة المنطوقة،وقد تجلى ذلك واضحا في العرض الالماني والبلاروسي والفرنسي.ويعزى ذلك بتقديرنا الى محاولة تلك الفرق تجاوز عقبة اللغة في عدم قدرتها على ايصال الافكار الى جمهور الحاضرين الذي ينتمي الى لغات  مختلفة وثقافة متنوعة وهذا مايشكل بالتالي عائقا يمنع التواصل والتفاعل مابين العرض والمتلقي.لذا كان خيار الاعتماد على لغة الجسد هو الأسلم،اضافة الى إن المراهنة على مايختزنه الجسد من طاقة دلالالية تتيح للمخرج أن يتحرك بها في اطار تشفيري يمنح العرض فضاء تأويليا تعجز اللغة الادبية عن تحقيقه.وقد انعكس هذا بطبيعة الحال على مستوى القدرات الحرفية/الجسدية العالية لممثلي وممثلات الفرق الاجنبية،مقارنة بالممثلين العرب والكورد.







66


رواية ..القريبة كاف
للكاتب الجزائري ياسمينة خضرا *

      
               لاعَمى أسوأ مِنْ ألاّ يلاحظ َأحدهم وجودك
                                        
                                                    
                                                                                                     مروان ياسين الدليمي

الناشر :دار الفارابي
ترجمة :نهلة بيضون  
الطبعة الاولى : 2011

تقنية الغموض
حبكة متواترة ومتوترة وعدد محدود جدا ًمن شخصيات تبدو وكأنها ظلال  نماذج مسرحية لكافكا أويوجين يونسكو أوهارولد بنتر،تتحرك تحت مساقط  ضوء على خشبة مسرح ذي بنية معمارية دائرية،لاتتيح لنا بشكلها هذا أن نراها واضحة،فيكتنف ماضيها غموض وظلال قاتمة،لم يشأ المؤلف أن يكشف شيئا عنه،ولاعن المكان الذي تنزوي فيه.إلاّ أنَّ القارىء يشعر بها وبأعبائها النفسية والوجودية.
تقنية الغموض إستعارها المؤلف من تضادات التعبيرية ومسرح العبث،فلعب على أوتارها،مُجَرِدا ً الشخصيات من أسماءها ودلالاتها،بأستثاء شخصية الأخ الاكبرأمين ـ الضابط في القوات المسلحةـ فبأستثناءه إرتأى المؤلف أن يختار التجريد أسلوبا في تقديم شخصياته،تحيط بهم بيئة صحراوية قاسية غير مؤطرة بخارطة جغرافية معروفة،إنعكست بقساوتها وتجريديتها على تركيبتهم النفسية،فكانت تبدو أمامنا حيوات مأزومة بعلاقتها الوجودية مع ذاتها وعلاقتها مع الآخر.
ينكشف التعارض بين الذات والموضوع ــ الذي هو الوحدة المركزية في الفلسفة الوجودية ــ في شخصية الأخ الأصغر الذي هوالشخصية المحورية /الساردة للاحداث. ومحور أزمته هو أستلاب الآخرين لذاته(الأم،القريبة كاف،الأب المشنوق وماضيه الغامض) وعجزه عن أستعادتها بالتواصل مع ذوات الآخرين .
المُنجَز الشّكل
الكتابة عن المحتوى في هذه الرواية لايشكل أولويَّة ازاء ماتُشكِّلهً تقنية الكتابة من قيمة فنيّة لجأ اليها المؤلف ياسمينة الخضرا. وبذلك يتفق نَهجَهُ مع ماجاء في مقالة ٍعنوانها(التقنية بوصفِها إكتشافا ً) للناقد مارك شورر:"النقد الحديثْ أظهر لنا،بأنَّ الحديثَ عن المُحتوى في حدِّ ذاته ليس حديثا عن الفن أبدا ً،ولكن حديثا ًعن التجربة.وأننا لانتحدث بوصفنا نقادا إلاّ حين نتحدث عن المحتوى المُنجز/الشكل،أي العمل الفني بوصفه عملا فنيا ً،والفرق بين المحتوى أوالتجربة والمحتوى المنجزهو التقنية. إذن فحين نتحدث عن التقنية فإننا نتحدث عن كل شيء تقريبا " . وفق هذا المنظورالنقدي فإنَّ المفردات التقنية الكلاسيكية في البناء السردي (عقدة وشخصية ومحيط وفكرة مركزية) لم يعد ينحصر حضورها في بنية الرواية فقط بل تعدى ذلك الى النص المسرحي.ولم يعد لها تلك الاهمية مقابل تطبيقات أخرى تتعلق بالعلاقات التي ينبغي على المؤلف الأخذ بها وتتضمن :-علاقة المؤلف بالسارد،وعلاقة السارد بالقصة،والطرق التي بواسطتها يوفران مدخلا إلى عقول الشخصيات وأمور تخص وجهة النظر.
السَّارد المُمسرَح
يفتتح المؤلف ياسيمنة خضرا روايته بهذا الأهداء: "الى اصدقائي في جمعية محبي الأدب البوليسي إلى المسافرين المدهشين الذين صادفتهم في الرحلة من سان مالمو إلى دابلن،إلى الأسبوع الزنجي في خيخون،إلى كل اصدقائي ". عتبة الاهداء هنا تعد مدخلاً مهما للقارىء وهو يتهيأ للدخول الى المبنى الجمالي للخطاب السردي في رواية القريبة كاف،بواسطتها منَحَنَا الكاتب إشارة فنية حول تقنية الكتابة بإطار بوليسي،ومن خلال هذا الإطار قصد تقديم سرديته،ومايتبع ذلك من عناصرأخرى شكلت  قيما جوهرية في أسس المعمار الفني ألذي شاءه لهذا العمل كالبِنية والصورة،والاستعارة،والرّمز التي تفرض حضورها في السرد بأعتبارها تقنيات يتم اللجوء إليها لتحقيق موضوعيته بأعتبارها وسائل قوية في تمثيل الوعي .
السارد في رواية القريبة كاف يأتي بناءه ضمن صيغةالسارد المُمَسرح الحامل لصفاتِ شخصية ٍ،كما يسمِّيه الناقد واين بوث حيث يستحوذ لوحده ــ مُهيمنا ً ــ على سرد الأحداث،إنطلاقا من وجهة نظره التي يكشف فيها مايختبىء داخله من أحاسيس ومشاعر تجاه العالم الأجرد الذي يحيط به في قريته( دارة يتيم)وتجاه القريبة كاف التي يعشقها ويكرهها بنفس الوقت لأنها تعرف كيف تستفزَّه وتستهزىء منه،كذلك تجاه والدته التي لاتشعر بوجوده،ومن خلال هذا السارد المُمسرَح الحامل لصفات ِشخصية ٍ،يوصِلُ المؤلف القِيَمَ والافكار الى القارىء:"الزمن يمضي ولاينتظرأحدا ًوكل مراسي العالم لاتستطيع أن تمسك به،لامرفأ يعود إليه،الزمن إنّه مجرد ريح تعبر ولاتعود أدراجها " .
إعتمد ياسمينة على تغيييب السارد المُنتِجَ للرواية مقابل إستحضار شخصيةالسارد الأوحد الذي يحكي لأنَّه يدرك الاحداث،باعتباره الشخصية المحورية التي تدرك وتسرد الاحداث بنفس الوقت من وجهة نظرها  لوحدها.والسارد هوالأخ الأصغر لعائلة مؤلفة من الأم وشقيقه الأكبر أمين وشقيقة متزوجة لاوجود لها في حياة العائلة حتى أن الأخ الأصغر قد نسي أسمها. "وعلى غرار سمك الشَبَق الذي قُبلتُهُ لاتنفصِلُ عن عضَّته"الأخ الأصغرلايحالفه التوفيق في كسب حُبِّ الأخرين،رغم دافع الحب الكبير الذي يحمله لجميع من يرتبط بهم ضمن دائرة العلاقات الأجتماعية لعائلته.
بأستثناء مايحمله الأخ الاكبر من حب له،لكنه هو الآخر سيغيب طويلا بعد أن يُصبح جنرالاً عسكريا مَرموقا.ورغم مثابرته لأجل أن يُعبِّر ويعكس مافي داخله من مشاعر الحب،إلاَّ أنَّ اسلوبه الأخرَق بات سببا في أن يجعل من يرغب في كسب مودَّتهم لايعيرون له أهمية رغم مايبذله من إسراف في بعض الأحيان للتعبيرعن دوافعه،بما في ذلك الشابة الذكية القريبةالنّسب المُدللة كاف،والتي تعدًّه كريها في أريحيته "أخفقتُ في كل المساعي التي بذلتُها لكي أستحقِّها رغم أن مساعيِّ كانت محمودة،لكن مافعلته لم يكن كافيا،إن الخير المصنوع بصورة سيئة هو إساءة لاتُعذر لسببين.لإخفاقها أولا.وللأنتقاص الذي تتماهى معه ثانيا ً،أمّا الشَّرالذي يَنفذُ بجلدِه فهو نجاح خالص،وكل خيرات الأرض لن تبلغ كاحله ".
تَسكُنُ الأخ الاصغر مشاعر مضطربة تتأرجح مابين الغيرة والحسد والاحساس بالدونية والعَدَم،ليسقط أسير حالة نفسية جوهرها العجزعن كسب تفاعل ومحبة الأخرين:"لاأكترث للحاق بالرَّكب،والمضي إلى عَثرات ٍأخرى،لاأعبأ بترقب العودة الخَلاصية لمسيح ما.البشر يضايقونني.الغدوات لاتغريني.خساسات الارض لاتطالني.لاأهتم لحُلم يموت أكثر من أهتمامي بورقة شجرة دلب لطَّخَها الخريف.أبقى خلف مرآتي،حصنا ًمنيعا ً،ألوذ بلحظاتِ وحدتي وأصغي،وهو فضولٌ لايورِّطني في شيء ". .
حياة هاربة
في صباح يوم بعيد عندما كان الأخ الأصغرفي الخامسة من عمره وجد والده مشنوقا ً بطريقة مهينة في زريبة حيوانات البيت وهوعار ٍ من رأسه إلى أخمص قدميه،مفقوء العينين وقضيبه في فمه.هذه الصورة تركت أثرا ً عميقا ًفي داخله،حتى أنه لم يرجع إلى الزريبة مرة ثانية كما كان يفعل للتَّنعم بمشاهدة العجل الصغيرالذي كانت بقرتهم قد ولدَته قبل أيام معدودة من الحدث :"لن أتعلق بعد اليوم بما ليس بوسعي أن أحافظ عليه ". ايضا الأهتمام المُفرط والحميم من جانب والدته بشقيقه الأكبر أمين الضابط في الجيش الجزائري يترك أثرا ً مؤذيا ً لذاته.هذه المؤثرات دفعته لأنْ يتوارى وينعزل "تعلمتُ منذ نعومة اظفاري أن أختبىء.لم أكن خائفا ً،ولاأحدَ كان يلاحقني.أختبىء حالما أتوارى عن ناظري أمي.يتراءى لي،كلما أشاحت ببصرها عني،أنني أختفي،وأكف عن الوجود".
الأم سيدة ثرية تهيمن على كل شيء في قلب دارتها الشبيهة بالحصن "يحني الناس رؤوسهم حين يخاطبونها بل يكادون يخرّون ساجدين أمامها.في البداية كان الأمر يحرجها.ومع الوقت،طاب لها هذا ألاسراف في التبجيل وتملق المتزلفين وطعم الامتيازات،فتنامت لديها متعة ماكرة بالاشراف على عالمها من عل لكي تُحسن تمريغه في الوحل" . لم تنطبع شفتاها يوما على وجنتيِّ ابنها الاصغر،ولامسّدَت أناملها شعره،وبنفس الوقت لم تضربه ولم تحرمه من شيء،يعيشان معا ولكن كل منهما يتجاهل الآخر فكان يشعرُ كما لو أنه وصَل سهوا ً إلى سيركٍ غادره روَّاده . بينما كانت الأم تبتسم على حين غرّة عندما تتكور القريبة كاف في أحضانها أو إبنها الاكبر أمين،فيتوهج وجهها الجامد القسمات،توهجا ً أشبه بهالة من نور.حتى أنّهاالتعاسة كانت تتملكها حين تشعر أن فلذة كبدها الأبن الاكبر لايعير لها اهتماما ولو للحظة.ولم تسمح لأي شخص أن يطأ غرفته عندما يكون غائبا ً،فالغرفة بالنسبة لها أشبه بمعبدٍ،وهو طفلها المدلل الذي لاترتضي لنفسها أبدا ً أن تسرقه منها( أمَل )المرأة الشابة التي إختارها أمين لتكون زوجته فجلبها معه إلى بيت والدته بعد غيبة طويلة في المدينة البعيدة التي يؤدي فيها واجبه العسكري.
 حياة الأخ الاصغر وسط بيئة كهذه كانت تهرب بغباء،يوما بعد يوم،ليلة بعد ليلة،وتستثير رغبته بالرقاد حتى يُقبِلَ الموت،إلاَّ أن َّ قراءة الكتب علمته أنَّ الكتابة تمرين إنهزامي،ومحاولة للهروب إلى الأمام،كان يقرأ كما ينبش المرء حقائق مكروهة ليصل الى قناعة كان سارتر قد سبقه في التوصَّل إليها :"الجحيم هو الآخرون ". لم يكن يعيش حياته،مكتفيا ً بوجوده كأخدود ٍ على دربْ :"فليذهب الزمن الى الجحيم ! حين لاتكون القريبة كاف  هنا،بالكاد تستحق الأمورأن يتلكأ عندها المرء " . تولدت لديه مشاعر غيرة وانتقام من القريبة كاف.الفتاة النّابغة التي تحصد الجوائز في المدرسة،والتي كلما تجيء الى بيتهم تستحوذ على كل الأهتمام،الكل يدور في فلكها،فاأدرَك أن َّالاعمى ليس من لايُبصِر،بل من لانُبصِرهُ،ولاعَمى أسوأ مِن ألاّ يُلاحِظ َأحدهم وجودك.هذه المشاعر الشريرة والحقودة كانت كافية لأن  يتورَّط بدفع القريبة كاف ــ بينما كانت تلهو وتلعب ــ لتسقط في بئر يقع وسط مزرعة قديمة مهجورة،وليعود هو إلى الدار وكأن شيئا ً لم يكن :"لا لأنني لم أدرك ماذا فعلتْ بل لأنني أعتبرتُ فقط أنَّه لاداعي للندم عليه ". يتم العثور عليها في أعماق البئر وقد كُسِرت إحدى ساقيها وجحظت عيناها رعبا ً.وباتت الظلمة ترعبها وتمضي وقتها تُنقََلُ من عيادة إلى مصحة عقلية.ولم يُخامر الشك أحدا ً بان ألأخ الاصغر هو من قام بتلك الفعلة  . وفيما بعد ستدفعه المشاعر نفسها لأن يقتل فتاة غريبة بائسةٍ،يقذف بها سائق تاكسي من سيارته،ويغادر مسرعا لتكون أمام قدرها المحتوم  في بقعة موحشة سكانها يكرهون الغرباء،ولامِن سيارة أجرة تعيدها الى بيتها في ساعة الغروب،فأهل القرية يعتقدون أن السَّفر في الليل يجلب الشؤم،لذا يتوجب عليها التريث حتى الصباح،وماكان أمامها سوى قبول دعوته لها للمبيت في دارهم.
ولأنه سجين نفسه،وفي آن واحد سجينٌ وسجانْ،يقبع طيلة حياته في جزيرة عنوانها الانتظار،جزيرة أقصيت من حولها ألآفاق.فيشعر وكأنه يتعفَّن في مأوى للعجزة.فجأة تندفع مشاعر بغض وكره تراكمت في ذاته نتيجة  تجاهُل ٍ كان قد لقيه من الأم والقريبة كاف،تنفجر دفعة واحدة عندما يجد أن الفتاة الغريبة هي الأخرى مثل القريبة كاف تنتقص منه وتعامله بتجاهل فلاتطلب منه أي شيء :"مامعنى أن لاتطلبي مني شيئا ينقصك،مالعيب في أن يرغب المرء بإسداء خدمة،أو بمدِّ يدِ العون،أو التصرف بأريحية ؟ " .فتهرع يدهُ من تلقاء نفسها لتتناول سكينا ً وتبدأ بطعن الفتاة،ولم تفلح الدماء التي لطخت ثيابه والجدران من أن تجعله يصحو من سكرة اندفاعه المحموم،ولاحتى الصمت الذي أعقب الطعنات المتلاحقة،ظل مستسلما لشعور فادح ٍ ماأنفك يلازمه على أنَّ وجوده عدم،وأنْ لاأهمية له طالما الاخرون ليسوا بحاجة إليه :"في أعماق محنتي،أنني ماكنتُ لأغير شيئا حتى لو شئت ذلك حقا "

