عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - كاظم حبيب

صفحات: [1] 2 3
1
كاظم حبيب
نقاش هادئ مع الدكتور فؤاد حسين حول الحكومة المستقلة
أجرى السيد حسام الحاج في برنامجه الموسوم "في متناول اليد" (قناة الشرقية) بتاريخ 10/03/2020 حواراً سياسياً مع الدكتور فؤاد حسين نائب رئيس الوزراء ووزير المالية، حول الوضع السياسي وحكومة عادل عبد المهدي، وعن الانتفاضة الشبابية والشعبية المستمرة طوال 160 يوماً، والموقف من مطالب الانتفاضة، وحول انخفاض سعر البرميل من النفط الخام في السوق الدولية ومدى تأثيرها على الاقتصاد العراقي وعلى رواتب موظفي الدولة، إضافة إلى الموقف من مطلب الجماهير المنتفضة بتشكيل حكومة مستقلة، رئيساً ووزراءً، من غير الأحزاب الحاكمة. كل الإجابات التي قدمها الدكتور فؤاد حسين عن أسئلة المحاور تستوجب المناقشة، ولكني، ورغم أهمية القضايا الأخرى، سأقتصر في مناقشتي على مسألة واحدة وردت في إجابات الدكتور فؤاد حسين، لا بصفته الشخصية فحسب، بل وبصفته نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للمالية، عن سؤال المُحاوِر حول تشكيل حكومة مستقلة في العراق ورفضه لهذه الفكرة أصلاً واستغرابه من المطالبة بها، لأن الحكومة تنظيم وتدير شؤون البلاد، وهي حكومة سياسية ولا يمكن أن تكون مستقلة! فهل كان الوزير في إجابته عن هذا السؤال محقاً، أم إن مطلب تشكيل حكومة مستقلة من جانب المنتفضين والمنتفضات هما الحق والعدل، وهما المطلوبان بإلحاح وسرعة في المرحلة الراهنة في ضوء الحالة العراقية الاستثنائية الراهنة. فالحديث هنا لا يدور عن حكومة في بلد آخر لا يعيش انتفاضة شعبية عمرها أكثر من 160 يوماً حتى الآن، وبعد أن أقسم المنتفضون والمنتفضات، رغم كل التضحيات الغالية والكثيرة جداً واليومية، بأنهم لن يتركوا ساحات وشوارع النضال ما لم تتحقق المهمات والأهداف التي انتفضوا من أجلها.
لنتابع الواقع الجاري على أرض العراق، فبعد مرور أكثر من 17 عاماً على وجود الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية المتحالفة مع الأحزاب الإسلامية السياسية السنية ومع الأحزاب الكردية في الحكم، بغض النظر عن الصراعات التي نشبت وما تزال مستمرة بين أطراف هذا التحالف القلق والمتعثر، ولكن المتماسك بغير حق في مواجهة مطالب الشعب الأساسية والرافض لها فعلياً، ومن حيث دفاع أطراف الحكم الثلاثة على ضرورة استمرار وجود حكم طائفي سياسي فاسد وملوث بهيمنة أجنبية إيرانية شديدة وتبعية صارخة لها، بغض النظر عن المواقف المتباينة نسبياً لأطراف هذا التحالف بصدد هذه المسألة الهامشية أو المصالح الذاتية أو تلك. وبعد معاناة الشعب المريرة والقاسية من نظام المحاصصة الطائفي والأثني الفاسد الذي:
 ** يتنكر لمبدأ المواطنة المتساوية والواحدة ويأخذ بقاعدة الهويات الفرعية المتقاتلة والقاتلة التي عاشها العراق طوال السنوات المنصرمة؛
** التوزيع المحاصصي في السلطات الثلاث وأجهزة ومؤسسات وهيئات الدولة على أساس الهوية الطائفية والأثنية والتنكر لحقيقة وجود ملايين البشر غير المنتمين للأحزاب السياسية الطائفية أو الأثنية واستبعادهم من المشاركة في سلطات ومؤسسات الدولة؛
** التمييز الفظ والمتعارض مع حقوق الإنسان بين أتباع الديانات والمذاهب في البلاد، حيث عانى المسيحيون والمندائيون والإيزيديون وكذلك أتباع المذهب السني من العرب من تميز ظالم وبغيض على مدى الفترة المنصرمة، ولم يكن هذا من قبل الجماهير التي تتبنى المذهب الشيعي بل من القوى الحاكمة التي تدعي تمثيلها للشيعة زوراً وبهتاناً. إضافة إلى ما حصل خلال الفترة 1814-1917/1918، من اجتياح وإبادة جماعة للإيزيديين وقتل وسبي واغتصاب ونزوح وتهجير هائلين في الموصل وعموم محافظة نينوى عبر عصابات داعش المجرمة للإيزيديين والمسيحيين والتركمان والشبك وأهل السنة الذين رفضوا داعش، في ظل هذا النظام الطائفي القائم وبقيادة حزب الدعوة الإسلامية والبيت الشيعي الطائف بامتياز.   
** تركيز النفوذ السياسي والاقتصادي والمالي بيد القوى الحاكمة ومن خلالهما الهيمنة على النفوذ الاجتماعي والتحكم بالدولة والمجتمع وحياة البشر.
** تفاقم الفساد المالي والإداري بما يزكم أنوف حتى الحكام المشاركين أساساً في نهب خيرات البلاد وخزينة الدولة، بحيث أصبح الفساد نظاماً قائماً وسائداً ومعمولاً به في الدولة والمجتمع ومع الخارج، وأصبح العراق في ظل هذا النظام في مصاف الدول القليلة الأولى في قمة الفساد المالي والإداري في تقارير منظمة الشفافية الدولية ولدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية. 
** التدهور المستمر والطاغي للخدمات الأساسية للمجتمع، لاسيما الكهرباء والماء والسكن والصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات ...إلخ، بحيث أصبح العراق يحتل مواقع متقدمة جداً وفي مواقع متقدمة من الدول الأكر تخلفا ورداءة في الخدمات.
** الغياب التام لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتفريط الفعلي الواسع النطاق للمال العام، إلى جانب النهب والسلب له، بحيث أصبح العراق يوجه نسبة عالية جداً من موارد النفط المالية لاستيراد مختلف السلع الاستهلاكية والكمالية، لاسيما السيئة من إيران وتركيا؛
** تفاقم البطالة في صفوف القوى القادرة على العمل، لاسيما في صفوف الشبيبة والخريجين على نحو أخص، وارتفاع نسبة البطالة إلى أكثر من 35% من القوى القادرة على العمل، رغم محاولات تخفيض هذه النسبة، مع حقيقة وجود جيش جرار من رجال الأمن والشرطة والجواسيس والعيون التي تراقب الشعب، إضافة إلى الميليشيات وفرق الاغتيالات؛
** تفاقم حجم وعمق الفقر المدقع لنسبة عالية جداً من العائلات العراقية والتي تعيش تحت خط الفقر، وتلك التي تعيش على خط الفقر، إضافة إلى نسبة عالية تعيش فوق خط الفقر بقليل، والتي كلها تشكل النسبة العظمى من سكان البلاد، في مقابل بروز مجموعة من حيتان الفساد المليارديرية والمليونيرية على حساب قوت الشعب ورزقه اليومي. إن الفجوة بين فقر الأكثرية وغنى الأقلية الضئيلة في اتساع دائم لا مثيل له في تاريخ العراق الحديث؛ ويمكن العودة لتقارير المنظمات الدولية، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتعرف على مدى فقر المجتمع وعلى مدى فساد وغنى الطغمة الحاكمة وحواشيها؛
** تفاقم القتل اليومي للمتظاهرين المطالبين بحقوقهم المشروعة والعادلة والاختطاف للمناضلين من إعلاميين وكتاب وعموم المثقفين والكادحين الذي يسعون لبناء حياة إنسانية طبيعية في العراق، وآخر مختطفين هما توفيق التميمي ومازن لطيف.
** قبول الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الـ 17 المنصرمة بالتدخل الفظ للدول الأجنبية في الشؤون العراقية كافة، لاسيما إيران، مما يشكل نهجاً ثابتاً في الخضوع لقرارات حكام إيران في مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية من جانب الحكم القائم.
بعد كل هذا، وغيره كثير، انتفض الشعب العراقي بشبابه أولاً، وببقية فئات الشعب لثانياً، ضد هذا الوضع وضد العملية السياسية الفاسدة والمشوهة الجارية طلها. ويجُمع المراقبون في العراق والعالم على إنها أروع وأوسع وأعمق انتفاضة شهدها العراق في تاريخه الحديث، إذ تعبر بعمق ووعي ومسؤولية وبروح المواطنة التي لا تعرف التمييز بين القوميات وأتباع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية السليمة، عن إرادة ومصالح الشعب بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه، ودفاعاً عن الوطن المستباح بقوى الإرهاب والميليشيات والهيمنة الأجنبية الإيرانية والتدخل الفظ لدول الجوار بشكل خاص، لاسيما تركيا، في الشؤون العراقية. إن انتفاضة الشعب المجيدة طرحت مسائل ثلاث أساسية:
1)   إجراء تعديل جاد وديمقراطي عادل لقانون الانتخابات، وكذلك قانون وبنية مفوضية الانتخابات وجعلها مستقلة حقاً عن الأحزاب كلها، سواء الحاكمة منها أم غير الحاكمة، وإجراء انتخابات مبكرة لمجلس النواب العراقي بإشراف الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية والمحلية بحيث لا تتجاوز عاماً واحدة مع تشكيل الحكومة المستقلة.
2)   تشكيل حكومة عراقية مستقلة عن الأحزاب التي شاركت حتى الآن في الحكم بل وحتى التي لم تشارك فيه، أي حكومة مستقلة ومصغرة وذات صلاحيات كاملة لتمارس تنفيذ المهمات الواردة في الفقرة 1 حصراً وتنتهي مهمتها خلال أقل من عام واحد.
3)   قيام القضاء العراقي والادعاء العام بالتحقيق الجاد والمسؤول والعادل بكل الجرائم التي ارتكبت في فترة الانتفاضة ضد المتظاهرات والمتظاهرين في أنحاء العراق، ومنها عمليات القتل والاختطاف والتغييب المستمرة والاعتقال والتعذيب والتي كانت وما تزال تجري حتى في الوقت الذي كان نائب رئيس الوزراء ووزير المالية يتحاور مع قناة الشرقية بشأن الوضع في العراق، والذي يتحمل مع رئيس الوزراء وبقية الوزراء ما جرى ويجري في هذه الفترة من حكومة عادل عبد المهدي. إطلاق سراح جميع الذين اعتقلوا واختطفوا خلال فترة الانتفاضة الشعبية.   
ومن هنا نقول للدكتور فؤاد حسين، إن مطلب الشعب المنتفض محدد سلفاً بمرحلة انتقالية وذات أهداف محددة، وهو لا يريد حكومة ذات برنامج متوسط أو طويل الأجل، ولا يريد تنفيذ سياسات الأحزاب المتحالفة في إدارة الدولة منذ تشكيل مجلس الدولة الانتقالي المؤقت حتى الآن، وبالتالي لا يشترط في مثل هذه الحكومة أن تُمثل بالأحزاب القائمة التي لكل منها برنامجه الذي يسعى إلى تنفيذه، بل يريد حكومة انتقالية مؤقتة ومسؤولة عن المهمات الثلاث السابقة التي يفترض أن تبتعد عن دور وتأثير الأحزاب الحاكمة حالياً، سواء أكانت عربية أم كردية أم من أحزاب إسلامية أو قومية، بل من قوى مستقلة عنها.
إن هذا المطلب العادل والمشروع هو ما ترفضه الأحزاب الحاكمة لأنها تريد أن تفرض ذات السياسات التي جرّبها الشعب طيلة 17 عاماً واكتوى بنيرانها وأعطى عشرات ألوف الضحايا بسبب تلك السياسات. لقد قتل حتى الآن أكثر من 700 إنسان عراقي وأصيب بجروح وإعاقة أكثر من 25000 إنسان متظاهر ومتظاهرة أثناء الانتفاضة الجارية، واعتقل الآلاف وعذبوا في السجون والمعتقلات الرسمية وغير الرسمية التي تقودها الميليشيات العراقية-الإيرانية الطائفية المسلحة.
أرى إن الدكتور فؤاد حسين، وهو خبير قانوني، لا يريد أن يعترف ، وهو العارف ببواطن الأمور، كما يعرف تماماً مفهوم والمهمات المحدودة لحكومة مستقلة في ظل انتفاضة شعبية من هذا النمط السلمي الجاري، ويعرف بأن مثل هذه المهمة لا تخضع لمعايير الأحزاب الحاكمة التي يرفضها المنتفضون لأنها أذاقته مرًّ العذاب سنوات طويلة، كما لا تخضع للدستور الذي تجاوزت عليه بفظاظة واستمرارية كل القوى الحاكمة، وأن الشعب، كما يعرف الخبير القانوني هو مصدر السلطات، وعندما ينتفض الشعب ويصر على التغيير، فلا بد أن يعي السياسيون المسؤولون، مهما كانت هوياتهم وايديولوجياتهم ومواقعهم، ضرورة الخضوع لإرادة الشعب وتنفيذ مطالبه، لا مواجهته بالحديد والنار والادعاء بوجود طرف ثالث يقتل المتظاهرين، والطرف الثالث هو بيد رئيس الحكومة التي يعمل الدكتور فؤاد حسين نائباً له. ورئيس الحكومة هو الذي يشرف مع كتلة أهل البيت الشيعية على عمل ونشاط الدولة العميقة ومؤسساتها وميليشياتها ومكاتبها الاقتصادية غير الشرعية.
يعرف الدكتور فؤاد حسين بأن الشعب العراقي قد فقد الثقة كلية بالنخب والأحزاب والقوى الحاكمة وبمجلس النواب والقضاء العراقي، وبالتالي من فقد ثقة الشعب به لا يمكن إعادتها من خلال تشكيل حكومة بذات النخب والمواصفات التي هي عليها الآن لتقوم بتنفيذ المهمات التي يطرحها المنتفضون والمنتفضات، بل لا بد من وجود حكومة مستقلة تنفذ تلك المهمات حصراً. وبالتالي فهو يجانب الواقع والحقيقة في ادعاءه بأن ليس هناك في القاموس السياسي حكومة مستقلة، فمطلب حكومة مستقلة من قبل الثوار والثائرات لم يأت من فراغ، بل من واقع الحال القائم منذ 17 سنة، بسبب السياسات المعادية لمصالح الشعب والمناهضة لكل ما هو عقلاني وسليم، سياسات دمرت الثقة التي يجب أن تكون ملازمة للحكم بين الشعب والأحزاب الحاكمة. إنها مفقودة منذ سنوات كثيرة ولا يمكن استعادتها برفض تشكيل حكومة يمكنها أن تعيد الثقة للشعب من خلال قيام حكومة جديدة بعد إجراء انتخابات نزيهة وشفافة ومراقبة وتستجيب لمطالب الشعب العادلة والمشروعة وتنفذ ما عجزت ورفضت النخب والأحزاب والقوى الحاكمة تحقيقها خلال السنوات المريرة والبائسة والدموية المنصرمة.

2
كاظم حبيب
اطماع دول الجوار الكبيرة بالعراق ومعضلة الدولة العراقية الهشة
حين يتصفح الإنسان تاريخ العلاقات بين العراق والجارة الشرقية من جهة، ومن ثم الجارة الشمالية من جهة أخرى في أعقاب الحرب العالمية الأولى وقيام الدولة العراقية الملكية الحديثة عام1921 حتى الآن، يتعرف على المصاعب التي رافقت مسيرة هذه الدولة والمتاعب والتوترات السياسية التي كانت ولا تزال تقع على حدود العراق مع الدولتين والاطماع الشرهة التي ميزت ولا تزال تميز سياستيهما بهدف ابتلاع أجزاء من العراق وضمها إلى دولتيهما بنفس استعماري توسعي بغيض. عرف العراق في عهد الحكومات الملكية بعد توترات مستمرة هدوءاً بسبب الدعم القوى الذي توفر للعراق من جانب الدولة البريطانية التي كانت حتى عام 1932 مارست عليه الانتداب على وفق قرار عصبة الأمم، ومن ثم الهيمنة الفعلية علي وفق اتفاقية 1930 العراقية-البريطانية.
أولاً: الوضع مع إيران
وفي ضوء المصالح البريطانية في العراق استطاعت بريطانيا أن تمارس الضغط الكبير على إيران لعقد اتفاقية حدودية بين العراق وإيران وقعت في قصر سعد آباد بطهران بتاريخ 7 تموز/يوليو1937 وسميت بـ"معاهدة سعد آباد". وفي هذه الاتفاقية رسمت الحدود العراقية- البريطانية حيث أصبح شط العرب كله ضمن حدود الدولة العراقية وكفت بريطانيا عن المطالبة به. واستمر العمل بهذه المعاهدة حتى عام 1969 حيث أعلنت حكومة طهرن ومن طرف واحد إلغاء معاهدة سعد آباد. لم يعترف العراق بهذا الإلغاء. ولم تستطع إيران إجراء أي تغيير على أرض الواقع، وحافظ العراق على كامل شط العرب ضمن حدوده الطبيعية. في عام 1975 وقع النظام العراقي اتفاقية الجزائر الخيانية التي تناصف مع إيران شط العرب واعتبر خط القعر هو الخط الفاصل بين الدولتين في شط العراق. وقعت هذه الاتفاقية مقابل موافقة الشاه الإيراني على محاصرة الحركة الكردية المسلحة عملياً من سلاحها ومن دعمه لها، مما أدى إلى توجيه ضربة قاسية للحركة الكردية المسلحة التي كانت تمارس النضال ضد الدكتاتورية والذي ضرب عرض الحائط في حينها اتفاقية أذار 1970.
في عام 1980، مع بدء الحرب مع إيران، ألغى النظام العراقي اتفاقية الجزائر التي تضمنت ترسيم الحدود النهرية بين البلدين، دون أن يتمكن من فرض هذا الإلغاء رغم الحرب التي استمرت طوال ثماني سنوات عجاف ومميتة في الواقع العملي. ومع ذلك تعتبر اتفاقية عام 1975 ملغية من طرف واحد هو العراق، ولم تعترف إيران بذلك.  حتى الآن تعتبر الاتفاقية ملغاة من جانب العراق، ولم يجرأ أي حاكم عراقي حتى الآن على أبطال مفعول قانون إلغاء الاتفاقية. وفي عام 2019 أشارت الصحف العراقية إلى زيارة قام بها حسن روحاني، رئيس جمهورية إيران، إلى العراق والتقى بحكام العراق، حيث أعرب بعدها عن ارتياحه لموقف الحكومة العراقية ومجلس النواب من اتفاقية عام 1975، ولكن لم يعلن عن أي اتفاق حاصل بشأنها من جانب البلدين.
لم تكف إيران عن التدخل الفظ والمستمر في الشأن السياسي العراقي والتي كانت تتسبب في توتير الأجواء السياسية بين البلدين. وإذ أدنا باستمرار الدكتاتور صدام حسين ونظامه الدموي بسبب بدئه الحرب ضد إيران في عام 1980، إلا إن الواقع يؤكد أيضاً بأن النظام الإسلامي السياسي المتطرف الذي أقيم في إيران في أعقاب إسقاط الثورة الشعبية لنظام الشاه الإيراني قد مارس الكثير من التحرش بالنظام العراقي الدكتاتوري وحصول مناوشات عسكرية على حدود العراق الشرقية مع إيران، دع عنك محاولات التفجيرات أو فيما بعد محاولات اغتيال الدكتاتور صدام حسين من جانب حزب الدعوة الإسلامية الذي كان له مقر في إيران وآخر في دمشق.
لم يكن النظام الإيراني قادراً على التدخل السياسي اليومي في الشأن العراق طيلة العقود المنصرمة، في حين تسنى له بعد إسقاط الدكتاتورية البعثية وفرض الاحتلال الأمريكي على العراق وإقامة النظام السياسي الطائفي الفاسد فيه التدخل الفظ في الشأن العراقي، ثم تفاقم هذا التدخل بعد إنهاء الاحتلال الأمريكي وتوقيع الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة وأصبحت الدولة الإيرانية مهيمنة فعلاً على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والمذهبية العراقية، على موارد البلاد المالية وعلى القسم الأعظم من تجارته الخارجية والداخلية، وعلى أجهزة الأمن والدولة العميقة الفاعلة بالعراق كالميلشيات الطائفية المسلحة، وكذلك عل تلك القوى الطائفية في القوات المسلحة، والمكاتب الاقتصادية التابعة للميلشيات الطائفية المسلحة والحشد الشعبي، إضافة إلى تبعية غالبية أئمة الجوامع الشيعة للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، دع عنك تبعية وخضوع الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية كلها دون استثناء لإيران. هذا الواقع اليومي جعل إيران تطرح بين فترة وأخرى تصريحات تؤكد أن العراق كان جزءً من إيران في عهد الأباطرة الفرس في العهد الساساني، ومن ثم في العهد الصفوي، وأنه بعد الآن يشكل جزءً من الإمبراطورية الفارسية الشيعية الجديدة، وأن بغداد ستكون العاصمة الثانية لهذه الإمبراطورية. أنقل إلى القارئات والقراء ما قاله "علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني، حسن روحاني: إن "إيران اليوم أصبحت امبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي."  واستمر قائلاً: "جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذا إما أن نقاتل معا أو نتحد"، في إشارة إلى التواجد العسكري الإيراني المكثف في العراق خلال الآونة الأخيرة". (المصدر: مواقع سي أن أن، وموقع العربية ومواقع كثيرة أخرى، أخذت المقاطع بتاريخ 11 أذار/ مارس 2015).
لإيران وجود كبير جداً في العراق فإيران تهيمن على الاقتصاد والصيرفة وعلى الكثير من البنوك الخاصة، ولها بيوت خاصة لأجهزتها الأمنبة في كل محافظات العراق دون استثناء، إضافة إلى وجودها الفعلي في أجهزة الأمن العراقية والمستشارين، وهي موجودة في عدد غير قليل من منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، وفي الحسينيات والجوامع.. ولها مؤيدون في الحوزات الدينية الشيعية في النجف، والغالبية العظمى من قادة الميليشيات الشيعية المسلحة، ربما بعضها الذي يلتزم بمرجعية علي السيستاني وبحدود معينة، يخضع بهذا القدر أو ذاك للخامنئي. إن إيران تهيمن على مجلس النواب العراقي وعلى الحكومة العراقية وتخضع لراقبتها أو لرقابة ممثليها كالشخص الأكثر تبعية وخضوعاً لإيران ومحبوب علي خامنئي رئيس الوزراء الأسبق والسفاح الجديد عادل عبد المهدي. ما كان في مقدور لإيران أن تتدخل في الشأن العراقي لولا وجود دولة هشة تماماً وأن قادة هذه الدولة من رئاسة الجمهورية ومروراً بمجلس النواب والسلطة التنفيذية والقضاء العراقي كلها تخضع للسياسة الإيرانية ولمصالح إيران من خلال ممثليها ومستشاريها وأتباعها في البلاد. فالعيب الأساسي يكمن في القوى والأحزاب والشخصيات العراقية التي تعتبر الذراع الممتد لإيران في البلاد، فإيران تسعى كأي مستعمر إلى تحقيق مصالحها الاستعمارية القديمة والحديثة في العراق. لهذا فأن نضال الشبيبة المقدامة وانتفاضتهم السلمية الباسلة والشعبية موجهة ضد حكام العراق والأحزاب والقوى السياسية التي تساند الوجود الإيراني في العراق أولاً ومعاً ضد الوجود والتدخل الإيراني في البلاد ومنها جاء شعار "نازل أخذ حقي وأريد "وطن" غير مستباح من الأجانب والعملاء والإرهابيين.
ثانياً: الوضع مع تركيا     
لقد خسرت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى وتوزعت مستعمراتها على الدول المنتصرة. وكانت الولايات الثلاث، ولاية بغداد والبصرة والموصل، من حصة بريطانيا. وقد أقيمت الدولة العراقية في البداية على ولايتين، هما بغداد والبصرة، في عام 1921. ومن ثم الحقت ولاية الموصل بالدولة العراقية، التي كانت ضمنها الموصل وأربيل والسليمانية وكركوك، في عام 1926 على وفق قرار عصبة الأمم. وتضمن القرار مجموعة من المستلزمات التي يفترض في الحكومة العراقية تحقيقها لصالح الشعب الكردي، الذي وافق على الحاق كردستان الجنوبية بالعراق، بعد رفض الحلفاء منح الشعب الكردي حقه في تقرر مصيره بالحكم الذاتي أو دولة كردية اللذين وعد بهما من قبل الحلفاء.
لم يكن هذا الحل مريحاً للدولة التركية الحديثة التي نهضت على أنقاض الدولة العثمانية. وكانت غالباً ما تطالب بولاية الموصل لاسيما كركوك بسبب وجود أقلية قومية تركمانية بجوار الكرد والعرب والآشوريين والكلدان فيها. وبقيت القضية معلقة حتى تم التوقيع على اتفاقية الصداقة وحسن الجوار بين العراق وتركيا في 29 أذار/مارس 1946، والتي تضمنت ترسيم الحدود كما تضمنت توزيع مياه دجلة والفرات بين الدولتين لما فيه صالح الشعبين. استمر العمل بهذه الاتفاقية ولم تلغ من قبل الدولتين حتى الآن. ولكن بدأت تركيا منذ أوائل الثمانينيات من القرن العشرين في التجاوز على الأراضي العراقية من خلال الادعاء بمطاردة القوات المسلحة التركية للبيشمركة المسلحة التابعة لحزب العمال الكردستاني (PKK). وقد تكررت هذه التجاوزات التركية من جهة. وبسبب وجود قوات لحركة الپيشمرگة الكردية والأنصار الشيوعيين العراقيين في المناطق الريفية والجبلية من إقليم كردستان العراق وخوضها الكفاح المسلح ضد نظام البعث الدكتاتوري من جهة ثانية، وافق النظام البعثي على توقيع "اتفاقية التعاون وأمن الحدود بين العراق وتركيا" في عام 1983، التي يسمح بموجبها اختراق القوات المسلحة التركية للحدود العراقية بمسافة 20 كم بذريعة مطاردة قوات الپيشمرگة التابعة لحزب العمال الكردستاني. ويبدو إن هذه الاتفاقية لم تلغ من جانب الحكومة العراقية أو مجلس النواب العراقي حتى الآن. وتشير بعض المصادر إلى وجود اتفاقية موقعة بين الحكومة التركية وحكومة إقليم كردستان العراق في عام 1995 منح بموجبها حق الحكومة التركية إقامة بعض المعسكرات على أراضيها. وفي ضوء هاتين الاتفاقيتين تتذرع الحكومة التركية في تغلغلها المستمر أو في وجودها الراهن في شمال العراق عموماً وفي كردستان العراق خصوصاً، واعتداءاتها المتكررة ضد القرى والمناطق الجبلية من كردستان العراق وسقوط الكثير من الضحايا البشرية وتدمير الكثير من القرى والبيوت والمزروعات والحيوانات . وتشير مصادر عدة إلى وجود 20 معسكراً للقوات التركية في كل من مناطق أربيل ودهوك الريفية والجبلية، منها: منها قواعد باطوفة وكاني ماسي وسنكي وقاعدة مجمع بيكوفا وقاعدة وادي زاخو، وقاعدة سيري العسكرية في شيلادزي وقواعد كويكي وقمريي برواري وكوخي سبي ودريي دواتيا وجيل سرزيري، وقاعدة في ناحية زلكان قرب جبل مقلوب في بعشيقة." (المصدر: 20 قاعدة عسكرية تركية في كردستان العراق في إطار اتفاق بين أنقرة وأربيل يعود إلى عام 1995، الشرق الأوسط، بتاريخ 28 يناير 2019م، رقم العدد )[14671]). ولا شك في أن هذا الوجود يعتبر انتهاكاً صارخاً للدستور العراقي ودستور إقليم كردستان أيضاً، وغالباً ما احتجت الحكومتان ضد الاعتداءات والوجود العسكري التركي في العراق. إن الوجود العسكري والمخابراتي التركي في أراضي الدولة العراقي مرفوض شعبياً وحكومياً، ولكن بسبب هشاشة الدولة العراقية وضعفها ورفض الشعب لها، نراها عاجزة عن القيام بأي شيء غير الاحتجاج الشكلي والذي لا يأتي بثمار مناسبة حتى الآن. وعلى سبيل المثال لا الحصر نشير إلى موقف تركيا من قرار الاستفتاء الذي قررته رئاسة وحكومة إقليم كردستان إجراؤه في أيلول/سبتمبر عام 2017 حول علاقة الإقليم بالدولة العراقية. وقد هددت تركيا الكرد علناً وبرسائل كثيرة موجهة إلى القيادة الكردية بإنها ستتخذ إجراءات استثنائية إذا ما اتخذ قرار الاستقلال. وفي حينها جاء في قرار لمجلس الأمن القومي التركي ما يلي: "احتفاظ أنقرة بحقوقها في الدفاع عن مصالحها التأريخية الواردة في اتفاقيات ثنائية، ودولية حال ما نظم الاستفتاء، على الرغم من كل تحذيراتنا". لكن البيان لم يوضح طبيعة هذه الحقوق، والمثير أن المتحدث باسم الحكومة التركية (يكر بوزداج) أشار في هذا السياق إلى احتفاظ أنقرة بحقوقها التأريخية المنبثقة من الاتفاقيات الثنائية، والدولية، ولفت إلى أن هذه الاتفاقيات تنصرف إلى اتفاقية (لوزان 1923)، واتفاقية (أنقرة 1926)، واتفاقية (الصداقة وحسن الجوار بين العراق وتركيا في عام 1946)، واتفاقية (التعاون وأمن الحدود بين العراق وتركيا في عام 1983)، وهو الأمر ذاته الذي كان قد أكده أكثر من مسؤول تركي، وذلك في رسائل تركية متواصلة لكُردستان العراق،.." (راجع: تركيا واستفتاء كُردستان العراق.. معارضة علنية ونوايا خفية، مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2017). كل تلك الاتفاقيات لا تسمح للدولة التركية التدخل في الشؤون العراقية بأي حال. ولا بد من التنويه إلى إن مجلس الأمن القومي التركي لم يشر إلى وجود اتفاقية مع حكومة إقليم كردستان العراق موقعة في عام 1995. كما إن اتفاقية عام 1983، تسمح للقوات التركية مطاردة قوات حزب العمال الكردستاني والعودة إلى أراضيها، ولم تمنح هذه الاتفاقية الحق للدولة التركية بإقامة قواعد عسكرية على الأراضي العراقية. وهنا لا بد من تأكيد حقيقة أن استفتاء الكرد بشأن الإقليم هو شأن عراقي داخلي بحت لا شأن لتركيا أو غيرها فيه أولاً، كما إن الاستفتاء هو حق ثابت من حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، بغض النظر عن التوقيت أو المواقف التي اتخذت والأوضاع التي نشأت بعد الاستفتاء.
إن تركيا اليوم تحاول اليوم وبكل السبل المشروعة وغير المشروعة، التدخل الفظ في شؤون دول الجوار، إنها تعيد الحديث الفارغ عن الإمبراطورية العثمانية الجديدة وعن السلطان الجديد أردوغان وعن كون تركيا اليوم هي أصغر من تركيا الحقيقية، حسب تصريح اردوغان، والذي يعني رغبته الجامحة في التوسع على حساب أراضي الدول الأخرى وفي كل الاتجاهات الممكنة ومستعد لبناء ودعم الميليشيات المسلحة لتنفيذ مجازر دموية، كما أسس مع السعودية تنظيم داعش الإرهابي المتطرف، والتدخل العسكري، كما جرى ويجري في العراق وسوريا وليبيا بشكل مباشر أو محاول التمدد في البحر كما يجري في قبرص واليونان للتنقيب عن البترول.. الخ. كما إن تركيا تتحول عملياً إلى دولة عسكرية، رغم وجود برلمان منتخب، إذ أن الدكتاتور الجديد يعمل بكل السبل لوضع السلطات الثلاث بيديه ويتحول إلى شخصية تسعى للحرب والتوسع، رغم الإخفاقات التي يتعرض لها في كل من سوريا وليبيا.
إن شبيبة العراق التي ترفض التدخل الإيراني الفظ وتناضل ضده حالياً وبقوة كبيرة، لن تنسى التدخل والوجود العسكري التركي الذي يستوجب الخلاص منه أيضاً بعد الخلاص من الطغمة الحاكمة العراقية، التي وضعت العراق تحت تصرف إيران وشوهت وهمشت الدولة العراقية، بعد اختيار حكومة جديدة مستقلة في سياساتها وقراراتها وانتخاب برلمان جديد وسلطات قضائية نظيفة ونزيهة ومستقلة، لكي يمكن التوجه أيضاَ ضد الوجود التركي في العراق وعبر نضال شعبي سلمي وبدعم إقليمي ودولي مطلوب.       





3
حملة من أجل عقد المؤتمر الوطني لقوى التنوير والديموقراطية في العراق

يزداد المشهد العراقي تعقيداً بسبب إصرار أركان النظام الطائفي الفاسد على التشبث بالسلطة عبر الإيغال في ارتكاب مزيد جرائم القمع الدموية ورفض الاستجابة لمطالب الشعب وثورته. ولعل مجمل ذلك التخندق وأجنداته يفضح ما اعتُمِد من التضليل والعبث المكرور الأمر الذي قلب العملية السياسية رأساً على عقب، بتكريسه التمترس الطائفي والمحاصصة والتعامل مع الوطن والناس على كونهما غنيمة للاقتسام بين عناصره المافيوية.
من هنا جاء الفعل الشعبي بانتفاضة تشرين لينتقل بها إلى ثورة شعبية عارمة لإسقاط النظام واستعادة السلطة من أجل تعبيرها عن الإرادة الشعبية لا ذوي المصالح النفعية المافيوية.
غير أنّ الثورة الشعبية المستمرة منذ ما يزيد عن خمسة أشهر، لا يمكنها النجاح واستكمال خطى التغيير الكلي الأشمل، ما لم تستطع قوى التنوير العلمانية الديموقراطية، عقد المؤتمر الوطني المنشود؛ من أجل تشكيل أداة الشعب لحسم المعركة مع النظام والتأسيس للبديل النوعي بتشكيل (المنصة الوطنية الديموقراطية) تحالفاً يضم الشبيبة الثائرة والحركات والأحزاب العلمانية الديموقراطية..
لقد أقرَّ الجميع بأنه لا عودة إلى ما قبل أكتوبر 2019 وأن البلاد يجب أن تُسلّم لسلطة مستقلة حرة تدير مرحلة انتقالية قصيرة وتهيئ لانتخابات نزيهة حرة على ألا يشارك فيها أيٍّ من القوى الحاكمة ما قبل تشرين أكتوبر وأن تنعتق من تدخلاتها بضمانة قانون انتخابي يُقَر شعبياً ومفوضية انتخابية مستقلة حقاً إلى جانب نهوض تلك السلطة الانتقالية بضبط الأمن وفرض سلطة القانون وهيبة الدولة وضمان الحقوق والحريات العامة والبدء فوراً بمحاسبة المسؤولين عن كل الجرائم المرتكبة ومنع الإفلات من العقاب وحصر السلاح بيد الدولة بمعنى حل الميليشيات وحظر التشكيلات التي تمثل امتداداً متخفيا للإسلام السياسي وأطلاق سراح المعتقلين وتحرير المختطفين بسبب المشاركة في الانتفاضة ..
إنّ ضرورة الاستعداد لخوض المعركة ضد بقايا نظام الطائفية والمحاصصة وخطابه القائم على منطق الخرافة والدجل وعلى الأضاليل التي بات خبيرا بلعبتها ومعها مهام التنوير ومحاربة منطق الخرافة وبناء ثقافة وطنية جديدة إلى جانب تشكيل قيادة وطنية ديموقراطية مستقلة تحمل هموم الثوار ومطالبهم في التفاوض مع المجتمعين الدولي والمحلي، نؤكد هنا أن جملة تلك المهام تقتضي اليوم بالضرورة والحتم أن نتوجه بندائنا هذا إلى قوى التنوير العراقية، العلمانية الديموقراطية بتشكيلاتها التالية: الديموقراطية والليبرالية والقومية التقدمية والشخصيات الوطنية وتلك المؤمنة التي تتفق مع مبدأ فصل الدين عن الدولة والسياسة لعقد مؤتمرها الوطني فوراً.
وتجنباً لظهور ما قد يمنع ولادة التحالف أو تأخره ينبغي للقوى المعنية بدءاً أن تسجل مراجعتها الجدية المسؤولة عن إيقاف تجربة تحالف تلك القوى (تجربة تقدم) كي تستعيد المكاشفة والمصارحة ومن ثمّ تستعيد الثقة المهتزة ليس بين تلك القوى حسب بل بينها وبين الجماهير الشعبية التي اكتوت بمرارات الـ17 سنة عجافا وتفاصيلها..
وليكن شكل التحالف مجسَّداً بـ(المنصة الوطنية الديموقراطية) فهي شكل تنظيمي لا يذهب في طابع التشكيل وهويته التنظيمية أكثر من القواسم المشتركة التي وضعتها الثورة الشعبية وتلخصت بما أوجزناه بشأن إدارة المرحلة الانتقالية ومهامها المحددة حصريا سلفا.
نحن موقعي هذا النداء نتوجه به إلى كل المواطنات والمواطنين من التنويريات والتنويريين ومنظماتهم وأحزابهم وجمعياتهم ممن آمن بالديموقراطية منهجا بديلا نوعيا للحل ومشاركتنا رؤية عدم الاكتفاء بإصدار البيانات وقراءة الأوضاع وتفسيرها بولوج ميدان الفعل وإقرار الحركة باتجاه عقد هذا المؤتمر، إن وجودكم في هذه المنصة هو التبني التام للفعل الميداني وتجنب انتظار الآخر فلنكن معا الفعل والحركة والأداء..
وللتنويه يؤكد المبادرون عزوفهم عن السعي لأي منصب أو مسؤولية في توجيه المؤتمر بخلاف مبادرتهم لتفعيل النداء والانعقاد والعمل من أجل تهيئة المكان، إن طلب منا ذلك، وتسهيل عملية الانعقاد وتشكيل منصة اللقاء الوطني الديموقراطي.
 
كاظم حبيب                                      تيسير الآلوسي                                            نهاد القاضي
 
 
 


4
كاظم حبيب
المرأة في عيدها الأممي في الثامن من أذار
[قرة العين: النموذج الرائع لنضال المرأة لانتزاع حقوقها المشروعة]
خلال الأشهر الخمسة المنصرمة برهنت المرأة العراقية، صبايا وشابات وكبار السن، عن قفزة نوعية لا مثيل لها في ظل الظروف المعقدة والصعبة والقاسية التي يمر بها الشعب العراقي، قفزة نوعية في الوعي الفردي والجمعي، وفي الممارسة النضالية لانتزاع حقوقها المغتصبة وحريتها المصادرة ووطنها المسلوب، إذ تقف بإصرار وحزم في صف واحد مع أخيها الرجل المناضل مثلها من أجل حقوقه المغتصبة وحريته المصادرة ووطنه المستلب، فهما معاً يشكلان نضال هذا الشعب المغدور من نظام سياسي طائفي وفاسد ومقيت. لقد سقطن شهيدات في مجرى النضال اليومي، اختطفن وعذبن بشراسة رهيبة تذكرنا بأساليب البعث الدموية وأساليب القوى الطائفية المتطرفة في إيران في سجن أيفين، التي تحدث عنها المناضل الشيوعي حيدر الشيخ علي والتي كتب عنها الروائي عبد الرحمن منيف في الرواية الموسومة "الآن.. هنا، أو شرق المتوسط مرة أخرى". ومن أجل تمجيد نضال المرأة عموماً والمرأة العراقية وكذلك المرأة الإيرانية، وكلتاهما تعانيان الأمرين من نظامين مستبدين وفاسدين ومناهضين للنساء ولحقوقهن المشروعة والعادلة أعيد نشر هذا المقال عن واحدة من المناضلات الباسلات في منتصف القرن التاسع عشر، عن قرة العين.   
     
حين نقلب صفحات النضال المرير الذي كانت ولا تزال تخوضه المرأة في سبيل حقوقها العادلة والمشروعة والمغيبة في المجتمعات الذكورية منذ أن فقدت المرأة دورها الأول في العائلة والعشيرة والمجتمع ، أي منذ أن أصبح الرجل سيد الموقف وغيَّر حتى بنية ومنطق واستخدام اللغة لتكون ذكورية صارخة نلمسها في كل اللغات تقريباً ، سنلتقي بنسوة كثيرات جداً ناضلن بعناد وصلابة في سبيل حقوقهن المشروعة والمغتصبة ، وبتعبير أدق ، حقوق المرأة وحريتها وكرامتها واستقلالها الاقتصادي ودورها في العائلة والمجتمع والدولة لا في بلدانهن حسب ، بل كان لهذا النضال أينما حصل صداه الإيجابي وتأثيره المتباين في كل مكان. إذ رغم أن نضال المرأة في كل بلد أو إقليم أو منطقة قد اتخذ طابعاً محلياً ، إلا أنه شكل حلقات في سلسلة طويلة ومتشابكة من العمليات النضالية الصغيرة والكبيرة لصالح المرأة على مختلف الصعد والمجالات. فما من نجاح تحقق في إقليم ما إلا ووجدنا تأثيره بهذا القدر أو ذاك على نضال وحقوق المرأة في المناطق أو الدول والشعوب الأخرى. ومن هنا انطلقت الفكرة النيرة التي تبلورت لدى السيدة الراحلة والمناضلة الألمانية المقدامة كلارا تستيكن حين اقترحت أن يكون الثامن من آذار/مارس من كل عام يوما للنضال العالمي في سبيل حقوق المرأة كاملة غير منقوصة ، يوما تحتفل فيه المرأة بمنجزاتها وتتعهد بمواصلة النضال لتتساوى مع الرجل في كل شيء على صعيد كل بلد وكل إقليم والعالم كله. ولم تكن نضالات المرأة باستمرار منجزات طيبة ، بل شهدت أحياناً تراجعات وانكسارات غير قليلة وردات سياسة واجتماعية قاسية ، كما يعيش اليوم في ظله بعض شعوب منطقة الشرق الأوسط ، ومنها إيران والعراق من الناحية العملية والواقع القائم.
لا شك في أن نضال المرأة لم يبدأ مع يوم عيدها العالمي ، بل سبق ذلك بقرون طويلة. ويمكن أن نجد ذلك في صفحات التاريخ العالمي ، ولكن في صفحات تاريخ الشرق الأوسط أيضاً ، كما ينعكس بوضوح في الروايات التي وصلتنا من العهود المنصرمة ، ومنها نضال شهرزاد للخلاص من اضطهاد وظلم وجرائم شهريار ضد المرأة من خلال الزواج منها ليلة واحدة يقضي فيها وطره منها ثم يقتلها في الصباح المباح.
وبقدر ما يقدم التاريخ صوراً رائعة وخالدة عن نضال المرأة ، يقدم لنا أيضاً صوراً مخزية وشرسة لسلوك عام للرجل إزاء المرأة حتى في المرحلة الراهنة. ولا يقتصر ذلك على شعب واحد أو دولة واحدة أو دين واحد ، بل نجده في فترات مختلفة لدى غالبية الشعوب والدول وبدرجات متفاوتة. ولكن كان ولا زال هناك رجال ناضلوا جنباً إلى جنب مع المرأة في سبيل حقوقها. وحيثما أمكن توحيد هذا النضال ، تحقق للمرأة وللمجتمع وللرجل أيضاً أفضل المنجزات.
تمتلك منطقة الشرق الأوسط سجلاً نضالياً رائعاً لنسوة كن في طليعة النضال في سبيل حرية المرأة وحقوقها. وقرة العين هي واحدة منهن التي قدمت حياتها فداءً لحريتها وحقوقها المشروعة. إنها السيدة الراحلة فاطمة بنت صالح القزويني ، التي أطلق عليها لقب الطاهرة وقرة العين وأم سلمى والتاج الذهبي ، وهي أم لثلاثة أبناء.
ولدت السيدة فاطمة من أبوين فارسيين في مدينة قزوين بإيران في العام 1231 هجرية المصادف 1815 ميلادية في أحضان عائلة متدينة ورعة ومتضلعة بالمسائل الدينية وتلتزم بالمذهب الشيعي الإثنا عشري في الإسلام. أطلقت العائلة الدينية اسم فاطمة على الوليدة تيمناً باسم فاطمة الزهراء بنت النبي محمد بن عبد الله وزوجة الإمام علي بن أبي طالب وأم الحسن والحسين والسيدة زينب ، وفي ما بعد كنَّاها والدها بـ"زرين تاج" أو "التاج الذهبي" الذي زين بها العائلة ، كما أطلق عليها فيما بعد كنية أم سلمى. تزوجت السيدة فاطمة من ابن عمها ، وكان عمرها 14 سنة ، ثم اختلفت معه فكرياً واجتماعياً وانفصلت عنه بعد أن أنجبت له ثلاثة أبناء ، هم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق.
برز نبوغها في فترة مبكرة ، إذ درست العلوم الدينية على أيدي والدها الملا صالح القزويني وعمها الملا محمد تقي القزويني ، وهما من عائلة البرغاني المعروفة بالتدين ، واختلفت فيما بعد مع عمها وزوجها. تعرفت على أفكار الحركة الشيخية التي كانت قد برزت في إيران بحدود فترة ولادة قرة العين في قزوين ، أي بعد سنيتن من ولادتها وفي العام 1817 م ، حين كانت تدرس الدين وتعيش الصراعات الفكرية بين مجتهدي المدارس الدينية المختلفة في إيران. وكان المذهب الشيعي على امتداد قرون طويلة وحيثما وجد مصدر بروز حركات فكرية كثيرة ، ولكنها لم تصل كلها إلى العمق الذي بلغته الحركة البابية التي انطلقت من حضن الشيخية وسعة تأثيرها وتحررها من العقد التي لازمت الكثير من المذاهب الدينية والتي قادت هذه الحركة الإصلاحية في المحصلة النهائية إلى بروز دين جديد متحرر من كثرة من القيود التي تفرضها الأديان الأخرى كالدين اليهودي أو المسيحي ، ولكن بشكل خاص الديانة الإسلامية ، والذي أطلق عليه بالديانة البابية فالبهائية على يدي مؤسس الدين السيد ميرزا حسين علي (1817-1892م). بدأت الحركة ، التي أطلق عليها بالحركة الشيخية ، في صفوف شيعة الأحساء حين تحدث الشيخ أحمد الأحسائي بقرب ظهور الإمام المهدي المنتظر ، وهو الإمام الثاني عشر لدى أتباع المذهب الشيعي ، محمد بن الحسن العسكري ، وكنيته أبو عبد الله وأبو القاسم ، كما لقب بعدد من الألقاب الأخرى ، ومنها : القائم ، المنتظر، الخلف والمهدي صاحب الزمان ، حيث يعتقد الشيعة بأنه الغائب وسيعود يوماً لينقذ العالم من المفاسد. .
في مدينة كربلاء القديمة المحافِظة والنائمة والحالمة دوماً والهائمة بالحزن والبكاء وجلد الذات ، المدينة التي كانت منذ عهد الإله بعل ولا تزال حتى الآن وستبقى تستقبل جنائز الموتى القادمة من مختلف بقاع العراق القديم حينذاك ، ومن ثم الكثير من جنائز موتى الشيعة المحمولة من مختلف أركان الدنيا حيثما وجد فيها بشر من أتباع المذهب الشيعي ، في هذه المدينة المحاطة بالبساتين الغناء حيث ينتشر فيها النخيل والكثير من أحلى وأطيب الفواكه وتسقى من نهر الحسين الفراتي المصدر ، في هذه المدينة المرهقة ، كانت المرأة ( ولا تزال ) تعاني من كل الممنوعات التي يمكن أن يكون الإنسان قد عرفها يوماً في تاريخه الطويل وفي مختلف بقاع العالم ، ثم زادت عليها المؤسسة الدينية وشيوخ الدين الكثير الجديد من تلك الممنوعات والمحرمات الغريبة عن طبيعة الإنسان ، في هذه المدينة فرض الرجال سابقاً ، حتى الآن ، على المرأة الحجاب المركب والمعقد وفرضوا عليها الإقامة الجبرية بين جدران الدار والمطبخ والعباءة ولحق بها الظلم من الذكور والمجتمع والدولة في آن واحد. ففي هذه المدينة كان الذكور يربطون اسم المرأة حين تذكر في مجالسهم العامة والخاصة بكلمة "حاشاك" وكأن اسم المرأة شيئٌ مسيئٌ يخدش سمع وحس الذكور ، وكأنها عورة لا تستحق الذكر ، في هذه المدينة المتعبة هيمن الحزن والبكاء والألم على استشهاد الحسين بن علي بن أبي طالب وصحبه الكرام في شهر محرم من العام 61 هجرية المصادف في شهر تشرين الأول 680 ميلادية على جميع الناس أبدا ، في هذه المدينة العجوز برزت فجأة ظاهرة لا تعود إلى ذلك العصر ، بل جاءت في غير عصرها ولكنها كانت تعبر عن الصراع الداخلي الذي كانت تعيشه المنطقة بين القديم والجديد ، بين الحرية والقيود الثقيلة ، إذ وصلت في العام 1828 أو 1829 صبية إيرانية بالغة الحسن والجمال لم تبلغ بعد الخامسة عشر من عمرها بمعية زوجها الملا محمد بن الملا محمد تقي القزويني إلى كربلاء ليدرس الفقه على أيدي شيوخ الدين. عاشا معاً في هذه المدينة 13 عاماً. ثم غادرا العراق في العام 1841 إلى قزوين ، ولكنها عادت بمفردها إلى كربلاء في العام 1843 لتلعب هذه المرة دوراً فكرياً وسياسياً كبيراً حرك مياه المجتمع الراكدة والمتعفنة بعد أن كانت قد بلغ عمرها 29 عاماً. وكانت عودتها بمفردها ناشئة عن رغبتها في الدراسة على يد الملا كاظم الرشتي ، كبير الشيخيين في كربلاء وأحد ابرز شيوخهم ، إذ كانت قبل ذاك قد انفصلت عن زوجها ، حيث عاشا مختلفين فكرياً وسياسياً وبمزاجين متضادين ، إذ كان الزوج ووالده ملا محمد تقي القزويني من الرافضين للشيخية ومن ثم البابية ومعادين لها حيث أصدر والد زوجها فتوى بتكفير الشيخيين في حين ازدادت هي تعلقاً بهم.
حين غادرت المرأة في المرة الأولى كربلاء كانت قد تبلورت لديها بعض الأفكار الأكثر تحرراً والأكثر قوة وجرأة وتقدماً من أفكار الشيخيين. حطت الرحال ثانية في مدينة قزوين وبدأت نشاطها الديني والسياسي باتجاه آخر أبعد عمقاً من الشيخيين. لم تبق في قزوين طويلا ، إذ عادت إلى كربلاء بأمل أن تدرس على يدي الشيخ كاظم الرشتي ، ولكنه كان لتوه قد ودع الحياة ليخلفه الملا أحمد الخراساني. لم يكن هذا الرجل متفتحاً ، بل محافظاً وتقليدياً وبعيداً عن فهم ووعي طبيعة الجديد الذي تبلور في أعقاب اتجاه الشيخيين في إيران وعلى أيدي أناس أخرين. فبدأ الخلاف بينه وبين قرة العين التي جاءت بحماس أكبر ووعي أعمق واصرار أكبر على الدور الذي يفترض ويمكن أن تمارسه المرأة.
أحدثت هذه المرأة ضجة كبيرة بين الرجال في كربلاء أكثر مما أثارته بين النساء ، بسبب القيود التي كانت مفروضة على حركة النساء حينذاك ، رغم وجود نساء كن يحضرن إلى مجالسها والاستماع إلى أراءها الحصيفة إزاء حرية المرأة ، إذ خرجت عن صمتها في سفرتها الثانية إلى كربلاء وتخلت عما يطلق عليه بالتقية ، أي الابتعاد عما يمكن أن يخلق للإنسان المتاعب مع الآخرين من اتجاهات فكرية أو سياسية أخرى ، فجاهرت برأيها بعد وفاة الرجل الذي اعتمدت عليه وجاءت من أجل التزود من معارفه وعلومه الدينية ، وهو السيد كاظم الرشتي (من مواليد مدينة رشت في إيران) الذي تولى الدعوة الشيخية عن الشيخ أحمد الإحسائي بعد وفاته. اختلفت قرة العين مع الملا أحمد الخراساني الذي ترأس الشيخية في كربلاء من بعده ، والذي ، كما يبدو من كتاباته ونشاطه حينذاك ، كان محافظاً تقليدياً يخشى المؤسسة الدينية الشيعية في كربلاء ومن أجهزة الدولة العثمانية ، إضافة إلى خشيته من منافسة قرة العين لموقعه الديني في مجموعة الشيخية ، بسبب قدراتها الذهنية والسياسية وبلاغتها وإجادتها للغتين العربية والفارسية ودورها كإمرأة في وسط يصعب تصور التحرك فيه ويستوجب تجاوز الكثير من العقبات. وقد أدى خلافها ذلك إلى أن ينشر الملا أحمد الخراساني كتابات ضدها ويسيء إليها ويدفع بالمسئولين إلى حجزها في دار آل كمونة في مدينة كربلاء لفترة معينة إلى حين أمكن تسفيرها إلى بغداد ، حيث واجهت هناك مصاعب إضافية رغم سعي مفتي بغداد السيد محمود الآلوسي أفندي حمايتها ، ولكنها كانت شديدة الحماس لما آمنت به ، وخاصة في موضوع حرية المرأة وحقها في نزع الحجاب عن وجهها ومساواتها بالرجل ودفاعها الحماسي عن معتقداتها دون وجل أو تردد. وكان ظهورها فيما بعد بدون قناع الوجه قد تسبب في صراعات في إيران ذاتها بعد أن عادت إليها تاركة العراق خلفها ، إذ لم يترك المسئولون وكذلك المؤسسة الدينية الشيعية لها المجال للعمل والعيش والدعاية لعقيدتها الجديدة ، خاصة وأنها كانت ضد الكثير من الطقوس التي كان أتباع المذهب الشيعي يمارسونها في أيام عاشوراء ، وهي النقطة التي حاول الملا أحمد الخراساني استخدامها ضد قرة العين باعتبارها تعارض الطقوس الدينية الشيعية ، وبالتالي ساهم مع آخرين بتكفيرها. وبعد فترة وجيزة ، ونتيجة إصرارها على مواقفها الفكرية الدينية ، أن دفعت ثمن ذلك حياتها حيث قتلت بفتوى صدرت ضدها في إيران قضت بحرقها ، ولكن أغلب المصادر المتوفرة تؤكد إن من كلف بتنفيذ فتوى حرقها ، قام بخنقها ثم رمى جثتها في بئر وطمر البئر بالحجارة والتراب. كان ذلك في العام 1852م، وكانت قد بلغت حينذاك السابعة والثلاثين من عمرها. وكان قبل ذلك ، أي في العام 1850 قد تم إعدام الباب نفسه بعد أن صدرت فتوى دينية بإعدامه.
كتب الزميل الدكتور رشيد خيون بشأن الديانة البهائية يقول:
"البابية والبهائية حركة دينية اجتماعية ، ومجددة بحدود ما تبنته من تعاليم جديدة ، عرفت بين أعدائها بنسخ الشريعة ، وإباحة المحارم. ولعلها كانت الحركة الدينية الأبرز في الشرق خلال القرن التاسع عشر ، في تبني أفكار جذابة ، استوعبت المتغيرات الجديدة ، بعد ركود السائد الديني والمذهبي عشرات القرون. عزفت هذه الحركة على وتر المعاصرة والتجديد ، مع أن رداءها الديني والمذهبي أدخلها في متاهات الإعجاز وغيرها من الغيبيات."
لم يكن للمرأة تأثير كبير على المجتمع الكربلائي الذي كان يعيش في سبات اجتماعي عميق ، وكان الموقف من النسوة عميق الغور في رفض ممارستها لحريتها وحقوقها ، بل كانت منزوعة الحقوق ونسبة عالية منهن لا يقرأن أو يكتبن في المدينة ، والجهل مطبق في ريف هذه المدينة وفي عيرها. ولم يكن في مقدور المصلحين في هذه الفترة إلا أن يكون طرحهم لأفكارهم الإصلاحية من خلال الدين واستناداً إليه ومحاولة لتفسير بعض الآيات والأحاديث بما يساعد على دفع الإصلاح بصعوبة كبيرة نحو الأمام. ورغم ذلك وجدت هذه المرأة بعض النسوة اللواتي كن يستمعن لها ويوافقن على طروحاتها من خلال الإصرار على حضورهن لمجالسها من جهة ، ومن خلال التعرف على الخشية التي تفاقمت لدى المؤسسة الدينية وشيوخ الدين في كربلاء من تمادي هذه المرأة في عقد جلساتها ومواصلة الدعاية لأفكارها وموقفها ضد الحجاب من جهة أخرى ، إذ كان الحجاب يشكل بالنسبة لهؤلاء أحد أهم قيم الإسلام الأساسية التي لا يريدون التخلي عنه ، في حين أن نزع حجاب الوجه ليس كذلك بأي حال من الأحوال ، بل كان أحد الأسباب الأساسية في تخلف المرأة والمجتمع في آن. إلا أن ضعف تأثير قرة العين على المرأة الكربلائية أو العراقية لا يعني أنها لم تحرك المياه الراكدة ، بل لم تستطع أن تفتح مجرى جديداً لمياه صافية تدخل إلى البركة ذات المياه الراكدة لتغير من روائحها النتنة ، كما كانت تتوقع وتنتظر ، إلا أنها تركت في الذاكرة العراقية ما بدأ بعد أكثر من سبعة عقود من حوار واسع في العراق بين المثقفين المتحررين والمحافظين وبعض شيوخ الدين حول الحجاب والسفور والذي تبنته جماعات حداثية دافعت عن ذلك بكل حماس وحيوية في مواجهة التيارات المحافظة والتقليدية والعاجزة عن رؤية الجديد. لقد كانت قرة العين نسمة عليلة في صيف شديد الحرارة ، أنعشت بعض النفوس ولكنها لم تستطع أن تفعل أكثر من ذلك حينذاك.
كتب الأستاذ الراحل الدكتور علي الوردي مقيماً قرة العين ما يلي: "حين نستقرئ سيرة قرة العين منذ بداية أمرها حتى ساعة مقتلها نشعر بأنها امرأة ليست كسائر النساء ، فهي علاوة على ما تميزت به من جمال رائع كانت تملك ذكاءً مفرطاً وشخصية قوية ولساناً فصيحاً ، وتلك صفات أربع قلما اجتمعت في إنسان واحد ، وأن هي اجتمعت فيه منحته مقدرة على التاثير في الناس وجعلته ممن يغيرون مجرى التاريخ.... إني أعتقد على أي حال أن قرة العين امرأة لا تخلو من عبقرية وهي قد ظهرت في غير زمانها ، أو هي سبقت زمانها بمائة سنة على اقل تقدير . فهي لو كانت قد نشأت في عصرنا هذا ، وفي مجتمع متقدم حضارياً ، لكان لها شأن آخر ، وربما كانت أعظم امرأة في القرن العشرين" .
ويمكن الادعاء بأنها لو ظهرت اليوم في العراق وإيران ، أي في أوائل القرن الحادي والعشرين ، ستكون قد سبقت زمانها بأكثر من قرن واحد بعد أن عاش البلدان ردة فكرية وسياسية واجتماعية عميقة وشديدة الوطأة على الناس ، ولكن بشكل خاص على المرأة في كل من إيران والعراق بشكل خاص ، إضافة إلى أوضاع المرأة في السعودية مثلاً. إذ أن شعوب هذه البلدان لم تعرف التنوير الديني والاجتماعي حتى الآن ، إذ عاد الحجاب يفرض نفسه على المرأة العراقية ويعيدها إلى حالتها المأساوية في القرن التاسع عشر حيث ظهرت هذه المرأة الشجاعة.


5
كاظم حبيب
نحو قراءة متمعنة لبيان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي
بتاريخ 05/03/2020 صدر بيان مهم عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي تحت عنوان " نحو التحرك العاجل لإنقاذ شعبنا ووطننا" يطرح فيه رؤية الحزب لواقع العراق الراهن وحالة الشعب المتزايدة تأزماً وتردياً واختناقاً حيث جاء في صدر البيان التشخيص التالي:
"تشهد الاوضاع في بلادنا بمرور الايام والاسابيع مزيدا من التعقيد والتشابك والتدهور، وتستفحل الازمة العامة بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيما تطحن البلاد ازمة بنيوية مفتوحة على الاحتمالات كافة، بما فيها الاسوأ. وبجانب هذا تتكاثر المشاكل مستعصية الحل في إطار منظومة الحكم الفاشلة، القائمة على منهج المحاصصة الطائفية – الاثنية والبناء المكوناتي." ويؤكد البيان فشل القوى والكتل المتنفذة عن إيجاد حل لأزمة الحكم في البلاد لعدد من الأسباب، وهي: 
1)   منظومة الحكم الفاشلة القائمة على المحاصصة الطائفية -الأثنية والبناء المكوناتي.
2)   ازمة المنظومة السياسية بكاملها، وخطل الآليات النافذة في ادارة الدولة منذ ٢٠٠٣، وعلى الصعد كافة.
3)   تشبث هذه القوى والكتل بالحكم وعجزها عن تقديم حلول ومخارج للأزمة والمشكلات القائمة.
4)   عدم الثقة السائدة فيما بين القوى والكتل الحاكمة أولاً وبينها جميعاً وأبناء الشعب وشبيبته ثانياً. 
ويرى البيان إن الذين انتفضوا على حكم هذه القوى والكتل المتنفذة ونهجها ونمط تفكيرها، يسعون إلى تخليص البلد من التدهور والفساد والبؤس والجوع والمرض وثلم القرار الوطني المستقل، ومن فوضى السلاح وتغول المليشيات وضياع هيبة الدولة، ومتطلعين الى اقامة دولة المواطنة والديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية.
ويرى البيان أيضاً بأن "المهمة الملحة اليوم هي تشكيل حكومة وطنية جديدة مؤقتة ومصغرة، من دون ابطاء ومماطلة وبعيدا عن نهج المحاصصة واخطبوط الفساد، بما يقي العراق من المزالق الخطرة الناجمة عن الاستعصاء السياسي والتدخلات الخارجية، وبما يضمن تداول دستوري وسلمي للسلطة، يضع في الاعتبار الحقائق الجديدة التي أفرزتها الانتفاضة".
ثم يطالب البيان رئيس الجمهورية القيام "بالخطوات الضرورية لاختيار وتكليف رئيس للوزراء، وفقا للدستور وبموجب معايير الوطنية والكفاءة والنزاهة والاستقلالية، والقدرة على اتخاذ القرار وعلى تنفيذ البرنامج الحكومي الموقت، بعيدا عن المناطقية والطائفية السياسية والتحزب الضيق والاملاءات الخارجية."
ويشخص البيان مهمات الحكومة المؤقت بما يلي:
"* اجراء الانتخابات المبكرة في موعد لا يتجاوز السنة كحد اقصى.
* مراجعة قانون انتخابات مجلس النواب، واعتماد صيغة منصفة وعادلة.
* مراجعة تشكيل مفوضية الانتخابات بما يضمن ان تكون مستقلة حقا، وقادرة على ادارة عملية انتخابية نزيهة وشفافة وذات صدقية، بعيدا عن المال السياسي والسلاح، وبإشراف دولي فاعل. 
* اعلان ضحايا الانتفاضة والاحتجاجات شهداء للشعب، ووقف القمع ضد المنتفضين واطلاق سراح المعتقلين منهم وإبطال اجراءات ملاحقتهم والكشف عن مصير المغيبين. كذلك اعلان نتائج التحقيق في قضية قتل المنتفضين والمحتجين، ومحاسبة كل من تورط في الجرائم المرتكبة بحقهم.
* مباشرة إجراءات جدية وملموسة لمكافحة الفساد، وتقديم المتهمين بمختلف مستوياتهم، خاصة الكبار، الى القضاء.
* انجاز الخطوات الآنية العاجلة لتأمين القوت للشعب، وتطمين حاجاته المعيشية والخدمية الملحة."
ثم يؤكد البيان "ان تحقيق هذه الاهداف وغيرها مما يتطلع اليه الشعب والانتفاضة ويطالبان به، يستلزم خلق ارادة شعبية وطنية ضاغطة على القوى المتنفذة، عبر توسيع الانتفاضة وتنظيم صفوفها وزيادة مساحة تأثيرها وتوحيد رؤاها وتصوراتها، وفتح حوارات جدية بين المنتفضين وسائر القوى والشخصيات الوطنية الداعمة لهم والتي تحملت معهم الظروف الصعبة التي مرت بها الانتفاضة، وشاركتهم شرف تقديم الشهداء والتضحيات، لتأمين قيام اصطفاف شعبي وسياسي وطني واسع، داعم ومساند للانتفاضة، بما يديم زخمها وحيويتها ومواصلة الضغط لتحقيق اهدافها، وفتح الطريق امام التغيير المنشود الذي بات ضرورة ملحة."
إن هذا البيان على أهميته وحيويته لا يأت بجديد في كل الموضوعات التي طرحها. وأن الجديد المهم الذي يدعو له يبرز في إعادة لحمة القوى الوطنية والديمقراطية لزيادة الضغط على القوى والكتل المتنفذة، وهو أمر مطلوب. كما يدعو إلى الحوار مع القوى التي تشارك الحزب الرؤى والأهداف والتوجهات، الى التحرك العاجل لإنقاذ البلد من الازمة المستعصية، والى تفعيل دورها والارتقاء بتنسيق مواقفها واجراءاتها، والسير معا نحو تحقيق اهداف الشعب وتطلعه الى عيش آمن وكريم وحياة مدنية، في ظل دولة مؤسسات وقانون تحترم حقوق الانسان، وتسود فيها قيم المواطنة والعدالة الاجتماعية".
ولكن الحزب الشيوعي العراقي لم يقدم لأبناء الشعب العراقي والقوى المدنية الوطنية الديمقراطية الجادة ما هي الخطوات الضرورية والملحة التي يتخذها الحزب لتحقيق هذا الهدف. وأخر اجتماع تم عقده بين كل القوى السياسية المدنية الوطنية الديمقراطية وبحضور تسعة أشخاص من الشبيبة من قوى الانتفاضة ومن ذوي الشعر الأسود (شبيبة)، لم يصل إلى أية نتائج مرجوة ومطلوبة. السؤال المهم والحيوي أمام الحزب الشيوعي العراق والقوى الأخرى هو الإجابة عن أسئلة ملحة وحيوية، منها:
ما هو السبيل لتحقيق التغيير السلمي للنظام السياسي الطائفي المحاصصي القائم؟ أليس هو تغيير ميزان القوى لصالح قوى الانتفاضة وعموم الشعب؟ وإذا كان كذلك، وهو كذاك، وهو لا يتم بالنداءات والبيانات فقط بل بالعمل المباشر، كيف يتحقق التغيير في ميزان القوى؟ الا يتطلب ذلك إقامة ائتلاف مدني وطني ديمقراطي واسع؟ وإذا كان كذلك، وهو كذلك، كيف يجري تحقيق مثل هذا الائتلاف؟ وما هو دور الحزب الشيوعي في تحقيق ذلك؟ وكيف يمكن تعزيز الثقة المتبادلة بين القوى الديمقراطية التي تعرضت لأزمة حادة وجديدة خلال الأعوام الأخيرة؟ كما أرى بأن القول: ".. وختماً ندعو من يشاركنا إلى التحرك..." هو قول وحيد الجانب وغير كاف، بل يفترض أن يتحرك الحزب نحو هذه القوى المدنية والديمقراطية لا أن ينتظر مجيئها له، وأن يتحرك لها بمنظور واضح قابل للتعديل والإضافة والتغيير على وفق النقاش الجاد والمسؤول وعبر مؤتمر واسع لهذه القوى. بهذا نستطيع أن نعبر عن تواضع الحزب ونهجه في التعامل مع الآخرين وعلى أساس السوية والعمل المشترك بعيداً عن كل ما يعيق التعاون والتنسيق والتكامل النضالي في هذه الفترة العصيبة والمفصلية التي يمر بها العراق.   









6
كاظم حبيب
السقوط المدوي للإسلام السياسي والتشبث بالحكم في العراق
قفزت القوى والأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية على كراسي الحكم في البلاد بدعم استثنائي وتصميم حازم من جانب الإدارة الأمريكية بقيادة المهووس بدوره لنشر الحرية الأمريكية بمعنى الهيمنة في العالم من جهة، ودعم مطلق من جانب البيت الصفوي بقيادة خامنئي الساعي إلى نشر الهيمنة الإيرانية على الدول ذات الأكثرية المسلمة في الشرق الأوسط وغرب آسيا، من جهة أخرى، وبمساعدة مباشرة من الحوزة الشيعية في النجف المتمثلة بالسيد علي السيستاني من جهة ثالثة. وكانت الجهة الرابعة تتمثل بالجهل والأمية السياسية اللذين عما البلاد بفعل هيمنة البعث المديدة ونظامه السياسي العنصري والطائفي المناهض للكرد وأتباع المذهب الشيعي من العرب والكرد الفيلية، وكل معارضيه من السنة وأتباع الديانات الأخرى كالمسيحيين والإيزيديين في غرب العراق ونينوى، وكذلك الصابئة المندائيين. 
قفزت الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية إلى حكم العراق في أعقاب حرب مدمرة قادتها الولايات المتحدة بدعم دولي خارج إطار الأمم المتحدة وضد قرار مجلس الأمن الدولي الذي رفض تلك الحرب التي أُعلنت وشُنت في عام 2003 وجرى فيها تدمير كامل للبنية التحتية وما بقي من مشروعات اقتصادية وخدمية في البلاد. وكان هدف الولايات المتحدة الأمريكية ضمان تأمين الأرضية المناسبة لنشوب صراع قومي ومذهبي وتمييز ديني في العراق على المدى الطويل وإنقاذ إسرائيل من جيوش "ياجوج وماجوج!!!" العراقية، وبالتالي عجز الشعب عن توفير الأجواء المناسبة لوحدة الموقف ضد العنصرية والتمييز الديني والطائفية السياسية. وهو ما تحقق للولايات المتحدة خلال السنوات الـ 17 المنصرمة، ولكن تحققت في الوقت ذاته لإيران هيمنتها الفعلية على جميع مفاصل الدولة العراقي وسلطاتها الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضاء، إضافة إلى هيمنتها الفعلية على الإعلام ومصادر المال والميليشيات الطافية المسلحة.
وخلال السنوات الـ 17 المنصرمة برهن كل حكام العراق بما لا يقبل الشك عن عدد من السمات المميزة والأساسية:
1.   تميزها بالذهنية القومية اليمينية والشوفينية، إضافة إلى التمييز الديني والمذهبي وسعيها المستمر لشق وحدة الصف الوطني معتمدة على الشعار المركزي للدول الاستعمارية العتيق والعتيد والمعتمد "فرق تسد"!
2.   فرض هيمنتها الكاملة وأيديولوجيتها الإسلامية السياسية المتخلفة والطائفية على الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث وإعلامها الرسمي.
3.   قيام الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة بتشكيل مؤسسات موازية للدولة العميقة التي تشرف عمليا على الدولة العراقية المهمشة والضعيفة، لاسيما تشكيل الميليشيات الطائفية المسلحة الموازية والمتشابكة مع القوات المسلحة والمسيطرة على قرارات القوات المسلحة، وكذلك المكاتب الاقتصادية التي تهيمن على اقتصاد البلاد ومعيشة الشعب.
4.   فساد حكام العراق وجشعهم الشديد لا في تأمين حصول النخب الحاكمة على رواتب ومخصصات وامتيازات هائلة فحسب، بل ونهبها للمال العام والثروة النفطية بشتى السبل المتوفرة لها وعلى حساب معيشة الكادحين والفقراء والمعوزين من أبناء البلاد، إضافة إلى الفساد الإداري وتكريس المحسوبية والمنسوبية على حساب الإنسان العراقي المستقل والكفوء.
5.   إهمالها الكامل للتنمية الاقتصادية، الإنتاجية منها والخدمية الأساسية كالكهرباء والماء والاتصالات والمواصلات والسكن ...الخ، ومعيشة الناس وتفاقم البطالة والفقر وزيادة تلوث البيئة، واهتمامها المطلق بمصالحها الأنانية.
6.   تبعيتها الفعلية التامة لإيران وللمرشد الإيراني الديني الأعلى علي خامنئي وتنفيذ قراراته وتوصياته على حساب إرادة ومصالح الشعب العراقي وسيادة واستقلال البلاد. وإذا كانت في البداية قد اهتمت بتوصيات السيد علي السيستاني، فإنها في المحصلة النهائية لم تأخذ بتوصياته بل اعتمدت علي خامنئي الأجنبي لا غير.
وإذا كان بعض هذه السمات لم تظهر بوضوح كاف في السنوات السبع الأولى من حكم قوى الإسلام السياسي وبفضل تأييد المرجعية الشيعية لهم، فأن الوعي المدني الديمقراطي قد بدأ بالتحرك في عام 2010/2011 وبدأ التحرك الشبابي في ساحة التحرير ببغداد ومناطق أخرى من العراق، ولكن وجهت له ضربة سريعة عبر المستبد بأمره حاكم العراق الطائفي والتابع لإيران بامتياز نوري المالكي. إلا إن المالكي عجز عن حكم البلاد في عام 2014 حين سلم الموصل ونينوى، وهو القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الوزراء، بخيانة كبيرة بانسحاب القوات المسلحة العراقية أمام عصابات داعش التي اجتاحت البلاد بـ 800 مسلح مجرم لا غير في مقابل جيش جرار ومسلح أحسن تسليح موجود في الموصل ونينوى. فأزيح هذا الرجل الذي قال "أخذناها بعد ما ننطيها!"، حين رفضه ولفظه الشعب، ولكن بقي الحكم بيد حزب الدعوة والبيت الشيعي المتخلف والطائفي والفاسد بفضل المساومة بين الولايات المتحدة وإيران وتأييد المرجعية الشيعية!
ولكن وبعد مرور 17 عاماً على حكم البلاد بواسطة هذه الطغمة الطائفية الفاسدة لم يعد الشعب قادراً على تحملها، فانفجر غضب الشبيبة العادل والمشروع أولاً، فكانت انتفاضة الأول من تشرين الأول، ثم التحقت بها فئات الشعب الأخرى ومن مختلف الأعمار ثانياً، وهي ما تزال متواصلة حتى الوقت الحاضر، إذ عبر الجميع عن وعي عميق بما حصل ويحصل في العراق على أيدي هذه الطغم الحاكمة المسيئة للشعب والوطن.                         
ان الانتفاضة التي اندلعت في الفاتح من تشرين الأول والنهج الذي اتبعته قوى الإسلام السياسي ومجمل الطغمة الحاكمة والحكومة برئاسة السفاح عادل عبد المهدي أكدت بقوة وسطوع السقوط المدوي لكل الأحزاب والقوى الحاكمة في مستنقع النتانة والعفونة، لأنها خانت الأمانة التي وضعت في عنقها: فقد برهنت على عدم احترامها الدستور ولإرادة الشعب، واستعدادها الكامل للتضحية بحياة بنات وأبناء الشعب لتأمين مصالحها الخاصة ومصالح أسيادها في إيران باستمرارها في السلطة. فبدلا من الاستجابة لإرادة الشعب، وجهت الرصاص الحي وخراطيم المياه والقنابل الصوتية والاغتيالات والاختطاف والتعذيب إلى المنتفضين والمنتفضات معبئة ضده كل اجهزة الدولة العسكرية الرسمية واجهزة الدولة العميقة بميليشياتها الطائفية المسلحة واستخدام مختلف أنواع الأسلحة التقليدية والكذب والخداع والمراوغة واللعب على الوقت بدم بارد، مما ادى إلى استشهاد أكثر من 700 ضحية والى إصابة عدد يقترب من 25 ألف جريح ومعوق واعتقال الآلاف من المناضلين والمناضلات الشجعان. إن التشبث بالحكم والتحايل والسعي لشق وحدة الصف المنتفض بأساليب نذلة والادعاء بالإصلاح زوراً وبهتانا، كلها سوف لن تنفع هذه الطغمة، فما عاد بالإمكان استمرارها بالسلطة لأن ذلك يعني مزيداً من الخراب والرثاثة والبؤس والفاقة لأبناء وبنات الشعب، فالظلم إد دام دمر، من جهة، ومزيداً من الغنى الفاحش للحكام الحاليين واسيادهم في إيران عن طريق النهب والسلب لثروة العراق من جهة ثانية.
إن الإجهاز السلمي على الطغمة الحاكمة ونظامها السياسي الطائفي الفاسد يتطلب وحدة القوى الشبابية في ساحات وشوارع النضال اليومي التي برهنت عن صبر وجلد وصمود وحيوية وقدرة على المواصلة أولاً، ويتطلب وحدة القوى السياسية الديمقراطية المشاركة والداعمة لقوى الانتفاضة الشعبية بكل السبل المتوفرة لديها، بما في ذلك تأمين وحدتها ومساعدتها على تحقيق وحدة الصف الوطني ثانياً، وإزالة ما ترسب من عدم الثقة والشكوكية المتبادلتين لصالح ما هو أنبل وأفضل من التفكير بالمصالح الحزبية الخاصة والضيقة.
إن الواقع الراهن يتطلب منا نحن كبار السن في الحركة السياسية الوطنية العراقية، في صفوف القوى الديمقراطية أن نتعلم من الشبيبة المنتفضة، فهم أقرب إلى نبض الشارع والشعب منّا، وهم أسرع في اتخاذ القرارات المطلوبة منّا، وهم أكثر استعداداً للمجازفة والتضحية المحسوبة منّا، وهم أكثر حركة وقرباً من الجديد والحديث في العالم وفي فهم الأحداث والتفاعل السريع معها منّا أيضا. إن ما يمكننا نحن كبار السن من تقديمه للشبيبة المنتفضة تتجلى في خبرتنا المتواضعة واستعدادنا للسير معهم وتحت قيادتهم لتحقيق المنشود لشعبنا الذي نزل يطالب بحقوقه المغتصبة، واستعادة وطنه المستلب. لنحترم نحن كبار السن ذوي الشعر الأبيض شبيبتنا المقدامة بشعرهم الأسود الفاحم، لنتواضع أمامهم وأمام بسالتهم وتضحياتهم.
إن الشبيبة التي تملأ ساحات وشوارع العراق قد مرّت في هذه الفترة النضالية التي عمرها خمسة شهور بأوضاع عصيبة وصعبة، وقد أعطتها خبرة كبيرة، وهي تدرك اليوم بأن تنظيم قواها وتعبئتها وتأمين تعاون وتنسيق ووحدة جهودها تحت قيادة واعية، جسورة، وحكيمة هو السبيل الوحيد في التعجيل بالنصر السلمي المؤزر على الطغمة الحاكمة الفاسدة التي اصطفت كلها دون استثناء ومن جديد لتفرض المحاصصة الطائفية والأثنية في توزيع السلطات الثلاث والمناصب ولامتيازات والاستمرار في نهب البلاد وخزينة الدولة وإفقار الاقتصاد والمجتمع. وإن الأمل بانتصار الانتفاضة الشعبية يأتي عبر النضال الجاري وعبر التنظيم والتنسيق والتوحيد والقيادة الواعية والمدركة لمؤامرات وخطط العدو الداخلي والخارجي المتربص لنا على حدود البلاد الشرقية والمتوغل في أعماق العراق ومفاصل الدولة والمجتمع في آن.         



7
كاظم حبيب
ضعف الثقة والتنافس الفظ حالة مميزة في التيار الديمقراطي العراقي
ليس من واجبي، كمشارك ومتابع لنشاط ودور قوى التيار الديمقراطي العراقي، المجاملة وإسداء المديح، بل من واجبي ومسؤوليتي كمواطن عراقي أن أكتب بصراحة ووضوح وجهة نظري الشخصية، التي تحتمل الصواب والخطأ، عما يجري في الوطن ومع الجاليات العراقية في الشتات مع إبراز الجوانب الإيجابية والسلبية في مجمل عمل قوى التيار الديمقراطي الذي يفترض أن يعوّل عليه في إقامة دولة ديمقراطية حديثة تأخذ بالعلمانية في الموقف من الدين والدولة والسياسة، وبتعبير واضح فصل الدين عن الدولة والسياسة، وبناء مجتمع مدني ديمقراطي حر ومتحضر حديث. أشير إلى هذه الملاحظة لأن البعض غير القليل لا يتحمل النقد الذي لا يهدف الإساءة والتشهير أو إضعاف هذا الحزب أو ذاك في علاقته مع المجتمع وفئاته المختلفة، بل يعقد بكونه يضع الأصبع على الجرح لوقف النزيف في القوى وتعبئة كل الذين يجدون في مجمل قوى الحركة الديمقراطية العراقية موقعاً لهم ومجالاً للنضال في سبيل انتزاع الحقوق المغتصبة وتأمين استقلال وسيادة الوطن المستباح منذ عقود وإلى الآن، مع الإشارة إلى الدروس المستخلصة من تجارب الماضي في التحالفات السياسية.
كلنا يتحدث بصوت واطئ أو مسموع عن تلك المشكلات الفعلية التي تواجه قوى التيار الديمقراطي في الوطن المسلوب دون ان نتقدم خطوات إلى الأمام. وإذا كانت القوى الديمقراطية أكثر من سنتين قد حققت خطوة إلى الأمام بالقوى المتوفرة في تشكيل تقدم، تراجعنا فجأة خطوتان إلى الوراء، بحيث أصبحت لملمة القوى المتشظية أكثر صعوبة وتعقيدا. فالحركة الديمقراطية العراقية بمجملها تعاني اليوم بصورة ملموسة من: ** ضعف في الثقة المتبادلة، بل وانعدامها أحياناً كثيرة والتشكيك ببعضها، ** التنافس الفظ وغير العقلاني بين أطرافها والنزعة الفوقية في التعامل مع الآخر من جهة، والنرجسية المرضية لدى البعض الآخر رغم ضعفه من جهة ثانية، ** الرغبة الجامحة في القوى أو الأشخاص في التزعم والقيادة وتصدر المواقف، دون أن يكون هذا الطموح له ما يبرره أو له مشروعيته، ** الوقوع في فخ الانشغال بالمشكلات الذاتية والصراعات البينية ونسيان القضايا الجوهرية التي تمس واقع الجماهير الواسعة، وعدم الإحساس الكافي بنبض الشارع المتحرك والمتغير باستمرار، ** الغوص في الاختلافات المولدة للخلافات، بدلاً من التحري عن نقاط الالتقاء والتفاعل وطرح المهمات المشتركة التي تستوجبها مسيرة الحركة السياسية والاجتماعية في البلاد. هذا التشخيص للمشكلات التي تحيط بقوى التيار الديمقراطي كلها مع التباين في مستوى تأثير هذه المشكلة أو تلك على مجمل العمل أولاً، مع واقع ابتلاء جميع قوى التيار الديمقراطي كلها بهذه العلل مع وجود تباين نسبي في مدى تأثيرها على عمل ونشاط وسلوك هذا الطرف أو ذاك. وتزداد هذه الحالة السلوكية في تنظيمات القوى السياسية والمنظمات المدنية الموجودة في الخارج، التي ترتبط بهذا القدر أو ذاك بتلك القوى والأحزاب في الداخل، عمقاً وتأثيراً سلبياً على العمل المشترك لمنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان في الخارج. وهي من حيث المبدأ نتاج لما جرى ويجري في الداخل، إلا إن لها تأثيرها السلبي على الداخل أيضاً، وتخلق لقوى الداخل مشكلات إضافية. إن هذا التشخيص لا يلغي بأي حال الجوانب الإيجابية والمشرقة لوجود وتطور نسبي ملموس ومواصلة نضال قوى وأحزاب الحركة الديمقراطية العراقية، ومنها القوى اليسارية، وتضحياتها الكبيرة في ظل الأوضاع المعقدة السائدة في العراق
ومن المناسب إثارة نقطة أخرى مهمة تتعلق بوجود رؤية سياسية خاطئة لدى بعض القوى والعناصر الوطنية والديمقراطية في الداخل، وليس كلها، مفادها نظرة غير عقلانية لأهمية القوى الديمقراطية وعموم الجاليات العراقية في الخارج والادعاء بعدم فائدتها أو تقديم دعم للانتفاضة الشعبية أو التقليل العام من دورها المفيد والضروري وتأثيرها على نضال الشعب في الداخل. وهنا لا بد لي، وكما أرى، من توضيح وتأكيد مسألة مهمة وأساسية لإزالة أي غموض عنها، هي: إن العامل الحاسم والأساسي والرئيسي في تحقيق أي تغيير منشود في البلاد هو نضال القوى الوطنية والديمقراطية، قوى الانتفاضة الشعبية بكل تياراتها واتجاهاتها الفكرية والسياسية الديمقراطية في الداخل أولاً، أما الخارج فيلعب الدور المساند والداعم لنضال قوى الانتفاضة الشعبية في الداخل والمحرك، بهذا القدر أو ذاك، للدعم السياسي والإعلامي والمالي، على محدوديته، على مستوي الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي والأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني ثانياً. إن دور الخارج يتعلق بتأمين مسألتين لا مندوحة منهما: 1) فضح النظام السياسي الطائفي والفاسد والمتعفن والمستبد القائم والكشف بوثائق وأدلة على سياساته في ممارسة العنف والإرهاب والقتل العمد للمتظاهرات والمتظاهرين، و2) الحصول على الدعم المتعدد الجوانب للانتفاضة الذي لا يجور التقليل من أهميته ولا تضخيم هذا الدور، بل وضعه في الإطار والموقع السليم لتعزيز وحدة عمل ونضال الداخل والخارج لصالح انتصار أهداف الانتفاضة الشعبية.       
إن الحراك الشبابي الذي انطلق في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 لم يكن عفوياً تماماً كما يتحدث عنه البعض دون وعي منه لفعل التراكمات النضالية السابقة، أي لما جرى قبل ذاك في الساحة السياسية العراقية ونضال الحركة المدنية الديمقراطية في السنوات التي سبقت الفاتح من تشرين الأول وتضحياتها الغالة. وقد كتبت عن ذلك في مقالات سابقة، ولكن ما يفترض تأشيره في هذه الانتفاضة هو أن قوى التيار الديمقراطي دون استثناء لم تكن موحدة ولا متعاونة ودون أي تنسيق مطلوب فيما بينها رغم ضعفها العام وحاجتها الماسة لمثل هذا التعاون والتنسيق والوحدة النضالية، بل كانت بعد انفراط عقد "تقدم" متصارعة أو متقاطعة على أقل تقدير، وبالتالي لم يكن في مقدورها التفاعل بالقدر الكافي مع نبض الشارع والجماهير الواسعة التي كانت تغلي حقاً، وبالتالي لم تستطع تقدير الأجواء والقضايا المحركة للمواطنات والمواطنين، لاسيما الشبيبة، مما جعلها بعيدة قليلاً أو عاجزة نسبياً عن المبادرة والقيام بدور قيادي في هذا الحراك الشبابي الذي تحول إلى انتفاضة شعبية واسعة وحققت حتى الآن بعض أهدافها المعنوية بحيث أجبر البعض الكثير على القول بأن لا يمكن لوضع العراق أن يعود لما كان عليه قبل الفاتح من تشرين الأول 2019، رغم إن الأحزاب الإسلامية السياسية التي تتحدث بهذا الاتجاه أيضاً، تضمر في حقيقة الأمر وتمارس فعلاً التآمر على الانتفاضة وأهدافها من أجل البقاء في السلطة ونهب المال العام وفرض النفوذ على المجتمع من خلال ممارسة ذات السياسات المناهضة لإرادة المجتمع ومصالحه. إلا إن الحركة الديمقراطية، ومنها قوى اليسار، لم تتأخر بل بادرت إلى إعادة النظر والمشاركة الفاعلة في النضال الجاري في ساحات وشوارع العراقي بسلمية وروح عالية دون تحقيق التنسيق والتكامل المنشود.
إن الرؤية الواقعية والعقلانية تستوجب بعد التجارب السابقة من أطراف الحركة الديمقراطية العراقية وكل قوى الانتفاضة إلى التفكير الجاد بعقد لقاءات وإجراء حوارات فكرية ونقاشات سياسية معمقة حول أهمية وضرورة التفاعل والتضامن والتنسيق باتجاه إيجاد الصيغة المناسبة لوحدة النضال الديمقراطي الراغب في التغيير الفعلي للنظام الطائفي المحاصصي الفاسد والذي تلطخت أيدي قوى النظام بدماء الشعب ودموع الثكالى واليتامى، إنه الرد المطلوب والحاسم على المماطلة والتسويف والمراوغة والخداع الذي تمارسه الطغمة الحاكمة وألاعيبها في تمزيق وحدة الصف الديمقراطي وقوى الانتفاضة الباسلة. إن هذا التوجه سيجد تأثيره الإيجابي لا على تصاعد حركة الجماهير الشعبية في الداخل، وهو العامل الحاسم، فحسب، بل وسيؤثر إيجابياً على قوى وحركة القوى الديمقراطية والجاليات العراقية في الخارج.
فلا نكشف سراً حين نشير إلى إن استمرار الانتفاضة الشعبية طيلة الأشهر الخمسة المنصرمة وسقوط ضحايا كثيرة جداً من قتيل وجريح ومعوق قد رفع حتى الآن من سقف المطالب الشعبية ووسع من قاعدة المشاركين في التظاهرات في بغداد ومدن الوسط والجنوب وأجج غضبهم، كما حرك بقدر ما المجتمع الدولي لشجب النهج الدموي لحكام العراق، ولكنه في المقابل نشأ بعض الفتور والتراخي لدى جمهرة غير قليلة من أبناء وبنات الجالية العراقية بمن فيهم جمهرة غير قليلة من التنظيمات والعناصر الديمقراطية، إضافة إلى بعض الإحباط والقنوط والشك في انتصار الانتفاضة الشعبية، مما برز في قلة المشاركين والمشاركات في الفعاليات التضامنية مع الانتفاضة، وكأن تعباً أصاب هذا الحرك المطلوب والضروري في الخارج. ولا أشك في أن قلوب النسبة العظمى من العراقيات والعراقيين مع الانتفاضة ومطالبها، إلا إن هذا غير كاف بأي حال. ومما زاد في الأمر تعقيداً هو ابتعاد الكثير من الناس عن النشاطات التضامنية المشتركة وانفراد كل طرف بفعالية لا تجلب له ولا للآخرين سوى القلة القليلة. مما أضعف تأثير ذلك حتى على عملية تضامن شعوب البلدان التي يقطن العراقيات والعراقيون في بلدانهم مع نضال الشعب.
إن هذه الصراحة في الطرح لا تريد الفت في عضد المتضامنات والمتضامنين بأي حال، بل تستهدف تحقيق خمسة مسائل أساسية في الفترة القادمة:
1.   الدعوة إلى مناقشة عامة في اجتماعات واسعة لهذه الحالة بين بنات وأبناء الجاليات العراقية وتشخيص المشكلات التي تواجهها والعوامل المعرقلة لوحدة العمل لصالح الانتفاضة.
2.   طرح المعالجات السليمة التي تسهم في التجميع والكف عن التقوقع أو التمترس وراء الحزبيات الضيقة لصالح عمل عام ومشترك وتحت شعار سليم "نازل أخذ حقي" و "اريد وطن" غير مستباح.
3.   وضع برنامج عملي مشترك يتناسب مع قدرات الخارج في التحرك المنشود للتضامن مع الانتفاضة، بما فيها الصلات بمنظمات المجتمع المدني والأحزاب والهيئات الدبلوماسية والإعلام وعقد الندوات بالتعاون مع منظمات مجتمع مدني عربية وغير عربية مشتركة مع أبناء وبنات الدولة المعنية. وكذلك العمل من أجل إصدار نشرة صغيرة في الخارج شبيهة بنشرة الاحتجاج-ملحق المدى- للتعريف بمجرى الانتفاضة بلغات الدول المعنية.
4.   تشكيل لجان تنسيق من ممثلي الجماعات والقوى والأحزاب الموجودة التي تطرح برنامجاً مشتركاً للعمل المشترك في كل دولة وربما لجنة مشتركة على صعيد الخارج كله لدعم الانتفاضة وتكون قراراتها خاضعة لها وليس لأي حزب أو كتلة سياسية.                       
5.   يمكن أن ينبثق عن لجان التنسيق تشخيص مسؤولين لجوانب عديدة من العمل المشترك منها مثل لجنة للإعلام، وأخرى للمالية، وثالثة للنشاط الجماهيري والحراك التضامني.
 إن هذا التوجه سيزيد من اقتراب التنظيمات المدنية من الجاليات العراقية، لاسيما الشبيبة، ويعزز اللحمة ويوسع قاعدة العمل ويعيد الثقة المتبادلة وبقدرة الانتفاضة على تحقيق المنشود من مطالب الشعب ويضعف الحساسيات والتنافس غير العقلاني. إن الحوارات والنقاشات المتبادلة هي التي تساعدنا على التقارب والتفاعل والتضامن المنشود.   

