عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عامر صالح

صفحات: [1]
1
الدولة العراقية بين هيبتها وتآكلها 

د.عامر صالح

ما بعد سقوط الدكتاتورية في 2003 أنتقلت معاناة العراقيين من الحديث عن الدولة القمعية البوليسية المتمثلة بجمهورية الخوف والأضطهاد والحرمان والحروب الى الحديث والتساؤل عن هيبة الدولة وفقدانها, وأين هي الدولة عن مما يجري من انفلات وفوضى وقتل واهدار للمال العام والارواح, وأين هو القضاء العادل الذي يقتص من المجرمين والقتلة والفاسدين ولماذا الاساءة الى هيبة الدولة ولماذا هذا التراجع في دور الدولة الذي وصل في الكثير من مظاهر التدهور والانحلال وضعف السيادة الى حد الأضمحلال, الى جانب المطالب اليومية في استعادة هيبة الدولة رسميا وشعبيا, بل وحتى على ألسنة اعداء الدولة العراقية واستقرارها, لأن المساس بهيبة الدولة هو خط احمر مجتمعيا وعالميا, وبالتالي فأن اعداء الدولة بالأفعال, لا يستطيعوا الأفصاح عن عدائهم في العلن وبالأقوال بذلك, ولكنهم يسعون الى "دولة خفافيش" من طراز خاص في الخفاء.


تتعرض الدولة العراقية الى مخاطر داخلية وخارجية تهدد أنهيارها, وابرزها تلك المخاطر والضغوطات هو ارتهان العراق الى التطلعات غير المشروعة للدول الأقليمية والمجاورة: تركيا, ايران, السعودية والدول الخليجية الأخرى, منها الراغب في جعل العراق ساحة للصراع الامريكي ـ الأيراني, او سياسات التحريض الخليجي في ظل الصراع الأيراني ـ الخليجي وفي مقدمته الصراع السعودي ـ الايراني " وان اختلفت حدته عن الصراع الأمريكي الأيراني" على الأرض العراقية بسبب اختلاف اجندة الأحتواء وارتهان العراق لتلك الصراعات بفعل حجم التدخل الأيراني والامريكي الكبير في العراق, وبأختلاف حجم مشروعيته ودوافعه.

ومما يعزز تلك الصراعات الأقليمية والدولية هو هشاشة الجبهة الداخلية للعراق وفرقائه السياسيين الذين تجدهم مطابقين لأجندة الصراع الخارجي, فهم منقسمون الى حلفاء لتركيا في العلن والخفاء, وحلفاء لأيران, وكذلك من منهم حلفاء لدول الخليج المختلفة. تلك الجبهة الداخلية التي غذتها شدة الصراعات الطائفية السياسية والمذهبية والأثنية والقومية ما بعد 2003 وكرس استقطابها بنية النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والاثنية, والذي ادى الى استنزاف الموارد والطاقات في عمليات فساد ونهب وقتل غير مسبوقة بتاريخ العراق والدولة العراقية وحروب داخلية وأهلية قائمة على العبث بمشاعر الانتماء المذهبي والقومي.

وقد بات للقاصي والداني أن العراق على مستوى المزاج السيكوسياسي الرسمي والجيوبولتيك مقسم الى ثلاث اقسام او اكثر متناحرة ومتصارعة على الموارد والنفوذ ولا تمت بأي صلة بمفهوم بناء العراق الموحد الفدرالي, حتى بات منطق( رئيس جمهورية ـ كردي, ورئيس وزراء ـ شيعي ورئيس برلمان ـ  سني) وما تحت تلك المناصب وما يتفرع عنها والتي لم ترد في الدستور العراقي, من أكثر الآليات نشازا وعقما لأعادة انتاج الصراع الأثنوطائفي السياسي ومأسسته واعادة تكريسه في كل دورة انتخابية تشريعية. 

من المؤسف وبعد مئة عام من تأسيس الدولة العراقية وما رافق ذلك من تحولات عميقة في البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية وظهور ملامح راسخة لأزدهار نسبي للمدن العراقية وفي مقدمتها العاصمة بغداد كضرورة موضوعية لبداية اضمحلال للبنى الاقتصادية والاجتماعية المتخلفة السابقة, تعود العشيرة والقبيلة لتحل محل الدولة في عمل تراجعي تقهقري ومزودة بالمال والسلاح لفرض اجندتها في اعادة بث منظومة القيم والسلوك القائمة على احياء قيم الثأر والانتقام واضعاف منظومة القيم الاجتماعية الايجابية من خلال اضعاف دولة المواطنة, ومما يزيد الطين بلة دخول الاحزاب الحاكمة وخاصة المتأسلمة على خط الاستعانة بالعشيرة ودعم تسليحها في ادارة صراعها مع قيم الدولة والمجتمع المدني, واستخدام العشيرة في التعبئة الحشدية في العمل السياسي, حتى اصبح تحالف الأحزاب مع العشائر من اشد المخاطر التي تواجه استقرار البلد والمجتمع والدولة وتفككها وتقهقرها, واصبحت العشائر احد الحاضنات الخطرة للسلاح المنفلت الى جانب سلاح الميليشيات المنفلتة التي تستهدف الأضعاف المتواصل للدولة وتشكل معضلة الدولة العميقة في العراق.

مع ضعف الدولة العراقية وتدهور هيبتها وعدم مقدرتها على بسط سلطة القانون بعد ان سقطت مؤسساتها في عمل قسري من خارج الحدود عام 2003 وتزامن ذلك الأنهيار ليست فقط مع سقوط النظام الدكتاتوري الحاكم أنذاك, ولكنه أسقط فيه مؤسسات الدولة العراقية التي امتدت الى عهود تأسيس المملكة العراقية وبدايتها منذ عام 1921, وقد اختلف آداء هذه المؤسسات اجتماعيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا مع تعاقب الأنظمة السياسية المختلفة على الحكم في العراق وتباين فلسفاتها. أي ان الاحتلال الأمريكي للعراق لم يستهدف التغير النوعي لأداء مؤسسات الدولة العراقية, بل استهدف بنتائجه الميدانية تحطيم البنية التحتية المؤسساتية للمجتمع, والتي هي ثابتة نسبيا بأختلاف من حكم العراق.


وكان من جراء ذلك فقدان الأمن المجتمعي وتفكك الوحدة الجغروأثنية للعراق, فأنتعشت بسبب ذلك كل الاشكال المتخلفة للضبط الاجتماعي والسابقة للمدنية وفي محاولة منها أستغلال تأزم الاوضاع وخروجها عن السيطرة وانهيار مؤسسات الدولة ولتفرض نفسها بديلا عن الحياة المدنية ومؤسساتها المستقرة, وكان من تداعيات ذلك هو التشرذم الديني والمذهبي والاحتماء بالطائفة والمكون الاثني وتشديد قبضة العزلة والانكفاء الجغروطائفي والاثني وتعزيز دور الهويات الفرعية خارج اطار السياق الوطني الجامع, فأنطلق الارهاب الفردي والمنظم وشاعت التنظيمات المسلحة, من سلاح عشائر وسلاح مليشيات وعصابات اجرامية مختلفة تتخذ من من المناطقية والتمترس الجغرو اثني والمذهبي واجهات لفرض نفوذها كبديل عن الدولة وسلطة القانون والقضاء.


في ظل تلك الاجواء اشتد ساعد كل اشكال الضبط والسيطرة البدائية السابقة لنشوء الدولة, والتي اختفت او ضعفت في عهود وحقب سابقة للأحتلال الامريكي, بفعل التغيرات الجذرية في البنية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والساعية الى بناء نمط من الحياة المدنية بأختلاف طبيعة الأداء الفكري والسياسي لها. وفي ظل هذه الظروف كان حضور العشيرة وتصدرها مشهد الحياة اليومية ما بعد 2003 هو تحصيل حاصل لعملية التفكيك المنظم للبنى المؤسساتية للدولة والرجوع الى بنى اجتماعية سابقة تستند في قوامها الى الانتماء الجغرووراثي لأصول مجاميع من الافراد والعوائل ذات الروابط المحددة في الوراثة والنسل والقربى. 

ومنذ 2003 الى اليوم وبعد مرور 17 عاما على اسقاط النظام لم تستطيع الحكومات المتعاقبة في اعادة بناء الدولة وهيبتها, بل اعادت تكريس كل البنى الاجتماعية المتخلفة والتي تستهدف اضعاف الدولة وسلطة القضاء والقانون, وكان نتاج ذلك نشوء دولة عميقة قائمة على الفساد الاداري والمالي والسلاح والعصابات الاجرامية المنفردة والمنظمة والميليشياوية والعشائر المسلحة بمختلف انواع السلاح, وتستمد قوتها وبقائها من منظومة الاحزاب الحاكمة غير المؤمنة بالدولة. الدولة العميقة وسلوكها يدب اليوم في شريان الدولة العراقية الرسمية ويشد مفاصلها وينساب في كل قطاعاتها ولها هويتها السياسية والاقتصادية والادارية والثقافية ولها من يشرعن افعالها ويقتص من مخالفيها. إن الفساد المتمثلة في الدولة العميقة مكون يقظ وحذر ويملك جهاز مناعة ومقاومة لا نظير له يقيه من كل الضربات ومحاولات النيل منه، ويملك قوة تجديد ذاته أمام كثرة ضعاف النفوس والمغرر بهم والدجالين والمنتفعين، ومن يدور في فلكهم، وكل من يملك صبغيات وكيميا الانغماس في ملذاته، وقد يقوم بحرب استباقية ووقائية ضد كل من يتربص به, ولهم دينهم الخاص, فأخلاقهم عند الاقتراب منهم هي اخلاق داعش في السبي والتنكيل. في الدولة العميقة تنقلب الاخلاق والقيم والمقاييس, فالسارق لديهم مؤمن محصن والمظلوم معتدي على الحق العام.

ان دولة الفساد العميقة لها استراتيجية محكمة وقوة خارقة لهدم كل القيم النبيلة وزرع بدل ذلك قيم الحط من النفس ووضاعتها ونزع أي بذرة من الاخلاق واقتلاعها من جذورها، وتحويل الفرد الى كائن ذو نوازع مرضية لا يقدر قيمة العمل الا بمقدار التحصيل غير المشروع ويحاول ان يجد لنفسه تبريرات ومسوغات على ان الامر يندرج في خانة الاكراميات او الحق المشاع وليس في بند الرشوة او السرقة والاهدار وسوء الأخلاق، فيصبح الفساد واقع يومي معاش لا محيد عنه وممارسة اعتيادية ودارجة في السلوك اليومي بل وثقافة يومية وشجاعة من نوع خاص يمارسها جبان مختفي وراء طقوس واعراف مشوهة, وقد ابتلى العراق بمنظومة الفساد الاخلاقية المنحطة التي افرزتها قيم الدولة العميقة, وهي نفسها التي تمارس التزوير في الانتخابات البرلمانية والمحلية لأنتاج طغمة فاسدة تسعى لأعادة انتاجها وبقائها ولكي تلقى الدعم والبقاء رسميا.

اليوم عنما تحاول الحكومة العراقية الحالية بأعادة هيبة الدولة بمحاولات قد تكون متواضعة قياسا بحجم الأرث البغيض المتراكم فأنها مطالبة بالوضوح والجرأة والشجاعة وعدم الخوف من الدولة العميقة لأن الأخيرة لا يمكن ان تستسلم بسهولة ابدا ولكنها تحمل موتها في احشائها, وقد تستمر هذه المحاولات بين كر وفر ولكن الضمانة هو اتجاه الاحداث لأضعاف عناصر الدولة العميقة, من خلال المصداقية في محاربة الفساد وحصر السلاح المنفلت ووضع المليشيات تحت الحظر وتهديدها دوما لحين القضاء عليها, والتشديد على تطبيق قانون الاحزاب الذي يحظر اي حزب له مليشيات وفصائل مسلحة ومنعه من الدخول في العملية الانتخابية والسياسية بصورة عامة وسوقه الى القضاء.

أن محاولة الحكومة في ارساء ملامح هيبة الدولة والتي تقترب من الانهيار الكامل وفي لحظة ما, هو ان يجري العمل على تأكيد عدم المساومة بممارسة الدولة لوظائفها الأساسية والمتمثلة اولا بحفظ النظام وتطبيق القانون, وهي المسؤلة عن حفظ ارواح المواطنين وممتلكاتهم وبسط الأمن في ربوع البلاد والحفاظ على السلم الأهلي, وهي المسؤل الاول والوحيد في الدفاع عن الوطن وارض البلاد من الاعتداءات الخارجية والحفاظ على امنه من الاختراق الخارجي والداخلي وهي من يقرر سياسته الخارجية.

وكذلك في الميدان المالي والاقتصادي فهي من الوظائف الأساسيّة المنوطة بالدولة في هذا الجانب، وضع السياسة النقديّة العامة، وصك النقود، وتنظيم المؤسسات، والتعاملات الماليّة على أرض الدولة، وتحقيق الرفاه الاقتصادي للمواطنين، وتنظيم الأنشطة الاقتصاديّة في غالب الأحيان، ومن هنا فإن الدولة مسؤولة عن إنشاء العديد من المؤسسات الماليّة، والاقتصاديّة المسؤولة عن القيام بمثل هذه المهام.

وكذلك الوظيفة الدولية من أبرز وظائف الدولة تنظيم العلاقة بينها وبين الدول الأخرى، والتأسيس لشراكات حقيقيّة قائمة على تبادل المنافع، والتعاون المشترك من أجل تحقيق الأهداف المشتركة، فأي دولة تسعى للتطور والنهوض، تؤمن أنها ليست وحدها على هذه الأرض، وأن عليها السعي لبناء سمعة دوليّة طيبة, ولا يحق لأي حزب او فصيل او ميليشيا فرض اجندتها على سياسة الدولة الخارجية.

ان استعادة هيبة الدولة في كل المجالات هو عمل شاق وطويل الأمد و لكن التأسيس له بشكل سليم هو الضمانة الأكيدة لأنقاذ العراق من براثن الفساد المالي والاداري والسياسي عبر ألتماس أفق الاجراءات الحالية ومدى فعاليتها وحجم ردود الافعال من اقطاب الدولة العميقة الرافضة لهيبة الدولة واستقرارها ومعالجتها في الزمن المناسب, وبالتأكيد ان الانتخابات المبكرة مسبوقة باكمال تشريع المحكمة الاتحادية, وقانون انتخابات جديد, وتطبيق قانون الاحزاب, ومحاسبة قتلة المتظاهرين, وضمان عملية انتخابية نزيهة بعيدة عن تهديد السلاح, ورقابة أممية على سير الانتخابات, تشكل جميعها مقدمات لحسن النوايا في تغير الاوضاع خطوة نحو الافضل, عبر اعادة تشكيل موازين القوى السياسية لصالح بناء دولة المواطنة.

 

 

 




2
ماكرون وسيكولوجيا الحنين( النوستالجيا )

د.عامر صالح

قام الرئيس الفرنسي بزيارة الى عاصمتين منكوبتين هما بيروت وبغداد,  الاولى بكارثة تفجير مرفأ بيروت الذي حول الى اكثر من 30% من العاصمة اللبنانية الى أنقاض وركام الى جانب فساد نظامها المافيوي, والثانية منكوبة في سياقات نظامها الطائفي والاثني من عدم الاستقرار السياسي والفساد الاداري والمالي وتفشي المليشيات المسلحة المنفلتة خارج القانون  ويشكل بعد الدولة العميقة في العراق الحاكم في الظل. وفي كلا الزيارتين تم الترحيب الشعبي والرسمي برئيس جمهورية فرنسا ماكرون, ولو في الحالة العراقية كان الاحتفاء الشعبي ليست كما هو اللبناني, وكان ذلك مرتبطا بقصر زيارة ماكرون الى بغداد وعدم تنقله او تجواله في مناطق بغداد كما فعل في بيروت, وبالتأكيد فأن روابط  لبنان مع فرنسا ذات عمق تاريخي, وكان الاحتفاء عراقيا بماكرون على المستوى الشعبي جرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل واضح, وهناك كالعادة سيل جارف من نظريات المؤامرة والتشكيك بنوايا ماكرون وكأن الحياة جنة في كلا العاصمتين وجاء ماكرون ليقلب عاليها اسفلها.

عكست زيارة ماكرون نموذجا من سلوكيات اللبنانين والعراقيين في الحنين الى الماضي وكانت اشد تركيزا في بيروت منه في بغداد, ولكن في بغداد اتخذت من رمزية ماكرون حنينا خاصا الى حقب عراقية سابقة لعام 2003. الى أي حد من الذل والظلم والأضطهاد الذي تمارسه الأنظمة" الوطنية " الحاكمة الجائرة بحيث يندفع المواطن الى الأستغاثة بالمحتل ويبكي بين يديه ويطلب منه عودة الأحتلال من جديد او وضع بلاده تحت الوصاية الدولية في محاولة للخلاص مما اصابه من احباط ويأس, انها مفارقات زمن فساد الانظمة المتعفنة التي تدفع مواطنيها في لحظة ما الى الخلاص او الاستعانة بالشيطان في تلمس أفق المستقبل. بالتأكيد انه حالات من الحنين او عودة الى الماضي مؤطرة بقساوة الحاضر وشراسته, وهي حالات يطلق عليها سيكولوجيا ( نوستالجيا ) او سيكولوجيا الحنين الى الماضي. 

يعود أصل كلمة نوستالجيا إلى اليونانية، فكلمة نوستوس تعني العودة للوطن وكلمة ألغوس تعني الألم، وعلى الرغم من كون الكلمة حملت معنى تاريخياً سلبياً مرتبطاً بالمشاعر الجارفة نحو العودة للوطن، والتي كان يعيشها المغتربون والبعيدون عن عائلاتهم وأوطانهم، إلا أنها مع الوقت اكتسبت معنى جديداً في علم النفس؛ وهو الحالة النفسية التي يشعر فيها الإنسان بالحنين للعودة لمرحلة أقدم من حياة الإنسان؛ إلى طفولته وشبابه وأيامه التي خلت, وكذلك الحنين الى العودة الى حقب وازمنة تاريخية سلفت, وقد يكون الحنين فرديا, اي ان الشخص يحن الى ماضى من احداث او امكنة او الى زمن بكامله, وعلى المستوى المجتمعي او الجماعي فهي مؤشر ان هناك دلالات غير مطمئنة في الحاضر.

وعلى المستوى الفردي فأن الحنين اذا بقى في حدوده الطبيعية فأنه مؤشر ايجابي وممكن ان الشعور في الطمأنينة ويخرج الفرد من حالة الحزن ويجعلها اكثر خفة,كما يعتبر التفكير في الماضي طريقة للتأقلم مع مخاوف المستقبل المتعلقة بسؤال الموت والخلود، وسؤال أهمية الحياة وجدواها, كما تربط النوستالجيا الفرد بالآخرين. ففي العادة ما يكون التفكير بالماضي وأحداثه وتجاربه مليئاً بذكرى الأماكن والروائح والموسيقى التي تكون غالباً مرتبطة بأشخاص معينين، مثل أصدقاء الطفولة وشخصيات مؤثرة التقيتها في العمل الأول والمدرسة والرحلات, وفي احيان كثيرة فأن الحنين الفردي احد مصادر التفريغ لأنفعالات الحاضر مما يبعث نسبيا على الشعور بالدفئ, وحتى كتابة مذكرات الماضي يبعث نوعا من الدفئ العاطفي وحتى الجسدي في لحظات الحاجة القصوى لذلك.

 اما على مستوى الجماعات البشرية او المجتمعات المحلية فهي محاولة الهروب الجماعي من الحاضر،تحت وطأة واقع يعاني ولادات متكررة وصعوبات بالغة الأثر ورداءة ظروف العيش الحاضر. ان أكثر ما يميز النوستالجيا الجماعية في واقعنا وخاصة العراقي هو الحنين الى عودة البعث والحنين الى عودة الملكية او تمنيات بعودة الجمهورية الاولى,  وجميعها تفسر انتكاسة الحاضر, فلا الملكية كانت كما في اذهاننا الحاضرة نموذج السعادة, ولا البعث بمصائبه وكوارثه كان مطمئننا, ولم تكن الجمهورية الاولى نموذجا بدون اخفاقات وارهاصات مختلفة وكانت سبب في انتكاستها. ولكن ما يجري في المجتمع العراقي هو حنين مشروع بيمكانزمه كتعبير عن الاخفاق المستديم ولكن محتوى الحنين يعبر هو الاخر عن صور مشوهة من الواقع وهو اشبه بعملية تدوير النفايات بفعل عوامل اليأس والقنوط وقد تكن الصورة مطابقة للجموع اللبنانية, رغم فرط العواطف الى جانب ماكرون في حالة بيروت, حيث بقايا العمق الثقافي حاضرا في التواصل مع باريس.

حالة الحنين في العراق الى مرحلة سابقة بما فيها الحنين الى المحتل او الى الزائر الفرنسي فهي تجسد بعمق افلاس النظام السياس ما بعد 2003 وعدم مقدرته في حل المشكل السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتمترسه في الاطر الطائفية والمذهبية والاثنية المتخلفة وغياب دولة المواطنة الى جانب الفساد الاداري والمالي والاخلاقي الذي افقر الشعب خلال سبعة عشر عاماو وعملية سياسية ديمقراطية قائمة على التزوير وشراء الذمم والتهديد والافساد في كل قطاعات المجتمع, كل ذلك شدد من قبضة الحنين لمختلف الازمنة وتمني عودة السيئ بأعتبار الحاضر اسوء, وبالتأكيد انها آلية لا تفضي الى الحل وفقا لظروف العصر والحياة المتجددة, ولكن هذا الحنين يحمل في طياته قدرة استثنائية للخلاص من الظلم والتعسف والجور بأعتبار ذلك آلية خاتمة المطاف وقد جسدتها انتفاضة الاول من اكتوبر التي اندلعت في العام الماضي بوضوح بعد استنفاد كل سبل الاصلاح من داخل بنية النظام المحصصاتي.

3
لماذا التحذير من الحرب الأهلية في العراق ـ ملاحظات سايكواجتماعية

د.عامر صالح
 
طالما حذر العقلاء من سياسي العراق والحريصين على مستقبله من الحرب الأهلية, او من عمليات العنف والعنف المتبادل, لأنها بالنتيجة النهائية ستعقد اي حل مرتقب لأزمة الحكم في العراق, كما انها تزيد الخراب بمزيدا من الخراب وتفقد بصيص الأمل في العثور على حل للمشكل السياسي والاقتصادي والاجتماعي, الى جانب ما تؤديه تلك الحروب الى مزيدا من الخراب والدمار في البنية التحتية للبلاد أو ما تبقى منها وتضعف النسيج الاجتماعي العراقي وتهشمه, وقد تعرض المجتمع العراقي ما بعد 2003 الى المزيد من محاولات دفعه صوب الحرب الاهلية الشاملة وتكريس تمترسه الطائفي والاثني على حساب وحدة المجتمع وسلامة تنوعه الديني والمذهبي والعرقي بمكوناته المختلفة. والتجارب العالمية والعربية في الحروب الاهلية او استخدام العنف والعنف المتبادل على نطاق واسع تؤكد طيلة استمرارها لا يوجد فيها طرف رابح, وبالتالي لا يوجد غير لغة الحوار بديلا عن لغة السلاح لتجنب المزيد من الكوارث الاقتصادية والاجتماعية والانهيارات الكبرى غير المتوقعة.

وبالتأكيد عندما نتحدث عن لغة الحوار بين اطراف النزاع لا يعني هذا العمل على قاعدة"عفى الله عما سلف" أو" تصفير للمشاكل" لأن مظلة الحوار بين اطراف الصراع يفترض ان يكون القانون والقضاء وسيادة الدولة وهي الثوابت التي تجري في ظلها كل التسويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية, وان الاستمرار في غياب أجهزة الدولة المسئولة عن إحقاق العدالة وفرض القانون وهيبته على جميع شرائح المجتمع بدون تمييز ستعزز ثقافة التشرذم والانتقام والثأر وتزيد من تغول المجموعات المتناحرة السياسية الحاكمة على النفوذ والموارد والسلطة في ظل زيادة التمترس حول القبيلة والعشيرة والطائفة لحماية مصالحها التي تقف ضد استقرار الدولة وسلطة القانون.

قد يكون خيار الحرب الأهلية او الدفع بأتجاهها والتملص من الحساب والقصاص المجتمعي هو خيار المليشيات المسلحة التي يضيق الخناق عليها مع مرور الوقت ومع الدعم المجتمعي والعالمي لخيار الانتفاضة السلمي, وتزايد مطالب المجتمع الدولي في محاربة مجرمي المليشيات الحاكمة قتلة المتطاهرين السلميين, وبالتالي ترى المليشيات الحاكمة في الظل فرصتها الوحيدة للهروب من العقاب المجتمعي والقانوني هو الدفع بأتجاه خلط الاوراق والوصول الى الذروة في اعلان الحرب الأهلية وهي محاولة بائسة لمساواة المجرم القاتل بصاحب القضية العادلة. نعم الحرب الأهلية اعلنت من طرف واحد وهي المليشيات المسلحة او ما يسمى بالطرف الثالث بأرتكابها عمليات قتل لأكثر من 700 متظاهر سلمي وجرح اكثر من 30 ألف مواطن من بينهم المئات من الأعاقات الدائمة, وكذلك تغييب اكثر من 130 ناشط مدني وكادر اعلامي وصحفي.

معهد السلام العالمي، وهو معهد أمريكي مستقل يتخذ من مدينة نيويورك مركزا له ويعمل على منع الصراعات بين الدول وضمن الدول نفسها، قام بإعداد دراسة موسعة لجميع الحروب الأهلية التي حظيت باهتمام مجلس الأمن الدولي على مدى عقدين من السنين. ووضع في ضوء ذلك بعض المعايير للحكم على طبيعة النزاعات وتصنيفها، وقد ورد تعريف للحرب الأهلية يتلخص في أنها "صراع مسلح يشترك فيه طرفان أو أكثر، يسقط فيه ما لا يقل عن 500 قتيل سنويا، وتكون الحكومة القائمة الطرف الرئيس في هذا الصراع". وقد أولى المعهد اهتماما للحروب الأهلية التي قد تستمر سنوات عديدة قد تهدأ فيها أحيانا، واعتبر أن هذه الحرب تعتبر نشطة وقائمة متى تخللتها معارك دموية، لا يقل عددها عن خمس وعشرين معركة خلال سنة. وفي ضوء تلك المعالجات فأن حالة الحرب الاهلية في العراق هي معلنة من طرف واحد قد يكون حكوميا أو مليشيات الدولة العميقة وبما سببه من ضحايا منذ الاول من اكتوبر الماضي الذي اندلعت فيه الاحتجاجات المطلبية.

معالجة الوضع السياسي العام في العراق لا يحتمل اعلان حرب اهلية من قبل المحتجين السلمين الذين قدموا التضحيات الميدانية الكبيرة لأغناء وترسيخ المفهوم السلمي للحركات الاحتجاجية, وان هناك من يدفع بأتجاهات لجعل انتفاضة اكتوبر انتفاضة مسلحة وتلك اجندة تلحق الضرر بالسلم الاهلي الذي يعاني اصلا من تلكأءات كبيرة ومن بقايا حقب الحرب الاهلية ما بعد 2003 وخاصة ان موازين القوى ومستويات التنظيم الميداني لازالت غير راجحة لجانب المحتجين. وبالتالي أن جوهر الضغوطات الجماهيرية المشروعة بعد اسقاط حكومة عادل عبد المهدي تجري التركيز على ما يلي والذي يسبق اجراء الانتخابات المبكرة:

أقرارالقانون الانتخابي: وهو من اختصاص مجلس النواب وقد تم التصويت على أغلبية مواده، وان المتبقي تحديد عدد الدوائر وعدد المقاعد المخصص لكل دائرة، والتي هي محل شد وجذب بين الكتل السياسية حتى هذه اللحظة. وحسب تقديرات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، لابد من إقرار القانون الانتخابي قبل ستة أشهر من الموعد المحدد للانتخابات، لغرض توفير المواد اللوجستية.

تعديل قانون المحكمة الاتحادية: لقد أصبح تعديل قانون المحكمة الاتحادية حاجة ملحة بعد الاختلال في قوامها، لغرض إعادة النصاب لاجتماعاتها، لأنها هي المعنية بالمصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، وفق (الفقرة سابعاً، المادة 93 من الدستور العراقي).

حل مجلس النواب: لا يمكن الحديث عن الانتخابات العامة المبكرة دون الاتفاق بين الكتل السياسية على حل مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بطلب من ثلث أعضائه أو من قبل رئيس مجلس الوزراء وموافقة رئيس الجمهورية، وان يكون ذلك قبل شهرين من السادس من حزيران إذا اتفقت الكتل السياسية على هذا الموعد، ليتسنى لرئيس الجمهورية الدعوة للانتخابات العامة المبكرة، وفق (الفقرة ثانيا، المادة64 من الدستور).

تطبيق قانون الاحزاب السياسية: لقد تم إصدار قانون الأحزاب منذ 2015 دون إجراءات حقيقية لتفعيله، وقد جاء ضمن المنهاج الوزاري: التطبيق الكامل لقانون الأحزاب وهو من اختصاص الوزارة والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وكذلك ديوان الرقابة المالية وأيضا يقع من مهام مجلس النواب المعني بالرقابة على أداء هذه المؤسسات. لضمان الحد المقبول من تكافؤ الفرص بين الكيانات السياسية عند خوض الانتخابات. 

نزع سلاح المليشيات السائبة والسيطرة على السلاح المنفلت والاستعانة بالمنظمات الدولية لمراقبة الانتخابات وتوفير بيئة آمنة للناخبين الى جانب الجرأة الحكومية في الاعلان عن قتلة المتظاهرين وبما يسهم في خلق مزاج مطمئن للناخب ورسالة للمواطنين ان الحكومة قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية تبعث الامل وتؤسس لنظام سياسي جديد يعبر عن ارادة المواطن بعيدا عن التزوير والتهديد وسلب ارادة الناخب.

ان مشكلات العراق الاقتصادية والاجتماعية السياسية والمتراكمة لعقود لا يمكن حلها بحرب اهلية تحرق الأخضر واليابس وتضيع بصيص أمل التغير, وناهيك عن انخفاض اسعار النفط وتداعياته الاقتصادية والمالية الخطيرة على البلاد الى جانب جائحة كورونا وعجز القطاع الصحي عن التخفيف من هول الوباء, فهناك وبالارقام فقط بعيدا عن التفاصيل ما يعكس عمق ازمة مجتمعية تحتاج الى معالجات شاملة:
3 ملايين و400 الف مهجر موزعين على 64 دولة. 4 ملايين و100 ألف نازح داخل العراق. مليون و700 ألف يعيشون في مخيمات مختلفة. 5 ملايين و 600 ألف يتيم ( اعمارهم بين شهر ـ 17 سنة ). 2 مليون ارملة أعمارهن بين 15 ـ 52 سنة. 6 ملايين عراقي لا يجيد القراءة والكتابة وفي مقدمة المدن التي منتشرة فيها هي: البصرة وبغداد والنجف وواسط والانبار. نسبة البطالة 31% وفي مقدمة المدن: الانبار والمثنى وديالى وبابل في الصدارة تليها بغداد وكربلاء ونينوى. 35% من العراقيين تحت خط الفقر(اقل من 5 دولار يوميا). 6% معدل تعاطي الحشيش والمواد المخدرة ( بغداد في الصدارة تليها البصرة والنجف وديالى وبابل وواسط). 9٪‏ نسبة عمالة الأطفال دون ١٥ عاماً. انتشار 39 مرض ووباء ابرزها الكوليرا وشلل الأطفال والكبد الفايروسي وارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية. توقف 13 ألف و 328 معملا ومصنعا ومؤسسة انتاجية. تراجع مساحة الاراضي الزراعية من 48 مليون دونم الى 12 مليون دونم. استيراد 75% من المواد الغذائية و91% من المواد الاخرى. التعليم الاساسي في اسوء حالاته( 14 ألف و658 مدرسة, تسعة آلاف منها متضررة و 800 طينية والحاجة الى ألف مدرسة جديدة). الديون العراقية اكثر من 124 مليار دولار من 29 دولة. بلغت مبيعات النفط للأعوام ( 2003 ـ 2016 ) الف مليار دولار لم تسهم في حل اي مشكلة من مشكلات المجتمع العراقي, بل هناك تقديرات بأن مابلغ من اهدار للمال بلغ 1400 مليار دولار.


الوعي في القضايا المصيريه واتخاذ موقف منها محددا هو ليست سلوك فطري تحمله لنا الوراثة البيولوجية على نسق ما نولد به من صفات جسميه بل انه سلوك وموقف عقلي وفكري يتربى عليه المرء والمجتمع من خلال زرع منظومة قيمية صالحه تكون مخرجاتها النهائية هو تشكيل وعي محدد اتجاه الوطن والمواطنه وادراك حجم المخاطر التي تهدد البلاد وما يتبع ذلك من سهولة وانسيابية في تشكيل رأي عام يصب في مجمله في التعبئة الوطنية الصالحة ووفقا للأمكانيات المتاحة وخلق حالة من التلاحم بين الشعب والحكومة الحالية بما يعزز تماسك الجبهة الداخلية.

في العراق وحيث الجبهة الداخلية تعاني من تصدعات كبرى على مستوى السياسة والأقتصاد والمجتمع وحيث معاناة الشعب وعدم اشباع الحاجات الأساسية التي تشكل بدورها الحد الأدنى من ضرورات تشكيل المناعة الصالحة, نجد اليوم خلاف حاد حول اولويات المواطن العراقي في حياته اليومية وخاصة عندما يرى الفساد الأداري والمالي ينخر في السلطات الحاكمة ومؤسسات الدولة والمجتمع, ولا اريد هنا اعادة التذكير بعقود سبقت سقوط الدكتاتورية والتي أخلت بمفهوم الأنتماء للوطن والمواطنة ومن تأصيل لقيم الدكتاتورية والقمع وربط كل المفاهيم الوطنية بشخص قائد الضرورة فهو الفلتر الأساسي للمنظومة الأخلاقية والقيمية وهو المحك والمصدر الأساسي في الرضى وعدمه ومنه تشتق مفاهيم ماهية الدفاع عن الوطن وتعريف المواطنة وتحديد الأصدقاء والأعداء, في وسط هذا التراكم وتراكم ما بعد سقوط النظام يرى المواطن العراقي نفسه في قلق وجودي يتمثل في فوضى الحاضر وغياب المستقبل الى جانب عدم ثقته في النظام السياسي الحالي. كل هذا التراكم يعزز من صراع الأقدام والأحجام في المواقف المصيرية. 

الطريق للتغير الايجابي ليست سهلا لأن طبيعة وبنية السلطة في العراق واحزابها القائمة على الهويات الفرعية وليست على فكرة المواطنة والولاء للوطن لن تؤمن بالتدوال السلمي للسلطة وديمقراطية الانتخابات, وترى في صناديق الاقتراع وسيلتها للاستحواذ على السلطة والانفراد بها, وبالتأكيد ستتشبث القوى القديمة البالية في البقاء والعناد وسوف تلجأ الى كل الخيارات غير النزيهة لتغير وتشويه مسار ونتائج وعملية الاقتراع, طبعا الى جانب عبثها الحالي بتوقيتات اجراء الانتخابات مبكرا والتحايل على القوانين ذات الصلة, ولكن انها فرصة شعبنا لخوض غمار تجربة الانتخابات لتغير موازين القوى السياسية والبدأ في عملية اعادة بناء النظام السياسي على اسس من العصرنة والديمقراطية الحقة.



4
كورونا بين التداعيات والدفاعات السيكواجتماعية والحرب الباردة

د.عامر صالح

لايزال كوفيد ـ 19 يفاقم قلق الحضارة الانسانية بفعل المخاطر الجدية والكارثية لتداعياته, وتكمن مصادر القلق الأساسية فيما اصاب العالم من خسارة في الارواح, سواء على مستوى الاصابات الكلية أم الوفيات, والتي بلغت حتى كتابة هذا المقال اكثر من 23 مليون اصابة وتجاوز فيها عدد الوفيات اكثر من 800 ألف حالة وفاة, وطبعا تقابلها حالات شفاء تجاوزت 15 مليون حالة, وتتصدر الأصابات في دول تتصدرها أمريكا ومن ثم تباعا البرازيل والهند وروسيا وجنوب افريقيا والبيرو والمكسيك وهكذا تباعا الى العراق في تسلسل 21 عالميا.

ومن دواعي القلق المضاف هو الخسائر الأقتصادية الكبرى في اغلب القطاعات الانتاجية والخدمية, وتقطع الاوصال بين الدوال وغلقها الحدود بين وجه بعضها للآخر, ومن ثم العزلة الاجتماعية في داخل البلد الواحد او المجتمع المحلي, والمكوث في المنازل والتباعد الاجتماعي قسريا والحد من الطقوس والممارسات الاجتماعية المختلفة, الدينية منها والترفيهية العامة وحتى السياسية ذات الطابع الجماعي, وقد رافق توقف وتعثر الانشطة الاقتصادية داخليا وبين الدول تفاقم ظاهرة البطالة الوطنية والعالمية, وانقطاع الأرزاق وتدهور الحياة المعيشية, وخاصة في البلدان التي لايمتلك مواطنيها ضمانات الحد الادنى من الدعم الاجتماعي, وعلى خلفية ذلك أستشرى العنف الاسري والمنزلي بمقاييس اكثر مما سبق كورونا, وارتفاع نسب الطلاق والهجر والأعتداء والعنف الجسدي والنفسي, وألحاق الأذى بالطفولة والمراهقة لمكونات الأسرة, ثم فرض آاليات التعامل عن بعد في التعليم والصحة والمعاملات  المختلفة, وكذلك العمل من داخل المنزل عبر شبكة الأنترنيت كبديل عن السياقات اليومية المعتادة في الخروج من المنزل الى العمل يوميا وفي توقيتات منتظمة, ويكون الأمر اشد صعوبة في الدول التي لا تملك بنية تحتية معلوماتية وتقنية متطورة تحتوي التغيرات التي فرضتها كورونا. 

ومما يفاقم القلق المشروع لدى المجتمعات الانسانسية هو عدم توفر علاج او عدم العثور على لقاح حتى اللحظة تجمع عليه منظمة الصحة العالمية والمجتمع الدولي, ثم ما ترسمه المنظمة الدولية من آفاق لحركة فيروس كورونا في الزمان يضيف على المشهد مزيدا من ضيق الأفق القريب للخلاص او الحد من كورونا, ففي وقت قريب وفي هذا الخصوص أكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس وأشار الى بعض الحقائق وذكر أن أول 100 ألف إصابة كانت في 67 يوما، وأن ثاني 100 ألف إصابة كانت في 11 يوماً، وثالث 100ألف إصابة حدثت في 4 أيام، ورابع 100 ألف إصابة تمت في يومين.

وهذا يعد مؤشرا خطيرا على ان المجتمعات العالمية لم تزل تعيش الذروة ولم تتمكن من الوصول الى خط الأمان الذي بموجبه تشعر بالراحة وأفق الأمل بعد التداعيات الجسدية والنفسية والسلوكية المؤذية التي سببها الفيروس حين اخذ بالانتشار بصورة مفاجئة، ما سبب ازمة حقيقية لدى الجهات الصحية المتصدية منذ اليوم الأول لدخوله حدود البلدان المختلفة ولم تتوانى لحظة عن تقديم الخدمات العلاجية للمصابين, ولكن المشكلة هي مشكلة كفاءة النظم الصحية ووضوح السياسات الصحية.

وقد قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية “تيدروس أدهانوم جيبريسوس”، إن المنظمة تأمل في انتهاء فيروس كورونا في غضون أقل من عامين. وأضاف جيبريسوس، أن الأنفلونزا الإسبانية التي انتشرت في عام 1918 انتهت في عامين. وتابع: أنه “في وضعنا الآن ومع مزيد من التكنولوجيا، وبالطبع في ظل مزيد من التواصل بين الناس، أمام الفيروس فرصة أكبر للانتشار لأن بإمكانه الانتقال بسرعة". وشدد على أنه “في نفس الوقت لدينا التكنولوجيا والمعرفة لوقفه". وفي السياق، قالت ماريا فان كيرخوف عالمة الأوبئة في منظمة الصحة العالمية إن “هناك حاجة لمزيد من الأبحاث بشأن تأثير التحور على فيروس كورونا", وأضافت خلال إفادة في جنيف شكلنا فريقا خاصا لرصد التحورات وندرس كيف يمكننا أن نفهم بشكل أفضل عملية التحور وتأثيرها.

ومن مؤشرات نشاط الفيروس مجددا هو ان الدول التي اتخذت خطوات الانفتاح النسبي على العالم عادت وانتشرت فيها الأصابات مجددا مما حدى بها الى العودة مجددا الى بعض الاجراءات القسرية السابقة في العزل والتباعد الاجتماعي وفرض ارتداء الكمامات بصورة عامة او جزئية في حالات السفر والتنقل في الوسائط الجماعية. ومما يثير القلق ايضا قالت منظمة الصحة العالمية إن على الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 12 عاما فأكثر وضع الكمامات للإسهام في التصدي لوباء كوفيد-19 بنفس الشروط التي تنطبق على البالغين، في حين ينبغي للأطفال ما بين سن السادسة والحادية عشرة وضعها حسب منهجية قائمة على مواجهة المخاطر.

وذكرت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في وثيقة نشرت على موقع منظمة الصحة تحمل تاريخ 21 أغسطس آب، أن الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 12 عاما فأكثر يجب عليهم بالذات وضع الكمامات في الأماكن التي لا يكون فيها ممكنا ضمان الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي لمتر واحد، وعندما يكون هناك انتقال للعدوى واسع النطاق في المنطقة. وهذا تدارك او مؤشر جديد ان قضية الأصابة بأختلاف الفئات العمرية واردة وممكنة ايضا.

وبعيدا عن الافرازات السلبية لكورونا على مستوى الجبهات الداخلية للمجتمعات المحلية ألا انها أحيت مفهوم التضامن والتكافل الداخلي والتعاون المشترك في زمن الأزمات, فقد ساهمت في تجنيد الطاقات الانسانية كافة في ايجاد حلول ميدانية لمشكلات كورونا وتداعياتها على مختلف المستويات, فقد جندت فيها كل الطاقات والموارد الاقتصادية والمالية والطبية والتعليمية والامنية للأستجابة لحالة الطوارئ التي فرضها كوفيد ـ 19, سواء في البحث عن حلول تعليمية بديلة, كالتعليم عن بعد وغيرها, أم الانخراط في معالجة المصابين واعمال الوقاية, او المساهمة في تطبيق الحظر وتوفير بيئة ملائمة للوقاية من اخطار الفيروس وانتشاره, او في توفير ضمانات الحد الادنى من العيش جراء أزمة الاعتكاف في المنزل التي فرضتها كورونا, او تسهيل مهمات العمل عن بعد, الى جانب الدور الكبير الذي قامت به الأسرة والوالدين في تحمل اعباء كورونا, رغم التفاوت في الأداء والأنتكاسات, وكما جرى على الصعيد المجتمعي استنفار لكل الطاقات البحثية الطبية والعلمية وتوجيهها صوب فهم طبيعة كورونا والعمل على العثور لعلاج او لقاح يقي المجتمع الدولي, وخاصة في الدول المرجعية, كدول الاتحاد الاوربي وامريكا والصين وروسيا وغيرها.

أما على صعيد السياسات الخارجية لأحتواء ازمة كورونا بين الدول وخاصة ذات القطبية السياسية, امريكا وروسيا والصين وحتى بين دول الاتحاد الاوربي ذات الانسجام النسبي في التوجهات فلم تكن بمستوى خطورة الازمة وتداعياتها على مستوى العمل المشترك لدرء الأخطار, فقد انسحبت امريكا من منظمة الصحة العالمية وعن دعم المنظمة ماليا وهي في احلك الظروف وكانت المبررات هو تواطئ المنظمة العالمية مع الصين, ثم دخول امريكا في مواجهات مع الصين على خلفية الكثير من العوامل التي سبقت كورونا والتي في جوهرها تعكس الصراع من اجل الحيازة التكنومعلوماتية المتطورة, ثم تهمة امريكا للصين بأخفائها حقيقة المعلومات الاساسية عن كورونا في بداية انتشاره " والتي لم تتأكد بعد ", حتى وصل الحد بترامب ان يطلق على كورونا " بالفيروس الصيني ". ويعلم الجميع ان الصين تشكل عصب الأقتصاد في السوق الرأسمالية وفي مقدمتها دول الاتحاد الاوربي وامريكا وبريطانيا, الى جانب الاسواق العالمية الاخرى في مختلف قارات العالم, وان الدخول معها في هكذا معارك في هذا التوقيت قد يضعف جبهة الحرب ضد كورونا.

أما الصراع مع روسيا فهو امتداد لحقبة الحرب الباردة ولم يهدأ يوما, والتي لازالت امريكا تنظر الى روسيا كنظاما شيوعيا, وهو صراع على مناطق النفوذ في العالم وأشكال التسويات المفروضة في الصراعات العالمية التي يراها كل من القوتيين العظمتين, ولكن ما اثار غضب الامريكان في عز ازمة كورونا هو الأعلان الروسي عن اكتشاف لقاح ضد كورونا والذي اطلق عليه " سبوتنيك في " واعتبرت روسيا أن اللقاح يعد "انتصاراً كبيراً للبشرية على فيروس كورونا" وأطلقت عليه اسم "سبوتنيك في "تيمناً باسم القمر الصناعي سبوتنيك 1 أول قمر صناعي يسبح في الفضاء الذي أطلقه الاتحاد السوفيتي عام 1957.

وبعد أيام على إعلان روسيا عن التوصل للقاح مضاد لفيروس كورونا الجديد، المسبب لوباء كوفيد-19، ذكرت تقارير إعلامية إن الصين منحت براءة اختراع للقاح جديد مضاد للفيروس الذي أصاب أكثر من 23 مليونا وتسبب بوفاة أكثر من 800 ألفا آخرين. وبعيدا عن كفاءة اللقاحين الروسي والصيني واستيفائهم للشروط العالمية وفي مقدمتها شروط منظمة الصحة العالمية" على الرغم من اقبال دول عالم كثيرة لحيازة اللقاح الروسي تجاوزت عشرين دولة وبلغت جرعات اللقاح المطلوبة اكثر من مليار", إلا انه ما يعنيننا سياسيا هو ما سببه اللقاحين وخاصة الروسي من مفاجئة لأمريكا وكان احد دوافع التشكيك في اللقاح وعدم كفائته, هو على ما يبدوا أن لقاح كورونا امريكيا كان ورقة انتخابية بيد ترامب لأعلان سبق تصنيع لقاح امريكي ضد كورونا في ذروة التصعيد الانتخابي في امريكا وفي زمن يقرره ترامب, إلا انه لم يفلح في ذلك.

وعلى العموم فأننا نترك البعد العلمي في جدوى اللقاحين الروسي والصيني الى ذوي الاختصاص وخاصة منظمة الصحة العالمية التي تبدوا في حيرة من امرها بين صراع الاقطاب المتنافرة, ولكن ما يعني البشرية جمعاء هو ان الازمات الكونية كنموذج كورونا يجب ان تبقي النظم السياسية والاقتصادية المختلفة في دائرة الحس المرهف لمعاناة الانسان في الكوارث والمحن الجماعية, فلا قيمة لهذه النظم مهما بلغت عدالتها بغياب صحة الانسان وفنائه, ولا مبرر لأنانية تلك النظم وصراعها بغياب الانسان المحرك لتلك المنافسة بين المجتمعات العالمية المختلفة, فجميع النظم السياسة في العالم تدعي خدمة الانسان الفرد او خدمة المجتمعات المحلية او التضامن مع المجتمعات العالمية, وكورونا هو من الاختبارات ذات الكفاءة العالية لقياس مصداقية النظم العالمية ومواقفها من مكانة الانسان ودوره في صنع الحضارة العالمية.

 











5
في سيكولوجيا الدفاع عن النفس... حذاري من أراقة الدم العراقي

د.عامر صالح

بات المشهد العراقي اليومي أكثر دموية حيث ضحايا الأحتجاجات التي بدأت في الاول من اكتوبر من العام الماضي بتزايد مستمر وبأنتقائية اجرامية للضحايا, حيث الضحايا من النخب الميدانية والقيادية لأحتجاجات اكتوبر وايضا من الكوادر الطبية والهندسية والتدريسية والاعلامية التي انخرطت في الحراك الاجتماعي دفاعا عن المطالب المشروعة للشعب في الحياة الحرة الكريمة, من خدمات اساسية: صحة وكهرباء وتعليم وفرص عمل, الى جوانب الدعاوى الشرعية في اعادة بناء خريطة النظام السياسي المحصصاتي والطموح المشروع للأنتقال به الى نظام المواطنة الصالحة بعيدا عن الانتماءات الفرعية المذهبية والدينية والمناطقية والعنصرية والشوفينية التي ارهقت العراق وأفلسته خلال 17 عاما وأركنته مع مصافي الدول المعوقة والفاشلة وجعلت شعبه يعاني الأمريين, من بؤس وفقر وجوع وفساد أضاع ثروات العراق ومستقبله وكرست ملامح حاضر تعيس ورسمت ملامح مستقبل غامض عديم الأفق والاستقرار الانساني.

قبل وبعد زيارة رئيس الوزراء العراقي الى الولايات المتحدة الامريكية ازدادت موجات العنف ضد المتظاهرين السلميين, وازدادات معها موجات صواريخ الكاتيوشا الموجهة الى المنظقة الخضراء والى معسكرات الجيش العراقي المختلفة والتي يتواجد في بعض منها أمريكان, وهي كما معروف وسائل ضغظ ليست دبلوماسية بل عسكرية وهدفها واضح للضغط على رئيس الحكومة العراقية للتحاور مع الامريكان كي تنسحب من العراق وتهديد ضمني للكاظمي أنه في حالة عودتك الى العراق ولم تنسحب القوات الامريكية ستكون الارض تحت اقدامك جحيم" من مزيدا من الصواريخ الكاتيوشوية الى مزيدا من قتل المتظاهرين السلميين وتحميلك مسؤولية دمهم المراق" وبما أنك مسؤول مخابرات سابق فأنك تتحمل مسؤولية قتلهم لأنك تعرف بكل شاردة وواردة, وبالتالي خلط الأوراق على الكاظمي ووضعه في موقع المجرم القاتل والمبارك لبقاء القوات الأمريكية. تلك هي لعبة سوداء يجيدها من يسعى الى اللااستقرار في العراق, بل ويجيدها من أتى ودعم مجيئ الكاظمي للخلاص من الضغظ الجماهيري للأفلات من العدالة, ثم التنصل عنه ووضعه في موضع الضعيف وغير القادر على الخروج من مأزق البلاد وتحميله كل اخفاقات الحكومات السابقة. 

أن كل هذه التكتيكات من ضرب القوات الأمريكية، واستخدام البرلمان والحلفاء السياسيين لإصدار قرارات، واستهداف المتظاهرين والاختطاف والجريمة المنظمة، وإيجاد جيوش إلكترونية تثير الهلع والرعب وتبث أخبارا كاذبة، كلها الغرض منها خلق حالة من الاضطراب؛ للضغط على صانع القرار السياسي بالعراق والحكومة العراقية بشكل خاص وحرف مسارات حوار بناء يستجيب للمصلحة العراقية في ظروف صعبة وتهديدات خارجية وداخلية ماثلة امام العراق, ولكن هذه المجاميع تستجيب لأمزجة ومصالح آنانية ضيقة وتستجيب لضغوط اقليمية خارج اطار المصلحة الوطنية العراقية. أن الجماعات المسلحة التي تستهدف الأمريكيين تدرك أن الوجود الأمريكي أكبر بكثير من أن تجعل الولايات المتحدة تغير من منظومة تحالفاتها بضربات متفرقة من صواريخ كاتيوشا، لذلك هم يريدون الضغط على الحكومة العراقية الضعيفة أصلا بطبيعة نشأتها وعدم وجود كتلة برلمانية واضحة تدعمها وعلى طريق اسقاطها.

في هذه الملابسات المعقدة وفي هذا التوقيت الصعب يجري خلط الاوراق وزج المحتجين السلميين في آتون الصراع بين الحكومة والميليشيات المسلحة, واستخدام الأخيرة وعلى نطاق واسع تهم التخوين والعمالة للمحتجين وفبركة مختلف الحجج والروايات للتغطية على الاعمال الاجرامية والقتل التي تستهدف ناشطي الاحتجاجات ورموزهم القيادية, وهي لعبة مزدوجة, تستهدف التخلص من القيادات الميدانية للأحتجاجات الى جانب احراج الكاظمي واضعاف قدرته في اتخاذ خطوات جريئة وملموسة لفضح ما يدور حوله من تحالفات سياسية برلمانية غير نزيهة وشل قدرته على اتخاذ اي قرارات تفضح دور الدولة العميقة ودورها التخريبي في استقرار العراق.

أن تهم العمالة للسفارات الاجنبية وخاصة الامريكية منها هي من اسهل التهم لشرعنة قتل المحتجين بشكل يومي واستباحة دمائهم وتيتيم اطفالهم وترمل زوجاتهم والعبث بمستقبل الأسرة العراقية. وتجربة ما بعد 2003 تؤكد لنا من هو العميل, الذي بارك المحتل وصفق له وفرح لقدومه للخلاص من الدكتاتور دون حسبان لعواقب الاحتلال, وكان جزء من التحركات المكوكية للمحتل في صياغة النظام الطائفي والاثني البغيض والذي فرح لقوات الاحتلال الامريكي بما تفعله في العراق من تحطيم لمؤسسات الدولة والمجتمع بواجهة الخلاص من الدكتاتورية, أم أن العميل هو المحتج السلمي والراغب في اصلاح النظام السياسي وانتشاله من مستنقع الطائفية والاثنية المحصصاتية والفساد الاداري والمالي والداعي الى خروج القوات الاجنبية من العراق في أطر مقننة تضمن سلامته.

منذ اسبوع والمليشيات السائبة وحملة السلاح المنفلت يسرحون ويمرحون في البصرة وبغداد والناصرية وغيرها من المدن المحتجة ويستبيحون الدم العراقي في وضح النهار وبكل صلافة وسقوط اخلاقي, انه استمرار لمسلسل القتل والأغتيالات الذي اشتد منذ الأول اكتوبر من العام المنصرم, وقد عجزت الحكومات عن تحديد هوية القاتل وسوقه للعدالة او تغافلت عن تحديد هوية القاتل لأسباب متعددة ومتشعبة ولكنها غير مبررة بكل الأحوال, وأمام هذا العجز الحكومي قد يضع المحتجين امام خيار حمل السلاح للدفاع عن النفس والرد على اطلاق النار بأطلاق نار مقابل ومشروع في اطار الحق العام للدفاع عن النفس بما يكفله الدستور والقانون, وقد بدأت بوادر ذلك لدى احدى الناشطات في البصره في الدفاع عن نفسها ضد محاولة اغتيالها. تلك ليست دعوى لحمل السلاح من قبل المحتجين ولكن سياق الأحداث قد يفرض مختلف الخيارات للدفاع عن النفس في ظل العجز والشلل التام للحكومات المتعاقبة في وضع حد لقتل الأبرياء وبالتالي فلكل فعل تراكمي ردة فعل مساوية له.

أشكالية السياده العراقية تتحملها جميع الأطراف الدولية والأقليمية والداخلية السياسية والطائفية وان انتهاك الدولة وسيادتها يجري يوميا, وبكل الأحوال لا يجوز تبرير قتل العزل وممارسة الأغتيالات ويفترض بدولة مستقرة وقضاء مستقل قوي يبت في كل الأشكاليات بعيدا عن التصفيات الجسدية. وليست من الأنصاف والعدل والاخلاق ان نضع المسؤولية برقبة المواطن كي يدفع حياته ثمنا لمطالبته بحقوقه اما الخوض في التفاصيل وفرز الطالح من الصالح فلا تحله لغة السلاح.

ان الحاجة لتجنب الألم و الخطر حاجة فطرية بيولوجية يشترك بها الإنسان مع بقية الكائنات الحية في سلم التطور البيولوجي ، أذ يخلق الإنسان و هو مزود ببعض الأساليب التي تمكنه من الابتعاد عن ما يؤذيه و يسبب له الضيق ، و قد نشاهد بداية هذا السلوك لدى الإنسان في مرحلة الرضاعة ، و يظهر في صراخ الوليد و بكائه والتي تشكل احتجاجاته البدائية الأولى ، أو عندما نكبل الطفل بوسادة أو يدنا على وجهه فسرعان ما يدفعها بيديه او حركة رأسه لتجنبها أو دفعها بعيداً عنه . و هكذا مع نمو الإنسان و احتكاكه مع الآخرين من أفراد الأسرة و الأصدقاء و المجتمع واندماجه لاحقا بالنظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، يطور الإنسان هذه الحاجة بتعلم الكثير من السلوك الذي يساعده في الدفاع عن نفسه ضد ما يعترضه من مثيرات خطرة و مؤلمة, سواء في بيئته الأصغر أم الأكبر ، و يظهر ذلك في اهتمامه بتحسين ظروف وجوده من خدمات انسانية تليق بأنسانيته.

الأحباط في اشباع الحاجات الاساسية يدفع الفرد الى المزيد من الخيارات جراء الكبت المتواصل وفي ظل غياب سلطة القانون او ضعفها وتدهورها وعدم مقدرتها الاستجابة للمطالبه المشروعه في البقاء الطبيعي, بل وتهديد وجوده بالقتل والتصفيات الجسدية, فمن حق الانسان للدفاع عن نفسه في درء الاخطار التي تهدد وجوده كعضوية بيولوجيةـااجتماعية, وقد كفلت الشرائع السماوية والوضعية حق الدفاع عن النفس ضد المخاطر المجهولة التي تهدد حياته. وقد جاءت المادة (42) من قانون العقوبات العراقي متضمنة الشروط الواجب توافرها لقيام حالة الدفاع الشرعي كسبب من أسباب الإباحة قائلة : (لا جريمة ان وقع الفعل استعمالا لحق الدفاع الشرعي) ويوجد هذا الحق اذا توافرت الشروط الأتية :
1ـ اذا واجه المدافع خطر حال من جريمة على النفس او على المال او اعتقد قيام هذا الخطر وكان اعتقاده مبنيا على أسباب معقولة.
2ـ ان يتعذر عليه الالتجاء الى السلطات العامة لاتقاء هذا الخطر في الوقت المناسب.
3ـ ان لا يكون أمامه وسيلة أخرى لدفع هذا الخطر. ويستوي في قيام هذا الحق ان يكون التهديد في الخطر موجها الى نفس المدافع او ماله او موجها الى نفس الغير او ماله. يتبين من دراسة هذا النص انه يتضمن نوعين من الشروط الأول منهما يتعلق بالخطر المراد رده والدفاع عنه والثاني يتعلق بفعل الدفاع.

أباحة الدم العراقي والذي يهدر أمام قضاء غير مستقل واجهزة امنية غير مهنية نسبيا وعليها ملاحظات كثيرة بفعل تركيبتها التي تعكس طبيعة النظام المحصصاتي الفاسد والتي لا تستطيع حماية المواطن وعدم المقدرة عن الكشف عن الجرائم المرتكبة بحقه, فأنها تضع شعبنا وطلائعه المحتجة امام مسؤولية كبيرة في الدفاع عن النفس ومقارعة المليشيات والعصابات المستهترة بكل الوسائل الممكنة في اطار مشروعية الدفاع عن النفس بما يكفله القانون الدولي والوطني.

لقد اثبتت تجربة اكثر من 17 عاما من الحكم بعد 2003 أن القوى المليشياوية وذات العقائد المتحجرة لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالتداول السلمي للسلطة, بل انها تستخدم الديمقراطية وفسحة الحرية المتاحة للأيغال في القتل والقمع والاختطاف لشعب اعزل, وبالتالي فأن مشروعية الدفاع عن النفس تكتسب شرعية قانونية وانسانية واخلاقية لردع تلك العصابات المتمردة على الدولة وعلى السلم المجتمعي, وبالتالي يصبح أمر ازاحتها من المشهد السياسي واجب وطني واخلاقي. ولعل في المهمات القادمة لحكومة الكاظمي ما يحمل في طياتها من انتخابات مبكرة, وسن قانون انتخابات عادل, وتشكيل مفوضية انتخابات نزيهة عادلة وسن قانون المحكمة الاتحادية واستكمال نصابها, الى جانب ضرورة التنظيم الذاتي للمحتجين والارتقاء بمستوى أدائهم, والمشاركة الفعالة في الانتخابات القادمة المبكرة الى جانب الدعم المعنوي لمصطفى الكاظمي لتشجيعه في تشكيل جرأة استثنائية لخوض المعركة القادمة ضد الفساد والمفسدين ولعل القادم افضل.


 



6
في سيكولوجيا حنين بيروت الى المحتل الفرنسي الذي يشبه حنين بغداد


د.عامر صالح

كانت التفجيرات في مرفأ بيروت ليست حدثا لوجستيا فقط أشاع الخراب فيما حوله وعطل الحياة اليومية بالكامل وأرجعها الى عقود مضت او عودة الى اللاحضرية وتقهقر بيروت الى حياة بدائية سبقت تألقها في محتلف مجالات الحياة الادبية والثقافية والعمرانية والسياسية, بل انه نكوص في الحضارة المادية وما تفرزه من نكوص سيكولوجي يعود بالتفكير الى مراحل سبقت نهضة بيروت الجميلة واستقلالها من الاحتلال الفرنسي, ولكن لا توجد فنتازيا مبتذلة خارج فهم الظروف الموضوعية التي انتجت انساق من التفكير الغرائبي الذي يدفع بأتجاه العودة الى الماضي.

على الرغم من انتهاء الانتداب الفرنسي على لبنان عام 1943 وانسحاب آخر جندي عام 1946 بعد أكثر من 20 عاما من الاحتلال، ترددت أثناء جولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حي الأشرفية اللبناني، أمس الخميس، هتافات باللغة الفرنسية التي يجيدها اللبنانيون جيدا تقول: "تحيا فرنسا"، كما كانت هناك دعوات بعودة الانتداب الفرنسي، تأكيدا على عدم الرضا عن النظام الحالي, وهناك ألحاح شعبي يطلب بعدم تسليم أي مساعدات دولية الى الحكومة اللبنانية مباشرة لأنها" كما يقول البيروتيين " ستسرقها كما هي في سابقاتها من المساعدات, فهل الشعب اللبناني المعروف بحسه المرهف وفطنته كان غبيا في مطالباته !!.

لقد عانى الشعب اللبناني كثيرا، وتغلب على الكثير من المآسي من قبل، ابتداء من المعارك الضارية بالوكالة إلى حرب أهلية كارثية دمرت وسط بيروت. وأظهر الشعب اللبناني قدرة فائقة على التحمل؛ لكن يبدو أن صبره نفد الآن، خاصة بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت يوم الثلاثاء الماضي. اليوم يعيش لبنان حالة اللادولة, بل هو ركام دولة أسست لها المحاصصات الاثنية والطائفية في اطار مشروع ابقاء لبنان ضعيف وأسير للمليشيات الطائفية والكارهة اصلا لبناء دولة المواطنة العابرة للطوائف والاديان, وبالتالي فأن الصراع بين الدولة والفوضى هو صراع لم يستكين, بل ان كفة اللادولة هي الارجح في النموذج اللبناني الذي يسير على سنته النموذج العراقي.

ان الفشل في النهضة الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة وبناء دولة المواطنة هو احد اسباب نكوص المواطن اللبناني بل وحتى العراقي في ترحمهما على الاحتلال والرغبة في عودته, فأنعدام الخدمات الانسانية الاساسية من صحة وتعليم وكهرباء هي مقياس جوهري لجهد الحد الادنى لأي نظام انساني عادل, والعدالة ليست في ابتذال واجترار الشعارات, بل في خطوات ملموسة لتحسين ظروف العيش والارتقاء بها بما يجعله انسانيا غير متؤسف على الاحتلال وعودته, وما يتحقق على الارض اللبنانية والعراقية هو مخزي ومعيب ولن يمت بصلة لنهضة الانسان واشباع حاجاته الاساسية الاولى, فالفساد وسرقة المال العام والرشوة والمحسوبية في كلا  البلدين يستنزف موارد البلدين ويجعلهما في صدارة البلدان الاولى في العالم من حيث الفساد وعدم الاستقرار, فهل تحرير فلسطين يمر عبر بوابة الفساد الاداري والمالي لبيروت وبغداد.

عندما نستنكف من الاحتلال الفرنسي للبنان ونشك بتضامنه, وكذلك في العراق نمتعض ونشك عندما يعلن المحتل الغربي والامريكي وقوفه مع الشعب العراقي " وهو مزاج مشروع في اغلب دوافعه " علينا ان نقدم قوة المثل في بناء دولة المواطنة الجامعة لكل التنوعات الاثنوظائفية بعيدا عن التخندق الميليشياوي, دولة قوية وليست دولة عميقة تنفرد فيها ميليشيات سائبة في ادعاء تحرير فلسطين, ويعرف القاصي والداني أنه اذا اريد تحرير فلسطين فأن اول ما تحتاجه هو دول قوية مساندة ومتماسكة في الداخل, وفيها اشباع الحد المعقول من الامن والحاجات الاساسية الانسانية, من صحة وتعليم وخدمات, وفيها وحدة القرار المصيري وليست كل يقرر مصيره بمفرده, فالدول لا تنتصر على اعدائها إلا بوحدتها وتماسكها الداخلي, وبديمقراتياتها النزيه وليست المزوره, فأرادة الشعوب هي الفصل بين الحق والباطل. 

لقد كان ترحيب اللبنانيون بزيارة ماكرون " المحتل " لا يوصف، حيث وقف في وسط الجماهير في بيروت وتحدث إليهم؛ بل إنه أزاح أحد حراسه جانبا من أجل أن يعانق سيدة لبنانية رغبت في ذلك. لقد اعتبره اللبنانيون "منقذا لهم". لقد بادر بهذه الزيارة غير مبالٍ بالمخاطر، وأقلها إمكانية الإصابة بفيروس "كورونا" وسط جموع اللبنانيين الذين جاء إليهم للإعراب عن تضامنه وتضامن فرنسا معهم. 

لقد كان ماكرون أثناء جولته يرتدي ربطة عنق سوداء، تعبيرا عن الحزن على ضحايا الانفجار المدمر الذي شهده مرفأ بيروت الرئيسي وأسفر عن مقتل من 135 شخصا "حتى لحظة كتابة المقال " على الأقل وإصابة الآلاف، وتشريد حوالى 300 ألف شخص. وتقدر الأضرار بنحو 5 مليارات دولار، وهو مبلغ لا تمتلكه لبنان الآن، حسب بلومبرج. وفي حديثه للصحافيين في نهاية زيارته دعا ماكرون إلى إجراء تحقيق دولي لتحديد أسباب الانفجار، الذي تردد أنه كان نتيجة لوجود شحنة كبيرة من نترات الأمونيوم في أحد مستودعات المرفأ. وقال ماكرون: "نحن في حاجة إلى تحقيق دولي شفاف وصريح، لضمان عدم إخفاء أي شيء أو بقاء أي شكوك", بالتأكيد فهناك من يشكك بنوايا ماكرون ويعتبر سلوكه دعوة لزعزعة لبنان واستقراره" وهو البلد الفاقد للاستقرار اصلا ".

غدا سيأتي مسؤول امريكي او غربي الى العراق على خلفية اي حدث ارهابي او تفجيرات بأسباب مختلفة لا سامح الله " وخاصة للأسلحة والعتاد والمتفجرات السائبة المنتشرة في ارض العراق"  وسنرى كيف يحتضنونه العراقيون ليست محبة به " فالمحتل لا يستساغ مهما كان " ولكن فشل الحكومات العراقية المتعاقبة في تأمين الحد الادنى من العيش الكريم الى جانب اهدار المال العام والفساد الاداري ونخر مؤسسات الدولة العراقية, سيضع العراقيين في موقع المصفق على مضض لمن يأتي لنجدتهم سواء كان امريكي أم غيره, أنها آلية نفسية طبيعية تجسدها العودة الى الاعتزاز والتشبث بمرحلة سابقة برغم سلبياتها واشكالياتها بسبب من تدهور الحاضر وانعدام أفق المستقبل, أنها حالات من من الحنين المشروع وغير المشروع يجسدها عمق ازمة الحاضر غير القابلة للحل في المنظور القريب وما يرافقها من يأس وجزع لدى المواطن العراقي.

تفجيرات بيروت ألقت بظلالها على شكل مخاوف مشروعة لدى الشعب العراقي بسبب من تشابه بنية النظامين السياسيىن القائمين على ضعف الدولة وسيطرة الميليشيات التي تتدخل في اقحام الحكومة العراقية ورسم سياسات غير مستقلة من مختلف القضايا الاقليمية والدولية ودفع العراق الى المزيد من التخندق والارتهان لمختلف المحاور ذات عدم الاستقرار. والحل واحد في بيروت وبغداد والذي يكمن في حصر السلاح بيد الدولة وبسط نفوذ الدولة وان يكون القرار بيد الدولة حصرا. أنها سنة بناء دولة المواطنة الحاضنة للجميع بعيدا عن الاجتهاد المؤذي والمخرب للدولة والمجتمع, وكل الاجتهادات واردة ولكن تحت مظلة الوطن والقرار الوطني.



7
في سيكولوجيا التعذيب في العراق ـ قوات حفظ النظام والفيديو المسرب 

د.عامر صالح
نشر مغردون عراقيون يوم السبت، فيديو يظهر فيه مراهق وقد جرد من ملابسه بالكامل بينما يستجوبه أفراد يرتدون ملابس تبدو عسكرية، موجهين له الإهانات، بينما يقطع أحدهم شعره باستخدام آلة حادة, وكان الفيديو مقرفا ومخدش للحياء بكل ما ورد فيه من تعامل مع الشاب الحدث في عمر 16 سنة, الى جانب استخدام الألفاظ السوقية النابية بحقه, والتي لا تعبر عن اخلاق قوات حفظ النظام كما ينبغي, والذين يجب ان يتحلوا بثقافة حقوق الانسان في التعامل مع حالات الأعتقال  او عموم سلوكياتهم المهنية والتي يجب ان ترتبط اصلا بالحفاظ على ارواح المواطنين والتعامل وفق القانون واللوائح الانسانية التي اقرتها القوانين العراقية ومنظمات حقوق الانسان, ولكن على ما يبدوا ابتلاء هذه الاجهزة الأمنية بالمحاصصة الطائفية والسياسية والاجندة الحزبية في تركيبة تلك الاجهزة لم يترك فسحة انسانية لعمل تلك الاجهزة على اسس من التعامل الانساني النزيه والمهني, مما يضع المواطن ضحية سهلة لأفتراس تلك الاجهزة, التي اصبحت ملاذا لمن لم يحصل على عمل في القطاعات المدنية, كما ان البطالة في القطاعات الأجتماعية الاخرى دفعت الكثير للأنتساب لتلك الاجهزة بعيدا عن النزاهة في المهنية وشروط الاختيار وبعيدا عن دراسة الخلفية الاجتماعية والنزاهة العامة للمتقدم لتلك الاجهزة, مما ترك تلك الاجهزة فريسة لمختلف السلوكيات المنحرفة والسيكوباتية للعديد من منتسبيها.

وقد اكدت وزارة الداخلية، انه تم تدوين أقوال المشتكي المجني عليه الذي طالب بالشكوى وتوجيه الاتهام ضد من قام بهذا الفعل، مؤكدة انه تم التعرف على هوية مرتكبي هذا الفعل الاجرامي، وباشرت فرق العمل بإجراءات القاء القبض عليهم واحتجازهم لاستكمال التحقيق معهم واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإنجاز التحقيق وعرض النتائج أمام القائد العام للقوات المسلحة. واوضحت الوزارة، انه لثبوت وجود تقصير في القيادة والسيطرة من قبل قائد قوات حفظ القانون وجه القائد العام للقوات المسلحة بإحالته إلى الامرة وإعادة النظر بهذا التشكيل الذي من المفترض أنه تم استحداثه لتعزيز سيادة القانون وحفظ الكرامة الإنسانية ومحاربة كل المظاهر غير القانونية، لا أن يكون هو نفسه أداة خرق للقانون والاعتداء على المواطنين بالصورة البشعة.

هذا الحدث والتعامل المشين يعزز المزيد من التساؤلات والاقتراب من الاجابة عليها, وهي من كان يقف وراء قتل وتعذيب المئات من الابرياء المحتجين منذ اندلاع انتفاضة الاول من اكتوبر في العام الماضي والى اخر الشهداء والضحايا الذين وقعوا في نهاية شهر تموز 2020 ومن يقوم بالاختطاف والاعتقال الكيفي والتغييب للمحتجين, وان اقرب الدلائل الأخيرة تشير الى القتل ببنادق الصيد من قبل أفراد محسوبين على القوات المسلحة الحكومية والذين جرى اعتقالهم وهم قيد التحقيق" حسب المصادر الرسمية ". 

وعلى خلفية تلك الاحداث اصدرت المنظمة العليا لحقوق الانسان في العراق بيان يوم السبت في الاول من آب 2020 جاء فيه  أن المفوضية تعرب عن استهجانها لتصرفات القوات الامنية وفي مقدمتها قوات حفظ القانون بالتمادي في أنتهاك حقوق المواطن العراقي وأمعانها في استخدام العنف اللفظي والتعذيب الجسدي المهين الذي يحط من كرامة المتظاهرين السلميين المطالبين بالحقوق.

 وأكدت المفوضية في بيانها ان الكثير من التصرفات المسيئة رصدتها فرقها الرصدية في العديد من ساحات التظاهر وتم ابلاغ الحكومة العراقية واجهزتها التنفيذية وقواتها الامنية بضرورة الزام منتسبيهم بعدم التمادي في انتهاك حقوق المتظاهرين والالتزام بالمعايير الدولية لفض التظاهرات وأحترام كرامتهم وأعتماد آليات الاشتباك الآمن الذي يضمن حياة المتظاهرين والقوات الامنية على حد سواء. فيما أضافت أن تجاهل قيادة التشكيلات الامنية "لتوصياتنا" شجعت منتسبيها على الاساءة للمواطن وانتهاك حقوقه والحط من كرامته وهي بحد ذاتها جريمة يعاقب عليها القانون.


وطالبت المفوضية العليا لحقوق الانسان في العراق رئيس الوزراء و وزير الداخلية بعدم التسويف والمماطلة وتحمل المسؤولية بالكشف عن "منتسبيها المنتهكين لحق التظاهر وكرامة المواطن" وتقديمهم للقضاء لأنتهاكم حقوق الانسان الدستورية، وانتزاع الاعترافات بالاكراه "خلافا للأتفاقية الدولية" لمناهضة التعذيب المصادق عليها من قبل العراق.

يُعرف التعذيب تعريفات مختلفة، ولكن التعريفَ الأكثر استخداماً ما ورد في المادة الأولى من اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب لعام 1984، والتي عرَّفت التعذيب على أنه " أي فعل يُحدَث فيه الألم أو تُسبَّب من خلاله المعاناةُ الشديدة، سواءً الجسدية أو العقلية، قصداً، لشخص ما ". والتعذيب جريمة يعاقب عليها القانون الدولي.

يُعد الألم المزمن من أشيع الآثار التي يعانيها الناجون بسبب مركزية الألم وشدة العديد من ممارسات التعذيب القاسية والمدمرة. ولهذا السبب يمكن أن تستمر الآثار النفسية فترة طويلة، أو أن تتطور بعد مدة معينة من الزمن. ومن المحتمل أن يختبر الناجون من التعذيب ألماً مستمراً ومشكلات نفسية تظهر في سياق صعوبات اجتماعية ومالية. 

وللتعذيب مخاطر بالغةٌ لفهم الأعراض النفسية والجسدية للناجين، فلكل قصة نجاة تفاصيلُها التي تؤثّر في كلِّ حالة خصوصاً. وتتباين هذه المشاعر بين الهزيمة واليأس والكبرياء والبقاء على قيد الحياة والمرونة. تُقسم أنواع التعذيب إلى: الاعتداءات البدنية, والتعذيب النفسي, والحرمان من الظروف الانسانية" مثل الحرمان من الطعام والماء", والتحفيز الحسي المفرط" مثل التعرض المستمر للضوضاء".

آثار التعذيب: الآثار الجسدية الطويلة الأجل: الندبات، والصداع، وآلام العضلات والعظام والقدم، وفقدان السمع، وآلام الأسنان، والمشكلات البصرية، وآلام البطن، واضطرابات القلب والأوعية الدموية، وإصابات الجهاز التنفسي والعصبي. الآثار النفسية الطويلة الأجل: صعوبةُ التركيز، والكوابيس والأرق، وفقدان الذاكرة، والتعب، واضطرابات القلق والاكتئاب وحتى محاولات الانتحار، واضطراب ما بعد الصدمة.

أن بناء الأجهزة الأمنية على اساس القوة وليس على السلطة الشرعية النابعة من المجتمع يعتبر احد مصادر استخدام العنف المفرط واللامسؤول, وعدم الحيادية لهذه الاجهزة يعتبر احد مصادر تهديد السلم الاجتماعي وانتشار الجرائم المنطمة وشيوع المافيات المحمية من قبل اجهزة امنية مخترقة وهي تقترب من اداء الميليشيات وليست الاجهزة الامنية المستقلة, كما ان الطائفية والمحاصصتية في بناء هذه الاجهزة تركها فريسة في عدم اداء مهماتها في حفظ كرامة الفرد والمجتمع, وبالتالي شاعت الانتقائية المريضة والواسطات والمحسوبية والرشاوى في انتقاء الكثير من عناصر تلك الاجهزة, بدلا من ان تكون متاحة للجميع وللعناصر المهنية والوطنية في الانتماء أليها, وبالتالي اصبحت تؤدي وظائف قمعية لا حمائية للمواطن. صحيح ان هذه الاجهزة لها في جذور القمع في العراق تاريخ طويل وليست وليد نظام المحاصصة ما بعد 2003 إلا ان وظاائفها يفترض ان تختلف جذريا عن حقب ماضية وخاصة في المجتمعات التي ترغب في بناء نظام العدالة الاجتماعية والديمقراطية.

وبدل ان تتحول هذه الاجهزة الحساسة الى امكنة مهنية وعادلة وحامية للمواطن, اصبحت هذه الاجهزة امكنة لمن يمارس التعذيب والقتل والاهانة لمن يريد الاحتماء بهم, وبات الكثير من منتسبيها يحمل الصفات السيكولوجية لممارس التعذيب والعنف دون وجه حق, ولعل ابرز تلك الصفات المستواحاة من الادبيات النفسية هي:

1ـ السادية: وهي تعني استمتاع الشخص برؤية الآخرين وهم يتألمون وحصوله على نشوة نفسية من القيام بتعذيب الآخرين، وهذه السادية تعتبر اضطرابا شديدا في الشخصية يجعلها تسعى نحو إذلال الآخرين والتنكيل بهم، والشخصية السادية لا تستطيع العيش إلا بهذا الاسلوب. وهذه الصفة قد تكون في الأمرين بالتعذيب او المنفذين له.

2 ـ  المسايرة: هذه الصفة قد تكون مستغرَبةً ومتناقضةً مع الصفة السابقة، ولكنها ضرورية جدا لمن يقومون بالتعذيب، فهم يستجيبون لأوامر رؤسائهم استجابة تتسم بالاستلاب والخضوع والمسايرة، ولا يناقشون هذه الأوامر ولا يعرضونها على عقل واع أو ضمير حي، فهم في هذه الحالة يطيعون رؤساءهم طاعة عمياء وينفذون أوامرهم في التعذيب دون بصيرة، وغالبا ما يكون هؤلاء المسايرون المنفذون من أصحاب الذكاء المحدود والثقافة الضحلة أو المنعدمة، ومن الذين يسهل إقناعهم واستهواؤهم والإيحاء لهم بأن ما يفعلونه فيه مصلحة للبلد أو للبشرية أو لقضية ما.

3 ـ الشخصية السيكوباتية: وهي شخصية مضادة للمجتمع لا تحترم قوانينه ولا قيمه ولا أعرافه، وهي شخصية عدوانية لا تعرف الإحساس بالذنب أو الندم ولا تتعلم من تجاربها السابقة ولا تعرف الشفقة أو الرحمة أو العدل أو الكرامة، وكل ما يهم هذه الشخصية هو تحقيق أكبر قدر من اللذة حتى لو كانت هذه اللذة مبنية على أكبر قدر من الألم الذي يصيب الآخرين. والسيكوباتي ليس بالضرورة لصا بل أحيانا تجد هذه الصفات في رؤساء أعتى الدول وفي مسئولين كبار، وفي هذه الحالة نجد الصفات السيكوباتية مغلفة بقناع من الدبلوماسية والنعومة ولهذا يطلق على هذا النوع السيكوباتي المهذب, هو أخطر من السيكوباتي العنيف الظاهر العنف لأن الأول يحمل كل صفات السيكوباتية مضافة إليها صفات الخداع والتستر وهذه الشخصية تتسم بالانتهازية والبراجماتية، والقانون والأخلاق لديها كلمات ليس لها معنى أو وجود وهي تستخدمها فقط حين تجد  في مصلحتها ذلك.

4 ـ الشخصية البارانوية: وهي شخصية متعالية متغطرسة ترى في الجميع أعداءً لها، وتتوقع النوايا السيئة والأفعال السيئة من الناس، لذلك فهي تتسم بسوء الظن وتلجأ إلى العدوان الاستباقي أو الوقائي وتبرر هذا العدوان بأنه لحماية نفسها أو غيرها من الإرهاب أو الأذى المتوقع من الغير (الأشرار دائما في نظرها)، وهذه الشخصية تحتقر الآخر وتسحقه إذا استطاعت وبالتالي فلن ترعى له حرمة أو كرامة ولن تأخذها الرحمة أو الشفقة بها لأنها تعتبر الجميع شياطين أو حشرات صغيرة تستحق السحق والتعذيب والإذلال.

5ـ التبرير: وهو أحد الدفاعات النفسية التي يستخدمها المعذِّبون" من غير الانواع السابقة " لكي يقوموا بالتعذيب وهم مرتاحو الضمير، فمثلا يعتبرون التعذيب وسيلة مشروعة لتحقيق الأمن لبقية الناس أو لانتزاع اعترافات مهمة تؤدي إلى تحقيق السلام" في نظر امريهم او قادتهم ", فهم في النهاية يربطون التعذيب بقيمة وطنية أو أمنية تسمح لهم بقبوله والتفنن فيه.

قد يكون الأمر مفهوما أن يقترب الفرد من حالات المرض العقلي او اضطراب شخصي فيرتكب افعالا تضر بالأخرين, وتكون هذه الصفات الخمسة اعلاه او بعض منها قد استحوذت على سلوكه ودفعته لأرتكاب جرائم ألحاق الاذى او تعذيب الآخرين, ولكن الاخطر عندما يكون فعل التعذيب والاهانة والمساس بالكرامة عمل مؤسساتي تقوم به اجهزة محسوبة على كيان الدولة, فأن الامر اشد خطورة وتهديدا للدولة والمجتمع, وهنا تلعب العقائد المتحجرة والطاعة العمياء والتصديق على قرارات غير عادلة ومبهمة دورا خطير وكبيرا في حرف مهنية الاجهزة الامنية وتوظيفها لصالح فئات واحزاب ومصالح مختلفة لا صلة لها بالأمن المجتمعي. أن سيطرة الدولة على كافة الاجهزة الامنية والدفاعية كان ولايزال وسيبقى واجبا لا يمكن المساومة عليه ابدا, وسوق من تسول له نفسه في العبث بالاستقرار الاجتماعي او التجاوز على الابرياء الى العدالة لينال جزائه, اما خلاف ذلك فأن القدر المجهول ينتظر الجميع.

 






8
العراقيون بين الداخل والخارج ـ في سيكولوجيا التعصب الأعمى

د.عامر صالح

لا زلت غير مقتنع في التقسيم المتحجر الذي يقسم الشخصيات العربية او الأسلامية او التقسيم القائم على اساس جغرومناطقي الى شخصيات ذات ثبات شبه مطلق وغير قابل للتغير أو التأثر بالظروف او الفترات والحقب التاريخية التي تنتج شخصيات مختلفة في مراحل سياسية وتاريخية مختلفة, وبالتالي عندما نتحدث عن الشخصية المصرية, او الشخصية العراقية, او اللبنانية او المغربية وغيرها يجب ان يكون الحديث مقترنا بسلامة منهجية تعبر عنها الظروف المحيطة والتغيرات السياسية والاقتصادية والسياسية والاجتماعيىة لكل حقبة زمنية أنتجت شخصيات مختلفة, حتى وأن سميت بأطرها الجغرافية المكوناتية العرقية, وبالتالي يمكن القول أن ما كان عراقيا او مصريا او لبنانيا أن يتبادلا المسميات عندما تتشابه الظروف التي يمرون بها, فما هو عراقي يمكن ان يكون لبناني او مصري او مغربي وبالعكس.

وهنا اتفق نسبيا ان ثبات الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عبر حقب مختلفة ينتج بالضرورة ثباتا نسبيا في الصفات السيكولوجية للشخصية وقد تتأصل الكثير من الصفات السلوكية والشخصية بفعل عوامل التعزيز الدائم والدعم المحيط بما يترك انطباعا اوليا انها صفات وراثية وذات طبيعة تأصلية ويصعب تغيرها او يستحيل حتى اذا تغيرت الظروف التي انتجتها" طبعا هذا غير صحيح " والصح هو ان هناك بطئ شديد او عدم توافق وتطابق دينامي بين التغيرات الحاصلة في البنية الاقتصادية والاجتماعية وبين منظومة القيم والصفات الشخصية حيث الاخيرة تتخلف عنها نسبيا بفعل ارتباطها في البعد الشخصي ومدى تفاعله مع التغيرات الموضوعية الحاصلة على الارض, ولكنه لا يستمر طويلا حتى يلتحق بتلك التغيرات ويكتسب افرازاتها السايكولوجية وحتى بما تفرزه من منظومة اخلاقية.

ما اريد الحديث عنه بتلك المقدمة هو ما افرزته الظروف السياسية في العراق حاليا بعد 2003 وبتأصل جذورها الى مرحلة النظام السابق هو الدعاوى الباطلة والفاقدة للسند العلمي والاخلاقي هو تقسيم العراقيين الى عراقيي الداخل وعراقي الخارج والتفضيل المفتعل لعراقي الداخل على عراقي الخارج, والذي وصل الى مطالبات تفتقد الى الحس الانساني والتي تدعو الى الخلاص او اسكات صوت عراقي الخارج, هذه الدعاوى المبطنة لها جذورها في موقف النظام السابق من المعارضة العراقية ودعواه للخلاص منهم وتصفيتهم وخاصة عندما رفعوا شعار الكفاح المسلح لأسقاط النظام الدكتاتوري, وفشلت اغلب محاولاته لترويض المعارضة العراقية في الخارج وخاصة ذات المزاج والتوجه اليساري, في محاولة منه لأستغلالها في كسب الرأي العام العالمي لدعم النظام وبقائه وفك العزلة الدولية عنه.

وللأسف الشديد ان هذه الدعاوى اليوم امتدت وبأشكال مبطنة الى بعض مجاميع الحراك الجماهيري وبشكل خاص الى جماهير انتفاضة اكتوبر العراقية والتي اندلعت في الاول من اكتوبر للعام الماضي ولا تزال مستمرة, بل وصل الأمر الى ما هو الأسوء ان يتجاوز بعض من " المثقفين او الاساتذة " على عراقي الخارج ويدعوهم الى السكوت عن المطالب العراقية المشروعة في العيش الكريم او تحت دعاوى مبطنه تحت شعار " دعوا شعب الداخل وشأنه " ولا اريد التشكيك بتلك الدعوات إلا من منطلق من استفاد الكثير منهم في اكمال دراساته في ظل النظام السابق والجميع يعرف ضغوطات النظام السابق على ذوي الدراسات العليا وغيرهم, فأن لم يكون مع النظام عليه توقيع تعهد براءة من العمل السياسي المعارض, وفي تلك الاشكالية قد تفسر بعض من عقدة كراهية عراقي الخارج, واليوم في هذا الظرف عندما يحضروا هؤلاء كناشطين مدنيين او دعاة تغير فأن التلوث الأسقاطي اشد حضورا في سلوكياتهم الأضطرابية.

عراقيو الخارج كما يحلو للبعض ان يطلق عليهم هم عراقيون ليس من حق احد ان ينتزع منهم وطنيتهم وولائهم للوطن وليس من حق احد ان يوزع الوطنية كيفما يشاء وينتزعها ممن يشاء. كما لا يمكن أن  يُأخذ ستة  ملايين عراقي في الخارج بجريرة حفنة أساؤوا  التصرف ، فليس من العدل ان يجردوا من وطنيتهم ، ويتم الهجوم عليهم وكأنهم خونة أو متآمرين. ولو قارن المواطن النبيه والفطن: كم من فاسد سياسي قادم من الخارج ساهم في الحكم بمن هم فاسدين من عراقي الداخل, ومن اعلى درجة وظيفية الى ادناها !!!.

ان افتعال الفرقة بين العراقيين و تقسيمهم الى داخل وخارج  وزجهم في معركة خاسرة خطيئة بحق الوطن ، فالعراق عراق الجميع ، وما تحدث به بعض المسؤولين أو سياسين او من  المشعوذين " المثقفين " بأن العراق للعراقيين في الداخل هي كلمة حق يراد بها باطل. ان في عراقيي الخارج كفاءات كبيرة وطاقات مهمة ، يقومون بدور فاعل في بناء البلدان التي يعيشون فيها ولهم سمعة طيبة، فاقصائهم  هو مؤامرة مقصودة ، وانا هنا لا اعني السياسيين بل ، الكفاءات العلمية والاكاديمية والطبية والهندسية والفنية والادبية الأبداعية وفِي بقية المجالات ، ان دول العالم تدفع الأموال الضخمة وتقدم الإغراءات الكبيرة من اجل استقدام العقول والطاقات ونحن في العراق وللاسف نمارس وبجهل طرد العقول البناءة من ابناء الوطن. أن فاسد سياسي قادم من الخارج وينتمي الى حزب لا يؤمن بالديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة لا يمكن تعميمه على عراقي الخارج, ففي ذلك جهل وفتح بوابة جهنم  لتشتيت شمل العراقيين في الداخل والخارج.

يجب على كل شعبنا ومثقفيه وطلائعه السياسية الخيره ان تقف بقوة ضد هذا التصنيف المفتعل: عراقيو الخارج وعراقيو الداخل, وان هذا التقسيم والتجزئة للجسد العراقي الواحد قد يحمل في طياته بوادر سيئة لقتل وتصفيات متبادلة بين مكونات شعبنا وقد تفقده اكثر الناس كفاءة ونزاهة, وفي مجملها تصب في خدمة الأسلامويين غير المؤمنين بالديمقراطية والتعددية, وبقايا ثقافة البعث المنهار وتعيد انتاج العنف المجتمعي بين شرائحه النوعية والأكثر وفاء للوطن.