*ياسمينة خضرا هو أسم زوجة الكاتب الجزائري محمد مولسهول، إستعاره ليكون إسما فنيا ً يطل من خلاله الى العالم .

67
المنبر الحر / الخاسر الوحيد ...
« في: 16:02 12/09/2013  »
الخاسر الوحيد ...
                                                                                                                مروان ياسين الدليمي

بين ليلة وضحاها وبعد انتفاضة السوريين في 18 آذار 2011 على نظام الأسد أصبح أللون الاسود أبيض والابيض أسود لدى الساسة في العراق ــ بكل عناوينهم الطائفية التي يقدمونها فعلا وسلوكا وواقعا ملموسا ًعلى عنوان انتماءهم للوطن ـــ انطلاقا من دوافعَ تضيقُ أمام مصلحة الوطن،وتتسع امام مصلحة الطائفة..
ساسة ٌلاضمير يوخزهم عندما يُطعَنُ وطنهم من الخلف أكثر من مرةٍ طيلة الاعوام التي أعقبت العام  2003 مِن قِبلِ نظام شمولي يحكم سوريا طيلة 40 عاما،سبق للعراقيون أن عانوا من توأمِه ِ 35 عاما قبل أن يسقُط .
وأنسياقا ً مع فكرهم الطائفي لايتردد ساستنا في أن يمدّوا يدَهُم لمصافحة من طعَنَ أهلَهُم أكثر من مرة ٍ دون أن يُفرِّقَ ساعة الطَّعن بين طائفة وأخرى..
في حقيقة الأمر لن يكون محتوى وشكل هذا التفكير إلاّ لساسة مُنحرفين في ولاءاتهم وانتماءاتهم ، ساسة ليس لهم وطن واحد ينتمون له ويدافعون عنه ويبذلون كل مافي وسعهم لإعلاء شأنه بين الامم..إنما لهم وطن ٌ ثان ٍ،هو الأهمّ ُ والأجملْ، فيه يقضون أكثر أيامهم بذخا ًوترفا ً تعويضا عن الذي فاتهم أيام النضال بما ينهبونهُ من الوطن الأول هُمْ وعوائلهم.
عشرة أعوام تسيّد فيها هؤلاء الساسة،المشهد السياسي،فسحقوا دونما رحمة وطنهم الاول بكل اساليب النَّهب،والتدميروالقهر لن نشهد لها مثيلا في أي بلد آخر،وكأن َّلاصلة تربطهم به،وكأنَّهم جاءوا لينتقموا منه ومن أهلِه ِجزاءً وقصَاصَا ًللسنوات التي قضوها في منافيهم،مع أن أختيارهم لطريق المعارضة السياسية ماكان إلاّ بإرادتهم،وهذا مايفرض عليهم أن يتحملوا ثمن هذا الاختيار،لا أنْ يحمِّلو تبعاته لوطنَهم . . فأوغلوا كثيرا ً في تعميق الانقسام الطائفي بين ابناء البلد الواحد،وكلُّ واحد منهم إحتمى بما هو طارىء وشاذ على فكر طائفته،كماأرادات وخططت له القوى الكبرى سعيا ًمنها لتفتيت مجتمعات المنطقةالعربية إلى إثنيات وطوائف وأعراق منعزلة بعضها عن البعض الآخر،لتَسودَ بينها مشاعر كُره ٍوشكٍّ وتخوين ٍوتكفير،لأجل أن يتمَّ تشكيل شرق أوسطٍ جديد تُغيَّبُ فيه الهويّة الوطنية الواحدة،لتحلَّ بدلا عنها هويّات فرعية لدويلات صغيرة هشة يمكن السيطرة عليها.
هؤلاء الساسة حاولوا ونجحوا إلى حدٍ كبير في أن يُفرغوا وطنهم الأول من قواسم مُشتركة،تربط أبناءه،بمختلف مكوناتهم(عاطفية،إجتماعية،تاريخية،دينية،نضالية)واخذوا به الى ساحة مُلتبسةٍ هي ليست ساحته،ومعركةٍ ليست معركته،وسيكون بالتالي هو الخاسر الوحيد فيها،ولن يخسروا هُم فيها شيئا،مهما بدت النتائج إنتصارا لطائفة على حساب طائفة إخرى.

68



الفراشة الزقاء.. رواية للكاتب اللبناني ربيع جابر

              
           قصديةُ الشّكلِ،وتحطيمُ العلاقةِ مابينَ المَرئي والمُتخيَّلْ
                                                          


مروان ياسين الدليمي

الطبعة الثانية 2013
عدد الصفحات 192
الناشر:التنوير/ للطباعة والنشر والتوزيع/لبنان