8
كاظم حبيب
هل من دعم للجاليات العراقية في الخارج للانتفاضة؟
تعيش انتفاضة شبيبة العراق وعموم الشعب شهرها الخامس ويواظب المنتفضون والمنتفضات على التظاهر والتجمع اليومي في ساحات وشوارع الوسط والجنوب وبغداد، كما يشارك فيها ببغداد جمهرة واسعة من سكان المحافظات الغربية والكرد الفيلية، وهي تحظى بتأييد غالبية الشعب الكردي في كردستان العراق لعدالة وشرعية وصدقية المهمات والشعارات التي تطرحها وتنادي بها الانتفاضة، إذ إن التغيير الديمقراطي المنشود يلعب الدور الأساس في تلبية مصالح وطموحات الشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه. قدمت الشبيبة الباسلة حتى الآن الكثير من الضحايا، سواء من استشهد في سوح النضال أم من جرح وعوق وأصر مرة أخرى على المشاركة أو من اختطف وغيب تماماً أو عذب ورمي على قارعة الطريق مصاباً بجروح خطيرة وربما مميتة. ودعا المنتفضون والمنتفضات إلى تظاهرة مليونية في بغداد بتاريخ 25 شباط/فبراير 2020 يشارك فيها متظاهرو ومتظاهرات المدن العراقية المنتفضة بهدف تأكيد وحدتهم الوطنية والأهداف الأساسية التي يتظاهرون من أجلها ورفضهم للمناورات الوقحة والمساومات المخزية واللعب على الوقت التي تمارسها الطغمة الحاكمة الفاسدة لإبقاء هيمنتها على الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث ومواصلة نهجها الفاسد وسياساتها المناهضة لإرادة ومصالح الشعب. هذا النضال العنيد لشبيبتنا المقدامة وشعبنا الرافض بإباء لمرض الطائفية السياسية ومحاصصاتها المشوهة وفساد الحاكمين والهيمنة الإيرانية على مصائر الوطن المستباح والدوس على كرامة الإنسان العراقي وإرادة الشعب ومصالحه، يطرح سؤالاً مهماً يدور في بال الكثير من الناس في داخل العراق هو: ما هو دور الجاليات العراقية في الخارج في دعم الانتفاضة الشعبية الجارية؟
دور الخارج لدعم الانتفاضة
الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة لأسباب ترتبط بواقع أوضاع العراقيات والعراقيين في الشتات العراقي والتباين في مستوياتهم الثقافية وأوضاعهم المعيشية وانتماءاتهم الاجتماعية واتجاهاتهم الفكرية ومواقفهم السياسية والمصالح التي يلتزمون بها ويدافعون عنها وعوامل كثيرة أخرى. ومع ذلك أحاول هنا طرح رؤيتي المختصرة لواقع الجاليات العراقية في الخارج لإثارة النقاش بمقال مكثف، وليس ببحث أكاديمي. وقد استعنت بعدد من الأصدقاء لمعرفة مدى صواب الوجهة العامة للمقال. وقد وصلتني ملاحظات مهمة من عدد طيب منهم فشكراً لهم جميعاً. 
يقدر عدد العراقيات والعراقيين في الوطن في عام 2020 بحدود 40 مليون نسمة (الجهاز المركزي للإحصاء، وزارة التخطيط، بغداد). أما عدد المقيمين في الخارج فيزيد عن 4 ملايين نسمة. وهم يشكلون 9% من مجموع سكان العراق في الداخل والخارج تقريبا. وهي نسبة كبيرة وفي مقدورها المساهمة الفاعلة في التأثير الإيجابي على الأحداث الجارية في العراق لصالح الانتفاضة، لو أمكن جمل شملها في كل دولة من دول الشتات ولو وفرت لنفسها الظروف المناسبة. والشعب العراقي سابقاً وفي المرحلة الراهنة أحوج ما يكون لمثل هذا الدور والتأثير الإيجابي من خلال تنشيط الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي لصالح تعضيد الانتفاضة وشجب نهج وسياسات الدولة العراقية المشوهة والأحزاب المهيمنة عليها والتدخل الخارجي المتواصل في شؤون العراق. فهل يا ترى تمارس الجاليات العراقية هذا الدور المطلوب منها والضروري والملح لدعم الانتفاضة الشعبية؟
أسباب الهجرة وأوضاع الجاليات
عند دراسة البنية الاجتماعية والنفسية والفكرية والسياسية للجاليات العراقية المقيمة في الشتات يمكن تحديد العديد من العوامل التي تسببت في هذه الهجرة الواسعة، منها:
1)   الاستبداد الاضطهاد والقمع السياسي الأيديولوجي والقومي والديني والمذهبي في فترات مختلفة.
2)   الحروب الداخلية والخارجية وعواقبها المدمرة، وما تسببت به من موت وخراب ودمار ونزوح وقمع وهجرة مستمرة.
3)   الوضع الاقتصادي والبطالة والفقر والرغبة في الحصول على عمل وحياة حرة وكريمة.
4)   الأوضاع الاجتماعية المزرية والفراغ القاتل للشبيبة والتحري عن أوضاع حياتية ومعيشية أفضل، وعن حريات أكاديمية وحياة ديمقراطية لأساتذة الجامعات والكليات وعموم مثقفي البلاد.
ومع إن نسبة عالية جداً من المقيمين حالياً في الخارج قد هاجرت من العراق قسراً لأسباب سياسية واجتماعية وفي فترات مختلفة، لاسيما بعد أحداث 1959 وفي فترات حكم البعث والقوى القومية وحكم البعث المديد وقمعه وحروبه وفي الوقت الحاضر، إلا إن نسبة عالية جداً من هؤلاء قد ابتعدت عن العمل السياسي والمشاركة في الفعاليات السياسية التي تمارسها قوى المعارضة العراقية التي لا تشكل نسبة صغيرة جداً من حجم الجاليات العراقية الكبير في الخارج، مع حقيقة تعاطف نسبة مهمة منها مع هذه الجماعة السياسة المعارضة أو تلك. وأسباب ذلك كثيرة بما فيها الإحباط من النشاط السياسي والأحزاب السياسية أو الانشغال بالعيش اليومي لهم ولأطفالهم ومصاعب الحياة التي تواجه الكثير منهم، ومنها البطالة، من النواحي الاقتصادية والاجتماعية، واندماج القسم الأعظم من أبنائهم في المجتمعات الجديدة وفقدانهم اللغة العربية. يضاف إلى ذلك أن نسبة غير قليلة منهم أصبحوا من كبار السن وعاجزين عن الحركة المطلوبة، ونسبة غير قليلة تعان من الحالة النفسية المرضية پسیشوسوماتیک Psychosomatik وأمراض أخرى تمنعهم من الماركة الفعلية في الفعاليات السياسة والاجتماعية والنسبة المتبقية التي تبدى اهتماماً أكبر بالسياسة فيتراوح عددها بين 100-130 ألف نسمة أو بحدود 2 إلى 2,5% من مجموع الجاليات العراقية في الخارج. أما الذين يمارسون العمل السياسي فعلاً والنشطاء سياسياً أو في مجال منظمات المجتمع المدني في الشتات العراقي فلا يزيد عن بضعة آلاف نسمة، وهم موزعون على عدد من الدول الأوروبية، لاسيما بريطانيا وهولندا وفرنسا وألمانيا والسويد والدنمارك، إضافة إلى الولايات المتحدة وأستراليا وكندا والأردن. كما إن الظاهرتين الأكثر بروزاً هي أن غالبية المشاركين في النشاط السياسي هم من كبار السن وندرة الشبيبة المشاركة أولاً، كما إن الغالبية هم من الذكور وقلة جداً من الإناث ثانيا. أي أن النشطاء السياسيين عجزوا عن الوصول إلى اللاجئين والمهاجرين الجدد على كثرتهم من الشبيبة العراقية ذكوراً وإناثا. من الخطأ الاعتقاد بأن جميع من هم في الشتات يعيشون حياة مرفهة وسعيدة وخالية من الشدائد والقسوة. ويمكن لرويتين رائعتين للروائية العراقية الكبيرة والسيدة الفاضلة أنعام كجه جي، إضافة إلى بقية رواياتها، هما "سواقي القلوب" (2005) و"طشاري" (2013) أن تمنحنا الكثير من الولوج إلى أعماق الوضع النفسي والاجتماعي للمهاجرين والمقيمين في الخارج وقساوة أوضاع نسبة عالية منهم. قال لي أحد العراقيين في الخارج حين سألته عن أوضاعه مختصراً وضعه النفسي ومعاناته بما يلي: "الوطن أم والغربة زوجة أب"!   
بنية الجاليات في الشتات العراقي
تتشكل بنية الجاليات العراقية من الناحية القومية من: الكرد، الكلدان – الآشوريين – السريان، العرب، ومن الناحية الدينية: أكثرية مسلمة، من الشيعة والسنة، المسيحيون، الإيزيديون، الصابئة المندائيون ومجامع صغيرة من ديانات أخرى.       
يتوزع الناشطون السياسيون على الاتجاهات الفكرية والسياسية التالية:
1.   اليسار العراقي ولاسيما أعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي العراقي وتنظيمات يسارية أخرى وقوى التيار الاجتماعي.
2.   قوى ليبرالية وديمقراطية ومدنية مستقلة وجماعة المحافظين.
3.   البعث العراقي وبعض القوى القومية الناصرية.
4.   قوى الإسلام السياسي الشيعية على نحو خاص، وكذلك السنية.
المشكلات التي تواجه العمل السياسي
والملاحظات البارزة التي يمكن إيرادها بصدد أوضاع القوى السياسية العراقية هي:
** بروز كبير للصراعات القومية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية في صفوف هذه القوى دون استثناء وفيما بينها تؤثر بقوة على التفاهم والعمل المشترك.
** كما يلعب التنافس في ما بين قوى وأحزاب التيار الديمقراطي ومنظمات المجتمع المدني مثلاً، أو في ما بين  الأحزاب والمنظمات الكردستانية دوره الملموس في التأثير السلبي على التعاون والتنسيق في النشاطات العامة والمهمة.
** وتلعب العلاقات الشخصية والعائلية المتوترة دورها السلبي في التأثير على الانسجام العام والعمل السياسي المشترك.
** أوضاع وعلاقات القوى والأحزاب السياسية في الوطن تؤثر سلباً أو إيجاباً بشكل مباشر على علاقات القوى والتنظيمات الحزبية والجماعات في الخارج.
** الصعبات المالية التي تواجهها القوى اليسارية والديمقراطية في تنظيم نفسها ونشاطاتها، في حين تصل لقوى الإسلام السياسي مساعدات مالية كبيرة من العراق أو دول عربية وإسلامية لبناء المدارس الدينية والمساجد والجوامع ولتنفيذ نشاطاتها الدينية والمذهبية السياسية.
** ندرة دعم حكومات الدول الغربية لمنظمات المجتمع المدني الديمقراطية والعلمانية، في حين تقدم الدعم للمنظمات والمدارس الدينية الإسلامية بسخاء كبير.
** وفي أحيان كثيرة يسيطر القنوط والإحباط السياسي والنفسي على حركة ونشاط القوى السياسية والتي يصعب التحكم بها.
** حصول ملل ملموس من الندوات السياسية وتكرارها وتكرار الوجوه المشاركة فيها، في حين يبرز استعداد أفضل للمشاركة في النشاطات الاجتماعية وهي نادرة إلا في بعض الدول الغربية.
** ومن الملاحظات الجديرة بالاهتمام هو الدور الضعيف لأغلب المنظمات المدنية في الخارج بأوضاع اللاجئين الجدد والمهاجرين أو تقديم المساعدة الممكنة لهم، إضافة إلى قلة النشاطات الاجتماعية والفنية التي تساعد على مساهمة بنات وأبناء الجالية بها. ويمكن الإشارة إلى وجود مثل هذه النشاطات في كل من بريطانيا وأستراليا والسويد على وجه الخصوص. كما إن من المهم بمكان الاهتمام بمطالب الجاليات العراقية في الخارج والتزام الدفاع عنها وكسب ثقتها، إضافة إلى طبيعة المهمات والشعارات التي يمكن طرحها لتعبئة اللاجئين والمهاجرين والمقيمين حولها.
** ضعف كبير في العلاقات بين التنظيمات المدنية للجاليات العراقية وبين التنظيمات المدنية لسكان البلاد الأصليين والإعلام والقوى والأحزاب السياسية وعموم المجتمع، مما يضعف القدرة في التأثير على الرأي العام وحكومات هذه الدول باتجاه التزام قضايا الحرية والديمقراطية في العراق. ويزيد من ضعف التأثير المصالح الاقتصادية التي تشد الدول الغربية بالعراق والتي غالباً ما تمنع حكوماتهم من تقديم الدعم للمنظمات المدنية الديمقراطية العراقية التي تناضل من أجل حقوق الإنسان والمجتمع.     
قلة النشطاء السياسيين والمدنيين
تشير المعطيات التي تحت تصرفي إلى أن المستعدين على القيام بفعاليات والمبادرات السياسية والاجتماعية، حتى بين هذه القلة من بنات وأبناء الجالية، يتراوح عددهم في جميع أنحاء العالم بين 2000-3000 نسمة. والمعلومات المتوفرة لديّ وعلى وفق متابعتي للنشاط السياسي العراقي يمكن تأشير عدة دول فيها حيوية ملموسة وفاعلة وهي: بريطانيا وأستراليا والسويد وهولندا وكندا والأردن. ويبرز النشاط الديمقراطي واليساري في هذا الدول، كما يبرز في بريطانيا وألمانيا والأردن نشاط البعثيين والقوميين تحت مسميات عدة بما فيها "المغتربون". وهناك نشاط لقوى الإسلام السياسي التي تمولها الأحزاب الشيعية بسخاء كبير، لاسيما حزب الحكمة لصاحبه عمار الحكيم وحزب الدعوة لصاحبه نوري المالكي. 
مجالات دعم الانتفاضة 
إن أبرز النشاطات التي تمارس في الخارج حالياً تتوزع على:
** إصدار بيانات تأييد أو شجب وفضح لممارسات السلطة؛ ** ندوات فكرية وسياسية؛ ** تجمعات ووقفات وتظاهرات؛ نشر كتب ونشر مقالات أو قصص أو قصائد شعرية أو معارض فنية تشكيلية أو أغاني صوب الوطن؛ الكتابة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تعبر عن تأييدها أو رفضها لهذا الموقف أو ذاك؛ ندرة الندوات التي تعقد من جانب التنظيمات العراقية في الخارج لصالح إشراك أبناء وبنات الدول التي تعيش فيها الجاليات العراقية؛ وجود تنظيمات مدنية عراقية مثل منظمات حقوق الإنسان أو هيئة الدفاع عن أتباع الديانات والمذاهب أو نوادي وملتقيات عراقية والتي غالباً ما تكون مقتصرة على عدد غير كبير من العراقيات والعراقيين، فيما عدا، على وفق معلوماتي، بريطانيا وأستراليا والسويد والولايات المتحدة وكندا وهولندا وألمانيا؛ ويمكن اعتبار التبرعات المالية والعينية  واحدة من المجالات المهمة التي يمكن فيها دعم الانتفاضة الشعبية، وهي ما تزال قليلة بالقياس لما يمكن تحقيقه فعلاً.
من هنا يتبين بأن الطاقات المشاركة في دعم الانتفاضة محدودة جداً، رغم القدرات الفعلية المتوفرة وغير المستخدمة أصلاً. إنه واقع مرير. كما لا بد من الإشارة إلى بروز خلافات في العديد من الدول بين الأوساط الديمقراطية واليسارية التي تعيق وتعرقل العمل المشترك والفعاليات الكبيرة المشتركة، وهو مما يؤسف له ويخلق إحباطاً لدى الناشطين الراغبين بتجاوز حدود الخلافات الفكرية والسياسية والتركيز على دعم الانتفاضة من جانب القوى الديمقراطية المستقلة واليسارية واللبرالية والمدنية. وعليه يمكن القول بأن مستوى الدعم لا يزال ضعيفاً وبحاجة إلى الكثير من الجهد والتنوع والتكثيف لصالح الانتفاضة.
إن صراحة هذا العرض للواقع القائم في الخارج وبدون تزويق يتطلب منا جميعاً التفكير بما يمكن تجاوزه من إشكاليات وكيف يمكن الوصول إلى الجاليات العراقية وإلى شبيبتها من الذكور والإناث وإلى توسيع قاعدة العمل السياسي الديمقراطي في أوساط الجالية وجمع الشمل لصالح القضايا العادلة والمشروعة للشعب العراقي. إن الإجابة عن السؤال الوارد في عنوان المقال هو نعم هناك دعم فعلي للانتفاضة سياسي واجتماعي ومادي، ولكنه غير كافٍ ويمكن زيادته وتنويعه وتطويره. وأتمنى أن يحرك هذا المقال أبناء وبنات الجاليات العراقية ليدعموا الانتفاضة الشعبية بمزيد من الجهد، لأن المنتفضون يناضلون ليل نهار لاستعادة حقوق الإنسان العراقي المغتصبة ويسعون لاستعادة استقلال وسيادة الوطن المستباح وثرواته المنهوبة.                       

9
كاظم حبيب
ماذا تشهد ليالي بغداد المنتفضة من جرائم بشعة؟
ليس الحديث هنا عن ليالي بغداد أثناء خلافة هارون الرشيد وحكايات ألف ليلة وليلة، وليس عن ميثولوجيا شهرزاد وليالها المتعاقبة وهي تحاول انقاذ النسوة من بطش شهريار برواية حكاياتها المنبثقة من حياة الناس في بغداد والمليئة بالصور والخيال الخصب لتلك الفترة لتشغله عن رغبة القتل اليومي لمن قضى وطره منها صباح اليوم الثاني. ليس الحديث عن الأسطورة العراقية التي تحمل الكثير من المشاهد والمعاني والتفسيرات، بل الحديث هنا عن بغداد المستباحة بالطائفية والفساد والخضوع للأجنبي الإيراني، بغداد التي يحكمها طائفيون فاسدون مشوهون وشذاذ آفاق، بغداد حيث يسود فيها حكم القتلة المجرمين والكذابين والمخادعين والمغتصبين للسلطة والناس، حيث يتفننون في محاربة الانتفاضة المقدامة ابتداءً من تشويه السمعة والإساءة للمنتفضين والمنتفضات بشتى السبل المحرمة والتي تعاقب عليها القوانين المحلية والدولية، مروراً بالمطاردة وحرق الخيام وتدمير ما فيها وممارسة البطش بالمتظاهرين بالسكاكين وبناق الصيد المملؤة بكمية كبيرة من الصچم (خراطيش الكريات المعدنية)، والاغتيال بكواتم الصوت في وضح النهار، ثم أخيراً وليس أخراً ممارسة الخطف والتعذيب الأكثر وحشية ودموية ورمي الضحايا المدّماة، وهم إلى الموت أقرب منهم إلى الحياة، أمام دار الضحية. إنها إهانة كبرى وجريمة لا تغتفر للإنسان عموماً والعراقي هنا على وجه التحديد. وهدف هذا الأسلوب الجديد القديم لا يخفى على قوى الانتفاضة، فهم يدركون إن هؤلاء المجرمين لا يسعون إلى نشر الخشية والرعب في نفوس المتظاهرين والمتظاهرات من أن يتعرضوا إلى نتيجة مماثلة أن استمروا في التظاهرة فحسب، بل وأكثر من ذلك فهم يريدون بتصميم عدواني إلى إشاعة الرعب في صفوف عائلات المتظاهرات والمتظاهرين خشية على أبنائها وبناتها. إنها طريقة فاشية مجرمة مماثلة تماماً لممارسات أزلام وجلاوزة البعث وصدام حسين في فترة حكمهم الفاشي المديدة ضد المعارضين، وهم الأشخاص ذاتهم في الغالب الأعم الذين ترك الكثير منهم حزب البعث وأجهزة الأمن والأجهزة الخاصة وفدائيي صدام حسين والتحق بعدد كبير من الميليشيات الطائفية المسلحة التابعة لإيران، وهي الأكثر شراسة ودموية، ليمارسوا الأسلوب ذاته مع بنات وأبناء الانتفاضة الباسلة في العراق. إنهم لا يملكون ضميراً حياً يعذبهم، فهم عملاء جبناء وأدوات خسيسة ووقحة بيد أسيادهم في إيران وتوابعهم وامتداداتهم في قيادات وكوادر الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها الطائفية المسلحة في بلاد الرافدين.
لكننا نحن أمام صورة مغايرة تماماً لما تسعى إلى تحقيقه قوى الانتفاضة المضادة، قوى الطغمة الحاكمة التابعة، حيث يشهد العالم إصرار العائلات العراقية على دعم أبنائها المنتفضين وبناتها المنتفضات، وكذلك المشاركة في المظاهرات والتجمعات في الساحات والشوارع، إضافة إلى مشاركتهم في الإسعاف وطبخ وتقديم وجبات الطعام، رغم حزنهم الشديد على الضحايا التي اسقطت في سوح وشوارع النضال الباسل وعلى الضحايا البريئة التي عذبت وتعذب وتنتهك كل القيم والمعايير الإنسانية النبيلة بما لا يختلف بأي حال عن أساليب تعذيب الفاشيين في الدول الفاشية التي عرفها العالم.
إن البيت الشيعي المشوه بكل القيادات والأدوات المجرمة الفاعلة فيه لا يريد أن يدرك بأن هذه الأساليب الجهنمية لن تُسكت المطالبة بالخلاص منهم، لأنهم لا يمثلون بنات وأبناء المذهب الشيعي، ولا أي من أبناء وبنات العراق الطيبين المخلصين لوطنهم وشعبهم، بل أنهم يمثلون حثالة البشر ويد أجنبية تطعن بالشعب العراقي يمنة ويسرة ولا تكف يومياً عن إسقاط المزيد من الشهداء والجرحى والمعوقين. وهم بذلك يثيرون الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ضدهم ويقرب من عقاب العدالة الدولية لهم ولأسيادهم أينما كانوا.
إن على القوى الديمقراطية والمدنية النظيفة والمدركة لما يجري في البلاد رفع دعاوى قضائية جنائية ضد حكام العراق والأحزاب الحاكمة وقادة الميليشيات الطائفية المسلحة في محاكم دولية، لاسيما العائلات التي فقدت بناتها أو أبناءها وكذلك أولئك الذين تعرضوا للخطف والتعذيب لأن القضاء العراقي مشارك في ما تقوم به ضد الشعب وحقوقه وإرادته بقية سلطات الدولة العراقية المشوهة والهشة والخاضعة من قمتها إلى قدميها لإيران وقراراتها وهيمنتها الفعلية على البلاد.
لن يفلت أولئك الذين يقودون هذه الأدوات المنفذة للعمليات الإجرامية الجبانة بحق قوى الانتفاضة ولا أدواتهم القذرة من الحساب العسير والعادل، لن يفلت من يمارس حرق الخيام وخطف ومطاردة واغتيال وتعذيب بنات وأبناء الشعب من القضاء العراقي العادل القادم حتماً على أنقاض هذه السلطات الثلاث التي تبرهن يومياً على إنها لم تعد مستقلة ولا عادلة بل أداة خاضعة وخانعة للحكام الطغاة وللدولة الأجنبية التي تقود هؤلاء الحكام.
لا يكفي الحديث عن تقديم دعوى كما يفعل بعض السياسيين العراقيين، بل عليهم، إن كانوا جادين فعلاً، أن يقدموا هذه الدعاوى القضائية الجنائية قولاً وفعلاً، إذ هناك آلاف الشواهد والوثائق التي تدين الحكام وقادة وكوادر الأحزاب الإسلامية السياسية والميليشيات الطائفية المسلحة التابعة لها وأدواتها الأخرى التي تعمل بوحي من مصالحها الجشعة ومصالح إيران المهيمنة على القرار العراقي. وهي في الوقت نفسه دعوة لكل العراقيات والعراقيين النشطاء في الخارج أن يسعوا لإيجاد السبل المناسبة لإقامة دعاوى قضائية، وبالتعاون مع منظمات المجتمع المدني والأحزاب الديمقراطية، عبر من عانى من الإرهاب الدموي في العراق واغتصاب حرياته، أمام محاكم الدول الغربية لجرِّ هؤلاء المتهمين بالقتل والتعذيب للقضاء لينالوا الجزاء العادل بسبب ما اقترفوه من جرائم بحق هذا الشعب المستباح.         

10
كاظم حبيب
وحدة القوى الديمقراطية دعم لانتفاضة الشعب الباسلة
حين يسود التشتت والتفكك والصراع بين القوى والأحزاب والجماعات السياسية الديمقراطية من ليبرالية ومستقلة وديمقراطية ويسارية وقوى مؤمنة وتريد دولة ديمقراطية علمانية، وحين تنسى هذه القوى مجتمعة أو بعضها الأهداف الأساسية المشتركة في المرحلة الراهنة في مواجهة الطغمة الطائفية الفاسدة والمشوهة والتابعة الحاكمة، حينها لن تكون قادرة بأي حال على  تقديم الدعم الضروري والملح والأساسي الكافي للانتفاضة الشبابية والشعبية الباسلة التي دخلت شهرها الخامس بامتياز وروعة فائقة، رغم كثرة الضحايا البريئة من شهداء وجرحى ومعوقين ومختطفين ومعتقلين ومعذبين وأرامل وثكالى ودموع لا حصر لها. أما حين يسود الوفاق والاتفاق والائتلاف الوطني بين هذه القوى والأحزاب والجماعات السياسية، وحين تشترك سوية في طرح برنامجها السياسي المشترك وأساليبها النضالية السلمية على وفق الأسس التي طرحتها قوى الانتفاضة الباسلة وتطور تلك الأهداف مع مرور الأيام وكثرة الضحايا من جهة، وكثرة الكذب والخداع والمماطلة من جانب الطغمة الحاكمة من جهة أخرى، عندها تقدم هذه القوى أقصى ما لديها من قدرات على دعم الانتفاضة الشبابية والشعبية التي تعتبر أجمل ما قام ويقوم به شعب العراق منذ قرن من الزمان، مع عدم البخس في النضالات المريرة والباسلة السابقة التي خاضها الشعب العراقي طيلة قرن من الزمان. وعظمة هذه الانتفاضة تكمن بتحول الكثير من أولئك الذين كانوا في الغالب الأعم وراء دعم القوى الطائفية السياسية في الوصول إلى السلطة وعبر تأثير القوى والأحزاب الدينية الطائفية والمرجعية الدينية الشيعية أو المؤسسة الدينية السنية، أصبحوا اليوم ثواراً أمناء على مصالح الشعب والوطن، مستعدون لتقديم النفس والنفيس لصالح انتصار الانتفاضة الشعبية التي تقول "نازل أخذ حقي وأريد وطناً" أمناً ومستقلاً ومستقراً، لأن هذه الشبيبة قد أدركت خساسة ونذالة وفساد القوى التي أيدتها في السابق والتي استغلت واستخدمت هذا التأييد لتحقيق ثلاث مسائل أساسية لها بالتحديد، وهي:
1.   أن تبقى السلطة في أيديها، على حد قول قائدهم النرجسي والسادي والدكتاتور والتابع لإيران جسداً وروحاً وعقلاً "أخذناها بعد ما ننطيها، ليش هو أكو واحد يگدر ياخذها بعد!"، إضافة إلى ضمان خزينة الدولة وعموم الثروة العراقية والنفوذ الاجتماعي والديني بيديها ايضاً لتتصرف به لصالحها ولصالح إيران. 
2.   محاربة كل القوى الوطنية والديمقراطية وذات النهج الفكري الآخر وتأمين سيادة الفكر الديني المشوه والمعوج الذي قاد ويقود إلى سيادة نظام فاسد حتى النخاع وتزييف وتشويه الوعي الديني، ولاسيما الشيعي، في المجتمع وتزوير إرادة الشعب ومصادرة حقوقه ولاسيما حقوق المرأة وحريتها.
3.   ربط العراق تبعياً بإيران وجعله مستعمرة فعلية تابعة للإمبراطورية الفارسية الثيوقراطية الجديدة، ووضع ثروة البلاد تحت تصرف المستعمر الجديد المتطلع للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط وفي تنافس استعماري جديد مع الدولة العثمانية الجديدة، دولة اردوغان الإخوانية والقوى القومية العنصرية في تركيا. 
إن الانتفاضة الشبابية والشعبية تمر في مرحلة عقدية لا بد من مساهمة القوى والأحزاب الديمقراطية في بلورة لاصطفاف القوى، بين قوى الشعب وبين القوى المدافعة عن الطغمة الحاكمة الفاسدة، ومنها من حاول ويحاول اللعب على حبال الانتفاضة كذباً وخداعاً ومراوغة مرة، وعلى حبال الطغمة الحاكمة مرة أخرى، مع منافسة الأخيرة للحصول على موقع الصدارة في حكم البلاد والسير على نفس نهج القوى الحاكمة التي يشارك معها حالياً. نحن أمام لعبة خطرة. وعلينا القيام بفرز واضح وجريء بين هذه القوى. ينبغي الفصل الواضح بين القيادات وبين القواعد هذه القوى، ففي القواعد قوى كادحة وعاطلة عن العمل وفقيرة ومهمشة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً والتي يفترض العمل من أجلها وجلبها إلى معسكر الانتفاضة والقوى الديمقراطية أولاً، والعمل على عزل تلك القيادات التي رقصت على حبال عدة ولكن عيونها كانت ولا تزال وستبقى مركزة على الوصول إلى السلطة من خلال المساومة مع القوى الحاكمة الحالية لقيادتها.
ولم يكن بعيدا عن الحقيقة ما أشار إليه مرتضى عبد الحميد في جريدة طريق الشعب بتاريخ 18/02/2020 حين كتب الكاتب السياسي تحت عنوان "لا دخان أبيض يلوح في الأفق" ما يلي:
"ويتوزع فرسان هذا المسار على المكونات الاجتماعية الثلاثة من دون استثناء بل ان بعضهم يتلون تلون الحرباء، متنقلا كما يفعل المهرج من موقف معين الى نقيضه دون احراج او حياء. والبعض الآخر تراه مغرماً بكل ما هو غريب ومشين في عالم السياسة، فيقوم بمحاولات بائسة شملت حتى استخدام القوة لإجبار المنتفضين البواسل على القبول بترشيح "علاوي"، والموافقة عليه وهو المرفوض منهم جهاراً نهاراً، رغم ان الرجل (علاوي) وبصرف النظر عن الدوافع كان قد "هدد بالتنحي عن منصبه اذا استمر قتل المليشيات للمتظاهرين، واستمرت موجة العنف التي خلفت قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، وان هذا الوضع ليس مقبولا بالمرة، فالذين في الساحات هم أبناؤنا السلميون، ويستحقون منا كل تقدير واحترام، وواجبنا خدمتهم وسماع صوتهم، لا ان يتعرضوا الى القمع والتضييق" الامر الذي سيؤدي لا محالة الى استمرار حالة الاستعصاء وزيادة تعقيدها واعلاء راية المماطلة والتسويف مجدداً، في مراهنة على الوقت لم تثبت جدواها حتى الآن." وعلى أهمية هذا القول فأنه ما يزال يأمل الكاتب بشيء ما من الحكومة التي يريد "علاوي" تقديمها!
من واجبنا الآن، وكما أرى، هو التحري عن سبل إعادة الوحدة أو الائتلاف بين القوى اللبرالية والمستقلة والديمقراطية واليسارية في العراق لضمان التخلص من تلك القوى القيادية التي تتلون كالحرباء، وهو وصف دقيق وسليم لها، وتحاول شق وتفتيت وحدة القوى المعارضة للنظام بهدف خدمة الطغمة الحاكمة وبأساليب ذكية وغبية في آن واحد، ولكنها تعبر عن دور خارجي يريد الهيمنة الكاملة على القرار العراقي.
لنبادر أيها الأحبة والأعزاء في معسكر قوى الشعب إلى التفكير العميق والجاد بأهمية وحدة القوى لدعم نضالنا المشترك في الانتفاضة الشبابية والشعبية، الذكورية والنسائية ولتحقيق النصر المؤزر بالرغم من الصعوبات والمخاطر الجدية التي تعترض طريق الشعب صوب تحقيق هدفي "نازل أخذ حقي وأريد وطن".           

11
كاظم حبيب
المأساة والمهزلة في عراق اليوم
نشرت جريدة العالم العراقية خبراً تحت عنوان "النجباء تبدأ العد التنازلي للرد على القوات الأميركية" يوم الأحد - 16 شباط (فبراير) 2020. وقد مرَّ الخبر، كما يبدو، دون تعليقات أو إشارات أو احتجاج وإدانة، رغم ما يحمله هذا الخبر الموجز من مخاطر جدية على الشعب العراقي والوطن. والأخطر من كل ذلك يبرز فيما تضمنه هذا الخبر من تحدٍ وقحٍ وتجاوز صلفٍ على الدستور العراقي والقوانين المرعية وعلى الدولة والقوات المسلحة العراقية، إضافة إلى الإعلان الرسمي عن استخدام السلاح والصواريخ من ميليشيا مسلحة خارج القانون وخارج القوات المسلحة العراقية. إذ صرح المتحدث باسم الميليشيا الطائفية الإيرانية المسلحة، ميليشيا "النجباء!!"، نصر الشمري في تغريدة له على تويتر يوم السبت بأن هذه الميليشيا التي تعمل خارج القانون قد "أعلنت عن بدء العد التنازلي للرد العسكري على القوات الأميركية. يأتي هذا التصريح بعد يومين من استهداف صاروخ قاعدة عسكرية عراقية يتمركز فيها أميركيون شمال بغداد. وأدعى بـ "أن هذا القرار عراقي بامتياز، ولن يسمح بالتدخل لتأجيله من أي طرف داخلي أو خارجي"، وأن "الرد سيكون باسم عمليات الشهيد القائد جمال"، في إشارة إلى الاسم الحقيقي لأبي مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي الذي اغتيل مع قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني بضربة أميركية في بغداد مطلع الشهر الماضي." (قارن: جريدة العالم 17/02/2020).
ان هذا القرار والتصريح، الذي ادلى بهما هذا الإرهابي الممثل لميليشيا إرهابية دموية وميليشيات أخرى مماثلة تحمل السلاح بدون غطاء شرعي متهمة بقتل الكثير جدا من العراقيات والعراقيين والمختطفات والمختطفين وممارسة التعذيب حتى الموت بكل نذالة، إضافة إلى حرق الخيام والهجمات المسلحة الليلية ضد المتظاهرات والمتظاهرين، لا يعبر عن استهانة كاملة بالدولة العراقية الهشة والمشوهة ومؤسساتها المدنية والعسكرية، ولاسيما السلطات التشريعية والقضائية إلى جانب التنفيذية ومنها القوات المسلحة العراقية، فحسب، بل هو قرار إيراني صرف وبامتياز وتجاوز على الاستقلال والسيادة الوطنية، كما يعبر عن عمالة كاملة لإيران التي تريد عبر هذه الميليشيا وغيرها اثارة الإدارة الأمريكية وقواتها المسلحة في العراق للرد عليها بهدف إشاعة الفوضى والخراب في البلاد وتوفير الفرصة لتوجيه ضربة جديدة للانتفاضة الشعبية كتلك التي مورست ولا تزال تمارس في النجف والناصرية وبغداد وغيرها من مدن الوسط والجنوب. وتجاوزتها قوى الانتفاضة بكل بسالة وقوة وتحملت الكثير من الضحايا والعذابات.
إن مؤسسات الدولة العميقة المجرمة التي فرضت نفسها في العراق بقوة السلاح والدعم الدائم من الجارة الدموية إيران لهذه العصابات المنفلتة من عقالها والتي تمارس كل الجرائم بعلم ومعرفة وتأييد حكام العراقي الطائفيين ومنهم السفاح الخبيث عادل عبد المهدي والاستخبارات العراقية والمخابرات، والتي تريد الآن فرض رؤيتها على رئيس الوزراء الجديد الذي جاء بدعم وتأييد من كتلتي سائرون والفتح وامتلأ مجلس وزراءه دون أدنى ريب بمن ارتضتهما هاتين الكتلتين وقبل ذاك كسبت رضى إيران وخامنئها!
السؤال الذي يواجه كل العراقيات والعراقيين الشرفاء هو: أين هي السلطة القضائية والادعاء العام من إعلان ميليشيا طائفية مسلحة بشكل غير رسمي وخارج الشرعية الدستورية جهارا نهارا بأنها أطلقت صورايخ ضد مواقع عسكرية عراقية وضد السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء وبتحدٍ صارخ للدولة العراقية؟ هل يخشى القضاء والادعاء العام من سطوة هذه الميليشيات، أم إنها مشاركة معها لأنها قائمة على أسس طائفية وملتحمة بها وبمصالحها؟ ألا يستطيع أحد في هذه الدولة الطائفية الغارقة في الفساد أن يقدم احتجاجاً ويطالب باعتقال هذا المدعو نصر الشمري ويقدم إلى المحاكمة لينال جزاءه العادل ومن معه من ميليشيا النجباء التي تطلق الصواريخ على مؤسسات دولة لها حرمتها في العراق وعلى معسكرات القوات المسلحة العراقية؟
إن انتفاضة الشعب الجارية بحاجة إلى المزيد من الجهد والتعبئة الشعبية لكنس الطغمة الحاكمة كلها من بلاد الرافدين ودفعهم إلى حيث موالاتهم، إلى أسيادهم حكام إيران الذين لم يضطهدوا الشعب العراقي والشعب السوري وشعب اليمن فحسب، بل وقبل هذا وذاك شعب إيران العزيز بكل قومياته وأتباع دياناته واتجاهاته الفكرية والسياسية الديمقراطية. إن النظام الإيراني الطائفي الفاسد والاستعماري الجديد هو الذي أرسل للعراق هذه الحثالات والطفيليات التي شكلت ميليشياتها أما في إيران أو في العراق وأوكل لها مهمة ممارسة الإرهاب ضد الشعب العراقي لفرض النظام الثيوقراطي الدكتاتوري المماثل لنظامها في العراق، وكما هو حال ودور ميليشيا حزب الله اللبناني والعراقي وبقية الميليشيات المماثلة.
إن أي حكومة ترتضي وجود مثل هذه الميليشيات ليست بحكومة وطنية ولا تستجيب لمطالب الشعب الذي يريد حصر السلاح بيد الدولة، ويريد دولة ديمقراطية حديثة وعلمانية ولا يريد دولة ثيوقراطية مدمرة لهوية المواطنة وحقوق الشعب والوطن. إلى هذا يناضل الشعب ويتصدر المنتفضون والمنتفضات ساحات النضال النبيل رغم كل أساليب القتل والخطف وحرق الخيام والاستباحات الليلية والغدر بالإعلاميين البواسل الذين يضعون أمام الشعب حقائق ووقائع ما يجري في العراق يومياً على أيدي الحكم الطائفي الفاسد والمشوه والمقيت والدولة العميقة المجرمة بكل مؤسساتها وميليشياتها ومكاتبها الاقتصادية واللجان المختصة بالاغتيال والاختطاف والتعذيب.     
 


12
كاظم حبيب
شُلّت أيدي قتلة المناضلين في ساحات وشوارع العراق
مساء كل يوم تقوم عصابات الجريمة المنظمة، جميع عصابات الميليشيات الطائفية المسلحة الفاسدة وأحزابها الإسلامية السياسية الطائفية الغارقة حتى قمة رؤوسها في الجريمة دون استثناء، وكذلك الكتل السياسية التي تقف وراء هذه العمليات وتلك الأجزاء من قوات مكافحة الشغب التي تحمي هذه العصابات بدلاً من حماية قوى الانتفاضة الشعبية الباسلة، بقتل وجرح واختطاف وتعذيب عدد متزايد من المناضلين الشجعان في ساحات وشوارع النضال في بغداد وبقية محافظات الوسط والجنوب، وهي تعتقد بأنها قادرة على كسر شوكة الشبيبة المقدامة والشعب المساند لهذه الحركة الجماهيرية المتسعة باستمرار، في حين أنها تزيد نقمة الشعب وإصراره على مطالبه العادلة التي عبر عنها بوضوح كبير ووعي تام بما يريد.
إن أحزاب الإسلام السياسي دون استثناء لم تعد أحزاباً وطنية تدين بالولاء للوطن والشعب العراقي ولا حتى للطوائف الدينية التي تدعي تمثيلها لها، بل تحولت إلى عصابات لسرقة المال العام وشراء المناصب الحكومية بالمال والسحت الحرام وتدين بالولاء لإيران أو لأي جهة أجنبية أخرى. إنها سلبت حقوق الشعب واستباحته وسلطت عليه قوى أجنبية تقوم بعمليات إجرامية عبر ميليشياتها الطائفية المسلحة في أنحاء العراق حيث وصلت سيطرتها وسلطاتها الدموية. لم يعد سراً تلك المساومات الجارية على شراء مناصب الوزارات وعضوية مجلس النواب أو شراء أصوات النواب لتأييد مجلس الوزراء الجديد كما كان الحال في مجلس الوزراء السابق الذي ترأسه السفاح الخبيث عادل عبد المهدي، أو مجلس النواب ورئيسه محمد الحلبوسي.
ولم يعد سراً ما تقوم به المكاتب الاقتصادية للميليشيات الطائفية المسلحة والحشد الشعبي في ابتزاز الناس والهيمنة على المشاريع الاقتصادية في البلاد وتحقيق أقصى الأرباح من المتاجرة بالمخدرات وأعضاء أجسام الناس الفقراء والمعوزين، ولاسيما الطفال. ولم يعد خافياً على أحد أرصدة حكام العراق في الدول الأجنبية ولاسيما في تلك الدول التي لا رقابة دولية على مصارفها وفي جزر نائية أيضاً، أو امتلاكها القصور والعقارات في مختلف بلدان العالم إضافة إلى ما تجاوزت عليه في العراق أو ساهمت في التغيير الديمغرافي لمناطق سكن المسيحيين وغيرهم.
لم يعد يعرف العراق أحزاباً إسلامية سياسية نظيفة اليد وعفيفة النفس وحافظة لكرامتها، بل تجاوزت قياداتها وكواردها الأساسية على كل القيم والمعايير الإنسانية، الدينية منها والدنيوية، وتحولت إلى قيادات تتسم بالدونية والسفالة والجريمة المنظمة. فهي لم تعد تستمع إلى صوت الشعب المرتفع منذ أربعة شهور ونصف تقريباً، بل تعمل بكل السبل المتوفرة لديها إلى خنق هذا الصوت بالقتل والاختطاف والتعذيب والتحييد عبر الإصابات الشرسة بكواتم الصوت أو الأسلحة البيضاء. لم تعد هناك قيادة في هذه الأحزاب والميليشيات تحترم الدين والمذهب اللذين تدعي الإيمان بهما، فهي عديمة الدين والمذهب، وإلا لما فعلت كل ما تفعله اليوم في العراق وتتهافت وتتصارع على المناصب وسبل شراء المناصب بأمل توفير الفرص المناسبة لمزيد من النهب والسلب وسرقة لقمة عيش المواطن والمواطنة.
نحن أمام مجموعة فريدة من البشر لم يتوفر مثيلاً ها حتى في إيران، هذه الدولة الثيوقراطية الدموية الفاسدة، لأن قادة إيران يعملون لمصلحتهم في إيران وليس لدولة أجنبية، في حين إن أحزاب الإسلام السياسي العراقية وميليشياتها الطائفية المسلحة ومكاتبها الاقتصادية تعمل لصالح إيران وتهرب الأموال لها ولكنها تعيش على أموال الشعب أيضاً وعلى فتات إضافة يأتيها من سيدها الإيراني علي خامنئي.
الحكومة الجديدة التي يراد تشكيلها محكوم عليها بالفشل التام لا لرفض الشعب وكل قوى الانتفاضة لها فحسب، بل لطبيعتها وأسس قيامها والمحاصصة السائدة فيها وتأييد إيران لها والبيت الشيعي الخرب الذي يشكل جوهرها، وهي بذلك لا تختلف عن حكومة الأسلاف الطالحة الجعفري ونوري المالكي وعادل عبد المهدي.
إن الشعب العراقي يطالب الرأي العام العالمي بمساندته في نضاله وبشجب السياسات التدميرية التي تمارسها الدولة العراقية الهشة والمشوهة، ويطالب المجتمع الدولي باتخاذ القرارات المناسبة لوضع حد للقتل اليومي للمناضلين والمناضلات في ساحات النضال الوطني والديمقراطي في العراق والمساعدة بالسبل المتوفرة للخلاص من هذا النظام الدكتاتوري ومن الأساليب الفاشية التي يمارسها في مواجهة مطالب الشعب الكادح والمستباح، سواء باستخدامه القوات العسكرية الرسمية أم مؤسسات عصابات الجرمة المنظمة للدولة العميقة والدولة الإيرانية.
إن الشعب يطالب القوات المسلحة العراقية أن لا تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يجري للشعب من استباحة وقتل وتهميش ونهب لثرواته، فهو يفترض أن يكون جزءاً من الشعب لا من الطغمة الحاكمة، أن يكون مع الشعب لا مع الطغمة الفاسدة، مع الكادحين لا مع من نهب وسرقة أموال وثروات العراق النفطية وتجويع الملايين من بنات وأبناء العراق. لقد مرّ الجيش بفترات قاسية فاستُخدم في الحروب الظالمة داخلياً وإقليميا وعانى الشعب من جراء ذلك، وعليه أن يدرك بأنه يزج اليوم وعبر هذا النظام الطائفي الفاسد في معارك ضد الشعب وبدعم من دولة عميقة قذرة، لهذا لا بد للقوات المسلحة أن تتعظ من الماضي البغيض أن تقف بكل حزم إلى جانب الشعب لتعزز انتفاضته السلمية الباسلة. 
 
         


13
كاظم حبيب
استراتيجية تكريس المحاصصة والهيمنة الإيرانية في العراق، فما العمل؟
ما هي استراتيجية العدو الداخلي والإيراني ضد انتفاضة الشعب؟
تشير أغلب المصادر المطلعة على الصعد المحلية والإقليمية والدولية إلى أن الاستراتيجية السياسية للقيادة الإيرانية في العراق والشرق الأوسط تتجه بقوة أكبر، رغم ضعف الدولة الإيرانية المتفاقم، نحو تكريس نفوذها السياسي والعسكري الرسمي وغير الرسمي وتأمين استمرار تأثيرها الطائفي والاجتماعي وزيادة نشاطها الاقتصادي واستفادتها المالية في المرحلة الحرجة التي تمر بها في صراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية. ويتركز نشاطها المتزايد صوب أربعة حقول أساسية على وفق ما انتهت إليه اجتماعات عديدة عقدت بين القيادة الإيرانية وقيادات الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية وقيادات ميليشياتها والحشد الشعبي في العراق، إضافة إلى ممثلين بارزين عن قيادة حزب الله في لبنان، وهي:
1-   تأمين وحدة الميليشيات الشيعية المسلحة المنضوية والفاعلة في تنظيم الحشد الشعبي، التابع اسمياً وشكلياً للقيادة العسكرية العراقية، وجعلها مجتمعة تحت القيادة الإيرانية الفعلية وفيلق القدس واختيار قائد نشط سياسي وعسكري عقائدي صفوي متمرس جديد يحل محل الجنرال قاسم سليماني ومساعده أبو مهدي المهندس. ويبدو أنهم حطوا الرحال مؤقتاً على محمد الكوثراني القيادي الميليشياوي في حزب الله اللبناني-الإيراني والعامل منذ فترة مع حزب الله العراقي-الإيراني. والمشكلة التي جابهتها القيادة السياسية والعسكرية الدينية الإيرانية في العراق تبلورت منذ فترة غير قصيرة بأن هذه الميليشيات وكذا الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية، رغم تبعيتها وخضوعها التام والفعلي للاستراتيجية السياسية الإيرانية، تتصارع فيما بينها على مواقع القوة والنفوذ لتأمين أقصى ما يمكن من الربح المالي المتحقق لها بصيغ فساد كثيرة ومتنوعة، ولاسيما مكاتبها الاقتصادية بنشاطاتها المتعددة الجوانب. وإذ تحققت لها السيطرة الجزئية على هذا العامل، إلا إن المخاوف في تفجر هذه الصراعات وارد في كل لحظة، وهو ما تخشاه القيادة الإيرانية حالياً، وتبذل جهداً لتأمين قائد من هذا الوسط يساعدها في تأمين الخضوع له ولها أساساً. وهي تتحاور في ذلك منذ فترة غير قصيرة مع مقتدى الصدر ومع بقية القيادات بأساليب وأدوات مختلفة. وليس عبثياً ولا سراً تلك العوامل الكامنة وراء الاحتفاظ بمقتدى الصدر في قم وتحت رقابة خامنئي خلال الأسابيع المنصرمة، وتسليم القيادة الميدانية الفعلية لعناصر فاسدة تثق بهم ويعملون لصالحها في قيادة التيار الصدري، والتي برزت أخيراً كوجوه كالحة وسيئة جداً خلال مذبحة النجف في ساحة الشهداء (الصدرين سابقاً)، ومستعدة إلى ممارسة المذابح إن طلب منها ذلك.
2-   الإصرار على أن يكون رئيس الوزراء العراقي الجديد من مؤيدي سياسات إيران في العراق بلا تردد، بغض النظر عن الفترة التي تستغرقها عملية التفتيش عمن يقوم بهذا الدور. ويبدو إن موافقة إيران على محمد توفيق علاوي كانت مشروطة بموافقته على رعاية المصالح الإيرانية والتزامه الفعلي بذلك، والتي قدمها لها فعلاً، ولكنه اصطدم برغبات الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها التي كلها تريد الحصول على "حصتها" كجزء من "حصة الطائفة الشيعية" في تشكيلة الوزارة الجديدة، وبما يتناسب واستحقاقاتها النيابية. وهذا يعني رفضها التام للمطالب الأساسية للانتفاضة الشعبية العراقية التي بلغت حتى الآن 126 يوماً وقدمت المئات من الشهداء الأبرياء وعشرات الآلاف من الجرحى والمعوقين والمعتقلين والمختطفين والمعذبين.             
3-   استمرار الدعم المالي المتنوع القادم إليها من العراق لصالح تحسين نسبي في وضعها الاقتصادي المتدهور وزيادة استيراداتها السلعية، ولاسيما المنتجات النفطية والغازية وموقعاً لغسيل الأموال وعملة صعبة من مزاد بيع الدولار الأمريكي في العراق.
4-   العمل على إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق ليتسنى للوجود العسكري والسياسي والاقتصادي الإيراني إلى التكرس وجعل العراق جزءاً متمماً لاستراتيجيتها في منطقة الشرق الأوسط وجعله أحد الطرق الرئيسية لإمداد قواها الأخرى بالسلاح، لاسيما في لبنان وسوريا واليمن وغزة.. الخ.
هذا التقدير تؤكده الوقائع الجارية على الساحة السياسية العراقية يومياً، فما هو المطلوب من القوى المناهضة لهذه الاستراتيجية التي تريد من العراق أن يكون مستعمرة لإيران وبقرة حلوب لها أولاً، وأن يكون العراق جزءاً من استراتيجيتها السياسية في الهيمنة على دول الخليج ومنطقة الشرق الأوسط باسم الدين والمذهب ولكن لمصالح اقتصادية توسعية إيرانية ثانيا؟ وهذه الأهداف لا تختلف بأي حال عن الأهداف الاستعمارية التوسعية للقيادة السياسية التركية الحاكمة في منطقة الشرق الأوسط ومناطق الاحتلال العثمانية السابقة
ما هي أسباب ضعف الانتفاضة؟
يواجه الشعب العراقي وضعاً معقداً وصعباً للغاية. فانتفاضته الجارية منذ أكثر من أربعة شهور تواجه مصاعب جمة أشير إلى بعضها:
1.   عدم مساهمة الشعب الكردي بهذه الانتفاضة، إذ أعلنت القيادات السياسية الكردية تأييدها الشكلي لمطالب الشارع العراقي، ولكنها لم تسمح لحركة تأييد شعبية لقوى الانتفاضة بإعلان موقفها، بل وأعلنت تأييدها لعادل عبد المهدي، ومن ثم لمحمد توفيق علاوي شريطة أن يلتزم بالاستحقاقات الدستورية لإقليم كردستان، والتي لا أعتقد بأنها تتحقق في ظل غياب حقوق بقية سكان العراق من القوميات الأخرى.
2.   سكان المحافظات الغربية والموصل تهيمن عليهم الميليشيات الطائفية الشيعية المسلحة وحشدهم الشعبي التي تبدي استعداداً تاماً لقتل المزيد من البشر لوأد أي تحرك منهم تأييداً للانتفاضة الشعبية، مما يجبر الكثير منهم السفر إلى بغداد للمشاركة في الانتفاضة.
3.   رغم وجود بعض التنسيق والتعاون بين قوى الانتفاضة الشعبية في بغداد وبقية المحافظات، إلا إنها لم تشكل الهيكلية الضرورية لنضال قوى الانتفاضة ولا قيادتها اللازمة التي توحد الكلمة والأساليب والأدوات النضالية السلمية لمواجهة قوى الانتفاضة المضادة.
4.   المصاعب التي تواجه وحدة القوى الديمقراطية من ليبراليين وديمقراطيين مستقلين ويساريين في تشكيل جبهة موحدة تساعد على تعزيز صفوف قوى الانتفاضة الشعبية بغض النظر عن مدى قوتها وشعبيتها، فهي تبقى تيارات ديمقراطية مهمة قادرة بحكم سياساتها ومواقفها وخبرتها أن تلعب دوراً مهماً وتعزيزياً للانتفاضة، مع العلم بأنها تشارك اليوم ولكن كل على انفراد، وهو أمر جيد ولكن ضعيف بالقياس لما هو مطلوب. ومثل هذه الوحدة للقوى الديمقراطية يمكن أن تسهل تشكيل ائتلاف حقيقي فاعل وواسع النطاق في ساحات وشوارع النضال الراهنة في البلاد.
5.   ورغم وجود تحرك للرأي العام العالمي والمجتمع الدولي لدعم نضال الشعب العراقي المتمثل بانتفاضته الجارية، إلا إن هذا الدعم ما يزال قلقاً وضعيفاً بسبب ضعف التوازن الراهن في ميزان القوى الداخلي أولاً، والمصالح الاقتصادية التي تهيمن على الدول الكبرى واستعدادها على المساومة في غير صالح الشعب وانتفاضته ثانياً.
وما هي أسباب قوة الانتفاضة التشرينية؟
إلا إن في الانتفاضة الجارية من عوامل القوة ما يجعلها قادرة على تجاوز الصعوبات والتعقيدات المستمرة. فما هي عوامل قوة الانتفاضة الباسلة؟
تؤكد الأحداث الجارية منذ تشرين الأول حتى اليوم ان هناك عوامل ذات أهمية فائقة تكمن في قوة الانتفاضة التي يمكن بلورة أبرزها في النقاط التالية:
أولاً: شبابية القوى التي فجرت الانتفاضة الجارية وعمق وعيها ووضوح رؤيتها للأهداف التي تمس مصالح الشعب والوطن معاً.
ثانياً: والانتفاضة الباسلة نسائية أيضاً، حيث تشارك مع الرجل بوعي متحرر من قيود الزجر والقهر والتمييز، انتفاضة نسائية تؤكد "نازلة أخذ حقي" المسلوب، و"أريد وطن" مستباح حالياً. مشاركة النساء ف الانتفاضة تتعاظم يوماً بعد آخر وتجسد وعياً جديداً وعميقاً بما تعاني من استلاب لشخصيتها وإساءة لكرامتها وبؤس حياتها وتهميش دورها في الدولة والمجتمع والاقتصادي الوطني. إنها ثورة نسوية حقيقية تريد وضع المرأة في مكانها الحقيقي والمناصف باعتبارها تشكل نصف المجتمع والمعين الذي لا ينضب للحياة. إنها واحدة من أعظم مكاسب الانتفاضة الشعبية وأكثرها تميزاً واستكمالاً لدور الرجل في هذه الانتفاضة الباسلة
ثالثاً: سلمية الانتفاضة الشعبية وتحديها وصمودها أمام كل أنواع عنف الدولة الرثة والفاسدة وكل مؤسسات وميليشيات الدولة العميقة المجرمة وخداعها المكشوف والبائس.
رابعاً: استمرار هذه الانتفاضة طيلة الأشهر الأربعة المنصرمة وتفاعلها المستمر مع الأعداد المتزايدة للجماهير الشعبية المشاركة فيها، رغم تزايد عدد القتلى والجرحى والمعوقين والمعتقلين والمختطفين.
خامساً: عدالة القضية التي فجرت الانتفاضة وشرعية النضال التي يخوضها المنتفضون البواسل والمنتفضات الباسلات ودستوريته والتي تلخصت وتكثفت بشعارين "نازل أخذ حقي" و "أريد وطن".
سادسا: كسر نادر بل لا مثيل له وسلمياً لحاجز الخوف الذي نشرته الميليشيات الطائفية المسلحة ومؤسسات الدولة العميقة الأخرى على مدى 15 عاماً والجرائم التي ارتكبتها بحق الشعب خلال الفترة المنصرمة وحتى الآن.
سابعاً: افتضاح النهج الطائفي ضد أتباع الديانات والمذاهب الأخرى أولاً، وافتضاح دورها الشوفيني ضد أتباع القوميات الأخرى ثانياً، وافتضاح نهجها الاستبدادي الفكري المتخلف ضد أتباع الفكر والنهج السياسي الآخر ثالثاً، وافتضاح نهجها التمييزي المناهض للمرأة العراقية والذي تبلور في مشروع الفئة الضالة، مشروع الأحوال الشخصية الجعفري رابعاً، وافتضاح دورها في جعل العراق دولة مهمشة ومشوهة وتابعة لإيران وإصرار الطغمة الحاكمة الفاسدة والطائفية في جعل العراق شبه مستعمرة أو جزءاً من الإمبراطورية الفارسية الصفوية الجديدة خامساً، ودوسها اخيرا وليس أخرا على هوية المواطنة العراقية وكرامة الإنسان العراقي وتمجيدها المفتعل والقاتل للهوية الفرعية الطائفية الشيعية وإشاعتها صراع الهويات والقتل على الهوية.
سابعا: بداية مشجعة للتضامن العالمي على نضال الشعب العراقي في سبيل حرية وحقوق الشعب والوطن، سواء أكان على صعيد المجتمع الدولي، كما برز في بيان احتجاج 16 سفار أوروبية في بغداد ضد ضرب المنتفضين والمنتفضات في ساحات التظاهر في بغداد والمدن العراقية في جنوب ووسط العراق، من جهة، وتأييد متزايد من الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني وإمكانية تطويره وتصعيده من جهة ثانية.
ما العمل؟ 
من هنا يبدو لي بأن الحالة الراهنة يمكن أن تستمر، حتى لو تشكلت الوزارة الجديدة، التي ترفضها قوى الانتفاضة، فأن الوضع سيبقى قلقاً وصعب الحسم. فنحن بحاجة ماسة إلى إنجاز عدد من المهمات التي أرجو وآمل أن تناقش في صفوف قوى الانتفاضة والأوساط الشعبية بكل مكوناتها السياسية المعارضة للدولة الهشة والطغمة الحاكمة الفاسدة والمحاصصة الطائفية والراغبة في التغيير الجذري الفعلي لما يجري في العراق. المهمات، وكما أرى، كثيرة ولكن ألخص بعضها فيما يلي:
1.   إيلاء اهتمام متزايد بكل العناصر والجماعات والقوى مهما كانت صغيرة من أجل كسبها إلى جانب الانتفاضة وإشراكها في العملية النضالية الجارية، من خلال وضع مصالحها المباشرة كجزء حيوي من مصالح العراق وشعبه. فشعار "نازل أخذ حقي"، خط عام وسليم، يتضمن حقوقاً ومصالح كثيرة مسلوبة ومتوزعة على عدد كبير من الجماعات المهنية كالعمال والفلاحين والكسبة والحرفيين والطلبة والمثقفين والمثقفات والعاطلين والعاطلات عن العمل والأرامل واليتامى والعائلات الفقيرة والمعوزة، وشعار "أريد وطن" خط عام وسليم، ولكني يعني نريد وطناً لكل العراقيات والعراقيين، للعرب والكرد والكلدان والآشوريين والسريان والتركمان، وطناً لأتباع كل الديانات والمذاهب الدينية والفكرية غير العنصرية وغير الطائفية، نريد وطناً لا تنتهك سيادته واستقلاله الوطني من إيران وتركيا، كما عليه الحالة الراهنة، ولا من أي دولة أخرى، نريد وطناً لا تدوس أرضه قوات أجنبية دون موافقة الشعب العراقي، بل نريد وطناً خال من كل عسكري أجنبي بصورة شرعية أو غير شرعية. من هنا تكون المهمة وطنية وديمقراطية من جهة، وتمس مصالح كل الشعب ومكوناته الطبقية الاجتماعية والمهنية من جهة أخرى.
2.   بذل المزيد من الجهود لتوحيد أساليب النضال الراهنة والتصعيدية من خلال إيجاد هيكلية فاعلة وقيادة موحدة وفاعلة ومؤثرة في ساحات وشوارع النضال اليومي لقوى الانتفاضة الشعبية، إذ بدونهما يتعذر تحقيق ما يصبو له المنتفضون والمنتفضات.
3.   إن يجد المنتفضون والمنتفضات لغة مشتركة مع القوى والأحزاب السياسية التي وقفت منذ اللحظة الأولى إلى جانب قوى الانتفاضة وأهدافها، فهي جزء من قوى الانتفاضة ولا يمكن بأي حال تجنبها، وهي مشاركة فعلاً ولكن لا بد من إنشاء ائتلاف وطني يضم كل ساحات وشوارع النضال الجاري لتحقيق النصر في هذه الانتفاضة الباسلة.
4.   إن عملية كسب القوات المسلحة العراقية لا يعني حمل السلاح ضد النظام السياسي القائم، بل يعني مسألتين أساسيتين هما: إعلان رفضهم توجيه نيران بنادقهم وهراواتهم ضد المنتفضات والمنتفضين أولاً، وإعلام الطغمة الحاكمة بأنهم يقفون إلى جانب مطالب الشعب، وأنهم غير مستعدين للدفاع عن نظام فاشل وسيء انتفض الشعب لتغييره ثانياً. ولا شك في أن هذا سيعني إعلام السلطة بأن وجود التشكيلات الطائفية المسلحة وممارساتها العدوانية المجرمة هو تجاوز على احتكار الدولة للسلاح وخلق قوة موازية للقوات المسلحة تجسد مصالح الدولة العميقة الشريرة والمرفوضة من أي دولة تحترم نفسها وتحترم قواتها المسلحة وشعبها.
5.   إيجاد ممثلين ومكاتب لقوى الانتفاضة الشعبية في جميع دول العالم أو حيثما وجد عراقيون وعراقيات فيها للقيام بمهمات توضيح ما يجري في العراق ودعم الانتفاضة وجمع التبرعات المالية والعينية لتغطية بعض احتياجاتها. إن مثل هذه المهمة ستسهم في توحيد الجهود وصبها في نهر واحد يصل إلى الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي من جهة، وإلى المنتفضات والمنتفضين من جهة أخرى. وربما يمكن إصدار نشرة في الخارج وبلغات عدة لهذا الغرض ومن مكتب إعلامي موحد يتفق في تشكيله مع ساحات النضال الداخلي. ليس هناك من لا يدرك بأن المهمة المركزية لتغيير الوضع في البلاد هي بيد قوى الانتفاضة الشعبية في الداخل، فهم الذين يواجهون بصدورهم نيران الطغمة الحاكمة ويقدمون أغلى التضحيات في سبيل تحقيق النصر المؤزر في هذه المعركة الوطنية الباسلة. إلا إن لقوى المعارضة في الخارج ومن جميع الاتجاهات السياسية الوطنية والديمقراطية واليسارية يمكن ان يكون لها دورها المهم والكبير حين تتوحد الجهود وتتوجه لتشكيل لجنة عالمية شبيهة بلجنة "برتراند رسل" لدعم نضال الشعب العراقي للحصول على تأييد الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي، وأن تبتعد هذه المكاتب عن النظرات الضيقة في العمل السياسي، فالمهمة ليست حزبية ولا شخصية، بل هي مهمة وطنية يتنافس الجميع على تقديم الأفضل لتحقيقها وليس لحلول بعضهم على حساب ودور البعض الآخر.                                     

14
كاظم حبيب
                                     
ليس من مصلحة أحد الإساءة للأستاذ الدكتور فارس نظمي
نحن الآن أمام موجة سخط شديدة غير مبررة ضد باحث علمي وأكاديمي متميز وكاتب شفاف انجز الكثير من الكتب المهمة في تحليل طبيعة وسلوكيات احزاب الإسلام السياسي والمجتمع العراقي وعرّى مواقفها المناهضة للفكر الإنساني الحر وناقش الكثير من أطروحاتهم البليدة والتي عفا عليها الزمن. كتب يعبر عن وجهة نظره الفكرية والسياسية برؤية مستقلة وبعيدة عن رؤية الأحزاب السياسية القائمة بالعراق لأنه غير حزبي وعالم في علم النفس الاجتماعي ومؤسس جمعية علم النفس السياسي. كاتب لامع ومحلل نفسي محترم له وجهة نظر في الوضع السياسي الجاري في العراق احترمها رغم اختلافي معه، وهو يحترم وجهة نظري بشأن الوضع في العراق رغم اختلافه مع رأيي. لم نكتف بالاحترام المتبادل فحسب، بل تجمعنا صداقة متينة واعتزاز بقدرته الممتازة على البحث والتحليل والتدقيق والجرأة المطلوبة في طرح وجهة نظره. مثل هذا الشخص الباحث يفترض ان نحترم رؤيته للتطور الجاري في العراق ونعتز به وأن اختلف بعضنا معه، فأن اختلف بعضنا معه اليوم،  فيمكن ان يتفق  معه غداً، لأننا نقف جميعاً نقف اليوم في موقع واحد، ودربنا الطويل واحد وهدفنا في المحصلة النهائية، وأن تباينًا في رؤية التحالفات المطلوبة، حرية العراق وشعبه والمستقبل الزاهر لأبناء العراق وأجياله القادمة.
إن الرسالة الموجهة من الصديق الكاتب جاسم المطير كان ممكن ان تتوجه للثلاثي المذكور بصورة شخصية لتبادل وجهات النظر والبحث المعمق في الوضع القائم وبأسلوب تناول اخر بعيدا عن الشخصية المباشرة. ولو كنت مكان الصديق جاسم المطير لكتبت الرسالة بصيغة أخرى، ولكني لا أستطيع فرض رؤيتي عليه أو أسلوبي في معالجة مثل هذه القضايا التي تستوجب الكثير من العناية والتدقيق والابتعاد عن جرح المشاعر الشخصية. اختلفت مع الصديق الدكتور فارس نظمي في مقالي الذي نشرته مباشرة يوم 10/02/2020   ووجهت له النقد بطريقة ودية بعيدة عن التشنج والإساءة، فهو منا نحن الديمقراطيون وليس غريبًا عنا دبل علينا التعامل بود في النقد لمن هو من غيرنا أيضا.  إن ما يحصل اليوم هو خارج إطار كل الاعتبارات الي يفترض ان نحترمها. فليس صوابا توجيه الاتهامات بالعمالة لدى الصدر أو أنه يكتب لقاء اجر مدفوع الثمن أو غيرها من الكلمات غير اللائقة والمسيئة والمرفوضة التي توجه للزميل والصديق الدكتور فارس نظمي وتتداول في مواقع التواصل الاجتماعي، وهي كثيرة. من يختلف معه عليه ان يكتب ويبرر أسباب الاختلاف لإقناع الآخرين، في حين ان الشتيمة والتهم الجاهزة لا تقنع احداً بل تسيء لقائلها أكثر بكثير مما تسيء لمن يراد شتمه دون حق. كم أتمنى وأرجو ان نكف عن هذا الأسلوب الزجري إزاء من نختلف معه حتى لو جاء في رأيه ما أغاظني أو أغاظ غيري، لأن هو الآخر يشعر بأنه قد تعرض للإغاظة والإساءة، في الوقت الذي توقف الزميل نظمي عن الرد والكتابة بهذا الصدد. لنكن أكثر حكمة وأكثر ودًا إزاء الرأي الآخر وأكثر ابتعادا عن توجيه اتهامات زائفة وجارحة وغير مبررة أصلاً.
 


15
كاظم حبيب
نداء عاجل وملح
دعونا نتحاور بود وحرية، دعونا ننتبه لمهماتنا العاجل!
أشرت في آخر مقال لي إلى إن شعبنا العراقي يمر بمرحلة مفصلية معقدة وشديدة الصعوبة. وهذا يعني بكل شفافية ووضوح إننا جميعاً بحاجة إلى المزيد من البحث العلمي والمتابعة اليومية للأحداث الجارية والتدقيق بسياساتنا ومواقفنا إزاء الكثير من الإشكاليات والمشكلات التي تواجهنا محلياً والتي تلعب فيها وعليها الكثير من العوامل والقوى والدول العربية والإقليمية والدولية. إن مثل هذا التوجه ليس ترفاً بل ضرورة موضوعية وحاجة ماسة لا تهم حزباً أو جهة سياسية معينة، أو باحثاً علميا أو كاتباً أو إعلامياً أو سياسياً معيناً، بل هي مهمة الجميع أياً كان النهج أو السياسة التي يمارسها هذا الحزب أو ذاك وهذا الباحث او السياسي أو ذاك. كما نحن بحاجة إلى النقد البناء والموضوعي والهادف إلى التحسين والبناء أولاً وقبل كل شيء. وهذا الأمر على ما أرى، يمس كل القوى والشخصيات الوطنية الدمقراطية واليسارية واللبرالية دون استثناء.
ولكن ما نحن لسنا بحاجة إليه كلية هو العراك السياسي بالكلمات وبالإساءات المتبادلة وبالتشنج وردود الأفعال الأكثر تشنجاً، وبالتالي سنصل إلى عواقب وخيمة بحيث نسلخ جلودنا دون أن ندرك ذلك ونفقد البوصلة التي ينبغي أن نهتدي بها دوماً.
أدرك من الأعماق بأن الديمقراطيين واليساريين حين يختلفون في المواقف السياسية فهي نتيجة لتحليلهم وتقديراتهم لمصالح الشعب أو الفئات الاجتماعية الوطنية التي يسعون إلى تمثيلها والدفاع عن مصالحها، وليس العامل الذاتي هو الدافع أو المحك في ذلك. وفي ضوء هذا التقدير فأن الاختلاف في الرأي ليس رذيلة بل فضيلة، لاسيما وأن فضيلة الاختلاف تفتح باب الحوار والنقاش السلمي الهادئ والموضوعي وليس المهاترات والإساءات المتبادلة والتخوين والاتهام بالعمالة أو مقابل أجر أو ما شاكل ذلك من تهم لا معنى ولا مبرر لها ولا تخدم الجميع، بل تسيء حتى لكاتب مثل هذه الاتهامات. كلمات الإساءة ليست حكراً أو محصورة بشخص أو حزب، بل يمكن أن يستخدمها الجميع. ولكن الكلمة النقدية الصادقة والهادئة والموضوعية والبناءة هي الصعبة وهي المطلوبة منا وبيننا نحن الذين نطلق على أنفسنا بصواب بأننا ديمقراطيون أو يساريون أو شيوعيون.
اعتقد بأن المرحلة الراهنة تتطلب منا جميعاً الكف عن تشديد حملة الإساءات المتبادلة الجارية حالياً بين رفاق الدرب الطويل والنضال المرير والمشاركين في ثورة تشرين 2019 الباسلة حول الموقف من الصدريين وسياساتهم وأدوارهم التي نتفق جميعاً على إنها متقلبة ومؤذية في تقلباتها على أقل تقدير. يمكن أن يستمر هذا النقاش ولكن بطرق وأساليب أخرى غير التي تتمارس الآن من البعض وليس من الكل. إذ ليس من مصلحة الحركة الديمقراطية واليسارية العراقية الغوص في ذلك، بل التهدئة ضرورية وملحة. إذ ليس بالقوة يمكن تغيير هذا الموقف او ذاك لهذا الحزب أو ذاك الباحث أو السياسي ...الخ، بل يمكن تغيير المواقف بالحوار الفكري والنقاش السياسي واعتماد التحليل المادي الجدلي للأوضاع في العراق وللعوامل الفاعلة فيه والمؤثرة عليه محلياً وعربياً وإقليماً ودولياً.
أملي ورجائي أن لا ننجر أكثر فأكثر وراء من يريد تنشيط العراك الفكري والسياسي المتشنج بيننا ونبتعد عن إدارة الصراع الفكري والسياسي بين القوى الديمقراطية بروح ثورية وعقل مفتوح ورغبة صادقة في الوصول إلى ما يساعد شعبنا على اختيار الطريق الأصوب في النضال وفي التحالفات السياسية وفي التكتيكات اليومية لمواجهة الطغمة الحاكمة الطائفية الفاسدة. لم أكتب هذا النداء برغب ذاتية فحسب، بل وعلى وفق رجاءات كثيرة وصلتني من أحبة مخلصين من داخل الوطن المستباح ومن الخارج أيضاً.
أعداؤنا فرحون بما نحن فيه الآن، ولاسيما في كل ما ينشر من أفعال كتابية وردود أفعال كتابية غير متزنة، ويتمنون أن يصل هذا الصراع إلى ساحات وشوارع النضال ويتحول إلى شيء غير الكلمات، وهو أمر سيكون بالغ الضرر ومريع، وعلينا رفضه وتجنبه كلية ما دام هدفنا المركزي هو تغيير هذا النظام السياسي الفاشي الجائر الذي انتهك كل الحرمات وقتل أكثر من 730 مناضل وجرح وأعاق أكثر من 26 ألف مناضل واعتقل الآلاف واختطف المئات من خيرة شبيبة العراق من الإناث والذكور. لنتوحد على طريق النضال ونواجه العدو بوحدة نضالية صلدة ونناقش خلافاتنا بحيوية، ولكن بود وموضوعية ورحابة صدر وهدوء. إنه ندائي إلى الأحبة جميعاً في ان نركز جهدنا للشعارين المركزيين اللذين أطلقهما ثوار تشرين 2019 الشجعان: "نازل أخذ حقي، وأريد وطن"!     
           

16
كاظم حبيب
نحو حوار هادئ وموضوعي بين القوى الديمقراطية واليسارية
يمر العراق بمرحلة سياسية واجتماعية مفصلية صعبة ومعقدة. فالصراع الجاري في البلاد ليس محلياً فحسب، بل إقليمياً ودولياً أيضا، وليس دينياً ومذهبياً فحسب، بل وبالأساس سياسياً واقتصادياً واجتماعياً أو طبقياً، بكل ما تعنيه هذه الكلمة، أي بين الفات الاجتماعية الكادحة والفقيرة والعاطلة عن العمل والمهمشة من جهة، وبين الفئة الطفيلية الطائفية الفاسدة الحاكمة والسارقة لخزينة الدولة وثروة المجتمع من جهة أخرى. هذا الواقع المعقد، حيث لا يزال ميزان القوى يميل من الناحيتين العسكرية والمالية لصالح الطغمة الفاسدة الحاكمة، فأن من مصلحة القوى الديمقراطية بكل أطيافها واتجاهاتها وتطلعاتها، بما فها القوى اليسارية، والحزب الشيوعي منها في الصدارة، ممارسة الحوار الفكري والنقاش السياسي حول مجرى تطور الأوضاع منذ إسقاط الدكتاتورية حتى الآن والنهج الذي مورس ويمارس اليوم من جانب كل القوى والأحزاب السياسية لا من باب التخوين والإساءة أو الاستفزاز وفقدان الهدوء والموضوعية والتصور بامتلاك الحقيقة كلها، بل من منطلق التعمق في الرؤية الواقعية والتحليل الجدلي لواقع العراق والتحولات الجارية فيه من النواحي الاجتماعية ودور الدين والمذاهب في مجمل العملة السياسية الجارية، إضافة إلى الدور الخارجي، الإقليمي والدولي الكبيرين، للوصول إلى رؤية مشتركة أو متقاربة، أو حتى في حالة عدم الوصول إلى رؤية مشتركة، الاحتفاظ بالاحترام المتبادل وعدم الإساءة المتبادلة واستخدام لغة غير لغة الحوار الحضاري المنشود.
هناك دون أدنى ريب فارق بين تحليل الأفراد للوضع السياسي القائم وما يتوصلون إليه من استنتاجات وسياسات، وبين تحليلات واستنتاجات وسياسات الأحزاب السياسية. والفارق الأول والمهم يبرز في جماعية التحليل والتشخيص والمسؤولية التي تتحملها الأحزاب بكل قيادتها وكوادرها وأعضاءها عن النتائج التي تتوصل إليها وتمارسها عملياً، وبين مسؤولية الأفراد التي يتحملونها بمفردهم وليس فيها بالضرورة عواقب وخيمة على عدد أكبر من الأفراد أو المجتمع. ولكن التحليل العلمي الجدلي المسؤول، سواء مارسه الفرد أم هذا الحزب أو ذاك من القوى الديمقراطية واليسار له أثار معينة على الأفراد والأحزاب والمجتمع. ولا شك في أن من هم في الداخل تتوفر لهم معلومات ومستلزمات التحليل والتشخيص أكثر ممن هم في الخارج، رغم إن هذا الرأي ليس بشكل مطلق بل نسبي واحتمال الخطأ والصواب في الجانبين وارد. ولهذا من غير المناسب لباحث علمي أن يتعكز على وجود باحثين وكتاب في الخارج يرون الوضع غير ما يرونه من هم في الداخل، لشن هجوم لا مبرر له، بل إن الطريق الوحيد والصائب هو الحوار الهادئ والموضوعي بعيداً عن التشنجات والإساءات المتبادلة التي لا تثمر غير تشنجات إضافية لا معنى ولا مبرر لها أصلا. فالوضع السياسي في العراق معقد إلى الحد الذي يمكن أن تبرز فيه وجهات نظر متباينة بحكم الكثير من العوامل الفاعلة والمؤثرة الآنية المتحركة منها والثابتة نسبياً، الداخلية والخارجية، إضافة إلى الخلفيات التاريخية والثقافية والاجتماعية، ثم العوامل الخارجية المؤثرة في كل ذلك.
الحزب الشيوعي العراقي حزب ثوري، وله تاريخ مجيد يمتد طوال 86 عاماً بالتمام والكمال، وأبرز ما في هذا الحزب استمرارية نضاله طوال هذه الأعوام دون انقطاع ولمصلحة الشعب، ولاسيما كادحيه، والوطن، كما إنه يمتلك نظرية علمية تساعده على التحليل المادي للأوضاع. وفي هذا لا يختلف إلا من يقف في صف طبقي آخر أو أعداء الحزب أو غير المطلعين على تراثه ونضاله وشهداء الحزب الأماجد. والحزب الشيوعي العراقي يمارس السياسة اليومية، وبالتالي فهو بحاجة إلى مراقبة سياساته يومياً وإجراء التغييرات الضرورية على تكتيكاته اليومية، بل وتحالفاته وائتلافاته السياسية. وإذا كانت العقود المنصرمة قد أكدت على الكثير من سياسات الحزب الشيوعي الصائبة، فأنه قد ارتكب أخطاءً أيضاً كلفت الحزب الكثير من المشاق والأذى. وهذي الحقيقة تعبر عن واقع فعلي هو أن من يعمل يمكن أن يصيب ويمكن أن يخطئ، ومن لا يعمل هو المخطئ الأكبر. وعليه لا يحتاج الحزب الشيوعي إلى رقابة ذاتية على سياساته من جانب قيادته وكوادره وأعضاءه فحسب، بل ومن القوى الديمقراطية واليسارية المحيطة بالحزب المتأثرة بسياساته والمؤثرة فيها، بل يمكن أن تأتي الرقابة من مختلف الأوساط الشعبية، وهي مهمة وضرورية. ومثل هذه الرقابة ليست ضرورية فحسب، بل ومهمة جداً للحزب الشيوعي العراقي وصواب سياساته وشعبيتها.
هذا يعني إن الحزب الشيوعي يفترض أن يعرف بأنه معرض للنقد من جانب رفاقه ومن جانب المحيط الديمقراطي واليساري، كما إن القوى والعناصر الديمقراطية واليسارية يفترض أن تعرف بأنها هي الأخرى تكون معرضة لنقد الحزب ورفاقه. إذ بدون هذه الرؤية الحوارية والنقدية المتبادلة يصعب التفاهم والعمل المشترك أولاً، كما يفترض أن ندرك بأن ليس كل النقد المتبادل هو بالضرورة صائب وصحيح ثانياً. ولكن كما هو معروف "رأيي صحيح يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب". بهذه الرؤية الحضارية يمكننا أن نجد طريقاً سليماً لعملنا المشترك.
الحزب الشيوعي العراقي وكل القوى والعناصر الديمقراطية واليسارية تعمل في الشأن العام. ومن يعمل في الشأن العام معرض للرقابة والنقد، والتأييد أو المعارضة. ولهذا يفترض أن نحتفظ بالرؤية الهادئة والموضوعية إزاء النقد المتبادل، فهو ضروري جداً لأنه ينير طريق السائر دوماً في نضاله المعقد والصعب كالحزب الشيوعي وكل قوى اليسار والديمقراطية.
إن الوضع الراهن في العراق قابل للتباين الشديد في وجهات النظر، وعلينا أن يتقبل بعضنا الآخر دون تخوين أو إساءة، ولا اتهامات مسيئة ومرفوضة من باحث علمي له وزنه الكبير، كما جاء في مقال صديقي الفاضل الأستاذ الدكتور فارس نظمي الموسوم "بعد 6 عقود من موسوعة ذبحهم في 8 شباط.. الشيوعيون الميدانيون في قلب الحراك الثوري التشريني ...! في ملحق جريدة المدى "الاحتجاج" بتاريخ 09/02/2020 ما يلي:   
"فقد شهدت الأيام الأخيرة اشتداد حملات السخرية والتخوين والتأثيم التي يمارسها بتلذذ بعض فرسان الكيبورد من مدنيين و"يساريين" أغلبهم يقطن في المنافي الدافئة، إذ يكرسون وقتهم للتشهير والتهكم والتنكيل اللفظي، ومحاولة التذاكي الأيديولوجي الديماغوجي عبر التلاعب السمج بالمفردات والأفكار والمفاهيم، لإظهار "خطايا" الشيوعيين الميدانيين في الداخل. هؤلاء يستميتون للبحث عن دور مفقود أو هوية غائبة بعثرتها الأيام، عبر محاولة إظهار أهميتهم المفقودة بتبخيس قيمة الآخرين الفاعلين حقاً في الميدان، مستخدمين منصات التواصل الاجتماعي لممارسة التشهير التسقيطي لبعض الأسماء أو التكفير الأيديولوجي الضمني، دون أن ينتابهم أي شعور بالذنب يدفعهم لترك حياتهم المستقرة والالتحاق بالميدان حيث قنابل الغاز والرصاص الحي والتغييب وغرف التعذيب."..!
في الوقت الذي أعرف جيداً بأن الحزب الشيوعي العراقي وعموم اليسار والديمقراطيين يخوضون نضالاً في أوضاع صعبة ومعقدة وخطيرة وأعطوا الكثير من الشهداء الأبرار، وفي الوقت الذي أرفض أي إهانة أو تخوين للحزب الشيوعي العراقي أو أي رفيق فيه أو أي عنصر من قوى اليسار العراقي بسبب سياساته ونهجه مهما اختلف هذا أو ذاك معها، أرفض في الوقت ذاته هذا الأسلوب وهذه المفردات القاسية التي مارسها الصديق في الإدانة والإساءة، إذ إنها ليست لغة للحوار الديمقراطي الحضاري والنقد البناء. أتمنى وأرجو أن نعود جميعاً إلى الصيغة الديمقراطية المعروفة في النقد والنقد الذاتي وفي التعامل الودي عند الاختلاف والإصرار على ممارسة النهج الديمقراطي في الحوار وفي النقاشات السياسية الجارية.

17
كاظم حبيب
القتلة يوغلون بدماء الشعب العراقي، وسيكون النصر للشعب
الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي يرى لوحة مريعة وبشعة وإجرام متفاقم، ويسمع أصواتاً وقحة وكتابات هستيرية من قوى الطغمة الحاكمة في العراق ومن قوى ومؤسسات الدولة العميقة التي تقودها قوى الطغمة الحاكمة ذاتها ومعها إيران بكامل قواها الشريرة وقيادتها الجائرة على شعبها وشعبنا في آن واحد. هذه القوى البشعة لا تهدد المنتفضات والمنتفضين بالموت فحسب، بل تمارس القتل يومياً وتغوص في دم العراقيات والعراقيين وتطاردهم وتعتقل الكثير من الشبيبة المقدامة وتحرق خيامهم في ساحات النضال في محاولة يائسة وقذرة لقمع صوت الحق والوطنية، صوت الشعب الذي يطالب بالحقوق وبوطن مستقل وآمن وغير مستباح. هذا الواقع يؤكد عمق وشدة الصراع الاجتماعي الذي طفح بقوة وصراحة على سطح الأحداث، فالقوى الكادحة والفقيرة والمعوزة، والقوى المثقفة الواعية والمدركة لما يجري في العراق وكل الواعين والخيرين من أبناء وبنات الشعب والطلبة الذين يتابعون ويواجهون النهب السلب والبطالة الواسعة والفقر المدقع والحرمان من الحياة الآمنة والعيش الكريم والبيئة النظيفة والخدمات الأساسية، في مواجهة فئة ظالمة سارقة للمال وناهبة للخيرات وموغلة بالجريمة ضد المجتمع وبائعة الوطن للغير. إنها اللوحة الصارخة لصراع اجتماعي متفاقم بين الغالبية العظمى من الشعب وبين تلك الفئة الثيوقراطية التي لم تعد تفكر إلا في سبل البقاء في السلطة والهيمنة التامة على المال ونهبه والسيطرة على المجتمع لصالح سيدها المشارك في قتل العراقيات والعراقيين والمنطلق من حدود البلاد الشرقية، من إيران التي يعيش شعبها في الظلمتين.
لقد كشفت قوى الميليشيات الطائفية الشيعية المسلحة عن دورها المخزي والدموي وهيمنتها الفعلية الكاملة على قيادة ودور ونشاط الكثير جداً من قوى الحشد الشعبي، إضافة إلى دور مكاتبها الاقتصادية المافيوية التي تبتز الشعب وتستنزف موارد البلاد المالية وخيراته. إنها القوى التي خرجت بالأمس تهدد الشعب بالويل والثبور، بإسكات صوت الشعب، ولكن غاب عنها بأن صوت الشعب كان وسيبقى هو الأعلى وهو القادر على إسكات تلك الزعانف وأولئك القتلة الذين يغتالون الناس غيلة وتحت غطاء حكومي مكشوف ولم يعد من يتستر عليه حتى السفاح العار عادل عبد المهدي يعرف ذلك ويعرف الدور الذي رسم له في هذه المهزلة والمأساة العراقية المريعة.
إن إيران تريد، بما قام به الحشد الشعبي والميليشيات الطائفية المسلحة من هجوم على السفارة الأمريكية وإحراق وتدمير بعض البنايات ومحاولة الولوج إلى داخل السفارة، إلى إشعال حرب إيرانية أمريكية على الأرض العراقية وبقوى شعب العراق وبعيداً عن الحدود الإيرانية، إنها جريمة مبيتة، وهي الخطة رقم 3 لإيران بعد فشلها في الخطتين رقم ا و2. ولكن الثوار الأشاوس سيتصدون للأوباش من الميليشيات الطائفية المسلحة ومن معهم من الطغمة الحاكمة ويكنسون أرض العراق من رجسهم ودنسهم ووحشيتهم في التعامل مع المجتمع العراقي.
إن المعركة الراهنة الجارية تؤكد تبلور مستمر ومتصاعد في اصطفاف جديد وفعلي في القوى المتصارعة، بين معسكرين: معسكر الشعب، وهو الكتلة الكبرى والثائرة بسلمية تامة، ومعسكر أعداء الشعب، وهي الكتلة الأصغر والمسلحة حتى الأسنان والمسندة من إيران وحزب الله في لبنان، إنه الصراع بين قوى الخير وقوى الشر، بعد أن بدأت ودون رادع أو وازع من ضمير وذمة إلى استخدام قوات الشغب الحكومية وقوى الصد ...الخ وكل القوى الشريرة الأخرى الفاعلة معها بكل مسمياتها الرسمية وغير الرسمية، الرصاص الحي وبكثافة كبيرة في مواجهة المتظاهرات والمتظاهرين وقتل وجرح الكثير منهم في أغلب محافظات العراق. لقد تكاثر عدد المتظاهرين والمتظاهرات يعلنون إصرارهم الحازم، رغم المطارة والاختطاف والاعتقال والتعذيب والقتل الغادر، على مواصلة النضال لتحرير الأرض العراقية من رجس الحكام الظالمين والفاسقين والقتلة المجرمين.
ولا شك في أن هذه المعركة ستفرز الصالح من الطالح وستجبر الكثير من السائرين وراء القوى الظالمة حتى الآن إلى إعادة النظر في مواقعها ومواقفها والانخراط في صفوف الشعب وحمل الأعلام العراقية بسلمية لإسقاط الدكتاتورية الغاشمة الحاكمة في بغداد.
الخزي والعار والانكسار لحكام العراق القتلة،
النصر لثوار العراق والمجد والخلود لشهداء الوطن والشعب، والشفاء العاجل للجرحى والمقعدين.
سيبرهن الشعب صواب قول الشاعر:
وإذا تشابكت الأكف فأي كف يقطعون..
وإذا تعانقت الجموع فأي درب يسلكون..             


18
كاظم حبيب
الموقف الوطني من الوجود الأجنبي في العراق
ما تميز به نضال الشعب العراقي خلال القرن المنصرم ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى حتى الوقت الحاضر هو النضال المستمر والموثق ضد كل أشكال الوجود الأجنبي في البلاد وضد المعاهدات والاتفاقيات والأحلاف العسكرية الدولية الثنانية والمتعددة الأطراف. وقد تم التعبير عن ذلك على وفق أساليب متنوعة، بما فيها الثورية التي تجلت في ثورة العشرة وثورة الكرد بقادة الشيخ محمود الحفيد أو في المعارك السياسية في أعقاب الحرب العالمية الثانية ومنها وثبة كانون 1948وانتفاضي تشرين 1952 و1956 ثم ثورة تموز 1958. كما تميز نضال الشعب من اجل الحريات العامة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات والمرأة في آن، والتي كانت ضد الاستبداد والقهر السياسي والاجتماعي والاقتصادي وضد الحروب والحصر والمجاعات. فالشعب بقواه الحية والواعية لم يكن يوماً مع احتلال الوطن أياً كان المحتل ولا مع الاستبداد والقهر. وهذا الموقف هو الذي يتصدر الموقف حالياً في نضال الشعب العراقي الذي طرح شعارين بارزين وأساسيين هما "أنزل أخذ حقي" و"أريد وطن"، لأن الحقوق مغتصبة من الطغمة الحاكمة والوطن مستباح بوجود قوى أجنبية بصورة رسمية أو غير رسمية. وإذ كانت قوى أجنبية موجودة باتفاقيات رسمية مع الحكومة العراقية، كما هو حال قوى التحالف الدولي لمناهض لدعم واتفاقيات أمنية بين الولايات المتحدة الأمريكية والعراق، فأن هناك وجوداً أجنبياً مهيمناً على الساحة العراقية كلها، وهو وجود غير رسمي وتدخل مباشر في الشؤون العراقية كلها.
والموقف الوطني السليم هو أن نتخلص من وجود القوى الأجنبية من خلال وجود حكومة وطنية ديمقراطية تستجيب لإرادة ومصالح الشعب أولاً وقبل كل شيء، ووجود مجلس نيابي وطني ونزيه، وهما اللذان يأخذان على عاتقهما وجود دولة ديمقراطية علمانية قوية لتمارس دورها في الدخول مفاوضات سلمية سياسية ودبلوماسية لإنهاء أو عقد اتفاقيات ثنائية جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، وإنهاء الوجود الإيراني وتوابعه في العراق أيضاً. من هنا يبرز أمامنا الخطأ الفادح في وضع الأجندة من قبل التيار الصدري من حيث المهمات والزمن والتي تحاول قوى أخرى الاستفادة من ذلك للهجوم على الانتفاضة الشعبية الجارية منذ أكثر من ثلاثة شهور وصف الشهر. فالحكومة الوطنية ومجلس نواب وطني نزيه منتخب بإرادة عراقية وبعيد عن المحاصصات الطائفية والفساد يأخذان على عاتقهما إنهاء وجود الدولة العميقة في البلاد بكل صور وجودها العسكري والأمني غير الرسمي والاقتصادي والمافيوي والاجتماعي والإعلامي ... الخ، وتعزيز الدولة الديمقراطية بسلطاتها الثلاث. 
إن الموقف من وجود القوات الأجنبية في العراق يخضع لقرارات الشعب وحاجات البلاد في مواجهة قوى معادية رغبتها الهينة على العراق وتدميره كما حصل في اجتياح واحتلال داعش للموصل وعموم نينوى ومحافظات أخرى وما مارسته من إبادة جماعية ضد أبناء وبنات الشعب هنا ومخاطر عودته بعد التحرير، حيث ما تزال جيوبه متحركة في أنحاء عديدة من البلاد، أو النهج الذي تمارسه الميليشيات الطائفية المسلحة المهيمنة على الحشد الشعبي وغير الخاضع فعلياً للقائد العام للقوات المسلحة العراقية بل للقيادة الإيرانية لاسيما قيادة فيلق القدس. ولا أشك في خضوع رئيس حكومة تصريف الأعمال هو الأخر خاضع كلية لقرار المرشد الإيراني وليس للقرار السياسي المستقل المنبثق عن مصالح الشعب والوطن والمنسجم مع: "نازل أخذ حقي، وأريد وطناً غير مستباح"!
إن المهمة التي تواجه قوى التيار الصدري، قادة وقواعد تتبلور في إعادة النظر بموقفها الراهن، بتسلسل الأجندة، إذ لا يجوز ولا يمكن أن تكون ي معسكر الشعب مرة وأخرى، ومرة أخرى وفي الآن ذاته مع المعسكر المعادي للتغيير ويريد الاحتفاظ بنظام المحاصصة الطائفي الفاسد والتبعية لإيران، إذ أن طقسين لا يمكن أن يجتمعا على سطح واحد.       