وبهذا السلوك الاقصائي بين عراقي الداخل والخارج فهو سلوك أناني سلبي قائم على تعميمات وأوهام ومشاعر وانفعالات تجعل المتعصب من عراقي الداخل يتصرف على نحو عاطفي غير منطقي، يتنازعه دافعان متناقضان، الحب الأعمى للذات من جهة، والحقد الأعمى للآخر من جهة ثانية. وكما يمكن الحديث عنه باعتباره سلوكا فرديا، يمكن الحديث عنه باعتباره سلوكا جماعيا، باعتبار الجماعة المتعصبة هي مجموع الأفراد المتعصبين المكونين لها. ولذلك يعد التعصب، بهذا المعنى، مرضا نفسيا واجتماعيا في آن معا. وذلك بالنظر إلى كونه إنتاجا للفرد والجماعة معا، يتأثران به معا. ومن المعاني التي ترتبط بالحقل الدلالي للتعصب التقوقع والتزمت والعمى والعنصرية والتمييز والإقصاء والاستبعاد والتطرف. وهي كلها معاني سلبية. هكذا نجد أن التعصب داء يصيب الأفكار والقناعات والمشاعر فيؤثر سلبيا على معقولية وجودة وحكمة التصرفات التي تصدر عن المتعصب.

في هذا التعقيد من النزوع جراء تعقد الاوضاع الداخلية في العراق, ولكي نكون براء من تلك النزعة اللاانسانية علينا نحن عراقي الداخل ان نكون اكثر وعيا في تشخيص مواطن الضعف واسباب الانهيارات الكبرى في مجتمعنا وان نكون اكثر بعدا عن الانفعالات المدمرة للذات العراقية الواحدة في تجزئتها الى عراقي داخل وخارج, أنها ازمة حضارية ومعبرة عن عزلة شعبنا عن العالم الخارجي لعقود ماضية, تلك ثقافة النظام المقبور والاسلامويين الذين يعزفون على الانفعالات المريضة في محاولة للخلاص من ازماتهم, وبالتالي فأن شعبنا امام مهمة معقدة ومتشابكة وهي الخلاص في ثقافته من التعصب الديني والمذهبي والابتعاد عن الهويات الفرعية الضارة وعدم تجزئة شعبنا الى شعب في الداخل وشعب في الخارج, انها هجمة مفبركة ضد أي تغير مرتقب في الاوضاع الحالية للعراق, بل انها دعوى لأقصاء النخب السياسية النزيهة, بل وللأنفراد بشعبنا مجددا واقحامه في آتون الطائفية والمناطقية والفرعية والمذهبية والشوفينية العرقية.

اعتقد ان تلك التجزئة والفرقة بين عراقيي الداخل والخارج هي ردة فعل حضارية حملها النظام السابق بعزلته العالمية والحضارية عن العالم الخارجي والتي وضع فيها العراقي في موقع القوي المفتعل شكليا ولكنه ضعيفا امام متغيرات الحضارة الانسانية وضعيف الاستيعاب امام ما يجري من منجزات في الفكر والثقافة والعلوم المختلفة, ومن ثم كان مجيئ الاسلامويين اشد وقعا في اعادة انتاج التخلف وفهم ظروف العصر والانفتاح واعادة انتاج خطاب القرون الوسطى الذي لا يصلح للحياة, وعلى شعبنا ان يدرك اللعبة بأمعان وان يستفيد من خبرة اليسار العراقي بكل اطيافه في استعادة اللحمة الوطنية والابتعاد عن خطاب التفرقة والتراجع الى الخلف, فأن العودة الى الصفر يعني ضياع العراق !!.


9
ثورة 14 تموز 1958 وسيكولوجيا الحنين" النوستالجيا "


د.عامر صالح

يحتفل العراقيون كل عام وفي يوم 14 تموز تحديدا بذكرى ثورة تموز التي أسقطت الحكم الملكي في العراق, وتثير ذكرى الثورة جدل واسع, وخاصة على صفحات التواصل الاجتماعي والاعلامي بصورة عامة بما فيها القنوات الفضائية التي تقف بالضد او مع هذا الحدث, انطلاقا من رؤى وتجاذبات ومصالح مختلفة لهذا الحدث في تاريخ العراق, وقد تجاوز الاختلاف حول تقيم الحدث المذكور" والذي تم استذكاره قبل ايام حدود المعقول في احيان كثيرة" سواء من طرف انصار الحكم الملكي أو من انصار ثورة تموز " ووصل في بعض صفحات الأنترنيت حد السب والشتم والغلق المتبادل لصفحات الأصدقاء وانهاء الكثير من العلاقات الاجتماعية عن بعد, مما فوت فرص كثيرة وغنية كان يفترض توظيفها في قراءة الحدث قراءة موضوعية وبعيدة عن التشنجات والرؤى الجامدة لجميع الاطراف, وبما يخدم توظيف الحدث لتشخيص علل الحاضر المستعصية التي يمر بها العراق ويهدد مستقبله. طبعا دون انكار كان هناك العديد من الصفحات الشخصية التنويرية والمواقع الاعلامية المرموقة والتي عكفت على دراسة الحدث دراسة موضوعية وفي اطار زمانية ومكان الحدث وتفاعلاته الوطنية والاقليمية والعالمية. ومما يثير الانتباه والاشمئزاز انظمام بعض الابواق الاعلامية والقنوات الفضائية الى جانب جوقة السب والشتم لأحداث ثورة تموز" واعتبارها يوم اسود في تاريخ العراق" ووقوفهم الى جانب الأشادة بالملكية وهم لم يكونوا يوما من انصار الملكية, بل محسوبين على تيارات الفوضى واللااستقرار والشوفينية في تاريخ العراق عبر عقود. 

اذا كانت الشعوب هي التي تزكي أنظمتها أو تحجب عنها الشرعية فأن ثورة تموز 1958 تمتعت منذ انطلاقتها الأولى وحتى نهايتها على يد النظام الأنقلابي الفاشي في 8 شباط 1963 بزخم جماهيري هائل واستعدادات ذاتية للدفاع عنها, ولم يكن موقف الشعب العراقي أنذاك موقفا انفعاليا عابرا بل استند الى مجمل المعطيات الأقتصادية والاجتماعية والانسانية العامة التي كان برنامح الثورة يتبناها ويسعى الى تحقيقها وكانت بمجملها تستجيب لمطالب الشعب العراقي في تحسين ظروف العيش والحياة العامة والسيطرة على ثروات البلاد, بعد أن أخذ الفقر والبؤس والعوز والفساد وتفشي الاوبئة والامراض مأخذه في حياة الناس في الحقبة الملكية, وبالتالي كانت الثورة استجابة لتفاعلات العوامل الذاتية والموضوعية التي وصلت ذروتها في رحم النظام الملكي, ومن اراد أن يقيم ثورة 14 تموز اليوم عليه ان يقيم الحدث ضمن خصوصية الزمان والمكان الذي وقعت فيه الثورة, واعتقد سيسعفنا منهج البحث التاريخي وادواته في وضع الثورة في سياقها الذي نشأت فيه.

وبالمقابل فأن من يمجد الملكية العراقية اليوم عليه أن لا يتأثر بنموذج مملكة السويد أو الدنمارك أو المملكة المتحدة ويتخذها محكات لأضفاء الهالة على المملكة العراقية. اما اعمال العنف والتصفيات الجسدية المنبوذة والمرفوضة انسانيا سواء لرموز النظام الملكي ولاحقا لرموز اول جمهورية فأنها تعبر جليا عن سلوكيات القطيع الخطيرة في المنعطفات التاريخية, واكثرها خطورة التي يغذيها خطاب الثقافة الشوفينية واالعنصرية الذي يشدد قبضة الكراهية واستباحة الدم والتحريض على القتل.

أن مرور 62 عاما على ذكرى الثورة واستعصاء أزمة الحكم وعدم المقدرة على حل المعضل السياسي وعدم وجود انجازات في الحاضر جعل الناس اكثر نكوصا وتقهقرا وعودة الى الماضي للبحث في ثناياه بما يشبع رغبتنا في الانجاز, ولعل الأفراط في الحنين الى الملكية عند الفريق المناصر واعتبار كل ما حصل فيها هو مثالي ويجب استذكاره ايجابيا وتكراره هو مؤشر لأحباطات الحاضر وعدم القدرة على ألتماس أفق مستقبل أفضل. اما الهجمومات على ثورة تموز فهي اسقاط سيكولوجي بأمتياز في تحميل الآخرين فشل المنظومات السياسية التي أتت ما بعد الثورة الى يومنا هذا, حيث خاتمتها الأحتلال الامريكي عام 2003 واسقاط الدكتاتورية عبر الاحتلال والذي اسقط الدولة ومؤسساتها ولم يسقط النظام ومنظومته الأخلاقية" وقد تم بمباركة من يحن للملكية ويشتم ثورة تموز".

تقييم مصداقية المفاهيم والأحداث تبقى نسبية في اطار البحث عن الحقيقة وتلعب ظروف عصرنا الضاغطه نحو عقلنة الأحداث التاريخيه دورا كبيرا في اعادة تقييم الأحداث.اما ما هو خارج السياق هذا هو اعتبار ثورة" انقلاب" 14 تموز 1958 هو اول محاولة داعشية لقلب نظام الحكم وكأن النظام الملكي لم يشهد انقلابات عسكرية ناهيك عن التعسف في استخدام التوصيف للحدث, هذا النمط من التفكير ذات الأندفاعات المتهوره يحرمنا من الخروج من دائرة التشنجات لفهم الأحداث ووضعها في سياقها الزماني والمكاني الذي نشأت فيه. ادعاء السبق في الوعي وممارسة النقد والنقد الذاتي هو نتاج تحسن ظروفنا الفكرية والحياتية الحاضرة وليست تقدم فطري في بنيتنا الدماغية . 

وما هو ضروري التذكير به هو ان النظام الملكي عانى من احتقانات سياسية وتعثرات جوهرية في السير قدما لأرساء ديمقراطية وتعددية سياسية راسخة بل أنه أسس لديمقراطية ارستقراطية, أتهمت في زمن نوري سعيد بالتزوير والتلاعب والتجاوز على ارادة الشعب, الى جانب القمع المستديم لأحزاب المعارضة والحد من نشاطها ومحاربتها, وقد تشكل على خلفية ذلك اجماعا شعبيا وسياسيا خارج السلطة على خلفية استعصاء ازمة الحكم والسلطة وضرورة رحيلها, الى جانب الازمات الاقتصادية والاجتماعية, من فقر وسوء خدمات وبطالة وفساد اداري ومالي لعقود تركز في رموز السلطة الحاكمة انذاك, وبالتالي فقد النظام قدراته الذاتية على التطور والاصلاح الذاتي.

كانت الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية التي جاء بها حكم عبد الكريم قاسم بعد 14 تموز 1958 مهمة في جوهرها وتستجيب لمصالح السواد الأعظم من الشعب العراقي، لكن الرجل فشل في الإصلاح السياسي، إذ لم يكن مهتماً باستيعاب الأفعال السياسية الحكومية والمعارضة في إطار مؤسساتي وحزبي منظم فضاع سريعاً وعده بالانتخابات واستعادة الحياة البرلمانية في بداية 1960 ليصبح الشارع مكان حسم الخلافات السياسية وتحل تدريجيا فوضى الشارع بدلاً من المؤسسات البرلمانية والحزبية, طبعا جرى ذلك على خلفية محدودية التجربة السياسية لرموز الحكم الجديد وانشغالاتهم بعوامل بقائهم واستحواذهم على السلطة بعيدا عن الاستماع الى صوت الشعب وممثليه في ضروروة الحفاظ على الثورة وتطويرها الى صيغ متقدمة افضل" وهنا ارى التذكير بظروف العصر انذاك والعوامل الدولية وصراع الدول العظمى ومفاهيمها المختلفة بطبيعة الأنظمة السياسية التي تختلف عن اليوم".

اعتقد ان الأجترار في النقاشات حول الحقبة الملكية والجمهورية دون توظيف لها بشكل مثمر لأستنهاض الحاضر المتردي هو جزء من حالات الحنين الى الماضي أو ما يسمى سيكولوجيا وبشكل اوسع هو النوستالجيا, فيتم الأفراط في تجميل الماضي في مواجهة حاضر صعب وقاسٍ، وهذا هو حال الأجيال الأولى من الناس وحتى من السياسيين الذين يستبدلون الحاضر بذاكرة بعيدة لا ترى في الماضي المندثر سوى بديل وهمي لواقع يعجز الفرد عن التعامل معه بإيجابية.

و ان الحنين الى الماضي "  النوستالجيا "  هي الية دفاع يستخدمها العقل لرفع المزاج وتحسين الحالة النفسية، لذا فإنها تكثر في حالات الملل أو الشعور بالوحدة خاصة عن اجيال مختلفة تمر بأوضاع صعبة، أي عند شعور الإنسان بأن حياته فقدت قيمتها وأصبحت تتغير للأسوأ، فيقوم العقل باستدعاء ذكريات الماضي الطيبة بدفئها وعواطفها، فتعطيه تلك الذكريات الدفعة التي يحتاجها للتعامل مع التحديات الحالية, وفي السياسة حيث الأمر اكثر تعقيدا من الحالات الفردية فأن استدعاء حقب تاريخية لأغراض الدراسة والنقد والتحليل يختلف عن استدعائها باعتبارها صح مطلق ولا يمكن المساس به, فأن ذلك لا يسهم باعادة تشكيل حاضر افضل, وهنا تأتي الاستفادة من مراحل تاريخية سابقة باعتبارها دروسا للحاضر والمستقبل.

نحن نحب الحنين للماضي ” النوستالجيا “، ولكنها ليست جيدة كما نظن، وليست سيئة أيضاً, من الأسلم أن نقول إننا جميعاً أو أن معظمنا يتمنى العودة إلى الماضي، وأننا جميعاً مررنا ونمر دائماً بذاك الشعور الذي يشبه مشاعر الحزن والسعادة، كلما زاد رضانا عن واقعنا يقل ذلك الشعور ولكنه لا يختفي, فالنوستالجيا جهاز آخر في أجسامنا يمدنا بالسعادة ولحظات الراحة، ومهما أخذنا منه لا نكتفي، شعورٌ يجمعنا ويربطنا بأشخاصٍ معينين وأماكن دافئة وروائح مألوفة، ” النوستالجيا ” تعطينا دفعة نحو المستقبل وتحسن من حالتنا النفسية وتزيد رغبتنا في التواصل الاجتماعي خصوصاً مع الأشخاص الذين يرتبط الماضي بهم كالأهل وأصدقاء الطفولة، الحنين يجعلنا أكثر أمناً وأكثر دفئاً، فهي إذاً حالة نافعة وليست سيئة أبدا.

في الواقع إن الخطر الوحيد وراء ” النوستالجيا ” او الحنين للماضي يكمن عندما نقف عندها، أو عندما نفهمها بشكل غير صحيح، فنظل نرتدي تلك النظارات الوردية عن الماضي بدلاً من أخذ نظرة جادة عن الحاضر، ونغرق أنفسنا في الماضي ونعيش فيه كوسيلة لتجنب الحاضر، ونرفض الانتقال إلى المستقبل أو إلى كل ما هو جديد لأن الماضي هو الأفضل دائماً وأبدا. فالأزياء القديمة رائعة، والمطاعم القديمة مثالية، والأفلام القديمة هي الأفضل, ونظل نحيي صيحات القديم لمجرد إحيائها وندور في دائرةٍ مفرغة لا نجني منها سوى أننا نفقد التعامل مع الحاضر ونهدم المستقبل.

ومن المخاطر السياسية التي تهدد الحاضر والمستقبل في العراق بعد 2003 أن الكثير من القوى السياسية الحاكمة تلجأ في محاولاتها وسياساتها العامة الى استحضار اشكال من الماضي السياسي والسياسي الديني لفرض اجندة على الحاضر والمستقبل لا صلة لها بالديمقراطية والتعددية السياسية, وهذا جزء من نوستالجيا مرضية. وبقدر ما فشل النظام الملكي في اصلاح نفسه من الداخل, وعدم تمكن ثورة تموز من الانتقال الى اشكال اكثر نضجا في الادارة والحكم السياسي نجد صورة تلك الاخفاقات في عدم تطور ونضج ديمقراطية العراق بعد 2003 ومراوحتها في المكان بل واحتمالات فشلها المطلق. وتبقى الدروس المستخلصة من حقبتي الملكية والجمهورية مادة تاريخية غنية لمن يريد رسم ملامح استقرار افضل لعراق آمن.





10
جريمة أغتيال الدكتور هشام الهاشمي ضحية صراع الدولة واللادولة

د.عامر صالح

في ظل احتدام الصراع المتزايد والعنيف من اجل مشروع دولة المواطنة يقدم العراقيون المزيد من الشهداء والضحايا النوعية من الاوساط الفكرية والسياسية والثقافية والتي ناضلت من اجل اعادة بناء الدولة العراقية, دولة المواطنة التي افرغ محتواها جراء عقود من القمع والدكتاتورية وتلتها سنوات ما بعد 2003 حيث انهارت مؤسسات الدولة العراقية وتصدع المنظومة القيمية والاخلاقية والسياسية, واصبح القول الفصل للدولة العميقة, دولة الميليشيات المسلحة والمجاميع الأجرامية والقتلة المأجورين من حملة العقائد المتحجرة والسلوكيات المنحرفة, والتي لا ترى في الأختلاف في الرأي والجمال وتنوع الافكار إلا عدوها اللدود والذي يجب تصفيته رموزه بشرعها الخاص المعادي للحياة والوجود الانساني القائم على ستة الاختلاف والتنوع.

ولكي يبقى العراق أسيرثقافة القبح والتفرد في الرأي وثقافة الكراهية التي طالما نخرت بالجسد العراقي وأقحمته في متاهات فقدان الأمل والمستقبل وغياب دولة القانون, حيث يكون فيها المواطن العراقي عموما والمثقف بشكل خاص هدفا سهلا ومستساغا للتصفية الجسدية والقمع الفكري, وأحلال ثقافة اليأس المتراكم واعادة انتاج ثقافة البقاء لحملة السلاح المنفلت والميليشيات المشرعنة وغير المشرعنة وحملة كواتم القتل, وتحويل الدولة الى حاضنة للموت والفناء اليومي, بعيدا عن مهمتها الأصل في حماية المواطن وأمنه وسلامته ودعم التكافل الاجتماعي وتعزيز السلم المجتمعي. 

لقد أقدم خفافيش الظلام المسلحة بأغتيال الدكتور هشام الهاشمي, المحلل السياسي والخبير الأمني, مساء يوم الأثنين الماضي قرب منزله ولاذوا بالفرار, ويعتبر مراقبون عراقيون، أن اغتيال الهاشمي وفق ما أظهرته كاميرات المراقبة، يكشف مدى ترهل أجهزة الدولة الأمنية، في ظل سهولة تحرك منفذي الجريمة في شوارع بغداد، خاصة وأن التوقيت كان متزامنا، مع بدء ساعات حظر التجول، المفروض للحيلولة دون تفشي وباء كورونا، ويضع هؤلاء علامات استفهام كبيرة، أمام كيفية تحرك منفذي الجريمة بهذه السهولة، ثم تمكنهم من الانسحاب والعودة من حيث أتوا بنفس السهولة، بعد تنفيذ جريمتهم النكراء.

والشهيد الدكتور الهاشمي ولد في بغداد عام 1973, هو مؤرخ وباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية والجماعات المتطرفة، ومختص بملف تنظيم داعش وأنصارها. متابع للجماعات الإسلامية العراقية منذ عام 1997، عَمِل في تحقيق المخطوطات التراثية الفقهية والحديثية، مع أن تحصيله الأكاديمي بكالوريوس إدارة واقتصاد - قسم الإحصاء. وتم اعتقاله وحكم عليه بالسجن من قبل نظام صدام حسين، وقد خرج من السجن عام 2002، وبعد عام 2003 انصرف إلى العمل في الصحافة، وبدأ يشارك في كتابة التقارير والوثائقيات مع الصحف والقنوات الأجنبية، وبدأ يكتب مدونة عن خريطة الجماعات المسلحة في العراق، ولم يكن يوماً عضواً في الجماعات المتطرفة، لا سيما أنصار الإسلام وتنظيم القاعدة وفروعها وداعش . الجماعات المتطرفة تحكم على الهاشمي بأحكام مختلفة، منها الردة والعمالة بسبب مواقفه المناهضة لهم, يعد الهاشمي أول من أماط اللثام عن قيادات تنظيم الدولة - داعش في كُلٍ من العراق و سوريا، حيث افصح عن أسماء ومعلومات تخص قيادات التنظيم وآلية عملهم. وقد ساهم من خلال قدراته الفكرية والتحليلية في تقديم خدمات مهمة للحكومات العراقية أسهما في تفكيك تنظيم داعش من الداخل, ويعتبر الشهيد من صناع القرار والرأي العام في قضايا مختلفة. 

ولدى الدكتور عدد من المؤلفات هي: عالم داعش, ونبذة عن تاريخ القاعدة في العراق, وكتاب تنظيم داعش من الداخل, ولديه اكثر من 500 مقال وبحث منشور في الصحف والمجلات العراقية والاجنبية عن الجماعات المتطرفة. وقد عمل في عدة مراكز ابحاث, أبرزها: 
مدير برنامج الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب في مركز آكد للدراسات والابحاث الاستراتيجية, ومستشار أمني لمرصد الحريات الصحفية العراقي, ومستشار أمني لنقابة الصحفيين العراقيين, وعضو فريق مستشارين لجنة تنفيذ ومتابعة المصالحة الوطنية في مكتب رئيس الوزراء, وعضو اللجنة العلمية لمؤتمر بغداد لمكافحة الأرهاب, ومحاضر لمادة مكافحة الأرهاب في الأكاديميات الأمنية, وباحث زائر في مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية وعضو ملتقى النبأ للحوار وغيرها.

ونددت كل من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا ودول اخرى باغتيال هشام الهاشمي، ودعت ممثلة بعثة الأمم المتحدة في العراق هينس بلاسخارت في تغريدة الحكومةَ العراقية لتحديد الجناة بسرعة وتقديمهم للعدالة واعتبرت اغتياله عمل خسيس. والهاشمي هو أحد أبرز المحللين السياسيين والأمنيين العراقيين، ولديه العديد من المقالات في مراكز أبحاث عراقية، وهو أحد أبرز الشخصيات العراقية حضورا في منصات التواصل الأجتماعي، ولديه العديد من المتابعين، ويعد من المؤثرين في مسار الرأي العام العراقي.

وقد غرد الدكتور الشهيد هشام العديد من التغريدات لعدة ايام وحتى يوم استشهاده, وبالتأكيد سيغضب وينتقم من شملته التغريدات ضمنا ولم يحترم حرية أبداء الرأي, وابرز هذه التغريدات هي:

الحراك التشريني, بما فيه النخب المعارضة, التي ترفع شعار السلمية, عليها تنظيم نفسها سياسيا للتنافس انتخابيا عبر وسائل الديمقراطية, ومن يرى تأييد الحراك بدون تنظيمه فهو يسعى الى حراك فوضى ووهم, بدون حراك منظم سياسي وقوي ستأكل النخب السياسية الفاسدة الحراك أصلا وفصلا.

"أكثرُ الشباب الذين يطبلون للسياسيين الفاسدين هم باحثون عن فتات وبقايا طعام من موائدهم وأموالهم التي سرقها الفاسدون، لا يعرفون شيئا لحظة التطبيل لسلطة الفاسد، فلا ناقة لهم فيها ولا جمل. وإنّما أنفُسَهم يظلِمون".

‫"مشكلة القوى السياسية التي خسرت مكاسبها باستقالة عادل عبد المهدي، أن معظم الخاسرين من الأحزاب السياسية، فقدوا قدرتهم على التفكير المتوازن. ‬وأصبح الانتقام والعبثية والوهم، رأس الحربة لمهاجمة الكاظمي الذي ساهموا بمنحهِ الثقة والمشروعية من خلال تفاهمات سباعية البيت السياسي الشيعي".

"السياسي الفاسد حينما يقارن مع صديقه الشيطان، قد لا يبدو صديقه على ما هو عليه، ربما نقارن بين سياسي فاسد ومخلوق ورع. سياسي برلماني ينتمي لحزب عنده هيئة اقتصادية مستحوذة على منفذ حدودي وميناء بحري، يزعم أن بيته في البصرة بدون خط كهرباء المولدة الأهلية، ورع كاذب وكذب مكشوف".

"إن قدرة الدولة على فرض سيادتها الداخلية ترتبط بصورة رئيسية بالحد التدريجي من تأثير الفصائل والاحزاب الهجينة، من دون الدخول بصدامات عنيفة ومعارك تكسير عظام لإنهاء وجودهم، ولكن الخطوة التدريجية تكمن في احتواء كيانهم لإصلاحه، وتفكيك نواتهم الصلبة بفتح حوار قانوني وطني، ومن ثم معالجة المتمرد بفرض القانون ولو بالعنف".

تأكدت الانقسامات العراقية ب: 1 ـ عرف المحاصصة الذي جاء به الاحتلال" شيعة, سنة, كرد, تركمان, اقليات " الذي جوهر العراق في مكونات. 2 ـ الاحزاب المسيطرة" الشيعية, السنية, الكردية, التركمانية .." التي ارادت تأكيد مكاسبها عبر الانقسام. 3 ـ الاحزاب الدينية التي استبدلت التنافس الحزبي بالطائفي.

وكذلك ظهوره قبل استشهاده بيوم في احدى الفضائيات متحدثا عن المليشيات المنفلتة وعدمية جدوى صواريخ كاتيوشا التي يقذف بها بين الحين والآخر على مختلف المناطق ولا تصيب الاهداف المعنية بل تلحق الضرر بالمنازل السكنية والاطفال"حسب قوله". الى جانب علاقاته المقربة والاستشارية من رئيس الوزراء الحالي قد اثار ضغن وكراهية من لا يرغب الاستماع لرأي الآخر.


لقد كان اغتيال الخبير الامني والمحلل الاستراتيجي والباحث الدكتور هشام الهاشمي" حسب حديث لأحد السياسين" " ليس فقط جريمة بشعة لشخصية تميزت بمعارفها الواسعة والعميقة بشؤون الجماعات المسلحة المتطرفة والارهابية، ورؤيته الرصينة والمتوازنة للاوضاع السياسية وانحيازه الفكري لخيارات الاعتدال وارساء اسس الدولة مدنية القائمة على المواطنة ولجرأته في التعبير عن افكاره وتشخيص المخاطر التي تتهدد امن البلاد واستقراره ومصادرها، وانما هو حدث صادم يحمل رسائل سياسية تحمل تحذيرا جديا لاكثر من جهة وتمثل تحديا للحكومة ورئيسها ولمنهجه".


وما يؤذي الذات الانسانية ان يكون لدى بعض اوساط "مثقفة" أن  ادانة الجريمة عمل خجول وحذر, ومغلفا برؤى مريضة محتواها" ان الضحية هو نتاج للأوضاع العامة وبالتالي متوقعة هذه العمليات وستزداد, وعلينا معالجة القضية في اطار الصراع الاقليمي والدولي, بل اعتبرها البعض جريمة ارتكبتها اسرائيل وامريكا لتأجيج الصراع الطائفي مجددا", انها محاولات بائسة للتخفيف من هول الجريمة المرتكبة بحق الخبير الامني والسياسي, بل واعطاء الضوء الاخضر للقتلة بارتكاب مزيدا من الجرائم. لقد اهتز الرأي العام العالمي الرسمي والشعبي لأغتياله, ولم يهتز بعض من الضمائر" المثقفة ".


لقد كان اغتياله نكسة لحرية التعبير, بل ان الهاشمي كان احد رموزها, وقد عانى العراق ومنذ 2003 بفقدان الكثير من الاعلاميين والصحفيين وقد بلغ عددهم اكثر من 240 ضحية في مختلف التخصصات الاعلامية والصحفية والثقافية, حتى صنفت المنظمات الدولية العراق ضمن الدول الخطرة على ارواح الصحفيين والاعلاميين وغيرهم, الى جانب ما استثهد مؤخرا وفقط في احتجاجات اكتوبر الماضي والتي بلغ عددهم اكثر من 700 شهيد وآلاف الجرحى والمعوقين والمغيبين واالمعتقلين, وفي صفوفهم الكثير من يعمل في الصحافة والاعلام.

وكانت أصوات الشعب قد تعالت، مطالبة بكبح جماح الجماعات المسلحة في الشارع العراقي، وضبطها في إطار سلطة الدولة، وقد طالب نشطاء عراقيون إبان انتفاضة تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بالكشف عن مرتكبي عمليات اغتيال واختطاف الناشطين، التي زادت بصورة كبيرة في ذلك الوقت، وكانت تتم بنفس الطريقة في العاصمة بغداد، وعدة مدن ومحافظات أخرى، منها كربلاء والنجف والناصرية. 

تبقى الدروس المستخلصة من استشهاد الهاشمي كما غيره تثير تساؤلات مشروعة لدى الناس والرأي العام, ولعل ابرزها: هل ينجح الكاظمي في منع عودة عمليات الاغتيال للشارع العراقي كما تعهد, واين دور الحكومة الحالية وجهودها في الكشف عن قتلة محتجي اكتوبر وهل سيتم الكشف عنهم فعلا أم اللعب في الوقت الضائع, وهل تمتلك الحكومة اجهزة امنية واستخبارتية حيادية تعمل بدون مساومات وضغوط, هل ستنحدر نحو الأسوء حرية التعبير على خلفية اغتيال الهاشمي ويعود الخوف انتاج نفسه اضعافا بسبب عدم العثور على الجناة المجرمين, وهل هناك سقف زمني لفك الارتباط بالدولة العميقة وجماعاتها المسلحة. انها مهمة ليست سهلة في وجه مصطفى الكاظمي اذا اراد يبدء فعلا بخطوة الآلف ميل ولكن هناك شعب سيقف معه وعلى افتراض صدق نوياه. المجد والخلود لروح الشهيد هشام الهاشمي شهيد الكلمة الحرة والخزي والعار للقتلة الجبناء.
















..


11
فرض هيبة الدولة وسلطة القانون وسيكولوجيا النفاق السياسي

د.عامر صالح

من المفارقات الحادة في المشهد السياسي في العراق ما بعد 2003 هو النفاق السياسي وغياب المشروع الوطني لبناء الدولة العراقية لدى معظم القوى السياسية, فقد تراوحت مواقف القوى السياسية بين مرحب ومبارك ومصاحب للأحتلال الامريكي, وبين رافض له  بخجل وحياء مبتذل, وقد تهافتت اغلب القوى السياسية والاسلاموية السياسية والأثنية على تقاسم كعكة العراق ووضعه على طريق الضعف والتفكك المتواصل والانهيار لمؤسسات الدولة ثم اغراقه في الفساد الاداري والمالي الذي أفلس الدولة العراقية اليوم مما سيدفعها للأقتراض الخارجي والداخلي. ثم لاحقا ممارسة النفاق بمطالبة القوات الامريكية والاجنبية بالخروج من العراق دون قيد او شرط ودون ادنى مسؤولية تقع على عاتق المحتل الذي ساهم الى جانب القوى السياسة بألحاق الأذى والخراب في حاضر العراق ومستقبله, وهذه المطالبات والتي هي مشروعة لمن يدعي بها من القوى الوطنية المخلصة, وليست من يطالب بها تحت ضغوطات واجندة اقليمية واستجابة لمزاج متهور وانفعالات الساعة والتي قد تؤدي بالعراق الى ما لا يحمد عقباه في ظل ضعفه الحالي والتهديدات الاقليمية والارهاب العالمي المتمثل بداعش واخواتها.

ولعل ابرز ملامح الشخصية المنافقة هو: القدرة على المراوغة والتحايل والتقلب في المواقف, التشبث في الخطاب الديني أو السياسي أو الاجتماعي لإسناد تصرفاته المختلفة, الكذب المتواصل في الحديث وفي العلاقات الاجتماعية, خيانة الأمانة, الإخلاف في المواعيد, التحكم في الانفعالات وإظهار نقيضها بما يبعد عنه تهمة النفاق, يحاول المنافق الاهتمام بالمظهر الخارجي كجزء من سيكولوجيا الظهور لاختراق الوسط الاجتماعي الذي يتواجد فيه مقرونا بحلاوة اللسان وإجادة لغة الجسد كتعبيرات الوجه وحركات اليدين وغيرها من الصفات والصفات المضادة ذات الطابع التمويهي . وهناك الكثير من الإدانة للمنافق في الموروث الثقافي الشعبي وتأكيد خطورته, فعلى مستوى الإدانة, عندما تسأل شخصا, ما هو الفرق بين الكلب والمنافق فأن الجواب يكون : أن ذيل الكلب في أعلى " مؤخرته ", وذيل المنافق في أعلى مقدمته "لسانه ", أما على مستوى خطورة المنافق فيقال : أن أفعى لسعت " منافقا " فتسممت...وماتت.

وهذا النوع من النفاق هو نفاق "المؤمن الفاسد", ولا نعني به حصرا فقط على المؤمن الذي يعتنق إحدى الديانات السماوية أو غير السماوية ويبتعد عنها في الممارسة العملية, بل تشمل أيضا كل ما يعتنقه الفرد من أفكار ومعتقدات وإيديولوجيات سياسية ذات طبيعة أخلاقية واجتماعية واقتصادية ايجابية إلى حد ما استنادا إلى معاييرها المعلنة في الخطاب النظري, ولكنه في الممارسة العملية والحياتية يتصرف ويصوغ سلوكياته الفردية وحتى السياسية بالضد من هذا الخطاب, فيتحول هذا الفرد إلى " مؤمن فاسد " يعث في الأرض فسادا وظلما وجورا, متسلحا بتفسيرات ذاتية ومصلحيه للخطاب المعلن لإشباع رغباته الشخصية بما فيها القتل وفساد الأخلاق وحرمان الآخرين من حقوقهم, مستندا إلى سلطة ما " دينية, أو سياسية, أو اجتماعية أو مالية وغيرها " كغطاء تسمح له بذلك, ولذلك فأن المؤمن الفاسد ليست فقط من خرج عن دينه, وان كان الخروج عن الدين هو الفساد الأعظم كما هو شائع شعبيا, وبهذا قد يكون المؤمن الفاسد هو من المتدينين بلباس الدين وطوائفه, أو من دعاة القومية أو الوطنية وغيرها من الانتماءات.

وينخرط " المؤمن الفاسد " في منظومة الفساد المجتمعية: الاقتصادية, والإدارية والمالية, والاجتماعية, والأخلاقية, والثقافية وحتى الدينية وغيرها من منظومات الفساد المختلفة, عبر مختلف أعراض ومظاهر الفساد وأساليبه وألوانه المختلفة, من محسوبية ومنسوبيه, وبيروقراطية إدارية, واستغلال المنصب العام, والغش والتزوير, والنصب والتحايل وسرقة المال العام, والفساد الأخلاقي والقيمي وتغير معالم الثقافة الوطنية ورموزها والتجاوز على الرموز الدينية والإخلال بسمعتها.

أما دولة "المؤمن الفاسد" إن كانت بلباس ديني أو قومي أو "وطني" عام, فهي دولة المعتقلات والسجون والاستبداد ومصادرة الحريات الشخصية والعامة على طريق استعباد مواطنيها وتحطيم نفسيا تهم وإذلالهم, وتجري هذه الممارسات بواجهات مختلفة ومبررات وهمية, منها على سبيل المثال, إن هناك خطر خارجي قادم يهدد الأمن القومي والوطني مما يستدعي "تعبئة الجهود ومصادرة الحريات" لأنها عائق أمام ذلك, أو أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحفاظ على اتجاهاتها لا يحتمل تعدد الآراء والتنوع السياسي وبالتالي فأن القمع والحد من المعارضة السياسية هو من مؤشرات نجاح التنمية وملازم لها وضمانتها الأكيدة.

ودولة المؤمن الفاسد في العراق ليست لها " مناطق عفة محصنة " فهي تضرب كل القطاعات دون رحمة, وهي أشبه بفيروس في جسد بلا مناعة, وهذا الفيروس يتسلل إلى نواة الخلية ( نظام الحكم ومؤسساته وقطاعاته بدون استثناء) فيصيغ برامجها طبقا لاحتياجاته ثم يتسلل إلى المجتمع فينشر المرض وتتغير البرامج كلها طبقا للبرنامج الفيروسي. أن فيروس دولة " المؤمن الفاسد " يفسد عملية التقدم والتطور الاجتماعي المخطط , حيث يفتت المؤسسات اللازمة لذلك ويحولها إلى مؤسسات فئوية ترعى فئة معينة من المجتمع كما هو الحال في نظام المحاصصات الطائفية والعرقية ويعيق تشكيل مؤسسات بحثية وعلمية مستقلة خاصة بذلك؛ كما أن هذا الفيروس يعطل العملية السياسية ويعيق جهود التنمية والأعمار من خلال تعطيله لدور المعارضة الحقيقية باعتبارها تلعب دور الرقيب على الحكومة في الدول الديمقراطية المستقرة, إلا إن هذا الفيروس الذي يتكئ على خلفية نظام المحاصصة الطائفية أو التوافقية يلغي دور المعارضة الحقيقية, لأن هذه " المعارضة " لها يدا في الحكومة تحجم عن دورها الرقابي, وبالتالي يكون الصراع من اجل إفشال الحكومة وليست تقويم عملها, ويسعى الطرف الحاكم أيضا إلى التمادي وتعطيل العملية السياسية وعدم السماح للتداول السلس والسلمي للسلطة, ويدعي كل طرف هو الأفضل على خلفية التعصب والتعنت الديني والطائفي والعرقي.

أن دولة " المؤمن الفاسد " تشكل بيئة مواتية لفيروس الفساد بألوانه المختلفة وللمحسوبية والمنسوبية والولاء الحزبي الضيق, ففي دولة المحاصصة الطائفية والتوافقية كالعراق حيث يقف عالميا في قائمة الدول التي تعاني من الفساد الإداري والمالي, فأن هذا النظام هو أفضل وسيلة لترعرع ونمو الفساد, وان كان في ظاهره يبدو وكأنه ينصر أبناء طائفته ولكنه في الواقع يبقي أبناء الطائفة في فقر مدقع وتبقي الامتيازات حكرا على زعماء الطائفة وأبنائهم أو رؤساء أحزابها.


أن نظام المحاصصة الطائفية والتوافقية باعتباره نموذجا لدولة " المؤمن الفاسد " يشكل عوامل طرد لاستبعاد الكفاءات العلمية والوطنية, حيث يستند في شكلياته إلى الطائفة كمعيار للانتقاء والولاء وليست معايير النزاهة والكفاءة العلمية بعيدا عن الانتماءات الضيقة, وبهذا يحرم المجتمع من الانتفاع بمواهب أفراده المختلفة والتي لا صلة لها بالانتماء الطائفي.كما يخل نظام المحاصصة بالسلم الأهلي والاجتماعي, ويخل بمبدأ المساواة بين المواطنين في الوظائف العامة ويضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة من خلال تخندقه الطائفي في أطره الجغرافية, كما يضعف سياسة الدولة ووحدتها في الخارج كما يتعارض هذا النظام مع حقوق الإنسان وصيانتها والمنصوص عليها في المواثيق الدولية.
 
يعيش العراق حالة من الترقب بعد أن أعتقل جهاز مكافحة الإرهاب العراقي عناصر تابعة لمليشيات في العاصمة بغداد، فيما صار يعرف بـ"حادثة الدورة" نسبة إلى المنطقة التي جرى فيها الاعتقال. وكانت قيادة العمليات المشتركة أعلنت في بيان الجمعة الماضي أن جهاز مكافحة الإرهاب ألقى القبض على "14 متهما" باستهداف مواقع عسكرية ومدنية بالصواريخ. ومباشرة بعد تسريب خبر عملية الاعتقال، انتشر المئات من عناصر ميليشيا كتائب حزب الله في شوارع بغداد وجابوا بأسلحتهم الخفيفة والمتوسطة الأحياء القريبة من المنطقة الخضراء وفقا لوسائل الأعلام المختلفة. وانتشرت مقاطع فيديو تظهر عناصر حزب الله بعجلات مختلفة يتجولون في العاصمة ويرددون هتافات منددة برئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ومتوعدة بالانتقام منه. كما تمكن بعض عناصر هذه المجموعة من الدخول للمنطقة الخضراء "بعجلات حكومية وبدون موافقات رسمية متجهة نحو مقرات حكومية من داخل المنطقة الخضراء وخارجها وتقربت من أحد مقار جهاز مكافحة الارهاب داخل المنطقة الخضراء" في بغداد، كما أفاد البيان العسكري العراقي.

وقد سبقت هذه الاحداث خطاب للسيد مصطفى الكاظمي متوعدا  بحصر السلاح بيد الدولة وعدم السماح للمليشيات المنفلتة لفرض اجندتها على الشارع والسياسة العراقية, وعدم السماح بالمساس بهيبة الدولة وأمنها, الى جانب تطوير القطاع الأمني واصلاحه, ومكافحة الفساد, والتصدي للأزمة الصحية المتمثلة  في جائحة كورونا( كوفيد ـ 19), العمل على اجراء انتخابات برلمانية مبكرة, صون السيادة العراقية, الارتقاء بالمسائلة والعدالة, واطلاق حوار وطني, تعزيز عودة النازحين الى مناطقهم الأصلية وتعزيز الاقتصاد.

لقد كان الهجوم على هذه المجموعة المسلحة بموجب مذكرة قضائية وفقا لقانون الارهاب هو عملية جس نبض قام بها الكاظمي لأستتقراء ردود الافعال لدى القوى السياسية ومدى صدق مواقفها في مطالبتها بتكريس دولة القانون والقضاء والحد من الاستهتار المسلح, وهذه هي بمثابة عينة سلوكية مصغرة اقدمت الحكومة العراقية على فحصها كي ترى ماذا يحصل لو اقدم الكاظمي على ملفات اكبر واعظم من الهجوم على مخابئ صاروخية.

وكانت ردود الافعال مختلفة, ففي الوقت الذي فرح فيه الشارع العراقي وقطاعات واسعة من الشعب العراقي معلنين تأييدهم لخطوة رئيس الوزراء في البدء بخطوات جدية لأن الشعب أذاق الأمريين من السلاح المنفلت وقد دفع ضحيته اكثر من 700 متظاهر في احتجاجات اكتوبر وآلاف الجرحى والمعوقين, جاءت ردود افعال اغلب السياسيين والكتل السياسية البرلمانية والاحزاب انطلاقا من طيبعتها الازدواجية المنافقة بعدم قناعتها بالعملية العسكرية التي قام بها جهاز مكافحة الارهاب, بل شككوا بالتوقيت وربطوها اشتراطا بملفات اخرى.

فالأحزاب غير المسلحة صمتت خوفا من دولة المليشيات العميقة, والاحزاب الاخرى المسلحة وذات المليشيات اعلنت رفضها العملية وتوعدت بمصطفى الكاظمي سوء, كما ان الكتل الأسلاموية الكبيرة والتي تدعو شكليا الى هيبة الدولة ونزع سلاح المجاميع السائبة سكتت دون تأييد للعملية العسكرية ولأنها متحابة في الخفاء مع المليشيات وحاضنة لها, والبعض الآخر لجأ الى تسفيه العمليه واعتبارها صراع تصفية حساب بين جهاز مكافحة الارهاب والحشد, ويتخوف البعض من تصاعد شعبية مصطفى الكاظمي على خلفية الخطوات التي يقوم بها وبالتالي فأن تعزيز هيبة الدولة يشكل تهديدا للقوى التي لايمكنها العيش في ظل نظام وسلطة القانون, وقد اعتقد البعض ان خطوة الكاظمي هذه هي استعراضية ومادة للأستهلاك الأعلامي, فأذا ما اراد الكاظمي الأقدام على معالجة كافة الملفات فعليه اولا الأخذ بأجماع برلماني يشكل الأسلام السياسي الشيعي اساسه, وهذا امر صعب لأن هناك كتل غالبة فيه متهمة بالفساد والسلاح والانفلات المجتمعي. ونقول هنا للحق أن كتل سياسية صغيره دعمت واعلنت عن وقوفها الى جانب خطوات الكاظمي.

خطوة الكاظمي الأستباقية هذه هي مؤشر لمدى صعوبة اقدامه على خطوات اخرى بما فيها مكافحة الفساد طبعا وستكشر الكثير من القوى السياسية عن انيابها في وقوفها علنية ضد محاربة الفساد ورموزه وضد نزع سلاح المليشيات السائبة وضد سلطة الدولة وهيبتها, فالقوى السياسية او الكتل البرلمانية والتي تتمتع بشرعية شعبية تقل عن 20% من الشعب لا يمكن لها ان تمثل طموحات الشعب في برنامجه للأصلاح والتقدم الاجتماعي وبناء دولة المواطنة, وبالتالي نرى ان الاصلاح الجذري للعملية السياسية عبر انتخابات مبكرة واقرار قانون انتخابات جديد وتشكيل مفوضية انتخابات نزيهه تشكل المدخل اللازم والضروري للبدأ في الأصلاح, واعتقد ان السيد الكاظمي يحتاج الى تكاتف من الشعب والمنتفضين معه ولو مرحليا لحين البدأ بأنجاز مهمته الصعبة جدا.






12

كورونا العراق وأنهيار هرم ماسلو السيكواجتماعي للحاجات

د.عامر صالح

خلال منتصف أربعينيات القرن الماضي قدَّم أبرهام ماسلو ( 1908 ـ 1970 ) عالِم النفس الأميركي نظريّة التحفيز الأنساني والتي عرفت بهرم ماسلو للاحتياجات، وهي عبارة عن تسلسل هرمي للدوافع التي تحرك الإنسان في مختلف مراحل حياته. وقد شكل محتوى النظرية نقطة انطلاقة للعديد من الأبحاث العلمية في مجلات متنوعة كالطبّ، التدريس، الإدارة وفن التسويق وحتى في ازمان التراجع والأزمات المستفحلة. ويتجلى المدخل في هذا الهرم في أنّ أيّ حاجة عُليا لا يمكن تلبيتها إلا بعد تلبية الاحتياجات التي تقع أسفل منها في الترتيب. ما يعني أنّه يصعب على الفرد –على الرغم من أنه ليس مستحيلًا- إشباع حاجته في الحبّ/الانتماء على سبيل المثال إلا إذا استطاع أنْ يُشبع ويلبّي احتياجاته الفيسيولوجية والأمنية، وهكذا دواليْك. يفترض ماسلو أن الحاجات أو الدوافع الإنسانية تنتظم في تدرج أو نظام متصاعدمن حيث الأولوية أو شدة التأثير, فعندما تشبع الحاجات الأكثر أولوية أو الأعظم حاجة وإلحاحاً فإن الحاجات التالية في التدرج الهرمي تبرز وتطلب الإشباع هي الأخرى، وعندما تشبع نكون قد صعدنا درجة أعلى على سلم الدوافع، وهكذا حتى نصل إلى قمته. هذه الحاجات والدوافع وفقاً لأولوياتها في النظام المتصاعد كما وصفه ماسلو هي كما يلي:

1 ـ الحاجات الفسيولوجية: مثل التنفس، والشرب، والأكل، والجنس، والنوم، والإخراج، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجي بشكل مباشر.

2 ـ حاجة الأمان: وتشمل مجموعة من الحاجات المتصلة بالحفاظ على الحالة الراهنة، وضمان نوع من النظام والأمان المادي والمعنوي مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن والثبات والنظام والحماية والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات. وضغط مثل هذه الحاجات يمكن أن يتبدى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول,  ومن الغموض ومن الفوضى واختلاط الأمور أو الخوف من فقدان التحكم في الظروف المحيطة.

3 ـ الحاجات الأجتماعية: وتشمل مجموعة من الحاجات النفسية مثل الحاجة إلى الألفة والعلاقة الحميمة مع شخص آخر، والحاجة إلى أن يكون الإنسان عضوا في عائلة أو جماعة منظمة.. الحاجة إلى بيئة أو إطار اجتماعي يحس فيه الإنسان بالألفة مثل الصداقة أو الحي أو الأشكال المختلفة من الأنظمة والنشاطات الاجتماعية. وهنا يمكن الحديث عن:

أ ـ المستوى الأدنى أو مستوى الحب الناشئ عن النقص وفيه يبحث الإنسان عن صحبة أو علاقة تخلصه من توتر الوحدة وتساهم في إشباع حاجاته الأساسية الأخرى مثل الراحة والأمان والجنس... الح.

ب ـ المستوى الأعلى أو مستوى الكينونة وفيه يقيم الإنسان علاقة خالصة مع آخر كشخص مستقل, كوجود آخر يحبه لذاته دون رغبة في استغلاله أو استبداله لصالح احتياجاته هو.

4 ـ حاجات التقدير هذا النوع من الحاجات كما يراه ماسلو له جانبان:
أ ـ جانب متعلق باحترام النفس أو الإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية.
ب ـ والآخر متعلق بالحاجة إلى اكتساب الاحترام والتقدير من الخارج ويشمل الحاجة إلى اكتساب احترام الآخرين, السمعة الحسنة, النجاح والوضع الاجتماعي المرموق, الشهرة والمجد… الخ. وماسلو يرى أنه بتطور السن والنضج الشخصي يصبح الجانب الأول أكثر قيمة وأهمية للإنسان من الجانب الثاني.

5 ـ حاجات تحقيق الذات والحاجات العليا تحت عنوان تحقيق الذات يصف ماسلو مجموعة من الحاجات أو الدوافع العليا التي لا يصل إليها الإنسان إلا بعد تحقيق إشباع كاف لما يسبقها من الحاجات الأدنى. وتحقيق الذات هنا يشير إلى حاجة الإنسان إلى استخدام كل قدراته ومواهبه وتحقيق كل إمكاناته الكامنة وتنميتها إلى أقصى مدى يمكن أن تصل إليه. وهذا التحقيق للذات لا يجب أن يفهم في حدود الحاجة إلى تحقيق أقصى قدرة أو مهارة أو نجاح بالمعنى الشخصي المحدود, وإنما هو يشمل تحقيق حاجة الذات إلى السعي نحو قيم وغايات عليا مثل الكشف عن الحقيقة, وخلق الجمال, وتحقيق النظام, وتأكيد العدل.. الخ. مثل هذه القيم والغايات تمثل في رأي ماسلو حاجات أو دوافع أصيلة وكامنة في الإنسان بشكل طبيعي مثلها في ذلك مثل الحاجات الأدنى إلى الطعام, والأمان, والحب, والتقدير. هي جزء لا يتجزأ من الإمكانات الكامنة في الشخصية الإنسانية والتي تلح من أجل أن تتحقق لكي يصل الإنسان إلى مرتبة تحقيق ذاته والوفاء بكل دوافعها أو حاجاتها.

بعد تحقيق الذات يتبقى نوعان من الحاجات أو الدوافع هما الحاجات المعرفية والحاجات الجمالية ورغم تأكيد ماسلو على وجود وأهمية هذين النوعين ضمن نسق الحاجات الإنسانية إلا أنه فيما يبدو لم يحدد لهما موضعا واضحا في نظامه المتصاعد, وهما:

1 ـ الحاجات الجمالية : وهذه تشمل فيما تشمل عدم احتمال الاضطراب والفوضى والقبح والميل إلى النظام, والتناسق, والحاجة إلى إزالة التوتر الناشئ عن عدم الاكتمال في عمل ما أو نسق ما.
2 ـ الحاجات المعرفية:  وتشمل الحاجة إلى الاستكشاف والمعرفة والفهم، وقد أكد ماسلو على أهميتها للإنسان، وهي في تصوره تأخذ أشكالا متدرجة, تبدأ في المستويات الأدنى بالحاجة إلى معرفة العالم واستكشافه بما يتسق مع إشباع الحاجات الأخرى ثم تتدرج حتى تصل إلى نوع من الحاجة إلى وضع الأحداث في نسق نظري مفهوم, أو خلق نظام معرفي يفسر العالم والوجود. وهي في المستويات الأعلى تصبح قيمة يسعى الإنسان إليها لذاتها بصرف النظر عن علاقتها بإشباع الحاجات الأدنى.

في الفئة الأولى من التسلسل الهرميّ, أي قاعدة الهرم, تقع "الاحتياجات الفيسيولوجية" كالعطش والجوع والتنفس والجنس، تليها احتياجات الأمان والسلامة. وتتوسع الحاجة إلى الأمان إلى ما هو أبعد من السلامة الجسدية، لتشمل أيضًا الاستقرار السياسيّ والأمان الاقتصادي والوظيفيّ، والحماية من أيّ خطرٍ قد يهدّد وجود الفرد وبقاءه والذي قد يتجسد في غياب وظيفته، أو عدم القدرة على الحصول على الرعاية الصحية إن احتاج الأمر، أو حتى الأخطار السياسية كالحروب والصراعات والنزاعات الطائفية، وغياب الجيش القوي والحاكم الجيد عن المشهد.

وفي هذا الصدد، تمثّل الديمقراطية طريقًا آخر يمكن أن يساعد في بناء السلامة والأمان للأفراد في مجتمع معين، نظرًا للاعتقاد الشائع الذي يرى بأنّ الديمقراطية تعمل على تحسين العدالة والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. وبالتالي، يشعر الأفراد بالأمان في البيئات التي تنتشر فيها الديمقراطية السياسية. وبكلماتٍ أخرى، يمكننا القول أن السمات التي تسهم في إشباع احتياجات الأمن والسلامة للأفراد في المجتمعات الحديثة يمكن تمثّلها في الحُكم/الجيش القويّ والديموقراطية والاستقرار السياسي والاقتصاديّ.

لقد تعرضت نظرية ماسلو كغيرها من النظريات الى انتقادات عديده, ولعل ابرزها أن الفرد ليست بالضرورة أن يمر بتتابعية تقليدية في الهرم ثم يرتقي تدريجيا للوصول الى قمته, بل هناك افراد كثر قد تكون لديهم هذه الهرمية معكوسة او مختلفة المراحل, فالكثير من الناس ابدعوا وتمتعوا بمقدار من تحقيق وتقدير الذات مع تلكؤات في قاعدة الهرم وحتى ما بعده, ولكن والحق يقال ان السياقات الطبيعية تستدعي المرور في هرمية ماسلو, ولكن في بلدان العالم الأدنى تطورا و العالم الثالث يبدوا نسبيا مختلف, ولكنهم قلة في تلك البلدان من يقفز المراحل, فالسياقات الطبيعية وسنة اشباع الحاجات تقتضي المرور بهرم ماسلو, كي يكون الأمر ظاهرة وليست استثناء, وعلى الأقل في ظروف السلم والأستقرار والصحة العامة..

 وفي ظل كورنا وما نعيشه الآن، تأكد لنا ان ابراهام ماسلو في اختياره لهرمه لم يكن مخطأ، وقد تبين ان اسفل الهرم يشكل هو اساسي لكل البشرية وانه في وقت تنحصر فيه الاختيارات وتضيق فيه الحلول، فإن الكل يبحث عن اساسيات الحياة، وكلما نشاهده هو اسفل الهرم فقط، فالكل يصارع من اجل الحاجات الفيسيولوجية: الطعام، الماء، الجنس، الاخراج، التنفس والكل يريد أن يحقق ذلك في اقرب وقت وبشكل مستمر لمدة معينة من اجل تحقيق المرحلة الثانية من الهرم والتي تمس الشعور بالأمان، السلامة الجسدية والصحية، أمن الموارد ثم بعدها الأمن الوظيفي الذي سيكون سببا في تلبية الحاجيات السابقة، أما المرحة الثالثة من الهرم، فيبدو انها بدأت تضعف اهميتها نسبيا وهي الحاجة لأصدقاء والعلاقات الاسرية، بسبب فرض الحظر وبسبب نقص اهميتها مقارنة مع الاحتياجات السابقة، اما مرحلة تقدير الذات واحترام الاخرين، ففي سلوكيات الشعوب جميعها عبر ما نشاهده حول العالم  دون قياس الاقلية، التي نراها، تساعد الاخر لتشعر بتقدير ذاتي يشعرها بالارتياح، فإن أغلب السلوكيات تدل على ابتعادات مفرطة وحب للذات دون التفكير في الاخر" بعضها مشروع ضمن التوجيهات العامة وبعضها ردود افعال عنيفة لما يحل بالمجتمع من كارثة", وبالتأكيد انها سلوكيات أزمة تهتز فيها المقاييس ولا تدخل في اطار عيوب مطلقة, ولعل في وسائل التواصل الاجتماعي عبر الشبكة العنكبوتية ان يسهم برد الاعتبار لبعض الأختلالات في هرم ماسلو.

واذا كانت الأزمة العالمية لكورنا في العالم المتقدم تأخذ صبغة مؤقتة وان الاستعداد لها رغم المفاجئة هو افضل من الكثير من بلدان العالم النامي او المتخلف, فهناك تعبئة للموارد المالية والبشرية بشكل افضل, وهناك الوعي المجتمعي ومديات من الثقة المتبادلة بين السلطات الحكومية والصحية, وما يعيب على بلداننا قبل جائحة كورونا أن هناك ازمات مستعصية, اقتصادية واجتماعية وسياسية ألقت بحمولتها على أزمة كورونا مما زاد الموقف أكثر تعقيدا وعجزا في محاربة جائحة كورونا.

العراق نموذجا سيئا لأنتكاسته في ملاحقة جائحة كورونا من حيث الامكانيات المتاحة, حيث الفساد الاداري والمالي وسرقة المال العام, وضعف الدولة وهيبتها حيث سيطرة المليشيات المسلحة والسياسية منها بشكل خاص على مراكز القرار السياسي وعبر الترغيب والترهيب, وضعف سلطة القضاء وعدم مقدرة الحكومة والقضاء والبرلمان على حل اكثر الملفات عويصة وهي ملفات الفساد الذي أنهش جسد الدولة والمجتمع. يعاني العراق من أزمات متفاقمة في مجالات الأمن والتعليم والصحة والخدمات العامة، مقابل ارتفاع عدد سكانه إلى 38.1 مليون نسمة وفقا لوزارة التخطيط في الحكومة الحالية. وقد ارتفعت نسبة الفقر في العراق إلى أكثر من 22.5%، وترتفع في المناطق التي استعادتها القوات الحكومية من تنظيم الدولة “داعش الأرهابي” إلى أكثر من 41%. كما أن إن نسب البطالة في العراق ارتفع إلى 14%، بينما يرتفع في محافظة الأنبار بنسبة 20%، وإنها ترتفع في صفوف الشباب وفي صفوف الإناث أكثر من الذكور. كما إن نسبة الأمية في العراق ارتفعت إلى أكثر من 13% في السنوات الأخيرة( طبعا هذه الاحصائيات رسمية من جهات عراقية وهناك من يطعن بصحتها ويدعي ان الاحصائيات اكثر من ذلك بكثير).

ويعاني العراق على المستوى الاقتصادي من اشكاليات كبيرة جدا بسبب الضعف الكبير في القدرات المالية والاقتصادية وعدم الاستقرار الامني،والفساد المالي وسوء الادارة، وهروب رؤوس الاموال الى الخارج,كما إن إحصائيات صندوق النقد الدولي، تبين إن ديون العراق تراكمت وتفاقمت خلال السنوات الماضية، حيث كانت قبل9سنوات 73.1 مليار دولار، وارتفعت في عام 2014 إلى 75.2 مليار دولار، وفي عام 2015 أصبحت 98 مليار دولار، فيما كانت قبل عامين 114.6مليار دولار، لترتفع خلال العام 2017 إلى 122.9 مليار دولار، ثم عام2018 الى (125) مليار دولار، واليوم لا ندري الديون الى كم وصلت؟ كما إن هناك انخفاض كبير في اسعار النفط الى ما دون(30)دولار للبرميل الواحد، مما أدى الى خسارة العراق لنصف ايراداته المالية، هذا بالإضافة الى تأخير الحكومة في ارسال الموازنة الى البرلمان لإقرارها بسبب العجز والترهل الكبير فيها، مما أدى الى عدم إقرار الموازنة العامة لعام 2020 الى يومنا هذا، بالإضافة الى أسباب كثيرة منها التوتر السياسي الحاصل جراء الحراك الشعبي المتواصل منذ أكتوبر/تشرين الاول لعام 2019،والذي أدى الى استقالة الحكومة وتحولها لحكومة تصريف أعمال ،فخرجت الموازنة عن صلاحيتها في ارسالها الى البرلمان علماً أن الموازنة تعاني من عجز كبير يبلغ أكثر من(40)مليار دولار. وفي محصلة رقمية جنونية هائلة فأن العراق اهدر ما بعد 2003 اكثر من تريليون و400 مليار دولار. ثم جيئ  بمصطفى الكاظمي رئيسا للوزراء حيث استلم ميزانية الدولة فارغة, ولازالت حكومته تراوح في المكان لعدم وجود غطاء داعم لها.

لم يبني العراق بعد 2003 نظاما صحيا قائم على فلسفة أن روح المواطن وصحته هي اثمن رأسمال في المجتمع, بل ترك قطاع الصحة فريسة للمحاصصة الطائفية والاثنية البغيضة وللفساد ونهب اموال صحة المواطن, فلا نستغرب اليوم ان عدد المصابين من قطاع الصحة بكورونا يشكل 20% من مجموع الأصابات الكلية, الى جانب الزيادات السريعة والمضاعفة للأصابة بكورونا في اوساط المواطنين بصورة عامة, وان قطاع الصحة مهدد بالأنهيار التام والعجز. الكامل.

في تلك الظروف القاسية الاقتصادية والاجتماعية وحيث شرائح الفقراء والكادحين والعمالة اليومية يفتقدون الى الدخل جراء الحجر الصحي, فأنهم بمقياس ماسلو وهرمه  يجلسون تحت قاعدته وليست عنده, حيث يعجز المواطن عن سد رمق العيش, وما كورنا وتوقيتها اليوم إلا وان زادت الطين بله, فأن المواطن قبل كورنا يعاني الأمريين أما في زمن كورنا فأن الحياة انقلبت كليا على عقب, وأن هرم ماسلو وتراتيبية حاجاته قد انهارت, فأن العراقي اليوم حائر بلقمة العيش والبقاء.


.









13
على ضوء المؤتمر الصحفي الأول لرئيس الوزراء العراقي الجديد ـ ملاحظات سايكوسياسية
د.عامر صالح 

أستمعت وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس الوزراء العراقي الجديد مصطفى الكاظمي بتاريخ 11ـ06ـ2020 وهذا هو المؤتمر الأول بعد توليه المنصب خلفا لرئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي الذي قدم استقالته على خلفية الاحتجاجات الشعبية العارمة, والداعية الى إحداث تغيرات جذرية في العملية السياسية الى جانب البعد المطلبي والمتمثل في تأمين الخدمات العامة, والتي اندلعت في الاول من اكتوبر في العام الماضي, وقد راح ضحيتها الألوف من الجرحى والمئات من الشهداء الى جانب الألوف من الاعاقات المنتهية الفير قابلة للشفاء.

لم يكن رئيس الوزراء الجديد في حديثة الصحفي منظرا من الطراز الكلاسيكي خلافا لسابقه, ولم يكن أنشائي الحديث او مسترسلا كسابقيه في حديث ممل ومجتر ولم يتحدث عن انجازات متسقبليه خيالية تضع العراق في موقع خارق غير موقعه الموضوعي الواقعي, بل تحدث عموما بلغة بسيطة تضعه في احتمالين, قد يكون الرجل غير متمكن على الارتجال والطلاقة اللغوية والفكرية, او قد يكون الرجل قد اختار خطابا موجها الى الشارع العراقي والى المنتفضين بشكل خاص وعامة الناس, ليضعهم في تصور دقيق عن الوضع العام وليؤكد للناس على اصراره وقدراته الكامنة ومجازفته لأختراق قواعد اللعبة السياسية المحاصصاتية التي اعتاد عليها السياسيين منذ 2003. وقد لاحظت في الرجل بعض التوقفات في النطق ولا اعرف إن كانت ناتجة من عيوب لغوية أم من لحظات انفعال وغضب مشروع.

في خطابه يستدرك المرء حجم المهام الكبرى التي وضعت في عهدته وفي مقدمتها محاربة الفساد الذي انهارت على خلفيته مؤسسات الدولة واعلنت افلاسها كليا بعد العجز المالي وهبوط اسعار النفط وازمة كورونا, وعجز الدولة عن قدرتها في توفير الرواتب للأشهر القادمة. كان الرجل في حديثة للأعلام اقترن بمشاعر دفينة واحساس بعمق الأزمة وهو رجل المخابرات السابق الذي يعرف ذلك قبل غيره, ويعرف جيدا اعدائه واصدقائه وحجم المعارضة التي وقفت ضد توليه منصب رئيس الوزراء, الى جانب أن الشارع العراقي المنتفض منذ الاول من اكتوبر ضل متوجسا ويتعامل مع مصطفى الكاظمي عن بعد, بل هناك من لا يثق به اصلا بأعتباره نتاجا وخيار طوارئ أقدم عليه نظام المحاصصة عند ختياره وخوفا من عواقب الفراغ السياسي وتداعياته الجماهيريه والتي قد تعصف بالطبقة السياسية الحاكمة بل وبنطام المحاصصة برمته.

وعلى الرغم من جرأته الواضحة وتحديه وتأكيده ان هدفه الأسمى هو خدمة الشعب العراقي الذي يستحق الأفضل" حسب قوله " وتأكيده انه مستعد للتضحية بحياته, بل اشار بوضوح ان جهات تستهدف تصفيته بالقتل ولكنه جاهز لكل الاحتمالات, كما طالب الشعب العراقي بدعمه والوقوف الى جنبه في محاربة الفساد واجتثاثه, وبالتأكيد فأن خطابة استقبل شعبيا بين الشك ونصف اليقين, وخاصة انه لم ينجز لحد الآن أي مطلب من مطالب المتظاهرين, ولكن وعوده وتلويحه بمقدرة كامنة للمواجهة وكذلك هو من يقرر ساعة الصفر قد ينعكس بظلال ايجابية على الشارع, رغم ان الشارع العراقي قد اصابه الملل واليأس وسمع الكثير وبالتالي ان تزرع الثقة بشعب محبط خلال 17 عاما من الوعود أمر ليست هين وخاصة ان مصطفى الكاظمي لم يكن خيارا شعبيا من ساحات التظاهر, وهو ايضا نتاج لعملية سياسية ديمقراطية لا تتجاوز شرعيتها 20% من الشعب العراقي, فيها القول الفصل للجماعات والاحزاب المسلحة داخل البرلمان.

ومما يؤكد بعض من نزاهة الرجل هو استقلاليته النسبية عن الاحزاب السياسية والطائفية منها بشكل خاص, ثم نزعته المدنية والعلمانية وكونه ناشط مدني سابق وفاعل مع المنظمات العالمية المعنية بحقوق الانسان والديمقراطية وعمل في الصحافة في خدمة قضية العراق ونضال الشعب من اجل الديمقراطية وضد الديكتاتورية, الى جانب كون الرجل غير مرغوب فيه من قبل الاحزاب الاسلاموية وكذلك من المليشيات الطائفية المسلحة وسبق له وأن أتهم في المساهمة في اغتيال سليماني والمهندس بالتخطيط مع القوات الامريكية, الى جانب الصراع المستميت من قبل الاحزاب المليشياوية برفضه رئيسا للوزراء, في مقابل ذلك طبعا وفي الجانب الآخر هو التأييد والدعم الدولي والاقليمي لتوليه منصب رئاسة الوزراء, والذي يمكن ان يوظف لمصلحة بناء الدولة المدنية في الاستفادة من الدعم الخارجي.

نجاح حكومة السيد الكاظمي في تحقيق المطالب والاستحقاقات الوطنية المطلوبة منها على صعيد تلبية مطالب المتظاهرين، وتحقيق الاستقرار السياسي على الصعيد الوطني ومحاربة ظواهر الفساد وعدم الاستقرار بشكل عام، ولو بشكل جزئي. قد تكون البداية الحقيقية في بذرة إصلاح العملية السياسية وتصحيح مسار الديمقراطية العراقية، ومعالجة أداء النظام السياسي الحالي, فالأنتخابات القادمة وقانونها ومفوضيتها هي الشاغل الأهم للتأسيس لمرحلة انتقالية سياسية تحمل بذور الصحة والتفاؤل في اعادة بناء العملية السياسية في العراق على اساس المساهمية الفعلية والنزيهة للشعب العراقي بعيدا عن الترهيب واستخدام السلاح وحرق صناديق الأقتراع وضمان مساهمة اوسع للشعب العراقي في انتخاب ممثليه.

كما يشكل ملف الفساد الاداري والمالي من اصعب الملفات امام حكومة السيد مصطفى الكاظمي, واذا ما تمتع بشجاعة كافية ومقدره استثنائية في البدء بفتحه فأنه يشكل بارقة أمل للعراقيين لأسترداد اموالهم المنهوبة. وللتذكير فقط وفي أول جلسة للبرلمان العراقي من فصله التشريعي الثاني، والتي عقدت في 9 من مارس/آذار للعام 2019، كشف رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي "خارطة للفساد"، شملت 40 ملفا، غالبها في مفاصل ومؤسسات الدولة. وشملت القائمة: "تهريب النفط، ملف العقارات، المنافذ الحدودية، الجمارك، تجارة الذهب وتهريبه، السجون ومراكز الاحتجاز، النقاط الأمنية الرسمية وغير الرسمية، المكاتب الاقتصادية بالمؤسسات والمحافظات والوزارات، تجارة الحبوب والمواشي، الضرائب والتهرب منها، الأتاوات و الكومشن (العمولة)، مزاد العملة والتحويل الخارجي، التقاعد، ملف السجناء، ملف الشهداء، المخدرات، تجارة الآثار، الزراعة والأسمدة والمبيدات،  تسجيل السيارات والعقود والأرقام،  الإقامة وسمات الدخول".

وتضمنت أيضا: " الأيدي العاملة الأجنبية، الكهرباء، توزيع الأدوية، توزيع البطاقة التموينية، الرعاية الاجتماعية، السلف المالية المصرفية، التعيينات، بيع المناصب، العقود الحكومية، تهريب الحديد والخردة وغيرها، الامتحانات وبيع الأسئلة، المناهج التربوية وطباعة الكتب،  المشاريع المتوقفة، المشاريع الوهمية، القروض المالية، شبكة الاتصالات والإنترنت والهواتف النقالة، الإعلام والمواقع الإلكترونية، شبكات التواصل الاجتماعي، ملف النازحين، الاتجار بالبشر".

تُضاف هذه القطاعات الأربعين الرئيسية إلى الكثير من ملفات الفساد المُكتشفة بالأساس سابقا، لكن لم يتم تفعيل الأدوات والمؤسسات القضائية والتنفيذية لمتابعتها. تقدر الحكومة العراقية تلك الملفات بحوالي 13 ألف ملف للفساد، يقدر المتورطين فيها بقرابة مليون مشتبه، بين فاسدين ومتعاونين ومرتشين ومعطلين للقانون العام. تتراوح دائرة المؤسسات والإدارات المتورطة بها من التعليم والقضاء، وتمر بالتهريب والرشاوي، ولا تنتهي بوزارتي النفط والدفاع، اللتان تُعتبران من أكثر وزارات العراق فسادا على الإطلاق. خارطة الفساد هذه تعكس بوضوح استباحة العراق شعبا وأرضا ووطنا ومواردا للعيش. فلا نستغرب عنما تشير الأرقام الدولية بأن موقع العراق هو بالمرتبة 166 من أصل 176 دولة على سلم الدول في مستوى الشفافية في العالم. أي أن العراق من أكثر الدول فسادا في العالم. وقد بلغ ما أهدره العراق وخسره شعبه ما بعد 2003 يقدر بتريليون و400 مليار دولار.

وبالتأكيد أنها للكاظمي خطوة المليون ميل لمحاربة الفساد في العراق, ولكن البداية تؤسس لضمانات لاحقة في السير قدما لمحاربته, أنه عمل ليست هين وبسيط فقد تحدى أستعراضيا الذين سبقوا الكاظمي ولم يتمكنوا, وقد كانوا اكثر اذعانا لمنطق المحاصصة الطائفية والقومية والأثنية, ولعل في الكاظمي وطاقمه ما يستطيع فعله والتأسيس له, وهو وبفعل قصرالمدة المتبقية له ليست مطالب بحلول سحرية, ولكن اقدامه على خطوات عملية ملموسة ستضعه امام فرص تاريخية وتوقعات بتلاحم ميداني من المتظاهرين معه, وتلك هي سنة التغير نحو الأفضل: أن تبدأ الآن خير من أن لا تبدأ ابدا. وختاما لقد تحدث الكاظمي في مؤتمره الصحفي عن رواتب وامتيازات السجناء والمعتقلين في زمن النظام السابق والشهداء وضحايا الارهاب وكذلك ازدوواجية او اضعاف الرواتب التي تستلم الى جانب الفضائيين في قطاعات الدولة والعمل على معالجة ذلك جذريا, وهي جميعيها بالتأكيد جزء من سوء التشريع ومصالح المشريعيين ونواياهم الحزبية والطائفية, ولكنها جزئية بسيطة في اطار الفساد الآعظم الذي يجب البدء في مكافحته على طريق اجتثاثه.
 

14
المناسبات العالمية للطفولة ومأساة أطفال العراق

د.عامر صالح

احتفلت العديد من دول العالم في الأول من حزيران بعيد الطفل العالمي علما أن عيد الطفل العالمي حسب مواثيق وتوقيتات الأمم المتحدة هو العشرين من نوفمبر من كل عام, ولكن مرونة الأمم المتحدة تركت الأمر لظروف البلدان وتقاليدها المعتمدة للأحتفال بيوم الطفل العالمي. وهناك مناسبات ذات صلة بيوم الطفل العالي, وهي: اليوم الدولي لضحايا العدوان من الأطفال الأبرياء والمصادف يوم 4 حزيران من كل عام , وكذلك اليوم العالمي لمكافحة عمل الاطفال والمصادف يوم 12 حزيران, ثم اليوم الدولي للطفلة والمصادف في يوم 11 أكتوبر. وقد استحدث اتحاد النساء الديمقراطي العالمي يوم الاول من حزيران للاحتفال بيوم الطفل العالمي منذ عام 1950 وقد اتخذ هذا القرار في مؤتمره الذي انعقد في موسكو في الرابع من نوفمبر في العام 1949 ولا يزال الكثير من دول العالم تحتفل بعيد الطفل العالمي في الاول من حزيران من كل عام, وقد كان زخم الفكر الاشتراكي في انصاف الطفولة وانقاذها من التعسف والاضطهاد قويا آنذاك ولا يزال حتى اليوم تحت وقع فكر العدالة والمساواة والذي ساهم فيه الفكر الماركسي عالميا في التأسيس له كمزاج اجتماعي غير قابل للمساومة.

أقرّت الأمم المتحدة وفقاً لقرار رقم 836 في عام 1954م اليوم العالمي للطفل أو يوم الطفل، حيث يتم الاحتفال به في العشرين من شهر تشرين الثاني/نوفمبر سنوياً من أجل دعم وتعزيز الترابط الدولي ونشر الوعي بين الأطفال في جميع أنحاء العالم، إذ يحمل هذا اليوم أهمية بالغة في تاريخ الطفولة، فهو اليوم الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة إعلان حقوق الطفل، وتبنّت اتفاقية حقوق الطفل التي صادَقَت عليها معظم دول العالم، وذلك في عام 1989م، فمنذ عام 1990م والعالم يحتفل بالذكرى السنوية لتاريخ اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة للإعلان والاتفاقية المتعلقة بحقوق الطفل.

لاقت اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989موافقة وتأييد معظم دول العالم، لا سيّما أنّها كانت الوسيلة الأساسية لمنح الإنسان كامل حقوقهِ سواءً الحقوق المدنية، أو الثقافية، أو الاقتصادية، أو السياسية، أو الاجتماعية، إذ تبنت أربعة مبادئ ومتطلبات أساسيّة وتوجيهية في سبيل تحقيق وتطبيق الالتزام بجميع هذه الحقوق، وهي كما يأتي:

المساواة وعدم التميّز: تشمل اتفاقية حقوق الطفل جميع أطفال العالم دون تمييز، ودون النّظر إلى الدين أو العرق، حيث شملتهم على اختلاف ثقافاتهم وأفكارهم وقدراتهم، سواءً كان الطفل ذكراً أم أنثى، أو كان ضمن طبقة الفقراء أم الأغنياء. الحرص على مصلحة الطفل: تتعهّد الاتفاقية على أنّ أيّ قرار أو إجراء قبل اتخاذه يتمّ النظر في أثره على الأطفال ويجب أن يصّب في مصلحة الطفل وفوق جميع المصالح الأخرى. البقاء على قيد الحياة والنّماء: يُعتبر حق الحياة حقاً أساسياً ومُتجذراً لجميع الأطفال، وتقع مسؤولية الحفاظ عليه على عاتق أصحاب القرار في جميع الدول، بالإضافة إلى ضمان نموّهم وتطوّرهم جسدياً وعقلياً بشكلٍ طبيعي. المشاركة وحرية التعبير: لجميع أطفال العالم الحق في حرية التعبير عن آرائهم واتخاذ القرارات المناسبة بشأن حياتهم الخاصة دون إجبار، والالتزام بحماية جميع حقوق الطفل من السّلب وتوفيرها لهمّ قدر المُستطاع.

وقد أستندت اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل على مجموعة من المعايير لتضمن للأطفال حقوقهم، إذ تم وضع 12 حقاً أساسياً لجميع الأطفال، وهي كما يأتي:

ـ العيش في بيئة عائلية وجو أُسري مُستقر يُشعر الطفل بالراحة والآمان والمحبة، والطمأنينة، والانتماء، وتوفير الظروف الملائمة لعيش حياة كريمة سواءً مع أهله أو ضمن بيئة عائلية تُشعره بذلك.

ـ توفير الرعاية الصحية والتغذوية المنتظمة في جميع الأوقات، وغرس مجموعة من العادات الصحية والسليمة والجيدة فيهم، وتزويدهم بأطعمة صحية ذات قيمة غذائية مفيدة.

ـ توفير جميع المُستلزمات الأساسية من مأكل ومشرب ومبيت، والحرص على وجود مصدر ثابت للحصول على مياه نظيفة، وتأمين الطاقة الكهربائية في بيئة آمنة.

ـ تلقّي الأطفال التعليم الذي يتوافق مع قدراتهم واهتماماتهم، إذ إنّه من المُفترض احتواء البرامج التعليمية على برامج إثرائية لتأهيلهم للتعليم العالي أو توجيههم نحو التعليم المهني.

ـ تكافؤ الفرص بين الأطفال، فلكل طفل الحق في الحصول على الفرصة المناسبة دون النظر إلى جنسه، أو عرقه، أو أصله، أو أوضاعه المادية، أو دينه، أو عقيدته، أو حالته الجسدية أو الجسمانية، سواءً كان الطفل سليم الجسد أو من ذوي الاحتياجات الخاصة.

ـ تقديم الرعاية المناسبة للطفل ودعمه، وذلك على يدّ شخص بالغ مُتدِّرب يهتم بالطفل ويرعاه، ويمتلك القدرة على قيادة الطفل نحو النجاح.

ـ اشراك الطفل في عملية اتخاذ القرارات لجميع الأمور المؤثرة عليهم، وإعطاؤه الحق في التعبير عن آرائه وأفكاره.

ـ غرس المواطنة الصالحة والنشطة، والمسؤولية، والانتماء تجاه مجتمعه أو وطنه، وتعليمه الطُرق المناسبة لخدمة مجتمعه الذي سيعيش فيه مستقبلاً.

ـ تقديم الحماية الفعالة من التأثيرات السلبية عليه، وسوء المعاملة، والإهمال، والإيذاء الجسدي والنفسي، وجميع أشكال الاستغلال.

ـ العيش حياة هانئة وكريمة ضمن ظروف كافية لتعزيز شعوره بالكرامة والحرية، ومعاملته باحترام وتقدير.

تعزيز شعور الطفل بالروحانية وتنمية أخلاقه، وذلك عن طريق التطور الروحي والانتماء الديني. ـ

العراق أحد البلدان ذات التنوع العرقي والاثني والديني, وهو من ضمن دول العالم التي تعهدت لأطفالها بضمان طفولة أفضل وفقا لتوصيات أتفاقية حقوق الطفل الدولية, تعرضت فيه الطفولة العراقية الى انهيارات كبرى جراء الحروب المتواصلة وهيمنة قيم الدكتاتورية والتسلط, ثم أعقبها حروب داخلية بنكهة طائفية مقيتة, وتغيرات في البنى الثقافية والاجتماعية, واشاعة ثقافة فئوية انكفائية مغلقة, وتدهور في العملية التربوية والنفسية للطفولة العراقية, وإشاعة موقف متهاون من ضرورة التعليم والرعاية للطفولة العراقية. وهنا لا بد من تسجيل بعض ما لحق بالطفولة العراقية من أضرار بليغة, تستدعي منا وقفة انسانية لمعالجة مخاطرها, وهي: 

1 ـ التسرب والرسوب المتواصل للاطفال الدارسين في التعليم الابتدائي والمتوسط جراء الضغط المتواصل لظروف العيش وعدم مقدرة الأسرة العراقية للأيفاء بمتطلبات الدراسة وظروف العيش.

2 ـ انخراط اعداد هائلة من الاطفال في سوق العمل الرثة لمساعدة ذويهم وأسرهم في ظروف ضنك العيش, مما حرم الاطفال من فرص النمو الطبيعي, العقلي منه والتربوي.

3 ـ ظاهرة التسكع في الشوارع بين الاطفال كأفراد وكمجاميع شللية مما يعرضهم الى مختلف مشاريع الاستمالة, من جريمة منظمة وانحرافات خلقية وسلوكية, وحتى زجهم في مشاريع انتحارية كالارهاب وغيره.

4 ـ ظاهرة الاطفال اليتامى والذين فقدو والديهم في الحروب المختلفة, أو جراء العمليات الانتحارية كضحايا لها, وعدم تمكن مؤسسات الدولة التربوية والرعائية لأحتضانهم وتوفير الأمن والآمان لهم, مما يجعل طفولتهم في مهب الريح.

5 ـ زج الاطفال وعبر العملية التربوية بثقافة الانحياز الطائفي والتعصب الاثني من خلال تعبئة عقول الاطفال بثقافة التمترس والانغلاق الذهني والفكري في اطار ثقافة احادية الجانب وغير منفتحة على الآخر.

6 ـ النزوح المتعاظم للأطفال مع أسرهم بسبب الحروب الداخلية, أو حروب تحرير الاراضي  العراقية من داعش, أو حروب التصفيات العرقية والاثنية, مما يجعل مستقبل الاطفال مجهولا.

7 ـ انتشار الاوبئة والامراض وسط مجاميع الاطفال وتجمعاتهم الشللية مما ينذر بانتشار محتلف الامراض المعدية وغير المعدية, وفي ظروف انعدام الفحوص الدورية الطبية للتأكد من سلامة الاطفال.

8 ـ أنعدام وسائل الترفيه والتسلية والانشطة الثقافية لأمتصاص الوقت الزائد لدى الاطفال وتوظيفه وجهة مفيدة لنموهم العقلي والجسدي والفكري.

9ـ عدم الالتحاق بالمدارس الابتدائية في العمر المقرر بسبب من صعوبات مادية للأيفاء بمتطلبات النقل او عدم المقدرة في تحمل المستلزمات الدراسية من قبل الوالدين, الى جانب انخفاض الوعي لديهم بضرورة ارسال ابنائهم الى الدراسة, مما يسهم في رفد جيوش الأميين من السكان بالمزيد من الأفراد.

10 ـ تعرض الاطفال للعقاب الجسدي من قبل البيت أو المدرسة أو العنف في خارج المنزل يشكل تهديدا خطيرا للطفولة العراقية, لما يتركه من آثار وخيمة في بناء شخصية ضعيفة تستجيب بشكل خضوعي وسلبي لضغوطات الحياة المختلفة. 

وفي ظل جائحة كورونا فأن الاطفال العراقيين  يتعرضون الى  تهديدات متزايده تستهدف سلامتهم وعافيتهم، بما في ذلك إساءة المعاملة والعنف الجنسي والاستغلال والإقصاء الاجتماعي والانفصال عن مقدمي الرعاية بسبب الإجراءات المتخذة لاحتواء انتشار جائحة كوفيد – 19 وقد تعرض الكثير من الاطفال الى شتى صنوف الاهانات والتعذيب وصلت الى درجة القتل والتصفيات بأشد الاساليب كراهية للخلق الانساني, وقد ساهم في ذلك الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية وعدم التمكن الأسري من خلق ظروف استقرار او الخلل في ستيعاب كورونا وتداعياتها السايكو اجتماعية. 

 وقد يساعد تواجد أفراد الأسرة على مساحة مغلقة وضيقة ولفترات طويلة في توتر العلاقات العائلية، كما أن التقارب المكاني الحالي بين أفراد الأسرة يؤدي إلى تماس مباشر بينهم، وهو ما قد يؤدي إلى ضغط نفسي، ربما سيتحول إلى عنف جسدي ضد المرأة والطفل. كما أن مستوى التوتر والقلق يرتفع داخل المنزل في حالات الطوارئ المختلفة كما في كورونا، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة إمكانية تعرض الأطفال في العائلة للاعتداءات والعنف كونهم أكثر الفئات المستضعفة في المجتمع., وبالتالي فأن الاطفال العراقيين معرضين لمختلف صنوف التضييق والأذلال وسيزداد تعنيفهم اكثر مما سبق بأضعاف.
 
ومن هنا وبمناسبة یوم الطفل العالمي نؤكد على ضرورة اتخاذ إلاجراءات العاجلة لأطفال العراق الأكثر حرمانا من حقوقھم الأساسیة ، كما ندعو جمیع الجھات المعنیة في الحكومة والمجتمع المدني والمجتمع الدولي لحمایة الأطفال من الاستغلال احتراما لكرامتھم، ومنحھم الفرص المتساویة لیصبحوا شابات وشباب أصحاء ومنتجین في عراق الغد، ومعالجة كل الانتھاكات لحقوق الطفل في العراق من نقص فرص الحصول على الخدمات الصحیة والتعلیم الجید والحد من التسرب، والعنف ضد الأطفال في المدارس وبین الأسر والتمییز والأثر النفسي من العنف نتیجة الحروب والإرھاب المستمر والاحتجاز في سجون الأحداث وعدم أیلاء الاھتمام الكافي بالأطفال ذوي الاحتیاجات الخاصة والمشردین والذین لیسوا في بیئتھم الأسریة, وبذل كل الوسائل للحد من تأثير كورونا على سوء معاملة الاطفال. 

أن الاعلان العالمي لحقوق الطفل يشكل حافزا قويا للدفاع عن الطفولة العراقية ومحاولة للنهوض بمستلزمات الطفل العراقي في الحرية والتربية والعيش الكريم بعيدا عن الحروب والتعصب الديني والمذهبي والاثني الذي يمزق شخصية الاطفال, وتأمين فرص العيش الذي يليق بالطفولة الانسانية, ولعله يكون حافزا للمزيدا من فهم الطفولة واهيمتها لبناء رجال ونساء المستقبل.











 


15
التأصيل السايكو اجتماعي والتربوي والسياسي للفساد الأداري والمالي في العراق وما يمكن للحكومة أن تقوم به

د.عامر صالح

أصبح الحديث عن محاربة الفساد الاداري والمالي في العراق مادة دسمة "رغم انعدام ثقة المواطن" لمن يرغب ان يفوز في انتخابات برلمانية أو يكون في منصب رئيس وزراء أو حتى ان يكون مسؤول صغير في الدولة لأن حجم مشكلة الفساد وسعته واستعصاء حلها لا يمكن تصديقه, وقد اخفقت كل الحكومات المتعاقبة على الحكم ما بعد 2003 في الحديث عن رموز الفساد علانية, بل ان جميع تلك الحكومات بطواقمها متهمة بالفساد إلا ما ندر. ولأن الأمل معقودا على من يستطيع تقديم الفاسدين الى العدالة واسترجاع المال العام فأن الشعب يترك هامشا من المناورة وزرع ثقة أولية لمن يدعي محاربة الفساد.


ويتحدث الكثير من السياسيين، إن "الفساد المالي والإداري في العراق ليس مسألة ارقام، فما خسره العراق يفوق بأضعاف ما تتحدث عنه هيئة النزاهة والجهات المختصة"، مؤكدًا أن "الموازنات الفلكية ذهبت في جيوب الأحزاب عبر تقسيمها، حيث كل همهم كان، كيف يسرقون أكثر". أن "الفساد لم يترك بابًا إلا وطرقه في كل القطاعات والمؤسسات والملفات، وخلف لنا كمًا هائلًا من المشاريع الوهمية ومليارات الدولارات كديون خارجية، فضلًا عن تحطيم الاستثمار والبنى التحتية وتدمير كل إمكانات الدولة".


تجاوزت الواردات المالية للعراق منذ الغزو الأميركي وسقوط النظام السابق، في نيسان/إبريل 2003، 1000 مليار دولار، ذهب نصفها إلى الموازنة الاستثمارية الوهمية، رمز "الفساد الأعظم"، وفق لجنة النزاهة النيابية. خسر العراق، كما تقول اللجنة، أكثر من 350 مليار دولار من خلال تهريب العملة ومزاد البنك المركزي، والعقود والمشاريع الوهمية والمتلكئة منذ العام 2003 حتى اللحظة. وفي تصريح سابق لرئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، قال ان "الفساد أفقد البلاد 450 مليار دولار مع وجود ناتح محلي للموظفين الحكوميين بمقدار 6%، أي بمقدار 20 دقيقة عمل في اليوم"، مؤكدًا أن "موازنات العراق منذ العام 2003 وحتى العام الجاري بلغت 850 مليار دولار", وقد سلم ميزانية الحكومة فارغة الى خلفه مصطفى الكاظمي.


يواصل الفساد نخر العراق، حيث كشفت إحصائيات برلمانية في فترة سابقة عن وجود أكثر من 6 آلاف مشروع وهمي منذ عام 2003 كلفت العراق ما قيمته 178 مليار دولار. في هذا السياق، قال مسؤول عراقي في مكتب رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي، إن المشاريع الوهمية 30 بالمائة منها تمت برعاية الأميركيين، وهناك ضباط وحلقات أميركية مختلفة إبان الاحتلال تتورط معها. وأضاف  أن النسبة المتبقية من المشروعات الوهمية، البالغة 70 بالمائة، تمت في زمن الحكومات العراقية المتعاقبة بعد رحيل الأميركيين، وأكثر الفترات التي شهدت مشاريع وهمية كانت في عهد حكومتي نوري المالكي الأولى والثانية، بينها مجمعات سكنية وسياحية وأخرى خدمية قام هو بنفسه بوضع حجر الأساس لها لكنها انتهت إلى المجهول ولم تر النور، رغم أن مبالغها تم صرفها من الموازنة العامة. وفي محصلة جنونية رقمية فأن العراق اهدر ما بعد 2003 الى وقتنا الحاضر أكثر من تريليون و 400 مليارد دولار, وهي مبالغ تبنى فيها مدن وعواصم حضارية وتشيد فيها ابراج وناطحات سحاب وتضمن مستقبل اجيال وتؤسس منها صناديق ضمان للمستقبل.


وفي أول جلسة للبرلمان العراقي من فصله التشريعي الثاني، والتي عقدت في 9 من مارس/آذار للعام 2019، كشف رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي "خارطة للفساد"، شملت 40 ملفا، غالبها في مفاصل ومؤسسات الدولة. وشملت القائمة: "تهريب النفط، ملف العقارات، المنافذ الحدودية، الجمارك، تجارة الذهب وتهريبه، السجون ومراكز الاحتجاز، النقاط الأمنية الرسمية وغير الرسمية، المكاتب الاقتصادية بالمؤسسات والمحافظات والوزارات، تجارة الحبوب والمواشي، الضرائب والتهرب منها، الأتاوات و الكومشن (العمولة)، مزاد العملة والتحويل الخارجي، التقاعد، ملف السجناء، ملف الشهداء، المخدرات، تجارة الآثار، الزراعة والأسمدة والمبيدات،  تسجيل السيارات والعقود والأرقام،  الإقامة وسمات الدخول".