ماوراء القص
أيّ عمل إبداعي يصل الى مرحلة متقدمة من النضج الفني،هذا يعني أن: المؤلف قد تمكن خلال رسالته الفنية الامساك بالخيط الرفيع الذي يفصل مابين عالمين متناقضين ومتقاطعين ــ الواقع والخيال،المنطق واللامنطق،المرئي واللامرئي،الحقيقة والوهم ــ في لحظة جمالية يكون فيها مُستقبِلُ العمل مُوزعاً بين خليطٍ من مشاعر مختلفةٍ تتوزع مابين الدهشة والغموض والمتعة والتأمل والاستفزاز،متأرجحاًعند نقطةٍ تتقاطعُ وتتداخلُ فيها الوقائع والاوهام في آنٍ واحد.والنص الروائي(الفراشة الزرقاء)سار المؤلف فيه بهذاالاتجاه،وبدامُنسجماً مع ماجاءت به كتابات ماوراء القص التي تمظهرت في"اهتمامها بالعلاقة بين الواقع والتخييل.فالواقع لم يعد قابلا للفهم،والتاريخ ليس أكثر من رواية.كماأهتمت بقضية اللغة وعدتَّها نظاماً اعتباطياًاستبدادياً.وناقشت الحالة المفارقيةلسلطةالمؤلف،وجعلته بلاسلطة أحيانا.وأبرزت إلى الواجهة خيالية الروايةوالواقع على حد سواء". هذا ماوردفي كتاب الناقدة د.أماني ابو رحمة المعنون (ماوراء القص). من هنا لم يكن من السهل إستقبال مايُسرَدُ من تفاصيل داخل الحكاية الرئيسية التي بَنى عليها ربيع جابر عمله،وهذا يعود الى " رفضه للوسائط البنيوية التقليدية في سرد الحكاية ." كما يقول شانون وليامز ومايتبع ذلك من تغير جوهري في وظيفة السرد، ليذهب المؤلف في مخطوطته السردية الى انعطافات حادة ".
 قصد المؤلف أن يضَعَنا أمام تجربة جمالية تكون فيها ذائقتنا أمام تحدٍ،وهذا يستوجب منّا تفكيك ماتكدّس لدينا من اتفاقيات فنية في السرد في منظومتنا النقدية،فلم يكن من السهل علينا ونحن نقرأ النّص التوصل بسهولة الى معرفة أسم السارد/المؤلف الروائي داخل النص،وهو بنفس الوقت شخصية الحفيد الذي أُطلق عليه نفس الاسم الذي كان يحمله جده الاسكافي انطون الذي وجد مقتولا في دكانه يوم الاثنين 12 تشرين الثاني عام 1877 في بيروت،بعد ثلاثة أيام على مقتله من قبل رجالٍ من أهالي الجبل،أخذاً بثارٍقديم عليه. " خَالةٌ من خالاتي،لاأعرف مَنْ بالضبط،إقترحت أن يسمّوني سليم.لكن أبي حسم الموقف،فأطلق عليّ إسم نورعلى سبيل الدعابة ". وبعد أن يكتشف صدفةً خبر مقتل جدِّه في أرشيف مكتبة الجامعة الاميركية التي يَدرُس فيها،يطلب من صديقه الذي يشاركه الغرفة في البناية المخصصة لطلبة الجامعة أن يناديه بأسم انطون.  " ألأحساس الذي انتابني،عقب قراءة تلك الكلمات المرسومة على الشاشة الخاصة بآلة الميكروفيم،كان شديد الوطأة.فجأة بدا لي أن العالم كلّه مزيّف.كأن أنطون الصغيرالذي أسموهُ على أسم جدِّه المقتول في بيروت لم يولد قط.كأنّ بلدتنا بلدة خيالية.كأنّ غرفة الميكروفيلم ليست موجودة داخل حرم الجامعة بل فوق سطح القمر.كأنّ الجامعة ذاتها هي غير حقيقية.واستمرذلك الإحساس للحظات معدودة.فكأنّ كل شيء مزيَّف،ولا شيء حقيقي إلاّ هذا الاحساس للحظات معدودة الذي يستولي عليّ بسبب من هذه الكلمات المنشورة في صحيفة من القرن الماضي " .
تفكيك اتفاقيات القصة
المؤلف جابرلايتردد في استفزازالقارىءعندما يأخذ بنية خطابه الروائي نحو منطقة يستثمر فيها تقنية الاسطورة ليصبح المنجز الفني بالتالي تجسيداً وتشخيصاً منطقياً لكل ماهو غير منطقي.هنا تكمن الحرفية العالية للمبدع في التعامل مع أزمنة متناثرة متباعدة بأحداثها ووقائعها وشخصياتها.فالكتابة الابداعية وهي تدخل مشغل السرد الروائي لاسبيل امامها للوصول الى جوهر الاشياء والدلالات إلاّ أن تنطلق فيها مخيلة المبدع من عتبة الحرية وهو يصبو إلى بناء عالمه السردي وفق منطق التصور والافتراض على اتساع مخيلته.وهنا يشير (شانون وليامز) في مقالته المعنونة(خصائص الرواية في مابعد الحداثة):"أدب مابعد الحداثة يطبِّق فوضى الوجود المعاصر على اشكاله ويسعى إلى تفكيك اتفاقيات القصة من أجل فضح زيف الاسطورة التي تروج لنظم عقائدية مستندة إلى الوهم "  .
تخطى ربيع جابر أساليب السرد التي راكمتها الرواية العربية التقليدية عندما لجأ إلى آلية بناء المشغل السردي في كتابات ماوراء القص،وفيها يطل السارد بين فترة وأخرى ليعلن عن حضوره ." أقرأُ الجملة الاخيرة فلا أعرف ماذا سأكتب بعدها،وأحسُّ بألمٍ في صدري،وأفكِّر بأن عليَّ أن أرمي القلم من يدي وأن أمضي إلى السرير ". وفي مكان  آخر من الرواية ."أراقب البُخار يتلوّن بضوء اللمبة الصفراءأفكِّر أني وصفت هذا المشهد في رواية سابقة ".. وبهذا الصدد تقول  ليندا هتشيون:"رواية عن الرواية،أي الروايةالتي تتضمن تعليقاًعلى سردها وهويتهااللغوية ".  
انطون/السارد/المؤلف الروائي داخل الرواية،إلى جانب كونه طالب ماجستيرفي الجامعة الاميركية في بيروت،هو كاتب روائي. " كتبتُ تسع روايات ونشرت ثلاثا ًمنها ". وهوعلى وشك البدء بكتابة روايةجديدة.فالذاكرة تختزن الكثيرمن الحكايات منذ ايام الطفولة.  " هناك في البداية حكايات جدتي عن أخيها الصغير،وعن جوزف وجورجي بابازواغلي،وعن معمل تحرير الحرير من دودة القز وصاحبه الفرنساوي بروسبر بورتاليس.حكايات سكنتني منذ ايام الطفولة " . ولأنَّه لم يكن مستعداً للبدء بمشروع روايته الجديدة طالما لم يجد أنَّ ماتختزنه الذاكرة غيركافٍ لكي يصنع منها رواية إلاّ أنّ لحظة الشروع جاءت بعد فشل تجربة عاطفية عاشها مع س. "وبعد أن تركتني(س)ومضت بعيدا اكتشفت فجأة انني قد وصلت إلى البداية لتوّي.....سأكتب رواية،قُلتْ.وقلتُ إنني سأبدأها بجنازة جدتي " .
بنية الزمن
استثمر ربيع جابر مهنة الشخصية المحورية ــ بأعتباره يعمل مؤلفا روائياً ــ ليرسم مُخطَطَاً هندَسياً شيَّدَ على أساسه بنية النص،عبرمعمارفني إنشطرت فيه الحكايةالى شظايا،توزعت على أربعةأزمنة:الماضي،الحاضر،المُتخيَّل،الحُلم.هذه الازمنة تقاسمت الحضوربشكل متدفق وسريع قائم على استثمارالبناء المتوالي الذي تتيحه آلية المونتاج السينمائي في البناء السردي للحكاية بكل تشظياتها الزمنية والمكانية،لتتوالى حركة الازمنة(تقدماً ورجوعاً)في سرد الحكايات على لسان أبطالها أو على لسان(السارد/المؤلف الراوي داخل النص/الشخصية الرئيسة)،أو على لسان(السارد/المؤلف/الضمير الغائب).وتم تقطيع النص إلى حكايات كما لوأنها مُقاربة شكلية مع التقطيع الحاصل في المعالجة الادبية لبناء سيناريو الفلم السينمائي قبل مرحلة(السِّكْرِبْت) أي المخطوطةالتنفيذية:حكاية دخول جدتي في معمل بورتاليس /كيف تحولت جدتي من عاملة بسيطة الى/ جملة اعتراضية/حكاية الفراشة التي طارت/جدتي تداعبني / جوزف/ لكنه ليس انطون / الرؤية في الظلام /حياة وموت جوزف بابا زغوالي .
فالرواية حبكة فنية لمجموعة من الحكايات المرتبطة والمتشظية مِنْ مَتنٍ واحد:حكاية يوسف وابنه سهيل/حكاية سهيل وابراهيم البخعازي/حكاية الشقيقان جوزف وجورجي وصديقهما سليم/حكاية حب جوزيف لزهيّة/حكاية زواج زهيّة من سليم/حكاية زهيّة ودخولها معمل بروتاليس لتحرير الحرير/عودة جورج من الغربة بعد اربعين عاما .

الحكاية
مع منتصف القرن التاسع عشر وعلى اثر تداعيات انهيار الامبراطورية العثمانية شهدت مستعمراتها العربية ومنها بلاد الشام جوعا كبيراً إضافة الى أن هذه الفترة كانت بدايةً وصول علامات النهضة الحديثة إليها،جاء بها مبشرون ومستثمرون مغامرون غربيون سبقوا الجيوش الفرنسية والانكليزية في الدخول اليها.بنفس الوقت كانت هذه الفترة بداية الهجرة الاولى للعديد من ابناء الشام الطامحين الى الثروة والعمل الى أميركا وافريقيا،وكان من بينهم جبران خليل جبران،كذلك يعقوب صروف وفارس نمر اللذان اصدرا مجلتي (المقتطف والمقطّم)في مصر،إضافة الى جورجي زيدان الذي كان ينشر مقالاته في المجلتين المذكورتين،وزيدان يرد ذكره في النّص بأعتباره صديق الطفولة والشباب لسهيل بابازواغلي قبل أن يسرق الاسوارة من الصائغ الاعرج ويودع في السجن.أيامها كان زيدان يعمل مع والده في ادارة فندق في منطقة بتاتر،في لبنان ويحرص على قراءة الكتب التي يجلبها له سهيل بعد أن يسرقها من المكتبات،أي قبل أن يهاجرالى مصر ليصبح فيما بعد أحد اشهر الذين لعبوا دورا أساسياً في النهضة الفكرية التي شهدها العالم العربي مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في مختلف شؤون الفكر والمعرفة والادب مشاركةً مع آخرين من ابناء جلدته.
مُقدّمات أحداث الروايةــ التي تلعب الوِراثة والصُدَفُ دورا حاسماً في تقرير احداثها ومصائر شخصياتها ــ تعود بنا الى تلك الفترة العاصفة(منتصف القرن التاسع عشر)وفيها كان العالم يشهد قيام عالم جديد،تقوده قوى وآليات جديدة،على انقاض عالم آخر،كان قد وصل إلى مرحلة بدا فيها هَرِماً وماعاد قادرا على رؤية الحياة ومتغيراتها العلمية بوضوح،لذا لم يعد قادراً على المواجهة والبقاء.في تلك الفترة أراد يوسف بابازواغلي أن يصبح أبنه سهيل طبيباً أوموظفا حكوميا كبيراً مثله،لذا يرسله الى مدرسة الفرنسسيكان الداخلية.لكن الاقدارجَرت على غير ماكان يحلم.فبينما كان الأب يوسف يقضي وقته بين المعاملات الحكومية وقراءة آخر الكشوفات العلمية التي قام بها داروين وجد سهيل لنفسه طريقا ً آخرى ستفضي به إلى مستقبل غامض وخطر،عندما مدّ يده وسرق اسوارة ذهبية من دكان صائغ اعرج.فلحق به وتمكن من القبض عليه.فيتم إيداعه السجن فيتبرأ منه والده الى الابد.وليقضى ثلاث سنوات في السجن وهو يلعب الورق مع ابراهيم بخعازي المُصاب بالسّل والمحكوم لمدة عشر سنوات بتهمة قتل مراقب العمال طَعناً بالسكين اثناء عمله في أشغال جرِّ مياه نهر الكلب الى بيروت مع شركة تونان الفرنسية عام 1871. فكانت الاعوام تمر متشابهة على بخعازي لكنْ بمجيء سهيل تبدل كل شيء،فقد عرف في شخصية سهيل شاباً صادقاً.وإكراماً لطيبته معه،بعد أن كان معزولا من قبل جميع السجناء،ترك له بخعازي قطعة أرض صغيرة كتبها في وصيّة قبل أن يموت،واحتفظ بها سهيل في صندوق خشبي كَصَك ملكية في الكوخ الذي بناه على ارض الحقل بعد خروجه من السجن.وبعد عقود من السنين يموت سهيل بابازواغلي بشكل تراجيدي وهوفي حقل الحنطة وحيداً يدافع عن السنابل التي هاجمتها اسراب من الجراد بعد أن كان قد اتفق مع حفيديه على حصدها في اليوم التالي . ينتقل الصندوق الى عهدة حفيديه جوزيف وجورج اللذان يتشابهان بشكل كبيرالى الحد الذي لايمكن التفريق بينهما رغم أن جوزيف أكبرمن جورج بعام واحد.وكان جوزيف على وشك أن يتزوج من زهيّة التي أعجب بها بعد أن شاهدها تخرج من معمل بروسبر بورتاليس لتحريرالحريرالطبيعي من دودة القز،لكن الجَّراد الذي قضى على محصول الحنطة،ومن ثم القحط الذي مرعلى البلاد في تلك السنة واصابها بالمجاعة،دفع الاخوين ــ مثل كثير ٍمن ابناء الشام ـ لأن يتخذا قرارهما بالسفر الى مصروكان سفرهما قد تمَّ بعد نهاية الحرب العالمية الاولى مباشرة.عند ذاك أصبح الطريق سالكا أمام صديقهما سليم لكي يتزوج من زهيّة التي كان هو الآخر يحبها بصمت دون أن يكشف ذلك لجورجي وجوزيف،لذا كان رحيلهما عن البلاد فرصة سانحة له لكي يرتبط بمن يحبُ. وبعد اربعين عاما من الغياب يعود أحد الاخوين الى القرية ويلتقي بصديقه سليم مرة اخرى الذي لم يكن متأكدا إن كان العائد هو جوزيف أم جورجي،فالشبه الكبير بينهما أدخل سليم في حالة من الحيرة والقلق رغم ادعاء العائد بأنه جورج وأن شقيقه جوزيف قد توفي قبل عدة اعوام في المانيا على اثر اصابته بمرض السّل. "منذ اللحظة التي بدأ فيها جورجي حكايته عن حياة وموت جوزف بابازواغلي إستدارت سوسةٌ صغيرة تحت اضلاع جدي،وأخذت تنخرصدره من رأس معدته حتى حنجرته،ففقد الأمان الذي كان يملؤه،وأستعاد أرق تلك الليالي التي سبقت زواجه من جدتي". وبعد أن ينتهي جورجي بفترة قياسية لاتتجاوز الشهرين من بناء نزل واسع بغرف متعددة على نفس الارض التي كان عليها  كوخ جده سهيل بابا زواغلي وبنفس معمار النزل الذي كان محبوسا فيه لمدة ثلاثة اعوام في بيروت،يغادر سليم القرية فجأة بعد أيام على افتتاح النزل وامتلائه بحياة صاخبة دون أن يخبر أحدا عن وجهته،حتى زوجته لم يخبرها بذلك لكنها كانت قد لاحظت تحولا مفاجئا طرأ على شخصيته قبل اختفائه،فلم يعد رقيقاً معها ولامع بناته،وبات يغضب لأقل كلمة،ويفضل دائما أن يتناول طعامه وحيداً.وبعد ثلاث سنوات تعلم زهيّة بخبر  غرق سليم  في مياه البحر مع ستين راكبا،كانوا جميعاًيستقلون باخرة قادمة من اوربا إلى مرفأ بيروت وكان هو عائداً من رحلته،بعد أن إستلم مكافأة نهاية الخدمة من الجيش الفرنسي الذي عمل معه إسكافياً لأكثر من 25 عاماً. بعدها اقفل جورجي النزل نهائيا،وجلس أمام المرآة وبدأ يتكلم مع صورته: " هاأنا وحدي ياجوزيف،وأنتَ وسليم هناك.هل تفكران بي كما أفكربكما؟ ". وفي المرآة كان جورجي يرى وجهاً أصفر.ويتسائل مع نفسه. "هل هو وجهه أم وجه جوزيف ؟ ". ليُدخلنا النّص مرة اخرى في لعبة الشك والتأويل التي تنساق إليها كتابات ماوراء القص،والتي انعكس حضورها الواضح في تركيبة الحبكة التي اتقن نَسْجَها المؤلف جابر وماشَحَنَ به نصَّهُ من تعليقات،إضافة الى القصدية الواضحة في تصدير الشكل وتحطيمٍ واضحٍ للعلاقة الفاصلة مابين المرئي والمتخيل.لم يعش جورجي أكثر من عام بعد خبر وفاة سليم فمات هو الآخر وحيداً في نزله المهجور.وترك وصيّة تنازل فيها لزهيّة عن النَّزل،وبعد موتها هي الاخرى يصبح النزل ملكا لحفيدها انطون مؤلف الروايات الذي يرفض هو الآخر بيعه مثلما كان عليه موقف جدته رغم الحاح بناتها واحفادها لأنهم كانوا يفكرون بالفائدة المادية التي ستعود عليهم فيما لو تم البيع . "النَّزل يجب أن يبقى كي لاتموت الحكاية.أمّاالآن وقد كَتَبتُها،فما الضرورة من بقاء النزل ؟ "