19
كاظم حبيب
ما هي القضية المركزية التي تواجه الشعب العراقي حالياً؟
من يتابع اجتماعات مجلس وزراء تصريف الأعمال ورئيس هذا المجلس المستقيل يدرك ان الرئيس ومجلسه لا يحكمان في العراق، بل في بلد اخر ليست فيه انتفاضة شعبية تقترب من نهاية شهرها الرابع، وإنها قدمت مئات القتلى وآلاف الجرحى والمعاقين في سبيل حرية الوطن وحقوق الشعب على أيدي أجهزة النظام الأمنية الرسمية وغير الرسمية، وان قوى الانتفاضة تطالب منذ اليوم الأول لانطلاقتها بتغيير الوضع القائم جذريا والخلاص من النظام السياسي الطائفي المحاصصي الفاسد والمشوه. فالسفاح عادل عبد المهدي، الذي اكتسب لقبه النابت الجديد من جرائم القتل التي ارتكبت في البلد في ظل حكومته ولكونه القائد العام للقوات المسلحة، يتحدث بدم بارد تماما وبهدوء القاتل الذي اعتاد القتل، يذكر العراقيات والعراقيين بما كتبه التاريخ عن الحجاج بن يوسف الثقافي، هذا المستبد والسفاح الذي ارتقى المنبر وقال بدم بارد وهدوء "أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها واني لصاحبها"، وهكذا حصد رؤوس العراقيين الذين رفضوا ظلم وطغيان بني أمية. فسفاحنا الجديد يرسل مرتزقته الأوباش أعضاء الميليشيات الطائفية والمافيوية المسلحة، إضافة الى أجهزة أمنه التي شكلتها له قبل ذاك قيادات حزب الدعوة والبيت الشيعي الخرب والفاسد الذي يقوده فاسدون حتى النخاع ورئيسيها الصعلوكين على نحو خاص إبراهيم الجعفري ونوري المالكي، إضافة إلى بقية الزمرة الفاسدة، إلى شوارع العراق وساحاته ليختطفوا ويغيبوا ويقتلوا يوميا المزيد من النساء والرجال المشاركين في الانتفاضة أو العاملات والعاملين في اسعاف الجرحى والمعوقين بسبب القمع الوحشي، أو حتى خنق المصابين كما حصل في البصرة يوم امس المصادف 23/01/2020 حيث قتلت المسعفة ام جنات وخنق الشاب على يد احد أفراد قوات الصدمة المجرمة، أو قتلى بغداد خلال اليومين الماضيين الذي بلغ عددهم اكثر من 12 شهيداً وأكثر من 150 جريحاً ومعاقا.
في الوقت الذي يطالب الشعب المنتفض برئيس حكومة جديد ومجلس وزراء جديد، وكلاهما من المستقلين النزيهين وليس من الطائفيين والفاسدين حكام الفترة الحالية، يطرح هذا الحاكم المشوه اخراج القوات الأمريكية من العراق، لا لأنه ضد القوات الأجنبية، بل لأنه يريد ان تَستفردَ إيران والميليشيات الطائفية المسلحة والدموية وكل مؤسسات الدولة العميقة المافيوية بقوى الانتفاضة وقمعها وتصفيتها. إن هذا النهج التقى، شاء مقتدى الصدر أم أبى، مع دعوته لمظاهرة مليونية مناهضة عملياً لقوى الانتفاضة بذريعة اخراج القوات الأمريكية من العراق. انه شعار خاطئ من حيث التوقيت والهدف، إذ يراد به حرف وجهة النضال والتجاوز على المهمة المركزية التي تواجه كل المناهضين للطافية والفساد والتبعية لإيران أو لأي دولة أخرى.
إن هذه الدعوة تبتعد عن إعمال العق والمنطق الوطني، ولهذا لا بد من مقاطعة هذه التظاهرة السيئة التي دعا لها مقتدى الصدر. واعتقد جازماً بأن الكثير والكثير جداً من أتباع الكتلة الصدرية الحريصين على الانتفاضة وأهدافها المباشرة، وهم في الغالب الأعم من كادحي العراق ومن المهمشين اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وبيئياً، ستقاطع هذه التظاهرة غير الوطنية لكي لا يصبوا الزيت على النيران التي يريد أعوان إيران في العراق زيادة اشتعالها لقمع التظاهرات الشعبية وقتل المزيد من شبيبة العراق الشجعان.
إن المهمة المركزية للانتفاضة تتلخص في تغيير الحكومة وتغيير قانون الانتخابات وتغيير مفوضية الانتخابات وإجراء انتخابات مبكرة ونزيهة ومراقبة دولياً وحقوقياً. بعدها ستأتي المهمات الأخرى، وبعد ان ننتهي من خطر داعش وخطر الميليشيات الطائفية المافيوية الشيعية التي يقودها الفياض والعامري والخزعلي وكل الفقاعات الأخرى التي سيطرت على الساحة العراقية وداست بأقدامها القذرة كرامة الانسان العراقي والمجتمع. ان المهمة الراهنة هي كنس هذه الفئة السفيهة الحاكمة والفاسدة والتخلص من رثاثتها التي عمت البلاد.


20
كاظم حبيب
موقف كادحي العراق من الأحزاب والميليشيات الإسلامية السياسية الفاسدة
تعرض كادحو العراق على مدى عقود عديدة لاضطهاد متنوع ومديد، كما كانوا وقوداً لحروب النظام وسياساته العدوانية نحو الداخل والخارج، إضافة إلى اتساع قاعدة هذه الفئة الاجتماعية بسبب الظروف الاقتصادية والمعيشية التي مرّ بها المجتمع العراقي، لاسيما في فترات الحروب والحصار الاقتصادي من خلال تدهور وانحدار الكثير من عناصر الفئة الوسطى وجمهرة واسعة من البرجوازية الصغيرة والمثقفين والطبقة العاملة إلى مصاف الفئات الهامشية في المجتمع، بسبب البطالة والفقر المدقع وتوقف عملية التنمية الاقتصادية وتراجع الخدمات العامة. إن هذا الواقع الذي تميز بسيادة الاستبداد والقسوة وغياب كامل للحريات الديمقراطية والحقوق الأساسية للفرد والمجتمع من جهة، وغياب القوى الديمقراطية، سواء أكانت يسارية أم لبرالية أو مستقلة عن الحياة السياسية والمسرح السياسي العراقي لسنوات طويلة من جهة ثانية، قد فسح في المجال لنشوء حالة من الشعور بالمظلومية الجارحة لدى الغالبية العظمى من السكان، لاسيما تلك التي شكلت الغالبية العظمى من سكان الوسط والجنوب وبغداد العاصمة، وأعني بهم أتباع المذهب الشيعي والكرد، خاصة بعد تهجير قسري لمئات الآلاف من العرب الشيعة والكرد الفيلية إلى إيران بذريعة قذرة هي أنهم من التبعية الإيرانية  والحرب الداخلية ضد الشعب الكردي أولاً، والتفتيش عن حماية لهم في الدين عموماً ولدى المراجع الدينية الشيعية ثانياً. وقد أوجد هذا الوضع انطباعاً خاطئاً لدى الغالبية الشيعية بأن السنة هم المسؤولون عن واقعهم، في حين لم يكن أتباع المذهب السني من ابتاع المذهبين الحنفي والشافعي هم المسؤولون عن هذا الواقع، بل النظام السياسي البعثي الذي اضطهد بطرق وأساليب أخرى اهل السنة أيضاً، كما إن الكرد هم من أتباع المذهب السني المالكي، الذين لم يتعرضوا للاضطهاد فحسب بل وإلى الإبادة الجماعية في عمليات الأنفال الإجرامية.         
إن اللجوء الواسع النطاق لشيعة الجنوب والوسط وبغداد صوب المراجع الدينية الشيعية في فترة حكم الدكتاتورية البعثية والصدامية قد ساعد بشكل كبير جداً على التحاق الكثير من أتباع هذا المذهب بالأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية الطائفية التي اعتمدت الخطاب الطائفي وناهضت هوية المواطنة العراقية الموحدة والمتساوية بعد إسقاط الدكتاتورية الغاشمة في عام 2003، والتي حصلت على تأييد غير محدود ومستمر من جانب المرجعيات الدينية الشيعية دون استثناء، لاسيما مرجعية السيد علي السيستاني، مما ساهم في حصول هذه الأحزاب وميليشياتها الطائفية المسلحة، وهي تنظيمات مافيوية قلباً وقالباً، على أكثرية أعضاء مجلس النواب في الانتخابات العامة التي جرت في أعوام 2006، 2010 و2014 و2018 على التوالي وبمساعدة مباشرة من مواقعهم في قيادة السلطة والقضاء وهيمنتهم على المال العام وممارستهم الفساد والتزوير بأوسع اشكال ظهوره، وكذلك تشويه سمعة الآخرين واستخدام قوى الدولة العميقة المجرمة، ومنها الميليشيات الطائفية المسلحة الفاسدة والمسيرة من القيادة الإيرانية، للهيمنة على مجلس النواب والبقاء في السلطة.
وعلى مدى الفترة المنصرمة كان التذمر من نهج وسياسات القوى الطائفية في مختلف المجالات يتصاعد تدريجاً ويفتح ثغرات متسعة بين المزيد من اتباع المذهب الشيعي وبين الأحزاب الشيعية الطائفية الحاكمة. فغياب التنمية الاقتصادية وتفاقم البطالة، لاسيما بين الشبيبة، وتنامي الفقر ووصوله إلى نسبة عالية جداً من نفوس المجتمع، وتدهور الخدمات العامة والأساسية وتفاقم الفساد المالي والمحسوبية والمنسوبية ذات الوجهة الطائفية والحزبية، والخضوع للقرارات الإيرانية في مختلف المجالات والسياسات وثلم الاستقلال والسيادة الوطنية، قد تسبب كل ذلك في جرح كرامة الإنسان العراقي والمجتمع في آن. ورغم الحركات الاحتجاجية الهادئة والسلمية والمطالبة المستمرة بالتغيير، لم يكن للطغمة الطائفية الفاسدة الحاكمة آذاناً صاغية قطعاً، بل واجهت تلك الاحتجاجات والمظاهرات السلمية بالملاحقة والاعتقال والقتل وتشويه السمعة والاتهام بالبعثية أو العمالة لأمريكا وإسرائيل! كانت هذه السياسة الوقحة للفئة الحاكمة في بغداد قد ألبت المزيد من أبناء المذهب الشيعي ضد الحكومة التي تدعي زوراً وبهتاناً أنها تدافع عن أتباع المذهب الشيعي، في وقت مارست العنت والاضطهاد ضد الشيعة، ولكنها مارست القتل الواسع النطاق ضد السنة في عام 2011 وفسحت في المجال لقوى وعصابات داعش أن تغزو وتجتاح الموصل ونينوى وتهدد كردستان بخطر الاجتياح أيضاً في عام 2014. وكانت الإبادة الجماعية ضد الإيزيديين والمسيحيين، وضد التركمان والشبك أيضاً، وكانت الاستباحة التامة لكرامة الإنسان العراقي.
إن كل ما حصل خلال الأعوام الأخيرة قد أجج نيران الغضب في نفوس سكان العراق كله، ولكن الغضب تفجر في نفوس الشعب في الوسط والجنوب وبغداد بشكل خاص وانطلقت شرارة الانتفاضة في الأول من تشرين الأول 2019، لأن الطغمة الحاكمة كانت تدعي زوراً وكذباً وبهتاناً تمثيلها لسكان هذه المناطق وهم منها براء كبراءة الذئب من دم يوسف!
لم تصغ هذه الفئة الحاكمة الضالة إلى صوت العقل، إلى صوت الشعب، وتستجيب لمطالب التظاهرات الأولى بل واجهتها بالحديد والنار، مما أججت الغضب وكل أوضاع القهر والظلم والبؤس والخراب والرثاثة المتراكم في صدور ونفوس الناس لتنطلق الانتفاضة المباركة وتستمر حتى اليوم وستبقى حتى تحقيق النصر. إن الانتفاضة الباسلة اعطت حتى الآن على وفق الإحصاء الحكومي غير الصحيح 700 شهيد، وما يزيد على 25 ألف جريح ومعوق، وبالأمس فقط (20/01/2020 سقط في بغداد 7 شهداء و50 جريحاً ومعاقاً، عدا المحافظات الأخرى، ومنها البصرة والناصرية وكربلاء والحلة.. الخ، وما تزال الحكومة الساقطة أخلاقياً وسياساً واجتماعياً تقوم بتصريف الأعمال، وما تزال الطغمة الحاكمة تلعب على الوقت لتمييع الانتفاضة ومطالبها المشروعة، وما تزال تمارس القتل والنهب في آن واحد.
من هنا يمكن القول وبوضوح تام إن الكادحين الذين وقفوا خطأ ووهماً وتحت أوضاع استثنائية إلى جانب الأحزاب الإسلامية السياسية الفاسدة وميليشياتها الطائفية المسلحة المافيوية، يتخلون اليوم عن الوقوف إلى جانب هذه الأحزاب المارقة، بل هم يناضلون بقوة مع بقية الأوساط الشعبية، التي لم تنزل حتى الآن إلى الساحة النضالية لأسباب معروفة، لإزاحة هذه الطغمة الفاسدة والمشوهة عن الحكم وتغيير مجمل العملية السياسية والدفع باتجاه الحياة المدنية والدولة الديمقراطية والتمتع بالحقوق الأساسية في وطن مستقل غير مستباح. لقد عاد الكادحون العراقيون والكادحات العراقيات وكل الواعين من أبناء وبنات الشعب العراقي إلى مواقعهم الاجتماعية الحقيقية، إلى مواقع النضال الوطني ضد التمييز العنصري والديني والطائفي وضد المرأة ومن أجل هوية المواطنة الحرة والمتساوية ومن أجل وطن حر ومعافى وسيد نفسه. إلى هؤلاء الثوار الأشاوس أرفع صوتي عالياً وأحيي بحرارة وأدعو العالم كله لتأييد الانتفاضة ومطالبها المشروعة وانحني إجلالاً للشهداء الخالدين والتمنيات بالشفاء العاجل للجرحى والمصابين والمواساة للأمهات والزوجات والآباء والأخوات الثكالى الذين فقدوا أحباء لهم من أجل قضية الشعب والوطن، من أجل "نازل أخذ حقي" و "أريد وطناً" خال من الأوباش والطغاة والسفاحين القتلة ومن التبعية للأجنبي.                         

21
كاظم حبيب
مؤامرة الطغمة الحاكمة لن تمر والمنفضون لها بالمرصاد
تؤكد الأحداث الجارية في العراق إن الطغمة الحاكمة تعمل بكل السبل المتاحة لديها على قمع الانتفاضة وتصفيتها وشطب الأهداف العادلة والمشروعة التي يناضل من أجلها المنتفضون والمنتفضات منذ الأول من تشرين الأول 2019 حتى الآن. وقد استخدمت لهذا الغرض سبيل التآمر وشق وحدة الصف الوطني وتوجيه خراطيم المياه وعلب الغاز القاتل والرصاص الحي والمطاطي إلى رؤوس وصدور المناضلات والمناضلين، وإلى عمليات الخطف والتغييب والقتل العمد، على أيدي القوات الأمنية العراقية وكل الميليشيات الطائفية المسلحة العاملة في العراق وذات الهوية الإيرانية، إضافة إلى استفزاز القوات الأمريكية لافتعال ما حصل من قتل للمجرم الإيراني الذي عبث بأمن الشعب العراقي والذي عمل من أجل هيمنة إيران على بلاد ما بين النهرين واعتبار بغداد العاصمة الثانية للإمبراطورية الفارسية الجديدة، إضافة إلى افتعال معركة جديدة في العراق بذريعة إخراج القوات الأمريكية التي جاءت بهم على ظهر دباباتها إلى حكم البلاد. لقد اتفقت كل الطغمة الحاكمة في بغداد دون استثناء على المماطلة والتسويف وإرهاق المنتفضات والمنتفضين وإحباط روحهم الثورية بالقتل اليومي والمطاردة الليلية والاعتقال والتعذيب والإسقاط والإنهاك من خلال عدم الاستجابة للمطالب العادلة والمشروعة، وكذلك التجاوز حتى على من كانت الطغمة الحاكمة تؤكد احترامها له وسماع رأيه وتنفذ توصياته، وأقصد هنا السيد علي السيستاني، المرجع الأعلى لأتباع المذهب الشيعي في العراق، والذي قال بكلمة واضحة بتاريخ 15/11/2019 ما يلي:
" إن المواطنين لم يخرجوا إلى المظاهرات المطالبة بالإصلاح بهذه الصورة غير المسبوقة إلا لأنهم لم يجدوا غيرها طريقاً للخلاص من الفساد المتفاقم يوماً بعد يوم والخراب المستشري على جميع الأصعدة، بتوافق القوى الحاكمة من مختلف المكونات." كما دعاهم إلى الاستجابة لمطالب الشعب العراقي. (راجع، نعطافة في خطاب السيستاني لصالح الشارع تعطي الاحتجاجات في العراق دفعا جديدا، قناة فرنسا، 24). وفي ضوء ذلك ادعى رئيس الوزراء السفاح عادل عبد المهدي أنه استجابة للمرجع الديني حين قدم استقالته، إلا إنه استمر كرئيس وزراء تصريف أعمال، ثم سرعان ما بدأ محاولة العودة من جديد إلى رئاسة الوزراء وطلب تأييد القيادة الكردية، مما يؤكد طبيعته العدوانية إزاء الشعب الجريح الذي سقط له رسمياً أكثر من 700 شهيد وأكثر من 25 ألف جريح ومعاق، وهو المسؤول الأول عن سقوط هؤلاء الضحايا الأبرياء، وهو الذي سيحاكم أولاً وقبل كل الآخرين على ما جناه بحق الشعب العراقي والمنتفضات والمنتفضين البواسل.
 لنقرأ معاً أهازيج المنتفضات والمنتفضين في شوارع العراق وساحاته، إنهم يرددون:
"قانون الانتخابات... حبر بورق مسوينه، عادل يحكم بالخضراء... باقي الهسه مخلينة، اسم القاتل ضيعتوه... ولا تحقيق كملتوه، دم أولادچ یا ذي قار ... لا والله ما ناسينه، لا تخطفني ولا تغتال... صارت خطة مفهومة، راح أبدي وياك التصعيد... مني اسمعه المعلومة، ريس مو من الأحزاب... حدد يوم الانتخاب، لا تورطني بين إيران ... وبين أمريكا المشؤومة."   
إن وعي المنتفضات والمنتفضين وسلمية الانتفاضة ووضوح الأهداف والمهمات هي من العوامل الأساسية التي سيكون في مقدورها تغيير موازين القوى لصالح الانتفاضة وكسب تأييد الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي أولاً، كما يمكن البدء بتشكيل لجنة عالمية من كبار الشخصيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومنها العلمية والأدبية والفنية والإعلامية لدعم الشعب العراقي والدفاع عن حقه في العيش في وطن غير مستباح، في وطن مستقل وغير تابع لأي بلد أو قوة في العالم، والعيش في حرية وديمقراطية وسلام من جهة أخرى لممارسة المزيد من الضغط على الطغمة الحاكمة للتراجع والبدء بتسمية رئيس وزراء يقبل به المنتفضون والمنتفضات ويتناغم كلية مع أهداف ومهمات الانتفاضة الشعبية.
يا حكام العراق الطغاة لن تستطيعوا تركيع المنتفضات والمنتفضين، بل ستركعون أنتم أمام الشعب وتطلبون المغفرة منه، وستحاكمون باسمه أمام قضاء مستقل وعادل ونزيه، وليس أمام القضاء المسيس والطائفي والفاسد الراهن. ستحاكمون لأنكم خنتم الأمانة وخذلتم الشعب وسرقتم وطنه وحريته وحياته وكرامته وأمواله. الخزي والعار لكم أيها الحكام الأوباش، والذكر الطيب والخلود للشهداء الأبرار والشفاء العاجل للجرحى والمعاقين وإطلاق سراح المعتقلين والمختطفين. 
       


22
كاظم حبيب
هل يستحق موت المتآمر على شعب العراق الحزن والأسى؟
أقول ابتداءً إن الطريقة التي قتل بها الجنرال قاسم سليماني مدانة في ضوء القانون الدولي واستهتار من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الطريقة المثلى التي تمارسها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل ضد من تعتقد أنه يعمل ضد مصالحهما بعيداً عن الشرعية الدولية وأحكام لوائح الأمم المتحدة. كما أشير ابتداءً بأن أحكام الإعدام بكل أشكالها مدانة أيضاً، لأنها ليست الطريقة الحضارية والإنسانية في التعامل مع الجرائم التي ترتكب، إذ أن السجن هو العقاب الوحيد الذي يفترض أن يسود في العالم لكل من يرتكب جريمة ما على وفق التشريعات والقوانين الدولية.
وإذ أُدين هذه الجريمة التي ارتكبت على أرض العراق وانتهكت فيها حرمة وسيادة البلاد، أُدين أيضاً بكل قوة وحزم وبكل وضوح وصراحة كل العمليات الإجرامية التي مارسها الجنرال الإيراني قاسم سليماني وتابعه أبو مهدي المهندس والميليشيات التابعة لهما والتي كان يقودها فعلياً قاسم سليماني لا غيره، على الأرض العراقية وضد شعب العراق. وهما وبقية أمراء الطوائف وقادة الميليشيات الطائفية المسلحة ومن ارتبط بهم من الحشد الشعبي والقوات الأمنية والمسلحة العراقية، مسؤولون عن استشهاد أكثر من 600 مناضل ومناضلة خلال المئة يوم المنصرمة من انتفاضة الشعب المقدامة وجرح وإعاقة ما يقرب من 30000 مناضل ومناضلة ممن شاركوا في الانتفاضة الشعبية. كما أنهم مسؤولون عن اختطاف وتعذيب وتغييب واغتيال المئات من نساء ورجال الانتفاضة في سائر أنحاء العراق. كما إنها من مسؤولية الحكومة العراقية الحالية وعلى رأسها السفاح عادل عبد المهدي، الذي ارتضى لنفسه أن يكون على رأس من أصدر الأوامر بمواجهة المنتفضات والمنتفضين بالحديد والنار، بالعنف القاتل، وأصر على البقاء في السلطة لمواصلة نحر الانتفاضة وحصل على تأييد من لا ذمة وضمير عنده ويستخف ويستهتر بالدم العراقي من أجل إنهاء حكومة تصريف الأعمال وتجديد ولاية أخرى له ليمارس نهجه الدموي المناهض لمطالب الشعب العادلة.
من يتابع ما حصل عند إعلان قتل الجنرال قاسم سليماني يستغرب من الذاكرة القصيرة والضعيفة لجمهرة غير قليلة من أبناء الشعب العراقي وبناته حين ساروا في جنازته، في حين أنهم يعرفون ما قام به ضد الشعب حتى لحظة قتله، بل إن البعض أطلق عليه وعلى تابعه لقب "أبطال!" معركة التحرير من الدواعش. إن استمرار وجود ذاكرة قصيرة في صفوف الشعب العراقي ليس في مصلحة الشعب ونضاله المجيد من أجل التغيير. فقاسم سليماني كان من أوائل من دعا إلى السيطرة على العراق وفرض الهيمنة الإيرانية عليه وعلى شعب العراق. اليكم ما جاء في خطبة له وهو لا يزال شاباً عن موقفه من العراق وشعب العراق:             
"عدائنا معهم ليس بجديد، قدمنا تضحيات لكسر شوكتهم وكبح جماحهم وتدمير أمجادهم المزعومة. نحن نقاتل لأجل هدف أساسي وكبير، نقاتل من أجل إعادة إمبراطورية لم يبق منها سوى الأطلال، نضحي ونقاتل ونموت لكي لا يبقى شبر من أرض فارس ولا يبقى فيها تحت سيطرة أناس كانوا يسكنون الصحارى. المشروع الأهم هو بسط النفوذ وليس هزيمة العراق". وماذا قال قادة إيران الجدد، المدنيون منهم والعسكريون، عن العراق: "قال علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إن "إيران اليوم أصبحت امبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي"، وذلك في إشارة إلى إعادة الامبراطورية الفارسية الساسانية قبل الإسلام التي احتلت العراق وجعلت المدائن عاصمة لها." (راجع: إيران: أصبحنا امبراطورية عاصمتنا بغداد، العربية في 8 أذار/مارس 2015). وقال "وزير الدفاع الإيراني حسن دهقان، أنّ العراق بعد العام 2003 قد أصبح جزءاً من الامبراطورية الفارسية وأنّ لديهم في العراق قوة هي الحشد الشعبي والتي سوف تقوم بإسكات أي صوت يميل إلى التحالف العربي الإسلامي." راجع: هذيان الملالي.. دهقان: نحن أسياد المنطقة والعراق جزء من الامبراطورية الفارسية، بغداد بوست، 1 حزيران، يونيو 2017).
إن مثل هذه الأوهام التي يريد الحشد الشعبي والميليشيات الطائفية المسلحة والأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية والدولة العميقة ورئيس حكومة تصريف الأعمال جعلها واقعاً قائماً، وهي المسألة التي يناضل ضدها منتفضو ومنتفضات ساحات وشوارع العراق وهي التي تجلت في شعارهم الأساسي "نريد وطن"، أي نريد الحرية والسيادة الوطنية للوطن والشعب، نريد الحقوق في وطننا المستباح.
إن من ساروا في جنازة قاسم سليماني وذرفوا الدموع عليه وعلى تابعه أبو مهدي المهندس هم اليوم ومعهم رئيس حكومة تصريف الأعمال، من هلل للدعوة التظاهرية المليونية التي أعلن عنها مقتدى الصدر ومن مدينة قم وتحت تأثير إيران ومرشدها خامنئي، وهم اليوم يشددون الدعوة إلى التظاهرة المليونية لطرد القوات الأمريكية من العراق، لا لأنهم ضد كل الوجود الأجنبي في العراق، بل لجعل إيران تستفرد بالعراق وتخضعه لها وتصفي الانتفاضة الباسلة، إنها محاولة يائسة لشق وحدة صف قوى الانتفاضة والتي هلل ودعا لها كل المتهمين بالقتل والاختطاف والتعذيب وفي المقدمة منهم نوري المالكي وهادي العامري وقيس الخزعلي وفالح الفياض وقيادة حزب الله والنجباء وبقية أمراء وقيادات الميليشيات الطائفية المسلحة والفاسدة. إن من ذرف الدموع على قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، هلل لمقتل أكثر من 600 شهيد من المنتفضين والمنتفضات وتلك الآلاف المؤلفة من الجرحى والمعاقين. لنشحذ ذاكرتنا ونواجه أعداء الانتفاضة وكل الانتهازيين وراكبي موجة الانتفاضة والغرباء عنها بحزم وصرامة لمواصلة الانتفاضة الباسلة وتحقيق أهدافها النبيلة والعادلة.     

       
 

23
كاظم حبيب
أيتها المنتفضات، أيها المنتفضون الاحرار:
احذروا الالتفاف على هدف الانتفاضة المركزي،
احذروا الطغمة الحاكمة ومؤامراتها ضد التغيير!
لم يبخل المنتفضون والمنتفضات بالنفس والنفيس من أجل تحقيق الهدف المركزي المنشود، هدف تغيير النظام السياسي الطائفي المحاصصي الفاسد والمشوه والموبوء والخاضع للجارة إيران بشكل تام، ولم يتوقفوا عن النضال منذ ما يزيد عن ثلاثة شهور عن التظاهر والاحتجاج والتجمع في ساحات وشوارع النضال في وسط وجنوب العراق والعاصمة بغداد، ولم يتخلوا عن الخيام رغم الاختطاف والترويع والتعذيب والتوقيع على أوراق بيضاء تفرض على المعتقلين لتملأ بما يريده جلاوزة الطغمة الحاكمة وعلى رأسهم السفاح عادل عبد المهدي، أو القتل على أيدي جلاوزة إيران في العراق. لقد كانت وما تزال أهدافهم إسقاط الحكومة وتشكيل حكومة مستقلة بعيدة عن الأحزاب السياسية الحاكمة وتغيير قانون الانتخابات وبنية مفوضية الانتخابات وإجراء انتخابات ديمقراطية نزيهة بأشراف دولي وحقوقي ومن قوى الانتفاضة الشعبية، وإنقاذ العراق من براثن القوى الخارجية الدخيلة والمتدخلة في الشأن العراقي.
ولم تبخل الطغمة الحاكمة الفاسدة من أجل كسر شوكة الانتفاضة من استخدام شتى صنوف الأسلحة الخفيفة والقاتلة والغاز المسيل للدموع والقاتل وخراطيم المياه، إضافة إلى الاختطاف والتغييب والتعذيب والقتل والاعتداء على الإعلاميين ناقلي حقائق ما يجري في العراق، كما لم تبخل بالكذب والتزوير تشويه سمع المنتفضين واتهامهم بالبعثية أو بالعمالة لأمريكا وإسرائيل أو الإساءة بشتى الطريقة القذرة لأهداف المنتفضات والمنتفضين العراقية النبيلة. والطغمة الحاكمة كلها دون استثناء تتآمر بشتى الطرق لإبقاء السفاح عادل عبد المهدي على رأس الحكومة ثانية ومواصلة مسيرة قتل الانتفاضة الشعبية.
إن الأحداث المفتعلة الأخيرة التي أدت إلى قتل، أحد كبار المتآمرين على شعب العراق، الجنرال الإيراني قاسم سليماني، والطائفي بامتياز والتابع لقاسم سليماني أبو مهدي المهندي، قد أدت إلى بروز محاولة جادة من الطغمة الحاكمة بكل مكوناتها وتفرعاتها للالتفاف على أهداف الانتفاضة الآنية الملحة والمباشرة، بطرح شعار إخراج القوا الأجنبية، والمقصود بها قوات الولايات المتحدة الأمريكية من العراق، في حين إن هذا هو واحد من مهمات الحكومة الجديدة التي ي فترض أن تشكل بعد إجراء الانتخابات وتغيير الاتفاقية المعقودة مع الولايات المتحدة.
إن الهدف المباشر من وراء هذا الشعار هو فسح في المجال أمام الميليشيات الطائفية المسلحة التابعة لإيران بكل مكوناتها وكذلك قوات الحرس الثوري الإيراني والبسيج وفيلق القدس الموجودة كلها وبأعداد غير قليلة، للاستفراد بقوى الانتفاضة وقمعها وتصفيتها. إنها جريمة جديدة تسعى القوى التابعة والمؤيدة لإيران إثارتها حالياً والاستفادة من حساسية الموقف إزاء وجود القوات الأمريكية في العراق من جانب قوى الانتفاضة لضرب قوى الانتفاضة بالصميم.
إن شعار التظاهرة المليونية الذي يدعو إليه مقتدى الصدر يعطي الأحزاب والقوى الإسلامية السياسية الطائفية والميليشيات الطائفية المسلحة إمكانية التحرك الفعلي ضد الانتفاضة الشعبية لوأدها بعد أن فشلت بأساليب القتل والتشريد والاختطاف والإساءة للسمعة بوأدها. إنها مؤامرة قذرة على قوى الانتفاضة الشعبية لا بد من الانتباه لها والحذر الكامل منها وتجاوزها باستمرار تأكيد شعارات الانتفاضة المركزية والآنية.
إن الانتفاضة المليونية ينبغي أن تتوجه صوب الشعار المركزي، صوب التغيير الحكومي وتغيير النظام الطائفية أولاً وقبل كل شيء، وليس إلهاء المجتمع بشعارات وأهداف لاحقة، لاسيما وان الشعار الذي يراد للمظاهرة المليونية رفعه، طرد القوات الأجنبية من البلاد، لن يتحقق بهذه السهولة وبهذه السرعة، بل سيكون تحقيق هدف كتلة الفتح أو البناء ومن وراءها إيران بذبح الانتفاضة، بنحرها من الوريد للوريد، وهو ما ينبغي التصدي له أياً كان الشخص الذي طرح شعار المظاهرة المليونية، فهو، إن أدرك أم لم يدرك، يساهم بقوة في نحر الانتفاضة. وعلى قوى الانتفاضة ألا تسمح بذلك، أياً كان صاحب هذا الشعار الملتبس والخاطئ حالياً، والذي يصب في الاتجاه الذي تريده إيران وما تسعى إليه في العراق.

24
كاظم حبيب
عادل عبد المهدي ما يزال طامعاً بحكم العراق!


إن أسوأ ما يصاب به الإنسان هو أن تداس كرامته وعزة نفسه، وهذا ما فعلته الأحزاب الإسلامية السياسية وحكمها السياسي الطائفي الفاسد والجائر منذ 2003 حتى الآن، وهو بخلاف ما تفعله الشعوب والدول المتحضرة التي تحترم كرامة الإنسان وتُحرَّم المساس بها بأي حال. وكرامة الإنسان العراقي تداس اليوم بشتى السبل ابتداءً من البطالة والفقر والجوع والحرمان والاعتقال والتعذيب والاختطاف والتهديد والقتل والابتزاز والكذب وتزوير الانتخابات وصعود قوى وعناصر إلى قمة الدولة بسلطاتها الثلاث يساهمون يومياً لا بالدوس على كرامة الإنسان الفرد فحسب، بل وعلى كرامة شعب بكامله. يمارسون ذلك بدم بارد وبعنجهية وهدوء وكأن لم يحصل شيء يذكر في البلاد. وإذا كان رئيس الوزراء الأسبق قد بزَّ الجميع بسلوكه المشين وطائفيته الوقحة وحكمه البليد، فأن رئيس الوزراء الحالي قد تجاوزه بما يمارسه من عدوان يومي وقتل مستمر على الشعب العراقي ومن إساءة مستمرة للكرامة وعزة النفس وسلب للحقوق واستمراره بالحكم وكأنه ليس مستقيلاً ومهمته تصريف الأعمال! وهو يسعى اليوم بكل بلادة ووقاحة إلى تجديد ولاية ثانية له!!!  إنه العهر السياسي لا غير! ولا نبتعد عن الحقيقة حين نقول بأن وجود قوى وحكم الإسلام السياسي الطائفي الفاسد والمشوه في العراق يعتبر أكبر إساءة مدوية لكرامة الإنسان والشعب في البلاد!
رغم الخلط المستمر للأوراق السياسية والعسكرية في العراق، ما زالت اللوحة السياسية تتسم بوضوح الاستقطاب بين قوى الانتفاضة الشعبية والقوى المضادة لها، سواء أكان في الأهداف أم السلوك والوسائل، مع بروز حالة من الانسيابية المخلة لبعض القوى التي ركبت الموجة الثورية، ولكنها عجزت عن الصمود طويلاً في معسكر الانتفاضة، بحكم ايديولوجيتها الدينية. فقيادة هذه المجموعة تبذل أقصى الجهود للدخول بمساومات مخلة تضعف معسكر قوى الانتفاضة الشعبية، فهي تعيش بين مدينتي نعم ولا، إنها تخشى العبور التام إلى صف الشعب المنتفض، وفي الوقت ذاته تخشى البقاء في صف أعداء الشعب الذين قتلوا حتى الآن أكثر من 600 متظاهر ومتظاهرة وعشرات الآلاف من الجرحى والمعاقين. هذه القيادة تبدو وكأنها تريد الرقص على حبال غير متماسكة سرعان ما تتقطع فتسقط في وحل أعداء الشعب وتعزل نفسها تدريجاً عن قاعدتها الشعبية الواسعة. وليس هناك من يتمنى ذلك! فالتذبذب المستمر والتصريحات المتناقضة هي السياسة النموذجية للقوى الانتهازية التي ما زلنا نتابعها منذ سنوات والتي تبنت، تحت ضغط قاعدتها الاجتماعية الكادحة والفقيرة، "الدولة المدنية!" التي يبشر بها الإسلاميون السياسيون خطأ ليتجنبوا الحديث عن الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي. هذه القيادة تعاني من ضغوط مستمرة من الدولة الإيرانية الجائرة على العراق وشعبه، ومن قيادة إيران الدينية باسم المذهب والطائفة!
والعراق يعيش اليوم حالة فريدة وصراع بين قطبين لا يمكن أن يلتقيا، وهما:
1)   قوى الانتفاضة الشعبية التي استطاعت بعدالة وشرعية مطالبها وبتضحياتها الكبيرة إسقاط حكومة عادل عبد المهدي المسؤولة عن تلك الضحايا وحولتها إلى حكومة تصريف أعمال. ومنذ البدء برز لدى قوى الانتفاضة الوعي المناسب بتجنب الاعتماد على قوى مترددة تؤثر سلباً على حركة الانتفاضة وتضعف من جذرية مطالبها باستعدادها للمساومة غير المبدئية. 
2)   قوى المضادة للانتفاضة مستمرة في مراوغتها ومماطلتها في تسمية رئيس وزراء يقبله المنتفضون والمنتفضات بهدف كسب الوقت والتغلب على الانتفاضة ومطالبها العادلة وتعزيز ميزان القوى لصالحها والعودة إلى تسمية عادل عبد المهدي رئيساً للحكومة مجدداً، مستثمرة ما حصل من أحداث لم تكن في البال فأضعفت، ولو مؤقتاً، معسكر قوى الانتفاضة. ولكن سرعان ما عاد المنتفضون والمنتفضات وهمي يحملون بسواعدهم قضية شعب مستباح وحقوق مهدورة وكرامة مداسة. يذكرني هذا بما قرأته في كتاب "البجعة السوداء" للكاتب نسيم طالب صادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون، مترجم عن الإنجليزية عن يعتبر أحياناً مفاجئات وهي ليست في الواقع مفاجئات لأننا لم نتعرف قبل ذاك على العوامل المحركة لها أو لم نكن نملك معلومات كافية عن المحرك لها.
وفي الوقت الذي تعرضت قوى الانتفاضة إلى محاولة كبيرة لتصفيتها من خلال تشديد التوتر العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وإيران على الأرض العراقية والاستفادة منها لتغيير موازين القوى الإقليمية والدولية في العراق (معارك الصواريخ المتبادلة وقتل قاسم سليماني)، وبروز موقف جديد لدى القوى الحاكمة الفاسدة بسعيها لكسب القوى المتذبذبة والانتهازية إلى جانبها لاستعادة مبادرتها في حكم البلاد وربما إعادة عادل عبد المهدي للحكم ثانية، في الوقت ذاته عادت قوى الانتفاضة الشعبية بروح وثابة وشجاعة إلى شوارع وساحات العراق لمواصلة النضال وبحمية وحماس كبيرين أسقط حتى الآن في أيدي المتآمرين الفاسدين تصفية الانتفاضة وأعاد من جديد مطالب الشعب العادلة والمشروعة إلى الواجهة، وربما سيفرض على تلك القوى المتذبذبة التفكير أكثر من مرة قبل الاستسلام للدولة الإيرانية والميليشيات الطائفية المسلحة وعلى رأسها كتلة الفتح ومسؤولها الذي بكى بحرقة على قائده الأجنبي قاسم سليماني، ولكنه استقبل بدم بارد وفرح طاغٍ استشهاد 600 مناضل ومناضلة من أبناء وبنات الشعب العراقي وما يزال يسعى تكتله مواصلة حصد المزيد من رؤوس الشبيبة العراقية المنتفضة!!!
تشير المعلومات الواردة من المحافظات إلى تجدد التظاهرات والاحتجاجات في كل من محافظات بغداد وبابل والنجف وكربلاء وميسان والمثنى والديوانية وواسط وذي قار والبصرة وإلى تصاعد المزاج الثوري السلمي للمنتفضات والمنتفضين وإصرارهم على تحقيق المطالب، في حين توجهت قوى الحكم الأمنية، ومعها قوى الدولة العميقة الفاجرة، إلى اعتداءات وحشية وقتل غادر للمزيد من الشباب المنتفض وقتل المزيد من الإعلاميين كما في قتل أحمد عبد الصمد وصفاء غالي في البصرة وشهيدين في كربلاء والكثير من الجرحى.. إلخ. وهذه الظاهرة الرائعة تؤكد قدرة الشعب على مواصلة النضال والانتصار على القوى الشريرة التي تحكم العراق بالحديد والنار منذ 2003/2004 وحتى الآن!       
     

25
كاظم حبيب
العاشر من كانون الأول أفشل مؤامرة قوى الثورة المضادة في العراق
تجمعت غيوم كثيفة داكنة فوق سماء بغداد وكل العراق، وهبت رياح عاتية وعواصف رعدية مجنونة مصحوبة بأمطارٍ غزيرة مهددة البلاد بالغرق وإتلاف الزرع والضرع. بدا وكأن الإنسان العراقي عاجزٌ أمامها، فاقد للحيلة خاضع لها. وهكذا دبّ الخشية الصادقة على الانتفاضة في نفوس البعض من قدرة القوى المضادة على إجهاض الانتفاضة الشعبية الباسلة! هكذا بدت صورة العراق حين بدأت مؤامرة كبرى تحاك خيوطها المتباينة في ألوانها وأنسجتها ومتانتها في ليالٍ مظلمة، مؤامرة ذات أهداف متباينة من أطرافها، استهدفت، ولا تزال تستهدف، القضاء على انتفاضة الشبيبة والشعب الباسلة الساعية إلى إحداث تغيير جذري حقيقي في أوضاع البلاد المزرية، تغيير النظام الطائفي المحاصصي الفاسد والمشوه بامتياز، واستعادة القرار العراقي المستقل. وكذلك الإطاحة بالنخبة والطغمة الفاسدة الحاكمة التي أغرقت البلاد بالشهداء والجرحى والمعوقين، من جهة، وبالرثاثة والفساد والخراب من جهة ثانية، وبالركوع أمام الجارة إيران الطامعة بالهيمنة الكاملة جغراقياً على العراق والتحكم التام بمقدراته وسياساته، والمهادنة المخزية مع كل القوى والدول الراغبة في التأثير المباشر وغير المباشر على أوضاع وسياسات العراق الداخلية والخارجية من جهة ثالثة.
هكذا كان وضع الانتفاضة المظفرة في أعلى قممها وبدا قرب انتصارها، حين بدأ الحشد الشعبي وتوابعه من الميليشيات الطائفية المسلحة التابعة جملة وتفصيلاً لإيران، بتنفيذ بنود المؤامرة، بتطبيق الخطة رقم 2 الإيرانية-العراقية، بقصف المواقع العسكرية العراقية–الأمريكية لاستفزاز الولايات المتحدة، وبالتنسيق التام مع حكومة عادل عبد المهدي، بعد أن فشلوا جميعاً بقمع انتفاضة الشعب بأساليب الاعتقال والقتل وتشويه السمعة، وبعد أن عجزت الطغمة الحاكمة من رئاسة الجمهورية ومروراً بمجلس النواب والسلطة التنفيذية وسلطة القضاء كلها بإمرار مرشحها لرئاسة الحكومة الذي يخلف رئاسة حكومة تصريف الأعمال السفاح الفاسد عادل عبد المهدي. فكان العدوان على "كي وان" ومن ثم الضربات الانتقامية على عناصر في ميليشيا حزب الله العضو في الحشد الشعبي، ثم محاولة استباحة السفارة الأمريكية وما اقترن بها من قتل إجرامي على الأرض العراقية لقائدي المليشيات الطائفية المسلحة الإيرانية-العراقية قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، ومحاولة قوى الإسلام السياسي العراقية ومن جانب الطغمة الحاكمة في العراق التعبئة العامة والتحشيد باسم الدفاع عن سيادة البلاد، والتي عبر فيها المتظاهرون عن رفضهم لارتكاب جرائم على أرض العراق من أي بلد كان، لقصم ظهر انتفاضة الشعب وإبعاد الجماهير عنها. فماذا حصل؟
لقد جاء نداء المنتفضات والمنتفضون إلى التظاهر يوم العاشر من كانون الأول/ديسمبر 2020 مجسداً إرادة الشعب في مواصلة الانتفاضة وتحقيق التغيير. إذ لم يتغير أي من العوامل التي قادت إلى الانتفاضة، بل كل الدلائل تؤكد بأن الطغمة الحاكمة العراقية وسيدتها الطغمة الحاكمة الإيرانية، تسعيان معاً وبكل السبل، إلى وضع العراق، كل العراق، تحت قيادة وسيادة إيران، رغم كل الادعاء بالاستقلالية والحيادية وإبعاد العراق عن صراع الدولتين على الأرض العراقية. فكان العاشر من كانون الأول، كانت عودة المنتفضين والمنتفضات إلى ساحات النضال مجدداً، رغم أنهم لم يغادروها أبداً. فكانت الألوف المؤلفة تملأ ساحات النضال الوطني رافعة ذات الشعارات وحاملة ذات الأهداف وبعزيمة أكبر وأروع. وقد أثار، هذا التعبير الرائع عن إصرار قوى الانتفاضة على مواصلة المسيرة الشعبية المظفرة، قوى الثورة المضادة، قوى الإرهاب والفساد والطائفية، قوى الدولة العميقة ومعها مجموعات من الأجهزة الأمنية الحاقدة، فعمدت إلى مطاردة واعتقال والقتل العمد للمنتفضين في الشوارع والساحات، إلى اغتيال من كان في واجهة الانتفاضة الشعبية والداعين إلى مواصلة النضال ضد قوى الظلام والفساد، إلى اغتيال مناضلي البصرة، فكان استشهاد البطلين الرائعين الصحفي البصري أحمد عبد الصمد والمصور صفاء غالي.
لن تستطيعوا أيها القتلة الجبناء، أيها المجرمون الفاشيون، تصفية الانتفاضة الشعبية، لن تستطيعوا قتل الشعب كله، فالشعب كله يقف لكم بالمرصاد وسينهي نظام الطائفية الفاسد المشوه وسيفرض عليكم الخضوع لإرادته وترك العراق للشعب المنتفض والشجاع الذي يسعى إلى بناء عراق ديمقراطي حر وحديث، عراق الخير والرفاه والسعادة، عراق الأمل والحياة والسلام، عراق الاستقلال والسيادة والكرامة الوطنية.     
 تحية وألف تحية للمنتفضات والمنتفضين البواسل في سوح النضال، الإجلال والخلود لشهداء الانتفاضة الأبرار، والشفاء للجرحى، والحرية للمعتقلين والمختطفين، والنصر للشعب العراقي.               

26
كاظم حبيب
المؤامرة الإيرانية ضد انتفاضة الشعب العراقي والمغامرة الأمريكية!
برؤية واضحة وصريحة أؤكد: إن من واجب الشعب العراقي الملح والضروري جداً وبكل السبل السلمية المتوفرة إفشال مؤامرة الطغمة الحاكمة في إيران وأتباعها الصغار في العراق ضد انتفاضة الشعب العراقي السلمية الباسلة، إنها مؤامرة تستهدف اصطياد عصفورين بحجر واحد: ضرب الانتفاضة الشعبية التي نهض المنتفضون والمنتفضات ضد الهيمنة الإيرانية على العراق وسياسات الدولة العراقية الهشة وضد قوى الإسلام السياسي الطائفية الفاسدة والمشوهة والتابعة لإيران أولاً، وجعل الساحة العراقية السياسية والعسكرية والأمنية حكراً لها ولأتباعها، والسعي الجاد لجعل العراق لقمة سائغة لإيران عبر قوى النظام السياسي الطائفي والفاسد، وذلك بإخراج كل القوات الأوروبية والأمريكية من العراق بكل السبل غير المشروعة والمشروعة المتوفرة لدى الطغمة الحاكمة الفاسدة، التي تقاتل حالياً مع الجيش العراقي ضد بقايا داعش، التي لا تزال تمارس عمليات إرهابية في مواقع غير قليلة من البلاد.
لقد كانت المؤامرة من صنع الجنرال قاسم سليماني مع المجموعة العراقية في الحشد الشعبي والمليشيات الطائفية المسلحة، كما اشرت في مقال سابق، جزءاً من الخطة رقم 2 الإيرانية التي كانت ولا تزال تستهدف بالأساس سحق الانتفاضة الشعبية وتصفيتها من خلال توفير الأجواء المناسبة لذلك، والتي تمثلت باستفزاز متواصل للقوات الأمريكية الموجودة في العراق من خلال توجيه صواريخ الحشد الشعبي والميليشيات الطائفية المسلحة، كحزب الله وعصائب أهل الحق وفيلق بدر والنجباء وغيرهم، إلى المنطقة الخضراء مستهدفة مواقع قريبة من السفارة الأمريكية مرة، وقصف المواقع العسكرية التي فيها جنود أو مقاولون متعاقدون أمريكيون، سواء أكان في بغداد أم في مواقع عسكرية أخرى، مرات كثيرة. وكان الهدف الأساسي منها استفزاز الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب ودفعه، وهو الرجل غير العقلاني وغير محسوب فيما يتخذه من إجراءات، إلى تنفيذ إجراء يقود إلى تعقيد اللوحة السياسية العراقية. وكان اخر تلك الاستفزازات قصف حزب الله الموقع العسكري "كي وان"، وما أعقبه من توجيه القوات الأمريكية صواريخ على مواقع حزب الله في غرب القائم بالعراق. ثم كان الهجوم على السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء كرد فعل مفتعل ومضخم من جانب الحشد الشعبي والميليشيات الطائفية المسلحة ضد الولايات المتحدة. وكان رد الفعل الأمريكي للاستفزازات الإيرانية الصادرة من الأراضي العراقية وعبر فصائل مسلحة عراقية ذات هوية وتبعية إيرانية، هو الانجرار الفعلي غير المتوقع بأي حال من الرئيس الأمريكي بقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني على الأرض العراقية. وإذا كانت الطغمة الحاكمة الإيرانية تتوقع انجرار ترامب لاستفزازاتها المستمرة وتسعى إليه بشتى السبل، لأنه كان من أولى غاياتها من تلك الاستفزازات، ولكنها لم تكن تتوقع بأي حال أن تتجاوز الولايات المتحدة كل الخطوط الحمر في الدبلوماسية الدولية وأن تكون الضربة موجعة بهذا القدر الكبير بقتل أثنين من كبار مدللي علي خامنئي، الجنرال قاسم سليماني مخطط السياسة الخارجية الإيرانية وراسم تحركاتها العسكرية في الخارج، وأبو مهدي المهندس، المسؤول الفعلي عن الميليشيات المشكلة للحشد الشعبي العراقي بهيته الإيرانية والجندي المطيع لدى قاسم سليماني حسب تصريحاته الشخصية، وأن تكون الضربة الموجعة في العراق لتستفز مشاعر الإنسان العراقي في عدم احترام السيادة العراقية. ولا بد من الإشارة إلى أن طبيعة المؤامرة الإيرانية وهدفها الأساسي في سحق الانتفاضة العبية وجعل العراق ساحة محتكرة لإيران قد غاب عن وعي الكثير من الناس ممن شارك في التشييع وتغير مزاجه الآني بعد أن سيطرت عليه العاطفة أكثر مما حركه العقل.
إن المؤامرة الإيرانية كبيرة جداً، وهي التي تسببت في قتل قاسم سليماني، وذلك باستفزاز الرجل النزق الذي لا يتعامل مع الأحداث على وفق منظور مبادئ واستراتيجية سياسية رصينة، بل يتعامل كتاجر رخيص جداً، يمكن أن تقود أفعاله إلى عواقب وخيمة على العراق كانت إيران تنتظرها طويلاً، وأن ضحت بعناصر لا تعوض بسهولة، لأنها تعتقد بأنها قد انتصرت على العراق وانتفاضة الشعب.
المشكلة التي ستواجه الشعب العراقي هي محاولة إيران الانتقام من قتل سليماني في الساحة العراقية، وبالتالي تحافظ على أجواء العداء والتوتر في المنطقة مما يضعف القدرة على التعبئة الشعبية في الساحات والشوارع العراقية لمخاطر جدية في تبادل الصواريخ أو غيرها في العراق. إنه المخاطر الجديدة التي تهدد الانتفاضة والشعب العراقي في الأيام والأسابيع القادمة. وهو جزء من محاول سحق الانتفاضة.
ولكن هل في مقدور إيران أن تنتصر على انتفاضة الشبيبة والشعب في العراق؟ أقول وأؤكد هيهات أن يتحقق لها ذلك على المديين المتوسط والطويل، رغم ما يبدو وكأن إيران والطغمة الحاكمة التافهة في العراق قد انتصرت! إن الانتفاضة الشعبية لم تقتل، بل هي ما تزال حية ومتحركة وسيكتشف الناس بسرعة طبيعة المؤامرة الإيرانية، وسيعود من شارك في تشييع جثامين من وضعوا الحروف الأولى للمؤامرة في الخطة رقم 2 الإيرانية، وسيدرك هؤلاء الناس بإن انتفاضتهم كانت هي المقصودة من تلك الأحداث الأخيرة التي افتعلتها إيران عبر الحشد الشعبي وميليشياته المسلحة ورئيس وزراء تصريف الأعمال السفاح الخبيث والبعثي الإسلامي النزعة والسلوك الوحشي، عادل عبد المهدي وحفنة من كبار قادة الأحزاب الإسلامية السياسة والميليشيات الطائفية المسلحة.
النصر في المحصلة النهائية سيكون للشعب العراقي وانتفاضته المقدامة طال الوقت أم قصر، إلا أن تحقيق النصر يتطلب من المنتفضين والمنتفضات العمل على توفير مستلزمات النجاح في تجاوز الخلافات الثانوية والبدء بعملية تنسيق بين التنسيقيات لتوحيد وجهات النظر وبلورة الآلية المناسبة لحركة وفعل الانتفاضة، وتلك القيادة الميدانية الواعية والقادرة على تسيير دفة الصراع الجاري بين قوى التغيير والقوى المضادة الداخلية منها والخارجية.             

27
كاظم حبيب
العواقب الوخيمة لسياسة تصدير الثورة الإسلامية على شعوب المنطقة!
ما أن سُرقت ثورة الشعب الإيراني وكادحيه ومنتجي خيراته وقواه السياسية الديمقراطية من قبل روح الله مصطفى الموسوي الخميني (1902-1989م) وبقية فئة شيوخ الدين الإيرانية وقوى الإسلام السياسي المتطرفة في عام 1979 حتى برزت على سطح الأحداث وجهة ومضمون السياسة الإيرانية الجديدة في الشرق الأوسط والعالم بوضوح وتبلورت في نزعتين ذات مضامين فكرية وسياسية خطرة لا تخطئها العين: أولاً، الرغبة الجامحة في التوسع الإيراني صوب منطقة الخليج والشرق الأوسط بأمل إعادة بناء الإمبراطورية الفارسية ودورها في المنطقة وعلى الصعيد الدولي؛ وثانياً، الجموح المخل والخطر في تصدير "الثورة الإيرانية، أي تصدير المذهب الشيعي الصفوي في الإسلام إلى دول العالم الإسلامي وحيثما وجد مسلمون في العالم وبكل السبل والأدوات المتوفرة. وكان وراء هاتين النزعتين التوسعيتين هدف أساسي ومركزي هو فرض الهيمنة الإيرانية المباشرة على سياسات ودول المنطقة واستعادة ما تدعي أنه كان جزءاً من الإمبراطورية الفارسية القديمة، وتأمين "المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي والعسكري والأمني الحيوي" للبرجوازية الكبيرة الإيرانية في المنطقة، تلك المصالح التي تشابكت بسرعة بمصالح الشريحة العليا من فئة شيوخ الدين، هذه الفئة الاجتماعية الطفيلية الواسعة التي تعيش على حساب مصالح الفئات الاجتماعية الأخرى والاقتصاد الوطني. ولم تكن رغبة التوسع والهيمنة جديدة لدى حكام إيران، بل كانت منذ فترة حكم شاه إيران محمد رضا بهلوي، وبسببها حصل الاجتياح الإيراني لجزر "أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى" واحتلالها حتى الآن. وهيأ هذا الاتجاه الأرضية للمنافسة شديدة بين دول المنطقة، لاسيما تركيا والسعودية ومصر والتي جرت فيما بعد دولاً أخرى ارتبطت بتحالفات مؤقتة ومتغيرة وموجهة عموماً ضد شعوب ومصالح دول المنطقة.
لم يكن روح الله الخميني قد ثبَّتَ أقدام الدولة "الإسلامية!" على الأرض الإيرانية حتى بدأ مباشرة بدعم قوى الإسلام السياسية في العراق وتأهيل عناصرها للقيام بعمليات إرهابية ضد نظام البعث الدكتاتوري، ومنها التفجير الذي حصل قرب الجامعة المستنصرية في شهر نيسان عام 1980 حين وجود طارق عزيز فيها ولم ينجحوا في ذلك، والتي استخدم الدكتاتور صدام حسين هذا الحادث بعد عدة شهور لإعلان الحرب على إيران. (راجع: د. عبد الجبار منديل، تفجيرات الجامعة المستنصرية ومحاولة اغتيال طارق عزيز - ذكريات شخصية، الحوار المتمدن، 13/5/2008). وكانت عواقب التدخل في الشؤون الداخلية العراقية ورغبة إيران في وصول قوى الإسلام السياسي المتعاونة مع إيران إلى السلطة نشوب حرب دموية مدمرة دامت ثماني سنوات عجاف أدت إلى خسائر هائلة بالأرواح والممتلكات والأموال وتدمير للمواقع الثقافية والحضارية في البلدين. وفي العام ذاته، وبسبب عدم تحمل الخميني عواقب الحرب وعجز قواته عن تحقيق النصر النهائي في تلك الحرب قال في حينها، بعد أن أُجبر على إيقاف الحرب، "لقد تجرعت كل السم"، ثم توفى حسرة على عدم وصول أتباعه الإسلاميين إلى حكم العراق حينذاك! وبدلاً من أن تستفيد الطغمة الحاكمة الطائفية الفاسدة في إيران من عواقب ودروس تلك الحرب المديدة والتخلي عن تصدير الثورة إلى البلدان الأخرى، بادرت إلى تشكيل فيلق القدس "سپاه قدس" العسكري من صفوف قوى الحرس الثوري الإيراني، باعتباره الفيلق الذي من شأنه المشاركة في تصدير الثورة الإسلامية الشيعية الصفوية الإيرانية إلى دول الخليج وعموم الدول ذات الأكثرية المسلمة. جاء تشكيل فيلق القدس في أعقاب الحرب العراقية-الإيرانية أي بحدود عام 1990/1991 ووضع له المشرعون مهمات مباشرة يمكن تلخيصها بما يلي:
1.   المساعدة في دعم السياسة الخارجية الإيرانية الأمنية والعسكرية الهادفة إلى تصدير الثورة الإسلامية الصفوية إلى البلدان الأخرى.
2.   تم تشكيل فيلق القدس بحجة تحرير مدينة القدس من احتلال إسرائيل لها.
3.   أما الهدف الحقيقي فكان العمل على تشكيل ميليشيات مسلحة شبه عسكرية في الدول الأخرى وتدريبها لتمارس المهمات التي توكل إليها من قبل المرشد الإيراني الأعلى عبر فيلق القدس.
4.   تأمين الموارد المالية والعسكرية لها وللميلشيات المسلحة في الدول الأخرى، وعلى غرار ميليشيا حزب الله في لبنان.
5.   أن يكون المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران هو القائد والمسؤول عن فيلق القدس واختيار قائد عقائدي متطرف لها هو اللواء أحمد وحيدي (الملقب أحمد شريفي) (1958).
ولا بد من الإشارة إلى أن الحرس اثوري، وقبل تأسيس فيلق القدس بسنوات، قام على وفق تعليمات مباشرة من الخميني، في عام 1982 بتأسيس حزب الله وجناحه العسكري الذي ولد في إيران وأصبح لبناني الصورة إيراني الهوية والمصالح والأهداف.
ومنذ تأسيس فيلق القدس بشكل خاص بدأت عمليات تدريب عناصر من قوى الإسلام السياسي الشيعية على السلاح والدعوة الإسلامية و"الجهاد" من أجل الوصول إلى السلطة ونشر المذهب الشيعي الصفوي وعبر التعاون مع قوى الإسلام السياسي في دول الخليج والشرق الأوسط وبقية دول جنوب غرب آسيا، إضافة إلى الفلبين وحيثما وجد مسلمون شيعة. تولى اللواء أحمد وحيدي (الملق بأحمد شريفي) (1958) قيادة فيلق القدس منذ تشكيله حتى عام 1997 والذي عرف بتشدده العقائدي الصفوي وتطرفه العسكري والعمليات النوعية الإرهابية التي نفذها اتباعه والميليشيات التي شكلها أو دعمها. بعدها تسلم اللواء قاسم سليماني قيادة الفيلق ومارس عمله حتى قتله عبر صاروخ أمريكي في مطار بغداد مع مجموعة من العسكريين الإيرانيين والميليشياويين العراقيين في 02/01/2020. وإذا كانت فترة القائد الأول لهذه التشكيلة الإرهابية قد شهدت الكثير من العمليات الإرهابية والاغتيالات وإشاعة المشكلات بين الكثير من أتباع المذهبين الشيعي والسني في مناطق كثيرة من الدول ذات الأكثرية المسلمة وعمليات إرهابية كثيفة في الفلبين، فأن فترة القائد الثاني سليماني قد عمد إلى توسيع قاعدة الميليشيات المسلحة في المزيد من البلدان، لاسيما في لبنان وأفغانستان وسوريا والعراق واليمن والسعودية والبحرين. وهذه الميليشيات المسلحة بقيادة فيلق القدس تتحمل مسؤولية كبيرة جداً لما جرى ويجري في كل من سوريا والعراق ولبنان والبحرين وأفغانستان واليمن والسعودية والفلبين وباكستان وغزة، مع واقع وجود عوامل مساعدة لتلك العمليات بسبب السياسات غير الديمقراطية والاستبدادية لتلك الدول.
إن الضربة التي وجهت لإيران في قتل الجنرال قاسم سليماني، وهو الرجل الثاني فعلياً في إيران بعد خامنئي، والمستشار السياسي والعسكري والأمني المباشر لخامنئي على الصعيدين الداخلي والخارجي، كانت مباشرة وموجعة جداً تجاوزت فيها الولايات المتحدة الخطوط الحمر في العلاقات الدبلوماسية، باعتباره دبلوماسياً إيرانياً وجنرالاً عسكرياً. وكما هو معروف كان اسم سليماني على لائحة المتهمين المطلوبين في القائمة السوداء للولايات المتحدة الأمريكية، ويعتبر المسؤول الأول عن الضربات التي وجهت للأمريكيين في العراق وفي مناطق أخرى من العالم، إضافة إلى ضرب معسكر "كي وان" والهجوم على السفارة الأمريكية في العراق. والسؤال الذي يدور في بالي وبال الكثير من الناس هو، لماذا تم قتل هذا الرجل على الأرض العراقية، وكانت أمام ترامب فرصاً كثيرة لقتله في أماكن أخرى من العالم، سواء أكان في لبنان أم في سوريا مثلاً؟ في الإجابة عن السؤال تبرز الكثير من الاحتمالات والأهداف على وفق ما ورد على لسان الكثير من المحللين السياسيين والعسكريين على الصعيد العالمي. في التحري عن الإجابة يقف الباحث أمام مسائل عقدية منها: الإحساس بحالة رثاء على شعبنا العراقي الذي يواجه إصراراً عجيباً من جانب الدولتين بجعل العراق ساحة مواجهة مباشرة بينهما على حساب إرادة ومصالح الشعب العراقي أولاً، كما من المخزي والمحزن أن نجد في العراق قوى إسلامية سياسية حاكمة ومتطرفة تريد أن يكون العراق طرفاً في هذا الصراع وساحة مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة ثانياً، من أجل إبعاد أو إنقاذ إيران من عواقب الصراع والنزاع المباشرين المحتملين على أرض إيران ذاتها. أي أنها مستعدة للتضحية بالعراق وشعبه لصالح إيران وشعبها، وهي في ذلك تمارس خيانة فعلية للشعب والوطن، أدركت ذلك أم لم تدركه!!!
إن قتل الولايات المتحدة للجنرال سليماني خارج أطر القانون الدولي وعلى أرض عراقية قاد عملياً إلى خلط كبير للكثير من الأوراق في العراق وشوش مباشرة وبقوة على انتفاضة الشعب الباسلة، وقدم هذا الفعل، شاء ترامب أم لا، في المحصلة النهائية خدمة كبيرة لقادة إيران الذين يحاولون الاستفادة من غضب الشارع العراقي، بسبب استخدام أمريكا للأرض العراقية في قتل سليماني وجعل الوطن المستباح أرضاً للمواجهة بين الدولتين، لصالحهم وضد الولايات المتحدة وضد المنتفضين!!!
إن عدالة وشرعية الانتفاضة ستتجاوز هذه المحنة والأزمة الجديدة لأن من يسمح بهذه المواجهة بين الدولتين على الأرض العراقية هي ذات الطغمة الطائفية المحاصصية الفاسدة التي تحكم العراق منذ العام 2003/2004 حتى الآن، وهي التي وفرت الغطاء الكامل لنشاط وفعاليات قاسم سليماني في العراق وفي قيادة الدولة العميقة بكل أجهزتها ومؤسساتها وقياداتها وأعوانها، إضافة إلى دوره في رسم سياسات ومواقف الدولة الرسمية وسلطاتها الثلاث أيضاً. وبالتالي فان هذه الأزمة المتفاقمة لن تحول دون تصاعد غضب الشارع العراقي وسلمية الانتفاضة ومواصلة النضال للتخلص من الطغمة الحاكمة ومن العملية السياسية الفاسدة والمشوهة، ومن النفوذ الإيراني والأمريكي والأجنبي عموما، وسوف لن يُكتب النصر للسفاح العراقي الخبيث رئيس وزراء تصريف الأعمال، عدل عبد المهدي.
لست ممن يفرح بقتل إنسان حتى لو كان عدوي المباشر وقاتل بعض أفراد عائلتي والكثير من أبناء شعبي، لأن القضاء هو المسؤول عن تحقيق العدالة، كما أرفض حكم الإعدام بكل أشكاله أساساً. ولهذا لم افرح بموت وبطريقة قتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وغيرهما، لاسيما وآن القتل حصل على أرض عراقية وتجاوز على سيادة البلاد المستباحة منذ سنوات كثيرة. ولكنني أشعر بالخزي لهؤلاء الحكام العراقيين الأوباش الذين لم تُسكب لهم دمعة واحدة على استشهاد ما يقرب من 1000 عراقي وعراقية وجرح ما يقرب من 30000 عراقي وعراقية على أيدي الميليشيات الطائفية المسلحة وبعض أجهزة الأمن العراقية العقائدية والمرتشية المؤيدة لقرارات صادرة عن فيلق القدس وقائده الجنرال قاسم سليماني، ولكنهم ذرفوا الدموع واللطم على الصدور على قتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، إنها المفارقة الصارخة التي تعبر عن طبيعة وهوية وولاء هؤلاء الحكام الأوباش الذين يحكمون العراق بالحديد والنار والخبث اللعين.
إن أوضاع منطقة الشرق الأوسط لن تهدأ ما لم تكف إيران عن تصدير ثورتها الإسلامية الشيعية الصفوية المتطرفة التي تثير في الطرف المقابل القوى السنية الوهابية المتطرفة وتُشعل المواجهات في الدول العربية وذات الأكثرية المسلمة في محاولة للهيمنة على قرارات هذه الدول وتحقيق مصالحها الاقتصادية أولاً، وما لم تتوقف محاولات الولايات المتحدة الأمريكية فرض هيمنتها على الشرق الأوسط وسياساتها الاستعمارية وعقوباتها التي تنطلق من ذهنية ليبرالية جديدة متطرفة جداً وتحت قيادة رجل تاجر رخيص لا يعرف من السياسة غير عهر المال والتهديد والكذب والاحتيال، ويصارع الدولة الإيرانية المتطرفة على الأرض العراقية ثانياً. إن حرية الإنسان في بلدان الشرق الأوسط وحياة شعوبها في أجواء الديمقراطية وتمتع دولها بالسيادة الوطنية هي المفقودة حالياً بسبب سياسات هاتين الدولتين اساساً ووجود أذرع قذرة لهما ممتدة داخل دول المنطقة وهي المتسلطة على رقاب شعوبها وتسمح لهما وللدولة التركية والسعودية وغيرهما أيضاً بالتدخل الفظ في الشأن العراقي واستباحة حقوقه وسيادته.
             

28
كاظم حبيب
من المسؤول عن جعل العراق ساحة صراع إيراني-أمريكي متفاقم؟
هذا ما كنا نخشاه، وهذا ما نبهنا إليه وحذرنا منه ودعونا إلى تجنب مخاطر تحويل العراق أو جعله ساحة مباشرة للصراع الأمريكي – الإيراني وموقعاً أمامياً للمواجهة وتصفية الحسابات بينهما على حساب الشعب العراقي وقضاياه العادلة، وتجاوزاً فظاً من جانب الطرفين على استقلال العراق وسيادته وحرمة أراضيه وحياة سكانه. لم يكن في أجندة البلدين الطامعين بالعراق احترام إرادة الشعب ومصالحه وتطوره واستقلال قراراته، بل كان وما يزال وسيبقى همهما الأول والأخير مصالح بلديهما وسبل الهيمنة على العراق ومنطقة الخليج وعموم الشرق الأوسط.
منذ سنوات والشعب العراقي يدين سياسة البلدين ونهجهما الحامل للمخاطر الكبيرة والجدية على حياة ومصالح الشعب ويحتج عليهما ويتظاهر وينتفض ويطالب الدولتين بإيقاف نهجيهما العدوانيين وتصفية حساباتهما على الأرض العراقية، وهو ما كان ولا يزال يفعله بقوة وإصرار صادقين. ولم تكن هناك أذن صاغية. فالشعب المنتفض لا يمكنه أن يوقف تحويل بلاده إلى ساحة صراع أو إيقاف التدخل في شؤونه الداخلية والعدوان عليه، إذ إنها من المهمات الأساسية والمركزية للحكومة العراقية ومجلس النواب ورئاسة الدولة المركزية ومسؤولياتها المباشرة. ومن يتابع مجرى الانتفاضة الشعبية منذ ثلاثة شهور يدرك الضغط الكبير الذي يمارسه المنتفضون والمنتفضات على السلطات الثلاث لتغيير هذا الواقع المزري ويطالب بالتغيير الكامل لنهج الدولة والحكم ومجمل العملية السياسية الفاسدة والمشوهة. ولكن الحكومات العراقية المتعاقبة المصابة بالاغتراب الشديد عن إرادة الشعب ومصالحه ومستقبل أجياله لا تريد أن تصغي لصوت الشعب ولطخت أيديها بدماء الشبيبة العراقية المقدامة. وهذا النهج التدميري الإجرامي للطغمة العراقية الحاكمة قد أدى إلى ما نحن عليه اليوم حيث تفاقم الصراع والنزاع الأمريكي - الإيراني على الساحة العراقية.
فالحكومة العراقية، التي يقودها المستبد بأمر إيران، لم توقف اعتداءات الميليشيات الطائفية المسلحة التابعة لإيران على المواقع العسكرية العراقية التي فيها جنود أو خبراء أمريكيون رغم التحذيرات الكثيرة التي قُدمت للعراق ومطالبة الحكومة باتخاذ ما يلزم لوقف هذه الاعتداءات. وآخر اعتداء وقع في معسكر "كي وان" وقاد إلى قتل ثلاثة أشخاص (أمريكي وعراقيين)، مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى الانتقام وتوجيه ضربة موجعة ضد لوائي 45 و46 على الحدود العراقية السورية وقتل وجرح ما يقرب من 100 شخص من ميليشا حزب الله التابع لإيران والذي يشكل جزءاً أساسياً من الحشد الشعبي. وإذا كان الفعل الإيراني الأول عبر الميليشيات الطائفية المسلحة وحشدها الشعبي تدخلاً فظاً في الشأن العراقي الداخلي وخوض الصراع ضد الولايات المتحدة في البلاد، فأن القصف الأمريكي لميليشيا حزب الله يعتبر هو الآخر تدخلاً فظاً وتجاوزاً على سيادة العراق الفاقد عملياً للسيادة منذ فرض الاحتلال الأمريكي، ثم هيمنة إيران الكاملة منذ العام 2010 على الدولة العراقية. إن قصف ميليشا حزب الله وسقوط عدد كبير من القتلى والجرحى دفع بالحشد الشعبي وميليشياته إلى تنظيم تظاهرة حشدية ضد السفارة الأمريكية وبموافقة الحكومة العراقية التي لم تمنع أجهزتها الأمنية من دخول المحتجين المتظاهرين إلى المنطقة الخضراء ثم الاعتداء على السفارة ومكاتب الاستعلامات وتدمير ما فيها وحرقها. وأظهرت مظاهرة الحشد مضمون هتافات المشاركين فيها والشعارات التي كتبت على جدران السفارة بأن هذا الجزء المشارك في المظاهرات ليس عراقياً بل تابع لإيران وأنه يقاد من الجنرال الإيراني قاسم سليماني، إذ كانت الشعارات "امريكا برة برة، إيران تبقى حرة، قائدنه سليماني"، كما كُتب على الجدران "سليماني قائدي". ويبدو إن الرسالة الاستفزازية وصلت إلى الإدارة الأمريكية، فقرر ترامپ، على طريقته الخاصة والتيي تغيب عنها أية إستراتيجية سياسية عقلانية، الانتقام من الاعتداء على السفارة الأمريكية وممن اعتبر قائداً للحشد الشعبي العراقي وقائداً لفيلق القدس، فكانت الضربة الصاروخية المميتة التي وجهت لعربتين تحملان الجنرال قاسم سليماني وبعض الضباط الإيرانيين الآخرين وبعض قادة الحشد الشيعي، ومنهم أبو مهدي المهندس ومحمد رضا الجابري...، بعد خروجهم من مطار بغداد، فاحترقتا بمن فيهما. وتشير المعلومات التي تناقلتها الصحف العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي إلى وصول معلومات إلى الرئيس الأمريكي من وكالة المخابرات المركزية بوجود حالة استنفار في الحشد الشعبي يقودها قاسم سليماني تتجه صوب القصر الجمهوري لفرض رئيس وزراء تريده الطغمة الفاسدة، أو قتل رئيس الجمهورية وإعلان تشكيل حكومة جديدة بقيادة أسعد العيداني، والذي يعد انقلاباً عسكرياً حشدياً (إيرانياً) ومن ثم تقوم الحكومة الانقلابية بقمع الانتفاضة الشعبية بكل قسوة وتطرف. وتشير المعلومات بأن الفرق بين الضربة الأمريكية لموكب قاسم سليماني وساعة الصفر كان ساعة واحدة لا غير. نحن أمام اعتداء إيراني في الداخل العراقي وعلى أيدي عراقية على السفارة الأمريكية، وهو تدخل فظ بالشأن العراقي وضد سفارة أجنبية في المنطقة الخضراء المحمية من الحشد الشعبي الذي يقوده الجنرال قاسم سليماني من جهة، ورد فعل شديد القسوة والحساسية لإيران ضد أقوى ثاني رجل في الدولة الفارسية على الأرض العراقية، وهو تدخل فظ أيضاً. وبالتالي، تحول العراق بفعل نهج وسياسات ومواقف الدولة العراقية الهشة بسلطاتها الثلاث، إلى ساحة للصراع الإقليمي الدولي الأمريكي-الإيراني. والذي ستكون له تداعيات على العراق ذاته وقبل غيره.
ليس فينا من لا يعرف من هو قاسم سليماني، قائد فيلق القدس المسؤول عن عمليات التدخل السياسي والعسكري في دول منطقة الشرق الأوسط، والدور الذي لعبه منذ أعوام في السياسات الداخلية والخارجية للدولة العراقية في فترات حكم الجعفري، والمالكي، لاسيما في عام 2011 وضد الهبة الشعبية ضد حكومة المستبد في العراق بأمر إيران، وثم العبادي، وأخيراً في حكومة المنتفگي وفي قيادة الميليشيات الطائفية المسلحة والحشد الشعبي والمسؤول عن قيادة الدولة العميقة والإشراف عليها في العراق، وتسبب، ومن معه من قيادات عسكرية رسمية وغير رسمية، بسقوط ما يزيد عن 500 شهيد، حسب الإحصاء الرسمي، وأكثر من 1000 شهيد حسب واقع الحال، وأكثر من 30000 جريح ومعاق خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عمر الانتفاضة الشعبية الباسلة ضد الطغمة الحاكمة، رغم سلمية المنتفضين والمنتفضات ورفضهم الرد بالمثل على قوى الأمن الداخلي أو على القتلة من أفراد الميليشيات الطائفية المسلحة وقوى معينة في الحشد الشعبي.
إن ما يجري في العراق يجسد في واقع الحال ما يلي:
1.   تبرهن الطغمة الحاكمة إنها مسيرة وتابعة وغير قادرة على حماية الشعب العراقي وسيادة العراق من التدخلات الخارجية، وأنها طغمة حاكمة فاسدة ومفسدة وخاضع لقرارات خارجية لا بد من الخلاص منها ومن مجمل العملية السياسية المشوهة.
2.   وأن نهج الدولة العراقية وسياسة الحكم هما من سمحا مع سبق إصرار على جعل العراق ساحة للصراع الإقليمي والدولي والمواجهة بين الولايات المتحدة والدولة الإيرانية وعلى حساب مصالح الشعب العراقي.
3.   وأن الدولة الإيرانية تهيمن حالياً على العراق كما أنه شبه مستعمرة لها بسبب الجيش الموازي للجيش العراقي، أي بسبب وجود الدولة العميقة المتمثلة بالميليشيات الطائفية المسلحة وقيادة الحشد الشعبي ذات الولاء المطلق لولي الفقيه علي خامنئي في إيران.
4.   وأن الدولتين الإيرانية والعراقية لا يعيران لإرادة ومصالح الشعب العراقي ولا يحترمان استقلاله وسيادته الوطنية، بل يتنافسان ويتصارعان وهمهما يتلخص بالسيطرة الكاملة على العراق وموارده الأولية والمالية وإخضاع سياساته لمصالحهما في المنطقة.
5.   إن ما حصل في العراق خلال الفترة الأخيرة يؤكد من جديد بأن الدولتين تخوضان صراعاً يستهدف تصفية حسابات بينهما على الأرض العراقية وعلى حساب الشعب العراقي، ولن يخوضا في الغالب الأعم حرباً مدمرة بينهما، بل سيسعيان إلى إيجاد لغة مشتركة ومساومة لاحقة بينهما على حساب العراق ومصالحه الأساسية أيضاً، كما أنه سيكون على حساب شعوب المنطقة، ومنها الشعب الإيراني ذاته.
6.   إن المهمة المباشرة أمام الشعب العراقي هي مواصلة انتفاضته الباسلة للخلاص من الطغمة الطائفية الفاسدة المهيمنة على الدولة العراقية والمسيرة خارجياً والتي تتلاطمها أمواج الصراع الإقليمي والدولي وضحيتها هو الشعب في وادي الرافدين. وأن المهمات التي رفعها المنتفضون والمنتفضات ما تزال تحتفظ بحيويتها وأكثر من أي وقت مضى، وأن على من يريد إقامة دولة ديمقراطية مستقلة ومجتمع مدني ديمقراطي الدعوة للخلاص من كل أشكال الوجود والتأثير الخارجي لصالح الإرادة الوطنية والسيادة العراقية.
7.   كما إن من واجب كل القوى الوطنية والديمقراطية العراقية الدعوة إلى تقوية الجيش العراقي وتطهيره من القوى الطائفية التي تصدت للانتفاضة الشعبية بأمر من قوى غير عراقية والدعوة إلى حل جميع الميليشيات الطائفية المسلحة وكذلك الحشد الشعبي وإنهاء دوره العسكري، لأنه ملغم بقيادات الميليشيات المسلحة ذات الولاء التام لإيران.
8.   إن من واجب المجتمع الدولي، لاسيما مجلس الأمن الدولي والهيئة العامة للأمم المتحدة والجامعة العربية، والرأي العام العربي والعالمي العمل على تهدئة الأوضاع بين الدولتين المتصارعين وإبعاد صراعهما الراهن عن الأرض العراقية، بهدف حماية السلام في منطقة مشتعلة أصلاً. فالمنطقة
برميل مثقل بكمية هائلة من البارود القابل للاشتعال ولا يحتاج إلا إلى ديناميت يرمى عليه، من أحدى الدولتين في لحظة يغيب عنهما الوعي الإنساني وتسيطر لغة القوة والحرب بدلاً من الحوار والدبلوماسية!
         
         
       


29
كاظم حبيب
إفشال العواقب المحتملة لنهج الطغمة الحاكمة في العراق
أكدت الأحداث الجارية في العراق عن النهج الخطير الذي تصر حكومة عادل عبد لمهدي ومعها كل الأحزاب والقوى السياسية المشاركة والمساندة والمؤيدة على الاستمرار في ممارسته، الذي جعل من العراق ساحة فعلية للصراع الإيراني الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط وخطوط أمامية لإيران في مواجهة العقوبات الأمريكية المتنوعة. وبرز هذا بوضوح كبير في مواقف الميليشيات الطائفية المسلحة التي تشكل الهيكل العظمي والفكر المحرك للحشد الشعبي والدولة العميقة منها: الهجمات المسلحة الظالمة التي شنتها هذه القوى ضد انتفاضة الشعب في مختلف مدن بغداد ووسط جنوب العراق، ثم الاختطاف والقتل والاغتيالات والاعتقالات للمنتفضات والمنتفضين وتعريضهم لأبشع أساليب التعذيب الفاشية من تراث وترسانة الإسلام السياسي في محاولة لقمع الانتفاضة وتصفيتها وإنقاذ النظام السياسي الطائفي الفاسد والهش من السقوط في مزبلة التاريخ من جهة، والضربات العسكرية الخائبة التي وجهتها هذه الميليشيات المسلحة في الأشهر والأسابيع الأخيرة ضد المعسكرات والمواقع العراقية التي فيها خبراء أو قوات أمريكية، وكان آخرها ضد معسكر "كي وان" قرب القائم من جهة ثانية. وإذا كان نوري المالكي عبداً خانعاً ومطيعاً لسيده علي خامنئي ومستبداً شرساً على الشعب العراقي، الذي هو ليس منه، فأن عادل عبد المهدي اصبح خادماً ذليلاً ومنفذاً وقحاً لما يقرره قاسم سليماني وخدمه في العراق والمهيمنين على مكتب رئيس الوزراء والموجهين له من أمثال فالح فياض وأبو مهدي المهندس وهادي العامري وقيس الخزعلي وحامد الجزائري وقادة حزب الله وهاشم بنيان الولائي وأكرم عباس الكعبي ومحمد الحيدري وحفنة أخرى من رؤساء أبرز 67 ميليشيا طائفية مسلحة تشارك في الحشد الشعبي وتقود ألويته وسراياه وفصائله والتي يقودها ويشرف عليها فعلياً وعلى مجمل أفعالها ونشاطاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى العسكرية والأمنية الجنرال الإيراني البغيض قاسم سليماني.
لقد تبلورت خطة القيادة الإيرانية في استخدام الساحة العراقية لمواجهة العقوبات الأمريكية من جهة، وانتفاضة شعبها الإيراني من جهة ثانية، إضافة إلى مواجهة انتفاضة الشعب العراقي من جهة ثالثة، باستفزاز الولايات المتحدة ودفعها لإجراءات يمكن أن تعقد الوضع في العراق وتشغل الشعب العراقي عن انتفاضته، كما تشيع كراهية لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة. وقد استجاب عادل عبد المهدي الخانع لهذه الخطة القذرة فسكت عن جميع استفزازات الميليشيات الطائفية الفاسدة ضد المعسكرات العراقية والمنطقة الخضراء وأينما وجد أمريكيون فيها، ثم لم يخبر الحشد الشعبي والميليشيات الطائفية المسلحة أو تأخر في إعلامها بقرب وقوع ضربة عسكرية في أحد أو أكثر على مواقعها، بهدف حصول الضربة وإثارة الزوبعة المنشودة. وهو الذي حصل فعلاً. فتحرك الحشد الشعبي بكل ميليشياته المسلحة وقادته ليتظاهروا ويعتصموا أمام السفارة الأمريكية. ولم تقف الحكومة العراقية ولا أجهزتها القمعية لمنع دخول هذه العصابات المسلحة إلى المنطقة الخضراء، كما منعت قبل ذاك المتظاهرين من الاقتراب حت عن بعد من هذه المنطقة. لقد كانت خطة مدبرة ومنسقة بين الحكومة الإيرانية والحكومة العراقية من خلال قاسم سليماني المشرف على تنفيذ "الخطة رقم 2".
ثم جاء التهديد الأمريكي للحكومة العراقية مما دفع بها لمطالبة الحشد وميليشياته بالابتعاد عن السفارة الأمريكية بعد أن خربوا وأشعلوا النيران في جوانب منها. ويمكن، في ضوء الأحداث الأخيرة، وضع الاستنتاجات التالية:
1)   اعتراف الميليشيات الطائفية المسلحة بوضوح تام بأن ولاءها لإيران ولمرشدها علي خامنئي ورئيسها المباشر قاسم سليماني، وأنها ملزمة بتنفيذ قراراتهم فقط، وليس ولاءها للعراق وقواته المسلحة ولجزار الشعب الخبيث عادل عبد المهدي، الذي خان الأمانة التي وضعت في عنقه حين اقسم بالحفاظ على العراق وشعبه. وقد جاء هذا الاعتراف على لسان قادة قوى الحشد الشعبي نفسه دون استثناء!
2)   الهيمنة الفعلية الشديدة لإيران على القرار السياسي للحكومة العراقية وعلى كل الطغمة الحاكمة التي ما تزال متشبثة بالنظام السياسي الطائفي الفاسد والمشوه.
3)   وبالتالي أظهرت الأحداث عجز الحكومة العراقية الفعلي على اتخاذ قرار مستقل تمتثل له الميليشيات الطائفية المسلحة، بل يطالبها "قائدها الرسمي!" بالانسحاب من محيط السفارة الأمريكية والتظاهر والاعتصام في مواقع أخرى!!!
4)   برهنت هذه الأحداث إن الحشد الشعبي بميليشياته المسلحة أقوى عدة وعدداً من القوات المسلحة العراقية أولاً، وأن في عداد القوات المسلحة العراقية، ومنها قوى الأمن الداخلي، التي بنيت على أساس المحاصصة الطائفية أيضاً، الكثير ممن يلتزمون بقرارات الحشد الشعبي وينفذون أوامره ثانياً. وهذا ما حصل في الموقف من الانتفاضة الشعبية ومن الدخول إلى المنطقة الخضراء والتظاهر أمام السفارة الأمريكية.
5)   وتجلى في الأحداث الأخيرة الفارق الكبير بين النهج الوطني والسلوكيات الحميدة لقوى الانتفاضة الشعبية السلمية المطالبة بحقوق الشعب وسيادة الوطن من جانب، وبين النهج الولائي لإيران والسلوكيات العدوانية والتصريحات المشينة لأفراد الميليشيات الطائفية المسلحة التي تفتخر في كونها تلتزم بمرجعية علي خامنئي وأن قائدها الفعلي هو قاسم سلماني، وإن وطنها إيران وليس العراق، من جانب آخر!!! وعبر عن موقف ناضج وسليم حين تبرأ المنتفضون والمنتفضات من تلك الجمهرة التي دخلت إلى المنطقة الخضراء وحاصرت السفارة الأمريكية، فهدف الانتفاضة هو التغيير الجذري للعراق ونهجه وسياساته الداخلية والخارجية، بما في ذلك تحالفاته الإقليمية والدولية، ومنها الاتفاقية الأمنية والوجود الأمريكي في العراق. وقد برز نفور المنتفضين من هذه الزمرة الخائبة بشعار المتظاهرين "موش ويانه الذيل الطب للخضراء". (ليس معنا ذلك الذيل الذي دخل الخضراء).
6)   وبرهنت الأحداث بوضوح أن الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية عاجزة عن حماية المنطقة الخضراء والسفارات والممثليات الأجنبية فيها من تجاوزات الميليشيات الطائفية المسلحة المشكلة للحشد الشعبي، لأنها لا تمتلك السيطرة على هذه الحشد التابع في أغلبه لإيران مباشرة.
وإزاء الأحداث الأخيرة تبرز، كما أرى، مجموعة من المهمات المباشرة أمام قوى الانتفاضة الشعبية، منها:
** مواصلة الانتفاضة وتعظيم زخمها وكسب المزيد من بنات وأبناء الشعب العراقي من مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية ومن مختلف المهن، ومن النساء والرجال، ومن المدينة والريف للمشاركة في الانتفاضة المقدامة.
** الإصرار على تحقيق الأهداف النبيلة التي طرحتها قوى الانتفاضة في ساحة التحرير وفي بقية ساحات وشوارع العراق، لاسيما التغيير الجذري لنظام الحكم الطائفي المحاصصي الفاسد والمشوه، وإقامة نظام ديمقراطي حديث ومجتمع مدني ديمقراطي حديث وعقلاني، وبقية الأهداف المسطرة في أجندة الانتفاضة.
** إيجاد الأطر التنظيمية المناسبة والتنسيق الفعال لقوى الانتفاضة في أنحاء البلاد والقيادة الناضجة والواعية للما يدبر ضدها من مناورات ومؤامرات لا لفضحها فحسب، بل وإفشالها والانتصار عليها وتحقيق المنشود.
** المطالبة العاجلة بتسمية رئيس وزراء وحكومة وطنية وديمقراطية مستقلة ونزيهة برئيسها وأعضائها وحريصون على تنفيذ إرادة الشعب والدفاع عن مصالحه وحقوقه وسيادة الوطن.
** منع استمرار جعل العراق جزءاً من الطرف الإيراني في الصراع الجاري بين إيران والولايات المتحدة، كما يجب ألا يكون العراق إلى جانب الولايات المتحدة في هذا الصراع، إذ لا بد من تجنيب الشعب حروباً جديدة، لا ناقة له فيها ولا جمل. 
** التنسيق مع القوى المساندة للانتفاضة في خارج البلاد لضمان التعبئة الدولية والرأي العام العالمي إلى جانب الانتفاضة وتأييد مطالبها العادلة والمشروعة، والنأي بالعراق عن الصراعات الإقليمية والدولية.
** مطالبة مجلس الأمن الدولي باتخاذ قرار يُحرًّم استخدام الدولة لأجهزتها القمعية أو مؤسسات وميليشيات الدولة العميقة المرتبطة بها وبإيران والمنسقة معها ضد الانتفاضة الشعبية، وفرض امتثال إيران لقرارٍ يمنعها استخدام العراق ساحة أمامية في صراعاتها الإقليمية والدولية.
   
                         
   
 

30
كتاب جديد للدكتور كاظم حبيب
"نظرات في كتاب "مقالة في السفالة" نقد الحاضر العراقي للدكتور فالح مهدي
صدر الكتاب في شهر كانون الأول 2019 عن دار أزادي في أربيل، العراق ويتضمن المفردات التالية:
نظرات في كتاب 1
مقالة في السفالة: نقد الحاضر العراقي 1
الفهرست 3
المقدمة 5
استهلال: لمحات مكثفة عن البروفيسور الدكتور فالح مهدي 7
المقدمة: معنى السفالة ومن هم السفلة 13
العنف من الناحيتين النظرية والعملية: العراق نموذجاً! 17
تاريخ العنف العدواني وطبيعته البشرية 22
الإبادة الجماعية: الأيديولوجيا، الدين والنظم التي تمارسه 28
العنف والهويات الاجتماعية 33
العراق المعلول ونظام الحكم الملكي 38
الملكية والدخول في التاريخ (1921-1958) 43
عقد الخمسينيات من القرن الماضي في العراق وصراعاته وأسبابها 52
هل ما حصل في 14 تموز 1958 انقلاباً عسكرياً أم ثورة شعبية؟ 61
البعثية أو التوحش البعثي (1968-2003) 66
البعث المتوحش في السلطة ثانية 1968 77
الاحتلال الأمريكي وسقوط العراق 85
الريع والدولة الريعية في العراق 94
الحزب الشيوعي العراقي 103
الحزب الشيوعي والموقف من نهج الحزب الشيوعي 107
في الاتحاد السوفييتي 107
الحزب الشيوعي ووعي الواقع العراقي 113
على امتداد الفترات المنصرمة 113
هل الحزب الشيوعي العراقي انتهازي؟ 120
وهل هناك طبقة عاملة وفلاحين في العراق؟ 120
أكردة الحزب الشيوعي العراقي وهزال القيادة 125
النظم الدكتاتورية ومثقفو العراق 131
بعض القضايا الفكرية في الماركسية 136
1) الأنماط الخمسة في الإنتاج (أساليب الإنتاج) 136
2) نمط الإنتاج الآسيوي 138
 
 


31
كاظم حبيب
خطة رقم 2 لإيران وميليشياتها في العراق
استغربَ الجنرال الإيراني قاسم سليماني جداً من فشل خطته المحكمة في قمع المنتفضين والمنتفضات في العراق، رغم استخدامه الفعلي لجزءٍ مهمٍ من قوى القمع الداخلي ذات الولاء الفعلي الطائفي لإيران أو المرتشية، إضافة إلى كل المليشيات الطائفية المسلحة التي تعتبر نفسها جزءاً أساسياً من الدولة العميقة التي يقودها خامنئي الإيراني في البلاد، ورغم استخدام سليماني وتوابعه أبشع أساليب القمع من قتل جماعي واغتيالات واختطاف وتعذيب وتغييب، التي أدت إلى سقوط ما يقرب من 1000 شهيد و30 ألف جريح ومعوق ومختطف ومعتقل. في حين استطاع أمثاله من العسكريين والحرس الثوري والبسيج وغيرها من التنظيمات القهرية في إيران قتل وجرح وإعاقة واعتقال نصف هذين العددين في قمع وإجهاض هبَّة الشعب الإيراني الصديق ولو إلى حين. هذا الفشل أثار أعصاب رئيسه الإيراني علي خامنئي، إذ أصدر له الأوامر باستخدام الخطة رقم 2 من مجموع خطط الاحتياط الإيرانية لمعالجة الوضع في العراق قبل أن يفلت زمام الأمور من يديها.
بدأت الخطة رقم 2، باستفزاز مباشر للولايات المتحدة في العراق، والتي بدأت منذ فترة وجيزة بتوجيه قذائف صوب السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء أو توجيه قذائف باتجاه مواقع عسكرية عراقية فيها قوات أمريكية أو خبراء، والتي صبرت عليها الولايات المتحدة ولم تشجب من المسؤولي الدولة العراقية، إلى أن أدى القصف الأخير على قاعدة "كي وان" إلى قتل متعاقد أمريكي وعراقيين يعملان في "كي وان". أثار هذا الفعل الاستفزازي الرئيس الأمريكي ترامب ولم يفكر بما تبيته وتريده إيران من هذه الاستفزازات العسكرية لمواجهة انتفاضة الشعب العراقي ودون أية حسابات سياسية عقلانية، كما هي عادته السيئة، وجه ضربة عسكرية شديدة القسوة إلى جزء مهم وأساسي من الجماعات التابعة لإيران في العراق، إلى ميليشيات حزب الله، التي تشكل بقوة أساسية في الحشد الشعبي، التي لا يشرف عليها القائد العام للقوات المسلحة بل يقودها قاسم سليماني الإيراني جملة وتفصلا. وقد سقط لهذه الميليشيات الحشدية 27 قتيلاً وأكثر من 50 جريحاً ومعوقاً. وبذلك نجح الإيرانيون تحقيق هدف "الخطة رقم 2" كمدخل لإشاعة الفوضى في العراق وتسليط قوى الحشد الشعبي على الساحة العراقية والتمهيد لضرب الانتفاضة بذريعة إنها من أفعال الولايات المتحدة وإسرائيل في العراق، وأن العراق يواجه مؤامرة أمريكية-إسرائيلية ضد نظامه السياسي!!! وهو ما ظهر واضحاً منذ اللحظة الأولى لضربة معسكر الميليشيات الشيعية الإيرانية المتطرفة قرب القائم باتجاهين:
1)   تصريحات نارية مهددة بالانتقام من الولايات المتحدة في العراق والتي جاءت على لسان هادي العامري وقيس الخزعلي والفياض وأبو مهدي المهندس، "الذي أكد بأن قاسم سليماني هو قائده الفعلي ويفتخر أنه جندي لدى سليماني وأن استشهد أن يدفن في إيران وليس في العراق!!"، وبقية قادة ميليشيا حزب الله في العراق ولبنان أولاً، وعلى لسان المسؤولين الإيرانيين ومنهم وزير خارجية إيران ظريف ثانياً.
2)   تحشيد جمهرة من أكثر العناصر وحشية وعدوانية من عناصر الميليشيات الطائفية المسلحة وقادتها للاعتداء على السفارة الأمريكية والذي حصل صباح يوم 31/12/2019 بالدخول إلى باحتها والتهديد بغلقها والتهديد بتطويق كل المواقع التي فيها قوات أمريكية بهدف طردها من العراق. وكان الهدف الرئيسي لهذه الميليشيات "أمريكا برة برة" و "قاسم سليماني قائدي"!!!
والملفت للنظر في سلوك أجهزة الدولة الأمنية أن سقط للمنتفضين والمنتفضات الكثير من الشهداء والجرحى والمعوقين بسبب اقترابهم من منتصف الجسر الموصل إلى المنطقة الخضراء على أيدي أجهزة الأمن العراقية، في حين هذه الأجهزة ساكناً لمنع الميليشيات المسلحة من الدخول إلى المنطقة الخضراء وإشعال النيران في غرف في باحة السفارة الأمريكية وتخريب وكسر النوافذ فيها.
لا شك في أن الضربة الصاروخية التي وجهتها الولايات المتحدة الأمريكية على الأراضي العراقية تعتبر تجاوزاً على سيادة البلاد ولم تكن ضرورية بأي حال ولا بد من إدانتها. كما إن الضربات التي وجهتها الميليشيات الطائفية المسلحة بقرار من إيران ضد المعسكرات العراقية التي فيها قوات أمريكية تعتبر تجاوزاً أيضاً ومستمراً على السيادة العراقية والتي يفترض أن تدان من جانب الدولة العراقية، والتي لم يمارسها الحكام العراقيون الخاضعون للقرارات الإيرانية.
 ما هي الخطوة القادمة التي سيقوم بها أتباع إيران في العراق؟
ستكون الخطوة القادمة جزءاً من "الخطة رقم 2" التي يسعى قاسم سليماني تنفيذها في العراق:
1) تقديم نواب الأحزاب الإسلامية السياسية طلباً إلى مجلس النواب لإصدار قرار بسحب القوات الأمريكية من العراق، والذي سيجد مقاومة من جزء من قوى الحكم ذاته لأنها سيسقط العراق كلية في الحضن الإيراني المطلق من جهة، وستبدأ صراعات وحرب مريرة في العراق ويتحول إلى سوريا ثانية من جهة أخرى، وهو ما تسعى له إيران، إن عجزت عن فرض هيمنتها التامة على العراق!
2) أما الجزء الآخر من "خطة رقم 2" الإيرانية الميليشياوية فسيتوجه صوب الانتفاضة ومحاولة الهجوم عليها والتحريض ضدها واتهامها بأبشع التهم الجاهزة والكاذبة من جهة، وترشيح واحد من طغمتها الفاسدة وتقديمه إلى رئيس الجمهورية لفرضه كرئيس وزراء جديد من جهة ثانية!
إن على قوى الانتفاضة الشعبية إفشال "الخطة رقم 2"، كما أفشلت "الخطة رقم 1"، الموجهة ضد الانتفاضة، كما إن من واجب الجميع التفكير المعمق بالعوامل المتنوعة والمختلفة المحركة للصراعات الراهنة في العراق، وتلك القوى الراغبة في إخماد جذوة الانتفاضة الشعبية، لاسيما وأن القائد العام للقوات المسلحة لا يملك أية سيطرة على قوات الحشد الشعبي والتي ادعى أخيراً بأنه يسيطر على 95% منها، في حين لا تصل سيطرته حتى على 5% من قوات الحشد الشعبي المنفلتة من عقالها.
إن "الخطة رقم 2" ليست سوى محاولة خبيثة وقذرة للالتفاف على مطالب الشعب العراقي في انتفاضته الباسلة، محاولة لتحويل دفة الصراع ضد النظام السياسي الطائفي الفاسد وضد إيران التي تشرف وتقود القوى الفاسدة وتهيمن على سياسة وقرارات العراق، إلى صراع نحو الخارج، ضد الولايات المتحدة الأمريكية، باعتباره الشيطان الأكبر كما جاء في هتافات المليشيات المسلحة أمام السفارة الأمريكية، وه الذي سوف لن يسمح له المنتفضون والمنتفضات، رغم موقفهم المبدئي ضد السياسات الأمريكية في العراق والشرق الأوسط.   
         