وتضمنت أيضا: " الأيدي العاملة الأجنبية، الكهرباء، توزيع الأدوية، توزيع البطاقة التموينية، الرعاية الاجتماعية، السلف المالية المصرفية، التعيينات، بيع المناصب، العقود الحكومية، تهريب الحديد والخردة وغيرها، الامتحانات وبيع الأسئلة، المناهج التربوية وطباعة الكتب،  المشاريع المتوقفة، المشاريع الوهمية، القروض المالية، شبكة الاتصالات والإنترنت والهواتف النقالة، الإعلام والمواقع الإلكترونية، شبكات التواصل الاجتماعي، ملف النازحين، الاتجار بالبشر".

تُضاف هذه القطاعات الأربعين الرئيسية إلى الكثير من ملفات الفساد المُكتشفة بالأساس سابقا، لكن لم يتم تفعيل الأدوات والمؤسسات القضائية والتنفيذية لمتابعتها. تقدر الحكومة العراقية تلك الملفات بحوالي 13 ألف ملف للفساد، يقدر المتورطين فيها بقرابة مليون مشتبه، بين فاسدين ومتعاونين ومرتشين ومعطلين للقانون العام. تتراوح دائرة المؤسسات والإدارات المتورطة بها من التعليم والقضاء، وتمر بالتهريب والرشاوي، ولا تنتهي بوزارتي النفط والدفاع، اللتان تُعتبران من أكثر وزارات العراق فسادا على الإطلاق. خارطة الفساد هذه تعكس بوضوح استباحة العراق شعبا وأرضا ووطنا ومواردا للعيش. فلا نستغرب عنما تشير الأرقام الدولية بأن موقع العراق هو بالمرتبة 166 من أصل 176 دولة على سلم الدول في مستوى الشفافية في العالم. أي أن العراق من أكثر الدول فسادا في العالم.


ترتبط بدايات جذور ظاهرة الفساد في العراق بمجمل سياسات النظام السابق الاقتصادية والاجتماعية والحروب المدمرة, والتي أدت بمجملها إلى إفقار المواطن وحرمانه من ابسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة, إضافة إلى ما أدت من تفتيت للبنية الأخلاقية والقيمية وضعف الوازع الداخلي, إلا إن سطوة النظام وقمعه حصرت ظاهرة الفساد, وخاصة الإداري والمالي برأس النظام وأطرافه, وحولت بنفس الوقت الفساد إلى ما يشبه الفيروس الخامل تحمله قطاعات اجتماعية واسعة, وجدت في إسقاط النظام والطريقة أو السيناريو التي هوى فيها النظام فرصة مواتية لينشط هذا الفيروس ويتحول من حالة الكمون أو الخمول إلى حالة الفعالية أو النشاط الكامل ليتحول إلى وباء شامل ينشط بطرائق أخطبوطية وبمدى يصعب التحكم والسيطرة عليه أو تحديد سقف له, وقد وفرت الظروف السياسية ما بعد السقوط وطريقة أداء الحكم بيئة صالحة لنشاط فيروس الفساد ليلتف بدوره حول السياسة ويضربها في الصميم ويعيد بعث ظاهرة الفساد السياسي المتمثلة بالاستئثار بالسلطة واستغلال النفوذ السياسي وتكريس قيم الحزب الواحد عند الكثير من الكيانات السياسية, ولعل المثل الصيني " الماوي " القائل : " رب شرارة أحرقت السهل كله " يلقي مصداقية كبيرة في تفسير الفساد في العراق.


أن إحدى تجليات الخوف من الفساد الإداري والمالي هي تحوله إلى ثقافة سائدة أو ما يسمى " ثقافة الفساد " مضفيا على نفسه الشرعية في الشارع وفي المعاملات الرسمية اليومية, ومن ترسخه كنمط سلوكي لإشباع الحاجات المختلفة والاكتفاء الذاتي, وبالتالي يتحول الفساد من كونه عمل منبوذ اجتماعيا وقيميا إلى عمل يلقي الاستحسان ويندمج ضمن المنظومة الايجابية للأخلاق والأعراف, ويعتبر نوعا من الشطارة أو الدهاء الشخصي لصاحبه, وأحد معايير الشخصية الدينامية والمتكيفة القادرة على حل المعضلات بطرائق سحرية.


وعلى هذا الأساس يتحول الفاسد من شخص مجرم يجب أن يساق إلى العدالة إلى شخص قاضي حاجات أو "حلاًل مشاكل ". ففي الوقت الذي كان فيه الفاسد يسير منحنيا بإذلال يخشى أن يعلم به احد جيرانه أو أبناء منطقته,ويذكرني ذلك في نهاية الستينات وبداية السبعينات عندما كانت تعلق صور الفاسدين" السرَاق منهم" في مراكز الشرطة ويكتب أعلاهم بخط عريض " أحذروا هؤلاء ", اليوم يفتخر الفاسد بمكتسباته وبمهاراته وماله الحرام, ولم يعد الفاسد يخشى المواطن بل انتقل الخوف إلى المواطن وأصبح الجميع يحسب آلف حسابا له, لأنه يمتلك السلطة والمال والقرار السياسي, فهو الكادر الحزبي أو القيادي في حزب ما,وهو المدير العام,وهو الموظف الصغير والوزير أو عضو البرلمان وهو أيضا حامل المفخخات والأحزمة الناسفة, بل نبحث عن الفاسد لتسهيل معاملاتنا مهما كانت صعبة, وهو الذي يأتي لنا بالماء والكهرباء والخدمات المختلفة, ويضمن لنا التعيين في أي موقع وفي أي دائرة نرغب بعد أن يمنحنا الشهادة المزورة ويصدر لنا أمر التعين ,وكل ذلك مقابل هدية بحجمه, وإذا لم نقبل بشروط الفاسد فأنه قادر على أن يفرض عليك حصارا لا تقوى الأمم المتحدة على رفعه, فلا غرابة من أن 80% من مراجعي دوائر الدولة العراقية يدفع رشوة لانجاز معاملته.


وبالتالي يتحول الفساد كسلوك وأداة تفضي إلى بلورة جماعات واسعة من المنتفعين ورعاة المصالح الذاتية التي تعمل على توطيد دعائم نظام ما بعد 2003 ولكن بشروط الفساد حفاظا على أوضاعها ومكانتها من الانهيار, وبهذا يطرح الفساد نفسه كطريقة وبديل عن التنمية الاقتصادية الشاملة وفقا للضوابط القانونية والأخلاقية, وتعزيز فكرة أن الفساد يعجل بقضاء المصالح والحوائج وتبسيط الإجراءات وتسير المعاملات مع الجهاز الحكومي, كما انه يعمل على إعادة توزيع الثروات بشكل مشوه من خلال خلق طبقة من أصحاب المال الصغار المستفيدين من رشاوى الحيتان الكبار, كما يزج الطبقة الوسطى" الطبقة المطلوبة رقم واحد في المشروع الوطني الكبير, فكرا وثقافة ومهنية " قي آتون الفساد فيحولها من طبقة إنقاذ إلى طبقة متعايشة مع ظروف الفساد ومكملة له,وعلى خلفية ذلك تنشأ قناعات سلوكية واضحة تفضل الاستقرار و " التنمية " مع الفساد على اللااستقرار بدونه.


وبهذا يتحول الفساد من ظواهر فردية متناثرة هنا وهناك إلى عمل مافيوي مخطط يدخل سوق العمالة ويقدم خدماته من خلال اختراقه كل القطاعات الإنتاجية والخدمية,ويخضع لمبادئ العرض والطلب والمنافسة الكمية والكيفية ويتحكم بمفاصل تشغيل العمالة, وهذا ما نشهده اليوم من تسهيل معاملات على مختلف المستويات,فهناك تسعيرات محددة لشغل مختلف المناصب من مدرس إلى ضابط , إلى شرطي أمن, إلى مدير دائرة والى مدير عام , وتسعيرات للحصول على مختلف الوثائق والمستندات الشخصية من وثائق دراسية وشهادة جنسية وبطاقة أحوال مدنية وجواز سفر وغيرها, طبعا جنبا إلى جنب مع الفساد الكبير الذي يخترق مختلف العقود والمشاريع والمخصصات والاستثمارات الإنتاجية والخدمية التي تستهدف إحياء البنية التحتية المدمرة.


أن القبول بالفساد كأمر واقع شكًل احد عوامل الضغط على المنظومة القيمية والتربوية لدى أفراد المجتمع العراقي وفي تبديد قناعاته الأخلاقية والوطنية, فقد انتشرت اللامبالاة والسلبية بين أفراد المجتمع, وبروز التطرف والتعصب في الآراء وشيوع الجريمة كرد فعل لانهيار القيم وعدم تكافؤ الفرص, كما شاعت قيم فقدان احترام العمل والتقبل النفسي لفكرة التفريط في معايير أداء الواجب الوظيفي وتراجع الاهتمام بالحق العام والشعور بالظلم لدى الغالبية مما يؤدي بدوره إلى الاحتقان الاجتماعي وانتشار الحقد بين شرائح المجتمع وانتشار الفقر,وقد جاء ذلك على خلفية التراكمات التي افرزها النظام السابق متبوعة ومعززة بالإفرازات السلبية التي سببتها الاستقطابات السياسية والتحالفات المشوه والاعتبارات الفئوية والطائفية والقبلية حيث غياب مفهوم المواطنة ومصالح البلاد العليا.


وهكذا لعبت المحاصصة بمختلف مظاهرها سببا في شيوع الفساد الإداري والمالي, ولعبت دور الحاضنة الأمينة له ,فلم يتم اختيار أفراد السلطة ولا الوظائف العامة على أساس النزاهة والعصامية والتكنوقراط وإنما جرى ذلك وفقا لتوافقات سياسية واستحقاقات غير متوازنة ولا معقولة, وعلى هذا الأساس استخدم الفساد كطريقة وجزء من منظومة " الحوافز الإيجابية " ," فالمظلوم " من النظام السابق يقوم باسترداد " حقوقه " بطرق غير قانونية كردة فعل على القمع والإقصاء, ويصبح بدوره ظالما وسارقا للمال العام كاحتلاله منصبا سياسيا أو وظيفيا لا يحمل له أي مؤهل وتحت واجهات ومبررات مختلفة: خطية يستاهل, وصاحب عائلة وأطفال وين يروح, خوش آدمي صائم مصلي,أحسن ما يمد أديه للناس, أو يعتبر نفسه مفصول أو مضطهد سياسيا من النظام السابق فيقوم بتزوير الوثائق والمستندات اللازمة لذلك لكي يسترجع " حقوقه ". أما المظلوم الحقيقي من النظام السابق فيعاني الأمرين لانتزاع حقوقه, بل الكثير تنازل عن جدوى الادعاء بحقوقه تحت وطأة سوء المعاملة’كاصتدامه بموظف كارها له في الفكر أو بعثي سابق احتمى بطائفته ويشغل منصبا جديدا تكريما" لمظلوميته ". وهكذا وفرت المحاصصة غطاء لسرًاق المال العام وللمفسدين بصورة عامة, والجميع بعمل على قاعدة أضرب(أسرق) وأهرب إلى طائفتك أو قبيلتك أو حزبك أو إلى قوميتك, أو هذا لك وذاك لي, بل وصل الأمر إلى العبث في تفسير النصوص القرآنية التي لا خلاف على تفسيرها,في محاولة لانتزاع "الاعتراف الإلهي" بأهلية الفاسد وفساده,فعلى سبيل المثال لا الحصر مثلا يرون في النص القرآني: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله" لا تشمل العقوبة سرًاق المال العام, وأن السارق له حصة في هذا المال فهو يأخذ من حصته, والسارق يعرف تماما أن السرقة من المال العام يعني السرقة من أكثر من 38 مليون عراقي, وبالتالي يستحق ليس قطع اليد،بل تقطيع الأوصال(حسب بعض المفسرين), أما اللهاث وراء الفتاوى الدينية لتحريم الحلال وتحليل الحرام فلا حدود لها, وعلى قاعدة " ذبه برأس عالم وأخرج منها سالم " وما أكثر العلماء في عراق اليوم.


ويتقاطع الفساد الإداري والمالي مع الفساد السياسي ليشكل مقدرة استثنائية في التحكم في الأمن وبعث " الاستقرار " وفي انهياره أيضا,وتلجأ العديد من الفصائل السياسية في التعبير عن قوتها وقدرتها على العبث في الاستقرار عبر ممارسة الفساد المقترن بالقوة المسلحة لاختراق مؤسسات المال العام وقتل حراسه, ثم إعادة المال واختفاء المجرمين, وهي شبيه بالمناورات العسكرية لاستعراض القوى" ولتأديب " الحليف السياسي عند الضرورة, ناهيك عن الإرهاب المعلن بغير أقنعة والمدعم خارجيا والقائم على خلفية عقائدية في العداء للديمقراطية بدون رتوش. أن اقل ما تتركه هذه الأساليب من آثار تربوية ونفسية سلبية هو فقدان الأمل في الاستقرار والخضوع لتفاعلات الأمر الواقع وعدم الثقة بالنظام السياسي باعتباره بديلا عن النظام الديكتاتوري السابق,إلى جانب ما يتركه من حالات إحباط وقنوط تتضح آثارها بصور مختلفة من الاضطرابات النفسية لعل أبرزها مظاهر الاكتئاب والعدوان وإلحاق الأذى بالذات وبالمصلحة العامة.


ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن في كل تجارب البلدان التي مرت في محنة الفساد بقيت لديها فسحة من الأمل في بعض من قطاعاتها خالية نسبيا من الفساد,نظرا لارتباط هذه القطاعات بأهداف إنسانية كبرى ذات صلة وطيدة بمستقبل مجتمع بالكامل من حيث الأعداد والتربية والتأهيل وغرس روح المواطنة ونشير منها على سبيل المثال إلى قطاع التربية والتعليم باعتباره قطاعا مصدرا لنماذج القيم المتقدمة وإعادة توليد ما هو ايجابي ومشرف في ذهنية الدارسين, إلى جانب كون العاملين فيه من النخب الاجتماعية والتربوية التي يفترض أن تكون نماذج ومعايير يقتدى بها ويسمع رأيها ,خاصة في الأزمات العامة ,إلا انه مع الأسف كان هذا القطاع من الضحايا الأولى للفساد بمختلف مظاهره من تزوير وسرقة أموال الدارسين وإفساد للعملية التربوية والتعليمية, منهجا وطرائفا وكادرا ومؤسسات, بل أن المحاصصات السياسية والحزبية والطائفية والقومية دخلت بكل حمولتها السيئة لهذا القطاع لكي تحي في ذاكرتنا الآثار السيئة للتبعيث,وبهذا حرم هذا القطاع من دوره الحقيقي في محاربة الفساد بتحويله إلى قطاع مُصدر للفساد.


وتبقى محاربة الفساد وتجفيف منابعه إحدى المهمات الصعبة التي تقف عائقا أمام تطور مجتمعنا وديمقراطيته السياسية, وأن المدخل اللازم للقضاء عليه يتجسد في بناء دولة المؤسسات ألحقه القائمة على سلطة القانون لا سلطة الحزب أو الطائفة أو القبيلة والقومية, والعمل على تفعيل النزاهة والمسائلة والعدالة ضمن آليات عمل مفوضية النزاهة المستقلة ويجب أن تقوم بدورها بملاحقة المتورطين بقضايا الفساد وتقديمهم للعدالة باختلاف مناصبهم ووظائفهم ومسؤولياتهم وأنتمائاتهم الحزبية والطائفية والقومية, والجرأة الكاملة والواضحة في مكافحة الإرهاب بشدة باعتباره لونا من ألوان الفساد وخاصة عندما يستخدم للوصول إلى أهداف سياسية, والحفاظ على قطاع التربية والتعليم وتخليصه وتحًيده من الصراعات الطائفية والحزبية والسماح له بأداء دوره الإنساني والوطني في محاربة الفساد على نطاق واسع, فهو صمام الآمان لخلق جيل مؤمن بقيم النزاهة والحق والعدالة,وإعادة توليد القيم الايجابية في أذهان رجال المستقبل.

مصطفى الكاظمي رئيس الوزراء العراقي الحالي و رجل المخابرات العراقية ورئيس جهازها كما يقال عنه, يفترض أنه كان عارفا بكل شاردة وواردة وهو الحارس الأمين للمعلومة الأمنية في حفظ حياة الشعب, وعليه أن يفهم إذا رغب, أن الفساد في العراق وهو نتاج لفساد نظام المحاصصة الدينية السياسية والأثنية, وعليه استغلال الوقت للشروع بالخطوات الفعلية للأصلاح الشامل, بعيدا عن مضيعة الوقت وضغوطات الأحزاب الطائفية والاثنية او الارتهان الى اجندة تفكيك العراق. ومن هنا ومن برنامج الكاظمي عليه البدء بما يلي: إجراء انتخابات مبكرة بعد استكمال القانون الانتخابي، وتفعيل مفوضية الانتخابات وتطبيق كامل لقانون الأحزاب بالتعاون مع الأمم المتحدة. فرض هيبة الدولة من خلال حصر السلاح بيد المؤسسات الحكومية والعسكرية. فتح حوار وطني بهدف الاصغاء لمطالب حركة الاحتجاج السلمي والشروع بحملة شاملة للتقصي والمساءلة بشأن أحداث العنف التي رافقتها وتطبيق العدالة بحق المتورطين بالدم العراقي. إعداد مشروع قانون موازنة استثنائية لمواجهة الأزمة الاقتصادية وتداعيات انهيار النفط، فضلا عن تسخير إمكانات الدولة لمكافحة جائحة كورونا. حماية سيادة العراق وأمنه وإنتاج رؤية وطنية مشتركة للتفاوض بشأن مستقبل وجود القوات الأجنبية ضمن نطاق عمل أمن البلاد واستمرارية مكافحة فلول الإرهاب وخلاياه. إجراء مفاوضات جادة مع قيادات دول التحالف الدولي بما يضمن تحقيق تطلعات الشعب بالسيادة الوطنية الكاملة في ضوء مصالح العراق وعدم المساس بأمنه الداخلي. عدم استخدام أرضي العراق للاعتداء على أي من دول الجوار جيران وعد السماح بتحويلها الى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. تتعاطى الدولة مع مؤسسات رسمية في علاقاتها الخارجية وفي نطاق قواعد الدبلوماسية الدولية وليس مع أشخاص أو جهات غير رسمية. تؤسس الحكومة العراقية مجلسا استشاريا شبابيا تطوعيا مرتبطا بمكتب رئيس الحكومة يمثل المحافظات كافة ويتم التنسيق مع هذا المجلس بشأن الخطوات الحكومية الخاصة بمجال الإصلاح، ويكون له دور في صياغة آليات دائمة لحماية الحق في التظاهر وضمان سلميته. مكافحة الفساد وتفعيل الملفات المعطلة وتطبيق القانون على الفاسدين مهما بلغ نفوذهم. البدء الفوري بتدقيق السجلات المالية للشركات الحزبية والشخصيات وأصحاب رؤوس الأموال المشكوك بحصولها على أموال بطريقة غير مشروعة.

أن البلاد تقف اليوم على مفترق طرق بسبب الازمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية التي انهكتها، وان انتشالها يستلزم الإسراع في معالجة ملفات الإصلاح والتغيير التي طرحتها الانتفاضة وشدد عليها المنهاج الحكومي والمذكورة بعض من نقاطه اعلاه وهي مقدمات لازمة لمحاربة الفساد على نطاق واسع واقتلاع جذوره ورموزه السياسية. فهل هناك غطاء برلماني للسيد الكاظمي كي يفي بوعوده لفتح واثارة مختلف الملفات والتأسيس لمعالجتها موضوعيا, أم ان الأوضاع مفتوحة لمختلف الاحتمالات وان الوقت يجري سريعا ليست لمصلحة الكاظمي فقط, بل لكل العملية السياسية في البلاد, وقد تندفع البلاد الى حافة المجهول وعندها لا يوجد رابح من خيارات لا تحمد عقباها.
.

 







.











16
                               
على ضوء رفع بعثة الاتحاد الأوربي في العراق علم المثلية الجنسية في بغداد ـ الجزء الثاني في المثلية الأنثوية



د.عامر صالح


حذفت بعثة الاتحاد الأوروبي في العراق، فجر الإثنين بتاريخ 2020ـ05ـ18، تغريدة الاحتفال برفع علم “المثلية الجنسية”، فوق مقرها بالعاصمة بغداد، بعد موجة غضب وتنديد سياسية ودينية. والأحد المصادف 2020ـ05ـ17، قالت بعثة الاتحاد الأوروبي، عبر حسابها بـ”تويتر”: “بالاشتراك مع السفارة الكندية والسفارة البريطانية في العراق، ننضم اليوم في بغداد مع بعثات الاتحاد الأوروبي حول العالم في رفع علم قوس قزح (علم المثليين) للاحتفال باليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية والتحول الجنسي، وتسليط الضوء على حقوق المثليين”.

ولاقى الإعلان الذي تم إرفاقه بصورة لـ”علم المثليين” المرفوع في بغداد، ردود فعل سياسية ودينية غاضبة طالبت بطرد سفراء دول الاتحاد الأووربي وإغلاق مقراتها. وعبّرت وزارة الخارجيّة العراقية الأحد، عن شجبها لخطوة الاتحاد الأوروبي، ودعت كافة البعثات العاملة في البلاد إلى التقيّد بالقوانين، ومراعاة الأعراف الدبلوماسية والقِيَم السائدة في المُجتمَع. كما أدان ديوانا الوقفين السُني والشيعي الإجراء، بالإضافة إلى البرلمان العراقي، ومراجع شيعية، وكتل سياسية.

وقد اعتبر الكثير هذه الخطوة غير مسبوقة في العراق، الذي يعد بلداً محافظاً، وتلعب الأعراف القبلية والدينية فيه دوراً بارزاً. ولكن في 3 مارس/ آذار الماضي، أشادت السفارة البريطانية في العراق عبر “تويتر”، بما قالت إنه “اعتراف” الحكومة بحقوق المثليين في البلاد. فيما نقلت مواقع محلية عن مصادر حكومية “لم تسمها” قولها إن السلطات العراقية لم تتخذ بعد أي خطوة رسمية باتجاه الاعتراف بحقوق المثليين. وتقول المنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق المثليين، إنهم يتعرضون للاختطاف والقتل في العراق على يد مجموعات مسلحة مجهولة الهوية.

 ومن الضروري التذكير أنه في 17 مايو أيار 1990، حذفت منظمة الصحة العالمية المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية، بعد مرور أكثر من 100 عام على تصنيفها كحالة مرضية. وأصبح هذا التاريخ يوميًا عالميًا لمناهضة رهاب المثلية والتحول الجنسي. وعادة ما تشهد مدن عالمية مسيرات دعما للمثليين لتسليط الضوء على معاناتهم في المجتمعات التي لا تتقبلهم، حيث لا تعترف قوانين كثير من الدول بحقوقهم.

ومن الضروري هنا الاشارة في أطار الترابط مع تلك المناسبة العالمية, الى ان منظمة العفو الدولية حثت الحكومة العراقية في فترات سابقة على بذل المزيد من الجهود لحماية المثليين في البلاد, وذلك في اعقاب صدورتقارير عن تزايد حوادث القتل في أوساط الشباب منهم على وجه الخصوص. وجاء في الرسالة أن25 فتى لقوا مصرعهم في العاصمة بغداد لوحدها خلال الأسابيع القليلة المنصرمة, وذلك اما لأنهم كانوا من المثليين الجنسيين, أو أن المهاجمين تصورا بأنهم كانوا كذلك. وقد انتقدت الرسالة ما أسمته"اخفاق الحكومة" العراقية بادانة حوادث القتل تلك,والتي يعتقد بأنها نفذت على أيدي رجال ميليشيات طائفية ,أو من قبل أفراد ينتمون الى عشائروعائلات الضحايا انفسهم.



أن المثلية الجنسية الأنثوية ( السحاق) هي الوجه الآخر للمثلية الجنسية عموما, والتي تشكل المثلية الجنسية الذكورية ( اللواط) وجهها الأول. وقد نشرت على صفحات الانترنيت مقالا مكرسا عن الأخيرة بعنوان: "على ضوء رفع بعثة الاتحاد الأوربي في العراق علم المثلية الجنسية في بغداد ـ الجزء الأول في المثلية الذكورية ". أن المثلية الجنسية الأنثوية بمعناها الشامل تعني الميول والممارسات ذات الطابع أو التنويه الجنسي بين أنثيين أو من أنثى إلى أخرى من جنسها, غير أنها بالمعنى المحدد تعني ممارسة العلاقة الجنسية الفعلية بين أنثى وأخرى.وهذه الحالة الأخيرة هي التي تسمى باللسبية. ولا نعتقد أن هذه الممارسات منعدمة كليا في أي مجتمع, قديم أو حديث, بدائي أو متحضر أو متطور, غير أنه يصعب تحديد نسبة الممارسة في أي مجتمع, وهذه الصعوبات ناتجة عن التستر عليها وعدم الإفضاء, وما يترتب على ذلك من نبذ اجتماعي وعقاب ديني لذوي الممارسة, إضافة إلى صعوبات ناجمة عن تحديد أوجه هذه الممارسة بين أنثى وأخرى, وذلك لأن درجات التماس الجسمي عديدة كما أن أي واحدة منها قد تخدم غرضا جنسيا قد يختلف في طبيعته النفسية والفيزيولوجية عن أي درجة أخرى من التماس.


ففي المجتمعات الأوربية والمتقدمة منها بشكل خاص أصبحت الظاهرة قابلة للقياس والبحث العلمي نسبيا.أما في المجتمعات الأخرى, ومنها العربية والإسلامية بصورة خاصة فهي عصية على الاختراق لأسباب ثقافية ودينية تحجب اختراق الظاهرة ودراستها بشكل موضوعي, على الرغم من وجود الكثير من المؤشرات التاريخية والحاضرة على وجودها واستمرارها, وتشكل رمزية قصة قوم لوط وذكرها في القرآن أحدى المؤشرات الهامة لذلك وتعبر بنفس الوقت عن عمق التأريخ المدون للظاهرة. وتشكل قصة لوط ليست فقط مدخلا لفهم " اللواط", بل لفهم الوجه الأخر من نتائجها وهو "السحاق", وهي تفسر النتائج والأسباب المتبادلة بين الظاهرتين عندما تؤسس الممارسة على قاعدة الانكفاء بين الجنسين, وأن لم يكن قد ورد ذلك صراحة في القرآن, ولكن ورد على ألسنة المفسرين للنص القرآني.


ولأغراض المتعة العقلية فيما ذكرنا أعلاه, نشير هنا إلى ما ذكره الراغب الأصبهاني في كتابه " محاضرات الأدباء" والمحمل على صفحات الانترنيت, بخصوص الجذور الأولى لنشأة السحاق عند العرب. فوفقا للأصبهاني كانت هند بنت عامر زوجة   النعمان بن المنذر بن امرئ ألقيس اللخمي الملقب بأبي قابوس( 582ـ610م ) وهو من أشهر ملوك المناذرة في عصر قبل الإسلام, رائدة السحاق العربي بعد الانقطاع التاريخي الذي نتج عن إهلاك الله لقوم لوط.فقد ذكر الأصبهاني في المحاضرات أن أول من سنت السحاق عند العرب نساء قوم لوط لما شاع بين رجالهن إتيان الذكور وهجرهم النساء, فلما اشتدت شهوتهن أخذن يتضاربن بالأرداف فوجدن لذة في ذلك, ثم ألصقن الردف بالشراح فكانت أكثر لذة, ثم دلكن الشراح بالآخر, فتصدم النواة بالنواة/ والهنات بالهنات, فتنزلان الماء, ولما أهلك الله قوم لوط الرجال والنساء انقطع اللواط والسحق, حتى جاءت رقاش بنت الحسن اليمانية مرة لزيارة هند بنت عامر بن صعصعة زوجة النعمان بن المنذر, وافدة عليها فأنزلتها عندها وكانت ذات حسن ونضارة فشغفت بها وكان النعمان يغزو فيغيب عن امرأته, فتكون هي ورقاش على فراشه, فربما التصق جسداهما, فوجدتا لذة لطول العزوبة حتى استدلتا على طريق المساحقة, فما زالت رقاش تزين لهند وقالت إن في اجتماعنا أمنا من الفضيحة وأدراك الشهوة, فاجتمعتا واستمر بهما ذلك حتى أصبحن كزوج وزوجة وبلغ من شغف كل واحدة بالأخرى أنه لما ماتت ابنة الحسن اعتكفت امرأة النعمان على قبرها واتخذت الدير المعروف بدير هند في طريق الكوفة. وفيها يقول الفرزدق مخاطبا جرير بن عطية يهجوه:

وفيت بعهد كان منك تكرما      كما لأبنة الحسن وفت هند


أن وضع النص المذكور أعلاه في مناظرة مع العلم الحديث يعكس لنا انطباعا دقيقا أن الأصبهاني تحدث عن المثلية الفعلية بين الإناث وليست الميل العام لها, وهو بهذا المفهوم يتفق مع مفهوم اللسبية التي تقابل السحاق في المفهوم العربي الكلاسيكي, وهي حالة التماس الفعلي ذو الممارسة الجنسية. ولا نتفق مع الأصبهاني كون أن الظاهرة انقطعت بعد ما حل بقوم لوط من عقاب حسب" الرواية الدينية", ولكننا نستطيع أن نقول أن الظاهرة اختفت عن الأنظار ولم تنقطع, ولذلك لم تسنح الفرصة لتدوينها أما ما تم تدوينه فهي حالات قريبة من البلاط الحاكم,  وهي حالات سهلة الملاحظة نسبيا قياسا بالحالات العامة المستعصية, ولذا نستطيع أن نقول أن هند بنت عامر قد تكون أحدى رائدات السحاق العربي وليست الرائد الأول. كما نستطيع أن نؤكد أن النص وضع يده على احد أسباب السحاق وهو هجر الزوجة بعيدا وعدم تنظيم العلاقة الزوجية,ولكن النص  من جانب آخر  حصر السحاق فقط في المتزوجات.


ورغم أن هناك أجماع بين فقهاء الدين بأن ممارسة المرأة الجنس مع امرأة أخرى هو حرام ومعصية كبيرة من أشد الكبائر وهو مخالف للفطرة الإنسانية, إلا أن عدم وجود نص قرآني صريح وواضح (على نسق ما جرى لقوم لوط) بهذا الخصوص ترك آثاره على المذاهب الإسلامية المتعددة للاجتهاد حول هذه الظاهرة وشروط اقترانها بالممارسة الدينية, مع العلم أن هناك أحاديث تنقل عن النبي محمد تدين الظاهرة إدانة واضحة كقوله مثلا: "سحاق النساء زنى بينهن" وكذلك قوله" السحق في النساء بمنزلة اللواط في الرجال, فمن فعل من ذلك شيئا فاقتلوهما,ثم أقتلوهما", إلا أن هناك خلافا بين الفقهاء حول ما ورد من أحاديث واعتبروها من الأحاديث الضعيفة من حيث استيفائها لشروط انتسابها إلى الأحاديث النبوية.


ونشير هنا إلى موقف المذهب الشيعي من السحاق وتحديدا الشيعة الأنثى عشرية والذي روي عن الأمام جعفر الصادق, والذي تسمى  الشيعة الأنثى عشرية نسبة أليه بالجعفرية, وهو موقفا متشددا, ويستند إلى تفسير بعض النصوص القرآنية, وليست إلى نصوص صريحة. حيث روي عنه أنه دخل عليه نسوة, فسألته امرأة منهن عن السحاق؟ فقال: حدها حد الزنا.فقالت المرأة: ما ذكر الله عزوجل ذلك في القرآن؟ فقال: "بلى".قالت: وأين هو؟ قال : "هن أصحاب الرس, ويقصد بذلك الذين جاء ذكرهم في سورة الفرقان, الآية 38: ( وعاد وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا), وكذلك ما ورد في سورة قاف, الآية 12: (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود). واستنادا إلى بعض التفسيرات فأن أصحاب الرس هو نسبة إلى نهر أو بئر يعرف بالرس بآذربايحان, وهم قوم كذبوا الأنبياء والرسل, واختاروا الممارسات الجنسية الشاذة والمحرمة كاللواط والسحاق ,فاستغنوا رجالهم بالرجال و نساؤهم بالنساء فأهلكهم الله. وهناك الكثير من التفسيرات لهذه النصوص, يمكن الاطلاع علها في المواقع الالكترونية الخاصة في تفسير القرآن أو كتب التفسير.


أما بالنسبة للمذهب السني فقد أشار بوضوح كون فعل السحاق حرام بإجماع فقهاءه, إلا أن هناك تنوعا مرنا في الرأي عند فرق السنة بقدر ما يتعلق الأمر بصلته بالممارسات الدينية. وهنا نشير إلى ما ورد بخصوص ذلك في الموسوعة الفقهية والمحملة على أوقاف نت الخاصة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الكويت/ في الجزء الرابع والعشرون من هذه الموسوعة . فقد أختلف فقهاء السنة في نقض السحاق للوضوء؛فذهب الحنفية إلى أن تماس الفرجين سواء كان من جهة القبل أو الدبر ينقض الوضوء ولو بلا بلل ـ وهو عندهم ناقض حكمي ـ واشترطوا أن يكون تماس الفرجين من شخصين مشتهيين وهو ما يفهم من مذهب المالكية حيث أن مس امرأة لأخرى بشهوة ينقض الوضوء, لأن كل منهما تلتذ بالأخرى, وصرح الحنابلة بأنه لانقض بمس قبل امرأة لقبل امرأة أخرى أو دبرها, وهو مذهب الشافعي. كما يؤكد مذهب المالكية والحنابلة أن خروج المذي بلمس أو قبلة مباشرة مفسدا للصوم, خلافا للحنفية والشافعية , (يمكن العودة للموسوعة المذكورة للمزيد من التفاصيل). ونعتقد على خلفية هذا الموقف الواضح للمذاهب السنية أنه بإمكان" المرأة السحاقية المسلمة" أن تمارس الطقوس الدينية من صلاة وصوم وفقا للضوابط الشرعية المذكورة أعلاه. ونعتقد كذلك أن هذا الموقف قائم على تصور مفاده أن فعل السحاق ليست بمنزلة فعل اللواط وأن الأول هو أشبه بمقدمات(مداعبات) للفعل الجنسي, وليست عملا جنسيا كاملا كما يجري في اللواط في أغلب الأحيان .


أما بالنسبة لمدى انتشار ظاهرة المثلية الجنسية الأنثوية في العالم العربي والإسلامي في الوقت الحاضر فهي غير معروفة ولا يمكن أن نتوقع إحصاء دقيقا عنها,نظرا للتكتم الشديد عليها, إلا أننا نستطيع أن نلتمس بعض من أبعادها,والذي يعبر بالتأكيد عن وجودها في عالمنا العربي ,فعلى سبيل المثال لا الحصر,ونقلا عن شبكة أبن الخليج الالكترونية يؤكد استشاري الطب النفسي الدكتور عبد الله السبيعي بكلية الطب بجامعة الملك سعود في الرياض بأن ظاهرة المثلية الجنسية الأنثوية في المجتمع السعودي في تزايد مستمر في ظل وجود العوامل المثيرة للرغبات الجنسية كالقنوات الفضائية والانترنيت والهاتف الجوال الذي أصبح الآن للعلاقات غير المشروعة(وفقا لتصوره), وأكد كذلك أن هذه الظاهرة غالبا تحدث بين الشابات في الأماكن المكتظة بهن كالمدارس, وتبرز بشكل أكثر في الجامعات لعدم قوة ضبط وهيبة الإدارة مقارنة بالمدارس ( حسب قوله ) كما أكد أيضا عن أن أكثر من(70%) في الفتيات الشاذات جنسيا(حسب تعبيره) في المملكة العربية السعودية لا يرغبن في تعديل وعلاج سلوكهن خاصة اللاتي مارسن هذه الظاهرة بشكل كبير لاقتناعهن بأنهن لا يحسن غير هذا النوع من الممارسة للحصول على المتعة الجنسية ولا يجدن الإثارة في الرجل.

ومن الجدير بالذكر أن بعض من ملامح هذه الظاهرة بدأت تطفح على السطح من خلال معالجات بعض الأعمال الفنية, فقبل أعوام تم عرض الفلم المصري" حين ميسرة " والذي تم فيه عرض مشاهد ( السحاق ) الذي أدته الفنانتان المصريتان غادة عبد الرزاق وسمية الخشاب, وقد أثار موجة من السخط والغضب في  صفوف بعض من أساتذة الجامعات وعلماء الدين في الأزهر, مطالبين بإحالتهما إلى النيابة المصرية العامة للتحقيق معهما بتهمة الدعوة إلى نشر الشذوذ الجنسي والسحاق والتخريب الأخلاقي, وكالعادة متهمين "الأصابع الأمريكية والصهيونية" بالوقوف وراء مثل هذه الأعمال الفنية الشاذة ضمن مخطط تخريبي كما يدعون لتدمير أخلاق المجتمع, مؤكدين أنه لا يمكن أن نتصور أن" السحاق" وصل عندنا إلى هذا الحد. وقد سبق ذلك فلما ولكنه عن" اللواط" بين رجلين, وهو فيلم( عمارة يعقوبيان ) من بطولة الفنان عادل أمام.


أن المثلية الجنسية الأنثوية هي ظاهرة سايكوأجتماعية معقدة نسبيا قياسا بالمثلية الجنسية الذكورية وذات طابع نمائي, وان الأسباب التي تدفع بالمرأة نحو المثلية كثيرة, وترد في غالبيتها إلى عوامل معقدة تتصل اتصالا وثيقا بشخصية الفتاة وبالعوامل النفسية المختلفة التي تعرضت لها في أدوار الطفولة, ولعل هذه العوامل النفسية في المرأة أكثر تعقيدا منها في الرجل بسبب الرقة التي يتميز بها الكيان النفسي للمرأة مما يجعلها أدق وأعمق من الرجل في حياتها النفسية.


قد تلجأ بعض الإناث إلى التجربة الجنسية مع مثلهن بسبب محدودية الاتصال بالجنس الأخر من الناحية الجنسية وحتى العاطفية.وفي هذه الحالة تعتبر التجربة الجنسية المثلية امتدادا طبيعيا للدور الجنسي المثلي الذي يكثر في المراهقة عند الذكور والإناث. والبعض من الإناث يمارسن ذلك بسبب دافع حب الاستطلاع أو لمجارات بعض التجمعات الشللية. ومعظم الإناث تخلين عن ممارسة المثلية بعد توفر العلاقة الطبيعية مع الجنس الأخر, إلا أن بعضهن يتجهن اتجاها واضحا في ممارسة المثلية حتى بعد توفر العلاقات الجنسية الطبيعية سواء من خلال الزواج أو بدونه, وهذه الحالات هي حالات مثلية صرفة,وهناك العديد من الأسباب لتفسير ذلك, يمكن اختصارها بالشكل الأتي:

1 ـ أن بعض الإناث يثيرهن الإعجاب ببعض الخصائص التي تتحلى بها بعض الفتيات من جنسهن, وقد يبدأ هذا الإعجاب منذ الصغر, وقد ينمو عند بعضهن إلى ما يشبه عاطفة الحب العنيف. ويقع اختيار الفتاة على فتاة تتحلى ببعض المزايا التي تفتقدها في نفسها وطالما تمنتها, سواء كانت هذه الصفات عقلية أو جسمية أو اجتماعية.ويعزز هذا الاتجاه فشل الفتاة في العثور على هذه الصفات في والدتها أو بسبب حرمانها من عطف أم , لها بعض هذه الصفات.مع أن بعض الفتيات يستطعن في الكبر تحويل هذه العاطفة الأعجابية إلى مجالات عاطفية أو أحتماعية أخرى, إلا أن البعض الأخر لا يستطيع الابتعاد عن هذا الارتباط الذي قد ينمو ويتخذ مظهرا جنسيا مثليا.إلا أن بإمكان العلاقة الزوجية القائمة على التفهم العاطفي للزوجة أن يحل ذلك.

2ـ أن بعض من الإناث يعاني مبكرا من عدم الثقة بالنفس, وفي أنوثتهن و يعانين من شعور عام بالنقص وعدم الاطمئنان والقلق. وقد يكون ذلك بسبب عدم اكتمال نمو الحياة العاطفية للفتاة, كما قد ينجم ذلك من أخطاء عاطفية تربط الفتاة بوالديها وخاصة الأم.إذ أن من العسير على الفتاة أن تشعر بمثل هذه الثقة بنفسها إذا كان المصدر الأول لتعرفها بنفسها كأنثى,وهو الأم,لا يعطيها الشعور بذلك.وهناك من يعتقد أن وفاة الأم مبكرا أو الفراق الطويل الأمد, وكذلك العزوف عن الصلات العاطفية بأولادها, وجميع هذه العوامل تدفع صوب المثلية الجنسية الأنثوية كشكل من أشكال التعويض العاطفي عن المصادر الطبيعية, ولكن أذا استطاعت الفتاة من ملء هذا الفراغ بمصادر طبيعية يمكن لها أن تعود إلى العلاقة مع الجنس الآخر.

3ـ أن الفشل في الحياة الزوجية بما في ذلك العلاقة الجنسية قد تكون وراء اندفاع المرأة نحو العلاقة المثلية. وقد يكون هذا الفشل مقررا بسبب البرودة الجنسية للزوجة سواء كان هذا البرود مقررا بالطبيعة التكوينية أو بسبب عوامل أخرى. وقد يتقرر هذا الفشل بسبب الزوج, لأسباب مماثلة, وقد يأتي بنتيجة عدم التوافق بينهما, وهي أمكانية كثيرة الوقوع. ويجب إدراك حقيقة أن الحياة الجنسية للمرأة هي أكثر من الاكتفاء الجسدي أو الغريزي, وهذا الواقع قد يعرضها إلى مختلف الاضطرابات النفسية العميقة إذا لم تراع حاجاتها بدقة وعناية. والخطأ في أدراك ذلك قد يؤدي إلى ردود فعل عنيفة لدى المرأة يبعدها عن أي علاقة مع الرجل,فتندفع نحو علاقات مثلية لتأمين نوع من الأمن النفسي والروحي(طبعا تلعب هنا الثقافات المختلفة دورا كبيرا في تحديد وجهة ذلك ودرجته).

4ـ كما تفسر بعض حالات المثلية الجنسية الأنثوية هي أن ذروة المرأة قد لا تتحقق إلا عن هذا الطريق, ثم أن حصول المرأة على ذروات متعددة في وقت قصير قد لا يأتي إلا عن هذا الطريق, وهذا ما يدفع بعض النساء إلى اللجوء إلى اللسبية تفضيلا عن العلاقة الجنسية مع الرجل. وقد يكون من الأسباب أيضا في بعض الحالات هروب المرأة من الالتزامات التي يترتب على العلاقة الجنسية مع رجل, من تكوين أسرة وحمل وتربية الخ.

5ـ وهناك أيضا التفسيرات التي ترى إن هناك استعدادا تكوينياـ وراثيا نحو الجنسية المثلية وبأن هذا الاستعداد ينتقل على شكل تغيرات هرمونية عصبية,وأن هذه التغيرات تحدث تحسسا  لنواة الهايبوثالموس في الدماغ في وقت دقيق وحرج من مراحل النمو.وكما هو معروف أن هذه النواة تنظم وتتحكم بالفعاليات المختلفة لحياتنا الجنسية. أما بالنسبة للفرويدية فهي ترى أن الإشباع الشديد للغريزة في مرحلة الطفولة إشباعا فمويا يجعل الطفل يجد صعوبة في التخلي عنها أو يجعله يحن إلى العودة إليها حين يكبر, وتشكل المثلية أحد مظاهرها, وهو ما يسمى في علم النفس بالتثبيت.


وهكذا من الناحية العلمية فأن المثلية الجنسية الأنثوية لا يمكن حصرها في عامل واحد, وإنما تتضافر عدة عوامل من نفسية واجتماعية وحضارية وبيولوجية وتكوينية, إضافة إلى توفر متغيرات زمنية نوعية وكمية في كل حالة. وعلى خلفية عدم الوضوح الفكري والديني لظاهرة المثلية الجنسية الأنثوية من حيث أسبابها ومظاهر التعبير عنها, يجري التعامل مع النتائج باعتبارها أسبابا أو كما يقال(وضع العربة أمام الحصان), وبالتالي تصبح محاربة الفعل المثلي مطلوبا لذاته, دون فهم الميكانيزم الذي يقف ورائه, وأن إدراك هذا الأخير يعني في المنهج العلمي تسهيل حصر هذه الظاهرة إلى أدنى مدايات التعبير عنها. وتبقى الحالات المستعصية أو اللسبية الفعلية متروكة لسقف التسامح الاجتماعي في تقبل الأخر, بعيدا عن الاضطهاد والتصفيات الجسدية, والذي يؤدي بدوره إلى مزيدا من الحقد والكراهية الاجتماعية, ولكنها مهمة ليست سهلة في مجتمعاتنا.         

   
وعلى العموم يذكر أن الأشخاص من المثلييين ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين جنسيا في العراق يواجهون تحديات قانونية واجتماعية لا يواجهها غيرهم من المغايرين جنسيا ولا يسمح للرجال المثليين بالخدمة بشكل علني في الجيش ويعتبر كل زواج المثليين والشراكات المنزلية غير قانونية مثل زواج المثليين والاتحادات المدنية والشراكات المنزلية غير قانونية ولا يتمتع الأشخاص المثليون بالحماية القانونية ضد التمييز وكثيراً ما يقعون ضحايا لجرائم عدوانية وجرائم الشرف. وتشير احصاءات الى ان 31٪ من الانتهاكات ضد المثليين في العراق تقع من قبل الميليشيات المسلحة و27٪ من أفراد الأسرة و22٪ من قبل الحكومة و10٪من قبل تنظيم داعش و10%من قبل آخرين. وتوضح أن ما يقرب من النصف من أعمال العنف ضد المثليين تحدث في مناطق وسط العراق و32 % في أقليم كردستان العراق و26 % في جنوب البلاد.


    وفي الوقت الذي أعتبر فيه رفع علم المثلية الجنسية" علم قوس قزح " من قبل بعثة الاتحاد الاوربي استفزاز للمشاعر الرسمية ولبعض الاوساط الشعبية والدينية العراقية, إلا أننا نرى ان الموقف منها لا يتجزأ عن مواقف اخرى, كالموقف من الفساد الاداري والمالي وسرقة المال العام, فالعفة هي العفة بأختلاف مظاهر التعبير عنها, وهل يجوز للأخلاق ان تزكى او تسوف حسب الأهواء والمصالح الذاتية.                                                                                                                       


                                                                                                                                     














 

   








   







17
على ضوء رفع بعثة الاتحاد الأوربي في العراق علم المثلية الجنسية في بغداد ـ الجزء الأول في المثلية الذكورية

د.عامر صالح

حذفت بعثة الاتحاد الأوروبي في العراق، فجر الإثنين بتاريخ 2020ـ05ـ18، تغريدة الاحتفال برفع علم “المثلية الجنسية”، فوق مقرها بالعاصمة بغداد، بعد موجة غضب وتنديد سياسية ودينية. والأحد المصادف 2020ـ05ـ17، قالت بعثة الاتحاد الأوروبي، عبر حسابها بـ”تويتر”: “بالاشتراك مع السفارة الكندية والسفارة البريطانية في العراق، ننضم اليوم في بغداد مع بعثات الاتحاد الأوروبي حول العالم في رفع علم قوس قزح (علم المثليين) للاحتفال باليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية والتحول الجنسي، وتسليط الضوء على حقوق المثليين”.

ولاقى الإعلان الذي تم إرفاقه بصورة لـ”علم المثليين” المرفوع في بغداد، ردود فعل سياسية ودينية غاضبة طالبت بطرد سفراء دول الاتحاد الأووربي وإغلاق مقراتها. وعبّرت وزارة الخارجيّة العراقية الأحد، عن شجبها لخطوة الاتحاد الأوروبي، ودعت كافة البعثات العاملة في البلاد إلى التقيّد بالقوانين، ومراعاة الأعراف الدبلوماسية والقِيَم السائدة في المُجتمَع. كما أدان ديوانا الوقفين السُني والشيعي الإجراء، بالإضافة إلى البرلمان العراقي، ومراجع شيعية، وكتل سياسية.

وقد اعتبر الكثير هذه الخطوة غير مسبوقة في العراق، الذي يعد بلداً محافظاً، وتلعب الأعراف القبلية والدينية فيه دوراً بارزاً. ولكن في 3 مارس/ آذار الماضي، أشادت السفارة البريطانية في العراق عبر “تويتر”، بما قالت إنه “اعتراف” الحكومة بحقوق المثليين في البلاد. فيما نقلت مواقع محلية عن مصادر حكومية “لم تسمها” قولها إن السلطات العراقية لم تتخذ بعد أي خطوة رسمية باتجاه الاعتراف بحقوق المثليين. وتقول المنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق المثليين، إنهم يتعرضون للاختطاف والقتل في العراق على يد مجموعات مسلحة مجهولة الهوية.

 ومن الضروري التذكير أنه في 17 مايو أيار 1990، حذفت منظمة الصحة العالمية المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية، بعد مرور أكثر من 100 عام على تصنيفها كحالة مرضية. وأصبح هذا التاريخ يوميًا عالميًا لمناهضة رهاب المثلية والتحول الجنسي. وعادة ما تشهد مدن عالمية مسيرات دعما للمثليين لتسليط الضوء على معاناتهم في المجتمعات التي لا تتقبلهم، حيث لا تعترف قوانين كثير من الدول بحقوقهم.

ومن الضروري هنا الاشارة في أطار الترابط مع تلك المناسبة العالمية, الى ان منظمة العفو الدولية حثت الحكومة العراقية في فترات سابقة على بذل المزيد من الجهود لحماية المثليين في البلاد, وذلك في اعقاب صدورتقارير عن تزايد حوادث القتل في أوساط الشباب منهم على وجه الخصوص. وجاء في الرسالة أن25 فتى لقوا مصرعهم في العاصمة بغداد لوحدها خلال الأسابيع القليلة المنصرمة, وذلك اما لأنهم كانوا من المثليين الجنسيين, أو أن المهاجمين تصورا بأنهم كانوا كذلك. وقد انتقدت الرسالة ما أسمته"اخفاق الحكومة" العراقية بادانة حوادث القتل تلك,والتي يعتقد بأنها نفذت على أيدي رجال ميليشيات طائفية ,أو من قبل أفراد ينتمون الى عشائروعائلات الضحايا انفسهم.

الكتابة عن هذا الموضوع, لما فيه من خصوصية ومحاذير وتابو عصي على الاختراق والبحث في دائرة ثقافتنا التي لاتفصح عن كل شيئ, لكي يتسنى للناس ممارسة نقد وتقويم الظواهر المختلفة بطريقة بناءة,عبر تفهم ابعادها وتعقيداتها المتشعبة,وبالتالي يكون قبولها او رفضها كليا او جزئيا مبنيا على حيثيات الالمام بها وليست من منظور أقصائي متشنج ازائها, قائم على خلفية الجهل بها فيكون عند ذلك" افضل" الحلول هو لجمها بشتى الوسائل او التعتيم عليها, لكي تنمو الظاهرة اضعافا خلف الكواليس, أن كان طبعا ما يشير الى وجود ذلك المحرم ام لا. والمحرمات لاحصر لها في ثقافتنا, ولكن الخلاف في درجة المحرم وسقف شيوعه. 

أن المثلية الجنسية قديمة قدم التأريخ, بشقيها: المثلية الذكرية (اللواط), والمثلية الأنثوية(السحاق). وكلا الظاهرتين موغلة في التأريخ, فالسحاق الذي يسمى" باللسبية" نسبة الى جماعة من النساء عشن في جزيرة لسبوس اليونانية في القرن السابع قبل الميلاد وأشتهرن بممارسة الجنسية المثلية,وماهذا التأريخ الا هو البداية" الرسمية" أو المعلنة فقط.أما اللواط فلا توجد دلائل تأريخية لبدايته الرسمية,ألا أن آثاره تعكس توغله هو الاخر في عمق التأريخ.


أن من اهم الأمور المتعلقة بالجنسية المثلية عند الذكور هي النظرة الأجتماعية لهذه الظاهرة السلوكية. ويوجد هناك تباينا لهذه النظرة عبر عصور التأريخ والحضارات المتعاقبة والمجتمعات المختلفة.فهي قد عرفت وأنتشرت في الحضارات القديمة لبلاد وادي الرافدين ومصر والهند والصين, ولايبدو أن هذه الحضارات قد أدانت هذه المماراسات, بل أن بعضها, وخاصة اليونانية القديمة قد حظيت بالكثير من التقدير كما يتضح ذلك من بعض محاورات أفلاطون, حيث يحدثنا عن عشق سقراط للغلام اليسباديس, ويذكر ديوجنيس أن سقراط عندما كان غلاما كان معشوقا لمعلمه, وارسطو كذلك المعلم الاول عند الاغريق كان أيضا يمارس الجنسية المثلية,وكذلك من أشراك عدد من آلهة الاغريق مثل"زيوس"و"بوسيدون"و"ابوللووهرميس", في العلاقات المثلية, وما ورد عن تفشي المثلية الجنسية الذكورية في أسبارطة وهي أشد المدن بأسا وشجاعة. أما الأديان السماوية الثلاث(اليهودية والمسيحية والأسلام) فقد أدانت الجنسية المثلية وأعتبرتها مخالفا للفطرة الأنسانية وفناء للبشرية القائمة على الزوجين آصلا.وماحدث لقوم لوط من عقاب يمثل النظرة الدينية لهذه الممارسة.


وبالرغم من التحريم لها فقد أستمرت بالأنتشار في العصور التالية وأن كنا لانعلم بالتأكيد مدى ذلك الأنتشار بالنظر لما يترتب عليه الافضاء من عقاب.غير ان التأريخ الحديث من عصر النهضة وحتى الان قد ترك لنا أسماء مرموقة في تأريخ الفنون والاداب والحياة العامة ممن عرفوا بجنسيتهم المثلية اما في حياتهم أوبعد وفاتهم,ومنهم مايكل أنجلو,وليوناردو دافنشي, وشايكوفسكي, وبيكون, وربما شكسبير, واسكار وايلد, ولورنس, ومارسيل بروست, واللورد كيتشنر وعدد من ملوك الانجليز وغيرهم ممن لم تتناقل اسمائهم لأنهم لم يشتهروا,ولانعلم ان كانت تلك لعنة السماء عليهم ام ميزة لهم كي يتفردو.


أما الأتجاه المعاصر نحو مسألة الجنسية المثلية فهو أتجاه غير ثابت وغير متساوي في الكثير من البلدان والمجتمعات,فهنالك من يدين الممارسة اخلاقيا وبدون تبرير.وهنالك من البلدان ما يفرض عقوبة زجرية وتأديبية شديدة على ممارستها قد تصل الى الحبس المؤبد او القتل كما في البلدان التي تتخذ من الشرع الاسلامي واجهة لها.وهناك من يعتبر المسألة حالة مرضية تقتضي العلاج بالطرق الطبية والنفسية الممكنة,وهناك من يرفض هذه النظرة ولايعتبر الجنسية المثلية مرض من الامراض ولايفرض على الممارس لها ضرورة المعالجة بالأجبار.وفي خضم هذه الاتجاهات الاجتماعية والقانونية والدينية المختلفة يقوم أتجاها أكثر مرونة آزاء الجنسية المثلية. وهذا الاتجاه معمول به في بعض البلدان منها بريطانيا والسويد والدنمارك وهولندا وفرنسا وبعض الولايات المتحدة الامريكية وكلها اجازت الممارسة قانونيا على شرط آن تتم بين فردين راشدين ودون الاخلال بالآداب العامة.


ومن الضروري الأشارة هنا هو أن نسبة الممارسة في البلدان التي تسامحت قانونيا لم يزد على نسبة الممارسة في تلك المجتمعات التي تعاقب عليها وتكبحها بشدة(قد يجري ذلك على قاعدة كل ممنوع مرغوب), كما هو الحال في الكثير من المجتمعات في العالم, ومنها العربية والأسلامية حيث تشير دوائر العلاقات الأجتماعية المغلقة أن هذه الظاهرة متفشية بين أوساط وزراء ومسؤولين وسياسين ومثقفين وكتاب وحتى في أوساط المعلين وممارسي الطقوس الدينية, عدا المنتشر منها في البيئات الأجتماعية ذات الطابع الشللي, والتي تعاني من مظاهر انحراف متعددة كجرائم السرقات والقتل وغيرها.ألا ان عوامل النبذ الاجتماعي لهذه الظاهرة وصرامة العقاب لاتدعنا الى الوقوف على نسب أنتشارها, كما لانتوقع ان تنخفض هذه الظاهرة في ظل الانغلاق الاجتماعي وحالة الأنكفاء بين الجنسين والتخلف العام.وعلى اية حال فهي ظاهرة لها جذورها الممتدة في التأريخ القديم وما قبل الأسلام و ما بعده ,وتشير الى ذلك بوضوح الكثير من الكتابات التأريخية من شعر ونثر ومحاورات وقصص مختلفة, وما كثافة النصوص القرآنية بهذا الخصوص الا دليل دامغ على تفشيها.


ومن الجدير بالذكر هنا, أن النظرة الأجتماعية للعلاقة المثلية الجنسية عبر العصور لم تتميز بالشدة والأدانة التي حظيت بها الجنسية المثلية الذكرية, قياسا بنظيرتها ,الجنسية المثلية الأنثوية, وعلى العكس فأن بعض المجتمعات القديمة,كما كان الحال في اليونان القديم ,فقد رفعت الجنسية المثلية للمرأة الى المرتبة الأسمى من علاقات الحب,غير ان الكثير من الأديان وخاصة السماوية(والأسلام منها) أدانت وأزدرت هذا الأتجاه في المرأة, وجعلتها في منزلة الزنا, غير أنها لم تذهب الى حدود الأدانة الصارمة وما يترتب عليها من عقاب كما هو الحال في اللواطية عند الذكور. وقد يفسر هذا الفارق في الظاهرتين بأن العلاقة المثلية بين الذكور هي في معظمها كاملة من الناحية الجنسية وتشمل أنتقال السائل المنوي الى الطرف الاخر, بينما لايتم هذا الانتقال في العلاقة بين أمرأتين, او قد يفسر من منظور اختلاف الاسباب الداعية الى ذلك عند كلا المثليتين.


اما الموقف الديني التفصيلي من المثلية الذكورية(اللواط) فقد اعتبرها أنتكاسا للفطرة الأنسانية المخالفة للمثلية, وأعتبر اللواط من اعظم الجرائم وأقبح الذنوب وأسوأ الأفعال, وضعف للعقل.ونذكر هنا بشكل خاص قصة قوم لوط ودلالتها الرمزية في أنتشار ظاهرة اللواط,فقد وردت القصة في عشرة سور قرآنية وبزخم هائل من الوعيد والتهديد والعقاب,ونكتفي هنا بما ورد في بعض الايات من سورة الاعراف/الايات:80ـ84,قال: (ولوطا اذ قال لقومه اتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من احد من العالمين.انكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا ان قالوا اخرجوهم من قريتكم انهم أناس يتطهرون.فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين. وأمطرنا عليهم مطرا فأنظر كيف كان عاقبة المجرمين). وتشير النصوص القرآنية, بما فيها النص المذكور اعلاه,الى أن عقوبتهم كانت قلب ديارهم عليهم,والخسف بهم ورجمهم بالحجارة من السماء,وطمس اعينهم...الخ.تلك اذن هي الدلالات الرمزية لطابع العقوبات القرآنية التي يجب أن تستخدم ضد ممارسي اللواط.وكذلك السنة النبوية,فما جاء على لسان النبي محمد بقوله:( من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فأقتلوا الفاعل والمفعول به). وعلى هذا الأساس المستوحى من النصوص القرآنية والسنة النبوية,فقد اجمع على قتل اللوطي لكن اختلفوا في طريقة القتل,فمنهم من ذهب الى أن يحرق بالنار,ومنهم من قال,يرمى به من اعلى شاهق, ويتبع بالحجارة.وقد عمل في هذ العقوبات من قتل وحرق ورجم بعد النبي محمد وفي فترات تأريخية مختلفة.ويتفق الكثير من الفقهاء أن عقوبة اللواط اغلظ من الزنا,وعقوبته القتل على كل حال,أو يؤكد البعض القليل أن عقوبته وعقوبة الزنى سواء(أي مائة جلده).أما بالنسبة لعقوبة الجنسية المثلية الأنثوية( السحاق),فقد أختلفت العقوبة,فمنهم من يرى أن فعل المرأة للسحاق أخف من فعل الرجل للواط من الناحية العملية,وهو شبيه بمقدمات فعل الزنا مثل التقبيل والمفاخذة والملامسة( أي مانطلق عليه بالمداعبات), ولذلك أختلف فيه الفقهاء بين من يقول أنه زنا أومقدمات للزنا. وفي كلتا الحالتين فهو فاحشة ومحرمة في الدين, وقد يضع قول النبي محمد سقفا لهذا الاجتهاد بقوله:( السحاق زنا النساء بينهن).


وضروري الاشارة هنا أن القرآن آشار ضمنا الى وجود حالات عدم الميل الى الانثى عند بعض الرجال,كما ورد ذلك في سورة النور,في الاية(31), وهي التي تنصح المرأة بعدم اظهار زينتها (الا ماظهر منها) الى الناس,ولكن أستثنى بعض الناس الذين تستطيع ان تظهرلهم زينتها,ومن ضمنهم الاطفال وأولي الأربة.والمقصود هنا بأولي ألاربة, الرجال الذين لايشتهون النساء(أي ليست لديهم ميلا للجنس الاخر).كما أشار النبي محمد الى هذه الظاهرة عند كلا الجنسين بقوله :أربعة يصبحون في غضب الله ويمسون في سخط الله تعالى,قيل: من هم يارسول الله, قال:( المتشبهون من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال والذي يأتي البهيمة, والذي يأتي الذكرـ يعني اللواط). وبالرغم من هذا الاعتراف بوجود هذه الظاهرة إلا ان هناك رفض مطلق لما يترتب عليها من ممارسات سلوكية.


أذن هذا هو الموقف الديني من ظاهرة الجنسية المثلية الذكورية, يعكس لنا أنطباعا, أنه موقف قطعي وذو حد واحد,لايرى الظاهرة في أطارها الدينامي المتغير, ولا في سياق الظروف المحيطة بها,وتلك هي سنة الميتافيزيقيا الدينية وحدودها في بحث الظواهر الاجتماعية,وتلك هي أطر" المعالجة" من هذا المنظور.الا أن المعارف العلمية في ميدان علم النفس تؤكد لنا أن ظاهرة المثلية الجنسية هي ظاهرة مرنة وذات مظاهر مختلفة في التعبير عن نفسها,و قد يتسع او يضيق مقياس المثلية أستنادا الى درجات سلمها المتعددة, وبالتالي فأن أحتواء الظاهرة ووضعها في سياقها الصحيح,هو المدخل الذي يحصر الظاهرة الى حدودها الدنيا أستنادا الى الاسباب.


أن الجنسية المثلية عند الذكور, حالها حال الجنسية المثلية عند الأناث.تعني بحدودها الواسعة حالات الميل أو التوجه نحو أقامة علاقة ذات طابع جنسي بين ذكر وفرد آخر من جنسه.ومن الواضح أن هذا المفهوم الواسع قد ينوه بالتساوي بين حالات الميل وحالات التوجه الفعلي,وهو أمر غير صحيح, ذلك ان توفر الميل لايعني في كل الأحوال الأتجاه نحو الممارسة الفعلية,كما أن ممارستها بالفعل لايؤكد قيام حالة الميل الى الجنسية المثلية.ويتضح الفارق بين الحالتين اذا أمعنا النظر في الدرجات المختلفة للتوجه نحو الأمور الجنسية بين فردين ذكرين, فهناك اولا اولئك الذين يتخذون سمات الانثى من حيث اللباس او الكلام او التعامل الاجتماعي,ولكن بدون ظهور أي دليل على ميل او أهتمام او توجه نحو علاقة جنسية مع ذكر اخر وبأي درجة من التماس. وهنالك البعض من الذكور ممن تعرض لهم الاحلام المثلية في حالات اليقضة, ولكنهم لايبدون اهتماما او اتجاها فعليا نحو هذا النوع من الممارسة الجنسية. وفي درجة اخرى نجد اولئك الذين يداعبون الافكار والميول الجنسية المثلية ويتمنون ممارستها لو يستطيعون. وفي درجة اقوى اولئك الذين تنشط فيهم الميول العاطفية الى فرد من نفس جنسه وتصل الى حدود التعلق سواء اتضح فيها الميل للممارسة الجنسية او لم يتضح. وبالتالي فهنالك اولئك الذين يمارسون العلاقة الجنسية المثلية بالفعل,وحتى في هذه الحالة فهنالك صور ودرجات عدة لهذه الممارسة ومدى التماس بين جسمي الشريكين من مثل اللمس,الى الاحتكاك, والى الاستمناء, والى العملية الكاملة من الولوج.

وعلى اية حال فأن الأهتمام من الناحية النفسية ينصب على تلك الفئة من ممارسي الجنسية المثلية لابسبب ممارستهم الفعلية لها بل بسبب انعدام الأهتمام والتوجه لديهم للعمل الجنسي الطبيعي مع الجنس الاخر. ومع انهم قادرون على مثل هذه العلاقة غير ان ارضائهم الجنسي لايحصل الابعلاقة جنسية مع فرد من نفس الجنس,وهؤلاء ينظر اليهم بأنهم الجنسيون المثليون"الحقيقيون", وهم على العموم لاخيار لديهم فيما يمارسونه"جسميا ونفسيا" بل يقبلون على الجنسية المثلية مطاوعة وبدون عناء الاختيار.


وهناك تفسيرات عديدة للجنسيةالمثلية, وليس لهذه التفسيرات كلها ان تتواجد في كل حالة من حالات الجنسية المثلية, فلكل حالة خلفيتها وظروفها ودوافعها الخاصة.والنظريات النسبية الواردة في تعليل الجنسية المثلية كثيرة بعضها ما يستند الى اسس نفسية وبعضها الى اسس اجتماعية وظرفية,وبعضها يعتمد على افتراضات بايولوجية وراثية او مكتسبة. ومع ما يتوفر في هذه النظريات المختلفة من منطق مقنع,الا ان الرأي الاكثر صوابا هو ان الاتجاه نحو الجنسية المثلية,خاصة الجنسية المثلية"الحقيقية" يتكون بفعل عوامل متعددة يصعب فرز واحد منها عن الاخرى.ويمكن ان نرصد هنا الاتجاهات العامة لهذه النظريات الواردة بخصوص الجنسية المثلية بالشكل التالي:

ـ أن الجنسية المثلية بدرجاتها المختلفة في الاطفال هي امر طبيعي, ولكن غير لازمة له. وتمثل دورا من أدوار النمو والنضوج الجنسي النفسي في حياة الفرد. غير أن هذا الدور ينتهي عادة بظهور الميول الجنسية نحو فرد من الجنس الآخر,غير ان استمرار الميول الجنسية نحو المثل من الجنس,قد يستمر بعد هذه المرحلة من النمو,واذا حدث ذلك فان من اسبابه تخلف الحدث في ادوار نموه الجنسي النفسي وتأخره في النمو العاطفي عما يناسب سنه.
 
ـ ممارسة الجنسية المثلية بشكل او اخر بما في ذلك العلاقة الكاملة منذ سن المراهقة وحتى الكبر قد يحدث احيانا او بشكل متواصل,وقد لايكون في هذه الممارسة اكثر من التعبير عن ضرورات التفريغ الجنسي الذي لايمكن الوصول اليه إلا عن هذه الطريقة كما هو الحال في بعض الظروف المعينة كالدراسة الداخلية(الاقسام الداخلية) والخدمة العسكرية والتجمعات الذكورية المزدحمة وانعدام منافذ التعبير الجنسي كما هو الحال في بعض المجتمعات المحافضة او المغلقة,وكما هو الحال في المجتمعات العربية والاسلامية,وجميع هذه الحالات لايمكن اعتبارها شذوذا جنسيا مطلقا بالمعنى الصحيح,وهي تنتهي عادة بأنتهاء الظروف التي أوجدتها.

ـ يمكن للفرد ان يتمتع بأتجاهين جنسيين في آن واحد فيكون طبيعيا في ميوله وممارساته الجنسية مع فرد من الجنس الاخر,كما أنه يميل الى او يمارس الجنسية المثلية مع فردمن جنسه.وقد يكون اتجاهه نحو ممارسة او اخرى متساويا, او أن تكون الغلبة لواحد او لأخر,ويصح اعتبار هذه المجالات بأنها انحرافا جنسيا اذا لم يتوفر ما يبرره ضرورة الجنسية المثلية بأسباب ظرفية وبتوفر الامكانيات للعلاقات الجنسية الطبيعية.

ـ يمكن للفرد في حالات مرضية معينة كمرض الفصام العقلي(الشيزوفرينيا),والخرف العقلي,وبعض امراض الشيخوخة أن يتراجع (ينكص) الى دور سابق من النمو الجنسي بما في ذلك الدور الجنسي المثلي.

ـ أما الحالات التي يتجه فيها الفرد اتجاها كليا وكاملا نحو الجنسية المثلية,ولاتتوفر لديه الرغبة والميل الى فرد من الجنس الاخر سواء قام بذلك أم لم يقم,فأن هناك العديد من النظريات التي تقدم تفسيرا لذلك,منها أن الفرد عانى منذ طفولته من عقدة الخصاء(الخوف من فقدان العضو التناسلي) وهذا مايدفعه الى تجنب العلاقة الجنسية مع المرأة لما توحي به هذه العلاقة في اللاوعي من أهلاك أو ضياع للعضو التناسلي. ونظرية أخرى تذهب الى ان الطفل كان يكره امه ولهذا يتجنب كل علاقة جنسية مع شاكلتها من نفس الجنس.ونظرية معاكسة ترى بأن السبب يعود الى أن الطفل في طفولته كان يكره والده, وهو بذلك يجد في العلاقة الجنسية مع فرد آخر وسيلة لتحقيق هذه الكراهية في النفس,وبهذا يكون العمل الجنسي المثلي تحقيقا لرغبة كامنة في النفس للتعدي على من هم من جنس ابيه والحاق الاذى بهم.ومن هذا القبيل نظرية ترد الجنسية المثلية الى أن الطفل قد تعلق بأمه في صغره والى حد التقمص لشخصيتها تلقائيا بما في ذلك خضوعها ومطاوعتها للعلاقة الجنسية, وكأن الطفل كان يكره اباه وما يمليه من رجولة وتسلط, وهو بذلك يختار اسلوب امه في الحياة بما فيه من خضوع وتقبل وسلبية. ومن النظريات التي تلاقي قبولا هي ان السلوك المتخنث في الطفولة يبدأ في بعض الاطفال كميل تلقائي نحو الاهتمامات والميول التي تمارسها الأم والابتعاد عن اهتمامات وميول الاب وغيره من ذكور العائلة.

والنظرية التي تلاقي قبولا اعظم في الاوساط العلمية هي ان الجنسية المثلية"الحقيقية والفعلية" تتقرر بفعل عوامل بايولوجية تنتقل بالوراثة اوتحدث في فترة حاسمة من فترات النمو الجنيني ويستشهدون على ذلك بأن هنالك توافق أكبر في الجنسية المثلية بين التوائم المتشابهه اكثر مما هو موجود في غيرهم من التوائم والاخوة, كما يعزز هذه النظرية الفشل في علاج الجنسية المثلية الحقيقية في معظم الحالات, وهناك رأي أكثر تطرفا لأنصار النظرية البايولوجية, وهو أن الجنسية المثلية تمثل وجود"جنس ثالث" غير جنس الذكر والأنثى, وبأن ممارستها هوتعبير عن هذا الجنس.وهو رأي مبالغ فيه الان.

أن هذا التصور الواسع والمرن لظاهرة الجنسية المثلية, والذي يستند الى نتائج البحث العلمي والملاحظات الميدانية الدقيقة يدفع بأتجاه تبني برامج ملموسة تربوية ونفسية ذات طابع وقائي وعلاجي يحصر الظاهرة الى حدودها الدنيا.أما التصور الحدي لظاهرة الجنسية المثلية, والذي نراه من خلال دعاة العقوبة الصارمة والتي لاتخضع للأجتهاد من حيث قساوتها, فهي ممكن أن تستخدم سلاح يطال أناس كثيرون لأنزال التصفيات الجسدية والعقاب بهم في ظل غياب واضح للحدود بين الدين والسياسة وفوضى اختلاط السلطات. وأن القتل على المثلية الجنسية قد يتخذ منه غطاء جديدا في الصراعات السياسية الدائرة في العراق, وهو أدعاء ووسيلة للجم افواه المذاهب والطوائف الأخرى في المطالبة بدماء ضحاياها.وهو خلط غريب يثير الرعب والدموية,عدا كونه تهمة سهلة لألصاقها بالأخر المختلف , الى جانب عقوبتها القاتلة والتي لاتستند الى القانون.


وفي الوقت الذي تعكف فيه مراكز أسلامية عديده في العالم على دراسة التخفيف من عقوبة قتل المثلي فعلا الى عقوبات أخرى اخف من الاولى ,تجنبا للفتنة الأجتماعية في ظروفنا المعاصرة, وأنطلاقا من الفهم الدينى الذي مفاده:" أن الفتنة أشد من القتل وأن كل فتنة حرام", يتصدر العراق قائمة الدول التي تصدر الفتنة الأجتماعية. وفي ظل هذه الفوضى العارمة من يعلم منا, أن الكثيرون من يمارسو القتل على تهمة" المثلية" هم أنفسهم كانوا مثلين في فترة من فترات العمر,أو لايزالوا كذلك بل قد يكون ممارسة القتل هوآلية سايكوعقلية للأنتقام من الأخر والتكفير الذاتي ,عندما لاتتوفر الفرص للأنتقال الى حالة أفضل لدى  صاحبه.


وأذا كانت المثلية الجنسية أستثناء, والاتصال بالجنس الاخر هو القاعدة, فأن الاستثناء يتواجد جنبا الى جنب مع القاعدة ولايمكن أقصاءه بوسائل الابادة الجسدية أن وجد, بل أن الوسائل التربوية أنجع بكثير من الأولى, وتلك هي التجربة التأريخية. وعدا ذلك فأن هذا يشكل مظهرا من مظاهر تشوه القاعدة وتصدعها وعدم مقدرتها على أحتواء الأستثناء.ونحن نعلم أن الاستثناء لايتحول الى قاعدة الا في حالات محدودة جدا, كما هو الحال في السياسة,وكما هي الحالة في العراق. حيث من السهل في ظل "ديقراطيتنا العريقة" أن يتهم الجميع بالجنسية المثلية ,ويستحق القتل, ويخرج الجميع "لاشرف له", وتلك هي على ما يبدو" بدائلنا الناجعة" للكهرباء والماء ومحاربة الفساد وتحسين ظروف الحياة العامة وحقن الدماء. 

كان رفع علم المثلية الجنسية من قبل الاتحاد الاوربي في بغداد ليست اجراء خاص بالعراق بل في بلدان ومجتمعات عدة في العالم, وكان من الأفضل ان نفهم دوافع ذلك بعيدا عن حالات الاسقاط السيكولوجي والعداء المستفحل للغرب في ظروف خطرة يمر بها العراق يختلط فيها فهم اصدقائه من اعدائه ولازال شعبنا  يعاني من انعدام الأفق في ألتماس المستقبل والاستقرار الاجتماعي, وكان من الأفضل والأجدى ان نفهم ونساعد الناس على فهم ظاهرة المثلية الجنسية من منظور نفسي وتربوي وديني بدلا من استغلال الحدث في خلق اعداء للعراق وشعبه وهو بأمس الحاجة للدعم الدولي بعيدا عن مهاترات من لا يريد للعراق خيرا.








.



18
التفاؤل والتشاؤم و تشكيل حكومة مصطفى الكاظمي في العراق

د.عامر صالح

بعد فراغ دستوري وأزمة سياسية صعبة استمرت لأكثر من خمسة أشهر، صوّت مجلس النواب العراقي، في ساعة متأخرة من يوم  الأربعاء الماضي والمصادف 6ـ 5 ـ 2020، على حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، لتكون سابع الحكومات بعد عام 2003، والتي سيتعيّن عليها التعامل مع ملفات أمنية وسياسية واقتصادية وصحية تضع العراق، بحسب مراقبين، على مفترق طرق خطير.

وبعد ساعات من منحها الثقة، بدعم غير مسبوق داخلياً وخارجياً. وبالإضافة إلى الترحيب الداخلي واسع النطاق الذي حظيت به الحكومة الجديدة، فإنها قوبلت بترحيب إقليمي ودولي مماثل، بعد منح البرلمان ثقته لـ15 وزيراً وحجبها عن 5 مرشحين، فيما بقيت وزارتا الخارجية والنفط شاغرتين.

وكان البرلمان العراقي عقد مساء الأربعاء جلسة للتصويت على تشكيلة حكومة الكاظمي ومنهاجه الوزاري استمرت حتى الفجر، لتنال بعدها الحكومة السابعة منذ 2003 الثقة بصعوبة بعد فقدان 5 وزراء فرصهم لأسباب مختلفة. الجلسة التي حضرها أكثر من 260 نائباً من أصل 329، وهو عدد كبير جداً بالقياس إلى المعدل العادي لحضور الجلسات، لم تشهد توتراً خلال التصويت. وتعهد الكاظمي بعد نيل الثقة مواجهة التحديات التي تمر بها البلاد، بما في ذلك إجراء تحقيق في عملية قتل المتظاهرين خلال مظاهرات أكتوبر ومواجهة جائحة «كورونا» والأزمة الاقتصادية وإجراء انتخابات مبكرة. وشدد على أولوية سيادة العراق وأمنه واستقراره وازدهار.

شكليات هذا الأنجاز وبعيدا عن مقدرته الحقيقية لمعالجة مختلف المعضلات المجتمعية هو انجاز لقوى التظاهر والاحتجاج التي انبثقت في الاول من اكتوبر للعام الماضي وما سبقها ايضا من احتجاجات, والتي عرت نظام المحاصصة الطائفية والاثنية ووضعته في قفص الاتهام, وتوجتها بأسقاط حكومة عادل عبد المهدي المتهم الأول بقتل المتظاهرين بأعتباره رئيس الحكومة والجهاز التنفيذي ورئيس للأجهزة الأمنية والمخابراتية والعسكرية بكل صنوفها, وبالتالي فأن تهمة قتل المتظاهرين تساق ضده قبل غيره بأعتباره المسؤول التنفيذي الأول في البلاد, وبالتالي فأن تعهدات مصطفى الكاظمي لمحاسبة قتلة المتطاهرين هي اولا موجهة ضد السيد عادل عبد المهدي, مادام الى حد اللحظة لم يلقى القبض على قناص او قاتل, او على الأقل لم تقم حكومة عبد المهدي بجهد الحد الادنى لحماية ارواح المتظاهرين.

ورغم ان خيار مصطفى الكاظمي شخصيا هو ليست خيار ساحات التظاهر ولا يجسد طموحها الأفضل لحل ازمة البلاد, ولكنه مؤشر ايجابي ان قوى المحاصصة الطائفية التقليدية والاثنية وخاصة من الصف الأول والذين امسكوا بزمام الامور لم تعد تتحكم كليا بأوراق اللعبة السياسية في البلاد كما كان لها سابقا رغم تشبثها في البقاء وعنادها ونفوذها من خلف الكواليس الذي لايستهان بخطورته في العودة للمربع الاول, وهنا يشكل مصطفى الكاظمي مرحلة انتقالية او حلقة وصل بين قوى المحاصصة وقوى الخلاص منها, وقد ينجح نسبيا الكاظمي في مهمته وقد يفشل استنادا الى قوى الردة المحاصصاتية وقدراتها في ابقاء الوضع كما هو عليه, ولكن قوى الاحتجاج الضاغظة لا تسمح للعودة الى المربع الاول, بل وتهدد النظام السياسي برمته اذا اقتضت الضروروة, وبالتالي على قوى المحاصصة التقليدية ان تدرك ان اي انجاز يتحقق وتحت مختلف الظروف ومهما كان حجمه هو استحقاقات مرحلة ويجب ان تتجذر بخطوات تراكمية افضل تقود بالضرورة الى مرحلة الانتقال النوعي في اعادة النظر باعادة بناء العملية السياسية جذريا وعلى طريق الخلاص من نظام الأعاقة الطائفي والاثني البغيض.

لايمكن ان يكون مصطفى الكاظمي عصى سحرية لمعالجة ما وقع بعد 2003 من خراب شامل وفساد, ولا يمكن ان نتوقع نقلة جذرية مفاجئة في الاوضاع السيئة في العراق وفي ظل ازمة تراكمية, ولكن المدخل اللازم لأي مصداقية في فعل الحكومة القادمة يتمحور حول اهم القضايا وفي مقدمتها محاربة الفساد بشكل جاد, وحصر السلاح بيد الدولة, ومحاسبة قتلة المتطاهرين وتقيمهم للمحاكم, والتهيئة لأنتخابات نزيهة قادمة, وهنا نذكر بمأثور القول: هل يصلح العطار ما افسده الدهر.

إن الأزمة الراهنة في العراق " وكما يلخصها الدكتور كاظم حبيب " والمتراكمة منذ سنين هي "أزمة مركبة ذات ثلاثة أبعاد متلازمة ومتفاعلة أساسها واحد، إنها أزمة نظام سياسي غير ديمقراطي، طائفي وأثني محاصصي تابع، متخلف ورث في آن واحد. إنها أزمة اقتصادية تجد تعبيرها في بنية الاقتصاد الوطني المشوهة الوحيدة الجانب واعتماد الدحل القومي على إيرادات النفط الخام المصدر، كمورد أساسي ورئيسي، وغياب الرؤية الاقتصادية العقلانية في عملية التنمية الغائبة أساساً، وفي توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي واستخدامه غير العقلاني لإعادة بناء الاقتصاد الوطني وتأهيله، إضافة إلى غياب كامل للعدالة الاجتماعية في ظل النهب المنظم والمتفاقم للدخل القومي وللنفط الخام والجمارك وتجويع غالبة المجتمع. إنها أزمة اجتماعية متفاقمة بسبب طبيعة بنية المجتمع ومشكلاته الكبيرة وهيمنة فئة اجتماعية طفيلية نهابة ومخاتلة وكذّابة، إذ تستخدم الدين والمرجعيات الشيعية والمؤسسة الدينية لفرض هيمنتها السياسية لمواصلة تعزيز سلطتها وتكريس نفوذها ونهبها للمال العام والخضوع لسيدها الأجنبي. وهناك أزمة رابعة موجعة هي الأزمة البيئية والرثاثة المنتشرة في البلاد نتيجة هيمنة الفئة الطفيلية الرثة على حكم البلاد".

وتشير معلومات البنك الدولي, إلى أن عدد سكان العراق بلغ 38.5 مليون نسمة، وأن خط الفقر محدد بـ3.2 دولار في اليوم. وذكر وزير التخطيط الأسبق سلمان الجميلي في عام 2016 على حسابه في «فيسبوك»، أن الفقر في العراق ازداد بنسبة 30 في المائة، والبطالة 20 في المائة. من جانبها، تشير إحصاءات وزارة التخطيط، إلى أن نسب الفقر في المحافظات العراقية في عام 2018 سجلت 1.2 في المائة في السليمانية، و3.8 في المائة في أربيل، و5.8 في المائة في دهوك، و9.1 في المائة في كركوك، و34.5 في المائة في نينوى، و10.8 في المائة في النجف، و12 في المائة في بغداد، و14.8 في المائة في بابل، و14.8 في المائة في البصرة، و26.1 في المائة في واسط، و42.3 في المائة في ميسان، و44.1 في المائة في الديوانية، و52.5 في المائة في المثنى، و40.8 في المائة في ذي قار.

وبحسب المتحدث الرسمي لوزارة التخطيط عبد الزهرة محمد الهنداوي، فإن إحصاءات العمل تشير إلى المزيد من التدهور في أوضاع سوق العمل، حيث سجل معدل مشاركة الشباب بين 15 - 24 عاماً تراجعاً ملحوظاً، وزاد معدل البطالة نحو الضعفين في المحافظات المنكوبة بالإرهاب، حيث سجلت 21 في المائة مقارنة بباقي المحافظات البالغة 11 في المائة. وتتوجب الإشارة هنا إلى أن الفقر والبطالة ازدادا في المحافظات الجنوبية كذلك بسبب السرقات المليارية وليس الإرهاب الذي لم يمتد إلى الجنوب. وتدل الأرقام بوضوح على تدهور الوضع الاقتصادي في المحافظات الجنوبية، رغم تزعم أحزابها بالبرلمان والوزارات منذ 2003.

وبحسب الهنداوي، فإن دراسة مسح للفقر في العراق لعام 2018 تشير إلى أن نسبة إنفاق الأسرة قد تغيرت ما بين الأعوام 2014 و2018 لتصبح نسبة الإنفاق على المجموعة الغذائية بالمرتبة الأولى (32 في المائة)، تليها مجموعة الوقود والإضاءة (24 في المائة)، ثم النقل بالمرتبة الثالثة (12.1 في المائة)، والملابس والأحذية بالمرتبة الرابعة (6.4 في المائة)، ثم الأثاث والتجهيزات المنزلية بالمرتبة الخامسة (5.2 في المائة).

وتبين كذلك من متوسط إنفاق الأسرة في 2018، أن 31 في المائة من الأسر تنفق أقل من مليون دينار (نحو 838 دولاراً) شهرياً، و48.2 في المائة من الأسر تنفق ما بين مليون ومليوني دينار شهرياً، و14.6 في المائة من الأسر تنفق ما بين مليوني وثلاثة ملايين دينار شهرياً. و5.7 في المائة من الأسر تنفق ثلاثة ملايين دينار فأكثر شهريا. وتشير الإحصاءات، إلى أن نسبة الفقر في العراق وصلت إلى 41.2 في المائة في المناطق المحررة (من إرهابي «داعش» و«القاعدة»)، و30 في المائة في المناطق الجنوبية، و23 في المائة في الوسط، و12.50 في المائة في إقليم كردستان. كما أوضحت الإحصائيات، أن 48 في المائة من سكان العراق أعمارهم أقل من 18 عاماً، منهم 23 في المائة من فئة الفقراء، وتشير معلومات الإحصائية إلى أن (5 في المائة نسبة الأطفال الفقراء في كردستان و50 في المائة نسبة الأطفال الفقراء في المحافظات الجنوبية هذا، ويبلغ أعداد الموظفين في القطاع العام والمتقاعدين أكثر من 5 ملايين شخص تخصص لهم رواتب نصف ميزانية العراق سنوياً؛ مما يعني عدم توفر الأموال اللازمة للاستثمار والتنمية الشاملة. ومما يعني أيضاً ازدياد الدين العام الذي ارتفع من 73.1 مليار دولار في عام 2013 إلى 132.6 مليار دولار في عام 2018، هذا في حين أن الاحتياطي النقدي قد أخذ في الانخفاض من 77.8 مليار دولار عام 2013، بحيث وصل 40.8 مليار دولار في عام 2018).


تعود نسب الفقر العالية في العراق إلى الحروب والنزاعات المسلحة الداخلية والحصار الأممي خلال عقد التسعينات. لكن المشهد الرئيسي لهذا الفقر هو الفوضى والهدر في إدارة الدولة والفساد غير المسبوق خلال العقدين الماضيين، رغم الأسعار القياسية لأسعار النفط خلال هذه الفترة التي فاقت 100 دولار للبرميل والصادرات النفطية الأعلى التي تم تسجيلها والتي فاقت 3 ملايين برميل يومياً.
ازداد مرض سرطان الأطفال في العراق خلال العقدين الماضيين نتيجة التلوث الحربي والإشعاعي منذ عام 1991، حيث ذكر موقع «كاونتر بانغ» الأميركي، أن تزايد التلوث الحربي والإشعاعي قد أدى إلى تراوح الإصابات بالمرض سنوياً إلى نحو 3500 - 4000 إصابة إثر قصف العراق بأكثر من 970 قنبلة وصاروخ أميركي مشع باليورانيوم المنضب؛ ما رفع نسبة الإصابة بالسرطان إلى 600 في المائة.

تلقي الدولة الريعية بظلالها الآن أمام الحكومة والقوى السياسية بعد انخفاض أسعار النفط بشكل غير مسبوق، ليضع تحديات ماثلة تتعلق بكيفية القدرة على تأمين رواتب الموظفين المقدرة شهريا بأكثر من ثلاث مليارات دولار، في حين أن العائدات الحالية لم تتجاوز مليار دولار شهريا، في ظل ذلك أمام الحكومة لمواجهة تراجع أسعار النفط حاليا والركود الحاصل نتيجة تفشي فيروس كورونا ونقص الإيرادات.

أن انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية، تجلب الكارثة الاقتصادية والمجتمعية للعراق ، وقد يسبب هذا الانهيار المتوقع توقف رواتب الموظفين العراقيين ، كون تأمين رواتبهم يعتمد على إيرادات بيع الخام بنسبة اكثر من 90 في المئة ، هذا ما خلفه سوء إدارة الدولة وغياب التخطيط والاستخدام العشوائي للموارد والثروات ، والتنظيم، والتنسيق، والتوجيه، والمتابعة، والرقابة، نتج عن ذلك فوضى وتخبط القرارات من قبل رئاسة الوزراء والبرلمان والمسؤولين والعصابات والفسادين والجهلاء الذي سيقضى على الدولة العراقية.

وتزداد المؤشرات والآثار السلبية لأزمة فيروس كورونا، التي ألقت بظلالها على الجوانب الحياتية والاقتصادية وقد تصل إلى الأمنية بحسب المعطيات المرتبطة بالاجراءات القائمة لمكافحة خطر الوباء. وبسبب حظر التجوال وتمديد أيامه لفترات اضافية بشكل مستمر، يتوقع مراقبون أن يدفع استمرار الحظر واثاره السلبية على الوضع الاقتصادي لدى العوائل التي تعتمد على القوت اليومي، إلى ارتفاع معدل الجريمة والتمرد على حظر التجوال والخروج بشكل غاضب ضد الجهات الحكومية. فيما قد يتسبب الاعتماد على القطعات الامنية والجيش بالسيطرة على الوضع داخل المدن وفرض حظر التجوال إلى تهديد ثانٍ يتمثل بحصول ثغرات على خطوط الصد والجيوب التي تنشط فيها عناصر تنظيم “داعش”، فضلا عن عامل آخر وهو تعليق التحالف الدولي لنشاطاته.

أن المدخل السليم لمعالجة الاحتقان المزمن في العملية السياسية يكمن في الاستجابة السريعة لما يأتي, كمقدمات ضرورية على طريق التغير الجذري وتعزيز المشاركة الحقيقية للشعب في رسم ملامح مستقبله:
اجراء الانتخابات المبكرة في موعد لا يتجاوز السنة كحد اقصى.
مراجعة قانون انتخابات مجلس النواب، واعتماد صيغة منصفة وعادلة.
 مراجعة تشكيل مفوضية الانتخابات بما يضمن ان تكون مستقلة حقا، وقادرة على ادارة عملية انتخابية نزيهة وشفافة وذات صدقية، بعيدا عن المال السياسي والسلاح، وباشراف دولي فاعل.
اعلان ضحايا الانتفاضة والاحتجاجات شهداء للشعب، ووقف القمع ضد المنتفضين وإطلاق سراح المعتقلين منهم وإبطال اجراءات ملاحقتهم والكشف عن مصير المغيبين. كذلك اعلان نتائج التحقيق في قضية قتل المنتفضين والمحتجين، ومحاسبة كل من تورط في الجرائم المرتكبة بحقهم.
مباشرة إجراءات جدية وملموسة لمكافحة الفساد، وتقديم المتهمين بمختلف مستوياتهم، خاصة الكبار، الى القضاء.
انجاز الخطوات الآنية العاجلة لتأمين القوت للشعب، وتطمين حاجاته المعيشية والخدمية الملحة.
 