الجنوح الى اللعب
يبقى أن نشير إلى أن الرواية عندما صدرت عام 1996 في طبعتها الأولى كانت تحمل اسم المؤلف "نور خاطر"وليس ربيع جابر!؟ وهذا بتصورنا كان جزءاً اساسياً يدخل في منظومة كتابات ماوراء القص التي انخرط فيها المؤلف بذكاء وحرفية عالية أطّرَ سرديته فيها،بالشكل الذي أباح له ابتكارعوالم داخل عالم النص،لأَجل توريط القارىء في لعبة الوهم، مما يجعله غير قادر على التَّوقع والتمييز مابين الحياة الحقيقية والحياة المُتخيّلة داخل الرواية،طالما قد جنح المؤلف الى تجاوز الحدود التي يفرضها البناء الفني الكلاسيكي المتماسك.وهذه الآلية الشكلية التي تثير البلبلة والشك سترتقي بالتالي بمستوى المهارات القرائية التي ينبغي أن يكون عليها القارىء،وتضعه هو الآخر إلى جانب المؤلف في مسؤولية المشاركة الواعية والفاعلة في تفكيك المعنى وصناعته .









69

دراما التلفزيونْ في قَبضَةِ المُعْلِنْ




                                                                                                            مروان ياسين الدليمي


الانتاج العربي
الانتاج الدرامي في المنطقة العربية شهد نموا ً واضحا ً خلال الاعوام العشرة الاخيرة مقارنة بما كان عليه قبل ظهورالبث الفضائي في منتصف تسعينات القرن الماضي، فقد لعب ظهورالقنوات الفضائية الخاصة الدور ألأكبروالأهم في تسريع عجلة الانتاج وتطوره فنيا ً،خاصة في مصر وسوريا. ليصبح التنافس شديدا ًبينهما،بهدف:السيطرة على سوق التوزيع. وحصيلة ذلك أنْ تمكّن الانتاج السوري من مُزاحمة الانتاج المصري إلى حد كبير،وبات منافسا ً شديدا ًله،من حيث الكم والنوع والتسويق،بل وضعه في موقف حرج،وصارالطلب عليه كبيراًمن قِبل المحطات الفضائية والمُعلنين،بعد أن كان حكرا ًعلى الانتاج المصري منذ أن ظهرالبث التلفزيون في مطلع ستينات القرن الماضي .
وسط هذا التسارع في الانتاج وتطوره لابد لنا أن نتسائل عن حجم وأهمية الانتاج العراقي في خضم هذا التنافس،دون أن ننسى حقيقة تاريخية ثابتة في أن :العراق هو اول بلد عربي دخله البث التلفزيوني عام 1956 !
لكن هل أرتقى نتاجه الدرامي الى مستوى هذه الاهمية التاريخية ؟
بلاشك أي متابع سيصل الى نتيجة ليست لصالح الانتاج الدرامي العراقي فيما لو تمت مقارنته مع دول عربية اخرى مثل لبنان والكويت والسعودية من غيرأن نضع مصروسوريا في الحسبان لأن المقارنة ستكون غير منصفة بلاشك،ويمكن ان نورد هنا بعض الحقائق التي من خلالها نستطيع التوصل الى صورة واضحة إلى مانشير إليه،على سبيل المثال : في سوريا مثلا يوجد اكثر من 200 شركة انتاج درامي تعمل على انتاج المسلسلات والافلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية وافلام الرسوم المتحركة.
بينما عدد شركات الانتاج في العراق لايتعدى اصابع اليد،هذا اضافة الى افتقاد العديد منها الى المعايير الأدارية والفنية،بالشكل الذي يجعلنا نتردد كثيرا قبل أن نطلق عليها تسمية شركة. . أيضا،هذه الشركات لاترتبط مهنيا ً في اتحاد ينظم عملها ويجعلها تتحرك بقوة في سوق الانتاج والتوزيع الذي يشهد تنافسا شديدا وسط تكتلات كبيرة.
إن قضية الانتاج باتت معقدة وعلى مستوى عال ٍ من التنظيم والادارة وهي مرتبطة بشكل عضوي مع طبيعة الفعاليات الاقتصادية القائمة، ولن يتمكن أي نشاط فردي بالسيطرة عليها من غير أن يكون هنالك تنظيمات مهنية تتولى عملية التخطيط والتحرك في سوق الانتاج والمنافسة .

سلطة المال
عميقة هي المتغيرات التي حصلت في عالم الانتاج وقد لعبت دوراً حاسما في تحديد الاطارالذي يتحرك فيه سوق الانتاج الدرامي،في مقدمتها يأتي :المُعلِنون من اصحاب الشركات ورجال الاعمال والمستثمرين والتجار)،إذ بات هؤلاء يلعبون دورا أساسيا ً في النشاط الاقتصادي وأصبحوا قوة رئيسة تتحكم بشكل كامل في الانتاج التلفزيوني الدرامي والبرامجي، بعد أن صارت الاعلانات التي تروّج لمنتجاتهم ومشاريعهم ــ والتي يحرصون على عرضها في المسلسلات ــ هي التي تحدد ماسيتم انتاجه من نصوص ونجوم سيشاركون في العمل،مقابل مايتم دفعه من مبالغ كبيرة جدا ًيتم دفعها للشركات المنتجة والمحطات الفضائية.. فقدوصل سعر الساعة التلفزيونة من هذه المسلسلات يتراوح مابين 15 الف دولار إلى 45 الف دولار،أي أنَّ ثمنَ مُسلسل ٍبثلاثين حلقة يصل إلى أكثر من 000  /900 الف دولار!ووصلت اجورالممثلين من النجوم في الساعة التلفزيونية الواحدة الى 000/ 5 ألاف دولار،ومجموع مايتقاضاه أي نجم يصل إلى 000/150 الف دولار في مسلسل واحد بثلاثين حلقة !
أزاء هذه الارقام العالية لم تعد لدى إدارات المحطات الفضائية ــ الحكومية منها وغير الحكوميةــ  القدرة على الصمود والمنافسة أمام المُعلنين،وهذا مافرض على شركات الانتاج أن تفكرالف مرة قبل الشروع في الموافقة على إنتاج اي نص درامي،وأن تدرس جيدا ً فرص الاستثمارالاعلاني التي سيأتي بها،والتي من خلالها سيتم تغطية تكاليف الانتاج وتحقيق الارباح العالية،وهي بذلك تريد أن تطمئن على إستمرارعجلة الانتاج ونموها،إضافة الى ماسيتبع ذلك من تفكير دائم في تحديث ادوات الانتاج التقنية. وقد يكون هذا الأمر من أهم النتائج التي افضى اليها سوق التنافس ،وألقى على شركات الانتاج  مسؤولية مضافة دعاها لأن تضع في اولويات اهتماماتها استخدام احدث التقنيات في التنفيذ،وخاصة كامرات التصوير، بعد أن شهد العالم تطورا ًمذهلا في هذا الاطار التقني وانعكس ذلك بشكل واضح على طبيعة الصورة وجودتها الى الحد الذي باتت صورة الانتاج الدرامي التلفزيوني في تنافس شديد مع الانتاج السينمائي،بل لم يعد هنالك من فرق بينهما من حيث جودة الصورة.
وسط هذه التحولات والتطورات التي شهدها الانتاج الدرامي العربي نجد أن الانتاج العراقي مازال يعتمد في آليات عمله وتفكيره على انظمة تقليديةٍ رثّة ٍتجاوزها الزمن،وتقنيات غيرمواكبة لما هو حاصل في العالم .
كل ماأوردناه هي عوامل مهمة تقف سببا في تخلف الانتاج العراقي لايمكن التقليل من أهميتها تحت أي تبريرقد يتعكز عليه العاملون في الانتاج ومازالوا يكررونه على اسماعنا في كل مناسبة يتم الحديث فيها عن ازمة الدراما العراقية،ومن تلك التبريرات مثلا :- "أن الانتاج العراقي يواجه محاربة غيرمعلنة من قبل الشركات والدول العربية". وبتقديرنا المتواضع هذه الحجة ضعيفة،بل هي محاولة بائسة منهم للهروب من المشكلة،وإلقاء مسؤوليتها على الأخرين .
مفهوم السلعة
من هنا يمكننا القول بأن الانتاج الدرامي بات سلعة بالمفهوم الاقتصادي الدقيق للكلمة،ويخضع تسويقها لقوانين العرض والطلب،التي يقف خلفها ويتحكم بها رجال أعمال ومستثمرين وتجارعقارات ورجال صناعة ،وبذلك لم تعد الاعمال الدرامية من حيث أسباب قيامها وانتاجها مشاريع جمالية خالصة يحقق من خلالها الفنانون أحلامهم بالمدن الفاضلة،ويوصلون عبرها خطابهم الانساني لتحقيق العدالة الاجتماعية.أنما هي مشاريع إقتصادية بأمتياز،تُرصَد لها ميزانيات مالية ضخمة،تكفي لأشباع ألاف الجياع والمحرومين في عالمنا العربي،الهدف من انتاجها:- تحقيق أرباح عالية تضاف الى ارصدة الشركات ورجال الاعمال،الذين أدركوا بعد ظهورالبث الفضائي،أهمية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي الذي يحقق صلة مباشرة ومؤثرة مع المستهلك .
هذه المنظومة الاستثمارية التي باتت تتحكم في الانتاج الدرامي العربي، منذ مطلع تسعينات القرن الماضي ــ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبقية المنظومة الاشتراكية التي كانت تتبعه في العديد من دول العالم ومنها منطقتنا العربية ــ تمَّ استعارتها بطريقة مستنسخة من نمط الانتاج الاميركي الرأسمالي،الذي شهد تطورات هائلة في آليات عمله منذ بداية تأسيس شركات الانتاج السينمائي في مطلع القرن العشرين مُعتمدا ًعلى منظور فلسفي(براغماتي )يتعامل مع أي عمل فني على أنه: سلعة إقتصادية استهلاكية تخضع في وجودها واهميتها وقيمتها لشروط السوق.
الوجه الآخر للصورة
بنفس الوقت،الصورة ليست بهذه القتامة إذا ماأخذنا بنظرالاعتبارالعلاقة الجدليةالتي ارتبط بها الفن الدرامي مع عجلة السوق الاقتصادية،ومانتج عنها من تطور ٍفي اساليب العمل والتفكير لدى الفنانين،في المقدمة منهم الكتاب والمخرجون والمصورون ومدراء التصوير وبقية الحرفيين،فالاجور العالية التي باتوا يتقاضونها دفعتهم الى تطوير افكارهم ومعالجاتهم الفنية،وانعكس ذلك على المستوى الفني الذي تقدم فيه الاعمال الدرامية العربية،فوجدنا كتاب الدراما ينطلقون نحو مناطق وموضوعات جديدة ومثيرة لم يكن مسموحا الاقتراب منها،كما تم تقديمها بمعالجات فنية إبتعدت كثيراعن الأطرالمستهلكة والتقليدية في الرؤية والتنفيذ،سواء على مستوى الاخراج أوإدارة التصويروالاضاءة وبقية عناصر التكامل الفني في الصورة الدرامية،خاصة بعد انخراط العديد من المخرجين السينمائيين المُمَيزين في اخراج الاعمال الدرامية التلفزيونية،وهذا مارفع من مستوى معالجاتها الفنية، لتقترب بذلك من نمط الانتاج السينمائي الذي عادة مايتمركزسياقه العام على بناء وتأثيث اللقطة الواحدة،وبالاعتماد على كامرة واحدة،وليس بناء المشهد كاملا وبأكثرمن كامرة . بهذا الصدد يمكن الأشارة إلى الكثير من المسلسلات كنموذج لما نقول، منهاعلى سبيل المثال لا ألحصر:الولادة من الخاصرة،طرف ثالث،رقم سري،اخوة التراب،الحارة، نابليون والمحروسة ،الاجتياح،هدوء نسبي، التغريبة الفلسطينية،وغيرذلك من الاعمال .
 ونتيجة لما أشرنا إليه :إزدادت مساحة الاهتمام والتلقي للأنتاج الدرامي الى حد كبير،وباتت تتكدس في ادراج شركات الانتاج عشرات النصوص الدرامية،منتظرة دورها في التنفيذ،ومن ثم ألدخول في حلبة سباق تنافسي شديد على كسب الاعلانات التجارية التي ستعرض اثناء فترة بثها، خاصة في شهر رمضان ،فقد أصبح هذا الشهر نقطة انطلاق سنوية لسباق محموم بين المحطات الفضائية تحرص جميعها قبل حلوله بشهرين على عرض مقتطفات إعلانية (برموشن ) مأخوذة من الاعمال الدرامية التي سيتم عرضها خلال شهرالصوم بقصد جذب المُعلنين وكسب أكبرعدد من الاعلانات التي سيتم عرضها خلال فترة بث المسلسل.
يضاف إلى ذلك عامل آخر مهم ساهم في تحريك عجلة الانتاج وتطوره : فبعد أن دخل على خط المنافسة والمساهمة في هذا الاستثمار،المال القادم من دول الخليج العربي بكل ثقله وامكاناته،باتت شركات الانتاج اكثر طموحا في خططها ومشاريعها الفنية،لتصل ميزانيات بعض الاعمال الدرامية ارقاما كبيرة جدا ً،إلى اكثر من 100مليون دولار.
خلاصة القول
إذا أردنا تطوير الانتاج الدرامي العراقي ينبغي أن نأخذ بنظرالاعتبار كل التطورات التي حصلت في نمط الانتاج العربي،وعدم تجاهلها والقفزمن فوقها،فالمسألة لم تعد مجرد أحلام وامنيات فنية يسعى لتحقيقها الفنانون وبقية فريق العمل، بقدر ما تتطلب المعالجة : توفير الارضية المطمئنة لأصحاب رؤوس الاموال،من تجار ورجال أعمال، لكي يستثمروا أموالهم في مشاريع فنية، تعود عليهم بالربح،وبذلك نضمن دوران عجلة الانتاج ،وتأسيس شركات انتاج ستكون هي بالتالي القاعدة الاساسية لنهوض الانتاج .
أخيرا نقول: ينبغي على العاملين في الدراما العراقية،التخلي نهائيا ًعن التفكيرالعاجزوالقائم على:-انتظار الدعم والمساعدة الدائمة من الدولة . .لأنَّ معظم التجارب الناجحة في الانتاج الدرامي ــ في معظم دول العالم ــ ،لم تضع في حساباتها ألأعتماد على ماستقدمه الدولة من دعم لها،بقدر ما كان نجاحها مرتبطا بشكل اساسي على قدراتها وامكاناتها في تحقيق فرص العمل والنجاح .   






