32
كاظم حبيب
دور الميليشيات في الحشد الشعبي في تأجيج الصراع الخارجي!
من يتابع تطور الانتفاضة الشعبية واتساع قاعدة المشاركين فيها وتكرس أهدافها العادلة والمشروعة في أذهان الشعب، وتأييد متزايد إقليمياً ودولياً لمطالب الشعب من جهة، وبروز عجز متفاقم لدى الطغمة الحاكمة وقوى الدولة العميقة المنسقة معها على المناورة وفشلها حتى الآن بدفع أحد أكبر فاسديها لتولي رئاسة الحكومة من جهة ثانية، دفع بها إلى افتعال معارك جانبية مع القوات الأمريكية الموجودة في العراق من خلال توجيه ضربات صاروخية ضد القاعدة العسكرية في كي وان حيث يوجد مجندون أمريكيون فيها باتفاق رسمي مع الحكومة العراقية من جهة ثالثة. وبحسب المعلومات المتوفرة فأن الميليشيات الطائفية المسلحة العاملة في الحشد الشعبي والمسيطرة بقوة على قيادة هذا الحشد، قامت "منذ 28 تشرين الأول/اكتوبر، بشن 11 هجوماً على قواعد عسكرية عراقية تضم جنوداً أو دبلوماسيين أميركيين، وصولا الى استهداف السفارة الأميركية الواقعة في المنطقة الخضراء المحصنة أمنيا في بغداد." وأن "أول عشرة هجمات أسفرت عن سقوط قتيل وإصابات عدة في صفوف الجنود العراقيين، إضافة إلى اضرار مادية، غير أنّ هجوم الجمعة المصادف 27/12/2019 مثّل نقطة تحوّل حيث لم يسفر الهجوم عن مقتل متعاقد أميركي فحسب، وإنّما كانت المرة الأولى التي تسقط فيها 36 قذيفة على قاعدة واحدة يتواجد فيها جنود أميركيون، وفق مصدر أميركي." (راجع: تصعيد خطير في العراق، حسب بغدادـ (أ ف ب)، موقع رأي اليوم 30/12/2019). والغريب بالأمر أن الحكومة العراقية برئاسة عادل عبد المهدي لم تشجب هذه الاعتداءات العسكرية على القواعد العسكرية العراقية التي فيها جنود أمريكيون، بل سكتت عنها أو اشارت إلى إنها تحقق في الأمر ولم تظهر أي نتيجة حتى الآن، لأنها تعرف الفاعلين جيداً، فهي منهم وإليهم!
وأمس، الأحد 29/12/2019، قام الطيران الأمريكي بالرد المباشر على مواقع حزب الله في الحشد الشعبي، حيث تم قصف ثلاث مواقع لميليشيات حزب الله العاملة ضمن الحشد الشعبي في الأراضي العراقية غربي القائم، وموقعين في الأراضي السورية على الحدود بين البلدين. وقد ذكرت مصادر في هيئة “الحشد الشعبي” العراقية فجر اليوم الاثنين أن إجمالي ضحايا قصف الطيران الأمريكي على مقرات الحشد ارتفع إلى 25 قتيلا ونحو 50 جريحا في قضاء القائم 500/ كم أقصى غربي العراق." (راجع: ارتفاع ضحايا الحشد الشعبي في القصف الأمريكي، موقع القدس في 30/12/2019). وأشار بيان صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن “الأهداف الخمسة التي استهدفها القصف تشمل ثلاثة مواقع للكتائب، في العراق، واثنين في سوريا”، مردفاً “شملت هذه المواقع مرافق تخزين الأسلحة ومواقع القيادة والسيطرة التي يستخدمها حزب الله للتخطيط وتنفيذ الهجمات على قوات التحالف”. (راجع: مضمون اتصال بين عبد المهدي وآل حيدر بعد الضربة الأميركية ضد مقار كتائب حزب الله، موقع ناس، 30/12/2019).
السؤال العادل الذي يواجه كل مواطنة ومواطن في العراق مباشرة هو: ما هو السبب الحقيقي وراء هذا التصعيد العسكري للصراع الإيراني – الأمريكي في الأراضي العراقية من جانب ميليشيات "كتائب حزب الله" العراقية- الإيرانية العاملة ضمن الحشد الشعبي؟
كل المؤشرات التي تحت تصرفي تقول بأن هذه الميليشيات الطائفية المسلحة والفاسدة، إيرانية الهوية الإيديولوجية والهوى الطائفي، كجزء من الدلة العميقة، بذلت المستحيل لقمع الانتفاضة الشعبية ودحرها واستخدمت القتل الجماعي والاغتيالات والتعذيب والاختطاف والقتل اليومي للنشطاء والكذب والمناورة والتآمر، ولكنها فشلت حتى الآن. ويبدو أن رئيسها الذي علمها السحر (خامنئي وممثله سليماني)، دفع بها لتصعيد الصراع العسكري ضد الولايات المتحدة في العراق بهدف إبعاد أذهان الناس عن الانتفاضة الداخلية وتسليط الانتباه على تبادل القذائف بين القوات الأمريكية وقوات الميليشيات الشيعية المسلحة أولاً، وإثارة الشعب ضد الوجود العسكري الأمريكي في البلاد ثانياً، والتوجه لبذل المزيد من الجهد لقمع الانتفاضة الشعبية بأساليب خبيثة جديدة.     
وفي الوقت الذي لم تشجب الدولة العراقية بمختلف سلطاتها قصف المعسكر العراقي كي وان وبقية المواقع العسكرية حيث توجد قوات أمريكية فيها من جانب ميليشيات حزب الله وميليشيات مسلحة أخرى خاضعة لقرارات خامنئي وسليماني ضمن قوى الحشد الشعبي، بادرت إلى شجب القصف الأمريكي على القواعد العسكرية الإيرانية فعلياً في العراق. لا أشك في أن الرد الأمريكي سيعقبه رد من جانب الميليشيات، وقد بدأ فعلاً في معسكر التاجي حيث يوجد مجندون أمريكيون مما سيثير الولايات المتحدة ثانية، وهكذا سيدخل البلد في دوامة من هذا النوع وهو هدف الميليشيات الطائفية المسلحة وقيادة الحشد الشعب ذات الهوية والهوى الإيرانيين.
علينا شجب استخدام الساحة السياسية والعسكرية العراقية أرضاً للصراع العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وإيران، إذ إنه سيقود إلى احتمال نشوب حرب جديدة تحرق الأخضر واليابس في آن واحد. إن المسؤولين العراقيين يتحملون مسؤولية المنع الكامل للنشاط غير المشروع للميليشيات الطائفية المسلحة وحشدها الشعبي وتحريم استخدام سلاحها ضد القواعد العسكرية العراقية عموماً وتلك التي فيها جنود أمريكيون، ووجودهم بموافقة رسمية من الحكومة العراقية. إن هذا الفعل يؤدي بالضرورة إلى جر العراق لما لا يسعى إليه الشعب العراقي ولا يريد استبدال النضال من أجل تغيير الطغمة الحاكمة والنظام السياسي الطائفي الفاسد بصراع خارجي لا ناقة للشعب فيه ولا جمل، بل سوف يتحمل خسائر بشرية ومالية لا حصر لها.
ويبدو لي أن الأيام القادمة ستشهد تصعيدين: الأول تصعيد ضد الولايات المتحدة وتعبئة المؤيدين للميليشيات الطائفية المسلحة بمظاهرات وشعارات "ليس منّا الذل"، بمعنى الانتقام من القوات الأمريكية في العراق، والتصعيد الثاني سيكون بالهجوم على قوى الانتفاضة والادعاء بأنهم يشاركون الولايات المتحدة تآمرها على الحكم الطائفي الفاسد القائم. وهو ما سمعناه دوماً وسنبقى نسمع الادعاء بأن الحركة الثورية هي من صنع أمريكا وإسرائيل، وهو ليس باتهام باطل فحسب، بل ويتحمل أصحابها مسؤولية ارتكاب جرائم بحق المتظاهرين كما حصل حتى الآن وأدى إلى استشهاد أكثر من 1000 مواطن ومواطنة وإلى جرح أكثر من 22 ألف متظاهر واعتقال الآلاف ...الخ. 
إن المناورات وإثارة الصراعات مع الخارج في داخل البلاد لن تنفع قوى الطغمة الحاكمة والدولة العميقة، لأنها المنتفضين لا يشغلهم غير التغيير الجذري للنظام السياسي الفاسد والعملية السياسية المشوهة، ولأن قوى الظلم والظلام تقف ضد الشرعية وضد العدالة في حكم البلاد، في حين يناضل الشعب من أجل حقوقه ووطنه المستباح والجريح.

33
كاظم حبيب
ضد من يخوض الشعب العراقي معركته العادلة؟
ليس فينا جميعاً من كان يتصور أن الشبيبة المقدامة قادرة، وفي لحظة تجلى حاسمة، أن يهتز النظم السياسي الطائفي الفاسد والمسنود بقوة هائلة من الخارج بهذه السرعة الزلزالية. كما لم يكن أحدنا يتصور أن النظام ذاته سيجد نفسه في وضع لم يسبق له مثيل ويهتز من الأعماق فيفقد صوابه تماماً. وليس فينا من كان يتصور أن هذا النظام الإسلامي السياسي المتطرف بأساليبه الفاشية في الحكم والتعامل الوحشي مع الشعب والرأي الآخر أن سيستسلم بسهولة ويتنازل عن الحكم ويسلمه للشعب المطالب بحقوقه المسروقة وبالوطن المنهوب والكرامة المجروحة.
ولكن الكثير منّا، وأقصد من عارض ويعارض هذا النظام السياسي الطائفي الفاسد بمختلف صيغ المعارضة، كان يدرك بما لا شك فيه أن هذا النظام، الذي رفض كل نداءات الشعب بتوفير الحرية والكرامة ولقمة عيش كريمة وفرصة عمل وكهرباء وماء ونقل ومواصلات واتصالات وصحة وتعليم عقلاني وبيئة نظيفة، سيمارس كل السبل المشروعة وغير المشروعة، الجزرة والعصا، الكذب، العادات والتقاليد البالية، وكذلك السلاح الحي والاغتيال والاختطاف والاعتقال والتعذيب والقتل الواسع النطاق، إضافة إلى الدين، الذي تحت غطاءه سرقوا أموال الشعب، في مواجهة قوى الانتفاضة الشبابية التي تحولت في فترة قصيرة جداً إلى انتفاضة شعبية متواصلة منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2019 حتى الوقت الحاضر (30/12/2019) وستستمر حتى تحقيق النصر.
لقد استخدمت الطغمة الحاكمة، الفاقدة للشرعية الفعلية بانتفاضة الشعب الجارية، الدولة بسلطاتها الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضائية، وبكل أجهزتها القمعية، ومؤسسات وميليشيات الدولة الإرهابية العميقة، وقوى الدولة الجارة، إيران، المتحكمة بالطغمة السياسية الفاسدة الحاكمة بالبلاد، دفاعاً عن نظامها السياسي الطائفي والأثني الفاسد والمشبع بالحقد والكراهية ضد الشعب ومصالحه وطموحاته وأجياله القادمة.
يوجد في العراق الان معسكران متمايزان ومتناقضان يتصارعان: المعسكر الأول، معسكر الشعب، ويشمل:
أولاً: الفئات الشعبية الكادحة التي تعيش على هامش الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمحرومة من الحياة الإنسانية التي يفترض أن تتوفر للفرد، إنها الفئات العاطلة عن العمل أو العاملة على هامش الاقتصاد الوطني والتي تشكل نسبة عالية من أبناء وبنات الشعب العراقي، ‘نهم ضحايا الطائفة والفساد.
ثانياً: فئات البرجوازية الصغير المنتشرة في العراق ومنها الكسبة والحرفيين والمعلمين والمدرسين وصغار الموظفين والجمهرة العظمى من المثقفين والطالبات والطلاب وتلاميذ المدارس الثانوية الواعين بحقائق الوضع في العراق.
ثالثاً: الطبقة العاملة التي تعمل في قطاع النفط الخام والميناء والسكك الحديد والمعامل الحكومية المتوقفة عملياً والقطاع الخاص، إضافة إلى نسبة عالية تعمل في قطاعات الخدمات العامة والخدمات الإنتاجية أو أنها عاطلة عن العمل جزئياً أو كلياً.
رابعاً: فئات فقراء الريف والفلاحين المعدمين العاملين لدى كبار الملاكين والعائلات الإقطاعية القديمة التي استعادت قوتها وهيمنتها على الريف العراقي والزراعة العراقية.
خامساً: فئات البرجوازية المتوسطة الصناعية والزراعية وقطاع تجارة المفرد الداخلية وجمهرة من متوسطي الموظفين في البنوك الخاصة والحكومية.
تسنى لقوى الانتفاضة الجارية أن تعبئ جماهير واسعة من القوى الواعية من الأجزاء الثلاثة الأولى وتزجها في النضال من أجل قضية الشعب والوطن وتحت شعار "نازل أخذ حقي!"، في حين ما تزال الانتفاضة لم تعبئ بما يكفي من قوى الجزئين الآخرين، أي من الفلاحين والفئات المتوسطة التي تشكل قوة ضرورية لتغيير ميزان القوى لصالح الانتفاضة. ويبدو إن استمرار الانتفاضة يمكن أن يجلب لها المزيد من تلك المجموعتين السكانيتين وانخراطهما مع قوى الانتفاضة. ومن هنا تنشأ الحاجة لتكثيف العمل لا في الساحات والشوارع فحسب، بل وكذلك في الريف العراقي وبين الفلاحين الفقراء وصغار الفلاحين والمعدمين، وكذلك في صفوف أجهزة الدولة والفئات المتوسطة التي من مصلحتها تغيير الواقع الراهن لصالح المجتمع والتطور الاقتصادي.
أما المعسكر الثاني فيشمل كل القوى، ومن مختلف القوميات، التي ترى في النظام السياسي الطائفي والفاسد مصلحة لها في بقاءه واستمرار تدفق الأموال عليها وبقية الامتيازات التي تحققت لها خلال سنوات الاحتلال والحكم الطائفي الفاسد، وبالتالي فهي ترى في الانتفاضة تقويضاً لدولتها وسلطاتها الثلاث ومصالحها، لاسيما المالية، ونفوذها الاجتماعي والسياسي الداخلي والخارجي. ويشمل هذا المعسكر، الذي تحول إلى عدو للشعب عملياً، إلى المجاميع التالية:
أولاً: البرجوازية البيروقراطية والطفيلية الحاكمة التي تتربع على قيادة الدولة بسلطاتها الثلاث وأجهزتها المدنية والعسكرية وعلى رأس الدولة العميقة بمؤسساتها وميليشياتها الطائفية المسلحة. إنها الفئات الرثة التي تتجلى رثاثتها في مجالات الفكر والممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وفي علاقات تبعية خارجية جارحة لكرامة الشعب ولاثمة للسيادة والاستقلال الوطني. ونجد فيها قادة والكثير من كوارد الأحزاب الحاكمة وقادة الميليشيات الطائفية المسلحة والقيادات التي تشرف على وتقود قوى الجريمة المنظمة، لاسيما الاقتصادية والمالية والمتاجرة بالسلاح والبشر وأعضاء الإنسان والمخدرات والكحوليات والسوق الموازي...الخ.
ثانياً: بقايا كبار الملاكين والعائلات الإقطاعية القديمة، وكبار التجار الكومبرادور المعروفين بهيمنتهم على التجارة الخارجية وعداءهم المفضوح للتنمية الإنتاجية لاسيما التصنيع وتحديث الزراعة، إضافة إلى البرجوازية العقارية التي نهبت الكثير من الأراضي والعقارات من جهة، وتستغل المجتمع بهيمنتها على سوق بيع وتأجير السكن والبناء والعقارات من جهة أخرى. وتصطف معها البرجوازية المالية التي تهيمن على نسبة عالية من الأموال وعلى المصارف الخاصة والسياسة المالية للدولة العراقية وعلى البورصة ومزاد العملة الصعبة.
هذه القوى المناهضة لأي تغيير في العراق قد تسنى لها خلال السنوات المنصرمة تحقيق ما يلي:
1)   الهيمنة وبمختلف السبل غير المشروعة على نسبة عالية جداً من حجم الأموال التي تحققت للعراق من بيع نفطه، كما توفرت للميزانيات السنوية مبالغ مالية كبيرة وصل مجموعها للفترة بين 2003 - 2019 حوالي 1160 مليار دولار$.
2)   إعاقة أي توجه فعلي للتنمية الاقتصادية والبشرية، ولاسيما التصنيع وتحديث الزراعة وحماية البيئة، كما إنها لم توفر حتى للقطاع الخاص فرصاً مناسبة لاستثمار رؤوس أمواله في الصناعة الوطنية وفتح فرص لتشغيل الأيدي العاطلة عن العمل.
3)   حاربت الإنتاج الصناعي والزراعي المحليين بمختلف السبل، لاسيما إغراق الأسواق العراقية كلها بالسلع الإيرانية والتركية على التوالي، ومن ثم من الصين ودول أخرى، وغالباً ما تكون نوعيتها عموماً أسوأ السلع، وهي أرخص من السلع المنتجة محلياً رغم اختلاف النوعية لصالح بعض المنتجات المحلية.
4)   هيمنة القطاع الأجنبي، لاسيما الإيراني والتركي، على عقود البناء والإعمار ودخول المقاولين العراقيين كوسطاء وسماسرة أو الجهة الثالثة أو الرابعة لتنفيذ المشاريع بعد بيعها المتتابع لقاء رشوة مالية كبيرة.
5)   عدم توفير فرص عمل في القطاعات الإنتاجية، مما أجبر المسؤولين الفاسدين على فتح باب التعيين في دوائر الدولة، المدنية والعسكرية والأمنية، مما جعلها مشبعة جداً وتعاني من بطالة مقنعة شديدة واستنزاف مبالغ كبيرة من ميزانية الدولة لصالح الرواتب والامتيازات لكبار موظفي الدولة والوزراء والنواب وحماياتهم...إلخ.
6)   إهمال شديد لمصالح المجتمع وظروف حياته والتي تجلت في تراجع شديد للخدمات بكل قطاعاتها، كالصحة والتعليم والكهرباء والماء والنقل والاتصالات.. والذي أدى إلى مزيد من التذمر والغضب. 
7)   إشاعة الصراع القومي والديني والطائفي في البلاد في محاولة لتنفيذ سياسة "فرق تسد" الاستعاري.           
إن الصراع الدائر في المجتمع حالياً ليس قومياً، ولا دينياً، ولا مذهبياً، بل هو صراع بين هذين المعسكرين وعلى مسألتين مهمتين هما:
أولاً: إنقاذ الشعب من الطغمة الحاكمة والقوى التي تدعمها داخلياً وخارجياً بإجراء التغيير في النظام السياسي المشوه القائم وفي العملية السياسية المشوهة الجارية والتصدي للطائفية، التي يتستر بها أعداء الشعب، ومن الفساد السائد الذي التهم ثروات البلاد.
ثانياً: إنقاذ الوطن من الهيمنة الخارجية على القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئة التي ثلمت وما تزال الاستقلال والسيادة الوطنية وكرامة الشعب ومصالحه الأساسية.
من هنا تبلور وانطلق بوعي كبير شعار "نازل أخذ حقي" وشعار "أريد وطن".
إن المعركة محتدمة بين المعسكرين وستزداد سخونة خلال الأيام والأسابيع القادمة، وقد واجهنا ذلك لما حصل لرئيس الجمهورية الذي رفض تكليف مرشح قوى الإسلامي السياسي الحاكمة المتطرفة والفاسدة، أسعد العيداني، لرفض الشعب له، رغم الضغوط التي سلطت عليه من إيران وأتباعها الراكعين للخامنئي في البلاد. وهي اليوم تشن حملة ضده بطلب مباشر من إيران وممثلها قاسم سليماني، رغم إنها هي التي وافقت على ترشيحه لمنصب رئاسة الجمهورية.
الانتفاضة بحاجة ماسة إلى قيادة تمارس التنسيق الفعلي بين التنسيقات، بحاجة إلى قيادة فاعلة ومعترف بها من المنتفضين والمنتفضات وقادرة على تأمين وحدة الإرادة ووحدة العمل لقوى الانتفاضة في سائر أنحاء البلاد، إنه الطريق الأكثر ضمانة لتحقيق النصر على الأعداء المنظمين جيداً، رغم الصراعات على السلطة والمال والجاه فيما بينهم، إنهم ماسكون بزمام الدولة بسلطاتها الثلاث وأجهزتها القمعية والدولة العميقة حتى الآن، والتي لا بد من تفكيكها وتخلص الشعب منها.   
إن النصر سيكون لصالح المنتفضين البواسل والمنتفضات الباسلات، والاندحار سيكون في المحصلة النهائية لأعداء الشعب من كل الأصناف والاتجاهات العدوانية. 




34
كاظم حبيب
تعاظم زخم الانتفاضة سبيل دحر مناورات الطغمة الحاكمة
الشبيبة المنتفضة تدرك تماماً، وبحكم تجربتها التي اغتنت خلال الأعوام الـ 17 المنصرمة، حجم التجارب التي كدستها الطغمة الحاكمة خلال سنواتها حكمها المريرة في المناورة مع مطالب الشعب والالتفاف عليها وكسب الوقت، إضافة إلى استخدام شتى الأساليب الأخرى، بما فيها المماطلة والتسويف وشراء الذمم والكذب والعنف والغدر والقتل وخيانة الأمانة وخيانة الشعب والوطن، للبقاء في السلطة واستمرار نهب ثروات الشعب وقمعه والهيمنة على إرادته ومصالحه وطموحاته. كما إنها مستعدة للسقوط الكامل والمطلق في أحضان الدولة الدخيلة الغاشمة، إيران، دفاعاً عن حكمها الطائفي الفاسد، كما هو حالها الآن. وعلينا أن نستعيد هبّات الشعب أعوام 2008، 2011، 2015، 2018، وحالياً، 2019، وما تمارسه من مناورات وقحة مناهضة للشعب ومصالحه.
إن وعي الشبيبة المتنامي بالواقع الرث لهذه الطغمة الحاكمة وبالواقع العراقي الذي أغرقته بالرثاثة هو الذي يقود الشبيبة ويدفع بها إلى الإصرار والحزم باستمرار الانتفاضة وزيادة زخمها يوماً بعد آخر، والذي نجهد بشكل خاص في محافظات الوسط والجنوب وساحات بغداد، ومواجهة مناورات الدولة بسلطاتها الثلاث، والتي تجلت من جديد بالموقف من مسألتين مهمتين هما: موقف رئيس الجمهورية واستفساره عن الكتلة الأكبر في مجلس النواب، والجواب المخزي والمدفوع الثمن منذ العام 2010 من جانب المحكمة الاتحادية ورئيسها، ذليل صدام حسين، بالتجاوز على مصالح الشعب وإرادته، ثم موقف مجلس النواب الذي يرسل أسماءً وقحةً وفاسدةً وأيديها ملطخة بدماء بنات وأبناء الشعب، كما هو حال محافظ البصرة وموقفه من مظاهرات البصرة في عام 2018 أولاً، والالتفاف على تعديل قانون الانتخابات بالفقرة التي تنص على اعتماد الدوائر الانتخابية الصغيرة التي لا تمنع من تسلط الاحزاب المتنفذة على  مقاعد المجلس، إذ إنها توفر  ارضية مناسبة للانتخاب على أساس الولاءات التقليدية كشيوخ عشائر ومضايفها، وجوه اجتماعية من ذوي الثراء والجاه، رجال دين مشوهين، مقابل الحد من فرص الفوز للعناصر المستقلة ومن يمثل الكادحين واكثرية المعبرين عن مصالح الفقراء والمحرومين والفئات المتوسطة. ولا سبيل الى تغيير هذا الواقع الا بوضع ضوابط تجعل فرص المرشحين متساوية في تمويل حملاتهم الانتخابية وفي الاعلان والدعاية والمتطلبات الضرورية الاخرى. ومن أجل إن يتحقق للشعب قيام مجلس نيابي يمثل مصالحه فعلاً، لا بد من ان يحصل كل نائب من اعضائه على ما لا يقل عن 50 في المائة من الاصوات في دائرته الانتخابية. اما اعتبار من يحصل على مجرد اعلى الاصوات فائزا، فذلك هو عين الظلم في حق الشعب والبرلمان والديمقراطية. ولا أشك بأن المجلس النيابي الفاسد الحالي قد تجاوز مبدأ اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة واحتساب النسبية في حساب الأصوات والقائمة المفتوحة في الانتخابات. (طريق الشعب). إن من واجب رئيس الجمهورية ألّا يصادق على التعديلات الجديدة لقانون الانتخابات إلى أن يجري تعديل الفقرات الخاصة بالدائرة الصغيرة المشار إليها في أعلاه ويؤكد على تحقيق مطلب المنتفضين الذين يرفضون مناورات الطغمة الحاكمة. إن تعاظم ضغط الشارع العراقي هو الذي أدى إلى إجراء تلك التعديلات على قانون الانتخابات، وهو القادر أيضاً على منع ترشيح عناصر فاسدة من الطغمة الحاكمة وأحزابها الطائفية الشريرة إلى رئاسة مجلس الوزراء أولاً، ومنع اختيار وزراء على أساس المحاصصة الطائفية المذلة ثانياً، وتأكيد استقلالية وتقنية ووطنية ونزاهة من يكون عضواً في مجلس الوزراء ثالثاً، والذي يقوم بالتهيئة لانتخابات جديدة وإجراء تعديلات جدية واسعة في الدستور العراقي، إضافة إلى إصدار القوانين المجمدة حالياً وتعديل ما صدر منها وشوه بسبب طبيعة هذا المجلس ونهجه الفاسد والظلامي. نعم أكرر من جديد:
وإذا تكاتف الأكف فأي كف يقطعون         وإذا تعانق شعبنا فأي درب يسلكون 

35
والتمنيات الطيبة بالصحة والسلامة
كاظم حبيبمع الود والتقديم والتهاني بعيد الكريسمس وقرب حلول رأس السنة الميلادية


36
كاظم حبيب
التسويف والمماطلة ديدن الطائفيين والفاسدين من حكام العراق
تمر الأيام مسرعة والمنتفضون يتكاثرون ويتعاضدون ويتضامنون أكثر فأكثر ويعبئون المزيد من الثائرات والثوار للقضية العادلة، الثائرات والثوار الذين "نزلوا ليأخذوا حقوقهم" العادلة والمشروعة والمنهوبة من الحكام الذين اغتصبوا الحكم وأساءوا للشعب، كل الشعب، وسرقوا الوطن، كل الوطن لتسليمه لقمة سائغة لإيران ليصبح جزءاً من الإمبراطورية الفارسية، كما صرح بذلك دون حياء قادة إيران الأوباش الذين يتدخلون يومياً وفي كل ساعة ودقيقة في شؤون شعبنا وبلادنا. الحكام الذين ولغوا بدماء الشعب ودموع الثكالى ونشروا الرثاثة والبؤس والفاقة والفساد في كل شبر من هذا البلد العزيز فكراً وممارسة. منذ الأول من أكتوبر 2019 حتى اليوم 24/12/2019 ومازال المناضلون والمناضلات يجوبون شوارع الجنوب والوسط وبغداد ويملؤون ساحات العراق بالشبيبة المقدامة من النساء والرجال ومن مختلف الأعمار وسيواصلون ذلك حتى تحقيق مطالبهم العادلة والمشروعة التي يحاول الحكام الطائفيون والفاسدون بشتى الطرق غير المشروعة التسويف والمماطلة لكسب الوقت في وهمٍ يعيشونه بأن الشبيبة التي انتفضت ستُنهك وتترك ساحات وشوارع النضال فارغة وتعود إلى بيوتها خائبة. خاب فألكم يا أشباه الرجال، أيها الجبناء الراكعون أمام سيدكم الإيراني ومصالحكم الأنانية المتعارضة مع مصالح الشعب واستقلال وسيادة الوطن.
لقد بدأ جميع حكام العراق بمساومة قذرة بين السلطة التنفيذية والبرلمان العراقي بلعبة جديدة قديمة، لعبة الكتلة الأكبر، فرشحوا إبراهيم بحر العلوم، وفشل، ثم رشحوا قصي السهيل، فشل أيضاً، والآن يطلب رئيس الجمهورية بمعرفة من هي الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي. واستناداً إلى مساومة طائفية قديمة بائسة منذ العام 2010 من جانب المحكمة الاتحادية ورئيسها الشيعي الطائفي، يجيب رئيس البرلمان بأن كتلة البناء التي يراسها الإيراني الهوية والهوى، هادي العامري، هي الكتلة الأكبر، أي التي يفرض أن يأخذ بها رئيس الجمهورية ليكلف من ترشحه هذه الكتلة لرئاسة الوزراء، في حين يعرف الجميع بأن الشعب العراقي الرافض لكل العملية السياسية يرفض ذلك، وأن الشعب هو الذي يشكل الكتلة الأكبر في العراق، ولا يمكن تجاوز إرادته الحرة وإصراره على تسمية رئيس وزراء بمواصفات دقيقة وأساسية، مواصفات الوطنية والاستقلالية والنزاهة والعقلية الديمقراطية، التي تعي مصالح الشعب وتحترم إرادته في المرحلة الانتقالية لنظام حر وديمقراطي، لدولة ديمقراطية وبناء مجتمع مدني ديمقراطي ...الخ.
إن رئيس مجلس النواب العراقي هو الراكع الجديد أمام السيد الإيراني، وهو الذي يتحدث الشعب عن أنه اشترى مركزه بأكثر من 30 مليون دولار أمريكي وبدعم من خامنئي ووعد بالوقوف إلى جانب ما تريده إيران في العراق.. فهل يمكن الثقة بشخص يعتقد الشعب جازماً بأنه أحد الذين لم يشتروا موقعه في البرلمان فحسب، بل اشترى الكثير من النواب الذين يحتلون مقاعدهم في مجلس النواب المزيف والمشوه لإرادة الشعب ومصالح الوطن. لننتظر ماذا سيكون عليه موقف رئيس الجمهورية الذي وقف حتى الآن متفرجاً، وكان الأمر لا يهمه رغم سقوط المئات من الضحايا البريئة وجرح الآلاف من المنتفضين واعتقال ألاف أخرى، وكأنه يعيش في جزيرة الواق واق وليس في العراق، وقف ممثلاً فاشلاً وخطيباً بائساً وغير موفق في مواجهة المنتفضات والمنتفضين ويطلق حديثاً سمجاً ومرفوضاً، لأنه لا يعبر إلا عن إرادة غير عراقية حتى الآن وعاجز عن اتخاذ الموقف الذي يتطلبه مركزه في الدولة العراقية إلى جانب مطالب الشعب. 
أيها الحكام الفاسدون إنكم تدفعون بالانتفاضة الشعبية المقدامة لتتحول إلى ثورة شعبية سلمية عارمة وقادرة على إجهاض وإفشال كل المؤامرات والمناورات الداخلية والخارجية القذرة التي تدبر خلف الكواليس وفي الظلام وخلف ظهر كل المنتفضات والمنتفضين الأشاوس. إنكم تسعون إلى حتفكم السياسي بإرادتكم القذرة المناهضة لمصالح الشعب وسيادة الوطن. خسأتم يا من ولغتم بدماء أكثر من 550 شهيداً وأكثر من 21000 جريحاً ومعوقاً وعدة ألاف من المعتقلين والمختطفين والمعذبين، لن تستطيعوا أن تلووا إرادة الشعب، فهو الكفيل بدحركم وتحقيق ما نزل لانتزاع حقوقه المشروعة. ستمتلئ شوارع وساحات العراق كل العراق بالثوار، وسيقف شعب كردستان وبقية القوميات بعقولهم وقلبوهم إلى جانب بقية أبناء وبنات الشعب العراقي إلى جانب الانتفاضة الشعبية ومطالبها العادلة والمشروعة.   

37
د. كاظم حبيب
انتفاضة تشرين الأول الشبابية السلمية والآفاق المستقبلية للعراق
الفهرست
أولاً: العوامل التي فجرت الانتفاضة الشبابية السلمية
ثانياً: مطالب الانتفاضة الشبابية السلمية
ثالثاً: موقف قوى النظام الطائفي الفاسد من تلك المطالب العادلة
رابعاً: وجهة تطور الأحداث والمشاهد المحتملة لمستقبل العراق
*********
أولاً: العوامل التي فجرت الانتفاضة الشبابية السلمية
إن القراءة المتمعنة في العوامل التي فجَّرت الانتفاضة الشبابية السلمية في الأول من تشرين الأول 2019 تضع أمام الباحث مجموعتين متشابكتين هما:
مجموعة العوامل الداخلية:
1.   الإحساس الداخلي العام لدى الشبيبة بأن الوطن العراقي مستباح من قوى في الداخل وأخرى من الخارج، ومعه استبيحت كرامة الإنسان العراقي، فأثُيرت غيرته وشهامته الوطنية على وطنه المسروق والمستباح وكرامته المجروحة.
2.   واقع الاغتراب المتبادل والكامل بين الشبيبة العراقية وبين الطغم الحاكمة في البلاد، إذ ساد بينهما حوار الطرشان، ولم يعد للكلام بينهما من فائدة ترجى لما تسعى إليه الشبيبة للشعب والوطن. وقد تجلى لها ذلك في الموقف الممعن بالرفض والقهر لمطالب المدنيين وعموم الشبيبة في الهبَّات والاحتجاجات في 2008 و2011 و2015 و2018.
3.   برز هذا الاغتراب ولا يزال في ظواهر صارخة متراكمة تحولت في لحظة معينة إلى حالة نوعية جديدة هي الانتفاضة المتعاظمة، وهي:
أ‌.   نهج المحاصصة الطائفية السياسية بين القوى الحاكمة والتي تعاملت مع الهويات الفرعية القاتلة وأهملت واحتقرت عملياً الهوية الوطنية والكفاءات المتوفرة في البلاد وركزت على المصالح الذاتية لما أطلق عليه بالمكونات، وكان المقصود بها تلك الأحزاب لا غير.
ب‌.    نهج التمييز الصارخ والمترسخ لدى الطغمة الحاكمة إزاء القوميات وأتباع الديانات والمذاهب الأخرى في البلاد والذي تجلى ليس في المحاصصة في توزيع السلطات الثلاث للدولة العراقية فحسب، بل وفي كامل السلوك العام في الدولة والمجتمع من جهة، واقترانها بالفساد الشامل من جهة ثانية، مما قادا إلى ابتعاد الطغمة الحاكمة عن الاهتمام والدفاع عن استقلال الوطن وسيادته وأدى إلى اجتياح البلاد بقوى القاعدة ومن ثم داعش وما نتج عن ذلك من عواقب كارثية مرعبة وإبادة جماعية لا يمكن ان تنساه الذاكرة العراقية، لاسيما الشبيبة، التي خاصت المعارك بشرف لإنقاذ العراق من تلك الوحوش الكاسرة.
ت‌.    نهج مصادرة الحريات العامة وحقوق الإنسان التي كفلها الدستور على عِلّاته، وصدور قوانين وإجراءات مخالفة للوائح الدولية لحقوق الإنسان، بما فيها الموقف من حقوق المرأة وحقوق الطفل، وكذلك الاعتقالات خارج الشرعية والاختطاف والتغييب والتعذيب والاغتيالات والابتزاز وهيمنة الميليشيات الطائفية المسلحة على الشارع العراقي وتقاسمها المناطق السكنية لإخضاعها لها وابتزازها المالي والاجتماعي. كما بدأت شكلت لها مافيات اقتصادية مارست من خلالها المتاجرة بالجنس والمخدرات وأعضاء جسم الإنسان وكل ما هو إجرامي ومعيب ومؤذي للفرد والمجتمع.   
ث‌.    الفساد العام والشامل الذي أصبح نظاماً وأسلوباً سائداً ومعمولاً به في تعامل الدولة بسلطاتها الثلاث والمجتمع ومع الخارج، وأصبح العراق في قبضة وتحت رحمة المافيات المحلية والإقليمية والدولية الفاعلة في العراق. وأصبحت الميليشيات الطائفية المسلحة هي المجسدة والواجهة لهذه المافيات من جهة، وسلاح الدولة العميقة في الدفاع عن النظام السياسي الطائفي الفاسد وعن خضوع العراق للسياسة الإيرانية من جهة ثانية.
ج‌.    أدى هذا الواقع وطبيعة النظام السياسي الرث والفاسد إلى نشوء تمايز هائل بين الفئات الاجتماعية، بين حفنة رثة من الفاسدين الأثرياء التي كونت ثروتها من السحت الحرام ومن الرواتب والمخصصات والامتيازات العالية جداً وعلى حساب لقمة عيش المواطنة والمواطن، وبين اتساع قاعدة العائلات الفقيرة والمعدمة التي تعيش تحت خط الفقر أو عليه أو فوقه بقليل، مما عمق وشدد من التناقضات والصراعات الاجتماعية.
ح‌.    وأدى الإهمال التام لعملية التنمية الاقتصادية والخدمات الاجتماعية وتغييب متعمد للاستثمار في القطاعات الإنتاجية الى بروز بطالة واسعة جداً ومتراكمة سنة بعد أخرى، لاسيما بين الشبيبة، وبطالة مقنعة واسعة جداً في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، خاصة وأن الفجوة قد اتسعت بين نسب الولادات العالية وولوج سنوي متزايد من عدد القادرين على العمل إلى القوى العاملة، وبين عجز الدولة على توفير فرص العمل مما راكم في حجم البطالة وعمق التذمر. 
خ‌.    لقد تحقق للعراق خلال الأعوام 2014-2019 ما يزيد عن ألف مليار دولار أمريكي، إضافة إلى قروض دولية استدانها العراق، ولكنها لم توظف لتغيير واقع الاقتصاد المتخلف والمشوه ولا إلى إزالة رثاثة المدن العراقية ولا غيَّر من بنية الهياكل الارتكازية المتخلفة مما أدى إلى تخلف شديد في تقديم الخدمات العامة للمجتمع كالكهرباء والماء والصحة والتعليم والنقل والاتصالات...الخ، وهي اليوم في أسوأ أحوالها.
د‌.   لقد ناهضت الطغمة الحاكمة الفنون الإبداعية والثقافة الحرة وأدخلوا الشبيبة في أجواء من الفراغ القاتل وأجواء الحزن والبكاء الدائم والبطالة والعوز، إضافة إلى إشغالهم بما لا يمكنه التعويض عما تحتاجه الشبيبة العراقية التي تعرفت عبر وسائل الاتصال العالمية الحديثة لما تحقق للشبيبة في دول العالم الغربي وغيرها من تقدم حضاري وحياة آمنة ومليئة بالإنتاج لصالح مجتمعاتها وتقدمها.


 مجموعة العوامل الخارجية:

أ‌.   لقد خضع العراق بعد إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة للاحتلال الأمريكي المباشر ونتج عنه، بإصرار مقصود ومسبوق الصنع، إقامة نظام طائفي محاصصي، ومن ثم فاسد، أشاع الفرقة والتمييز والصراع في مجتمع متعدد القوميات والديانات والمذاهب والأفكار والاتجاهات السياسية. فكانت بداية الكارثة الفعلية للعراق وشعبه، بدلاً مما ادّعته الولايات المتحدة كذباً وخداعاً من نشر الحياة الحرة والديمقراطية في   البلاد على أنقاض الدكتاتورية الفاشية للبعث. كما تم في فترة الاحتلال وضع الدستور العراقي المشوه وقانون الانتخابات سيء الصيت وكذا المفوضة المستقلة للانتخابات، وهي كلها عمقت الانقسام المجتمعي وفرضت المحاصصة الطائفية والأثنية في البلاد وما نجم عنها من عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع.
ب‌.   وقد فسح هذا الواقع المرير في المجال لولوج قوى الإرهاب الدولي إلى العراق تحت واجهات شتى، والتي كانت الولايات المتحدة تريد إبعاد تلك القوى عن ساحتها والساحات الأوربية بخوضها المعارك ضد هذه القوى في العراق بشكل خاص، وكان التنظيم الإرهابي الدولي للقاعدة، الذي بني أساساً بدعم من الولايات المتحدة والسعودية وباكستان في أفغانستان، ومن ثم بروز تنظيم داعش الأشد تطرفاً وإرهاباً، وهي كلها نتاجات القوى الإسلامية السياسية المتطرفة التي تشكلت بتعاون كبير وطويل بين وكالة المخابرات المركزية والدولة العربية الإسلامية المتطرفة. وكانت المعاناة كبيرة ومريرة والضحايا هائلة والخسائر فادحة.
ت‌.    من خلال هذا الواقع، وبسبب وجود قوى الإسلام السياسي الطائفية الشيعية في قيادة الدولة، سُهلَّ ومُكَّن لإيران الولوج الواسع النطاق والشامل في حياة العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والمذهبية والعسكرية والأمنية، بما خلق قناعة فعلية صادقة وراسخة لدى الشبيبة العراقية بأن العراق محتلٌ أو شبه مستعمرة لإيران وواجهتها في الصراع الدولي مع الولايات المتحدة ودول المنطقة، كما فسح في المجال لتدخل القوى الإقليمية الأخرى في الشأن العراقي، لاسيما سوريا وتركيا والسعودية وبعض دول الخليج.
ث‌.    إن الصراع الجاري بين إيران والولايات المتحدة قد انتقل بشكل واسع وعميق إلى الحياة اليومية للشعب العراقي، بسبب وجود النفوذ العسكري والسياسي الأمريكي من جهة، وقوة وسعة النفوذ السياسي والعسكري والأمني والاقتصادي والاجتماعي والطائفي الإيراني من جهة ثانية، مما عرَّض العراق لمشكلات جديدة، بسبب وقوف قيادة الحكم الطائفية وأحزابها السياسية إلى جانب إيران في هذا الصراع.
ج‌.    تشير الكثير من المعلومات الموثقة إلى حصول الحكومة الإيرانية مبالغ طائلة من العملات الصعبة استنزفت من خزينة الدولة العراقية وعبر كبار المسؤولين الحكوميين والبنوك الأهلية الفاسدة ومزاد الدولار الرسمي والتهريب المستمر للعملة الصعبة إلى غيران. 
من كل هذا يتبين بأن شعب العراق يخضع لنظام سياسي طائفي محاصصي فاسد يعيد إنتاج نفسه في كل دورة انتخابية وتشكيل حكومة جديدة، ويعيد إنتاج وتعويق العلاقات والظواهر السلبية المشار إليها في أعلاه، مما جعل الشبيبة العراقية تعي بعمق وشمولية ما جرى ويجري في البلاد وأصبحت عاجزة تماماً عن تحمل كل ذلك فانفجر الغضب الشبابي في لحظة إشراقة وهاجة ليبدأ بمرحلة جديدة ونوعية من النواحي الفكرية والسياسية المستقلة والجديدة في مواجهة النظام السياسي القائم والطغمة الحاكمة.   

ثانياً: مطالب الانتفاضة الشبابية السلمية
إن الحالة الموصوفة في الفقرة الأولى بظواهرها الكارثية والمدمرة لحياة الإنسان العراقي، هي التي حددت للشبيبة العراقية المطالب الأساسية التي تجلت في التظاهرات الشبابية السلمية في الأيام الأولى من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019، ومن ثم منذ الخامس والعشرين من الشهر نفسه حتى الآن. والتي تتلخص بما يلي:
1)    التخلص من النظام السياسي الطائفي الفاسد ومن التبعية الكاملة لإيران. وهذا يعني إجراء تغيير جذري في الواقع المعاش سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً وثقافياً وبيئياً، وما يرتبط بكل ذلك من تغييرات تشريعية ووضع قوانين جديدة تضمن إعادة الاعتبار لهوية المواطنة العراقية واحترام الهويات الفرعية، والعدالة الاجتماعية في توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي. ويتطلب هذا التغيير جملة من الإجراءات الأساسية، نشير إلى أهمها فيما يلي:
2)    بعد استقالة حكومة عادل عبد المهدي تحت تعاظم الضغط الشعبي المتعاظم وسقوط المزيد من الشهداء والجرحى والمعوقين، يستوجب منطق الأحداث تشكيل حكومة وطنية مستقلة مؤقتة ذات كفاءات بصلاحيات واسعة ومن خبراء مستقلين يتسمون بالنزاهة في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس والقانون والثقافة تأخذ على عاتقها وضع عدة قوانين أساسية: قانون ديمقراطي جديد وحديث لانتخابات مجلس النواب، وقانون جديد لمفوضية الانتخابات العامة، وقانون جديد للأحزاب السياسية، وقانون جديد لمنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان.
3)    وبعد الانتخابات العامة وتشكيل المجلس النيابي الجديد وانتخاب حكومة جديدة يتم وضع دستور جديد للجمهورية العراقية الاتحادية، أو إجراء تعديلات واسعة وأساسية على الدستور العراقي الراهن لتخليصه من طابعه الطائفي والجوانب غير الديمقراطية فيه، وتكريس فصل الدين عن الدولة والسياسة، ورفض تأسيس أحزاب سياسية على أساس ديني أو طائفي، وتغيير بنية النظام السياسي لصالح دولة ديمقراطية فيدرالية حديثة تكرس الحريات العامة للمواطنات والمواطنين وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، ويستفتى به الشعب. إضافة إلى ذلك يقوم المجلس بوضع بقية القوانين المهمة، ومنها قانون العمل، وقانون الإعلام، وقانون الأحوال الشخصية، وقانوي الضمان الاجتماعي وحالات العجز والشيخوخة وقانون الصحة العامة.. الخ. 
4)    إطلاق سراح المعتقلين كافة الذين اعتقلوا بسبب مشاركتهم في الانتفاضة الشعبية والتحري عن السجون السرية لتحرير المعتقلين واعتقال المتسببين في ذلك ومحاكمة من أصدر الأوامر باستخدام العنف ضد المنتفضين وتكريم الضحايا وعائلاتهم، إضافة إلى متابعة قضايا المعتقلين السياسيين أو المتهمين بقضايا الإرهاب للتيقن من صحتها والإسراع بإنجازها.
5)    مكافحة البطالة الواسعة والبطالة المقنعة من خلال الولوج الواسع في التنمية الاقتصادية، لاسيما القطاعات الإنتاجية وخدماتها والخدمات العامة، وفتح معاهد للدراسات الفنية والمهنية ومراكز للتدريب. 
6)    البدء الفوري بدراسة وضع القضاء العراقي (مجلس القضاء الأعلى) والمحكمة الاتحادية والادعاء العام، لتكريس استقلالية القضاء العراقي التي استبيحت من السلطتين التنفيذية والتشريعية.
7)    البدء بمحاكمة كبار الفاسدين في الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث والمفوضيات والهيئات المستقلة. كما لا بد من وضع قانون "من أين لك هذا؟" من اجل استعادة أموال العراق المهربة والمسروقة ومطاردة السارقين أينما كانوا قانونياً.
8)    البدء بمعالجة جادة ومسؤولة للمشكلات القائمة كافة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق بما يعزز التلاحم الأخوي والتضامن بين الشعبين وبقية القوميات، وكذلك معالجة العلاقة القانونية والإدارية والمالية بين الحكومة الاتحادية ومحافظات البلاد على وفق أسس اللامركزية.   
9)    جعل السلاح بيد الدولة فقط وتفكيك جميع الميليشيات الطائفية المسلحة والحشد الشعبي واستعادة أو مصادرة الأسلحة المشاعة في البلاد، ورفض وجود قوات أجنبية ممن ترفض الحكومة الجديدة المستقلة وجودهم في العراق، مع العمل لإنهاء كل أشكال الوجود والتدخل الأجنبي في العراق.
10)   معالجة مشكلة الخدمات الأساسية للمجتمع وفئاته الكادحة والمهمشة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، لاسيما خدمات الكهرباء والماء الصالح للشرب والسكن والصحة والتعليم والنقل والاتصالات. 
11)   إعادة النظر بقانوني الخدمة المدنية ومجلس الخدمة الاتحادي العام وتفعيلهما وإزالة العيب عنهما وما نشأ عن ذلك.   
12)   انتهاج سياسة إقليمية ودولية تتميز بالاستقلالية وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى والاحترام والمنفعة المتبادلتين ورفض كل أشكال التدخل الخارجي في شؤون العراق الداخلية والخارجية. والطلب من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والهيئات الدولية لحقوق الإنسان التدخل لدعم المطالب العادلة والمشروعة للشعب العراقي المنتفض، ووضع حد لاستخدام العنف القاتل في مواجهة المتظاهرين.
ولا بد هنا من الإشارة على إن الشبيبة العراقية المنتفضة قد اختارت سبيل الانتفاضة السلمية لقناعتها التامة بما يلي:
** إن تجارب الدول المجاورة تشير إلى أن الفئات الحاكمة ترغب في تحول المظاهرات السلمية إلى العنف لتواجهها باستخدام كل أنواع الأسلحة لقمعها وشل حركة المنتفضين.
** إن التذمر الشعبي قد وصل إلى مرحلة متقدمة تمكن الشعب العراقي على فرض الحلول العادلة والمشروعة على الحكم القائم بالنضال السلمي، رغم توقع المنتفضين، وكما حصل فعلاً، إلى استخدام الدولة للسلاح وقتل المتظاهرين أو اعتقالهم.
** إن التظاهرات السلمية في مقدورها شل نسبي للقوى العسكرية للدولة العميقة ضد المتظاهرين، والتي استخدمت فعلاً في بغداد والناصرية والنجف، والتي أطلقت الدولة ذاتها عليهم بـ "الطرف الثالث"، وكأنها لا تعرف هوية هذا الطرف الدخيل والجرائم التي ارتكبها حتى الآن.
 
ثالثاً: موقف قوى النظام الطائفي الفاسد من تلك المطالب العادلة
بدلاً من الاستجابة العقلانية والفورية لمطالب الشعب الأساسية والعادلة في الفاتح من تشرين الأول/أكتوبر 2019 من جانب النخب الحاكمة وأحزابها السياسية، عمدت إلى المماطلة والتسويف والوعود الكاذبة من جهة، واستخدام العنف المفرط والرصاص الحي والرصاص الصوتي والغاز القاتل والغاز المسيل للدموع لقمع المتظاهرين بدم بارد من جهة أخرى، مما أدى إلى استشهاد 149 مناضلاً متظاهراً وجرح ما يقرب من 5000 متظاهراً في الأيام الأولى للانتفاضة الشبابية.
لقد أدرك المتظاهرون بأن الطغمة الحاكمة غير مستعدة للاستجابة إلى أي من المطالب العادلة للشبيبة والشعب، وأنها مستعدة لقتل المزيد من البشر بهدف البقاء في السلطة والتمتع بامتيازاتها ونهبها لموارد وخيرات العراق. فاتسعت الانتفاضة وازداد عدد المشاركين والمشاركات فيها وتنوعت أساليبها السلمية في مواجهة الرصاص الحي للقوات العسكرية الرسمية والميليشيات الطائفية المسلحة التابعة للدولة العميقة التي ترعاها قوى النظام السياسي الطائفي الفاسد.   
لقد بدأت السلطات الثلاث، لاسيما رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب والحكومة، تماطل بما كان يفترض أن يتحقق من مطالب المنتفضين منذ اليوم الأول للتظاهرات، وأصرت على استخدام العنف المفرط ضد الشعب في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب بدم بارد واستخفاف مريع وعنجهية فارغة وذهنية فاشية مدمرة، مما أدى إلى سقوط المزيد من الشهداء؛ حيث تجاوز عددهم إلـ 500 شهيد وما يقرب من 20 ألف جريح ومعوق، عدا الآلاف من المعتقلين والمختطفين والمغيبين والمعذبين في المعتقلات العلنية والسرية للنظام وأجهزته القمعية غير الرسمية. وتقدم سراديب "بناية شهيد المحراب: في النجف خير دليل على ما تفعله قوى الدولة العميقة في المعتقلين هناك من تعذيب شرس بما فيه قلع العيون. وقوبل هذا التوجه الجهنمي للدولة القمعية والهشة بإصرار وصمود رائعين على سلمية التظاهرات من جانب شبيبة العراق وجماهير الشعب الواعية. إذ لم يستطع النظام بكل عدوانيته ودمويته قهر إرادة الشبيبة المقدامة، بل اتسعت لتضم الملايين من بنات وأبناء العراق ومن مختلف الفئات الاجتماعية والمهنية.
بعد تنفيذ مجزرتين رهيبتين بحق أبناء الناصرية وأبناء النجف وسقوط ما يقرب من 80 شهيداً وأكثر من ألف جريح ومعوق خلال يومي 29 و30/11/2019 فقط، أجبر الحاكم المستبد بأمره وأمر طغمته الفاسدة واسياده في إيران، على تقديم استقالته المخزية، وكأنه لم يرتكب جرائم بشعة وشنيعة بحق الشعب العراقي وشبيبته الباسلة خلال الشهرين المنصرمين من جهة، ومصراً بعقل مغلق وجامد ودم بارد وبأسلوب خطابي استفزازي مثير، الاحتفاظ بنظام المحاصصة الطائفية الفاسد من جهة أخرى، مما يستحق إطلاق لقب "الجزار الخبيث" في العهد السياسي الطائفي الفاسد والمريض. وحين كلف عادل عبد المهدي بتصريف الأعمال توجهت قوى عميلة وعصابات منظمة للدولة العميقة بتوجيه نيران أسلحتها صوب المتظاهرين السلميين المتجمعين في ساحتي الخلاني والسنك وقتلوا بدم بارد وهمجية 24 متظاهراً من الشبيبة المقدامة وجرحوا وعوقوا أكثر من 120 متظاهراً دون أن تتحرك الأجهزة الأمنية بحكايتهم. ولا يخفى على الشعب المنتفض أساليب التنسيق بين قوى الدولة العميقة المجرمة ومسؤولي الدولة والنظام السياسي الطائفي الفاسد.         

رابعاً: وجهة تطور الأحداث والمشاهد المحتملة لمستقبل العراق
إن استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي لم تأت اختياراً رغم مرور شهرين على الانتفاضة الباسلة واتساع قاعد المشاركين فيها من فئات من مختلف فئات الشعب، بل عبَّرت عن مدى تشبث النخب الحاكمة بالنظام السياسي الطائفي الفاسد وعدم استعدادها للتسليم السريع بالأمر الواقع. وسبب ذلك يكن في كون ميزان القوى لا يزال في صالح قوى النخب الحاكمة التي تجسد قوى الثورة المضادة، إذ إنها لا تزال تمتلك السلطات الثلاث وتتحكم بها وبكل الأجهزة العسكرية والأمنية والقدرات المالية، وكذلك قوى الدولة العميقة بكل مكوناتها السياسية والعسكرية (الميليشيات المسلحة والمافيات الاقتصادية والاجتماعية والمنابر الدينية الطائفية التابعة لها)، إضافة إلى دور إيران المباشر في شؤون البلاد. ومع ذلك فأن ميزان القوى بدأ يهتز نسبياً ووجد تعبيره في هذه الاستقالة التي فتحت الطريق على عدة احتمالات يفترض متابعتها والإعداد لكل منها بما تتطلبه من عدة من جانب قوى الانتفاضة الشبابية والشعبية السلمية:
1.   احتمال يشير إلى إصرار النخب الحاكمة على مواجهة الانتفاضة الشعبية بالحديد والنار ومحاولة الاحتفاظ بالسلطة من خلال ترشيح رئس وزراء جديد من وسط الطغمة الحاكمة وتشكيل حكومة طائفية محاصصية فاسدة جديدة، واستخدام كل ما تملك من إمكانيات وأساليب الخديعة والتزوير، إضافة إلى دفع الميليشيات الطائفية المسلحة وقوى الدولة العميقة للصدام مع الجماهير المنتفضة سلمياً لقمعها وإطفاء شعلة الانتفاضة الوهاجة. لا يمكن إلغاء هذا الاحتمال الذي يعني بأن قوى الثورة المضادة وم يساندها خارج الحدود مصممة على عدم تسليم السلطة لقوى التغيير الجذري المنشود في البلاد. إنها تعمل على وفق منطق [[أخذناها بعد ما ننطيه، أشحد واحد يأخذها، هو ليش أكو واحد يكدر يأخذها]]!!!
2.   كما يمكن أن يُستكمل هذا الاحتمال للقوى الأكثر تطرفاً وعدوانية وتبعية، قوى الثورة المضادة، طلب مباشر بتدخل من قوى إيرانية موجودة أصلاً في العراق وقوى أخرى تتسلل إلى العراق يومياً لتثير معركة واسعة ضد المجتمع وإشعال حرب مدمرة مماثلة لما يعاني منها الشعب السوري منذ سنوات. إلا إن هذا الاحتمال يواجه صعوبة فعلية موضوعية لعدة أسباب هي: الاستعداد الكامل للشبيبة العراقية ومعها كل الشعب إلى مقاومة سلمية مظفرة بمثل هذا التدخل وبكل السبل المتوفرة أولاً، والوجود الفعلي للقوات الأمريكية في العراق على وفق الاتفاقية الأمنية بين البلدين ثانياً، ثم رفض الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي ممثلا بالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية لمثل هذا التدخل العسكري ثالثاً، وأخيراً احتمال تحول فعلي لقوى الجيش وبقية صنوف القوات المسلحة إلى جانب الشعب ورفض التدخل العسكري بمختلف أشكاله في الشأن الداخلي للعراق ومقاومته رابعاً.
إن إصرار الحكم على الاحتمالين الأول وربما الثاني يعني استمرار الانتفاضة الشعبية واتساعها وتصاعد مزاج الشعب الثوري، والذي سيقترن بسقوط المزيد من الشهداء والجرحى والمعوقين وهدر المزيد من الدماء والدموع وخسائر مالية وحضارية كبيرة. مع حقيقة أن النظام الطائفي الفاسد لا يستطيع حماية وجوده، إذ لم يعد قابلاً للحياة وسيسقط في النهاية تحت ثقل جرائمه وتبعيته وضغط الشارع العراقي. 
3.   أما الاحتمال الثالث فيمكن أن يتجلى بخضوع قسري للنخب الحاكمة لانتفاضة الشعب والبدء بتنفيذ مطالبه ابتداءً من موافقة مجلس النواب الفاسد على تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة ومؤقتة تمارس دورها بالتهيئة لانتخابات نيابية جديدة من خلال إنجازها للمهمات الأساسية الواردة في الفقرة الثانية من مطالب الانتفاضة التي تناط بها من قبل المنتفضين. وهذا الاحتمال سيجنب الشعب المزيد من الضحايا البشرية والخسائر المادية. ولكن عند اختيار هذا الطريق سيحتاج الشعب، لإرساء دعائم الأمن والسلام الخلاص من التركة الثقيلة لبقايا وإرث النظامين الدكتاتوري الشوفيني البعثي وإرث النظام السياسي الطائفي الفاسد وتطهير الدولة بسلطاتها الثلاث من رجس الفاسدين، إلى خوض نضالٍ حثيث ودؤوب واستمرار انتفاضته المجيدة حتى تحقيق النصر.
إن المؤشرات التي تحت التصرف تشير إلى إن المرحلة القادمة، بخطواتها الكثيرة المطلوبة لإرساء دعائم دولة ديمقراطية حديثة ومستقلة ومجتمع مدني ديمقراطي يستند إلى عقد اجتماعي يعتمد في نهجه على اللوائح والمواثيق والعهود الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والأهداف والمهمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، والتي سيكون تحقيقها أكثر تعقيداً وأكثر صعوبة من إزاحة النخب الفاسدة من سلطات الدولة الثلاث. إن المخاض الصعب للانتفاضة الشبابية والشعبية سيمنح الولادة الجديدة فرصة إرساء دعائم حياة آمنة وكريمة ومستقبل وضاء للمجتمع بأسره لاسيما شبيبة تلك الفئات الاجتماعية التي عانت الأمرين من الإذلال والفقر والبطالة والحرمان، كما كانت وقوداً للسياسات غير الوطنية والاستبداد والحروب الداخلية والخارجية، ومن ثم كانت الأدوات الفعلية لتحرير العراق من ذل الغزو والاجتياح والسبي والاغتصاب والقتل والنزوح العام والهجرة القسرية.
وتستوجب المرحلة الجديدة من قوى الانتفاضة الشعبية وكل القوى الديمقراطية المشاركة في الانتفاضة السعي لتحقيق ما يلي:
أولاً: العمل على كسب المزيد من فئات الشعب إلى ساحات النضال ودعم الانتفاضة الشبابية والشعبية. فالانتفاضة الحالية كسبت جماهير واسعة من شبيبة الفئات الكادحة والفقيرة والمعدمة والطلبة والمثقفين وجمهرة من العمال والكسبة وجماهير من أبناء العشائر وعدد متزايد من النساء، ولكن الانتفاضة لم تكسب إيها حتى الآن الفئات الوسطى (البرجوازية المتوسطة وشرائح من البرجوازية الصغيرة) من المجتمع، لاسيما في محافظات الوسط والجنوب وبغداد، بمن فيهم موظفو الدولة.
ثانياً: الأهمية القصوى للعمل الجاد لمزيد من عمليات التنوير والتوعية في صفوف المجتمع وبين المنتفضين من أجل كسب المزيد من بنات وأبناء المجتمع للانتفاضة بوعي ومسؤولية إزاء مصائر العراق الراهنة ومستقبل أجياله.
ثالثاً: إيلاء اهتمام خاص لهيكلية تنظيمية لقوى الانتفاضة أو الثورة الشبابية والشعبية التي تساعد على تحقيق ائتلاف القوى والشخصيات الفاعلة والمؤثرة في ساحة التحرير وبقية ساحات وشوارع العراق والجماهير المنتفضة وبين التنسيقيات القائمة لضمان وحدة الموقف إزاء مؤامرات ومناورات قوى الثورة المضادة الفاعلة حالياً وذات الموقف الموحد عملياً في مناهضتها لقوى الثورة. إن مثل هذا التنظيم لقوى الانتفاضة يسهم في بلورة وحدة الإرادة والعمل ووحدة الموقف إزاء أعداء الشعب. إذ يبدو لي وجود ضرورة ملحة بتشكيل تحالف اجتماعي مدني وديمقراطي واسع تلتقي عنده أهداف ومصالح الفئات الاجتماعية التي من مصلحتها تغيير النظام الطائفي الفاسد الراهن، وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة وإرساء أسس نظام سياسي واقتصادي واجتماعي يستجيب لمصالح الشعب ويستثمر موارد البلاد الأولية والمالية في النهوض بعملية التنمية الاقتصادية والبشرية في خدمة الأجيال الراهنة والقادمة. إن في مقدور الانتفاضة فتح الأبواب مشرعة نحو حياة أفضل ومستقبل زاهر وسعيد لكل الشعب بقومياته وأتباع دياناته ومذاهبه العديدة واتجاهاته الفكرية والسياسية الديمقراطية واعتماد مبدأ المواطنة العراقية المشتركة والمتساوية..
رابعاً: السعي لبلورة وبروز قيادة شبابية للانتفاضة السلمية ومواصلة دورها في استمرار الانتفاضة وتعبئة القوى حولها بما يسهم في وحدة الإرادة والعمل بتوحيد القوى وسيرها الحثيث على طريق إنجاز المهمات وتحقيق النصر.

38
كاظم حبيب
بلطجية إيران والعراق السفلة يقتلون المتظاهرين في النجف!
من تابع نشرات الأخبار خلال الأسبوع الأخير وهي تنقل ما يدور حول مقبرة "شهيد المحراب!" من كر ٍ وفرٍ بين متظاهرين سلميين وغير مسلحين بغير إيمانهم وقناعتهم التامة بعدالة القضية التي يتظاهرون من اجلها، من اجل استعادة الوطن المسلوب والممتهن وكرامة شعب مستباح بالطائفية والتبعية والفساد من جهة، وبين مجموعة من البلطجية القادمين من إيران وآخرين تابعين لهم من العراق، وهم من الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الطائفية المسلحة العراقية التابعة لعلي خامنئي، يحملون البنادق الرشاشة والسيوف والقامات ليقتلوا المزيد من المتظاهرين الأبرار، تماماً كما فعلوا في الأيام القليلة الفائتة ليحموا تلك السراديب المليئة بالمعتقلين من المتظاهرين والمختطفين عنوة والذين يجري تعذيبهم بوحشية وبشاعة لا مثيل لها تذكرنا بما جرى ويجري في سجن إيفين (زندان أوين) الواقع في الشمال الغربي من العاصمة طهران، والذي تحدث عنه المناضل العراقي الشهم الرفيق حيدر الشيخ علي في الرواية عن معاناته المريعة ومعاناة المعتقلين والسجناء الشيوعيين والديمقراطيين وفدائيي خلق على أيد "السجانة المسلمين المؤمنين!!!"، التي اعاد صياغتها روائياً وأدبياً الكاتب والروائي الفقيد الأستاذ عبد الرحمن منيف في روايته الشهيرة "الآن هنا .. أو الشرق المتوسط مرة أخرى" وصدرت عام 1991. جاء في اتصال هاتفي من مدينة النجف أشار فيه المتحدث عن اكتشاف أشخاص معتقلين في هذا السرداب عذبوا بوحشية حيث تم اثناء التعذيب قلع عيني واحداً من المعتقلين وشوه وجه آخر ... إلخ.
من تسنى له إلقاء نظرة على تلك الوحوش البشرية الحاملة للسيوف والأسلحة النارية وهم بكروشهم وأجسامهم الضخمة يطاردون المتظاهرين يدرك كيف تمت تربية هؤلاء البشر على التوحش والاستعداد التام للقتل والتعذيب بدم بارد ودون ان يحسوا بتعذيب الضمير أو حتى خدشه. فهم يؤدون فعلاً تدربوا عليه ومارسوه مئات وربما آلاف المرات وتربوا على ممارسة هذه المهنة الحقيرة مهنة الاختطاف والتعذيب والقتل باسم الدين وباسم المذهب، وباسم هذا الدين، هتف المتظاهرون، باگونة الحرامية.، فالنظام الطائفي المحاصصي الفاسد والمتفسخ لم ينهب خزينة الدولة فحسب، بل سرق الوطن والمواطنة وجيرها للهويات الفرعية الطائفة القاتلة أيضاً. هؤلاء البلطجية هم أبناء أولئك البلطجية الذين تظاهروا في إيران وأسقطوا وزارة الدكتور مصدق عام 1952/1953 وجاؤوا بالجنرال زاهدي إلى الحكم، وهم نفس البلطجية الذين سرقوا ثورة الشعب الإيراني في عام 1979 وأقاموا دولة ثيوقراطية متخلفة وطائفية مقيتة، وهم الذين مارسوا قتل المتظاهرين والمحتجين الإيرانيات والإيرانيين في شهر تشرين الثاني 2019 وقتلوا أكثر من 200 متظاهر شهيد وأصابوا الآلاف من الجرحى والمعوقين.
ولكن هذه الوحوش البشرية لن تستطيع كسر شوكة الشعب العراقي بشبيبته المقدامة، ولن تستطيع إذلاله مرة أخرى، فقد انتفض ليضع حدا فاصلاً بين قبل تشرين الأول/اكتوبر 2019 وما بعد هذا التاريخ.
لهذا لم يكن فرض استقالة الجزار الخبيث عادل عبد المهدي سوى الخطوة الأولى على طريق غير قصير وغير سهل لتحقيق التغيير الجذري في واقع النظام العراقي القائم والبدء ببناء دولة حرة وديمقراطية ومجتمع مدني ديمقراطي حديث، إنها المهمة المركزية التي تواجه المجتمع في هذه المرحلة التاريخية الفريدة.



39
كاظم حبيب
نحو خوض المعركة الحاسمة لإسقاط الحكم الطائفي الفاسد
لم يكن عادل عبد المهدي سوى الأداة القذرة الضاربة بيد الطغمة الحاكمة بأحزابها الإسلامية السياسية وميليشياتها الطائفية المسلحة. وإن استقالته لا تعني نهاية الحكم الطائفي المحاصصي الفاسد، فكل النخب الحاكمة في بغداد ليست سوى طيارات ورقية خيوطها بيد علي خامنئي وقاسم سليماني يتحكم بها كيفما يشاء. وقد وصل الأخير إلى بغداد مجدداً ليشخص من هو أكثر الفاسدين استعداداً لممارسة الفساد والأكثر تبعية لولاية الفقيه الإيراني، ومن هو أكثر حقداً على الشعب العراقي واستعداداً لتنفيذ المجازر ضد الشعب المنتفض ليخلف الجزار عادل عبد المهدي في رئاسة الوزراء. لقد حوَّل الأخير مهمة اختيار رئيس وزراء جديد إلى مجلس النواب المليء بالطائفيين والفاسدين والذين وصل أغلبهم إلى احتلال المقاعد النيابية عبر الولاء التام للطائفية السياسية ومحاصصاتها، والقبول بالتزوير وممارسته والمشاركة في الفساد وبيع وشراء المقاعد الخاوية.
لم تنتفض الشبيبة المقدامة لكي يغادر المتهم الأول، باعتباره رئيساً للوزراء وقائداً عاماً للقوات المسلحة العراقية، بقتل أكثر من 408 متظاهراً شهيد وأكثر من 16 ألف جريح ومعوق، ليغادر عادل عبد المهدي وجوقة الوزراء مقاعد الحكم فحسب، بل لتغادر الطغمة الفاسدة الماسكة بزمام السلطات الثلاث كلها حكم العراق، لكي ينتهي العراق من هذه العملية السياسية المشوهة والقوى التي خربت العراق وأدمت شعبه ونهبت أمواله وجوعت أغلب سكانه وتسببت في موت مئات ألوف البشر خلال فترة حكمها الرث.
الشعب المنتفض يواجه اليوم محاولة يائسة من الطغمة الحاكمة للبقاء في الحكم ودفاعاً عن مواقعها في الدولة، وهي مستعدة على ارتكاب المجازر البشعة من أجل ذلك ومقاومة التغيير الذي يطالب به الشعب بكل ما تملك من وسائل وأساليب وأدوات دنيئة، بما في ذلك قتل المزيد من المنتفضين في شوارع وساحات العراق، تماماً كما حصل في الناصرية والنجف. إن احتياطي القوى الفاسدة الحاكمة لم يجف بعد، فهي التي استخدمت السلاح المباشر والرصاص الحي والغاز القاتل ضد متظاهري الناصرية والنجف وبغداد وبقية المدن في الشهرين المنصرمين، لاسيما في مواجهات الناصرية، ومن ثم حول بناية "شهيد المحراب" في النجف، التي خاضها المنتفضون البواسل السلميين ودون أي سلاح ضد المجموعة المجرمة المدججة بأنواع الأسلحة القاتلة والمختبئة في "محراب الشهيد" وسقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى في ليلة واحدة. لم يكن هدف المنتفضين تطويق قبر محمد باقر الحكيم، بل كان الهدف ولا يزال إخراج الجواسيس الإيرانيين من مقر اطلاعات (المخابرات) الإيرانية الذي أقيم منذ البدء في "بناية محراب الشهيد" وتحرير المختطفين المعتقلين في هذا المحراب! لقد أقامت الدولة الإيرانية في هذا البناء وكراً كبيراً متخصصاً للمخابرات الإيرانية، كما استخدم لأسر المختطفين وتعذيبهم أو حتى قتلهم أو نقلهم إلى إيران للتخلص منهم هناك. كما كان في هذا البناية مجموعة كبيرة من القناصة التي مارست توجيه أسلحتها القناصة لقتل المتظاهرين ورجال الأمن العراقيين. فاستشهد في يوم 30/11/2019 وحده أكثر من 40 متظاهراً وجرح وتعويق أكثر من 600 شخص على أيدي هؤلاء العملاء والخونة القابعين في هذه البناية. إنهم باختصار شديد جزء من الميليشيات العراقية-الإيرانية المسلحة التي تمارس القتل العمد والواسع بقرار من القيادة الإيرانية والتابعين لها في العراق والتي قالت بالحرف الواحد: "اقتلوا المتظاهرين العراقيين فهم عملاء أمريكا"!!!
طلب القضاء العراقي من عوائل الشهداء والجرحى إقامة دعاوى ضد من اشترك بقتلهم، كما قرر منع الفريق جميل الشمري واعتقاله وحجز أمواله وهو قرار صحيح. ولكن القضاء العراقي والادعاء العام لم يتحركا ضد من أمر باستخدام العنف لتفريق المتظاهرين، ولا من أرسل الفريق جميل الشمري إلى الناصرية لتفريق المتظاهرين، باعتباره رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة العراقية، والمسؤول الأول عن حماية المواطنات والمواطنين وحماية مظاهرات الشعب السلمية.
من الواجب إصدار الأوامر لاعتقال القاتل مباشرة، ولكن لا بد أولاً وقبل كل شيء اعتقال من كان مسؤولاً عنه وعن قرار تفريق التظاهرات السلمية من الأيام الأولى لانتفاضة تشرين الأول/أكتوبر 2019 المجيدة.
إن القضاء العراقي، والادعاء العام كجزء منه، مسؤول أولاً وقبل كل شيء أمام أعلى سلطة في البلاد، سلطة الشعب، عن سبب سكوت وعدم تقديم لوائح اتهام بحق رؤساء الوزارات السابقين الذين يتهمهم الشعب بالفساد ونهب المال العام وسرقة ثروة الشعب ولقمة عيش الناس، عن الذين تسببوا في اجتياح وفواجع وجرائم الإبادة الجماعية في الموصل ونينوى والمسؤولين عن خراب العراق طيلة الفترة المنصرمة الذين يتواجد أغلبهم في "المنطقة الخضراء" وعدم تقديمهم للمحاكمة العلنية والعادلة. إن هذا الإجراء، وليس معاقبة الفاسدين الثانويين، على أهميته، الذي إن تحقق، سيقود البلاد إلى بداية التغيير المنشود في الواقع العراقي الفاسد والرث. إنها البداية لتغيير الطغمة الحاكمة وتغيير تشريعاتها الخائبة، ووضع الناس الوطنيين المستقلين والمخلصين لهذا الوطن على رأس السلطة وفي مجلس النواب وفي القضاء أيضاً، إنها البداية لعملية سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية جديدة تتميز بالنزاهة والشفافية والحرص على إرادة الشعب وثرواته ومصالحه ومستقبل أجياله الحالية والقادمة واستقلال وسيادة الوطن. الشعب يوجه اتهامه وعبر المنتفضين إلى مؤسسة القضاء بمن فيها من قضاة لتي لا تريد أن تسمع بأي الناس بها، فهو يقول بغضب شديد لما يعانيه من جروح وندب: إن المؤسسة القضائية ومن فيها يعانون من حالة الصم البكم والعمي، لأنهم أصبحوا جزءاً من العملية الطائفية الفاسدة الجارية حتى الآن في البلاد! فهل سيعيش الشعب غير ذلك، هل المراهنة على القضاء العراقي رهان على حصان خاسر؟ الأيام القليلة القادمة ستكشف أسراراً وخبايا كثيرة!!!
الشعب المنتفض لن يقبل بأقل مما طالب به حتى الآن، لا يقبل إلا بالخلاص من الطغمة الطائفية المحاصصية الفاسدة المهيمنة حتى الآن على السلطات الثلاث، التنفيذية والتشريعية والقضاء وعلى سلطة الإعلام ايضاً. وسيبقى هذا الشعب بنسائه ورجاله في ساحات وشوارع التظاهر إلى ان يستقيم الوضع لصالح الشعب وينحسر القهر والاضطهاد والإمعان في القتل عن صدور الناس.     
 
 

40
كاظم حبيب
نحو النصر، نحو البدء بتطهير الدولة العراقية من مفسديها!
لم تنطلق الانتفاضة ليقدم رئيس الوزراء البائس عادل عبد المهدي استقالته المتأخرة جداً وبعد سقوط مئات الضحايا وألاف الجرحى والمعوقين الأبرياء فحسب، بل من أجل كنس العملية السياسية الفاسدة برمتها، لكنس قوى النظام السياسي الطائفي المحاصصي الفاسد والقميء كلها، لطرد كل الذين تدخلوا في الشؤون الداخلية للعراق منذ العام 2003/2004 حتى الوقت الحاضر من دول الجوار، لاسيما تلك التي تمتلك جيشاً من الجواسيس والحرس الثوري والبسيج وفيلق القدس والميليشيات الطائفية، التي تأسس بعضها في إيران والكثير منها في العراق، واعتقال ومحاكمة كل الذين ساهموا بقتل أبناء الشعب في مظاهراته المقدامة أو اعتقال واختطاف وتعذيب المتظاهرين والمتظاهرات. لم يتفجر غضب الشعب المقهور والمنهوب ليقول عادل عبد المهدي أنه سيقدم استقالته لمجلس نواب طائفي محاصصي مسؤول عن كل ما حصل في العراق حتى الآن ومسؤول عن المماطلة وتأخير إقالة الحكومة وعن سقوط الضحايا الغالية في مدن العراق المختلفة، بل انتفض ليتخلص من هذا المجلس الطائفي المحاصصي بأغلب أعضاءه الذين وصلوا للمجلس عبر بيع وشراء المقاعد النيابية، ومنهم رئيس المجلس الحلبوسي، وكذلك التخلص من قانون الانتخابات الأسوأ في تاريخ العراق الحديث، وقانون مفوضية الانتخابات المستقلة السيء الصيت والبنية المشوهة والشريرة للمفوضية ذاتها، التي ساهمت بكل قوة وخلال الدورات السابقة في تزييف الانتخابات والنتائج لصالح الأحزاب السياسية الطائفية الحاكمة.
إن المشاركات والمشاركين في الانتفاضة والتي امتد أوراها إلى إقليم كردستان ليساهموا أيضاً في تأييد الانتفاضة الشعبية، يسعون بكل حيوية واستمرارية وصرامة إلى إجراء تغيير شامل في الواقع العراقي الراهن، إلى تغيير في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي، إلى إقامة دولة ديمقراطية حديثة يكون الشعب فيها صاحب السلطة وراعيها والماسك بزمامها من خلال مندوبيه الحقيقيين الذين يصلون إلى مجلس النواب بصدق وأمانة ونزاهة وليس بالمال المتحقق عبر السحت الحرام، دولة، بسلطاتها الثلاث، تحترم استقلالها وسيادتها وقرارها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقضائي، تحترم إرادة الشعب وحقوقه وحرياته وتحمي كرامته التي لا يجوز المساس بها قطعاً.
لم يسقط هؤلاء الشهداء الأبرار لكي يختار مجلس النواب الطائفي المشوه قرقوزاً جديداً يحكم العراق بأوامر صادر عن علي خامنئي وقاسم سليماني وسفير إيران في بغداد، وعلى أيدي مجموعة من العراقيين من ذوي الانتماء والولاء لإيران أولاً وأخيراً كالفياض والخزعلي والعامري وأبو مهدي المهندس ومن يماثلهم في الفكر والفعل والسلوك الشائن، بل لكي يكون عراقياً وطنياً صادقاً في ولاءه للشعب والوطن وقادراً على إدارة حكومة مؤقتة تقود البلاد إلى شاطئ الأمن والسلام لتمارس التهيئة الجدية لانتخابات جديدة في ظل قانون انتخابي جديد ومفوضية مستقلة جديدة وتحت إشراف الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية والمحلية غير المرتبطة بالأحزاب السياسية القائمة.
إن الحكومة الجديدة يفترض فيها منع كل الذين شاركوا في عضوية مجلس النواب في دوراته السابقة وكل الوزراء في الحكومات السابقة وكل قادة الأحزاب التي قادت العملية السياسية من خوض الانتخابات العامة بسبب ما تسببت به من مآسي وكوارث وفواجع في البلاد وما سال من دم ودموع خلال السنوات الـ 16 المنصرمة. كما عليها إنهاء وجود الميليشيات الطائفية المسلحة وجعل السلاح بيد الدولة لا غير.
إن الحكومة الجديدة يفترض فيها أن تقدم لائحة اتهامات واضحة، شفافة وصريحة ضد كل الذين تسببوا في كل ما حصل للعراق خلال السنوات الـ 16 الفائتة، لاسيما اجتياح الموصل ونينوى والنهب المنظم لموارد البلاد المالية وثرواته الطبيعية ومن كان مسؤولاً عن سقوط الضحايا والجرحى في الانتفاضة الجارية.
لن يترك المتظاهرون البواسل والمتظاهرات الباسلات ساحات العراق وشوارعه وجسوره قبل أن يتحقق ما انطلقت من أجله انتفاضة الشبيبة والشعب المقدامة، فلا بد من تغيير ميزان القوى لصالح الانتفاضة بحيث يُجبروا قادة هذا النظام السافل على إقرار ما يريده الشعب وليس ما يريده الفاسدون الذين حكموا العراق بالحديد والنار.
تحية وألف تحية للثوار البواسل والثائرات الباسلات، تحية للجرحى والمعوقين الذين نرجو لهم الشفاء العاجل. لنقف دقائق حداد على أرواح الشهداء الأبرار، وهم مشاعل وهاجة في سماء العراق تنادينا وتطالبنا بالسير على الطريق والأهداف التي استشهدوا من أجلها حتى النصر المبين.
     
         

41
كاظم حبيب
متى وكيف يمكن تغيير ميزان القوى لصالح الشعب في الصراع الجاري في العراق؟
منذ إسقاط الدكتاتورية البعثية الغاشمة عبر تحالف دولي خارج الشرعية الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وتسليم الولايات المتحدة قيادة الدولة بسلطاتها الثلاث ووسائل الإعلام، كسلطة رابعة، بيد تحالف سياسي من الأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية والأحزاب الإسلامية السياسية السنية والأحزاب القومية الكردية بقيادة القوى والأحزاب الشيعية وإقامة نظام سياسي طائفي محاصصي، برزت بدايات الصراع بين قوى سياسية ديمقراطية رافضة لهذا النظام باعتباره مخالفاً لتطلعات المجتمع في إقامة دولة ديمقراطية حديثة ومجتمع مدني ديمقراطي من جهة، وبين قيادات القوى والأحزاب التي تسلمت السلطة من جهة أخرى. وخلال السنوات 16 المنصرمة لعبت القوى الحاكمة دوراً بارزا في الهيمنة التامة على جميع مفاصل الدولة بـ:
1.   تكريس نظامها السياسي الطائفي المحاصصي والهيمنة التامة على مجلس النواب بممارسة الفساد المالي والإداري وعمليات الإفساد لتعزيز وجودها في السلطة، إضافة إلى بناء دولة عميقة بقوى عسكرية فعلية تابعة لها هي الميليشيات الطائفية المسلحة التي تدين بالولاء للأحزاب الإسلامية السياسية التابعة فعلياً لولاية الفقيه والحكم الطائفي في إيران.
2.   الهيمنة الكاملة على الموارد المالية للدولة والتصرف بها بما يسهم في تكريس وجودها وتفسيخ وإفساد السلطات الثلاث والسلطة الرابعة التابعة لها ونشر الفساد على أوسع نطاق ممكن في المجتمع بحيث تحول إلى نظام معمول به وساري مفعوله على الدولة والمجتمع.
3.   التخلي الكامل عن عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاعتماد على موارد النفط المالية في إغراق الأسواق بالسلع المستوردة واعتماد المزيد من توظيف العاطلين عن العمل في أجهزة الدولة والسكوت عن دفع رواتب لعشرات الآلاف من الفضائيين المسجلة بأسماء وهمية أو مكررة.
4.   فسح في المجال إلى ولوج النفوذ الإيراني في عمق السلطات الأربعة، التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلام، وبشكل خاص في وزارات الدفاع والداخلية والأمن الداخلي، وفي الاستخبارات، وقوات مكافحة الشغب والقوات الخاصة وقوات عمليات بغداد، إضافة إلى تشكيل الحشد الشعبي بجزء أساسي من قوام الميليشيات الطائفية المسلحة التابعة لإيران. وكذلك دورها المباشر في الجانب الديني المذهبي وفي المجتمع.
5.   تأييد المرجعيات الشيعية في النجف للقوى والأحزاب الإسلامية الطائفية الشيعية الحاكمة ودعمها المستمر في الهيمنة على السلطة السياسية ومجلس النواب والقضاء العراقي ووسائل الإعلام، لاسيما وأن لهذه المرجعيات، خاصة مرجعية السيستاني، تأثير كبير وملموس، شئنا ذلك أم ابينا، على جمهرة كبيرة من اتباع المذهب الشيعي. ولم يتغير هذا الموقف جوهرياً طيلة السنوت الـ 16 الفائتة.   
إن هذا الواقع قد جعل ميزان القوى في الدولة والمجتمع يميل بقوة لصالح الأحزاب التي تسلمت زمام الدولة والحكم وتسنى لها، رغم وجود صراعات غير قليلة فيما بينها تتركز حول المناصب والمواقع في السلطة ومجلس النواب وعلى الحصص المالية والنفوذ العام في المجتمع، كما منح الحكام الفاسدين فرصة تجاوز الكثير من الأزمات التي مرّت بها الدولة العراقية والهبات الشعبية التي انطلقت في أعوام 2997&2008 و2011 و2014/2015 و2018، وكذلك عبور أزمة وكارثة ومآسي الأنبار وصلاح الدين وديالى في عام 2011، ومن ثم الفواجع والإبادة الجماعية التي اقترنت باجتياح الموصل وعموم نينوى وأجزاء من كركوك وديالى ووصولاً إلى مشارف بغداد في عام 2014. وقد كلفت هذه الأزمات وغيرها مئات ألوف القتلى والجرحى والمعوقين والنازحين والمهاجرين والمسبيين والمغتصبين من النساء ومئات المليارات من الدولارات الأمريكية وتعطل كامل لعملية البناء وتوفير الخدمات.
خلال الفترة الفائتة عجزت القوى التي رفضت، وتلك التي انتقدت النظام السياسي، عن تشكيل جبهة واسعة قادرة على التصدي للقوى الحاكمة وسياساتها غير الوطنية، بل بعضها الأساسي قد اعترف بالعملية السياسية الجارية وسار فيها، مع انتقاده لها وعمل مع بعض قواها تحت خيمة مهلهلة تحت واجهة "الكتلة التاريخية" التي لم تكن في حقيقة الأمر الكتلة التاريخية المنشودة. وبالتالي استطاع النظام رغم الهبات والمظاهرات في عام 2011 و2014 و2018 أن يصمد ويتجاوز الوضع موقتا، ولكن كانت هناك نيران تتحرك تحت الرماد.
وفي السنوات المنصرمة تبلورت جملة من الوقائع عبر عملية تراكم لكل العوامل السابقة التي أمكن من خلالها إزالة الكثير من الرماد عن الجمر المتوهج، منها:
1.   إدراك المزيد من العراقيات والعراقيين، لاسيما الشبيبة، بفقدان الوطن، وطنهم العراق، بغياب الحس أو الروح الوطنية العراقية عند الحكام الطائفيين الفاسدين وتبعية القوى والأحزاب السياسية الطائفية الشيعية لإيران دون مواربة، في حين التحقت القوى الإسلامية السنية أما بتركيا أو السعودية أو بعض دول الخليج، في حين توزعت علاقات القوى الكردية بين مؤيدة لتركيا وأخرى لإيران مع صراعات حادة ومستمرة ومن ثم قبول بالعلاقة الراهنة مع رئيس الوزراء الحالي لتجاوبه مع مطالب القوى الكردية، لاسيما المالية.
2.   تلمست الشبيبة عبر أوضاعها الحياتية والمعيشية تفاقم الفساد المالي والإداري وتوقف كامل لعملية التنمية مع عجز حقيقي لدى الدولة عن تأمين وظائف جديدة لأفراد المجتمع بحيث تفاقمت البطالة المكشوفة والمقنعة وأصبح الفساد نظاماً سائداً ومعمولاً به، ولم يعد ممكناً إصلاح فساد الدولة بمن أفسدها، بعكس الوهم الذي برز لدى بعض القوى السياسية.
3.   إن هذا الواقع رفع من حجم الفقر في البلاد إلى مستويات غير مسبوقة وأصبح العيش غير ممكن في ظل هذا النظام، حين لا يجوع فرد واحد فحسب، بل الملايين منهم، عندها لا يمكن إلا أن يحصل شيء ما ليلعب دوره في التغيير، القشرة التي تقصم ظهر البعير!
4.   لقد تلمست الشبيبة الدور الإيراني المهيمن بشكل كامل على الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية وعلى السلطات الثلاث بمؤسسات الدولة الرسمية، وبيدها الدولة العميقة أيضاً، وعلى أجهزة الإعلام الحكومية والفاسدة، وبالتالي لم يكن أمام هذه الشبيبة الواعية إلا أن تأخذ الأمر بيديها وتعلن انتفاضتها المقدامة بوجه الحكام الطائفيين الفاسدين.
لم يشعر الحكام الفاسدون بضرورة الإصلاح أو التراجع عن هيمنتهم الكاملة على الدولة، بل شعروا بالقوة وقدرتهم على مواجهة الشبيبة المنتفضة، فعمدوا، بسبب خشيتهم على فقدان الحكم ومعه مصالحهم الذاتية، إلى استخدام أسلوب التصدي بالحديد والنار، فسقط عشرات الشهداء والجرحى ومئات المعوقين. ولم يدرك هؤلاء الأوباش ما قاله الجواهري الكبير بحق:
سينهض من صميم اليأس جيل        مُريد البأسِ جبارٌ عنيدُ
يقايض ما يكون بما يُرجّى           ويعطف ما يُراد لما يُريدُ
وازداد سيل الدماء بعد الجولة الثانية من الانتفاضة بعد الـ 25 تشرن الأول/ أكتوبر 2019، وهنا أيضاً استقبل الحكام الجبناء ذلك باستخفاف ودم بارد، كما برز ذلك في خطب المسؤول الأول عن الدم المسال، عادل عبد المهدي، ولم يدركوا مغزى قول الجواهري الكبير:
أمينُ لا تغضبْ فيومُ الطـَّغامْ       آتٍ وأنفُ شامتٍ للرَّغامْ
أمينُ لا تغضبْ وإنْ هُتـِّكَ الـ       سِّتـْرُ وديستْ حُرُماتُ الذِّمام
أمينُ خـلّ الــدمَ ينزف دماً       ودعْ ضـرامـاً ينبثقْ عـن ضــرامْ
منذ شهرين والمظاهرات السلمية مستمرة وفي اتساع يواجهها النظام بمزيد من التصدي وبمزيد من القتلى والجرحى والمعوقين والمعتقلين والمختطفين والمغيبين، ودون أن تبدو في الأفق بارقة حل سريع؟ فما العمل؟ ليس أمام المنتفضين غير الاستمرار حتى النصر المبين ولتحقيق ذلك لا بد من تغيير ميزان القوى لصالح الشعب المنتفض، فما هي الاحتمالات المتاحة في هذا الصدد؟
على وفق الواقع العراقي الراهن هناك الاحتمالات الآتية لتحقيق تغيير في ميزان القوى بحيث يقلب السحر على الساحر، بحيث يعجز الحكام عن الدفاع عن نظامهم ودستورهم ومجلسهم النيابي وقوانينهم:
1.   أن تتعاظم المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات السلمية وتستمر بدأب وعناد شديدين لتعبئة الشعب، كل الشعب حولها بما يسهم في تحطيم إرادة الحكام البغاة والجبناء ويفرض عليهم الاستسلام للأمر الواقع. وهذه العملية ممكنة ولكنها لم تصل بعد إلى درجة النضوج القصوى، فهي بحاجة إلى صبر وجهد ودأب كبيرين، وربما المزيد من الشهداء على أيدي الجناة.
2.   أن يجرى تحول كامل في أجهزة الدولة المدنية وفي الحياة الاقتصادية حين يعلن العصيان المدني التام في البلاد وتعجز الدولة عن إدارة شؤون الحياة وتتولى القوى المنتفضة تسيير الأمور وتضطر السلطة على التراجع وتسلم الأمر بيد الشعب وفق قواعد معينة دون حصول فوضى. (وهو أمر ممكن حين يتعاظم المد الثوري السلمي ويشمل المجتمع والدولة عدا قيادات الدولة الفاسدة).
3.   أن تغير القوات المسلحة، لاسيما الجيش، موقفها وترفض الدفاع عن النظام والنخب الحاكمة التي خانت قضية الشعب والوطن ولطخت أيديها بدماء الشهداء والجرحى والمعوقين. (وهو أمر ممكن في لحطة حاسمة دون أن يقترن ذبك بانقلاب عسكري).
4.   أن تتخذ المرجعية الشيعية، والتي لا زال لها تأثير في الأوساط الشيعية من الشعب، موقفاً حازماً إلى جانب المنتفضين بمطالبتها الصريحة باستقالة الحكومة أو إقالتها وتسليم السلطة إلى حكومة كفاءات مدنية مستقلة لإنجاز مهما المرحلة الانتقالية. ومثل هذه المسألة ستحرك الشعب أكثر فأكثر من جهة وستضع الحكام الشيعة الذين يدعون سماعهم لنصائح المرجعية على المحك أمام المجتمع والعالم كله. (حتى الآن لم يحصل هذا الأمر بسبب المساومة الجارية بين المرجعيات الشيعية والأحزاب الحاكمة من جهة، وبسبب المساومة بين المرجعيات الشيعية في العراق ومرجعية قم وولي الفقيه على خامنئي وتأثير الأخير المستمر حتى الآن على المرجعية الشيعية في النجف من جهة ثانية). إن أهمية هذا الاحتمال تكمن في إيمان الكثير من أتباع المذهب الشيعي في العراق بدور المرجعية، والذي كما يبدو واضحاً آخذ بالتراجع السريع بسبب ضعف مواقف المرجعية أمام النخب الحاكمة في العراق وإيران.
5.   الاحتمال الأخير حصول انقلاب عسكري ضد الحكم القائم دون أن تعرف من هي القوى التي تنفذه وماذا تريد وإلى أين تتجه أولاً، مع احتمال نشوب نزاعات دموية لا تبقي ولا تذر ثانياً. وهو ما يتجنبه المنتفضون وعموم الشعب، لأنهم ضد العنف واستخدام السلاح وضد الانقلابات. إلا إن هذه المسالة ليست بيد المنتفضين، بل ترتبط بمن يقوم به وبسلوك الحكام الفاسدين وما يمارسونه ويدفعون إليه.         
إن قوى الانتفاضة الشبابية والشعبية تقف بحزم وإصرار إلى جانب الاحتمالات الثلاثة الأولى السلمية، مع حقيقة إن جماهير واسعة لم تغسل يديها بعد من احتمال حصول تحول في موقف المرجعية لصالح الشعب لحماية وجودها ودورها الديني، وتسعى إلى تحقيق تلك الاحتمالات، في حين ترفض الانقلاب العسكري إذ لا ترى فيه حلاً لمشكلات البلاد ويمكن أن يدخلها في سلسلة من المشكلات الجديدة بما في ذلك بروز دكتاتور جديد على غرار صدام حسين ونوري المالكي وعادل عبد المهدي ومن لفّ لفّهم.   