ان تحقيق هذه الاهداف وغيرها مما يتطلع اليه الشعب والانتفاضة ويطالبان به " وكما تؤكده القوى الوطنية المخلصة"، يستلزم خلق ارادة شعبية وطنية ضاغطة على القوى المتنفذة، عبر توسيع الانتفاضة وتنظيم صفوفها وزيادة مساحة تأثيرها وتوحيد رؤاها وتصوراتها، وفتح حوارات جدية بين المنتفضين وسائر القوى والشخصيات الوطنية الداعمة لهم والتي تحملت معهم الظروف الصعبة التي مرت بها الانتفاضة، وشاركتهم شرف تقديم الشهداء والتضحيات، لتأمين قيام اصطفاف شعبي وسياسي وطني واسع، داعم ومساند للانتفاضة، بما يديم زخمها وحيويتها ومواصلة الضغط لتحقيق اهدافها، وفتح الطريق امام التغيير المنشود الذي بات ضرورة ملحة كما انه  انه حافز نحو التكيف مع نتائج الاحداث الخارجية.

من حق اي مواطن عراقي ان يتفائل أو يتشائم استنادا الى الخطوات الملموسة التي سيقدم عليها مصطفى الكاظمي ومدى استجابتها للطموحات المشروعة لحق الناس في الحرية والكرامة والعيش الكريم, ولكن ايضا ان يكون تفاؤلنا مقرونا بأستراتيجية التفاؤل الايجابي والذي يتمحور ان كل ما حولنا ليست ثابت مطلقا ومتغير ونتاج ظروف محددة وبالتالي يكون تفاؤلنا مبني على ديناميات نفسية مرنه ومتحركه. أما التشاؤم من خطوات الحكومة القادمة فيحب ان يبنى على مبررات الرفض العقلاني لما يصدر من احكام وقرارات وليست رفض كل شيئ مقابل لا شيئ, رغم ان التشاؤم في بعض من وجوهه أنه يعمل كمنطقة عازلة لحماية الذات من الاذى والصدمات اذا ألتمس الفرد نتائج سيئة, كما انه حافز نحو التكيف مع نتائج الاحداث الخارجية. المعضلات امام الكاظمي هي خارج اطار امكانية حكومة مؤقتة ولكن الخطوات الايجابية وصدق الإدعاء قد يؤسس لمزاج عام يمكن ان تستمر به الحكومات القادمة واستنادا الى خيارات الشعب ومن يمثله في الانتخابات القادمة.
.



 








19
داعش العراقية بين أزمة كورونا وأزمة نظام الحكم

د.عامر صالح

•   

رغم خسارة التنظيم الارهابي "الدولة"، المعروف إعلاميًا باسم "داعش ـ التنظيم الأسلامي للعراق وبلاد الشام "، الغالبية العظمى من الأراضي التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، إلا أن التنظيم أعاد تنظيم صفوفه إلى حد ما، واستمر في استخدام استراتيجية التمركز في الصحراء ثم شن هجمات خاطفة، خصوصًا أن معاقله اليوم هي البادية السورية غرب الفرات، وكذلك صحراء الأنبار الشاسعة وصحراء نينوى وسلسلة جبال حمرين الممتدة من ديالى إلى كركوك مروراَ بصلاح الدين وجبل مكحول والبعاج والأطراف الشمالية لحزام بغداد، فضلا عن خلاياه النائمة، ويقدر عدد أعضاء التنظيم اليوم في الصحراء السورية - العراقية بأكثر من 20 ألف مقاتل أرهابي، ويعيش عناصر التنظيم في مخابئ بعيدة وملاجئ تحت الأرض، ويستخدمون الطاقة الشمسية لتشغيل أجهزتهم الإلكترونية.


التنظيم بدأ في استغلال تفشي فيروس كورونا، في العراق وسوريا، وبدأ يشن هجمات عسكرية هي الأكبر له منذ انحساره مع هزيمته ونهايته من المناطق التي سيطر عليها في العراق والتي تقدر بأكثر من 30% من مساحات العراق وفي مقدمتها مدينة نينوى الكبرى وغيرها من المدن والأقضية والنواحي والقصبات، حيث اعتبر إعلام التنظيم أن "كورونا" منحة لا بد من استغلالها.

في مطلع الشهر الثاني من هذا العام نشر التنظيم مقالا في صحيفة النبأ وهي الصحيفة الرسمية له، يقول أن فيروس كورونا جاء بسبب عقوبة الهية بسبب ما يعاني منه المسلمون في الصين، مشبها تلك العقوبة كما حدث لقومي عاد وثمود وقوم فرعون وبعض بني اسرائيل. لكن عزى التنظيم أن الأوبئة بإصابتها للمسلمين هو للتكفير عن الذنب بمعنى اختبار للصبر أيضاً.

وفي الشهر الثالث من هذا العام تطور خطاب التنظيم، على خلفية الوباء، رسم داعش خطته التي وصفها "بالكابوس الصليبي" وهذا إن دل على شيء إنما يدل على انتهاز فرصة انتشار الوباء من أجل شن هجماته الارهابية، خاصة في زمن انشغال الجيوش في درء خطر كورونا وتجنب المزيد من الاصابات وخاصة في صفوف القوات العسكرية وخشية من انتشار الوباء بين صفوفها, وهنا قد تجري الاستفادة من قبل التنظيم الارهابي للأوضاع العالمية السائدة, من تعطيل للتعاون الدولي, والاستفادة من العزلة الاجتماعية, والصراعات الاقليمية والدولية, ولكن بالتأكيد فأن التنظيم نفسه ليست بمعزل عن كورونا وقد يصاب بضربات مفصلية تهز اركانه في ظل جهل التنظيم لتداعيات كورونا وانتشاره في كل بقاع الارض.
ومع انتشار فيروس كورونا بشكل واسع في العراق والعديد من دول المنطقة أصدر تنظيم داعش ما زعم أنه روشتة لحماية عناصره من  كورونا حيث تضمن العدد (225) من جريدة النبأ الداعشية توجيهات للحماية من فيروس كورونا لعناصر ومقاتلي التنظيم  تحت عنوان (توجهات شرعية للتعامل مع الأوبئة)، حيث تضمنت 7 ارشادات منطلقة من الجانب الديني علي النحو التالي ( وجوب الإيمان بأن الأمراض لا تعدي بذاتها ولكن بأمر من الله وقدره – وجوب الأخذ بأسباب الوقاية من الأمراض واجتنابها – الوصية بتغطية الفم عند التثاؤب والعطس- الوصية بغسل اليدين قبل غمسهما في الإناء – الوصية بالتوكل علي الله والاستعاذة به من الأمراض – الوصية بعدم دخول الأصحاء الي أرض الوباء وعدم خروج المصابين منها – الوصية بتغطية الإناء ووقاية السقاء )، تلك النصائح السبع التي األن عنها تنظيم داعش لعتاصره ومقاتليه  بعد أسبوعين من مقاله الأول حول أن هذا الوباء هو موجه ضد المجتمع الجاهلي.. هذه النصائح تدل علي أن الفيروس أصاب عددا من عناصر التنظيم  فداعش ليس منعزلا عن المحيط الجغرافي والسكاني بالعديد من دول المنطقة بل هناك تداخل كبير بين عناصر التنظيم والمجتمع المحلي وبشكل خاص في (العراق – سوريا- اليمن – ليبيا) حيث يتمركز العديد من عناصر التنظيم بمدن داخل تلك الدول وهي دول ينتشر بها فيروس كورونا، ومن ثم لجأ التنظيم لاصدار توصيات لعناصره ومقاتليه لمكافحة انتشار فيروس كورونا وهي توصيات ونصائح ذات مفهوم ديني بشكل كبير.

في العراق تشكل الاوضاع العامة السياسية والاقتصادية والامنية ارض خصبة لأنتعاش داعش الى جانب الظروف العالمية بفعل ظروف وباء كورنا, حيث يعاني العراق على المستوى الاقتصادي من اشكاليات كبيرة جدا بسبب الضعف الكبير في القدرات المالية والاقتصادية وعدم الاستقرار الامني، والفساد المالي وسوء الادارة، وهروب رؤوس الاموال الى الخارج, كما إن إحصائيات صندوق النقد الدولي، تبين إن ديون العراق تراكمت وتفاقمت خلال السنوات الماضية، حيث كانت قبل9سنوات 73.1 مليار دولار، وارتفعت في عام 2014 إلى 75.2 مليار دولار، وفي عام 2015 أصبحت 98 مليار دولار، فيما كانت قبل عامين 114.6 مليار دولار، لترتفع خلال العام 2017 إلى 122.9 مليار دولار، ثم عام2018 الى (125) مليار دولار، واليوم لا ندري الديون الى كم وصلت؟ كما إن هناك انخفاض كبير في اسعار النفط الى ما دون(30)دولار للبرميل الواحد، مما أدى الى خسارة العراق لنصف ايراداته المالية، هذا بالإضافة الى تأخير الحكومة في ارسال الموازنة الى البرلمان لإقرارها بسبب العجز والترهل الكبير فيها، مما أدى الى عدم إقرار الموازنة العامة لعام 2020 الى يومنا هذا، بالإضافة الى أسباب كثيرة منها التوتر السياسي الحاصل جراء الحراك الشعبي المتواصل منذ أكتوبر/تشرين الاول لعام 2019،والذي أدى الى استقالة الحكومة وتحولها لحكومة تصريف أعمال ،فخرجت الموازنة عن صلاحيتها في ارسالها الى البرلمان علماً أن الموازنة تعاني من عجز كبير يبلغ أكثر من(40)مليار دولار. وفي محصلة رقمية جنونية هائلة فأن العراق اهدر ما بعد 2003 اكثر من تريليون و400 مليون دولار.

إن سوء الاوضاع السياسية والاقتصادية والامنية في العراق تعني أننا سندخل مرحلة الكساد الذي سيؤدي الى مزيد من معدلات البطالة والفقر وتوقف التنمية والمشاريع وخاصة الاستثمارية، مما يعني إن العراق يعاني من اشكالية حقيقية في القدرات المالية التي تمكن الدولة من تنفيذ المشاريع ومعالجة الازمات التي يمر بها العراق والمنطقة ومنه جائحة كورونا ، ورأينا كيف تبين للجميع هشاشة الاجراءات التي اتخذتها حكومة تصريف الاعمال في مواجهة هذه الازمة من التماهي في غلق الحدود مع دول الجوار ،يضاف اليها قلة المستلزمات الطبية اللازمة للكشف عن المرض فضلا عن معالجته ،وهذا ما سيجعل العراق يعاني الكثير لتجاوز هذه الازمة التي تحتاج الى قيادة واعية ولديها من الارادة السياسية ومن القدرات المادية ما يمكنها من الوقوف بقوة لمعالجة الموقف الراهن الذي يهدد العراق, سواء كان داعش ام كورونا.

ومما ازاد الطين بلة في اوضاع العراق الداخلية هو القمع الشرس الذي تعرضت له التظاهرات السلمية في العراق والتي اندلعت في اكتوبر الماضي والتي تحولت الى انتفاضة شاملة وذات مطاليب جذرية لأصلاح النظام السياسي القائم في البلاد منذ عام 2003 وكان احد اسباب احتلال داعش للاراضي العراقية, ولكن جوبهت الانتفاضة السلمية بالرصاص الحي والقنص والاعتقال والتغييب, وقد بلغ عدد شهداء انتفاضة اكتوبر اكثر من 700 مواطن وجرح اكثر من 30 ألف واعتقال وتغييب المئات منهم والذين لايزال مصير البعض منهم مجهول الى اليوم, الى جانب المئات من الاصابات التي كانت نتائجها اعاقات دائمة. أن هذه الاعمال والجرائم التي ارتكبت بحق المتظاهرين وضعت الحكومة واجهزتها الامنية في موضع الشك من مهنيتها وحياديتها واستقلاليتها عن التدخلات الخارجية والداخلية المليشياوية, وهذا بالتأكيد يسوق تساؤلات عدة في مدى قدرتها على مجابهة عدو شرس كداعش ودحره الى النهاية بدون دعم خارجي, وكيف للقوات الحكومية أن تقتل متظاهرين سلميين واصلاحين وتريد ان تحارب داعش " انه المضحك المبكي في المشهد العراقي المحزن ".

لقد بدأ تنظيم داعش استغلال التوتر والقصف المتبادل بين ميليشيات عراقية والقوات الأمريكية في العراق خصوصًا بعد اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني في العراق، حيث علّق التحالف الدولي والناتو مهام التدريب والعمليات لمدة شهرين بسبب الفيروس وفي 29 آذار/ مارس، سحبت فرنسا وأستراليا وإسبانيا وبريطانيا والبرتغال ونيوزلندا وهولندا معظم مدربيها من العراق. كما انسحبت القوات الأمريكية في العراق من القواعد العسكرية الأمامية في الموصل والقائم والقيارة وكركوك، وتمركزت في قواعد عسكرية معينة كقاعدة عين الأسد في الأنبار ومطار أربيل، حيث تم نشر منظومة الدفاع الجوي باتريوت. وقد استغل التنظيم كل هذه العوامل وزاد من وتيرة هجماته خلال الأشهر القليلة الماضية وبشكل خاص في المنطقة بين محافظات كركوك وصلاح الدين وديالى، المعروفة باسم "مثلث الموت".

وهنا نؤكد انطلاقا من جذور الأزمة أن نظام المحاصصة في العراق ومنذ 2003 عرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي, وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك ,أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية ",وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف,والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع,أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل ,وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه.

وقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية,فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها,أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق, وحتى لأتفه الأسباب, وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق. كل ذلك سهل لداعش ما قامت به بالأمس واحتمالات ما تقوم به اليوم.

أن الابتعاد عن نهج المحاصصة الذي التمسه شعبنا بوضوح واكتوى به طوال سبعة عشر عاما الماضية من الزمن, وتحويله من نهج انتقائي/مصلحي إلى نهج مشاركة سياسية حقيقية هو التعبير العملي والأمثل عن العقد الاجتماعي الطوعي ,إذ تعيد المشاركة السياسية البناءة إنتاج العقد الاجتماعي كسلوك يومي, أي إعادة إنتاج الوحدة الوطنية كمفهوم سلوكي ـ معرفي وعقلي في الممارسة السلوكية اليومية, وليست شعار اجتراري خبره شعبنا لعقود سلفت, وأن الوحدة الوطنية في كل الفلسفات الإنسانية ركيزة أساسية لا يمكن العبث بها وعرضها في سوق النخاسة السياسية,بل لعلها أهم منجزات الحداثة,وما يترتب عليها من اعتراف بالحقوق الناجمة عن الاعتماد المتبادل بين مختلف فئات المجتمع وإسهام كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي في بعديه المادي والروحي, ونعني به الإنتاج والاستهلاك والتوزيع العادل للثروات, وهي التعبير العملي عن المواطنة الدينامية الحية,وأن المشاركة السياسية الشاملة هي جوهر المواطنة وحقيقتها العملية.

واليوم اذ يستدعي منا الموقف الوطني الواضح الوقوف بوجه " داعش " لدحر وإفشال مخططات عودتها الإجرامي والإرهابي الذي يستهدف مستقبل واستقرار الجميع باختلاف انتمائهم القومية والدينية والمذهبية والعرقية, نحن بأمس الحاجة لمشروع دفاع وطني عابر للانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية وبعيدا عن الاشتراطات المسبقة قوامه: تعبئة كافة الجهود من اجل نصرة الوطن ومزيدا من التلاحم الصادق مع القوات المسلحة العراقية مع تأكيد حياديتها ونزاهتها وتكريس مواقفها الوطنية , دون إغفال لمحاسبة كافة العملاء والمتواطئين والمقصرين والمتخاذلين من مواطنين عاديين إلى قيادات سياسية وعسكرية في الدفاع عن الوطن وقتلة متظاهرين سلميين. 

أن القضاء على داعش ليست عسكريا فقط وقد اثبتت التجربة العراقية ذلك بوضوح, فقد تم القضاء عليه كقدرات مسلحة ولكن بقت عوامل عودته وانتعاشه مجددا قائمة استنادا الى البيئة التي انتجته وما تزال حاضرة لأعادة دورة انتعاشه, ومن هنا فأن المعالجة الشاملة للأزمة العراقية بكل ابعادها السياسية والاقتصادية والامنية كفيل بأضعاف بؤر داعش الارهابي ومن يقع على شاكلته.





20
أزمة كورونا بين سيكولوجيا الهلع ومسلمات المناعة النفسية
د.عامر صالح
أن مفهوم الأزمة من المفاهيم الواسعة الانتشار في مجتمعاتنا المعاصرة، ويمس كل جوانب الحياة بدءاً من الأزمات الفردية، وانتهاء بالأزمات الدولية، كما أن عالم الأزمات عالم حي ومتفاعل له خصائصه و أسبابه ومكوناته. كما يعد مفهوم الأزمة واحدا من المفاهيم التي يصعب تحديدها لشموليته واتساع نطاق استعماله، ليشمل مختلف صور العلاقات الإنسانية السلبية في كافة مجالات التعامل، وعلى قدر مستوياته، وعادة ما ترتبط الأزمة بالإحساس بالخطر والتوتر وأهمية عنصر الوقت اللازم لاتخاذ قرارات وإجراءات المواجهة. نشأ مفهوم الأزمة في نطاق العلوم الطبية، ثم انتقل بعد ذلك بمعان مختلفة إلى العلوم الإنسانية، وخاصة علم السياسة، والإدارة، وعلم النفس...الخ.

ومفهوم الأزمة في العلوم النفسية عبارة عن ضغوط نفسية داخلية أو تغير الحالة النفسية للفرد، وبالتالي تمثل مشكلة أو صعوبات تحد من أساليبه وقدراته التقليدية للتعامل مع الوضع الجديد وتعيقه من أنجاز أهدافه وتحدث خللا في التوازن النفسي والاجتماعي للفرد، كما تعد موقف أو حادثة غير مرغوبة تؤدي إلى تعطيل الفرد أو الجماعة عن القيام بدورهم بصورة طبيعية. وقد حرص علم النفس على دراسة الآثار النفسية للازمة، والتي قد تتخذ أشكالا متنوعة(كالارتباك، والصدمة، والقلق، والتوتر، وعدم التوازن) وغالبا ما تسبب ارتباكا كبيرا للناس في حياتهم وأساليب تكيفهم مع الضغوط، وعادة ما تثير مشاعر الخوف وتوتر العلاقات المستقرة. أما الأزمة من الناحية الاجتماعية عبارة عن توقف الأحداث المنظمة والمتوقعة واضطراب العادات مما يستلزم التغير السريع لإعادة التوازن وتكوين عادات جديدة أكثر ملائمة.

أزمة كورونا في السياق هي ازمة مركبة ومعقدة وذات ابعاد نفسية واجتماعية واقتصادية خطيرة ضربت المجتمع العالمي دون استثناء, وبعد ان تجاوزت الأصابات بكورونا  الثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف حول العالم وتقترب الوفيات من 235 ألف, فأن الشهور القادمة لا تبدو مشرقة للعالم، وستكون هناك تداعيات سياسية واجتماعية أكثر خطورة من التداعيات الصحية والاقتصادية, وخاصة في ظل القصور العلمي الحالي في المعرفة الدقيقة للفيروس وميكانزم  عمله وطريقة انتشاره ومن هم المستهدفين بهذا الفيروس, وماهي ظروف وملابسات فاشية هذا الفيروس. ولكن هذا ليست مدعاة لليأس والحزن, فالتراكم المعرفي في العلوم الطبية أمر لايستهان به ولا هو مزحة عابرة والبشرية سبق لها وأن مرت بجائحات عدة كانت نهايتها العثور على لقاح مناسب يعيد انطلاق المجتمعات الأنسانية من جديد في خضم صراعها من اجل البقاء.

انطلاقا من آثار الجائحة كورونا (كوفيد 19) فأنها زلزال مدمرا ضرب العالم اجمع وأودع الملايين في المنازل وقد اغلقت المدارس والجامعات وتقيدت الحريات التقليدية المعتادة وعم الاحساس بالضياع والوحدة والقلق، ولم يفرق بين أسود وأبيض وأحمر، وبين مسلم ومسيحي وهندوسي وملحد، وبين قوي وضعيف، او ثري وفقير, فقد توزعت اضراره على البشر أجمعين بعدالة السماء أو عقاب الطبيعة. وخطر هذه الجائحة لا يتوقف عند أضرارها الصحية، بل أن خطرها الحقيقي هو التسونامي الكبير المرافق لها: سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا والذي يبدو ان ملامحه النهائية غير واضحة في الوقت الحاضر؛ لأنها تتوقف في محصلتها النهائية على مدة استمرار الجائحة، وعدد المصابين والهالكين بسببها، فكما تذكر معظم التقارير الصحية الواردة من منظمة الصحة العالمية والمؤسسات ذات العلاقة ان العالم لازال بعيدا عن إيجاد لقاح نهائي للفايروس، ولا زال الكثير من البشر في انتظار الإصابة به. 

ولكي نضع الوباء كورونا( كوفيد ـ 19) في خلفية المقارنة بما حصل من وباءات وامراض مزمنة قد يضعنا في صورة من الهدوء النفسي المؤقت وخلق قناعة نفسية عقلية مستمدة من مما سبق للبشرية من اوجاع وآلام وضحايا قد تضع كورنا وحجم المعانات منها في اطارها المعقول والسليم بعيدا عن الأستخفاف بحجم الضحايا, ولكن ذلك سيضعنا في اطار القبول التاريخي للفجائع المختلفة في اطار التفاؤل المقبول للصراعات الطبيعية  التلقائية الى جانب العبث في الطبيعة وسوء استخدامها من قبل المجتمعات العالمية. وهنا سنشير " كما ترده الأدبيات العالمية والعربية" الى حجم الأنتشار والوفيات في مختلف الاوبئة للقرن الحالي والماضي:

الجدري 1901: أدى وباء الجدري في بوسطن إلى إصابة 1500 شخص، ووقعت 270 حالة وفاة.

الطاعون 1910: حدثت أكبر حالات تفشي الطاعون في القرن العشرين في منشوريا بين عامي 1910 و1911، ومات حوالي 60.000 شخص.

وباء الإنفلونزا الكبير 1918: تشير التقديرات إلى أن وباء الإنفلونزا الكبير، الذي حدث في عامي 1918 و1919، قد تسبب في وفاة ما بين 50إلى 100 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، من بينهم 675،000 أمريكي.


شلل الأطفال 1952: بلغ شلل الأطفال ذروته في الولايات المتحدة؛ حيث أصيب ما يقرب من 60.000 طفل وتوفي أكثر من .3000


فيروس نقص المناعة البشري 1984: في هذا العام حدد العلماء أن فيروس نقص المناعة البشرية هو سبب الإيدز، وفي نفس العام قتل هذا المرض الفتاك أكثر من 5500 شخص في الولايات المتحدة، واليوم أكثر من 35 مليون شخص حول العالم يعيشون مع عدوى الفيروس، وتوفي أكثر من 25 مليون شخص بسببه منذ الإبلاغ عن الحالات الأولى.


مرض الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم (سارس) 2003: ظهر سارس عام 2003 لأول مرة في الصين أيضاً، رغم أنه يعتقد أن أول حالة حدثت في نوفمبر 2002، وبحلول يوليو تم الإبلاغ عن أكثر من 8000 حالة و774 حالة وفاة، واقترب معدل الوفيات لحوالي 10٪ من المرضى الذين يعانون من العدوى المؤكدة، وكان معدل الوفيات أعلى بكثير لأولئك الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا، حيث اقترب من 50٪ لهذه المجموعة الفرعية من المرضى.

إنفلونزا الخنازير 2009: هذا الوباء اعتبرته منظمة الصحة العالمية جائحة عالمية، وكانت الوفيات المؤكدة بسبب المرض 18500 حالة وفاة فقط.


الكوليرا 2010: تسبب وباء الكوليرا في مقتل ما لا يقل عن 10000 شخص في هايتي في عام 2010، بعد الزلزال المميت الذي أصاب البلاد بالشلل، مما أعاق الجهود لإعادة البناء.


الحصبة وأوبئة أخرى 2012: في عام 2012، توفي حوالي 122000 شخص في جميع أنحاء العالم بسبب الحصبة، وهو مرض شديد العدوى يسببه فيروس، وفي نفس العام قتلت حمى التيفود حوالي 216000 شخص، وقتل مرض السل ما يقدر بنحو 1.3 مليون شخص في عام 2012.


الإيبولا 2014: كان وباء حمى الإيبولا النزفية لعام 2014 في غرب أفريقيا أكبر تفشي للإيبولا على الإطلاق. قتل الفيروس أكثر من 11300 شخص قبل الإعلان عنه في عام 2016.


زيكا 2016: في هذا العام أعلنت منظمة الصحة العالمية عن حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا بشأن فيروس زيكا، حيث توقعت إصابة 3 إلى 4 ملايين شخص بالعدوى خلال العام، ويسبب المرض عيبًا خلقيًا في الأجنة، ويرتبط أيضًا بالإجهاض والإملاص والعجز العصبي.


الوفيات بسبب الإنفلونزا الموسمية: حسب إحصائيات الولايات المتحدة فإنه يموت ما بين 20 ألفا إلى 37 ألف حالة كل عام بسبب الإنفلونزا الموسمية.


حجم الوفيات بسبب أمراض أخرى: حسب الإحصائيات العالمية فإن أكثر من نصف الوفيات العالمية السنوية تحدث بسبب الأسباب العشرة الأولى للوفيات، وهي أمراض القلب الإقفارية والسكتة الدماغية، والتي تتسبب في أكثر من 15 مليون وفاة سنوياً، ثم مرض الانسداد الرئوي المزمن الذي يسبب وفاة عدة ملايين سنوياً، ويتسبب سرطان الرئة في وفاة حوالي مليوني شخص، ومرض السكري يتسبب في وفاة حوالي 1.6 مليون شخص في العام، وتضاعفت الوفيات بسبب الخرف.


والتهابات الجهاز التنفسي السفلي هي أكثر الأمراض المعدية فتكًا، حيث تسببت في وفاة عدة ملايين شخص في جميع أنحاء العالم، كما تسبب إصابات الطرق ما يزيد عن 1.5 مليون شخص في العام، حوالي ثلاثة أرباعهم من الرجال والفتيان. وبالطبع فهذه الإحصائيات تقريبية، ولكنها بمعظمها في إزدياد مطرد. (هذه الإحصائيات من عام 2016).

الوفيات بسبب وباء تدخين التبغ: تشير التقارير الصحية العالمية إلى أن الوفيات التي تحدث نتيجة الإصابة بأمراض مرتبطة بالتدخين تصل إلى 12% من إجمالي الوفيات العالمية، ما يعني أن عدة ملايين يموتون سنويا بسبب عادة ضارة، ويمكن، إذا امتلك الإنسان إرادته أن يتخلص منها.

تلك خارطة الوباءات في التاريخ القريب وهي تضعنا امام حجم الضحايا في اطار المقارنة مع (كوفيد ـ 19) قد تبدو في الأخير اقل من منظور الأعداد المطلقة كثيرا وقياسا بأعداد سكان الأرض أنذاك, ولكنها تشكل فزعا من منظور التقدم العلمي والمعرفي وتسارع الزمن من اجل العثور على علاج او لقاح يحد من الانتشار والفتك, والفزع يأتي ان البشرية في ألفيتها الثالثة وتراكمها العلمي والمعرفي لم تعثر الى حد اللحظة على ما يقف هذه الجائحة عند حدها.

لا شك في أن جائحة كوڤيد-19 وما يرتبط بها من إكراهات اجتماعية واقتصادية (الحجر، فقدان الشغل، شلل الحياة العامة...) تمثل وضعية تنجلي فيها مختلف المحددات التي ترتبط بوضعيات التوتر التي تستدعي لدى الأفراد استجابات سلوكية وذهنية معينة لمواجهتها. فمن وجهة نظر سيكولوجية، في الوضعيات التي تتسم بوجود شروط بيئية (المحيط) تُدرَكُ من طرف الفرد كإكراهات تتطلب موارد نفسية واجتماعية استثنائية لمواجهتها، فإنها تقيم وتحدد عموماً من طرف الفرد كوضعيات توتر تستدعي تفعيل استراتيجيات نفسية-معرفية للتعاطي معها.

يتم التمييز، على وجه العموم، في الاستراتيجيات النفسية-المعرفية والسلوكية لمواجهة وضعيات التوتر بين استراتيجية مركزة على الانفعال وأخرى مركزة على المشكل. فإذا كان الفرد في الفئة الأولى يوجِّه نشاطه الذهني وسلوكه لتدبير الانفعالات المرتبطة بالوضعية، ويتم تصريف ذلك من خلال التعبير المفرط عن هذه الانفعالات (الغضب، القلق...) أو اللوم (لوم الذات ولوم الآخرين) أو التقليل من خطورة الوضعية أو التفكير فيها بكيفية عجائبية؛ فإنه في الفئة الثانية يُوجِّه هذا النشاط للحدِّ من متطلبات هذه الوضعية والرفع من موارده لمواجهتها، ويتضح ذلك من خلال استجابات من قبيل التحليل الموضوعي للوضعية والبحث عن تنمية المعارف في الميادين المرتبة بها أو البحث عن المعلومات ووضع الخطط المناسبة وكذا القيام بالاستشارات الناجعة.

وعلى مستوى التفكير بالمشكل وتجاوز حدود تأثيره والابتعاد عن التركيز حول الانفعالات والتي تسبب مزيدا من الاضطرابات النفسية واستنزاف الطاقة الفردية بل وحتى ألحاق الأذى بالطاقة النفسية للمحيطين بك فهناك بعض من التقنيات والممارسات الصحية التي تضعك في مواجهة ايجابية ومنها: الحفاظ على الصحة البدنية من خلال خذ كفايتك من النوم, والحفاظ على الحركة بشكل يومي, والمحافظة على غذاء صحي متوازن, والتعامل مع المشاعر بطرق صحية, وعدم الاسراف في متابعة الأخبار والتأكد من مصادرها, المحاولة في احتواء افراد الأسرة, والتفكير سوية كفريق, وضع نظام محدد لتنطيم الوقت, والتقليل من المصروفات اليومية, لا ترهق نفسك وتبالغ في توقعاتك, ومحاولات خلق فرص عمل بديلة للحد من الضغوطات الاقتصادية, ضرورة البقاء في تواصل مع الطبيعة للحفاظ على الصحة النفسية والبدنية, ممارسة الهويات والبقاء على صلة مع الأهل والاقارب والاصدقاء.


كورونا ( كوفيد ـ 19 ) في المنظور القريب سيخلف ضحايا في كل بقاع الارض دون استثناء وسينشر الحزن لفقدان الاحبة والاقارب والاهل والاصدقاء والمعارف وغير المعارف عن بعد, وليست من السهل علينا تقبل الموت لسبب من كورونا لقساوته المجحفة "حيث يقطع الانفاس ويهشم الجسد في غفلة", رغم ان الموت قدر يحل بالعضوية الحية حال استنفاد ضرورة بقائها, وحيث تتعدد الاسباب والموت واحد, والمخيف في الامر عندما تستسلم الوحدة العضوية الانسانية الى المخاوف رغم بعض من مشروعيتها, ولكن ما يؤلم هو الخوف الهستيري المفرط والذي يضعك في دائرة التفكير الضيق بالموت فقط دون التفكير في ممارسات ايجابية تقيك شر كورونا وتفتح امامنا بصيص الامل للخلاص منه كما حصل للأوبئة السابقة.
 
وبعيدا عن صراعات القطبية الأمريكية ـ الصينية أو الأوربية ـ الأمريكية فأنها المرة الأولى في التاريخ، يركز فيها علماء العالم على موضوع واحد" هو كورونا "، وقد وضعت أهم دول العالم مثل أميركا والصين ودول أوروبا مكافحة الفيروس أولوية وضرورة وطنية، مما حول الجدل العالمي من عدم جدوى سباق التسلح العسكري " على الأقل الآن " إلى حديث عن سباق تسلح في مجال التكنولوجيا الحيوية.

وفي الوقت الذي أغلقت فيه دول العالم حدودها لمكافحة تفشي الوباء، كان العلماء يحطمون هذه الحدود، ويحققون تعاونا عالميا لا مثيل له في التاريخ من أجل التوصل إلى علاج لهذا الفيروس في أسرع وقت، وهو ما تحقق بإجراء أكثر من 200 تجربة سريرية حتى بداية أبريل الماضي, جمعت بين عديد من المستشفيات والمختبرات من مختلف أنحاء العالم. وبالتالي فأن حدود المعرفة العلمية والعقل الانساني لا سقف لهما في التصدي لأكثر الازمات والكوارث التي مرت وتمر بها البشرية وأن لناظره قريب.
 

 





21
العنف الأسري في زمن كورونا أمتداد لما قبله

د.عامر صالح


من الجدير بالذكر أنّ العنف الأسري يُعَدّ واحداً من أكبر انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم قبل تفشّي فيروس كورونا الجديد، وقد زاد تفاقم الوضع مع الجائحة الحالية. وبحسب الأمم المتحدة، فإنّ نحو 243 مليون امرأة (تراوح أعمارهنّ ما بين 15 عاماً و49) حول العالم تعرّضنَ في خلال الأشهر الاثني عشر الماضية لعنف جسدي أو جنسي من قبل شريك أو أحد أفراد العائلة. لكنّ الأرقام الحقيقية، بحسب المتوقّع، قد تكون أعلى بكثير، بسبب التحديات الكبرى المتعلقة بجمع البيانات. فنسبة 40 في المائة فقط من النساء اللواتي يتعرّضن لعنف أسري يتقدّمنَ بطلب مساعدة، وأقلّ من 10 في المائة من النساء اللواتي يطلبنَ المساعدة يتقدّمنَ ببلاغ لدى الشرطة ضدّ من اعتدى عليهنّ. وفي ظلّ الظروف الحالية والعزل المنزلي المعمول به في بلدان كثيرة، فإنّ الإبلاغ والحصول على مساعدة صارا أكثر تعقيداً. وتشير تقارير الأمم المتحدة كذلك إلى أنّ دولة واحدة من بين كلّ أربع دول حول العالم لا تتوفّر فيها أيّ قوانين تحمي النساء من العنف الأسري على وجه التحديد. وتقدّر المنظمة الأممية التكلفة العالمية للعنف ضدّ المرأة قبل الجائحة بنحو 1.5 ترليون دولار أميركي وتتوقع أنّ يتصاعد الرقم في ظلّ زيادة العنف ضدّ النساء في أعقاب تفشّي فيروس كورونا الجديد.

أشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في بيان لها صادر عن المديرة التنفيذية فومزيل ملامبو-نجوكا، في 20 مارس الماضي، إلى أن الآثار السلبية التي سيحدثها فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، لن تتوقف عند ما يتعلق بالصحة العامة ووقوع الوفيات، وقرارات العزل المنزلي، ولكنه تطرق إلى التأثيرات المتعلقة بأوضاع النساء الاجتماعية، وكان الخوف الأكبر هو "العنف الأسري".


وأوضحت الأمم المتحدة للمرأة أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، التي جاءت نتيجة العزل المنزلي والصحي لفترات طويلة مع مخاوف الأمن والصحة وظروف المعيشة، من الممكن أن تساهم في ارتفاع حالات العنف الأسري المنزلي والاستغلال الجنسي، فهناك 137 امرأة يتم قتلها يوميا على يد أحد أفراد أسرتها، وفي البلاد التي طبقت العزل الاجتماعي كانت حالات العنف المنزلي التي تم الإبلاغ عنها قد تزايدت 3 أضعاف وأكثر من ذلك.
 
إجراءات الإغلاق وحظر التجول ومنع مغادرة المنازل إلا في حالات معينة أو ساعات محددة، تسعى إلى القضاء على انتشار الفيروس في التجمعات, ولكن رئيسة التحالف الوطني ضد العنف المنزلي في الولايات المتحدة، رُوث غلين، قالت "في هذا الوقت بالتحديد، مع كوفيد-19، المنزل قد يكون صعبا جدا بالنسبة لضحايا العنف الأسري والناجين، لأن المعتدين يستطيعون استغلال الوضع للتحكم بشكل أكبر في ضحاياهم". وبحسب التحالف الوطني ضد العنف المنزلي، فإن 10 ملايين شخص في الولايات المتحدة، يتعرضون سنويا للعنف الجسدي من قبل شركائهم. وتعرضت امرأة بين كل أربع نساء، ورجل بين كل سبعة رجال، لعنف جسدي شديد على يد شريك حميم".


و تسجل إحصاءات الأمم المتّحدة أن 37 في المئة من النساء في العالم العربي تعرّضن لعنف جسدي أو جنسي لمرّة واحدة على الأقل في حياتهنّ، وأن ستّاً من كلّ عشر نساء معنّفات، لا يُخبرن أي جهة عن معاناتهنّ. أرقام تنشر ذعراً اجتماعياً، في ظلّ الحجر الصحّي الذي نعيشه، وصرخة إلى الحكومات والجمعيات النسائية في الدول العربية للتحرّك في اتجاه حماية الفئة الأكثر معاناةً في هذه المحنة, فكيف الحال عندما يتزايد العنف اكثر من ثلاثة اضعاف. وهناك صور مروعة للعنف الأسري في البلاد العربية, من قتل وحرق وتعذيب ورمي بالرصاص واغتصاب وتحرش جنسي بقاصرين في ظل غياب قانون مناهضة العنف الأسري" والعراق احدى هذه الدول رغم ادعائه الديمقراطية والتعددية وحق المساواة دستوريا ". ويشكل العنف الأسري ظاهرة كونية لم تستثني قارة أو بلدا إلا وضربته وكانت كورونا تلك الشرارة التي اشعلت السهل كله. والخلاف هنا في مستويات وسقف الحماية الدستورية والقضائية والتشريعية التي تجرم العنف وتحمي ضحاياه.

ونظرا للأحساس المتزايد في المشكلة على الصعيد العالمي وخطورتها فقد دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش من مقر المنظمة الدولية في الخامس من ابريل 2020، إلى حماية النساء والفتيات، من العنف الأسري، وسط تقارير عن تزايد حالات العنف المنزلي والأسري خلال فترة الحجر الصحي، على خلفية تفشي وباء فيروس كورونا المستجد ( كوفيدـ19).  وقال غوتيريش في بيانه المصور، والذي تم ترجمته إلى عدة لغات، إن "العنف لا يقتصر على ساحات المعارك"، مذكّرًا بندائه الأخير إلى وقف لإطلاق النار في مختلف أنحاء العالم للمساعدة في الحد من تفشي فيروس كورونا. وأضاف الأمين العام للأمم المتحدة، أنه "بالنسبة للعديد من النساء والفتيات، فإن أكثر مكان يلوح فيه خطر العنف هو المكان الذي يُفترض به أن يكون واحة الأمان لهنّ. إنّه المنزل. ولذا، فإنّني أوجّه نداءً جديدًا اليوم من أجل السلام، في المنازل في جميع أنحاء العالم".وأوضح أمين عام الأمم المتحدة "على مدى الأسابيع الماضية، ومع تزايد الضغوط الاقتصاديّة والاجتماعيّة وتنامي المخاوف، شهدنا طفرة عالميّة مروّعة في العنف المنزلي".

وحث غوتيرش جميع الحكومات على "جعل منع العنف ضدّ المرأة وجبر الضّرر الواقع من جرّاء هذا العنف، جزءًا رئيسيًا من خططها الوطنيّة للتصدّي لكوفيد-19"، كما دعا النظم القضائيّة إلى مواصلة "مقاضاة المعتدين"، مطالبًا بشكل خاصّ بـ"إنشاء أنظمة إنذار طارئة في الصيدليّات ومحلات البقالة" وهي الأماكن الوحيدة التي تزال مفتوحة في بلدان كثيرةن مشددًا على ضرورة "تهيئة سبل آمنة للنساء لالتماس الدعم، دون أن يتنبَّه المعتدون".

ومن الناحية السيكواجتماعية فأن العنف المنزلي ضد المرأة يعد جريمة يرتكبها فرد يشترك مع الضحية بمكان الإقامة،  وأن الدوافع الاجتماعية في العادات والتقاليد التي يرثها الأبناء عن الآباء والأجداد، قد تكون من الأسباب والدوافع الرئيسية للعنف الأسري مع الوضع في الاعتبار اختلاف تلك المعتقدات من مجتمع إلى آخر، لكن العلماء قد اجتمعوا على أن العنف الأسري هو أي سلوك يراد به إثارة الخوف أو التسبب بالأذى سواء كان جسدي أو نفسي، أوتوليد الشعور بالإهانة في نفس الشريك أو إيقاعه تحت أثر التهديد أو الضرر.
وتختلف صور الدوافع الاجتماعية المؤدية إلى العنف باختلاف مستوى تأثر الأسرة بالمحيط الخارجي، وباختلاف شكل الأعمال والتقاليد والأعراف، فتكون درجة العنف إما كبيرة أو صغيرة ويقاس ذلك بمدى انتشار صور الدوافع الاجتماعية المؤدية للعنف المنزلي، والتي منها اختلاف المستويات الفكرية والثقافية والعمرية والدينية والاجتماعية بين الزوجين، إضافة إلى أن التنشئة الخاطئة لأحد الوالدين أو كلاهما تعد من العوامل الرئيسية للعنف الأسري، فضلاً عن فقدان لغة التواصل والحوار بين أفراد الأسرة، وضعف الروابط الأسرية والنزاعات المستمرة حول أساليب تربية الأطفال. كما أن الوضع الاقتصادي المتدهور في حياة الأسرة الناتج عن فقدان الدخل المادي بسبب فقدان الوظيفة أو تراكم الديون من الأسباب الأساسية لوقوع العنف المنزلي ضد المرأة، وذلك نتيجة لظهور مشاعر الخيبة وارتفاع مستويات التوتر بسبب حالة الفقر التي تعيشها الأسرة.

وعلى الرغم من انتشار أفكار العدالة والمساواة بين الجنسين على نطاق واسع في عالمنا المعاصر اليوم, واكتساب المرأة المزيد من الحقوق في مساواتها مع الرجل, وخاصة في أوربا و العالم الغربي المتمدن, واتساع نطاق مساهمتها في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتقريريها لشأنها الخاص دون وصايا, إلا إنها إلى اليوم لا تزال مشروع منافسة غير متكافئ أمام الرجل في مجالات مختلفة, مهنية وقيادية وعلمية وحتى في الحوافز المالية والمرتبات, وتحول شرائح واسعة من النساء إلى قوى عاملة رخيصة يستعان بها في وقت الأزمات الاقتصادية, أو يتم تسريحها من العمل حال دخول المشروع الاقتصادي للمنافسة بين شغيلته. وتتحول العائلة إلى مشروع اقتصادي تندمج بالية السوق وتستجيب لحاجاته وتتأثر بأزماته. وإذا اقتنعنا بتجريد خالص بالفكرة الماركسية القائلة بأن انقسام المجتمع إلى طبقات يقف وراء استغلال المرأة, فأن المجتمعات الأوربية والأمريكية اليوم أكثر المجتمعات طبقية واستقطابا في الثراء والثروة, وهذا يعني أن الحديث عن العدالة بين الجنسين هنا لا يخلوا من تحفظات كثيرة. ناهيك إلى ما تتعرض له المرأة في هذه المجتمعات من مختلف سوء المعاملة من اعتداء وانتهاك لحرمتها وحريتها الشخصية,على الرغم مما قطعته من شوط بعيد في المساواة بين الجنسين, ويكفي أن نشير هنا إلى أن في أمريكا وحدها ترتكب كل ساعة بحدود 80 حالة اغتصاب, إلى جانب ما يتم من حالات اغتصاب كثيرة في دول أوربية مختلفة. 


أما بخصوص مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأسوة بأغلبية بقاع العالم المتخلف, حيث العائلة البطريركية في ظل بنية اقتصادية ـ اجتماعية متخلفة, هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تؤسس لاضطهاد المرأة واستلابها, حيث يأخذ هذا الاستلاب طابعا مقدسا يستمد شرعيته من تفسير النصوص الدينية الوارد على ألسنة المشرعين والمفتين الذين يتدخلون بالتفاصيل الدقيقة لحياة المرأة وفرض الوصاية عليها, من طريقة لباسها وكيفية معاشرتها للآخرين وكذلك تقرير سقف ومدى مساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والتحكم بها باعتبارها تابعا للرجل وجزء من ممتلكاته الشخصية, كما وصل بهم الإفتاء إلى إباحة أجزاء من جسدها لغير زوجها " كإرضاع الكبير ومفاخذته ", وإيجاد أشكال ظرفية عديدة ومختلفة من الزواج المؤقت, ويأخذ الاستلاب طابعا أكثر مرارة عندما يختلط الدين مع السياسية, ليتحول أكراه واستلاب المرأة إلى قوة قانونية ملزمة عليها من السماء والأرض.

وتتعرض المرأة في مجتمعاتنا إلى شتى مظاهر التضييق والإكراه الجنسي, فحال وجودها بمفردها في الشارع أصبحت مشروعا للتحرش والمضايقات وسوء الظن بها وبطلعتها, فهناك إحصائيات تؤكد أن 60% من الفتيات المصريات يتعرضن للتحرش الجنسي ابتداء من الملامسة لأجزاء الجسد وانتهاء بأقصاها وهو الاغتصاب التام لها, مرورا بالعنف الجنسي ضدها من الزوج وخاصة في البيئات الفقيرة والمتخلفة, والتي ترى في المرأة موضوعا جنسيا لا غير ويجب أن تستجيب لرغبات الرجل متى ما شاء وكيف ما اتفق بعيدا عن الرغبة للطرف الآخر, إلى جانب ظاهرة الاغتصاب واستخدام القوة وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي بالضحية, وتشير التقارير الأمنية المصرية أن هناك ما لا يقل عن 27 حالة اغتصاب يوميا, أي ما يعادل 10000 حالة سنويا " نقلا عن الانترنيت ", كما تنتشر حالات الاغتصاب في دول المغرب العربي وفي لبنان وفي العراق " وخاصة بعد أرث الاحتلال الأمريكي له ", وكذلك في الدول الخليجية حيث ينتشر الاغتصاب في أوساط الدائرة القريبة للضحية, كسائق الأسرة أو الخادم ومن محيط العائلة والأقارب أو ذوي المناصب وغيرها. وعادة لا يجري في مجتمعاتنا التبليغ عن جرائم الاغتصاب نظرا لارتباطها بمفهوم شرف المرأة وأسرتها وعشيرتها, وخاصة في مجتمعات مسلمة تتدعي التدين, وعادة ما يلقى اللوم على المرأة باعتبارها هي مصدر الإغراء والمسبب لذلك.

أن كورونا أماطة اللثام عن المستور والمتستر عليه ودقت جرس الأنذار وفضحت الثقافة الذكورية المبنية على الأزدواجية في الأخلاق والتعامل وخاصة في فترات المحن والازمات, وكشفت كورونا طبيعة العلاقات الهشة القائمة على عقود زواج وأوراق مصدقة من المحاكم وذات طابع هش تنكسر حين تحل الازمات, واثبتت أن «عش الزوجية» أو «القفص الذهبي» ليس سجنا، كما يدعي البعض، بل حلبة ملاكمة يتصارع فيها طرفان غير متساويين، أحدهما مجبر على حماية الأطفال خلال نوبة الجنون التي تصيب الزوج " الذكر " أو "الشريك". ولعل ما بعد كورنا ودروسها المستخلصة ان نكون أكثر رقيا في ديننا واخلاقنا وفهم ذواتنا وأن الشراكة الحقيقية لا تكون إلا بالحب وحده وليست بالأكراه في العيش مع الشريك.







22
كوفيد ـ 19 والتعليم عن بعد: بين ظروف الأضطرار ومستلزمات النهوض

د.عامر صالح

لقد أصبح التعليم الرقمي أو التعليم عن بعد مطلبا ملحا للأساتذة والإداريين التربويين والتلاميذ وطلبة الجامعات بمختلف دول العالم بعدما تفشى فيروس كورونا، وأرغم الجميع على حجر شبه طوعي أو مفروض حسب حالة كل بلد، وهكذا تابعنا كيف تمكنت الصين وبكفاءة عالية من تمكين تلاميذها متابعة دروسهم في بيوتهم عن طريق منصات رقمية تعرض دروسا يومية وتمارين تقويمية بنفس تسلسل منهاج العام الدراسي وكأن المتعلم في قسمه أمام أستاذه وليس في منزله وراء شاشة حاسوب.

وقد حذت حذو الصين بلدان أخرى كالإمارات العربية المتحدة وباقي دول الخليج وسارت على نهجها دول أوروبا كإيطاليا وفرنسا وإسبانيا التي اضطرت لإغلاق مدارسها بعدما ضرب الوباء الجديد بقوة. إنها إذن فرصة تاريخية غير مسبوقة تخرج من رحم الأزمة الوبائية العالمية لتفتح أعيننا على تعليم جديد ومبتكر سيطبع المستقبل القريب لشكل التدريس المستجد من خلال الانتقال من تعليم السبورات والكتب والدفاتر والأقلام إلى تعليم الشاشات والآلات والتطبيقات التفاعلية الذكية والحوسبات السحابية، وسيغير بالتأكيد دور الأستاذ والمتعلم في علاقاتهما التفاعلية داخل الفصول وخارجها ودور المدرسة ككل في منظومة التكوين, ولكن بالتأكيد كل ما يجري في ظروف الأكراه الشديد للأنتقال المفاجئ الى التعليم عن بعد بتلك الكثافة ليست سهلا ولا مريحا على الأطلاق, فالسياقات الطبيعية والانتقال المخطط له هو الضمانة الأكيدة لعمليات التحول الواسع صوب التعليم عن بعد.

  وقد تزامن الحديث عن استخدام التعلم عن بعد؛ لمواصلة مسيرة التربية والتعليم في ظل خوض البشرية معركة شرسة ضد كائن مجهري فرض تأثيره على جميع مناحي حياتنا، ويكمن خطره الحقيقي في أساليب انتقاله، والتي تكون في أغلب الحالات عن طريق التواصل المباشر مع المريض أو ملامسة الأسطح الملوثة، مما ألزم صانعي القرار على اتخاذ القرار الأصعب والمتمثل بمنع التجمعات واللقاءات والمناسبات الاجتماعية المحصورة في الأماكن المحددة جغرافيا، وتُعد المؤسسات التعليمية أحد أكبر التجمعات في عالمنا المعاصر، مما حدا بالدول العالمية إيقاف عمل المؤسسات التعليمية المختلفة، مثل: رياض الأطفال، والمدارس (العامة والخاصة) والجامعات والكليات ومراكز التعليم الخاص ودور الرعاية وغيرها.

وكما تقول الإحصائيات الواردة عن منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة (اليونسكو)؛ بأن عدد الطلاب الذين اضطرتهم "كورونا" إلى الانقطاع عن المدارس مليار و344 مليون، و914 ألف طالب وطالبة في 138 دولة حول العالم بنسبة 82.2٪ من الطلاب المقيدين في مدارس، منهم نحو 83 مليون طالب مدرسي في الدول العربية (بالإضافة إلى أعداد المتسربين من التعليم والمتوقفين عنه بفعل الحروب والصراعات الدائرة رحاها). وقالت المديرة العامة لليونسكو، أودرى أزولاى، فى هذا السياق: "لم يسبق لنا أبداً أن شهدنا هذا الحد من الاضطراب في مجال التعليم»، وأضافت قائلة: «إنّ إقامة الشراكات هو سبيلنا الوحيد للمضي قدماً".

والتخوف الكبير يطال الدول الفقيرة، فحسب البنك الدولي تعد البلدان الأكثر ثراءً أفضل استعداداً للانتقال إلى استراتيجيات التعلُّم عبر الإنترنت، وإن اكتنف الأمر قدر كبير من التحديات التي تواجه المعلمين والآباء. لكن الأوضاع في كل من البلدان الفقيرة ومتوسطة الدخل ليست على شاكلة واحدة، وإذا لم نتصرف على النحو المناسب، فإن ذلك الانعدام في تكافؤ الفرص سيزداد تفاقماً. فالعديد من الأطفال لا يملكون طاولات ولا كتباً، فضلاً عن صعوبة اتصالهم بالإنترنت أو عدم امتلاكهم للحواسيب المحمولة، بل هناك منهم من لا يجد مساندة من آبائهم، في حين يحظى آخرون بكل ما سبق.

وفي الدول العربية تتراوح وتختلف الطريقة المُتّبعة في التعليم عن بعد، حسب إمكانيات كل دولة على حدة، وفي داخل كل دولة، حيث فجوات رقمية قومية ووطنية، وجاهزية بنيتها التقنية التحتية، نظرًا لافتقار الكثير من هذه الدول للمستلزمات، والتجهيزات المتعلقة بالتعليم عن بعد، مع عدم توفر تجارب مسبقة لقياس مدى نجاحها في حال تطبيقها، كإجراء احترازي لمواجهة فيروس كورونا. في هذه المرحلة، أصبحت استمرارية التعليم أكثر تحدياً للطلاب والمعلمين والمؤسسات التربوية، أعني أن لا أحد يعرف حقاً ما سيحدث غداً، وكيف ستكون الأمور في الأسبوع القادم أو الأسبوع الذي يليه، هذه تجربة نحاول جميعاً التكّيف معها، علينا فقط تكريس الكثير من الجهود لتعزيز أساليب العمل والتواصل بين الطلاب والمعلمين بهدف استمرارية العملية التعليمية.

وكغيره من استراتيجيات التعليم، يأتي “التعليم عن بعد” مع مجموعة من الإيجابيات والسلبيات، أضف إلى ذلك بالطبع أنه لا يمكننا توقع نتائج مثالية من هذه التجربة نظراً للسرعة الفائقة التي اضطرت فيها المدارس إلى الانتقال إلى هذه الإستراتيجية للحفاظ على استمرارية تعليم الطلبة باعتباره أولوية قصوى في خضم تفشي الفيروس الذي شلّ المنطقة، دون أن يكون هناك أي تحضير أو تدريب مُسبق سواء أكان للإدارة المدرسية، للمعلمين، لأولياء الأمور أو للطلبة على وجه التحديد، دعونا نلقي نظرة على بعض الايجابيات والسلبيات التي ينطوي عليها اعتماد هذه الإستراتيجية. 

ويتمتع التعليم عن بُعد بعددٍ من المزايا التي يمكن الإشارة إليها فيما يلي:
1- سهولة الوصول للمحتوى التعليمي: فالتعلم عبر الإنترنت هو طريقة مناسبة للأغلبية، حيث يمكن للموظفين والطلاب -بل وربات المنزل أيضًا- الحصول على دورات ومحاضرات في المجالات التي يرغبون فيها، وذلك في الوقت الذي يناسبهم. فالتعليم عن بعد يتميز بمرونة الوقت، على عكس الفصول التقليدية. فمن خلال التعليم عن بعد يُمكن للعديد من الأفراد الحصول على الدورات والدرجات العلمية من خلال حضور المحاضرات على الإنترنت في عطلات نهاية الأسبوع أو في المساء بعد انتهاء أوقات العمل. كما يعمل التعليم عن بعد على كسر حاجز الحدود، حيث لم يعد يتعين على الطلاب الانتقال من دولة إلى دولة أخرى للحصول على درجة علمية أو المشاركة في دورة تعليمية معينة، وأصبح كل ما يحتاجون إليه هو توفر إنترنت بسرعة عالية.

2- دعم عملية الاستيعاب: وذلك من خلال إمكانية تسجيل الفصول الدراسية، وقيام الطالب بمشاهدة المحاضرات أكثر من مرة حتى يستوعب المعلومات بشكل كامل، وهذا ما لا يتوافر في الفصول الدراسية التقليدية، حيث تبدأ المحاضرة وتنتهي في وقت معين، وإذا لم يتمكن الطالب من حضورها فليست هناك إمكانية بالتأكيد لتكرارها مرة أخرى، بعكس التعليم عن بُعد الذي يُمكّن المتعلمين من الوصول إلى المحتوى التعليمي في أي مكان وفي أي وقت، مما يساعد الطلاب بشكل أكبر خلال فترات التحضير والإعداد للاختبارات الدراسية.
وتشير العديد من الدراسات إلى أن الطلاب يفضلون المحتوى التعليمي القائم على التفاعل، وكذلك يفضلون مشاهدة مقطع فيديو بدلًا من قراءة صفحات كتاب. إذن، فالأدوات التي يستخدمها التعليم عن بعد تقدم المحتوى التعليمي بشكل أكثر جاذبية من التعليم التقليدي، مما يُسهّل تلقي الطلاب المعلومات وتطبيقها بشكل أفضل.
3- توفير الوقت وانخفاض التكلفة: ساهم التعليم عن بُعد في خفض الوقت اللازم للتعلم بنسب كبيرة، وهو ما يرجع إلى إلغاء الوقت اللازم لعملية الانتقال للمقر التعليمي والعودة منه إلى المنزل، كما أنه يُساهم في تخفيض التكاليف المالية بسبب عدم وجود تكلفة للانتقال، وعدم تكبد نفقات الإقامة والانتقال من دولة إلى أخرى، أو إلى مدينة أخرى داخل الدولة نفسها.
4- عوائد بيئية إيجابية: نظرًا لأن التعليم عن بعد هو وسيلة غير ورقية للتعلم، فإنه يحمي البيئة من خلال عدم استخدام واستهلاك عدد كبير من الأوراق مقارنةً بأشكال التعليم التقليدي. فضلًا عن أنه -وفقًا للدراسة التي أُجريت على دورات التعليم الإلكتروني- وُجِدَ أن برامج التعليم عن بُعد تستهلك طاقة بنسبة أقل مقارنة بالدورات التعليمية التقليدية القائمة على التواجد في الجامعات أو المؤسسات التعليمية . وبالتالي فإن التعليم عن بعد هو وسيلة صديقة للبيئة مقارنة بأنماط التعليم التقليدي.
5 ـ تعزيز فعالية المعرفة من خلال سهولة الوصول إلى كمية هائلة من المعلومات، فنحن نستخدم الإنترنت الآن لقراءة الأخبار ومشاهدة برامجنا التلفزيونية المفضلة وحجز المواعيد والتسوق وغير ذلك الكثير، بالنظر إلى الراحة التي أضافتها التكنولوجيا إلى حياتنا اليومية، لماذا يجب أن يظل التعليم تقليدياً بدلاً من الاستفادة من المزايا التي توفرها التكنولوجيا.

وايضا هناك سلبيات للتعلم عن بعد ولعل ابرزها ما يأتي:
•   لم يعتد الطالب على استخدام هذا النوع من التعليم الذي يتطلب منه انضباطاً ذاتياً، وذلك نظراً لعدم تقديم برامج توجيهية ودورات تدريبية لإعداد الطلبة قبل البدء بتطبيق هذا النظام، بحيث يجد الطلاب صعوبة في التركيز عندما يكونون محاطين بمشتتات داخل المنزل، ومع عدم وجود المعلمين أو الزملاء للتفاعل وجهاً لوجه داخل الغرفة الصفية فإن فرص التشتت وفقدان المسار الزمني للمواعيد النهائية تكون عالية.
•   الإنصاف هو أكبر عقبة في “التعلم عن بعد”، بالطبع لا ينطوي التحول من التعليم التقليدي إلى التعليم عن بعد على التحديات التقنية فحسب، بل التحديات الاجتماعية والمادية أيضاً، إن افتراض أن كل طالب لديه التكنولوجيا اللازمة والوقت والتحفيز والدعم للمشاركة في التعلم عن بعد يفتقد للعدالة، فلا يزال هناك تفاوت كبير من حيث الدخل والمستوى التعليمي للوالدين، ومن الممكن أن لا يمتلك كل منزل أجهزة كمبيوتر متطورة أو إنترنت عالي السرعة.
•   عدم قدرة أولياء الأمور على المشاركة في تعليم أبنائهم من خلال استخدام هذه الإستراتيجية التي تحتاج تدريباً وإعداداً لأولياء الأمور وذلك لتمكينهم من المشاركة وتفعيل دورهم في استمرارية العملية التربوية قبل تبني تطبيقها، وهذا بالتأكيد يمثل تحدياً حاسماً آخر وخاصة للطلاب في الصفوف الأساسية الأولى، حيث يحتاج الطلاب الأصغر سناً إلى الكثير من المساعدة، حتى الكبار المتمرسين في التكنولوجيا يمكن أن يجدوا هذا الأمر صعباً.
•   كل طالب يمتلك قدرات تعليمية مختلفة عن الآخر فلكل منهم خصوصيته، وبالتأكيد فإن نجاح العملية التعليمية يعتمد على فهم كيفية تعلم الطالب بشكل أفضل من خلال الأدوات المناسبة له، حيث لا يملك جميع الطلاب في نفس الصف نفس القدرات، لذلك سيكون من الصعب على المعلم الاهتمام بالاختلافات بين الطلاب بشكل فردي واختيار الأنشطة والطرق المناسبة التي يتفاعل بها الطلاب مع المحتوى ويتعلمونه من خلال استخدام هذه الإستراتيجية.
•   تُعد المصداقية تحدياً هاماً في التعليم عن بعد حيث سيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، التحكم في السلوكيات السلبية مثل الغش فيمكن لأي شخص القيام بمشروع بدلاً من الطالب الفعلي نفسه، لذلك لن يكون من السهل تقييم الطالب من خلال هذه الإستراتيجية. 
أما ابرز البدائل المتاحة للتعليم عن بعد لأحتواء الأزمة الكونية فهي:

1- المواقع الالكترونية للمدارس: بحيث تدار عملية التعليم عن بعد باستخدام موقع الكتروني لكل مدرسة حكومية او خاصة، ويلزم ان يكون الموقع مبرمجا ليتوافق مع اجهزة الحاسوب بالاضافة للاجهزة الخلوية، وان يكون مجهزا لاستيعاب المواد التعليمية التي يحضرها المعلمون بطرق سهلة، وان يسمح بالحوارات التفاعلية مع الطلبة والمحتوى التعليمي والمعلم. وعلى الرغم من ان هذه البيئة تمثل الظروف الانسب والامثل لادارة تعليم الكتروني ناجح، الا ان ندرة المدارس المجهزة بذلك تجعل منه محدود الاستخدام في هذه الظروف.


2- طريقة الواتساب: بحيث يدار التعليم عن بعد عن طريق المعلمين انفسهم باستخدام وسيلة موقع التواصل الاجتماعي واتساب. هذه الطريقة مناسبة للعمل مع طلبة الصفوف الثلاث الاولى والروضة، يتطلب العمل ادارة العملية من قبل المعلم/المعلمة بانشاء مجموعات واتساب تشمل طلبة الشعبة الواحدة او جميع شعب الصف الواحد في المدرسة الواحدة التي يدرسها، ويتشارك مع باقي معلمي الصف في الاشراف على مجموعة الواتساب بعرض الفيديوهات والرسائل المرئية والصوتية لتشمل المادة الدراسية واوراق العمل وغيرها، يجب ان يقتصر الارسال على المعلمين (المشرفين)، ويسمح بالنقاش والتفاعل من قبل الطلبة واولياء امورهم وترسل الملاحظات والواجبات بعد تنفيذها على الخاص لكل معلم. يجب ان لا يبتعد الجميع عن تبادل رسائل التحية والتعارف غير التربوي الذي تتخم المجموعة برسائل غير هادفة وتشتت عن الهدف الرئيسي.


3 - طريقة الفيسبوك: بحيث يدار التعليم عن طريق المعلمين انفسهم باستخدام وسيلة موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. هذه الطريقة تعتبر الانسب للظرف الراهن كونها تسمح بان تدار العملية التعليمية للصف الواحد في المدرسة الواحدة بجميع شعبه ولجميع معلميه.
يتطلب نجاح الطريقة ان يتم انشاء صفحة فيسبوك لكل صف دراسي في كل مدرسة ولجميع الشعب، بحيث يقتصر النشر على مشرفي الصفحة وهم معلمي ذلك الصف، بحيث يعرض كل معلم المحتوى الذي سيقدمه للطلبة ضمن جدول محدد ويتابع جميع الطلبة المادة ويطرح كل منهم تساؤلاته ويجيب المعلم على كل تساؤل بمفرده او يمرر الملاحظة والاجابة للجميع، يحدد المعلم الواجبات للمتعلمين ويطرح عليهم او بعضهم اسئلة حوارية، ويلزم لذلك ان يكون جميع المتعلمين والمعلمين على الشبكة بذات التوقيت، ويمكن ان يتم التعليم بوقت مفتوح اطول دون حضور الجميع معا على ان يتم تحديد موعد انهاء التعلم وحل الواجبات حتى موعد الحصة القادمة، يتولى معلم آخر لمادة اخرى لنفس الصف دور التعليم حسب دوره بذات الاسلوب وهكذا.

كما أن استعمال شبكات التواصل الاجتماعي يتيح استعمال سيرفرات بسرعات عالية وامكانات تخزين كبيرة دون صعوبات تقنية، ويجب على المعلمين التنبه في التعليم الالكتروني بعدم نشر محتويات تفوق مستويات الطلبة، وتقليل الاعتماد على المواد الجاهزة المنشورة في شبكة الانترنت والتركيز على جهدهم الذاتي.

يحتاج طلبتنا اليوم للعديد من المهارات الأساسية؛ لتساعدهم على استخدام أدوات التعلم عن بُعد بالصورة الصحيحة، منها:
1 ـ المهارات الأساسية لاستخدام الأجهزة الرقمية، مثل: تشغيل الأجهزة وإغلاقها، تثبيت التطبيقات وإدارتها، القدرة على تسجيل الدخول للتطبيقات التعليمية، وتتضمن: إنشاء مستخدم جديد وإدارة الحساب الشخصي، والانضمام إلى مجموعات التعلم ومشاركة المصادر التعليمية وحفظها، بالإضافة إلى التعامل مع ملحقات الأجهزة الرقمية مثل: السماعات، أجهزة تسجيل الصوت والصورة وغيرها؛ لكي يكونوا قادرين على التعامل مع هذه الأجهزة بصورة صحيحة، وتوظيفها أثناء تعلمهم
2 ـ مهارات البحث عبر شبكات المعلومات الرقمية (الإنترنت)، وتتضمن: قدرتهم على الوصول للمواقع الإلكترونية المناسبة للتعليم، والقدرة على البحث عن المعلومات المطلوبة ومعالجتها أو تخزينها وحفظها، مع قدرتهم على التمييز بين المعلومات الصحيحة والخاطئة.
3 ـ مهارات التعلم الذاتي: لكي يكون الطلبة قادرين على التعلم وحدهم في ظروف انقطاع التعليم.
4 ـ مهارات حلّ المشكلات: وتعد هذه المهارات ذات أهمية لكونها تساعد الطلبة على التعامل مع المواقف غير الاعتيادية (المستحدثة) التي تواجههم، والعمل على تطبيق استراتيجيات لحلّ تلك المشكلات
5 ـ مهارات مواجهة الأزمات: لكي يكون الطلبة قادرين على استيعاب حقيقة المواقف التي تحدث بصورة طارئة، وأخذها على محمل الجدية لا الاستهتار، والقدرة على التصرف في الأوقات الحرجة، وأن يكونوا قادرين على مواصلة تعلمهم في فترات الانقطاع، والاعتماد على أنفسهم.

ليس من السهل القول أن مرحلة التعليم عن بعد في مرحلة كورونا لا تواجه مشاكل وتحديات كبيرة، أو هي من السهل الممتنع، فإلى الآن في بعض الدول التي أطلقت برنامج الدراسة عن بعد بدأ جدل واسع لدى الأوساط الأسرية، حول وضع العائلات غير المجهزة، أو التي ليس لديها اتصال إنترنت قوي بما فيه الكفاية، كما بدأت التساؤلات تطرح بخصوص من لا يملك أجهزة كمبيوتر أو أجهزة لوحية.

الأمور ليست واضحة لأن الظروف كانت مفاجئة، والتعليم الإلكتروني عن بعد يحتاج إلى فترة من الوقت للتكيف مع هذا النمط الجديد على المعلمين والتلاميذ وأوليائهم على حد سواء، كما أنه يحتاج إلى تنظيم ووضع مجموعة من التقنيات والتوجيهات لتوحيد الرؤية التربوية وفق منهج يتناسب مع التعليم الإلكتروني عن بعد. وبالتأكيد فأن ظروف انتشار وباء كورونا الضاغطة وبسرعة جنونية ستضع التعليم عن بعد امام اختبار صعب بأعتباره خيار أزمة وليست حل شامل يرتبط في التخطيط للتعليم في ظروف طبيعية.

روابط المقال:

https://ar.zenit.org/articles/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D9%8F%D8%B9%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7/?fbclid=IwAR3v5Y0ONHUWILniOPP3Cne7cFZXyBefYeDjKrsI0ZL7bhiiT7u24UF21zc
https://www.alittihad.ae/wejhatarticle/105945/%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D8%B9%D8%AF?fbclid=IwAR0aZR4jHm9Jm2I8ct3qOvG3SFYK7RMLI7mHtN1lb40pciHFbPZOrnFg7IU
https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/5363/%D8%AF%D8%B1%D8%B3-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9?fbclid=IwAR3PXb62ppYjSoskIpqLkh2cwQLdT9flYxstOemwWZrP6BIumzgYaQMMCRs
https://arabicpost.net/opinions/2020/03/20/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D9%86%D8%AC%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D9%8F%D8%B9%D8%AF-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D9%83/?fbclid=IwAR1P_5rGUUV-C57sKCUOyb1zrDJK5DR2u2rnu4GWT2GYNhHzAP9Aa45Mccc
https://www.turkpress.co/node/70457?fbclid=IwAR3DskSK3NEjOzK7TXEsBH2zqG5vBMBC-zc8vOtyYVuHpI3rSpYv4jnOXtM
https://www.hespress.com/writers/463495.html?fbclid=IwAR3v5Y0ONHUWILniOPP3Cne7cFZXyBefYeDjKrsI0ZL7bhiiT7u24UF21zc
https://elaph.com/amp/Web/opinion/2020/03/1286103.html?fbclid=IwAR36Ecyt1XipD2mujO8RGU_JvfC7NR27dlheyyy1RNOaCn9zIEDeSLBLZ2k
https://newturkpost.com/article/3911-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%B1%D9%88%D9%86%D9%8A?fbclid=IwAR2n2ta9G1rsEt97eniaZFJ2VCdzAs4Q3Sw6hcmfzb1gtoWad3h1TPziRFw




23
فيروس كورونا المستجد وسيكولوجيا الصراع بين الشماتة والأنتقام والقيم الانسانية

د.عامر صالح

يشير مصطلح القيم الإنسانية إلى مجموعة الأخلاق السامية والمبادئ التي ترعرع عليها الأفراد من مختلف الأجناس والفئات، فهي القواعد التي يرتكز عليها الشخص عند تعامله مع أعضاء المجتمع الآخرين وهي الأخلاق الفضيلة التي يتحلى بها كالصدق، والأمانة، وحب الآخرين، والتسامح، والعفو عن الخطأ، واجتناب الظلم والحقد، إضافة إلى الحرص على نشر الحب والود بين مختلف الدوائر القريبة للأفراد، وما إلى ذلك من الأُسس التي تدعو إليها جميع الديانات السماوية في خطابها المعلن والفكر الانساني المسالم. وتتفق الانسانية إلى أن هذه القيم هي الطريق الذي يخرج الإنسان من الظلام أو الجهل الفكري إلى العلم والنور، إذ إن التحلي بالقيم الإنسانية يساهم في قرارات الأفراد والمجتمعات وسيطرتهم على حياتهم الفكرية والسلوكية، ومن الممكن تمييز الفرد الذي يتحلى بتلك القيم عن غيره من خلال مساهماته وأفعاله بين أفراد عائلته، وزملائه في الجامعة أو في مكان العمل وفي المجتمع الأكبر وحتى الموقف مع المجتمعات الخارجية، بالإضافة إلى تصرفاته في الطرقات والقطاعات الحكومية والخاصة، إذ يلاحَظ أنه أكثر ميلًا لمساعدة الآخرين والمشاركة في الأعمال الخيرية والتطوعية.

مما لا شك فيه أن عالمنا اليوم يواجه تحديات ومشاكلَ كبيرة كالحروب وما ينتج عنها من كوارث وأضرار جسمية وصراعات، بالإضافة إلى عدد كبير من المشاكل السياسية والاقتصادية التي يعاني منها عدد كبير من الأفراد والمجتمعات في مختلف أنحاء العالم، ولا يمكن التغافل عن المخاطر البيئية التي تهدد صحة الكرة الأرضية في ظل إقبال الإنسان المتزايد على الاستهلاك والاستنزاف المستمر للطبيعة ومواردها . لو أمعن الأفراد والقيادات النظر في معظم تلك المشاكل لوجدوا أن حلها يكمن في التزام البشرية وتحليها بالقيم الإنسانية الغائبة عند العديد منهم، فغياب تلك القيم هو أحد الأسباب الرئيسة التي ساهمت في تفاقم تلك المشكلات ووصولها إلى حد الخطر، لذلك لا بد من نثر بذور القيم من جديد ومحاولة غرسها في الأجيال القادمة للحد من انهيار المجتمعات. ويشكل هنا وباء كورونا المستجد اختبارا حقيقيا للأنسان الفرد والمجتمعات الانسانية ومدى قدرتها على التضامن لدرء هذا الخطر الذي يهدد الانسانية جمعاء.

القيم الإنسانية مجموعة الأخلاق والعادات الاجتماعيّة والسلوكية والمبادئ والمثل التي ينشأ عليها الفرد منذ نعومة أظفاره، وتستمر معه طوال حياته، وتتمّ ممارستها بشكل عفوي وطبيعي في الحياة اليوميّة، في محاولة من الفرد للوصول إلى الرضا الذاتي واحترام المجتمع له، ويعرف علماء النفس القيم الإنسانيّة بأنها مجموعة من الانفعالات وردود الفعل الصادرة عن العقل تجاه موقف معيّن ناتج عما يختزنه الفرد في عقله ووجدانه من تأثر بالمجتمع والعادات والدين والفطرة تجاه هذا الموقف، فيعيش الإنسان وفق قيم معينة يطبقها أو يسعى للوصول إليها، كما تُعتبر نوعاً من أنواع المحدّدات أو الغايات، ويعد الوصول إليها نوعاً من أنواع النّجاح، وعلامة على حسن سير العمل في مراحله السابقة. وهنا يجب الاشارة أن القيم الانسانية وتمثلها كسلوك عقلي ومعرفي يجب ان لا تكون انتقائية ومتجزئة, فالموقف الانساني اتجاه المجتمعات الداخلية غير قابل عن الانفصال عن الموقف من المجتمعات الخارجية.

ولكن في المنعطفات الخاصة والاحداث المفاجئة, بما فيها الكوارث الاجتماعية والطبيعة حيث يختل فيها البعد العقلاني في تفسير الاحداث, ومخالفا لما ذكرناه في السياقات الطبيعية, حيث السلوك الجمعي سيد الموقف, وهو سلوك غير منظم ينشأ تلقائيا, ولا تكون له خطة تحكم مساره مما يجعل التنبؤ بتطوراته صعبا, وهو يعتمد بشكل كبير على التأثير المتبادل بين الافراد المشاركين فيه. وهنا تتراجع الشخصية الواعية عن الانخراط في السلوك الجمعي, في حين يتولى اللاوعي الجمعي توجيه سلوك من يفتقرون للوعي لا سيما وأن الاشاعات تشكل مادة دسمة في ظل هيمنة اجواء الاحتقان والتوتر والغموض, بسبب الاعتماد على تناقل الأخبار غير المؤكدة والمتلونة بالعاطفة, وذلك في ظل غياب المصادر الموثوقة للمعلومات, وبالتالي يتحول هنا جموع من الحشود متقبلون للأيحاء وسريعوا التأثر بالقيادة ولا يحتاجون سوى لدفعة صغيرة ليقتفوا أثر قدوتهم ولا يكونوا المبادرين في الغالب, وتشكل هنا العدوى الاجتماعية في خلق سلوكيات متشابهة على خلفية تشابه الجموع في الحاجات والدوافع والاهداف.

ويشكل وباء كورونا وانتقاله من موطنه الأصلي في الصين ليضرب أوربا ومدنها وعواصمها وقراها بتلك السرعة المخيفة, مادة خصبة للواقعين تحت تأثير السلوك الجمعي والمتأثرين بالخطابات السياسية والدينية العاطفية, وقد رأوا في وباء كورونا وهو يهاجم اوربا مادة للتشفع والشماتة والحقد, ولكن حين ضرب الوباء المجتمعات شرقا وغربا ولم يستثني دعاة " الفرقة الناجية ", ولم يترك الوباء الاماكن المقدسة في اغلب الاديان وخاصة السماوية إلا وضربها, حتى عادوا الى سيمفونية" اختبار صبر المؤمن عندما يبتلى ". وتجري على خلفية اخلاق الشماتة والحقد دعاوى بزوال الغرب ونظامه لكي تكون القيادة بيد الصين  "وحلفائهم " من الأنظمة والحركات المتخلفة والتي لا ترى العالم إلا من خلال مصالحها الآنية الضيقة, وهم لا يعرفون شيئا عن النظام الصيني إلا فقط بجزئية خلافه مع الغرب.

جهلة القوم لا يرغبون ان يفهموا ان الغرب ليس مجرد كيانات عابرة، ليس مجرد حكومات تذهب وتجيء، بل ليس مجرد دول تنشأ وتزول، وأكثر من ذلك؛ الغرب ليس مجرد دورة حضارية سرعان ما تتلاشى، الغرب ليس عرقا يضعف أو يندثر، الغرب ليس تشكلا إرادويا قابلا للتفكك والاضمحلال عند أول أزمة عاصفة، بل إن حضارة الغرب ـ وفي سياق تاريخ الغرب ذاته ـ ليست نتوءا طارئا، ليست صدفة مجانية، الغرب/ حضارة الغرب هي تاريخ طويل من النمو المتعاضد ذي الجذور الراسخة التي يستحيل على العواصف انتزاعها/ اجتثاثها؛ مهما كانت قادرة على مشاكسة الأغصان، بل وعلى تكسير بعضها، إذ البقاء ـ قبل كل شيء، وبعد كل شيء، ـ هو لأصل الشجرة التي لن يضيرها مرور الخريف بها كفصل عابر في دورة حياة تمتد لآلاف السنين. وهذا الرأي هو ليست انتقاص من النموذج الصيني في تقديري الشخصي, بل ان لكل نموذج طريقته في البقاء في عملية الصراع, والحياة تزكي هذا النظام او ذاك على خلفية مخرجاته الاجتماعية والصحية والاقتصادية ومستويات الرفاه الاجتماعي بعيدا عن انحيازتنا العاطفية لهذا النظام او ذاك.

والحقيقة المُرة الغائبة في اسطوانة العقاب الالهي للغرب وشفاء الصين التي تبرز على مواقع التواصل الالكتروني، أنها نوع من التشفي بالآخرين، وجزء من سيكولوجية الشماتة كأحد المكوّنات النفسية للشعوب المأزومة، وأحد ممارسات الأُمم المقهورة، التي تعاني الظلم والاضطهاد، وطال عهدها بالفساد والاستبداد، وضربت عليها حالة العجز والاحباط، وأُصيبت بقلة الحيلة وانعدام الفاعلية، ونزعت منها رسالتها، وانحرفت بوصلتها، فلا زالت تمارس المرواحة في نفس المكان والزمان؛ فانشغلت بالشماتة والتشفي في بعضها البعض: جماعات دينية، وفرق مذهبية، وأحزاب سياسية، وطوائف عرقية. وانهمكت بالشماتة والتشفي بغيرها من الآخرين والمنافسين والخصوم والأعداء، بدلاً من إصلاح حالها، وألتهت بتفسير مصائب الآخرين عوضاً عن تفسير مصائبها، فما أغنى ذلك عنها شيئاً، وهل تُغني الشماتة من تقدم، أم يُسمن التشفي  من تطور الضعيف المقهور.

في النهاية، فإن الشماتة جزء من تركيبتنا البشرية الخالصة، في بعض الأحيان تكون طبيعية، لكن في أحيان أخرى تصبح شيطانية بالفعل كما قال شوبنهاور "أن تشعر بالغيرة، فذلك طبيعي، لكن حينما تشمت، فذلك شيطاني" في حالات التنافس الشديد والصراع السياسي والاجتماعي السياسي والاجتماعي -وما أكثرها في عالمنا المعاصر- تظهر الشماتة لتسيطر على الموقف، وفي مرحلة ما رُبما تُنتزع إنسانيتنا ونتعامل مع الآخرين كحيوانات، لا مشكة أن يتم قتلهم أو اغتصابهم أو اعتقالهم لمجرد أننا نختلف معهم في الآراء السياسية، في تلك النقطة نترك أعظم منجزات البشر إلى الآن خلال 300 ألف سنة من وجودهم وتطورهم، وهو تعظيم الإنسان، وندخل بكل ثقة وعنترية إلى عالم من الفوضى. هذا هو ما نراه الآن، هذا هو العالم الذي تعيش فيه بينما تقرأ هذه الكلمات. 

لكن على الرغم من كل ذلك، فإننا لم نحقق بعد فهما كاملا لهذا السلوك البشري اللافت للانتباه، تحاول بعض الأبحاث أن تربطه بتقدير لشخص لذاته، فكلما كان تقديرك لذاتك أقل كنت أكثر شماتة في الآخرين، ربما لأجل تحقيق الذات في الشعور بالسعادة تجاه مصائب الآخرين، من جهة أخرى فإنها لا شك ترتبط بالصفات المظلمة للطبيعة البشرية، والتي تضم النرجسية والسادية والسيكوباتية والشعور المتضخم بالذات، إلخ، هذا المجال البحثي ما زال في أوج نشاطه، خاصة لأغراض سياسية.

وفي الختام فأن فيروس كورونا ليست فيروسا منحازا لملة او دين او مذهب او جنس او قومية دون اخرى او مجتمع دون آخر او بقعة جغروسياسية دون اخرى, فيروس كورونا يضرب حيث تتوفر البيئة الصالحة لحضوره وحيث قصور الاجراءات لصده, وبالتالي فأن المجتمعات الانسانية جمعاء وبأختلاف نظمها السياسية وطبيعة توجهاتها معنية بتوحيد جهودها على المستوى الرسمي والشعبي للقضاء على هذا الوباء ولكي تنطلق الانسانية من جديد وتستمر في عطائها في مختلف المجالات المعرفية والعلمية والاقتصادية والسياسية, واما النظم والافكار المتخلفة فمصيرها القاع والزوال.







24
في ذكرى أحتلال العراق: أحتلال واحد أم أحتلالين
د.عامر صالح

في التاسع من نيسان/ أبريل عام 2003 ، أطاح جنود ألأمريكان بتمثال رأس النظام السابق في بغداد. وبعد مرور سبعة عشر عاماً، تبين أن الحرب، التي كلفت مئات الآف الضحايا، وأوقعت الشرق الأوسط في حالة من الفوضى "بنيت على أكاذيب أمتلاك النظام السابق لأسلحة الدمار الشامل". لم يستغرق الأمر أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء الغزو الأمريكي للعراق، ليظهر مشهد الإطاحة بتمثال صدام حسين في بغداد عبر ملايين الشاشات حول العالم. ودخلت هذه الصورة في الـتاسع من نيسان /أبريل من عام 2003  الى الذاكرة الجماعية. لكن حتى بعد مرور سبعة عشر عاما عليها، لا تزال هناك العديد من الأسئلة المفتوحة. أولها هو السؤال عن عدد ضحايا حرب العراق عام 2003 والفوضى العارمة التي تلت ذلك بين السكان المحليين. إذ تتحدث معظم التقديرات عن عدد ضحايا يتراوح بين 150 ألف ونصف مليون قتيل. حتى أن بعض الأبحاث الجادة تحدثت عن أرقام أعلى بكثير من هذه الأرقام، إذ سجلت المجلة الطبية الأقدم والأشهر في العالم "لانسيت" في عام 2006 عدد وفيات إضافية تجاوز الـ 650 ألف حالة وفاة. وذلك بالإضافة إلى ضحايا العنف، تم الأخذ بعين الاعتبار أيضاً ضحايا عواقب البنية التحتية المدمرة ونظام الرعاية الصحي المتهالك في البلاد.
.

ومن الطبيعي أن تكون حصيلة تلك الظروف والتحديات تعثرات في مسارات التنمية بعد أن شهد المجتمع العراقي التدهو والشلل التام  في جميع المستويات: الفرد، المؤسسات والمجتمع. فعلى مستوى الفرد أدت إلى شيوع حالة من التوتر والصراع الداخلي، و الى الأحساس بالأحباط وعدم الرضا، وفي إقامة علاقات ذات مضامين نفعية ضيقة، والفشل في أداء الدور على النحو المرسوم اجتماعيا.   أما على المستوى المجتمعي، فأدت إلى ظهور مشكلات اجتماعية  وسلوكية معقدة, في مقدمتها توقف عملية التنمية، وانهيار المؤسسات الأجتماعية، وضيق فرص العمل، وتدهور أوضاع الأسرة، وتراجع النظام التعليمي والصحي والخدماتي بصورة عامة، وضعف وسائل الضبط الأجتماعي الرسمية وغير الرسمية، مما فسح المجال واسعا لشتى أشكال العنف والأرهاب والجريمة، وتعاظم أعداد العاطلين والمشردين والمهجرين وأطفال الشوارع، والمتسولين والمرضى والمعوقين، وغير ذلك من الفئات المهمشة ذات القدرات المتدنية التي غالبا ما تفشل في مواجهة تيارات الحياة فتضطر للبقاء في قاع المجتمع خارج الشعور بالأنتماء والمواطنة, كما أدت هذه الاوضاع الى استشراء فئات من المضاربين والسماسرة والمحتالين والطفيلين" من داخل السلطة السياسية ومن خارجها أو بتواطئ منها " الى جانب الصور المتعددة للجريمة المنظمة, من تعاطي المخدرات, والعنف والارهاب, والفساد الاداري والمالي والسياسي والهدر العلمي والمعرفي وغيرها.   

 
 لم يكن سقوط النظام الدكتاتوري نتاج لتفاعلات داخلية ذاتية في مؤسسة النظام, رغم أن النظام كان يمر بأزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية خانقة تؤهله للسقوط وعدم البقاء, ولكن القمع والأضطهاد السياسي أضعف القدرات الموضوعية المتمثلة بالقوى المعارضة له مما جعلها غير قادرة أن تتصدر عملية اسقاطه, وجعلها لاحقا متخلفة عن احتواء الفراغ السياسي الذي نتج بعد اسقاطه من خلال القوى العالمية العسكرية بقيادة أمريكا. وكان الفراغ السياسي بعد سقوط النظام ذو شقين, أولهما جماهيري سياسي حيث لا تمتلك القوى السياسية قاعدة شعبية منظمة كافية ومعبئة لكي يؤهلها لقيادة التغير, والشق الآخر هو فكري ايديولجي حيث ان اغلب القوى السياسية التي شغلت الفراغ بعد سقوط النظام لا تمتلك مشروعا وطنيا واضحا ينقذ العراق ويشكل بديلا صالحا عن النظام السابق المنهار, فحل البديل السياسي المحصصاتي الطائفي والأثني المدعي للمظلومية التاريخية والقائم على ردود الأفعال والبعيد عن سنة الصراع الاجتماعي وقوانينه, وقد لقي هذا البديل الدعم الكامل من قوى الاحتلال الامريكي ومتناغما مع اجندته في أضعاف العراق كقدرات  ذاتية.

لقد قدر للعراق وشعبه أن يمر بظروف تاريخية قاسية ذات طبيعة كارثية أسهمت بشكل كبير في تشكيل مزاج عام أدى إلى تأخير حالات اختمار حقيقية صوب مخاض الديمقراطية, مما فسح المجال إلى نشأة بدائل سياسية ذات طبيعة عقليةـ معرفية معوقة للديمقراطية في غالبيتها,ولكنها انطلقت لتمارس الديمقراطية السياسية استنادا إلى ظروف العصر الضاغطة وظروف العراق بشكل خاص التي لا تقبل بغير الديمقراطية والتعددية السياسية الحقيقية كنموذج بديل عن النظم الديكتاتورية الموروثة. وعندما حصل التغير في العراق عام 2003 " رغم ملابساته الكثيرة وصعوبة هضم آلية التغير" فأن الفراغ السياسي شكل سمة مميزة للوضع السياسي, مما مهد الطريق إلى خيار الاستحواذ السياسي متخذا من الطائفية والعرقية واجهة له ومستغلا الظروف التاريخية للاضطهاد ليمعن في سياسته التي لا تلقي الاستحسان والقبول والإجماع والرضا من قبل شعبنا,وبدلا من أن تحل البرجماتية السياسية " أي قياس مصداقية الفعل السياسي بنتائجه العملية على ارض الواقع " فقد حلت البرجماتية المدججة بالسلاح " الحوار بيد والسلاح في اليد الأخرى لقبول أمر الواقع".


بعد مرور سبعة عشر عاما من الفشل تركت أزمة ضعف المشاركة السياسية والشعبية الواسعة إلى أحساس شرائح اجتماعية واسعة بالهامشية واليأس والمنبوذية "خاصة الفئات التي يجب أن تستهدفها عمليات التغيير",مما يدفع إلى شعور مضاد للانتماء,أي العزلة والاغتراب الاجتماعي وضعف الشعور بالمسؤولية ومن ثم التطرف بألوانه والى الفوضى والعنف, وأصبحت إحدى البؤر المولدة للعنف والتطرف الديني وغير الديني, لتشتد الحياة أكثر عنفا لتصبح بيئة مواتية للتحريض وارتكاب الجرائم الكبرى بحق الناس وبواجهات مختلفة( القاعدة,فلول البعث السابق, داعش, ضغط دول الجوار التي لا تعي حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية).أن الجبهة الداخلية السليمة والصحية هي وحدها القادرة على دحر أعداء العراق في الداخل والخارج وعلى خلفية بقائه وطنا صالحا للجميع.


أن سياسات الإقصاء والتهميش والمحاصصات وما رافقها من تدهور مستمر لحياة المواطنين قادرة على حرف حالات المساهمة السياسية من أجل تثبيت النظام" الديمقراطي" إلى حالات عداء سياسي للنظام وأركانه,باعتباره يجسد حالة الاغتراب السياسي بينه وبين المواطن,وهي نتاج طبيعي لحالة عدم الثقة والشك في القيادات السياسية ونواياها,متزامنا ذلك مع اتساع وتعمق دائرة الفئات الاجتماعية المهمشة والتي تقدر بالملايين جراء ظروف العراق التاريخية والحالية, ومن شأن ذلك أن يخلق ما يسمى " بالفجوات النفسية المدمرة ", حيث تنشأ هذه الفجوات على خلفية الشعور بالإحباط الناتج من التدهور المستديم لظروف العيش الحر والآمن, وهي شروط مواتية ولازمة لخلق وإعادة توليد سلوك العنف والعدوان باعتباره نتيجة للشعور الشديد بالإحباط ,وعلى خلفية اتساع الهوة بين النظام والشعب وتعزيز حالة عدم الاكتراث تجري الاستفادة الكاملة من قبل المجاميع السياسية وفلول الإجرام والمرتزقة الغير مؤمنة أصلا بالعملية السياسية لدك النظام السياسي والتأثير على قراراته السياسية, وعلى عدم استقراره, مستغلة الفساد والعبث بالمال العام وسرقته كوسائل سهلة في الإغراء والتمويل وشراء الذمم.