70
                                                       
ج1
المخرج المسرحي د.  فاضل سوداني  :


-النصُّ الأدبيُّ المُغَلق، ُيعمّقُ اغترابَ َنص ِّ العَرض المسرحي


                                     حاوره : مروان ياسين الدليمي



"انا  فنان وكاتب حالم ،أفهم العالم من خلال الحلم، والحياة بالنسبة لي
 بالرغم من قسوتها تعني لعبة حلمية،ولهذا فإن اللعب الفني هو طقس
 مسرحي يجب أن نعرف من خلاله كيف نحلم وكيف نحتفل به مع الجمهور ." بهذا التأطير يُفلسفُ فاضل سوداني طبيعة الحضور الذي
يسعى لأن يكون عليه فعلهُ ومنجزهُ الفني والانساني، بعد رحلة طويلة من الترحال والسفر بين التجارب، توزعتها خارطة ُأمكنة ٍتفصل فيما بينها ثقافات وحضارات شاء هو أن يخوض غموضها متسلحا بأحاسيس من الدهشة والتساؤل . .مدينة العمارة العراقيةهي بداية ُمنعطف ٍفي تأمل الذات والاشياء ، وبداية ُسفر ٍطويل ٍفي طقوس ِالجسد ِوالصمتِ على رقعة الخشبة،فكانت بغداد وبيروت ودمشق وكوبنهاكن توغلا ً في متاهة البحث عن قيم الجمال التي يمكن لفضاء الدراما المسرحية ان ينثرهاعلى انقاض ماض ثقيل بثرثرته المتأكلة. . والسوداني أستاذ جامعي ومخرج  وباحث أكاديمي في الفن المسرحي ،  يحمل شهادة دكتوراه في الاخراج والعلوم  المسرحية ،عمل مخرجا وممثلا لسنوات طويلة في العديد من المسرحيات العالمية في مختلف البلدان ،ساهم في إلقاء محاضرات ودراسات  في مختلف المهرجانات المسرحية وأنتدب للمساهمة في الجامعات والمختبرات المسرحية،كتب الدراسات المسرحية  في الصحف والمجلات  العربية، صمم الديكور للعديد من  المسرحيات،وهو يدعوالمؤلف المسرحي العربي الى  كتابة  النص البصري في المسرح، ويعمل على تحقيق ذلك ضمن أمكانيات مايدعوه بالبعد الرابع لفضاء العرض المسرحي، وكذلك تحقيق المسرح البصري وتطويرعمل الممثل من خلال تدريبه عن طريق  الذاكرة البصرية  المُطلقة لجسد الممثل وعلاقتها بالأشياء والفضاء المسرحي  ،
وتحقيق ذلك مع طلبة المعاهد المسرحية والممثلين عموما من خلال اقامة
العديد من المختبرات work Shop لتدريب الممثل ، اخرج وكتب العديد من
المسرحيات ، يعيش في الدنمارك منذ العام 1992 ،يعمل الان استاذا جامعيا  في جامعة دهوك في اقليم كوردستان . الزمان التقت به وحاورته حول رحلته وتجربته وتساؤلاته المسرحية  .
*ماهو شكل العلاقة  بينك و العالم  ،هل تجدها علاقة تتسم بالواقعية مع هذا الكم من الحلم الذي تغرق فيه  ؟
-من الضروري  أن نفهم العالم  وهو في كينونته الإبداعية  يعني في كينونة  المخيال والحلم ، و بالقدر الذي تكون فيه هذه  العلاقة  حُلمية -تكون  في ذات الوقت علاقة واقعية  فيها الكثير من عدم التوازن ـ فالغرباء عن العالم او غير المنسجمين معه والذين لا يفهمون تعقيداته  يعيشون في غربة ذاتية خالصة،وفي المقابل أن تحلم يعني أن تبدع، وبمعنى اكثر وضوحا يعني أن تكون غريبا وفي علاقة  متوترةومتشنجة مع هذا الشئ الغريب الذي أسمه  بالعالم ، الحلم هو أسلبة العالم المحيط  الى جوهره أو تكثيف لب معناه ، أي افراغه من سطوته واختزاله بتلك المشكلة التي تهمك والتي تكون فيها ذاتا ً متجوهرة ومتجسدة  في أشكال مشخصه ،والحلم  يعني أيضا  أسلبة للواقع ، أي ان تؤكد علاقتك مع العالم من خلال الجوهر أو لب العالم ، وأن تعرف كيف تختزله بوضوح تام من خلال الإبداع الذاتي الصرف ، وتعرف أيضا أدواتك في أن تحوله الى لوحة أو عرض مسرحي أو قصيدة ضمن شروط  العملية الفنية وليس شروط الواقع ، أي حسب زمن البعد الفني وليس الزمن الواقعي ، لهذا فان العمل الفني يتحول الى واقع افتراضي بديل فنياً و في لحظة الإبداع ، أي (الآن وهنا ) ولكون الواقع هو دائما غير مقبول نتيجة لشروطه الواقعية القاسية ، لذا يحتاج الأمر الى  كم هائل من الحلم من اجل تحّمل وقبول هذا الواقع ، أن تحلم هذا يعني ، ان تعيش الحياة الحقيقية مادام الواقع هو ثرثرة وليس غنى ديناميكي ،إذن الحلم هو الحياة في ديناميكيتها المستعادة ،وهناك شئ آخر وهو: لا يمكن أن يكون للحياة أي معنى إذا لم نعرف كيف نحلم وكيف نتذوقها ؟ وإذا لا نعرف  كيف نعيش الحياة وهي قصيرة ،وكيف نحقق مشروعنا  الحياتي ؟ فإننا سنعيش بسكون تام ،لذا، وحتى نعيش الحياة لا بد أن نتعلم كيف نحلم ، وكيف نتذوق هذا الحلم  الذي  يحدد العلاقة بيني وبين العالم .
الفنان المثقف
*من الطبيعي ان يشكل الفن خطورة على الانظمة القمعية لكن هل يمكن ان يشكل الفن خطورة على المجتمع في لحظة ما،أو في عمل ما  ؟
-عندما يفقد الفنان حريته في معالجة مشكلاته الذاتية والمشكلات الاجتماعية بوجود النظام  اللاديمقراطي  يتحول الى فنان غير متفاعل  أي انه يتكيف مع حاجات العنف والإستثناء  ويستخدم كل طاقاته الفنية والإبداعية في التكيف لمصلحة هذا الاستثناء في الحياة ، وأيضاً يعمل على تكيف المجتمع  من خلال  جعل الفن والثقافة  طريق غامض لفهم الحياة أو يعمد الى وضع الأسئلة المزيفه والأجوبة الجاهزة التي لا تعني أي شئ  لكنها تفرض الأستثناء الطائفي أو العنفي أو  لخدمة الدكتاتورية مثل هذا الوضع يهيئ الفنان غير المتفاعل الى أن يصبح  داعية لبرنامج النظام الدكتاتوري أوالشمولي ( الذي يهيئ المجتمع الى حروب لا مجدية ) وتفرض على الفن والفنان أو المثقف من قبل النظام الإستثنائي ،إضافة الى ما ذكر، حالة من استغلال ثقافته وفنه لتنمية غرائزالعنف المتوحشة في روح الإنسان في مجتمع فقد قدرته على التفاعل الإنساني والتاريخي لأنه يغرق في الخرافة لدرجة تحتل الأولوية في سلوكه ، فتتحول الى ظاهرة طبيعية في مجتمعات الأنظمة الشمولية والدكتاتورية والطائفية ،ويسبغ  هذا المثقف على مثاله السياسي ( الدكتاتور ، الطاغية  ،القائد ، الأب الروحي ، وشيخ الخرافة ... الخ  ) صفات الرسل والقديسين ، من هذا المنطلق فان المثقف أو الفنان غير المتفاعل  يبني ذاته هامشيا ، انه توريط الذات ـالمثقفة والذات الجماعية المتكيفة ـ في الالتزام بالوعي المشوه والخرافة  من خلال فنه ، مثل هذا  المثقف ـ الفنان هو جزء  لا ينفصل عن النظام  الدكتاتوري الشمولي أو النظام الطائفي المتسلط  مما يجعله هذا مساهما دائما في تزييف حقائق الواقع المعاصر والحقائق التاريخية ، فيصل الى مرحلة الإتكالية الفكرية ، ويصبح المثقف الابن المدلل ، يمنحه الدكتاتور المكرمات والهبات ويمنحه شيخ الخرافة البركات ، ولكن في ذات الوقت يحرمانه الحق في التفكير واتخاذ القرارات الفكرية الخاصة لان  القائد ـ الدكتاتور او القائد الطائفي هو الذي يفكر ويخطط بدلا عنه وعن المجتمع والأمة ،فيتحول  الفنان غير المتفاعل  إلى  منفذ فقط ،وبما أن الدكتاتورية أو النظام الإستثنائي او النظام الشمولي بحالة دائمة من التطور السلبي تحتاج هذه الانظمة الى ذلك المثقف الذي يغذي ويشيع هيكلة وأساليب الفاشية التي  سيتبناها النظام ، فليس كافيا  أن يكون مثقفا متكيفا  مع  برامجه الثقافية  فقط ، وإنما  يطالبه النظام  ان يساهم  في المتغيرات المنهجية  الجديدة  في سياسته وان يكون محركها الفكري ، وهذا يفرض على المثقف ان يلتزم المفهوم الفاشي في الثقافة  روحا وممارسة تخدعه حجج مختلفة  مغلفة بدوافع ديمقراطية زائفة ، فيتم التمسك بها  كأسلوب للتدجين ، سيباركه النظام الاستثنائي وسيبرره المثقف المتكيف إعلاميا،ومن هنا يشكل العمل الفني أو الأبداعي خطورة على الفنان أو المثقف وعلى المجتمع عموماً .
*"الحرية هذه الكلمة الحلوة ". جاءت هذه العبارة عنوانا لأحد الافلام الاسبانية في يوم ما من سبعينيات القرن الماضي. هل تذوقت طعم الحرية  ؟ واين تجدها حاضرة معك بقوة ووضوح ؟
-ليس هنلك حرية بالمعنى الحقيقي ، لكن عندما أتأمل أو أكتب نصا  شعريا  او مسرحياً، اشعر بانني أحلم بحرية شبه متكاملة، لأنني أنا الذي أقرر وارسم وأبدع العالم الذي أريد أن أقدمه أمام الآخر ولكن كابوس المحضورات هو الذي يفقد الكائن  تكامله الإنساني وبالتالي يفقد معنى  الحرية  كوجود مكثف للكائن ، نعم  الحرية هي وجود مكثف للاشياء المهملة والملغاة أيضا والضرورية للإنسان والتي يطمح في الحصول عليها  لكنها في النأي الحلمي ، فالحرمان من ممارسة الوجود الحقيقي للذات هو  إلغاء للحرية ، الكتابة الإبداعية البصرية هي الحلم  وفيها تصل الحرية الى أقصى درجاتها ، حيث  عندما تقرأ رؤيتك  في كتاب او عندما ترى أفكارك  في فضاء المسرح او عندما تواجه الجمهور وأنت تمثل وسط فضاء  المسرح الحلمي  بألتاكيد ستكون حرا ، ففي  اللحظة التي تعرف فيها كيف تتذوق الحياة عندها فقط  تعرف كيف تتذوق الحرية ، ولهذا فان تذوق الحرية الإبداعية يبدأ في لحظة  تطور  مراحل انجاز القصيدة او النص او الرؤيا الإخراجية وعندما يكتمل هذا الإبداع تشعر بأنك حراً، الحرية  المزيفة  في عالمنا عموما  هي رؤيا غير مكتملة  وتصورٌ خطر ، وعلى المبدع أ ن يجعلها تتكامل من خلال الإبداع، فيها فقط يصبح الإنسان حرا وعليه ان يحتضنها كجمرة تشتعل في الروح والقلب  حتى يمارس حريته تماما ً، بدونها لا يتكامل الإنسان ، وبدون الإبداع  الحقيقي لا تتكامل الحرية أبدا،وهذاهو حقيقة التكامل بين الحرية والإبداع ،الحرية هي لحظة الشعور بالديمومة والانتصار الأبدي على الظلم والحيف والتهميش والعدم  وحتى عبث الموت، قد يبدو كلامي فيه الكثير من القسوة لكن واقع الحال في عالمنا عموما يؤكد بان الإنسان لم يصل الى الحرية الحقيقية ، ففي العالم المتطور بالرغم من أنه يمارس الحرية إلا أنها حرية يتحكم فيها الرأسمال العالمي والبزنس، أما في مجتمعاتنا المتخلفة فإن الذي يتحكم فيها هو الخرافة والأمراض الأجتماعية والفكرية الأخرى ، تصوَّر كنتُ فرِحا جدا وشعرت بطعم الحرية عندما خرجت في الدنمارك لآول مرة في حياتي  بتظاهرة مع ابنتي التي كانت بعمر 9 سنوات للمطالبة بحقوق ترفيهية إضافية لطلبة المدارس، حزنت لأنني كنت اريد أن يكون هذا في العراق ، ولكن هل هذا شعور ساذج بالحرية أم أنه إمتلاء حر ؟