42
كاظم حبيب
أيها الحكام السفهاء كفاكم تسويفا وضحكاً على ذقون أتباعكم!
بتاريخ 19/11/2019 اجتمعت النخب الفاسدة الحاكمة المتمثلة بالأحزاب الإسلامية السياسية وقادة الميليشيات الطائفية المسلحة في بيت واحدٍ من كبار الفاسدين والانتهازيين والطائفيين بامتياز ورئيس حزب تيار الحكمة، عمار الحكيم، ومن التابعين المخلصين لولاية الفقيه والمرشد الإيراني والدكتاتور علي خامني ووكيله في العراق الجنرال قاسم سليماني، وصدر عن هذا الاجتماع البائس قرار هزيل وسفيه يدعو إلى منح الحكومة 45 يومياً للقيام بالإصلاحات التي يريدها المجتمعون، والتي تعني بدقة متناهية استمرار بقاء النظام السياسي الطائفي والنخبة الطائفية الفاسدة في الحكم والاستفادة من الوقت لتفويت الفرصة على المتظاهرين في تحقيق التغيير الجذري المنشود وكنس النظام المشوه وممثليه والسادرين في غيهم وجورهم ضد الشعب، وهم المسؤولون عن قتل أكثر من 320 متظاهر، على وفق ما جاء في التقارير الرسمية، إضافة إلى جرح وتعويق أكثر من 16 ألف متظاهر ومتظاهرة واعتقال الآلاف واختطاف المئات منهم.
إن صدور مثل هذا القرا التافه والهزيل وعن قوى وأحزاب مسؤولة عما جرى ويجري ف البلاد من مفاسد وموبقات سياسية وأخلاقية واجتماعية، يعبر في واقع الحال عن:
1)   أزمة خانقة يعيشها الدولة الهامشية والنظام السياسي الطائفي الفاسد برمته، كما تعيش معه بذات الأزمة المتفاقمة الأحزاب والقوى السياسية الحاكمة كافة، وهي التي نهبت وفرطت بأموال العراق التي قدرت خلال الفترة المنصرمة بألف مليار دولار أمريكي وعاشت على السحت الحرام وعلى خراب اقتصاده وفساد شامل في الدولة بسلطاتها الثلاث والمجتمع.
2)   عجزها هذه النخب الحاكمة عن الاستمرار في الحكم موضوعياً، ورفضها التنازل عنه وعن الامتيازات التي تتمتع بها منذ 16 عاماً ذاتياً، وبالتالي فهي محشورة في زاوية ضيقة يزداد ضيقها يوماً بعد آخر.
3)   ومن اجل خروجها من الزاوية الضيقة التي حشرت فيها، استخدمت منذ انطلاق الانتفاضة ولا تزال تستخدم حتى الآن أبشع أساليب العنف والقتل المباشر والمتعمد للمتظاهرين الرافضين لها ولوجودها في الحكم. وهي تنسى بأن العنف لم يعد سبيلاً لمعالجة الأزمة المتفاقمة التي تشد بخناقها على النظام، بل الاستجابة لمطالب قوى الانتفاضة.
4)   وإذ هي تخشى من عواقب انتزاع السلطة دستوريا منها لما يمكن أن يحصل لها من حساب قضائي عسير وعادل، يدفعها الدخيل والمحتل الإيراني على البقاء في السلطة ويُنشط أتباعه في الميليشيات الطائفية المسلحة، ومنها ميليشيا الخراساني وبدر وعصائب أهل الباطل وغيرها لمزيد من القتل والاختطاف والتعذيب ومحاولة فرض التخلي عن الانتفاضة كما حصل مع السيدة الفاضلة مريم محمد بعد اعتقالها من قبل "جهة حكومية رسمية وغير رسمية مجهولة!".   
إن هذه الوثيقة الهزيلة، التي وقَّعت عليها الأحزاب والقوى المجتمعة، تهدف بشكل صارخ إلى التسويف وكسب الوقت والضحك على ذقون الناس، لن تمر على العراقيات والعراقيين المنتفضين المفتحين باللبن، مثل هذه الأساليب البالية كما يقول المثل الشعبي، فأعلن المتظاهرون النشامى بوعي ومسؤولية عالية عن رفضهم الكامل لهذه الوثيقة البائسة التي خطها لهم الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وطالبوا بإقالة رئيس الوزراء والحكومة كلها فوراً، دون قيد أو شرط، وتشكيل حكومة وطنية مستقلة تبدأ مباشرة بإجراء تغييرات جذرية في واقع العراق الراهن، وعلى وفق ما ورد في أهداف المتظاهرين، وأنهم سوف لن يعودوا إلى ديارهم قبل أن يرحل هؤلاء مطايا الحكم الإيراني أو أي متدخل أخر في شؤون العراق الداخلية وسياساته الخارجية. وقد أحرق المنتفضون هذه الوثيقة البائسة التي تعتبر لطخة عار في جبين من وقع عليها!
إن الوضع العام يتبلور وينضج صوب إعلان العصيان المدني من جانب الشارع العراقي والمدارس والكليات والجامعات والمعاهد ودوائر الدولة، إنه العلاج الشافي لإسقاط الحكومة العراقية الإرهابية الخارجة عن دستور وقوانين البلاد بامتياز بعد أن تصدت لمظاهرات وإضرابات واحتجاجات سلمية بالعنف المفرط وقتلت الكثير جداً من بنات وأبناء شعبنا المستباح بها وبالدخيل الخارجي.
إن ساحة التحرير في بغداد قادرة على رؤية وتشخيص وجهة تطور الأوضاع والمزاج الثوري المتصاعد لفئات المجتمع والقدرة الفعلية على إعلان العصيان المدني الذي يشل دفعة واحدة الدولة والحكومة بالكامل، باعتباره العلاج الشافي لإسقاط هذه الحكومة الباغية ورئيسها الراكع للأجنبي.
ويبدو لي إن أبرز مكاسب هذه الانتفاضة الشعبية العملاقة تتجلى في النقاط المهمة التالية:
1.   التخلص الروحي والنفسي من أدران السنوات المنصرمة التي تكرست في الدولة وفي المجتمع عبر خمسة عقود من هيمنة الدكتاتوريات القومية الشوفينية والطائفية السياسية والتمييز الديني والمذهبي والقومي والحروب والحصار والفكر الغيبي التخديري، وهي التي داست على كرامة الإنسان وقيمه الإنسانية وسرقت بدون حياء حقوقه وحرياته وحياته.
2.   نشوء وحدة وطنية خلاقة ومبدعة تتجلى في صفوف المتظاهرين والمتظاهرات من أتباع مختلف الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والسياسية العقلانية المتطلعة للتغيير.
3.   المشاركة الفاعلة والمنعشة للمرأة العراقية، التي خلعت بجرأة فائقة وبوعي ومسؤولية عالية عن كاهلها المثقل بالتقاليد والعادات البالية والدولة الذكورية والمدمرة لوحدة المجتمع والتقليص الحقيقي لدور المرأة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعامة، مع الرجل في مواجهة النظام السياسي الطائفي الفاسد والخانع للأجنبي ورفعت راية النضال عالياً لتحقيق التغيير الجذري المنشود في أوضاع العراق الراهنة والمطالبة باستعادة الوطن المستباح والمسلوب! إنها انتفاضة فكرية وسياسية ونفسية للمرأة العراقية مع أخيرها الرجل، وهي الظاهرة الأكثر أهمية في حركة المجتمع الجارية لإسقاط الحكومة الدموية لعادل عبد المهدي والطغمة الحاكمة.
4.   حررت هذه الانتفاضة الشبابية نسبة عالية من شبيبة العراق وفئات واسعة من الشعب من الفكر الظلامي السائد لتنطلق في رحاب الفكر الحر والديمقراطي الإنساني المسؤول عن بناء الدولة العراقية الحديثة والمجتمع المدني الديمقراطي، حيث تكون السلطات الثلاث بيد الشعب وممثليه الحقيقيين الذين ينتخبون على وفق دستور ديمقراطي علماني وقانون انتخابات ديمقراطي عادل وحديث، وبناء مجتمع مدني ديمقراطي يعي أهدافه ومصالحه وينفذ إرادته الحرة ويحمي استقلال وسيادة البلاد.
5.   والانتفاضة الجارية تسعى إلى إعادة النظر الكاملة لا بالقوانين المناهضة للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب والعدالة الاجتماعية التي وضعت خلال العقود الخمسة المنصرمة وتسويق الفساد فحسب، بل ويعمل من أجل رفض التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وتكريس النظام الفيدرالي، وإعادة النظر بأسس العلاقات الخارجية للعراق، سواء أكانت مع دول الجوار والمنطقة، أم مع المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي، والاحترام والمنفعة المتبادلتين والأمن والسلام على الصعيد العالمي.
6.   إن في مقدور الانتفاضة وواجبها أن تفتح الأبواب مشرعة أمام عملية تنمية اقتصادية والاجتماعية مستدامة وعقلانية، لاسيما التوجه صوب التصنيع وتحديث الزراعية وحماية البيئة في آن واحد، والاستفادة القصوى من الثروة الوطنية في تطوير الاقتصاد والمجتمع وتوفير أقصى ما يمكن من فرص العمل في القطاعات الإنتاجية والخدمية للشبيبة وإغناء الثروة الاجتماعية وممارسة العدالة في توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي. 
من المفيد والضروري جداً أن ينهض المنتفضون بمهمة جوهرية، بجوار التظاهر اليومي والتعبئة المستمرة لفئات المجتمع العراقي للتغيير، هي الإقدام على تشكل لجان اختصاص من الكفاءات العراقية المتوفرة في مؤسسات الدولة والجامعات والكليات ومن ذوي الخبرات المهمة في مختلف المجالات وممن هم خارج الخدمة لأي سبب كان، والمقترحات المقدمة من عدد غير قليل من الكتاب والمهتمين، لوضع مسودات لعدد من المسائل الجوهرية التي يمكن تقديمها للحكومة المؤقتة التي ستشكل قطعاً بعد إقالة هذه الحكومة الدموية، لتستفيد منها في وضع المقترحات التي تقدم لإقرارها لاحقاً، لاسيما قانون الانتخابات، وقانون المفوضية المستقلة للانتخابات، وقانون الأحزاب، وقانون منظمات المجتمع المدني، وقانون الإعلام والصحافة، وقانون مجلس الخدمة المدنية ... الخ. إضافة إلى وضع تعديلات أساسية للدستور التي تزيل عنه طابع حمال أوجه أو التناقضات في مواده وفقراته ومنع تأسيس أحزاب على أساس ديني أو طائفي...الخ.     
لنعمل جميعاً من أجل انتصار الانتفاضة والتحول صوب الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي، وليس إلى دولة مستبدة ودكتاتور جديد، كما يتوقع البعض ممن يشكك بهذه الانتفاضة وأهدافها والقوى الفاعلة فيها من الكتاب والمحللين السياسيين، والتي لا تخلو كل انتفاضة أو ثورة من قوى دخيلة تحاول سرقة الثورة وأهدافها من خلال ركوب الموجة. وهو ما يفترض أن ننتبه له وأن نعي التجارب التي عاشتها مصر الشقيقة أو ليبيا أو غيرها من الدول. إن الشبيبة المقدامة التي تتصدى اليوم، وبهذا الزخم الثوري الهائل للحكم البربري، قادرة بوعيها الجديد على منع صعود عناصر وقوى انتهازية على أكتافهم إلى قيادة الدولة والسلطة التنفيذية، إنهم صمام أمان لمستقبل العراق المشرق الذي يطمح له الشعب العراقي بكل قومياته واتباع دياناته واتجاهاته الفكرية والسياسية العقلانية.       

43
كاظم حبيب
حوارارت ونقاشات موضوعية مطلوبة مع المحافظات غير المنتفضة
منذ الأول من تشرين الأول/اكتوبر 2019 تتظاهر شبيبة وسكان محافظات بغداد وبقية محافظات الوسط والجنوب ضد النظام السياسي الطائفي الفاسد والفاشل باعتراف نخبه السياسية الحاكمة التي سجلت أرقاماً قياسية دولية في الفساد المالي والإداري والديني، وباعتراف المرجعية التي لا تزال تحمي وتساوم هذا النظام السياسي الدموي.
وعلى أهمية وعظمة هذه الانتفاضة الشعبية وصمودها وإصرارها على تحقيق النصر وتقديمها أغلى التضحيات البشرية من القتلة والجرح والمعوقين والمعتقلين والمختطفين والمغدورين الشباب، فأن جزءاً عزيزا من أبناء وبنات شعبنا بقومياته العديدة لا يزال بعيداً عن المشاركة الفعلية، باعتباره جزءاً عضوياً من هذا الشعب المتعدد القوميات، المؤثرة في مجرى ومسيرة هذه الانتفاضة، إذ لا يكفي التأييد الشعبي الشفاهي أو الكتابي الحار، بل المطلوب مشاركة شعبية جادة ومسؤولة في الانتفاضة، لكي يفرض المجتمع، كل المجتمع العقلاني غير الفاسد، على نظام الحكم في العاصمة بغداد الخضوع المباشر لإرادة الشعب وتقديم الاستقالة الفورية، لكي يبدأ السير صوب التغيير الديمقراطي المنشود.
لا شك يعرف الكثير منا العوامل المتباينة والفاعلة التي أعاقت حتى الآن مشاركة الشبيبة وسكان عدد من المحافظات العراقية، سواء أكانت في غرب العراق ونينوى، أم في إقليم كردستان. ولكن هذه العوامل بالذات تفرض على ثوار بغداد والوسط والجنوب تشكيل وفٍد يبدأ بخوض حوارات ونقاشات جدية ومسؤولة مع الشبيبة مع القوى والأحزاب والجماهير في تلك المحافظات. فسكان هذه المحافظات يشكلون أجزاء من المعاناة العراقية التي عمرها أكثر من خمسة عقود، لاسيما الأعوام ال 16 الأخيرة، حيث ورث النظام الطائفي الجديد والفاسد ارث نظام دكتاتوري مطلق حقير، نظام عسكري توسعي ودموي، ليضيف عليه المزيد من الشمولية الفكرية والسياسية والفساد والتمييز الديني والطائفي والخضوع للدولة جارة هي إيران. وبالتالي فأن الخراب العراقي هو عام وشامل ونتيجة منطقية لسياسات هذا النظام الداخلية والخارجية. لم يقتصر نضال الشعب العراقي يوما على جزء أو قومية واحدة منه، وسكوت بقية الأجزاء أو القوميات الأخرى. ولهذا فأن ما يحصل اليوم له أسبابه التي لا بد من العمل على إزالتها. هناك خشية غير مبررة، على حسب قناعاتي، مفادها، إن هناك من يسعى لإلغاء النظام الفيدرالي في العراق، والتي تجلت في موقف الحكومة ومواقف بعض المثقفين الذين عبروا عنها بمقالات أو تعليقات. أو بسبب ضغوط من قبل الميليشيات الطائفية الشيعية المسلحة المهيمنة على المحافظات الغربية ونينوى والتي تمنع شبيبتها من المشاركة في الانتفاضة.
من هنا اقدم مقترحي بتشكيل وفد من ثوار ساحة التحرير لزيارة المحافظات الغربية ونينوى وإقليم كردستان أو اللقاء بوفود منها في بغداد لمناقشة العوامل المعرقلة للوحدة النضالية المنشودة للشعب العراقي بكل قومياته العربية والكردية واتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية. السياسية العقلانية. علينا أن لا نستهين بهذه المسألة، اذ يعول النظام الطائفي الفاسد والعدواني على غياب الوحدة النضالية الراهنة في استنزاف قوى الانتفاضة وإضعافها عبر كسب المزيد من الوقت الذي منحته لها قواها الذاتية الفاسدة التي اجتمعت في بيت عمار الحكيم، والمرجعية الدينية التي تطرح خطبة كل يوم جمعة لتغيب اسبوعا كاملاً عن الساحة يَقتل النظام فيه المزيد من الشبيبة المنتفضة وجرح وتعويق المئات منهم أو اختطافهم ورض التخلي عن المشاركة في الانتفاضة بتوقيع تعهدات خطية مماثلة لما كان يفعله النظام البعثي الدكتاتوري مع معتقلي الرأي الآخر.
الانتفاضة الشعبية في سباق مع الزمن، وعلى المنتفضين تقع مهمة حلحلة جميع المعضلات التي تقف حائلاً في وجه جعل الانتفاضة عامة وشاملة لكل اجزاء الدولة العراقية، لكل المحافظات، لكل بنات وأبناء الوطن المستباح بالطائفية والفساد. أملي ان يناقش المنتفضون هذا المقترح بكل موضوعية وشفافية بأمل وهدف تحقيق الانتصار السريع لانتفاضة الشبيبة والشعب المقدامة، بإسقاط الدكتاتورية الدموية الجديدة وإنهاء سيطرة القوى الظلامية على الدولة بسلطاتها الثلاث.
 




44
كاظم حبيب
صراع بين الشبيبة المتعطشة للحرية والعمل والحكم الرث والفاسد!
نشهد يومياً جمهرة ممن يُطلق عليهم بـ "المثقفين!" وهم في جهالة، لا يستفيدون من ثقافتهم وعاجزون عن استخدامها بوعي وإدراك لمغزى الأحداث الجارية وتحليلها واستخلاص النتائج منها. وهناك من يُطلق عليهم بـ "الأميين!"، وهم ليسوا في جهالة، من أبناء وبنات الشعب الذين يستفيدون من معارفهم وخبراتهم الشعبية على أفضل وجه لرؤية ووعي وتحليل الاحداث واتخاذ المواقف المناسبة بشأنها!  ك. ح.
السؤال الذي يدور في بال الكثير من الناس: هل التحول الثوري الجاري في موقف الشبيبة العراقية جاء صدفة محضة، أم إنه عملية سيرورة وصيرورة ثورية مديدة ومعقدة، تفاعلت فيها عوامل سياسية واقتصادية _ اجتماعية وثقافية، إضافة إلى العيش في بيئة ملوثة أتت على الكثير من الولادات الجديدة أو شوهت أجسامهم وموت الكثير من كبار السن والعجزة وبروز واسع النطاق لأمراض سرطانية عند الأطفال؟ وهل التحول الثوري كان مفاجأة استثنائية، أم إنه التجسيد الواقعي والموضوعي لتراكم شديد وطويل الأمد لتلك العوامل المتفاعلة وتحولها في لحظة تاريخية استثنائية من حياة المجتمع، والشبيبة على وجه الخصوص، إلى حالة نوعية جديدة تقلب موازين القوى وتغير الكثير من العلاقات والأفعال، إذ ينشأ عنها وضع نفسي ومزاج ثوري جديد وروح خلاقة متميزة تختلف تماماً وكلية عما ساد قبل تلك اللحظة الاستثنائية في صفوف الشبيبة؟
في كتاب قيَّم بعنوان "الرثاثة في العراق إطلالة دولة.. رماد مجتمع"، صدر في عام 2015 ساهم في إنجاز دراساته الكثير من المثقفات والمثقفين العراقيين وتحرير السيد الدكتور فارس كمال نظمي، تضمنت تحليلات ومضامين الدراسات جملة من الإضاءات التي كانت تؤشر بوضوح إلى ما يمكن أن يحصل لمجتمع في دولة رجعية مشوهة ورثة، تقودها نخب اجتماعية فاسدة ومستهترة بكل القيم والمعايير الإنسانية وذات أيديولوجية دينية وطائفية شمولية تتسم بالرثاثة والشراسة والعدوانية والإقصائية.
لم يكن في بال النخب الحاكمة في السلطات الثلاث سوى مسألة واحدة ورئيسية لها هي: كيف يمكنها البقاء في السلطة لتتصرف بشكل مطلق بالحكم والموارد المالية والثروة الخامية، دون أن تكلف نفسها جهد بناء دولة ديمقراطية عقلانية تولي اهتمامها الأول لبناء مؤسسات الدولة الحديثة ورعاية المجتمع والاقتصاد الوطني والثقافة والبيئة، وتوفر الخدمات العامة والأساسية للمجتمع، باعتبارها جزءاً مباشراً من مهمات الدولة. كما لم تلحظ هذه النخب بأن المجتمع العراقي ينمو بسرعة وبمعدلات عالية سكانياً، إذ يدخل سنوياً المزيد من القوى العاملة الجديدة في خانة القوى القادرة على العمل، في وقت هي عاجزة عن إيجاد فرص للتراكم المتفاقم في عدد العاطلين من السنوات السابقة، سواء أكانوا من خريجي مختلف المراحل الدراسية، أم ممن لم يتسن لهم التعلم أساساً، بسب إهمالها الفعلي لعملية التنمية الاقتصادية، الصناعية منها والزراعية، وإقامة مشاريع الخدمات الإنتاجية والعامة بما يمكنها من تشغيل تلك الأيدي العاملة العاطلة المتراكمة. وتوجهت إلى توظيف الكثير من الناس في دوائر الدولة والخدمة العسكرية بحيث أشبعت ولم يعد في مقدورها توظيف آخرين. كما إن إهمالها للقطاعات الإنتاجية اقترن بتوجهها صوب استيراد السلع والخدمات، ومنها الكهرباء والغاز والمحروقات، من الدول المجاورة، لاسيما إيران وتركيا، التي كانت توفر للنخب الحاكمة والسماسرة الكثير الامتيازات المالية والسحت الحرام.
لقد عاشت الشبيبة العراقية التي يتراوح عمرها بين 30-50 سنة حالياً ظروفاً غاية في التعقيد، منها الاستبدادي الفاشي والحروب الداخلية والحروب الخارجية والحصار الاقتصادي والآم الحرمان وتفاقم أعداد اليتامى والأرامل والفقراء والبطالة الواسعة وتراجع عملية التنمية والخدمات العامة بسبب الحروب والحصار واستبداد النخبة البعثية. وبالتالي كان الوضع النفسي والاجتماعي في تأزم شديد وخانق، ولم تكن انتفاضة 1991 سوى التعبير الصعب عن الحالة النفسية والاجتماعية التي يعيش تحت وطأتها الإنسان العراقي. وحين حل العام 2003 كان العراق قد خسر أكثر من مليون ونصف المليون إنسان بين قتيل وجريح ومعوق وأسير لدى إيران. وكان في كل بيت عراقي عزاء وألم وجراح نفسية نازفة. ومن هنا جاء التهليل لإسقاط الدكتاتورية عبر الحرب الخارجية حين أعلنت أغلب القوى السياسية المعارضة في الخارج عجزها عن إسقاط الدكتاتورية البعثية ورغبتها في أخذ الولايات المتحدة على عاتقها إنجاز تلك المهمة، وكان هذا الموقف استسلاماً أمام قوى دولية كانت بالأساس راغبة في الحرب وساعية إليها بكل السبل. كانت الجماهير الواسعة راغبة في الخلاص من ذلك الواقع المرير لتتنفس نسيم الحرية والحياة الديمقراطية والعيش بكرامة. لم أتوقع بأي حال إن في مقدور الحرب الخارجية، ومن دول ذات أطماع بموارد العراق وموقعه الجيوسياسي، أن توفر للعراق حياة كريمة ودولة ديمقراطية وحكماً عقلانياً رشيداً، تجلى في دراساتي ومحاضراتي قبل حرب عام 2003. ولم أكن وحدي في هذا الموقف بل كان هذا موقف القليل من القوى، ومنها الحزب الشيوعي العراقي وشخصيات ديمقراطية أخرى. وقد حصل ما توقعناه سلفاً.
لقد أعلن عن احتلال العراق من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا رسمياً، ونصّب على البلاد حاكم أمريكي، أودع السلطة بيد القوى والأحزاب الدينية الطائفية بمساومة عجيبة بين دولتين متصارعتين هما الولايات المتحدة المحتلة للعراق، وإيران الدولة الراغبة في احتلاله وتحويله إلى جزء من الإمبراطورية الفارسية في منطقة الشرق الأوسط وبأهداف توسعية على منطقة الخليج (اسمه الأقدم خليج البصرة) والشرق الأوسط. كما اتفق المحتلون بمساومة أخرى مع المرجعية الدينية الشيعية على هذا الحل الطائفي الأثني، وعلى إنجاز انتخابات مبكرة وإقرار دستور عاجل، دستور يضمن استمرار هذه القوى الحاكمة في السلطة. لقد كان المجتمع قد خرج لتوه من حكم دكتاتوري فاشي مرير وأوضاع نفسية معقدة وضياع حقيقي، وكان الناس وكأنهم قد عاشوا في كهوف ومغارات بعيداً عن الحضارة وحركة الزمن وسقطوا في الغيبيات والخرافات وتزييف الدين والتأثير المباشر لشيوخ الدين من المذهبين الشيعي والسني بين الحنبلية المتطرفة (الوهابية) والحنفية والشعور القومي اليميني.
لقد كان لكل ذلك تأثيره على مجرى الانتخابات النيابية ومجالس المحافظات التي حضت بتأييد من شيوخ الدين والتزييف وشراء أصوات الناخبين الفقراء والمعوزين، مما أوجد مجالس نيابية اتحادية ومجالس محافظات بعيدة كل البعد عن الديمقراطية والحياة المدنية والنزاهة والالتزام بمصالح الشعب.
وعلى المدى الأعوام الفائتة قامت النخب الحاكمة بكل ما يمكن القيام به من خلق دولة عميقة مشرفة على الدولة الهشة القائمة، ومن قوى مسلحة أكثر تسلحاً وعدداً من القوات المسلحة العراقية وأكثر دعماً من جانب القوى الحاكمة والدولة الإيرانية، وممارسة كل الموبقات من نهب لخيرات وموارد العراق المالية وتفريط بها، وشراء الذمم والضمائر والسمسرة الرخيصة. وقد كتب الزميل الدكتور فارس كمال نظمي في مقال له بعنوان ثورة تشرين والصحة النفسية السياسية في العراق: تعافي المجتمع واعتلال السلطة" نشر بتاريخ 16/11/2019 في جريدة المدى، جاء فيه بشأن النخب الحاكمة في البلاد ما يلي: 
"أما اليوم، فيمكن الحديث عن مفاهيم إضافية تخص الاعتلال النفسي المزمن للسلطة إذ أفرزت الزعامات السياسية العراقية الرسمية تحديداً، بأدائها الفاشل في التعامل مع الأزمة الحالية، ثلاثة مفاهيم– ليست جديدة في الأدبيات العالمية- يمكن إضافتها بثقة إلى القاموس النفسي- السياسي لتاريخ السلطة في العراق، بما قد يحفّز بعض الباحثين لمقاربة هذه المفاهيم نظرياً وميدانياً واستنطاق مضامينها ووظائفها في الجسم السياسي العراقي، وهي: "الخرف السياسي"، و"النرجسية السياسية"، و"السمسرة السياسية".وعند دمج هذه المصطلحات الثلاثة في إطار مفاهيمي أوسع، قد يمكن الحصول على أنموذج سياسي أكثر شمولاً وتجريداً هو "التفاهة السياسية"، يستحق التمحيص والكشف عن محركاته ومساراته وعواقبه ومآلاته".
إلا إني شعرت عبر متابعة مستمرة لسلوكيات هذه الحكومات المتعاقبة وجدت لزاماً إضافة مصطلح رابع ومهم جداً للتفاهة السياسية هو السادية السياسية التي تميز بها هذا العهد الطائفي الفاسد، والذي يتجلى بوضوح منذ اليوم الأول من انتفاضة الشباب العراقي في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 ومستمرة حتى الآن وستبقى مستمرة حتى إسقاط النظام السياسي الطائفي الفاسد.
لقد كانت الدولة في العراق بسلطاتها الثلاث، ومنذ قيامها على أسس طائفية ومحاصصة مقيتة حتى الآن، معتلة من حيث الأيديولوجيا والنظام السياسي والسياسات الجائرة والفاسدة، والمشوهة لإرادة الشعب والمتجاوزة على مصالحه. وإذا كانت الشبيبة الملتاعة من النظام الدكتاتوري السابق قد اعتقدت بأنها ستجد في الجديد ما ينقذها من إرث العقود السابقة، صدمت بواقع آخر يتماهى الوضع الجديد وإلى حدود بعيدة من حيث الجوهر مع اعتلال السلطة السابقة والتفاهة السياسية للحكام البعثيين. ومع مرور الوقت تبلور ونضج وعي الشبيبة فكراً وممارسة وخبرة، وأدرك المستنقع الذي انزلق إليه العراق على ايدي النخب السياسية الفاسدة الحاكمة، فانتفض ليعلن رفضه الكامل لما يجري في العراق وللطغمة الحاكمة التي أوصلت البلاد إلى هذا الحضيض. ولم يكن متوقعاً من السلطات الثلاث في الدولة المشوهة غير الذي مارسته، إذ عمدت إلى استخدام العنف المفرط والقتل المباشر للشبيبة المنتفضة، وهي بهذا خطت بيدها نهايتها المرتقبة، أن تكون نزيلة مزبلة التاريخ، لينهض العراق من جديد ويتعافى ويتطهر شعبه من رجس الحكومات ورثاثتها. وسيجد المثقفون الذين يدافعون عن هذا النظام العار أنفسهم في موقع لا يبتعد كثيراً عن مزبلة التاريخ بل في قعرها.



45
كاظم حبيب
هل يجرأ القضاء والادعاء العام في العراق على إقامة الدعوى ضد نوري المالكي؟
قدم السيدان المحامي كامل الحساني والقاضي السابق رحيم حسن العگيلي دعوى قضائية ضد رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة العراقية الأسبق نوري المالكي موجهين له 38 تهمة خطيرة بضمنها تهمة الخيانة العظمى. (راجع: نص الدعوى القضائية بتاريخ 25/01/2015.). لم يبدِ القضاء العراقي والادعاء العام أي اهتمام جدي ومسؤولية وطنية في الموقف من هذه التهم. كما وجهت من جانبي اتهامات خطيرة لنوري المالكي أكثر من مرة، وأخر مرة وجهت شكوى إلى الادعاء العام بتاريخ 24/10/2018 (شكوى ضد نوري كامل المالكي، رئيس وزراء العراق السابق، موجهة إلى رئيس الادعاء العام في العراق" (راجع: الحوار المتمدن، 24/10/2018). إلا إن القضاء العراقي، ومعه الادعاء العام، لم يبديا أي اهتمام مسؤول إزاء هذه التهم الخطيرة، التي حكمها إن ثبتت عليها أكثر من حكم إعدام على حسب القوانين العراقية السارية حالياً.
أجري مجلس النواب العراقي تحت ضغط الشارع العراقي تحقيقا حول اجتياح الموصل وانسحاب القوات العراقية أمام زحف مجموعة صغيرة من عصابات داعش الإرهابية وتسببت بوقوع كوارث ومآسي وإبادة جماعية على وفق اعتراف الأمم المتحدة بذلك، إضافة الى المجزرة التي نفذها الإرهابيون الدواعش ضد المجندين في القاعدة العسكرية سپايكر. "دعت اللجنة البرلمانية في تقريرها النهائي إلى محاكمة مسؤولين أمنيين وسياسيين كبار بينهم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي والقائم بأعمال وزير الدفاع السابق ومحافظ نينوى وقائد شرطتها، فيما يتصل بسقوط مدينة الموصل في يد تنظيم داعش." (راجع: لجنة برلمانية تُحمّل المالكي مسؤولية سقوط الموصل، دويتشة فيلله، عن رويترز، في 16/08/2015). ولم يرى الشعب ملف التحقيق نهائياً بعد أن وضع في أدراج مجلس النواب. ولا شك في ان رئيس الجمهورية والحكومة والقضاء العراقي قد تسلما نسخاً من ملف التحقيق، ولكن أياً منهم لم يرفع دعوى قضائية ضد المالكي والطغمة التي حكمت العراق معه حينذاك، بل أصبح نائباً لرئيس الجمهورية. وعلينا أن نلاحظ بأن كل المتهمين ما زالوا يمارسون أدواراً مختلفة في حياة الدولة العراقية، مع إن تلك الكوارث والمآسي المريعة لا زال أبناء وبنات شعبنا من الإيزيديين يعانون منها، إضافة إلى النزوح والهجرة الجماعية المليونية لسكان الموصل وعموم نينوى من مسيحيين وشبك وتركمان، وكذلك ما حصل في عام 2011 في محافظات الأنبار وصلاح الدين وديالى وكركوك. وبهذا الصدد لم يحرك مجلس القضاء الأعلى في العراق ساكناً، إذ ترأسه القاضي مدحت المحمود حينذاك، وهو نفس القاضي المتنفذ في فترة حكم صدام حسين، ورئيس المحكمة الاتحادية حالياً. وحتى اليوم لم يتخذ القضاء العراقي ولا الادعاء العام أي اجراء قضائي ضروري في التعامل المطلوب والمستقل مع هذه القضايا الكبيرة والخطيرة التي هزت العراق كله وزلزلت المنطقة بأسرها.
وإذا كنا من المتابعين لأوضاع العراق، لشخصنا حقيقة أن البلاد قد خسرت، في ظل اربع حكومات متتالية قادها أربعة من حزب الدعوة الإسلامية وبتحالف مع قوى وأحزاب إسلامية شيعية أخرى وأحزاب سنية وأحزاب كردية، برئاسة كل من إبراهيم الإشيقر الجعفري (2005-2006)، ونوري المالكي (2006-2014)، وحيدر العبادي (2014-2018)، وعادل عبد المهدي 2018 وإلى الآن، مئات المليارات من الدولارات الأمريكية، (بلغ دخل العراق خلال الفترة الواقعة بين 2004-2018 ما يقرب من 1000 مليار دولار أمريكي، سواء تم ذلك عبر الفساد بالنهب المباشر السائد كنظام فاعل في البلاد، أم عبر التفريط والتصرف غير العقلاني بموارد خزينة الدولة، إضافة إلى غياب العدالة الاجتماعية في توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي في 16 سنة الفائتة، وكذلك عبر الرواتب والمخصصات والحمايات والامتيازات السخية غير المعهودة لكبار موظفي الدولة في السلطات الثلاث، ابتداءً من رئيس الجمهورية ونائبيه ومستشاريه، ومروراً برئيس الوزراء ونوابه والوزراء وجمهرة المستشارين، ورئيس مجلس النواب ونائبيه و329 نائباً ومخصصاتهم وحماياتهم، ومجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية وانتهاءً بكبار المستشارين والهيئات والمفوضيات المستقلة ... إلخ.
السؤال العادل والمشروع في كل ما حفل به العراق من خراب ودمار ومجازر وفساد وتمزيق للوحدة الوطنية عبر الطائفية والتمييز الديني والمذهبي وعبر التبعية للخارج هو: هل تحرك القضاء العراقي والادعاء العام لمتابعة كل ذلك، لاسيما فساد كبار موظفي الدولة ومنهم رؤساء الوزارات الأربعة والوزراء السابقين والحاليين على مستوى العراق كله؟ كلا لم يفعل شيئاً وخيب آمال العراق كما فعلت السلطتان التنفيذية والتشريعية.
ان القضاء العراقي والادعاء العام لم يبرهن على استقلاليته عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، بل تشير الدلائل المتوفرة على مدى الفترة المنصرمة إلى عكس ذلك تماماً، فيما عدا قضايا صغيرة غير مؤثرة على وضع النخب الحاكمة الطائفية والفاسد وعلى تنقية أوضاع البلاد بمساعدة القضاء. واليوم يمارس الحكم اعتقالات واسعة خارج القانون ولم يتحرك القضاء والادعاء العام ضد هذه الممارسات، لاسيما قتل أكثر من 320 متظاهر وجرح وتعويق أكثر من 16 ألف متظاهر، وكذلك الموقف من قطع الانترنيت ومن ملاحقة الإعلاميين والإعلاميات واعتقالهم ومنعهم من ممارسة دورهم الإعلامي.
أيها القضاة، إن الانتفاضة الشعبية العارمة الجارية ستحاسب هذي المؤسسة القضائية والقضاة محاسبة حازمة وصارمة وعادلة عبر القضاء ذاته، ولكن بوجود قضاة مستقلين يحترمون كرامتهم ومهنتهم والقسم الذي أدوه في حماية الدستور والحكم بالعدل. لقد فوت القضاء الحالي الفرصة على الشعب في محاسبة ممزقي وحدته وسارقي موارد الدولة ولقمة عيش الكادحين من جانب الحكام والنواب ومن سرق المال العام. لقد كنتم من بين السلطات الثلاث من أبرز العوامل مما وصل إليه العراق المستباح حالياً من داخل العراق ومن الخارج لاسيما إيران.
أتحدى القضاء العراقي والادعاء العام إن كانا يجرأن الآن على رفع دعوى قضائية ضد رؤساء الوزارات الأربعة الانفي الذكر لكل ما تسببوا به من تجاوزات وانتهاكات فظة للدستور العراقي وقوانين البلاد والقيم النبيلة والمعايير الحضارية في المجتمعات البشرية. ان لدى القضاء العراقي والادعاء العام الكثير من الوثائق التي في مقدوره تهيئتها لإقامة الدعاوى القضائية على هؤلاء الأربعة وغيرهم ابتداءً لكي نرى كيف تجري الأمور معهم ومع غيرهم من الفاسدين وسيجد القضاء والادعاء العام التأييد الكامل من بنات وأبناء الشعب المجروح والمستباح بالطائفية والفساد. لنرى كيف يتصرف وكيف يحترم القضاء نفسه إن أراد لزوما الاستقلالية والدفاع عن مصالح الشعب واستقلال وسيادة الوطن، لنرى كيف يبرهن على استقلالية السلطة القضائية، أم لا تزال خاضعةً للسلطة التنفيذية، ومنها رئاسة الجمهورية، والسلطة التشريعية!



46

كاظم حبيب
عادل عبد المهدي الفاشوش ابو ريش المنفوش
المظاهرات والاعتصامات والاقتراب من العصيان المدني تعم البلاد. فالإضرابات تتسع لتشمل فئات اجتماعية جديدة وتنظم إليها مهناً جديدة، إضافة إلى شمولها الطلبة والمعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات والكليات والمعاهد والمدارس الثانوية والمتوسطة والابتدائية. الإضرابات والمظاهرات والتجمعات والتعبير عن الرأي حقوق مشروعة يضمنها الدستور بالمادة 38 الواضحة والصريحة، وهي التي تسقط أية قوانين صادرة قبل ذاك تتضمن تحريماً للإضراب أو التظاهر أو الاعتصام أو العصيان المدني، بما فيها ما صدر في عهد المستبد بأمره والحاكم باسم الاحتلال الأمريكي بول بريمر الذي منع الإضرابات. ولكن حاكم العراق القراقوش الجديد أصدر أمراً أميرياً عبر الناطق الرسمي باسم وزيري التربية والتعليم العالي بأن إضراب المدارس وغيرها ومن يدعو لها يحاكم وفق المادة الثانية، 4 إرهاب! فما هو نص هذه الفقرة 4 من المادة 2 من قانون مكافحة الإرهاب لعام 2005؟  الفقرة تنص على "العمل بالعنف والتهديد على اثارة فتنة طائفية او حرب اهلية او اقتتال طائفي وذلك بتسليح المواطنين او حملهم على تسليح بعضهم بعضا وبالتحريض او التمويل." فهل إضراب الطلبة والمعلمين وغيرهم السلمي يتماشى مع منطوق هذه الفقرة من قانون مكافحة الإرهاب؟ كلا وألف لا، بل يتماشى مع استخدام السلطة للعنف ضد المتظاهرين. فهل يا أبناء وبنات شعبنا، بعد كل هذا وذاك، يخطئ من يقول بان الشعب العراقي يعيش تحت حكم قراقوشي فاشوشي فاشل تتعارض أوامره مع نص الدستور العراقي الذي، كما يبدو، لم يطلع عليه ولم يعرف بأن هذا القانون التظاهرات والإضرابات أبطله الدستور منذ صدوره عام 2005! أليس من واجب المحاكم العراقية محاكمة قادة الدولة العراقية منذ عام 2003 حتى الآن على وفق المادة 4 إرهاب، بسبب ممارسة الدول إرهابها الشرس والقاتل ضد الشعب المطالب بحقوقه المشروعة.
ذكرني هذا القراقوش الجديد أبو ريش المهلوس بقراقوش قديم كان وزيراً في عهد صلاح الدين الأيوني بمصر، إنه أبو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدي الملقب بهاء الدين قراقوش (ت 597 هجرية). تميزت احكام وأوامر هذا الوزير بالظلم والجبروت والقسوة على الرعية وكان شديد التقلبات وفاشل في تطبيق أحكامه وأوامره. فحصد نتيجة سياساته كراهية الناس وأصبح اسمه التركي قراقوش، الذي يعني "النسر الأسود"، بمثابة شتيمة ضد كل حاكم ظالم وفاشل في حكمه وأحكامه. وكان في عهد صلاح الدين شخصية أخرى هو المؤرخ اسمه الأسعد ابن مماتي (1149-1211م) أصدر في حينه كتابا بعنوان "الفاشوش في حكم قراقوش" عبر فيه عن طبيعة وسلوكيات هذا الحاكم الفاشل والفاشوشي الذي يصدر أحكاماً وأوامر يعجز عن تنفيذها، ويعبر بذلك عن غباءٍ شديد في التعامل مع المجتمع. وقد اعتاد الشعب أن يطلق صفة قراقوش على كل حاكم ظالم وجبان وفاشل في حكمه. جاء في موقع المعرفة عن هذا الكتاب وعن شخصية الكتاب الآتي: "ينتمي كتاب الفاشوش في حكم قراقوش إلى أدب الفكاهة والسخرية والهجاء ويمثل بحق أسلوباً فنياً بارعاً في تصوير الغرابة والشذوذ وإحداث المفارقة. وهذا الكتاب الذي أضحك أجيالاً ولازال يضحكنا، كتبه صاحبه باللغة العامية المصرية، ووصل به إلى أعرض الجماهير حتى صار قراقوش في المخيلة الجماعية للشعب مثالاً لكل حاكم أخرق ينحرف عن طريق العقل والمنطق في سلوكه وتصرفاته". (المصدر: معرفة، الأسعد بن المهذب بن مينا بن زكريا بن مماتي، أخذ المقطع بتاريخ 19/11/2019).
في هذا العهد الجديد، في الجمهورية الطائفية الخامسة الفاسدة ظهر أكثر من قراقوش واحد، فقد انجبت الأحزاب الإسلامية السياسية، شيعية كانت أم سنية، مئات من الحكام القراقوشيين الذين حكموا العراق منذ نيف و16 عاماً كانت مليئة بالخراب والدمار والموت والجوع والحرمان ونهب خيرات البلد وإصدار الكثير من مقترحات قوانين قراقوشية، مثل قانون الأحوال الشخصية الجعفري أو قانون الانتخابات المعمول به حالياً أو قانون تشكيل المفوضية المستقلة للانتخابات ... أو قانون الأحزاب ... إلخ. وترأس هؤلاء القراقوشيون رئاسة الدولة ورئاسة وغالبية أعضاء مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء وغالبية الوزراء. وإذا كان البعض منهم ذكياً فقد وظف ذكاؤه للتخريب والفساد والإفساد بشراء الذمم والضمائر، كما هو حصل منذ العام 2005 حتى الآن في السلطات الثلاث. أما رئيس الوزراء الحالي والقائد العام للقوات المسلحة فينطبق عليه عنوان كتاب "الفاشوش في حكم القراقوش". فهذا الرجل لا يتسم بالغباء الشديد وبالتقلبات الفكرية والسياسية الكثيرة والانتهازية الكارثية وحب المال فحسب، بل وبروح عدوانية ودم بارد ازاء من يقتل من المتظاهرين على وفق القرارات الصادرة عنه وازدراء للمجتمع. فهذا القراقوش الجديد أقسم على تشكيل حكومة كفاءات غير محاصصية وسينفذ إصلاحات يطالب بها الشعب منذ سنوات كثيرة وأنه سيكافح الفساد في البلاد ويقدم الفاسدين الكبار إلى المحاكم، وأنه سيقيم علاقات متوازنة مع دول الجوار وبقية دول العالم. ولكن ماذا حصل؟ ظهر ليس في كونه حاكماً فاشلاً فحسب، بل وتعمقت في فترة حكمه القصيرة المحاصصة الطائفية وكل سيئات من سبقه من حكام الأحزاب الإسلامية السياسية وفاق على بعضهم في إصدار الأوامر باستخدام العنف والرصاص الحي وقنابل الغاز القاتل وقنابل الصوت مما أدى إلى استشهاد المئات من المواطنين المتظاهرين وإلى جرح وتعويق أكثر من 16 ألف عراقي، وهو لا يزال مصراً على البقاء في الحكم كحاكم قراقوشي فاشوشي وفاشل. لق وجد خازوق الحكم نافعاً له. وأسوأ تلك السياسات اشتداد تبعية العراق لإيران ووليها الفقيه الدكتاتور وممثله الشخصي الجنرال قاسم سليماني، كما تفاقم دور الميليشيات الطائفية المسلحة المؤتمرة بأمر قاسم سليماني ومن جاء معه أو من العراقيين الخاضعين لقراراته. كما اتسع الفساد وتراجعت الخدمات العامة وتعطلت عملية التنمية كلية وأوقف استخدام الانترنيت لتجنب استمرار الاتصالات بين المتظاهرين، وهي جريمة بشعة يعاقب عليها القانون الدولي والدستور العراقي.
لقد صبر الشعب طويلا على ظلم النظام الطائفي والمحاصصي والفاسد والتابع. ولكن ضاق صدر الشبيبة حين تفاقم نهب الخيرات واتسعت ضائقة الناس وعمت البطالة بنسب عالية بين شبيبة العراق، فانفجرت الانتفاضة الشبابية بزخم لا مثيل له في العراق منذ عقود. فما كان من هذا الحاكم الفاسد القراقوشي غير استخدام إرهاب الدولة في مواجهة المنتفضين، وكان يظهر من على شاشة التلفزة، وهو يبتسم أو يضحك ويهدد بأجهزته القمعية الرسمية. غير الرسمية لتقتل بدم بارد المتظاهرين. كما ظهر هو وبقية الطغمة القراقوشية بالرؤساء الأربعة أو مع الأحزاب الحاكمة وهم يضحكون ساخرين من الشعب ومظاهراته ويقررون رفض مطالب الشعب الأساسية بإسقاط الحكم الطائفي القراقوشي الفاسد. يا عادل عبد المهدي، يا قراقوش العراق الجديد، تذكر دوماً بأن الشعب يمهل ولا يهمل، وعليك عدم نسيان ما حل بالحكام من أمثالك في هذا العراق، تذكر اسم الحجاج بن يوسف الثقفي وعبيد الله ين زياد بن أبيه وصدام حسين وغيرهم ممن وجدوا مكانهم المناسب في مزبلة التاريخ. 

47
كاظم حبيب
نداء عاجل
=======
إلى أبناء الشعب العراقي في القوات المسلحة
منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 انطلقت انتفاضة شبابية مقدامة زلزلت الأرض تحت أقدام النخبة الحاكمة والأحزاب والقوى الإسلامية السياسية وقادة الميليشيات الطائفية المسلحة وقادة الحشد الشعبي وإيران الخامنئي، ثم توقفت لتنطلق ثانية في الـ 25/10/2019. وخلال الأسابيع الستة المنصرمة جوبه المتظاهرون البواسل بالحديد والنار والقتل العمد وبكل السبل القمعية التي تمتلكها أجهزة الدولة الرسمية وغير السمية من أدوات ووسائل قمعية كالرصاص الحي والقنابل القاتلة والقنابل الصوتية والغاز المسيل للدماء والدموع وخراطيم المياه والاختطاف والقتل والتعذيب. انطلقت الانتفاضة لأسباب موضوعية بعد أن غاص الحكام وأحزابهم في مستنقع الطائفية العفنة والتمييز الديني والمذهبي والفكري، وبعد أن أصبح الفساد نظاماً متكاملاً ومعمولاً به في الدولة والمجتمع وتسبب في خراب الاقتصاد الوطني وإيقاف العملية التنموية كلية منذ اليوم الأول من تسلم القوى الطائفية للحكم في البلاد. وحين أصبحت البطالة عامة وشاملة لمزيد من الشبيبة القادرة على العمل وازاد الفقر والبؤس والفاقة لليتامى والأرامل ومن هم تحت خط الفقر، وحيث أصبحت الأوضاع الكارثية لا تطاق، وحين أصبح العراق شبه مستعمرة لإيران الخامنئي، انفجرت الشبيبة بقوة وشهامة. وبمرور الأيام تتحول هذه الانتفاضة إلى ثورة شعبية عارمة تساهم فيها كل الطبقات والفئات الاجتماعية الوطنية، وأتباع جميع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية العقلانية، وأصبح المطلب المركزي للثوار ((إسقاط الحكومة والنخبة الحاكمة والنظام السياسي الطائفي الفاسد والتابع لإيران)). إن استخدام أنواع من الأسلحة القاتلة لفض تظاهرات المنتفضين قد أدت حتى الآن إلى استشهاد أكثر من 600 متظاهر من الشبيبة العراقية الباسلة، وأكثر من 16000 جريح ومعوق. والقوات المسلحة العراقية تعتبر المسؤولة عن هذه الدماء الزكية التي سالت في ساحات وشوارع العراق، ومن الممكن أن تكون العصابات الميليشياوية الطائفية المسلحة وقوى إرهابية دولية وقوى من دول الجوار، لاسيما إيران، تمارس قتل المتظاهرين والقوات الأمنية. 
من هنا يتوجه النداء العاجل والساخن إلى أبناء القوات المسلحة العراقية من مختلفة الصنوف الذي نصه:
أن الشعب العراقي لا يريد منكم انقلاباً عسكرياً تقومون به ضد الطغمة الحاكمة، لأن الانقلابات لم ولن تجلب الخير للشعب والوطن، ولكن الشعب يطالبكم باتخاذ المواقف الأمينة على الشعب وحماية مصالحه وعلى الوطن واستقلاله وسيادته. استمعوا إلى نداء المتظاهرين "نريد وطناً مستقلاً نعيش فيه بكرامة وعزة نفس وسعادة" وهو العيش الكريم الذي يشملكم ايضاً، فالوطن وطنكم باعتباركم جزءاً من هذا الشعب المناضل:
1)   أرفضوا الأوامر التي تصدر عن المسؤولين في توجيه أسلحتكم القاتلة إلى رؤوس وصدور المتظاهرين. فالقوات المسلحة لم تؤسس لمواجهة مطالب الشعب، بل ضد أعداء الشعب أو من يضطهده ويهيمن على مقدراته ويخون الأمانة التي وضعت في عنقه والقسم الذي أداه في أن يكون في خدمة الشعب، وليس في رفع راية الهويات الفرعية القاتلة والطائفية والتمييز الديني على حساب الهوية الوطنية العراقية وتمزيق وحدة الشعب وسرقة خزينة الدولة وقوت الشعب.
2)   أحموا المتظاهرين وتصدوا بشجاعة لكل الذين يحاولون توجيه نيرانهم لرؤوس وصدور المتظاهرين، أو يشعلون النيران بالمؤسسات العامة والخاصة. وهي قوى كثيرة من العهد الدكتاتوري البعثي الصدامي المتغلغلة في أجهزة الدولة ومن المليشيات الطائفية المسلحة والحشد الشعبي وقوى الإرهاب الدولي الداعشي.
3)   لا تمنعوا المتظاهرين السلميين من التحرك صوب الجسور وأوكار النخبة الحاكمة، التي أعطت الأوامر باستخدام العنف وتوجيه نيران أسلحة قوى الأمن الرسمية وغير الرسمية إلى رؤوس وصدور وظهور المتظاهرين، من أجل إجبارهم على التخلي عن السلطتين التنفيذية والتشريعية وتشكيل حكومة كفاءات مستقلة تهيئ البلاد لمستقبل أفضل على وفق إرادة الشعب ومصالحه وطموحاته في دولة حرة وديمقراطية حديثة ومستقلة، ومجتمع مدني ديمقراطي حر.
4)   شاركوا في العصيان المدني في حالة إعلانه من قبل المتظاهرين والمتجمعين في ساحة التحرير والذين أجمعوا على التعاون والتنسيق والتضامن بين كل القوى المنتفضة في سائر أنحاء العراق.
- أملي وأمل المنتفضين أنكم ستساهمون في دعم انتفاضة العشب وثورته التي أسست، وهي في مهدها، أفضل العلاقات الإنسانية النبيلة والتضامنية النضالية بين بنات وأبناء العراق المتظاهرين في ساحات وشوارع العراق، بين افراد الشعب الغيارى على وطنهم الحبيب.
- لتكن القوات المسلحة العراقية أداة سلمية بيد الشعب السلمي المنتفض، وليست أداة للقتل والتشريد بيد حكام العراق المستبدين والطائفيين والفاسدين والمفسدين، ويجب ألَّا تكون أداة بيد الجنرال الإيراني قاسم سليماني وأعوانه.
- لتكن القوات المسلحة العراقية جزءاً عضوياً وحيوياً من هذا الشعب الثائر ضد الظلم والطغيان والفساد والقتل العمد، وضد القوى الخارجية التي تتدخل يومياً بالشأن العراقي وترسل الجواسيس والمستشارين ليقودوا الحكام الإمعات بما يأمر به المرشد الإيراني علي خامنئي الذي اتهم أبناء وبنات الشعب الإيراني المنتفض حالياً بكونهم أشراراً وقطاع طرق، ويصدق عليه القول العراقي "وكل إناء بالذي فيه ينضح!!!".
- لترتفع راية النضال والتضامن بين الشعب وقواته المسلحة ضد الطائفية والفساد والوطن المستباح!
18/11/1019
   

48
كاظم حبيب
من هم المندسون في مظاهرات العراق ومن هم قتلة المنتفضين؟
جميع المنتفضين في ساحات وشوارع بغداد وعموم وسط وجنوب العراق، جميع الناس الشرفاء في هذه البلد الطيب يدركون بما لا يقبل الشك بأن هناك مجموعة من المندسين في المظاهرات التي تجتاح العراق منذ اليوم الأول من تشرين الأول 2019 ومن ثم يوم 25 منه حتى الآن الذين يسعون إلى إشاعة الفوضى مرة، وقتل المتظاهرين مرة أخرى، وقتل بعض قوى الأمن مرة ثالثة. وهم يعرفون بأن هؤلاء المندسين ليسوا سوى أتباع أربعة أصناف من الجماعات الإرهابية العاملة في العراق منذ سنوات وتنشطوا الآن باتجاه القتل والخطف والتغييب والتعذيب والتشويش، إنهم:
1)   مجموعة من إرهابيي داعش من الخلايا النائمة التي تنهض اليوم وتخرج من أوكارها للإساءة للمظاهرات السلمية.
2)   مجموعة من أتباع الميليشيات الطائفية الشيعية المسلحة التي تمارس هذه الأفعال الدنيئة مستجيبة لقرارات صادرة عن أحزابها الإسلامية السياسية ومن القيادات الإيرانية التي تقود هذه الميليشيات الإرهابية في البلاد.
3)   مجموعة من العاملين في الحشد الشعبي والذين يرتبطون بقادة هذا الحشد العراقيين المعروفة أسماؤهم لأبناء وبنات وطننا المستلب من أمثال فالح فياض، وهادي العامري وقيس الخزعلي وأبو مهدي المهندي وغيرهم.. الذين يقادون من عناصر إيرانية يقف على رأسها قاسم سليماني. 
4)   مجموعة من العاملين في أجهزة الأمن العراقية والشرطة والجيش ممن يدينون بالولاء للأحزاب والقوى الإسلامية السياسية الحاكمة والتي دخلت في هذه الأجهزة في فترة إبراهيم الجعفري ونوري المالكي وغيرهم من قادة هذه الأحزاب الذي يحكمون العراق منذ العام 2004/2005 حتى الآن والذين يحقدون على العراق الديمقراطي المستقل ويسعون إلى الإجهاز على الانتفاضة ووأدها وقتل المزيد من قوى الانتفاضة.
ومن هنا نقول، كما يقول كل المنتفضين والمنتفضات في البلاد، بأن أغلب المندسين هم من أتباع النظام السياسي الطائفي، وإن المجموعة الإرهابية الداعشية تمارس بعض أفعالها من خلال التفجيرات، في حين يقتل أغلب الناس حالياً بالرصاص الحي وقنابل الغاز القاتل لرجال الأمن والشرطة، أما الاختطاف فتقوم به الميليشيات الطائفية المسلحة بالتنسيق مع بعض أجهزة الأمن الداخلي المختصة بهذه المهمة، مهمة الاختطاف، ولها بيوتها التي تجري فيها تحقيقاتها وممارسة التعذيب أو حتى قتله أو رميه على قارعة الطريق، أو كما فعل القتلة الأوباش بصب التيزاب (حمض النيتريك وصيغته الكيميائية HNO3) في فم الإعلامي المناضل والشهيد البطل كاظم الركابي ليسكتوا صوته الذي أرعبهم ولم يجدوا طريقاً آخر لإسكاته غير استعمال التيزاب الحارق والقاتل، تماماً كما كان يفعل صدام حسين بمجموعة من أشد المناضلين صلابة وصموداً بوجه الجلاوزة الأوباش. 
إن القاتل منكم يا عادل عبد المهدي، القاتل من الطغمة الحاكمة، من القادمين من وراء الحدود الشرقية أيضاً، أنتم وحكومتكم وأحزابكم وميليشياتكم هم من يسيطر على السلطات الثلاث والأجهزة القمعية الرسمية وغير الرسمية، أنتم، وليس غيركم، من يشرف على عمليات مطاردة المنتفضين واعتقالهم وتعذيبهم أو حتى قتلهم في بيوتات سرية، أنتم الذين تشرفون على تنظيم الفوضى وإرسال المندسين إلى ساحات وشوارع التظاهرات ليمارسوا أفعالهم الإجرامية ضد المنتفضين وضد وحدات قوات الأمن والشرطة. أنتم ومن هم من أمثالكم من قام بالتفجير الكبير في ساحة التحرير يوم أمس المصادف 16/11/2019 وأدى إلى استشهاد وجرح وتعويق الكثير جداً من أبطال ساحة التحرير.
إن قوى الانتفاضة من شبيبة البلاد يحققون يوماً بعد آخر نجاحات في إشراك المزيد من بنات وأبناء العراق ومن جميع الأعمار في العملية النضالية الجارية، ينظمون الإضرابات والاعتصامات والاحتجاجات التي تقود تدريجياً إلى تصعيد العملية السلمية وصولاً إلى العصيان المدني الذي يشل الحياة العامة كلها ويقود بالضرورة إلى إسقاط هذا النظام المشوه والهزيل ويزيله من الوجود ليرسي دعائم دولة ديمقراطية وحكم ديمقراطي دستوري سليم ومجلس نيابي نظيف غير مشوه وغير مزيف وغير فاسد.
إن المنتفضين سيقيمون ليس فقط إذاعة لهم بل قناة تلفزيونية يذيعون من خلالها أخبار نضالاتهم اليومية ويفضحون على نطاق العالم كله سياسات ونهج الحكام الفاسدين والطائفيين في البلاد. إن العراقية هي قناة رسمية تأخذ أموالها من خزينة الدولة ويفترض في المنتفضين أخذها بعملية سلمية ديمقراطية يُستبدل فيها المذيعون الإمعة والفاسدون بمذيعين من المنتفضين الذي يحملون للشعب رايات النضال الوطني والديمقراطي والكلمة الحرة والصادقة لتغيير الأوضاع الفاسدة السائدة في البلاد. إن على المسؤولين في الإعلام العراقي وفي قنوات التلفزة، على المذيعات والمذيعين الحاليين، تغيير مواقفهم وتحويلها لصالح الشعب والكف عن الدعاية للحكم القائم أو تسويق وتسويغ سياساتهم الإجرامية والدعوة للمساومة مع الحكومة على حساب أهداف الانتفاضة النبيلة. لقد خدمتم النظام الجائر سنوات طويلة وتكرشتم وامتلأت جيوب أغلبكم بالسحت الحار، فعودا إلى ضمائركم وقفوا إلى جانب الشعب في انتفاضته المقدامة.
إن المنتفضين يناضلون اليوم من أجل إيقاف الاعتقالات الجارية وإطلاق سراح جميع المعتقلين والمختطفين، وهم يدركون الغاية الشريرة من هذه الاعتقالات لكسر شوكة المنتفضين وهم في ذلك خاسرون، فالانتفاضة لن تتوقف ما لم تحقق أهدافها النبيلة بكنسكم جميعاً وتسليم السلطة لحكومة كفاءات قادرة على تسيير البلاد صوب التغيير الجذري الشامل الذي يطالب به الشعب.
لن يكون في مقدور المرجعية الشيعية بعد الآن الاستمرار في المساومة معكم ومنحكم فرصة جديدة للبقاء في السلطة لمواصلتكم قتل وجرح وتعويق المزيد من المتظاهرين، فكل يوم إضافي تمارسون فيه سلطتكم الجائرة والجبانة، سيسقط على أيديكم وأجهزتكم القمعية والدولة العميقة المزيد من المنتفضات والمنتفضين الشجعان.     
   

49
كاظم حبيب
الدولة العراقية الهشة والضائعة والمستعبدة والوطن المسروق
نحن نعيش في عراق الحضارات القديمة، ولكننا نعيش في عراق رث حيث تسيطر عليه وتستهتر به عصابات وقوى حزبية طائفية فاسدة ومُستعبدة روحياً وذهنياً. هذا العراق الهش والمائع تتدخل في شؤونه كل الدول المجاورة دون استثناء وكل الدول الكبرى دون استثناء، ولكن الدولة الوحيدة التي تهيمن فعلياً على قرارات الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث مباشرة وتستعبد الحكام بخيارهم الفعلي هي الدولة الإيرانية ومرشدها الإيراني علي خامنئي وممثله في العراق قائد فيلق القدس والحشد الشعبي "العراقي!" والميليشيات الطائفية المسلحة الجنرال الإيراني قاسم سليماني.
أكد وزير الدفاع العراقي إن قنابل الغاز القاتلة ليست من مستوردات وزارة الدفاع، وهي ليست من تلك التي تستخدم في الدول العربية، وكل الدلائل تشير إلى إنها مصدرة من إيران لصالح الحشد الشعبي والميليشيات الطائفية الشيعية المسلحة، وهي تستخدم منها في قتل المتظاهرين السلميين في البلاد. إنها بيد هذه الجماعات ومن خلالهم وصلت، كما يبدو، لعدد من قوى الأمن الداخلي المحسوبين على تلك القوى التابعة لإيران، واستخدمت من قبل كل هؤلاء في قتل المتظاهرين. أدرك تماماً بأن كل الدول المجاورة يمكنها أن تصدر مثل هذه السلاح الفردي الفتاك إلى العراق، ولكن كل الدلائل تشير إلى أن إيران هي صاحب الاستفادة الفعلي من استخدام هذا السلاح حيث هتف قادة وأئمة إيران بالحرف الواحد "اقتلوا المتظاهرين في العراق إنهم عملاء أمريكا"!! هذا هو الواقع المُرّ.
إن كل يوم إضافي يبقى الفاسدون في السلطة السياسية والمساومات الحقيرة للرئاسات الأربعة يعني المزيد من الشهداء والجرحى والمعوقين، ويعني تعاظم مسؤولية هذه الرئاسات عن استشهاد المزيد من شبيبة العراق! 
إن الموقف المطلوب من بنات وأبناء شعبنا المنتفض في مواجهة التدخل الإيراني الشرس والعدواني يتلخص في التالي:
** أرفضوا المساومات على الدستور وقانون الانتخابات وغيرها التي لن تنفع ما دامت الحكومة القاتلة هي صاحبة الأمر والنهي عبر ولي أمرها خامنئي، وما دام النظام الطائفي الفاسد قائماً في البلاد. الهدف الأول إسقاط الحكومة وإسقاط العملية السياسية القائمة وتشكيل حكومة وطنية مستقلة، حكومة كفاءات عراقية نظيفة ونزيهة، تعمل على تهيئة التغيير لكل شيء رث مرفوض من الشعب.
**العمل على طرد عاجل للجنرال قاسم سليماني من العراق ومعه السفير الإيراني الذي يم يترك فرصة إلا وتدخل في الشأن العراقي. وأصبحت سفارة إيران وكراً للتآمر على العراق.
** أعملوا من أجل سحب السلاح من أيدي الحشد الشعبي والميليشيات الطائفية المسلحة التي تمارس قتل المتظاهرين واختطافهم وتغييبهم أو نقلهم إلى إيران لقتلهم هناك. وأمامكم اختطاف ضابط الشرطة ياسر عبد الجبار على حد اعتراف رئيس الوزراء غير الشرعي.
** افضحوا عملاء إيران في العراق، اكشفوا أسماء الإيرانيين الذين يمارسون الإشراف على عمل الجماعات العراقية التابعة لإيران لطردهم من العراق، لأنهم عملاء يمارسون التخريب وإشاعة الفوضى وقتل المتظاهرين وجمع المعلومات عن المناضلين الشجعان أبناء وبنات الانتفاضة المقدامة للانتقام منهم بشتى السبل.
** العمل الدؤوب لتقديم كبار الطائفيين والفاسدين من حكام العراق ومن شارك في تسليم الموصل ونينوى للدواعش، ومن نهب أموال البلاد عبر المصارف ومن سرق النفط الخام ووقع عقوداً مجحفة بحق العراق وألحق أفدح الأضرار بالاقتصاد العراقي والمجتمع.
** قاطعوا البضائع الإيرانية بحيث يتوقف التعامل التجاري والمصرفي معها إلى حين إجراء تغيير كامل في النظام العراقي القائم أولاً، وتخلي إيران عن التدخل في الشؤون العراقية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والدينية ثانياً.
النصر سيكون حليف الشعب والسقوط المخزي للحكام الفاسدين ومن يتصدى لمطالب الشعب ويمارس القتل العمد ضد المنتفضين.



50
كاظم حبيب
هل المرجعيات الشيعية مع الشعب أم مع الحكومة الدموية؟
لن أعود إلى الوراء لأتابع مواقف المرجعيات الشيعية في النجف، لاسيما مرجعية أية الله العظمى السيد علي السيستاني، وهي معروفة في تأييدها للأحزاب الإسلامية السياسية، التي أعيد تنظيمها في إيران، كما هو الحال مع حزب الدعوة الإسلامية، أو تلك التي أسست أصلاً في إيران، كما هو حال حزب المجلس الإسلامي الأعلى في العراق، ومن ثم ما نتج عنه من حزب جديد هو "الحكمة"، الذي يقوده عمار الحكيم، والمؤيد لإيران وسياساتها في العراق، ولن أعود للتذكير باستعجال المرجعية وإصرارها على إصدار الدستور العراق الأعرج وإجراء انتخابات سريعة دون المرور بفترة انتقال، وتسليم الولايات المتحدة الأمريكية السلطة للأحزاب الإسلامية السياسية بمساومة وقحة مع إيران. كل هذا وغيره لن أعود إليه بتفاصيل واسعة، بل أركز الآن على ما يجري في هذه الأيام وعبر المرجعية ووكلاءها في النجف وكربلاء، وهما متهمان بالفساد أيضاً، على وفق ما نشر من تقارير موثقة بهذا الصدد لاسيما بشأن ما يحصل في المؤسسات الحسينية والعباسية في كربلاء وفي المؤسسات المماثلة لهما في النجف.
لقد أكدت المرجعية وجود فساد ووجود تمييز في العراق بين المواطنين. وطلبت من الحكومة تغيير الوضع بعد أن تردت الأوضاع جداً. ولم تصغ الأحزاب والقوى الحاكمة لخطاب الوكلاء. واشتد الوضع سوءاً من حيث المحاصصة الطائفية والفساد ونهب خيرات واموال الشعب لاسيما بعد اجتياح الموصل وعموم نينوى، إضافة إلى تفاقم التخلف في الخدمات والفقر والحرمان والبطالة. وحين لم يعد في مقدور الشبيبة العراقية تحمل المستنقع الذي دفع إليه العراق انتفضوا على الدولة الهشة والتابعة وعلى السلطات الثلاث التي زيفت إرادة المجتمع وسلبت حقوقه. فاستقبلت حكومة عادل عبد المهدي الطائفية المحاصصية الفاسدة مظاهرات الشبيبة بتشويه سمعتها والإساءة لها ثم استخدام الحديد والنار، فسقط في الجولة الأولى 149 شهيداً وستة ألاف جريح ومعوق. بهذه الجريمة البشعة فقدت الحكومة شرعيتها لتجاوزها الشرس والعدواني على الدستور العراقي وحقوق المواطن والمجتمع.
شجبت المرجعية ذلك بصوت الوكيل عبد لمهدي الكربلائي، وطالبت بالتحقيق. ولم يحصل عبر لجنة مستقلة، بل عبر لجنة حكومية زورت الحقائق كلها وسكت عن المجرمين الكبار الذين أصدروا الأوامر باستخدام العنف المفرط والرصاص الحي والمطاطي والغاز القاتل وخراطيم المياه. توقفت المظاهرات حتى انتهاء أربعينية الحسين احتراماً. ثم بدأت من جديد في جولة ثانية وبزخم أعظم وأوسع، وكان الموقف الحكومي أبشع من الفترة التي بدأت في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019، حيث سقط في الجولة الثانية المئات من الشهداء بالرصاص الحي وبالغازل القاتل الموجه مباشرة إلى رؤوس وصدور المتظاهرين. واحتجت المرجعية ولكن لم ينفع! ثم جاء حل أعرج من المرجعية باتفاقها مع ممثلة الأمم المتحدة في العراقي (يونامي) في منح من فقد شرعيته في الحكم ومن هو طائفي وفاسد بامتياز فرصة ثانية لإصلاح الوضع القائم. فهل يتوقع العراقيون والعراقيات إصلاحاُ من حكم وشخوص فاسدين ومفسدين؟
أثار هذا الموقف المتظاهرين كافة، ولكنه أثلج صدور النخب الفاسدة المشاركة في الحكم، الحكومة والأحزاب الإسلامية السياسية والمستفيدة من وجود عادل عبد المهدي على رأس الحكومة. إن محاولة المرجعية منح الحكومة القائمة الفاسدة فرصة إضافية ووقتاً زائداً لترتيب أمورها يثير كل الناس الشرفاء في العراق. وبهذا الموقف غير المقبول ابتعدت المرجعية الشيعية عن الشعب، عن المنتفضين، واصطفت مع الحكومة العراقية الدموية، بإعطائها فرصة جديدة في حكم البلاد لتحسين الأوضاع، وهي غير مستعدة لتحسين أوضاعها وأوضاع البلاد إطلاقاً، لأنها لا تريد ذلك وغير قادرة على ذلك، ولأن إيران لا تسمح لها بذلك، وهي لا تسمح حتى لأي وزير بتقديم استقالته. ومن يجرأ على ذلك سيختطف من داره أو من الشارع ويختفي كما اختفى مقتدى الصدر في طهران أو قم. أو كما اختطف مدير شرطة ياسر عبد الجبار. يبدو لي إن المرجعية قد حسمت أمرها إلى جانب الحكومة الفاسدة رغم قولها" إن لم تستجيبوا سيكون لنا موقف آخر!!! 
بعد الاتفاق بين المرجعية ويونامي سقط المزيد من الشهداء والجرحى والمعوقين، وجرى اختطاف الكثير من النساء والرجال المسعفين، كما جرت محاولات اغتيال في الشارع. بعض الأجهزة الأمنية المختصة والميليشيات الطائفية المسلحة وقوى الحشد الشعبي الإيراني كلها تشكيلات تقوم باختطاف واعتقال المزيد من المنتفضين من الشوارع وفي الليل، ومع ذلك مستمرون في منح الحكومة الفرصة تلو الأخرى. خشية على مواقعكم والفوائد التي تجنى من وجود هذا النظام الفاسد والطائفي. إنكم تتراجعون عن المواقف الاجتماعية الإيجابية التي وقفتها المرجعيات في الأربعينيات من القرن الماضي إلى جانب الشعب وضد سياسات الحكومة التي لم تقتل حتى عشر هذا العدد من الشهداء الذين سقطوا في ستة أسابيع من عام 2019. تذكروا كم سقط من شهداء في وثبة كانون 1948 وانتفاضة تشرين 1952 وانتفاضة 1956 لقد كان عدد الشهداء الأبرار قليلاً ولكن سقطت حكومات، واليوم وصل عدد الشهداء حسب تقديرات مسؤولين بأكثر من 600 شهيد وأكثر من 16000 جريح ومعوق وتمنحون الحكومة فرصة إضافية!!!  كم كنت أتمنى أن لا تتدخلوا في السياسة أصلا لتجنبوا أنفسكم غضب المزيد من أتباع المذهب الشيعي، ولكنكم تخليتم عن الموقف الذي ينبغي أن تتخذوه في الابتعاد عن شؤون الدولة والسياسة وتنشغلون بشؤون الدين والحياة الاجتماعية، ولكنكم تجاوزتم ذلك وتدخلتم في السياسة من أبوابها وشبابيكها، وعليكم الآن حصاد الموقف المبدئي للمنتفضين الذين برز لديهم بوضوح موقفكم المؤيد للحكومة وبالضد من موقف المنتفضين الذين لاقوا الأمرين على أيدي الحكومة الدموية التي خانت قسمها ووعودها بالتخلي عن المحاصصة الطائفية ومحاربة الفساد وتقديمهم إلى المحاكمة، ثم قامت بقتل المحتجين والمتظاهرين ضد السياسات المناهضة للشعب العراقي والمخلة باستقلال وسيادة البلاد.
النصيحة التي يمكن تقديمها للمرجعية الشيعية للتكفير عن مواقفها السابقة والاعتذار للشعب، هي أن تتخذ الآن الموقف المطلوب، أن تقف إلى جانب الشعب ولو لمرة واحدة وتتفق مع مطلب باستقالة الحكومة أو إقالتها وتغيير الواقع المزري القائم والنظام السياسي الدموي الراهن لقطع الطريق على القتلة لقتل المزيد من بنات وأبناء الشعب، من شبيبة العراق الوطنية المقدامة!                   

51
كاظم حبيب
ساحة التحرير: شعارات المنتفضين مهمات وطنية عراقية مباشرة

(1)
الهدف المباشر: إسقاط حكومة عادل عبد المهدي وتشكيل حكومة عراقية وطنية مستقلة تمارس عملية تغيير النظام السياسي الطائفي الفاسد والتابع وتوفر أجواء الحياة الديمقراطية لتغيير الدستور وقانون الانتخابات والمفوضيات والأحزاب والحريات والإعلام ...
هذا ما تتجنبه القوى الحاكمة الفاسدة والذليلة والتابعة لإيران، هذا ما يتجنبه الفاسقون والفاسدون خشية فقدانهم للسلطة والمال والنفوذ الاجتماعي في البلاد!
هذا ما تتجنبه إيران ومرشدها وممثله في العراق الجنرال قاسم سليماني خشية فقدان شبه مستعمرتها الجديدة!
هذا ما تتجنبه الولايات المتحدة الأمريكية خشية سيادة الديمقراطية في العراق ووحدة الشعب وانتهاء السيطرة على نفط العراق والفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط!
هذا ما تتجنبه المرجعية الشيعية حتى الآن خشية غياب الأحزاب الإسلامية السياسية وميليشياتها عن الساحة السياسية العراقية!
المهمة المباشرة إفشال هذه الجهود التي تتجلى أحياناً في خطاب ممثلة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) السيدة جينين هينيس بلاسخارت (تابعوا نهاية خطابها الأخير في مجلس النواب).   
(2)
احذروا المساومة الجديدة المتوقعة بين الولايات المتحدة وإيران
على حساب إرادة ومصالح الشعب العراقي
للمرة الثالثة تظهر بوادر مساومة قذرة بين الولايات المتحدة وإيران من خلال الموافقة المشتركة على استمرار عادل عبد المهدي على رأس الحكومة الحالية مع إجراء تغييرات شكلية في عدد من الوزراء وتعديلات شكلية على قانون الانتخابات وإبقاء الأساس المادي للنظام الطائفي المحاصصي الفاسد على حاله، وإبقاء الوجوه الطائفية الكالحة والفاسدة التي حكمت العراق طوال نيف و16 عاماً والتي يرفضها المنتفضون رفضاً باتا. إنها المساومة الدنيئة الثالثة، كانت أولاها تسليم السلطة لقوى الإسلام السياسي الطائفية في العام 2005، وكانت الثانية الموافقة على استمرار المستبد بإمره والطائفي والفاسد والمفسد بامتياز نوري المالكي على رأس الحكومة العراقية لدورة ثانية، ثم تأتي المساومة المرتقبة الثالثة من وراء ظهر الشعب والمنتفضين وعلى حساب إرادة ومصالح وطموحات الإنسان العراقي في الخلاص من النظام السياسي الطائفي الفاسد والتابع والمتخلف والذي وضع العراق في مستنقع النتانة والرثاثة والتخلف. الانتفاضة تهدف إلى إسقاط الحكومة والنظام السياسي الطائفي الفاسد والتابع، فلا مساومة ولا أنصاف حلول يمكنها ا، تمر على الشعب العراقي بعد اليوم.
(3)
اطردوا قاسم سليماني من العراق، إنه الحاكم الفعلي في العراق!
أيها المنتفضون الأحرار، أيها الثوار أطردوا قاسم سليماني من العراق فهو الحاكم الفعلي في العراق وهو الذي أمر عادل عبد المهدي باستخدام العنف وقتل المتظاهرين، تماماً كما أمر ذلك علي خامنئي وقادة إيران الآخرين. تشير المعلومات المتوفرة إلى أن الأحزاب الإسلامية السياسية والقوى المشاركة في الحكم وافقت على ما رسمه وقرره العميد قاسم سليماني، ممثل علي خامنئي في العراق، بتغيير خمسة وزراء من حكومته الدموية وإبقاء عادل عبد المهدي على رأس الحكم. إن سليماني هو الحاكم الفعلي الذي يحكم العراق، كما كان بول بريمر بعد الاحتلال مباشرة. إن النداء العادل كان وما يزال: بغداد حرّة حرّة، إيران برّة برّة.
(4)
مصلحة الشعب الكردي جزء من مصالح الشعب العراقي بكل قومياته
كان ولا يزال من مصلحة الشعب الكردي إن يشارك في التظاهرات الشبابية والشعبية المنطلقة منذ الأول من تشرن الأول/أكتوبر 2019 وحتى الآن ضد الحكم الطائفي المحاصصي الفاسد في العراق ومن أجل التغيير الجذري الكامل للنظام السياسي الطائفي الفاسد والتابع، فالاندماج مع الكل لصالح الكل هو الطريق الوحيد لتحقيق مصالح الشعب العراقي عموماً والشعب الكردي أيضاً. وعلى الشعب الكردي ألا يخشى على مكاسبه العادلة التي تحقق لها. فالمتظاهرون ليسوا ضد الفيدرالية وحقوق الشعب الكردي العادلة والمشروعة، إنهم يناضلون من أجل وطن مسروق من الحكام الفاسدين وحقوق مسلوبة من حكام أذلوا الشعب وأساءوا لاستقلال البلاد وسيادته وموارد نهبت ولم توظف لصالح التنمية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي. إنهم شقوا المجتمع إلى طوائف متصارعة ليبقوا في السلطة ويسرقوا المال العام.
أتمنى على شعب كردستان العراق بكل القوميات التي تعيش فيه أن تنهض مع بقية شبيبة العراق لتعزز التعاون والتضامن الوطني والديمقراطي. الانعزال في غير صالح أتباع جميع القوميات في الدولة العراقية.   
(5)
هل سحب المسؤولون في بغداد رواتبهم لستة أشهر قادمة من البنك المركزي عبر مصرف الرشيد؟
تؤكد الأخبار الواردة من بغداد إن كبار المسؤولين في السلطتين التنفيذية والتشريعية، قبل (تخفيض!) رواتبهم، قد سحبوا من البنك المركزي رواتبهم بالكامل ولمدة ستة أشهر مسبقاً خشية حصول ما لا تحمد عقباه لهم في طردهم من حكم العراق، وهو المصير المتوقع لمثل هؤلاء في أغلبهم حرامية، فقد سرقوا السلطة والمال وحكموا البلد بالحديد والنار مؤيدين من شيوخ الدين في إيران. من الضروري التيقن من هذا الخبر والسعي لمنع سحب تلك الأموال إن صح الخبر!


   

52
كاظم حبيب
لم ولن يقبل المنتفضون الحلول التساومية مع حكومة بغداد الدموية؟
كثيراً ما أشير، ومنذ سنوات، بأن العراق لم يشهد منذ سقوط الدكتاتورية الغاشمة عملية سياسية فعلية نظيفة وجادة يشترك فيها الشعب بحيوية ومسؤولية وإدراك حقيقي لما يمكن أن تؤول إليه. وكثيراً ما أكُد بأن ما يجري في العراق ليس بعملية سياسية، بل عمليات تقاسم مخزٍ للسلطات الثلاث ×التنفيذية (رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء) والتشريعية (مجلس النواب) والقضاء (مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية والادعاء العام) على وفق محاصصات طائفية وأثنية في إطار دولة هشة ونظام سياسي طائفي وفاسد ومتخلف يقاد من أحزاب إسلامية شيعية متخلفة ورجعية وفاسدة، يتعارض وجودها اصلاً مع مضمون الدستور العراقي، وبمساومة غير مقبولة وغير معقولة مع الأحزاب الإسلامية السنية ومع الأحزاب الكردية. وعلى امتداد الفترة الواقعة بين 2005 حتى الوقت الحاضر بشكل خاص، هبّ الشعب أكثر من مرة رافضاً الاحتلال والعملية السياسية الجائرة ومناضلاً من أجل التغيير الجذري للنظام السياسي الطائفي. وقد تجلى ذلك بوضوح تام في الهبَّة الشعبية المدنية والديمقراطية في عام 2011 أثناء تولي نوري المالكي رئاسة الوزراء لدورة ثانية وعمد إلى استخدام كل الوسائل الدنيئة والمتعارضة مع الدستور العراقي لإخمادها بما في ذلك اتهامها بالبعثية والإرهاب واعتقال النشطاء وتعذيبهم وقتل الكثير من الديمقراطيين والمنتفضين ضد الحكم الفاسد. ولم يكن ميزان القوى مناسباً لتغيير الأوضاع حينذاك. فأمكن تجاوز الأزمة السياسية بمساومات ضد مصالح الشعب ذاته حتى أدخَلَ نوري المالكي العراق في النفق المظلم، في نفق ومستنقع الدواعش وإجرامهم والإبادة الجماعية وسوق النخاسة الإسلامي!!! ورغم كل ما حصل عملت بعض القوى الديمقراطية من منطلق وجود عملية سياسية يراد تصحيحها، ولم يكن هذا التصحيح ممكناً. واقتنع الكثير من الشبيبة العراقية التي كان وعيها ينمو ويتعمق ويكتشف دوره الفاعل في إضرابات ونشاطات مدنية واحتجاجات مستمرة. وبعد أن يئس من أي دور فاعل وكبير للقوى السياسية الديمقراطية، وبعد أن أدرك بأن النظام القائم لم يعد غير عدو حاقد على الشعب وإرادته ومصالحه وخاضع لإرادة أجنبية مباشرة إيرانية لا يريد الفكاك منها بأي حال، تفجر فيه الغضب العادل والروح الثورية الخلاقة مقترنةً بوعي عميق لما يريده لهذا الشعب المستباح والوطن الجريح. انتفض بعزم وإصرار فجوبه بالحديد والنار، بقتل المتظاهرين حتى بلغ عددهم حسب الإحصاء الرسمي 149 شهيداً وستة ألاف جريح ومعوق ومئات من المعتقلين والمختطفين والمعذبين. وإكراماً للإمام الحسين بن علي بن ابي طالب وصحبه الكرام أوقف المنتفضون تظاهراتهم لحين انتهاء الأربعينية، ليبدأ في 25/10/2019. وبدأ بعزم أشد ووعي أعمق وإصرار لا يلين. فجوبه من جديد بالحديد والنار بالقتل الجماعي في كل المدن المنتفضة وزاد عدد القتل إلى 600 قتيل و16 ألف جريح والاف المعتقلين والمختطفين والمغدورين. فهل بعد كل هذا يراد منه أن يساوم مع من أصدر الأوامر باستخدام العنف إلى حد استخدام الرصاص الحي والغاز القاتل والرصاص المطاطي بشكل مباشر إلى رؤوس وصدور المتظاهرين؟ من العبث أن تحاول القوى الحاكمة أن تخدع الشعب بتنازلات من باب تقديم قانون للانتخابات أسوأ من سابقه أو تعديل الحكومة وعلى رأسها من أصدر أوامر القتل بحق المتظاهرين. هل يصدق هذا بعد هذه المعاناة الهائلة للشبيبة المقدامة، للأجيال التي لا تعرف الخنوع والركوع والقبول بأنصاف الحلول. إنهم من جيل جديد لن تخدعه الاعيب الحكم السياسي الطائفي الفاسد والتابع، لن ينفع معه قتل المتظاهرين، فهم يعرفون جيداً بأنهم يجابهون وحوشاً قتلة لا يستحون من إلههم الذي يدعون أنهم يعبدوه، فهم عبيد المال والسحت الحرام وسرقة لقمة العيش من أفواه اليتامى والأرامل والفقراء والمعوزين والعاطلين عن العمل، إنهم من نهب وفرط بما يزيد عن ألف مليار دولار أمريكي، كان في مقدور هذا المبلغ تحويل العراق إلى بلد حضاري وصناعي وزراعي متقدم. ولكنهم حولوا العراق إلى بلد رث مليء بالنفايات وبهم كقوى رثة وفاسدة.
في معمعان الانتفاضة التشرينية (2019) المقدامة تجليا موقفان متعارضان حين تزاحم المنتفضون فتساقطت قلائد الحرائر والعقود والساعات والنقود والوثائق، وحين هدأ الموقف جُمعت كل تلك المفقودات لتعاد الى أصحابها دون ان تسرق قطعة نقد واحدة أو حلية ذهبية واحدة، فعبر المنتفضون عن نبلهم والقضية العادلة التي تستحثهم للتظاهر وجوهرهم الرصين، رغم أوضاع أغلبهم الاقتصادية الصعبة. كان هذا هو الموقف الأول الذي عكس روعة الإنسان العراقي عند المحن والتضامن. وحين ارتفعت أصوات المنتفضين لتصل الى عنان السماء، وتبين إن في سمع الحكام الطائفيين الفاسدين وقر كامل، برز الموقف الثاني حيث انطلق وحوش الغابة بأمر من الرئيس المتوحش والمفترس للحقوق، فوجهوا القناصة نيران بنادقهم ورصاصهم الحي والمطاطي والصواعق والغاز القاتل وخراطيم المياه صوب تلك الجموع الحاشدة والمتزاحمة، فسقط شهداء أبرار وجرح من جرح، ونجا منهم من عاود المسيرة والزحف العظيم الى أمام، فعبَّر المهاجمون الشرسون، الذين جرى اختيارهم بعناية لمماسة القتل المباشر، عن نذالة في الخُلق والسيرة والطباع ووحشية بلا حدود، والتوقع بقتامة في مستقبلهم ومستقبل من اصدر لهذه الوحوش المفترسة الأوامر بالقتل والتشريد والتعذيب والاختطاف والتغييب. نحن اليوم أمام النبل الشعبي مقابل النذالة الحكومية، أمام شجاعة المنتفضين مقابل جبن المسؤولين، أمام نبل البذل في النفس والنفيس لصالح الشعب والوطن مقابل بؤس السارق الرخيص والجالس على خازوق الحكم والجور!
فالمتظاهرون يريدون إسقاط هذه العملية الفاسدة التي تسمى كذباً بـ "العملية السياسية!"، إسقاط النظام السياسي الطائفي الفاسد والخاضع للأجنبي، إسقاط كل رموز الفساد والخيانة الوطنية ومن سلم الوطن للدواعش مرة، ويعمل على استمرار بقائها تابعة كشبه مستعمرة لإيران مرة أخرى.
الشبيبة العراقي المنتفضة ترفض الخضوع لأي أجنبي يسعى للتدخل في شؤون العراق، يرفض المحتل الأمريكي الأسبق والمحتل الإيراني الجديد. ترفض الأحزاب الإسلامية السياسية المتعارض وجودها مع نصوص الدستور الحالي. ترفض المساومة فـ"مسحو بوزكم" يامن أنهكتم الشعب 16 عاماً من أي مساومة بأنصاف الحلول.
ساحة التحرير طرحت خطة طريق لخلاص العراق منكم ومن نظامكم الطائفي البائس والفاسد. وقد اسمعكم المنتفضون إياها عبر صرخاتهم المدوية، عبر شعاراتهم المرفوعة في كل ساحات وشوارع العراق في الوسط والجنوب وبغداد، عبر الشهداء الذين سقطوا في سوح النضال النبيل، عبر جراحهم وجرحاهم ومعوقيهم. إن ممثلة الأمم المتحدة (يونامي) في العراق السيدة جنين هينس-بلاسخارت ينبغي لها أن تعرف ما يريد الشعب، لا أن تسعى إلى أنصاف الحلول وإنقاذ الفاسدين والمفسدين من الحكام وأحزابهم من العقاب، فالشعب "نزل إلى الساحات والشوارع ليأخذ حقه كاملاً غير منقوصٍ"، وعلى الأمم المتحدة أن تعرف ذلك ولا تحرفه. فدم الشهداء يصرخ في وجوه الجميع لا مجال للمساومة مع الحكام الطائفيين الفاسدين القتلة واللصوص والجبناء!!!                               