أن الابتعاد عن نهج المحاصصة الذي التمسه شعبنا بوضوح واكتوى به طوال السبعة عشر المنصرمة, وتحويله من نهج انتقائي/مصلحي إلى نهج مشاركة سياسية حقيقية هو التعبير العملي والأمثل عن العقد الاجتماعي الطوعي , إذ تعيد المشاركة السياسية البناءة إنتاج العقد الاجتماعي كسلوك يومي , أي إعادة إنتاج الوحدة الوطنية كمفهوم سلوكي ـ معرفي وعقلي في الممارسة السلوكية اليومية , وليست شعار اجتراري خبره شعبنا لعقود سلفت, وأن الوحدة الوطنية في كل الفلسفات الإنسانية ركيزة أساسية لا يمكن العبث بها وعرضها في سوق النخاسة السياسية, بل لعلها أهم منجزات الحداثة, وما يترتب عليها من اعتراف بالحقوق الناجمة عن الاعتماد المتبادل بين مختلف فئات المجتمع وإسهام كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي في بعديه المادي والروحي, ونعني به الإنتاج والاستهلاك والتوزيع العادل للثروات, وهي التعبير العملي عن المواطنة الدينامية الحية, وأن المشاركة السياسية الشاملة هي جوهر المواطنة وحقيقتها العملية.


لعل نظرة متأنية وموضوعية منطلقة من روح الحرص على الوطن,تؤكد لنا أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى, ومنذ ولادته بعد 2003 لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية, حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد,مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد,وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار, وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية, مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة,وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة,أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس.


كما أن نظام المحاصصة عرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي, وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك, أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة, بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية", وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف, والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع.أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل, وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه.


لقد أخلت سياسة المحاصصة بالسلم الاجتماعي وأضعفت الشعور بالوحدة الوطنية والتكافل الاجتماعي من خلال خلق التكتلات والشللية السياسية والاجتماعية على أسس طائفية وعنصرية مما يعزز بمرور الوقت حالات الاحتقان والفتنة الاجتماعية,فيتحول الصراع السياسي وغير السياسي إلى صراعات طائفية وعرقية لا حصر لها,أنها عملية استنفار للاشعور الجمعي لأفراد الطوائف والأعراق, وحتى لأتفه الأسباب, وهناك فرق جوهري بين حقك المشروع في الانتماء إلى دين أو طائفة أو عرق أو قومية ما وبين أن تبني دولة تضم مختلف الأديان والأعراق.

ان الأحزاب والقوى الحاكمة اليوم وفي أشد عنف ازمتها تسعى إلى اختزال الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، في آلية ترشيح هذا المكلف برئاسة الوزراء او ذاك، أو في رفض هذا الاسم وقبول ذاك، او اعتبار تشكيل الحكومة المؤقتة غاية المنى. ابدا، فالمشكلة اكبر من هذا بكثير. انها قضية شعب يعاني ويتطلع الى تغيير يسقط منظومة المحاصصة والفساد ومعها كل الفاشلين والمرتشين، والإتيان ببديل يستحقه هذا الشعب، يؤمن له حياة كريمة آمنة ومستقرة، ومستقبلا وضاء وواعدا. وكان يفترض ان يشكل وباء كورونا الذي يهدد الوجود الانساني بأكمله ويهدر طاقات المجتمعات الأقتصادية والأجتماعية أن يشكل حافزا قويا للقوى والاحزاب الحاكمة للتخلي عن طموحاتها غير المشروعة للتشبث في البقاء بعيدا عن الممارسة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة, ولتوفير افضل الفرص لتعبئة موارد البلاد بعيدا عن الفساد, ووضعها في خدمة التنمية الشاملة والمستديمة لدرء كافة المخاطر الأقتصادية والاحتماعية والطبيعية.




25
الذكرى 86 لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي بين سيكولوجيا الأنتماء ومتغيرات العصر


د.عامر صالح
مما تحسب لقوة الحزب الشيوعي العراقي على مر عقود ومنذ تأسيسة هو انحيازة الكامل للهوية العراقية بعيدا عن الأنتماءات الضيقة الأثنية والطائفية والمناطقية, وبالتالي جسد الحزب في انتمائه وحدة النسيج العراقي بكل أطيافه ومكوناته, وقد تربى داخل الحزب خيرة ونخبة من المثقفين, من كتاب وشعراء وأدباء وصحفيين وأعلاميين الى جانب نخب مناضلة من الكادر التدريس والتربوي والتعليمي والهندسي والطبي والصيدلي, الى جانب الحضور المتميز للطبقة العاملة والكادحين والمحرومين من شعبنا, والتي عمل الحزب دوما للدفاع عن حقوقها في اصعب الظروف واكثرها قسوة على الحزب.

وقد لا نجافي الحقيقة أن الكثير من رفاق الحزب واصدقائه ومناصرية تعلموا في الحزب دروس غنية في الثقافة العامة والأطلاع على التراث العالمي في الآداب والثقافة والعلوم, الى جانب احترام مكانة العلم والبحث العلمي في حل المشكلات الأجتماعية بعيدا عن الخرافة والدجل والتخلف, كما تعلموا ان الحياة لا تبنى إلا بفهم القوانين الموضوعية التي تجسد سنن الصراع الطبقي الأجتماعي, وان العلم والمعارف وحدها كفيلة ببناء مستقبل أفضل. وقد ترك الحزب الشيوعي العراقي أثرا واضحا في شرائح اجتماعية واسعة لم تكن في صفوفه بل تعلمت عن بعد منه, مما اضاف للحزب قوة ونفوذ جماهيري واحترام في قلوب العراقيين لاتزال آثاره واضحة في الشارع العراقي رغم شدة القمع والتنكيل والأرهاب الذي تعرض له طوال العقود الماضية.

تؤكد الدراسات السيكواجتماعية أن هناك دوافع مختلفة للأنتماء السياسي لعل من بينها هي: المصلحة الذاتية, أي الرغبة في الحصول على مكاسب ذاتية للأفراد الذين ينتمون الى حزب ما, كالحصول على المناصب أو الوظائف أو الأموال أو المكافآت والامتيازات؛ أو الأنفعال أي اندفاع المواطنين لتأييد أفكار وبرامج وأهداف وسياسات الحزب دون تحفظ وذلك لأنها تثير عواطفهم ونزعاتهم النفسية وتجعلهم متحمسين لنصرة الحزب والوقوف بجانب قضاياه والدفاع عنها دون خوف وتردد؛ أو الادراك والتعقل والعقيدة أي أن الشخص ينتمي الى الحزب لا بسبب مصلحته أو عاطفته الجياشة وأنفعالاته المفرطة, بل بسبب الأيمان والعقيدة والادراك الثاقب لأفكار وأيديولوجية ومعتقدات الحزب وأهدافه بحيث تكون هذه جزء لا يتجزأ من شخصيته وآماله في الحياة وتطلعاته, والاشخاص الذين يدخلون الحزب لهذه الاسباب هم الحزبيون الحقيقيون الذين يبقون فيه ويدافعون عنه ويناظلون من أجل نصرته مهما كانت الظروف.

وقد أكدت العديد من الأبجاث النفسية أن هناك خمسة عوامل تتوزع عليها سمات الأفراد المنتمين للأحزاب السياسة وهي تتكامل مع بعضها البعض في ظروف صحية في حياة الحزب الداخلية, وهذه العوامل هي: التفكير الأبداعي؛ والتعبير عن وجهات النظر؛ والألتزام؛ والتفكير الناقد؛ والتنظيم الذاتي. وهناك أيضا سمات شخصية للأفراد الذين ينتمون للأحزاب السياسية في الحالات المثالية, وهي: قوة الأنا, واليقظة الذهنية, والثقة بالنفس, والحساسية الأجتماعية , والفاعلية الذاتية, وتقدير الذات الى جانب الصلابة النفسية والصمود.

أن الأنتماء للحزب الشيوعي العراقي هو شبيه في الأنتماء الى التجارب العاطفية الأولى حيث استحضارها بقوة بين الحين والأخر إلى حيز الشعور, نتيجة لارتباطها ببداية تشكيل الخبرات العاطفية, وتعتبر من اللبنات الأولى في بناء الشخصية العاطفي على طريق اكتساب المزيد من الخبرات والتجارب.وهي اختبارات صعبة للتأكد من صلاحية الشخصية في التكيف والبقاء مع الجنس الآخر.

وتشكل تجربة الانتماء إلى الحزب الشيوعي العراقي لأول مرة في عمر الفرد لونا من ألوان هذا الانتماء المشحون بالعاطفة الجياشة والانفعال القوي للارتباط به الى جانب الأيمان بالفكر والعقيدة بعيدا عن المصلحة الذاتية. ومن اجبر على ترك الحزب في هذا العمر عانى كثيرا, كما يعاني من اجبر على ترك محبه الأول, حيث تجري الأشياء هنا بالضد من الشعور الذي ينتاب الفرد بأن يكون هذا الحب هو الأول والأخير وبطريقته الخاصة.

أن الخطاب الحزبي في بداية الانتماء وأن كان خطابا عقلانيا يستند إلى مادة فكرية وفلسفية رفيعة المستوى تقدم"للمحبين" له, ألا أن الحزب له القابلية على إضفاء مشاعر وأحاسيس عنيفة معززة رغبة البقاء في صفوفه, وهي نتاج عمل دؤوب سايكوعقلي ـ معرفي , يترك أثرا عميقا أكثر بكثير من وقع الحب الأول في محبيه, يترك في الشخصية شحنة انفعالية موجبة كما تدرك. وبقدر ما يكون الحب الأول فرصة لتأكيد الذات واختبار الشخصية,يكون الانتماء الحزبي هو الآخر فرصة ذهبية لتميز الشخصية ضمن إبعاد جديدة وفي سياقات غير معتادة, تشكل فرصا للنمذجة المثالية للشخصية, تمنح صاحبها امتيازا في بيئة محدودة الإمكانيات, وخاصة في صورة الخروج الايجابي عن المألوف, وتشكل مع الوقت احد المصادر الأساسية في التوافق الذاتي ورسم الملامح العقلية وحتى أحيانا المزاجية للشخصية. أو يأخذ الانتماء شكل المخالفة لما هو سائد أو كما يقال"خالف تعرف" في بيئة غارقة في الممنوعات.

أن الانتماء للحزب والاستمرار فيه إن شاء الفرد يجب أن يرتبط بعقلانية رفيعة المستوى في الدفاع عنه, وهذا يأتي عبر التخلص من غرائز الانتماء الأول المفعمة في اللوازم العصبية والانفعالات المؤذية في أحيان كثيرة للحزب, والتي يعكسها الدفاع المفرط عنه, وبأي ثمن, وبآليات غير موفقة تلحق الضرر به. وفي حالات كثيرة تسبب شحنة الحرص الزائد(الانفعال المفرط) إلى ارتكاب أخطاء ينتظرها من لا يرغب بوجود الحزب كما ينبغي أن يكون.

أن الحزب وبعد مسيرة تجاوز فيها الثمانية عقود تعرض فيها إلى هجمات شرسة من أعدائه وحلفائه, وكذلك انتكاسات كبيرة نتيجة لأخطاء ذاتية وظروف موضوعية, وعلاوة على ذلك تعرض حلفائه "الثابتين" في الخارج إلى انهيارات كبرى تمثلت في انهيار المعسكر الاشتراكي, والتي أدت ضمن ما أدت إليه إلى أن يطال الشك إلى مصداقية الفكر الماركسي. يحتاج الحزب اليوم إلى انتماءات بذهنية جديدة, ترى في الحزب مشروعا عمليا للحياة ومرنا قدر مرونة الحياة...أن عهد" ملائكة" الحزب ودعاة الحرص"المؤذي"لم تزكيهما الحياة. ومن يرى في الحزب ملاذا لتأكيد الذات, لأنه لم يجد في دائرته القريبة الملاذ, فأنه يرتكب أخطاء بحق الحزب, ومن يرى في الحزب وظيفته الدائمة فأنه يخطأ أن يقدم شيئا مفيدا له.

اليوم وبعد هذا الزخم الهائل من التغيرات الدولية والإقليمية والقطرية, فأن الحزب لم يعد حزب"دكتاتورية البرولتارية",ولكنه يستطيع أن يكون بامتياز حزب البرولتارية, ولا حزب التكتيكات من أجل" استلام السلطة", ولكن من حقه أن يتطلع إلى المشاركة الواسعة في السلطة, ولا حزب بناء" الاشتراكية"على نسق مرجعياتها السابقة, ولا حزب الانضباط الحديدي وفقا "للقواعد اللينينية في حياة الحزب الداخلية" ولكن حزبا منضبطا,حيث تنعدم المقومات الموضوعية والذاتية لذلك. أذن لماذا كل هذه الحملات والهجمات عليه, وخاصة عندما تبدأ الرؤيا بهذا الوضوح. أني اعتقد أن المشكلة في التساؤلات الآتية: ماذا نختار, وكيف نختار, ولماذا؟.

علينا أن لا نعطي الظواهر قوة دفع أكثر بكثير من خصوصية الظرف الذاتي والموضوعي الذي تجري فيه.أليست تلك هي سنة الديالكتيك.فمن أراد للحزب خيرا فعليه أن يقلع عن عادات "الحب الأول"في الدفاع عنه, أو عادات أخذ الثأر منه والهجوم عليه عندما ينفض العقد معه. ومن أراد أن يكون الحزب "حبه الأخير"فعليه القبول بشروط الحياة, وعلى الحزب المزيد من الاستجابة والتفحص الذاتي, وخاصة بعد تجربة تجاوزت العقد والنصف من العمل العلني وفي ظروف نوعية جديدة.

أن من يريد أن يكون حزبه حزب الثلاثينيات أوالاربعينيات أو ما يسمى" حزب فهد" فأن ذلك مجافاة للحقائق والتغيرات العميقة على الأرض في الداخل والخارج. وتستحضرني في هذا السياق ليست مقولة لينين(النظرية مرشد للعمل), ولكن من عمق التأريخ مقولة للأمام علي: " لا تقصروا أولادكم على آدابكم فأنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم ". أذا كان هذا الحديث في التربية, فكيف يكون الأمر في السياسة وهي فن الممكنات. وهل يجوز العودة في السياسة إلى أكثر من ثمانين عاما إلى الوراء, وهل يجوز في السياسة أيضا أن تصاغ سياسات الحاضر واتجاهات المستقبل لحياة الحزب الداخلية والخارجية على ضوء معايير الثلاثينيات والاربعينيات ونحن في الألفية الثالثة. أن مآثر الحزب وتأريخه النضالي هي ملكا للجميع. ولكنني أتساءل :هل كان حزب" فهد" آنذاك بدون انحسارات أو صراعات, وهل كان في برجا عاجيا كي لا يكون كذلك, وهل كان مراقبا للمعارك الوطنية لكي يكون معصوما من الخطأ أم طرفا أساسيا فيها..الإجابات في التأريخ المكتوب والغير منحاز نسبيا للحزب.

أن من يرى في الحزب " حبه" الأول والأخير عليه أن يكيف نفسه لميكانيزم الحياة المتغيرة أبدا وبدون انقطاع. فلا يمكن "السباحة في النهر مرتين", لأن الماء غيره عن المرة الأولى.فالحزب اليوم يؤمن في الديمقراطية الليبرالية على مستوى السياسة والاقتصاد(مع مظلة حقوق اجتماعية واسعة). ويترتب على ذلك أن يكون الحزب واضحا في خطاباته وتحالفاته وحدود انتمائه للعقيدة الكلاسيكية. وعلينا أن نعي حقيقة أن" الحب الأخير" هو ليست صورة طبق الأصل لفلم غير ناطق عن "الحب الأول". وبين" الحبين"تأريخ مشترك يجب العودة أليه ودراسته وتقويمه بعناية وحرص شديدين. وأعتقد أن الحزب الشيوعي ليست حركة ماضوية فهو من الحركات التي تلتصق بالحاضر بشدة . وإذا كان الحب الأول يعبر عن الحاجات الأولى للانتماء, فأن الحب الأخير هو حب الأحاسيس والانفعالات الهادئة...أنه حب الحياة والاستقرار, وكما عرفنا فأن الأنتماء أليه طواعية, ومغادرته أيضا بعرفان وأحسان.

الذكرى ال 86 لميلاد الحزب الشيوعي العراقي هي مناسبة لتشديد الخناق على الفاسدين وهي مناسبة لأعادة بناء العملية السياسية في العراق بعيدا عن المحاصصة الطائفية والأثنية, وهي مناسبة للملمة الصف الداخلي لحزب فهد, وأن نتعلم من الديمقراطية والتعددية الحزبية, أن تحالفات اليوم قد تصلح أو لا تصلح لغدا, ومصالح الناس الأساسية في الخدمات العامة والعيش الكريم هي جوهر ما يطمح له الشيوعيون بعيدا عن الوصفات المتحجرة, فأن ما كان صالحا بالأمس لم يكن صالحا اليوم أو لغد. وكل عام والحزب بأفضل منه.

26
انتفاضة اكتوبر العراقية وفيروس كورونا المستجد  "كوفيد ـ 19 "


د. عامر صالح 

شكلت انتفاضة اكتوبر والتي اندلعت شرارتها في الأول من اكتوبر للعام الماضي أمتدادا طبيعيا وتراكميا لما سبقها من احتجاجات في الأعوام 2011 و2015 . وفِي كل مرة كان يتظاهر فيها أبناء شعبنا، وخاصة شبابه وطلابه، ويحتجون ويعتصمون وينتفضون، كان المتنفذون الحاكمون يلجؤون الى ترسانة القمع والقتل والاغتيال وتزييف الحقائق، والاساءة الى كل من يعارض نهجهم في الحكم وتشبثهم بالمحاصصة ويطالب بالحد الأدنى من مستلزمات العيش الكريم. وقد ظلوا يمارسون ذلك وما زالوا، من اجل ادامة سلطتهم ونفوذهم ومواصلة فسادهم ، وفِي مسعى لتكميم الأفواه ومصادرة الحقوق الدستورية وبضمنها حق التظاهر السلمي، في سبيل انتزاع تلك الحقوق والمطالب المشروعة. وقد كلفت شعبنا تلك الأحتجاجات أكثر من 700 شهيد و30 ألف جريح, من بينهم ما لا يقل عن ألف من الأعاقات المنتهية والغير قابلة للعلاج, الى جانب العشرات من المغيبين ومئات المعتقلين والمفقودين, والذين لا يعرف مصيرهم حتى الآن. لقد ضاق الخناق على السلطة المحاصصاتية جراء الفعاليات السلمية للمنتفضين, حيث اجبرت عادل عبد المهدي رئيس الوزراء على الاستقالة, ولا زال البحث جاري للعثور على رئيس وزراء بديل لحكومة القتل والقنص وحكومة " الصجم ".

نقطة التحول في الأحتجاجات الميدانية وزخمها هو ظهور الوباء العالمي فيروس كورونا المستجد " كوفيد ـ 19 " الذي يستدعي التقليل من حجم التجمعات البشرية واللقاءات المكثفة لأنها تشكل ارض خصبة لأنتشار الفيروس وبالتالي العدوى السريعة وما تسببه لاحقا من موت واصابات تزهق فيها الأرواح. وكانت استجابة المحتجين لقرارات الحكومة في انهاء التجمعات المكثفة سريعة وتعكس حالة من الوعي والألتزام الحضاري للحد من انتشار الفيروس وأنسجاما مع التوجهات ليست فقط المحلية داخل العراق بل استجابة للنداءات العالمية في ضرورة البقاء في البيت جهد الأمكان لتجنب التواصل والأحتكاك مع الآخرين. بالتأكيد أن الحكومة العراقية  "تتمنى فض هذه الاحتجاجات"، سواء لأسباب من كورونا أو غيرها لكن لا يعني هذا أن النظام العراقي قد تجاوز الأزمة، فما كشفته انتفاضة أكتوبر من فوضى في النظام السياسي العراقي لا يمكن تجاوزه بسهولة، وما يحدث من مشاكل وصعوبة في تسمية رئيس وزراء جديد ما هو إلا ثمرة من ثمار الانتفاضة، ولا نتوقع أن يرجع هذا النظام إلى قوته السابقة قبل انطلاق الانتفاضة قريباً، بل هو سائر صوب التغير الجذري للعملية السياسية, وقد يستغرق ذلك وقتا بالتأكيد جراء تشبث قوى النظام المحصصاتية.

لا شك أنه موقف مسؤول من قبل المحتجين ويجب الأشادة به بأعتباره موقف وطني مسؤول بغض النظر عن الدور الحكومي الهزيل من الامكانيات الصحيه التي اوصلها الفساد العام الى ما هو عليه اليوم . انه لمعروف وعند تعرض الاوطان لكافه اشكال المحن والمصائب والاقدار الطارئه تتظافر جهود كافه ابنائها مهما اختلفت مشاربهم ومواقفهم السياسيه والفكريه والعقائديه والقوميه لدرء وانهاء او اضعاف تلك المخاطر وتبعاتها الى الحد الادنى .وبالتالي فالعراقيين ليست نشاز واستثناءا عن الاخرين الاكثر صوابا بهذه الحالات. وبالتالي فأن هناك حالة من اعادة ترتيب الأولويات أنطلاقا من المصلحة الوطنية والانسانية للحفاظ على ارواح شعبنا, والتي ساهم النظام في ازهاقها في مناسبات عديدة وفي مقدمتها ضحايا وشهداء انتفاضة اكتوبر.

بالتأكيد فأن امكانيات وزارة الصحة العراقية عاجزة عن احتواء حدث كورونا, فالفساد الأداري والمالي نخر المؤسسات الصحية أسوة بغيرها من القطاعات المجتمعية. والقصة التي تظهر فصولها من بين هذه التفاصيل قصة معقدة، فخلال الثلاثين عاما الماضية تعرضت البلاد للخراب بفعل الحروب والعقوبات الدولية والصراع الطائفي وصعود نجم تنظيم الدولة الإسلامية " داعش " الذي أحتل ثلث البلاد.

لكن حتى في أوقات الاستقرار النسبي ضاعت على العراق فرص توسيع نظام الرعاية الصحية وإعادة بنائه، ففي عام 2019 على سبيل المثال، وهو عام شهد هدوءا نسبيا، خصصت الحكومة 2.5 في المئة فقط من موازنة الدولة البالغة 106.5 مليار دولار لوزارة الصحة. وهذا مبلغ ضئيل مقارنة بما يتم إنفاقه في دول أخرى بالشرق الأوسط.

وفي المقابل حصلت قوى الأمن على 18 في المئة ووزارة النفط على 13.5 في المئة، وتظهر بيانات منظمة الصحة العالمية أن الحكومة المركزية في العراق أنفقت خلال السنوات العشر الأخيرة مبلغا أقل بكثير على الرعاية الصحية للفرد من دول أفقر كثيرا، إذ بلغ نصيب الفرد من هذا الانفاق 161 دولارا في المتوسط بالمقارنة مع 304 دولارات في الأردن و649 دولارا في لبنان، وقال علاء علوان وزير الصحة العراقي السابق لرويترز في أغسطس آب الماضي ”الوضع الصحي في العراق تراجع بشكل كبير جدا خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية. وأحد أسباب هذا التراجع، وليس فقط السبب الوحيد، هو عدم إعطاء أولوية من قبل الحكومات المتعاقبة للصحة في العراق".

خطوات الحكومة وسلوكها العام للتعامل مع وباء كورونا هو استعراضي أكثر منه واقعي ولاينسجم مع امكانياتها الفعلية والواقعية, ولا يخلو من فرصة للتنفيس عن ضغط الاحتجاجات ووقعها القاسي على السلطة, بل رأت الحكومة في كورونا ضالتها للخلاص من الاحتجاجات, وحيث بيانات الحكومة الرسمية اليومية: " انها ألقت القبض على مئات من المواطنين ممن خرقوا حظر التجول الخاص بكورونا, دون ان يستطيعوا ألقاء القبض على قناص واحد قتل المتظاهرين". أنه المضحك المبكي في الوضع السياسي في العراق.

وفي الوقت الذي تتجول فيه سيارات النجدة والشرطة والجيش في كل مكان لفرض والتأكد من حضر التجوال المفروض وهو امر مشروع بشكليته, ولكن أين كانوا من أمن المتظاهرين السلميين والأبرياء. وفي الختام فأن أي جهد حكومي وشعبي لأتقاء شر كورونا وانتشارها يلقي الأستحسان والشكر الجزيل لأنقاذ شعبنا, ولكن أن حقوق شعبنا ومطاليبه المشروعة لا تسقط بالتقادم ولا بضعف ذاكرة السلطة المفتعل ولا بحضور الامراض والوبائات المؤقته, فالتجارب الانسانية تؤكد أن لكل استحقاق سقف زمني وظروف مواتية.
 
.




27
آثار فيروس كورونا وسيكولوجيا خيبة الأمل

د.عامر صالح

لا يوجد سقفا رقميا ولا زمنيا لضحايا مرض فيروس كورونا, وعلى ما يبدو فأنه يحصد المزيد من الأرواح والأصابات والعدوى المستمرة دون تكهنات بالقضاء عليه, سوى تكهنات بعدد ضحاياه المقبلة في ظل استعصاء العثور على علاج له أم سقف نهايته زمنيا, وقد قدر عدد شهداء كورونا بمليون ونصف اذا استمرت الحال بهذا المنحى التصاعدي للأصابات دون العثور السريع على علاج محدد له, فهو ينتقل كالنار في الهشيم, ووفقا لأحصائيات اليوم هناك ربع مليون مصاب واكثر من عشرة ألف وفاة, بل أن بعض الدول المتقدمة اعلنت صراحة أنها لا تستطيع مقارعة هذا الفيروس والقضاء عليه, بل وتبتهل الى السماء لمساعدتها بعد ان تخلت عنها الدول الحليفة والصديقة والمبتلاة بذات الوباء. هذا ليست سيناريو مظلم تفتعله الدوائر المخابرتية والأمنية لزرع الرعب لدى شعوبها, بل أنه علاج الصدمة السيكولوجية الأولى حين تضع الشعب امام هول المأساة لكي يتقبلها ويشد الأحزمة على البطون في محاولة لأمتصاص صدمة كورونا, وهي حالات معروفة في الصراحة مع المريض والمجتمع في امراض اخرى والخطرة منها بشكل خاص, وحتى اعلامه بالموت التقريبي له جراء مرض ما.

وقد قالت منظمة العمل الدولية إن التقييم الأولي لتأثير كورونا على العالم، ستكون آثاره بعيدة المدى، وستدفع الملايين من الناس إلى البطالة والعمل الجزئي وفقر العاملين، وهو ما يتطلب اتخاذ تدابير حاسمة، منسقة وفورية. أشار تقرير صادر عن المنظمة  إلى أن الأزمة الاقتصادية وأزمة الوظائف التي أحدثها انتشار وباء كورونا يمكن أن تؤدي إلى زيادة أعداد العاطلين عن العمل في العالم بنحو 25 مليون شخص، وفقاً لتقييم جديد أجرته منظمة العمل الدولية.

واستناداً إلى السيناريوهات المختلفة لتأثير وباء كورونا على نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى ارتفاع البطالة العالمية بنسب تتراوح بين 5.3 مليون وهو سيناريو "متفائل" و24.7 مليون للسيناريو "المتشائم"، وذلك زيادة على عدد العاطلين عن العمل في عام 2019 وعددهم 188 مليوناً. وللمقارنة، أدت الأزمة المالية العالمية 2008-2009 إلى زيادة البطالة في العالم بمقدار 22 مليون شخص.

ومن المتوقع أن تشهد العمالة الناقصة (البطالة المقنعة) زيادة كبيرة، حيث تترجم العواقب الاقتصادية لتفشي الفيروس إلى تخفيضات في ساعات العمل وفي الأجور. إن العمل الحر في البلدان النامية، الذي يعمل في كثير من الأحيان على تخفيف الأثر السلبي التغييرات، قد لا ينجح هذه المرة في ذلك بسبب القيود المفروضة على حركة الأشخاص (مثل مقدمي الخدمات) وعلى السلع. كما أن تراجع التوظيف يعني أيضاً خسائر كبيرة في دخل العاملين، وتقدر الدراسة هذه الخسائر بين 860 مليار دولار أمريكي و3.4 تريليون دولار مع نهاية عام 2020. وسيترجم هذا إلى انخفاض في استهلاك السلع والخدمات، وهذا بدوره يؤثر على آفاق قطاع الأعمال وعلى الاقتصادات.
ومن المتوقع كذلك أن يزداد عدد العاملين الفقراء زيادة كبيرة أيضاً، لأن "الضغوط على الدخل بسبب تراجع النشاط الاقتصادي ستترك أثراً مدمراً على العمال الذين يعيشون على خط الفقر أو تحته". وتقدر منظمة العمل الدولية أن ما بين 8.8 مليون و35 مليون شخص إضافي من العاملين في العالم سيعيشون في فقر، مقارنة بالتقدير الأصلي لعام 2020 (وهو 14 مليوناً في جميع أنحاء العالم).


وقد كشفت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية "إسكوا"، أن هناك عواقب وخيمة لتفشي فيروس كورونا المستجد فى الدول العربية وأن هناك نحو 1.7 مليون وظيفة ستفقد خلال العام 2020. وقالت "إسكوا"، أن تقديرات الخسائر الاقتصادية في الدول العربية ستبلغ نحو 42 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي للاقتصادات في هذه الدول مجتمعة. وأوضح الخبير نيرانجان سارانجي، الذي نشرت اللجنة مقابلة معه على صفحتها بتويتر، حيث قال: "هذا ليس استثنائيا لأن النمو العالمي قد تراجع للنصف عما كان متوقعا للعام 2020"، لافتا على أنه قد يتراجع أكثر نتيجة لانتشار فيروس كورونا في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وفي الأسواق النامية. ويذكر أن روجر داو، الرئيس والمدير التنفيذي لجمعية السفر الأمريكية قال في تصريحات لشبكة "سي ان ان" إن فيروس كورونا كبد اقتصاد أمريكا خسائر بلغت 800 مليار دولار، مضيفًا أن صناعة السفر وحدها خسرت ما قيمته 355 مليار دولار.


على المستوى النفسي هناك حالة من الهلع والخوف لما ينتاب البشرية من فقدان للأرواح والأموال وفرص العمل وعدم الاستقرار وبالتأكيد الخوف من عدم العودة الى ما قبل كورونا" وخاصة لدى الدول التي اعتادت على مستويات من الترفيه واشباع الحاجات, قد يكون غير متاح بعد كورونا لسنوات قادمة. تطرأ عدوى الخوف تلقائيًا ودون وعي، مما يصعب السيطرة عليها حقا. وتفسر هذه الظاهرة لماذا يمكن أن نرى نوبات من الهلع الجماعي الذي قد يحدث في الحفلات الموسيقية أو الأحداث الرياضية أو التجمعات العامة الأخرىـ فبمجرد أن يثار الخوف في الجموع، ربما ظن أحدهم أنه سمع طلقات نارية، فلا تشعر المجموعة أن هناك وقتا أو فرصة للتحقق من مصدر الخوف. ويتحتم على الناس أن يعتمدوا على بعضهم البعض، تمامًا كما تفعل الظباء. وينتقل الخوف من شخص إلى آخر، مصيبا كل فرد في طريقه. ومن ثم يبدأ الجميع الركض للنجاة بحياتهم، وفي أحيان كثيرة، ينتهي هذه الذعر الجماعي بالمآسي. ولا تتطلب عدوى الخوف لدى البشر، التقارب أو الاتصال الجسدي المباشر مع الآخرين، فتستطيع أن تقوم وسائل الإعلام التي تنشر الصور والمعلومات المرعبة، بمهمة نشر الخوف بفعالية عالية..

علاوة على ذلك، وكما يقول الأستاذ "جيسيك ديبياك" من جامعة ميشيكان بأمريكا" ففي حين أن الظباء تتوقف عن الركض بمجرد أن تكون على مسافة آمنة من الحيوانات المفترسة، فإن الصور المخيفة التي تبثها وسائل الإعلام، يمكنها أن تبقي الإنسان خائفا، فالشعور بالخطر المباشر لا يهدأ، كما تزيد وتيرة عدوى خوف في ظل الظروف التي تعمل دائمًا على "فيسبوك" و"توتير"، ووسائل الإعلام التي تعمل على مدار الساعة يوميا, سواء بحق أم لترويج خطاب غير واقعي لزرع الرعب.

هذا جزء من حقائق السلوك الأنساني الطبيعية في الأزمات, ولكن أزمة كورونا بما أنها تهدد العضوية الأنسانية بالفناء وعدم البقاء وتجريدها من انجازاتها ومكتسباتها عبر السنين فأن الخوف مشروعا استنادا الى مصدر الخطر وحجمه, وخاصة في الدول التي عودت المواطن على اشباع مستمر لحاجات الأمن والصحة ةالدواء, ومن هنا فأن الدول الديمقراطية تأخرت في أخذ الوباء بالجدية اللازمة، وهذا يحسب عليها وليس لها. ولكن ترددها في فرض منع التجوال والتحكم بحياة المواطنين، واستخدام المناشدة في البداية بدلا من الأوامر وغيرها من المعوقات، هي من مزايا "نوعية الحياة" الأفضل في المجتمعات في غير ظروف الطوارئ. الأنظمة السياسية لا تقيم بموجب سلوكها في حالات الطوارئ، خلافا للبشر الذين غالبًا ما يظهر جوهرهم في حالات الطوارئ. علينا أن نميز بين طبيعة الأنظمة وطبيعة البشر. ولكنه، على كل حال، درس كبير لها أن تكون مستعدة لمثل هذه الحالات.

قد يقود كورونا الى العديد من حالات الوفاة النفسية والتي تحدث بسبب حدوث صدمة نفسية يعتقد الشخص أنه ليس هناك مهرب منها، ويعتقد أن الموت هو الحل الوحيد. وغالبا ما تحدث الوفاة في الثلاثة أسابيع الأولى التالية للمرحلة الأولى من الانسحاب من الحياة. "الوفاة نفسية المنشأ هي حقيقة وهي ليست انتحارا ولا ترتبط كذلك بالاكتئاب، ولكن بالرغبة في التخلي عن الحياة ثم الوفاة في خلال أيام، وهي حالة حقيقية تماما تحدث بسبب الصدمة النفسية الحادة".. هكذا يفسر الأمر الباحث جون ليتش الباحث بجامعة بورتسموث. ويضيف "ليتش" أن الدائرة الحزامية الأمامية في المخ هي المسئولة عن التحفيز والشروع في السلوكيات الموجهة نحو الهدف، وأن الصدمة الحادة يمكن أن تعطل الدائرة الحزامية الأمامية، فيتعطل التحفيز الذي هو ضروري للتعامل مع الحياة وأوقات الفشل فيها، وبديلا عن هذه المشاعر الإيجابية تصبح اللامبالاة والأستسلام هي السلوك المسيطر، ومن ثم ينسحب الإنسان من الحياة تماما. اليوم تزرع كورونا حالة من الرعب  "تتجسد ملامحها بعد كم الضحايا " بفقدان المعنى وعدم جدوى العيش, وخاصة بعد العجز شبه الكامل لكل جهود الخلاص من كورونا لحد الآن, وخاصة في دول ذات المرجعية في التقدم العلمي والطبي.
بالتأكيد بعد الخروج من وباء كورنا سيجد العالم نفسه مختلفا عن حقبة ما قبل كورونا وعلى مستويات مختلفة, ولعل ابرزها اعادة النظر بصياغة طابع العلاقة بين المواطن والدولة في ظل الأزمات المستعصية, واعادة النظر في العلاقات بين دول العالم المختلفة, وخاصة بين دول الأتحاد الأوربي, واعادة النظر بجدوى التسليح المنفلت والسلاح النووي" اذ كان فيروس كورونا يكفي عن هذا كله, ويستدعي ذلك اعادة النظر انسانيا في ضرورة تعزيز اللحمة الأنسانية بين الدول والمجتمعات المختلفة بعيدا عن طبيعة أنظمتها المختلفة, اعادة النظر جذريا بأنظمة الوقاية الصحية واعادة بناء النظم الصحية لحالات الطوارئ وليست فقط لحالات الرخاء في سياقات طبيعية كما اثبتته تجربة كورونا, الأستدراك الواعي بعدم جدوى القطبية العالمية والضرورة الملحة لتعدد الأقطاب على اساس المصالح المشتركة للشعوب وخاصة في زمن الكوارث وترك الشعوب تختار نظمها السياسية بعيدا عن التدخلات الخارجية, اعادة النظر في الكثير من المفاهيم الأقتصادية سواء على مستوى الأقتصاد الوطني او الأقتصاديات العالمية والنظر في مدى كفاءتها الداخلية اثناء الأزمات, التركيز على البعد الأنساني في مخرجات النظم الاقتصادية بعيدا عن السلوك الربحي السريع والتراكم غير النفعي للأموال وعدم استثمارها في الأزمات. التركيز على التكامل الأقتصادي العالمي بعيدا عن المنافسة المنفلتة, واعتقد ان اعادة النظر سيطال مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة في ضوء بقاء الأنسان كونه هو القيمة العليا.



 




 





28
فيروس كورونا بين تداعياته والمناعة النفسية

د.عامر صالح

اتسع نطاق تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) حول العالم، وبعد أن كانت بؤرة التفشي محصورة في إقليم هوبي بوسط الصين، باتت هناك عدة بؤر إصابة حول العالم، بينها كوريا الجنوبية، وشمالي إيطاليا، وإيران، وكما هي توقعات منظمة الصحة العالمية فأن الإصابات الجديدة غير مرتبطة ببؤرة الإصابة الأولى في مدينة ووهان الصينية بل انتقلت البؤر الى أوربا وأصبحت البلاد الأوربية تنوء تحت ثقل هجومات فيروس كورونا. استغرب البعض تصريحات المستشارة الألمانية انغيلا ميركل حول احتمال إصابة 70٪ من سكان ألمانيا بفيروس كوفيد 19 (الشهير بكورونا) إذا لم يتم إيجاد علاج أو مصل مضاد، واعتبر مسؤولون كبار، مثل اندري بابيس رئيس حكومة التشيك، جارة ألمانيا، أنها تقوم "بنشر الذعر" بتوصيفها لهذا "السيناريو المظلم", ثم ألحق بها تصريح رئيس وزراء بريطانيا بقوله" أستعدوا لفراق أحبائكم ", وكذلك تصريح ترامب " بأن مركز الوباء أصبح أوربا " ولكن ذلك لم يكن نزهة في عالم التصريحات والأثارة الفارغة, بل أن الوقائع الميدانية لأنتشار كورونا في اوربا وأمريكا وبقية أنحاء العالم لم تدع مجال للشك أن هناك تلمس لأفق مخاطر انتشار الفيروس, مقترنا بعدم المعرفة الدقيقة لحركة الفيروس وطبيعته لحد هذه اللحظات.


وقد انعكست آثار هذا الوباء على أحوال العالم الطبية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الرياضية فطال اغلاق مناسبات وانشطة عديدة, وكذلك إغلاق المدارس في 17 بلدا لأكثر من 400 مليون تلميذ، واقتربت بورصات العالم من أدنى مستوياتها منذ أزمة 2008 العالمية، وتضررت قطاعات السياحة والنقل ودخل الاقتصاد العالمي مرحلة انكماش، ولا يعرف أحد الدرك الذي سيصل إليه.  وقد فرض فيروس كورونا أيقاعه المؤلم على حياة الاوربين وفرض حالة من الترقب لم يسبق لها مثيل, وقد تركزت نصائح المسؤولين الأوربين والقيادات الصحية بالبقاء في البيت قدر الأمكان والابتعاد عن المناطق المزدحمة كالمطاعم والبارات والمسابح والقطارات وباصات النقل العام كلها فارغة تقريبا, كما ونشطت حركة غير طبيعية على التبضع وتخزين المواد الغذائية وكأنها حرب شاملة قادمة, وقد بدأت ملامح خسائر فادحة في كافة القطاعات. الى جانب ذلك بدأت ملامح الألتحاق القسري في التعليم عن بعد عبر الأنترنيت في مراحل التعليم الجامعي والثانوي تحسبا وخوفا من التجمعات الطلابية التي تشكل ارضا خصبة لأنتشار الفيروس.


وقد ضربت هذه الأزمة العالمية اقتصادات المنطقة العربية وجوارها، وكان الأكثر تعرّضا هو قطاعاتها السياحية وخصوصا في الأردن وتونس ولبنان والمغرب ومصر وتركيا بضربات كبيرة، الأمر الذي يدفع شركات طيران كبرى ومكاتب سياحية وفنادق ونقل سياحي نحو شفير إعلان الإفلاس وهو أمر سيتبعه تسريح للموظفين والعمال، كما تعرضت السياحات الدينية إلى ضربة كبيرة مع وقف العمرة إلى السعودية، وزيارة المراقد الشيعية المقدسة في العراق، وكذلك السياحة إلى القدس وكنيسة المهد ومراكز الزيارة المسيحية, الى جانب ان البدان العربية والأسلامية هذه بدأ فيها فيروس كورونا يشق طريقه المؤذي للفتك بالمئات من السكان. 


ونظرا لغموض الاسباب التي رافقت الظهور المفاجئ لهذا المرض وانتشاره السريع ، فقد تعددت النظريات التي حاولت ان تضع اي تفسير يشفي الغليل لظهوره  كمحاولة يائسة  للوصول الى حل مقنع للعلاج ,البعض مازال متمسكا بنظرية المؤامرة التي تعود الى حقبة الحرب الباردة  في تفسير الاحداث وتفكيكها افتراضيا ، وذلك بطرح فكرة  الحرب البيولوجية (المفترضة) التي تشنها الولايات المتحدة  ضد الصين على هامش الحرب التجارية المستعرة بينهما وضمن سياق نظرية المؤامرة الكلاسيكي وفي رمي التهمة على الجانب الصيني مستغلين بعض عادات الواقع الغذائي الشعبي للشعب الصيني مثل ماسمي بحساء الخفافيش ولاسيما بعد ان ثبتت التجارب المختبرية علاقة الفايروس بأمراض الخفافيش ، او بالمقابل ان السبب يعود الى "اهمال " الصين المتعمد  لبعض تجاربها البايلوجية وضمن نفس سياق التسلح الجرثومي بينها وبين الغرب  وفي ذات المدينة التي انطلق منه كورونا المتجدد فخرج الامر عن سيطرتها، وكل هذه الآراء تأتي  كمحاولة لضرب عصفورين بحجر واحد الاول الصاق التهمة بالجانب الصيني وتشويه سمعته والثاني تطويق الصين ومحاربتها اقتصاديا وكسر حدة تفوقها التجاري  ،  ولكن الامر تخطى الصين بكثير فظهر المرض في الكثير من البلدان البعيدة عن الصين وعن  بعض عادات الغذاء المقرفة  فيها ، كما ان ما يطرح من علاجات وامصال تتوصل اليها هذه الجهة او تلك لم تزل ايضا مجرد افتراضات  علمية وتسويق اعلامي قد يكون بعيدا عن الصحة فمازال الفايروس ينتشر على "راحته " في جميع انحاء العام.   


وسائل الاعلام؛ التقليدية منها  والحديثة المتمثلة بمواقع التواصل الاجتماعي، وعموم السوشيال ميديا، يلعب دوراً حاسماً في امتصاص الآثار السلبية لمرض من هذا النوع، ويبذل الجهود لتنمية المشاعر الايجابية في النفوس لمواجهة، ليس المرض فقط، بل والموت ايضاً، على أنه من الناحية التكوينية يعد من السنن الثابتة في الحياة، وليس مدعاة للضعف والانكسار، وقبل أن يكون هذا الفيروس عامل لتكريس المزيد من اليأس في النفوس على ما يعيشه الناس من مشكلات وأزمات، من الجدير الإرشاد الى سبل التعامل الذكي، بأخذ الاحتياطات اللازمة، والأهم منها؛ تقوية جهاز المناعة بالجسم بالمواد الغذائية الغنية بالفيتامينات والمعادن، والتعرض المستمر لشمس الصباح، وممارسة الرياضة لتنشيط الدورة الدموية، مما يجعل الجسم قويا أمام هذا الفيروس البسيط.


ولا بد هنا من الاشارة الى ثنائية الموت والحياة في سياقات طبيعية رغم عدم رغبتنا المطلقة بالموت السهل والسريع من فيروس كورونا, لأنه يمثل قطع مفاجئ وسريع للعضوية الأنسانية في عطائها, الحياة وتشمل الروح أو الحركة والطاقه، والموت أي السكون والتوقف وما بينهما من مراحل وأسرار تعبر عن مرحلة مؤقته أو جسر عبور بين التحول والآخر هذا إذا نظرنا إلى الأمر بشكل كلياتي شامل بدون التوه في تفاصيل وأشكال المراحل المختلفة وخصوصياتها. وكل مفردة تعبر عن الأخرى فالوجه الآخر للحياة هو الموت والعكس صحيح أيضا فالحياة والموت تشكلان ثنائية قطبية في جدلية الحركة والسكون.


وفيها لكل شيئ بداية ونهاية وبنفس الوقت تكون النهاية هي الوجه الآخر للبداية أي أن كل بداية تحمل نهاية وكل نهاية تحمل بداية ولكن بشكل مختلف لأن نهاية العناصر والأشياء تحمل بداية عناصر وأشياء جديدة مختلفة عن العنصر الأم سواء في البداية أو في النهاية وفي الحقيقة فالموت والحياة لاتعبران عن ماهية الطبيعة إنما يشكلان جزء” من سلسلة الطبيعة الكونية ومن الخطأ بمكان أن يتم اختزال التاريخ الكوني بوجود الحياة فقط لأن التاريخ الكوني مليئ بالعناصر المختلفة والمتنوعة عبر عصور بأكملها .
هنا يمكن جمع الحياة والموت تحت سقف واحد وهو التحول أي تحول العناصر الحياتية ذات خاصيات مشتركة إلى عناصر أخرى ذات حيوات مختلفة تماما كانشطار الخلية إلى تكوين خلية جديدة فيها نفس مكونات الحركة من ثنائيات متناقضة ومستمرة.


في تلك الجدلية بين الحياة والموت تؤثر الحالة النفسية للشخص على جهاز المناعة بشكلٍ كبير، إذ أن الشعور بالحزن والاكتئاب والنفسية السيئة المحبطة تُسبب إضعافه وقلة مقاومته للأمراض. تُؤثر الحالة الذهنية العامة على أدائه، فالشخص الذي يحمل أفكاراً محبطة حول مرضه يُساهم في إضعاف مناعته، والعكس صحيح. تُسبب الحالة النفسية الحزينة في الإصابة بأمراض المناعة الذاتية، إذ يعتقد فيها هذا الجهاز أن أجزاء الجسم المختلفة هي أعداء فيبدأ بمهاجمتها، وهذا يُسبب أمراضاً كثيرة، إذ أن الحزن الشديد يُسبب حدوث خلل في هرمونات الجسم، وهذا يؤدي إلى خلل في أداء جهاز المناعة. تُسبب الانفعالات النفسية الشديدة بكثرة انتشار الشوارد الحرة للخلايا، وقلة كفاءة جهاز المناعة في مواجهتها، مما يسبب الإصابة بالسرطان وغيره من الأمراض، بعكس الحالة النفسية المستقرة التي تُساعد في نشاط خلايا الجسم الدفاعية وزيادة كفاءتها. أثبتت الدراسات الحديثة أن الأشخاص المرضى الذين يملكون أفكاراً سلبية حول مرضهم تكون نسبة شفائهم قليلة، والعكس صحيح.


 وبالتأكيد أن هناك ثمة علاقة وطيدة بين الحالة النفسية وصحة الجسم، فإذا سيطر على الإنسان الجزع والخوف والتوتر الزائد جراء الإصابة بمرض ما فإن مناعة الجسم تضعف وقد تتفاقم الحالة الصحية، لذا فإن الطاقة الإيجابية والحالة النفسية للمريض تلعب دوراً فاعلاً في التصدي للمرض، وقد تسهم في التخلص منه أو تكون أحد أهم العلاجات الفعالة في التغلب على المرض لا سيما الأمراض المزمنة كالسكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب بأنواعها، والصداع النصفي وآلام الرأس والمعدة والعظام وكذلك أمراض السرطان، التي تتطلب من المريض التعايش والصبر وقوة الإرادة في مسيرة العلاج.

وأكد الكثير من  ألأطباء  وأخصائي علم النفس العلاجي أن الحالة النفسية لأصحاب الأمراض المزمنة أو المستعصية تمثل نحو 60% من العلاج لأن الجهاز العصبي يؤثر على الجهاز المناعي في الجسم، وكلما ارتفعت نسبة التوتر والقلق والانفعال تدهورت وظائف جهاز المناعة ما يضعف في مقاومة الأمراض وتحديداً الأمراض السرطانية التي تخترق الجسم، وتتيح له الفرصة لكي ينمو ويترعرع، بسبب تراجع نسبة الخلايا الليمفاوية المسؤولة عن توفير الحماية للجسم من الإصابة بهذه الأورام والأمراض بأنواعها المختلفة.

ويرى النفسانيون أن الحالة النفسية التي تصاحب إبلاغ المريض بمرضه خاصة الأمراض المزمنة يجب ألا تدفعه إلى القلق والتوتر بما سيحل به، بل عليه أن يحاول أن يمارس حياته الطبيعية والابتعاد عن هواجس تبعيات المرض، لأنها تؤثر على حالته النفسية من العلاج لأن الجهاز العصبي يؤثر على الجهاز المناعي في الجسم، وكلما ارتفعت نسبة التوتر والقلق والانفعال تدهورت وظائف جهاز المناعة، ما يضعف في مقاومة الأمراض.

ويشكل فيروس كورونا تحديا كبيرا وليست سهلا أمام العالم وقدرات الطب المعاصر للعثور على لقاح او علاج ضد هذا المرض الذي يهدد العالم كله كما يشكل هذا الوباء العالمي اختبارا لمستوى أداء المناعة النفسية للوحدة الانسانية في صراعها من أجل البقاء, حيث تكاتف الثقافة النفسية والطبية من أجل الخلاص من هذا الوباء الذي لم نجد له حتى الساعة ملامح الخلاص منه.



29
الثامن من آذار يوم المرأة العالمي ودلالته للمرأة العراقية
د.عامر صالح 
يأتي موضوع اليوم الدولي للمرأة (8 آذار / مارس 2020) رافعًا شعار " أنا جيل المساواة: إعمال حقوق المرأة " في إطار حملة هيئة الأمم المتحدة للمرأة الجديدة المتعددة الأجيال, وهو جيل المساواة, الذي يأتي بمناسبة  مرور 25 عامًا على اعتماد إعلان ومنهاج عمل بيجين، والذي اعُتمد في عام 1995 في المؤتمر العالمي الرابع المعني بالمرأة في بيجين، الصين، باعتباره خارطة الطريق الأكثر  تقدمًا لتمكين النساء والفتيات في كل مكان.                                                                                                                 

يعد عام 2020 عامًا محوريًا للنهوض بالمساواة بين الجنسين في جميع أنحاء العالم، حيث يقوم المجتمع العالمي بتقييم التقدم المحرز في مجال حقوق المرأة منذ اعتماد منهاج عمل بيجين. كما سيشهد العديد من اللحظات الحثيثة في حركة المساواة بين الجنسين: مرور خمس سنوات منذ إعلان أهداف التنمية المستدامة؛ الذكرى العشرين لقرار مجلس الأمن 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن والذكرى العاشرة لتأسيس هيئة الأمم المتحدة للمرأة.                                                                                                               
 
وهناك إجماع عالمي بأنه على الرغم من إحراز بعض التقدم، إلا أن التغيير الحقيقي كان بطيئًا بشكل مؤلم بالنسبة لغالبية النساء والفتيات في العالم. اليوم، لا يمكن لبلد واحدة أن تدعي أنها حققت المساواة بين الجنسين بالكامل. وتبقى العقبات متعددة دون تغيير في القانون، وأما على الجانب الثقافي، فلا تزال النساء والفتيات لا يلقين حق تقديرهن؛ فهن يعملن أكثر ويكسبن أقل وتتاح لهن أيضًا خيارات أقل؛ ويتعرضن لأشكال متعددة من العنف في المنزل وفي الأماكن العامة.علاوة على ذلك، هناك تهديد كبير بتراجع المكاسب التي تحققت بشق الأنفس.                                                                           

يهدف اليوم العالمي للمرأة ويركز على التعجيل بأهداف جدول عام 2030 وبخاصة التركيز على تحقيق المساواة بينها وبين الرجل وبالمثل ضمان تقديم التعليم الجيد لها. والاهداف الرئيسية لجدول اعمال 2030 هي على النحو الآتي: ضمان تعليم ابتدائي وثانوي جيد ومجاني ومنصف للإناث والذكور على حد سواء, للوصول الى نتائج تعليمية فعالة بحلول عام 2030. ضمان فرص حصول كل من البنين والبنات على فرص رعاية جيدة في مرحلة الطفولة المبكرة, وفرص من التعليم الجيد قبل الأبتدائي ليكونوا جاهزين لدخول مرحلة التعليم الأبتدائي بحلول عام 2030. القضاء على كافة اشكال التمييز ضد الأناث في كل مكان. القضاء على كافة اشكال العنف التي تمارس ضد المرأة والبنات بما في ذلك  الإتجار بالبشر والاستغلال الجنسي وكافة انواع الاستغلال الأخرى. القضاء على كافة المماراسات الضارة للإناث مثل الختان أو الزواج المبكر أو الزواج القسري( الأجباري أو بالأكراه ). تمكين المرأة أقتصاديا, أن التغيرات التي تحدث في بيئة العمل بسبب التطور الكبير في ظل التكنولوجية والرقمية وفي ظل وجود العولمة من جهة, ومن جهة اخرى عدم استقرار الدخل والسياسات المالية بالأضافة الى التأثيرات البيئة كل هذه  العوامل مجنمعة تترك آثارا لا يستهان بها على الأناث وعلى الفرص التي تحصل عليها في بيئة العمل, ولذلك فأن اليوم العالمي للمرأة ينادي بضرورة معالجة هذه القضايا في سياق التمكين الأقتصادي للمرأة.   

ويشكل هذا الإعلان قيمة أخلاقية وإنسانية في إعلانه صراحة على الصعيد العالمي بعدمية الفروق بين الجنسين في المساهمة في الحياة والحقوق العامة. ويشكل هذا الإعلان عودة إلى الفطرة الإنسانية والى مرحلة تاريخية ما قبل اللاتساوي بين الجنسين ونبذ الفروق الجسمية والعقلية والنفسية باعتبارها مصدرا بهيميا لعدم المساواة والتي يبنى عليها شتى مظاهر اضطهاد المرأة.

وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية والإقليمية بتنوعها الديني والاثني والقومي, وعلى الرغم مما حققته من انجازات فردية على صعيد انخراطها في التعليم بمختلف مراحله, ودخولها عالم المهن المختلفة من طبية وتدريسية وهندسية وإدارية وجامعية, وصولا إلى تبوئها مناصب عليا وزارية وغيرها, فهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنها حققت تقدمها في المساواة مع الرجل, بل المهم في ذلك كله هو المزاج والموقف العقلي والفكري من مساواتها, فهي لازالت مشروع استلاب منذ نعومة أظافرها, حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية وتتعرض إلى مسلسل لا حصر له من الممنوعات من صغرها حتى شيخوختها, إلى جانب ما تتعرض له من مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي, وكذلك العنف الرمزي غير المرئي الذي يتجسد عبر الثقافة والتربية والموقف المذل منها يوميا عبر معاملتها كجنس من الدرجة الثانية, وفصلها اجتماعيا عن الرجل سواء في البيت أو المدرسة أو الدائرة ومنعها من الاختلاط والتدخل في تفاصيلها اليومية, انطلاقا من مسلمات لا صحة لها " كناقصة عقل ودين ".

في العراق وحيث الهجمة الشرسة على المرأة العراقية منذ عقود سلفت والى ما بعد اسقاط النظام الدكتاتوري في 2003 حيث تتعرض المرأة العراقية الى مختلف صنوف الاضطهاد وتدني المكانة الاجتماعية والاقتصادية جراء هيمنة قيم الدكتاتورية السابقة وما تلاها من تسلط الأسلام السياسي على رقاب النساء وحصر المرأة في دائرة الأضطهاد والأذلال المشرعن. وقد افرز هذا جراء عقود مضت الكثير من الظواهر ولعل ابرزها ما يأتي:

ـ تراجع حقيقي للمرأة عن المشاركة في الحياة الوظيفية والخدمة العامة وفي النشاط الاقتصادي, وبالتالي تبعية فعلية للرجل في تأمين لقمة العيش والملبس والمأوى..

ـ تراجع فعلي في دور المرأة في الحياة الاجتماعية والثقافية وفي التأثير الإيجابي على المجتمع وفي حياة الأندية الفكرية والرياضية والمحافل الثقافية. وتشير بعض الإحصائيات إلى تنامي الأمية في صفوف المجتمع في الريف والبادية إلى 75 % بين الرجال و98 % بين النساء في الوقت الحاضر.

ـ تراجع شديد في عدد الطالبات في المدارس والمعاهد والجامعات بما يعكس موقف الرجل من المرأة وحالة الإرهاب التي لا تقتصر على الاختطاف والابتزاز المالي والاغتصاب الجنسي فحسب, بل ومعرضة للموت أيضاً. وكل المعطيات المتوفرة تشير إلى ذلك بصراحة كاملة.

ـ انتشار البطالة بشكل واسع في صفوف الإناث ويشكل أضعاف حجم البطالة في صفوف الذكور, إضافة إلى التمييز الصارخ في الأجور. ويشار إلى أن نسبة البطالة في العراق تتجاوز ال 60 % من إجمالي عدد القادرين على العمل, ولكنها متباينة في نسبتها بين الرجال والنساء في غير صالح النساء.

ـ تنامي عدد الأرامل بسبب الحروب الماضية والحاضرة وبسبب الإرهاب الدموي الذي يقتل العشرات يومياً ويحيل الكثير من النساء إلى أرامل والأطفال إلى يتامى ويخل بالتوازن المطلوب في التناسب بين عدد الإناث وعدد الذكور في المجتمع. تنامي عدد النساء العازبات اللواتي تجاوز عمر كل منهن الثلاثين سنة واللواتي لا يحملن شهادات أو عجزن عن الحصول على فرصة عمل شريفة.


ـ تفاقم أزمة السكن التي تسحق يومياً وتحيل الكثير من العائلات الفقيرة والكادحة وخاصة النساء الأرامل والمطلقات مع أطفالهن إلى العيش في ظل ظروف قاسية ومريرة وحرمان مطلق, أو تتكدس أربع إلى خمس عائلات في دار واحدة تزدحم بالأطفال وانعدام الحياة الطبيعية الخالية من المشاكل.

ـ التأثير الصارخ لرجال الدين الرجعيين والمؤسسات الدينية المتخلفة, وليس لبعض علماء الدين الذين يتفاعلون مع العصر الحديث والتغيرات الطارئة على الحياة, وكذلك المشعوذين والسحرة واللاعبين بعقول كثرة من الذكور البسطاء والمسيطرين على عقول نسبة كبيرة من النساء وعلى تصرفاتهن وممارساتهن اليومية.

ـ تضليل المرأة في ضوء العلاقة مع رجال الدين والفتاوى في الغيبيات واعتبار أن ما يصيبها هو قدرها المكتوب عليها وليس في مقدورها رد المكروه عنها.

ـ ارتفاع نسبة الجريمة المرتكبة بحق النسوة من حيث الاختطاف والابتزاز والاغتصاب الجنسي والاعتداء بالضرب والاضطهاد والقمع غير المعهودين. وعلينا أن نؤكد بأن المرأة تعاني من انتشار البغاء النسوي لا لرغبة فيه بل لأسباب اقتصادية واجتماعية قاهرة. وعلينا هنا أن نذكر بأن نسبة السكان الذين يعيشون اليوم تحت خط الفقر المحدد دولياً تصل إلى 40 %, إضافة إلى أن هناك نسبة أخرى عالية تقف على خط الفقر أو ترتفع عنه قليلاً, في بلد يعتبر واحداً من أغنى دول العالم في امتلاكه للنفط الخام.

ورغم أن الدستور العراقي للعام 2005 ضمن لها نسبة من المشاركة" الكوتا " 25% في مجلس النواب وفي مجلس الوزراء ومجالس المحافظات, إلا أن الأسلام السياسي افرغ هذه الممارسة من محتواها الأيجابي وحول " الكوتا " الى كوتا سياسية طائفية واثنية لا تحمل اي اجندة صوب تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها, بل تحولت الكوتا الى مدافع أمين لتكريس اضطهاد المرأة والتصويت على الكثير من القرارات الجائرة والتي تعيد انتاج تخلف المرأة والتضييق عليها.

أن زخم مشاركة المرأة العراقية في احتجاجات اكتوبر والوقوف الى جانب الرجل وتصديها للكثير من القضايا المصيرية التي يمر بها العراق, واهمها البطالة والفساد وسوء استخدام السلطة وتدهور الخدمات هي نقطة تحول حضارية وانطلاقة مميزة تعيد للمرأة العراقية مكانتها التاريخية وليس غريبا ان تخرج نساء العراق للمطالبة بالأصلاح ومحاربة الفساد ومحاربة سراق المال العام. أن وجود المرأة في التظاهرات هو انعكاس لوعي المرأة المتبلور على خلفية الأزمة العامة في البلاد والتي بدون شك تطال كلا الجنسين. لقد اقتحمت النساء العراقيات ساحات الأحتجاج من شابات وطالبات ومثقفات ومعلمات وفنانات وأديبات واعلاميات وربات بيوت وارامل وحتى النازحات والمهجرات وقد ألتقين جميعا على قضية واحدة هي الأصلاح, وقد وصلت نسبة مساهمة العنصر النسوي بمختلف تنوعاته الى ما يقارب 40% من مجموع المتظاهرين قياسا بنسبة مشاركتها في تظاهرات 2015 والتي بلغت 15%.

 يجب أن يبدأ مشروع إقامة الدولة المدنية من نقطة إعادة النظر في مجمل الأسس الدستورية والقانونية والسياسية، والتخلص من نظام المحاصصة الطائفية السياسية, والذي يضمن المساهمة العادلة لكلا الجنسين وبما ينسجم مع التوجهات الأممية في الأعتراف بحق الآخر في العيش الكريم.

كما تتطلب مهمات مشروع الدولة المدنية ترسيخ جهود الاندماج المجتمعي، وتعزيز الهوية الوطنية، من خلال تأكيد مبدأ التنوع داخل الوحدة، وإدارة التعددية السياسية والثقافية، من خلال التقريب بين قدرات النظام السياسي وقدرات الجماعات الأثنية والطائفية وتنظيمها. والتي تتطلب إيقاف موجات التعصب الطائفي والعنف المرافق له - والذي شل الدولة، وعطل حركتها - والتصدي لاحتمالات انهيارها، وتقسيم البلاد على أسس عرقية ومذهبية. فالدولة المدنية التي تبيح الحريات الأساسية، وتقيم نظام العدالة والمساواة والحريات هي أيضا الدولة القوية التي تقيم سلطتها وهيبتها في فرض النظام العام والأمن والقانون، وإنهاء حالة الانفلات الأمني والإرهاب، وتوفير الأرضية الملائمة لتحرر المجتمع من هيمنة وتدخلات الجماعات السياسية, وان هذا بالتأكيد يضمن أمنا نفسيا واقتصاديا واجتماعيا للمرأة كي تؤسس لأنطلاقة حضارية تستجيب لظروف العصر الذي ينادي بالمساواة بين الجنسين..
تعد التنمية الاقتصادية، والتوزيع العادل للثروة، وإيجاد فرص العمل، ومأسسة تقديم الخدمات، وتحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال نظام للرفاه الاجتماعي، من المهمات الرائدة للدولة المدنية، التي تهدف إلى تحقيق نهضة حقيقية. الركيزة الأساسية لهذه الدولة هي تدعيم نوعية الحياة، وتعزيز حقوق المواطن في التنعم بحياة كريمة وتحقيق العدالة بين الجنسين..

على الدولة المدنية أن تتولى مهمة القضاء على الفساد بكل أنواعه، الذي أصبح إحدى العقبات الأساسية في عملية بناء الدولة العراقية، وإعادة ثقة المجتمع بها وبأجهزتها التي اهتزت خلال سنوات الأخيرة، عن طريق تفعيل بناء المؤسسات الرقابية، وأجهزة المحاسبة، وتعزيز الشفافية، وسلطة الصحافة، وتطبيق القانون بحزم. كما يتناقض جوهر فكرة الدولة المدنية القائم على الحرية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص تماماً مع أساليب الابتزاز والرشاوي والصفقات المشبوهة، والتطفل على النشاط الاقتصادي، وأي مظهر من مظاهر الفساد المالي والإداري, وان الفساد بحد ذاته يفسد العدل ويعيق توزيع الثروات بانصاف بين الجنسين.

أن بناء دولة مدنية في العراق لا تقتصر على إنهاء الصراعات السياسية فحسب، بل إنها تعمل على إطلاق الطاقات الخلاقة لدى المواطنين, وان مدخل ذلك هو اعادة اصلاح منظومة الحكم وأسس بناء النظام من خلال التخلي عن نظام المحاصصة الطائفية والاثنية, والذي لا تنسجم توجهاته مع لوائح حقوق الانسان في العيش الكريم الى جانب عدم انسجامه مع حق المساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات والعيش الكريم. كل التحايا والتقدير لعيد المرأة العالمي والنصر حليف قوى الديمقراطية والسلم والتقدم الاجتماعي.

روابط المقال:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=665634&r=0
https://www.feedo.net/Society/SocialInfluences/ManAndSociety/InternationalWomanDay.htm?fbclid=IwAR0hToKNIFjcSm9r60WxFuBDBzxJH_wP5UINb73HApESd3GSPQYUPptuCPo
http://www.alnukhab.com/index.php?rsid=1053&fbclid=IwAR0FSWVNbJAA4GOMBnzMF1BHu9NBaCmWdWTUt_XxuvutXKre0PylMOYNCQE
https://www.un.org/ar/observances/womens-day?fbclid=IwAR3iuzEoMHazjTBwDzH6TveqpV77gJB8Tw9UjPUP4iwpfmLn8nO-recouIw
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=550455&r=0
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=91148&r=0



 
.


30
احتجاجات اكتوبر العراقية وسنة الصراع السايكوطبقي

د.عامر صالح 

ان الأحتجاجات الشعبية السلمية الشاملة لمختلف الفئات الاجتماعية والعمرية التي اندلعت في الاول من تشرين الأول العام 2019 والتي ستنهي شهرها الخامس قد شكلت نموذجا حيا وملموسا في تاريخ العراق الحديث، انها ثورة شعبية شبابية سلمية وبدون مشاركة الاحزاب السياسية" على الأقل في بدايتها الأولى". اندلعت الأحتجاجات بسبب الفشل الذريع لنظام المحاصصة السياسي والطائفي والقومي المقيت..

لقد قدمت الثورة تضحيات جسيمة لم يشهدها تاريخ العراق المعاصر حيث تجاوز عدد الشهداء ال 700 شهيد  شهيد واكثر من 24 ألف جريح، والمئات المعتقلين والمختطفين من قبل السلطة الحاكمة والمليشيات المسلحة التابعة للأحزاب السياسية المتنفذة في السلطة وغير التابعة للاحزاب والمدعومة من قبل قوي اقليمية.
أن الصراع في العراق، هو صراع طبقي ووطني في ان واحد، هو صراع بين قوى الثورة الشعبية الشبابية السلمية والمتمثلة بالعمال والفلاحين الفقراء والمتوسطين، و شرائح ثورية من الطلبة والطالبات والشباب والمرأة والكسبة من جهة، وبين قوي الثورة المضادة المتمسكة بالسلطة من ممثلي نطام ما بعد 2003، وقادة نظام المحاصصة المقيت واعوانهم من المرتزقة والمافيات ومجموعة اجرامية من قوي اقتصاد الدولة العميقة المافيوي اللاشرعي واللاقانوني والاجرامي والمتوحش وبدعم وإسناد من قبل الميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب السياسية المتنفذ في السلطة وغير التابعةللاحزاب والمدعومة من قبل قوي اقليمية.

لقد أفرز النظام ومنظومته المعرقلة للوحدة بين الدولة والمجتمع وادارة الحكم بعض من الملامح النفسية والاعراض المرضية التي تشكل جوهر القطيعة بين النظام وبين الشعب, ولعل ابرزها هو:  وجود تناقض صارخ بين الثقافة التي يرتكز عليها النظام السياسي القائم وبين ثقافة المجتمع؛ وجود قطيعة نفسية وثقافية بين الشعب وتطلعاته، وبين النظام وسياساته ومشاريعه؛ تحول النظام السياسي إلى عائق للمجتمع عن الاستجابة للتحديات الحضارية الكبرى؛ شعور الأغلبية أن النظام فاقد لجميع مبررات وجوده، وأنه لا أمل في إصلاحه من الداخل؛ وجود إجماع وطني على فساد النظام السياسي؛ عدم وجود آلية لتغيير النظام من داخله وبقناعة سلمية بسبب شيوع ثقافة الاستحواذ على السلطة، أو تزوير إرادة الشعب كما جرى في انتخابات سابقة.


فإذا توفرت هذه المعطيات كلها ثم تحولت القطيعة النفسية بين النظام الحاكم وبين الشعب المتذمر إلى إرادة لـ"التغيير الحضاري" تبدأ الثورة تخرج من حيز " الوجود الكامن" إلى حيز " الوجود بالفعل"، بعد أن تستكمل أربعة شروط هي: وجود تحول ثقافي عميق في المجتمع ونظرته إلى السلطة والثروة، وما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الحاكم وبين المحكوم؛ وجود إرادة جماعية واحدة تنصهر فيها إرادة جميع الأفراد الطامحين إلى التغيير والإصلاح؛ وجود استعداد لتحويل تلك الإرادة الجماعية من حالة التصور النظري إلى حيز الواقع العملي؛ وجود نواة صلبة من نخبة المجتمع مستعدة للتضحية وقادرة على قيادة الجماهير وإذكاء حماسها. 

 الارقام والمعطيات الدولية تشهد عن ما يجري في العراق من احتجاجات ومظاهرات عارمة ضد الفساد الحكومي والدستور والتدخل الأقليمية والأحزاب الدينية الفاسدة والمليشيات، حيث أن عوائد مالية فلكية تجنيها تلك الأطراف منذ سنوات طويلة، على حساب شعب فقير ومؤسسات بدأت بالتصدع والانهيار، ناهيك عن إهدار المال العالم، في بلد يمتلك “ثاني أكبر احتياطيات نفط في العالم”، حيث تم تصنف البلاد في المركز الـ169 من أصل 180 على مؤشر الفساد حسب منظمة الشفافية الدولية، ووصف تقرير منظمة الشفافية  الدولية العراق و انتشار الفساد السياسي والاقتصادي والإداري داخل مؤسساته المتنوعة.                                                 


كما تؤكد تقارير المنظمة أن حجم المال المنهوب في فترة ما بعد 2003 ، بلغ 300 مليار دولار، وتضيف مصادر عراقية أن نحو 350 مليار دولار أُهدرت وسرقت خلال الأعوام 2003-2014 بمشاريع وهمية وفساد مالي وإداري في البلاد، فضلا عن وجود خمسة آلاف مشروع لم تنفذ بسبب سوء التخطيط، في وقت تمر فيه البلاد بأزمة ديون داخلية وخارجية، حيث انهك الفساد الاقتصاد العراقي رغم كل ما يملكه من ثروات مادية وبشرية.                                                                                         


واشار البنك الدولي الى تصنيف العراق كثاني أكثر دولة بالعالم تعاني من تفشي الفساد، فضلاً عن التصنيفات التي تعده واحداً من أكثر الدول سوءاً من ناحية الأعمال التجارية وضعف البيئة الاستثمارية، نظراً للإشكالات العديدة في البنية القانونية والتشريعية
وهشاشة الوضع الأمني والأخص الأشهر الماضية                                                                                                         


حجم الفساد المتزايد في العراق خلق أزمات معيشية واقتصادية متتابعة للمواطنين، وأربك اقتصاد بلادهم حتى أصبح بين الأسوأ  عالمياً، رغم أن البلاد تملك أكبر احتياطي نفطي بالعالم بعد المملكة العربية السعودية، كما يمثل احتياطي النفط العراقي نحو    10.7% من إجمالي الاحتياطي العالمي .                                                                                                     


العراقيون يعانون من البطالة المستفحلة، وضعف الخدمات العامة، والفقر المدقع، الذي معدلاته “الرسمية” بلغت في العام 2019 22.5%، في حين تشير إحصاءات البنك الدولي إلى أن نسبة الفقر تصل إلى 41.2% في المناطق المحررة من تنظيم داعش الارهابي ، و30% بالمناطق الجنوبية، و23% في الوسط، و12.5% في إقليم كردستان، وأضاف البنك الدولي أن 50% من الأطفال فقراء في المحافظات الجنوبية بالعراق .                                                                                         

رغم حالة العنف المفرط التي واجهت بها قوات الأمن المحتجين، إلا أن مطالب الاحتجاجات توحي بتغير كبير في نمط الاحتجاجات العراقية التي بدت متجاوزة للمرجعيات الدينية والكتل السياسية، وهو ما يُمكن أن يُهدد القوى السياسية التقليدية التي تصاعد دورها منذ عام 2003، ويتهمها العراقيون بالتورط في الفساد, وهي غارقة فيه فعلا. وتفرض هذه الحالة الجديدة على الشارع السياسي العراقي سيناريوهات قد تتجاوز تغيير رأس الحكومة كما كان يحدث في السابق، إلى محاولة فرض واقع سياسي جديد في منظومة الحكم بأكملها بشرط استمرار حالة الزخم في الاحتجاجات، أو في أضعف التقديرات يُمكن أن تنجح الفئات المشكِّلة للاحتجاجات -خاصة الفئات الشبابية- في تكوين كتلة سياسية جديدة عابرة للمرجعيات
والأحزاب لتكون نواة لحركة معارضة جديدة. وبالتالي فأن ابرز المهمات الملقاة على عاتق الأحتجاجات يكمن في ما يلي:


ان تشكيل حزب أو كيان وحتى مجموعة احزاب عبر تحالفتها مع شرائح اليسار العراقي،اصبح ضرورة موضوعية ملحة تعكسه حالة الصراع الطبقي السائدة في المجتمع العراقي وهي بالضرورة تمثل مصالح الغالبية العظمى من الشعب العراقي وفق برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وطني واضح الاهداف والمعالم وعابر للطائفية، ومن الضروري ان يبدأ العمل به من الان، وعكس ذلك سوف لن يستطيع المتظاهرون السلمييون الابطال من تحقيق الاهداف المشروعة للشعب العراقي، الا عبر البرلمان وبالتالي سيشكلون الاكثرية في البرلمان الجديد، من خلال اشراف مباشر للامم المتحدة على الانتخابات البرلمانية، لان جميع المكونات الطائفية الثلاثة قد فقدت شرعيتها وشعبيتها، بوجودكم كقوة منظمة متراصة ستحققون امال وطموحات الفقراء والمساكين والمضطهدين من الشعب العراقي، وبعكس ذلك سوف يتم ابتلاعكم من قبل حيتان وديناصورات الفساد المالي والإداري من قبل قادة نظام المحاصصة السياسي والطائفي والقومي المقيت والفاشل بامتياز, وبالتالي فأن خيار احتواء الاحتجاجات وارد من قبل الطغمة الفاسدة وهو ما يجري الآن عبر وسائل الترغيب والترهيب.

أوكد على المحتجين السلميين الأبتعاد عن الشعارات الغامضة وغير الواقعية والتي تؤذي الحراك الاجتماعي السلمي وتفضي الى موته بطيئا امام سلطة البطش والمليشيات والاندساسات بين المتظاهرين. والمتظاهرين السلميين ليست مشاريع استشهادية مقابل لا شيء, ويفترض ان يفهم المحتجون السلميون ان الاستشهاد والتضحية دون مقابل او ألتماس أفق صوب التغير هو خسارة للوطن والشعب, وبالتالي أي عملية مجتمعية تضخم مدخلاتها دون مخرجات"انجازات" هي خسارة لا تعوض !!!.









31
المرأة العراقية وأحتجاجات أكتوبر

د.عامر صالح

في دعوى مليونية انطلقت يوم الخميس الماضي تظاهرات حاشدة في بغداد ومدن اخرى جنوب العراق دعت أليها ناشطات عراقيات ردا على الهجمات الإعلامية وحملات التشويه والأعتداءات التي طالت النساء المشاركات في الأحتجاجات المناهظة للحكومة. وتزامنت الدعوة للتظاهرة مع سلسلة تغريدات أطلقها رجل الدين مقتدى الصدر ومقربون منه تدعو لمنع الأختلاط بين الجنسين في ساحات التظاهر, وتتهم بعض النساء المتواجدات هناك بأرتكاب أعمال "منحرفة". كما تزامنت مع سلسلة اعتداءات تعرضت لها فتيات شاركن في الأحتجاجات في الأسبوعيين الماضيين, من بينها حالة طعن بالسكين طالت فتاة كانت تتواجد في احدى الخيام بساحة التحرير.

ويقول بعض الناشطات إن "الهدف الرئيس من هذه التظاهرة هو الرد على الحملات التي تقوم جيوش إلكترونية تابعة لجهات معينة وتعمل على تشويه صورة وسمعة النساء العراقيات المشاركات في الاحتجاجات, وايضا لإدانة الاعتداءات التي تعرضن لها". واشارت اللجنة المنظمة لأنتفاضة تشرين الى أن " هذه المسيرة هي وفاء للعراق وللشهداء وفي طليعتهن: سارة طالب, وهدى خضير, وزهراء القره لوسي, وجنان الشحماني, اللواتي اغتالتهن عناصر مسلحة لنشاطهن في تظاهرات الأحتجاج التي يشهدها العراق منذ الأول من تشرين الأول الماضي ضد الطبقة السياسية الحاكمة".

وبعيدا عن التهم الجزاف التي تستهدف كرامة المرأة العراقية والتي تلجأ أليها قيادات وبعض من قواعد التنظيمات الأسلاموية المتخلفة, والتي ترى في المرأة عورة وناقصة عقل ودين, فأن الهدف الرئيسي لهولاء يكمن في تشويه صورة الأحتجاجات ضد الفساد وحصر ذلك في دائرة الأخلاق الضيقة  التي ليست لها صلة بأهداف التظاهرات المشروعة والتي اندلعت على خلفية أزمة الحكم العامة والمستعصية منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن. فالتظاهر والتظاهرات هو حق دستوري يكفله الدستور العراقي, وكذلك هو من حقوق الانسان الرئيسية التي أقرتها الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الأنسان ومعترف بها دوليا, أي ان لكل انسان سواء كان ذكرا أم أنثى حق في حرية التعبير والتجمع والذي يتضمن مجموعة من الأساليب السلمية التي اكدت عليها العديد من لوائح حقوق الانسان والدساتير التي تنسب حق التظاهر الى حرية التجمع أو حرية التنظيم وحرية الكلام.

لقد تعرضت الاوضاع الاجتماعية للنساء والفتيات الى انتهاكات خطيرة على مر العقود الاخيرة جراء الحروب العبثية التي اقدم عليها النظام السابق وتركت آثارها في ظواهر عديدة, ابرزها الترمل بفقدان الزوج وتحمل الزوجة اعباء الإعالة وتضيق فرص العيش الكريم في التربية والتنشئة الاجتماعية للفتيات وللأسرة بصورة عامة, وأشد اوضاع المرأة تراجعا ما حصل لها بعد عام 2003 بدءا من الاحتلال ومرورا بصعود التيارات والحركات والاحزاب الدينية والطائفية الى السلطة, وصولا الى عودة أثر الاعراف والتقاليد القبلية والعشائرية, وكان للحروب الداخلية وما سببته من تهجير ونزوح وتشتيت للمكونات, وتدهور الحياة الاقتصادية وتدني مستويات العيش وانتشار البطالة على نطاق واسع وفي اوساط النساء المتعلمات وفي المجتمع بصورة عامة, أثره الواضح في تصدع منظومة الاستقرار القيمي وتدهور في المعايير وانحسار لخيارات التكافئ والتكافل الاجتماعي وقد جعلت من الحياة الاجتماعية أكثر قتامة. ويكفي ان نشير هنا الى حجم الكارثة الاجتماعية عندما نتحدث عن نسبة العوانس وقد بلغت اكثر من 80%, كما تجاوز عدد الارامل والمطلقات  المليونين أمراة, وبلغ حجم الأيتام والارامل خمس السكان, وتصاعد نسبة السكان دون خط الفقر الى 40%, الى جانب زواج القاصرات دون 18 سنة, وبعضها لا يتجاوز 11, 12 سنة. 

أن زخم مشاركة المرأة العراقية في احتجاجات اكتوبر والوقوف الى جانب الرجل وتصديها للكثير من القضايا المصيرية التي يمر بها العراق, واهمها البطالة والفساد وسوء استخدام السلطة وتدهور الخدمات هي نقطة تحول حضارية وانطلاقة مميزة تعيد للمرأة العراقية مكانتها التاريخية وليس غريبا ان تخرج نساء العراق للمطالبة بالأصلاح ومحاربة الفساد ومحاربة سراق المال العام. أن وجود المرأة في التظاهرات هو انعكاس لوعي المرأة المتبلور على خلفية الأزمة العامة في البلاد والتي بدون شك تطال كلا الجنسين. لقد اقتحمت النساء العراقيات ساحات الأحتجاج من شابات وطالبات ومثقفات ومعلمات وفنانات وأديبات واعلاميات وربات بيوت وارامل وحتى النازحات والمهجرات وقد ألتقين جميعا على قضية واحدة هي الأصلاح, وقد وصلت نسبة مساهمة العنصر النسوي بمختلف تنوعاته الى ما يقارب 40% من مجموع المتظاهرين قياسا بنسبة مشاركتها في تظاهرات 2015 والتي بلغت 15%.

تعرضت المرأة في انتفاضة تشرين الى القتل بنيران القوى القمعية, والأصابات بالرصاص والغاز, والأختطاف من قبل مجهولين. كما تنوعت مشاركة النساء في الاحتجاجات بين تنظيم مطالب نسوية, وتبرعات مادية, واسعافات, وحملات تنظيف تطوعية, واعداد الطعام للمعتصمين ونساطات اخرى كثير, وقد برزت المرأة في الأنتفاضة في مواجهة مخاطر القمع السلطوي, وتعرض الكثير منهن للقتل والاختطاف والاصابات, كما برزت في كسر الاعراف التي تحد من مساهمتها المجتمعية, وأجادة انواع الفنون المختلفة من رسومات على الجدران وغيرها, وقد اثبتت الأمهات وجودهن في الصفوف الامامية الى جانب مختلف النساء المرابطات في الاعتصام وكذلك تركت الطالبات بصمتهن الواضحة في الاحتجاجات.

 لا يستغرب المتابع اليوم بأستهداف المحتجات بشرفهن والطعن بكرامتهن, فتلك هي ثقافة التطرف الديني السياسي والذي يمتد بجذوره الى العائلة البطريركية في ظل بنية اقتصادية ـ اجتماعية متخلفة, حيث الأسرة هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تؤسس لإضطهاد الفتاة ثم المرأة واستلابها, حيث يأخذ هذا الإستلاب طابعا مقدسا يستمد شرعيته من تفسير النصوص الدينية الوارد على ألسنة المشرعين والمفتين الذين يتدخلون بالتفاصيل الدقيقة لحياة المرأة وفرض الوصاية عليها, من طريقة لباسها وكيفية معاشرتها للآخرين وكذلك تقرير سقف ومدى مساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والتحكم بها باعتبارها تابعا للرجل وجزء من ممتلكاته الشخصية, كما وصل بهم الإفتاء إلى إباحة أجزاء من جسدها لغير زوجها " كإرضاع الكبير ومفاخذته ", وإيجاد أشكال ظرفية عديدة ومختلفة من الزواج المؤقت, ويأخذ الاستلاب طابعا أكثر مرارة عندما يختلط الدين مع السياسية, ليتحول أكراه واستلاب المرأة إلى قوة قانونية ملزمة عليها من السماء والأرض, وهذا الموروث يجد فيه الأسلامويين مادة خصبة لقمع النساء وتكفيرهن وشيطتنتهن على طريق تصفيتهن جسديا.

أن عملية المساواة هي أولا وقبل كل شيء عملية ذهنية ـ عقلية/اجتماعية, تنشأ بفعل عملية التنشئة الاجتماعية والتربية المستديمة للفرد اتجاه نفسه واتجاه الجنس الآخر, تلعب الأسرة فيها دورا مهما وعلاقات الوالدين بالطفل ذكرا أم أنثى, ومعاملة الإخوة الذكور للأخوات الإناث, والتربية المدرسية وما تبثه من فلسفة تربوية حيث تعرض الفرد لمختلف وجهات النظر الفكرية والعقلية اتجاه الجنس الآخر, فيتبلور لدى الفرد اتجاها محددا نحو نفسه ونحو الجنس الآخر, وكذلك العادات العامة والتقاليد, ثم المؤسسات الاجتماعية المختلفة الرسمية منها وغير الرسمية, والأحزاب والأيدلوجيات المختلفة ومدى نفوذها في الوسط الاجتماعي . 

أن حقيقة كون اللامساواة بين الجنسين وما يترتب عليه من اقصاء للمرأة هو نزوع ثقافي أولا, يكفي أن نرى عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تجري في البلدان المتقدمة, والتي قامت على خلفية ظهور الفكر التنويري وانتعاش حركات الإصلاح والمساواة الاجتماعية, ولاحقا تعزيز التقاليد والاحترام والالتزام بقرارات وتوصيات المنظمات والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق المرأة, وعدم تجاهل مطالب الحركات التحررية النسائية اليومية منها والمستقبلية. ولا نقول أن ما يجري في البلدان المتقدمة بخصوص النساء هو نموذجي ولا يمكن الطعن فيه,لأن في ذلك هو مجافاة للحقيقة في الكثير من وجوهها, ولكن المقارنة مع ما يحصل في مجتمعاتنا هو الذي يضعنا في صورة التفاوت المريع.

اليوم قد يكون من السهل على التنظيمات السياسية الدينية المتطرفة في البحث عن مبررات لأقصاء المرأة من ميادين الاحتجاجات في ظل بيئات متخلفة تعيد انتاج عورة المرأة ودونيتها, ولكن في العراق وبعد تجربة اكثر من عقد ونصف من الزمن من تجربة الأسلام السياسي في الحكم ان هناك وعي بديل دخل البيوت العراقية, تتجسد ملامحه في التوق الى المساوة بين الجنسين في مناحي الحياة المختلفة, ويصتدم هذا مع اجندة الأسلام السياسي في اعادة انتاج الثقافة الذكورية لأغراض بقائه.

بالتأكيد ان حقبة ما قبل اكتوبر تختلف عن حقبة ما بعده, والتضحيات لها استحقاقاتها السياسية والاجتماعية, ولكي نحافظ على زخم الاحتجاجات والأنجاز فأن الأحتجاجات من كلا الجنسين مطالبة اليوم اكثر من اي وقت مضى لتنظيم الصفوف وفرز قيادات ذات خبره سياسية ومعهود لها بنزاهتها لتشكل طرفا قويا في الحوار مع السلطة التي تجيد فن المراوغة في البقاء, انه عمل شاق بالتأكيد ولكن على المحتجين التنازل عن الرغبات الذاتية والتخلص من العناد المرضي والتسلح بالوعي اللازم الذي يمنح الفرص للأصلاح الجذري في مسارات العملية السياسية المختلفة.



 
 


32
في ذكرى انقلاب 8 شباط 1963 ودلالته لحاضر العراق
د.عامر صالح

تمر في  الثامن من شباط الجاري الذكرى السابعة والخمسين لتنفيذ المؤامرة التي جرت في 1963، ضد النظام الوطني في العراق الذي كان على رأسه الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم, نفذ المؤامرة حزب البعث، وكان المخطط لها شركات النفط العالمية، عن طريق الأستخبارات المركزية الأمريكية. هذه الحقائق عرفها الجميع، وفضحها بشكل أو باخر كثيرون، سواء وافقوا أو لم يوافقوا على ما حصل من مجازر ومظالم في تلك الفترة, الملك حسين، مثلا، قال: أن محطة، (أمريكية) خاصة في قبرص، كانت ترشد حزب البعث، وقطعان الحرس القومي، على عناوين و أماكن تواجد الشيوعيون، من أجل القضاء عليهم. كما فضح جرائم البعثيين هذه، وفي وقتها، الصحفي المعروف المرحوم محمد حسنين هيكل، (وحتى بعدعشرات السنين، ولحد فترات زمنية قريبة من الآن)، وبين إن الجرائم يندى لها الجبين، وقد إضطر جمال عبد الناصر، (الذي أيد – أبتداء- جريمة البعثيين)، أن يندد علنا بجرائمهم، وأن يخبرهم أن يخففوا من جرائمهم.

لم يكن انقلاب 8 شباط انقلابا عسكريا اراد تغيير وجوة واحلال اخرى مكانها والعمل على بناء البلد بطريقة جديدة وبمنظور مغاير لقادة ثورة تموز . انما فجرالانقلابيون في صبيحة ذلك اليوم بركانا من الحقد الاسود والقتل الهمجي والاغتصاب الجماعي والتعذيب الوحشي وفتحت ابواب الملاعب والمدارس ودوائر الدولة كسجون ومعتقلات لعشرات الالوف من العراقيين الشرفاء ومن مختلف القوميات والطوائف وبقاسم مشترك بينهم هو حبهم للعراق وعدم قبولهم لتبعية البلد المذلة للاخرين . وبدأت منذ ساعات الانقلاب الاولى قطعان الحرس القومي ومجرمي المافيات الحزبية وبعض ضباط الجيش المغامرين الانتهازيين تجسيد نظرية الانقلابيين الفعلية والعملية بما يسمى بمصطلح ( المقابر الجماعية ) سيئ الصيت الذي أسسوا لة منذ ذلك التاريخ. وبدأت عملية ابادة منظمة ومعد لها مسبقا وبأطار رسمي اعلن عنة في دار الاذاعة والتلفزيون وهو القرار المشؤوم رقم ( 13 ) الذي دعا الى ابادة كل الوطنيين  والعراقيين الشرفاء من قوى اليسار وغيره وبصورة صريحة ومباشرة لم يشهد العالم لة مثيل. اضافة لما افرزتة ايام حكمهم القصيرة من جرائم بحق الوطن ، منها ما تسبب في ضياع اراضي الوطن وتقليص خياراتة البحرية ، اضافة لهدر حقوقة النفطية بالغاء القانون رقم ( 80 ) ، ونشر ثقافة القتل والكراهية والارهاب ، والغى قانون رقم 188 لسنة 1959 الذي ينص على حقوق المراة ومساواتها بالرجل . لقد كان القطار الامريكي الذي جلبهم لسدة الحكم يخطوا بخطى مسرعة وخارج السكة التي يسير عليها فدمر وسحق وبطش كل من كان في طريقة فاهلك الحرث والنسل وجفت منابع الرافدين واحال ربيع العراق الى صحراء قاحلة.