حرية اللعب
*اللعبة المسرحية حاضرة بوضوح تام في طقسك المسرحي الذي تكتبه وتنشئه ، لماذا هذا الاصرار على استثمار هذه الآلية في بناء عرضك المسرحي ؟
-من خلال اللعب أوالإيهام يمكن للإنسان أن يرجع الى مرحلة الطفوله حيث الحرية والحلم وقد يبدو العالم لعبة في متناول يد الطفولة ـ أنْ تحلم بخيال طفولي يعني أن تبدع بحرية بدون قيود ، وهذا يعني أن تضع العالم على راحة اليد وتسير مفتوناً به الى أقصى درجات اللعب والحلم ـ وليس هنالك أي فارق كبير بين مكونات الإبداع  الثلاث اللعب الحلم والعرض (عرض الحلم سواء على شكل مسرح او لوحة تشكيلية او موسيقى أو قصيدة أو رواية أو أي وسيلة إبداعية أخرى ) وهذا هو نوع من تكامل وجودي ـ إبداعي فيبدوالعالم بكامله لعبة حلم موسيقي أو شعري ، مسرحي أو تشكيلي ،أن تلعب يعني أن تشعر بأنك حر ،وعندما  أستخِدم ُ وسيلة اللعب وآلية الحلم في نصيِّ المسرحي أو رؤيتي الإخراجية يحدث نوع من ممارستي لأقصى درجات الحرية  مما يدفعني الى أن أجعل من الجمهور قريبا من العرض وفضاء اللعب ، وبالتالي أخلق شئ من ديناميكية العلاقة بين فضاء العرض وصالة المتفاعلين (المشاهدين) ،انا  فنان وكاتب حالم وافهم العالم من خلال هذا الحلم  ، والحياة  بالنسبة لي بالرغم من قسوتها تعني لعبة حلمية ولهذا فان اللعب الفني هو طقس مسرحي يجب أن نعرف من خلاله كيف نحلم وكيف نحتفل به مع الجمهور .
*الصمت يشكل ثيمة وقيمة فنية في العمل الدرامي ،انت من خلال الاندفاع التام نحو العمل المسرحي هل تهرب من الصمت أم تسعى لاكتشاف ماتخبئه لغة الصمت من جُملٍ لايرقى اليها الصوت والضجيج والفوضى في التعبير ؟
-ليس هنالك صمت بالمعنى الواقعي داخل الفنان وانما هو موسيقى  ديناميكية تضج في روح المبدع  وتعبر عن جوهر العلاقة بين الذات و العالم، فعندما تكتشف هذا الجوهر تستطيع ان تسمع الصمت أو تراه وهو لغة خاصة لها إيقاعها، فالصمت هو موسيقى الأكوان الأخرى التي لا تسمع إلا في الرؤيا الإبداعية ، الصمت هو الديناميكية وهو اشتعال الرؤيا بحركتها الداخلية فبالصمت الديناميكي نفهم ونشعر بان العالم والأشياء في ديمومتها الحركية الأبدية ، ولهذا فان الأشياء تبدو صامتة ولكن حركتها الداخلية تضج  بديناميكية الترددات الإيقاعية  والمعاني التي تحتاج الى استخراجها وكشفها بوضوح ،في رؤيا العمل الفني يجب اقتناص الصمت المبدع وهذا يعني إظهار الأبعاد الداخلية ــ الخفية للأشياء والكائن والعالم ،الصمت المبدع أو البصري هو تأكيد إنسانية الإنسان والأشياء ، وهو عكس فوضى العالم التي تحول القيمة الإنسانية الى ضجيج ، وما الصمت إلا إعادة هذه القيمة الإنسانية للكائن والعالم من جديد ، ومن هنا فان الصمت هو قيمة ولغة فكرية وبصرية في آن واحد ، والتزام الصمت الديناميكي المبدع هو استجلاء اللغة البصرية للتعبير عنه من خلال  العمل الفني ،ومن هنا فان الصمت ليس فقط يُسمع وانما  يُرى وهنا تكمن  قيمة العمل الفني فكرياً وابداعياً وبصرياً ، أن تصمت في  لحظة الإبداع هذا يعني أن تخلق لغة بصرية إبداعية ، أنها لغة أخرى للتعبيرعن الحياة ، ومن هنا جاءت أهمية المفردة الشكسبيرية في تأويل الصمت  فآخر كلمة يقولها هاملت هي : ما تبقى هو الصمت  (ثم  يموت ). وبالتاكيد فان الصمت المتبقي يعني الموت بالنسبة الى هاملت لكنه يعني الحياة المتبقية أيضا ،فإذا كان الصمت يعني الحياة ، إذن يجب ان نفهم هذه الحياة من خلال قيمة الصمت وليس من خلال الضجيج ،إن اكتشاف الصمت يعني اكتشاف جوهر الحياة لهذا فان الإنسان يعتبر الصمت شئ شاق لأنه يفرض عليه التأمل والتفكير ولهذا فهو يفضل الضجيج الذي يدخله بسهولة في ضجيج العالم والثرثرة الوجودية ، ليس هناك صمت أبداً وإنما هناك حركة ودبيب متأمل تدفع جميع الأشياء أن تكون في حركة ديناميكية دائمة وأن تسمع وأن تُرى ،وكمثال سأستجلي مثل هذا الصمت في لوحة  سلفادور دالي (الذاكرة ) ، في هذه اللوحة نسمع ونرى صمتاً بصريا ًحركيا ًمطلقا ً من خلال وجود ثلا ث ساعات واحدة منها   يتآكلها الدود أي أنَّ الزمن مأكولا من حشرات الوجود ،وجود ثلاث ساعات هذا يعني وجوداً مكثفا  ً للزمن ، ولكن هل الزمن صمت أم ضجيج ، بالتأكيد انه صمت الصمت أوجوهرالصمت مادام الأمر يتعلق بالزمن، إنه صمت متأمل ومحسوس به ، لكن الصمت هنا يتحول الى ضجيج عندما لا يشعر الكائن بالزمن مثلا هل يتحول الزمن الى ثرثرة وجودية ؟  أنا لا أعرف هذا ، هنا يتشكل وجود الزمن أما من الصمت المبدع أومن الضجيج وإيقاعه القاسي حسب التأويل، بالتأكيدأن الإيقاع هنا هو زمن صامت لكنه مرئي أي إن الصمت في العمل الإبداعي يُرى كما هو الحال مع الزمن الذي نراه وقد تحول الى إيقاع مرئي في الموسيقى، ولهذا فإننا نكتشف الصمت المبدع والديناميكي من خلال اكتشافنا للزمن والإيقاع ، لأن الصمت المبدع في العمل الفني هو موت  للضجيج والفوضى ويشكل قيمة فنية عليا في العمل الإبداعي، وعندما أكتشفه ُ وأركزُعليه في العمل الإبداعي فإنني أكتشف ذاتي الإبداعية  وهي في ديمومتها الوجودية المبدعة ، الصامتة المتأملة الضاجة بالإبداع  .
الرؤيا البصرية للعرض
*تشكل الصورة الأساس الذي يقوم عليه معمارك المسرحي ، هل تجد ان في ذلك تعميق للمناخ الدرامي الخاص بالتجرب المسرحية وازاحة كل ماله صلة بالادب ؟
-ان الثرثرة في مؤلف النص الأدبي المغلق في المسرح تعمق اغتراب نص العرض والفضاء الإبداعي ومهمات المسرح عموما أمام المتفرج المتفاعل، لذلك فمثل النص الأدبي هو اغتراب لآنية العرض البصري وللفرجة في ذات الوقت لأنه كُتب ضمن انشغالات تهدف إلى تحديد وتركيز وهيمنة الأطر الأدبية على فضاء العرض وإهمال الوسائل البصرية وجعلها ثانوية، أو جعلها تخدم البعد التفسيري للصياغات الأدبية وثرثرة المضامين الواقعية والنفسية المقيتة، وبهذا فإن النص الأدبي المغلق هنا لا يسمح بالإمكانيات البصرية للمخرج والممثل بل يحدد أفق خيالهما،وخاصة القدرات التعبيرية للممثل التي تعتمد على إطلاق الأسرار الإبداعية لذاكرته الجسدية المطلقة (وليس لذاكرة الممثل ) والتي لا يتكامل إبداعها إلا في فضاء ديناميكية العرض البصري ، و من جانب آخر فان النص الأدبي والعرض التقليدي غير البصري يخلقان الاغتراب أيضا في وعي وروح المتفرج ولا ينسجمان مع طبيعة الحوارالذي يتم بين العرض البصري والمتفرج المتفاعل وبذلك يفقدان الاتصال فيما بينهما، إن تداعي الرؤيا البصرية للمخرج لإبراز إمكانات الأنساق التي تكّون فضاء العرض يشكل لغة تجسيدية ودلالية وتأويلية لخلق التأثير والاتصال بين خيالين، خيال المتفرج من جانب وخيال الممثل ـ وذاكرة الأشياء التي في فضاء العرض ـ والمخرج من جانب آخر. لذلك فان المعادلة في النص و العرض البصري المعاصر، تفرض أدوات ووسائل ومفردات لغة بصرية جديدة، فتختلف جوهريا عما كانت عليه في النص المسرحي الأدبي المغلق ،فالمخرج وتداعياته البصرية (مؤلف وخالق الفضاء البصري للعرض ) يأخذ دوره محل المؤلف (مبدع النص البصري الذي أوحي بالعرض البصري المستقبلي ) فتنشأ رؤيا اخراجية جديدة تعتمد على جنينة النص ولهذا يتأسس ما ندعو له أي  البعد الرابع في الفضاء والزمن في العرض المسرحي، ويكشف النص والعرض البصري تلك الأحلام والكوابيس والنبوءآت وأسرار الحوارات واللغة المستترة وغياهب الجسد والصورالمشعة والمثيرة ببراءتها والأصيلة لتبهرنا وكأنها تنبثق من السديم النائي في البرزخ الكوني، ولذلك فا ن التداعي البصري للأنساق الذي يمنحه خيال الفنان البصري (صاحب الرؤيا البصرية  وليس الأدبية)هو زمن يؤثربصريا على المتفرج ويؤدي به إلى امتلاك لذة الخيال والتصور والتفكير في جوهر زمني ـ  بصري إبداعي جديد (العرض البصري الإبداعي ) أي يضعه في زمن الإبداع والحلم وميتافيزيقيا الخيال ، ومن هذا نستنتج بان المؤلف والمخرج صاحبا الرؤيا البصرية يستطيعان أن يخّلصا النص والعرض من الاغتراب من خلال التأليف بالبصريات سواء كان نصا أو عرضا، ويتم تجاوزالاغتراب بتكييف النص البصري أو العرض البصري لمعاصرة المتفرج وجوهر مشكلته ،لذلك فان النص والعرض البصري يمتلكان إمكانية تهيئة ظروف استيقاظ الفنان والمتفرج المتفاعل معا عند عتبة الوجود البصري الإبداعي فقط ،ولا تعني دعوتي لكتابة النص البصري إلى إلغاء الكلمة أو الوسائل اللغوية الأخرى عموما، وإنما على العكس فإن الكلمة تصبح إحدى الوسائل البصرية المهمة لتحقيق النص البصري إذا أحسن انتقائها، وإذا استطاع المؤلف أن يحولها من كلمة أدبية إلى بصرية تصبح جزءا من تحقيق المشهدية البصرية في العرض،وهذا كله يفرض أسس كتابة النص البصري في زمن ما بعد الحداثة ويوحي بل يفرض أيضا بعدا رابعا للزمن والفضاء البصري في العرض المسرحي.