53
كاظم حبيب
هل من شرعية للنظام السياسي الطائفي الفاسد والدموي في العراق؟
لقد فقد النظام السياسي الطائفي الفاسد القائم في العراق منذ العام 2004/2005 شرعيته الدستورية منذ أول قطرة دم زكية سالت في شوارع العراق على أيدي أجهزة الأمن والشرطة والميليشيات الطائفية المسلحة والحشد الشعبي بناء على أوامر صدرت عن رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة العراقية في الأيام الأولى للانتفاضة الشبابية، أيام 1 و2 و3 تشرين الأول/أكتوبر 2019 وما بعدها. لقد كانت المظاهرات سلمية عبَّر فيها خريجوا مختلف المراحل الدراسية عن مطلب الحصول على فرصة عمل ليضمنوا عيشة كريمة لهم، فاستقبلهم رئيس وزراء العراق بالحديد والنار، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، كانت الشرارة التي فجرت كل الضيم والقهر والاضطهاد الفكري والسياسي والاجتماعي والرثاثة البيئية المكتومة منذ أن هيمن المحتلون الأمريكيون ومن ثم المستعمرون الإيرانيون على العراق، إذ وجد شبيبة العراق إن هذا النظام الذي حكم 16 عاماً في عملية سياسية قذرة وفاشلة ومدمرة لا يمكن أن تستمر فالظلم إن دام دمَّر!
فالدستور العراقي، على علاته، يمنح الفرد والشعب في العديد من مواده الحق في التجمع والاحتجاج والاعتصام والإضراب والتظاهر والعصيان المدني لتأمين حقوقه المغتصبة، ويرفض بالمطلق المحاصصة الطائفية والفساد والإفساد والاعتقال الكيفي والتعذيب والقتل العمد من جانب الدولة أو أي شخص أو جماعة. وكل هذه الموبقات والجرائم ارتكبت من جانب الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث، بنظامها السياسي ومجلس نوابها وسكوت مطبق لقضائها المسيَّس بحق الشبيبة المنتفضة ضد النظام السياسي العراقي الذي اغتصبت حقوقه وحريات الشعب وقتل المئات من المتظاهرين وجرح وتعويق الآلاف منهم واعتقال الآلاف منهم ايضاً.         
إن الشعب العراقي يعيش إرهاب الدولة بأجلى معانيه وبشكل مباشر. وقد سكت المجتمع الدولي طويلاً على إجرام الحكومة العراقية والأحزاب التي تشارك وتسند وتطالب باستمرار عمل هذه الحكومة القاتلة لأبناء وبنات الشعب والهادرة لكرامة الإنسان. وفي الوقت الذي بدأ المجتمع الدولي بالتحرك لمعارضة ما يجري في العراق من قتل واعتقال واختطاف وتعذيب، انبرت المرجعية الشيعية، والتي كنا وما زلنا نطالب بابتعادها عن السياسية سلباً أو إيجاباً لحمايتها من الإساءة، وهي التي ساندت القوى الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة طويلا، حتى بعد اجتياح الموصل والكوارث التي لحقت بالعراق، وسكتت لفترة طويلة عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب من جانب قوى النظام، نطقت أخيراً منتقدة الحكومة ومطالبة بالكف عن استخدام العنف المفرط، ولكنها عادت لتمنح الحكومة فرصة أخرى لإصلاح أمرها والأمور، وهي التي لم تصلح نفسها ولا أمور الشعب طوال 16 عاماً بالتمام والكمال، بل زادت فيه سوءاً. إن المنتفضين الذين يتعرضون يومياً للاعتقال والاختطاف والتعذيب والقتل يتساءلون بحق ومشروعية: هل موقف المرجعية الشيعية معقولاً ومقبولاً إنسانياً بعد كل الذي حصل في العرق من استشهاد ما يزيد عن 600 مواطن وجرح ما يزيد عن 15 ألف مواطن ومواطنة واعتقال الآلاف منهم، في أن تمنحهم فرصة إضافية ليزيدوا من قتل وتعذيب واعتقال الناس؟ لقد قتل النظام مزيداً من الشبيبة حتى بعد عقد اللقاء بين السيد علي السيستاني وممثلة الأمم المتحدة في بغداد، وعرضها موقف المرجع الشيعي في رفض القتل والعنف المفرط ضد المنتفضين!
رغم قناعتي التامة بفصل الدين عن الدولة والسياسة تماماً، فأن التأييد الذي منحه المرجع الديني الشيعي للنظام السياسي الطائفي الفاسد يجب أن يتخلى عنه الآن كلية وأن يعلن ذلك صراحة ومباشرة أولاً، وأن يدين بشكل صريح وواضح سياسة النظام ويطالب باستقالة الحكومة وحل مجلس النواب وإدانة سكوت القضاء العراقي، لأن المرجعية كانت ولا تزال المسؤولة عن دعمها واستمرار وجود هذه الحكومة منذ أن بدأ هذا النظام عمليته السياسية الدنيئة في العراق ثانياً، وأن يدين بشكل مباشر وصريح تدخل إيران على لسان على خامنئي وممثله في العراق قاسم سليماني في الشؤون الداخلية للعراق وأن يُسفَّر هذا الدخيل من البلاد فوراً ثالثاً، وأن يؤكد انتهاء حاجة العراق للجهاد الكفائي وحل الحشد الشعبي، الذي تشكل بسبب فتواه مع بداية اجتياح العراق للموصل، والميليشيات الطائفية المسلحة كافة، رابعاً.
إن الشبيبة العراقية المنتفضة، والشعب الذي ازدادت واتسعت مشاركته في الانتفاضة، تدرك تماماً بأن النظام السياسي القائم والعملية السياسية الفاشلة الجارية، قد فقدتا مشروعيتهما ولا بد من الإطاحة بهما وإجراء تغيير جذري في الوضع العراقي والدولة العراقية. إنه الطريق الوحيد للخلاص من الجرائم التي ترتكب ضد المنتفضين والشعب العراقي من جانب الحكم القائم وأساليبه في كسب الوقت والالتفاف على ما يناضل من أجله الشعب. على المرجعية الشيعية ألّا تمنح هذا النظام الجائر مزيداً من الوقت، وهي مسؤولة عنه، أي فرصة جديدة لأن الموقف سيتحول ضدها، كما هو ضد النظام السياسي القائم، وستكون مسؤولة عن الدماء التي تسفك، وهو ما لا نريده لمرجعية دينية مختصة بشؤون المذهب الديني الشيعي في العراق، والتي يمكن أن يبقى لها دوراً دينياً واجتماعياً وليس سياسياً.           

54
كاظم حبيب
من هو الرئيس الذي يقود الرئاسات الثلاث في العراق؟
رئاسات ثلاث هامشية ومهمشة في دولة عراقية هشة وهامشية وتابعة. هذه الرئاسات الثلاث يقودها رئيس جديد يشير لهم بقراراتها وإجراءاتها وما تفعله مع شعبها الذي لم يعد يريدها. هذا القائد الجديد هو الممثل الشخصي لولي الفقيه الإيراني علي خامنئي في العراق، إنه العميد العسكري وقائد فيلق القدس قاسم سليماني. وهو الذي قرر تسفير المسؤول الفعلي عن كتلة "سائرون" مقتدى الصدر إلى طهران ليصدر من هناك قراراً للولي الفقيه علي خامنئي برفض "سائرون" استقالة الحكومة، كما فعلت كتلة فتح ودولة القانون والحكمة وكل المطبلين للنظام السياسي الطائفي والفاسد والتابع، في حين كان مقتدى الصدر من بين وربما أول من ادعى مع "سائرون" بطلب استقالة عادل عبد المهدي. فماذا جرى للصدر في طهران؟ هو نفس الأمر الذي حصل مع الرئاسيات الثلاث التي خضعت" شاءت أم أبت" لقرارات الخامنئي عبر القائد الفعلي للعمليات العسكرية الجارية ضد المنتفضين في البلاد الجنرال العسكري قاسم سليماني. وهو الموقف الذي صدر عن اجتماع الرئاسات الثلاث الأخير يوم 10/11/2019، الذي قال عنه المتظاهرون في ساحات العراق وشوارعها: تمخض الجبل فولد فأرا! وكان حتى هذا الفأر الوليد مصاباً بالصم والبكم والعمي في آن!! 
وامام هذا الركوع المخزي لولي الفقيه الإيراني لم يكن امام المنتفضين في سائر أنحاء العراق المنتفض ليس رفض القرار السخيف بتقديم مشروع قانون جديد للانتخابات في ظل النظام السياسي الطائفي الفاسد فحسب، بل ورفض وجود هذه الرئاسات الثلاث التي تواصل اذلال الشعب وقتل وجرح وتعويق المزيد من المواطنين الشجعان والمزيد من الاعتقالات وممارسة التعذيب بحقهم ومحاولة سحق إرادتهم الحرة!
لم يعد عادل عبد المهدي، المصدر الفعلي المباشر للأوامر باستخدام العنف والسلاح والرصاص الحي والمطاطي والغاز القاتل وخراطيم المياه والاعتقالات والتغييب والتعذيب، وحده المسؤول عن قتل وجرح الآلاف المؤلفة من المتظاهرين السلميين في سائر أنحاء العراق فحسب، بل يشارك في المسؤولية الفعلية كل الرئاسات الثلاث التي تصر على استمرار عمل الحكومة وكذلك الاحزاب والقوى التي وافقت على عدم استقالة الحكومة.
لن يكف المنتفضون عن مواصلة التظاهر السلمي ضد وجود النظام السياسي الطائفي المحاصصي والفاسد والدموي في البلد حتى اسقاط هذه العملية السياسية الفاسدة والفاشلة وإسقاط النخب السياسية الفاسدة الحاكمة والمتجبرة التي تكذب يومياً مئات المرات ولا تستحي من كذبها. وقد وضع القائد العام للقوات المسلحة واحداً من أكبر الكذابين القدامى والجدد ناطقاً رسمياً له لممارسة الكذب ليزيد على كذب رئيسه بأكاذيب جديدة ضد المتظاهرين الذين ينعتهم بالخارجين على القانون ومدمري منشآت الدولة ومثيري الفتن!!!
ماذا يريد الشعب المنتفض المصمم على مواصلة التظاهر السلمي حتى تحقيق الأهداف؟ إنه يناضل من أجل:
1)   التخلص من النظام السياسي الطائفي الفاسد ومن التبعية الكاملة لإيران. وهذا يعني إجراء تغيير جذري في الواقع المعاش سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً في كل مراحله وثقافياً وبيئياً، وما يرتبط بكل ذلك من تغييرات تشريعية ووضع قوانين جديدة. ويتطلب هذا التغيير الإجراءات التالية:
2)   الاستجابة الفورية باستقالة أو إقالة الحكومة الحالية عبر الضغط الشعبي المتعاظم، والمباشرة بتشكيل حكومة وطنية مستقلة مؤقتة بصلاحيات كاملة ومن خبراء مستقلين يتسمون بالنزاهة في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس والقانون والثقافة تأخذ على عاتقها وضع خطة تنموية قصيرة الأمد لمعالجة الاختلالات الكبيرة في السياسة الاقتصادية والاجتماعية وغياب العدالة الاجتماعية ومعالجة مشكلة البطالة والفضائيين والبطالة المقنعة وتشغيل المنشآت الصناعة العامة والخاصة المعطلة إلى حين وضع خطط تنموية متوسطة وبعيدة المدى.
3)   إطلاق سراح المعتقلين كافة الذين اعتقلوا بسبب مشاركتهم في الانتفاضة الشعبية والتحري عن السجون السرية لتحرير المعتقلين واعتقال المتسببين في ذلك ومحاكمة من أصدر الأوامر باستخدام العنف ضد المنتفضين وتكريم الضحايا وعائلاتهم.
4)   إلغاء مجلس النواب الحالي، وإعادة النظر بنظم وبنية المفوضيات والهيئات المستقلة.
5)   إعادة النظر بالدستور العراقي لتخليصه من طابعه الطائفي والجوانب غير الديمقراطية فيه، وتكريس فصل الدين عن الدولة والسياسة، وتغيير بنية النظام السياسي لصالح دولة ديمقراطية فيدرالية حديثة تكرس الحريات العامة وحقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب، إضافة إلى وضع قانون ديمقراطي جديد للانتخابات ولمفوضية الانتخابات المستقلة وقانون الأحزاب وقانون الإعلام وقوانين للضمان الاجتماعي والصحي وحالات العجز والشيخوخة، وتحديد فتة زمنية لإجراء الانتخابات العامة. 
6)   البدء الفوري بتغيير القضاء العراقي (مجلس القضاء الأعلى) المسيًّس والمحكمة الاتحادية المسيَّسة والادعاء العام، وتكريس استقلالية القضاء العراقي. والبدء بمحاكمة كبار الفاسدين في الدولة العراقية بسلطاتها الثلاث والمفوضيات والهيئات المستقلة. كما لا بد من وضع قانون من أين لك هذا من اجل استعادة أموال العراق المهربة والمسروقة ومطاردة السارقين أينما كانوا قانونياً.
7)   البدء بمعالجة جادة ومسؤولة للمشكلات القائمة كافة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق بما يعزز التلاحم الأخوي والتضامن بين الشعبين وبقية القوميات، وكذلك معالجة العلاقة القانونية والإدارية والمالية بين الحكومة الاتحادية ومحافظات البلاد على وفق أسس اللامركزية.   
8)   جعل السلاح بيد الدولة فقط وتفكيك جميع الميليشيات الطائفية المسلحة والحشد الشعبي واستعادة أو مصادرة الأسلحة المشاعة في البلاد، ورفض وجود قوات أجنبية ممن ترفض الحكومة الجديدة المستقلة وجودهم في العراق.
9)   معالجة مشكلة الخدمات الأساسية للمجتمع وفئاته الكادحة والمهمشة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، لاسيما خدمات الكهرباء والماء الصالح للشرب والسكن والصحة والتعليم والنقل والاتصالات. 
10)   انتهاج سياسة إقليمية ودولية تتميز بالاستقلالية وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى والاحترام والمنفعة المتبادلتين ورفض كل أشكال التدخل الخارجي في شؤون العراق الداخلية والخارجية. والطلب من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والهيئات الدولية لحقوق الإنسان التدخل لدعم المطالب العادلة والمشروعة للشعب العراقي المنتفض، ووضع حد لاستخدام العنف القاتل في مواجهة المتظاهرين.




55
نداء لجمع التواقيع
إقامة الدعوى ضد رئيس وزراء العراق والقائد العام للقوات المسلحة عادل عبد المهدي في فرنسا
بالنظر إلى الجرائم المرعبة التي ارتكبت في العراق ضد المنتفضين الذين يطالبون بحقوق الشعب العراق المغتصبة من نظام سياسي طائفي وفاسد ومدعم من دولة أجنبية هي إيران، ولأن رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، عادل عبد المهدي، الذي أصدر الأوامر بصفتيه الرسميتين باستخدام العنف والرصاص الحي والمطاطي والغاز القاتل ضد المنتفضين، مما أدى إلى استشهاد 301 عراقي وجرح 15 ألف من المتظاهرين الشباب حتى الآن.
نحن الموقعين أدناه نطلب من أخواتنا وإخوتنا العراقيين الحاملين للجنسية الفرنسية إقامة الدعوى القضائية ضد المدعو عادل عبد المهدي، الحامل للجنسية الفرنسية أيضاً، لمحاكمته على الجرائم التي ارتكبت في العراق خلال الفترة الواقعة بين الأول من تشرين الأول حتى 10/11/2019 من قبل قوات الأمن والشرطة وقوات الجيش والحشد الشعب والميليشيات الطائفية المسلحة والقوات الإيرانية غير الرسمية الموجودة في العراق.
الموقعون:
د. كاظم حبيب       كاتب وباحث وناشط مدني وسياسي/ ألمانيا
محمود سعيد الطائي   روائي وكاتب / الولايات المتحدة الأمريكية
عبد الله حجازي       ناشط مدني/ ألمانيا
مثنى صلاح الدين محمود إحصائي ومترجم وناشط مدني
فوزية العلوجي       ناشطة مدنية/ بريطانيا 
د. محمد الموسوي    أستاذ جامعي وكاتب وناشط مدني/ بريطانيا
د. أحمد الربيعي       أستاذ جامعي وناشط مدني/ استراليا 
نهاد القاضي       مهندس استشاري وناشط مدني، هولندا
د. سربست نبي      أستاذ جامعي وباحث وكاتب وناشط مدني/ سوريا
د. صادق أطيمش    أستاذ جامعي وباحث وكاتب وناشط مدني / المانيا
د. مهند البراك       طبيب وباحث / المانيا
ضياء الشكرجي      مهندس استشاري وباحث وكاتب وسياسي/ المانيا 
أ‌.   د. راجح البدراوي   زراعي/ ألمانيا
د. غالب العاني      طبيب وناشط مدني
عصام الياسري       صحفي/ ألمانيا
د. خليل عبد العزيز      إعلامي وكاتب/ السويد 
حازم كويي      ناشط مدني/ المانيا       

56
كاظم حبيب
هل مقتدى الصدر محتجز في طهران؟
لقد كان مقتدى الصدر قد عاد لتوه من إيران إلى النجف بعد أن التقي بولي الفقيه الإيراني علي خامنئي وجلس بجوار قاسم سليماني، وبالقرب من كرسي الشاهنشاهية الذي اعتلاه خامنئي متبخترا وينظر إلى رعيته من علٍ، كما أظهرتهم الصور المنشورة في الصحافة العالمية. وكانت الانتفاضة قد تفجرت بأرقى أشكالها السلمية في العراق، فأعطى الصدر رأيه بالموقف الذي، كما يقال عنه "لا يطير ولا ينكض بالأيد"، والذي تعرف عليه متظاهرو النجف حين ذهب إليهم بالسيارة لتأييدهم، ولكنهم لم يرغبوا أن يكونوا تحت عباءته أو عباءة سائرون! وحين ارتفع صوت الشعب: بغداد حرة حرة .. إيران برة برة، تحدث حينها رئيس مجلس النواب الإيراني وانتقد بشدة مقتدى الصدر واعتبره مخطئاً ومسيئاً لإيران!! لم يمر أكثر من يوم واحد حتى وصل قاسم سليماني إلى العراق ونظم عملية المقاومة للانتفاضة ووزع الأدوار بين القوى المؤيدة للوجود الإيراني في العراق وهيمنتها على السياسة والاقتصاد والمجتمع في البلاد. وحين لم يستطع التوافق المطلوب تماماً مع مقتدى الصدر [تقرر!] سفر مقتدى الصدر إلى طهران. وها هو لليوم الخامس في عاصمة إيران ووليها خامنئي ولم يعد إلى النجف، وسكتت كتلة "سائرون" عن الكلام المباح، عدا الحديث عن إعداد ملف الأسئلة لحين حضور عادل عبد المهدي إلى مجلس النواب، ولن يحضر. ولكن الكثير ممن هم في سائرون ومن ذوي الرأي المستقل يشاركون في الانتفاضة وبعيداً عن أي قرار. عطل رئيس مجلس النواب، على وفق توزيع الأدوار، عمل مجلس النواب بذريعة الجلسة مفتوحة ولن تعقد إلا حين يحضر رئيس الوزراء، ولن يحضر. وبالتالي أعفى مجلس النواب لأيام حاسمة نفسه من اتخاذ القرارات الضرورية حتى في غياب عادل عبد المهدي. إلى ماذا تشير الأمور الجارية في العراق حالياً؟ اطرح المسائل التالية:
أولاً: استمرار سلطات الدولة الثلاث، وفي مقدمتها الحكومة، في المراوغة والخداع والكذب وكسب الوقت وقتل المزيد من المتظاهرين واعتقال النشطاء منهم وبث الرعب من خلال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، إلى حين تراجع المظاهرات، كما يتوقعون ويتوقع كل المستبدين في أرض الله!! وأخر صورة نشرت لعادل عبد المهدي وهو يضع النظارة السوداء على عينيه. فقد ذكرتني بصورة للدكتاتور بينو شيت في شيلي وصورة صدام حسين بنظارته السوداء أو حافظ الأسد أو القذافي أو حسني مبارك أو نوري المالكي، أو كل المستبدين وهم يضعون النظارات السوداء على عيونهم وكأنهم لا يريدون أو يخشون النظر المباشر في عيون الشعب! ولكنهم، كما نعرف لا يستحون حتى من ربهم الذي يدعون كذباً إيمانهم به، بعد أن فقدوا ضميرهم وتخلوا عن أي حس إنساني نبيل!!
ثانياً: هناك احتمال وارد في حجز مقتدى الصدر في إيران لتعطيل مشاركة أتباعه في سائرون في التظاهرات بانتظار عودته، ولكن الكثير منهم يشارك فعلاً، ويبدو أنه لن يعود قبل (قتل!) الانتفاضة، ولكن هل في مقدور هؤلاء الأوباش قتل الانتفاضة، وإذا عاد مقتدى الصدر، هل استطاع الخامنئي غسل دماغه كما فعلوا مع نور المالكي والجعفري والعامري والخزعلي والفياض والمهندس ومن لف لفهم!
ثالثاً: كل المعطيات الجارية على أرض الواقع العراقي تشير بما لا يقبل الشك إلى أن المنتفضين في سائر مدن الانتفاضة لن يتراجعوا قيد أنملة، بل ستتسع المظاهرات وتنمو وتتطور في سائر أرجاء العراق؟ كل الدلائل المتوفرة تشير إلى استبسال حقيقي للمتظاهرين واتساع رقعة المظاهرات والمشاركين فيها، كرد فعل واقعي وضروري من جانب الشعب لسببين هما: أ) إصرار عادل عبد المهدي وطغمته على الاستمرار بخداع الشعب بإصدار قرارات بائسة في محاولة للالتفاف على المطالب المركزية للانتفاضة بأمل كسب الوقت والتهيئة لأمر سيء جداً ضد المنتفضين من جهة، وب) استمراره بإعطاء الضوء الأخضر والقرار الواضح بمواجهة المتظاهرين بالرصاص الحي والمطاطي والقنابل القاتلة تحت اسم "قنابل مسيلة للدموع!"، والذي عبَّر عنه بصراحة تامة العسكري الفالت من عقاله عبد الكريم خلف السيء الصيت والذليل أمام كل حاكم مستبد وأمام المال والسحت الحرام!!
خامساً: التآمر على الانتفاضة حتى الأمس كان مستمراً، إذ كان المجتمع الدولي في غيبوبة عما جرى ويجري في العراق من قتل يومي، وقد عبر عن ذلك الرجل الذي أعطى أوامره بالقتل، عادل عبد المهدي، حين قال بأن القتل أصبح أقل حالياً. ذكرني هذا يما قاله المجرم علي كيمياوي، ابن عم المجرم صدام حسين، حين قيل له في احد الاجتماعات بأن السلاح الكيماوي الذي استخدم في حلبچة وضد الكرد وعموم عمليات الأنفال في الإبادة الجماعية قد قتل فيها أكثر من 180 ألف إنسان كردستاني، ردَّ عليهم بقوله: لماذا تبالغون بعدد القتلى، إنه لم يزد عن 100 ألف شخص!!! فتأملوا هذه الوقاحة لعلي كيماوي، والذي يماثل قول عادل عبد المهدي المسؤول عن حماية الشعب والمتظاهرين قل عدد القتلى، اية وقاحة هذه أيها الصعلوك!!! إن السكوت السابق وغير المعقول للإعلام العالمي والمجتمع الدولي والرأي العام العالمي أمام انتفاضة الشبيبة والشعب الباسلة، رغم العدد الكبير للقتلى والآلاف المؤلفة من الجرحى والمعوقين وآلاف المعتقلين المعذبين والمختطفين والمغيبين، فإن هذه المؤسسات الدولية والإقليمية بدأت اليوم بالتحرك ضد ما يجري في العراق. تحرك الأمين العام للأمم المتحدة وتحرك الاتحاد الأوروبي وتحرك ممثل الأمم المتحدة في العراق، كما تحركت منظمات حقوق الإنسان الدولية ومنظمة العفو الدولية وغيرها من المنظمات الدولية التي تشجب عنف الحكومة العراقية وتدين قتلها الوحشي للمتظاهرين ورفضها الاستجابة لمطالب الشعب العادلة والمشروعة. إن هذا التحول مهم جداً ونأمل أن تتحرك الشعوب العربية في تأييد ودعم الشعب العراقي والتضامن معه في نضاله ضد الطائفية والفساد والتدخل الخارجي الفظ في الشأن العراقي.
سادساً: ليس هناك ما يخسره المنتفضون غير قيودهم. فوطنهم مستباح من قبل الطائفيين والفاسدين والخامنئيين، ولهذا فهم بطالبون بـ "وطنهم"، باسترداده ممن سرقوه وحولوه إلى وطن الرثاثة، وليس وطن الحضارة، إلى وطن البؤس والفاقة والحرمان، وليس وطن الغنى والثروة النفطية والرفاهية والسعادة، وطن القتل للمتظاهرين السلميين، وليس وطن الحب والحنان والاستجابة لإرادة الشعب ومطالبه. إنها المأساة والمهزلة التي يمر بهما العراق حالياً ومنذ 16 عاماً بالتمام والكمال.
سابعاً: ليس فينا من لا يعرف بأن الكثير من اتباع مقتدى الصدر هم من الكادحين المهمشين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وأن الكثير منهم بدأ يدرك خلال السنوات الأخيرة أهمية تغيير النظام السياسي القائم ليس بالإصلاح غير الممكن لأن النخبة الحاكمة لا تريد ذلك، بل لا بد من تغييره وإقامة نظام مدني ديمقراطي على أنقاضه والعملية السياسية الفاسدة لا يمكن أن تستمر. ولهذا فلا بد لهم وبغض النظر عن موقف مقتدى الصدر، الذي ربما هو محجوز في طهران أو قم، كما كان رئيس حكومة لبنان سعد الحريري محجوزاً في الرياض حتى تم إقناعه بما ينبغي عليه فعله على وفق إرادة السعودية، أن يتخذوا الموقف المناسب. والكثير منهم يشارك في الانتفاضة بالرغم من إرادة إيران المناهضة للمنتفضين.                       
وأخيراً، فنحن أمام مؤامرة قذرة تستهدف عملية التغيير للنظام السياسي الطائفي الفاسد في العراق، وعلينا مواجهتها والكشف عن ابعادها والقوى المساهمة فيها، علينا تعبئة الصفوف وتحقيق التنسيق والوحدة والتضامن الكامل بين قوى الانتفاضة في بغداد والمحافظات بهدف تطوير الزخم والضغط وممارسة كل الأساليب السلمية في مواجهة المعتدين وإحراز النصر على الحكام الظالمين.


57
كاظم حبيب
هل في جعبة نوري المالكي من جديد؟
وبالأمس عاد عراب إيران الأول من جديد، عاد المستبد بأمره والطائفي بامتياز ورئيس الحكومة الأسبق والقائد العام للقوات المسلحة الأسبق ورئيس حزب الدعوة ورئيس قائمة دولة "اللاقانون"، والمتهم الأول بحكم وظيفتيه وعمله عن تسليم الموصل ونينوى للدواعش وعن كل ما حصل خلال ولايتين له على رأس مجلس الوزراء العراقي والقوات المسلحة العراقية من مآسي وكوراث ومحن وقتل على أساس الهوية الدينية والطائفية والتمييز ضد أتباع الديانات الأخرى ونشوء نظام متكامل للفساد وتسلط المافيات المعروفة بأسماء الميليشيات الطائفية المسلحة في البلاد وتبعية كاملة لإيران وولي الفقيه فيها، عاد نوري المالكي والعود غير محمودٍ وغير مطلوبٍ وغير مرغوبٍ به، فهو شخصية محروقة عراقياً وعربياً ودولياً، إلِّا إيرانيا فهو "الولد المدلل" لولي الفقيه على خامنئي. هذا "الطائفي" و"الطاغية" عاد ليطالب مرة بموقع نائب رئيس الجمهورية، ومرة أخرى عراباً لحكومة عادل عبد المهدي، بعد الجرائم التي ارتكبتها حكومته في البلاد وسقوط مئات الضحايا وآلاف الجرحى والمعوقين وتلطخت أيديه في أكتوبر ونوفمبر من هذا العام (2019) بدماء الشهداء، كما تلطخت أيدي نوري المالكي بدماء العراقيين في أحداث 2011. عاد لينقذ النظام الطائفي بطرح مقترح التفاوض بين وفد من الانتفاضة وبين الحكومة بتعهد طرف ثالث. هل يعتقد هذا الطائفي بأن الشعب الذي انتفض اليوم قد نسى التعهد الذي قطعه المالكي على نفسه بتغيير الأوضاع في مئة يوم، فماذا حصل حينذاك؟ لقد سقط الرجل أكثر فأكثر في مستنقع العداء للشعب العراقي بكل قومياته وأتباع دياناته ومذاهبه واتجاهاته الفكرية، وتسبب في كوارث عام 2014 حيث تم اجتياح العراق وسبيه واغتصاب نساءه وسبي الآلاف من النساء الإيزيديات وبيعهن في "سوق النخاسة الإسلامي" ونزوح مئات لألوف من السكان من الموصل وعموم محافظة نينوى، وكذلك قتلى معسكر سپايكر.. الخ. إنه يراهن على دعم إيران له للعودة. إن الشعب الذي يرفض استمرار عادل عبد المهدي على رأس الحكومة ويطالب بتغيير النظام الطائفي الفاسد، يرفض ألف مرة ومرة وصول نوري المالكي ورهطه ويرفض النظام الطائفي كله ومجمل العملية السياسية الفاشلة والفاسدة. لقد برهنت الحياة في كل الدول ذات الأكثرية المسلمة بأن الحكم الإسلامي إن أقيم في أي من هذه البلدان لن يكون غير حكمٍ استبداديٍ مقيت وظالم وفاسد. وأمام المنتفضين في العراق سلسلة من الدول منها إيران والسعودية وقطر ومصر الإخوان المسلمين وباكستان ...الخ. ويزداد الأمر سوءاً حين تكون في الدولة مجموعة من الديانات والمذاهب التي تستوجب إقامة الدولة الديمقراطية التي تتخذ موقفاً حيادياً من كل الديانات وتفصل بين الدين والدولة. (اقرأ في هذا الصدد مقالتين للسيد الدكتور قاسم حسين صالح بعنوان "الحاكم الإسلامي حين يتحول الى مستبد (1 و2) تحليل سيكولوجي"، الحوار المتمدن في 2 و5/11/2019).
ومع بدء تحرك المالكي ظهرت شخصية شبيهة بوزير الدعاية العراقي المهرج الذي أشبعنا انتصارات كاذبة في فترة الحرب عام 2003 محمد سعيد الصحاف، إنه المتحدث الجديد باسم القائد العام للقوات المسلحة عبد الكريم خلف ليشبعنا كأي مهرج ومخادع بوجود متآمرين من المنتفضين يريدون إلحاق الضرر بالاقتصاد العراقي.. كما أنتم أيها الطائفيون تعبدون المال والسحت الحرام.
إن الضمانة الوحيدة لانتصار الشعب على هذه الزمر الحاكمة هي وحدة الشعب واستمرار الانتفاضة السلمية واتساع قاعدتها بالمزيد من بنات وأبناء الشعب، إنها الضمانة الفعلية للخلاص من أي وجود أجنبي، ومنه الوجود والهيمنة الإيرانية والتخلص من أتباع إيران وذيولها في العراق.   
   


58
كاظم حبيب
من يحكم العراق بالحديد والنار؟

لقد خضع العراق لقرون وعقود تحت هيمنات استعمارية كثيرة وانتفض عليها وأسقطها بعد أن تكبد الكثير من الدماء والدموع والكثير من الخراب والتأخر. ولكنه في المحصلة النهائية انتصر كل مرة. وبعد فترة يتعرض لهجوم جديد وخيانات من قبل حكام مستبدين جدد، فيسقط مرة أخرى تحت هيمنة جديدة. هذا ما سجله تاريخ العراق منذ آلاف السنين. يمكن أن أعود بكم إلى كتابي الموسوم "لمحات من عراق القرن العشرين" (11 مجلداً بـ 4250 صفحة عن دار أراس، أربيل 2013) حيث نطالع فيه لمحات من تاريخ العراق منذ السومريين والبابليين ومروراً بغيرهم ووصولاً إلى الفرس والعثمانيين ومن ثم الانجليز والعهد الملكي وثورة تموز وحكم القوميين والبعثيين الدكتاتوري، حتى قيام الحكم الطائفي الفاسد الراهن تحت حراب المحتل الأمريكي-البريطاني. كثيراً ما كسَّر الشعب قيوده ليبني وطنه، ثم يبرز من بين أبناءه، وليس بناته، من يخون الزاد والملح ومن يخون حليب أمه فينقلب على الشعب ويحكمه بالحديد والنار ويدوس على كرامته. حصل هذا منذ العام 1963 واستمر حتى الوقت الحاضر. فمرة عبد السلام محمد عارف وأخرى أحمد حسن البكر وثالثة صدام حسين ورابعة إبراهيم الجعفري، ثم نوري المالكي، المستبد بأمره وأمر ولي وولي أمره علي خامنئي، الذي برهن على أنه يلتقي مع الأكثر توحشاً وعدوانية في حكم العراق صدام حسين، ومن ثم كان العبادي، وأخيراً الدكتاتور الصغير عادل عبد المهدي، الذي تلطخت أيديه بدماء شهداء بغداد والناصرية والبصرة والحلة وكربلاء وواسط والعمارة وديالى و... الخ. السؤال الذي يدور في بال كل العراقيات والعراقيين هو: من يحكم العراق؟ لم يكن الجواب صعباً على المنتفضين في بغداد وكربلاء والبصرة وبابل والناصرية فقد أجابوا بصوت واحد: (بغداد حرة حرة.. إيران برة برة)، ومن ثم "كربلاء حرة حرة .. إيران برة برة". ثم عززوها بالشعار الآخر، الذي أكد بأن إيران تحكم العراق عبر أتباع لها في الداخل: حين هتفت الجماهير الغاضبة والمنتفضة: (باسم الدين باگونة الحرامية)، هتافات هزّت الأرض والسماء صارخة ضد الميليشيات الطائفية المسلحة وضد الأحزاب الإسلامية السياسية ورموزها الحرامية.. هكذا حدد شعب العراق من يحكم العراق منذ إسقاط الدكتاتورية واستيلاء حزب الدعوة والتحالفات الطائفية التي أطلق عليها "أهل البيت" على السلطة في البلاد بتآمر ومساومة بين الولايات المتحدة وإيران.
ولكن حكام العراق الذين يحكمون باسم إيران في العراق هم محكومون بمستشارين قادمين من إيران وبقوات عسكرية تحمي هؤلاء الحكام وتوجه نيرانها صوب المنتفضين. أن الحاكم الفعلي في العراق ليس عادل عبد المهدي بل قاسم سليماني وليس عادل عبد المهدي سوى الذراع القذرة التي يستخدمها الحاكم والمستبد بأمره قاسم سليماني. وهذه الذراع يجب أن تقطع وكل ذراع مماثلة. هذه هي الحقيقة المرة التي تواجه العراق. وحين يقول عادل عبد المهدي لن "أستقيل" فهو يردد إرادة علي خامنئي ووكيله في العراق قاسم سليماني. إن منتفضي كربلاء على حق حين أكدوا بأن إيران هي الفاعل الفعلي في العراق منذ 16 عاماً وهي التي يجب أن تطرد من العراق مع رموزها والتابعين لها والضاربين باسمها انتفاضة الشبيبة والشعب من أمثال فالح فياض والعامري والخزعلي وعبد الكريم خلف وغيرهم من المعادين لحقوق الشعب التي يضمنها الدستور وممن يسيئون يومياً للشعب والوطن وانتفاضته ويمارسون الكذب دون حياء أو وجل!!!   
أرى في الانتفاضة الشبابية ضوءاً شديد التوهج في نهاية النفق الذي أدخلَ المحتلون الأمريكان العراق فيه وسلموه لإيران ومعهم حفنة رثة من أتباعها تحكم الشعب بالحديد والنار، وقد برهنت الحياة أن لا مستقبل لمثل هذه السياسات المعادية للشعوب، وأن انتصار الشعب آت لا ريب فيه!       

59
كاظم حبيب
أين تكمن مصالح شعب كردستان؟
السؤال الذي راودني مباشرة بعد سماعي لما أعلنه السيد مسعود البارزاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، وما أعلنه السيد مسرور البارزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان، بأنهما يرفضان إقالة حكومة السيد عادل عبد المهدي لأنه استجاب في موضوع المالية ليس إلا! فهل عادل عبد المهدي هو من يضمن الحقوق الأساسية للشعب الكردي، أم عراق حر، ديمقراطي ومستقل عن الإرادات الأجنبية، لاسيما إرادة الدول المجاورة للعراق وكردستان العراق، أي إيران وتركيا، اللتان تقفان ضد مصالح الشعب الكردي في كل أقاليمه؟ أن تصريحات المسؤوليين الكرد في أربيل تعني بوضوح ما يلي: إن الحزب الذي يقود الحكومة الكردستانية يتخذ موقفاً معارضاً إزاء إرادة الانتفاضة الشبابية والشعبية العراقية التي تطالب باستقالة عادل عبد المهدي، وترى في العملية السياسية الجارية عملية فاشلة وسيئة ينبغي أن تنتهي، وأن ينتهي معها النظام السياسي الطائفي والفاسد، الذي لم يكن يوما ما ومنذ قيامه صديقاً للشعب الكردي وحقوقه العادلة والمشروعة. ومع إن عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء، لم يتوقف عن استمرار تنفيذ قراره بممارسة العنف والسلاح (الحديد والنار) في مواجهة الانتفاضة الشعبية وسقوط المزيد من الضحايا والذي بلغ عددهم أكثر من 400 شهيداً وأكثر من 12 جريح ومعوق خلال شهيد خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر واليام الأربعة الأولى من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2019، لم يتوقف تأييد حكومة إقليم كردستان لرئيس وزراء الحكومة الاتحادية، رغم صدور بيان تضامني تاريخي مهم من مثقفي إقليم كردستان مع المنتفضين في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب. والسؤال الذي يواجه كل صديق مخلص للشعب الكردي، وأنا أحدهم، هو: أين تكمن مصالح شعب كردستان: هل هي في تأييد عادل عبد المهدي، الذي احرق كل أوراقه لدى الشعب العراقي، أم في تأييده للشعب العراقي المنتفض ضد الحكومة العراقية وضد النظام الطائفي السياسي الفاسد الذي لم يقصر في الإساءة المستمرة للشعب العراقي كله، وكذلك للشعب الكردي في كردستان العراق أيضاً؟ لا أحتاج إلى تفكير طويل لأقدر بصواب إن مصالح الشعب الكردي تتحقق في دولة عراقية ديمقراطية حرة وفي نظام سياسي ديمقراطي غير طائفي وغير فاسد وفي مجتمع مدني ديمقراطي حر وعلماني، عراق مستقل عن الإرادات الخارجية، سواء أكانت إيرانية أم أمريكية أم تركية أم خليجية، مثل هذا العراق هو الذي يضمن للشعب العراقي كله وللشعب الكردي والقوميات الأخرى حقوقها المشروعة والعادلة. لهذا أرى بأن موقف رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ورئيس حكومة إقليم كردستان ليست صائبة فيما لو استمر على تأييد استمرار حكومة عادل عبد لمهدي، إذ إنها تسهم في إضعاف التضامن الضروري بين شعبين صديقين لإقامة عراق ديمقراطي حر ومستقل تتمتع فيه شعوبها بالحرية والحياة الديمقراطية وبالحقوق المشروعة لجميع القوميات وأتباع الديانات والمذاهب. إن سبعين عاماً من التضامن العادل والصادق مع الشعب الكردي ومع حقوقه المشروعة لا يزعزعها هذا الموقف، ولكن سيزعزع الصداقة والتضامن الضروريين اليوم ومستقبل العلاقات بين الشعبين الصديقين. وهو ما يقلقني كثيراً. أتمنى على حكومة الإقليم والأحزاب الكردستانية وبقية القوى السياسية أن تعيد النظر بموقفها من انتفاضة العراق الباسلة ومن المطالب العادلة المطروحة في ساحة النضال الوطني، في ساحة التحرير وفي كل ساحات الوسط والجنوب والتي يمكن أن ترفع في كل أنحاء العراق. إن عادل عبد المهدي قد نفذ مجزرة دموية في بغداد وفي بقية مدن محافظات الوسط والجنوب وتحول إلى دكتاتور صغير يمارس الظلم والقسوة إزاء الشعب والشبيبة المنتفضة، ولن يغفر له الشعب ذلك بأي حال. إن من مصلحة الشعب الكردي أن يتضامن مع الشعب العربي وبقية القوميات المناضلة والمنتفضة في بغداد وبقية المحافظات، وأن يقف إلى جانب تغيير النظام الطائفي الفاسد ورموزه المعروفة والفاسدة وتأييد تغيير الدستور لحماية كل الحقوق القومية العادلة والمشروعة، وكذلك قانون الانتخابات وقانون الأحزاب والمفوضية المستقلة للانتخابات ...الخ. وان لا تكون في تلك التعديلات ما يُضعف حقوق الشعب الكردي والمكاسب المشروعة والعادلة التي تحققت له خلال الفترة المنصرمة والتي ستبقى مكرسة في الدستور المطلوب تعديله. إن الشعب سينتصر في معركته الراهنة، وسينتهي عهد الظلم والطغيان عاجلاً أم آجلاً، وستُفتح صفحة جديدة في تاريخ العراق، صفحة جديدة في علاقات التآخي والتضامن والاستجابة لحقوق القوميات في العراق.


   
 

60
كاظم حبيب
الفحوى الكارثي لرسالة عادل عبد المهدي: عرب وين ... وطنبورة وين!!!
من استمع إلى رسالة عادل عبد المهدي الموجهة إلى الشعب العراقي أو سمع بها، التي أذيعت من أكثر من قناة عراقية بتاريخ 03/11/2019، يمكنه أن يسجل ثلاث فرضيات، وهي:
1) إما إن هذا الرجل دكتاتور صغير لا يأبه بالدم العراقي ولا بمطالب الشعب التي دعت إلى استقالته فوراً، بل يسعى جاهداً على كسب الوقت للإجهاز على المنتفضين بذريعة العنف ووجود خارجين على القانون!؛ 2) أو أن يكون الرجل معتوهاً وفاقداً لعقله بالتمام والكمال، ولم يعد يتذكر إن مئات الضحايا التي سقطت على أيدي أجهزة الأمن والميليشيات الطائفية المسلحة والحشد أللاشعبي والقوى الإيرانية التي وصلت إلى العراق خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019، إضافة إلى آلاف الجرحى والمعوقين وآلاف المعتقلين والمختطفين والمغيبين والمعذبين من بنات وأبناء الشعب المنتفض وبقرارات مباشرة منه. وأخر مختطفين هما سيف راضي، الذي وجد مقيداً ومعذباً ورمياً على قارعة الطريق ومغشياً عليه، والسيدة الناشطة المدنية والإسعافية صبا المهداوي، والتي لم تعد حتى الآن إلى عائلتها، وإن الشعب لا يمكن أن يغفر له وللنخبة السياسية الحاكمة ما فعلوه طيلة الأعوام الفائتة حتى الوقت الحاضر، حيث يمارسون قتل الناس وتعذيبهم بدم بارد، كما فعل أتباع الدكتاتور صدام حسين وأبشع؛ 3) أو أن يكون ابن المنتفگي محتجزاً ورهينة تفرض عليه القرارات وكتابة الرسال على وفق ما يقرره العميد العسكري وممثل ولي الفقيه علي خامنئي في المنطقة الخضراء وعموم العراق قاسم سليماني، الذي وصل العراق خصيصاً لدفن الانتفاضة الشعبية.
ويبدو إن قادة الدولة الإمعة أصبحوا يستجيبون لطلبات سليماني وسيده خامنئي دون عنوة، كما فعل كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب والسلطة القضائية التي لم تحقق حتى الآن مع من أصدر الأوامر بقتل المتظاهرين، ومع من طالب المنتفضون البواسل بمحاسبته وتقديمه للقضاء من حكام العراق منذ العام 2004 حتى الآن.
لقد وجه هذا الدكتاتور الصغير والبائس رسالة وقحة استخدم فيها، كما يقال "الجزرة والعصا"، فهو من جهة يتحدث عن تحقيق الإصلاحات، التي فات أوانها اصلاً، ومن جهة أخرى يهدد باتخاذ أقسى العقوبات لمن لا يلتزم بما تطلبه الحكومة من المتظاهرين وركز على الخارجين على القانون. وعادل عبد المهدي يدرك بأنه وحكومته العراقية ومجلس النواب وبقية الحكام هم الخارجون على الدستور وقوانين البلاد، وهم الذين داسوا على الدستور العراقي والقوانين المرعية وكرامة الإنسان العراقي امرأة كانت أم رجلاً، وهم الذين، مع بقية الأحزاب الإسلامية السياسية، نهبوا الدولة والمال العام والموارد الأولية، لاسيما النفط الخام، وهم الذين، مع أحزابهم الإسلامية السياسية الطائفية الفاسدة، زورا الانتخابات وشوهوا حياة الإنسان العراقي وسلموا الموصل ونينوى لعصابات داعش لتعيث فيها فسقاً وفساداً وقتلاً وتدميراً..
إن الحكومة العراقية يا عادل عبد المهدي الراهنة، والحكومات الأخرى قبلها، هي الخارجة على القانون وليس الشبيبة المتظاهرة، ولا الشعب المطالب بحقوقه (انزل ..أخذ حقي)، وهي التي تترسل بعض المرتزقة القادمين من إيران أو المنتمين للميليشيات الطائفية المسلحة التابعة لإيران وأحزاب إيرانية في العراق لإشعال الحرائق وخلق الفوضى في البلاد لتسهيل مهمة الهجوم على المنتفضين بدعوى الفوضى والخروج على القانون. هذه اساليبكم يا عادل عبد المهدي، أساليب الخامنئي وأتباعه في العراق وأتباع كل التشكيلات الإرهابية، سواء أكانت محلية أم عربية أم إسلامية أم دولية!
لا يستحق رئيس الوزراء الرد على رسالته وثرثرته الفارغة، إذ إنه يتحدث وكأنه يعيش في كوكب أخر. لقد كان عليه أن يقدم استقالته فوراً بعد مطالبته وقبل سقوط أول مجموعة من الشهداء في ساحات العراق، فالشعب هو مصدر السلطات وليس مجلس النواب الذي جاء في أغلبه بشراء المقاعد بالملايين من الدولارات وبموافقة القوى الطائفية الفاسدة والمتحكمة بالمفوضية غير المستقلة للانتخابات التي ساهمت بحيوية بالغة في تزوير وتشويه الانتخابات. إن المثل الشعبي العراقي القائل " عرب وين طنبورة وين" يعبر بصدق عن رسالة الهبل عادل عبد المهدي الموجهة للشعب العراقي، هذا الفلاح المهموم بسبب نزاع وقتلى من عشيرته، الذي قال عن زوجته الطرشة والخرسة ذلك القول المأثور، وهي التي اعتقلت إن إشارته المهمومة تعني أنه يريد منها شيئاً آخر!!! والشعب يرى في رسالة رئيس الوزراء إنه "الطنبورة"، الأخرس، والأطرش، والأعمى أيضاً!!!
سيبقى المنتفضون في الساحات العامة والشوارع وسيعلنون الإضراب العام في أنحاء البلاد وسيتخذون قرار إعلان العصيان المدني ليس لإسقاط الحكومة ومجلس النواب فحسب، بل والنظام السياسي الطائفي الفاسد وكل العملية السياسية المشوهة والمزيفة والمتحكم بها علي خامنئي وطغمته في إيران وأتباعه الأوباش في العراق. سيبقى المنتفضون المناضلون صامدين بوجه إرهاب الدولة ومن معها حتى تحقيق النصر للشعب على الحكام الطغاة الفاسدين والظالمين...     
 
     

61
كاظم حبيب
أعداء الشعب يستخدمون غازات قاتلة ضد المنتفضين
[لتتسع قاعدة المشاركين بالانتفاضة بأفراد القوات المسلحة]
أنزل الرأي العراقي والإقليمي والعالمي، وكذلك المجتمع الدولي، أشد اللعنات على رأس الدكتاتور صدام حسن وقريبه علي كيماوي بسبب استخدامهما الأسلحة الكيمياوية، لاسيما غاز الخردل وغاز السارين، ضد الشعب الكردي في مدينة حلبچة الجريحة مما أدى إلى في عام 1988 إلى استشهاد ما يزيد عن 5 ألاف إنسان وأكثر من 5000 جريح ومعوق من بنات وأبناء الشعب الكردي ومن مختلف الأعمار، إضافة إلى نفق الكثير من الماشية والخراب والدمار الذي حل بالمنطقة كلها، كما استخدم هذان المجرمان السلاح الفتاك نسه ضد قوات البيشمركة الكردية والانصار الشيوعيين العراقيين في إقليم كردستان في العام ذاته وأدى الى سقوط ضحايا وجرحى ومعوقين. لقد مارس الدكتاتور عمليات إبادة جماعية بحق الشعب الكردي. واليوم نتابع بغض وإدانة شديدة بدء النظام الطائفي الفاسد في العراق استخدام غازات سامة ضد المنتفضين على مظالم النظام وطغيانه. وبرهنت أحداث شهر تشرين الأول/أكتوبر ويومي الأول والثاني من تشرين الثاني نوفمبر 2019 إلى أن حكام إيران وأتباعهم في بلاد الرافدين لن يتورعوا عن ممارسة ذات الأساليب واستخدام ذات الأسلحة الفتاكة ضد شعبنا الصامد والمناضل. إذ أنهم بدأوا بذلك وهم يخططون الآن ويسعون من خلال كسب الوقت وانتظار الفرصة المواتية لتنفيذ المزيد من الجرائم بحق الشعب العراقي. واليوم وأمام أنظار العالم كله يستخدم النظام الطائفي الفاسد في العراق الغازات السامة معبأة بعبوات أكبر من حجم علب الغاز المسيل للدموع التي تستخدم عادة وعالميا، رغم تحريمها، والتي تصيب العيون بالتقرح وتسيل الدموع من المصابين بها، أي إصابات غير قاتلة عموماً، أولا، وتستخدم أنواعاً أخرى من الغازات التي لا تصيب العيون فحسب، بل تصيب الجهاز التنفسي وتعطله عن العمل وتصيب الرأس فتهشمه، انها غازات قاتلة جديدة تصنع في بلغاريا وصربيا، كما أشارت إلى ذلك منظمة العفو الدولية ذات المصداقية العالية. وقد أصدرت هذه المنظمة بياناً قالت فيه "ان خمسة متظاهرين قتلوا في بغداد بقنابل مسيلة للدموع "اخترقت جماجمهم" داعية العراق الى عدم استخدام هذا النوع "غير المسبوق" من قنابل الغاز المسيل للدموع والذي يبلغ وزنه عشرة أضعاف وزن عبوات الغاز المسيل للدموع التي تستخدم في العادة. وهي لا تستخدم لتفريق المتظاهرين بل إلى قتلهم...". وتشير المعلومات المؤكدة بأن اتباع الميليشيات الطائفية المسلحة التابعة لإيران، لاسيما قادة بدر وعصائب أهل الحق والخراساني وحزب الله ومجموعة اخرى من قادة "الحشد اللاشعبي"، هي التي تساهم بفعالية في استخدام هذا السلاح الذي جاءها من إيران أيضا وعبر قوات الحرس الثوري وفيلق القدس والبسيج، وهي كلها قوات إيرانية حصل المتظاهرون على هوياتهم الشخصية، كما عرضت تلك الهويات على شاشة التلفزة.
إن القوات العسكرية العراقية، لاسيما الجيش، يفترض أن تدرك بأنها جزءٌ من هذا الشعب، وان الشبيبة المنتفضة ضد النظام السياسي الطائفي والفساد هم اخوتهم أو أبناؤهم أو أخواتهم أو بناتهم وربما أمهاتهم أيضاً وأباؤهم، وان عليهم الدفاع عنهم بل والامتزاج معهم في النضال الشعبي ضد هذا النظام الدموي الذي داس على كرامة الوطن بأقدام القوات الأجنبية القذرة واعداء العراق الأوباش. ان حياة العراقيات والعراقيين أمانة في اعناق كل ضابط وكل جندي وشرطي في العراق وعليهم تقع مسؤولية حمايتهم وليس حماية تلك الفئران المذعورة من انتفاضة الباسلة والمحتمية بهم وبغيرهم في المنطقة الخضراء. هذه المنطقة التي تصدر منها المؤامرات ضد الشبيبة المنتفضة وعموم الشعب العراقي. ورغم الادعاء بعدم استخدام العنف، إذ بالأمس، 02/11/2019، وحده سقط المزيد من الشهداء في بغداد والبصرة أضافة الى العشرات من الجرحى والمعوقين في بغداد وما يماثلها في البصرة ومدن عراقية أخرى.
أيها المنتفضون البواسل، لم تعد التجمعات والتظاهرات اليومية بمئات الآلاف كافية لإسقاط النظام السياسي الطائفي الفاسد والمستبد بأمره وأمر علي خامنئي الذي يرفض قادته الفاسدون القبول بإرادة الشعب والتخلي عن السلطة، بل يفترض التوسع بالنضال واستخدام أسلوب الإضراب العام والعصيان المدني لأنهما ينسجمان مع المستوى الرفيع الذي بلغته الانتفاضة الشبابية من حيث الحجم والمشاركة من فئات الشعب الأخرى ومن حيث تبلور قيادة لها في بغداد وعمليات تنسيق مع بقية المحافظات العراقية، باعتباره الأسلوب الناجح للإطاحة بهذا النظام وعمليته السياسية الفاسدة. إن العصيان المدني بأشكاله المتطورة سيعجل تحقيق الانتصار على النخبة الحاكمة الباغية. إنها الأداة المجربة التي مارسها مهاتما غاندي في قيادة نضال الشعب الهندي السلمي للخلاص من الاستعمار البريطاني في أربعينيات القرن الماضي. وعلى قوى الانتفاضة السلمية تقع اليوم مسؤولية تطوير وتنويع وتنسيق وتوحيد أساليب وأدوات النضال وأهدافه النبيلة.
الانتفاضة الجارية في العراق لم تعد شبابية فحسب، وهو أمر مهم جداً، بل التحق بها المزيد من فئات الشعب ومن مختلف الإعمار ومن الذكور والإناث، التحق بها العمال والطلبة والمعلمون وأساتذة الجامعات والكسبة والحرفيين والكثير من موظفي الدولة الصغار والفلاحين تحت واجهات "عشائرهم". وإذا ما التحق بها أفراد القوات العسكرية العراقية بمختلف صنوفها فسيكون النصر المؤازر أكثر سرعة وضمانة. اجواء الانتفاضة في العراق تشير الى اتجاه تطور الأحداث بهذا الاتجاه التوسعي ونوعية جديدة متميزة لم يشهد مثيلاً لها عراقنا الحبيب والمستباح من قبل.
أكرر مرة أخرى وثالثة ورابعة لشعبنا المنتفض ما قاله كاظم السماوي:
وإذا تكاتفت الأكف فأي كف يقطعون         وإذا تعانق شعبنا فأي درب يسلكون


62
كاظم حبيب
التحولات الجارية في المجتمع العراقي ومطالب المنتفضين
على مدى 16 عاماً شهد المجتمع العراقي تحولات كبيرة لم تبدو واضحة للبعض من السياسيين والمتابعين لتطور واقع المجتمع العراقي. فقد نشأت خلال هذه الفترة، وبدعم خارجي ملموس من الدول المجاورة، لاسيما إيران وتركيا ودول الخليج، إضافة إلى ما كرسه ممثل قوى الاحتلال الأمريكية باول بريمر، طبقة رأسمالية طفيلية جديدة اعتمدت منذ البدء وحتى الآن على نهب موارد الدولة الأولية والمالية واستنزافها ووضعها في البنوك الخارجية، إضافة إلى نهب عقارات الدولة ودورها والأراضي الزراعية من جهة، وعلى مرحلة التبادل، (التبادل والتوزيع والاستهلاك) التجارة الخارجية والداخلية مع الدول الإقليمية على نحو خاص، لاسيما إيران وتركيا، لتأمين أقصى الأرباح على حساب الاقتصاد الوطني، على حساب الصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية والعامة من جهة أخرى، وتوسيع وتنشيط نظام متكامل من الفساد المالي والإداري على شكل مافيات منظمة محلية وإقليمية، في الدولة والمجتمع من جهة ثالثة، وعلى طبقة عاملة جديدة مكونة من جمهرة غفيرة من العاطلين قسراً عن العمل ومهمشة عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، طبقة مغدورة من القوى الحاكمة الطائفية الفاسدة، والبعيدة كل البعد عن عملية تنمية اقتصادية وبشرية تسمح بتوفير فرص عمل وتنشيط مرحلة الإنتاج في عملية إعادة الإنتاج. وبالتالي فهو، كما يشير السيد الدكتور مظهر محمد صالح في مقال له منشور على موقع شبكة الاقتصاديين العراقيين، إلى صراع طبقي جديد مميز بين المهيمنين على السلطات الثلاث وعلى المال والنفوذ، وعلى مجمل الحياة الاقتصادية والمالية من جهة، وبين الطبقة العاملة الجديدة العاطلة عن العمل من شبيبة البلاد القادرة على العمل والمهمشة والعابرة للأديان والطوائف أو المذاهب والقوميات. (راجع: شبكة الاقتصاديين العراقيين   http://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2019/10)
   وهذا الصراع قد وصل إلى مستوى لا يمكن الفكاك منه إلا بحصول تغيير جذري في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم، تغيير في النظام السياسي الرأسمالي الطفيلي الرث القائم والمعبر عن مصالح الفئات الرثة الحاكمة في البلاد وتلك القوى التي تهيمن عليها في الخارج.
إن الشبيبة العراقية السلمية المغدورة طيلة السنوات المنصرمة والمنتفضة بوجه النظام السياسي الطائفي الفاسد، وهي مصرة على إسقاطه، وليس إجراء إصلاحات شكلية بوعود كاذبة، تتعرض اليوم في انتفاضتها المقدامة إلى مؤامرة كبيرة وتدخل سافر في الشؤون الداخلية لشعب العراق. جاء هذا التدخل الفظ وبشكل صارخ على لسان ولي الفقيه الإيراني علي خامنئي، حين تحدث يوم الأربعاء الفائت عن مؤامرة أمريكية إسرائيلية تجري في العراق ولبنان ومنفذها هم المنتفضون!! لله يسامح يا رجل، كم أنت بغيض زمانه وشعبه وشعبنا!!! لقد أعطى هذا التصريح التشويهي والعدواني القائل بأن: "الاحتجاجات الشعبية المستمرة في العراق ولبنان، بحسب وكالة "فارس" الإيرانية للأنباء. أعمال شغب تديرها أميركا وإسرائيل وبعض دول المنطقة"، وأن مطالب الشعب يمكن أن "تتحقق ضمن الأطر القانونية لبلادهم حصراً"! وهنا يردد رئيس جمهورية العراق دون أن يتعثر لسانه أو يستحي كلام علي خامنئي الإيراني السيء بحق الشعب العراق وانتفاضته ولما يجب أن يكون عليه العراق!! (راجع: الكثير من الصحف والمواقع العراقية والعربية: خامنئي يهاجم المظاهرات في لبنان والعراق ويصفها بـ"الشغب"!!!).

 لقد أعطت هذه التصريحات الإيرانية، المناهضة لانتفاضة الشبيبة العراقية العابرة للأديان والطوائف، الضوء الأخضر للنخب السياسية الطائفية الفاسدة والحاكمة التابعة للمستعمر الإيراني للتشبث بالحكم، وأوعزت لقاسم سليماني في أن يتحرك بسرعة وتصميم للتأثير المباشر، وبعيداً عن أية دبلوماسية أو احترام لسيادة العراق واستقلاله، على كل المسؤولين في العراق ابتداءً من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب، وانتهاءً ببقية الأتباع والمريدين السيئين الآخرين لرفض استقالة حكومة عادل عبد المهدي وإلى حين يتم طبخ البديل المنشود في مطبخ الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية الفاسدة والميليشيات المسلحة وبالتنسيق الكامل مع قاسم سليماني واستجابة لإرادة خامنئي!
إن هذه الحقيقة المرة شاخصة تماماً أمام أنظار الشبيبة المنتفضة في ساحة التحرير وفي شوارع المدن والساحات العامة في أنحاء كثيرة ومتزايدة من العراق ولن تمر، كما كانت تمر سابقاً. وقد قرأ المنتفضون بإمعان وتدقيق فائقين توجيهات خامنئي وسليماني في خطاب رئيس الجمهورية حيث بذل كل ما في جعبته من إمكانيات للضحك على ذقون المنتفضين وكسب الوقت إلى حين يتم لهم ما يريدون ويراهنون على تعب المنتفضين أو التهيئة لتوجيه ضربة قاسية للمنتفضين عبر القوات الإيرانية التي بدأت تتدفق إلى العراق. لم يكن أي منتفض يريد أن يرى رئيساً لجمهورية العراق يخضع لإرادة خامنئي وسليماني والعامري والخزعلي والمهندس وفياض ومن لف لفهم البغيض ويلقي تلك الخطبة المليئة بوعود غير صادقة معبرة عن إرادة المتدخل الفظ في الشأن العراقي علي خامنئي ومن لف له في العراق، فهي ليست إرادة العراق ولا شبيبته أو شعبه، إنها إرادة الأجنبي الدخيل والحاقد!
كما أن خطبة المرجعية التي أكدت حق العراقيين والعراقيات على التظاهر، ولكنها لم تحدد، لمن منحتهم الثقة دوماً، سقفاً زميناً لاستمرار جرجرة الحكام وعدم استعدادهم الفعلي لأي تغيير في واقع العراق الطائفي الفاسد. أي أن المرجعية تراهن هي الأخرى على تعب المتظاهرين من خلال كرم الوعود الفارغة التي قدمها وما زال يقدمها جميع كبار المسؤولين دون أن ينفذوا ولو 1% من تلك الوعود التي لم يعد يثق بها الشعب أو يصدقها اساساً، ليست هناك ثقة بهذه الطغمة الفاسدة والطائفية!
لقد حصلت تغيرات كبيرة في المجتمع العراقي، لقد غاص الحكام في مستنقع الطائفية والفساد وتدمير الاقتصاد الوطني والإساءة الكاملة لقضيته العادلة إلى حد خيانتها، وهو ما يفترض تشخيصه والعمل على تنشيط التظاهرات الجارية وتعميم الحركة باتخاذ الإجراءات الضرورية لإعلان العصيان المدني في البلاد والذي سيسقط الطغمة الحاكمة. إنها الفرصة السانحة والوقت المناسب، فهناك تحول ملموس في موقف الكثير ممن التحق، بسبب وطنيته ودفاعه عن العراق ضد الدواعش، بالحشد الشعبي، إلى الانخراط حالياً بالانتفاضة الشبابية، وقد أدركوا النوايا الشريرة لقادة الحشد الشعبي من التشكيلات الطائفية المسلحة المرتبطة هوية وولاءً لإيران الخامنئي.
إن قوى التيار الديمقراطي العراقي، ومنها شبيبة الحزب الشيوعي العراقي، المنخرطة حالياً في الانتفاضة الشبابية والشعبية، تتحمل وأكثر من أي وقت مضى مسؤولية المساهمة الفعالة إلى جانب الشبيبة العراقية العابرة للديانات والمذاهب والمتطلعة لعراق وطني ديمقراطي مستقل وحر ومزدهر بكل ما تملك من إمكانيات تعبوية وتنظيمية لصالح الانتصار الفعلي لأهداف الانتفاضة الباسلة. إنها الفرصة السانحة لتغيير ميزان القوى لصالح الطبقات الكادحة والمغدورة والمهمشة وضد الفئات الحاكمة الفاسدة والغادرة لكل طموحات وآمال الشعب العراقي في حياة حرة وكريمة ومستقبل أفضل، إنها الكتلة التاريخية الفعلية. فلنعمل يداً بيد ومع الجميع لصالح انتصار كامل للانتفاضة الشبابية المقدامة. لنشد على أيدي المنتفضين ونهنف معاً وسوية: النصر لنا نحن الشباب وليس للفاسدين والقتلة الطغاة!       
 

63
كاظم حبيب
حياء الإنسان قطرة وليس سلطة، فهل لحكام العراق من حياء؟
المثل العراقي الشعبي النابت يقول: إن الحياء ليس سوى قطرة وليس سطلة. والسؤال هنا، بعد كل ما حصل في العراق خلال شهر تشرين الثاني/أكتوبر 2019، دع عنكم كل الموبقات السابقة، هو: هل عادل عبد المهدي، الحاكم بأمره وأمر ولي الفقيه الإيراني، وبقية حكام العراق الحرامية والنخب المرتبطة بها وقادات الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة، تستحي من نفسها، من شعبها، من الرأي العام العالمي، من المجتمع الدولي، م إلهها الذي لا تؤمن به اقتراناً بسلوكها، إم إنها فقدت الحياء كله منذ أن بدأت مسيرتها الضالة في الحكم، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية وإيران على نحو خاص، وواصلت نهبها المنظم لخيرات العراق وسرقة المال العام وسلب لقمة العيش من أفواه الأطفال واليتامى والأرامل وضحايا الحروب والعاطلين عن العمل، وانتهجت سياساتها القذرة التي اتسمت منذ اليوم الأول وحتى الآن بالتمييز الفجائعي بين المواطنات والمواطنين على أساس الهوية الدينية والطائفية والقومية والإقليمية والعشيرة ...الخ، ومارست الحكم الطائفي المحاصصي واستخدمت كل ما حرمته الديانات السماوية والشرائع الوضعية المحلية والدولية والتقاليد النبيلة والمشرفة لشعب العراق في ممارسة الحكم؟ الجواب وصل عبر المنتفضين في كل ساحات وشوارع العراق، في بغداد والبصرة والعشار وبابل وكربلاء والنجف والناصرية والسماوة والكوت وطويريج (الهندية) والديوانية و.. الخ، (باسم الدين باگونة الحرامية)، (بغداد حرة حرة، إيران برة برة)، (الشعب يريد إسقاط النظام).. الجواب للسؤال: لا حياء ولا حياة لمن تنادي! لا حياء ولا مستحى لدى حكام العراق!
لقد اعتاد حكام العراق الجدد ممارسة القاعدة المعروفة في النظام الفاشي الهتلري: "اكذبوا ثم اكذبوا ثم اكذبوا، لعل بعض أكاذيبكم تعلق بأذهان الناس!" وحين يكون رب البيت الحاكم كذاباً بامتياز، فشيمة بقية الأجهزة التابعة لهذا الحاكم هو الكذب. "إذا كان رب البيت بالدف ناقر فشيمة أهل البت كلهم الرقص!". هكذا برهن من جديد عادل عبد المهدي ومحافظ كربلاء على سبيل المثال لا الحصر، دع عنك بقية الموظفين الكبار من القوى المحسوبة مباشرة على الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة. فهذا المحافظ يكذب حين يدعي بأن المواطن المنتفض، الذي قتل في كربلاء برصاصتين واحدة في عينه اليمنى والأخرى في رأسه، قد قتل بسبب جناية وخارج المدينة، في حين إن قوى الأمن قتلته بهذه الطريقة الإجرامية بسبب مشاركته القوية في انتفاضة شبيبة كربلاء، وبهذا فالمحافظ لا يكذب فحسب، بل ويريد تشويه سمعة مناضل عنيد وبطل.
يعتقد عادل عبد المهدي أنه قادر على خداع الشبيبة العراقية المنتفضة، وعموم الشعب، المطالبة بالتغيير الجذري للنظام السياسي المحاصصي الفاسد والمقيت. فهو يتحاور مع مقتدى الصدر، الذي طالبه بالاستقالة: أنك تريدني أن أستقيل، إذن اتفق مع هادي العامري لتشكيل حكومة جديدة وسأستقيل مباشرة. أي أنه يريد أن يبقي تشكيل الحكومة في إطار المحاصصة الطائفية التي يرفض الشعب ذلك. ولكن ماذا كان جواب الصدر الذي سار على نفس النهج الطائفي حين أجابه: سأدعو العامري لتغيير الوزارة، أي أن تبقى الوزارة الجديدة في إطار لعبة المحاصصات الطائفية الفاسدة التي تم بموجبها اختيار عادل عبد المهدي لرئاسة الوزارة بين كتلتي "سائرون" و"الفتح"، والتي لم تكن تعبر عن إرادة ومصالح الشبيبة وعموم الشعب. ولهذا انتفض الشعب ليتخلص من هذه الحكومة ومن النظام السياسي الذي يقوم على أساس المحاصصة الطائفية السيئة الصيت والسلوك والسياسات والفساد السائد في البلاد كنظام متكامل ومتفاقم.
اختشوا (على حد قول المصريين) من ربكم إن كنتم لا تختشون يا حكام العراق من الشعب العراقي والرأي العام العالمي الذي يتابع مهازلكم اليومية وفي كل ساعة في وطن استبحتموه وسببتم سبيه واغتصاب الآلاف من نسائه الشريفات وبيعهن في "مزاد السبي الإسلامي!"، اتركوا العراق للعراقيات والعراقيين يا من بعتموه بأبخس الأثمان، اتركوا الوطن الذي أوصلتموه إلى مستنقع الرثاثة والعفونة.. اتركوا هذا الوطن الجميل الذي قبحتموه بأفعالكم الدنيئة.
يريد عادل عبد المهدي تحقيق الاتفاق فيما بينهم على تشكيل حكومة جديدة من الطراز الطائفي الفاسد نفسه، ويطلب من الكتلتين الكبيرتين "سائرون والفتح" الاتفاق فيما بينهما، وهما في مجلس نيابي لا يختلفان في النهب عن أكثر أعضاءه وعنكم، وفيهما من الفاسدين ما يكفي للاستمرار في المحاصصة والنهب. وهو ما يدركه الشعب جيداً ولن تمر عليه هذه اللعبة الجديدة. الشعب لا يأخذ موافقته في إسقاطكم من علي خامنئي (إيران)، كما يفعل برهم صالح وعادل عبد المهدي وهادي العامري وفالح الفياض وأبو مهدي المهندس وغيرهم، والذين لم يحصلوا حتى الآن على الموافقة، كما يبدو، بل قيل لهم ليبقى هذا "النكد" في الحكم حتى نجد من يمكن أن يخلفه ولا يختلف عنه. الشبيبة المقدامة أدركت من أنتم، وماذا يبقيكم، ومن يبقيكم، في السلطة، وهو يريد إسقاط كل أسباب بقاؤكم في السلطة ومن يريد ذلك بهدف وضع البلاد بأيدي شعبه وشبيبته المنتفضة التي تسعى اليوم لبلورة وتشكيل قيادتها الواعية والمدركة لما تريد وتسعى إليه بكل إصرار ومسؤولية. إن الشبيبة تناضل من أجل إقامة دولة حرة ديمقراطية، دولة لا يحكم فيها الدين والمذهب والطائفة والفساد، بل الشعب، وباسمه ستسقطكم الشبيبة أيها الحكام الذين تركتم الذمة والضمير خلفكم ووضعتم الدولار الأخضر قبلة لكم واحتميتم بالمنطقة الخضراء التي سوف لن تحميكم من غضب الشعب الذي تحمل الكثير ولم يعد قادراً على تحمل أكثر مما تحمل من أعباء تنهار تحت ثقلها الجبال!             

64
كاظم حبيب
المشاركة الكبيرة لأهالي محافظة النجف والكوفة في الانتفاضة الشبابية
 
لم تتخلف أي مدينة في جنوب ووسط العراق، ومنها العاصمة بغداد والأقضية التابعة لها، عن المشاركة الجادة والمسؤولة والفاعلة في الانتفاضة الشبابية والشعبية التي انطلقت في الأول من شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019، التي ستبقى مستمر لتحقيق أهدافها المنشودة، والتي تركز على المطالب الوطنية والمهنية الكبيرة والتي تجسد الأوضاع المتردية والسيئة جداً التي أوصلته إليها النخب الحاكمة الطائفية والفاسدة بقيادة الأحزاب الإسلامية السياسية الفاسدة التي ضربت وتخلت عن هوية المواطنة العراقية الموحدة والمتساوية وأحلت محلها الهويات الفرعية القاتلة وأججت الصراعات الطائفية والقتل على الهوية لفترة طويلة وسمحت للإرهاب الدولي ان يغزو العراق من بوابات كثيرة، لاسيما بوابة الموصل، وما نجم عن ذلك من اجتياح وسبي واغتصاب ونزوح وتهجير وقتل وتعذيب. ومدينتا النجف والكوفة، تشاركان في الانتفاضة الشبابية من أوسع أبوابها. وإليكم التقرير المهم والوافي الذي وصلني من صديق فاضل ومواطن أمين على وطنه وشعبه ومشارك في هذه الانتفاضة الوطنية الرائعة.     
"في يوم ٢٥ أكتوبر الحالي بدأت المرحلة الجديدة من التظاهرات والاحتجاجات الشعبية السلمية وفي مدينة النجف والتي توصف بأنها مركز التشيع في العالم وتحتضن المرجعيات الدينية...ففي مساء ٢٥ أكتوبر توافد عشرات الآلاف غرهم من الشباب إلى ساحة ثورة العشرين... وبدأت كراديس منها بالتوجه إلى المحافظة ومجلس المحافظة وقد قام المتظاهرون بإغلاق الباب الرئيس للمحافظة وإغلاق مجلسها غير الموقر ...وكتبوا لافته (مجلس المحافظة.. مغلق بأمر الشعب) ... وقد تفاعل قادة القوات الأمنية مع إرادة المتظاهرين.. ولم يحصل أي احتكاك مع المتظاهرين... وفي اليوم التالي استمرت التظاهرات وبكل سلميه... وفي اليوم الذي تلاه أي ٢٧ اكتوبر يوم الاحد دخل طلاب جامعة الكوفة وعدد كبير من طلاب المدارس الثانوية إلى المعترك الاحتجاجي الكبير ... حيث انطلق ألوف الطلبة من باب جامعة الكوفة والذي لا يبعد كثيرا عن ساحة الاعتصام ومن جنوب وشرق وغرب الساحة كان هنالك تناغم رائع مع الآلاف من طلاب المدارس وبعض الكليات الحكومية والاهلية والذين توافدوا وبتنسيق ممتاز إلى ساحة الاحتجاج والتي غصت بعشرات الآلاف من المتظاهرين.
وفي صوره لم يشهدها تاريخ النجف على الإطلاق...نصبت الخيم بالعشرات وكتبت الشعارات ومن أهمها (الشعب يريد ...اسقاط النظام ) و (إيران بره بره ... بغداد تبقى حره) ..وشلع قلع كلكم حراميه ...الشعب يريد تغيير الدستور ....ولا نريد دوله طائفية و(يا عمار يزباله يا قائد النشاله) وشعارات كثيره جدا ولافتات خطها بعض المحتجين على صدورهم...وما ميز هذه الاحتجاجات هو حضور نسائي كبير ...عززه طالبات كلية الصيدلة وهن يرتدين الصدريات البيضاء وزميلات لهن من طب الكوفة وكلية الهندسة وقانون الكوفة وكليات ومعاهد أخرى... وبعد أن انسحب بعض الطلبة مؤقتا...فأن الآلاف من الشباب من غير طلبة الجامعات ... من الموظفين وأصحاب المهن الحرة والعاطلين عن العمل توجهوا وبانسيابية كبيره ودخلوا ساحة الاعتصام المركزي في النجف...واليوم وخلال تواجدنا وبشكل شبه دائم...لاحظنا ما يسر الصديق ويغض اعداء العراق ...حيث العشرات من الخيم والتي تم نصبها بسرعه كبيره.. تقوم وعلى مدار الساعة بتوزيع المياه المعقمة الباردة ومختلف أنواع الاغذية من الوجبات السريعة.. وبكميات كبيره جدا ...ولوحظت دلال القهوة العربية تتوسط بعض الخيم التي نصبتها بعض العشائر. ولابد أن أشير الى ان هنالك نشاطات فنية ومسرحيات جميله واغاني وطنية تقام في ساحات الشرف تلك وغير ذلك، كما خصصت بعض الخيم للحلاقة المجانية وأخرى يتواجد فيها فنانون وخطاطون يرسمون الإعلام العراقية على وجوه وايادي بعض الشباب الراغبين بذلك، وقد لاحظت صفاً طويلاً من الشباب ينتظرون دورهم ولكي توصم وجوههم واياديهم بعلم العراق الجريح ...وبوصف بسيط دون تهويل او تزويق...فإن ساحة الاعتصام في النجف أصبحت ((مزارا للعوائل النجفية.. حيث يزورها المئات من تلك العوائل بنسائها واطفالها الحلوين حيث تزدان اياديهم ورؤوسهم بأعلام عراقية ذات احجام مختلفة...مزينين سياراتهم بعلم العراق الشامخ والتي يتركوها بمسافه بعيده عن ساحة الاعتصام وبسبب الأعداد الهائلة للمعتصمين والزائرين... اتمنى ان اكون قد قدمت وصفا بسيطا وواقعيا عن ثورة الأول من أكتوبر الشعبية العراقية 2019.
اما ما يخص توجهات الشباب المعتصمين... فإنهم يرفضون جميع الحلول الترقيعية ولا يقبلون الا بطرد ومحاكمة كامله لكل رموز النظام ...ونقرأ ومن خلال أحاديثهم الواقعية رفضهم لكل الأحزاب الدينية ويقولون بأنها سبب كل معاناتهم وآلامهم.. واخيرا فإن ساحات الاعتصام أصبحت مزاراً للأخيار." اكتفي بهذا القدر وواثق من أن هذه الانتفاضة الباسلة ستحقق المنشود والمطلوب منها لصالح دولة المواطنة الديمقراطية والحكم الديمقراطي والمجتمع المدني الحر، ويتخلص من الطائفيين والفاسدين والانتهازيين الذين أغرقوا البلاد بدم الشباب العراقي وبالجرحى والمعوقين. الذكر الطيب للشهداء والشفا العاجل للجرحى والمعوقين والنصر للشعب على النخبة الظالمة والمستبدة في العراق.



65
كاظم حبيب
من هم مثيرو الفتنة والشغب؟ من هم المتآمرون على انتفاضة الشبيبة؟
في مسرحية هزيلة وبائسة وقف إرهابيان دوليان هما قيس الخزعلي وهادي العامري يتحدثان عن الفتنة والمؤامرة ضد النظام السياسي الطائفي الفاسد والتابع لإيران، التي "يثيرها" المتظاهرون السلميون في العراق. إنهم يتحدثون عن مؤامرة تقودها إسرائيل والولايات المتحدة في العراق، كما يتحدث صنوهم في بيروت حسن نصر الله حين اتهم مظاهرات الشعب اللبناني بأنها مدفوعة الأجر من الخارج، ويقصد بالضبط إسرائيل والولايات المتحدة! وقف هذا المسخان يتحدثان عن المجاهدين الذين سقطوا في المظاهرات، في حين هم يعرفون إن المظاهرات السلمية والسلميين لم يتحرشوا بمقرات الأحزاب الإسلامية السياسية والميليشيات الطائفية المسلحة، بل المتآمرون على الانتفاضة الشعبية، الراغبون في تفتيتها بممارسة أعمال اشغب والفتنة وممارسة اشعار الحرائق لاتهام الانتفاضة بها! أنهم يريدون بذلك شن الهجوم على المظاهرات السلمية باعتبار المشاركين فيها "بعثيون وفوضويون وأعوان إسرائيل وأمريكا!!!"، إن هذه الجماعة الحاقدة والكراهة للانتفاضة وأهدافها النبيلة تحاول القيام بكل دنيء وخسيس لمواجهة مظاهرات الشبيبة المقدامة، إن من أحرق تلك المقرات في بعض دول الجنوب هم المرتزقة الذين أرسلتهم الميليشيات الطافية المسلحة، مرتزقة إيران وقاسم سليماني ومن لف لفهما، ويفترض على من يسعى لمعرفة الحقيقة أن يتحرى في هذه الأوساط عن المجرمين، وليس في صفوف المتظاهرين السلميين الذين أعلنوا منذ اليوم الأول، في الأول من تشين الأول وفي الخامس والعشرين من تشرين الأول، أنهم سلميون لا يريدون اعتداء على أحد، ولا الاعتداء على مؤسسات الدولة والملكية الخاصة وبيوت الناس والأشخاص. إن من يحاول التحري عن المجرمين في صفوف المتظاهرين السلميين، كمن يريد حقاً الاصطفاف مع أعداء الشعب لتخريب الانتفاضة وقمعها بكل السبل الدنيئة وغير المشروعة. على الحكومة الجائرة أن تتحري عن المجرمين الذين أشعلوا الحرائق في صفوف الحرس الثوري الإيراني بالتنسيق مع الميليشيات الطائفية الشيعية المسلحة التابعة لإيران ايضاً التي لا تتوورع عن استخدام كل الأساليب لتبرير قمع المظاهرات! إنه نفس الأسلوب الذي تمارسه الدكتاتوريات والقوى الفاشية، إسلامية الاسم أو غيره، التي تحمل السلاح غير المجاز وخارج القانون وتمارس الإرهاب جنباً إلى جنب مع إرهاب الدولة والحكم الطائفي الفاسد.
المتظاهرون السلميون لا يقتلون أحدا، المتظاهرون السلميون لا يدمرون البنايات الحكومية، وهي أملاك الشعب، ولا يعتدون على دور الناس ومؤسسات القطاع العام والخاص، بل الذين يمارسون ذلك هم المعادون للمظاهرات السلمية، والمنافقون الأوباش هم الذين يمارسون الفوضى والتخريب العمد.
إن المسرحي المسخ والفاشل قيس الخزعلي يقبل رأس امرأة قتل ابنها، وهي تصرخ مستغيثة، ويحتضنها وكأنه حاميها ويدافع عنها ويطالب بالثأر، بدم القتيل عنها. ولكن عليه أن يفتش عن القتلة في صفوف تنظيمه الميليشياوي الطائفي "عصائب الحق الفاشية، وميليشيات منظمة بدر التي شكلت في طهران أصلاً وبقيادة قاسم سليماني، وميليشيات الخراساني وحزب الله التي أسسهما الحرس اثوري الإيراني.. وغيرها، هذه التنظيمات الفاسدة والمسلحة من مخازن أسلحة الدولة العراقية ودولة إيران الطائفية، والمزودة بأموال السحت الحرام، أموال الشعب المجباة بطرق شتى غير مشروعة والفضائيين المسجلين في قوائم زائفة، وكذلك من الأموال التي تدفع للحشد اللاشعبي، وما يصل إليها من تمويل إيراني مباشر. لم يعد الشعب يثق بكم، لقد تعريتم أمام الشبيبة العراقية المنتفضة والمقدامة، لم يعد يصدق أكاذيبكم وتدينكم المزيف وعمائمكم التي تحتها يكمن ألف إبليس وإبليس إلا الناس غير المتنورين والمتأثرين بدعاياتكم المزيفة. مسرحيتكم في إحدى الساحات ببغداد وحولكم مرتزقتكم والمغشوشين بكم ومن أتباع ولي الفقيه الإيراني لن تمرَّ إلا على الذين ما يزال الجهل بكم يلفهم، لن يصدقها الشعب الذي تتفتح عيونه يوماً بعد آخر. كم أنتم سادرون في غيكم وظلمكم وتجبركم وقسوتكم السادية في التعامل مع المعتقلين خارج القانون، كم أنتم مناهضون لهذا الشعب الأبي وحقوقه المشروعة والعادلة، كم أنتم حاقدون على أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، بل حتى على أتباع المذهب الشيعي الذين لا يتبعونكم ويعرفون نهجكم العدواني. أنتم لا تختلفون عن داعش والقاعدة وغيرها من التنظيمات العدوانية بشيء، إلا ادعاءكم التشيع، وهو تشيع صفوي، باطل ومشوه وحاقد. لقد سيطرتم حتى على الحكومة ورئيسها ورئيس مجلس النواب وهيمنتم على قراراتهما وسيرتموهما كما يشاء علي خامنئي ووكيله في العراق قاسم سليماني.
أتمنى أن يتسارع التنوير الشبابي ليصل إلى كل الشعب، إلى الفئات الكادحة والمؤمنة، إلى النساء والرجال في كل أنحاء العراق، ليدركوا جميعاً عمق المستنقع الذي دفعوا العراق إليه، والنفق المظلم الذي أدخلوه فيه. إن انتفاضة الشبيبة هي المفتاح والخطوة الأولى على طريق الخلاص من هذا المستنقع الطائفي الفاسد والخروج إلى نور الحرية والحياة الديمقراطية والحرص على إرادة الشعب وطموحاته ومصالحه الأساسية.
على الشبيبة العراقية أن تحافظ على سلمية التظاهرات ألَّا تنجر للعنف وأن ترفضه بقوة، وأن تفضح العناصر التابعة للميليشيات الطائفية المسلحة والحرس الثوري والحشد الشعبي التي تمارس العنف، كالقتل وإشعال الحرائق والعربدة، إن انتصاركم يا شبيبة العراق يرتبط بمدى قدرتكم على إبعاد الصيادين المرتزقة بالماء العكر والانتهازيين وعملاء إيران. إن المتآمرين من النخب الحاكمة التي تعمل من وراء ستار يخططون وينظمون وينفذون عمليات إرهابية واغتيالات وحرائق وإجراءات من شأنها إشاعة العنف في الشارع العراقي لقمع الانتفاضة الشبابية الرائعة. أن العدل والشرعية مع الشبيبة العراقية وستنتصر على النخب السياسية الطائفية الحاكمة والفاسدة والتابعة.     

     


66
كاظم حبيب
الخزي والعار لحكومة تقتل شعبها!
الخزي والعار لمجلس نواب طائفي وفاسد وقضاء مُسيَّس!
ومن جديد يسقط أكثر من 40 شهيداً وأكثر من 2000 جريحاً ومعوقاً على أيدي أجهزة الأمن والشرطة والمليشيات الطائفية المسلحة والمثلمين القادمين من وراء الحدود، من جديد تستخدم القوى المناهضة للمتظاهرين المطالبين بالتغيير والرافضين لما يسمى بـ"العملية السياسية" المشوهة الجارية، الرفضين للنظام الطائفي المحاصصي الفاسد، الرفضين للفاسدين في السلطات الثلاث والإعلام الحكومي والأحزاب السياسية الحاكمة، الرافضين لنهب خيرات وموارد الشعب، والرافضين لكل تبعية للخارج، القمع الوحشي الهمجي، كما تدعي عجزها عن إيقاف من تطلق عليهم بالملثمين والقناصين القتلة، وتتجنب بإصرار وقح الكشف عن هوية هؤلاء القتلة الأوباش. (تقرير اللجنة الحكومة عن قمع التظاهرات في ت1/أكتوبر 2019).
لقد سجل متظاهرو الوسط والجنوب وبغداد المزيد من الحيوية والإقدام والسلمية في مظاهراتهم ولم يتعرضوا بالإساءة لقوى الأمن والشرطة، في وقت أجج من هم قريبون من مواقع الحكومة والأحزاب الحاكمة وأشاعوا الفوضى والحرائق في بعض المدن العراقية التي أدت بدورها إلى استشهاد مجموعة من المتظاهرين واحتراقهم بالنيران المشتعلة، ليساعدوا في فرض حالة لطوارئ بمنع التجول ليحرموا المتظاهرين من التظاهر وإعلان موقفهم من الحكم القائم. إنها سياسة معروفة تمارسها القوى الفاشية والعدوانية التي تحاول الإساءة لطبيعة المظاهرات السلمية ومطالبها المشروعة والعادلة.
إن العيب في العراق ليس في حكومة عادل عبد المهدي السيئة والفاسدة فحسب، بل في كل النظام السياسي الطائفي والفاسد والمشوه الذي خرب العراق ودمر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية بسياسات وثقافة قوى الحكم المناهضة لحقوق الشعب وحريته وحياته الديمقراطية وكرامته، والتي تسببت في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي الرث الذي تعيش فيه وتحت وطأته الملايين من أبناء وبنات العراق النشامى. إن هذه النخب السيئة الفاسدة التي تعيش في جحورها في المنطقة الخضراء تخشى الشعب وتخشى دخوله إلى جحورهم لإخراجهم منها لمواجهة الشعب الباسل الذي يتحدى رصاصهم الحي والميليشيات المسلحة و"الحشد" الثوري الإيراني وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع. لقد سقط شهيدان والكثير من الجرحى عند جسر الجمهورية على أيدي قوات الأمن بسبب رغبة المتظاهرين الوصول إلى المنطقة الخضراء التي يعشش فيها الفساد والفاسدين والطائفيين، وغالبيتهم من المعادين لمصالح الشعب والوطن، وفي مقدمتهم نوري المالكي والجعفري ورهطهم. يا حكام العراق تذكروا مصائر من سبقوكم في الحكم من العتاة أمثالكم، تذكروا استبداد وظلم عبد السلام محمد عارف وأحمد حسن البكر وصدام حسين وطغمهم، تذكروا مصائر كل طغاة العالم إلى أين انتهوا، تذكروا إن الشعب يمهل ولا يهمل! فهل ستعن هذه الحقيقة؟
ها هو الشعب يتفجر غضباً لأنكم أذلتموه، لأنكم دستم على كرامته بنهب العراق وتسليمه لقمة سائغة لكل من هبَّ ودبَّ من القوى الأجنبية، سواء أكانت دولة إيران الطائفية والمستبدة الفاسدة، التي ترسل عملاءها إلى كل الدول العربية ودول ذات الأكثرية المسلمة لتخرب وتجهض الحركات الثورية والديمقراطية بذريعة نشر المذهب الشيعي، أم أمريكا ترامب، هذا السمسار الدولي الفاسد، هذا الذي صرخ بعنجيهة "أمريكا أولاً"، ولم يعنِ سوى "ترامب أولاً".
لقد نسيتم القاعدة التي تقول "الدم ينزف دماً"، لقد تجاوزتم بإصرار شرس على كل المحاذير الدستورية بفظاظة مريعة، وعلى كل الشرائع الدولية وحقوق الإنسان، وتنكرتم للشعب، الذي نشأتم فيه، ولكنكم اغتربتم عنه كلية وتبنيتم هوية "ولاية الفقيه" الاستبدادية والسيئة الصيت والسلوك إزاء الحريات الفردية والعامة ومصالح الشعب والوطن، التي لا يهمها سوى مصلحة الفئة الحاكمة واستمرار حكمها وهيمنتها على القرار السياسي بفتاوي جاهلة، مريضة ومدمرة.
لقد هتف المتظاهرين ووصلت أصواتهم إلى عنان السماء: ارحلوا..، ثم ارحلوا..، ثم ارحلوا أيها الكذابون المزيفون والمشوهون الذين حكمتم العراق أكثر من 16 عاماً مليئة بالبؤس والرثاثة والطائفية المحاصصية المقيتة والفساد العام، مليئة بالموت والدمار والسبي والاغتصاب والتهجير وملاحقة أصحاب الفكر والرأي الآخر.. لقد عبثتم في العراق بؤساً وفساداً وخراباً فأرحلوا عن هذا البد الأمين والشعب المستباح بكم وبمن معكم من دول الجوار، ارحلوا عن عراق السلام والمحبة والتضامن، ارحلوا أنتم وسلطاتكم الثلاث، ابتداءً من الحكومة المستبدة والمجلس النيابي الطائفي المزيف، والذي اشترى رئيسه وأغلب النواب مقاعدهم بالمال الحرام، والقضاء المسيس الذي لم يلتزم بأسس القضاء العادل وأساء للشعب والوطن. ارحلوا ودعوا الشعب يحكم نفسه بقواه الأمينة عليه وعلى طموحاته ومصالحه.. ارحلوا أيها الفاسدون العتاة.. واتركوا العراق بأمن وسلام... سلام الأمن والمحبة على المتظاهرين الأشاوس الذين صمموا الدفاع عن شعبهم ووطنهم ضد المعتدين المحليين والأجانب، إن الشبيبة تناضل من أجل "استعادة وطن" سلب وشعب استبيح عيشه وكرامته!!
لتبقى مظاهرات الشبيبة المقدامة والشعب العراقي سلمية وديمقراطية ترفض العنف وتشجب إرهاب الدولة والميليشيات الطائفية المسلحة والحشد الشعبي وبقية ذيول إيران في العراق.   

67
كاظم حبيب
المتهم والمحقق واحد، فما الذي ينتظره الشعب؟
طالبت غالبية الشعب العراقي بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومهنية للتحقيق بعن من أعطى الأوامر باستخدام العنف المفرط والرصاص الحي والمطاطي وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع وأساليب أخرى في القتل والاعتقال والتعذيب خلال المظاهرات التي انطلقت في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 لقمع الجماهير المحتجة على أوضاعها المزرية. وقد أدى ذلك العنف الدموي إلى استشهاد جمهرة مقدامة من شبيبة العراق قدرت بالمئات وجرح وتعويق الالاف في مختلف مدن الوسط والجنوب. فماذا فعل رئيس الحكومة والقائد العام للقوات المسلحة العراقية؟ لقد أصدر عادل عبد المهدي بصفتيه قراراً شكل بموجبه لجنة تحقيق وزارية يرأسها وزير التخطيط وعضوية وزير الدفاع ووزير الداخلية والعديد من الموظفين الكبار في القوات المسلحة وأجهزة الأمن والمخابرات وآخرين من نفس النخبة الحاكمة. ومثل هذا القرار يعبر بما لا يقبل الشك عن:
1.   نية بميتة في توجيه التحقيق الوجهة التي تبعد الاتهامات الموجهة لرئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزيري الدفاع والداخلية أولاً وقبل كل شيء.
2.   استهانة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة بمطلب الشعب بتشكيل لجنة مهنية مستقلة للتحقيق بمجريات قمع المظاهرات ومن شارك في قمعها.
3.   استهانة رئيس الوزراء بقدرة الشعب العراقي على إدراك اللعبة التي مارسها في تشكيل لجنة تحقيق غر مستقلة وبعيداً عن الحيادية ومن أعضاء مجلس الوزراء وهيئات عسكرية ومدنية ساهمت في إصدار الأوامر لقمع المظاهرات بالوحشية الدموية ومارستها فعلاً.
4.   إن الجهات التي شاركت في التحقيق والذي صدر قرار تشكيل اللجنة متهمون أصلاً بإصدار التعليمات باستخدام هذه الأجهزة للعنف المفرط واستخدام السلاح في فظ مرعب للمظاهرات الشبابية السلمية. 
5.   وهذا يعني بأن رئيس الوزراء بعيدٌ كل البعد عن مطلب الجماهير الشعبية بمعاقبة كل المسؤولين الكبار عن القتل العمد والفاسدين والمسؤولين عن تلك الجرائم التي ارتكبت أثناء فظ المظاهرات.
6.   وبالتالي فهو مصر على البقاء على رأس سلطة طائفية فاسدة ومناهضة لمصالح الشعب ومطالب المتظاهرين برغم المطالبة المتعاظمة باستقالته واستقالة حكومته التي أخلت بالأمانة التي أقسموا جميعاً بالحفاظ عليها وتنفيذها وفي المقدمة منها الخلاص من النظام السياسي الطائفي ومحاصصاته المذلة وتقديم الفاسدين الكبار إلى القضاء العراقي.
7.   كما برهن القضاء العراقي والادعاء العام، ومن جديد، على أنه مسيس 100 بالمئة ولصالح النخب الإسلامية السياسية الطائفية الحاكمة وضد الشه=عب مباشرة، وأعاد إلى الأذهان دور المحكمة الاتحادية المخل بالدستور في التفسير المشوه للدستور وتكليف المستبد بأمره نوري المالكي في تشكيل الوزارة عام 2010 والتي أدت إلى كوارث ومآسي لا مثيل لها لعموم الشعب وبشكل أخص ببنات وأبناء غرب العراق ونينوى.
فماذا كانت حصيلة التقرير الذي أنجزته اللجنة الوزارية؟
أ‌.   لقد جاء التقرير النهائي معبراً عن إرادة ورغبة ومصلحة رئيس الوزراء والوزراء المسؤولين عن القوات المسلحة (الدفاع والداخلية) بتبرأتهم من إصدار قرار استخدام العنف في قمع المظاهرات، أي بعيداً عن إدانة كبار المسؤولين في مجلس الوزراء، لاسيما رئيس الوزراء ووزيري الداخلية والدفاع، إذ وجهت التوصيات الاتهامات والعقوبات لمجموعة من أولئك الذين نفذوا قرار قمع المظاهرات، وليس كلهم.
ب‌.   كما ابتعد كلية عن الإشارة إلى الدور الذي لعبته قوى الحشد الشعبي والمليشيات الطائفية المسلحة، رغم الدور المعروف الذي مارسته هذه القوى المؤتمرة بأوامر ولي الفقيه الإيراني وقاسم سليماني، إذ إن ولاءها لإيران وليس للعراق، أثناء المظاهرات وما بعدها في القنص والقتل والاعتقال والتعذيب والتغييب الشرس للمناضلين المدنيين، ومنهم من لا يزال في المعتقل، كما في حالة الدكتور ميثم الحلو. ولم يشر إلى أسماء الجهات التي كانت تمارس القنص!!
ت‌.   إن التقرير يشير إلى ضعف إدارة المسؤولين في التعامل مع المتظاهرين وعدم قدرتهم على الضبط والسيطرة. ولكن السؤال العادل هل المشكلة في ضعف المسؤولين فقط، أم مسؤوليتهم الفعلية ورغبتهم الجامحة في قمع المتظاهرين بالحزم والشدة، أي بالعنف والرصاص الحي والمطاطي وخراطيم المياه والغازات المسيلة للدموع، أياً كان الثمن؟
ث‌.   من هنا يمكن تأكيد حقيقة أن التقرير قد ابتعد كلية وبقصد مسبق عن تسجيل الحقائق والوقائع في مجرى المظاهرات وقتل شبيبة العراق في جميع مدن الوسط والجنوب. إنه تقرير مشوّه وزائف ومُسيس في غير صالح الشعب العراقي والمتظاهرين وضحايا إرهاب الدولة. 
وتعبر الحكمة العراقية الآتية عن هذا التقرير المُرّ والمعبر عن نصف الحقائق والمشوه لوقائع أخرى: "حَدّث العاقل بما لا يعقل فأن صدقك فلا عقل له"! إنه تقرير هزيل وبائس ومضلل ومشوه للوقائع!
إن من واجب المجتمع العراقي والمنظمات المدنية والأحزاب الديمقراطية أن ترفض هذا التقرير النهائي وتدين ابتعاده كلية عن إدانة المسؤولين الأساسيين والرئيسيين الذين أصدروا قرار قمع المظاهرات وقتل وجرج وتعويق المتظاهرين، إنها مسؤولية سياسية ومعنوية أو أدبية أن يعترف رئيس الوزراء بمسؤوليته السياسية الكاملة عما جرى وليس يختبئ كالفأر الهارب من القط في زاوية مظلمة. إن من واجب المجتمع والمتظاهرين والقوى الديمقراطية والمستقلة، الراغبة والمناضلة من أجل التغيير الجذري للنظام الطائفي الفاسد، زيادة المطالب بمطلب جديد في مظاهرات 25/10/2019 القادمة ورفع شعار يدعو إلى تشكيل لجنة دولية للتحقيق في دور المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت في العراق خلال مظاهرات أوائل أكتوبر الجاري، وفي المقدمة منها مسؤول السلطة التنفيذية والقائد العام للقوات المسلحة، عادل عبد المهدي. كما من واجب الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والهيئات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان أن تساند الشعب العراقي وتطالب بتشكيل لجنة تحقيق دولية مهنية عالية المستوى، وتحقيق المطالب الأساسية التي تظاهر من أجلها شبيبة العراق والتي تتلخص بتحقيق تغيير الحكم الطائفي الفاسد وإقامة دولة وسلطات حرة وديمقراطية ونزيهة وحياة مدنية ديمقراطية في العراق.
لقد كان من واجب القضاء العراقي والادعاء العام، إن لم يكونا مسيسين لصالح الدولة الطائفية الفاسدة والحكم الطائفي الفاسد، أن يبادرا إلى العمل للتحقيق في الجرائم التي ارتكبت أثناء المظاهرات. ولكن سكوتهم المشبوه يؤكد ما أشرنا إليه دوماً بأن هذا القضاء ومنذ البدء كان طائفياً ومسيساً في صالح الجعفري والمالكي على نحو خاص وحتى الآن.   
لتكن مظاهرات يوم الخامس والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 2019 مجسدة لإرادة الشعب العراقي وطموحاته ومصالحه المستباحة من الطغمة الحاكمة الذليلة والخانعة والمنفذة لأوامر ولي الفقيه الإيراني ومن يمثله في العراق! لتشترك جموع الشعب تحت ذات الأهداف التي رفعها المتظاهرون في أوائل تشرين الثاني/أكتوبر وبعيداً عن تدخلات من لا يريد التغيير والخير لهذا الشعب الكريم ومن يبدي الاستعداد الكامل للمساومة على حساب الشعب وإرادته ومصالحه.         