أن الذكرى الفاجعة السابعة والخمسين لانقلاب 8 شباط الأسود تستحضر في ذاكرتنا كل أوجاع ومعاناة الوطن الجريح,من قتل وتعذيب وسبي وتهجير في الداخل والى الخارج,والذي جرى على الهوية الوطنية والاجتماعية والأخلاقية والفكرية,مستهدفا كل نماذج النبل ورموز الخلق الرفيع لأبناء شعبنا وحركته الوطنية من سياسيين وتكنوقراط وكفاءات علمية وقيادات اجتماعية, أنها جريمة من الجرائم ضد الإنسانية,وليست جريمة ذات أبعاد قضائية فقط وفي حدود داخل البلد ومفاهيمه للجريمة, أن الجريمة الإنسانية "هي تلك الجرائم التي يرتكبها أفراد من دولة ضد أفراد الذين من دولتهم أو من غير دولتهم,بشكل منهجي وضمن خطة نلاحظها,والتميز في المعاملة بقصد الإضرار المتعمد بالطرف الآخر,وذلك بمشاركة مع آخرين لاقتراف هذه الجرائم ضد مدنيين يختلفون عنهم من حيث الانتماء الفكري أو الديني أو العرقي أو الوطني أو الاجتماعي أو لأية أنواع أخرى من الاختلاف".فقد أودت هذه الجريمة بعشرات الآلاف من مواطنينا الأبرياء وبآلاف العائلات في غياهب السجون متعرضين فيه لشتى صنوف القتل والإرهاب والتعذيب والدفن وهم أحياء,والذين لم تسلم رفاتهم إلى اليوم إلى ذويهم  وبدون قبور تزار.

لقد استهدفت هذه الجريمة كل قطاعات مجتمعنا بدون استثناء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال إيقاف عملية تقدمه الاقتصادي والاجتماعي وأرجعاه إلى الوراء, ولأن الشيوعيين العراقيين يستذكروها قبل غيرهم,لأنها ارتبطت برموزهم الوطنية وقيادتهم المخلصة للوطن أولا, إلا إن ما وقع من أثارها على شعبنا لاحقا وبفترات تاريخية جراء تسلط النظم الدكتاتورية المتعاقبة وما سببته من تشوهات في التركيبة الاجتماعية,وما ارتكبت من مجازر وحشية طالت كل الطوائف والأديان والقوميات والأعراق ضربت عمليات الاستقرار الاجتماعي في الصميم, وعلى الجميع تذكرها وأخذ الدروس والعبر منها,لأن ذلك يجنب "العراق الجديد " مخاطر الانزلاق في حصر مفهوم الجريمة وضحاياها في فئة دون غيرها, فالجريمة كسلوك يجب إدانته على نطاق واسع بغض النظر عن الجهة التي وقع عليها فعل الأجرام,وعدم السماح بحصره بأطر ضيقة ومحدودة واستخدامه لأغراض نفعية خاصة,فالضحية هو شعبنا بكل مكوناته, وما ارتكبته لاحقا الديكتاتورية والفاشية من جرائم ضد شعبنا هو شاهد على ذلك.

وبقدر ما كان " لنكسة " الثامن من شباط  من آثار سلبية وانعكاسات خطيرة, إلا إنها شكلت مصدرا أساسيا من مصادر إعادة تشكيل كيان الفرد العراقي أو الجماعات المختلفة المنضوية تحت النسيج الاجتماعي الواحد المتنوع,وفي كافة الأبعاد العقلية, والنفسية والوجدانية والسلوكية للأفراد والجماعات والأحزاب والثقافات الفرعية وعلى خلفية إزالة آثار الصدمة,فقد خلقت أولا لدى الحركة الوطنية دافعا قويا من رباطة الجأش المخضب بالأيمان " لإعادة البناء " تمثل في دافعية التعويض الهائلة في إعادة بناء الكيانات السياسية المعارضة للجبهة الفاشية,ولعل السرعة التي أعيد بها تنظيمات الحزب الشيوعي بعد الهجمة الشرسة عليه كانت من " معجزاته " والتي لا زالت راسخة في ذاكرة الأعداء قبل الأصدقاء, فقد نهض الحزب من جديد بعد إن تصور أعدائه أنها هذه نهايته لا محال.

أن جيلا من الأطفال والشباب ولد وترعرع في خضم أحداث صدمة شباط وما بعده, وقف متسائلا ومتأملا عن أسباب فقدان واستشهاد الأخوة والآباء والأمهات والأقارب, وقد كبر تفكيرهم على أعمارهم أضعافا باحثين عن الذنب الذي اقترفه أهلهم وذويهم لكي تحل بهم هكذا فاجعة...لأنهم لا يتوقعون جنسا ينتمي إلى الإنسانية أن يمارس هذه الممارسات في القتل والتشريد ودفن الأحياء,لقد خلقت حالة من الوعي المضاد لأسباب الكارثة في البحث عن بديل أنساني للخلاص من المحنة وهكذا انطلقت المنظمات الطلابية والشبابية والنسائية والعمالية من جديد, وبزمن قياسي, إلى منابر للأعداد والتثقيف والتنظيم, لقد خاب ظن النظام الفاشي, فقد اتضحت مشاعر روح القوة والعزيمة والإصرار على الكفاح على وجوه الناس ومشاعرهم, لقد خلقت نتائج هذه الأحداث فرصا مواتية لبناء المهارات الفردية والتنظيمية لمواجهة جسامة الحدث وإيجاد أفضل وسائل التكيف مع آثار " النكسة ".

لقد برز أعلام الحزب الشيوعي العراقي آنذاك بقدراته الهائلة الداخلية والخارجية لفضح النظام الفاشي عبر حملات التضامن مع شعبنا, وفرضت على النظام عزلة دولية خانقة, وقد رسخت مزيدا من ثقافة رفض القهر والظلم والذل,  لقد اسقط الشيوعيون العراقيون المفهوم النفسي للسلطة التي لا تقهر, وبهذا أزيحت مفاهيم الاستسلام كمنتوج للصدمة عبر إشاعة مفاهيم العزة والانتصار والإيمان بقضية الشعب العراقي العادلة في الديمقراطية والتقدم والحرية.
يشهد العراق اليوم وبعد مرور سبعة وخمسين عاما على انقلاب شباط زمن أسود في كل تفاصيل حياته اليومية( رغم ما توفرت له من فرصة لتشكيل هياكل ديمقراطية) من طائفية سياسية أغلقت الطريق بوجه مستقبله واستقراره ونهضته المرتقبه, وتفكك اجتماعي واقتصادي أطال الحياة بكل تفاصيلها الدقيقة, من تفكك للنسيج الأجتماعي وتشويه لتنوعه الديني والمذهبي والقومي وتشوه في الأخلاق العامة والوعي العام, ودمار شامل للبنية التحتية الأقتصادية وايقاف لعجلة التنمية الشاملة وما رافقها من فقر وجوع وبطالة وانعدام الخدمات العامة, وتفشي الفساد الأداري والمالي والعبث بالمال العام, واشاعة الجريمة بكل ابعادها, وأنتشار الأختطاف  والقتل اليومي المجاني والتصفيات الجسدية على خلفية الاختلاف في الهوية السياسية والطائفية أو الأختلاف في الرأي, وتهديد السيادة الوطنية والتراب العراقي, وكان في داعش العراقية المتلبسة بقيم ثقافة البعث الساقط أسوء دليل على الجريمة والتحلل الخلقي وأنتهاك الأعراض والسيادة العراقية. إن ما يحصل اليوم هو امتداد مرضي لثقافة الأمس في الإقصاء.

واليوم أذ يمر العراق بأسوء ظروف انسانية تعيد فيه الى الذاكره احداث شباط المأساوية في قطع الطريق على التقدم والسلم الأجتماعي والاستقلال الوطني والاستقرار المجتمعي, فأن كل القوى الخيرة وصاحبة المصلحة في عراق معافى عليها القيام بدورها المخلص والنزيه في اعادة بناء العملية السياسية على أسس واضحة بعيدا عن النظام الطائفي والاثني البغيض, الذي زرعه الأحتلال الأمريكي في العراق ما بعد 2003 وتداخل مع الأجندة المشوهة للأسلام السياسي, وكان اليوم سببا رئيسيا في الخراب والقتل والفساد وانتهاك السيادة الوطنية والذي أودى بمجتمع بكامله في دوامة الصراع والهلاك والانقراض المتواصل للدولة ومؤسساتها على طريق الأضمحلال الشامل. إن بقاء الحال على ما هو عليه سوف يجعل العراقيين كل ايامهم ثامن من شباط, حيث القتل اليومي بدون مناسبة تذكر, إلا لأنهم ينادون بوطن آمن بعيدا عن الصراعات الأقليمية والدولية وبناء دولة المواطنة.



33
في سيكولوجيا انتفاضة اكتوبر العراقية

د.عامر صالح

بدون شك أن ما يجري في العراق اليوم هو أنتفاضة سلمية تعكس اخلاق شعب يحب الحياة ويبتعد عن حمامات الدم وازهاق الارواح, يطالب بحقه في الحياة الحرة الكريمة المشرفة والتي تليق بتضحياته عبر عقود من النضال ضد الدكتاتورية الفاشية ولاحقا ضد الاسلامويين السياسيين الذين سرقوا تضحيات شعب بكامله وشوهوا معالم وعية, في محاولة منهم لحرف ارادته وفرض خطاب الانفعالات المرضي بديلا عن خطاب العقل من خلال دائرة مغلقة في اللف والدوران والطقوس العصابية المأطرة بسلوكيات الهوس الديني في محاولات كاذبة لإمتصاص نقمة شعب قرر ان لا يسكت عن مهضوميته التاريخية.
أن انتفاضة شعبنا اليوم تجسد في حراكها ما ينسجم مع ادبيات الثورة العالمية, حيث ان الثورة هنا تقوم على خلفية التناقض  الذي لا يحتمل الاستمرار بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج السائدة, والذي يفرز ظواهر الفقر المدقع, والتدهور للحياة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والعلمية, والصحية, والتعليمية والخدمية والامنية بمختلف مظاهرها. ويكون الهدف المتوقع من الثورات والأنتفاضات هو إعادة بناء علاقات سليمة وعادلة بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج, بما يفضي إلى إعادة توزيع الثروات بشكل منصف, وإعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع, بما يوفر المزيد من فرص العمل عبر إعادة هيكلية الاقتصاد, واستحداث المزيد من المشاريع الإنتاجية والخدمية, ويشكل ذلك ضمانة لتحسين ظروف الحياة الإنسانية العامة والارتقاء بها.

ومن الناحية السيكولوجية فهناك عدة اسباب تدفع الناس للتظاهر, ولعل أبرزها هو: القيمة المتوقعة, أي ما يتوقع المتظاهرون الحصول عليه اذا نزلوا الى الشارع. والحرمان النسبي, أي شعورهم بأنهم يعاملون بطريقة أقل انصافا وعدلا من غيرهم. وكذلك الهوية الاجتماعية, أي انهم يتعاطفون مع افراد يشبهونهم او يشعرون بضرورة الدفاع عنهم. وسرعان ما تختلط المشاعر الناجمة عن الاسباب الثلاثة لتشعل شرارة الدافع, فتبدأ موجة الغضب مع تراجع شعور " الذنب " وتجلي فكرة أن لم يعد لدي ما أخسره بعدما خسرت كل شيء, أما بالنسبة للطبقة العاملة فهي أشد حماسا فهي لا تمتلك غير قوة عملها. كما أن طغيان السلبية على المشاعر الأولى المحركة للتظاهر لا يعني انها تسيطر بالضرورة على مشاعر المحتجين, فقد اثبتت العديد من الدراسات النفسية أن المحتجين بعدما يكسروا الحاجز النفسي الأول يولد لديهم شعور بالسعادة, سببها التواصل مع المحتجين الآخرين والعمل المشترك من اجل قضية واحدة والشعور بالأنتماء للمجتمع الأكبر, وقد جسدت احتجاجات اكتوبر العراقية المغزى السيكولوجي للمسار النفسي لطبيعة الفرد المحتج في السياق الاجتماعي.

لم تكن انتفاضة اكتوبر العراقية والتي امتد لهيبها الى محافظات العراق التسعة ذات التركيبة المذهبية الشيعية عملا عبثيا او نزهة استعراضية أريد به أراقة دماء الشباب, بل هي تراكم كمي لمجمل أزمة نظام الحكم المحصصاتي الطائفي والأثني السيئ الذي لم يعمل شيئ ايجابي خلال اكثر من عقد ونصف من الزمن, بل انه نظام منتج للأزمات واعادة تدوريها انطلاقا من طبيعته المافوية والمؤسسة اصلا على الأستئثار بالسلطة وتقاسمها والمبني على اساس المحاصصة المذهبية السياسية والعرقية المتخلفة التي تشتغل على اضعاف وتفكيك الوطن والمواطنة والأكتفاء في التمترس في الأطر الجغروطائفية والاثنية في فهم مريض منها ان ذلك يكفي لنيل الحقوق والاستئثار بالثروات الوطنية والافساد فيها. أن انتفاضة الوسط والجنوب ثم تضامن ابناء العراق كله هو تجسيد حي وانعكاس لأزمة الحكم الخانقة والتي لم توفر الحد الأدنى الانساني من الحقوق المشروعة والتي عكستها الحاجة الى الماء والكهرباء والصحة والتعليم الصالح وغيرها من مسلمات العيش المعاصر.

أن تجربة أكثر من عقد ونصف من الزمن في الاخفاق المزمن للمطاليب العادلة للمنتفضين تعكس بشكل واضح انها ازمة نظام متآكل وليست أزمة تلبية خدمات عامة كان يفترض على النظام تلبيتها في السنوات الأولى من الحكم, أنها أزمة فساد نظام الحكم المتهرئ الذي لا يمتلك أي شرعية للبقاء, وأن شعارات اهلنا في المحافظات المنتفضة في الاستجابة الى المطالب الاساسية ما هي إلا مدخل للمطالبة بتغير النظام المحصصاتي, واهلنا هناك يعرفون تماما فلا كهرباء تأتي ولا ماء صافي سيشرب في ظل نظام معوق وكسيح لا يستطيع تقديم الحد الادنى من مسلمات الحاجات الانسانية, في ظل نظام فاسد لا يتورع عن سرقة لقمة العيش. 

أن ما تعرضه منظمة هيومن رايتس ووتش والمعنية بحقوق الأنسان يجسد جزء من مأساة الشعب العراقي خلال ما يقارب العقد والنصف عاما الماضية, والتي من خلالها على الأقل لايمكن القبول بالعملية السياسية وبأحزابها الفاسدة التي اسهمت بتبديد الثروات الطبيعيةة منها والبشرية, وتؤكد المنظمة: أن هناك ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف مهجر موزعون على أربع وستين دولة. أربعة ملايين ومائة ألف نازح داخل العراق. مليون وسبعمائة ألف يعيشون في مخيمات مختلفة. خمسة ملايين وستمائة ألف يتيم" تتراوح اعمارهم ما بين شهر و17 عام ". مليونا أرملة" اعمارهن ما بين 15 و25 عاما". ستة ملايين عراقي لا يجيدون القراءة والكتابة" تتصدرهم البصرة وبغداد والنجف وواسط والأنبار ".بلغت نسبة البطالة 31%" الأنبار والمثنى وديالى وبابل في الصدارة تليها بغداد وكربلاء ونينوى". 35% من العراقيين تحت خط الفقر" اقل من خمسة دولارات". 6% معدل تعاطي الحشيش والمواد المخدرة" بغداد في الصدارة تليها البصرة والنجف وديالى وبابل وواسط". 9% نسبة عمالة الأطفال دون 15 عاما. انتشار 39 مرضا ووباء, أبرزها الكوليرا وشلل الأطفال والكبد الفيروسي وارتفاع نسبة الأصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية. توقف 13 ألف و328 معملا ومصنعا ومؤسسة انتاجية.  تراجع مساحة الأراضي المزروعة من 48 مليون دونم الى 12 مليون دونم. استيراد. استيراد 75% من المواد الغذائية و 91% من المواد الأخرى. التعليم الأساسي في أسوأ حالاته: 14 ألف و658 مدرسة, تسعة آلاف منها متضررة, و800 طينية, والحاجة الى 11 ألف مدرسة جديدة. الديون العراقية 124 مليار دولار من 29 دولة. واردات النفط للفترة 2003ـ2014 بلغت ألف مليار دولار, لم تسهم هذه الاموال الطائلة في حل مشكلات الحياة الاساسية, بل ذهب معظمها في عمليات الفساد ونهب المال العام. 

وقد قدم شعبنا في حراكه السلمي منذ بداية اكتوبر ما لا يمكن توقعه في حراك سلمي مشروع بعرف القيم الانسانية او كما يرد في دستور العراق الذي يكفل حق التظاهر والاحتجاج والتعبير عن الرأي, وقد بلغ شهداء الأحتجاجات اكثر من 750 شهيدا وما يقارب من 30 ألف جريح, من بينهم اكثر من 700 اعاقة منتهية, وكذلك اكثر من 2500 معتقل. وقد استندت السلطات الحاكمة الى اعتمادها القمع الدموي الى افتعال " نظرية المؤامرة " التي تستهدف العراق كما ترويه السلطة الحاكمة, وهي تعرف تماما ان سيادة العراق منتهكة من دول الأقليم وأمريكا, وقد مارست السلطة في سلوكها اسقاطا سيكولوجيا لاحدود له في تحميل المحتجين عيوب النظام وامراضه المزمنة, فتوغلت في القتل والتصفيات الجسدية وممارسة شتى صنوف العنف واساليبه اللأانسانية.

اليوم نحن في العراق أمام واقع استطاع فيه الاسلام السياسي ان ينخر العملية السياسية ويشيع الفساد الاداري والمالي في كل مستوياته ويسعى جاهدا لتعزيز الخراب في ما تم تخريبه ويتشبذ في البقاء, وقد استفاد من لحظات انفعالات شعببنا بعد سقوط الدكتاتورية لكي يستثمر انفعالات شعبنا في وجهة اضطرابية مرضية صوب التعبئة الانفعالية الحشدية من خلال تحويلها الى قطعان في كل المناسبات الانتخابية منها وغير الانتخابية.

اليوم يخوض شعبنا مخاض في ترتيب أولويات مطاليبه من ماء وكهرباء وخدمات وايجاد فرص عمل واعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية المدمرة وايجاد فرص للعيش الكريم, الى جانب مطالب ذات بعد استراتيجي كما يراها شعبنا المتظاهر هي في الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية, وهذا يعني اجراء تعديلات جوهرية على الدستور, واعادة النظر بقانون الانتخابات, واصدار قانون الاحزاب, الى جانب تشريع قانون النقابات والاتحادات, وقانون النفط والغاز, وقانون حرية التعبير, وقانون المحكمة الدستورية, وقانون مجلس الاتحاد, واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهه, واعادة تشكيل مجلس القضاء الاعلى بما يضمن من نزاهته حقا.

هذه المطالب تضع حراك اكتوبر امام مسؤوليات صعبه ولايمكن تحقيق المطالب دفعة واحدة في ظل تعنت السلطات الحاكمة, وخاصة ان النظام السياسي بهياكله العامة يتمتع بشرعية دولية بأعتباره " نظاما ديمقراطيا " والمشكلة هنا هي مع الحكومات المتعاقبة على دفة الحكم, ومع موازين القوى السياسية في اللحظة الراهنة, وبالتالي فأن فن اجادة الصراع هنا مطلوب للحفاظ على المكاسب من جهة, ولتوسيع قاعدة الرفض المجتمعي لنظام المحاصصة من جهة أخرى.








34
العراق ما قبل عام 2020 وملامح ما بعده 

د.عامر صالح
من مؤشرات التخلف ان العديد من حكومات البلدان لا تحترم الزمن واستحقاقاته في عمليات التغير الايجابية الى الامام وما تفرضه من ضرورة التخطيط للحاضر ورسم ملامح المستقبل, مما تقع تلك المجتمعات أسيرة لاستحضار الماضي, او مايسمى نفسيا بالنكوص الى مرحلة تاريخية سابقة, حتى بات لديها استحضار الماضي سلوك يومي بسبب من قتامة الحاضر وغياب المستقبل, فلا استغرب مثلا ان ترد على صفحات التواصل الاجتماعي يوميا وبشكل مكثف صور واحاديث وتصريحات عن بلدان عربية وقادة قدامى من العشرينات او الخمسينات والستينيات من القرن الماضي وحتى قبل ألف عام, حيث ثقافة الأغراق" في نقل عن فلان أبن فلان " ليتم مقارنتها بكوارث الحاضر وأهواله, ومن حق من لايرى حاضرا ومستقبلا آمنا أن يكون ماضويا بأمتياز.

نستطيع القول هنا ان حقبة ما بعد سقوط الدكتاتورية في عام 2003 والى ما قبل نهاية عام 2019 هي حقبة ذات مواصفات سيكوسياسية راكدة من حيث مظهرها العام ولكنها ذات تفاعلات داخلية كامنة تجسد في ابعادها حراك شعبي متواصل اختلفت حدته ومظاهر التعبير عنه استنادا الى قواه المحركة والأجندة التي تكمن ورائه, وبالتالي والى ما قبل الأول من اكتوبر لم يكتسب الحراك الأجتماعي شعبيته الواسعة كما هو الحال ما بعد الاول من اكتوبر بسبب من تأثره ببعض الأجندة الحزبية الضيقة والتي يعكسها الصراع على الحصول على مكاسب سلطوية ضيقة ومصلحية, وبالتالي كان الحراك ما قبل الاول من اكتوبر متأثرا بأجندة الصراع السياسي داخل قبة البرلمان العراقي, ولكن بالتأكيد ان حراك اليوم استمد جذور نهضته واستمراريته من التفاعلات السابقة لمجمل الحراك الاجتماعي الذي وقع قبل هذا التاريخ, ولا يمكن لنا ان نرى حراك اليوم مقطوع الصلة بما سبقه, فذلك مجافي لسنة الصراع وتراكمه الكمي على طريق أغنائه نوعيا بعوامل البقاء والديمومة لتحقيق المطالب المشروعة لشعبنا. 

أن سياسات الإقصاء والتهميش والمحاصصات خلال ستة عشر عاما وما رافقها من تدهور مستمر لحياة المواطنين قادرة على حرف حالات المساهمة السياسية من أجل تثبيت النظام" الديمقراطي" إلى حالات عداء سياسي للنظام وأركانه,باعتباره يجسد حالة الاغتراب السياسي بينه وبين المواطن,وهي نتاج طبيعي لحالة عدم الثقة والشك في القيادات السياسية ونواياها,متزامنا ذلك مع اتساع وتعمق دائرة الفئات الاجتماعية المهمشة والتي تقدر بالملايين جراء ظروف العراق التاريخية والحالية,ومن شأن ذلك أن يخلق ما يسمى " بالفجوات النفسية المدمرة ",حيث تنشأ هذه الفجوات على خلفية الشعور بالإحباط الناتج من التدهور المستديم لظروف العيش الحر والآمن,وهي شروط مواتية ولازمة لخلق وإعادة توليد سلوك العنف والعدوان باعتباره نتيجة للشعور الشديد بالإحباط ,وعلى خلفية اتساع الهوة بين النظام والشعب وتعزيز حالة عدم الاكتراث تجري الاستفادة الكاملة من قبل المجاميع السياسية وفلول الإجرام والمرتزقة الغير مؤمنة أصلا بالعملية السياسية لدك النظام السياسي والتأثير على قراراته السياسية,وعلى عدم استقراره,مستغلة الفساد والعبث بالمال العام وسرقته كوسائل سهلة في الإغراء والتمويل وشراء الذمم.


أن الابتعاد عن نهج المحاصصة الذي التمسه شعبنا بوضوح واكتوى به طوال الستة عشر عاما المنصرمة,وتحويله من نهج انتقائي/مصلحي إلى نهج مشاركة سياسية حقيقية هو التعبير العملي والأمثل عن العقد الاجتماعي الطوعي ,إذ تعيد المشاركة السياسية البناءة إنتاج العقد الاجتماعي كسلوك يومي ,أي إعادة إنتاج الوحدة الوطنية كمفهوم سلوكي ـ معرفي وعقلي في الممارسة السلوكية اليومية ,وليست شعار اجتراري خبره شعبنا لعقود سلفت,وأن الوحدة الوطنية في كل الفلسفات الإنسانية ركيزة أساسية لا يمكن العبث بها وعرضها في سوق النخاسة السياسية,بل لعلها أهم منجزات الحداثة,وما يترتب عليها من اعتراف بالحقوق الناجمة عن الاعتماد المتبادل بين مختلف فئات المجتمع وإسهام كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي في بعديه المادي والروحي,ونعني به الإنتاج والاستهلاك والتوزيع العادل للثروات ,وهي التعبير العملي عن المواطنة الدينامية الحية,وأن المشاركة السياسية الشاملة هي جوهر المواطنة وحقيقتها العملية.

وكانت احتجاجات الاول من اكتوبر 2019 والتي لا تزال مستمرة الى يومنا هذا هي بمثابة ردة الفعل الطبيعية لتراكم الاوضاع السيئة التي يعيشها المواطن العراقي خلال اكثر من عقد ونصف من الزمن والتي جسدها نظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي عرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي, وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك ,أن هذه السياسة لم تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل أسست إلى " إفساد للتنمية ", وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف,والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع. أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل, وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه. 

أن منظمة هيومن رايتس ووتش والمعنية بحقوق الأنسان تعرض جزء من مأساة الشعب العراقي خلال عقد ونصف من الزمن, والتي من خلالها على الأقل لايمكن القبول بالعملية السياسية وبأحزابها الفاسدة التي اسهمت بتبديد الثروات الطبيعيةة منها والبشرية, وتؤكد المنظمة: أن هناك ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف مهجر موزعون على أربع وستين دولة. أربعة ملايين ومائة ألف نازح داخل العراق. مليون وسبعمائة ألف يعيشون في مخيمات مختلفة. خمسة ملايين وستمائة ألف يتيم" تتراوح اعمارهم ما بين شهر و17 عام ". مليونا أرملة" اعمارهن ما بين 15 و25 عاما". ستة ملايين عراقي لا يجيدون القراءة والكتابة" تتصدرهم البصرة وبغداد والنجف وواسط والأنبار ".بلغت نسبة البطالة 31%" الأنبار والمثنى وديالى وبابل في الصدارة تليها بغداد وكربلاء ونينوى". 35% من العراقيين تحت خط الفقر" اقل من خمسة دولارات". 6% معدل تعاطي الحشيش والمواد المخدرة" بغداد في الصدارة تليها البصرة والنجف وديالى وبابل وواسط". 9% نسبة عمالة الأطفال دون 15 عاما. انتشار 39 مرضا ووباء, أبرزها الكوليرا وشلل الأطفال والكبد الفيروسي وارتفاع نسبة الأصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية. توقف 13 ألف و328 معملا ومصنعا ومؤسسة انتاجية. تراجع مساحة الأراضي المزروعة من 48 مليون دونم الى 12 مليون دونم. استيراد. استيراد 75% من المواد الغذائية و 91% من المواد الأخرى. التعليم الأساسي في أسوأ حالاته: 14 ألف و658 مدرسة, تسعة آلاف منها متضررة, و800 طينية, والحاجة الى 11 ألف مدرسة جديدة. الديون العراقية 124 مليار دولار من 29 دولة. واردات النفط للفترة 2003ـ2014 بلغت ألف مليار دولار, لم تسهم هذه الاموال الطائلة في حل مشكلات الحياة الاساسية, بل ذهب معظمها في عمليات الفساد ونهب المال العام. 

وقد جسدت احتجاجات اكتوبر العراقية عمق أزمة النظام السياسي الذي لا يقوى على الخروج من مستنقعه الطائفي والاثني المقيت, بل انه يقاوم الأحتجاجات عبر آلية القمع المتخلف والهستيري في الأبادة الجسدية للمحتجين, والتي تجسدت في قتل اكثر من 500 شهيدا واكثر من 20 ألف جريح, من بينهم 700 حالة أعاقة تامة, الى جانب الأغتيالات الفردية في القنص والكواتم والتغييب والاختطافات للعشرات من الناشطين المدنيين.

سيطل العام 2020 وفي رحمه انتفاضة اكتوبر للعام الماضي, وسيحمل العام الجديد المزيد من القوى الشعبية التي ترفد الانتفاضة بشباب أكثر عزما وأصرارا لأنتزاع حقوقهم من السلطة الأثنوطائفية, في قانون انتخاب عادل وقانون احزاب واضح ومفوضية انتخابات نزيهة, وسلطة انتقالية تمهد لأنتخابات مبكرة يحسم فيها الشعب خياره صوب بدائل الديمقراطية الحق, بعيدا عن التزوير وحرق صناديق الانتخابات. بالتأكيد لن يكون ذلك سهلا إلا عبر تنظيم صفوف الانتفاضة وأعلان قيادتها كي يطمئن شعبنا عليها وعلى التعامل معها بأعتبارها البديل الميداني المرتقب, وان الجماهير المحتجة في ساحات النضال وفي ساحة التحرير اولا معنية بتشخيص حلفائها الثابتين, من قوى اليسار والتيار المدني عموما, والأشارة الى اعدائها بوضوح من القوى الأقليمية والرجعيات العربية, فأن صمام الأمان في السير قدما نحو تحقيق الأهداف هو في القدرة الميدانية على تأمين الحلفاء الأستراتيجين وأبعاد الأعداء من راكبي موجة الأحتجاجات. كل عام والعراق بأفضل من سابقه والى المزيد من تحقيق مصالح شعبنا في الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي.

35
طبيعة العشائر ودورها وأستغاثة رئيس الحكومة العراقية بها على ضوء انتفاضة اكتوبر

د.عامر صالح

أثارت خطوة عادل عبد المهدي قبل أيام والتي اقدم عليها بلقائه رؤساء بعض من عشائر الوسط وجنوب العراق مزيدا من السخط الأجتماعي, سواء على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي في الأنترنت, وكذلك ساحات الاحتجاجات الميدانية في المحافظات التي تشهدها, وقد رأى الكثير من المراقبين وكذلك قوى الاحتجاج أنها محاولات لأضعاف واحتواء المد الجماهيري المتعاظم للأنتفاضة الشعبية عبر اقحام بعض العشائر في المحافظات المنتفضة وممارسة سلوك شراء الذمم من قبل الحكومة وأخذ الوعود بعدم المساهمة أو الحد من مشاركة ابناء بعض العشائر في زخم الاحتجاجات او لعب دور المتفرج على ما يجري دون تحريك ساكن. وقد لقيت هذه السلوكيات  الحكومية و العشائرية أشد حالات الاستنكار والاستهجان والسخرية من جماهير الاحتجاجات ووصفتها بأشد العبارات والأهازيج اللاذعة كما وحذرت اشد التحذيرات من مغبة المساومة على دماء شهداء الاحتجاجات.

وأكد مكتب عبدالمهدي إن رئيس الوزراء أكد “أننا نعمل على إصلاح البلد بتلبية متطلبات التنمية الشاملة وليس بالاستجابة للمطالب المشروعة فقط”، وذلك خلال استقباله “جمعا كبيرا من شيوخ ووجهاء العشائر من المحافظات الوسطى والجنوبية، للتداول في الأوضاع التي تمر بها البلاد والأجراءات الأصلاحية والحلول المطروحة".  وأقر مكتب عبدالمهدي بأن شيوخ العشائر عرضوا “خلال اللقاء واقع المحافظات من النواحي الأمنية والخدمية والمعيشية والعديد من الآراء والمطالب والمقترحات المتعلقة بمحاربة الفساد وتشغيل المعامل المتوقفة وتوفير فرص العمل ودعم البطاقة التموينية والتعويضات، إلى جانب الدعوة إلى إجراء تعديلات دستورية وفرض سلطة القانون وهيبة الدولة للحفاظ على موارد الدولة والممتلكات العامة والخاصة والموانئ والمنافذ الحدودية".       

  ورد عبدالمهدي بأن “كل المطالب قابلة للتنفيذ بالتعاون في السراء والضراء وتحمل المسؤولية المشتركة من أجل مصلحة العراق”، مضيفا أن “العشائر كانت في الصف الأول في كل العهود ومدت ساحات القتال ضد داعش بالرجال الشجعان وهي حقا جيش المرجعية والشعب ووقفت مع قواتنا حتى تحقيق النصر".   ووفقا لمكتب عبدالمهدي، فإن اللقاء لم يتطرق إلى مطالب المتظاهرين الرئيسية، وفي مقدمتها إقالة الحكومة والكشف عن القناصين المتورطين في قتل المئات من المحتجين، فضلا عن مصير الآلاف من الجرحى الراقدين في المستشفيات بعد تعرضهم إلى الغازات السامة والرصاص الحي، بالإضافة إلى مصير مئات المغيبين من المتظاهرين والنشطاء والصحافيين الذين اختطفوا من ساحات الاحتجاج أو من منازلهم.                                                                                     
                                                                               
أن هذه اللغة الأستنجادية والأستجدائية التي تمارسها الحكومة تعكس حجم الأزمة في البلاد وهشاشة النظام السياسي الذي يلجأ الى محاولات فك طوق العزلة علية والذي اشتد بفعل الاحتجاجات التي اندلعت من بداية اكتوبر, والتي بلغ شهدائها اكثر من 350 شهيدا واكثر من 15 ألف جريح, فيهم اكثر من 700 حالة أعاقة, والذين اغفل ذكرهم جميعا رئيس الحكومة العراقية عند لقائه العشائر. ومن الغريب والمضحك ان يناقش معهم موضوعات شائكة اختصاصية لا صلة لها بقدرات وقابليات وتخصصات العشائر, كتطوير الأقتصاد الوطني, من صناعة وزراعة, ومحاربة الفساد, وتوفير الخدمات, وفرض سلطة القانون, فمن أين للعشائر تلك الامكانيات التخصصية لمناقشة قضايا تتعلق بمستقبل العراق وحياة ابنائه, إلا أنه بالتأكيد اتخذ من هذه الموضوعات رؤوس اقلام تمويهية لموضوع أشد خطورة هو محاولات انهاء الاحتجاجات واستخدام العشائر لأضعاف مدها. ولكن بالتأكيد لن تستطيع العشائر ذلك إلا في حدود تواجدها في المناطق غير الحضرية, لأن الاحتجاجات اصلا تجري في مراكز المدن الأساسية وخاصة في العاصمة بغداد. 

ماهي العشيرة وكيف نشأت, ولماذا هذا الدور للعشيرة في العراق وخاصة بعد سقوط النظام السابق عام 2003.  وقبل الدخول في تفصيلات الموضوع يجب التأكيد أن وجود العشائر والقبائل ودورها في المجتمع يعكس مرحلة تاريخية من مراحل التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي, وهي لصيقة مرحلة الإقطاع التاريخية وما قبلها و التي مرت وتمر بها المجتمعات الإنسانية المختلفة, بكل ما تحمله الأخيرة من بنية فكرية وأخلاقية وأدائية متخلفة قياسا بلاحقتها والتي نشأت على أنقاضها ألا وهي الرأسمالية. 

بعد نشوء وبداية نشوء الدولة الوطنية بدأت عملية تحول الأمن والحفاظ على المصالح الاقتصادية والاجتماعية تنتقل من يد العشيرة باعتبارها الحافظ الفئوي والمناطقي والأسري لمصالح أبنائها, إلى الدولة باعتبارها المؤسسة الحاضنة للجميع والعابرة للعشيرة والقبيلة والطائفة والدين كما يفترض ذلك من سنة التطور التاريخي التي أفرزتها تجارب بناء الدول المدنية المتحضرة, والتي قامت على خلفية تحولات عميقة في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية والأيدلوجية, مما سهل نشأة الأسواق الوطنية والاقتصاد الوطني القومي ونشأة المدن الحضارية, والانتقال من المجتمعات الرعوية والزراعية والريفية المتخلفة إلى مجتمعات المدن الحضارية.

وعلى هذا الأساس وحسب درجة تطور المجتمعات وظروفه الخاصة بدأ الاضمحلال التدريجي لسلطة العشيرة والقبيلة باعتبارها مرحلة متخلفة من مراحل النمو الاجتماعي والاقتصادي. وعلى خلفية مستويات التطور الاجتماعي والاقتصادي وعدم الاستقرار بقيت العشيرة والقبيلة في علاقة عكسية مع الدولة, فكلما ضعفت الدولة اشتد ساعد العشائرية والقبلية, وبالعكس كلما قويت الدولة واشتد بنائها ضعف الدور ألتأثيري للعشائرية والقبلية. هذه العلاقة بمجملها تدفع العشيرة للتحالف مع الدولة عندما تكون قوية, وتشهر السيف ضد الدولة عندما تكون ضعيفة أو في طور البناء. ومن هنا تنشأ المشكلات بين المركز " الدولة " وبين " الأطراف " التي هي العشائر والقبائل وحلفائها.   

مع ضعف الدولة العراقية وتدهور هيبتها وعدم مقدرتها على بسط سلطة القانون بعد ان سقطت مؤسساتها في عمل قسري من خارج الحدود عام 2003 وتزامن ذلك الأنهيار ليست فقط مع سقوط النظام الدكتاتوري الحاكم أنذاك, ولكنه أسقط فيه مؤسسات الدولة العراقية التي امتدت الى عهود تأسيس المملكة العراقية وبدايتها منذ عام 1921, وقد اختلف آداء هذه المؤسسات اجتماعيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا مع تعاقب الأنظمة السياسية المختلفة على الحكم في العراق وتباين فلسفاتها. أي ان الاحتلال الأمريكي للعراق لم يستهدف التغير النوعي لأداء مؤسسات الدولة العراقية, بل استهدف بنتائجه الميدانية تحطيم البنية التحتية المؤسساتية للمجتمع, والتي هي ثابتة نسبيا بأختلاف من حكم العراق.

وكان من جراء ذلك فقدان الأمن المجتمعي وتفكك الوحدة الجغروأثنية للعراق, فأنتعشت بسبب ذلك كل الاشكال المتخلفة للضبط الاجتماعي والسابقة للمدنية وفي محاولة منها أستغلال تأزم الاوضاع وخروجها عن السيطرة وانهيار مؤسسات الدولة ولتفرض نفسها بديلا عن الحياة المدنية ومؤسساتها المستقرة, وكان من تداعيات ذلك هو التشرذم الديني والمذهبي والاحتماء بالطائفة والمكون الاثني وتشديد قبضة العزلة والانكفاء الجغروطائفي والاثني وتعزيز دور الهويات الفرعية خارج اطار السياق الوطني الجامع, فأنطلق الارهاب الفردي والمنظم وشاعت التنظيمات المسلحة, من مليشيات وعصابات اجرامية مختلفة تتخذ من من المناطقية والتمترس الجغرو اثني والمذهبي واجهات لفرض نفوذها كبديل عن الدولة وسلطة القانون والقضاء.

في ظل تلك الاجواء اشتد ساعد كل اشكال الضبط والسيطرة البدائية السابقة لنشوء الدولة, والتي اختفت او ضعفت في عهود وحقب سابقة للأحتلال الامريكي, بفعل التغيرات الجذرية في البنية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والساعية الى بناء نمط من الحياة المدنية بأختلاف طبيعة الأداء الفكري والسياسي لها. وفي ظل هذه الظروف كان حضور العشيرة وتصدرها مشهد الحياة اليومية ما بعد 2003 هو تحصيل حاصل لعملية التفكيك المنظم للبنى المؤسساتية للدولة والرجوع الى بنى اجتماعية سابقة تستند في قوامها الى الانتماء الجغرووراثي لأصول مجاميع من الافراد والعوائل ذات الروابط المحددة في الوراثة والنسل والقربى. 

وفي الوقت الذي كان حضور العشيرة تاريخيا حضورا مشروعا نسبيا باعتبارها تعبر عن مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي وتعبيرا عن الضعف الموضوعي لمفهوم الدولة والمواطنة, وكانت لها اسهاماتها الايجابية في مجريات الاحداث التاريخية التي مرت بها تلك التجمعات للحفاظ على كيانها وتماسكها الداخلي, ولكن ظهورها اليوم هو ظهورا نكوصيا تقهقريا يفرض نفسه بديلا عن دولة المواطنة ومتسلحة ضدها بشتى صنوف الاسلحة الثقيلة والخفيفة وسلوكيات التمرد والانحراف والانفصال عن الدولة, ومتجاوزة الدور التقليدي للعشيرة في الحفاظ على الاعراف والدفاع عن الشرف والكرامة والاستجابة للنخوة ونصرة الضعيف وتحولها الى مليشيات عشائرية تهدد الامن والاستقرار الاجتماعي.

وبفعل تعقيد العملية السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية والاثنية والتمترس الجغرو اثني وطائفي والذي يستهدف بطبيعته اضعاف الدولة ومكانتها فقد وجدت العشيرة ضالتها في الصراعات السياسية الطائفية والمذهبية الجغرومكوناتية, فاصبحت العشائر واجهات للأحزاب والمليشيات الطائفية والمذهبية, واستغلت ايضا كواجهات وظهير من قبل عناصر الجريمة الفردية والمنظمة لأرهاب المواطن واستغلاله. كما استغلت العشيرة من قبل الاحزاب الطائفية والاثنية لتشديد قبضة الصراع السياسي على السلطة والاستعانة بسطوتها لفرض اجندة مشوهة تقف بالضد من وحدة وسلامة البلاد وسلطة الدولة. وقد ساعد اندماج الصراع السياسي الطائفي والاثني مع بنية العشيرة على تعزيز شراسة طابع الفساد الاداري والمالي والاقتصادي والاجتماعي, حيث اصبح الفاسد مطلق العنان ومحميا سياسيا وطائفيا وعشائريا في ظل سلطة قانون هشة غير قادرة على لجم الصراعات وبنفس الوقت عاجزة عن الحديث عن رموز الفساد.     

في ظل تلك الاوضاع الشاذة ليست من المستغرب عندما يلجأ برلمانيا او قائد حزب سياسي الى عشيرته لحل نزاع شخصي او سياسي مع برلمانيا آخر وبوسائل عشائرية دون اللجوء الى القضاء, مستخدمين اسلوب المقاضاة العشائرية وفض النزاعات وفرض الغرامات المالية, وليست من المستغرب ايضا ان يقوم البرلمان بمحاولاته الحثيثة لأصدار قانون مجلس قبائل وعشائر العراق " والذي ألغي عام 1959 " في محاولات منه لأستحداث سلطة موازية لسلطة الدولة واشباع المجلس بصلاحيات واهداف ومهمات وارصدة مالية تفوق ما تقدمه اي عشيرة في العالم من دور محدد وليست فقط في العراق, ويتعارض هذا المجلس حتى مع روح الدستور بنصوصه المكتوبة, والتي يدعو فيها الى بناء دولة المؤسسات القانونية والتي حددها بالسلطة التشريعية ومجلس الاتحاد والسلطة التنفيذية ورئاسة الجمهورية والسلطة القضائية ولا وجود للدور العشائري ضمن مؤسسات الدولة, ولكن فساد الطبقة السياسية الحاكمة واجنداتها الطائفية وصراعها على السلطة والمال وعدم اكتراثها ببناء الدولة المدنية وثقافة المواطنة والتقدم الاجتماعي والاقتصادي هو من يقف وراء ذلك لأبقاء المجتمع في دوامة التخلف وسيطرة القيم البالية التي عفى عليها الزمن.

ومن الناحية السايكولوجية فأن العقل العشائري والقبلي هو عقل وثوقي " أي يثق بما لديه من مواقف ثقة عمياء ويعتبر كل عيوبه مزايا مطلقة ", وهي احد أسباب صراعاته مع التحولات والتغيرات الايجابية التي تجري من حوله, و تزداد وثوقية هذا العقل وانغلاقه وتحجره كلما توقف عند لحظة زمنية محددة وتشبث بها وعاش فكريا وروحيا فيها, مما يجعله لا يعيش واقعه و لا يفكر من خلاله, وهذا ما يتسبب في غربته وإحداث تناقضات وانفصام هائل في أتباعه. دائما تكون هذه اللحظة في الماضي, لحظة نشوء الفكر أو لحظة وقوع أحداث مهمة و جذرية في تاريخه. فالعقل ألوثوقي والعشائري المتحجر لا يفكر بمنطق تأريخي و لا يعترف بتغير الأزمان وتغير الظروف, لأن من صفاته الثبات والاستقرار بينما منطق الحياة والواقع هو الحركة والتغير والتحول. يحاول العقل المنغلق أن يعوض غربته عن واقعه بأحلام وردية في المستقبل يعيشها لتملأ عليه خواءه وغربته وتناقضاته, فالعقل القبلي والعشائري يرى مثلا أن النصر قريبا على الدولة التي يحيا فيها وأن النصر لا محال للعشيرة والقبيلة.   

لقد اسهمت كل هذه التحولات الخطيرة الى تشكيل ما يسمى " بالدولة العميقة " او ما يسمى شيوعا في بعض وجوهها " دولة بداخل دولة " تشكل قاعدتها كل سراق المال العام والعصابات المسلحة, ورموز الفساد الاداري والمالي والسياسي, وقيادات احزاب مختلفة وجماعات بيروقراطية طفيلية, وأعلام اصفر بل وحتى رموز من السلطات القضائية والدينية وقيادات من السلطات التنفيذية, ورؤساء عشائر, وجميعها تصارع الدولة وتنهش بقدراتها المالية والعسكرية والامنية والاقتصادية وتمنعها من النهوض, وفي احيان كثيرة هي من يتحكم في المشهد السياسي ويديره مثل ما تشهد عليه صراعات اليوم من اجل تشكيل الحكومة أو ما شهدت عليه الانتخابات وتشكيل الرئاسات الثلاث. 

وأذ تستعين وتستنجد اليوم الدولة والحكومة بالعشيرة وتطلب مساعدتها في استتاب " الأمن " أو الاستعانة بها للقضاء على الاحتجاجات الشعبية الجارية لتغير واصلاح النظام السياسي في البلاد والبحث عن حلول لأزمة البلاد, فأن ذلك يعكس حجم التآكل في الدولة والضعف والانهيار في الحكومة وعدم مقدرتها على الحوار الصريح والواضح والصادق مع المحتجين, وبسبب هذا الضعف المتواصل فهي تلجأ الى قنوات اتصال اخرى اكثر ضعفا منها للبحث عن حلول ترقيعية.

أن دراسة العشائر والقبائل كظاهرة سوسيولوجية ونفسية وما تفرزه من سلوكيات خطيرة " كأقحامها للنيل من الحركة الاحتجاجية او توظيف العشيرة لحماية مصالح سياسية ضيقة وليست الحفاظ على الشأن العام" لا يعني أبدا النيل من عشيرة دون غيرها أو إلحاق الأذى بسمعة عشيرة ما ورفع شأن أخرى, فكلنا ننتمي إلى عشائر كتحصيل حاصل, بل هو دراسة لظاهرة موضوعية تشكل مرحلة سابقة من مراحل النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ولها إبعادها السياسية والاجتماعية الخطيرة, وأن أعادة بناء البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية على أسس من التطور والحداثة والتي تستند إلى العلم والتكنولوجيا والاقتصاد المتطور في كل المجالات كفيل ببناء دولة المواطنة العصرية عابرة لجميع الولاءات الضيقة من عشائرية وطائفية ومذهبية وأثنية, وهذا ما تطمح أليه الحركة الاحتجاجية ويجسد مطلبها الرئيسي. 





                                                                                                           
                                                                                                                                       
 

36
سيكولوجيا أحتجاجات أكتوبر العراقية بين الأنفعال الثوري وغضب السلطة الجائر


د.عامر صالح

إن الحركة الاحتجاجية التي عمت الشارع العراقي منذ بداية اكتوبر لهذا العام هو نوع من المعارك التاريخية الفاصلة والحاسمة بين فريقين متناقضين, هما فريق السلطات الحاكمة التي فقدت شرعية وجودها على خلفية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الخانقة والمتراكمة عبر اكثر من عقد ونصف من الزمن, ويمثل هذا الفريق منظومة الحكم والاحزاب الحاكمة منذ 2003 والقائمة على اساس المحاصصة الطائفية والاثنية السياسية والتي تعاملت مع الدولة العراقية كغنيمة يجري تقاسمها بين الاحزاب التي توالت على تسيير دفة الحكم, والفريق الثاني هو قوى الاحتجاجات الشعبية ذات المصلحة الأساسية في عملية التغير التقدمي, والمطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية. ولكل فريق " جمهوره " الخاص والذي يتشكل في سياقات الغضب المتراكم في اتجاهين متنافرين: غضب السلطة وسدنتها وأعوانها, وغضب الثوار. ما هي طبيعة الغضب الجمعي لدى الفريقين, وما هي دلالاته, وكيف ينشأ لدى الفريقين, وما هي تداعياته, ذلك ما نطمح إلى تبيان اتجاهاته الرئيسية في هذه المحاولة المتواضعة.


أما الغضب الجمعي و" الثائر " أو الانفعال الثوري منه بشكل خاص فيتشكل من خلال حالة الوعي الجمعي بالمشكلات المشتركة بين أفراد المجتمع والمستعصية على الحل, كالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية, والتي تبدو بشكل واضح في انتشار الفقر والتفاوت المريع للدخول, وخاصة القائم منه على خلفية الفساد الإداري والمالي والسياسي, والمتمثل بالرشوة والمحسوبية والمحاباة والوساطة والابتزاز والتزوير وسرقة المال العام وغيرها, وخاصة عندما يكون الفساد اكبر حجما من المحاسبة ويصبح ثقافة شائعة تنهك أفراد المجتمع, ويدخل ضمن التركيبية السياسية للدولة, إلى جانب انعدام أو ضعف الخدمات العامة, من صحة وتعليم وماء وكهرباء وضمانات اجتماعية مختلفة,وعدم تفعيل دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي في إعادة بناء البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية, وانعدام فرص العمل للمواطنين, يقابل ذلك في الطرف الآخر ثراء فاحشا وغير نزيه لشرائح اجتماعية وسياسية وقيادات في الدولة والأحزاب الحاكمة, الأمر الذي يترك انطباعا غير قابل للطعن بأن الدولة وقياداتها وأحزابها هي مصدر الظلم الاجتماعي ومسببه الرئيسي, وهي مصدر اهانة أفراد المجتمع وإذلالهم وتميزهم وتأليبهم على بعضهم سياسيا ومذهبيا وطائفيا واثنيا.


وتولد هذه السياسات بمجملها حالات من الكبت والقمع والحرمان المتواصل, وكلما زادت فترة الكبت للمشاعر المصاحبة فهي تشكل أرضا خصبة لغضبا جمعيا ثائرا محملا بشحنة الانفعال الثوري وهو محمود ومطلوب حيث الحاجة إليه لإثبات ذات الفرد والمجتمع ووجودهما, واخذ الحقوق ممن ظلموه وسلبوا إرادته في الحرية الحقيقية والعيش الكريم, فالغضب الجمعي الثائر أو الانفعال الثوري هنا هو حالة صحية وسوية للتعبير عن كبت المشاعر التي خنقت داخل الذات المجتمعية بفعل عوامل القمع والحرمان وانعدام الحريات والعدالة الاجتماعية, وهكذا جاءت انتفاضة الشعب العراقي ترجمة حية لطول كبت مشاعر الحرمان والفقر والفاقة التي تركها النظام المحاصصاتي البغيض, وهكذا جاءت الاحتجاجات المطلبية تعبيرا حيا وصادقا عن عمق أزمة الفساد السياسي والإداري والمالي الذي لا نلتمس فيه أفقا للحل, وهو نذير بمزيد من الاحتقانات والإعمال الاحتجاجية الناتجة عنه.


أما غضب السلطة الحاكمة وأجهزتها وأعوانها والذي أطلقت عليه بالغضب الجمعي " الجائر " فهو غضب الثورة المضادة, والتي تحاول بكل ما أتت به من بقايا القوة لعرقلة وتأخير اختمار الغضب الجمعي " الثائر ", وغضب السلطة الجمعي الجائر هو من نوع غضب " القطيع " نسبة إلى قطيع الأغنام الذي تتحرك جموعه بإشارة من الراعي الكبير ومن مرجعية سياسية ما او من زعيم أوحد, فهذه الجموع لا تتحرك على خلفية عوامل موضوعية مفهومة في الفكر والسياسة والممارسة, وإنما تتحرك على خلفية العداء لمطالب الجماهير المشروعة, يحركها خطاب قائد الضرورة السياسي أو الديني ذو المسحة الانفعالية الضارة بمصالح الناس, فسلوكها هو سلوك هستيري تجسده حالة الخوف من كل جديد, فهي لا تميز بين الصديق والعدو الحقيقي, ولا بين النافع والضار, ولا بين الخطر الحقيقي وما يشبهه, فسلوكها يخلو دوما من التميز, فهي تندفع تحت وطأة التعصب لإرضاء غريزة القطيع " الحيواني ", دون وعي وتنتشر في صفوف المجتمع كالنار في الهشيم لتخرب كل شيء دون حسبان لتصرفاتها وعواقبه, يحرك سلوكها " فوبيا " هستيرية, فهي لا تمتلك قدرة على التخطيط والحكمة في اللحظات الحرجة, وإنما يحرك سلوكها منطق القطيع الذي يتجمع على شكل حظائر بانتظار إشارة من " القائد" أو " الراعي " أو " المرشد الديني " أو " المفتي ". أن الغضب الجمعي الجائر مجردا من كل الصفات الإنسانية فهو يتحرك فقط على خلفية حاسة الشم القوية التي يمتلكها " القطيع " ويندفع حيثما توجه له الإشارة من فوق, وهذا ما يتعارض مع خصوصية الإنسان وعقله المتفرد, فالإنسان يتميز بالعقل الذي يجعل منه كائنا بيولوجيا اجتماعيا, فردا منتميا للمجتمع أو الجماعة البشرية, يطورها وتطوره, يقدرها وتقدره, يسمعها وتسمعه, يتفق معها ويختلف, ويبقى القضاء والحكم العادل هو الفيصل.


وعلى خلفية ذلك اندفعت الأجهزة المخابراتية والأمنية والميليشياوية وأعوان النظام من خلال الإذعان الأعمى لمشيئة القائد السياسي أو الزعيم الديني أو اي مرجعية سياسية أخرى مرتكبة أبشع جرائم القتل والتصفيات بحق الجماهير الثائرة, حتى بلغ عدد الشهداء اكثر من 350 شهيد وعدد الجرحى تجاوز 12 ألف جريح, مع العلم ان الاحتجاجات كانت بمسحتها العامة سلمية, سواء بتقديرات المنظمات الدولية والانسانية بل وحتى بتقديرات الحكومة العراقية.


البعد الأكثر عمقا في منطق الأحتجاجات العراقية انها ليست سياسية بامتياز بل تخضع لقوانين علم الاجتماع النفسي أي انه سيكولوجي سوسيولوجي يتمظهر أساسا في حالة العنف الجماعي وتكوين سريع لذكاء انفعالي جمعي يكون المحرك الأساسي فيه الازدحام والتحرك الجماعي مما يقلص من حسابات الذكاء الذهني الفردي الذي يدفع صاحبه الى الحيطة وعدم المغامرة وخاصة النفعية. فمن لم ينخرط في الذكاء الانفعالي الجمعي بالمشاركة الحقيقة وليس الشكلية فانه يبقى خارج اطار الحالة الأنفعالية الثورية, وبالتالي ما يجري هو حراك حيوي يعيشه النسيج الاجتماعي من اجل المطالبة بتحسين الاوضاع الانسانية العامة ومنها الاقتصادية بشكل خاص, وبحكم ضعف اصغاء السلطة وعدم أذعانها للمطالب المشروعة خلال عقد ونصف من الزمن فأن سقف المطالب لدى المحتجين ارتفع الى المطالبة بأسقاط المسببات الرئيسية للأزمات الدورية في البلاد والمتمثلة بنظام المحاصصة السياسية والمطالبة بأعادة النظر بكامل بنيته الدستورية والمؤسساتية. 


لازال الحراك الاجتماعي العراقي محصورا في منطقة الانفعال الثوري الشديد ولم ينتقل الى مصافي الثورة الشاملة, بحكم عوامل موضوعية ارتبطت اصلا بغياب او ضعف القوى السياسية والمجتمعية التي تستطيع احتواء الانفعالات الثورية للجماهير وتحويلها الى فعل منظم يستطيع التمهيد لأخذ زمام المبادرة وطرح بديل لأزمة الحكم القائمة منذ عقد ونصف من الزمن. وفي ظل هذا الغياب إن اصبح مزمنا, فأن الأحتجاجات ستكون امام احتمالات التمديد والمراوغة من قبل السلطات والمراهنة على الزمن وتعب المحتجين, أو يتم ركوب موجتها من قبل قوى خارجية او داخلية لاعلاقة لها بمصلحة الشعب العراقي, أواحتمال قيام اجنحة عسكرية بفرض حالة الطوارئ في البلاد والتهيئة الى مرحلة انتقالية" رغم ان الأخير صعب في الحالة العراقية ولكنه غير مستبعد". يحتاج العراقيون الى المزيد من دعم المجتمع الدولي لشرح الأزمة البنيوية للنظام القائم, فالنظام لازال يتمتع بشرعية دولية, ولازال المجتمع الدولي ينظر للأحداث في العراق بأنها أزمة حكومية وممكن اصلاحها بتغير حكومي, وليست أزمة نظام سياسي ويجب اعادة النظر في بنيته الأساسية.


37
المنبر الحر / فائض الغضب العراقي
« في: 18:58 15/10/2019  »
فائض الغضب العراقي الناتج من شدة الأحباط وتداعياته في انتفاضة اكتوبر

د.عامر صالح 

تمر الكثير من الدول الديمقراطية المستقرة بحالات من الانحسار والمراوحة في المكان بسبب عدم الاستجابة السريعة لمطالب المواطنين, ولكن تتم الاستجابة تدريجيا او دفعة واحدة حسب طبيعة المطالب وحجمها ومقدرة الحكومة على تمثلها وامتصاصها لأغراض تنفيذها, وقد يكلف ذلك الأتيان بحكومة جديدة قادرة على استيعاب وتنفيذ المطالب, وقد ينعكس ذلك على اعادة تشكيل الخريطة السياسية للقوى السياسية في البلاد الذي تجسده ضرورة اعادة الانتخابات البرلمانية وما يصحبها من اعادة اصطفاف للقوى السياسية.
 
العراق هو من البلدان التي لا تنطبق عليه سنة الحياة الديمقراطية في استيعاب متغيرات الحياة اليومية والتي تفرز الكثير من المطالب التي تستدعي المزيد من اعادة اصطفاف القوى السياسية, ومع كل انتخابات او اصطفاف جديد  فهو ينتج نفس التحالفات السياسية التي انتجها كل مرة, والتي في جوهرها تدافع عن الفساد وتحميه ولا علاقة لها بالاستجابة لظروف الحياة المتغيره بدون انقطاع, وبالتالي نحن امام منظومة سياسية تشتغل خارج اطار الزمان والمكان الذي تعمل فيه, ومن هنا يأتي اغتراب المواطن عن النظام السياسي وانعدام ثقته به.

بعد سقوط الدكتاتورية عام 2003 لم تكن القوى السياسية راغبة في المشروع الوطني العراقي, وقد بنيت العملية السياسية على اساس تراكمي, من اخطاء الاحتلال الامريكي, الى جانب أرث الدولة السابق القمعي, توظيف الورقة الطائفية والاثنية في بناء العملية السياسية, الى جانب تدني اداء النخب السياسية والتي لا تمتلك تجربة في بناء الديمقراطية, بل ان معظمها غير مؤمن بالديمقراطية والتداول السلمي للسلطة اصلا, الى جانب الفساد الاداري والمالي الناتج من طبيعة النظام, وقد زاد الامر تعقيدا هو الارهاب بمختلف اشكاله, وكانت داعش تلك الخلاصة لما جرى, وكذلك تدخل الدول الاقليمية وعبثها في القرار العراقي وارتهانه لمصالحها الضيقة. واذا كان هناك من انجاز يذكر" من بركات الاحتلال " هو التدوال السلمي للسلطة, ولكن حتى هذا تم تجاوزه والاستعاضة عنه بحرق صناديق الاقتراع وتزوير ارادة الناخب وفرض ارادة اخرى لا تنسجم مع مبدأ التداول السلمي للسلطة.
.
الحالة العراقية تمثل نموذجا للأحباط المزمن، فمع سقف عالي من التوقعات وبعد عهود الاستبداد والدكتاتورية والحروب والحصارات الداخلية والخارجية وجوع مطبق، تولدت لدى المواطن العادي امال عريضة بحياة رغيدة وبمرحلة سياسية يلتقط فيها انفاسه ويعوض ما فاته، وخاصة بعد انفتاحه على العالم الخارجي بكل ما فيه من مغريات وطموحات يدفع العراقي بنفسه للمقارنة مع الآخر خارج الحدود" وهو يمتلك كل الامكانيات المادية والاستعدادات النفسية ", ولكن عندما يجد نفسه محاطا بكم كبير من المشكلات وضغط يومي من الخطابات السياسية والاعلامية التي تشعره بالعجز والاحباط مضافا لها تدني قدرات جهاز الدولة وتراجع امني وضياع سلطة القانون وأستشراء الفساد وتنامي سلطة العشيرة، وانتشار المليشيات المسلحة وحملة السلاح الفردي والعصاباتي, فان حصاد ذلك سيكون خطيرا على الحالة النفسية للفرد تزيده احباطا وتفقده الثقة بالزعامات والاحزاب السياسية وخاصة الطائفية السياسية, التي استغلت المشاعر البدائية للمواطن واستخدمته لتجييش المشاعر السلبية وتوظيفها في خدمة الصراعات الطائفية وتشديد قبضة خطاب الكراهية للآنتقام والانتقام المتبادل بين مكونات المجتمع الواحد.                                                                                       

أن تأزم الاوضاع المستديم يستنهض مشاعر الغضب والقلق والخوف والتوتر والظلم والقهر والضياع والشعور بعدم الأمان، ببعضها البعض، وتختلط بكل ما هو سلبي في حياة الفرد، توصله بكل تأكيد، ورغماً عنه، إلى حالة ذهنية تسمح للإحباط واليأس أن يحتل أوسع مساحاتها، وتشعره بالعجز التام، وتبعده مسافات ومسافات عن تحقيق آماله، فتتقطع به سبل النجاة. حالة الإحباط هذه التي تواجه الإنسان وتقف حائلاً أمام تنفيذ رغباته وتقتل فيه روح الطموح، تنتزع منه، في الوقت نفسه، أسباب الخوف وتحرره من هيمنتها، وتحول الوجه السلبي للإحباط إلى وجه آخر إيجابي وفعال، ينفجر ليصنع غدا آخر حين يجد هذا الفرد نفسه وسط حشد كبير يشترك معه في مشاعره وأهدافه. عند ذاك يتحول الإحباط من قوة سلبية ساحقة ومدمرة للفرد، إلى قوة إيجابية جبارة تدفع نحو التغيير.

أن الجماهير حين تعاني من الفقر طويلا وتستشعر الظلم أو الطغيان أو إهدار الكرامة قد تسكت لبعض الوقت ولكنها عند نقطة تنفجر انفجارا قد يبدو مفاجئا ولكنه ليست كذلك, فتتحول إلى قوة مدمرة للسلطة, وقد يمتد أثره إلى ابعد من السلطة, فالغضب الجماهيري يكون مثل الطوفان لا يعرف احد إلى أين سيتوقف ومتى, فبركان الغضب الخالص يسعى نحو التدمير والتغير ولا يوجد ميزان حساس في هذه الظروف يوازي بين قدرة تدمير النظام الحاكم ومؤسساته القمعية المرفوضة وبين قدرة التميز لحدود التغير المطلوب, ويزداد حدة أكثر عندما تنعدم القيادة الميدانية للأحداث, أي أن الانفجار يحدث في بدايته كبراكين غضب دون ترتيب سابق ودن هدف محدد غير الانتقام ممن قهرها وأذلها وجوعها وخدعها.


أن الثورات والانتفاضات والاحتجاجات اليوم لا ينطبق عليها المفهوم التقليدي المنظم سلفا كما كان يحصل في عقود خلت, حيث الأحزاب تقرر مسبقا مستوى النضج الذاتي للبدء بالأفعال الثورية, تعقبها " ساعة الصفر ", فالأمر اليوم معكوس تماما, حيث تبدأ الجماهير دون سابق إنذار بإعلان انتفاضها واحتجاجها ثم تطلق دعوتها للأحزاب والقوى السياسية للالتفاف حولها, فالجماهير هي القائد الميداني للأعمال الثورية, أما دور الأحزاب فيأتي متأخر نسبيا عن الحدث ليحول مشاعر الثوار إلى برامج سياسية ملموسة كما يضفي على مسحة الغضب الثوري بعدا أكثر منطقية من خلال ارتباطه بأهداف مصاغة ومقننة " على افتراض توفر حالة النضج السياسي لدى الأحزاب من خلال تمثل قيم الوطن والمواطنة باعتبارها مصلحة عليا".


إذا كانت الثورة الاجتماعية تعرف بأنها ذلك التغير الجذري, الذي يشمل البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة, وتشكل تغييرا جذريا شاملا في المجتمع يؤدي إلى أحلال تشكيلة اجتماعية اقتصادية بأخرى أرفع مستوى وأكثر تقدما. وأنها تغيير جذري للنظام القديم, وإقامة نظام جديد ومؤسسات جديدة. أي إنها في الإطار العام قفزة للمجتمع من مرحلة إلى أخرى أكثر تقدما وتطورا ورقيا, فأن عوامل إحداثها اليوم يفوق حصرها في عوامل الفقر فقط, وان كان شرطا لازما لها, ولكن الثورة اليوم هي فعل مركب تتضافر فيه الكثير من العوامل في عالم متغير بدون انقطاع, فليست كل من جاع ثار على أوضاعه القائمة, وقد يكون هذا التعقيد في أسباب الثورات اليوم هو احد العوامل الأساسية التي جعلت الأحزاب السياسية تتأخر عن الحدث نسبيا, أما أهم ابرز عوامل الثورات فيمكن إيجازها فيما يأتي: الفقر وسوء توزيع الثروات وانعدام فرص العمل والتشغيل؛ انتشار الفساد المالي والإداري وتأصله في الكثير من المجتمعات وهو جلي في الحالة العراقية؛ الانخراط الواسع في منظومة الاتصالات العالمية الحديثة واستعمال الوسائط الرقمية بكفاءة عالية وخاصة المنتديات الاجتماعية مثل الفايسبوك والتويترر واليوتوب وتشكيل منظومة من الاتصال الجماعي والإعلام الشعبي الموازي والمهدد لأعلام السلطات القمعية؛ الانفجار السكاني الهائل وارتفاع نسبة المواليد والتي تصل في الدول العربية إلى أكثر من 3% " وخاصة في العراق " وهو نذير بمزيد من الفقر والمعاناة في ظروف عدم التوزيع العادل للثروات مما يخلق حالة من الوعي المتوقع بمخاطره كما تشكل فئة الشباب الكتلة الأكبر في التركيبة السكانية وذات المصلحة الأساسية في التغير؛ ازدياد الوعي والحماس اللازمين للتغير والذي يدفع صوب المزيد من الغليان الشعبي والغضب العام وتولد الاستعدادات الكبيرة للتخلص من النظم السائدة وإتباع كافة الوسائل بما فيها غير المعقولة والانفعالية والتي شوهدت في الكثير من التجارب؛ حالات اليأس الشديد من القيادات السياسية والدينية وتعويل الشباب على أنفسهم في قيادة التغير بعد المزيد من الإحباط والوعود الكاذبة في تحسين ظروف العيش والحياة الحرة, والحالة العراقية اليوم نذيره بمزيد من الانتفاضات الشعبية الناتجة من ضنك العيش وفقدان الثقة بالسياسين وخاصة بعد مرور ستة عشر عاما على التغير دون جدوى؛ توظيف الموروث الفكري والسياسي والثقافي المناهض للفقر والحرمان وانعدام الديمقراطيات, ويشكل فكر اليسار الديمقراطي والقوى الوطنية قوة جذب نحو التغير لا يمكن التقليل من شأنها وقد بدأت ملامحها تتضح في الحالة العراقية رغم الصعاب والتعقيد.

أن السياقات السيكولوجية التي يختمر فيها التغير الثوري تمر بمراحل تكاد تكون محكمة , وقد تتداخل فيما بينها استنادا إلى عوامل التعجيل" العامل الذاتي ومستوى التنظيم ", فهي مراحل تجسد علاقة القهر والاستبداد بين الحاكم المتسلط والإنسان المستضعف أو المقهور, وبالتالي فهي علاقات نفسية معقدة, وقد يبدو للبعض أن الأنتفاضة العراقية مثلا هي محض احداث متفرقة " كبطالة الخريجين وأزاحة العشوائيات وغيرها " وان كانت هي شرارة ", ولكن نحن نعرف أن النظم التعسفية والظالمة والمستبدة لا تسقط بزلة لسان أو بخطأ ثانوي تقوم به, بل أن سقوطها يمر عبر تراكمات نفسية ـ اجتماعية يترك أثره البالغ في انضاج الأنتفاضة الاجتماعية, ثم يأتي الحدث المفاجأة ليقرر ساعة صفرها القاتلة, أما ابرز المراحل النفسية والاجتماعية التي يمر بها الفرد المواطن بالمتسلط الحاكم والتي تعكس بمجملها جانبا من الوجود, فأشير إليها بتصرف والتي ذكرها الدكتور مصطفى حجازي في كتابه " التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور " فهي ما يأتي:

ـ المرحلة الأولى: الرضوخ والقهر خلال هذه المرحلة, التي تدوم فترة طويلة نسبيا, يشكل زمن الرضوخ والاستكانة أو الفترة المظلمة من تاريخ المجتمع, عصر الانحطاط, وتكون قوى التسلط في أوج سطوتها, وحالة الرضوخ في أشد درجاتها. وأبرز ملامح هذه المرحلة هو اجتياف (أستدخال) عملية التبخيس التي غرسها الحاكم المتسلط في نفسية الجماهير, فيكره الإنسان نفسه ويوجه عدوانيته تجاه نفسه وتجاه أمثاله, ومن ثم يقوم بإزاحة هذه العدوانية ليمارسها تجاه من هو اضعف منه. ومن الملامح الأخرى هو الإعجاب بالمتسلط المستبد وتضخيم تقديره, فيعطيه حقا شبه إلهي في السيادة والتمتع بكل الامتيازات, وبالتالي تنشأ علاقة رضوخ " مازوخي " من خلال الاعتراف بحق المتسلط بفرض سيادته, وتنشأ في هذه المرحلة مجموعة من العقد التي تميز حياة الإنسان المقهور أو المضطهد أهمها: عقدة النقص, وفقدان الثقة بنفسه وبأمثاله, والتي تجعله يحجم عن كل جديد, ويتجنب كل تجربة قد تساهم في تغير وضعه, لذلك فهو لا يحرك ساكنا, وإنما ينتظر ذلك البطل المخلص الذي سينتشله مما هو فيه, وهذا ما يمهد الطريق للتعلق بالزعيم الفرد, تعلقا يغري بالتسلط والدكتاتورية, إن هذه الأفكار تجعل عملية التحديث تجابه بمقاومة شديدة تحبط البرنامج التنموي. أما عقدة العار فهي تجعل الإنسان يخجل من ذاته, ويعيش وضعه كعار وجودي يصعب تحمله, فيتمسك بالمظاهر لتشكل غطاء لبؤسه الداخلي, ولابد للمتسلط دورا في تحويل انتباه الإنسان المقهور من حالة الذل والقهر التي يعيشها إلى أمور ثانوية, وبذلك يحمي المتسلط نفسه من ثورة المقهورين. وأخيرا وليس آخرا يعاني المقهور من اضطراب الديمومة, حيث أن طول المعاناة وعمق القهر والتسلط الذي فرض عليه ينعكس على تجربته الوجودية للديمومة على شكل تضخم في آلام الماضي, وتأزم في معاناة الحاضر وانسداد آفاق المستقبل, ويتفاعل هذا مع عقدة النقص وعقدة العار, مما يغرق الإنسان في ضعفه وعجزه واستسلامه إزاء قوى تتحكم في مصيره, ويحس انه لا قدرة له على مجابهتها.

ـ المرحلة الثانية: الاضطهاد وفيها يبدأ الإنسان بتحويل حالة الغليان العدوانية التي كانت موجهة ضد نفسه إلى الآخرين , بعد عدم تمكنه من كبتها بالآليات التي استخدمها في المرحلة الأولى. انه يحول عدوانيته إلى الذين يشبهونه, أن جوهر هذه العملية هو التفتيش عن مخطئ يحمل وزر العدوانية المتراكمة داخليا, وبذلك يتخلص من شعوره بالذنب ومن عاره وعقد نقصه ويصبها على الآخر, متهما إياه " بشكل توهمي " أنه يحسده ويريد أن يؤذيه, وهكذا يصبح العدوان عليه مبررا فهو دفاع عن النفس ليس إلا. إن هذا التفريغ والتحويل للمشاعر السيئة الداخلية تجاه الآخر المقهور مثله ينفع مؤقتا في تخفيف التوتر الداخلي للإنسان المقهور, لكن ذلك يفشل في تخليصه وإراحته على المدى البعيد, مما يجعله ينتقل إلى المرحلة الثالثة.

ـ المرحلة الثالثة: التمرد والمجابهة عندئذ يصبح العنف المسلح وغير المسلح هو السبيل ليتخلص الشعب من عقدة النقص والجبن والخوف التي غرسها الحاكم المستبد في عروقه, وهو يحقق بذلك ذاته وينفض عن نفسه الكسل والجهل والاتكالية, وقد يكون العنف والغضب في البداية معيقا لإمكانية التفكير والتنظيم, ولكنه يفتح المجال لكل الاحتمالات, فأما إعادة دورة العنف أو الانطلاق إلى رحاب التغير السلمي الهادئ والتأسيس لمرحلة قادمة ذات صبغة تقدمية, وهذه الاحتمالات وثيقة الصلة بمن يقود عملية التغير.

ونحن إذ نقف إلى جانب انتفاضة اكتوبر العراقية, والتي تجاوزت الشعارات المطلبية الى التغير الشامل, فنحن بأمس الحاجة إلى دور مميز للفكر والسلوك الاستراتيجيين الذي يغيب كل الغياب عن ساحة الصراع والاحتجاجات, حيث لا تزال قراءتنا للأحداث قراءة انفعالية وذات صبغة إيديولوجية متحيزة, ولكنها صادقة لأنها صادرة من الأعماق في الرغبة للإصلاح الجذري, وتصل بعض الأحيان إلى نمط من القراءة الانتقامية, لأننا نحمل "عقدة الثورة " والتي قد تصل الأمور إلى أبواب موصدة, وهي قراءة نافخة في الجماهير, ولكنها لا تحمل البديل المطمئن, وهذا ما يعزز فسحة الفراغ السياسي والذي قد يؤدي إلى فقدان بوصلة التغير وانحرافها عن أهدافها المتوخاة, وأختزل بما اقصد به بقول نجيب محفوظ: " أن الثورة يخطط لها الدهاة وينجزها الشجعان ويغنمها الجبناء".

ومن هنا يجب فهم انتفاضة اكتوبر العراقية في اطار السياق الذي نشأت فيه, والذي ينعكس اساسا في اكثر من عقد ونصف من فشل تجارب الاسلام السياسي واستحواذه على السلطة وحتى على صناديق الاقتراع, مغيبا ارادة شعب في اختيار الافضل, ومستخدما كل وسائل الترهيب والتزوير والكذب والخداع التي افسدت الديمقراطية في العراق قبل ولادتها. لقد تعرض شعبنا الى كبت طويل الامد مما سبب احباط مستحكم وقد تنتج عنه المزيد من دورات الغضب المشروع. 
.





 

38
أحتجاجات الكرامة في العراق وخطبة المرجعية الدينية

د.عامر صالح


حمل رجل الدين، علي السيستاني، يوم، الجمعة أمس، الحكومة العراقية والأجهزة الأمنية مسؤولية مقتل متظاهرين وعدم حمايتهم في الاحتجاجات الدامية التي شهدتها البلاد، الأسبوع الماضي، وأودت بحياة أكثر من مئة شخص وآلاف الجرحى ومئات المعتقلين. ويعتبر السيستاني  المرجعية الدينية العليا للشيعة في العراق، وقال ممثله عبد المهدي الكربلائي، خلال خطبة صلاة الجمعة في كربلاء، إن "الحكومة وأجهزتها الأمنية مسؤولة عن الدماء الغزيرة التي أريقت في مظاهرات الأيام الماضية"، محددًا مهلة أسبوعين للسلطات كي تعلن نتائج تحقيقاتها. 

وأضاف الكربلائي أن ما حصل عبارة عن "مشاهد فظيعة تنم عن قسوة بالغة فاقت التصور وجاوزت كل الحدود"، معتبرا أن الحكومة مسؤولة "عندما تقوم عناصر مسلحة خارجة عن القانون، تحت أنظار قوى الأمن، باستهداف المتظاهرين وقنصهم، وتعتدي على وسائل إعلام معينة بهدف إرعاب العاملين فيها".

بعيدا عن الجدل المستديم والدائر على أشده بخصوص التعقيدات الناتجة من زج الدين والمرجعيات الدينية في السياسية في الوضع العراقي ما بعد سقوط النظام الدكتاتوري في عام 2003 وما جلبه هذا التدخل من آثار سببت في خلق مزاج غير مواتي لبناء عملية سياسية بعيدة عن زج الدين في دهاليز السياسه, الى جانب اشتداد الطائفية السياسية والأحتقان الجغروطائفي, وأشتداد ساعد الاحزاب الاسلاموية, نرى ان خطبة الجمعة اليوم 11-10-2019 جسدت بوضوح كافي ادانة الحكومة العراقية واجهزتها الأمنية والعسكرية في ارتكابها إراقة الدماء بين شباب انتفاضة أكتوبر, كما طالبت الحكومة بالتحقيق العاجل ومعرفة كل التفاصيل ومن هو المسبب لذلك او ما اسمته المرجعية" بغزارة الدم ", كما اعطت المرجعية الشرعية الكاملة لأحتجاجات الشباب المطلبية بعيدا عن التهم الجاهزة الموجه لهم من قبيل العمالة و تنفيذ اجندات خارجية ورأت في مطالبهم كل الحق, كما أكدت المرجعية انها لم تقف ولا تدعم اي حزب بعينه من الأحزاب الحاكمة.

نعتقد ان هذا الخطاب وبفعل تأثر شرائح اجتماعية فيه اعطى قوة دفع اضافية للمحتجين في الأصرار على انتزاع حقوقهم والكشف عن مرتكبي جرائم القتل والقنص, وأكد عدم وقوف المرجعية الى جانب الحكومة, ومطالبتها بمحاسبة مرتكبي الجرائم, وهذا يعني لدى الشرائح المتأثرة بالمرجعية وخطبها الدوريه سقوط لشرعية افعال الحكومة واحزابها الحاكمة اتجاه المحتجين, وقد يجد موقف المرجعية انعكاساته في استمرارية زخم الأحتجاجات واتساعها في الذهنية المؤمنة بالمرجعية والمساهمة في احتجاجات اكتوبر العراقية. بالتأكيد ان خطاب المرجعية لا يخلو من محاولات امتصاص غضب الشارع الذي يلقي اللوم علبها في عدم وضوح موقفها من الحكومة وضبابيته في مناسبات كثيره وخاصة ان المرجعية لها اليد الطولى في تصميم النظام في بداياته الأولى.

نرى اليوم أن المرجعية وبعد كل الدماء التي سالت والتي سببها الصراعات الطائفية السياسية ونظام حكم بني على اساس المحاصصة الطائفية والاثنية المريضة والذي لا يستجيب لأبسط مستلزمات العيش الكريم, وساهمت المرجعية في ترسيخه ووضع لبناته الاولى بالاتفاق مع قوى الاحتلال الامريكي والاحزاب الاسلاموية الطائفية, ان المرجعية اليوم مسؤولة اخلاقيا ودينيا وشرعيا عن الدماء التي تراق. ومن هنا جاء خطاب المرجعية يوم الجمعة منتفضا على ما هو سائد وعبثي ومنتهكا لكل الحرمات الدينية والانسانية, وبغض النظر عن توقيته ودوافعه ومديات سقفه, إلا انه يشكل محاولة لردع السلطات الحكومية المتمادية والمستهترة بالدم العراقي.

ولعل ابرز ما ورد في خطاب المرجعية هو: ادانتها ورفضها للأعتداءات التي تعرض لها المتظاهرون وكذلك عدد من القوات الامنية, وصفها للمتظاهرين بأنهم سلميون, حديثها عن سقوط آلاف بين جرحى شهداء في بغداد والناصرية والديوانية وغيرها,  تأكيدها بأطلاق النار على متظاهرين سلميين, اعتداء على قنوات فضائية ووسائل اعلامية لمنعها من نقل ما يقع من احداث في ساحات التظاهر, تحميلها الحكومة وأجهزتها الأمنية مسؤولية الدماء الغزيرة التي أريقت في مظاهرات الأيام الماضية، سواء من المواطنين الأبرياء أو من الأجهزة الامنية, تأكيدها مسؤولية الحكومة عن قيام بعض عناصر الأمن باستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين، ولو بسبب عدم انضباطهم وانصياعهم للأوامر, مطالبتها بقوة للحكومة والجهاز القضائي بإجراء تحقيق يتسم بالمصداقية حول كل ما وقع في ساحات التظاهر، ثم الكشف أمام الرأي العام عن العناصر التي أمرت أو باشرت بإطلاق النار على المتظاهرين أو غيرهم، وعدم التواني في ملاحقتهم واعتقالهم وتقديمهم إلى العدالة مهما كانت انتماءاتهم ومواقعهم, تأكيدها مجددا على وجوب المضي في المشروع الإصلاحي من مكافحة الفساد المالي والإداري وتحقيق درجة من العدالة الاجتماعية، والذي شرطه أن يتم فرض هيبة الدولة، وضبط الأمن وفق سياقاته القانونية، ومنع التعدي على الحريات العامة والخاصة التي كفلها الدستور, تأكيدها الانحياز للمظلومين والمحرومين من أبناء الشعب، بلا تفريق بين انتماءاتهم وطوائفهم وأعراقهم, تأكيدها عدم انحيازها إلا إلى الشعب، وعدم دفاعها إلا عن مصالحه، وعدم مداهنتها لأحد أو جهة فيما يمس المصالح العامة للشعب العراقي.

بالتأكيد لا اريد القول هنا انها بداية القطيعة بين الاحزاب الاسلامية الحاكمة والمرجعية الدينية في النجف, حيث تتداخل وتشابك المصالح بين عناصر وقيادات من الاحزاب الاسلامية وبين عناصر ورموز من العاملين في المرجعية, وهذا نوع من تشابك المصالح وتداخلها بين الاسلام السياسي وبحثه عن شرعية للبقاء عبر استمالة رموز من المرجعيات, ولكن اقول ان هول الاحداث وما يجري للعراق من خراب شامل وضع المرجعية امام اعلان حالة الطلاق مع الاحزاب الحاكمة" ولو جزئيا " وعلى مرأى ومسمع من الشعب, فهي تبرئة لازمة نفسيا, رغم انها ليست الحل, وانما الحل بيد الشعب وحده صاحب المرجعية الوحيدة في التغير الشامل ونقل العراق الى مصافي الدول المتحضرة, يحترم فيها الدين والسياسة ". وما دامت هناك تأثيرات للمرجعية الدينية في عقول الكثير فأن موقف المرجعية اليوم يضيف الى طاقات الشباب المنتفض طاقات مضاعفة نحو التغير الشامل لنظام الفساد والمحاصصة الطائفية والاثنية.





39


الخلفية السايكو اجتماعية والأقتصادية لأنتفاضة أكتوبر العراقية

د.عامر صالح

عمت اغلب محافظات الوسط والجنوب العراقية احتجاجات سلمية عارمة انطلقت بتاريخ 2019ـ10ـ01 مطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية العامة عبر التغير الجذري للنظام, استخدم فيها العنف المفرط وغير المبرر من قبل الأجهزة الأمنية, مما ادى الى عشرات من الشهداء وجرحى تجاوزت اعدادهم الألف جريح, ولازالت الأحتجاجات مستمرة حتى هذه اللحظات, ومما يميزها هذه المرة أنها خرجت عن الأطر الحزبية والتكتيكات السياسية للقوى المساهمة في العملية السياسية وتتمتع بزخم جماهيري ومؤازرة من الداخل والخارج. 

لم تكن الأنتفاضة عملا عبثيا او نزهة استعراضية أريد بها أراقة دماء الشباب, بل هي تراكم كمي لمجمل أزمة نطام الحكم المحصصاتي الطائفي والأثني السيئ الذي لم يعمل شيئ ايجابي خلال عقد ونصف من الزمن, بل انه نظام منتج للأزمات واعادة تدوريها انطلاقا من طبيعته المافوية والمؤسسة اصلا على الأستئثار بالسلطة وتقاسمها والمبني على اساس المحاصصة المذهبية السياسية والعرقية المتخلفة التي تشتغل على اضعاف وتفكيك الوطن والمواطنة والأكتفاء في التمترس في الأطر الجغروطائفية والاثنية في فهم مريض منها ان ذلك يكفي لنيل الحقوق والاستئثار بالثروات الوطنية والافساد فيها. أن هذه الأنتفاضة  هي تجسيد حي وانعكاس لأزمة الحكم الخانقة والتي لم توفر الحد الأدنى الانساني من الحقوق المشروعة والتي عكستها الحاجة الى الماء والكهرباء والصحة والتعليم الصالح وعدم ايجاد فرص عمل لحملة الشهادات الجامعية والعليا وغيرها من مسلمات ومطالب العيش المعاصر والكريم.


أن تجربة عقد ونصف من الزمن في الاخفاق المزمن للمطاليب العادلة للمنتفضين تعكس بشكل واضح انها ازمة نظام متآكل وليست أزمة تلبية خدمات عامة كان يفترض على النظام تلبيتها في السنوات الأولى من الحكم, أنها أزمة فساد نظام الحكم المتهرئ الذي لا يمتلك أي شرعية للبقاء, وأن شعارات اهلنا في المحافظات التي اندلعت فيها والمطالبة بالحقوق الأساسية ما هي إلا مدخل للمطالبة بتغير النظام المحصصاتي, واهلنا هناك يعرفون تماما فلا كهرباء تأتي ولا ماء صافي سيشرب في ظل نظام معوق وكسيح لا يستطيع تقديم الحد الادنى من مسلمات الحاجات الانسانية, في ظل نظام فاسد لا يتورع عن سرقة لقمة العيش.

 أن نظام المحاصصة عرقل خلال عقد ونصف من الزمن جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي, وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك, أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية ", وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف, والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع, أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل, وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه.

أن منظمة هيومن رايتس ووتش والمعنية بحقوق الأنسان تعرض جزء من مأساة الشعب العراقي خلال الأربعة عشر عاما الماضية, والتي من خلالها على الأقل لايمكن القبول بالعملية السياسية وبأحزابها الفاسدة التي اسهمت بتبديد الثروات الطبيعيةة منها والبشرية, وتؤكد المنظمة: أن هناك ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف مهجر موزعون على أربع وستين دولة. أربعة ملايين ومائة ألف نازح داخل العراق. مليون وسبعمائة ألف يعيشون في مخيمات مختلفة. خمسة ملايين وستمائة ألف يتيم" تتراوح اعمارهم ما بين شهر و17 عام ". مليونا أرملة" اعمارهن ما بين 15 و25 عاما". ستة ملايين عراقي لا يجيدون القراءة والكتابة" تتصدرهم البصرة وبغداد والنجف وواسط والأنبار ".بلغت نسبة البطالة 31%" الأنبار والمثنى وديالى وبابل في الصدارة تليها بغداد وكربلاء ونينوى". 35% من العراقيين تحت خط الفقر" اقل من خمسة دولارات". 6% معدل تعاطي الحشيش والمواد المخدرة" بغداد في الصدارة تليها البصرة والنجف وديالى وبابل وواسط". 9% نسبة عمالة الأطفال دون 15 عاما. انتشار 39 مرضا ووباء, أبرزها الكوليرا وشلل الأطفال والكبد الفيروسي وارتفاع نسبة الأصابة بالسرطان والتشوهات الخلقية. توقف 13 ألف و328 معملا ومصنعا ومؤسسة انتاجية.  تراجع مساحة الأراضي المزروعة من 48 مليون دونم الى 12 مليون دونم. استيراد. استيراد 75% من المواد الغذائية و 91% من المواد الأخرى. التعليم الأساسي في أسوأ حالاته: 14 ألف و658 مدرسة, تسعة آلاف منها متضررة, و800 طينية, والحاجة الى 11 ألف مدرسة جديدة. الديون العراقية 124 مليار دولار من 29 دولة. واردات النفط للفترة 2003ـ2014 بلغت ألف مليار دولار, لم تسهم هذه الاموال الطائلة في حل مشكلات الحياة الاساسية, بل ذهب معظمها في عمليات الفساد ونهب المال العام.

أما على المستوى السايكولوجي فأن سياسات الإقصاء والتهميش والمحاصصات وما يرافقها من تدهور مستمر لحياة المواطنين قادرة على حرف حالات المساهمة السياسية من أجل تثبيت النظام" الديمقراطي" إلى حالات عداء سياسي للنظام وأركانه, باعتباره يجسد حالة الاغتراب السياسي بينه وبين المواطن, وهي نتاج طبيعي لحالة عدم الثقة والشك في القيادات السياسية ونواياها, متزامنا ذلك مع اتساع وتعمق دائرة الفئات الاجتماعية المهمشة والتي تقدر بالملايين جراء ظروف العراق التاريخية والحالية, ومن شأن ذلك أن يخلق ما يسمى " بالفجوات النفسية المدمرة", حيث تنشأ هذه الفجوات على خلفية الشعور بالإحباط الناتج من التدهور المستديم لظروف العيش الحر والآمن, وهي شروط مواتية ولازمة لخلق وإعادة توليد سلوك العنف والعدوان باعتباره نتيجة للشعور الشديد بالإحباط, وعلى خلفية اتساع الهوة بين النظام والشعب وتعزيز حالة عدم الاكتراث تجري الاستفادة الكاملة من قبل المجاميع السياسية وفلول الإجرام والمرتزقة الغير مؤمنة أصلا بالديمقراطية السياسية للتمترس في النظام السياسي والتأثير على قراراته السياسية, وعلى عدم تغييره,مستغلة الفساد والعبث بالمال العام وسرقته كوسائل سهلة في الإغراء والتمويل وشراء الذمم.

وتعكس انتفاضة اكتوبر العراقية الحالة المتقدمة والأيجابية للتعبير عن حالة الأغتراب بين النظام السياسي والشعب من حيث مطالبها العادلة واساليبها النضالية المتقدمة ودعواها الواضحة في تغيير الأوضاع القائمة عبر فهم الأسباب, والتي تكمن في أسس نظام المحاصصة الطائفية السياسية والأثنية المنتج لعدم الاستقرار والعاجز عن معالجة الأزمات, وأن الدعوى لتغير أسس النظام وبنيته المؤسساتية هي دعوى لتثبيت الديمقراطية بأطرها المعاصرة وفسح المجال للقوى المؤمنة حقا بالديمقراطية والتدوال السلمي للسلطة والخلاص النهائي من افرازات ما أتى به الاحتلال الامريكي بعد سقوط الديكتاتورية.