71
                          



القندس
رواية للكاتب السعودي محمد حسن علوان


    
            تَناصٌ الخِطابُ الرِّوائي وانفِتَاحُ الدِلالة

                                           مروان ياسين الدليمي
                

اصدار دار الساقي /الطبعة الاولى 2011
رشحت لجائزة البوكر العربية/ القائمة القصيرة لعام  2013
                      
إشكالية الخطاب  
غالب،الشخصية المركزيةالساردةلأحداث رواية(القندس)كما رسمهاالمؤلف محمد حسن علوان:شخصية إغترابية في انتمائها للزمن الذي وجدت نفسها فيه،ولاتملك هاجساً قويا ًيدفعها لأن تخلق تواصلا ًحميما ًمع المحيط والاخرين.ولم يكن سفره بين فترة وأخرى خلال عشرين عاما الى مدن أجنبية لأجلِ أن يلتقي بعشيقته غادة إلاّ علامة َفشل ٍوعجز ٍتام في التفاعل مع الزمن،بموجوداته،وهروبا ًمُركبا ًمن ذاته ومن عالم ٍيُشعرهُ بأنَّ قدره قد أسقطه فيه،لذا ليس هنالك من صلة انتماء إليه،سواء كان مقيما ًفي مدينة الرياض أوعلى ضفّة نهرِ ويلامت في مدينة بورتلاند الاميركية. "وقفتُ لعلّي أرى صفحة الماء بوضوح .كانت مجموعات عِدَّة من البَط تسبح بشكل دائري وأنا أحاول تجاهل هذه الطيور الكريهة " . . تعاني هذه الشخصية من إحساس عميق بالقلق إزاءمايحيطها من اشياء وعلائق اجتماعية "محاولاتي الدائبة للانفصال لايفهمها أحَد،حتى أنا.لطالما فسَّرُتهاعلى أنّها فشل ذريع،بينما لم تكن إلاّتمرينا ًغيرمكتمل على إنفصال موعود،ولتوّهِ إكتمل بصعوبة بالغةٍ وأنا في الاربعين." .. يبدو هنا،وكأن المؤلف وهويرسم الملامح الداخلية للشخصية،يعيدُ وفق فكرة التَّناص إنتاج َنمط الفرداللامنتمي الذي سبق للأدب الروائي أن طرحه في ستينيات القرن الماضي،بمايحمله مِن قلق ٍواغتراب ٍازاء الوجود والمحيط الأجتماعي "وحده القلق الذي أبقى بينناالعهد وجَعَل كل مابيننا كعائلة مجرد عهد ".. هنا أجد تساؤلات معينة تفرض نفسهاونحن نتأمل الصورة التي بُنيت عليها هذه الشخصية المركزية :-هل يمكن بعد كل المتغيرات العميقةالتي حصلت في العالم من حيث الافكارالفلسفية والمفاهيم والايدولوجيات،والتي شملت شتى أوجه الحياة الانسانية مع مطلع العقد التاسع من القرن العشرين وماجاء فيه من احداث دراماتيكية احالت عالما ًبأكمله إلى انقاضٍ،ليبدأ عصرٌآخرلاصلة له بما سبقه من ايدلوجيات،هل يُمكن بعد هذا أنْ نقرأعملاً روائيا جديداً،يعيد لناإنتاج ماسبق أن تم طرحه ــ مِنْ افكارونماذج انسانية ــ قبل نصف قَرنٍ في عدد من الاعمال الروائية!؟ لذا نجد أنْ ليس هنالك من ضرورة مُلِحّة تستدعي طرحها مرة أخرى في سياق رؤية فنية تبدو لنا وكأنها صدى لتلك الاعمال التي عكست في حينها جانبا أساسيا وحيويا ًمن ثقافة العصرآنذاك عندما طُرحت قبل نصف قرن، بظرفه ومعطياته!؟ هذا السؤال يقودنا إلى طرح سؤال آخر:هل إنَّ انغلاق المجتمع السعودي على نفسه وهو يَتحصَّنُ خلف قشرة سميكة ٍمِنْ قيم ٍ يُهيمنُ فيها العامل الديني والقيم البدوية والاعراف الاجتماعية مقابل مايشهده من تحولات عمرانية هائلة،هوالسبب الذي أحدث تصدُّعات إشكالية عميقة في بنية الفرد ــ سبَق للمجتمع الانساني المُتقدم أنْ مرَّ بها وواجههاــ وأمسى المجتمع السعودي اليوم في مواجهة مُتأخرة معهاولاسبيل أمام المبدع لأنْ يتجاوزها ويقفزعليها ؟ إلاّ أنَّ التفاعل مع هذه المسالة الجوهرية بأسئلتها وتحديّاتها  فيما لو كانت أمراً واقعا ً فعلاً واقتضى التوقف عندهاوتناولها إبداعيا تبقى رَهن الرؤية الفنية للمبدع وخصوصيةتجربتة الذاتية،ويقتضي ذلك منه أنْ لاينشىء عمله مُنساقاً مع فكرة التّناص مع أعمال أخرى سبقته، خاصةً في إطارالمعالجة الفنية، فالتناص كما جاء في كتاب(نقاد الحداثة وموت القارىء)للدكتورعبد الحميد ابراهيم .  "حوار مع أرواح سابقة تفضي إلى النَّص الحالي بالسّر .". وهنا بهذا الصدد نُذكِّر على سبيل المثال بعدد من أعمال البير كامو وسارتر وكولن ولسن وآخرين.
قناع العنوان
"عندما رأيت القندس أول مرة شعرت بالألفة.ولابد أنّه شعر بذلك أيضا وإلاّماتسلّق الضفة الحجرية وراح يعبث في سلّتي وبساطي ...." جاء اختيارعنوان الرواية بمثابة قناع إستعارهُ ألمؤلف وألبسَهُ ألشخصية المركزية/الساردة،ليفصح من خلاله عمّا يختزنهُ من مشاعروافكار تجاه مايحيطه من موجودات وحيوات ومايحمُله من تصوّر موضوعي أسقَطَهُ على معظم افراد الأسرة الكبيرة التي ينتمي لها في مدينته الرياض(الأب والأم المُطلّقة وشيخة زوجة الأب والأخت الشقيقة بدريّة والأخوة والاخوات غيرالاشقاء سلمان ونورة ومنى)،بهذا التصوّر بَنى (غالب) في ذهنه مُعادلا صوريا/اجتماعيا لسلوك الحيوان الدفاعي،عندما يبني سدودا ً خشبية وسط ماء النهر كُلما وجَد بقعة يابسة يركن فيها مع افرادعائلته، ليجعلوا من قلب النهر مكانا ًدافئا للعيش "سيلاحظ القندس أيضا ًأن عائلتي بَكماء في مابينها،ثرثارة في محافل الآخرين.نخترع فضائحنا بكتمان رهيب حتى لايعرف أحدنا ماذا يُحاك في الغرفة المجاورة.نحن فعلنا ذلك أيضا ًلنجعل من الرياض أقل وطأة وإن لم نقض على وطأتها تماماً،ولنجعلهاأكثر وضوحا ًوإنْ لم نفتح كل الادراج.عندما نرش الماء على دائرة من العشب الضئيل نعلم أنه لن يقتل الغبار والظمأ".
الصوت الواحد
من أول ِ جُملةٍ وحتى نهاية الرواية إنفرد ضميرالمتكلم ــ وهو بنفس الوقت الشخصية المركزية ــ في سرد الاحداث،فبقي لوحده صوتا ًمنفرداً إضطلع بمهمة لملمة الذاكرة وهي تستعيد المشاعروالتفاصيل . بهذه الآلية إستند علوان بناء نصّه الروائي،مُخضِعَا ًبنيته الفنية إلى سِماتٍ إستعارها من خاصيّة ٍتتوفر في معمارية النص السير ذاتي،فالتطابق التام مابين السارد والشخصية المركزية كان قائماً،وغابت عنه المسافة التي تفصل مابين الاثنين،وإنفتحت ذات السارد/الشخصية المركزية في تشكيل بنية الحكاية وهي تتحرك وفق آلية الوصف،بهدف ألقبض على متغيرات المحيط الخارجي،لتعكس من خلالها،داخل وخارج الشخصية .  " وقفتُ، لعلّي أرى صفحة النهربوضوح. كانت مجموعات عدّة من البَط تسبح بشكل دائري،وأنا أحاول تجاهل هذه الطيورالكريهة.التي تذكرني دائما بغادة لأنها تعشق هذاالمنظرالساذج وتجرّني دائما إلى أماكن لاأجد فيها سوى خدعة سياحية بسيطة تمارسها مدن اوربا المتغضّنة " .
قصدية الخطاب
أتساقا مع الفكرة التي تؤكد على أنّ :"الادب في جوهره كشفاً للانسان والعالم "كما يقول د. صلاح فضل في مقدمة كتابه المعنون(انتاج الدلالة الادبية) يأتي هذا النص بأدوات سردية ٍمحدودةٍ.وهو لم يخرج في قصديّة خطابه شكلا ًومضمونا ًعن ثيمة أساسية لاتخرج عن:- تفكيك السياق العام لمنظومة البنيةالاجتماعية التي تفرض ثقلها وسلطتها القامعة على الشخوص والجغرافيه الاجتماعية المتزحزحة من مزاج المدن الصحراوية الصغيرة ـ مدينة الناصريةـ بإيقاعها البطيء،بإتجاه تمددات المدن الكونكريتية الحديثة ــ مدينة الفاخرية ــ التي ولدت بشكل سريع من بعد أكتشاف النفط .