68
كاظم حبيب
التآمر التركي - الأمريكي ضد الكُرد ووحدة سوريا
إن التصريحات المتلاحقة للرئيس التركي العنصري بامتياز تلتقي بالتوافق والتنسيق مع التصريحات اليومية الشرسة والعدائية للرئيس الأمريكي، سمسار النفط والسلاح والحروب الإقليمية وموت الأبرياء من سكان المنطقة لاسيما الكرد، تؤكد بأنهما قد اشتركا في صفقة سياسية – عسكرية قذرة تستهدف تصفية الحركة الكردية المسلحة وحقوق الكرد في سوريا وإجراء تغيير ديمغرافي (سكاني) في المنطقة الكردية في سوريا لصالح المتعاونين من المسلحين السوريين في تركيا: وكل اللاجئين في تركيا هم من العرب السوريين لإسكانهم فيما يسمى بالمنطقة الآمنة التي تمتد على طول الحدود السورية التركية وصولاً إلى الحدود العراقية على الفرات. والدكتاتور التركي يريد الدخول في العمق السوري قرابة 40 كيلومتر وعلى امتداد 120 كيلومتر كمرحلة أولى و444 كيلومتر كمرحلة ثانية. أي جريمة أخرى إضافية غير جريمة قتل المسلحين الكرد بدم بارد التي عبر عنها الرئيس التركي بقوله سأسحق رؤوس الكرد إن لم ينسحبوا من المنطقة التي هي أرضهم، أرض الدولة السورية. أنه تدخل سياسي وعسكري فظ يرتكبه الرئيسان ترامب وأردوغان في تلك المساومة الجبانة وضد كل القوانين واللوائح الدولية، وكأن الأرض السورية ملكهم يتصرفون بها كما يشاؤون ويقتطعون منها ما يشاؤون.
إن سياسة أردوغان التوسعية على الأراضي التابعة لسوريا ووجوده العسكري في كردستان وشمال العراق تعتبر مخالفة صريحة وتجاوزاً فظاً على لوائح الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وحقوق الإنسان والشرعية الدولية ومحاولة جادة لإجراء تغيير ديمغرافي محرم دولياً ضد السكان الكرد الذين يعيشون منذ قرون في هذه المنطقة من سوريا.
إن النهج السياسي الذي يمارسه أردوغان يعتبر بمثابة امتداد سافل لفكر وسياسات الدولة العثمانية الاستعمارية والعنصرية التي مارستها إزاء المسيحيين الكلدان أولاً، ومن ثم إزاء الأرمن، حيث مارسوا الإبادة الجماعية بحقهم وقتلوا ما يزيد عن مليون أرمني وأرمنية، بين طفل وشيخ وامرأة وشاب ومن كل الأعمار، ومن ثم ممارساتهم ضد الكرد والإيزيديين التي ماتزال تشكل كلها عاراً في جبين الدولة العثمانية والدولة التركية الحديثة. وها هو أردوغان يمارس سياسة الإبادة الجماعية ضد كرد سوريا لا في تصريحاته المتوحشة فحسب، بل وفي سلوكه السياسي الممعن بالكراهية والحقد العنصريين.   
إن الحرب التي يخوضها أردوغان لن تجلب لتركيا والشعب التركي السلام والأمن والاستقرار، بل ستزيد من الصراعات والنزاعات السياسية والعسكرية وستقود بدورها إلى مزيد من سباق التسلح والموت لمزيد من البشر، إضافة إلى تدهور في الاقتصاد التركي وتفاقم نسبة الفقراء والمعوزين وتعطل عملية التنمية في تركيا، التي بدأت تعاني فعلاً من أزمة اقتصادية واجتماعية عاتية.
لقد ابتلي الشرق الأوسط بمستبدين عنصريين يتسمان بمواصفات متقاربة إن لم تكن متماثلة، والفارق هو أحدهما في تركيا والثاني في الولايات المتحدة التي لا تسمح لترامب أن يمارس سياسات تلتقي بشكل كامل مع سياسات الدكتاتور التركي، الذي يفكر بإعادة تركيا إلى العهد العثماني، في حين يبشر ترامب بشعار "أمريكا أولاً"، التي لا تعني سوى الهيمنة السياسية والاقتصادية على العالم وتسخير كل شي لصالح الولايات المتحدة. إلا إن سياسات ترامب العدوانية لن يكتب لها النجاح، كما لن يستطيع الدكتاتور التركي العنصري تحقيق كل ما يسعى إليه في سوريا أو في عموم المنطقة، بعد أن تشكلت أقطاب دولية جديدة.
إن المستفيدين الكبيرين من الصراعات الجارية في المنطقة في الوقت الحاضر هما روسيا وإيران، في حين سيبقى الدكتاتور بشار الأسد حبيس إرادة هاتين الدولتين وسياستيهما، رغم استفادته من السياسة التركية في إضعاف مطالب الكرد بحقوقهم، ومنها الإدارة الذاتية لمناطق سكناهم في إطار الدولة السورية وإضعاف الحياة الديمقراطية في البلاد. في حين إن الخاسر الأكبر هو الشعب السوري عموماً والكرد السوريين خصوصاً والأمن والسلام في المنطقة، كما إنه إضعاف حقيقي لدور الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في معالجة القضايا والنزاعات الإقليمية بالطرق السلمية التفاوضية.
إن سحب القوات الأمريكية من منطقة الصراع التركي-السوري يعتبر خيانة للعهد والوعد الذي قطعه ترامب على نفسه وعلى الولايات المتحدة حين تحالف مع كرد سوريا لمواجهة عصابات داعش الإرهابية في المنطقة، حيث ترك الكرد وحدهم يواجهون الدولة التركية المدججة بالسلاح الحديث، الذي يَرد إليها من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وروسيا وغيرها، في حين لا يملك الكرد سوى أسلحة محدودة وقدرات ضعيفة، ما عدا إيمانهم بالقضية التي يناضلون من أجلها وشجاعتهم في مواجهة العدو التركي وعصاباته السورية الخاضعة لإرادة الدكتاتور أردوغان.
إن أردوغان الموجود حالياً في روسيا يسعى لمساومتها في الحصول على موافقة بوتين في إبعاد الكرد عن مناطقهم وإحلال العرب محلهم وتحت الحماية التركية بأمل ألّا يصطدم بالقوات الروسية أم القوات الحكومية السورية. وهي مساومة يمكن أن تحصل، وهي في كل الأحوال ليست في صالح الشعب السوري بكل قومياته، ومنهم الكرد السوريين، إذ يبدو إن روسيا مستعدة لمثل هذه المساومة تحت غطاء "الحفاظ على وحدة سوريا" أولاً، والنجاح في خروج القوات الأمريكية من سوريا ثانياً، وحلول روسيا مكانها ثالثا، التي لا تختلف في أهدافها الاستعمارية الحديثة عن كل الدول الاستعمارية الأخرى، وهي التي كانت تطمح لمثل هذا الوجود السياسي والعسكري في المنطقة. ومن هنا، وليس حباً في عيون الشعب السوري، يحتج الكونغرس الأمريكي ضد انسحاب القوات الأمريكية من سوريا. لقد اكتفى ترامب بوجود قوات رمزية له في المناطق النفطية من سوريا والتي بدأ، كما يبدو، باستخراج النفط منها لصالحه، وأدعى أنه سيعطي أموالاً للكرد السوريين من بيع النفط السوري، وكأنه يحاول بذلك التغطية على خيانته الكبيرة لهم، والتي ستترك أثاراً إضافية كبيرة على فقدان الثقة بالولايات المتحدة ووعودها لدى شعوب دول المنطقة! إن ترامب سمسار دولي سيء السياسة والخلق. ففي الوقت الذي سحب القوات الأمريكية من سوريا بذريعة أنه لا زجهم في القتال ولا التضحية بهم، أرسل المزيد من القوات الأمريكية إلى المملكة السعودية للدفاع عنها، لأن قادتها يدفعون المزيد من أموال الشعب العربي لتغطي تكاليف وجود هذه القوات، بل ويدفعون أكثر!!               
أما الجامعة العربية، الجامعة التي لم تلّم الدول العربية، اكتفت بإصدار بيان بائس يدين التدخل العسكري التركي في سوريا، وكفى الله المؤمنين شر القتال! كم كان المنولوجست عزيز على مصيباً حين غنى:
"والطُمَع عَامي بَصيرتْنا.... والزَعَامَه كَاتْلَتْنا
وْالَاجْنَبِي قَالِقْ راحَتْنا....تْفَرَّجُوا شُوفُوا حَالَتْنا
والعَتَب على جَامِعَتْنا
جَامِعَتْنا الْمَا لمَّتْنا" 
22/10/2019   

69
وفاة الصحفي الكبير والإنسان النبيل والمناضل الجسور، وفاة عدنان حسين   

وفاة الصحفي الكبير والإنسان النبيل والمناضل الجسور، وفاة عدنان حسين
لقد حمل الأصدقاء في لندن الخبر الحزين والأليم، نبأ وفاة الصديق العزيز الكاتب والصحفي والمفكر العقلاني الشجاع عدنان حسين (ابو فرح)، بعد ان عانى الكثير من مرض السرطان. لقد كان الفقيد نموذجا رائعاً ومقداماً للصحفي الملتزم بمبادئ الحرية والديمقراطية والعلمانية والعدالة الاجتماعية والروح الأممية ازاء مصائر الشعوب الأخرى. لقد جند عدنان قلمه الشجاع ضد العنصرية والشوفينية والتمييز الديني والمذهبي والطائفية السياسية وضد التمييز ازاء المرأة ومصادرة حريتها وحقوقها والإساءة لكرامتها، وضد السياسات الطائفية ومحاصصاتها المذلة للشعب وضد الفساد والفاسدين كمؤسسات وأحزاب وشخصيات وضد البطالة والفقر وحرمان العائلات الفقيرة وتهميشها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، من اجل التنمية الوطنية الاقتصادية والاجتماعية ووضع موارد البلاد الأولية في خدمة التقدم الاقتصادي والاجتماعي وضد سياسات الحكومات العراقية المتعاقبة التي لم تفرط بموارد البلاد الأولية وتجييرها لصالحها والفاسدين فحسب، بل ونهبت خزينة الدولة والمليارات التي حصل عليها العراق من إيرادات تسويق نفطه الخام. لقد وقف الفقيد ضد الحروب والعدوان والاحتلال بكل أشكاله وضد عسكرة البلاد وضد الوجود الأجنبي أياً كان، وناهض وجود ونشاط المليشيات الطائفية المسلحة، وضد وجود دولة عميقة داخل الدولة، وجيش عميق داخل القوات المسلحة العراقية. لقد ناضل الفقيد الغالي ضد سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في العراق والشرق الأوسط، كما ناضل ضد وجود إيران العسكري والسياسي لإيران، وتدخلها السافر في شؤون العراق الداخلية والتحكم بسياسات البلاد من خلال حكام فاسدين وخانعين للأجنبي الإيراني. لم يتوقف المناضل عدنان حسين ولو للحظة واحدة عن الكتابة، وحين أراد حرية أكبر في الكتابة والنشر عمد الى النشر في صحافة أخرى خارج العراق ليضع النقاط على الحروف ويوضح المخفي من سياسات النظام السياسي الطائفي الفاسد في العراق. لقد خسر الشعب العراقي قلماً حرا لا يساوم ولا يتصالح مع سارقي قوت الشعب ولا يتوانى عن فضح وقائع إرهاب الدولة وفسادها أينما وحيثما حصلت. لقد كان أميناً لمبادئه الإنسانية ولم يرحم نفسه حتى في فترة مرضه الأولى، اذ واصل الكتابة الحرة والمحبة للشعب العراقي والكارهة لكل أعداء الشعب والفاسدين الطائفين من الحكام وغيرهم.
العزاء والمواساة القلبية لعائلة الفقيد، لزوجته الفاضلة والعزيزة أم فرح وابنته فرح ولكل أفراد العائلة الأخرين، العزاء لحزبه الشيوعي العراقي ورفاق وأصدقاء ومحبي الفقيد، العزاء للشعب العراقي بفقدان هذا القلم الحر والشجاع المدافع عن إرادة الشعب وحريته ومصالحه وضد استغلاله، عن استقلاله وسيادته الوطنية، والذكر الطيب دوماً لعزيزنا الرائع الفقيد عدنان حسين.

70
كاظم حبيب
السلطان العثماني الدكتاتور والجلاد يجتاح سوريا
بالضد من اللوائح والمواثيق والعهود الدولية، بالضد من إرادة شعوب العالم واحتجاجها الشديد، بالضد من مواقف وإرادة المجتمع الدولي وتنديها، بالضد من مصالح وسلام منطقة الشرق الأوسط وشعوبها، أقدم الدكتاتور العثماني الجلاد رجب طيب أردوغان على إرسال قواته المسلحة وبالتعاون مع جميع الميليشيات التكفيرية المسلحة التباعة لتنظيمي  القاعدة وداعش بمسميات مختلفة، والميليشيات السورية المسلحة العميلة للدولة التركية وصنيعة أردوغان، لاجتياح وغزو المناطق الكردية الشمالية من أراضي الدولة السورية وتهجير جماعي لسكانها وقتل الكثير منهم واحتلالها وفرض الأمر الواقع.
لم تتم هذه العملة الجبانة من جانب الدكتاتور أردوغان لولا خيانة الولايات المتحدة الأمريكية لوعودها وتعهداتها بالدفاع عن الكرد في سوريا، في هذه المنطقة الحدودية الحساسة بين الدول الثلاث المتجاورة تركيا والعراق وسوريا، وتخليه وسحب القوات الأمريكية على وفق مساومة قذرة بين أردوغان ودونالد ترامپ التي لم تفاجئ العالم لمعرفتهم الدقيقة بهذه الشخصية الكاركاتيرية التجارية التي أشاعت الفوضى في منطقة الشرق الأوسط والعالم والذي لا يفكر بمصالح الشعوب بل بكمية النقود التي تدخل جيبه أولاً، والخزينة الأمريكية ثانياً.
والغريب بالأمر أن تهديدات ترامب وعنجهيته لأردوغان ذهبت ادراج الرياح، بل وأكثر من ذلك صرح وزير خارجيته بومبيو، بأن من حق تركيا ضمن أمنها وحدودها، بهذه الخسة والدناءة يتركون حليفهم في الحرب ضد داعش، فهل حقاً تحارب الولايات المتحدة داعش، أم إنها البعبع الذي تخيف به شعوب الدول العربية وذات الأكثرية المسلمة!   
إن من مهازل القدر أن يتعرض شعب مثل الشعب الكردي في القرن الحادي والعشرين، وقوامه يزيد على 40 مليون نسمة، إلى مثل هذه المجازر البشرية على ايدي حكام الدول الأربعة، تركيا وإيران والعراق وسوريا، التي توزعت عليها شعوب الأمة الكردية وبالتناوب، فمرة على أيدي حكام إيران، وأخرى على أيد حكام تركيا، ثم حكام العراق لاسيما صدام حسين بعملياته الأنفالية والإبادة الجماعية، وأخيراً على ايدي حكام تركيا ومن جديد، وعلى أيدي المليشيات التكفيرية المسلحة أيضاً التي تأتمر بأوامر العضو القيادي في تنظيم الأخوان المسلمين الدولي رجب طيب أردوغان. إنها من مهازل القدر أن تضطر أجزاء من الأمة الكردية أن تتحالف مرة مع هذه الدولة أو تلك لتنتزع حقوقها المغتصبة من دولة أو أخرى، ثم تصاب بالخيانة من الدولة التي تعهدت لها بالدعم كما حصل في خياة شاه إيران عام 1974/1975 في اتفاقية الجزائر الخيانية بين الدكتاتور صدام حسين وشاه إيران وبموافقة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
لقد بدأ الاجتياح والغزو ليلة العاشر من شهر أكتوبر 2019 مدعما بقصف مكثف للطائرات الحربية التركية، مما أدى إلى سقوط خسائر فادحة بالأرواح والممتلكات وهجرة جماهير واسعة من منطقة القتال. لقد تصدت وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) للاجتياح التركي والعصابات المرافقة لهذا الاجتياح والغزو، وهي تقدم المزيد من الضحايا دفاعاً عن حقوق وحرية الشعب الكردي في سوريا ودفاعاً عن حرمة الأراضي السورية. ورغم استعداد قوات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية بالتفاوض مع الحكومة السورية لمواجهة الاجتياح والغزو التركي، إلا إن النظام السوري والدكتاتور الأرعن بشار الأسد رفض التفاوض وادعى نائب وزير خارجيته كما ورد في الأخبار: "هاجم نائب وزير الخارجية السوري قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها أكراد وتدعمها واشنطن قائلا إنها خانت بلادها واتهمها بتبني أجندة انفصالية منحت تركيا ذريعة لانتهاك سيادة البلاد، وأكد رفض دمشق الحوار معهم". (أخبار دويتشة فيلة DW، 11/10/2019)، وهذا التصريح الخبيث يدرك بأن كرد سوريا قالوا دائماً بأنهم لا ينوون الانفصال عن سوريا وهم يدافعون عن وحدة سوريا.
والغريب بالأمر أن الدكتاتور التركي هدد الاتحاد الأوروبي بأن أي إدانة لتركيا لاجتياح سوريا سيطلق اللاجئين الموجودين بتركيا لتزحف صوب دول الاتحاد الأوروبي فأسكت بذلك ألمانيا، في حين ندد الرئيس الفرنسي ماكرون بالاجتياح. ويبدو أن الاتحاد الأوروبي ترك نفسه رهين بيد هذا الدكتاتور العثماني الجديد!!
إن من واجب شعوب العالم والمجتمع الدولي إدانة هذا العدوان الاجتياحي والغزو الإجرامي لسوريا والعمل على إيقافه فوراً والإصرار على انسحاب القوات المسلحة التركية الغازية والقوى العميلة المرافقة لها من سوريا.
لن يحصد العدوان التركي سوى الخذلان في مستقبل الأيام ولن يفرح الدكتاتور بأفعاله الإجرامية في سوريا وفي الضربات التي وجهها إلى سكان العراق القاطنين في المناطق الجبلية من كردستان العراق. ولكن إلى ذلك ستسقط الكثير من الضحايا وسيتعرض الاقتصاد التركي إلى الكثير من الخسائر المادية، إضافة إلى الخسائر البشرية، التي ستصيب الترك كما تصيب الشعب الكردي عموماً وفي سوريا خصوصاً.
ليسقط الاجتياح التركي للأراض السورية، لا للحرب، لا للدكتاتور التركي، لا للظلم وإرهاب الدولة التركية، لا للتجاوز على اللوائح والمواثيق والقوانين الدولية من جانب الدولة التركية، ومن جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي تخلت عن عهودها ووعودها للشعب الكردي في سوريا.         


71
كاظم حبيب
الشعب وجمهرة الحكام الكذابين والمزيفين: العراق نموذجاً
كان وزير الدعاية الألماني بأول جوزيف غوبلز (1897-1945) يؤكد لأعضاء حزبه والغستابو والأس أس دون كلل أو ملل القاعدة التالية: " اكذب، ثم اكذب، ثم اكذب، حتى يصدقك الناس"، كما اعتمد على قاعدة أخرى أكثر تدميراً لوعي الإنسان والمجتمع حين أكد "أعطني إعلامًا بلا ضمير أُعطك شعبًا بلا وعي". وكان النظام النازي الهتلري يعيش وينمو ويتوسع على هاتين القاعدتين في صفوف الشعب الألماني طيلة عقد ونصف من السنين المريرة والعجفاء من الدكتاتورية والعنصرية والفاشية والإرهاب والحروب الدموية والموت لملايين البشر. وكان الغالبية العظمى من الشعب الألماني تصدق بالكثير من تلك الأكاذيب المفبركة، لأن إعلامها كان بلا ضمير وأصبح شعبها بلا وعي سليم. هاتين القاعدتين الفاشيتين التزم بهما الكثير من حكام العالم المستبدين الجائرين على شعوبهم، ومنهم الكثير من حكام دول الشرق الأوسط وفي بقية اسيا وأفريقيا/، وفي أمريكا اللاتينية، وغير قليل من دول العالم الأخرى. وكان النموذج الصارخ للكذب في العراق هو النظام البعثي الفاشي الدكتاتوري الدموي، الذي مرّغ جبين الشعب العراقي بالتراب، قد أدخل الشعب بأكاذيبه بالكثير من الحروب والحصار والموت.
كان الكثير من بنات وأبناء الشعب في العراق قد اعتقد بأن الولايات المتحدة، التي وعدت بالخلاص من دكتاتورية صدام حسين وأكاذيبه وقهره من خلال حربها غير الشرعية في عام 2003، أنها ستبني دولة الحرية والديمقراطية والرفاهية في العراق، ولكنه بعد مرور فترة قصيرة من وجود الاحتلال الأمريكي قد أدرك بأن الولايات المتحدة لم تكن كاذبة بامتياز فحسب، بل إنها اقامت حكماً طائفياً فاسداً وكاذباً بامتياز أيضاً وعمدت بإصرار وعن عمد على تجزئة الشعب عبر النهج والسياسة الطائفية. فالنظام السياسي الطائفي الفاسد الحالي في البلاد قام على كذبة كبرى، وجُل حكامه مفترون بأعلى معايير الكذب والافتراء على الناس. ويخدمهم في ذلك الإعلام الحكومي، الذي تحدث عنه غوبلز "إعلام بلا ضمير" ونزع مسؤولوه عنهم ضميرهم ووضعوا مكانه مصالحهم الذاتية الأنانية المناهضة لقضايا ومصالح شعبهم.
لقد استطاع الحكام الجدد، الذين زرعتهم الولايات المتحدة وإيران في البلاد، ان يمرروا أكاذيبهم لسنوات كثيرة على الشعب العراقي بمساعدة مباشرة وغير مباشرة، وبوعي كامل ودعم مستمر، من المرجعيات والمؤسسات الدينية الشيعية والسنية أخيراً، ومن رجال دين دجالين في العراق وإيران، واستطاعوا ان يجنوا أصوات الكثير من الناخبين عبر هذا الدعم الديني والأكاذيب والإفساد المالي والتزوير وقوانين مشوهة. إلا إن الانتفاضة الشبابية المقدامة الأخيرة قد قدمت دليلاً جديداً بعد أحداث 2011 و2014 و2015 ومن ثم أحداث البصرة في 2018، بأنها تدرك كذب وزيف وعدوانية هذه القوى وفسادها وطائفيتها الوقحة التي جزأت الشعب العراقي، والتي حكمته بالوعود الكاذبة وبنهب خيراته ولقمة عيشه.
تشير المعلومات غير الرسميةـ التي يرصدها الشارع العراقي إلى ان عدد ضحايا الأحداث الجارية لم تكن 120 شهيدا بل إن الرقم الحقيقي هو أضعاف هذا العدد من الشهداء الأبرياء، إضافة الى آلاف الجرحى والمعوقين وآلاف مؤلفة من المعتقلين والمخطوفين والمغيبين يقبعون في معتقلات تحت الأرض أو نقلوا إلى إيران ويديرها ويشرف عليها "الحرس الثوري" وشريكه في الإثم الجرمي "الحشد الشعبي" حيث يُمارس التعذيب والقتل والدفن في آن واحد. وقد أمكن نشر الكثير من الفيديوهات عن أساليب التعذيب الوحشية بحق المتظاهرين المعتقلين، كما نشرت بعض المعلومات عن مواقع بعض هذه المعتقلات. فقد جاء في مذكرة لرئيس جمعية المواطنة لحقوق الإنسان، المحامي السيد محمد السلامي، موجهة إلى المفوضية العليا لحقوق الإنسان والرئاسات الثلاث ووزير الداخلية...، ما يلي:
"الاعتقالات
وصلتنا معلومات من أحد المعتقلين الذين تم إطلاق حريتهم وسراحهم من الذين تم القاء القبض عليهم في التظاهرات الاسبوع الماضي بعد 1-10-2019، بوجود نحو 150 شاباً من المتظاهرين في محافظة ذي قار محتجزون حاليا في قاعدة الامام علي (10 كم عن مركز المحافظة) وقد تم اطلاق حرية وسراح 52 منهم بكفالات ثقيلة جدا تبلغ قيم مبالغها 15 مليون دينار. كما انهم يجبرون بالتوقيع على تعهد بعدم التظاهر، في نفس الوقت ما زال هناك الآن عدد 98 معتقل يصعب الوصول لهم او معرفة مصيرهم. علما ان من قام باعتقالهم ((لواء الاسد في جهاز مكافحة الارهاب)) خلال التظاهرات الاخيرة.
الافادات
وهناك امر في غاية الخطورة الا وهو تحريف وتغيير سبب الاعتقال فتفرض توقيع افادات على المعتقلين باعتبارها ((تهم جنائية مثل تخريب المؤسسات والحرق والتكسير)) وهي امور غير صحيحة لان الاعتقال جرى خلال التظاهرات السلمية؛ لكن بعض المحققين يجبرون المعتقل الشاب على ارتكابه لهذه التهم خلال كتابة افادته.
التعذيب خلال التحقيق او الاعتقال
كما افاد أحد المعتقلين المطلق سراحه بأنه ومن معه قد تعرضوا للتعذيب بأساليب مختلفة حيث جرى التعذيب باستخدام العصي الكهربائية مع المعتقلين؛ واصبح البعض غير قادر على السير على قدميه بعد اطلاق حريته وسراحه." (من نص بيان رئيس جمعية المواطنة لحقوق الانسان محمد حسن السلامي، صادر بتاريخ 09/10/2019).
منذ ان وصل الدكتاتور الجديد المدعو عادل عبد المهدي المنتفگي إلى رئاسة الحكومة، توقعت الشر وحذرت منه لطبيعة هذه الشخصية القلقة، المهزوزة، والهزيلة، وتقلباته الفكرية المستمرة، وخنوعه الكامل لرؤسائه وجشعه المالي، إضافة إلى انتمائه للشريحة العليا من فئة الإقطاعيين الظالمة والمستغلة في التعامل مع الفلاحين منذ العهد الملكي، ولم أتوقع منه الخير أبداً. وقد كتبت عن شخصية عادل عبد المهدي عدة مقالات حاولت فيه الإشارة إلى العواقب المتوقعة من اختياره، الذي يمكن ان يتنمر حين تكون السلطة بيديه وحين يكون سيده شخصية آمرة ومتحكمة دينياً مثل علي خامنئي، مرشد إيران والعراق والمستبد بأمره والذي يشارك في إشاعة الفوضى في منطقة الشرق الأوسط وفي الدول ذات الأكثرية المسلمة.
ان نضال الشبيبة المنتفضة لن توقفه الوعود الكاذبة التي أغدقها المستبدون، إذ كثيرا ما يلجأ إليها المستبدون والمشعوذون الدجالون لتجاوز مرحلة الخطر المحدقة بهم، وهم سرعان ما ينسون ما وعدوا به " فكلام الليل يمحوه النهار!".
كم أتمنى أن يرتفع صوت القوى الديمقراطية واليسارية أكثر فأكثر في العراق لا لفضح الزمر الحاكمة وأحزابها الإسلامية السياسية فحسب، بل والعمل مع الشبيبة والشعب لمواصلة النضال من أجل التغيير الفعلي وتحقيق المنشود الذي يطمح له شباب العراق من النساء والرجال. لقد بدأ الصوت الديمقراطي واليساريين يرتفع تدريجياً بعد خفوت مؤلم، فمتى سيمكننا سماعه بالعلو الذي تتحرك فيه انتفاضة الشعب التي لم تهدأ ولن تهدأ حتى لو قدر لها أن تقمع، ففي طريق الشعب نحو الحرية والديمقراطية والحياة الآمنة والكريمة صخر وشوك كثير وكثير جداً، لكنه سيسير ويسير ويطيح بكل الحكام الجائرين الذين تنكروا للشعب وإرادته ومصالحه وحقوقه طموحاته العادلة والمشروعة.
 

72
كاظم حبيب
مقترح خطة محاضرة
انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر 2019، انتفاضة الشبيبة العراقية المقدامة
أولاً: طبيعة نظام الحكم في العراق منذ الاحتلال الأمريكي للعراق حتى الآن
ثانياً: واقع العراق والعوامل الكامنة وراء الانتفاضة وما ترتب عنها من عواقب على المجتمع العراقي
أ‌)   السياسيات الداخلية والخارجية
ب‌)   الاقتصادية
ت‌)   الاجتماعية
ث‌)   البيئية
ج‌)   العسكرية
ثالثاً: طبيعة القوى التي فجرت الانتفاضة الشبابية
رابعاً: الأهداف الأساسية لقوى الانتفاضة الشبابية
رابعاً: القوى الداخلية والخارجية التي تصدّت للانتفاضة وعملت على قمعها
خامساً: الحصيلة ومجرى العملية النضالية للشبيبة وعموم الشعب العراقي
الوقت اللازم للمحاضرة: 45 دقيقة 
الوقت اللازم للمناقشة: 90 دقيقة
من الساعة السادسة والنصف حتى الساعة الثامنة و45 دقيقة تقريباً

73
كاظم حبيب
الواقع الجاري ومقترحات رئيس الجمهورية العراقية!

القى رئيس الجمهورية العراقية خطاباً موجهاً إلى الشعب العراقي مقدماً ثماني مقترحات لمعالجة الأزمات المتلاحقة والمتفاقمة والانتفاضة الشعبية الجارية في البلاد. ولم يرد ضمن هذه المقترحات الموقف من الطائفية السياسية والمحاصصة المذلة بين القوى والأحزاب الإسلامية والقومية على أساس ديني ومذهبي وأثني. وهو أساس البلاء في العراق. كما أنه نفى أن تكون الدولة ومؤسساتها قد أصدرت قرارات باستخدام العنف ضد المتظاهرين. وهي تثير السخرية حقاً، إذ من غير المعقول أن يستشهد أكثر من 120 متظاهراً ويجرح ويعوق أكثر من 6000 متظاهر، ولم يكن هناك قرار من إحدى سلطات الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، لاسيما من القائد العام للقوات المسلحة. لقد كتب لي أحد المسؤولين في هذه الدولة العراقية يقول بأن رئيس الجمهورية بهذا الادعاء "أما أنه يضحك على ذقنه، أو أنه يضحك على ذقون بنات وأبناء الشعب العراقي، وفي الحالتين ادعاء مرفوض لا يمت إلى الواقع بصلة.
إن مقترحات رئيس الجمهورية لا يدعمها ما يجري في الساحة السياسية العراقية وأليكم ما يلي:
أولاً: قائد الوحدات الخاصة الايرانية: ارسلنا 7500 عنصر من القوات الخاصة إلى العراق
المشهد الأمني: الثلاثاء 08 تشرين أول 2019 الساعة 15:16 مساءً
أعلن قائد الوحدات الخاصة التابعة لقوى الأمن الداخلي الإيراني، العميد حسن كرمي، عن إرسال قوة مكونة من 7500 عنصر إلى العراق، مدعيا أنها لحماية “مراسم أربعين الحسين”، وسط اتهامات من المتظاهرين العراقيين للحرس الثوري والميليشيات التابعة له بالتدخل لقمع وقتل المحتجين. وقال كرمي الذي تتولى قواته مسؤولية مواجهة الاحتجاجات مع إيران، في مقابلة مع وكالة “مهر” الحكومية، الاثنين، إن “أكثر من 10 آلاف من أفراد القوات الخاصة يتولون مسؤولية حماية مراسم الأربعين بشكل مباشر“. وأضاف: 7500 منهم يعملون ويتواجدون بشكل مباشر، وهناك 4000 عنصر احتياط”. [راجع سكاي برس، ومواقع كثيرة أخرى]. فهل هذا يعني لا يوجد تدخل إيراني في العراق، وهل هؤلاء الأوباش جاءوا من دون قرار من رئيس الحكومة أم ماذا؟ وهل يحتاج العراق إلى غير جنوده ليحموا زوار الإمام الحسين؟ لقد كانت مهمة هؤلاء قمع التظاهرات الشبابية العادلة والمشروعة والمنسجمة مع الدستور العراقي، والظالم والمعتدي هو النظام الطائفي الفاسد وأجهزته المرتبطة بإيران وهؤلاء الذين جاءوا من وراء الحدود ليخمدوا أنفاس الشبيبة العراقية المحتجة على الأوضاع المزرية!!!
1) نصائح للمسؤولين الحاليين
 من  بارباروسا آكيم إلى أستاذ كاظم حبيب
تحياتي أستاذ كاظم حبيب
الحقيقة إن المنظومة الحاكمة في العراق لا تسمع النصيحة و تذهب دائماً إلى حلول القوة المفرطة
نوري السعيد كان يقول : الشعب العراقي مثل الملح الفوار، و لكن في النهاية تم سحله في الشارع بيد الملح الفوار
لذلك الحلول الأمنية و الاغتيالات و الاستعانة بالأجنبي على الداخل لن تجدي نفعاً، بل ستراكم مشاعر غضب و مظلومية في مجتمع يكاد ينفجر. و الاستعانة بقوة ايرانية على الداخل سيولد حقد أعمى لا مثيل له

صدام حارب ايران 8 سنوات لكنه لم يستطع زرع الكراهية بين العراق و إيران مثل ما يحصل الآن مع العلم إنه جند كل طاقات الدولة و التوجيه السياسي و أشلاء جثث القتلى في المعارك، الآن خامنئي ينجح بشكل منقطع النظير فيما فشل به صدام. أقولها لمصلحة الشعبين الصديقين لا فائدة من الحلول الأمنية و الاستعانة بالأجنبي على ابن البلد فهذا يولد حقدا و مشاعر بغضاء، و أخاطب العقلاء في الحكومة العراقية
رجاءً، رجاءً راجعوا ذواتكم قبل فوات الأوان
تحياتي و محبتي و تقديري
ثانياً: وصلتني الكثير من الرسائل والتعليقات بشأن أوضاع العراق الراهنة، اليكم منها:
1) مذكرات اعتقال بحق الناشطين والإعلاميين
وصلتني الرسالة التالية من مصدر موثوق به وبمعلوماته، وتأكدت من مصادر عديدة
عزيزي الدكتور كاظم، كل التحايا الطيبة
"لقد اصدرت الجهات الامنية بمختلف مسمياتها مذكرات اعتقال لمجموعة كبيرة من الناشطين والصحفيين وقد سمعنا بأنهم قد وجهت لهم تهمة 4 إرهاب، هناك حملة مسعورة تقوم بها سلطة الاسلام السياسي للتنكيل بكل الاصوات التحررية ، ان هذه القوى تمر بأزمة حكم وهي تنزع نحو السيناريو السوري، فهي لا تستطيع بل لا تريد ان تلبي مطالب المحتجين لذلك تراها تقمع بشكل هستيري. اليوم يعيش العراقيون ايام صدام الثمانينات، تقبل خالص تحياتي".

2) هل إن الوضع مستتب حقاً كما يدعون، وليس هناك عنف واعتقالات وتعذيب بحق المتظاهرين والمحتجين؟
وصلتني الرسالة التالية:
"الأستاذ الدكتور ابا سامر المحترم
 أحييكم مره اخرى من شواطئ الكوفة الجريحة
متمنيا لكم تمام الصحة والعافية، وبعد،
 اطلعت على جميع مقالاتكم الأخيرة والتي خصصتموها إلى ثورة الجياع والتي بدأت شرارتها الاولى في الأول من أكتوبر الحالي وكما تعلمون ...ووجدنا فيها كل الدقة والرأي الثاقب سرداً وتحليلا
شاكرا جنابكم الكريم على نشر رسالتي الأخيرة لكم في آخر مقالة كتبتموها رغم انها كانت مستعجله وبسبب ظروف الشبكة حيث قُطعت الشبكة قبل ان ارسلها وأرسلت بعد عودة الشبكة بعد يومين بعد ان تم اعادتها جزئيا في ليلة أمس ٧ اكتوبر2019. ...
انا اقدر انشغالكم هذه الأيام بمتابعة الأوضاع الراهنة في العراق ونشركم  وبشكل مستمر لحلقات من مقالات تخص تلك الأوضاع وتداعياتها و ما تعرض له المواطنون من انتهاكات خطيره لحقوق الإنسان وكان أخطرها إزهاق أرواح العشرات من الابرياء أغلبهم  من اليافعين والشباب وانتهاكات أخرى تشمل أساليب تعذيب وضرب مبرح للمحتجين الثوار واهانات بألفاظ نابية من قبل بعض أفراد الأمن الوطني مثلما حصل لعدد من الناشطين كان منهم محامين وأطباء وسياسيين يساريين حيث تم اعتقال سته منهم بعد أن تم متابعتهم ( تحت مجسرات  ثورة العشرين في النجف) والمعروف عنهم يشاركون في جميع التظاهرات السلمية السابقة ويرفضون أي محاولة لحرف سلمية التظاهرات وجنوحها إلى العنف أو التجاوز على ممتلكات الدولة او مقرات  الاحزاب... حيث تم توقيفهم في مديرية الأمن الوطني في النجف وتعرضوا وهم في السيارة إلى الضرب والاهانة وبألفاظ بذيئة ... يقول أحدهم أنه لم اسمعها من قبل !!
وبعدها تم إطلاق سراحهم بعد الاتصال بمحافظة النجف وبواسطة بعض الشخصيات الاجتماعية!
...وفي مدينة الكوفة و التي لم تتحدث عنها وسائل الإعلام كثيرا
 فقد حصلت فيها مواجهات مسلحة وخلال ثلاثة أيام متتالية حيث تبدأ ليلا وتنتهي في فجر اليوم التالي، وقد كانت هذه المواجهات بين شباب من أحد الأحياء الفقيرة والذي يسمونه (الشيشان) وهذه (تسميه شعبية غير رسمية) ... وبين عناصر من القوات الأمنية حيث يسمع الرمي شبه المتواصل في شوارع الكوفة القديمة ولمدة ثلاثة أيام، ايام ٢ و٣ و٤ من اكتوبر الحالي وقد اصيب العديد من المحتجين، كانت اصابة ثلاث منهم خطيره للغاية.. حيث يقال إن أحدهم تم رفع (الطحال) من جسده
وما زالت المعلومات عنهم شبه معدومة". 08/10/2019 
 سأوافيكم أعزائي القراء والقارئات الكرام بما تصلني من معلومات مدققة وثقة من أخوتنا وأخواتنا في الوطن المستباح بالطائفية والفساد والتدخل الخارجي ببكل أنواعه لاسيما إيران والولايات المتحدة.


74
كاظم حبيب
خطاب المُستعمِر الإيراني الجديد للعراق وسوريا ولبنان!!!
لم أبتعد عن الحقيقة حين قلت بأن العراق الراهن، الدولة العراقية الهشة، النظام السياسي الطائفي الفاسد، الأحزاب الإسلامية السياسية الطائفية الفاسدة، قد سقطت كلها تحت النير الإيراني، إنها شبه مستعمرة لإيران، يتحكم بها الولي الفقيه كما يشاء ويرغب. ولم يبتعد رئيس جمهورية إيران حسن روحاني عن الحقيقة حين خطب متحدياً العالم كله، ومنه دول الغرب والشرق مؤكداً نفوذ إيران الفعلي وتدخلها المباشر في شؤون وأحداث العراق وسوريا ولبنان واليمن وكل المنطقة. إنها تكشف أيضاً عن دور إيران الوقح في أحداث العراق الأخيرة حيث توجهت السلطة، ومعها القوى الإيرانية الفاعلة والمؤثرة في القوات المسلحة العراقية والمسيطرة بالكامل على قيادات الحشد الشعبي، ضد الشعب العراقي وضد القوى الشبابية المنتفضة ضد أوضاع العراق الفاسدة والرثة. خطب حسن روحاني بعفونة وعنجهية حيت قال: 
"نحن نفتخر بكل أعمالنا، نفتخر بأعمالنا في العراق، نفتخر بأعمالنا في سوريا، نفتخر بأعمالنا في لبنان، نفتخر بكل أعمالنا حتى النهاية. هل تعتقدون بأننا نطلب منكم إجازة في تدخلنا، لماذا تفاجأتم بنفوذنا في العراق وسوريا، نفوذنا ليس في العراق وسوريا، نفوذنا ليس في هذه البلدان، بل في كل المنطقة، وليس منذ اليوم. نفوذنا يمتد في الشرق حتى شبه القارة الهندية، سواء أتعرفون ذلك أم لم تعرفوه، نفوذنا يمتد في الغرب حتى البحر الأبيض المتوسط. الشعب الإيراني لا يخشاكم، من أنتم لكي يخشاكم، أنتم لستم بعيدين عن متناول أيدينا..."  https://www.youtube.com/ 
هكذا يتحدث حسن روحاني بكل صراحة ووقاحة عن نفوذ إيران في بلاد وادي الرافدين، فهل بعد هذا يجري الحديث عن استقلال وسيادة الوطن العراقي المستباح بالإيرانيين وبقواتها المسلحة المكشوفة والمتسترة، بالحرس الثوري وجيش المقدس وقادة هاتين القوتين العسكريتين الإيرانيتين. إن الفيديوهات التي وصلتنا تبرهن عن حمل الجنود الإيرانيين إشارة الجيش الإيراني وهم يتحركون في قمع المظاهرات أو حتى في تعذيب المعتقلين الشباب والدماء تسيل من هؤلاء الشبيبة المقدامة. إن المطالبة بإطلاق السراح لا تكفي فحسب، بل لا بد من الإدانة الشديدة للجرائم التي ترتكب بالعراق.
وهكذا برهن الشخصية العراقية-الإيرانية فالح الفياض تبعيته لإيران ولولاية الفقيه الذي هدد أخيراً باستخدام الحشد الشعبي لقتل المتظاهرين „المتآمرين!" على الدولة العراقية، وكأنه لم يستخدمها فعلاً لا في المطاردة والقتل ولا في الاعتقال والتعذيب بشراسة منقطة النظير التي لا تختلف قطعاً عما كان يفعله صدام حسين وعصاباته بالعراقيين المعارضين لنظامه. إنها الوحشية الإسلامية السياسية المعروفة التي تمارس أساليب القرون الوسطى التي قرأنا عنها في كتب التاريخ في مواجهة القرامطة وثورة الزنج وغيرها من الحركات الفكرية والسياسية في الدولة العباسية في العراق. أي جرائم ارتكبت وترتكب في هذه الأيام الستة وما بعدها في العراق ضد المتظاهرين الأبرياء الذين طالبوا ويطالبون بحقوقهم العادلة والمشروعة.
تشير المعلومات الواردة من بغداد إلى أن الأجهزة الأمنية والشرطة وميليشيات الحشد الشعبي وشرطة إيرانية تلاحق 300 مواطن عراقي بتهمة التحريض على المظاهرات في وقت يدعي رئيس الوزراء بأن الحكومة العراقية تعمل على إطلاق سراح المعتقلين من المتظاهرين. لقد وصلتني فيديوهات عبر الواتس أپ تشير إلى الأساليب الهمجية التي يمارسها جلاوزة النظام السياسي الطائفي الفاسد في العراق ضد شبيبة العراق، إنها جرائم يعاقب عليها القانون الدولي والدستور العراقي وقوانين العراق وكذلك اللوائح والمواثيق الدولية. إنها من البشاعة التي لا يجرأ إنسان أن يعرضها في مقالاته لأنها تجرح كرامة المعذبين وتثير الروع في نفوس البسطاء من الناس.
إن من واجب كل القوى الديمقراطية، لاسيما اليسارية أن تفضح هذه الأساليب الهمجية، أن تدينها بحزم وتشجب الفاعلين الأوباش والذين يصدرون لللجلاوزة الأوامر بفعل ذلك.
السكوت عما يجري في العراق وما يفعله عملاء إيران جريمة لا تغتفر لكل عراقي عارف بذلك وساكت عليه سواء أكان في الداخل، ولاسيما من هم في الخارج. لا أدري كيف سيكون وضع هؤلاء عندما ينتصر الشعب على أعدائه من حكام العراق الحاليين.، لا أدري حقاً كيف يمكن وقف الناس من الانتقام ممن يقوم اليوم بتعذيب وقتل الناس بكل صفاقة وقذارة ووحشية؟ أشعر بالألم لما يعاني منه الشعب ومعارضو النظام، أشعر بوخز القلب حين لا أجد إدانة لكل هذه الأفعال الإجرامية التي ترتكب بحق الشعب.
لقد وصلتني الرسالة التالية من صديق في العراق أود اطلاعكم عليها دون ذكر الأسماء:
"بعد أرق التحايا الأستاذ الدكتور ابا سامر
  اكتب لك وانا على مقربة من ساحات يغتال فيها شباب بلدي...بكل تلك الهمجية و الوحشية
  اكتب لك في الساعة الخامسة فجرا بتوقيت العراق في السادس من تشرينه الدموي ...حيث فتحت الشبكة العنكبوتية بعد ما يقارب ستة ايام من اغلاقها ...ولا نعلم انها فتحت لفترة ساعات او انهم اجبروا على إعادتها ...
ففي مثل تلك الاوقات يعتقد بأن سلطان النوم قد سيطر تماما على مستخدميها ...وهم اي الطائفيون قد أرعبهم تماما التواصل الإلكتروني الفاعل بين الشباب الثوار ...فكانت تلك القرارات الهستيريه والتي تزامن فيها فتح نيران أسلحتهم الغادرة على جموع المتظاهرين قبل وصولهم إلى ساحات الاحتجاج المعروفة في بغداد والناصرية و النجف ... تزامن مع الاقدام على قطع خدمة الانترنت تماما ...
 من خلال تواصلي على الهاتف مع زملائي في بغداد وبعض المحافظات أخبرني الدكتور ... ليلة أمس بأن الوضع في بغداد وخاصة في صوب الرصافه خطير للغاية ...فقد اعتلى قناصون مجهولي الهوية بعض العمارات وقاموا بقتل الناس في وضح النهار ... وخاصة في منطقة لا تبعد كثيرا عن مستشفى الشيخ زايد وهي تقابل مقر اتحاد أدباء وكتاب العراق ولكن باتجاه القناة ... وقد اختلفت الروايات عن هوية هؤلاء المجرمين !!! ...بدأت الشبكه تضعف .. أخشى من قطعها ... قرأت مقالاتكم الثلاث الأخيرة قبل قليل والتي وصلت مرة واحده".
هكذا هو العراق الراهن الغاطس في مستنقع إرهاب الدولة العراقية والدولة الإيرانية... لن تستطيعوا إخماد انتفاضة الشعب المقدامة وستتحول إلى ثورة عاجلاً أو آجلاً لتشعل الأرض تحت أقدام القتلة والمجرمين والذين عرضوا هذا الشعب لجرائم القتل العمد حتى زاد عدد القتلى المعلن عنه 120 شهيداً وآلاف الجرحى والمعوقين والكثير منهم أوضاعهم خطيرة. سيكنس الشعب العراقي هذه الزمر العراقية-الإيرانية وينظف العراق من دنسهم وخنوعهم!   
       

75
كاظم حبيب
الإجراءات الترقيعية لن تحل الأزمة السياسية والاجتماعية المتفاقمة!
لم تنطلق المظاهرات الشعبية الشبابية العارمة في بغداد وبقية محافظات الوسط والجنوب بهدف الحصول على منحة راتب شهري للعاطلين عن العمل من حملة الشهادات العالية والثانوية، ولا صدقة شهرية للعائلات الفقيرة والمعدمة ولفترة قصيرة لعبور الحكم موجة الغضب العارمة، ثم العودة إلى ما كان عليه الأمر قبل ذاك، بل الانتفاضة الشعبية الشبابية انطلقت بهدف التغيير الفعلي لواقع العراق الراهن، للخلاس من النظام الطائفي المحاصصي النذل، ومن الفساد السائد كنظام كامل معمول به في العراق، ومن الفاسدين المهيمنين على سلطة الدولة ومجلس النواب والقضاء العراقي، للخلاص من البؤر المتحكمة بموارد العراق المالية وسياساته الاقتصادية، ومنها التنموية والنفطية والنقدية والتجارية والبيئية، للخلاص من الرثاثة التي تعم البلاد بفضل وجود الفئات والأحزاب الرثة فكراً وممارسة على رأس الحكم، من أجل بناء عراق ديمقراطي جديد بفصل بين الدين والدولة وبين الدين والسياسية ويمنع قيام أحزاب سياسية على أساس ديني أو طائفي بل على أساس مدني ومواطني، من أجل وجود مجلس نيابي نزيه ومخلص لا تباع وتشترى مقاعده النيابية بما فيها رئاسة المجلس كما حصل في البلاد حتى الآن، من أجل قضاء نزيه وعادل وغير مسيَّس وادعاء عام يمثل المجتمع وليس قضاة ومدعين عامين خانعين لرغباتهم الذاتية وللحكام ولمن يحكم الحكام من وراء الحدود.
إن سياسة تقديم الوعود الزائفة والخادِعة والمراوِغة، وتقديم المكاسب الجزئية المؤقتة لكسب الوقت وعبور الأزمة المحتدمة حالياً التي يمارسها عادل عبد المهدي ينبغي ألَّا تنطلي على الشعب المنتفض، على الشبيبة المقدامة التي تجرعت المرَّ عبر هذه السنوات العجاف من حكم الأحزاب الإسلامية السياسية وقيادة القوى الشيعية الطائفية الفاسدة للحكم، وهي قوى وأحزاب غير معبرة عن إرادة الشعب العراقي الحقيقية، ومنهم الذين يؤمنون بالمذهب الشعب في الإسلام. إن عادل عبد المهدي لا يؤمن بإرادة الشعب ولا بمصالحه، بل يحاول، كأي مستبد بأمره، أن يعبِّر عن التزامه بالمرجعية الشيعية وكأنها "الشعب ذاته!"، وهي غير ذلك قطعاً، لينفذ بعض ما طرحته، في حين إن الأزمة أعمق وأوسع وأشمل من ذلك بكثير جداً. إنها أزمة حكم جاهل ومشوه وفاشل، أزمة حكم وحكام لا يريدون الخير للشعب ولا التقدم للبلاد، وإلا كان على هذا الحكم عبر العقود الكثيرة أن يعمل ولو شيئاً قليلاً وسليماً لهذا الشعب والبلاد، في حين أن ألف مليار (1000.000.000) دولار أمريكي دخل خزينة الدولة رسمياً من إيرادات النفط فقط خلال الفترة التي أعقبت سقوط الدكتاتورية البعثية الصدامية حتى الآن وهي التي ابتلعتها الأحزاب والنخب السياسية الإسلامية الحاكمة وغيرها، ولم يحظ الشعب إلأَّ فتات موائدهم، إلا "مرگة هوا"، كم هي صادقة هذه الأهزوجة (عادل يأكل عنبر والشعب بليه دنان اسمع يا القاضي ، عادل يركب كاديلاك والشعب بليه نعال اسمع يا القاضي". ويمكن أن نستبدل عادل بـ نوري" أو "حيدر" أو "هادي" أو "الخزعلي" أو "أبو مهدي المهندس" أو "الصافي" أو "الكربلائي" وكيلا المرجعية في النجف وكربلاء.
مشاهدو التلفزيون ما زالوا يتذكرون قول عادل عبد المهدي أنه يتسلم مليون دولار أمريكي شهرياً، وعدد آخر من هؤلاء الحكام" كمنحة" يتصرفون بها كما يشاؤون، وهو مبلغ إضافي زيادة على ما يتسلمونه من رواتب ومخصصات مالية ومخصصات باسم حماياتهم المضخمة عدداً والكثير منهم فضائيون! أليس هذا نهباً للمال العام، أليس هذا اقتطاع لقمة عيش وخبز الشعب، لاسيما الفقراء والمعوزين والذين ينامون على الطوى؟ أيمكن لمثل هذا الرجل ومن يماثله تصحيح وتغيير مسار الدولة ونهجها الطائفي الفاسد؟
إن الانتفاضة الشعبية ينبغي لها أن تحقق أهدافها، ينبغي أن تغير الواقع القائم، يجب أن تطيح بالسياسات الطائفية والفاسدين، وأن تؤلف حكومة وطنية مستقلة واعية لإرادة الشعب ومصالحه وطموحاته في التغيير الجذري. إن الفاسدين من أمثال رؤساء الوزارات السابقين من الإسلاميين السياسيين وأعضاء في مجلس النواب وفي مجالات أخرى، ينبغي أن يقدموا إلى المحاكمة لينالوا الجزاء العادل بسبب فسادهم وإفسادهم ونهبهم أو تفريطهم بأموال الشعب وتجويعه، واعتقال البشر وتعذيبهم وقتلهم بأساليب مختلفة الشعب. ينبغي محاسبة ومحاكمة من تسبب بكارثة غزو الموصل ونينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى الذي لا زال يطالب بأن يكون نائباً لرئيس الجمهورية وهم الذي نتهمه بارتكاب أبشع الجرائم بحق الشعب العراقي... وهو من تسبب في سبي واغتصاب وقتل ونزوح وهجرة قسرية لنسبة عالية من سكان هذه المحافظات، لاسيما اخواتنا وأخوتنا من الإيزيديين والمسيحيين والشبك والتركمان، إضافة إلى 1700 شهيداً في معسكر سپایکر التدريبي على أيدي عصابات داعش. لا يمكن لعادل عبد المهدي الذي كان وزيراً لعدة مرات ونائباً لرئيس الجمهورية ورئيساً للوزراء في هذا النظام الطائفي الفاسد، والمتهم بإعطاء الأوامر باستخدام الرصاص الحي والمطاطي وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين العزل، أن يقوم بتقديم ملفات كبار الفاسدين إلى القضاء العراقي، فهو واحد منهم ومن أسوأ الذين حكموا العراق من المستبدين، إنه يستكمل دور أبيه في استغلال وخداع الشعب العراقي، وعليه أن يرحل، وأن يحقق في دوره في كل ذلك لاسيما سقوط الشهداء المائة حتى الآن والجرحى الذين يبلغ عددهم 4000 جريح ومعوق من خلال تشكيل لجنة مستقلة من قضاة ومحامين ومتخصصين بالجرائم وتحت إشراف الأمم المتحدة ومشاركة منظمات حقوق الإنسان للوصول إلى تقديم تقرير يشخص كل ذلك ليتم تقديم كل المسؤولين إلى القضاء العراقي. كم هو صادق وسليم هذا الشعراء الذي رفع ف ساحة التحرير في اليوم السادس للمظاهرات والذي كتب بحروف كبير وخط أحمر "الحكومة العراقية تقتل شعبها!"
إن خداع الشعب لن يتحقق حتى لو تدخلت المرجعية الشيعية لإنقاذ الرؤوس العفنة التي تسببت في كل ما يعاني منه الشعب العراقي خلال السنوات الـ 16 الأخيرة، لأن مصداقيتها لم تعد مقبولة بعد أن زكت هؤلاء ومنحتهم الثقة وأزرت حكمهم وتدخلت في شؤون السياسية على أوسع نطاق، ثم سكتت أمام ما يحصل طويلاً، وحين نطقت، لم يكن سوى الهامش الذي لا يطال الرؤوس المساومة معها. الشعب واثق من النصر وسيبقى يهزج ويؤكد
الشعب مـا مـات يومـاً وإنـه لن يموتــا
إن فاته اليوم نصر ففي غدٍ لن يفوتا
                     

76
كاظم حبب
خطيب جمعة طهران: اقتلوا عملاء أميركا المتظاهرين العراقيين"!!!
لم يكن أمام رئيس وزراء العراق والقائد العام للقوات المسلحة العراقية، كما يبدو بوضوح كبير، إلا تنفيذ أوامر صدرت له من ولي الفقيه الإيراني علي خامنئي وعبر وكيله خطيب جمعة طهران الذي قال بالحرف الواحد: "اقتلوا عملاء أميركا المتظاهرين العراقيين!!!"، معبراً بذلك عن سياسة الدولة الإيرانية التي تعتبر العراق شبه مستعمرة لها وجزءاً من مجالها الحيوي ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط وخليج البصرة. فهل إن متظاهري العراق عملاءٌ للولايات المتحدة الأمريكية؟ بهذه الوقاحة تحدث خطيب جمعة طهران إزاء شعب العراق، إزاء المتظاهرين الأبطال، إزاء من لا يريدون خضوع العراق لقرارات وسياسات إيران العدوانية في المنطقة. هذه الجماهير الشبابية المحتشدة في شوارع وساحات العاصمة بغداد والكثير من مدن الوسط والجنوب، هذه الجماهير الشعبية التي تطالب بالخبز والعمل، بالكفاح ضد الفساد والطائفية والمحاصصة المذلتين، هؤلاء الذين هبوا دفاعاً عن حياتهم وعيشهم الكريم، ورفضوا الذل والهوان والبؤس والفاقة والحرمان، هؤلاء الذين رفضوا المعممين المخادعين والأفندية الذين ارتدوا لبوس الدين ونهبوا البلاد وسبوا العباد، هؤلاء الذين تعرضوا للسبي والاغتصاب والقتل، هؤلاء من النساء والرجال الذين تظاهروا وملأوا الشوارع وارتفعت أصواتهم إلى عنان السماء مطالبين بإسقاط النظام الطائفي الفاسد والمتوحش، هل هؤلاء جميعاً هم عملاء لأمريكا؟ هكذا يفكر من يهيمن على سياسة غالبية الإسلاميين السياسيين المشاركين في الأحزاب الإسلامية السياسية.
بهذه الصورة الوحشية ونتيجة لهذه الفتوى القذرة والأوامر الوقحة تصرف وأمر رئيس وزراء العراق والقائد العام للقوات المسلحة عادل عبد المهدي المنتفجي قبل خطبته الأخيرة وبعد خطبته "الملكية غير السامية" أيضاً، فارتفع عدد القتلى بعد الخطبة ليصل إلى أكثر من مئة شهيد وأكثر من 4000 جريح ومعوق في العاصمة بغداد وذي قار وغيرها من مدن العراق. لقد صدرت الأوامر إلى الحرس الثوري أي الحشد الشعبي، وتلك القوى من الأمن والشرطة المرتبطة بفتوى ولي الفقيه لتمارس و"تبدع" في القتل عبر القناصة الذين اعتلوا سطوح بعض البنايات أو ارتدوا الأقنعة وقتلوا المتظاهرين الأبرياء أو صوبوا نيران بنادقهم لأولك الأشخاص من رجال الأمن والشرطة الذين لم يستخدموا سلاحهم الناري في قتل المتظاهرين.         
يا قادة إيران ويا ساسة العراق التابعين لهم لن تموت الانتفاضة التي حمل رايتها شبيبة العراق من الذكور والإناث، والتي تردد بوضوح كامل "باسم الدين باگونه الحراميه"، و"الشعب يريد إسقاط النظام"، و"العراق خيارنا" وليس إيران أو أمريكا، كما يتمناها البعض بل سيشتد ساعد المتظاهرين بالمزيد من الكادحين والفقراء والمعوزين، بالمثقفين وحملة الشهادات العالية والطلبة والحرفيين والكسبة، بل الطبقة الوسطى أيضاً التي حرمت من التصنيع واستثمار رؤوس أموالها الوطنية النظيفة وليس المنهوبة عبر الفئة الطفيلية الفاسدة والحاكمة وحواشيها في الأحزاب الإسلامية السياسية. لن تموت الانتفاضة وهي بيد الشبيبة الحرة والمناضلة في سبيل عراق ديمقراطي حر ومستقل. فالمنتفضون يعلنون جهارا نهارا أنهم مستقلون يعملون على وفق إرادتهم الحرة وليس لأي حزب سياسي أو جهة سياسية داخلية أو خارجية تأثير عليهم. إنها الانتفاضة الشعبية العفوية التي يتبلور فيها الوعي التراكمي لما واجه ويواجه العراق من مشكلات ومصاعب وتعقيدات سبَّبها الحكام الحاليون الذين لا تعرف عقولهم النتنة غير النهب والقتل لمن يقف ضد نهبهم وسيطرتهم على حكم البلاد.
 في اليوم الخامس وأيضاً وبلا ذمة أو ضمير أو حياء جه رئيس الوزراء العراقي نيران غضبه عبر أجهزة الأمن والشرطة والحشد الشعبي ضد المتظاهرين السلميين أمام مبنى وزارة النفط ليقتل من جديد خمسة شهداء وجرح وتعويق العشرات. إنها جرائم متلاحقة ترتكب في خمسة أيام، رغم وعوده بخطبته البائسة بأن سوف يرفض استخدام الرصاص الحيّ!!
أي رئيس وزراء وقائد عام للقوات المسلحة يحترم نفسه وشعبه كان قد قدم استقالته مباشرة، ولكن هل لمثل هذا الرجل حياء! هل الحياء "سطلة أم قطرة"! وكذلك الوزراء الذين يعتبرون أنفسهم مستقلين كان عليهم الاستقالة لأنهم يتحملون مسؤولية القتلى والجرحى في الأحداث الجارية! كل الدلائل تشير إلى إن عادل عبد المهدي سيغوص في مستنقع خيانة القَسَم الذي قدمه أمام مجلس النواب في احترام إرادة الشعب ومصالحه، فهل من مصلحة الشعب وإرادته قتل ما يزيد عن 100 شهيد وأكثر من 4000 جريح ومعوق؟ وربما الحبل على الجرار!!! وهذا يشم الوزراء ومجلس النواب ورئيس الجمهورية أيضاً.
إن المطالب المركزية للجماهير الواسعة المنتفضة تتلخص في التغيير الجذري للنظام الطائفي المحاصصي الفاسد عبر تشكيل حكومة مستقلة تماماً عن الأحزاب الحاكمة وتلك المساهمة في العملية السياسية الفاشلة والبائسة والساكتة عن الجرائم التي ترتكب في العراق، وحل مجلس النواب الطائفي الفاسد القائم، وتغيير قانون الانتخابات وإجراء تغيير في الدستور العراقي لصالح دستور ديمقراطي حديث لإقامة الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي وتنتهج سياسة مستقلة وتمارس التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية لصالح المجتمع والتقدم الاجتماعي، تغيير المفوضية المستقلة للانتخابات وأسس عملها وبإشراف من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني المستقلة. لن تموت انتفاضة حتى لو استطعتم إخمادها مؤقتاً فستنفجر أشد وأعلى مما تتصورون.       

77
كاظم حبيب
أصوات اليسار الخافتة في معركة النضال ضد نظام الطائفية والفساد
ارتفع عدد قتلى معركة الكفاح ضد نظام الطائفية والمحاصصة والفساد، ضد نهب موارد البلاد وخزينة الدولة وتجويع الغالبية العظمى من بنات وأبناء الشعب وعدم توفير فرص العمل والتخلي عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتفاقم دور الميليشيات الطائفية المسلحة العائدة للأحزاب الإسلامية السياسية التابعة لإيران وولي الفقيه الإيراني في الدوس على كرامة الناس وملاحقتهم وابتزازهم، بل اختطافهم ونقلهم إلى إيران وتضييع أي أثرٍ لهم، إلى 73 شهيداً وأكثر من 3000 جريح ومعوق خلال الأيام الأربعة المنصرمة من انطلاق انتفاضة الشعب المستباح والمحروم من حقوقه وإرادته الحرة وحياته الديمقراطية الكريمة. لقد دخل القتلة إلى دار عائلة بصرية ساهمت في مساعدة المتظاهرين ليقتل الزوج وزوجته شر قتلة دون أن تكشف سلطات الأمن عن القتلة المجرمين!!
النظام السياسي الطائفي الفاسد الجائر يوغل ويصرُّ في قتل الناس بأمر من رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة من خلال أجهزة الأمن والشرطة وقوى الحشد الشعبي المشكلة من الميليشيات الشيعية المسلحة التابعة لولي الفقيه الإيراني دون وازع من ضمير. وقد جاء خطابه "الملكي!" مصمماً على سلوك ذات السبيل الجهنمي الذي أدى إلى استشهاد الشبيبة العراقية وجرح وتعويق المزيد منهم، مدعياً تحقيق الكثير خلال عام واحد، في حين إن كل الدلائل التي تحت تصرف الجميع تؤكد بأنه لم يحقق أي بند من البنود التي تعهد بها، لا في مجال مكافحة الفساد ولا في التخلص من الطائفية ومحاصصاتها ولا من التوجه صوب التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولا في توفير فرص عمل للشبيبة العاطلة ومنهم خريجو الكليات والدراسات العليا، بل وجه لهم نيران أسلحة قواته الأمنية وميليشياته المجرمة التي تفننت في قتل الناس ومطاردتهم واعتقالهم وتعذيبهم. لقد سقط قناع عادل عبد المهدي ليكشف عن وجهه العدواني إزاء الشعب ومصالحه وإرادته وحقوقه المشروعة والعادلة. إنه الأبن البار لكل القوى العدوانية المناهضة للشعب ومصالحه، إنه أبن الأغنياء الحرامية الذين نهبوا موارد العراق ولقمة العيش من افواه الناس، وابن الإقطاعيين الذين سلخوا جنود الفلاحين بسياطهم واستغلالهم لجهدهم وكدهم اليومي القاسي.
73 شهيداً سقطوا في أربعة أيام، لم يسقط بهذا العدد الكبير في وثبة كانون 1848، وفي انتفاضة تشرين الثاني 1952، وفي انتفاضة 1956 في العهد الملكي، حيث كان أبوه عيناً وداعما لسياسات نوري السعيد وصالح جبر. إنه الرجل الذي وضع في المكان الصحيح من جانب القوى الإسلامية الشيعية الحاكمة ليمارس دوره في الدفاع عن نظام المحاصصة الطائفية والفساد لا التخلص منهما. وقد اسقطت المظاهرات الشعبية تلك الحكومات العراقية الملكية. 73 شهيداً ولم نسمع صوت اليسار العراقي، صوت الحزب الشيوعي العراقي، ليطالب بإسقاط الحكومة التي قتلت هذا العدد الكبير من المتظاهرين وجرت وعوقت 3000 متظاهر
لقد تحركت الشبيبة العراقية بعفويتها الواعية والمدركة لما يجري في العراق وما يراد للشعب في هذه الفترة العصيبة من حياة الوطن المستباح. وكان الحزب الشيوعي من بين من لعب دوره البارز في الفعاليات المدنية في ساحة التحرير وعموم العراق في السنوات المنصرمة. ولكن الغريب في الأمر أن صوت اليسار العراقي، صوت الحزب الشيوعي العراقي، خفت في هذه الأيام، وصدر تصريح للمكتب السياسي ما كان له أن يصدر، وصدر بيان وكأن العراق وشبيبته لا يعيشون انتفاضة شعبية رائعة ومقدامة يقتل الشبيبة في شوارع العراق بدم بارد من جانب الحكومة العراقية وبقرار من رئيس السلطة التنفيذية.
لقد كان صوت الحزب عالياً ودوماً لا في المشاركة في انتفاضات الشعب ومظاهراته فحسب، بل في قيادتها، فأين هو اليوم من هذه الانتفاضة المقدامة. هل لأن بعض المقنعين من الحشد الشعبي والمليشيات الطائفية المسلحة قد دخلوا المظاهرات واستخدموا العنف لقتل المتظاهرين، وربما بعض رجا الأمن؟ أنها لحجة باهتة لا تصمد أمام قوة المظاهرات وتحدي منع التجول الذي أصدر القائد العام للقوات المسلحة بأمل الدفاع عن سلطته الخربة والهزيلة.
أدعو قيادة الحزب الشيوعي العراقي وقوى اليسار العراقي عموماً أدعو جميع الشيوعيين والشيوعيات، أدعو جميع الديمقراطيين والديمقراطيات، كل الوطنيين والوطنيات المخلصين لوطنهم وشعبهم في العراق وفي الخارج، إلى التحرك والمشاركة الفاعلة لمنع الغوص في دم الشبيبة العراقية المقدامة في مختلف المدن العراقية، أدعو إلى المساهمة في طرح الشعارات التي تتناغم مع قوة وحجم الحراك الشعبي المناهض لنظام المحاصصة الطائفية والفساد، لإجراء التغيير الجذري العميق في البلاد.
اليوم هو يوم النضال من أجل التغيير وليس غداً، لنكن عند مستوى الحدث والفعل الشعبي، لنكن عند مسؤوليتنا إزاء مصائر الوطن والشعب.         

78
المنبر الحر / من القاتل؟
« في: 17:40 04/10/2019  »
كاظم حبيب
من القاتل؟
لمن يوجه الاتهام بارتكاب جرائم القتل العمد ضد شبيبة العراق التي تظاهرت أيام 1 و2 و3 تشرين الثاني/أكتوبر 2019 مطالبة بحقوقها المعادلة والمشروعة والمغتصبة من قبل حكام العراق؟ هل يوجه الاتهام إلى قوى الأمن والشرطة والحشد الشعبي الذي ظهر مقنعاً ليمارس مع البقية الأمنية بالقتل العمد، أم يوجه إلى رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة الذي لولا صدور أوامره باستخدام الرصاص الحيّ وخراطيم المياه الساخنة والغازل المسيل للدموع، لما سقط شهد واحد من المتظاهرين السلميين في بغداد وذي قار والحلة والنجف والكوت.. وغيرها من المدن المنتفضة سلمياً؟ لا شك بأن الجواب واحد لا غير! الاتهام يوجه مباشرة إلى رئيس وزراء العراق والقائد العام للقوات المسلحة العراقية الذي أصدر أوامره بممارسة القتل العمد، بممارسة قمع المظاهرات بكل السبل المتاحة لدي قوى الأمن والشرطة والحشد الشعبي، بتوجيه الرصاص الحيّ إلى صدور الشبيبة، إنه الشخص الوحيد القادر على إعطاء الأوامر باستخدام الرصاص الحي وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين في جميع أنحاء العراق أولاً، وهم الرئاسات الثلاث التي يستشيرها رئيس الوزراء في مثل هذه الحالات. فهو القاتل، وهم القتلة إن كان قد استشارهم وساندوا موقفه في توجيه الحديد والنار إلى صدور وظهور المتظاهرين الشباب، إنه المتهم بقتل الجياع والمعوزين والعاطلين عن العمل الذين يتظاهرون مطالبين بالخبز والعمل ومكافحة الطائفية والفساد!!
إذا كان أحدنا قد اعتقد بأن نوري المالكي هو الوحيد من بين قادة قوى الإسلام السياسي مستبداً بأمره، دكتاتوراً أهوجاً مارس القمع والقتل ضد المتظاهرين المطالبين بحقوقهم وضد الطائفية في الحكم والمحاصصة والفساد في أنحاء العراق، فأن عادل عبد المهدي يؤكد بأنه مستبد شرقي فاسد ودكتاتور أخر لا يقل عدوانية عن الآخرين إزاء المتظاهرين من بنات وأبناء الشعب. 
إن قوى الأمن والشرطة، ومعها قوى من الحشد الشعبي، ارتدت أقنعة خاصة، تنفذ أوامر رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة بقمع المظاهرات واستخدام الرصاص الحي وكل وسائل القمع الأخرى لإعادة "الأمن!" و "الاستقرار!" إلى ربوع البلاد، أي إلى حماية "الحكام الحرامية" من غضب الشعب. ويمكن أن يحاسب بصرامة وحزم عبر المحاكم كل أولئك الذين استخدموا السلاح في التصدي للمتظاهرين السلميين وقتلوا مجموعة كبيرة من الشبيبة وجرحوا المئات منهم، ولكن المتهم الفعلي بالقتل، المتهم بارتكاب هذه الجرائم البشعة في هذه الأيام العصيبة هو رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، إنه عادل عبد المهدي.
خرج علينا عادل عبد المهدي وكأنه ملك العراق الجديد ليقدم خطاب النصح الملكي للمتظاهرين بأن لا يركنوا لدعاة اليأس ولا يلتفتوا لدعاة العودة إلى الوراء! نحن الملك الدكتاتور عادل عبد المهدي أطلب من شعبي أن يركن للهدوء وسأعالج كل مشكلاته!!! أي بؤس وفاقة وقباحة تهيمن على فكر هذا الرجل القادم من عهود خلت، من قبل 1400 سنة، ليشارك في فرض مجموعة من الطائفيين واللصوص على شعب بلاد الرافدين لتبني دولة ثيوقراطية جاهلة وتخضع الشعب لهيمنة استعمارية إيرانية. 16 عاماً وأنتم في الحكم فماذا فعلتم غير نهب موارد البلاد المالية والأولية وتمزيق وحدة الشعب بالطائفية المقيتة والتمييز الديني وضد المرأة، ماذا فعلتم غير تسليم الموصل ونينوى ومحافظات الأنبار وصلاح الدين للقاعدة وداعش، ماذا قدمتم للشعب غير البؤس والعوز والجوع والحرمان والموت والخراب والرثاثة الفكرية والسياسية؟ نحن ملك العراق عادل عبد المهدي لن يكون في مقدوره خداع الشعب، ولاسيما شبيبة العراق، بالوعود المعسولة ودفع راتب شهري للمعوزين.. كفوا عن هذه الأساليب الخبيثة والمكشوفة.   
وربما الغريب بالأمر إن المرجعية الشيعية في النجف ووكلائها في كل مكان قد احتجوا ضد قتل الشيعة في البحرين، وهو أمر صائب، كما أشار إلى ذلك بصواب الدكتور قاسم حسين صالح، ولكن لماذا سكتت عن الجرائم التي ارتكبت في بغداد وذي قار والبصرة وفي مدن عراقية أخرى حتى ارتفع عدد القتلى إلى 44 شهيداً ومئات الجرحى والمعوقين حتى الآن. إنها تخشى على حكم قوى الإسلام السياسي وعلى مصالحها في العراق، وهي تخشى المظاهرات التي تطالب بالتغيير الجذري للنظام السياسي الطائفي ومحاربة الفساد، لأنه سيشملها ويشمل كل ممثلي المرجعيات الدينية في النجف وكربلاء.
لن يستطيع عادل عبد المهدي إسكات أفواه الجائعين والعاطلين عن العمل وجموع الفقراء الذين سُرقت لقمة عيشهم من حكام العراق الحاليين، ولن يمنعهم حظر التجول ولا رصاص رجال الأمن والشرطة والحشد الشعبي الإيراني والمليء بعصابات الحرس الثوري وعلى رأسهم القائد الفعلي للحشد الشعبي وللحكومة العراقية قاسم سليماني، عن التظاهر والمطالبة بالحقوق العادلة والمشروعة المغتصبة.
المظاهرات التي عمت بغداد ومدن الجنوب والوسط ستمتد لا ريب في ذلك، إن عاجلاً أو أجلاً، إلى جميع مدن العراق وأريافه، إلى كل زاوية من هذا الوطن المستباح، سينهض طلبة الجامعات والمعلمون والمدرسون وأساتذة الجامعات، سينهض العمال والفلاحون والكسبة والحرفيون، سينهض كل الناس المكتوين بنار الطائفية والمحاصصة والفساد والذين يعانون من الفقر والبطالة والحرمان وتزييف إرادته الحرة.
الشرارة متوقدة ولن تنطفئ وسيلتهم السعير الذي أججه الطائفيون الفاسدون في بلاد الرافدين حكام العراق وبقية الفاسدين.
وكما قال الشاعر العراقي كاظم السماوي:
وإذا تكاتفت الأكف فأي كف يقطعون
وإذا تعانقت الشعب فأي درب يسلكون
             

79
كاظم حبيب
سنبقى نناضل ونطالب ونحتج، ولكن... ماذا بعد؟
نحن الديمقراطيين واليساريين بكل تنوعاتنا سنبقى نناضل مع الشعب ونطالب له حقوقه واسترداد إرادته ونحتج له يومياً وفي كل لحظة ضد ما يرتكب بحقه من جرائم وموبقات لا مثيل لها وسرقات للمال العام لم تحصل بحجمها ووقاحة نهبها العلني في جميع ارجاء العالم، سنبقى ندافع عن الإنسان العراقي المُغتصب والمُنتزع من حقوقه المدنية من حكامه الإسلاميين السياسيين بكل تنوعاتهم وأشكال ظهورهم، سواء اكانوا بعمائهم ملونة أم بدونها، سواء من هم فاسدون منهم أم من مدعي الدين...، سندافع عن العاطلين عن العمل وعن الجياع المتزايد عددهم يومياً، سنحتج على من يُقتل في شوارع الناصرية وبغداد، ومن يصاب منهم بجروح وتعويق، سنندد بالقتلة ومن أعطى لهم الأوامر باستخدام الرصاص الحي وخراطيم المياه الغاز المسيل للدموع والضرب المبرح، سننظم التعازي والفواتح على الشهداء الأبرار، وسنطالب العالم كله للتضامن مع متظاهري العراق، نعم سنقوم بكل ذلك، ولكن ماذا بعد؟ علينا أن ندرك ونبلغ الشعب كله بأن هذا النظام متوحش وفاسد ولا ينفع معه كل ذلك، وأن من واجبنا أمام الشعب ان نناضل له ونتضامن معه، ولكن أن نقول للشعب بأن حكام هذا النظام مستبدون أوباش لا يعتمدون لغة الحوار والاحتجاج، بل يعتمدون لغة القوة والعنف والإكراه، قوى متوحشة لم تتردد حتى الآن على توجيه خراطيم المياه الساخنة والمطعمة بما يؤذي الجسم والعينين والرصاص الحيّ ضد الجماهير، ضد أبناء وبنات الشعب من حاملي الشهادات العالية الذين يطالبون بالعمل وخدمة الشعب، بدلا من الحوار معهم وتوفير فرص العمل لهم. انه النظام الطائفي الفاسد الساقط في مستنقع العفونة، النظام الذي لا ينفع معه سوى كنسه من الأساس، لأنه فاسد وفاسق ومتعفن من الجذور التي يرتوي منها الفسق والجشع والكراهية للشعب والوطن. إن أغلب القوى الحاكمة في العراق ليست من أهل البلاد أو تخلوا عنه كلية، إنهم غرباء وسلموا امرهم للأجنبي الإيراني الذي يهين الشعب يوميا وفي كل لحظة.
إن تصاعد الغضب الجماهيري ينبغي أن يحتضن من كل القوى والأحزاب الوطنية والديمقراطية، وأن تكون مواقفها واضحةً لا لبس فيها، وليس كما يقول المثل العراقي: لا يطير ولا ينكض بالأيد". نعم هناك محاولات جادة وكثيفة من جانب أتباع إيران من "الحشد الشعبي" وأحزابها التي ترطن، كما عبر عن ذلك شعلان أبو الچون في ثورة العشرين حين عبر عن طبيعة الحكومة العراقية حينذاك التي كانت خاضعة للإنجليز، لأن حكام هذا الزمان يريدون أن يقف العراق بالكامل مع إيران وخاضعاً بالتمام لإيران وقراراتها في الصراع مع الولايات المتحدة، أن يكون العراق مستعمرة إيرانية لا غير!!!
إن من يقوم بقتل وجرح المتظاهرين هم من أعداء الشعب ومطالبه العادلة في التغيير، ولأنه لم يعد قادراً على تحمل المزيد من البؤس والفاقة والحرمان من جهة، والمزيد من نهب خيراته وموارده ولقمة عيشه بكل وقاحة وفي كل لحظة من جهة أخرى، ولم يعد يرى بصيصاً من أمل الإصلاح والتغيير الموعدين، سيوجهون نيرانهم صوبه الجماهير المتظاهرة.
لقد سطر عادل عبد المهدي المنتفجي الكثير من المقالات في التنمية ودفاعا عن الإنسان العراقي حين كان ولفترة قصيرة خارج السلطة، ويمكن الاطلاع على ذلك في جريدة العالم البغدادية. ولكن ما ان وصل الى رأس السلطة التنفيذية حتى تنمر كما تنمر من قبله المستبد بأمره الذي وجه طائراته فوق سماء ساحة التحرير ليهدد المتظاهرين بالاعتقال والتعذيب، وفعل ذلك فعلاً. لا يختلف هذا الوزير الأول عن سابقيه فقد تربوا على نفس الفكر الفاسد والمناهض لحقوق الإنسان، فبدلاً من أن يستجيب لمطالب الشعب العادلة والمشروعة والملحة، راح بأمر بقمع المتظاهرين ليثبت لأسياده في إيران بأنه حريص على ما يسعون إليه ولا يحتاجون إلى تغييره بفياض أو المهندس أو المالكي أو مستبدين آخرين تخلوا عن ضمير الإنسان لديهم إلى غير رجعة!!
علينا حماية المتظاهرين ومساندتهم والمشاركة الفعالة في تظاهراتهم وقيادتها ومنع محاولات تشويهها. إن مطالب الشعب واضحة ودقيقة وصائبة، إنها مطالب الخلاص من الطائفية ومحاصصاتها، ومن الفساد وأركانه في الحكم والأحزاب الحاكمة، إنها مطالب التغيير لصالح قيام دولة ديمقراطية ومجتمع مدني ديمقراطي ودستور ديمقراطي وحياة برلمانية ديمقراطية نزيهة لا تباع فيها المقاعد النيابية، بما فيها رئاسة المجلس، بآلاف الدولارات الأمريكية. أنها المطالب التي تدعو إلى التنمية الاقتصادية والبشرية، واستخدام موارد البلاد لصالح التقدم الاقتصادي والاجتماعي وتنظيف البلاد من التلوث والأوبئة والخرائب.
علينا الاستمرار بالتظاهر ورفض محاولات قمع الرأي الحر والحق في التجمع والتظاهر السلمي والمطالبة بالحقوق المغتصبة من قبل حكام العراق الحاليين، لأنها حقوق يدعمها حتى الدستور القائم حالياً بكل ما فيه من اختلالات وتشوه.     
 




80
كاظم حبيب
هل يكفي أن نحذر من وقوف جماعة الإخوان المسلمين وراء مظاهرات مصر؟
حين نشرت مقالي الأخير الموسوم "بشائر خير منعشة من شعب مصر"، وردتني عدة رسائل من إخوة وأصدقاء كرام، إضافة إلى بعض النداءات الهاتفية، التي أشارت باحتمال أن تكون جماعة "الإخوان المسلمين" وراء تلك المظاهرات، لاسيما وأن هتاف "ألله أكبر" قد احتل مكانه بين الهتافات أولاً، وأن دولة قطر وقناتها "الجزيرة" وتركيا" تؤيدان بحرارة تلك المظاهرات وتضخمان بها، وأن قادة الدولتين منتمون لتنظيم الإخوان المسلمين على الصعيد العالمي ومنحازون بالكامل لمسيرة وأفعال هذا التنظيم الدولي التخريبي.
لا شك قطعاً بأن هذا الاحتمال وارد، أي أن الإخوان المسلمين مشاركون فاعلون في هذه الأحداث الأخيرة. ولكن لا بد من الإشارة إلى عدد من الملاحظات المهمة:
1.   إن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر تتدهور يوماً بعد آخر وبشكل متسارع، بحيث أصبح الفقر عاماً يشمل نسبة عالية جداً من الشعب المصري، وأن الفئة المتوسطة تعاني من الاضمحلال بحيث يمكن استخدام التعبير الذي سجله الاقتصادي المصري المتوفي الدكتور رمزي زكي بقوله "وداعاً للطبقة الوسطى في مصر"، كما إن مقص الفجوة بين مستوى المعيشة والدخل للفئات والطبقات الاجتماعية في مصر آخذ بالاتساع السريع والمريع بشكل لم تعرفه مصر في أي وقت من الأوقات.
2.   إن الاستقرار الشكلي الراهن في مصر لم يأت بسبب تحسن الأوضاع المعيشة والسياسية والاجتماعية في مصر، أو سيادة الدمقراطية والحريات العامة، بل بسبب تفاقم الاستبداد والقسوة والتعذيب والتهديد بالاختطاف والاعتقال وامتلاء السجون المصرية بالمزيد من السجناء لا من أتباع الإخوان المسلمين فحسب، بل وبالأساس من القوى الديمقراطية والتقدمية واليسارية، ومن أولئك الذين أشعلوا الثورة ضد نظامي حسني مبارك وضد محمد مرسي وجماعته من التنظيم العدواني للإخوان المسلمين.
3.   إن الدكتاتور المصري الجديد المدعو "عبد الفتاح السيسي" يهدر أموال الشعب المصري ببناء القصور والمدن الجديدة. وحين اتهم بذلك قال في مؤتمره الصحفي الأخير: نعم بنيت وأبني وسأبني قصوراً وقصوراً كثيرة، وهي ليست لي بل لمصر!!!"، هل سمعتم شخصاً عبيطاً مثل هذا الحاكم! ملايين المصريين يتضورون جوعاً، ملايين منهم يسكنون المقابر التي تحولت إلى مقابر كأحياء سكن للبشر، وهو يتبجح بأنه يبني القصور لمصر، وهو يباري في ذلك صدام حسين ومثيله رجب طيب أردوغان!
4.   كل الدلائل والمعلومات التي تنشرها الصحف المصرية، حتى الحكومية، تتحدث عن هيمنة القوات المسلحة، وبتعبير أكثر دقة مجموعة من القادة العسكريين وعلى رأسهم السيسي ذاته، على الاقتصاد المصري، وينتشر الفساد المالي والإداري في صفوف القوات المسلحة والاقتصاد المصري على حساب قوت الشعب ومصالحه الأساسية. لم يكن الفيديو الذي نشره المقاول المهندس والفنان محمد علي وحده هو الذي حرك المظاهرات، بل واقع الحال في مصر هو الذي حرك وسيحرك دوماً احتجاجات الشارع المصري ومظاهراته وانتفاضاته ضد المستبدين الأشرار! 
5.   لقد كانت الأحزاب السياسية المعارضة قبل وقوع المظاهرات الأخيرة تبحث في إمكانية تنظيم مظاهرات ضد الفقر والبطالة والجوع والاستبداد. ويبدو إن الخبر قد وصل إلى أسماع السيسي ورهطه عبر جواسيسه وعيونه المنتشرة والمبثوثة في كل مكان بمصر، تماماً كما كان حال البشر في العراق في فترة حكم الدكتاتور الأرعن صدام حسين. فهددت قوى المعارضة بأن السلطة سوف تستخدم العنف وبأقصى صوره لقمع أي حراك جماهير ضد النظام. وهذا السلوك هو الديدن الدائم لكل المستبدين في الأرض.
6.   أشرت في مقالتي المذكورة في أعلاه إلى الفقرة التالية: "هل ستحرك هذه الشرارة قوى المعارضة الديمقراطية المصرية الى التفكير بالتعاون والتنسيق والتضامن لمواجهة دكتاتورية النظام المصري؟ هل لها أن تفي بوعودها للشعب بأنها تناضل من أجل مصالحه ووحدته الوطنية وضد المستبدين من الحكام، وليس لأغراض حزبية خاصة؟ إنه السؤال الذي ننتظر الإجابة عنه من القوى الديمقراطية المصرية كما حصل في السودان الشقيق وانتصر حتى الآن على الحكام الظالمين، رغم إن المعركة في السودان لم تنته بعد! ولكن حذارى حذارى أيها المصريون والمصريات من محاولات الإخوان المسلمين استغلال التذمر المتعاظم للعودة إلى السلطة ثانية وممارسة ذات السياسات القذرة التي مارسوها بقيادة محمد مرسي وتحت شعار "الله أكبر"، و "الإسلام هو الحل"!!!" 
إن التظاهرات الأخيرة التي يمكن أن شاركت فيها جمهرة من الإخوان المسلمين، إلا إن الجمهرة الأساسية ليست منهم، لأن الشعب كله متذمر من الوضع كله، وأن الغضب يتعاظم يومياً ضد السلطة السياسية والسيسي بالذات، بسبب سياساته، هي التعبير الواقعي المهم عن "كسر حاجز الخوف" الذي نشره السيسي خلال السنوات الأخيرة لحجم الاعتقالات وصدور الأحكام القاسية بالسجن وممارسة التعذيب الوحشي ضد المعتقلين والسجناء.
إن الشعب المصري الذي خبر حكم الإخوان المسلمين وعرفهم جيداً، حتى وهم خارج الحكم، لن يقبل بعودة وهيمنة قادة الإخوان المسلمين الأوباش على الحكم ثانية، ولكنه لم ولن يرضى بحكم العسكر وما يمارسه قادة القوات المسلحة من استبداد وفساد وظلم ضد المجتمع وقوى المعارضة السياسية في مصر.
ومن المحزن حقاً ألَّا تبادر القوى الديمقراطية، ومنها اليسارية والحزب الشيوعي المصري، وتتحرك لقيادة الجماهير لتحقيق مطالبها الأساسية ومصالحها التي داسها النظام الحاكم بأقدامه وتترك الساحة لجماعة الإخوان المسلمين الفاسدين لتنظيم التظاهرات. إن من واجب القوى الديمقراطية ألا تعيب على الغير لعب هذا الدور، رغم فسادها وعهرها السياسي، إن لم تبادر هي للعب هذا الدور، أو أن تخضع لتهديدات النظام بممارسة العنف ضد الحراك الشعبي.
أتمنى على القوى الديمقراطية المعارضة ألاَّ تكتفي بالتحذير مما يمكن أن يفعله "الإخوان المسلمون" وإشاعة الفوضى في البلاد، بل أن تتحرك لتوجه الجماهير المتظاهرة عفوياً بسبب تفاقم أوضاعها المزرية.   


81
كاظم حبيب
بشائر خير منعشة من شعب مصر
تتوجه أنظار شعوب العالم كلها نحو شعب مصر، شعب الحضارة والنضال. الشعب المصري تواق إلى الحرية والديمقراطية والتمتع بحقوق الإنسان. شعب يمهل ولا يهمل. سرقت ثوراته وانتفاضاته مرة بعد أخرى، مرة من العسكر، وأخرى من الإخوان المسلمين، وثالثة من العسكر، وكان الحكام الجدد، الذين يعدون، بعد كل انتفاضة أو ثورة، بالتجديد والخير العميم وممارسة الديمقراطية ومنح الشعب حقوقه المغتصبة من الحكام السابقين، يمارسون بلا حياء وبكل وقاحة وبعد كل مرة، مزيداً من الاستبداد والقسوة، ومزيداً من نهب خيرات البلد وسلب قوت الشعب وملء السجون والمعتقلات بمزيد من المناضلين الذين حركوا الشارع وطرحوا الشعارات الصائبة والمعبرة  عن حاجات وطموحات الناس وقادوا تلك الانتفاضات والثورات.
انظار العالم تتجه صوب مصر، صوب المظاهرات التي انطلقت بعد انتهاء مباراة الأهلي والزمالك في بطولة السوبر المصري لكرة القدم يوم الجمعة 20/09/2019 لتمتد وتصل في يوم السبت إلى مدن كثيرة. فها نحن نتابع المظاهرات الشعبية في بورسعيد ومحافظات القاهرة، لاسيما في ميدان التحرير وميدان عبد المنعم رياض، والجيزة، والإسكندرية، والسويس، والدقهلية، والغربية، والشرقية، إضافة إلى الدمياط والمحلة الكبرى، وهي كلها تنادي برحيل الدكتاتور الجديد عبد الفتاح السيسي، وتردد ""ارحل يا سيسي"، "ارحل يا بلحة"، "الشعب يريد إسقاط النظام". وتشير الأخبار الواردة من مصر عن حرق أو تمزيق صور الشخص الذيب تولى سرقة الثورة باسم الشعب ثم زيّف إرادة الشعب. جريدة العالم العراقية، 22/09/2019).
وتؤكد المعلومات الموثقة إلى استخدام الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، وتم اعتقال عشرات الأشخاص ممن شاركوا في المظاهرات. وجاء في موقعNews  BBC )بي بي سي نيوز) الخبر التالي: "ذكر بيان للمركز المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية إنه تلقى بلاغات بالقبض على 45 شخصا، في مدن القاهرة، الإسكندرية، دمنهور، دمياط، والمحلة الكبرى خلال التظاهرات، بينما قدر شهود عيان عدد المعتقلين بأضعاف ذلك الرقم.". (21/أيلول/سبتمبر 2019).
ولكن ما هي الشرارة التي تسببت بهذه المظاهرات في مصر؟ إنها الفديوات التي نشرها الفنان المصري محمد علي التي تدين السيسي والقوات المسلحة بالفساد وبوثائق دامغة حركت الشارع المصري لتؤكد وجود تراكم مرير من عواقب السياسات الخاطئة غير الإنسانية والاستبدادية التي بدأ بممارستها السيسي منذ اليوم الأول لتسلمه السلطة وترك يد قادة القوات المسلحة تلعب ما تشاء في الاقتصاد المصري وتهيمن أكثر فأكثر عليه، وتزيد من فقر الفقراء وغنى قادة العسكر، بمن فيهم السيسي، وبقية الأغنياء بمصر، إنها سياسة كبت الرأي الأخر وكتم الأصوات وإملاء السجون بالمنتقدين والمعارضين والمطالبين بالحريات العامة وحقوق الإنسان، إنها السياسة الاقتصادية الفاشلة التي فاقمت البطالة والاستغلال والبؤس في صفوف الشعب المصري وزادت في مديونية مصر للمؤسسات المالية الدولية.
وعقد السيسي مؤتمراً ليرد على محمد علي، فماذا كان الرد؟ لقد برهن الرد بأن الرئيس المصري لا يملك رداً على محمد علي سوى القول "إنه يكذب وأنا شريف" ويعتب على الشعب الذي جوعه وداس على كرامته أن يصدق ما نشره محمد علي!!! إن رد الرئيس السيسي يؤكد صواب تلك الاتهامات على حسب رأي الكثير من المتابعين والمراقبين لما يجري في مصر، سواء أكان من مصريين أم من أجانب!
ربما يستطيع السيسي قمع المظاهرات التي انطلقت يوم الجمعة المنصرم، ولكنها الشرارة التي ستشعل الأرض من تحت أقدام الدكتاتور، فالشعب المصري انتفض ضد المستبدين الجبابرة لا ليضع مستبد جبروت آخر على رأس الدولة المصرية.   
هل هذه الشرارة الأولى ستحرك قوى المعارضة الديمقراطية المصرية الى التفكير بالتعاون والتنسيق والتضامن لمواجهة دكتاتورية النظام المصري، هل لها أن تفي بوعودها للشعب بأنها تناضل من أجل مصالحه ووحدت الوطنية وضد المستبدين من الحكام، ولي لأغراض حزبية خاصة؟ إنه السؤال الذي ننتظر الإجابة عنه من القوى الديمقراطية المصرية كما حصل في السودان الشقيق وانتصر حتى الآن على الحكام الظالمين، رغم  إن المعركة في السودان لم تنته بعد!