أن انتفاضة اكتوبر 2019 الحالية هي انتفاضة تغير النظام بعد كل هذه المعاناة وبعد كل هذا التراكم الكمي من الأزمات في ظل نظام عاجز عن الايفاء بمطالب العيش الكريم ولا يمكن للمرء ان يلدغ من جحر مرتين, ولكي تفضي الانتفاضة الى مرتجاها يجب الانتقال من القيادات المناطقية والتجمعات المتفرقة المتباعدة الى القيادة المدنية التنويرية حفاظا على الاىنتفاضة من المنعطفات الصعبة والتي قد تقوم بها السلطة المحصصاتية في شراء الذمم وترويض بعض القيادات غير المتمرسة لأختراق الانتفاضة واسكاتها, كما أن الاحزاب ذات الصبغة المدنية مطالبة اليوم بالتضامن والتكاتف الواضح مع المنتفضين, فتلك هي لحظات حرجة في حياة شعبنا ومختبر للمواقف بعيدا عن ضيق الأفق أو بانتظار صفقات سياسية سيئة لأحتواء الانتفاضة حفاظا على مصالح انانية ضيقة في طريقها الى الزوال السريع. المجد والخلود لشهداء الأنتفاضة الأبطال والنصر المؤزر لشعبنا المناضل في انتزاع حقوقه المشروعة في بناء حياة حرة كريمة نليق بأنسانيته عبر الخلاص الكامل من نظام المحاصصة وبناء دولة المواطنة الحرة الكريمة.




40
في احتجاجات خريجي الدراسات العليا في العراق وأزمة التعليم العالي


د. عامر صالح

حسب احصائيات وزارة التعليم العالي أن هناك ما يقارب 15000 خمسة عشر ألف من حملة الدكتوراه والماجستير عاطلين عن العمل لا توجد امكانية لأستيعابهم في وزارة التعليم العالي" حسب تصريحات الوزارة" وتؤكد ايضا ممكن استيعابهم من قبل وزارات اخرى او في القطاع الخاص وغيرها, تلك هي اللغة الرسميه لتسويف مطاليبهم وعدم الأكتراث بهم, وقد مهد اهمال مطالبهم المشروعه في الحصول على عمل, بعد أكثر من ثلاثة اشهر من الاحتجاجات, التجاوز عليهم واستخدام مختلف الأساليب القمعيه, من ضرب واستخدام الهراوات وخراطيم المياه الساخن, الى جانب الأعتداء على النساء الخريجات والتجاوز عليهن بأساليب غير مؤدبة وغير حضاريه ولا تليق بالمرأة.                                                                                                               

نقول هنا ان تخلف البنية التحتية الأقتصادية والتقنية والعلمية أضعف فرص امتصاص الطاقه العاملة وخاصة ذوي التحصيل العالي, وكان للمحاصصة الطائفية والأثنية والفساد الأداري والمالي ونهب المال العام الذي يضعف الأمل في أي نهضة شامله افقدت الأمل في حل مشكلة البطالة حل شامل في الأفق المنظور, الى جانب اشتراطات صندوق النقد الدولي بالحد من التعيينات, والى جانب التشوهات البنيويه وفوضى القطاع الخاص وعدم امتلاكه خطط واضحه لحاجته من الشهادات المختلفه الى جانب الفساد والمحسوبية والمنسوبية في.                                                                                                                                 

ومما يزيد الطين بله هو الأنتشار الواسع للجامعات الأهلية ذات الطابع الربحي البحت وانعدام تنسيقها مع الجامعات الحكومية والذي يدفع بدوره الى المزيد من الخريجين في مختلف التخصصات وبعيدا عن دراسة سوق العمل والحاجة الى التخصصات" رغم ان العراق لايزال في سبات أو ارض بكر وقد يحتاج الى الجميع لاحقا" ولكنه نذير الى المزيد من البطاله, الى جانب كون هذه الجامعات الأهليه في اغلبها تعود ملكيتها لزعماء احزاب طائفية وأثنية ويعج فيها الفساد اسوة بغيرها, ولاتتمتع مخرجاتها بكفاءة يعهد لها بالجودة والمنافسة.                                                                                                                 

نحن امام مهمة عصية على التنفيذ وهي استيعاب خريجي الكليات والدراسات العليا في اطار القوى العامله, في ظل نظام لا يمتلك بوادر نهضة.اقتصادية واجتماعية وعلمية وينهش فيه الفساد ويهدر فيه المال العام, وكذلك امام مشكلة اخرى, وهي كيف نربط الطموحات العلمية المشروعه في ضوء الحاجة الماسة لسوق العمل. أن عدم تلبية طموحات خريجي الدراسات العليا والجامعية في الحصول على عمل هو امتداد طبيعي لأوضاع مؤسسات التعليم العالي وأزمتها الخانقة, والتي تتجسد بأرز ملامحها الآتية:         

  ـ التدهور الأمني المستمر لمؤسسات التعليم العالي وتدخل رجالات الأحزاب والمليشيات الطائفية في شؤون التعليم العالي مما يضع طرفي العملية التعليمية : الطالب ـ الأستاذ والعملية التعليمية برمتها في دوامة عدم الاستقرار والخوف من المستقبل¸مما يترك أثره الواضح في تسرب الطلاب وهجرهم لمقاعد الدراسة وهجرة الكادر التدريسي.                                                         

ـ الإجراءات التعسفية في إقالة أو إحالة الكادر التدريسي الجامعي ومن درجات علمية متقدمة " أستاذ وأستاذ مساعد " على التقاعد بذرائع ومبررات واهية, منها كبر السن أو بتهمة عدم الكفاءة, وهي إجراءات تنفذ في الخفاء بواجهات سياسية أو انتماءات طائفية, وتحرم هذه المؤسسات من خيرة كادرها المتمرس في التدريس والبحث العلمي.                                                       

ـ تدهور البنية التحتية اللازمة لتطوير التعليم العالي من مكتبات علمية ومختبرات وشبكة انترنيت ومصادر المعلومات المختلفة, وقد تعرض الكثير منها إلى الحرق والإتلاف الكامل والى التخريب والسرقات المقصودة لإفراغ الجامعات من محتواها المتمثل بالمراجع والكتب والأبحاث والمقررات الدراسية بمختلف التخصصات, وغلق أقساما للدراسات العليا بكاملها تحت ذريعة عدم توفر الكادر التدريسي اللازم لها.                                                                                                                           

ـ تدهور المستوى العلمي والتحصيلي للطلاب جراء تدهور الوضع الأمني والانقطاع عن الدراسة, أو النجاح بأي ثمن تحت وطأة تهديد الأستاذ الجامعي من قبل مليشيات الأحزاب السياسية ـ الطائفية وفرض معايير مشوه للتفوق الدراسي لا تعبر عن إمكانيات الطلاب الفعلية, بل تعبر عن أولويات الانتماء السياسي أو المذهبي أو الطائفي, وهي تذكرنا بممارسات التبعيث لفرض النتائج الدراسية وانتقاء الطلبة على أساس الولاء للحزب الحاكم.                                                                               

ـ تغييب الكليات الإنسانية والتضييق على دورها المهم في الحياة الثقافية العامة عبر الحد وعرقلة أنشطتها المختلفة التي يفترض لها أن تسهم بإشاعة ونشر قيم التسامح والعدل والحق ومكافحة الإرهاب, وقد شهدت هذه الكليات حرق العديد من مكتباتها بالكامل, وعرقلة إصدار دورياتها الثقافية الشهرية أو الفصلية أو السنوية, وانعدام الأجهزة اللازمة لاستمرار عملها كأجهزة الاستنساخ والطباعة وغيرها, إضافة إلى محاصرة العديد من مبدعي وكتاب هذه الكليات ومنعهم من الظهور العلني للحديث عن نشاطاتهم ونتاجاتهم الثقافية والأدبية المختلفة.                                                                                                           

ـ استشراء الفساد بمختلف مظاهرة الإدارية والمالية, من محسوبية ومنسوبيه وسرقة الأموال المخصصة لهذا القطاع وتزوير للشهادات والتلاعب بسجلات الدرجات من خلال ممارسة الضغط والابتزاز على إدارات الأقسام الدراسية و عمادة الكليات لمنح ضعاف التحصيل ما لا يستحقوه أو إضعاف المتفوقين دراسيا والعبث بدرجاتهم بدوافع الانتقام والثأر بواجهات مختلفة, سياسية ومذهبية وطائفية وغيرها.                                                                                                             

ـ عدم السماح وعرقلة جهود المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وأجهزتها المعنية بشؤون التعليم العالي على الإشراف والتأكد من ظروف عمل هذه المؤسسات بما يستجيب لشروط الجودة العالمية لهذه المؤسسات وحماية خريجها من عدم الاعتراف بالشهادة, وكذلك عرقلة جهود اللجنة الدولية للتضامن مع أساتذة الجامعات.                                                                     

ـ في ظروف العراق الحالية والذي توقفت فيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الشاملة, تضعف فيه كنتيجة منطقية قدرة ودور الجامعات والمؤسسات البحثية في المجتمع وبالتالي تضعف روابط التعليم العالي ودوره الأساسي في التخطيط والاستجابة لظروف التنمية البشرية الشاملة وحاجتها الفعلية لمختلف القيادات والكوادر في مختلف التخصصات العلمية والأدبية والمهنية والتقنية وغيرها.                                                                                                                                         

.

ـ ضعف الإنفاق على التعليم العالي والبحث العلمي باعتباره دعامة أساسية لإعادة بناء بنيته التحتية وإقامة المشاريع البحثية والتعليمية المتقدمة, وبالتالي فأن أي نوايا للإصلاح دون توفير الأموال اللازمة هي نوايا باطلة وقد تعكس بنفس الوقت رؤى متخلفة للقيادات التربوية والتي ترى أن ما يصرف على التعليم هو من باب الاستهلاك الغير ضروري وليست الاستثمار طويل الأمد.                 

ـ ضعف وتدهور البحث العلمي وأصالته ومكانته في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وضعف استقلالية الأستاذ الباحث الذي يتعرض إلى ضغوطات مختلفة لتوجيهه الوجهة التي يرغب فيها هذا الكيان السياسي أو ذاك, وأن اغلب ما يجري من أبحاث يعتمد على نظريات ومفاهيم مهجورة أو أنها تقادمت في ظل عصر تتغير فيه المعلومة يوميا, أو أنها هجنت بطريقة عجيبة نتيجة للقيود والضغوطات الرقابية والحزبية والطائفية.                                                                                     

ـ غياب إستراتيجية واضحة للبحث العلمي في ضوء احتياجات المجتمع المحلي لها, حيث أن المبادرة الفردية للباحث والأستاذ تلعب دورا كبيرا في تقرير ذلك, ومعظمها يجري لأغراض الترقية العلمية أو لأغراض المتعة العقلية الخالصة للبحث, ويجري ذلك في ظل انعدام صناديق متخصصة لدعم وتمويل البحوث, وضعف القاعدة المعلوماتية, وعدم وجود مراكز أو هيئات للتنسيق بين المؤسسات البحثية, وضعف الحرية الأكاديمية كتلك التي يتمتع بها الباحث في بلدان العالم الديمقراطي, وعدم تفهم أو انعدام دور القطاع الخاص ومشاركته في الأنشطة العلمية حيث لا يزال قطاعا متخلفا يركز على الربحية السريعة والسهلة ولا يعي حقيقة وأهمية البحث العلمي في تطويره.                                                                                                                     

بين أزمة التعليم العالي العامة في داخل مؤسساته وبين استعصاء ايجاد حلول لمخرجاته يعاد انتاج ابقاء الاوضاع كما هي دون جدوى أو مبادرة حكومية مسؤولة تفضي الى معالجة الأزمة البنيوية للتعليم العالي, أسوة بمختلف القطاعات الاجتماعية, ومن هنا سيعاد انتاج نفس الأزمات دون حلول تذكر, مالم ينهض المجتمع والدولة في اعادة بناء البنية التحتية المجتمعية في كل القطاعات, وسيصحبها الاستفادة الكاملة من كل الطاقات العلمية والمهنية.                                                                             

اما ما يعنينا من داخل التعليم العالي فأن الحرية في المجتمع الأكاديمي وتوسيع دائرة الصلاحيات للإدارات الجامعية وعدم اقحامها بالصراعات الأثنو طائفية السياسية, وفصلها وعزلها عن المؤسسات الدينية, سببا مهما في نمو الفاعلية ورفع مستوى الأداء، فالاستقلال النسبي ماديا وإداريا وفكريا وسياسيا سيدفعها إلى البحث عن التميز والشعور بالمسؤولية تجاه جودة المخرجات، لأن الجامعات في هذه الحالة ستعمل على طريقة تحقق فيها متطلبات التنمية لتدخل ضمن مجال تنافسي علمي تحكمه المستجدات العلمية والتقنية المعلوماتية وإبراز الأفكار المبدعة، فسترفع من هذه القيمة باستقطاب المفكرين وتبني الآراء التي تسهم في وصولها إلى مكانة أفضل نسبة إلى غيرها، وهذه الأهداف ستتجاوز ما نخشاه من سيطرة النزعة المناطقية والنفعية والطائفية والأثنية التي تسيطر على الإدارات وعلى السياسات العامة، ويأتي هذا كله مع ضرورة إيجاد نظام يحمي مكتسبات الجامعات من أي تدخل خارجي، والنتيجة تؤدي إلى خلق بيئة ملائمة لنمو المعرفة والإبداع, وبهذا ستكون مؤسسات التعليم العالي بيئة صالحة لجذب افضل الكوادر العلمية, وتقلص بدورها من هجرة الكادر وتسربه من الجامعات الى خارج العراق أو داخله.                                           

قد يبدو الحديث اعلاه مجرد طموحات مجردة لأعادة هيبة ومكانة التعليم العالي وبالتالي مكانة وهيبة الخريجين منه, وبدون شك انها مهمة صعبة في ظل نظام المحاصصة الطائفي والأثني الذي خرب مؤسسات الدولة والمجتمع  وعبث في استقرارها وتطورها وعرقل استجابتها لحاجة العصر والمجتمع, وبالتالي فأن المدخل الواسع للحديث عن الأصلاح هو حديث متصل عن اصلاح بنية النظام السياسي برمته واعادة بناء السياسة التعليمية والتربوية ومن ضمنها سياسة الحاجة الى الكادر الجامعي والعالي من مختلف التخصصات وفي اطار خطط محكمة لبناء المستقبل.                                     



41
اليوم العالمي للديمقراطية ودلالته لديمقراطية للعراق

د.عامر صالح 

تحت شعار " المشاركة " احتفل العالم يوم الأحد، باليوم العالمى للديمقراطية، حيث اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 62/7 خلال سبتمبر 2007، باعتبار يوم 15 سبتمبر يوما دوليا للديمقراطية، والذى يتيح فرصة لاستعراض حالة الديمقراطية فى العالم.  سلط الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى بنده الثالث من المادة 21 منه أن "إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكم، فيجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجرى دوريا بالاقتراع العام، وعلى قدم المساواة بين الناخبين، وبالتصويت السرى أو إجراء مماثل من حيث ضمان حرية التصويت".   

والديمقراطية الحقة كما تؤكد الأمم المتحدة "هي سبيل من اتجاهين، مبنية على الحوار الدائم بين منظمات المجتمع المدني والطبقة السياسية. ولا بد أن يكون لهذا الحوار أثر حقيقي في القرارات السياسية. ولهذا السبب تعتبر كل من المشاركة السياسية والفضاء المدني والحوار الاجتماعي ركائز أساسية للحكم الرشيد. ويصح ذلك في حق أثر العولمة والتقدم التقني كذلك. ومع ذلك، فلم يزل الفضاء المدني يزداد تقلصا في كل أنحاء العالم بصورة تنذر بالخطر. كما أصبح عمل نشطاء المجتمع المدني أصعب بكثير. وغدا المدافعون والمدافعات عن حقوق الإنسان والبرلمانيون والبرلمانيات يتعرضون للهجمات، في حين لم يزل تمثيل المرأة ضعيفا,   ومواجهة الصحفيون لتدخلات في عملهم وتعرضهم للعنف في بعض الحالات. وبالتالي، فاليوم الدولي للديمقراطية هو فرصة لحث جميع الحكومات على احترام حقوق مواطنيها في المشاركة الديمقراطية مشاركة فعالة وجوهرية وهادفة".                             .                                                                               
 وجاء تقرير مؤشر الديمقراطية لعام 2018 الذي نشرته وحدة "إيكونوميست إنتيليغنس " وهي وحدة مستقلة تابعة لمجلة الإيكونوميست, أن تصنيف الديمقراطية يعتمد على 60 معياراً فرعياً مجمعة فى الفئات الخمسة التالية: العملية الانتخابية والتعددية، وعمل الحكومة، والمشاركة السياسية، والثقافة السياسية الديمقراطية، والحريات المدنية . ومن المقرر أن يمنح مؤشر ديمقراطية الدول درجة من 10 اعتمادا على هذه المعايير، ثم يصنف الدول إلى أربعة تصنيفات، تبدأ من دول ديمقراطية كاملة، ثم ديمقراطية منقوصة، يليها نظام هجين يجمع بين الديمقراطية والاستبداد، وأخيراً الدول ذات الأنظمة الاستبدادية. وقد احتل العراق في حينها المرتبة 114 وضمن الدول ذات النظام الهجين الذي يجمع بين الديمقراطية والاستبداد, وضمن قائمة دول تجاوزت ال 165. 

بالتأكيد ان الحديث عن ديمقراطية العراق شائك ومعقد استنادا الى الظروف القسرية التي أنشأتها والمتمثلة بالأحتلال الامريكي في عام 2003 الى جانب تراكمات القمع والدكتاتورية لعقود من الزمن والتي ساهمت في غياب البدائل السياسية الديمقراطية وغياب الفكر الديمقراطي مما سببا فراغا سياسيا كبيرا وعدم المقدرة على احتواء الأحداث ما بعد سقوط الدكتاتورية, ورغم هذه الاشكالية المفصلية والمعوقة للديمقراطية يرى الكثير من المتابعين للشأن العراقي, أن العراق بلدا ديمقراطيا ويستندون في ذلك الى الأسس النظرية او المحكات التي يمكن في ضوئها تأكيد ديمقراطية العراق, ومنها تعريفهم للنظام الديمقراطي كما يرد في الادبيات السياسية: هو نظام حكم من الشعب وإلى الشعب، ودستور يصوت عليه الشعب باستفتاء عام، والذي يمثل العقد الاجتماعي بين الشعب والسلطة. يعني حكم الأغلبية السياسية مع احترام حقوق الأقلية، أي حكومة ينتخبها أبناء الشعب عبر صناديق الاقتراع بشكل دوري، فيختارون ممثليهم، أي النواب (أعضاء البرلمان)، وهؤلاء بدورهم يختارون السلطة التنفيذية، وهم الذين يسنون القوانين وفق الدستور. ومن سمات الدولة الديمقراطية أيضاً، الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، ووجود أحزاب سياسية، ومنظمات المجتمع المدني، واحترام حقوق الإنسان، وإعلام حر، وحرية التعبير والتفكير، والتظاهر والإضراب، وحرية المعتقد والأديان, ويرون ان هذا متحقق في العراق. 

ما يعنيننا قي المقام الاول هو الأداء او محتوى العملية السياسية الضامن لبناء الديمقراطية وتنفيذ مقوماتها, فاليوم في العراق وبعد عقد ونصف من سقوط الدكتاتورية تأكد لشعبنا أن الدستور كان محطات ألغام, وأن الشك طال كل الانتخابات البرلمانية السابقة, من تزوير وحرق للصناديق والعبث بأرادة الناخبين وضعف المشاركة في الانتخابات وانعدام متزايد في الثقة باغلب الاحزاب السياسية, كما اصبح الحديث عن الفصل بين السلطات الثلاث ضرب من الخيال, والتجاوز على الحقوق الاساسية للمواطن العراقي لا يمكن حصره في امثلة عابره, التضييق بشتى الوسائل على الاعلام الحر والاعتداء على الصحفيين, الصراعات الاثنوطائفية سياسية اغرقت المشهد السياسي, والمحاصصات الطائفية السياسية والعرقية هي المصدر لتشكيل اغلب السلطات الرئيسية, والفساد الاداري والمالي وسرقة المال العام واهدار الثروات هو سيد المشهد العام لأكثر من عقد ونصف من الزمن, انتشار الميليشيات والعصابات المسلحة وأقحامها في العمل السياسي أحد مصادر الديمقراطية الهشة في العراق, والفضائيات وسعة انتشارها واجندتها ومصادر تمويلها وخطابها اسئلة تثير الكثير من الشكوك حول الديمقراطية في العراق, فهل هي حرية مرتبطة بضرورات الديمقراطية أم معوقة لها.   

لعل نظرة متأنية وموضوعية منطلقة من روح الحرص على الوطن, تؤكد لنا أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية وما أنتجه من تعصب أعمى, ومنذ ولادته بعد 2003 لحد اليوم كان عائقا ومعطلا للعملية السياسية,حيث حلت في الممارسة العملية الانتماءات الضيقة محل " علم السياسة " لإدارة شؤون البلاد,مما جعل من أحزاب الطوائف والأعراق أمكنة للحشود البشرية وليست أمكنة لانتقاء وتدريب النخب السياسية لقيادة البلاد, وكأنها تعمل على قاعدة أن الحزب يساوي كل أبناء الطائفة أو العرق بما فيها من خيرين وأشرار, وتحولت إلى أمكنة للاحتماء بدلا من الاحتماء بالدولة والقضاء كمقومات للدولة العصرية, مما فوت الفرصة على الانتقاء والفرز على أساس الكفاءة السياسية والنزاهة, وليست لاعتبارات لا صلة لها ببناء دولة المواطنة, أنه سلوك يؤسس لمختلف الاختراقات السياسية والأمنية وشتى ألوان الاندساس..

كما أن نظام المحاصصة عرقل خلال عقد ونصف من الزمن عرقل جهود أي تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة تقوم على منجزات العلوم الاقتصادية والاجتماعية ومنجزات التقدم التقني والتكنولوجي, وذلك من خلال إسناد المواقع الحساسة والمفصلية في الاقتصاد والدولة إلى رموز تنتمي طائفيا أو عرقيا ولا تنتمي إلى الكفاءات الوطنية أو التكنوقراط ولا تستند إلى انتقاء المواهب والقابليات الخاصة لإدارة الاقتصاد,بل حصرها بأفراد الطائفة أو إلى توافق من هذا النوع بين هذه الطائفة أو تلك, أن هذه السياسة لا تؤسس إلى تنمية شاملة ,بل تؤسس إلى " إفساد للتنمية ", وقد عززت هذه السياسات من استفحال الفساد بمختلف مظاهره من سرقات وهدر للمال العام ومحسوبية ومنسوبيه وحتى الفساد الأخلاقي بواجهات دينية مزيفة لا صلة لها بالدين الحنيف, والأسوأ من ذلك حصر الامتيازات في دعاة كبار رجال الطائفة أو الحزب أو العرق وترك السواد الأعظم في فقر مدقع, أن أدعاء الطائفية والعرقية لتحقيق العدالة الاجتماعية هو ادعاء باطل, وان الفقر وعدم الاستقرار والقلق على المستقبل يلف الجميع باختلاف دينه ومذهبه وطائفته وعرقه. فالحديث اليوم يجب أن ينصب على الأداء السياسي والاقتصادي والاجتماعي " للديمقراطية " لا على مدى توفر الأطر الشكلية لها والمجردة من الكفاءة في الأداء.

أن من ابرز معضلات العراق في بناء ديمقراطية مستقره تنمو بالتقادم هو القوى السياسية التي ترى الديمقراطية وسيلة للأستحواذ على السلطة وترى في الدولة والحكم غنائم بعيدا عن مفهوم التدوال السلمي للسلطة كمدخل لأستقرار العملية الديمقراطية, وهي لا تؤمن في الديمقراطية السياسية ولا في التعددية الحزبية, فكيف من لا يؤمن بالديمقراطية ان يبني الديمقراطية. وكذلك تشوهات الوعي المجتمعي وتعرضه لمحاولات الغسيل الدماغي والتشويه, وهذا ليست وليد اللحظة بل لعقود خلت قبل اسقاط النظام السابق, غاب فيها الفكر النقدي وضاقت فيها خيارات الناس, واليوم يستخدم خلط المقدس بالمدنس واستغلال مشاعر الشعب لزج الدين في السياسية وتحويل خيارات الناس صوب بدائل معوقة للديمقراطية والاستقرار السياسي. وكذلك ارتهان العراق واستقراره للأجندة الاقليمية وفرض ارادات خارجيه عليه وتحويله الى ساحة لتصفية الحساب بين الاطراف الاقليمية والامريكية, وهذا بطبيعته يلغي فرص الاستقرار السياسي والاقتصادي.

وبمناسبة اليوم العالمي للديمقراطية فأن الابتعاد عن نهج المحاصصة الذي التمسه شعبنا بوضوح واكتوى اكثر من خمسة عشر عاما المنصرمة, وتحويله من نهج انتقائي/مصلحي إلى نهج مشاركة سياسية حقيقية هو التعبير العملي والأمثل عن العقد الاجتماعي الطوعي, إذ تعيد المشاركة السياسية البناءة إنتاج العقد الاجتماعي كسلوك يومي, أي إعادة إنتاج الوحدة الوطنية كمفهوم سلوكي ـ معرفي وعقلي في الممارسة السلوكية اليومية, وليست شعار اجتراري خبره شعبنا لعقود سلفت, وأن الوحدة الوطنية في كل الفلسفات الإنسانية ركيزة أساسية لا يمكن العبث بها وعرضها في سوق النخاسة السياسية,بل لعلها أهم منجزات الحداثة, وما يترتب عليها من اعتراف بالحقوق الناجمة عن الاعتماد المتبادل بين مختلف فئات المجتمع وإسهام كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي في بعديه المادي والروحي, ونعني به الإنتاج والاستهلاك والتوزيع العادل للثروات, وهي التعبير العملي عن المواطنة الدينامية الحية, وأن المشاركة السياسية الشاملة هي جوهر المواطنة وحقيقتها العملية, ويشكل هنا اعادة بناء أسس العملية السياسية وفي مقدمتها الدستور وقانون الانتخابات وقانون الاحزاب وغيرها مدخلا لازما لتصحيح مسار الديمقراطية وضمان استقرارها وثرائها وتقدمها. وليكن اليوم العالمي للديمقراطية حافزا قويا لمن يعز عليه العراق وبقائه وطن صالح للجميع.


.                                                                                                 





42
اليوم العالمي لمحو الأمية ودلالته للعراق

د.عامر صالح   
أحتفل العالم في يوم 8 سبتمبر، باليوم العالمى لمحو الأمية، وهو اليوم الذى حددته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، للاحتفال به سنويا للتوعية بأهمية محو الأميّة كمسألة تتعلق بالكرامة الإنسانيّة، واحترام حقوق الإنسان، والوصول إلى مجتمعات أكثر إلماماً بمهارات القراءة والكتابة.  وقالت الأمم المتحدة، أن هذا اليوم يُعد فرصة للحكومات ومنظمات المجتمع المدنى وأصحاب المصلحة لإبراز التحسينات التى طرأت على معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، وللتفكير فى بقية تحديات محو الأمية الماثلة أمام العالم. وأشارت إلى أن قضية محو الأمية، هى عنصر جوهرى فى أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة وجدول أعمال الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة، وتعزز أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التى اعتمدتها المنظمة فى سبتمبر 2015، بهدف الحصول على التعليم الجيد وفرص التعلم فى أى المراحل العمرية، كما أن غاية من غايات الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة هى ضمان تعلم الشباب المهارات اللازمة فى القراءة والكتابة والحساب، وإتاحة فرصة اكتسابها أمام البالغين ممن يفتقدون إليها. 

وأعلنت اليونسكو عبر موقعها، أن احتفال هذا العام أن سيقام فى العاصمة الفرنسية "باريس"، تحت شعار "محو الأمية وتعدد اللغات"، ليكون فرصة للتعبير عن التضامن مع احتفالات 2019 بوصفها السنة الدولية للغات الشعوب الأصلية والذكرى السنوية الخامسة والعشرين للمؤتمر العالمى بشأن تعليم ذوى الاحتياجات الخاصة، الذى أُعتمد فيه بينان سالاانكا بشأن التعليم الشامل. ويركز اليوم العالمى لمحو الأمية لعام 2019 على مسألة "محو الأمية وتعدد اللغات"، فعلى الرغم من التقدم المحرز، إلا أنه توجد تحديات ماثلة للعيان فى ما يتصل بمحو الأمية وتفاوتها بين البلدان وسكانها. ويُعد تبنى التعدد اللغوى فى تطوير التعليم ومحو الأمية مسألة أساسية فى مواجهة تحديات محو الأمية وتحقيق أهداف السنة المستدامة. 

 في العراق فأن مشكلة الأمية تتصل بعدم كفاية التعليم وعجزه عن استيعاب الأعداد الهائلة من التلاميذ من هم في سن التعليم الإلزامي, الى جانب عدم الاستقرار السياسي,  رغم أن جهود العراق لحقبة من الزمن قطفت ثمارها فقد حاز العراق عام 1979 على جائزة منظمة اليونسكو في القضاء على الأمية والذي جرى ضمن حملة وطنية شاملة من عمر15-45 سنه، ولكن استمر التعليم بالمعاناة بسبب ما تعرض له العراق من حروب وحصار جائر, وكان أيضا من أسبابها تسييس العملية التربوية من ناحية المناهج والكوادر أو الإفراد وبعد عام 1991 كان المستوى التعليمي في تراجع، مما أدى إلى ارتفاع نسبة الأمية بين أفراد الشعب العراقي،  رغم أن بداية هذا التراجع كانت في عام 1984  بعد أربع سنوات من بداية الحرب بين العراق وإيران, ففي عام 1997 عاد العراق ليسجل نسب مرتفعة في عدد ألاميين حيث وصلت النسبة بين البالغين إلى 42% ونسبة الأطفال الذين لا يصلون إلى الصف الخامس الابتدائي 28%  بذلك أصبحت ظاهرة خطيرة تهدد كيان المجتمع العراقي. وعقبة كبيرة من العقبات التي ستحول دون إمكانيَّة خروج البلد مما هو فيه وإعادة اعماره؛ نتيجة لما أحدثه الحروب إضافة إلى الأوضاع الأمنية المتدهورة وتهجير ملايين العراقيين مما أدى إلى ارتفاع نسبة الأمية بين أفراد الشعب العراقي، إذ تشير الإحصائيات في 2003 إلى إن نسبة الأمية قد ارتفعت ولاسيما بين الأعمار(15-25) بحدود 65% وقد قامت وزارة التربية بإعداد الخطط الشاملة لمواجهة الأمية في العراق، بعد إصدار قانون محو الأمية رقم 23 لسنة 2011 وبموجبه تأسست الهيأة العليا لمحو الأمية ، والجهاز التنفيذي، وأقسام محو الأمية في المديريات العامة للتربية، ومجالس محو الأمية في المحافظات، وكان يفترض ان تبدأ الحملة الوطنية لمحو الأمية كما كان مقررا رسميا بكل المحافظات وبتاريخ 2012ـ09ـ11 . 

ولكن سنوات ما بعد احتلال أمريكا للعراق (2003 ـ 2018 ) هي سنوات أقتتال داخلي وعدم استقرار سياسي وغياب منظومة حكم قائم على اساس المصالح الوطنية وسنوات انتعاش للأرهاب وخاصة الداعشي منه حيث احتلاله لأكثر من 30بالمائة من الاراضي العراقية في عام 2014 الى جانب الصراعات الأثنوطائفية سياسية بين الاحزاب التي تدير دفة الحكم, الى جانب ما استشرى في البلاد من فساد اداري ومالي وسرقة للمال العام استنزفت موارد البلاد ومنعته من أي نهضة اقتصادية واحتماعية, ويصل اهدار المال العام حسب بعض التقديرات منذ 2004 الى اليوم ما يقارب الألف مليارد دولار, مما ادى كل ذلك الى تدمير البنية التحتية المجتمعية والاقتصادية والى فساد شرس في كل قطاعات الدولة ولا يوجد في الأفق ما يشير الى وضع حد له او معالجته, وما جاء بعد الخلاص من داعش الارهابي من نتائج ديمغرافية تمثلت في النزوح السكاني لملايين من السكان بسبب العمليات الحربية ضد داعش, وينتظر سكان هذه المناطق عودة آمنة الى اراضيهم, الى جانب الخراب شبه الكامل للكثير من مناطق الصراع مع داعش, كل هذا وجد انعكاساته الخطيره على قطاع التربية والتعليم وعلى العملية التربوية والتعليمية على نطاق المجتمع كله, ناهيك عن الخراب في البنية التحتية والمؤسساتية لقطاع التربية والتعليم الى جانب عشعشة الفساد الاداري والمالي فيه.   

ففي الوقت الذي تسلم فيه العراق عام 1979، 5 جوائز من منظمة الأمم المتحدة، للتربية والعلم والثقافة، اليونسكو، بعد أن استطاع خفض نسبة الأمية دون 10%. أما اليوم، فآخر إحصائية نشرتها وزارة التخطيط، الجهاز المركزي للإحصاء، بيّنت أن نسبة الأمية بين الشباب للفئة العمرية بين 15 و 29 سنة خلال عام 2017 بلغت 8.3%، كانت حصة الذكور منها 6.5% فيما شكلت حصة الإناث منها 10.2%، ولفتت الإحصائية الى أن نسبة 32.5% من الشباب من الفئة العمرية 15 إلى 29 سنة ملتحقون بالتعليم حالياً، وشكلت نسبة الالتحاق من الذكور 35.9%، مقابل 28.8% من الإناث. من جانبها حذرت المفوضية العليا لحقوق الإنسان من اتساع الأمية بين الشباب، وسط تحذيرات من اتساع ظاهرة الأمية عموما.ًوأكدت المفوضية، أن الأمية تركزت في مناطق النزوح والمحافظات المحررة حديثًاً من داعش الإرهابي، حيث تشهد تلك المناطق تسرب الطلاب من المدارس بشكل ملحوظ للعمل وتوفير لقمة العيش. ووفقا لدراسة سابقة اجرتها وزارة الشباب والرياضة اكدت ان هناك 9 ملايين شاب في الاعمار مابين 15 و 29 عاما, ثلاثة ملايين منهم لايعرفون القراءة والكتابة. رغم ان الهيئة العليا للجهاز التنفيذي لمحو الأمية تؤكد انه ومنذ عام 2012 تم تخريج دفعات من الدارسين في مراكز محو الامية تجاوز عددهم 1.5 مليون. واذا اردنا ان نضيف اعداد المتسربين من مختلف المراحل الدراسية والتاركين للدراسة الابتدائية قبل اكمالها وكذلك من لم يصلهم المسح والاحصاء, فأن النسب تبدو كارثية. وهناك احصائيات تؤكد ان نسبة الأمية في العراق على عموم السكان قد تصل الى ربع السكان.

ولعل أبرز المهمات الملحة والتي لا تقبل التأجيل والتي تسهم في مكافحة الأمية هي:

ـ محاربة الفساد في المنظومة التربوية والتعليمية أسوة بمحاربته في كل القطاعات الاجتماعية والحكومية, فمحاربة الفساد هو من يعطي بارقة أمل مفادها ان كل ما ينفق على التعليم والتربية ممكن التأكد منه ومن مخرجاته.

ـ وضع ملامح سياسية تربوية وتعليمية واضحة تستند الى معطيات الفلسفة الانسانية التي تؤكد ان الدارس هو محور العملية التربوية, ومن أجله تصاغ المناهج الدراسية المتطورة بعيدا عن عناصر التربية الطائفية والاثنية الشوفينية الكريهة.

ـ التوعية الشاملة بفوائد برامج محو الامية على المستوى الفردي والمجتمعي.

ـ وضع منهاج شامل لمحو الامية بحيث يكون مناسبا للفئات المستهدفة من المستفيدين ومرتبطا بنطام التعليم الرسمي. 

ـ توفير التمويل الكافي لوضع برامج محو الامية.

ـ التنسيق بين كافة الاطراف الرسمية وغير الرسمية من الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والحكومي.

ـ وضع هيكلية واضحة على المستوى الاتحادي والمحافظات والمجتمع المحلي لوضع المبادرات الملموسة لمحو الأمية.

ـ تفعيل ستراتيجية وطنية شاملة وقانون يحكم مسألة محو الأمية ويوفر القدرة المؤسسية في جمع البيانات الدقيقة لرسم استرايجيات وخطط شاملة. 

ـ دراسة احتياجات الدارسين لوضع برامج مناسبة ومبتكرة تستجيب لعموم حاجات المتعلمين.

ـ التدريب المستمر على افضل المبتكرات ووسائل التعليم الحديثة لمحو الأمية.

ـ ابعاد مراكز محو الأمية عن النشاطات الحزبية والطائفية ومنع تحويل مراكز محو الامية الى مراكز دعاية لتلك الاحزاب.

ـ الاستفادة الحية من تجارب الشعوب المختلفة في محو الأمية.

بالتأكيد ان افضل الامنيات والمقترحات لمحو الامية في العراق تبقى حبر على ورق مالم تعالج جذور الازمة السياسية التي عصفت في البلاد منذ عقد ونصف من الزمن والتي افرزت مختلف الظواهر المرضية, والتي تشكل الأمية احداها. أن البحث عن فلسفة واضحة للتربية والتعليم في العراق يكمن في وضوح هوية النظام السياسي القائم واهدافه في بناء الانسان العراقي والتي يترجمها بمفردات السياسة التعليمية, فعسى ان يكون اليوم العالمي لمحو الأمية حافزا لكل من له ضمير صادق ومخلص للعراق.



                                                                                                                                                     


 



43
الصلافة في الحديث عن الديمقراطية والمعارضة السياسية والتداول السلمي للسلطة

د.عامر صالح 

الحديث عن المشاركة السياسية في الحكم حق مشروع لجميع القوى السياسية المؤمنة بالديمقراطية بعيدا عن الأقصاء والتهميش ومصادرة أرادة الغير في صنع القرار, وخاصة بعد عقود من الحكم الدكتاتوري القمعي الذي أنفرد في السلطة, سواء في العراق الذي عانى شعبه الكثير من مصادرة الحريات والتسلط والحروب العبثية, او معظم الدول العربية, وبالتالي اصبح هاجس المشاركة من قبل الشعب في اختيار الحاكم وتقرير طبيعة الحكم بمثابة عطش مزمن وحاجة لا يمكن النتنازل عن اشباعها مهما بلغت شدة الحرمان.

لم تكن مشاركة الشعب في صنع القرار سهلة كما تصورها الكثير بعد سقوط الدكتاتورية في العراق عام 2003 عبر الأحتلال الامريكي, وكذلك لم تكن سهلة هي الأخرى في تجارب ما يسمى " الربيع  العربي " في 2011, وكلا التجربتين العراقية والعربية والتي كان مخطط لها في اذهان شعوبها ان تكون ديمقراطية وبديل عن أنظمة القمع والتفرد, تحولت الى بلدان مستباحة من الفوضى والميليشيات المسلحة, الى جانب الدخول في مشاريع التشرذم الطائفي والديني والأثني والمناطقي والارتهان الى مرجعيات من خارج البلدان تقرر اتجاهات التغير في الداخل وتتحكم في المعادلات السياسية وصنع القرار, رغم ان السائد الشكلي هو ديمقراطية تعددية عبر صناديق الأقتراع.

كانت حمولة الأسلام السياسي من اكثر الحمولات شحنة للتفريغ بعد سقوط الانظمة القمعية الدكتاتورية, وممكن القول انها انفردت تقريبا في رسم ملامح المشهد السياسي على ارض الواقع مستغلة غياب البدائل السياسية الاخرى وضعفها في الساحة السياسية جراء القمع والتهميش طويل الأمد الذي عانت منه من النظم التسلطية, الى جانب ان حركات الأسلام السياسي بعد التغير لجأت الى استخدام السلاح والتكفير لفرض اجندتها السياسية واضطهاد الآخر المغاير لها في التفكير والتضييق عليه. 

وتشهد اليوم الساحة العربية والعراقية صراع يتخذ طابعا دمويا تصفويا بدرجات مختلفة للأستحواذ على السلطة وتوزيع مغانمها والواجهة الاساسية لذلك هو صناديق الأقتراع وادعاء التداول السلمي للسلطة, فمن يحكم منهم يحكم ومن يختلف يدعي المعارضة السياسية, والواجهة لذلك ايضا الديمقراطية التي تسمح بحضور لمفهوم " المعارضة والموالاة ". فهل يؤمن الأسلام السياسي بالديمقراطية الغربية حقا وبالتداول السلمي للسلطة والأيمان فعلا بنتائج انتخابات نزيهة والركون الى آراء الشعوب في تقرير مصيرها. 

أكدت تجربة العراق منذ اكثر من عقد ونصف وتجارب عربية اخرى أن صناديق الأقتراع لا تتجاوز كونها تقنية شكلية للأستحواذ على السلطة واعادة انتاجها, سواء في تجييش الناس صوب صناديق الاقتراع او تزوير نتائج الانتخابات او حرق صنادق الانتخابات وتأسيس مفوضية انتخابات قائمة على أسس من المحاصصة الطائفية السياسية والاثنية لضمان سقف مقبول من النتائج يضمن بقاء الاوضاع كما هي. 
مفهوم الديمقراطية الحقه والتي تبني مجتمع المواطنة ودولة العدل كما ترد: "هي حالة الترابط العضوي بين جملة قضايا ومسائل ومفاهيم ومقولات تشكل نسيجا” ضاما فيما بينها، ويمثل غياب أو سقوط أي منها ثلما و”شرخا” في هذا النسق مما يؤدي إلى إصابتها أي الديمقراطية بتشوه خلقي وعيب وجودي وصولا إلى خواء المضمون على المستوى الواقعي. ليس بخاف أن لا ديمقراطية حقيقية بدون العلمانية ولا ديمقراطية بدون الأنسية أو الإنسانوية والمرجعية الدنيوية التي تجعل البشر وحدهم مصدر المشروعية ومناط الحقوق والواجبات وإذا “مصدر القانون ومناط الحرية المرتبط بجملة تعينات وتجليات وأشكال مثل حرية التفكير والاعتقاد والإيمان   والتعبير والتمثيل وربما حرية وحق أن يكون الشخص ملحدا”، بوضوح إن الحرية لكذلك على وجه اليقين والتأكيد".                   .                       .                           
 

" كما تعني حق الإنسان على عقله وذهنه ونفسه وجسده وحريته التي تترتب على هذا الحق دون أن يعني ذلك إيذاء “نفسيا” أو ماديا للغير. وحين نقول الإنسان فلا فرق بين الرجل والمرأة التي يشكل حقها وحريتها وطريقة تفكيرها وأسلوب وجودها وعلاقتها بالشريك وسائر أنماط عيشها المرتبطة بكيانها جزءا لا يتجزّأ ولا يقل من حيث المبدأ عن حق الرجل وحريته ومشروعية وجوده التي تبيح له أن يحيا كما يشاء، لا بل  ويقال أكثر من ذلك، أن لا مشروعية ولا حق ولا حرية للرجل بدون حق وحرية وسعادة المرأة، فكيف هو الحال إذا كان مجتمع الرجال سيبني الحق والحرية والسعادة على أنقاض ودونية وابتذال المرأة".                                           
                                       

أن معضلة مجتمعنا الكبرى هي ليست مع أشخاص, بل مع الأسلام السياسي الغير مؤمن بالديمقراطية أصلا, والتي يراها لعبة غربية لا تصلح لمجتعاتنا, وأن الاسلام السياسي مكره على ممارستها في ظل الظروف العالمية الضاغطة والتي لا تقبل إلا بالتدوال السلمي للسلطة وفي ظروف طبيعية وصحية. في عودة سريعة لضبط مصطلح الديمقراطية وماهيته والذي يخدمنا كثيرا في هذا المقال, وهو أن الديمقراطية تعني حكم الشعب, أو الحكم للشعب, وإذا كان للديمقراطية مصطلحات عديدة إلا إن لها مدلولا سياسيا والذي شاع استخدامه في كل الأدبيات والفلسفات القديمة والحديثة وأنها مذهب سياسي محض تقوم على أساس تمكين الشعب من ممارسة السلطة السياسية في الدولة, فالكلمة العليا والمرجعية النهائية إنما هي للشعب ولا شيء يعلو فوقه, فهي تعني أن يضع الشعب قوانينه بنفسه, وأن يحكم نفسه بنفسه, ولنفسه, والحكومة التي تقبلها النظرية الديمقراطية هي الحكومة التي تقر سيادة الشعب وتكفل الحرية والمساواة السياسية بين الناس تخضع فيها السلطة صاحبة السلطان لرقابة رأي عام حر له من الوسائل القانونية ما يكفل خضوعها لنفوذه, وقد تبلورت هذه الفكرة فيما بعد تحت مصطلح السيادة, وقد عرفت السيادة بأنها سلطة عليا مطلقة لا شريك لها و لا ند متفردة بالتشريع الملزم, فيما يتعلق بتنظيم شئون الدولة أو المجتمع, فلها حق الأمر والنهي والتشريع والإلزام بذلك, لا يحد من إرادتها شيء خارج عنها, ولا تعلوها أو تدانيها سلطة أخرى, والسيادة في الفكر الديمقراطي إنما هي الشعب. وتتمثل ممارسة الشعب للسيادة في ثلاث جوانب رئيسية على الأقل هي :

ـ إصدار التشريعات العامة الملزمة للجماعة التي يجب على الجميع الالتزام بها وعدم الخروج عليها, وهذه تمارسه السلطة التشريعية..

ـ المحافظة على النظام العام في ظل تلك التشريعات, وهذه تمارسها السلطة التنفيذية..

ـ حل المنازعات سلميا بين المواطنين انطلاقا من هذه التشريعات, وهذه المهمة تمارسها السلطة القضائية, ويتبين من ذلك أن السلطة التشريعية هي أم السلطات الثلاث. 

وعلى خلفية هذه الرؤى فأن الديمقراطية كفلت الكثير من الحقوق والحريات التي تتحقق بها إنسانية الإنسان كحرية التنقل, والاستقلال في الرأي والتفكير, والمشاركة في القرار السياسي وفي اختيار الحكومة, وفي القدرة على رفض الحكومات وتغييرهم في حالة عدم صلاحيتهم, وفي حق التملك وحق الأمن والأمان, كما يحقق المساواة للجميع أمام القانون, والدعوة إلى الآراء وحرية تكوين الأحزاب, وحق المعارضة للسلطة القائمة, وحق الاقتراع العام, وتنظيم الانتخابات للوصول إلى الحكم, وتداول السلطة بين أفراد الشعب, واعتماد مبدأ الأغلبية في اتخاذ القرارات وسن القوانين.

وفي زحمة هذه الصلاحيات الواسعة للشعب في ظل الديمقراطية الحقيقية يقع الإسلام السياسي في دوامة الصراع النفسي والسلوكي مع القوى الديمقراطية ومع الشعب, كون هذه الأخيرة مصدر كل السلطات وبالتالي تشكل بديلا عن الشريعة الإسلامية ذات الطابع الإلهي, أي كما يفهمه الإسلام السياسي بأن جعل التشريع بيد الشعب هو إلغاء لشريعة الله تعالى, وهذه الخاصية التي تميزت بها الديمقراطية على تعاقب التجارب والأزمان, تعد من الاختلافات الحقيقية بينها وبين الإسلام, انطلاقا من قاعدة الإسلام التي جوهرها هي توحيد الله تعالى, والتي تعني أن يكون المسلم عابدا لله وحده, وذلك بالاحتكام إلى ما شرعه الله تعالى في كلها من صلاة وصيام وحج, معاملات بين الناس وخصومات, وفي شئونه كلها, وبالتالي أن تحل سلطة الشعب مكان سلطة الإلهة أمر غير مقبول جملة وتفصيلا لدى الإسلام السياسي.

في ظل تلك التعقيدات على مستوى قبول الديمقراطية كطريقة في الحكم وكنظام سياسي شامل وليست انتقائي مصلحي يجري صراع شرس بين مكونات قوى الأسلام السياسي من جهة, وبين الاسلام السياسي والقوى المدنية الفتية من جهة اخرى, ويجرى التشبث في البقاء عبر ترقيع ذات الأسلام السياسي وقوى اخرى متحالفة معه لأيجاد مخرج لأزمة البلاد المستعصية, فنجدهم تارة في الحكم وتارة في "المعارضة " عندما يجري الخلاف على توزيع غنائم السلطة, ويتبادلون المواقع عند حاجتهم لذلك, ولا يستغرب المرء من انتشار الفساد الأداري والمالي والميليشيات المسلحة الاجرامية وانعدام االخدمات الاساسية الحياتية حيث انعدام استقرار النظام السياسي.

44
عاشوراء الحسين بين الأسلام السياسي وسيكولوجيا جلد الذات


د.عامر صالح 

عاشوراء مناسبة دينية اسلامية, تحل سنويا في اليوم العاشر من محرم " الشهر الأول في السنة الهجرية " ويختلف التعاطي معها بين المسلمين من السنة والشيعة, ففي الوقت الذي يخصها السنة يومها بالصيام احتفالا بنجاة النبي موسى واصحابه من الطغيان والغرق, فأن الشيعة يحيي فيها استشهاد الأمام الحسين بن علي أبن ابي طالب في " موقعة كربلاء" في معركة الطف سنة 61 هجرية ( 680م ) مع جيش يزيد بن معاوية.   

 ورغم اختلاف القراءة لواقعة كربلاء, سواء من منطلقات دينية او سياسية او انسانية, والتي تراوحت هذه القراءة بين تهويل وتضخيم الحدث وحرفه عن مسار الأحداث الطبيعية الممكنة الحدوث وادخال الحدث في عالم الغيبيات المعرقلة للعقل, وبين دراسة واقعية تجري الاستفادة من الحدث وعناصره الأيجابية في تشخيص الحاضر وتداعياته ورسم ملامح المستقبل من خلال القوة الايجابية الكامنة في الحدث, ظل من المسلم به استحضار سلوكيات المحبة والاحترام وشعائر الاستذكار للأحداث, ليست فقط لدى الشيعة, بل لدى كل الطوائف الإسلامية, والديانات السماوية الأخرى وحتى غير السماوية, و ليست في العراق فقط بل في بقاع مختلفة من العالم العربي والاسلامي, فقد ذكر المفكر والمستشرق الانكليزي ادوارد دبروان: " وهل ثمة قلب لا يغشاه الحزن حين يسمع حديثا عن كربلاء؟ وحتى غير المسلمين لا يسعهم إنكار وطهارة الروح التي وقعت هذه المعركة في ظلها ". كما تحتفل قوى وطنية وسياسية كثيرة في العراق وخارجه بكل صدق وإخلاص بذكرى استشهاد الحسين تيمنا وأيمانا بقيم الحق والعدل والمساواة.

وفي الطرف الآخر حيث تقوم أحزاب الإسلام السياسي والمتأسلمين  بتجيش مشاعر محبي الحسين وتعبئة الناس لزجهم في آتون الكراهية والاستفزاز الطائفي والديني وتعطيل مؤسسات الدولة وحرف نضالات الجماهير المطلبية من اجل تحسين ظروف العيش.
وفي الوقت الذي يكرسون فيه صناعة البطالة والكسل و الفقر وانتشاره باعتباره قدر إلهي لا بد منه,  ينغمسون من رأسهم حتى أخمص قدميهم في مباهج الحياة الدنيا, يرفلون في نعيمها وخيراتها ويجرون ملهوفين وراء متاعها وملذاتها ويستحوذون على ارفع المناصب والوظائف, ويعيثون فسادا في الدولة, متناسين قول الحسين " أن الكسل يضر بالدين والدنيا ", وأن العمل النزيه بمنزلة العبادة كما أريد له في الدين, و تقوم هذه القوى بتكريس العداء للآخر المسالم الذي قد يختلف معنا في التفكير, ولكن قد لا نشك في محبته للحسين باختلاف مظاهر التعبير عنها, فكما نعرف جميعا أن حب الحسين والاحتفاء به ليست حكرا على طائفة بعينها أو بحزب سياسي لذاته, فقضية الحسين ابعد بكثير من ارتهانها طائفيا أو حزبيا, انطلاقا من  أبعادها العالمية التي تتجاوز حدود الدين والطائفة والحزب والجغرافيا التي جرت فيها الأحداث. يقول الكاتب المسيحي كرم قنصل: " أن سيرة الحسين مبادئ ومثل وثورة أعظم من حصرها ضمن الأطر التي حصرت بها, وعلى الفكر الإنساني عامة أن يعيد تمثلها واستنباط رموزها من جديد لأنها سر السعادة البشرية وسر سؤددها وسر حريتها وأعظم ما عليها امتلاكه ". لن نسمع في أوساطنا المسيحية والصابئية والسنية أو غيرها أن يذكر الحسين بغير ذكراه الايجابية المناضلة .

واليوم إذ يختلط فيه الديني بالسياسي بعنف, وخاصة في ظروف العراق الحالية التي تأسس فيها نظام الحكم بعد سقوط الدكتاتورية 2003, على أسس من المحاصصات الطائفية  والعرقية, حيث ساعد على استنفار الورقة الطائفية واستخدامها من قبل الإسلام السياسي الطائفي, ويجري التعمد في خلط المشاعر بين حب الحسين ابن علي و ممارسة طقوس الاعتزاز به كما في عاشوراء, و بين ثقافة تعبئة الحشود التي تلجأ إليها هذه القوى في محاولة منها لاستنزاف القوى العقلية والفكرية للجماهير المليونية والمحبة حقا للحسين, وتحويلها إلى كتلة بشرية صماء غير قادرة على تعقل أحداث عاشوراء والطف واستلهام الدروس منها في المحبة والإخاء والعدل والمساواة والكرامة واحترام قيم العمل والتعايش السلمي, بل يجري العزف المكثف على الانفعالات المصاحبة لهذه الذكرى الجليلة لحرفها وإضفاء الصفة السلبية عليها وحصرها في حدود أهداف سياسية أنانية وتعبوية ضيقة, عندها يسهل الترويج للإسلام السياسي الطائفي بغطاء عاطفي ومنفعل ليصب مزيدا من الزيت على نار الصراعات والاحتقانات المتقدة بين أبناء الطائفة الواحدة وبين الطوائف الأخرى, وخاصة عندما تجري هذه الصراعات في بيئة الفقر والحرمان والذي بلغت مداه بحدود 70% في مناطق الوسط وجنوب العراق.

كيف استطاع الإسلام السياسي والطائفي منه بشكل خاص, ذو الخطاب المهيج للانفعالات قبل العقل أن يخترق الوسط الشيعي وأن يؤسس لكانتونات سياسية شديدة التركيز في العدة والمال والسلاح, تلك هي قصة سيكولوجية تراكمت أسسها وتجذرت في اللاوعي الجمعي للوسط الشيعي وفي وجدانه وسلوكياته, ارتبطت جذور شدتها في استشهاد الحسين, وان كانت تمتد بجذورها إلى عدم تولي الإمام علي ابن ابي طالب للخلافة بعد وفاة النبي محمد, وأن آثارها بقيت في أذهان الشيعة وخاصة العوام منهم, حيث أن النخب الشيعية أو الخواص ورموزهم استطاعت أن تجد لها وطأة قدم وتؤسس  سلطاتها الدينية المؤثرة وتضفي على نفسها هالة من القداسة مستفيدة من زخم الأحداث وشدة تكثيفها وإيحائها ورمزيتها الشديدة, وفي أحيان كثيرة كانت موازية للنظم السياسية المقيمة فيها, مدعمة بالمال السخي الذي يمنح لها في السر والعلانية من الهبات والتبرعات والخمس القادمة من الأوساط الشيعية الواسعة والفقيرة أصلا, إلى جانب نسب من العوائد المالية القادمة من زيارة المراقد المقدسة للأئمة من قبل الزوار من داخل الحدود وخارجه.

وقد بقى وقع استشهاد الحسين وآثاره النفسية المتراكمة شديدا على عوام الشيعة, والذي شكل بدوره أرضا خصبة لتسلل وانتعاش الإسلام السياسي الطائفي وقوى التطرف الديني عبر خطابات ذرف الدموع واستحضار مكنونات اللاشعور الفردي والجمعي لدى الوسط الشيعي, وهذا لا يعني أن عوام الشيعة كانوا معتكفين في منازلهم " عملا بمبدأ التقية الشهير لديهم " ولم يمارسون السياسة بمختلف مظاهرها وألونها وكانوا ينتظرون قدوم الإسلام السياسي والطائفي لإنقاذهم, فتلك مجافاة للحقيقة التي يدركها الجميع, فقد انصهروا في الكثير من الأحزاب اليسارية واليمينية والقومية والرجعية طواعية وبدون ضغوط عليهم " عدا بعض محطات الإكراه في الانتماء " والذي شمل الجميع كما هو الحال في التبعيث سيئ الصيت, وكانوا في أحيان كثيرة من مؤسسي هذه الأحزاب وقيادتها, كما شكلوا جمهورا واسعا للكثير من الأحزاب بما فيها الحاكمة وأجهزتها الأمنية والمخابراتية والقمعية, واعتقد أن تجربة العراق عبر تاريخه غنية بهذا الجانب وشاهد على ما نقول, فجماهير أحزاب الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي لم تكن مستقلة بالأمس عن السياسة, فالكثير منهم له جذور انتماءات قومية وعروبية وبعثية وغيرها.

المهم في ذلك مجددا هو كيف استطاع الإسلام السياسي الطائفي وفي فترة قصيرة جدا لا تتجاوز العقد والنصف من الزمن, وفي ظل غياب مشروعه التنموي والحضاري الشامل,  أن  يستقطب الشارع الشيعي ويعبئ الناس بطريقة " مشجعي فريق كرة قدم خاسر ", بعيدا عن الإعداد والتربية الفكرية والتنظيمية كما هو متعارف عليه في تقاليد عمل الأحزاب في المجتمعات المتمدنة التي تتداول فيها السلطات سلميا, وكذلك بالنسبة للأحزاب التي تمارس العمل السري في أوطانها نتيجة لظروف القهر والاستبداد وكما كان معمول به في العراق في عهد النظام الدكتاتوري. لقد استطاع الإسلام السياسي الطائفي ورموزه المتطرفة  أن تعيد صياغة ذهن المواطن الشيعي من خلال قراءة وجدانية معكوسة لثورة الحسين ولأهدافها الإنسانية الكبرى, قوامها الانفعالات السلبية الضارة المغلفة بمشاعر الإحساس بالدونية والمتلبسة بجريمة قتل الحسين وكأنها تقول القاتل" أنا " دوما ومن هذه الأرض, فيجب أن ادفع الثمن غاليا ويجب أن تتوقف الحياة على مدار السنة والساعة تبريرا وعزاء وعقوبة لذاتنا لما قمنا به من جريمة نكراء, وتصل هذه المشاعر إلى حد التأصيل في عقدة مضخمة تتضح ملامحها في الأبعاد النفسية الآتية:

ـ تشديد قبضة الشعور المستمر بالذنب تجاه الحسين ابن علي من خلال تكريس المشاعر التي تعكس بأننا استمرار لهؤلاء الذين تركوا الحسين بمفرده من دون نصرة بيد الظالمين, ونحن الذين تركناه لوحده مع خيرة آل البيت يواجهون الموت في الصحراء عطشا وجوعا على يد جيش يزيد الظالم, وهو شعور ناتج من قراءة تقطع الصلة بالزمان الذي جرت فيها الاحداث حيث طبيعة الناس آنذاك تختلف وكذلك خصوصية الصراع الذي حصل.

ـ تكريس الحزن والكرب والمعاناة في حياة الناس اليومية وممارسة سلوكيات التكفير عبر التعزيز المستمر لطقوس مؤلمة وحزينة تجلد الذات جلدا مبرحا أكثر مما تيسر حياة الناس وتبعث فيهم الفرح والبهجة بمشروع الحسين الكبير, كتطبير الرأس والضرب بالزناجيل على الظهر واللطم على الوجه والصدر والجبين, وما يصاحبها من مشاعر المزيد من الإحساس بعقدة الذنب والاضطهاد والعدوانية الموجهة إلى الذات والى الآخرين.

ـ  الإحساس العميق بالظلم والغدر والشعور بالمرارة تجاه ما حدث والرغبة في الثأر ممن فعلوا ذلك أو تواطئوا فيه أو سكتوا عنه, وهي آلية تزرع العدوان اتجاه الذات وتهدد التوازن النفسي للإنسان وتسهل الإقدام على مختلف الأعمال المذلة والمدمرة للكيان الشخصي والذاتي وتبخسه وتحط منه, عبر الإحساس الذاتي بعدم جدارتنا في الحياة, ولن يصدر عنا أي فعل خير, ولا يحق لنا أي اعتبار أو تقدير, وهو ميكانزم أساسي في سيكولوجيا الإنسان المقهور وخاصة في بيئة الفقر والتخلف الاجتماعي وانتشار الأمية, إلى جانب توجيه هذه العدوانية تجاه الآخرين المغايرين وخاصة عندما نضعهم بصفة مرتكبي جريمة قتل الحسين اليوم  بغض النظر عن الزمان والمكان الذي جرت فيه الاحداث الحقيقية.

ـ زرع الخوف من الآخر والتشكيك فيه واعتباره قابلا  للغدر في أي لحظة ما, وهي حالات تصل إلى حد بارانويا الاضطهاد, وتكريس سلوك اخذ الحيطة والحذر, ويترتب على ذلك الكثير من الدوافع في امتلاك السلاح وحيازته على نطاق واسع وبعشوائية استجابة لمشاعر الإحساس بالظلم والاضطهاد والعزلة لحماية الذات من العدو بعيدا عن دور الدولة في هذا المضمار, يقابله في الطرف الآخر الصراع  المكثف للانتساب إلى أجهزة الشرطة والجيش والمخابرات وامتلاك ناصية القوة في الوزارات ذات العلاقة استجابة لعدو وهمي قد يهجم في لحظة ما " وهذا لا يعني التقليل من قدرة  الآخر وعدوانيته في الغدر إن كان حاقدا متطرفا داعشيا أو وهابيا ", إلا أن السلاح يجب أن يكون حصرا بيد الدولة الديمقراطية, وقد تفسر ظاهرة التسلح العشوائي في بعض جوانبها استجابة معاكسة وردة فعل لما كان يمتلكه النظام الساقط من سطوة وقوة وأجهزة قمعية, وتتحول بفعل ذلك عملية التسلح إلى كارثة على الطائفة نفسها بسبب من يدعي تمثليها من مختلف الأحزاب الإسلامية والجميع مدجج بالسلاح.

ـ لقد عمل الإسلام السياسي والقوى المتطرفة بتكريس فكرة أن حدث الحسين واستشهاده هو حدث خاص بالطائفة الشيعية ولوحدها فقط , وما تبقى من طوائف ومذاهب خارج البيت الشيعي فأن صلتها ثانوية بالحدث من حيث الاحتفاء والإجلال به والاستفادة من دروسه الايجابية, إن لم تكن مساهمة في مأساوية الأحداث, وهذا التصور الشائع أضفى على الوسط الشيعي مسحة انفعالية سالبة معززة للتشدد ومساهمة في انعزال المجتمع الشيعي عن الوسط المحيط به من طوائف ومذاهب, رغم وجود مشتركات كبيرة بينها في طقوس العبادة والشعائر الدينية, وخاصة مع الطائفة السنية, حيث يشتركون كلا الطرفين في الإيمان بالله وبرسله وبخاتم الرسل والأنبياء محمد وتأدية مناسك العمرة والحج, وهذا ليست من باب ألقاء اللوم على الشيعة في تضييق فرص الحوار مع السنة, ولكن أيضا ومن تجارب الحوار بين الطائفتين أن للسنة بعض من شروطهم التعجيزية في قضايا مفصلية بالنسبة للشيعة كالتقية والعصمة والمرجعية والفهم المغاير للكثير من نصوص القرآن وتفسيره وقضايا فقهية كثيرة, إلا إن الطريقة التي تفهم بها طبيعة أحداث كربلاء وشهادة الحسين, لها ما لها من آثار مسبقة في تضييق فرص الحوار ملقية بضلالها السلبية في التقارب المذهبي, وخاصة عندما يزج الدين في السياسة وتتداخل المصالح الأنانية, فلم يرى كلا الطرفين غير اللون الأسود.

ـ أن تأصيل الشعور بالذنب لدى الوسط الشيعي اتجاه الحسين بسبب من عدم نصرته في معركته العادلة مع يزيد, يقابله في الطرف الآخر الإعجاب الشديد ببطولته وتحديه لسلطة يزيد بدء من مقولته الشهير: " لا بيعة ليزيد, شارب الخمور, وقاتل النفس المحرمة ", وعلى الرغم من الكثير من النصائح والتحذيرات التي قدمت للحسين بعدم الدخول في هذه المعركة بسبب عدم تكافئ الجيشين وتوقعات باستشهاده, إلا انه ترك ارض الحجاز متوجها إلى العراق قائلا: " لو لم يكن في الدنيا ملجأ و لا مأوى لما بايعت يزيد ", وكان يعي تماما حاجة الأمة الإسلامية لمثل هذا الموقف الشجاع " بغض النظر عن التفاصيل ", وخاصة على اثر بيعة الحسن لمعاوية والتي أثارت الكثير من الالتباسات لدى المؤمنين آنذاك, أن هذا التداخل في المشاعر اتجاه الحسين والتي هي خليط من مشاعر الحسرة والندم لعدم نصرته, إلى جانب الإعجاب بصموده وبطولته أدى إلى حالة من التقديس والتعظيم للحسين, فهو بقدر ما يستحقها بعقلانية الإيمان, إلا أنها تركت لدى أوساط الشيعة استقطابا وجدانيا شديدا, وتحول هذا الاعتزاز والحب إلى موضوع خلاف وكراهية اتجاه الرموز الأخرى في الإسلام, أو كما يقال في الدارج من زاد على حده انقلب إلى ضده, خاصة عندما توظف هذه المحبة في غير مكانها ولتغذية الصراعات المذهبية.

ـ لقد استغل الفراغ الكبير الذي تركه استشهاد الحسين بتكريس السلوك التعويضي بمظهره السلبي, والذي يضعف من قدرة الإنسان العقلية والفكرية على تجاوز مأساوية الأحداث وأتحاذ زمام المبادرة وتأسيس العقل الناقد, مما سهل لاحقا تسليم الأمور ومصائر الناس بيد سلطات دينية مطلقة تمثلت في المرجعيات الدينية وإضفاء عليها صفات القداسة والطاعة والعصمة على نسق ما يضفى على الأمة ألاثني عشر, مما عبر عن حاجاتهم النفسية المستمرة على نسق الحاجات الطفولية إلى شخص راشد يتولى زمام أمورهم ويسلمون لهم قيادتهم, مما أدى بدوره إلى تضخم دور المرجعيات ليتجاوز حدود تأثيرها المجال الديني ليمتد إلى الجانب السياسي والاجتماعي, والتجربة العراقية اليوم دليل على هذا التأثير المتعاظم للمرجعيات على الأحداث السياسية الكبرى كالانتخابات والدستور وتوزيع المناصب الحكومية’ حتى لتبدو وكأنها المصدر المطلق لكل السلطات, مما يحقق لها سيطرة سيكولوجية كاملة تتشكل داخل المنظومة النفسية للإنسان  وتمنعه من الاختلاف معها أو عدم الخضوع التام لها, والمشكلة ليست بوجود مرجعيات, فالمسيحية لها مرجعية يجسدها البابا, واليهودية كذلك لها الحاخام , ولكن المشكلة تكمن بشمولية واتساع نطاق صلاحياتها الذي يتجاوز الديني.

أن الاستفادة من أسباب ودروس ثورة الحسين في مكافحة الظلم ونشر العدل, واستتاب الأمن, والوقوف ضد الحاكم الظالم كائن من كان ومن أي حزب وملة وطائفة, وضد فساد الحاكم وانحراف جهاز الحكومة, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ومحاربة الفساد بألوانه, ومقارعة الذل والمساومة, وأيقاظ الضمير وتحريك العواطف الإنسانية, وإصلاح حال الوطن وضد تشويه القيم الإنسانية النبيلة, وفي احترام العهود والمواثيق, نحن اليوم بأمس الحاجة لها لإشاعة مجتمع العدل والقانون والحرية والديمقراطية, بعيدا عن قراءة ثورة الحسين بأطر سياسية ومصلحيه ضيقة وتوظيفها لمآرب تجلب الضرر لنا جميعا وتعدم الاستقرار في حياة الناس, أما التعاطف مع مأساة قصة الحسين فأكتفي بقول المؤرخ الانجليزي جيبون بقوله: " إن مأساة الحسين المروعة بالرغم من تقادم عهدها وتباين موطنها لا بد أن تثير العطف والحنان في نفس أقل القراء إحساسا وأقساهم قلبا ". اليوم نحن في العراق وبعد تجربة اكثر من عقد ونصف من الزمن زج فيها الدين في السياسة بأكثر الاشكال تعسفا وعرقلة للشأن العام, نبقى بأمس الحاجة الى اعادة قراءة واقعة كربلاء وتوظيف طاقتها الايجابية في خدمة الوطن والمواطنة وبناء النسيج المجتمعي الصالح والمترفع فوق الانتماءات الفرعية وفي مسارات تعزز من فكرة " أن الدين لله والوطن للجميع ".

45
أفتعال "قدسية كربلاء" بين فوائد الفنون والموقف الأسلاموي منها


د.عامر صالح 


أثار حفل افتتاح بطولة غرب أسيا بكرة القدم الذي أقيم في مدينة كربلاء العراقية, الثلاثاء الماضي, جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق وخارجه, وداخل أوساط دينية وسياسية دينية وأخرى تنتمي لعموم التيار المدني. وشهد الحفل الذي اقيم على ملعب كربلاء الأولمبي, فعاليات فنية ومسرحية شاركت فيها مجموعة من الفتيات عبر تقديم عرض راقص وعزف للنشيد الوطني العراقي على آلة الكمان. وقد دعى مسؤولون محليون وقيادات دينية وسياسية الى محاسبة القائمين على الحفل باعتباره يتعارض مع قانون "قدسية كربلاء" الذي " يجرم " أية أجواء احتفالية أو سماع الأغاني في الأماكن العامة كما يحضر دخول النساء غير المحجبات الى المدينة. 

وعلق ديوان الوقف الشيعي, الخميس, على الحفل واعتبره " فعلا شنيعا يتجاوز الحدود الشرعية ويتعدى الضوابط الأخلاقية" وقبل ذلك قال محافظ كربلاء في بيان إن " الحكومة المحلية لم يكن لها أي دور في برنامج افتتاح بطولة غرب آسيا في ملعب كربلاء". فيما طالب رئيس الوزراء الأسبق الأمين العام لحزب الدعوة الاسلامية, نوري المالكي, الحكومة بفتح " تحقيق عاجل ومحاسبة المقصرين, ومن يقف خلف هذا التجتاوز الفاضح على حرمة المدينة المقدسة", ثم توالت قيادات دينية سياسية اخرى بأدانة ما جرى في حفل الأفتتاح ومحاسبة المقيمين على الاحتفال. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي جرت أدانة واسعة من سياسيين وناشطين مدنيين الهجمة التي طالت المنظمين لحفل افتتاح بطولة غرب أسيا, وأدانوا قوى الاسلام السياسي التي سببت الخراب والدمار والفساد للعراق وبددت ثرواته الطبيعية والبشرية, وتدخلها الفاضح والفج في شؤون الحياة العامة والخاصة للناس وزج الدين في السياسة.


وهنا لا اتناول ما حصل في ملعب كربلاء الأولمبي وافتعال الأسلام السياسي لأزمة عامة بهذا الخصوص, فهو جزء من سلوك يترجم فيه الأسلامويين الموقف الديني من مختلف الفنون, ولكني أشير هنا الى ما يثيره زحف التيارات الدينية المتطرفة والتي لا ترغب بفصل شؤون الحياة العامة وحرياتها عن الدين, في الكثير من البلدان ويشكل مصدر قلق لمصادرة المزيد من الحريات الشخصية والعامة, وفتح باب الارتجال والاجتهاد واتخاذ القرارات المنفعلة للهجوم على تراث شعوبها في الموسيقى والغناء والترويح وغيرها من المجالات لتحول حياة الناس الشخصية إلى حياة صماء وجحيم لا تطاق, متجاهلين نتائج العلوم والإرث الفلسفي والفكري لشعوبها  في قيمة الفنون و لمغزى ومعاني الفنون في الحياة اليومية وفي تهذيب وإعادة صقل السلوك الشخصي والاجتماعي, السوي منه والمرضي. فهل هناك من محاولة للتسوية أو لقاء بين الموسيقى والغناء وبين الدين, أم هناك زحف و إقصاء متواصل من قبل التطرف الديني للموسيقى والغناء والفن بصورة عامة, وتحويل الموسيقى والصوت الجميل وبالإكراه في خدمة الشعائر الدينية ذات الطابع الحزين في معظمه, وإلغاء فسحة الترويح الضرورية واللازمة لإعادة بناء النفس.

أن تجربة العراق من التجارب المؤلمة والحزينة في الهجوم والتضييق على الفن ومنها الموسيقى والغناء, والتي تعبر عنها منع إقامة مهرجانات الأغنية العالمية كما حصل لمدينة بابل والبصرة سابقا, وزحفا مستمر لمنع المسرح والسينما, و محاولات غلق الأندية ذات الصلة بالفنون الرفيعة كاتحاد الأدباء العراقيين, وغيرها من الظواهر الشؤم في كليات ومعاهد الفنون الجميلة,  والقادم أسوء في التضييق على الحريات والفنون بمظاهرها المختلفة في ظل ضعف دولة القانون وتكبيل حرية المواطن والتهديد بعودة المليشيات, مما اجبر ويجبر الكثير من الفنانين إلى مغادرة العراق أو العزوف عن الموسيقى والغناء, أو التحول إلى " الغناء " الديني في المناسبات المختلفة, حيث يحتاج هو الآخر إلى مواهب وأصوات جميلة مؤثرة وذات أهداف حشدية ـ  تعبوية وسياسية مختلفة في ظروف عراق اليوم بعيدا عن الذكرى العطرة للرموز الدينية.

أن الموسيقى والغناء هي ألوان من التعبير الإنساني, فقد يتم التعبير فيها عن خلجات القلب المتألم الحزين, وكذلك عن النفس المرتاحة والمسرورة, وفي الموسيقى قد يأتي المرء بشحنة انفعالية فيها ما يكفي من الرموز التعبيرية المتناسقة في مقاطع معزوفة يحس بها مرهف الحس أو من متذوقيه, وينفعل ويتفاعل سماعيا ووجدانيا وفكريا,يحس بها إحساسا عميقا وينفعل به انفعالا متجاوبا, مثله مثل أي من الكائنات الحية. ويقول أفلاطون بهذا الصدد: " أن هذا العلم لم يضعه الحكماء للتسلية واللهو بل للمنافع الذاتية ولذة الروح والروحانية وبسط النفس وترويض الدم. أما من ليس له دراية بذلك فيعتقد انه ما وضع إلا للهو واللعب والترغيب في لذة شهوات الدنيا والغرور بما فيها ".

لقد استخدمت الشعوب القديمة, العربية منها وغير العربية, الموسيقى سواء كانت في نغمات أو مقامات أو أغنيات, كوسيلة من وسائل التطبيب والعلاج, ففي زمن يونان القديمة امن شعوبها بأهمية الموسيقى في الشفاء من الأمراض, وكان " أبي أقراط " أول من استخدم الموسيقى بين اليونانيين إيمانا منه بقدرتها على تخفيف التعب والإرهاق وتعديل المزاج الحاد وشفاء الأمراض النابعة من الإنهاك العقلي والجسمي. أما الأطباء العرب فقد استخدموا الموسيقى في العلاج ومنهم " أبو بكر الرازي " و " الفارابي " و " أبن سينا " و " أخوان الصفا " و " الكندي ". فقد بين أبو بكر الرازي إن للموسيقى آثار سحرية تقي من تأجج أزماتهم النفسية. أما الكندي فكان يعتقد إن للإلحان الموسيقية آثارها الحسنة على صحة الجسم, إذ أنها تستخدم كمقويات للدم وكمسكنات وكمساعدة على التخلص من عسر الهضم. ويقول الكندي كذلك إن لآلة العود قدرة فائقة على التخلص من الآلام جميعها, ولذلك ادخل الآلات الموسيقية كالدفوف والأعواد لمعالجة مرضاه, وهو من أضاف الوتر الخامس للعود ونفذه عمليا زرياب. أما ابن سينا فله في هذا قوله المأثور: " الغناء أحسن رياضة لحفظ الصحة من العناء ". والفارابي الذي بلغ منزلة كبيرة في تضلعه للموسيقى علما ومزاولة, وكان يفخر بنفسه بأنه يضرب على العود, وهو الذي أكد على الأثر الايجابي للموسيقى في الحياة المدنية وخاصة عندما تتلبس بقول الشعر. ويذكر أخوان الصفا في رسائلهم عن استعمال الموسيقى في مشافي " المجانين " التي وجدت في ذلك العصر, حيث كان يلجأ الأطباء العرب لشفاء " المجانين" إلى استخدام الموسيقى لتخفيف الآلام عن مرضاهم أثناء النوبات, ويؤكد أخوان الصفا كذلك إن الموسيقى تؤدي إلى السكينة الكاملة والطبيعية لدى المرضى بعد الاستماع للنغمات الموسيقية.

وفي عالمنا المعاصر إذ تنهال علينا نتائج الأبحاث العلمية في ميادين التربية وعلم النفس والطب وغيرها من العلوم, وجميعها تؤكد على أهمية الموسيقى والغناء في حياة الإنسان وصحته الانفعالية والفكرية والعقلية والجسدية, وتشكل بدورها دليلا ميدانيا محكما في صحته لتلك الأهمية التي تحدث عنها التراث العربي والعالمي. ونستطيع أن نجمل بعض من فوائد الموسيقى والغناء في ضوء نتائج البحث العلمي بما يأتي: أن الموسيقى والغناء الهادئ يفيد الأفراد الذين يعانون من الأرق وتؤدي فعل المهدئات الطبية, كما تساعد على تنظيم النبض والتنفس والدورة الدموية والحد من التوتر العصبي, وتسهم في تخفيف حالات الاكتئاب والقلق, وتساعد على تخفيف آلام الظهر, والنخاع ألشوكي, والأمراض العصبية, وارتفاع الضغط وآلام الرأس, كما تساعد الموسيقى والغناء الذي يحبذه الشخص على زيادة إنتاجه في العمل أو الوظيفة التي يمارسها عند سماعه لذلك أثناء العمل و في ظروف لا تزعج الآخرين, كحمل السماعات في الآذان, كما أكدت الأبحاث أن سماع الموسيقى والغناء من قبل ممارسي رياضة الركض يفيد كثيرا في عدم إحساسهم بالتعب أثناء ممارسة هذا النوع من الرياضة, حيث تساعد الموسيقى على إفراز مادة " الاندروفين " في الدماغ والتي تساعد على عدم الإحساس بالتعب مقارنة بمن لا يستمع إليها أثناء أداءه للتمرينات, كما أبدى المصابين بالسكتة الدماغية والذين تدهورت لديهم القدرة على المشي, مزيدا من التحسن عند تدريبهم وسماعهم لنوع من الإيقاع الموسيقي, وقد أظهرت الأبحاث العلمية أن المرأة الحامل يكون نصيبها في حمل هادئ أكثر من نظيرتها المرأة التي لم تستمع إلى الموسيقى وكذلك أثناء الولادة حيث يكون الألم اقل في فترة المخاض لدى مستمعات الموسيقى, وتساعد الموسيقى والغناء المسنين والعجزة على تحسين الذاكرة واسترجاع المعلومات وحتى بالنسبة للشباب والأطفال. كما أصبح معروفا اثر الموسيقى على النباتات وانتعاشها وزيادة رونقها, وكذلك أثرها الواضح على " نفسية الحيوان ", مثل اثر النغمات الناعمة والهادئة على البقر في إدرارها اللبن, كما ونوعا, وهكذا فأن الموسيقى والغناء يشكلان بيئة مواتية للشفاء والعطاء لكل من الإنسان والحيوان.

أما بالنسبة للدور التربوي الذي تؤديه الموسيقى والغناء فقد عكفت النظم التربوية والتعليمية العالمية والمتطورة على تضمين مناهجها الدراسية بمادة الموسيقى والغناء وإعطاء حقها من المنهج الدراسي, وعدم استلابها لمصلحة المواد الدراسية الأخرى واعتبارها مادة ثانوية عديمة الجدوى كما يجري في نظمنا التربوية. وقد أكدت النظم التربوية المعاصرة أن هذه المادة الدراسية لها دور أساسي في النمو الجسمي, والعقلي, والانفعالي والاجتماعي, ووفقا لذلك فأن التربية الموسيقية تؤدي إلى تنمية التوافق الحركي والعضلي في النشاط الجسمي, والى مجموعة من المهارات الحركية, إضافة إلى تدريب الأذن  على التميز بين الأصوات المختلفة, ويتم ذلك من خلال أنشطة موسيقية متعددة كالتذوق الموسيقي والغناء والإيقاع الحركي والعزف على مختلف الآلات, وكذلك في تنمية الادراك الحسي والقدرة على الملاحظة وعلى التنظيم المنطقي وتنمية الذاكرة السمعية والقدرة على الابتكار, إضافة إلى مساهمة الموسيقى في تسهيل تعلم وتلقي المواد الدراسية الأخرى وارتفاع مستوى التحصيل فيها, إلى جانب تأثير الموسيقى في شخصية الطفل وقدرتها على خفض حالة التوتر والقلق فيصبح أكثر توازنا, إضافة إلى أن الموسيقى تستثير في الطفل انفعالات عديدة كالفرح والحزن والشجاعة والقوة والتعاطف وغيرها, وهو ما يساهم في أغناء عالم الطفل بالمشاعر التي تزيد من إحساسه بإنسانيته, كما تساهم الموسيقى في تنمية الجوانب الاجتماعية لدى الطفل, حيث تشتد أثناء الغناء والألعاب الموسيقية ثقة الطفل بنفسه ويعبر عن أحاسيسه بلا خجل وتسهل توطيد علاقاته بأقرانه, إضافة إلى الجانب الترفيهي في حياته, كما أن الموسيقى والغناء يعيدان إنتاج التراث الثقافي والفني في ذهنية الأطفال.

وأمام كل هذا الكم الهائل من الدراسات العلمية والتربوية والنفسية والتي تؤكد على استجابة الفطرة الإنسانية للموسيقى والغناء,  في صحتها ومرضها, نواجه الموقف الديني الذي يفسر نصوصه فقهاء الدين وتجسده ممارسات الإسلام السياسي على الأرض وبكل وضوح في التضييق على حريات الناس في الاستمتاع بالموسيقى والغناء وغيرها من الفنون, ويجري هذا التضييق ومصادرة حرية الأفراد في الاستمتاع بالفنون على خلفية الفهم المشوه للنصوص الدينية التي ترد في القرآن وكذلك في الأحاديث النبوية, كما لا يوجد خلاف على تحريم الموسيقى والغناء لدى كل المذاهب الإسلامية, إلا في بعض الاختلافات الشكلية والتي تصب جميعها في خدمة المحرم. ويستند هذا التحريم إلى ما ورد, على سبيل المثال لا الحصر , في سورة لقمان/الآية ( 6 ): ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ), وحسب جموع المفسرين فأن " لهو الحديث " يقصد به الغناء وما يلهي عن الخير والأكاذيب, وكذلك ما ورد في سورة الحج/الآية ( 30 ): ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ), ويقصد هنا " بقول الزور " لدى أهل السنة والشيعة هو مجالس الغناء وأيضا شهادة الزور أي شهادة الكاذبة ولا مانع " حسب المفسرين " من أن يكونا مقصودين في الآية المذكورة فتحمل على كلا المعنيين, وقد ورد أيضا في سورة الإسراء/الآية ( 64 ): ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك ورجالك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ), ويلتقي في هذه الآية  كل من أهل السنة وأهل الشيعة على تفسير معنى " بصوتك " والمقصود بها هنا هو الغناء والمزامير واللهو والملاهي, وآيات قرآنية كثيرة تشير إلى تحريم الغناء والعزف على مختلف الآلات الموسيقية لا مجال لذكرها بكثافتها هنا.

أما في السنة النبوية فقد جاء التحريم مطابقا لوروده في القران, والأحاديث النبوية هي الأخرى لا حصر لها, واذكر القارئ هنا ببعض من هذه الأحاديث لكي تسند الحديث عن تحريم الغناء والموسيقى, يقول النبي محمد: ( إياكم  واستماع المعازف والغناء, فإنهما ينبتان النفاق في القلب, كما ينبت الماء البقل ), ويقول أيضا في حديث آخر: ( إن الله بعثني رحمة للعالمين, ولأمحق المعازف والمزامير, وأمور الجاهلية ). كما يدخل الأئمة هنا على خط التحريم ليؤكدوا ذلك, كما في قول الإمام الصادق: ( بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة, ولا تجاب فيه الدعوة, ولا يدخله الملك ), ويدخل على خط التحريم أيضا علي خامئني, مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بقوله: ( الغناء محرم شرعا مطلقا, حتى في الدعاء والقرآن والأذان والمراثي وغيرها ).  أما في المملكة العربية السعودية وبعد سلسلة مثيرة من الفتاوى الغريبة لمفتيها العام بتحريم الفنون من غناء وموسيقى وسينما ومسرح بوصفها تلهي القلوب أضاف المفتي الأرجيلة - الشيشة ولعبة الشطرنج الى قائمة المحرمات التي تطول يوما بعد أخر لتكشف عن خطورة هذا النهج المتشدد. وهكذا نجد إجماعا على تحريم الموسيقى والغناء والفنون الاخرى لدى جميع المذاهب الإسلامية, لما يسببه حسب رأيهم من انهيار للقيم والأخلاق وفساد الشباب وضياع الوقت وانهيار المجتمعات, والانحراف عن الدين, والتسبب في الكثير من الأمراض الجسدية والنفسية والروحية.

وهكذا نجد تعارضا بين معطيات البحث العلمي وتفسير الخطاب الديني, ويثير لدينا تساؤلا: " إذا كان الخطاب الديني لا يقف بالضد من نتائج البحث العلمي كما يدعي كل فقهاء الدين, فعلام هذه الفرقة بين العلم والدين في إحدى قضايا الحياة الروحية والنفسية والجسدية, إلا وهو الفن والموسيقى والغناء, أم هي دعوة مستديمة ومتجددة لفصل الدين عن الدولة وعدم التدخل في الحريات الشخصية, ولكي تأخذ مكونات الحياة الفكرية والثقافية والعقلية نصيبها من الثراء والرقي والتقدم بعيدا عن عبث المتأسلمين.  وتأتي هنا واقعة الهجوم على مهرجان الأفتتاح لبطولة غرب آسيا الذي اقيم في كربلاء ترجمة سلوكية واضحة من قوى الاسلام السياسي وموقفها العدائي من الفنون, وما افتعال قدسية المكان إلا لصب الزيت على نار التدخل في الحياة العامة وإشعال المزيد من الفتن وعدم الاستقرار.       



 





46
" الأشروكية والشراكوة " وسيكولوجيا خطاب الكراهية
 
د.عامر صالح 

في الأزمات المستعصية على الحل لعقود يشتد فيها اعادة انتاج خطاب الكراهية للمكونات الاجتماعية القائمة على أسس من الجغرو طائفية وأثنية, وهو خطاب انتجته السلطة السياسية على شكل اسقاط سايكولجي لأزمتها على الآخرين من المكونات الأثنية والدينية والمذهبية في محاولة بائسة منها لتصريف ازمتها وتحميل الآخرين جوهر فشلها في بناء دولة المواطنة التي تسموا خارج الأنتماءات الفرعية, وبالتالي حصر المكونات في دائرة ضيقة وتشديد الخناق عليها في محاولة لدرء خطر أي مطالبة للتسوية الاجتماعية العادلة والاعتراف بأن المجتمعات الانسانية والعراق منها حصرا ليس حكرا على مكون واحد إن كان قوميا أو دينيا او ثنيا ومذهبيا, وبالتالي فأن اللجوء الى تجزئة المجتمع الواحد الى اجزاء متنافرة, قومية ومذهبية وجغرافية هو جوهر الخطاب الرسمي المعلن منه والمخفي لأثارة العدواة والبغضاء بين المكونات المجتمعية.

وقد استخدم هذا الخطاب لعقود النظام الدكتاتوري المنهار في 2003 ومن ثم اعادة انتاجه من قبل نظام المحاصصة الطائفية والاثنية الذي أتى به الاحتلال الامريكي. وكلا الخطابين نتاج للفشل الذريع في بناء دولة المواطنة الآمنة التي تحتضن الجميع الى جانب الفشل في تأمين مستلزمات العيش الكريم. وللأسف الشديد يقوم " اكاديمين " و " اساتذة " جامعات لترويج هذا الخطاب عبر الاستخدام التعسفي والغبي لبعض الدراسات في علم الاجتماع ومحاولات توظيفها لأضفاء الشرعية في تكريس التجزئة الاجتماعية خدمة لمصالح ابقاء النظم القمعية والاثنوطائفية واعادة انتاج الازمات ورمي مسبباتها على طبيعة المجتمع لا على طبيعة النظام الذي انتجها. 

ينتعش اليوم على خلفية الفشل والازمة العامة للبلاد استخدام مصطلح " الشروكية " ويتم تداوله في الاوساط الأمية وأشباه الأميين وتحميل ازمة العراق ومحنته وتعليقها برقبة " الأشروكين " دون معرفة دقيقية لهذا المفهوم والاستخدام ومن هم الأشروكين وكيف أتوا للعراق واندمجوا فيه بل وشكلوا جزء لا يستهان به من اجهزة النظام السابق القمعية, كقوى الأمن والمخابرات والأقبية السرية, كما يجري خلط جاهل وتعميم سفيه بأن الأشروك هم شيعة والشيعة هم الأشروك.  الى جانب كون نعت الشروكية ليست اكتشافا سنيا أريد به وصم الشيعة.

وهذا ما يؤكده علي الوردي في كتابه " دراسة في طبيعة المجتمع العراقي" حيث يقول: " ينبغي ان نذكر ان قبائل الفرات الاوسط  تنظر الى قبائل دجلة القاطنة الى الشرق منها نظرة لاتخلوا من احتقار.. وهي تطلق عليها اسم "الشروقيين" نسبة الى الشروق اي الشرق"(ص. ١٦١) و" ان قبائل الفرات الاوسط تنظر الى المعدان مثل نظرتها االى الشروقيين" (ص. ١٦١).. وعلي الوردي يضيف بنظرة قِيَميّة شائعة في كتبه ولا تمت لعلم الاجتماع بصلة لمن يريد قراءة الوردي نقديا وليست نصوصا جاهزة انتقامية :" يبدو ان قبائل الفرات الاوسط لها بعض الحق في احتقار المعدان .. فالمعدان لم يستطيعوا ان يحافظوا على القيم البدوية" ويضيف مستشهداً بالكاتب البريطاني ثيسيغر ان "لهم سمعة واسعة باللصوصية" (ص. ١٦٢). وهنا رغم تفصيل الوردي بالفروقات بمعنى الشروك, فأنه يلغي تأثير تحسين ظروف الحياة وانعكاستها في خلق ظروف افضل للعيش عبر تأصيل تلك السلوكيات سيكوفطريا. ولا اريد الخوض في موجات الهجرة التي أتت لجنوب العراق والاهوار أسوة بكل ما تعرضت له المنطقة تاريخيا من مختلف الهجرات.