ازدواجية الصراع
ومع أن موضوعة الصراع الاجتماعي بشكله المزدوج ــ الطبقي والعنصري ــ لم تشكِّل السياق الرئيس الذي بُنيت عليه تركيبة الاحداث والشخصيات إلاّ أن المؤلف أشار إليه بشكل عابرمن غيرأن يتوقف عنده طويلا،وذلك عندما تطرق إلى حقيقة العلاقة التي تربط غالب بشخصية خاله (داؤود) ببشرته السوداء التي ميّزته عن غالب وشقيقته بدريّة ووالدتهما التي كانت قد رضعت في صغرها من والدة داؤود ــ ذات البشرة السوداءــ وبذلك أصبح داؤود الذي يصغر والدة غالب بعدة أعوام ــ وحسب ماتفرضه الشريعة الاسلامية ــ شقيقها بالرضاعة.والاشارة الى اللون هنا،جاءت صريحة في محتواهاالنقدي لطبيعة التمييزالعنصري والطبقي الذي مازال يحكم المفاهيم الاجتماعية. " كان داؤود يكبرني ببضع سنوات وتكبرهُ أمي بضعفها تقريبا .جاء الى الرياض فعلّمتُه كيف يعيش فيها بين الهدى والضلال..جبتُ به شوارعها واسواقها آلاف المرات دون أن يفهم المسكين أني كنتُ أستخدم بشرته السوداء وهو يمشي إلى جواري لأبدو رجلاًعاليا ًيجذب اهتمام نساء عاليات.ولم أتوقف عن ذلك حتى شتمتنا أمرأة سليطة اللسان في مركز تجاري كبير بعد أن تبعناها كظِلها:أنتَ الحين مشخص بهالعبد اللي مَعَك ؟"
الخارج وجه الداخل
غالب كان قد إجتازالعقد الرابع من العُمر،محروماً من حنان الأم مُذ كان عُمرهُ سنتان.في ذلك الوقت غادَرَت والدته الى بيت خاله،وهي مصممة على طلب الطلاق من والده،لتتزوج بعد انتهاء العدّة الشرعية مباشرة من موظف حكومي،عَرفَت معهُ استقرارا ًعائليا ًلم تحظى به عندما كانت على ذمّة والده تاجرالسجاد،الذي تزوج هوالآخر إمرأة أخرى أنجبت له سلمان ونورة ومنى. والاخوة المُنفرطين من رحمين مختلفين ليس هنالك من شيء يجمعهم . "عندما شَعرأبي بذلك،قررأن يَطلينا بالصمغ ويلصق بعضنا ببعض كيفمااتفق حتى نبقى معا ًولو كانت قلوبنا شتى. "  فقد فشلت سياسة الأب في أن يكونواعائلة كبيرة،ولم تفلح السيارات ولا الشارع الذي حمل اسم الأب ولاالمسجد الذي بناه في الحي.وبقيت عائلة بكماء في ما بينها ثرثارة في محافل الاخرين.يخترعون فضائحهم بكتمان رهيب حتى لايعرف أحدهم ماذا يحاك في الغرفة المجاورة. سلمان الأخ غيرالشقيق الذي يسرق من الأب بمبررات شرعية،مُنى الأخت الصغرى التي تحرق الرجال وكأنهم فراشات ضالة،العمَّة فاطمة التي تقتات من قلبها مثلما يقتات الجمل من سنامه.مُشكلة غالب الدفينة،التي لم يكن يفصح عنها تكمن في كونه يعاني من اضطراب وتشوّه داخلي عميق،عَكَسَهُ المؤلف بشكل واضح في وجهه،بعدأن جَعلهُ يتعرَّض الى حادث سير ٍوهو يقود سيارته لِتنقلبَ به.  " جَمَع حادث السيارة كل تلك الملامح المبعثرة أصلا ًوبعثرها مرَّة أخرى بمعرفته " التشوّه الخارجي الذي كان يبدو واضحا ًعلى الوجه،عمَّق التشوّه الذي كان يحمله في داخله،لذا عَمَد إلى نسيان وجهه وتجاهله . " آخر مرّة رأيت فيها وجهي كاملاً كانت وأنا أراجع بيانات تأشيرة السفرالاميركية قبل شهرين في الرياض،وبعد ذلك لم أعد أراهُ سوى لِماماً في غرف الفنادق وردهات المطارات وزجاج السيارات وربما لهذا أنا أتأمل بقيّة جسدي دون وجهي،لئلا أنسى من أكون. "  حتى العلاقة العاطفية الحميمة التي ارتبط بها مع غادة زوجة السفيرالسعودي في لندن والتي شَغَلت مساحة واسعة من حكاية النص،هي الاخرى أرادها المؤلف أن تكون كشفا صريحا لعلاقة مشوَّهة تبادل فيها الطرفان مُعاشرة جنسية مُحرّمة أحتوتها غرف فنادق ٍتوزعت على أكثر مِن بلد أوربي.ولم يكتشف غالب إلا بعد عشرين عاما حقيقة هذه العلاقة الزائفة الذي ذهبت به بعيدا ًفي وهم ٍ كبير بَدَدَ فيه عمرهُ وهو يركض خلفه،عابرا ًبِحارا ً ومحيطات حتى يحتويه بين ذراعيه على أمل ٍــ قد يأتي في يوم ماــ ليصبح مُلكَهُ ولوحدِهِ. ومِما زاد في إحساسه بهذا التشوّه،طبيعة العلاقة مع والده التي كانت تشعِره بأن والده يتسرّب الى دَمِهِ مثل مرض ٍوراثي عنيد .  "يَخرُجُ أبي من فناجين القهوة أحيانا مثل مارد ٍمن البُن ويداهُمني ليلا ًونهارا ً. "  وبعد أن يفشل غالب في دراسته الجامعية يرسله والده الى اميركا للدراسة في جامعاتها ولم يفلح ايضا ليبقى هناك مُشتتا، ضائعا ً، بلا أهداف ولاطموحات يسعى اليها، كما كان حاله في مدينة الرياض،التي أدمَنَ على أنْ يُلقي عليها عَجْزَهُ وفشله،حتى أَّنّهُ وطيلة بقائه في مدينة بورتلاند الاميركية التي وجد فيها خلاصه الهَش من مدينة الرياض الراكدة،لمْ يلقِ التحية عليه سوى النُّدلَ والباعة،وكاد الصمتُ أن يلصق أسنانه ببعضها عندما لم يجد فرصة ًلائقة ًللحديث والثرثرة مع أحدهم .
الخروج من الآخر
يتجاوز غالب الاربعين من العمر بسلسلة من الاخفاقات المتوالية،بَدأتْ مع غادة،عندما حَسَمَتْ خلافاها مع زوجها السفير السعودي في لندن وعادت اليه.ثم جاءته الصَدْمة الثانية بعد وفاة والده،عندماإتَّضحَ له بأنَه لايملكُ ماكان يظنُّهُ يَملكْ . "كان هذا يعني أنَّ أبي لايملك مترا ًواحدا ًمن تلك الاراضي الشاسعة الممتدة شمال الرياض بامتداد أحلام سلمان،ولاتلك الاسهم الرابحة التي خصّها أبي بحساب ٍبنكي خاص دون بقية الأسهم الرديئة،ولاالأرض المواجهة للبحرفي جَدّة التي كثيراً ماألحَّ عليه سلمان بأنْ يبنيها ناطحة سحاب تخدش السماء،حتى بيت الفاخرية إكتشفنا أن شيخة تملكهُ وحدها منذ عشر سنوات،كل هذه الأملاك،رغم أنها مسجلة باسمه حتى اليوم في الأوراق الرسمية،كان قد تنازل عنها جميعاً بخط يده لأكثر من ستة مسؤولين كبار كان أبي يسجِّل أملاكَهم بأسمه مقابل عمولات صغيرة " .
يصل غالب متأخراً الى لحظة وعي ٍبما كان قدأقترفه من حماقات لم تترك له سوى كآبة وإحساس بالنّبذ، فما كان مِنهُ إلاّأن يَختارأقصَرالطرق للدفاع عن نفسه في أنْ يخلع قناع القندس،وأن ينكر كونهُ قندسا ً،بعدأن تراكمت عليه التُهم .  "أخلعُ عن جلدي الفروالذي ليس لي وأنزع الأسنان التي لم تقضم شيئا ًنافعاً.هذا مااستعنتُ ببورتلاندعليه منذ البداية.تملّصتُ بصعوبة من جذوري ولاأظن أحدا ًمن عائلتي فعل مثل هذا.مازالوا يجمعون الجذوع اليابسة جميعا ًمنذ عرفتهم وحتى تركتهم ولن يتوقفواعن ذلك أبدا ً،قررتُ أن أفِرَّ عن المشاريع المغلقة التي تورِّطُنا فيها الحياة وتجعلُنا قنادسَ هذا السَّد،هاجس الحماية الأزلي،مشروع مغلق لايمكن أن ينفتح على اتجاه جديد مهما تغيرت الأجيال."
بَقيَ خطاب النص في سياقه العام مفتوحا ً شكلا ًومعنى ومُبتعدا بذلك عن افتراضات التأويل التي فيما لو توفرت فيه لمنحته بنية مركَّبة في طبقات مدلولالتها القراءية،لتأخذ القارىء، نتيجة ذلك،نحو مستويات أكثر كثافة ًتترشح من خلف دلالات ألجمل والتراكيب اللغوية التي يصدُّرها النص.كما لم يتحرر من التجاور والتوازي مع ماسبق انتاجه من نصوص عالمية في إطار ماأراد تصديره على مستوى الشكل والمحتوى. ولأنَّه لم يكن مُغلقاً فنيا ًعلى ماأراد طرحَه من خطاب، ظَل المستوى الدلالي عائما ًفي تمظهرات ٍواضحة المدلولات،لم تضع القارىء في متعة البحث والتقصي العميق.إلاّ أن ذلك لم ينل من أهميّتة الفنية في الكشف عن عوالم انسانية متصارعة مع ذاتها ومحيطها في لحظات ٍتفصل بين عوالمَ متقاطعة ومتناقضة،هذا إضافة إلى تماسك حبكته في سرد المتخيل السردي،وبذلك هذا العمل يدعونا بلا أدنى شك لقراءته مرة أخرى والاحتفاء به.
وبعيدا عن كونه يأتي من بيئة ليس لها تاريخ طويل يُذكر في الادب الروائي مقارنة مع بلدان عربية أخرى ولم يكن متوقعا ًمن هذه البيئة المُترَفَة أن تضيف شيئا ًمهما ً للرواية العربية،لكن الأمانة تقتضينا أن نُقرَّ ونعترف بحقيقة مهمة باتت تفرض حضورها في المشهد الروائي العربي،بأنَّ ماتم طرحه من نصوص روائية كتبها عدد من الروائيين الخليجيين خلال العشرين عاما الماضية قد أزاح عن قناعاتنا،غشاء َوهم ٍ كبيرٍ،كنّا نُغلّفُ أنفسنا بهِ،مفاده ُأنَّ الخليج العربي ليس مكانا ًخصبا ًولامُهيَّئا ًلأنْ يُقدم لنا أدبا ًمهما ًتتوفر فيه عناصر فنية متقدمة تعكس مايملكه كاتب مُتَرف ليس لديه معاناة ولاتحدِّيات يُمكنُ أن تصلح مادة مهمة للكتابة الروائية ولاأنْ تثير أهتمام القراء. لكننا وجدنا أنفسنا أمام موعد ٍجديد وضَعَنا فيه مجموعة من الكُتّاب الشباب، سيكون له تأثير واضح جدا في مستقبل الرواية العربية .    




72

المخرج والممثل السينمائي جمال امين :

            في العراق لانملك سينما


                                                حاوره :مروان ياسين الدليمي

أكثر من ستة عقود مضت على قيام أول انتاج سينمائي عراقي إلاّأنَّ العاملين في هذا الحقل الابداعي ومنهم المخرج والممثل السينمائي جمال أمين يُقرُّ بعدم وجود سينما عراقية،رغم وجود طاقات بشرية مؤهَّلة ٍتمتلك الوعي والخبرة،هذاإضافة الى القدرات المادية الكبيرة المتوفرة في العراق والتي يمكن من خلالها قيام ونهوض هذا الفن.. في مقابل ذلك نجد بلدانا اخرى لاتملك تاريخا يذكر في صناعة الفن السينمائي بدأت تفرض حضورها أمام العالم عبر أكثر من نشاط وفعالية.. من هنا جاء حوارنا مع فنان مجتهد يحمل عشقا ً خاصا للسينما،فعلى الرغم من أن بدايته كانت عام 79 لكنه لايزال يحمل نفس الإندفاع الذي إبتدأ به قبل أكثر من ربع قرن عندما وقف أول مرة ٍامام عدسة الكامرة السينمائية وكأنَّ العقبات والتحديات لم تفلح في ثنيه عن الحلم،بل زادته هياما ًواصرارا ًعلى العمل.. حديثنا معه ذهب بعيداً،ليرصد احلام ومواجع باتت مُزمنة في مسارالعاملين بهذا الحقل الجمالي،أفرادا ًوشركات ومؤسسات، سعيا ً منّا للوصول الى تفكيك اشكالية الانتاج السينمائي في العراق، والتي كانت سببا ًهشاشتهِ وعدم قدرته في أن يكو ن حاضراً وفاعلاً في الحياة الثقافية.
هيكلة الانتاج السينمائي
*السينما في العالم حصل فيها الكثير من التحولات الانتاجية والفنية .هل إن العاملين في حقل السينما في العراق يمتلكون القدرة على التجاور مع ماحصل في العالم ؟
-هذه مسالة نسبية ولها علاقة بشخص العامل نفسه ودأبه على المعرفة والمتابعه لكن من الناحية العملية هنالك القليل ممن عملو مع بعض المجاميع الاجنبية واكتسبوا معارف جديدة ومهمة في العمل السينمائي،ايضا ينبغي علينا  أن لاننسى بأن لدينا عدد لابأس به من الفنانين العراقيين الذين عاشوا فترة طويلة في اوربا واميركا  واستطاعو خلا