82

كاظم حبيب
هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟
الحلقة الثانية
أسعى في هذه الحلقة إلى طرح رأيي الشخصي بشأن بعض مشكلات قوى التيار الديمقراطي العراقي، من خلال الإجابة عن الأسئلة التي وجهها الزميل الدكتور قاسم حسين صالح.

1)   هل هو الشعور بالإحباط واشاعة ثقافة التيئيس من كتاب تقدميين ومن واقع حال العراق الان.. هو الذي اوصل الصديق نبيل لهذا القرار.. ؟
إن التخلي عن السياسة ورفع قبعة الاستسلام أمام واقع معين يعتبر من العمليات الإنسانية المعقدة والمديدة التي لا يُتخذ بشأنها قرار سريع ومفاجئ من جانب هذا المناضل السياسي الديمقراطي أو الشيوعي أو ذاك، كما إنه يختلف من حالة إلى أخرى، فلا يخضع لعامل واحد لدى الجميع، بل يعود لعوامل عدة ومتنوعة ومتباينة. إذ يمكن أن يكون التخلي عن النشاط السياسي ناجم عن إحباط عام من الوضع السياسي القائم في العراق، حيث يرى هذا الشخص أو ذاك فيه نفقاً طويلاً مظلماً دون أن يرى نقطة ضوء في نهايته. كما يمكن أن يعود السبب إلى خلل عام ومديد في العلاقات الإنسانية بين القوى العاملة في الحقل السياسي في هذا الحزب أو ذاك، أو في هذا التحالف أو ذاك، أو نشوء شعور بالمرارة من منافسات غير عقلانية وغير موضوعية في عمل يقوم أساساً على التطوع والاختيار الذاتي لصالح الشأن العام. كما يمكن أن تكون هناك عوامل شخصية كالصحة أو الوضع العائلي، أو أن تكون من عوامل متداخلة ومركبة من بعض أو كل العوامل المذكورة سابقاً ...الخ.
هناك العديد من الدلائل التي تشير إلى وجود أجواء غير سليمة ليست جديدة في صفوف الحركة الديمقراطية العراقية وبين أطرافها وفي تحالفاتها السياسية. كما أن هناك شعوراً بالاستعلاء والمنافسة والمناكدة والهيمنة والمزاجية من بعضها إزاء البعض الآخر. إن بروز مثل هذه المشاعر هي التي يمكن أن تقود هذا المناضل أو ذاك إلى الإحساس بالعجز عن مواجهة مثل هذه الأجواء، أو أنه غير قادر وغير مرغم عليها، فيرى أن من الأفضل له أن يترك الساحة السياسية لمن يحاول الحلول محله أو إبعاده. هناك من يتخلى عن السياسة كلية أو عن موقع معين ويواصل العمل السياسي العام دون التزامات مع قوى بعينها. لا يمكن القول بوجود إحباط عام في مجمل الحركة الديمقراطية العراقية، ولكن هناك شعور بوجود عقبات جدية على طريق التفاهم والتفاعل والتضامن والسير المشترك، رغم ضعف الحركة في المرحلة الراهنة وحاجتها لذلك، ناتجة عن وجود خلافات ناشئة عن تباين في المواقف والسياسية إزاء الوضع السائد في العراق وإزاء العملية السياسية الجارية وإزاء التحالفات السياسية القائمة. فإنهاء وجود "تقدم" أدى عملياً، من خلال نشوء تحالف جديد للحزب الشيوعي العراقي مع حركة التيار الصدري الإسلامية السياسية في "سائرون"، إلى حصول شرخ مؤذٍ في صفوف الحركة الديمقراطية العراقية الضعيفة أصلاً، وعمق الاختلاف والتباعد فيما بين هذه القوى. من نافل القول الإشارة إلى أن كل الأحزاب والقوى السياسية، ومنها الحزب الشيوعي العراقي، تمتلك الحق في التحالف مع من تشاء من القوى والأحزاب السياسية، ولكن من الصواب والحق أيضاً أن ينتبه كل حزب إلى الحلفاء الموضوعيين الذين يتناغمون مع أهدافه القريبة والبعيدة أولاً، ومدى تأثير التحالف الجديد على علاقاته وتحالفاته الأخرى وعلى مجمل عمل الحركة الديمقراطية العراقية. واعتقد بأن الجميع قد عاش الفوضى والارتباك اللذين سادا في صفوف الحركة الديمقراطية والصراعات التي برزت بسبب تلك الخطوة، سواء أكان ذلك في صفوف الحزب الشيوعي، أم في صفوف مجمل الحركة الديمقراطية العراقية وتأثيرها الفعلي السلبي على علاقات ونشاط أطراف هذه الحركة.
لقد مرّت الحركة السياسية العراقية بتجربة الدخول في تحالفين في الثمانينيات من القرن الماضي حين دخل الحزب الشيوعي في تحالفين في آن واحد مع "جوقد" في سوريا، ومع "جود" في كردستان العراق، الأول ساهم فيه الاتحاد الوطني الكردستاني، والثاني اشترك فيه الحزب الديمقراطي الكردستاني، وكلا الحزبين كانا في صراع وقتال فعلي حين عُقدت هاتان الجبهتان، وكانت لهما عواقب شديدة الأذى على الحزب الشيوعي ذاته، قبل غيره. لا شك في وجود فارق بين تلك الفترة وهذه الفترة وحتى بين القوى المشاركة، ولكنها تبقى تجربة غنية كان من الضروري الاستفادة من دروسها.
لقد بذلت القوى الديمقراطية جهوداً كبيرةً ومضنيةً حتى تحقق لها تشكيل "تقدم" في عام 2017. ولم تمض فترة طويلة على ذلك حتى دخل الحزب الشيوعي العراقي في تحالف مع التيار الصدري الإسلامي السياسي، متخلياً عملياً عن "تقدم" التي تفككت وغاب اسمها عن الساحة السياسية العراقية وخسرت هذه القوى جهوداً كبيرة ولسنوات عدة، لا تزال الحركة الديمقراطية في الداخل والخارج تعاني منها. 
هذا التحالف الذي حصل في الداخل انعكس بشكل سلبي حاد على واقع وعمل تنسيقيات التيار الديمقراطي العراقي في الخارج، التي كانت قد تشكلت قبل ذاك، ومن ثم تعززت في فترة عمل "تقدم" للقوى والأحزاب الديمقراطية وعقدت مؤتمراتها ووضعت برامج لتنسيقياتها. فقد دخل إليها العطب النسبي والاختلاف في الرؤية السياسية وفي أساليب العمل وأدواته وشخوصه بين حزب التيار الاجتماعي الديمقراطي وجماعات وشخصيات ديمقراطية مستقلة من جهة، وتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي والقوى الديمقراطية والشخصيات المستقلة المؤيدة له والمتعاونة معه من جهة ثانية. وفي هذا الإطار نشأ نوع من الصراع بين الأجندات العملية وما نشأ عنها من مماحكات ومناكدات وحتى منافسات لا تزال مستمرة ومنغصة. ومع إن مثل هذه الأجواء غير مرغوب بها بأي حال، ولكن الواقع يشير إلى وجودها ودورها السلبي وتأثيرها على مجمل عمل التنسيقيات في الخارج، حتى أدى الوضع في الفترة الأخيرة إلى استقالات وبيانات تضامن ورسائل وإساءات متبادلة لا يجوز أن تبرز بين قوى تقف في معسكر واحد رغم الاختلافات القائمة في رؤاها السياسية.
منذ ما يزيد على عام يبذل الحزب الشيوعي العراقي محاولات حثيثة لرأب الصدع من خلال تشكيل تحالفات لقوى ديمقراطية أخرى، إلا إنها لا تزال ضعيفة وشكلية رغم ضرورتها، لأن قوى أخرى تريد ضمانات لكي لا يحصل معها ما حصل قبل ذاك مع "تقدم"، لاسيما وأن الحزب الشيوعي ما زال مع "سائرون" في تحالف سياسي معقد. ولا بد من الإشارة إلى أن تحالف "سائرون" لم يقدم للشعب البديل المناسب القادر على التعبئة الضرورية، كما لم يلعب دوره في تنفيذ ما التزمت به قوى "سائرون" في محاربة الطائفية ومحاصصاتها المذلة والفساد السائد في العراق وتبعية العراق للخارج، بل هناك من الدلائل ما يشير إلى تورط العديد من أطراف "سائرون"، ما عدا الحزب الشيوعي، في معمعان الطائفية والفساد والمحاصصة في الدولة العراقية، إضافة إلى احتلال "سائرون" المئات من الوظائف المدنية المهمة التي أنيطت بهم على أساس المحاصصة الطائفية، والتي لم يتلوث بها الحزب الشيوعي حتى الآن، إضافة إلى وجود ميليشيا مسلحة لدى التيار الصدري الذي يقود "سائرون" باسم "سرايا السلام" التي تشكل جزءاً من الحشد الشعبي. وفي هذا الحشد الشعبي تؤمن غالبية الميليشيات الطائفية المسلحة وقياداتها بولاية الفقيه الإيراني، ويعتبر قائدها الأعلى، وتأخذ الفتاوى والأوامر منه وليس من رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة. كما لم يعد بإمكان القوى الديمقراطية العاملة في سائرون توجيه أي نقد لـقائد سائرون الفعلي "مقتدى الصدر" حين يكون النقد موضوعياً وضرورياً.
حين تنشأ مشكلات في صفوف الحركة الديمقراطية العراقية ينبغي أن نتوجه بدراسة طبيعة تلك المشكلات والعوامل التي تسببت بها وسبل معالجتها بعيداً عن التشنجات والتوترات والإساءات، إذ من تسيء له اليوم لا بد ستعمل معه غداً لأن الجميع في موقع واحد وليس في موقعين، وحين ذاك يصعب عليك الدفاع عنه، إذ أن المصداقية ستسقط أمام الناس.
أؤكد مرة أخرى بأن على قيادات القوى والأحزاب الديمقراطية في العراق أن تعقد لقاءات مكثفة وعاجلة لمعالجة الوضع الراهن لكي لا تحصل تداعيات إضافية فتتساقط التنسيقيات كقطع الدومينو التي لا يريد ولا يرغب أي منا حصولها. إن استقالة الزميل نبيل تومي، بغض النظر عن العوامل التي كانت وراءها، أثارت مشكلة كانت وما تزال تعاني منها الحركة الديمقراطية العراقية وتستوجب الدراسة والمعالجة ولهذا يمكن القول "رب ضارة نافعة"! وهي موضوع الحلقة الثالثة.
يتبع
 


83
كاظم حبيب
هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟
(الحلقة الأولى)
أثارت استقالة الزميل نبيل تومي الهواجس والاجتهادات حول العوامل الكامنة وراء تقديم هذه الاستقالة. في حينها كتبت تعليقاً قصيراً رجوت من قوى التيار الديمقراطي في بغداد دراسة هذه المسألة وعموم وضع التيار الديمقراطي في الداخل والخارج لتأمين تطور مناسب لقوى التيار الذي يعوَّل عليه الكثير في أوضاع العراق الراهنة. وقد كتب لي الزميل الأستاذ الدكتور قاسم حسين صالح رسالة جاء فيها ما يلي:   
" تشخيصك صحيح جدا.. ينبغي إيصاله الى الحزب الشيوعي والقوى التقدمية ايضا. من اختصاصي كسيكولوجست اتساءل: هل هو الشعور بالإحباط واشاعة ثقافة التيئيس من كتاب تقدميين ومن واقع حال العراق الان.. هو الذي اوصل الصديق نبيل لهذا القرار.. وقد يكون العد التنازلي للقوى الماركسية والتقدمية والمدنية في العراق؟ هل هو ضعف.. تقصير.. فشل.. نواب هذه القوى في البرلمان؟ " (الرسالة في أرشيفي الشخصي).
قبل هذا وذاك وصلتني رسالة موجهة لي وللزميلين جاسم المطير وزهير كاظم عبود من الزميل الأستاذ الدكتور تيسير عبد الجبار الآلوسي يرجو فيها المساعدة لمعالجة المشكلة المتفاقمة في عمل اللجنة التنسيقية للتيار الديمقراطي في هولندا. في حينه كنت قد أكدت بأن المشكلة يفترض أن تعالج في بغداد أولاً. وقد قرأت بعد ذلك حضور الزميل الدكتور أحمد إبراهيم إلى هولندا وحضوره اجتماعاً واسعاً لمعالجة المشكلة. ثم قرأت يوم أمس بياناً تضامنياً من مجموعة من المثقفين العراقيين العاملين ضمن قوى التيار الديمقراطي ومن المستقلين في هولندا يعلنون فيه انسحابهم من العمل في هذا المجال الحيوي والتطوعي. إن هذه الحالة وعموم ما حصل خلال السنوات الثلاث المنصرمة في إطار قوى التيار الديمقراطي، والتي كانت تشغل بال ونشاط اللجنة التي شاركت في تأسيسها تحت اسم "لجنة المبادرة لدعم وحدة القوى الديمقراطية العراقية" بالمشاركة مع الزملاء "تيسير الآلوسي، زهير كاظم عبود، نهاد القاضي، غيث التميمي، سلمى السدَّاوي، رابحة مجيد الناشئ، محمود سعيد الطائي، وكاترين ميخائيل وكاتب السطور". وكان همَّ هذه اللجنة الدفع باتجاه إيجاد صيغة عملية لوحدة نضال قوى التيار الديمقراطي في هذه المرحلة الأكثر حراجة ومحنة وتأزماً من تاريخ  العراق الحديث. ورغم أن اللجنة قد تم الترحيب بها من قبل الجميع لأن هدفها الوحيد هو الدفع باتجاه الاتفاق والعمل المشترك لقوى التيار الديمقراطي، فإنها عانت من اعتقاد لدى البعض بأننا ننوي احتلال موقع على حساب جهة أخرى، والذي لم يكن في بال أي زميل منّا.       
سأحاول في هذه السلسلة من المقالات أن أشارك في طرح وجهة نظري بشأن الوضع في صفوف قوى التيار الديمقراطي
وفي الرسالة التي وجهتها اللجنة بتاريخ 29/10/2017 بمناسبة انعقاد مؤتمر "تقدم" جاء ما يلي:
"لقد تم تشكيل لجنة المبادرة المستقلة، وهي ليست بحزب أو منظمة، بهدف دعم جهود قوى التيار الديمقراطي وبقية القوى الديمقراطية والمستقلة والشخصيات الدينية العلمانية لتحقيق التعاون والتنسيق والتحالف فيما بينها لضمان السير على طريق تغيير واقع العراق الراهن. ويسعدنا تحقيق هذا التحالف الجديد، آملين أن يتم التعاون والتنسيق مع قوى أخرى يمكنها أن تكون مع "تقدم" وتلعب دوراً مهماً باتجاه تحقيق الدولة الديمقراطية العلمانية بالعراق. وسنبقى نعمل وندعم "تقدم" من أجل تحقيق هذا الهدف." (راجع: كاظم حبيب، رسالة تحية وتهنئة موجهة إلى تحالف القوى الديمقراطية العراقية (تقدم) الحوار المتمدن، 30/10/2017).
سأحاول في عدة مقالات أن أطرح وجهة نظري الشخصية عن الأهمية والضرورة الملحة لتجميع وتعبئة قوى هذا التيار الديمقراطي لصالح تحقيق الأهداف المرجوة والمنشودة من الشعب العراقي أولاً، وكذلك الإجابة الواضحة عن الأسئلة المهمة التي وجهها لي الزميل الفاضل الدكتور قاسم حسين صالح ثانياً. 
الواقع السياسي والاجتماعي في البلاد يشير إلى تفاقم المعركة السياسية والاجتماعية بين غالبية الشعب العراقي ومعها القوى والأحزاب والشخصيات الديمقراطية المستقلة والجماعات المتنورة والواعية بأهمية وضرورة فصل الدين عن الدولة والسياسة من جهة، وتلك القيادات في القوى والأحزاب الإسلامية السياسية الفاسدة التي تقود الحكم الطائفي الفاسد والمتخلف والتابع الحالي من جهة ثانية. وتصر القوى والأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة على مواصلة ذات السياسات الطائفية والفساد المالي والإداري الذي بدأت بممارسته منذ تسليمها الحكم في أعقاب إسقاط الدكتاتورية الغاشمة من قبل المحتل الأمريكي وبدعم مباشر من القيادة الإيرانية الطائفية والفاسدة حتى الآن. فالنظام السياسي الطائفي الفاسد القائم هو ليس النظام الذي يعبر عن إرادة الشعب ومصالحه الأساسية، فهو ليس نظام القوى السياسية الديمقراطية والشعب الذي جاء بحفنة من السراق وقطاع الطرق والمارقين الذين اثروا على حساب خزينة الدولة وأموال الشعب ونشروا الرذيلة والفتنة بالبلاد.
تتميز المعركة السياسية والاجتماعية الجارية بالقسوة والمرارة، وستكلف الكثير من التضحيات الغالية من بنات وأبناء الشعب وقواه الوطنية والديمقراطية النزيهة والمخلصة. ولهذا فخوض هذه المعركة يستوجب الاستعداد المتعدد الجوانب المستمر والمتطور لها من الجانبين النظري والعملي، والذي يمكن أن ألخصه بما يلي:
أولاً: الإمعان في التمييز ووضع الحدود ورفض التمييع والتشابك بين القوى السياسية الطائفية والفاسدة والتابعة الحاكمة من جهة، وبين القوى الديمقراطية والتقدمية والمتنورة الرافضة للطائفية ومحاصصاتها المذلة وللفساد والتبعية لإيران أو غيرها من الدول. إن مثل هذا التمييز الواضح في المواقع والأفكار والأهداف يسهم في تعبئة القوى النظيفة في المجتمع والواعية في مواجهة تلك الحفنة من النخب الإسلامية السياسية الحاكمة التي برهنت على أنها بلا ذمة وضمير أو أخلاقٍ في التعامل مع مصالح الشعب وهمها أولاً وأخيراً مصالحها الذاتية الضيقة والمحرمة قانوناً.
ثانياً: عدم السكوت عن خبايا النظام السياسي الطائفي والفاسد والتابع في جميع جوانب سياساته وإجراءاته المناهضة للحياة الديمقراطية والحريات العامة والمتعارضة مع أهم بنود الدستور العراقي، لاسيما في مجال حقوق الإنسان وحقوق القوميات وأتباع الديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية والفلسفية وحقوق المرأة والطفل على نحو خاص.
ثالثاً: اعتبار الفساد والطائفية من جهة، والإرهاب الفكري والسياسي من جهة أخرى، هما وجهان لعملة واحدة، وهو ما يتميز به النظام العراقي الراهن، ويزيده بؤساً وفاقة خضوعه للإرادة الإيرانية ومساومته المستمرة مع الولايات المتحدة مرة وإيران مرة أخرى.
رابعاً: إن القوى الديمقراطية العراقية بكل أحزابها وكتلها وتجمعاتها المدنية وشخصياتها الوطنية المستقلة تشكل تياراً سياسياً واجتماعياً مدنياً ديمقراطياً عريضاً وواسعاً في البلاد يسعى إلى بناء الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني الديمقراطي، إنه يضم من الناحية الاجتماعية بقايا البرجوازية المتوسطة وفئات البرجوازية الصغيرة، ومنهم الكسبة والحرفيون وصغار المنتجين وصغار الموظفين، إضافة إلى الطلبة والمثقفين والعمال والفلاحين، علماً بأن جزءاً كبيراً من هذه القوى غير منظمة في أحزاب سياسية أو تنظيمات مهنية أو نقابات أو جمعيات مجتمع مدني، بل هم مستقلون ولكن لهم مصالح تلتقي مع مصالح القوى الديمقراطية العراقية.
خامساً: في مقالات لي طرحتها في الفترة الأولى من إسقاط الدكتاتورية طرحت شعاراً يؤكد الأهمية الفائقة لرفع شعار "قووا تنظيم الحركة الوطنية والديمقراطية تقوى وتتعزز تنظيمات احزابكم السياسية"، أي قلبت بمعنى معين شعار الرفيق فهد الذي قال في أوائل وجود الحزب: قووا تنظيم حزبكم. قووا تنظيم الحركة الوطنية". ومثل هذا الشعار ينسجم تماماً مع الحياة السياسية والمشكلات القائمة والصراعات المحتدمة. وهذا الأمر لا يزال قائماً ومطلوباً بإلحاح كبير.
سادساً: ومثل هذا التوجه الضروري يتطلب موقفاً شديد الوضوح والحساسية من جانب الحزب الشيوعي العراقي، باعتباره أكثر الأحزاب العراقية الوطنية عمراً وتجربة، إضافة إلى امتلاكه نظرية ومنهجاً تساعده على التحليل واستنتاج السياسات والحلول العملية والواقعية للمشكلات القائمة، من خلال إبراز وتنشيط وتشجيع القوى والأحزاب والحركات والكتل والشخصيات الديمقراطية في ثلاثة مجالات جوهرية هي:
1.   في الائتلافات السياسية الانتخابية والتحالفات الجبهوية في الداخل والخارج.
2.   في منظمات المجتمع المدني الديمقراطية في الداخل الخارج.
3.   التعامل الواعي والديمقراطي في قبول أو رفض سياسات أو مواقف أو إجراءات الحزب في المجال الديمقراطي وإخضاعها الفعلي لمبدأ الأكثرية والأقلية.
إن هذا لا يعني بأي حال تخلي الحزب الشيوعي عن المشاركة أو تأمين مواقع عمل نافعة وضرورية لرفاق الحزب في تلك المجالات، بل أن يتم ذلك باختيار خيرة العناصر المتميزة بالاستقلالية والديمقراطية والمرونة المبدئية، وأن تكون الأكثرية للقوى الديمقراطية والمستقلة لضمان التعبئة الواسعة في وحول هذه المنظمات.   
تشير أدبيات الحزب الشيوعي العراقي إلى أن قيادة الحزب تسعى لتحقيق ذلك. وهو ما كنا نطرحه في السابق أيضاً. ولكن تجربتي الطويلة في السابق، بما في ذلك مسؤوليتي عن تنظيمات الخارج في النصف الثاني من العقد التاسع من القرن  العشرين ومعاينتي للواقع على صعيدي الداخل والخارج سابقاً وحالياً، لاسيما الخارج، تشير إلى وجود أشخاص على رأس منظمات الحزب أو قيادة الخارج، أو بعض الشيوعيين والشيوعيات العاملين في التنظيمات الديمقراطية، يتعاملون بغلظة وتشدد، أي بصيغة أخرى غير صيغة الدماثة وصيغة التعامل الأخوية المطلوبة التي قيل لي من أكثر من رفيق قيادي في الحزب أنهم يبشرون بها ويروجون لها، وهو أمر يؤكده الكثير من الأشخاص وتؤكده وقائع الحصاد الراهن التي تشير إلى استمرار وجود هذه الظاهرة السلبية أيضاً.
لا بد هنا من الإشارة إلى أن القوى الأخرى أو الديمقراطيين المستقلين ليسوا كلهم ملائكة أو بدون أخطاء أو بدون حساسية إزاء الحزب الشيوعي العراقي، لاسيما أن جمهرة منهم كانوا في السابق أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي.
التتمة في الحلقات القادمة
             


84
كاظم حبيب
حكومتان أم حكومة واحدة، جيشان أم جيش واحد في العراق؟
هذا سؤال كبير يدور في بالي، وكما أرى يدور في بال الملايين من البشر في العراق وخارجه. هذا السؤال يدور في بالي كل يوم، بل وفي كل ساعة ولحظة، أقرأ أو أسمع فيها أخبار العراق وتصرفات مجموعة من قادة القوى والأحزاب الإسلامية السياسي في العراق، وهم في الوقت نفسه قادة عسكريون في الحشد الشعبي. لهم مقرات وزارية في مقرات أحزابهم ومقرات لهم كقادة عسكريين في مقرات الحشد الشعبي، وهم في الوقت نفسه شيوخ أو رجال دين مزيفين، ورئيسهم ليس رئيس وزراء العراق، بل خامنئي، هو رئيسهم، وقائدهم العسكري ليس القائد العام للقوات المسلحة العراقية، بل خامنئي ونائبه في العراق العميد قاسم سليماني. وهكذا، فعند الشدة لا يلجؤون الى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء في العراق بل إلى طهران مباشرة ودون أخذ الإذن من أحد، ليتلقوا الفتاوى والتعليمات من ولي الفقيه علي خامنئي وقادة الحرس الثور وفيلق القدس والبسيج، وربما أيضاً من حسن روحاني.
لم يكن عبثاً ولا عفوياً حين وصف "معاون زعيم ميليشيات النجباء، يوسف الناصري، بتصريح متلفز، الجيش العراقي بـ"المرتزق"، وطالب بحله وإسناد مهامه إلى ميليشيات الحشد الشعبي"، بل هو نهج ثابت لدى قادة تلك الأحزاب الإسلامية السياسة التابعة لإيران وقادة الحشد الشعبي التابعين عقلاً وعاطفة لإيران حيث يجسد روح الانتقام من الجيش العراقي ورغبة إنهاء دوره لصالح الحشد الشعبي المعبر عن إرادة ومصالح إيران في العراق.
إنها المعضلة الكبيرة التي يعاني منها العراق: يسافر اثنان من قادة الحشد الشعبي، وهما نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس وزعيم حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، وهما من أشد أنصار ولاية الفقيه الإيراني علي خامنئي، في زيارة غير معلنة، بهدف الحصول على "منظومة دفاع جوي محدودة ـ باور 373" لمواجهة الطيران المعادي، لصالح القوات الإيرانية في العراق، أي لصالح "الحشد الشعبي". والسؤال لماذا لم يكلف رئيس الوزراء قادة عسكريين في الجيش العراقي ليقوموا بزيارة رسمية إلى إيران أو إلى أي بلد آخر لاقتناء السلاح المناسب للدفاع عن الأجواء العراقية. وهذا الشخصان هما من رفض أيضاً قرار دمج الحشد الشعبي بالقوات المسلحة العراقية، بل يريدون دمج حل الجيش العراقي ودمج بعض وحداته بالحشد الشعبي ليحل مجل الجيش العراقي! هكذا تسير الأمور في العراق!
وليس غريباً ألَّا يعترض أو يحتج رئيس الوزراء على هذه الزيارة، فهو منهم وأليهم، ولا يجد غضاضة أن يهمل، فهو ليس الأمر بنفسه، بل مأمور ممن أجلسه على مقعد رئاسة الوزراء، وهكذا حال رئيس الجمهورية، الذي لا حقوق ولا واجبات له في الدولة العراقية، ولكن الغريب حقاً أننا لا نسمع أصوات احتجاج من القوى التي تتحدث عن رفض وجود حكومة ظل، ونرفض وجود دولة داخل دولة وجيش داخل جيش.
إن الحشد الشعبي يريد، شاء الشعب العراقي أم أبى، أن يقف العراق الرسمي إلى جانب إيران في صراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعليه سيكون العراق جبهة أمامية في هذا الصراع، وسيتلقى الضربات الجوية العدوانية من إسرائيل الحليف الأساسي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وفي الصراع مع إيران.         
هناك حكاية قديمة حين زار امبراطور المانيا وزوجته دمشق الشام وأعجبت الإمبراطور بحمار ابيض كان في الشارع حين مرور الموكب، فأرادت الحصول عليه. رفض صاحب الحمار التخلي عنه لكيلا يقال بأن الإمبراطورة لم تجد في الشام غير الحمار لتعجب به. فبلغ الإمبراطور وزوجته بموقف صاحب الحمار فقال الإمبراطور: "هناك أناس يخافون على سمعة بلادهم من الحمير، وهناك حمير تبيع البلد بما فيه!!!" هذا هو ما يحصل في بلاد الرافدين في المرحلة الراهنة!! 
31/08/2019


       

85
كاظم حبيب
العلاقة الجدلية بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية وحقوق الإنسان ومكافحة الفقر
تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن نسبة الفقر في العراق وصلت اليوم إلى 22،5% مقدرة على أساس عينة عشوائية، في حين أن الواقع العراقي يشير إلى إنها تزيد عن 30% من إجمالي السكان، ولاسيما في المحافظات التي تعاني من فقر مدقع تزيد في بعضها عن 50%، كما في محافظة المثنى. وطرحت اللجنة، التي شكلت لوضع استراتيجية تخفيف الفقر في العراق والمكونة من خبراء عراقيين وأجانب بالتعاون مع مؤسسات دولية مختصة، في مقدمتها البنك الدولي، برنامجا يتضمن مجموعة نقاط وردت التنمية الاقتصادية في آخر تلك التوصيات وأكثرها اختصاراً. وهو أمر مفهوم حين يكون البنك الدولي طرفاً رئيسياً في مثل هذه المعالجات المناهضة في جوهرها للإنسان عموماً والفقير خصوصاً، والمعبرة بصدق عن مصالح رأس المال والدول الرأسمالية المتقدمة.
تغيب عن هذه الاستراتيجية البائسة كل القضايا الجوهرية والمسائل الأساسية التي كانت وما تزال تعتبر السبب وراء وجود الفقر والفقراء في العراق، هذا البلد الغني بثرواته وقدراته البشرية وجمهرة المثقفين والعلماء والفنيين. ومن الملاحظ أن تفاقم حالة الفقر ونسبة الفقراء المرتفعة قد قادت وماتزال تقود إلى توترات اجتماعية لا يمكن لأي متتبع تجاوزها. (قارن: د. حسين أحمد السرحان، استراتيجية التخفيف من الفقر 2018 - 2022 في العراق، جريدة العالم، الخميس - 22 اب/ اغسطس 2019). (راجع أيضاً خطة التنمية للفترة 2018-2022، وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء) استراتيجية لتخفيف من الفقر).   
من البديهيات في علوم السياسة والاقتصاد والمجتمع الوقائع التالية: حين تغيب سلطة الشعب الديمقراطية، وحين تصادر الحريات وحقوق الإنسان وحرية وحقوق المرأة، وحين تغيب العدالة الاجتماعية، وحين تسقط من البرنامج التنفيذي الفعلي الرؤية العقلانية والتناغم المنشود في عملية تنمية اقتصادية وبشرية ناضجة ومستدامة، وحين يسود في الواقع نظام سياسي طائفي وفاسد، حيث يشكل الفساد نظاماً قائماً بذاته فعلياً ويمارس في جميع سلطات الدولة ومفاصلها وأجهزتها ومؤسساتها من القمة إلى القاعدة، وحين يهيمن الفاسدون وأحزابهم على مقدرات السلطة والمال العام والمجتمع، وحين تنتشر المافيات المنظمة تنظيماً عالياً ومرتبطة بدول الجوار وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي ولها ميليشياتها المسلحة تسليحاً عالياً يفوق تسليح القوات المسلحة الرسمية، وحين تعمل بتخصص وفي جميع المجالات، وحين تمتد أذرعها إلى الاقتصاد الوطني وحياة الناس ومعيشتهم اليومية، عند ذاك اقرأ على أي برنامج مهما كان عقلانياً سليماً الفاتحة في مواجهة ومكافحة أو حتى تخفيف الفساد، فكيف والأمر مع استراتيجية تخفيف الفساد التي يشارك في وضعها البنك الدولي!                 
الديمقراطية وحقوق الإنسان ملح الحياة، حين ينقص الملح في جسم الإنسان يختل توازنه، وربما ينتهي ما لم يتم تدارك هذا النقص. والديمقراطية ليست فقط غائبة عن العراق، بل تعتبر في عرف قوى الإسلام السياسي كفر، ولكن ابتدع المحدثون منهم إمكانية وضرورة استخدامها كأداة أو وسيلة للوصول إلى السلطة ومن ثم التنكر لها لأنها منكر أساساً. إن أية إستراتيجية جادة وعقلانية لمحاربة الفساد تتطلب قبل كل شيء وجود نظام ديمقراطي حر يستند إلى دستور ديمقراطي يقر المبادئ الديمقراطية في تشكيل الدولة، وأعني بذلك إلى دستور يقر الفصل بين سلطات الدولة الثلاث وتمارسها الدولة فعلاً، والفصل بين الدين والدولة لصالح الدين والدولة في آن واحد، ومنع قيام أحزاب دينية طائفية في بلد متعدد الديانات والمذاهب، بل يفترض أن تقوم على أسس فكرية وسياسية ديمقراطية تؤمن بمبدأ المواطنة الحرة والمتساوية والموحدة، وترفض العنصرية والشوفينية والطائفية والتمييز الديني والمذهبي، وكذلك ترفض التمييز بين الرجل والمرأة من حيث الحقوق والواجبات والمواطنة. أي وجود دولة دستورية وبرلمان نزيه وقضاء وادعاء عام مستقلين، ورؤية واضحة لواقع العراق الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والثقافي وقدراته المادية والبشرية من أجل وضع استراتيجية شاملة لمجمل الاقتصاد والمجتمع، بما في ذلك مكافحة الفساد والبطالة والإرهاب وغياب العدالة الاجتماعية. والسؤال العادل الذي يفرض نفسه علينا هو: هل هذه المتطلبات، بل حتى الجزء الأساسي منها متوفر في العراق؟ الإجابة نجدها في الكثير من المقالات التي تنشرها جريدة العالم أو جريدة المدى وصحف عديدة أخرى. فلو قرأنا مقالات السيد علي الشرع، التي تبحث في يوميات الاقتصاد العراقي والمنشورة في جردية العالم لتعرفنا على حقيقة غياب مستلزمات محاربة الفساد في العراق أو التوجه الفعلي صوب التنمية، أو لو اطلعتا على رسالة الأستاذ أحمد موسى جياد الموسومة: "ما هذا يا وزارة الكهرباء- متابعة مهمة مع ديوان الرقابة المالية الاتحادي الموقر"، بتاريخ 24/آب 2019، التي يكشف فيها ما يعتبر نوعاً من الفساد المبطن والمكشوف من جانب وزير الكهرباء، والأسلوب المخاتل الذي يستفيد من دولة وسلطة فاسدتين لا تريد الكشف عن الفساد والفاسدين، رغم وجود أناس شرفاء في هذا النظام الفاسد أيضاً، وهو ما يشير إليه الأستاذ جياد نفسه.
تقرير استراتيجية تخفيف الفقر يراهن على النظام القائم ويطالب من الفاسدين إصلاح بعض جوانب الفقر والفساد، ولكنه يبتعد كلية عن عملية تغيير بنية الاقتصاد الوطني والإدارة الاقتصادية، البنية الريعية التي أوجدت دولة ريعية نفطية فاسدة ومفسدة، إذ مثل هذه الدولة هي التي يحتاجها البنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية الأخرى، وهو الذي يتجلى فيما رسمته خطة التنمية الخمسية 2018-2022. ومن يتابع القسم الخاص بالصناعة التحويلية في الخطة يدرك مدى ابتعاد المخطط عن تلك السياسية الاقتصادية والاجتماعية التي في مقدورها مكافحة التخلف والبطالة والفساد في البلاد. إن الحكومة الحالية تتحدث عن أهمية القطاع الخاص الصناعي، ولكن السؤال العادل هنا أيضاً: هل تساهم الحكومة في توفير مستلزمات تطوير وتوسيع قاعدة نشاط القطاع الخاص الصناعي أو حتى الزراعي، أم أن سياستها التجارية المفتوحة الأبواب على مصراعيها وسياستها الجمركية المتخلفة عن حاجات الاقتصاد الوطني وحماية الصناعة والزراعة المحلية، التي وضعها بول بريمر قادت وتقود إلى المزيد من منافسة الإنتاج المحلي وتدميره عملياً؟ كلا بأي حال، لإنها السياسات التي يروج لها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهي التي سوف لن تنهي التخلف والبطالة والفساد، بل تزيدها وتعمل على إعادة إنتاجها في البلاد!           



86
كاظم حبيب
هل العراق دولة مستقلة ذات سيادة؟
تمر الأيام والأسابيع والأشهر والسنين مسرعة والوعود الكاذبة والمخاتلة تتوالى لتنطلي على كثرة كاثرة من الناس الطيبين من بنات وأبناء الشعب العراقي المستباح بالطائفية والفساد السائدين والهيمنة الأجنبية. عاد العراق كما كان قبل 70 عاماً تسوده علاقات شبه إقطاعية – عشائرية وشبه استعمارية، عراق تابع لدولة جارة ترى فيه جزءاً حيوياً من الإمبراطورية الفارسية، وجزءاً أساسياً من مجال نفوذها الاقتصادي والسياسي ومصالحها الأخرى في الهيمنة على المنطقة بأسرها. قادة إيران يرون في طاق كسرى وبغداد عاصمة ثانية لهذه الإمبراطورية إلى جانب طهران العاصمة. لم تعد الحكومات العراقية المتعاقبة منذ العام 2005 حتى الآن سوى طائرات ورقية خيوطها بيد علي خامنئي المرشد الإيراني الأعلى لقوى الإسلام السياسي الشيعية الطائفية في إيران ولأغلب الميليشيات الشيعية المسلحة وأحزابها السياسية التي تدين بالولاء لإيران ولخامنئي. لم يعد هذا التشخيص مقتصراً على تقدير جمهرة من الديمقراطيين العلمانيين فحسب، بل اتسع ليشمل بعض قوى الإسلام السياسي التي ترى بأن القرار السياسي والعسكري والاقتصادي والابتعاد الجاد لم يعد بيد رئيس وزراء العراق، بما في ذلك قرار الابتعاد عن محاربة ومحاكمة رؤوس الفساد في البلاد، بل بيد ممثل خامنئي والحرس الثوري الإيراني العميد قاسم سليماني. إنه بمثابة "المستشار الذي شرب الطلا: فهل تنفع عربدة رئيس الوزراء والادعاء بقدرته على منع الطيران فوق سماء العراق إلَّا بموافقته وبقرار منه!
بالأمس رأينا مواطناً عراقياً طريح الأرض المتربة في وسط مدينة البصرة، في شارع عام، وجه له شخص بندقيته الرشاشة، ثم عشرات الأشخاص وجهوا نحوه بنادقهم الرشاشة وبشكل جماعي وأردوه قتيلاً، حولوا جسده إلى منخل (غربال) من كثافة الرمي الناري من فوهات بنادقهم الرشاشة التي وجهت لهذا المواطن الأعزل طريح الأرض. ثم ارتفعت فوهات ذات البنادق صوب السماء لتمطرها بألاف الإطلاقات إعلاناً عن انتصارهم وانتقامهم وقدرتهم على تحدي وتخطي هيبة القانون والقضاء والحكومة والدولة معاً، إذ لم يعد لكل هذه المسميات هيبة تذكر. لم يعد هؤلاء القتلة إلى العمل في جنح الظلام لاغتيال مواطن عراقي، فهم يتكئون على عشائرهم، وهي أقوى وأكثر هيبة من الدولة الطائفية الفاسدة والمشوهة والهامشية في دورها وفعلها. فهم أعلى من القانون والدستور المفرغين من محتواهما ومن القضاء الفاسد والمسيَّس والعاجز عن النهوض بما اقسموا عليه القضاة باحترام القانون والدستور ومهنتهم.
بالأمس قتل الكاتب والأديب والشخصية الاجتماعية الدكتور علاء المشذوب في مدينة كربلاء دون أن يجد رئيس الوزراء العراقي سبباً لاهتمامه بهذا الموضوع، فالقتلة هم من ضمن القوى التي رشحته لرئاسة الوزراء ومنحته ثقتها، فهل يمكن أن يخيب ظنها، لاسيما وأن المغدور تخطى المحظور من الأمور، تحدث عن الخامنئي بما لا يقبل به أوباش العراق من المليشيات الشيعية المسلحة والمتطرفة. فهل تحرك القضاء العراقي ورئيسه ليستفسر عن القتلة؟ وأين هو المدعي العام؟
وقبل ذاك اغتيل الكاتب والمسرحي هادي المهدي، ثم اغتيل الكاتب المبدع والشيوعي المتميز والمناضل من أجل دولة ديمقراطية علمانية ومجتمع مدني ديمقراطي كامل عبد الله شياع (في الذكرى الحادية عشرة لاستشهاده) على أيدي القتلة من أفراد المليشيات الطائفية التي عملت وتعمل ضمن بعض الأجهزة الأمنية الملتصقة بإيران وسياساتها ونهجها في التخلص من العناصر النشطة. وضاع دم هؤلاء لقلة المطالبين بدمه وخشية على العملية السياسية المشوهة الجارية!
بالأمس واليوم يستمر نهب أموال البلاد بشتى الأساليب والطرق. الحرامية كانوا ولا زالوا يملأوون وظائف الدولة الكبرى، إلا من تسنى له مغادرة العراق بما نهبه هو أو أبناءه وأقاربه في تصوره الخاطئ أنه سيحاسب! الأموال المنهوبة من خزينة الدولة أو عبر تهريب النفط الخام والعملة الصعبة (الدولار في مزاده العلني)، تقدر بعشرات المليارات، فهل حوسب أحد على ذلك؟   
اشرت أكثر من مرة إلى أن العراق أصبح منذ سنوات وكأنه أرضاً إيرانية أو مدينة تابعة لإيران. ففي هذا العراق المستباح تمتلك إيران أكبر ترسانات للسلاح الإيراني الحديث الموزع في مناطق مختلفة من العراق، كما تحول إلى مقر أساسي للمخابرات الإيرانية والحرس الثوري والبسيج وغيرها من التنظيمات الإيرانية، ومنها فرق خاصة ومدرية للاغتيالات التي تتكون من مجموعات عراقية ذات انتماء ديني مذهبي سياسي إيراني وعناصر إيرانية مؤدلجة مذهبياً. وهي منتشرة في جميع أنحاء العراق، لاسيما في الوسط والجنوب وبغداد.
وبالأمس أيضاً توجهت طائرات "مجهولة الهوية!" قصفت ترسانات الأسلحة، التي يقال إنها تابعة للحشد الشعبي، في أكثر من موقع في العراق، إنها وضعت في معسكرات تضم مخازن للصواريخ، وربما، نصبت فيها منصات صاروخية إيرانية، من بينها معسكر صقر ومعسكر الشهداء، وهي كلها أسمياً تابعة للحشد الشعبي!! ولكن أليس هو الحرس الثوري أو شقيقه؟   
لقد هددت إسرائيل كل الدول التي توافق على جعل أراضيها مخازن سلاح لإيران، ستتعرض لقصف جوي وتدمير مباشر. وفي العراق، كما يبدو، هناك مخازن للسلاح الإيراني وأخرى لحزب الله اللبناني الإيراني، وثالثة للمليشيات الشيعية المسلحة ذات الهوية الإيرانية والمسجلة رسمياً باسم الحشد الشعبي. لم تتأخر إسرائيل في ضرب مخازن أسلحة في سوريا تابعة لإيران ولحزب الله، والآن جاء دور العراق. لا يمكن إخفاء السلاح الإيراني في الأراضي العراقية عن المخابرات الأمريكية أو عن التصوير الجوي لطائرات الاستكشاف الأمريكية والإسرائيلية. كما لا يمكن لقرار عادل عبد المهدي بمنع الطيران في سماء العراق دون موافقته أن يمنع قصف مخازن السلاح في البلاد، وما قراره إلا محاولة بائسة لاستغفال المجتمع العراقي، إذ أن الطيران الإسرائيلي لا يطلب الأذن من عبد المهدي حين يتطير في أجواء العراق دون أن تلتقطه الرادارات العراقية. فما دامت السيادة العراقية مخترقة بشكل تام وليس من جانب إيران فقط، بل وقبل ذاك وحالياً من الولايات المتحدة أيضاً، ومن إسرائيل تأكيداً وبصيغ مختلفة، سيبقى العراق هدفاً سهلاً وستنشط مجدداً وأكثر من السابق قوى الإرهاب الدولي داعش وبناتها، والمليشيات الشيعية المسلحة وبصيغ جديدة معرضة حياة المزيد من الناس إلى مخاطر الموت والإصابة والمزيد من الخسائر المادية والحضارية.
أتمنى على القوى الديمقراطية الواعية والمدركة لما يجري في العراق وما يمكن أن يحل به، أن تكون بعيدةً عن القناعة بأن الوضع الراهن مناسب لها ولعمل القوى السياسية العراقية، وأنه يتطور نحو الأفضل، في حين أن المياه العكرة تسير من تحت أقدامها دون أن يحسوا بها، فتغرق المجتمع قبل أن يصبح الديمقراطيون واليساريون جزءاً من ضحايا هذه السياسة أيضا. إن الوعي بواقع الحال يفرض على الجميع المشاركة في التنبيه إلى المخاطر المتفاقمة والمتشابكة المحيطة بالعراق، وإن الحديث عن عملية سياسية في ظل نظام طائفي سياسي، وليس محاصصي فقط، إذ أصبح التعبير، كما يبدو، سائداً الآن على بعض الألسن على وفق ما سمعته من محاضرات في الآونة الأخيرة، إذ يجرى التخلي تدريجياً عن الإشارة الواضحة والدقيقة إلى طابع المحاصصة الطائفي والأثني الفعلي الجاري في العراق، وليس المحاصصة العامة فقط. فالأحزاب التي تقود الحكم هي أحزاب إسلامية سياسية طائفية تعتمد المحاصصة الطائفية ولن تتخلى عنها، ما لم يحصل تغيير في ميزان القوى السياسية في الداخل، وما لم نعتمد على تعبئة القوى الديمقراطية، رغم ضعفها الراهن وتفككها الإضافي الذي أصيبت به خلال السنتين المنصرمتين، رغم الجهود الكبيرة والدؤوبة التي بذلت لتشكيل "تقدم". القوى الديمقراطية بحاجة إلى سياسة عقلانية واعية تقنع الناس وتطمئنها بأنها قد تعلمت جدياً من تجاربها الفائتة، وإلا فسوف لن تأخذ دور وسياسة القوى الديمقراطية بالجدية المطلوبة والقناعة الفاعلة.
حين التقينا بسكرتير عام الحزب الشيوعي الشيلي في عام 1971 في سنتياغو دي شيلي العاصمة ثناء انعقاد مهرجان اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي، تحدث لنا عن الوهم الذي صاحبهم مراراً في اعتمادهم على قوى معينة كانت من حيث المبدأ معادية لنا، وكان هنا يقصد القوات المسلحة، وقد تعاملنا معهم كالتائه في البيداء وهو عطشان فيرى في الأفق البعيد ماءً بسبب اشتداد تعبه وعطشه، فيتقدم إلى أمام قاصداً الماء السراب إلى أن ينهك، في حين أنه كان لا يرى سوى سراب، سوى الوهم، فهل تجري الاستفادة من خبرة القائد الشيوعي السابق لويس كورفالان، في التحالفات والتعامل الجاري، لا أرى ذلك رغم تمنياتي!                       

87
الكردي (الكردستاني)، بسبب الموقف من القضية الكردية وتباين الرأي بينهما، ومن ثم المؤسسات الدينية السنية والمرجعيات الدينية الشيعية بسبب قانون الأحوال المدنية وحقوق المرأة الذي أقرَّ بعضها القانون، ومسائل أخرى تمس التحولات الاجتماعية التي وقفت القوى الدينية كلها ضدها والادعاء بشيوعية قاسم!!
وعلى المستوى العربي برز نشاط عسكري أمريكي في لبنان بهدف التدخل وإفشال الثورة بالتعاون مع الأردن والحكومة اللبنانية في فترة رئاسة كميل شمعون. ولكن الجموع الثائرة وتهديد الاتحاد السوفييتي منع التدخل السافر ضد الثورة. أيدت الجمهورية العربية المتحدة ورئيسها جمال عبد الناصر موقفاً واضحاً مؤيداً للثورة. ولكن سرعان ما اتخذت خطورة أخرى على لسان رئيسها جمال عبد الناصر بدعوته لإقامة الوحدة مع مصر وسوريا. علماً بأن الدولتين كانا لتوهما قد أعلنا الوحدة بينهما. وحين رفضت حكومة قاسم تنفيذ هذا الشعار اتخذت الجمهورية العربية المتحدة موقفاً مناهضاً لحكومة قاسم. تبنت القوى القومية والبعثية شعار الوحدة وجعلته هدفاً مركزيا لها مما أدى إلى انشقاق الشارع العراقي إلى مجموعتين، إحداهما ايدت الوحدة وأخرى رفعت شعار الاتحاد الفيدرالي لتجاوز شعار الوحدة، رغم إن الوضع لم يكن مناسباً لكلا الشعارين. وتسبب هذا الصراع إلى نشوب خلاف جديد مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي طرح السؤال التالي: كيف سيكون وضع الكرد وكردستان في حالتي الوحدة أو الاتحاد؟ علماً بأن الجميع، بمن فيهم الكرد، بأن الوضع لا يساعد على إقامة الوحدة أو الاتحاد الفيدرالي. 
لم تكتف الجمهورية العربية المتحدة بطرح هذا الشعار، بل نظمت تحالفا ضد الثورة ونهجها وموَّلت القوى القومية والبعثية وكل المناهضين للثورة بالمال والسلاح والعتاد وسخَّرت الإعلام المصري والسوري وأسست إذاعة خاصة لتبث من دمشق باسم العراق. لم يمر على الثورة عامها الأول حتى نفذ أول تمرد وتآمر على جمهورية 14 تموز من جانب القوميين والبعثيين ومن ساندهم من القوى المتضررة من الثورة. وحصل هذا التآمر بعلم وتأييد تامين من عبد الناصر ومكتب المخابرات المركزية الأمريكي، حين تحرك العقيد عبد الوهاب الشواف ونفذ تمرداً فاشلاً في الموصل في أذار/مارس 1959. وقد أدى ذلك إلى توترات إضافية شديدة في أوضاع البلاد السياسية، وإلى نزوح كبير للعائلات المسيحية وعائلات شيوعية إلى بغداد بسبب حملة إرهابية واغتيالات مكثفة ضدهم جرت في الموصل.
لم تستطع الدول الرأسمالية وشركات النفط الاحتكارية قبول الثورة وعواقبها على وجودها العسكري ومصالحها الاقتصادية والسياسية في العراق، بما اتخذته حكومة الثورة من اجراءات عرَّضت الكثير من مصالحها ومواقعها إلى مخاطر جمة لا في العراق فحسب، بل في منطقة الخليج وعموم الشرق الأوسط، مما دفعها إلى الدخول في عملية تآمر واضحة ضد الوضع الجديد والسعي لتشويهه في الصحافة والإعلام الدوليين وإثارة الإشكاليات الداخلية وتمويل القوى المتآمرة.
لم يكن الوعي السياسي للأحزاب السياسية العراقية كلها دون استثناء، رغم وجود تباين فيما بينها. فالقوى القومية والبعثية استخدمت أسلوب بث الإشاعات وممارسة الاغتيالات السياسية والتآمر، في حين أيدت قوى سياسية أخرى نظام الحكم الجديد، كما لم يكن قاسم والحكومة على مستوى المسؤولية الكبيرة. وكانت الحكمة القديمة تقول: القيام بالثورة أسهل بكثير من الاحتفاظ بها وبزخمها وتنفيذ سياساتها وتطويرها وحمايتها. في هذه الفترة بالذات، لاسيما بعد محاولة اغتيال قائد الثورة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم من جانب قوى حزب البعث، برزت بشكل واضح أولى علامات اهتزاز الوضع وانفراد قاسم بالسلطة وقراراتها وإجراءاتها والاستفادة من صراع القوى والأحزاب السياسية العراقية لتعزيز مواقعه، وسعيه لتكريس وجود القوات المسلحة في السلطة من خلاله، والتخلي عن الوجهة الأساسية التي كان على الحكم السير صوبها، أي إرساء أسس الحياة الديمقراطية واعتماد دستور ديمقراطي متقدم ودائم وإجراء انتخابات نيابية، أي البدء بتسليم السلطة إلى المدنيين وعودة القوات المسلحة إلى معسكراتها لحماية حدود البلاد.
لقد حصلت صراعات حادة بين القوى الوطنية والديمقراطية واليسارية من جهة، والقوى القومية والبعثية ومن ساندها من قوى النظام السابق من جهة ثانية، واستقطب الوضع حول وجهة تطور البلاد وتركز على شخصين هما عبد الكريم قاسم وعبد السلام محمد عارف على التوالي، رغم إن الصراع كان أبعد وأعمق من أن يقتصر على الشخصين المذكورين، إذ كان على اتجاهين في السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية. ورفعت الجماهير الواسعة، التي ملأت شوارع العاصمة والمدن الأخرى، شعارات منها: عاش الزعيم الأوحد عبد الكريم قاسم، والحزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم، والاتحاد الفيدرالي، ولم يكن لقيادة الحزب الشيوعي دور في ذلك، ولكنها لم تقف ضدها. في حين برَّزَ البعثيون والقوميون وقوى رجعية عبد السلام محمد عارف وهتفوا لجمال عبد الناصر، ورفعوا شعار الوحدة وعملوا بقوة ودأب ضد قاسم والشيوعيين وكل الديمقراطيين. وكان الوضع يزداد تأزماً. فتوجه قاسم بالقمع ضد القوميين والبعثيين بحدود ضيقة جداً وأعدم شخصيات عسكرية منهم بتهمة التآمر. ولم يكن ضرورياً في كل الأحوال، بل عمق ووسع دائرة الصراع. ثم بعد فترة وجيزة غير الدفة، إذ توجه بالقمع ضد الشيوعيين والديمقراطيين، لاسيما بعد وقوع الصراعات الدموية في الموصل وكركوك وسقوط قتلى وجرحى، ثم البدء بعمليات اغتيال للشيوعيين والديمقراطيين في مختلف مدن العراق من جانب قوى البعث والقوميين، إضافة إلى قيام الحكم باعتقال إعداد غفيرة من الشيوعين وزجهم في السجون بسبب رفعهم شعار "السلم في كردستان"، بعد أن بدأت المعارك بين الجيش العراقي والقوات المسلحة الكردية في أيلول عام 1961.
وفي الفترة الأولى، ومن أجل حماية مكاسب الثورة، اعلنَ قاسم قرار تشكيل المقاومة الشعبية رسمياً، وكان الشيوعيون واليساريون والديمقراطيون المستقلون قوامها الأساس. لعبت هذه المنظمة شبه العسكرية تحت قياد ضابط حكومي هو العقيد طه مصطفى البامرني، الذي كان قبل آمر الحرس الملكي، الذي عينه رئيس الحكومة، دوراً في مواجهة بعض الأعمال المعادية والكشف عن بعض مؤامراتها، ولكن المعلومات الحيادية المتوفرة تشير إلى ارتكاب بعض الأخطاء من قبل بعض الشباب الأعضاء فيها وإساءة تصرف في هذه المدينة أو تلك. وقد شن المعادون للثورة حملة شعواء موجهة ضد المقاومة الشعبية، مما أدى إلى إعلان حلها وتعرض أفرادها إلى حملة ظالمة من جانب القوى المعادية للثورة. ولا بد من الإشارة الواضحة بأن العقيد البامرني لم يكن عضواً في حركة الضباط الأحرار ولا عضواً أو مؤيداً للحزب الشيوعي العراقي، بل كان ضابطاً احتضنه عبد الكريم قاسم وكان ملتزماً بما كلف به في قيادة المقاومة الشعبية.
أصدرت حكومة الثورة قراراً بتشكيل محكمة الشعب لمحاكمة النخبة القيادية الحاكمة في العهد الملكي، وفيما بعد، أولئك الذين اتهموا بالتآمر في أحداث الموصل وكركوك. وإذا كانت ضرورية ومعبئة في البداية، فإنها تحولت بمرور الوقت إلى منبر للخطابة والدعاية والسخرية من المتهمين والدعاية المكثفة للزعيم الركن قاسم. وأصبحت المحكمة غير متناغمة مع أصول المحاكمات الشرعية وحقوق الإنسان وحقوق المتهمين مهما كانت التهم الثقيلة الموجهة لهم، إلِّا إنها كانت تحاكي مزاج غالبية الناس وتتناغم مع مستوى وعيهم ومدى إدراكهم لحقوق الإنسان. وهي الأخرى تعرضت مع رئيسها فاضل عباس المهداوي إلى حملة كبيرة أدت في النهاية إلى إنهاء عملها.

فترة الانتكاسة والسقوط للعهد الجمهوري الأول

الفترة الثانية: فترة الانتكاسة والإجهاز على الجمهورية الأولى
بدأ الوضع الداخلي يزداد تعقيداً وتشابكاً. فما أن بدأ الجيش عملياته العسكرية ضد قوات الپيشمرگة الكردستانية في خريف عام 1961، وما أن أعلنت القيادة الكردية "ثورة أيلول" من نفس العام، ورفع الحزب الشيوعي العراقي شعار "السلم في كردستان"، حتى بدأت حملة اعتقالات واسعة في صفوف الشيوعيين وأعضاء في الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد والألوية الكردستانية وإصدار أحكام سريعة وقاسية بحق المعتقلين وزجهم في السجون، فنشأ توتر ملحوظ وضار بين الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم. وكانت أجهزة الأمن والقضاء مستعدة لهذا الغرض، لأنها لم يحصل فيها التغيير المنشود وتعاملت بشراسة، وربما أكثر مما كان يسعى إليه قاسم. كما بدأت الجماعات الإسلامية الشيعية تتجمع تحت واجهة الحزب الفاطمي وتتحرك ضد حكومة قاسم وتشديد التهم ضده وضد الشيوعيين. وفي الوقت ذاته رفع البعثيون والقوميون سقف هجومهم الشرس على الحكم والقوى الديمقراطية اليسارية والحزب الشيوعي بدعم مكثف وشامل من جانب الجمهورية العربية المتحدة ورئيسها جمال عبد الناصر ودول الخليج والسعودية ودول حلف بغداد. وتمادى كبار ملاكي الأراضي الزراعية في الريف العراقي في تصديهم لتنفيذ بنود قانون الإصلاح الزراعي بدعم مباشر من الجهاز الإداري في القطاع الزراعي وتعطيله واتهام الفلاحين بالتعرض لهم، مما أدى إلى حصول توتر في الريف واتهام الحزب الشيوعي بالوقوف وراء ذلك أيضاً، لاسيما تنامي شعور لدى الفلاحين بابتعاد حكومة الثورة عن مساندتهم وحل مشكلاتهم المتفاقمة وعواقبها السلبية على الإنتاج الزراعي وعلى حياتهم. كل هذا أشَّر تحولاً ملموساً عن المبادئ والحياة الديمقراطية التي أعلنت عنها حركة الضباط الأحرار وبرزت في أعقاب ثورة تموز حتى بداية خريف عام 1959 وبداية عام 1960. فما هي العوامل الكامنة وراء هذا التراجع في مسيرة ثورة 14 تموز 1958؟
 إنني كمتابع لأحداث تلك الفترة يمكنني تسجيل الاستنتاجات التالية:
أدرك عبد الكريم قاسم شدة الأزمة الداخلية المتفاقمة التي تعيشها البلاد والثورة، ولكنه لم يرَ السبب في سياساته وإجراءاته وابتعاده عن العمل الحكومي الجماعي والانفراد الفعلي بالسلطة، بل عزاها لغيره وللأحزاب السياسية العراقية. لهذا لم يطرأ على باله تغيير دفة السياسة لصالح الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني والبدء بإنهاء فترة الانتقال بوضع دستور دائم والتهيئة لانتخابات برلمانية ديمقراطية لنقل السلطة إلى القوى المدنية وإقامة الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني وعودة القوات المسلحة إلى ثكناتها. بل راح قاسم يفجَّر الصراعات مع القوى والشركات الأجنبية ودولها. وقد لعبت هذه السياسة دورها في زيادة حدة التوتر في الأوضاع الداخلية والخارجية. كان يأمل امتصاص الاحتقان الداخلي. ولكن ما حصل كان عكس توقعاته تماماً.
فقد عمد إلى المطالبة بالكويت، باعتبارها جزءاً من ولاية البصرة منذ العهد العثماني وقبل ذاك أيضاً. وهي حقيقة من حيث المبدأ وكانت قبل ترسيم الحدود من جانب الاستعمار البريطاني. بهذه المطالبة هيج ضده بريطانيا ودول الخليج والسعودية مرة واحدة، فبدأ العمل المكثف لتوفير الحلفاء في الداخل للانقضاض على الحكم الوطني.
ثم بدأ قاسم معركة جديدة مع شركات النفط الأجنبية وألزمها على التفاوض لاستعادة بعض حقوق العراق في نفطه، لاسيما موضوع "تنفيق الريع" وما إلى ذلك. وبهذا حرك شركات النفط الاحتكارية وكل الدول الرأسمالية التي تقف مع هذه الشركات ضده. كما لم تكن الدعوة إلى تشكيل الأوبك موقع ارتياح من قبل شركات النفط العالمية ولا الدول الرأسمالية. 
ولا شك في أن وقوف الحكومة العراقية إلى جانب الحياد الإيجابي والتحرر من حبائل الحرب الباردة والعمل مع دول عدم الانحياز، قد حركت العالم الغربي ضد العراق واُعتبرت سياسات قاسم كلها موجهة ضدها ومساندة للاتحاد السوفييتي وحلفاءه، وأنها كلها ناجمة عن وجود ودور للشيوعيين في البلاد وتأثير الحزب الشيوعي على قاسم وحكومته وسياساته!!
في ذات الفترة أجرى قاسم تغييرات واسعة في قيادات الفرق العسكرية العراقية، إذ أبعد الشيوعيين والديمقراطيين أو الذين شعر بأنهم إلى الحزب الشيوعي العراقي أو يتعاطفون معه إلى مواقع بعيدة عن العاصمة بغداد، ونسَّب مكانهم عناصر قومية وبعثية، أو من الضباط القدامى من العهد الملكي الذين لا يكنون الود لحكومة قاسم. وقدم قاسم بهذه التنقلات أكبر خدمة ممكنة غير مقصودة لتلك القوى التي كانت تتآمر عسكرياً ضده وضد الجمهورية الأولى.
رفض قاسم بإصرار عجيب، رغم حديثه عن تشكيل لجنة لوضع دستور دائم وإنهاء فترة الانتقال، إلى تحديد فترة الانتقال وإنجاز ما هو ضروري، إذ إن الواقع الفعلي كان يشير إلى خمس مسائل حاسمة:
1)   إنه لا يريد التخلي عن السلطة مقرونة باشتداد النزعة الفردية في حكم البلاد وفي اتخاذ القرارات، وعدم عودته للحكومة ولا حتى استشارتها فيما يتخذه من إجراءات.
2)   وهو غير راغب بوضع دستور دائم في الوقت الحاضر ولا يميل إلى إجراء انتخابات برلمانية أو حياة ديمقراطية دستورية.
3)   وأنه مصر على بقاء العسكر في السلطة، وأن يبقى هو القائد العام للقوات المسلحة ورئيس الحكومة في آن واحد، كما أضعف دور مجلس السيادة الثلاثي كلية.   
4)   وأنه قد حقق تفوقه على القوى الأخرى بتأييد الشعب له، باعتباره الزعيم الأوحد للبلاد. وبهذا بدأت محاولاته التخلص من دور وتأثير الحزب الشيوعي على الجماهير من جهة، ودور القوميين والبعثيين من خلال ضرب بعضهم، أو إعادة بعضهم لمواقع المسؤولة من جهة أخرى، لإرضاء بعض الدول العربية.
5)   وأن تكون المعارك الخارجية التي أثارها مساعدة له في تخفيف الاحتقان الداخلي وإشغال الناس بقضايا وطنية مثل "استعادة الكويت" ومفاوضات النفط.
مع هذا التراجع في سياسة قاسم واعتقاله المزيد من الشيوعيين والديمقراطيين وإبعاد الضباط الشيوعيين والديمقراطيين عن مواقع المسؤولية في القوات المسلحة، برز صراع ملموس في قيادة الحزب الشيوعي العراقي واللجنة العسكرية التابعة للحزب، دار حول الموقف من دور عبد الكريم قاسم وحكومته. كان الرأي الأول يميل إلى إجراء تغيير في العراق اعتماداً على قدرات الحزب والقوى الديمقراطية القريبة منه في القوات المسلحة، في حين رفض الرأي الآخر ذلك وأكد ضرورة العمل مع قاسم ومساعدته في تجاوز العثرات الراهنة في سياساته. تغلب الرأي الثاني في الحزب، كما وجد التأييد من جانب الاتحاد السوفييتي، الذي رأى في حكومة عبد الكريم قاسم وفي العراق دولة متحررة وصديقة يستوجب دعمها. ولا يعرف حتى الآن ما إذا كان فحوى هذا الصراع قد وصل إلى آذان عبد الكريم قاسم، فضلاً عن الشعار الخاطئ الذي رفعته الجماهير "الحزب الشيوعي في الحكم مطلب عظيم"، فانتفض ضد الحزب وقرر معاقبته بالطريقة التي أدت إلى عواقب وخيمة عليه وعلى الحزب الشيوعي وعلى الشعب العراقي كله، رغم أن قرار قيادة الحزب الشيوعي النهائي كان لصالح العمل مع قاسم ودعمه.
لقد كانت تحركات المتآمرين صارخة ومفضوحة، يسمعها ويتلمسها كل إنسان يمتلك حساً سليماً ورؤيةً سياسية واقعية وناضجة. وفي حينها تلقى الحزب الشيوعي العراقي معلومات كثيرة ودقيقة تشير إلى استعدادات قوى التآمر، بُلّغَ بها عبد الكريم قاسم أكثر من مرة. لم يأبه بها واعتبرها، كما يبدو، مناكدة من الحزب الشيوعي ضد البعثيين والقوميين! وكان يؤكد باستمرار بأن الجيش والشعب معه ولن يخشى أحدا. فكانت الطامة الكبرى، وكان الانقلاب الفاشي الدموي الذي قاده حزب البعث وأشرفت عليه وكالة المخابرات المركزية ووفرت له المعلومات لتنفيذ مجزرة رهيبة ضد قادة الثورة والحزب الشيوعي العراقي، وضد القوى الديمقراطية وحركة التحرر الوطني في العراق.
يجري الحديث عن نزاهة ووطنية قاسم وعن دوره في الخلاص من النظام الملكي وإصداره التشريعات الديمقراطية المهمة. هذا الكلام صحيح جداً وتماماً، ولا يشك فيه حتى أعداء قاسم. ولكن النزاهة والوطنية وحب الفقراء ومأثرة قيادة الثورة سمات طيبة ومهمة، غير إنها ليست كافية لوحدها لقيادة البلاد وحماية المكاسب ومصالح الشعب، بل لا بد لها أن تقترن بوعي عميق وقناعة تامة بالنظام السياسي الديمقراطي والحياة الحرة والدستورية والبرلمانية، والمجتمع المدني الديمقراطي والعلماني، والتداول السلمي الديمقراطي للسلطة والالتزام بدور القوات المسلحة كمؤسسة في حماية حدود الوطن وليس حكم البلاد أو التدخل في شؤون الحكم. يفترض في الحاكم الديمقراطي أن يعي مسؤوليته إزاء الشعب والوطن، وأن يتصرف بحكمة وعقلانية وروح جماعية إزاء مصائر البلاد. لم يتمكن قاسم، كما أرى، وعي الأوضاع الإقليمية والدولية المحيطة به والتي لم تكن إلى جانبه، بل كانت كلها تعمل بسرعة وكثافة ضده. لم تكن تلك المتطلبات الديمقراطية متوفرة في قاسم بفعل تربيته العسكرية وحبه للسلطة وقناعته بانه الشخص الأفضل والأمثل والأكثر إخلاصاً في خدمة الشعب وحماية الوطن والأكثر صدقاً في الدفاع عن الفقراء، وأن الشعب كله والجيش معه ولن يخذلاه! وقد لعبت الجماهير الشعبية دوراً ملموساً فيما يمكن تسميته بنشوء هذه الرؤية الذاتية والنرجسية لدى قاسم.
لم يكن عبد الكريم قاسم وحده المسؤول عما حصل في العراق، لكنه كان المسؤول الأول، بل تتحملها معه القوى السياسية الديمقراطية والتقدمية واليسارية التي لم يكن وعيها ونشاطها بالمستوى المطلوب، بما يسهم في تجنيب المجتمع ما حصل له في انقلاب شباط/فباير 1963 وما بعده. ولكن المسؤولية الكبرى والأساسية في كل ما حصل للشعب والوطن تتحملها تلك القوى التي تآمرت على العراق والحكم الجمهوري الأول وعلى المكاسب الوطنية والديمقراطية التي تحققت للشعب خلال فترة قصيرة من عمر الجمهورية، فضلاً عن القوى العربية والإقليمية والدولية وشركات النفط الاحتكارية التي شاركت القوى الداخلية في عدائها للثورة ومكاسبها ولعبد الكريم قاسم بالذات. لقد لعبت الولايات المتحدة ووكالة المخابرات المركزية ودول حلف بغداد، ولاسيما الجارة إيران، والدول العربية، لاسيما، مصر ودول الخليج والسعودية والأردن دوراً عدوانياً مباشراً ضد الشعب العراقي والجمهورية الأولى وضد قائد ثورة تموز 1958.
إن ما حصل في 8 شباط/فبراير 1963 حتى سقوط نظام التحالف البعثي-القومي-الرجعي-الأمريكي من مجازر دموية ضد قادة الثورة وضد قادة وكوادر وأعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي والقوى الديمقراطية ومناصري قاسم وضد المجتمع عموماً، فضلاً عن جريمة قطار الموت وإعدام المناضلين الشجعان حسن سريع ورفاقه، وزج الآلاف في السجون والمعتقلات وتنفيذ عمليات التعذيب في قصر الخزي والعار، قصر النهاية المشؤوم، لكفيل بفضح الأهداف الإجرامية والخيانية الوطنية لقادة هذا الانقلاب الفاشي في أساليبه والخياني في أهدافه وعمالة منفذيه. ولم يكن غريباً أن يصرح نائب رئيس وزراء حكومة الانقلاب علي صالح السعدي في لحظة صحوة ضمير" جئنا بقطار أمريكي!"  ويبدو أن القطار الأمريكي والقطار الإيراني لا زالا يعملان في أوضاع العراق الراهنة!
الهوامش والمصادر

   د. راجع: رشيد الخيون، نوري السعيد وبريطانيا، الرسالة العراقية.
   قارن: بدر خالد البدر، مع قافلة الحياة، 1987، الكويت.   
   راجع: د. فالح مهدي، "مقالة في السفالة: عن حاضر العراق"، دار سطور، بغداد، 2019.
   راجع: محمد حمدي الجعفري، بريطانيا والعراق، حقبة من الصراع 1914-1958، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2000، ص 145.
  راجع: حسين مروّة، ثورة العراق، دار الفكر الجديد1958، ص 33.
  راجع: فارس كريم فارس، "مستقبل العراق وأثره على الاستقرار الإقليمي، معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة عام 2015م.
   راجع: د. كاظم حبيب، يهود العراق والمواطنة المنتزعة، دار المتوسط، إيطاليا، 2015.
  راجع: الدكتور عدنان الباجه جي، "مزاحم الباجه جي سيرة سياسية"، منشورات الوثائق والدراسات التاريخية، لندن، 1989، ص 410-415. 
  راجع، محمد علي الشبيبي، من أعماق السجون، موقع الحوار المتمدن، 2012.
  قارن: عبد المنعم تقي، حادثة سجن الكوت سنة 1953، ملاحق المدى، 28/07/2013.
  راجع: جاسم الحلوائي، حدث هذا قبل نصف قرن 4-4، الحوار المتمدن، عن حالة السجن بين 05/05/-09/07/2015.
  راجع: حامد الحمداني، ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاساتها واغتيالها، دار نشر فيشون ميديا-السويد، 2006، ص 60.
  راجع: ميثاق ثم حلف بغداد 1955، جريدة المدى، العدد 3015، بتاريخ 23/02/2014. 
  قارن: صبري، أنور والخالدي، أسعد. تجربة الإصلاح الزراعي في العراق. ط 1. مطابع دار الثورة. بغداد. 1974. ص 46.
  راجع: د. كاظم حبيب/ لمحات من عراق القرن العشرين، المجلد الخامس، العراق بين نهاية الحرب العالمية الثانية وسقوط النظام الملكي، دار أراس، أربيل، 1913.
   راجع: د. عقيل الناصري، الجيش والسلطة في العراق الملكي 1921-1958، دار الحصاد، ط1، 2000، ص 135.
  المصدر: نبيل ياسين، التاريخ المحّرم، قراءة تحليلية وقائعية للفكر السياسي العربي - العراق نموذجا، الطبعة الأولى 1998.
  قارن: منتدى سماعي الطرب (موقع الكتروني).
  راجع: أ. د. سيّار الجميل، العراق 1958 في الوثائق البريطانية الحلقة الثانية: نوري باشا السعيد، موقع الدكتور سيّار الجميل.
  موقع المعاني عربي عربي)، موقع الكتروني.
   محمود درويش، لا أحد يحن إلى وجع، موقع أدبنا، 14/09/2016.
   أرشيف الكاتب كاظم حبيب.
   المصدر السابق نفسه.
   راجع: د. كاظم حبيب، دراسة في اتجاهات ومشاكل التطور الصناعي في العراق للفترة 1917-1963، مجلة الجامعة المستنصرية، العدد 2، السنة 1971، مطبعة سلمان الأعظمي، بغداد، 1971.
  راجع: كاظم حبيب، ذكريات مرة في ضيافة التحقيقات الجنائية- بمناسبة اليوم العالمي ضد التعذيب، نشر في الحوار المتمدن بالعدد 880 بتاريخ 30/06/2004 في محور حقوق الإنسان.
  قيس الزبيدي، رسالة خاصة في أرشيف الكاتب كاظم حبيب.
  قارن: حامد الحمداني، ثورة 14 تموز في نهوضها وانتكاساتها واغتيالها، فيشو ميديا-السويد، 2006، ص 172/173.
   قارن: المصدر السابق نفسه.
  راجع: رفعة عبد الرزاق محمد (إعداد)، تقرير العقيد طه البامرني آمر الحرس الملكي عن احداث 14 تموز، ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية، تاريخ النشر: الأحد 14-07-2013.
  راجع: الدكتور عبد الله إسماعيل، مفاوضات العراق النفطية،1952-1968، دار نشر لام، لندن 1989، الملاحق.
  راجع: محاضر مجلة الطليعة المصرية لعام 1964 في لقاء بين هيئة تحرير المجلة وعلي صالح السعدي في مقر المجلة في القاهرة.

88
النخبة الحاكمة دوراً سلبياً كبيراً في مصادرة الحريات العامة والتجاوز على الدستور وعلى حقوق الإنسان، والتي يفترض أن تُبَّرز لمن لم يعش، أو يقرأ عن هذه الفترة وعن سياسات الحكومات الملكية المتعاقبة وأوضاع الشعب العراقي وحياة البالغة العظمى البائسة.
في عام 1951 ارتكبت الحكومة العراقية عملاً فظيعاً وفظاً، عملاً عدوانياً مخالفاً لنص الدستور العراقي في تحريمه لإسقاط الجنسية عن أي مواطن أو مواطنية مهما كانت الأسباب، في حين أصدر النظام الملكي العراقي قانوناً أباح فيه إسقاط الجنسية عن يهود العراق فقط "إن تأخروا ثلاثة شهور خارج الوطن"، أو من يريد إسقاطها!! فمارسوا شتى أساليب الاضطهاد والقهر السياسي والاجتماعي بين أعوام 1947-1953، وفيما بعد أيضاً، لكي يتخلصوا من 120 ألف مواطن ومواطنة من أتباع الدين اليهودي ومن مختلف الأعمار. واستمرت هذه العملية إلى أن انتهى وجود أي يهودي في العراق عملياً.  لقد كانت خسارة فادحة للعراق بمواطنيها، كما خسر اليهود وطنهم العراق، باعتبارهم جزءاً من مواطني ومواطنات البلاد. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن مؤامرة تهجير اليهود كانت رباعية الأطراف ساهمت فيها حكومات الدول التالية: إسرائيل، وبريطانيا، والولايات المتحدة والعراق. وكان توفيق السويدي، رئيس الوزراء، الذي صدر في عهده قانون إسقاط الجنسية عن يهود العراق حينذاك، هو الواجهة، في حين كان نوري السعيد وأغلب النخبة الحاكمة مع هذا القرار والذي صادق على القانون غالبية أعضاء مجلس النواب العراقي ومجلس الأعيان وبروز اعتراضات قليلة أو تحفظات محدودة. وكان مزاحم الباجه جي أحد أبرز المعارضين الذي قدَّمَ مطالعة مهمة في مجلس الأعيان ضد هذا القرار.  ومنذ عام 1947 بدأت السجون العراقية تمتلئ بالسياسيين المعارضين لسياسات الحكومات المتعاقبة، وسقط لقوى المعارضة شهداء في المظاهرات، وشهدت سجون العراق شهداء سقطوا برصاص الشرطة أيضاً بسبب مطالبتهم الحصول على حقوق سجناء سياسيين وتحسين أوضاعهم. اليكم أمثلة بهذا الصدد:
** في 18 حزيران 1953 نفذت شرطة سجن بغداد مجزرة ضد السجناء العزل، بسبب رفضهم نقلهم من سجن بغداد إلى سجن نقرة السلمان الصحراوي، فأدى ذلك الهجوم الشرس إلى استشهاد سبعة سجناء وجرح 22 سجيناً ونقل البقية 120 سجيناً إلى سجن بعقوبة. 
** وفي 2/9/1953 وقعت مجزرة ثانية في سجن الكوت ضد السجناء العزل الذين كانوا يطالبون بتحسين أوضاعهم وتغذيتهم، إذ شنَّت شرطة السجن وشرطة القوة السيَّارة هجوماً شرساً باستخدام الرصاص الحي ضد السجناء مما أدى إلى استشهاد 8 سجناء وجرح 94 سجيناً ونجاة 19 سجيناً فقط. وأكدت التحقيقات التي أجريت في حينها، بأن إدارة السجون كانت مصممة على "تلقين السجناء والسياسيين عموماً" درساً لا ينسى!! 
** في سجن بعقوبة بإدارة مدير السجن علي زين العابدين كان التعذيب والإساءة للسجناء تحصل يومياً، وفي الغالب الأعم دون وجود سبب سوى كون مدير السجن والشرطة يمنحون مكافأة مالية إذا ما استطاعوا إجبار أحد السجناء على تقديم البراءة المذلة، وبسبب حقد وكراهية دفينين. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ركز هذا المجرم في حينها على تعذيب الشاعر والكاتب، الذي غيَّب فيما بعد، عبد الرزاق الشيخ علي، إذ كان يضرب على رقبته بحذائه، مما أدى إلى أصابته بمرض عصبي استمر يرافقه في فترة الإبعاد في بدرة إلى حين اختطافه في بغداد وتغييبه. 
في الفترة الواقعة بين 1947-1958 كلكلت السجون العراقية والمواقف على الآلاف من السجناء السياسيين من مختلف الاتجاهات السياسية، لاسيما قوى اليسار وفي مقدمتها أعضاء وأصدقاء ومؤازري الحزب الشيوعي العراقي، وقوى ديمقراطية أخرى ومن ثم بعض العناصر البعثية، وعانوا من مرارة التعذيب الوحشي في التحقيقات الجنائية وفي أغلب الشُعب الأمنية في الألوية بما فيها التعليق بالمروحة، وقلع الأظافر والكوي بالسجائر، والضرب بالصوندات والخيزران. 
علينا هنا الإشارة الواضحة بأن مدراء السجون كانوا يتعاملن مع السجناء السياسيين لا على وفق ما يرونه مناسباً، بل كانوا يمارسون ما يتفق عليه مع وزير الداخلية وموافقة رئيس الوزراء، بل والبلاط أيضاً. إذ من غير المعقول بأي حال أن يقرر مدار السجون بشن حملات قتل وجرح عشرات السجناء دون موافقات من جهات عليا بهدف الخلاص منهم أو تأديبهم!   
في عام 1954 جرت انتخابات المجلس النيابي وحصل 11 نائباً من قائمة الجبهة الوطنية على مقاعد نيابية من مجموع 135 نائباً. لم تستطع النخبة الحاكمة، وعلى رأسها نوري السعيد، تزوير صناديق هؤلاء المرشحين في مناطقهم، كما لم تستطع تحمل وجودهم في المجلس النيابي، فُحل المجلس بإرادة ملكية وبطلب ملح ومباشر من نوري السعيد. وفي هذا العام شكل نوري السعيد حكومة جديدة وأصدر المراسيم الاستبدادية الاستثنائية التالية:
1- مرسوم إسقاط الجنسية رقم 17 لسنة 1954 عن المتهمين والمدانين باعتناق الشيوعية من قبل المجالس العرفية.
2- مرسوم رقم 18 لسنة 1954 القاضي بغلق النقابات والجمعيات والنوادي.
3- مرسوم رقم 19 لسنة 1954 القاضي بحل الأحزاب السياسية.
4- مرسوم رقم 24 لسنة 1954 القاضي بإلغاء امتيازات الصحف.
5- مرسوم رقم 25 لسنة 1954 القاضي بمنع الاجتماعات العامة والتظاهرات. 
وفي هذه الأجواء الإرهابية التي مارسها الحكم أجرى نوري السعيد انتخابات المجلس النيابي وفاز بـ 123 مقعداً بالتزكية ودون منافس من مجموع 135 نائباً، ولم يسمح لأي معارض ديمقراطي أن يرشح نفسه للانتخابات أو يصبح عضواً في هذا المجلس. وبهذا توفرت لنوري السعيد الفرصة الكبرى لفرض السياستين الداخلية والخارجية اللتين جاء من أجلهما. فأقر المجلس النيابي دخول العراق في حلف بغداد (السنتو) عام 1955 بمشاركة كل من تركيا وإيران وباكستان والعراق وبريطانيا وبتأييد كامل من الولايات المتحدة الأمريكية، كما كان قبل ذاك قد وقع على اتفاقية مع الأردن، وميثاق مع تركيا في 23/02/1955 والذي تحول إلى حلف بغداد في تشرين الثاني 1955. وكان الشعب العراقي قد رفض هذا الحلف واحتج عليه وخرجت مظاهرات ضد زيارة عدنان مندريس، رئيس وزراء تركيا للفترة 1950-1960 إلى بغداد، كما كُتبَ الكثير ضد هذا الحلف من جانب قوى المعارضة السياسية. 
لم يعد الكثير من الناس يتذكر الدور الرجعي لحكومات النظام الملكي في المنطقة العربية. فتأمر العراق ضد مصر وسوريا خلال فترة الخمسينيات لا تزال في الذاكرة من عاش هذه الفترة الحرجة من حياة الدول العربية. وقد وجهت القوى الديمقراطية والتقدمية النقد الشديد للعراق وهاجمت سياسات الأحلاف العسكرية والتآمر ضد القوى الديمقراطية من خلال حلف بغداد وتشكيل لجنة مختصة بمكافحة الشيوعية ولم تكن تعني غير مكافحة كل القوى الديمقراطية تحت غطاء مكافحة الشيوعية. وقد وضع الدكتور عبد العزيز الدوري وعالم التاريخ العراقي سكرتيراً لهذه اللجنة، وهو الذي كان يتحدث عن القومية العربية وينتمي للقوميين العرب.
لم تصبر قوى المعارضة كثيراً على الضيم، فانطلقت في انتفاضتها ضد سياسة الحكومة العراقية إزاء تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي ضد مصر في عام 1956. وكانت مشاركة الشعب واسعة في جميع أنحاء العراق. وفي هذه الانتفاضة استخدم النظام الملكي كعادته الحديد والنار لإنهاء الانتفاضة، فسقط شهداء وأعدم آخرون، وأعلنت حالة الطوارئ وصدرت مجموعة كبيرة من الأحكام بحق المتظاهرين وزجوا بالسجون وعانوا الأمرين من التعذيب النفسي والجسدي.       
يتبجح البعض بأن النظام الملكي قد عمل الكثير لصالح الشعب، وكأن ليس من واجبه ذلك. إذ لا شك في أن النظام الملكي قد أنجز العديد من المشاريع المهمة إضافة إلى ما أشرت إليه في الحلقة الثانية، منها إقامة السدود والخزانات لمواجهة الفيضانات التي كانت تتعرض لها بغداد بشكل خاص، وساهم في دفع كبار الملاكين إلى شراء المضخات والمكائن الزراعية، كما قدم المصرف الزراعي القروض لهم وللمزارعين المتوسطين، مما ساهم في تحسين الإنتاج الزراعي، ولكنه لم يخفف من استغلال كبار الملاكين للفلاحين الفقراء، بل زاد من فقرهم ورغبتهم في هجرة الريف والانتقال إلى المدينة، والتي تفاقمت في العقد السادس من القرن الماضي وشكلت حزاماً حول بغداد والمدن الكبرة الأخرى. وحقق التعليم الابتدائي توسعاً في قبول التلاميذ والتلميذات ووصل التعليم إلى بعض مناطق الريف العراقي، وكذلك ازداد عدد طلبة المتوسطة والثانويات، وازداد عدد الكليات المتخصصة، لاسيما الفروع الإنسانية، إضافة إلى كليات الطب والصيلة والعلوم والهندسة والرياضيات. إلخ، كما اتسعت في فترة الحكم الملكي قاعدة الفئات المتعلمة والمثقفة من الرجال والنساء، واتسع تأثيرهم على المجتمع وعلى وعيهم الاجتماعي والسياسي. وساهمت مؤسسة كالوست كولبنكيان بإرسال عدد كبير من خريجي الإعدادية للدراسات الهندسية، ولاسيما النفط، إلى الولايات المتحدة على نحو خاص، وهو الذي مُنح 5% من إيرادات نفط العرق الخام المُصدر على وفق امتياز 1924.
لا بد من متابعة بعض المعلومات المدققة عن الاقتصاد العراقي وأوضاع الناس المعيشية والسياسية خلال فترة الخمسينيات من القرن الماضي، لكي نتبين واقع الحال حينذاك ولا نعتمد على الذاكرة التي يشوبها الكبر أحياناً والحنين أحياناً أخرى والكثير من الأمور الأخرى.
لقد عرف الريف خلال سنوات الحكم الملكي الكثير من الهبّات والانتفاضات الفلاحية المناهضة لهيمنة الإقطاعيين على الأرض والماء والحيوان والمكائن الزراعية والمضخات المائية والمحصول واقتطاع أكبر نسبة ممكنة من الدخل الزراعي لصالح مختلف فئات كبار ملاكي الأراضي الصالحة للزراعة والسراكيل، في حين كانت حصة الفلاحين النزر اليسير من الدخل الزراعي، مما دفع بنسبة مهمة منهم إلى الهجرة إلى المدن والعيش في أطرافها على هامش الحياة الاقتصادية فيها. وكانت لهذه الظاهرة عواقبها السلبية على الفلاحين المهاجرين أولاً، وعلى سكان المدن ثانياً. وهذا الواقع المرير دفع بالأحزاب السياسية المناهضة للملكية أن ترفع شعارات مناهضة للإقطاع وتدعو إلى إصدار وتنفيذ قانون للإصلاح الزراعي بما يسهم في مكافحة التخلف وإنهاء سيطرة كبار الملاكين على الأرض والريع المنتج من قبل الفلاحين واستخدامه البذخي الاستهلاكي في المدن. إذ هيمن كبار ملاك الأراضي، أو المستحوذون عليها بتعبير أدق، على نسبة عالية من خيرة الأراضي الزراعية في العراق والتي كانت تحقق لهم ريعاً تفاضلياً بسبب خصوبة الأرض وقربها من الأنهار ومن المدن، في حين كان الفلاحون وصغار المزارعين لا يملكون سوى مساحات صغيرة أو أنهم مجبرون على العمل لدى كبار الملاكين، وهم يشكلون الغالبية العظمى، ويمكن للجدول التالي أن يبين واقع توزيع الملكية الزراعية عشية ثورة تموز 1958:     
توزيع الأراضي الصالحة للزراعة في ظل النظام الملكي في العراق في عام 1958   
حدود حجم الملكي الزراعية /دونم   عدد الملكيات الزراعية   المساحة الكلية/ دونم   التوزيع النسبي للمالكين %   التوزيع النسبي لحدود الملكيات %
من 1 – 100 دونم   144802   2.446.952   86,1   10,5
من 101 -  1000 دونم   70126   5.024.736   11,9   21,5
من 1001 - 100.000  فأكثر    3418   15.855.621   2,0   68,0
المجموع    168346   33.477.309   100   100
قارن: صبري، أنور والخالدي، أسعد. تجربة الإصلاح الزراعي في العراق. ط 1. مطابع دار الثورة. بغداد. 1974. ص 46.
ومنه يتبين واقع غياب العدالة في الاستحواذ على أراضي الدولة من جانب كبار الملاكين، والتي كانت قبل ذاك تحت تصرف الفلاحين المنتجين. ولكن دعونا نتابع اللوحة الكاريكاتيرية التي رسمها نوري السعيد لحل المسألة الزراعية في العراق. ففي عام 1956 ألقى نوري السعيد خطاباً نادراً من إذاعة بغداد أطلق عليه فيما بعد بخطاب "دار السيد مأمونة"، ولم تكن الدار مأمونة، تحدث فيه عن عدد من المسائل منها كيف يعالج مشكلة الأرض، وكان جوهر رأيه:
يتزوج شيوخ العشائر وكبار الملاكين الكثير من النساء وتنجب زوجاتهم الكثير من الأبناء، وحين يموت هؤلاء الآباء يتم تقسيم أراضي الأب على الأبناء، ... وهلمجرا. وبهذا تتقلص مساحات الأراضي التي بحوزة هذه العائلات!! هكذا تصور نوري السعيد حل مسألة الأرض الزراعية في العراق ومكافحة الإقطاع، على حد قول المثل "عيش يا كديش حتى يطلع الحشيش!". 
أما في القطاع الصناعي فقد تركزت جهود مجلس الإعمار (1950) ووزارة الإعمار (1953) على إقامة مجموعة من المشاريع الصناعية خلال الفترة الواقعة بين 1951-1958، تم إنجاز ثلاثة منها فقط قبل وقوع ثورة تموز عام 1958، في حين استمر العمل بخمسة مشاريع أخرى أنجزت في أعقاب الثورة. وكانت المشاريع الثلاثة المنجزة هي مشروع إنتاج الإسمنت في سرچنار/السليمانية، ومشروع الغزل والنسيج/الموصل، ومشروع الإسفلت في القيارة/الموصل. أما المشاريع الصناعية التي أنجزت فيما بعد فكانت مشروع السكر/الموصل، ومشروع المنتجات القطنية/الهندية، ومشروع الإسمنت في حمام العليل/الموصل، ومشروع السجاير/السليمانية، ومشروعات إنتاج الطاقة في أبو دبس وبغداد والنجيبية، وتم إنجاز هذه المشاريع في أوائل الستينات من القرن الفائت.  كما ساهم المصرف الصناعي بإنشاء مشاريع صناعية مختلطة، ونشط القطاع الخاص بإقامة مشاريع صناعية عديدة برؤوس أموال محلية. ومن يتابع السياسة التجارية حينذاك سيجد إنها لم تساهم بأي حال في دعم قطاعي الصناعة والزراعة، بل كانت تُغرِق الأسواق بالسلع الأجنبية من منتجات بريطانيا، مما كان يعيق النمو الاقتصادي غير النفطي في البلاد، كما لم يقلص منافسة السلع الأجنبية للإنتاج المحلي.
ونتيجة ذلك، وبعد أن كان طابع الاقتصاد العراقي المهيمن زراعياً ريعياً وحيد الجانب، أصبح منذ أوائل الخمسينيات اقتصاداً ريعياً نفطياً وحيد الجانب، فتراجعت مشاركة القطاع الزراعي، ومعه قطاع الصناعة الضعيف أساساً، في تكوين الناتج المحلي الإجمالي وصافي الدخل القومي لصالح قطاع النفط الخام. وزادت تبعية العراق استيراداً وتصديراً لبريطانيا ومكشوفيته الكاملة عليها، والذي أدى بدوره إلى عدم قدرة الاقتصاد العراقي على استيعاب الزيادات السكانية المتأتية من بعض العوامل المهمة: ارتفاع معدلات النمو السكانية سنوياً التي تراوحت بين 3،0-3،2%، وتقلص معدلات الوفيات بين الأطفال لتحسن الحالة الصحية عموماً وتوفر الأدوية، وقد تجلى ذلك في ارتفاع متوسط عمر الفرد وتحسن الهرم السكاني.       
من يتابع السياسة العراقية في فترة العهد الملكي يرى بأن هناك مجموعة محدودة من النخبة الحاكمة التي كانت تهيمن على السياسة العراقية وتشكيل الحكومات المتعاقبة لم يتجاوز عدده ألـ 166 شخصاً، وكانت الغالبية منهم من أصول عسكرية، إذ بلغت نسبتهم 60% من مجموع النخبة الحاكمة في العهد الملكي.  فالسياسي العراقي المخضرم نوري السعيد، حليف وصديق بريطانيا والغرب الأول في العالم العربي، كان ضابطاً عسكرياً في الجيش العثماني، تولى رئاسة الوزراء 14 مرة بين 1930-1958، وشارك كوزير للدفاع أو للداخلية أو للخارجية أكثر من ذلك بكثير. وكان لكثرة العسكريين منذ بدء تشكيل الحكومة العراقية الأثر السلبي