أنه خطاب كراهية أنتعش في ظروف انتكاسة و يمكن القول ان الكراهية خطاب ذو طاقة انفعالية سلبية تلغي مكانة العقل وقدرته على التحكم منطقيا في الاحداث التي تجري في البيئة القريبة او البعيدة, وهو خطاب رافض للآخر ويسقط كل السلبيات على المختلف ويدعي لنفسه كل الايجابيات وهو يدافع عن العنف الذي يمارسه ضد الآخر ويرفض كل محاولات الدفاع عن النفس من قبل الآخر. وللتفصيل سأضع التعريف الآتي لخطاب الكراهية من عدة مراجع:   

كل ما يشتمل إساءة أو إهانة أو تحقيراً لشخص أو جماعة من منطلق انتمائه أو انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو السياسية أو بسبب اللون أو اللغة أو الجنس أو الجنسية أو الطبقة الاجتماعية أو الانتماء الإقليمي أو الجغرافي أو المهنة أو المظهر أو الإعاقة هو خطاب كراهية ، وكل ما يشتمل تحريضاً أو قولبة لجماعة في إطار يثير التهكم والسخرية أو تقليلاً من قدر جماعة واتهاماً لها بالنقص والدونية وكذلك كل تبرير للعنف ضد جماعة ما وكل تعبير عن التميز والتفوق على الآخرين لأسبابٍ عرقية أو ما شابهها, وكل ما يشتمل معاداة للمهاجرين أو الأقليات أو تحريضاً على منعهم من الإقامة في مدن أو أقاليم بعينها وكل ما يشتمل اقتباسات وإحالات وإشارات فيها ازدراء أو تقبيح لجماعة عرقيّة أو جغرافيّة أو دينية، وكل تزييف أو تزوير أو تحريف للحقائق وكل استعارة أو تعبير مهين, وكل خطاب يفرق ولا يجمع, لا يصل بل يقطع هو خطاب كراهية.                                                                 

ولعل ابرز ما يستخدم اليوم بين صراع مكونات المجتمع العراقي هو مفاهيم تأصل العنف في الشخصية العراقية دون غيرها, وازدواجيتها الأبدية في التعامل اليومي والسياسي, وفطرية العداوة بين العرب والكرد وبين الوسط والجنوب وبين مكونات الوسط والجنوب نفسه الغير قابلة للحل إلا عبر اجتثاث الآخر ونفيه والخلاص منه. ونظرا لتعقد الخلافات الأثنو قومية والجغرو طائفية عبر تاريخ الدولة العراقية ومنذ تأسيسها, وعدم العثور على الحلول الانسانية والناتجة اصلا من غياب البنية السياسية والاقتصادية الحاضنة للمكونات, أصبح من السهل التعميم واللجوء الى الدراسات التي تأصل المشكلة وتبتعد عن الحل. وهو بالتأكيد عجز فكري ومنهجي لفهم السلوك الانساني. السلوك الانساني في معظمه نتاج الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية, وأن التأصل النسبي فيه هو ناتج من تأصل الظروف التي انتجته تاريخيا وحاضرا.

وكما أن السلوك الفردي قابل للتعديل ويخضع للقياس والتجريب عبر التحكم في الظروف التي انتجته, فأن السلوك المجتمعي والمكوناتي هو الآخر قابل للتحكم فيه واعادة ضبطه وانتاجه أو تغيره عبر التحكم بمجمل الظروف التي تنتج مختلف انماط السلوك. 

وعلى نسق الدراسات السيكولوجية التي تجري لدراسة الوحدات الانسانية المتماثلة بيولوجيا ولكنها تعيش في ظروف متباينة, والتي تؤكد ان حتى التوأم المتطابق والمتماثل عند عزلهما في ظروف مختلفة انتجت لنا سلوكيات وشخصيات متباينة, ولم يجمعها مشترك الا بعض الملامح العامة ذات الطابع الجسمي, وعلى نسق ذلك لو اخذنا توأم كردي أو غير توأم احدهما عاش في المناطق العربية وغير العربية, والآخر بقى في بيئته الأم, فعلى ماذا سنحصل من نتائج لاحقا, وبالمقابل لو فعلنا ذلك مع اطفال عرب وتركناهم يترعرعوا في بيئة كردية مثلا, عن ماذا سنحصل. نتائج ذلك هي التي تدفعنا للتدقيق بعوامل الاختلاف سواء على المستويات الفردية والاجتماعية. 

ويشكل تدهور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من الأسباب القوية في زرع الكراهية والمناطقية والعنف في البنية المجتمعية, فانتشار الفقر وتدني مستوى الحياة وضعف الخدمات الاجتماعية من صحة وخدمات عامة, وكذلك ارتفاع نسبة الأمية الأبجدية والحضارية بين مختلف الفئات الاجتماعية وخاصة الفقيرة منها, واستشراء  الفساد بمختلف مظاهره الإدارية والمالية والأخلاقية, وغياب العدالة الاجتماعية في توزيع الثروات الوطنية واستئثار الحكم وحاشيته بالثروة الوطنية, جميعها عوامل تأسس للكراهية والحقد والعنف بين مكونات المجتمع.

أن العنف والكراهية الناتجة من الأسباب المجتمعة و المذكورة أعلاه تفضي إلى اضطراب في منهجية التفكير النقدي البناء وقصور في الفكر الجدلي الذي تجسده حالة العجز في الجمع في سياق واحد بين الأوجه الموجبة والأوجه السالبة, والعجز في الجمع بين المميزات والعيوب لمسألة ما سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية وسيطرة المستوى السطحي من التفكير الذي يشكل قناعا يخفي الحقيقة, وإطلاق الأحكام القطعية والنهائية بشكل مضلل, وطغيان الانفعالات وما يرافقها من نكوص على مستوى العقلانية والعودة إلى المستوى الخرافي, والى الحلول السحرية والغيبية, والى الإرهاب باعتباره واجبا " مقدسا " أو حلا قسريا للأزمة النفسية والسياسية.

47


د.عامر صالح 

كشفت وزارة التربية عن نسب النجاح للمرحلة الوزارية المتوسطة، وقد بلغت 34.69 في المئة. فيما أشار عدد من المسؤولين والمعنيين إلى أسباب عديدة لتدني نسب النجاح في الامتحانات الوزارية، أبرزها سوء الواقع التعليمي وآفة المحاصصة التي نخرت المؤسسة التربوية والتعليمية. وقالت وزارة التربية في بيان مقتضب، إن نسبة النجاح في مرحلة الثالث المتوسط، بلغت 34.69 في المائة، مضيفة أن هذه النسبة غير نهائية، حيث لم يتم احتساب النتائج للدورين الاول والثاني. ويؤكد ذوي الاختصاص في التربية والتعليم، إن" نسب النجاح المعلنة غير حقيقية، كون النسب المعلنة هي للطلبة الذين ادوا الامتحانات فقط، الذين يقرب عددهم من 650 الف طالب، وتم التغاضي عن عدد الطلبة الكلي الذين لم يسمح لهم بأداء الامتحان، بسبب عدم دخولهم الى البكالوريا، ولو تم حساب هذا العدد لكانت النسب تعبر عن كارثة حقيقية". وقد اكد كادر وزارة التربية ان النتائج اكثر كارثية في التعليم الأهلي حيث وصلت بعض نتائج النجاح فيها الى الصفر.

لا يمكن الحديث عن التعليم المتوسط ونتائجه المنخفضة جدا بمعزل عن خلفية التعليم في المراحل التي سبقته, فالتعليم بمراحله المختلفة هو حلقة وصل وتأثير متبادل لما قبلها وبعدها, وبالتالي فأن طالب الثالث متوسط هو من مخرجات مرحلة الابتدائية, وان النظر الى مشكلة انخفاض التحصيل الدراسي وتدني النتائج النهائية بمعزل عن ذلك هو شكل من اشكال العبث والهروب من الاسباب الحقيقية التي ادت الى ذلك, لأن ازمة التربية والتعليم في العراق بكل مراحله هي ازمة متصلة, وان تدني التحصيل في التعليم المتوسط هو انعكاس لتدنيه في المرحلة الأبتدائية التي سبقته ومؤشر لضعف الكفاءة الداخلية للنظام التربوي والتعليمي. 

هناك عموما أنسيابية ضحلة بين مراحل التعليم العام المختلفة والمتمثلة بالانخفاض الشديد لنسب النجاح في كل المراحل الى جانب التسرب دون اكمال المرحلة الدراسية, وهي تشكل احد عوامل الاهدار البشري والمادي في التعليم حيث تكون مخرجات المراحل ضعيفة جدا يقابلها انفاق على التعليم بلغ في السنوات الاخيرة اكثر من 27 مليار دولار, ومن حق المرء ان يتسائل أين هي العوائد والفوائد من هذا الاستثمار المالي في هذا القطاع وأين هي مخرجاته الكمية والنوعية, وحتى من تواصل ما بعد المرحلة المتوسطة الى السادس الاعدادي فهذه هي نتيجته, فالمشكلة أكبر من ان تنحصر في نتائج أداء طلبة الصف الثالث متوسط ونسبتهم الفقيرة.

لقد وقع نظام التربية والتعليم بعد 2003 أسوة بغيره من القطاعات الاجتماعية أسير للمحاصصة الطائفية والاثنية مما أخل بمهمة هذا القطاع الحيوي في التربية والاعداد وتركه فريسة للأجتهاد والفوضى وغياب فلسفة تربوية واضحة للنظام التربوي والتعليمي, الى جانب غياب فوضى في صياغة الاهداف التربوية للمراحل الدراسية المختلفة, والى جانب مالحق بالنظام التربوي والتعليمي جراء الاحتلال من تدمير وخراب شامل في مؤسساته التحتية من أبنية ومعدات ومختبرات ولوازم مدرسية وكادر تعليمي.

اليوم يعاني هذا القطاع من ازمة خانقة تتجسد في ابرز ملامحها: انعدام الابنية اللازمة والمهيئة تربويا للتعليم, ضعف الوسائل التعليمية من مختبرات ووسائل ايضاح واجهزة الكترونية مخصصة للعملية التعليمية, ضعف الكادر التدريسي وانعدام الحوافز التعليمية وعدم توفر الفرص الكافية لأعادة التأهيل وتجديد الخبرات, ضيق الفصول الدراسية بالدارسين من مختلف المراحل مما يثقل كاهل الطالب والمدرس في التركيز والاستفادة القصوى من الحصة الدراسية, التنقلات بين المدرسين وانعكاساتها على العملية التربوية, انتشار الدروس الخصوصية في مختلف المواد مما يرهق الطالب ماديا ويضعف عطاء المدرس في حصته المدرسية, عدم تغطية المدرسين لمفردات المنهج خلال العام الدراسي, غياب عنصر التشويق في المنهج الدراسي, ضعف صلة المنهج بحاجات الطلبة الحياتية, وضعف التنسيق بين المدرسة والمجتمع المحلي, انعدام الامن المجتمعي حيث الارهاب والقتل اليومي والاختطافات تعرقل حركة الدارس من والى المؤسسة الدراسية وغيرها من العوامل ذات الصلة المباشرة بالعملية التربوية.

وهناك عوامل اخرى خاصة بالطالب نفسه وبيئته المحيطة منها ما هو اقتصادي, حيث الطالب اليوم هو معيل في الكثير من الحالات لأسرته بسبب الفقر والعوز, او عدم تمكن الاسرة من الاستجابة لمتطلبات دراسة أبنائها مما يضطر الطالب على العزوف الكلي من الدراسة أو التأجيل, الخوف من الفشل وقلق الامتحان, عدم كفاية الوقت لبعض الطلبة, وصعوبة بعض الاسئلة الامتحانية, المناخ الامتحاني العام وما يسود في القاعات الامتحانية من اجراءات مشددة, انقطاع التيار الكهربائي في الساعات الامتحانية والدراسية العادية وخاصة في اجواء الحر الشديد, وكذلك المستقبل الغامض للطالب بعد انهاء المرحلة الدراسية حيث عدم الحصول على كلية او فرع للدراسة, وانعدام الجدوى من الدراسة في مجتمع كالعراق تزداد فيه بطالة الخريجين.

هذه بعض من العوامل التي تتحكم بالتحصيل الدراسي ونسب النجاح, ومن هنا يجب البحث موضوعيا في تدني مستويات النجاح التي وصلت الى حد يخجل منه تاريخ التربية والتعليم في العراق, بعد ان كان العراق يفتخر عالميا بمستويات انجازه التربوي والتعليمي, وكان يرسل الى الدول العربية خيرة كوادره لبناء انظمة التعليم هناك وسد الشواغر التدريسية.

في الختام يجب التأكيد هنا ان تدني التحصيل الدراسي في مراحل التعليم قد يكون من ضمن مشاكل التعليم ومخرجاته وهي مشكلات تقليدية تقع في كل الدول بنسب مختلفة ولا تشكل ظاهرة تهدد بقاء النظام التعليمي صالحا للأعداد والتربية والتأهيل, وبالتالي يجري حصر الظاهرة في حدودها الضيقة لمعالجتها وتقليصها الى الحدود الدنيا, اما في العراق فأن الامر مختلف وهويشكل ظاهرة في كل المراحل وتهدد النظام التعليمي, وبالتالي فأن المعالجة يجب من خلال معالجة ازمة التربية والتعليم في العراق, ابتداء من فلسفته واهدافه الى تغير المناهج واعداد الكادر التدريسي والعمل على تحديث طرائق التدريس ووضع حد لتعسف التعليم الأهلي ومعالجة خضوعه للربحية والمنافسات غير النزيه والعمل على ربطه محكما بالتعليم الحكومي.

48
أثر الهالة النفسية في تفسير ثورة 14تموزعام 1958في العراق

د.عامر صالح
كثر الحديث في ظروفنا الحالية عن ثورة الرابع عشر من تموز للعام 1958والتي اسقطت النظام الملكي وأسست اول جمهورية فتية في تاريخ العراق السياسي المعاصر, ثم أطيح بالثورة في 8 شباط عام 1963 عند استلام البعث للسلطة وبعدها تحول العراق الى مسرح للأنقلابات والمؤمرات العسكرية والمخابراتية والحزبية وكان آخرها قبل الأحتلال الامريكي للعراق هو انقلاب 17 تموز للعام 1968 الذي أتى بالبعث مجددا للسلطة. وكان الحديث عن ثورة تموز يتداوله بصورة خاصة فريقين: فريق انصار الثورة وحلفائها ومؤازيريها يها والذي يرى ان الانقلاب على الثورة سبب في اهدار فرص تاريخية للعراق واستقراره وتقدمه وازدهاره نعاني منها الى اليوم, والفريق الآخر يرى أن في ثورة تموز هو عمل انقلابي عسكري أسس لمسلسل الانقلابات اللاحقة والذي قطع الطريق على التجربة الملكية الناشئة في الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

أذا كانت الشعوب هي التي تزكي أنظمتها او تحجب عنها الشرعية فأن ثورة 14 من تموز/1958 تمتعت منذ انطلاقتها الأولى وحتى نهايتها على يد النظام الأنقلابي البعثي الفاشي في 8 شباط/1963 بزخم جماهيري هائل واستعدادات ذاتية للدفاع عنها, ولم يكن موقف الشعب العراقي انذاك موقفا انفعاليا عابرا بل استند الى مجمل المعطيات الأقتصادية والأجتماعية والأنسانية العامة التي كان برنامج الثورة يتبناها ويسعى الى تحقيقها وكانت بمجملها تستجيب لمطالب الشعب العراقي في تحسين ظروف العيش والحياة العامة والسيطرة على ثروات البلاد بعد ان أخذ الفقر والبؤس والعوز والفساد مأخذه في حياة الناس في الحقبة الملكية وبالتالي كانت الثورة استجابة لتفاعلات العوامل الذاتية والموضوعية التي وصلت ذروتها في رحم النظام الملكي. وقد كانت للثورة انجازات كثيرة وأهمها القضاء على الإقطاع وإلغاء قانون دعاوى العشائر وإصدار قوانين عادلة كثيرة مثل قانون الأحوال الشخصية وقانون الإصلاح الزراعي وقانون مجانية التعليم وقانون تأميم النفط وكذلك التطور الملموس في الاعمار والاسكان والصحة وعموم الخدمات قياسا بعمر الثورة التي لم تكمل الخمس سنوات.

ومن اراد ان يطلق تقيما لثورة 14تموز اليوم عليه ان يقيم ذلك الحدث ضمن خصوصية الزمان والمكان الذي وقعت فيه الثوره واعتقد سيسعفنا منهج البحث التاريخي وادواته في وضع الثورة في سياقها الذي نشأت فيه, وبالمقابل أن من يمجد الملكية العراقية اليوم عليه ان لا يتأثر في تقيمه بنموذج مملكة السويد أو الدنمارك او المملكة البريطانية ويتخذها محكات لأضفاء الهالة على المملكة العراقية, فالملكية في العراق كانت تعكس في طبيعتها تحالفات الأقطاع والعشائر مع سلطة الكومبرادور. كما ان الباحث الموضوعي في هذا الشأن عليه ان يقتفي اثر منهجية البحث العلمي الشاملة في الاحاطة بالظاهرة وملابساتها ومراحل تشكيلها, فعندما تنتقد جوانب عديدة في مسار ثورة تموز القصير عليك انسانيا ان لا تبارك الانقلاب عليها وتشجع على سفك المزيد من دماء الابرياء, او تسكت عن عقود لاحقة من الحروب والظلم الاجتماعي التي سببها نظام البعث الى ما قبل سقوطه في 2003 على يد المحتل الامريكي.

اما ما يشار الى الظواهر اللاانسانية التي حدثت في بداية الثورة من سحل وقتل وتعذيب لرموز النظام الملكي فهي ظواهر يندى لها الجبين وغير مقبولة قيميا واخلاقيا وانسانيا وان السلوك الوحشي اتجاه من يعارضك مرفوض جملة وتفصيلا, ولكن للامانة التاريخية وهناك وقائع جرت في العهد الملكي فاقت اضعافا مضاعفة حجم ضحايا ثورة تموز " ان صح التعبير " وان اعداد من سقطوا في ظل النظام الملكي " على سبيل المثال لا الحصر " في مدينة الحي الصغيرة لوحدها عام 1956 أو في سجن الحلة أو في انتفاضة 1948 يفوق ما حدث في 14 تموز. عدا عن المجزرة التي ارتكبت ضد عمال النفط المضربين في كركوك، وعمال النفط في البصرة، ووثبة كانون عام 1948 ضد معاهدة بورتسموث، وانتفاضة تشرين عام 1952 في بغداد، ومجزرة عام 1933 ضد الآثوريين في الشمال والتي ذهبت ضحيتها في اقل التقديرات خمسة آلاف ضحية, الى جانب الاعدامات والتصفيات الفردية للكثير من القيادات السياسية المعارضة والنشطاء السياسيين. الى جانب الرعب اليومي للاجهزة السرية والمخابراتية.

اما اعمال العنف والتصفيات الجسدية لرموز النظام الملكي ولاحقا لرموز اول جمهورية فأنها تعبر جليا عن سلوكيات القطيع الخطيرة في المنعطفات التاريخية واكثرها خطورة تلك التي يغذيها خطاب الثقافة الشوفينية والعنصرية الذي يشدد من قبضة الكراهية واستباحة الدم والتحريض على القتل. ان مرور 61 عاما على ذكرى الثوره واستعصاء أزمة الحكم وعدم المقدرة على حل المعضل السياسي وعدم وجود انجازات في الحاضر جعل الناس اكثر نكوصا وتقهقرا وعودة الى الماضي للبحث في ثناياه بما يشبع رغبتنا في الأنجاز ولعل الأفراط في الحنين الى الملكية واعتبار كل ما حصل فيها هو مثالي ويجب استذكاره وتكراره هو مؤشر لأحباطات الحاضر وعدم القدره في ألتماس افق مستقبل افضل. اما الهجومات هنا وهناك على ثورة تموز فهي اسقاط سيكولوجي بأمتياز في تحميل الآخرين فشل المنظومات السياسية التي أتت ما بعد الثوره الى يومنا هذا حيث خاتمتها الأحتلال الأمريكي واسقاط الديكتاتورية عبر الأحتلال والذي اسقط الدولة ومؤسساتها ولم يسقط النظام ومنظومته الأخلاقيه. 

ان البحث المحايد نسبيا في ثورة 14 تموز عام 1958وتناولها في اطار الظروف الوطنية والاقليمية والدولية التي نشأت فيها يضعها في مكانها الصحيح, ولا يمكن لنا ابدا تقيم الثورة انطلاقا اليوم من اسقاط ظروف الحاضر المتغير ومطالبة الثورة ما يجب ان تكون اليوم عليه فهذا مغاير لسنة الحياة المتجددة بدون انقطاع وخاصة في السياسة, ولكن بما لا يقبل الجدل كان قائد الثورة الشهيد عبد الكريم قاسم وطنيا مخلصا ومحبا لشعبه بفطرته الخالصة, اراد الخير للعراقيين ولكن الشوفينية القومية والتعصب الاعمى والاستحواذ على السلطة لم تدعه يكمل مشواره. كل بلاد العالم وخاصة المتحضر منه تحترم ثوراتها الوطنية والتحررية رغم اختلافاتهم في تقييم الاحداث ولكن يبقى الاعتزاز برموزها قائما الى اليوم وكل حسب ادائه ومهمته في ظروف تختلف نوعيا عن ظروف الحاضر. 

بالتأكيد ان الحديث عن عبد الكريم قاسم اليوم في العراق وخاصة بعد سقوط النظام الدكتاتوري ومرور 16 عاما على ما يسمى النظام الديمقراطية في العراق هو الآخر ذو شقين: الاول يدعو الى الاستفادة من دروس الثورة لأصلاح الحياة العامة في العراق والوقوف ضد الاحترابات القومية والمذهبية التعصبية والشوفينية التي حرفت مسار ثورة الرابع عشر من تموز ويدعو هذا الفريق ايضا الى الذهاب بعيدا وجديا في تنفيذ مشروع الاصلاح الشامل في منظومة الحكم الفاسدة ودرء خطر عودة داعش مجددا, وفريق لا يستطيع تجاوز اخطاء الثورة التي حصلت والارتقاء ببدائل التفكير المنتج لأعادة صياغة الحاضر في مستجدات العصر وضروراته وشعارهم دوما: " لو مو عبد الكريم قاسم لكان أحنة هسه بنعيم الملكية ". انها فعلا ازمة فشلنا في استثمار الماضي ايجابيا وصعوبتنا في بناء حاضر ومستقبل افضل ..

49
رأي تربوي في صعوبة الأسئلة الأمتحانية في العراق

د.عامر صالح   

تداولت وسائل التواصل الأجتماعي صعوبة الأسئلة في بعض المواد الدراسية في الأمتحانات الوزارية في العراق ومنها مادة اللغة العربية لطلبة الثانوية. يبدو الحديث هنا عن جزئية بسيطة في اطار ازمة التربية والتعليم في العراق عموما والتي تجسدها غياب فلسفة تربوية وما يتبعها من غياب لأهداف التربية والتعليم على مستوى المراحل الدراسية وكذلك على مستوى الأهداف الخاصة للمواد الدراسية. فالصعوبة في صياغة اسئلة المواد لا يعني ابدا ان العملية التربوية والتعليمية بخير وتتمتع بكفاءة عالية وتنعكس بدورها على صعوبة الأسئلة الأمتحانية.

المهم في العملية التعليمية هو ان المعارف الأساسية المطلوبة قد وصلت الى ذهن الطالب وتمثلت في سلوكه وعقله كأنماط سلوكية ومعرفيه وبالتالي فأن الأسئلة الواقعية والمعقولة الصعوبة تأتي تتمة لجهد الطالب والمعلم خلال سنة دراسية كاملة. الأمر في الأزمة هو صراع التعليم الحكومي مع التعليم الخاص وتمترس الفساد في كلا المؤسستين وغالبا ما يكون الطالب موضوعا للأبتزاز والأستغلال واخضاعه لألية المنافسة غير النزيهة وشراء جهد الطالب عبر الدروس الخصوصية واخضاعه لمنطق البيع والشراء في اشتراطات النجاح.

الطالب يتحمل جزء من هذا الفشل عبر جريه وراء ملخصات سريعه وسهلة يقدمها سوق بعض المعلمين , وتأتي الأسئلة هنا خلاف لتوقعات الطالب, ولكن اصلاح ذلك يمر عبر اعادة بناء منظمومة التربية والتعليم بعيدا عن المحاصصة والخصخصة الملوثة, والطلبة في النهاية هم ضحية النظام التعليمي والتربوي الذي اصبح ومنذ سقوط النظام الدكتاتوري في 2003 فريسة لنظام المحاصصة الطائفية والأثنية, وانعدمت فيه الفلسفة التربوية الواضحة التي تستقي مصادرها من معطيات التقدم العلمي والتقني والمعلوماتي والبعد الأنساني, وقد فتح فيه باب الأجتهاد والعبثية والارتجال على مصرعيها في تلك المؤسسات التي يعول عليها في بناء الأجيال وتأمين مستقبل عراق آمن قيميا واخلاقيا ومهنيا وعلميا. 

أما من حيث ازمة التقويم التربوي العامة لأداء الطلبة فهي في مجملها تقليدية لا تخرج عن نطاق اعتمادها على الأختبارات التقليدية الدورية الفصلية منها والنهائية, ويتم التركيز فيها على قياس التحصيل المعرفي في المستويات المعرفية الدنيا, والامتحانات بصورتها الحالية تقيس فقط القدرة على الاحتفاظ الميكانيكي بالمعلومات والحقائق الجافة, واهمال كافة اوجه النشاطات المختلفة والاهتمامات المتنوعة التي قد يقوم بها الدارسين خلال العام الدراسي سواء داخل حجرة الدراسة ام خارجها, وبالتالي النظر الى تقويم تعلم الطالب بانها عملية روتينية يتم اجرائها في نهاية الدرس او الفصل او السنة, يختزل فيها جهد الطالب على شكل درجات او تقديرات تمنح للطالب ليعرف موقعه بين اقرانه وكذلك ترفع الى السلطات التربوية بأعتبارهذه الدرجة والتقدير هي الحد الفاصل بين المعرفة من عدمها.

ومن هذه الخلفية المعوقة للتحصيل الدراسي الشامل يجري التكالب على الفوز بالأمتحانات وبأي ثمن, سواء من جانب الدارس او المعلم, فالدارس يريد النجاح بأي ثمن, والمعلم هو الآخر يبحث عن مصادر للدخل في ظل تدهور المنظومة التربوية, وبالتالي تتحول العلاقة بين الدارس والمعلم الى علاقة بين بائع ومستهلك, وعلى مدى ابعد يرتبط بأجندة ارتهان الطالب وتحديد مستقبله في وسط صراع المؤسسات التعليمية وخاصة الخاصة منها التي تنتطر مخرجات سوق العملية التربوية في ظل منافسة غير نزيهة يكون ضحيتها الطالب.   

أن اصلاح نظم الأمتحانات او بصورة اشمل تقويم العملية التربوية والطالب في مقدمتها هو جزء من منظومة الأصلاح الشامل للنظام التربوي وعناصره الاساسية والبنيوية, وفي مقدمتها المنهج والمعلم والطالب وهذا يستدعي بالضرورة التحديث المستمر لوسائل تقويم الطالب الشامل المتعدد الجوانب أو ما يسمى بالتقويم الواقعي الشامل الذي يقوم على مبادئ الفهم الصحيح والواقعي لماهية ووظيفة االأختبارات والتقويم المدرسي عموما, والذي يقوم على مبادئ ابرزها:

ان التقويم الواقعي إجراء يرافق عمليتي التعلم والتعليم ويربطهما معاً بقصد تحقيق كل طالب لمحكّات الأداء المطلوبة وتوفير التغذية الراجعة الفورية حول إنجازاته بما يكفل تصويب مسيرته التعليمية ومواصلة عملية التعلم, فهو تقويم يهتم  بجوهر عملية التعلم ، ومدى امتلاك الطلبة للمهارات المنشودة بهدف مساعدتهم جميعاً على التعلم . وهو بذلك تقويم بنائي يستند إلى عدد من المحكّات ، ويجعل تمكّن الطالب منها هدفاً منشوداً للتعلم والتعليم. وان العمليات العقلية ومهارات التقصي والاكتشاف هي غايات يجب رعايتها عند الطلبة والتأكد من اكتسابهم لها من خلال التقويم . ولا يتسنى ذلك إلا باشغالهم  بنشاطات تستدعي حل المشكلات وبلورة أحكام واتخاذ قرارات تتناسب ومستوى نضجهم .

والتقويم الواقعي الشامل يقتضي أن تكون المشكلات والمهام أو الأعمال المطروحة للدراسة والتقصي واقعية ، وذات صلة بشؤون الحياة العملية التي يعيشها الطالب في حياته اليومية . وبذلك تكون المشكلات المطروحة متداخلة تستدعي توظيف المعارف والمهارات للتوصل  للحلول المناسبة. كما ان إنجازات الطلاب هي مادة التقويم الواقعي وليس حفظهم للمعلومات واسترجاعها ، ويقتضي ذلك أن يكون التقويم الواقعي متعدد الوجوه والميادين ، متنوعاً في أساليبه وأدواته ، ولا تحتل الاختبارات بين هذه الأدوات سوى حيز ضيق. وهذه الاختبارات لا تعدو كونها نشاطات تعلم غير سرية يمارسها الطلاب دون قلق أو رهبة كما هي الحالة في الاختبارات التقليدية .

كما ان مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ في قدراتهم وأنماط تعلمهم وخلفياتهم وذلك من خلال توفير العديد من نشاطات التقويم التي يتم من خلالها تحديد الإنجاز الذي حققه كل طالب  يعد شرطا للتقويم الشامل. وهذه يجب أن تبين بوضوح نقاط القوة والضعف في كل إنجاز، ومستوى الإتقان الذي وصل إليه الطالب بالمقارنة مع محكات الأداء . فهو بالتالي عملية إنتاجية تفاوضية تهيئ للطالب فرصة التقييم الذاتي وفق محكات الأداء المعلومة لديه. ويتطلب هذا التقويم التعاون بين الطلاب . ولذلك فإنه يتبنى أسلوب التعلم في مجموعات متعاونة يعين فيها الطالب القوي زملاءه الضعاف. بحيث يهيئ للجميع فرصة أفضل للتعلم ، ويهيئ للمعلم فرصة تقييم أعمال الطلاب أو مساعدة الحالات الخاصة بينهم وفق الاحتياجات اللازمة لكل حالة.     

 ان هذا النمط من التقويم يركّز على المهارات التحليلية ، وتداخل المعلومات كما أنه يشجع الإبداع ويعكس المهارات الحقيقية في الحياة ويشجع على العمل التعاوني ، وينمي مهارات الاتصال الكتابية والشفوية كما أنه يتوافق مباشرة مع أنشطة التعليم ونتاجاته مؤكداً بذلك على تداخله مع التعليم مدى الحياة كما أنه يؤمن بدمج التقويم الكتابي والأدائي معاً ، ويعتمد على القياس المباشر للمهارة المستهدفة ، ويشجع التشعب في التفكير لتعميم الإجابات الممكنة ، ويهدف إلى دعم تطوير المهارات ذات المعنى بالنسبة للطالب، ويوجه المنهاج ، ويركز على الوصول إلى إتقان مهارات الحياة الحقيقية ويدعم المعلومات التي تعني ب ( كيف ولماذا )، ويوفر رصداً لتعلم الطلبة على مدار الزمن ، ويعد الطالب لمعالجة الغموض والاستثناءات التي توجد في أوضاع حقيقية للمشكلات ، ويعطي الأولوية لتسلسل التعلم أو لعمليات التعلم . ويتطلب تنفيذ التقويم الواقعي الشامل وقتاً لإدارته والرقابة عليه بما يتناسب مع معايير التعليم المفترضة وأن يكون هناك معايير موضوعية للتقويم ، كما يتطلب تدريب المعلمين وتقديمه للطلبة بصورة تدريجية بحيث يصبح مألوفاً لديهم لأنه يحتاج إلى مهارات لتطبيقه .

هذه هي جزء من الاتجاهات الحديثة في العلوم التربوية والنفسية التي تعني بشؤون تقويم الأداء, وهي بالتأكيد لا تصلح إلا في بيئة تربوية صالحة مؤمنة بالأصلاح كنهج للتقويم المستمر في العملية التربوية, وهي لا يمكن تنفيذها إلا في بيئة سياسية عامة هي الاخرى تؤمن باصلاح النظام السياسي والحياة العامة على اسسس من العصرنة والتقدم العلمي وتمثل القيم الانسانية في بناء الدولة والمجتمع, وبالتالي نرى ان مشكلة الامتحانات وصعوبتها المفتعلة في العراق هي جزء من مشهد الفوضى والفساد الاداري والمالي وتعثر العملية السياسية الذي ينعكس على كل القطاعات, وقطاع التربية والتعليم له حصة الأسد من مما يجري من فوضى سياسية مجتمعية.



50
هل يستطيع نظام المحاصصة الطائفية والأثنية في العراق إنتاج معارضة سياسية سليمة


د.عامر صالح
المعارضة بشكل عام هي الفطرة الأنسانية التي تجسدها صراع الأضداد في السلوك والظواهر الأنسانية المختلفة, السياسية منها والاجتماعية العامة وطبعا البيولوجية التي تكمن فيها اسرار سنة التطور والارتقاء في النوع البشري والانساني بشكل خاص, فالمعارضة تنشأ في رحم المكونات الاولى الجنينية سواء في المادة الجامدة أم الحية, ولعل في مخاض ولادة الطفل من رحم أمه تشكل جزء من ملامح تلك الظاهرة الغريزية, التي تجسدها محاولات الطفل الوليد في الخروج الى عالمه الجديد وبين آلية الاحتفاظ به في الأرحام, ولكن الجديد بمواصفات تقدمية يفرض نفسه وينطلق الى رحاب عالمه الأوسع. 

في السياسة وحيث المعارضة السياسية تشكل ركنا جوهريا في أي نظام نظام سياسي  إن كان مستبدا دكتاتوريا قمعيا أم نظام ديمقراطيا تعدديا, ففي النموذج الآول يكون دور المعارضة السياسية الأساسي هو لأسقاط النظام بعد ان تستنفذ مقومات وجوده وصلاحيته للبقاء خارج اطار الأصلاحات الممكنة التي تنقله نقلة جذرية صووب الأفضل, أما في النموذج الثاني حيث المعارضة السياسية الديمقراطية التي تستهدف اصلاح النظام الديمقراطي القائم بوسائل سلمية متاحة عبر موازين القوى السياسية واعادة تشكيلها في مؤسسات الدولة وخاصة البرلمانية منها وعبر استخدام الجماهير والشارع للضغط على الحكومة في الأستجابة للمطاليب الشرعية, في تحسين ظروف العيش والارتقاء بمستويات االحياة نحو الأفضل استنادا الى المعايير الدولية في حدودها المعقولة والدول المرجعية في التقدم والرقي الاجتماعي وفي الاستناد ايضا الى الامكانيات والموارد التي يمتلكها البلد.

في العراق وما بعد عام 2003 أي بعد سقوط الدكتاتورية بآلية الأحتلال الأمريكي حيث أسس نظاما سياسيا قائم على المحاصصة الطائفية السياسية والأثنية العرقية أخل بأنتاج نظام سياسي قائم على اساس الحكم والمعارضة ورفع شعار " الجميع يحكم " ويتقاسم كعكة المحاصصة أو العراق الغنيمة, وهكذا نشأ نظام سياسي شاذ عن اصول اللعبة الديمقراطية يتقاسم مغانم السلطة ويعيد انتاج نفسه عبر انتخابات برلمانية طال الشك بمصداقيتها في كل الدورات الأنتخابية وتوجتها سوءا وعدم شرعية الأنتخابات البرلمانية الأخيرة من ضعف المشاركة في الأنتخابات الى التزوير وحرق صناديق الأقتراع.

جميع القوى السياسية العراقية وخاصة الأسلاموية والأثنية منها الغير مؤمنة بالديمقراطية اصلا والتي وجدت في تلك البيئة السياسية المريضة ملاذا لأعادة انتاج نفسها عبر الترهيب والترغيب والتحايل, هذه القوى مجتمعة وجدت  نفسها في سلة الحكم والمغريات السلطوية وتقاسم النفوذ, اما معارضتها المفتعلة فهي جزء من اساليبها لأمتصاص نقمة الشارع الغاضب وغير المتسامح مع الفساد مستندة تلك القوى الى جمهور قطيعي غير معارض بالمعنى السياسي وممتثل لأوامر مرجعيته, فتراه مرة ممتعض منتفض وتارة أخرى خانع مستكن ينتظر نتائج الصفقات الطائفية والأثنية لكي يتلقى الأشارة بالهدوء المؤقت بأنتطار الحصول على المزيد من الغنائم وليست الحقوق المشروعة.

في النظم الديقراطية الحقة المعارضة مثلها مثل الحكومة فهما وجهان لعلمة واحدة تجسدها الديمقراطية والتدوال السلمي للسلطة وهي حكومة الظل المرتقبة عند تراكم اخطاء الحكومة, فالمعارضة هي ملجأ المواطن الآمن عند الاحساس بالظلم وانتهاك الحقوق وعدم تحقيق المطالب العادلة, والمعارضة السياسية هي حجر الاساس في النظم الديمقراطية والذي افتقده العراق بفعل نظام المحاصصة البغيض والذي افرغ مفهوم الديمقراطية من محتواها الأنساني وحول الصراع على السلطة صراع غابة يسيطر فيه المسلح والمليشياوي وتدخل الأجندة الخارجية لتقرير مستقبل العراق وشعبه.

واليوم حيث لاجديد يذكر في معالجة اوضاع العراق ومعاناته في ظل حكومة عبد المهدي وفي محاولة للتملص من المسؤولية التاريخية تنطلق دعاوى التمويه تحت عباءة المفهوم الجديد للمعارضة التي ابتدعها الأسلامويين على شاكلة "معارضة تقويمية" و"معارضة دستورية" تخفي ورائها ممارسة الضغط لأعادة توزيع غنائم السلطة, فعادل عبد المهدي لم يأتي من كوكب آخر بل أتت به القوى الغير راضية عنه اليوم والتي تروم معارضة حكومته, وجميع القوى التي ستعارضه لم تكن بعيدا عن الفساد وملفاته الشائكة او تقاسم النفوذ في السلطة ابتداء من اصغر موظف الى الوزير وصعودا الى قمة هرم جميع السلطات.

ان الأزدواجية الأخلاقية السياسية التي يمارسها الأسلام السياسي هي محاولات بائسه للظهور بمظهر المتقن والمتعفف لأدارة فن الصراع في الأزمات وتناسوا أن هم انفسهم من أسقط مفهوم المعارضة السياسية من خلال اللجوء الى التوافق سيئ الصيت والذي تم اختيار عادل عبد المهدي على اساسه, وحين يشتد البؤس الأجتماعي والأقتصادي وتسيئ الأحوال العامة فأن الأسلامويين يستنفروا كل قواهم للظهور بمظهر المدافع الأمين عن مصالح الشعب والوقوف معه بواجهات المعارضة ذات المسميات المختلفه ولكن محتواها المعطل لأرادة الأصلاح الجذري هو واحد. أن الأصلاح السياسي والدستوري الشامل هو المدخل للحفاظ على العراق وطنا صالحا للجمبع اما عدا ذلك فأن الجميع ذاهبا الى الجحيم وسيبقى العراق آمنا بما تبقى من الشرفاء.



 
 





51
 
عيد المرأة العالمي في الثامن من آذار مناسبة ضد العنف والأذلال والقهر والتطرف
د. عامر صالح
في العام 1977 وفي القرار (32 / 142 ) دعت الجمعية العامة الدول إلى إعلان يوم من أيام السنة يوما للأمم المتحدة لحقوق المرأة والسلام الدولي, وذلك وفقا لتقاليدها وأعرافها التاريخية والوطنية. وقد دعت الجمعية العامة الدول إلى المساهمة في تعبئة الظروف اللازمة للقضاء على التميز ضد المرأة وضمانة مشاركتها الكاملة في التنمية الاجتماعية وعلى قدم المساواة مع الرجل. وقد اتخذ الإجراء غداة السنة الدولية للمرأة ( 1975 )  وعقد الأمم المتحدة للمرأة ( 1976 ـ 1985 ) اللذين أعلنتهما الجمعية العامة. وقد اتفق على أن يكون الثامن من آذار عيدا عالميا للمرأة. ويشكل هذا الإعلان قيمة أخلاقية وإنسانية في إعلانه صراحة على الصعيد العالمي بعدمية الفروق بين الجنسين في المساهمة في الحياة والحقوق العامة. ويشكل هذا الإعلان عودة إلى الفطرة الإنسانية والى مرحلة تاريخية ما قبل اللاتساوي بين الجنسين ونبذ الفروق الجسمية والعقلية والنفسية باعتبارها مصدرا بهيميا لعدم المساواة والتي يبنى عليها شتى مظاهر اضطهاد المرأة. 

لم يكن الإعلان عن يوم عيد المرأة العالمي من قبل المنظمة الدولية وليد ساعة التفكير به , بل هو نتاج مخاض تاريخي طويل الامد, سبقته إحداث كبرى من الاحتجات ضد اللامساوات, ولم يكن الثامن من آذار إلا خاتمة شكلية لها. فقد أضربت مئات العاملات عام 1857 في نيويورك في إحدى مصانع الغزل والنسيج احتجاجا على انخفاض الأجور وظروف العمل السيئة وسوء المعاملة, ثم تلتها بخمسين عاما, أي عام 1907 إحياء لهذه الذكرى, ثم أعيدت نفس الاحتفالية عام 1908, وتوالت كذلك فعاليات مشابهة قي أعوام لاحقة. أما الطابع العالمي لليوم فقد طرح لأول مرة في عام 1910 من الوفود النسائية الاشتراكية والنسوية المشاركة في مؤتمر الأممية الثانية في كوبنهاكن التي شددت على التضامن العالمي بين عاملات العالم.

كما نشير هنا إلى دور الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي الذي تأسس في عام 1945 ودوره الكبير في التعبئة لقضية المرأة ومساواتها متأثرا بالفكر اليساري للعدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين, ولعب الاتحاد المذكور دورا تثقيفيا في مختلف بقاع العالم في تهيئة المزاج الدولي والإقليمي والقطري لإبراز قضية المرأة وتأكيد استحقاقاتها التاريخية في المساواة والعدالة والمساهمة في إبراز منظومة التحديات التي كانت ولا تزال شرائح عريضة من نساء العالم يشعرن أنهن يواجهنها على كافة الأصعدة الحياتية, إلى جانب الإشادة واستعراض الانجازات والمكاسب التي حققتها المرأة على مر العقود المنصرمة في كافة المجالات وضرورة الحفاظ عليها.
 أما بخصوص مجتمعاتنا العربية والإسلامية وأسوة بأغلبية بقاع العالم المتخلف, حيث العائلة البطريركية في ظل بنية اقتصادية ـ اجتماعية متخلفة, هي المؤسسة الاجتماعية الأولى التي تؤسس لإضطهاد الفتاة ثم المرأة واستلابها, حيث يأخذ هذا الإستلاب طابعا مقدسا يستمد شرعيته من تفسير النصوص الدينية الوارد على ألسنة المشرعين والمفتين الذين يتدخلون بالتفاصيل الدقيقة لحياة المرأة وفرض الوصاية عليها, من طريقة لباسها وكيفية معاشرتها للآخرين وكذلك تقرير سقف ومدى مساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية, والتحكم بها باعتبارها تابعا للرجل وجزء من ممتلكاته الشخصية, كما وصل بهم الإفتاء إلى إباحة أجزاء من جسدها لغير زوجها " كإرضاع الكبير ومفاخذته ", وإيجاد أشكال ظرفية عديدة ومختلفة من الزواج المؤقت, ويأخذ الاستلاب طابعا أكثر مرارة عندما يختلط الدين مع السياسية, ليتحول أكراه واستلاب المرأة إلى قوة قانونية ملزمة عليها من السماء والأرض.

وتبدأ الفتاة والمرأة كمشروع للاستلاب منذ نعومة أظافرها, حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية, خارج إطار والديها, من أخوانها الذكور الصغار والكبار, حتى إذا بلغت اشتدت دائرة الرقابة عليها من الجميع, ثم يستقبلها زوجها فيعيد إنتاج تربيتها وفق لما يرتئيه مناسبا له, بل حتى أطفالها الذكور يساهمون في " تربيتها " وفرض دائرة من الممنوعات على حركتها وحريتها الشخصية, وتتعرض إلى شتى مظاهر الإساءات كامرأة أو زوجة, من الإذلال وجعلها تشعر بعقدة الذنب, وإساءة معاملتها جسديا بالضرب والتهديد والوعيد, ومنعها من التعاطي بالمال وإيجاد فرص عمل لكسب المال وجعلها معتمدة كليا على مال الرجل أو اغتصاب مالها الخاص والتصرف به, وعزلها اجتماعيا ومنعها من الاتصال بالآخرين إلا بموافقات مسبقة وبشروط محكمة في الصرامة ومراقبة تحركاتها عن كثب, إلى أين تذهب ومع من تلتقي, وجعلها تشعر بالذنب أمام أخوانها أو أولادها وتهديدها من عدم رؤية أولادها وحتى ممارسة الضرب والاهانة لها أمامهم, وممارسة الإكراه والتخويف والتهويل لها وإجبارها على القيام بمختلف التصرفات التي قد تؤذي فيها حتى نفسها. 

ورغم تعرض االأنثى, فتاة كانت أم امرأة, في مجتمعاتنا إلى مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي, إلا أن العنف الرمزي هو أكثر الأشكال ضررا وإيغالا في معاناة المرأة, وهو عنف غير فيزيائي, ويتم أساسا عبر وسائل التربية وتلقين المعرفة والايديويوجيا, وهو كما يصفه بورديو بأنه " شكل لطيف وغير محسوس من العنف ", وهو غير مرئي بالنسبة للضحايا أنفسهم. كما أن العنف الرمزي يمارس على الفاعلين الاجتماعيين بموافقتهم وتواطئهم, ولذلك فهم غالبا ما لا يعترفون به كعنف, بحيث أنهم يستدمجونه كبديهيات أو مسلمات من خلال وسائل التربية والتنشئة الاجتماعية وأشكال التواصل الاجتماعي. فالتربية "الذكورية " ابتداء من البيت والنشأة الأولى وما تتركه من انطباعات سيئة عن الأنثى بأنها مخلوق ثانوي تلقي بضلالها على الكثير من السلوكيات اليومية المذلة للمرأة, والمدرسة وتخلف مناهجها وما تبثه من معلومات حول الفرو قات بين الجنسين واستخدامها بشكل سيئ لتوجيه الطعون ضد المرأة وأهليتها الاجتماعية, الفصل  بين الجنسين في المدرسة وخاصة في مراحله الأولى يؤسس منذ البدء للريبة وسوء الظن بالجنس الآخر, والاستعانة بالتراث السلبي وانتقاء أحداثه بطريقة متحيزة بما يضفي إلى تصور المرأة كائنا شريرا وناقصا ولا يحمل إلا المنعطفات والأحداث السيئة, الأفكار والإيديولوجيات السائدة التي تكرس الشائع واللامنطقي عن المرأة وعدم مقدرتها على تجاوز الواقع, الاستعانة بتفسيرات الكتاب المقدس والسنة النبوية بما يفضي إلى تكريس اللامساواة وتشويه قدرات المرأة وإمكانياتها, كما يرد في " المرأة ناقصة عقل ودين ", وكذلك الفتاوى الدينية المختلفة التي تتدخل في التفاصيل الدقيقة للمرأة ووضعها في غير مكانها المناسب. أن هذا النمط من العنف الثقافي والتربوي الرمزي والخفي يجد له انعكاساته ليست فقط في ممارسات الرجال ضد المرأة, بل الأخطر من ذلك أن المرأة تعتبره قدرا وتتفاعل معه إلى درجة الدفاع الخفي عنه وعن مرتكبيه " أي الضحية تدافع عن الجلاد ". وهذا الفرق الواسع بين العنف في مجتمعاتنا وبين العالم المتمدن, حيث في الأخير لن يلقى الدعم والإسناد من المنظومة القيمية والفكرية السائد وبالتالي هو مدان على نطاق واسع بما يحد من إعادة توليده, وهو بعكس ما سائد لدينا حيث يلقى التفسير والإسناد والإثابة في أحيان كثيرة.

وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية والإقليمية بتنوعها الديني والاثني والقومي, وعلى الرغم مما حققته من انجازات فردية على صعيد انخراطها في التعليم بمختلف مراحله, ودخولها عالم المهن المختلفة من طبية وتدريسية وهندسية وإدارية وجامعية, وصولا إلى تبوئها مناصب عليا وزارية وغيرها, فهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أنها حققت تقدمها في المساواة مع الرجل, بل المهم في ذلك كله هو المزاج والموقف العقلي والفكري من مساواتها, فهي لازالت مشروع استلاب منذ نعومة أظافرها, حيث تفرض عليها الوصاية التربوية والوعظية وتتعرض إلى مسلسل لا حصر له من الممنوعات من صغرها حتى شيخوختها, إلى جانب ما تتعرض له من مختلف صنوف التعذيب والعنف الجسدي والنفسي والأخلاقي, وكذلك العنف الرمزي غير المرئي الذي يتجسد عبر الثقافة والتربية والموقف المذل منها يوميا عبر معاملتها كجنس من الدرجة الثانية, وفصلها اجتماعيا عن الرجل سواء في البيت أو المدرسة أو الدائرة ومنعها من الاختلاط والتدخل في تفاصيلها اليومية, انطلاقا من مسلمات لا صحة لها " كناقصة عقل ودين ".

أن عملية المساواة هي أولا وقبل كل شيء عملية ذهنية ـ عقلية/اجتماعية, تنشأ بفعل عملية التنشئة الاجتماعية والتربية المستديمة للفرد اتجاه نفسه واتجاه الجنس الآخر, تلعب الأسرة فيها دورا مهما وعلاقات الوالدين بالطفل ذكرا أم أنثى, ومعاملة الإخوة الذكور للأخوات الإناث, والتربية المدرسية وما تبثه من فلسفة تربوية حيث تعرض الفرد لمختلف وجهات النظر الفكرية والعقلية اتجاه الجنس الآخر, فيتبلور لدى الفرد اتجاها محددا نحو نفسه ونحو الجنس الآخر, وكذلك العادات العامة والتقاليد, ثم المؤسسات الاجتماعية المختلفة الرسمية منها وغير الرسمية, والأحزاب والأيدلوجيات المختلفة ومدى نفوذها في الوسط الاجتماعي . 

أن حقيقة كون اللامساواة بين الجنسين هو نزوع ثقافي أولا, يكفي أن نرى عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تجري في البلدان المتقدمة, والتي قامت على خلفية ظهور الفكر التنويري وانتعاش حركات الإصلاح والمساواة الاجتماعية, ولاحقا تعزيز التقاليد والاحترام والالتزام بقرارات وتوصيات المنظمات والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق المرأة, وعدم تجاهل مطالب الحركات التحررية النسائية اليومية منها والمستقبلية. ولا نقول أن ما يجري في البلدان المتقدمة بخصوص النساء هو نموذجي ولا يمكن الطعن فيه,لأن في ذلك هو مجافاة للحقيقة في الكثير من وجوهها, ولكن المقارنة مع ما يحصل في مجتمعاتنا هو الذي يضعنا في صورة التفاوت المريع.

وإذا نحتفل بعيد المرأة العالمي في ظل ظروف إقليمية وعربية وإسلامية تضيق فيها فسحة المساواة ويتعرض فيها فكر المساواة إلى مزيدا من التشكيك والضربات المختلفة, وينتعش فيها الفكر المتطرف الديني والسياسي الذي يرمي المرأة خارج إطار عملية الصراع أو تحيدها أو إجبارها على الوقوف إلى جانبه, وتسفيه دورها اللازم في عمليات التغير واعتبارها تابع لاجدوى من مساهمتها في الحياة السياسية والاجتماعية, فأن الجهود الصادقة والحريصة, الدولية منها والإقليمية والقطرية, يجب أن تتوجه إلى أنقاض المرأة من سلوكيات الإذلال والحط من قيمتها الشخصية والاجتماعية وفسح كافة فرص المساهمة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للمساهمة في بناء مجتمعات أفضل لا تخضع لمزاج الفتاوى الشخصية والاجتهاد المبتذل, فمكانة المرأة ليست موضوعا للاجتهاد بل هي موضوع للمساواة وتحقيق العدالة الاجتماعية بين قطبين متكافئين. وكل عام والمرأة نحو الأفضل.














52
الداعشية في كربلاء تنتهك حرمة الدم وتغتال العقل المدني


د.عامر صالح

في مساء يوم السبت المصادف 02ـ02ـ2019  أقدم مسلحون من الظلاميين الأوباش والمتلبسين في الثقافة الداعشية في تصفية الحرث والنسل على اغتيال الناشط المدني والروائي والاكاديمي الدكتور علاء مشذوب وقد امطروه بوابل من الرصاص أمام منزله في مدينة كربلاء والكائن في منطقة محصنة أمنيا, وعلى ما يبدو من فعل الجريمة فأن قرار اعدامه بالرصاص قد أتخذ مع سبق الأصرار في سيناريو أقل ما يقال عنه سيناريو جبان وقد نفذ  من قبل المجرمين من المتشبهين بالرجال بحق ناشط وصحفي يفكر بطريقة حرة, رجل طموح لعراق ديمقراطي يخلو من الأرهاب والطائفية الكريهة والمحاصصة الأثنية والمذهبية المريضة والرعناء ذات الأصول الدموية الغارقة في الفساد الأداري والمالي والأخلاقي, ومتخذة من الطائفة والمذهب والعرق شماعة لأرتكاب جرائم بحق الشعب العراقي وبحق الانسانية جمعاء.

يطال الشك الى مصداقية النصر على داعش وتثبيته عسكريا في مناطق تواجدها سابقا عندما لا يقترن ذلك بثقافة احترام الرأي والرأي الآخر في المناطق التي تتواجد فيها سلطة الدولة الاتحادية في محافظات الوسط والجنوب, لأن محاربة داعش عسكريا يجب ان يتزامن ويقترن حثيثا في القضاء على ثقافة داعش وأمتدادتها في كل التراب العراقي, تلك الثقافة الوسخة التي يجسدها العقل السيكوباتي المريض في وسط العراق وجنوبه وشماله, والتي تدعي أحتكار الحقيقة عبر تسويف المذهب والطائفة والعرق وتوظيفه لمصلحة تفكيك النسيج الاجتماعي واشاعة ثقافة التصفيات الجسدية والنفسية وخلق الفوضى المدمرة, وهي ثقافة داعشية تسعى داعش وحلفائها في الفكر والممارسة لإشاعتها بديلا عن التواجد العسكري المباشر.

لقد أقدم هؤلاء الجبناء على تصفية الناشط والباحث علاء مشذوب ليؤكدوا لنا أن داعش موجودة في كل حتة عراقية وفي كل زمان وبأمكانهم أن يستنسخوا داعش اخرى ذات مواصفات ثقافية وسلوكية تخريبية لاتقل ابدا في جرمها وصلافتها عن داعش الرسمية والمعروفة لدى الغرب والشرق, فالداعشية سلوك إجرامي وهو أرهاب منزوع الصلة بدين أو مذهب بعينه, وبأمكانك ان تكون داعشيا عندما لا تحترم حرية التعبير والصحافة والرأي الآخر, والأسوء من ذلك عندما أقدموا على قتل رجل في ذروة عمر عطائه  كما غيره من شهداء الكلمة الذين تمت تصفيتهم من قبل رواد الثقافة الداعشية.

ان الحرية الاعلامية والصحفية وحرية التعبير تشكل ركنا من أركان الدولة المدنية والديمقراطية وقد تكرست هذه الحرية في جميع المواثيق الدولية, والعراقية ايضا من خلال الدستور, وبالتالي فأن الأقدام على قتل الصحفي والكاتب والروائي علاء مشذوب هو جريمة أسوة بجرائم اختطاف وقتل الصحفين التي ارتكبت سابقا في العراق, وهي ليست آخر الجرائم في بلد يفتقد الى الامن الشامل, وهي جرائم ضد الأنسانية وتهدد بقاء النظام السياسي أي كانت صبغته ومصداقيته في الحفاظ على أرواح المواطنين والصحفيين والكتاب والاعلاميين وأصحاب الكلمة الحرة بشكل عام.

ان ما قام به علاء مشذوب كناشط مدني وصحفي وكاتب في نقل المعلومات الأمينة والصادقة والحيادية والكتابة عن معاناة الناس وفضح الطائفية السياسية, وقد جاءت كل نشاطات الضحية المذكور منسجمة مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان في حرية النقد والتعبير وحق التجمع والتظاهر وابداء الرأي المغاير, كما كانت نشاطاته منسجمة مع روح الدستور العراقي ونصوصه الصريحة في احترام حرية الرأي والتظاهر والتجمع.

لم يكن نشاط الشهيد علاء مشذوب داعيا للحرب, ولا للصراعات الطائفية والاثنية ولا للتميز العرقي والمذهبي والطائفي, ولا للكراهية الوطنية والقومية, ولم يكن في يوم ما داعية لاستخدام العنف والعدائية. ان ما قام به علاء مشذوب يصب في جوهر الحرية الاعلامية والصحفية وفي خدمة المواطن العراقي وصيانة حقوقه المشروعة في العيش الكريم, وممارسة النقد لمختلف الظواهر الاجتماعية ذات المساس بتهديد السلم الأهلي وتهديد كرامة الانسان العراقي.

 والشهيد علاء مشذوب، كاتب عراقي من مواليد 1968 في قمة تراكمه الابداعي وعطائه المعرفي, نال شهادة الدكتوراه في الفنون الجميلة عام 2014، وكتب بحوثاً ودراسات عديدة في مجال إختصاصه.. توالت مجاميعه القصصية: (ربما أعود إليك) عام 2010، و(الحنين إلى الغربة) عام 2011، و(زقاق الأرامل) عام 2012، و(خليط متجانس) عام 2013، و(لوحات متصوفة) عام 2017.. وفي الرواية، بدأ مع روايته (مدن الهلاك ـ الشاهدان) عام 2014، و(فوضى الوطن) عام 2014، و(جريمة في الفيس بوك) عام 2015، و(أدم سامي ـ مور) عام 2015، و(إنتهازيون … ولكن) عام 2016، و(حمام اليهودي) عام 2017، و(شيخوخة بغداد) عام 2017.

فلتتظافر كل الجهود الوطنية المخلصة, من أجهزة أمنية وأستخباراتية ومنظمات أنسانية عالمية ووطنية ومنظمات مجتمع مدني عراقية من اجل تكثيف الجهود " وخاصة في مدينة كربلاء " التي وقع فيها استشهاد علاء مشذوب ومعرفة القتلة المجرمين منفذي الاغتيال ومن يقف ورائهم وانزال اقصى العقوبة بالجناة حثالى المجتمع وأعداء حرية التعبير والأمن المجتمعي, أما ان تسجل الجريمة كعادة الجرائم السابقة " نفذت من قبل مجهول " بعد نقل الضحية الى الطب العدلي لتأكيد الوفاة وتبقى التفاصيل قيد الكتمان والتستر على القتلة, فأن ذلك سيسهم بشكل كبير في انتزاع الثقة المجتمعية في الاجهزة الامنية والاستخباراتية وبالتالي اطفاء اي بصيص أمل في استتاب الامن وترك شعبنا ضحية سهلة بين انياب ميليشا السلاح المنفلت. لروح علاء مشذوب الطمأنينة والسلام والخزي والعار للقتلة اعداء الحياة.





53
على ضوء ما نشره الجهاز المركزي للأحصاء: رأي في معالجة تسرب تلاميذ المدرسة الابتدائية

د.عامر صالح 

كشف الجهاز المركزي للأحصاء التابع لوزارة التخطيط في العراق بتاريخ 20 يناير 2019 عن اعداد التلامذة المتسربين من المدارس الابتدائية والذي بلغ 131 ألف و468 تلميذا وتلميذة للعام الدراسي 2017ـ2018 . وقال الجهاز في احصائية نشرتها الوزارة على موقعها والذي شمل جميع المحافظات العراقية ما عدا أقليم كردستان, وأضاف الجهاز أن " التلاميذ التاركين في المدارس الحكومية تشكل نسبة قدرها 99.0%, في حين لم تتجاوز نسبة التلامذة التاركين في المدارس الأهلية 0.8% والمدارس الدينية 0.2%, مبينا أن" عدد التاركين ارتفع في المدارس الحكومية فقط مقارنة بالعام الدراسي السابق بنسبة 2.7% إذ كان عددهم 126694 تلميذا وتلميذة ".

وأشار الجهاز أن " أن الفترة ما بين ( 2013ـ2014 الى 2017ـ2018 ) شهدت زيادة في اعداد التلاميذ التاركين بنسبة 28.8% حيث كان عددهم 101043 تلميذا وتلميذة في العام الدراسي 2013ـ2014 ". وأوضح التقرير إن اعلى نسبة من التاركين بالمدارس الابتدائية في العاصمة بغداد كان في مديرية تربية الرصافة الثانية حيث بلغت الاعداد فيها 11 ألف و104 تلميذا وتلميذة تليها مدبرية تربية الكرخ الثانية وبعدد 5 آلاف و987 تلميذا وتلميذة ومن ثم مديرية تربية الرصافة الثالثة وبعدد 4 آلاف و372 تلميذا وتلميذة". وبين التقرير أن "محافظة بابل كانت الأعلى من بين المحافظات ما عدا بغداد في اعداد التاركين فيها من تلاميذ المدارس الابتدائية حيث سجلت 17 ألف 12 تلميذ, تليها محافظة صلاح الدين وبعدد 14 ألف و100, وتليها محافظة البصرة وبعدد 11 ألف و938 تلميذا وتلميذة". 

وفي الوقت الذي حقق فيه العراق تقدما ملموسا في عقد السبعينيات على مستوى استيعاب الأطفال, فحسب تقرير اليونسكو أمتلك العراق قبل حرب الخليج الأولى نظام تعليمي من أفضل أنظمة التعليم في المنطقة قدرت نسبة المسجلين فيه بالتعليم الابتدائي ما يقارب 100% مقارنة بأعداد الأطفال في سن التعليم الابتدائي,وحسب تقرير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام 1973 فأن معدل التسرب في التعليم الابتدائي قد هبط في العراق إلى ما يقارب 5% بين الصف الأول والخامس الابتدائي, وكان هذا أوطأ معدلات تسرب في الدول النامية.ثم نال العراق في نهاية السبعينيات جائزة اليونسكو على حملة محو الأمية.وقد ساهمت في ذلك الطفرة المالية المتحققة من العوائد النفطية والتي وسعت من حجم الإنفاق على التعليم,وكذلك الدور الكبير والمتميز الذي لعبته الحركة الوطنية وفي مقدمتها قوى اليسار في التعبئة لنشر التعليم والثقافة في صفوف أبناء المجتمع وتعزيز الدور التعبوي عبر نشاطها وصحافتها العلنية, وخاصة في ميدان محو الأمية,ونقل تجارب الشعوب العالمية عبر صحافتها اليومية وخلق المزاج العام المواتي لتنفيذ ذلك. إلا إن الحروب الكارثية التي أقدم عليها النظام العراقي آنذاك وما سببته من استنزاف للموارد المالية والبشرية قد الحق أفدح  الإضرار بقطاع التربية والتعليم, ويكفي إن نشير هنا إلى إن نسبة القادرين على القراءة والكتابة في البلاد عام 2003: الذكور 55%, الإناث 23%. وبلغت خسائر هذا القطاع أكثر من أربع مليارات دولار شملت كل عناصر وأبعاد العملية التربوية ومستلزماتها ومؤسساتها ومراحلها المختلفة.

أن التسرب يمثل مظهرا من مظاهر الهدر التعليمي أو الفاقد في التعليم, إلى جانب مشكلة الرسوب المتكرر,ويعتبر نتيجة لضعف نتاج العملية التربوية وينشأ عن مشكلات تربوية واجتماعية تؤدي إلى عجز النظام التعليمي في الاحتفاظ بالملتحقين به كافة لإتمام دراستهم في مرحلة دراسية ما ( وخاصة في التعليم الابتدائي ).وان التسرب باعتباره انقطاع التلميذ عن المدرسة انقطاعا نهائيا قبل أن يتم المرحلة الإلزامية, فأن سقف التعليم الإلزامي يختلف من دولة إلى أخرى, فمنها من يدين بالإلزام لمدة 9 سنوات دراسية, وبعض أخر يكتفي بإلزامية تعليم أمدها 6 سنوات ( مدرسة ابتدائية ) كما هو الحال في العراق وفقا لقانون التعليم الإلزامي رقم 118 لسنة 1976, والذي يشمل الفئة العمرية من( 6ـ11) سنة, والذي لا يزال ساري المفعول إلى اليوم,علما أن إمكانيات العراق المادية والمالية تكفي لمد سقف الإلزام حتى إلى مرحلة التعليم الثانوي كما هو الحال في بعض الدول المتقدمة والمتمكنة.مع العلم أن الدستور الحالي جاء ليكرس ما ورد في القانون المذكور أعلاه,حيث ينص على أن :" التعليم عامل أساسي لتقدم المجتمع وحق تكفله الدولة, وهو إلزامي في المرحلة الابتدائية,وتكفل الدولة مكافحة الأمية.والتعليم المجاني حق لكل العراقيين في مختلف مراحله".

أن مصير العملية التربوية كم هو معروف يرتبط وثيقا بالاستقرار السياسي الذي يبعث الأمل في مؤسسات الدولة وقيامها بأنشطتها على أسس موضوعية وحيادية, ومنها قطاع التربية والتعليم,فالنظام السياسي يلعب دورا مهما في إعادة توليد القيم الأخلاقية والاتجاهات الاجتماعية العامة, والنظام التربوي هو احد أدواته لتكريس هذه القيم ونشرها على نطاق واسع عبر الممارسات اليومية, من خلال المناهج والأنشطة المدرسية, وتشكل في هذا السياق ظاهرة التعصب الديني والطائفي والقومي احد القيم الأخلاقية والتربوية الضاغطة على وحدة نظام التعليم ونسيجه الاجتماعي, ويشكل هنا التسرب من التعليم والابتعاد عنه احد وسائل احتماء الأقليات في حالات الاحتقان الشديد وسببا في انقطاع الكثير من أبناء الأقليات والطوائف عن التعليم والعزوف عنه.

وقد تعرض النظام التربوي جراء سياسات النظام السابق الهوجاء وما تلتها من سياسات عشوائية على أيدي الاحتلال وما تبعتها من تكريس للمحاصصة الطائفية, إلى انهيارات كبرى في مراحله المختلفة,فقد تم تدمير اغلب المؤسسات التربوية من أبنية ومستلزمات وأجهزة, وقد تحول الكثير من المدارس إلى مجرد أربعة جدران وأماكن شكلية لإقامة التلاميذ,لا تشد الطالب إلى المجيء والمواظبة, بل إلى طرده من المدرسة, ناهيك عن اقتسام المدارس إلى مناطق نفوذ طائفي أو حزبي,فهي تعتبر في أذهان الكثير أماكن غير آمنه. أن تشديد قبضة الإرهاب والعمليات الانتحارية أطالت ألاف من الأطفال, وكانت أوقات الدوام الرسمي" بدايته ونهايته" فرصا مواتية لإيقاع الأذى وزرع الخوف لدى الأطفال وأسرهم, مما أدى إلى عزوف التلاميذ عن الدوام وعدم انتظامهم ثم تسربهم.

أن الحد من التسرب والاقتراب من نهايته يستند إلى منظومة متكاملة من الإجراءات,وتشكل النوايا الحسنة والقناعة بالنظام الديمقراطي و قيمه الإنسانية مدخلا لازما لذلك ومظلة تحمي آلية التنفيذ, ولعل ابرز العلاجات الناجحة هي ما يأتي:
ـ الاهتمام بالمرافق والخدمات التعليمية مما يجعلها جذابة وشيقة ومرتبطة بواقع التلاميذ,وتحسين المعاملات والممارسات المتبعة في الاتصال التعليمي وبنائها على مبادئ التربية الحديثة القائمة على أساس أن التلميذ مركز اهتمام العملية التربوية, واستغلال خاصية يتمتع بها الأطفال عامة وهي الفضول والذهن المتفتح لاكتساب ومعرفة كل شيء.

ـ منع تشغيل الأطفال منعا باتا وعبر إجراءات صارمة لعل أبرزها تفعيل العمل بقانون التعليم الإلزامي وتطبيق العقوبات الواردة فيه على أولياء الأمور,ويجب أن يقترن هذا الإجراء بدعم اقتصادي للأسر المعوزة وتحمل المدرسة الإنفاق التربوي على التلاميذ من مستلزمات وملابس وتغذية.

ـ توفير خدمات التوجيه والإرشاد النفسي والتربوي والاجتماعي للتلاميذ وأسرهم والتأكيد من قبل إدارات المدارس على ضرورة وجود المرشد الاجتماعي في المدارس لما يقدمه من مساعدة للإدارة التعليمية وللأهل في المشكلات المختلفة ومنها التسرب,وأن تكون هناك حصص أسبوعية أو شهرية من قبل هذا المرشد للأهل وللتلميذ لمناقشة عوامل التسرب وإمكانية الحد منها, والتأسيس الجيد لمجالس أولياء الأمور في المدارس.

ـ التأهيل المستمر للكادر التربوي وإعادة تأهيله على ضوء ما يستجد من معطيات في العلوم التربوية والنفسية, والتخلص من العناصر ألمزوره, أو التي لا تحمل مؤهلا تربويا وذات أداء ضعيف, والتي تكون معظم الأحيان سببا في التسرب لا في منعه.

ـ العمل على وضع خطط ملموسة لنشر شبكات رياض الأطفال في أرجاء العراق وخاصة في القرى والأرياف, والتي لا تزال ضعيفة جدا,حيث لا تستوعب في أحسن الأحوال 7% من مجموع الأطفال في عمر 4 إلى 5 سنوات في عموم العراق,لما لها من أهمية استثنائية في خلق الاستعداد الايجابي للأطفال اتجاه المدرسة الابتدائية لاحقا والإقبال عليها والاستمرار فيها.

ـ وضع الخطط والمناهج التي تعتمد على المواهب والطموحات والقابليات لدى الأطفال والابتعاد عن مناهج الحشو والمليئة بالمعلومات ذات الطابع الكمي والتي تكره في نفس الطالب المدرسة والمادة الدراسية, ومحاولة ربط المنهج بالبيئة المحيطة عبر تطبيقات للمنهج في مختلف مجالات المجتمع المحلي.

ـ منح فرص إضافية للمتسربين سواء عبر مدارس مسائية أو نهارية أو مدارس متنقلة وخاصة في المناطق النائية والقرى والأرياف, أو مناطق التهجير والإقامة الجديدة للأطفال, وهي وسائل تعين الأطفال على عدم العودة إلى الأمية كاملة.

ـ استخدام الإعلام والصحافة اليومية الرسمية وغير الرسمية والمنظمات الاجتماعية المختلفة للتثقيف والتوعية بدور التعليم وخاصة الموجه منها إلى ذوي الأطفال والتركيز على ضرورة عودة أطفالهم إلى مقاعد الدراسة.

ـ الاستقرار السياسي والأمني وهو المطلب رقم واحد  لاستقرار العملية التربوية وما يؤدي إليه من انخفاض نسبة العنف وتعزيز ثقة الأسر والأطفال بالنظام السياسي والتربوي, ويضمن يوم مدرسي هادئ خالي من القتل والاختطاف والارتهان.

ـ إنشاء دور لليتامى لإيوائهم وتأمين حياة آمنه لهم يتمتعون فيها بقدر من الرعاية الاجتماعية والاقتصادية وإنشاء مدارس خاصة لهم لتسهيل اندماجهم لاحقا في المدارس المنتشرة على مقربة من إقامتهم,كي يتسنى لهم التحصيل الدراسي في المرحلة الابتدائية على الأقل وحمايتهم من التسرب.

ـ إنشاء مدارس لمختلف المعوقين وتصنيفهم وفقا لدرجة وطبيعة إعاقتهم, كما هو معمول فيه دول العالم المتحضر, وإتاحة الفرصة لهم للحصول على قدر من التعليم والتربية والتي تنسجم مع قدراتهم العقلية والجسدية,ومنع تحولهم إلى أميين بالمطلق.

ومن هنا نرى ان المعالجات الشاملة لمشكلة التسرب بكل ابعادها وفي اطار اصلاح النظام السياسي هو الكفيل بايجاد الحلول الواقعية والمدروسة والبعيدة عن الارتجال وفي ضوء فلسفة تربوية واضحة تستمد اسسها من مختلف المعارف والعلوم للنهوض بقطاع التربية والتعليم. وان علاج مشكلة التسرب هو جزء من البحث عن حلول لأزمة التربية والتعليم في العراق وأنها بالتأكيد جزء لا يتجزأ من ازمة النظام السياسي وعدم استقراره وغياب فلسفة انسانية واضحة تنهض بقطاع التربية التربية والتعليم, وان الفساد في هذا القطاع سيسهم في فساد وتغييب وتجهيل الاجيال القادمة.





54
في سيكولوجيا رمادية الوضع السياسي في العراق


د.عامر صالح

أن تحقق هدفا انسانيا مجتمعيا كالخلاص من نظام دكتاتوري يجب ان تكون لك القدرة الذاتية العالية على التنظيم والأعداد والتنفيذ الجماهيري, الى جانب التسلح برؤية مستقبلية للأحداث ما بعد سقوط النظام واستقراء للبدائل الممكنة ذات المضامين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, الى جانب القدرة العالية على اعداد الشعب وطلائعه السياسية لأحتواء احداث ما بعد السقوط.

ما حصل في العراق هو ان هناك أزمة عامة يعاني منها النظام السابق ولم يكن يستطيع الاستمرار في البقاء إلا عبر القمع الواسع وأخلاء الساحة العراقية من أي فرصة للتنظيم المعارض الواسع للنظام, وعمل النظام عبر عقود بقائه على البطش والأقصاء وتهميش المعارضة والتنكيل بها, حتى اصبح النظام تقريبا هو اللاعب الوحيد في الساحة مقابل معارضة سياسية انتشر معظمها في بقاع الارض المختلفة من دول العالم, وبالتالي نقول هنا انطلاقا من مسلمات علم الثورة: لكي تقوم بثورة ما فهناك مقومين, اولهما موضوعي يتجسد في حالة البؤس والفقر والظلم والطغيان والفساد والاضطهاد التي يمارسها ويعج بها النظام السياسي وتهالك مقومات بقائه كنظام صالح للعيش والبقاء, والمقوم الثاني وهو العامل الذاتي والذي يتضح بمستويات وعي الجماهير واستعدادها للبذل والتضحية والتنظيم الذاتي وتوفر الطليعة والنخب الوطنية القادرة على قراءة اللحظة التاريخية وقيادة الجماهير نحو لحظات مفصلية.

هذه العلاقة الجدلية بين ماهو موضوعي وذاتي في إحداث الفعل الثوري كان مفقودا نسبيا في الحالة العراقية, فالازمة الموضوعية للنظام على الارض العراقية يقابلها عوامل ذاتية تمثلها معارضة مشتتة ومتصارعة فيما بينها لدرجة التصادم وما يجمعها فقط هو اسقاط النظام الدكتاتوري, والى جانب تلك المعارضة فهناك فسحة اجتماعية رمادية واسعة تشكلت في المجتمع العراقي ومعظمها من الطبقة الوسطى والتي كيفت نفسها لتتعايش مع النظام وتفهم مزاجه وماذا يريد, كما تمكن النظام السابق من ترويضها عبر مختلف المغريات الشكلية والتي لا تتجاوز تأمين لقمة العيش في بلد انهكته الحروب والحصار, مما افقد المعارضة العراقية دور هذه الفئات واستلاب دورها المميز في عمليات التغير الجذري.

كان طول أمد بقاء النظام السابق وعدم المقدرة على اسقاطه كهدف للمعارضة من اهم العوامل السيكولوجية التي ألقت بظلالها على قوى المعارضة العراقية في خلق حالة من الأحباط النفسي المتراكم, تجسد في بعض مظاهره بردود افعال العدوان ليست ضد مصدر الأحباط " النظام السابق " بل سلوك عدواني بين اقطاب المعارضة نفسها, عكسته العديد من الصراعات الميدانية المسلحة والدموية بين بعض من قوى المعارضة, الى جانب اساليب العدوان الاخرى, كالخطاب السياسي المعبأ بالكراهية والتحريض والتشكيك والتخوين.

وأنطلاقا من تلك العلاقة الارتباطية الموجبة بين الاحباط والعدوان, والتي تنطبق على الافراد كما تنطبق على الاحزاب والجماعات فقد كان تراكم الاحباط لدى المعارضة العراقية والمتسبب من محاولات بقاء النظام السابق وخروجه " سالما " من حروبه الداخلية والاقليمية, فقد تضاعفت بقدر كبير فرص " العدوان " سيكولوجيا والتي تساوي محاولات اسقاط النظام سياسيا, والبحث عن كل البدائل المتاحة والممكنة لتحقيق هذا الهدف بعيدا عن جدل العلاقة المبدأية بين الوسائل النزيهة والنظيفة لتحقيق غايات سامية.

ومن هنا كان القبول بالاحتلال الامريكي للعراق واسقاط النظام والتناغم مع اجندته في بناء نظام حكم مبني على المحاصصة الاثنية والطائفية سلوكا ميكافيليا بأمتياز للغالبية العظمى من المعارضة العراقية, مرفوضا في المعايير الوطنية والقيم الدينية, واضفيت على الاحتلال صفة المحرر والمنقذ, انه سلوك لأحداث نوع من التوازن النفسي عبر تفريغ طاقة " العدوان " نحو النظام الدكتاتوري السابق بعيدا عن النتائج الكارثية بعد اسقاطه, وان ما ينطبق هنا على ديناميات الفرد السلوكية ينطبق ايضا على ديناميات الصراع بين الجماعات المختلفة.

اما المطالبات اليوم بخروج القوات الامريكية وقواعدها من العراق" ورغم قدسية الهدف المشروع " فيجب على من يرفع شعار او ينادي بمطلبا أن يدرس القدرات الذاتية والموضوعية في ظل واقع مزري ونظام سياسي فاسد ومنافق " بالامس اعتبر أمريكا محررة وفاتحة لعراق جديد واليوم محتلة وعليها الخروج, تلك هي عقدة النقص في السياسة العراقية والزعماء السياسين الذين قبلوا بالاحتلال واجندته ولكنهم أسرى لأجندة الصراع الاقليمي. وبقدر ما احتجت بعض الاحزاب والمليشيات على زيارة الرئيس الامريكي المفاجئة للقواعد الامريكية " وهو احتجاج مشروع " بغض النظر عن التوقيت واجندة الصراع التي تقف ورائه, ولكن كان يفترض وبنفس القدر ان تأخذهم الغيرة والحمية في الاستجابة لمطالب اهل البصرة المنكوبة والمحافظات العراقية الاخرى والاستجابة لمطالب النازحين والمهجرين والمنكوبين وضحايا الحروب والاستجابة لمستلزمات بناء دولة المواطنة التي تستطيع مقارعة الاحتلال الامريكي. 

ان زيارة ترامب السرية الى العراق والتي اثارت موجة تصريحات معادية من قبل اغلب ساسة العراق والفصائل المسلحة لكن هذه التصريحات تناست اتفاقية الاطار الاستراتيجي الموقعة بين بغداد وواشنطن والتي بموجبها جاء ترامب لتفقد قوات بلاده في قاعدة عين الاسد غربي العراق كون هذه الاتفاقية تسمح للرئيس الامريكي ووزير الدفاع ورئيس هيئة الاركان الامريكية المشتركة تفقد القوات الامريكية المنتشرة خارج ارض الولايات المتحدة وحتى المشاركة ضمن تحالفات عسكرية..

وبعد عقد من الزمن تعود اليوم الاتفاقية الأمنية الاستراتيجية بين العراق والولايات المتحدة وتتعالى الأصوات الداعية إلى إلغائها بالتزامن مع الزيارة السرية الخاطفة للرئيس الأميركي ولكن وبحسب الاتفاقية التي تم توقيعها من قبل حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي عام 2008 فإن قوات الولايات المتحدة المقاتلة والمنسحبة من المدن والمحافظات، ستبقى في المنشآت والمساحات المتفق عليها مع الحكومة العراقية. وهناك حديث عن اكثر من عشرة قواعد عسكرية امريكية منتشرة في مناطق مختلفة من العراق واكثر من عشرة آلاف مقاتل امريكي ولكن المعلومات الدقيقة لاتزال قيد الكتمان من قبل الطرفين العراقي والامريكي.

لقد استغلت زيارة ترامب الى العراق كغطاء للاحزاب الحاكمة لممارسة ديماغوجية منقطعة النظير امام الرأي العراقي العام في محاولة لأضفاء رمادية قاتمة على الوضع ومسبباته, فبدأ اقطاب حزب الدعوة بألقاء التهم على بعضهم من باب التساؤل, فجناح المالكي يقول ان العبادي هو من أتى بالامريكان لمحاربة داعش, والعبادي يقول أن من أتى بهم هو المالكي قبل نهاية ولايته وبعد سقوط المدن الغربية بيد داعش وكان ذلك بتاريخ 24 يونيو عام 2014 وان ذلك مثبتا في وثائق الامم المتحدة واستنادا الى اتفاقية الاطار الاستراتيجي بن العراق وامريكا. ان هذا الجدل البيزنطي هو لذر الرماد في عيون العراقيين ومحاولة لتبرئة الاحزاب الحاكمة من قبول الاحتلال الامريكي كعملية لتحرير العراق كما وصفت انذاك, و كما يقال " فأن دخول الحمام مش زي الخروج منه".
 
أن فشل النظام المحصصاتي المليشياوي نظام الدولة العميقة" إن كانت هناك دولة " خلال عقد ونصف من الزمن والذي أتت به امريكا وباركته ايران, فشل في صياغة علاقة طبيعية للعراق في محيطه الاقليمي والدولي وغير قادر على حسم المسارات الاساسية في سياسة العراق الخارجية وتحديد من هم حلفاء العراق استنادا الى مصلحة الشعب العراقي, كما فشل في مسارات الاصلاح الداخلي على صعيد محاربة الفساد الاداري والمالي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

الامريكان يقولون لا نريد حليف نصفه عدو ونصفه الآخر صديق, والسياسيين العراقيين منقسمون في معظمهم الى نصفين, نصف مع امريكا ونصف آخر مع ايران, وبين النصفين هناك منطقة وسطى يمثلها شعبنا تتجسد في الرغبة في بناء عراق متصالح مع ذاته ومع محيطه الاقليمي والدولي, استنادا الى أولوية المصلحة الوطنية العراقية وبعيدا عن استخدام العراق وارتهانه لتنفيذ أجندة اقليمية ودولية. نقول ختاما لم يستفد العراق من المحتل الامريكي واستنادا الى قرارات مجلس الامن والامم المتحدة بكونه محتل وعليه ألتزامات دولية كتوفير الأمن وبناء الخدمات واعادة بناء الدولة على أسس سليمة, كما لم يستفد من محيطه الاقليمي وخاصة من ايران في بناء علاقة متوازنة تخدم العراق واستقلاليته وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.

ومن هنا تأتي مطالبة شعبنا الواضحة في حراكه الشعبي بتوفير مقومات البيئة المواتية للاصلاح الشامل والمتمثلة في الخلاص من نظام المحاصصة الطائفية والاثنية, وهذا يعني اجراء تعديلات جوهرية على الدستور, واعادة النظر بقانون الانتخابات, واصدار قانون الاحزاب والذي يمنع تشكيل الاحزاب على أسس دينية وطائفية وقومية, الى جانب تشريع قانون النقابات والاتحادات, وقانون النفط والغاز, وقانون حرية التعبير, وقانون المحكمة الدستورية, وقانون مجلس الاتحاد, واعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهه, واعادة تشكيل مجلس القضاء الاعلى بما يضمن من نزاهته حقا. أن التأسيس لذلك والشروع بالعمل فيه هو الضمانة الاكيدة لمستقبل العراق وحماية مستقبل أبنائه وثرواته ودرء خطر الارهاب. وهي بداية التأسيس لوطن معافى يتعايش فيه الجميع بأختلاف دينه وقوميته وطائفته وجنسه وثقافته, أنها المقدمات الضرورية لبناء دولة المواطنة التي تستطيع الخلاص من الاحتلال الامريكي وآثاره ومن التدخلات الاقليمية.

55
المنهج الدراسي في العراق وصناعة الكراهية

د.عامر صالح 

قطاع التربية والتعليم في العراق كغيره من القطاعات الاجتماعية يعاني من التدهور المستمر والتخلف في الأداء وكذلك من تفشي الفساد الاداري والمالي والعجز في في تحقيق المعايير الكمية والكيفية ليست فقط استنادا الى المعايير الدولية بل استنادا الى ما حققه العراق في عقود سابقة, والتي بلغت في بعض منها الى الاقتراب الكامل من محو الأمية وتحقيق ألزامية التعليم ومحاولات التطوير المستمر للمناهج الدراسي, ولكن عبثية النظام السابق وأنشغاله بالحروب الخارجية والداخلية أدت الى ما أدت أليه من استنزاف للموارد البشرية والمادية ووضع البلاد تحت رهينة المجتمع الدولي الذي تقوده امريكا وتفرض اجندتها عليه, وكان العراق ضحية من ضحايا الصفقات والمصالح الدولية التي لم يستطيع النظام السابق من تجاوزها بفعل عنجهيته الهمجية المتخلفة ومحدودية ذكائه. 

واليوم العراق وبعد مرور خمسة عشر على الاحتلال الامريكي واسقاط النظام الدكتاتوري السابق وتسليم مقاليد الحكم للقوى الاسلاموية والاثنية يعاني النظام التعليمي والتربوي من تفشي الفساد وغياب الرقابة وتدهور كبير فيه وارتفاع نسبة الامية الى مستويات كارثية, وبعد ان صنفته اليونسكو في عقود سابقة ضمن نظم التعليم المتطورة في الأداء الكمي والكيفي, عادت لتصنفه اليوم  من ضمن البلدان التي تعاني ارتفاعا في نسب الامية يتجاوز 47% للفئة العمرية بين 6 ـ 55 عاما. 

وفي مسار خطير على مستوى محتوى المناهج الدراسية سواء الاجتماعية منها أم الطبيعية تعاني مفردات المنهج من الارتجال في الصياغة وعدم ملائمتها لقدرات الطلبة في المراحل الدراسية المختلفة وخاصة المرحلة الابتدائية والمتوسطة, ففي مجال مادة الرياضيات هناك غموض وتشدد وارتباك بواجهات تربوية غير معروفة وغامضة لا تستجيب لمستلزمات النمو العقلي والمعرفي المتدرج لمدارك الاطفال كانت محصلته هو العزوف عن التعليم وترك مقاعد الدراسة والرسوب المتكرر والانظمام الى جيش الأميين المتزايد دون انقطاع, ولحد الآن لا تعرف دوافع ذلك ومن هي الجهات التي تقف وراء ذلك وماهي الخبرات العالمية التي تم الاستناد أليها في بناء المنهج المذكور. 

على مستوى المواد الاجتماعية, وعلى سبيل المثال في كتابي التربية الاسلامية للصف الاول الابتدائي والخامس الاعدادي عبارات لا تليق بالعراق كونه شعب متعدد الاديان والمذاهب والثقافات, ولا تليق بقيم التسامح والعيش المشترك, ومنها ما يحرض ضمنا على المسيحين باعتبارهم قوم او ديانة ضالة " حسب ما ورد ", أو التحريض على النساء غير المحجبات بعبارات: "حجابي فريضة واني الصحيحة وغيري المريضة", انها دعوة ضمنية للأساءة الى التنوع العراقي في ثقافته ودياناته, بل هي خطوة مبيتة لتصفية الآخر والانتقام منه. كما وردت في امكنة اخرى من العلوم الاجتماعية مما يؤدي الى تفكيك النسيج الاجتماعي وتعزيز ثقافة الريبة والشكوك في التعاملات اليومية بين الكبار والصغار بديلا عن الثقة المتبادلة والتنشئة الاجتماعية السوية بين الكبار والصغار خارج دائرة المنزل.   

 ويلعب هنا الخطاب الديني المتطرف بشقيه التكفيري والسياسي دورا خطيرا في زرع الكراهية والعنف بين شرائح المجتمع, سواء من ذات الدين الواحد عبر إشاعة الفرقة بين طوائفه ومذاهبه المتنوعة, وكذلك بين المجتمع المتعدد الديانات عبر فرض أجندة دينية وسياسية ـ دينية وحيدة الرؤى, مما يحرم الآخرين من حق التمتع بممارسة حقوقهم الدينية وحريتهم في المعتقد, و يخلق بيئة مواتية للعنف والعنف المضاد تراق فيه دماء الملايين من مختلف الأديان والمذاهب والطوائف المختلفة. وبما أن الكراهية والعنف منبوذ ومدان في كل القيم والأديان السماوية وغير السماوية فأن اللجوء إلى تأويلات متشددة ومتحيزة ومزاجية بل ومصلحيه للنص المقدس وللأحداث التاريخية والافتراضات العبثية لنيات الآخرين المغايرين في الدين أو المذهب واستحضار الجانب المؤلم والمشكل في التاريخ, ويجري هذا متزامنا مع الفتاوى التي تصدر يوميا في الخفاء والعلن من دعاة الدين لأيقاظ وإلهاب روح الكراهية والتحريض والعنف بين الناس وضرب وحدتهم الوطنية في الصميم, وهكذا يتحول العنف من قيمة منبوذة في الدين والسياسة إلى واجب ديني " الهي " وسياسي له الأولوية في عقول المتطرفين على بناء الوطن ونهضته, وهنا يتكالب الاسلامويين والمتطرفيين لتجسيد ثقافة الكراهية وتجذيرها في المناهج الدراسية.


ومن منطلق شمولية المنهج لأغلب جوانب الحياة, فأن الدول الديمقراطية تسعى بكل جهودها لتطوير المناهج في مختلف المجالات, والتركيز على فكرة بناء المواطن الصالح من خلال توعيته بفكرة المواطنة,  من خلال تعريف الدارس المواطن بالمفاهيم الأساسية للمواطنة وخصائصها, مثل : مفهوم الوطن, والحكومة, والنظام السياسي, والمجتمع ومؤسساته المدنية, ومفهوم الديمقراطية الحق, والمشاركة السياسية وأهميتها, والمسؤولية الاجتماعية ومظاهرها, وضرورة الاحتماء بالقانون, واحترام الدستور, وضرورة الوعي بالحقوق والواجبات اتجاه الدولة والمجتمع, وغيرها من المفاهيم المعاصرة للمواطنة الصالحة وأسسها.وبالضد من ذلك فأن الحكومات القمعية والاستحواذية والطائفية والعرقية تسعى لتشويه فكرة المواطن والمواطنة, من خلال غرس قيم الولاء للحزب الحاكم, أو الولاء للطائفة أو للدين أو للقومية دون الوطن الذي يجمع كل هذه المكونات في بوتقة واحدة, فالوطن هو الحامي والحارس الأمين لكل هذه المكونات عبر تعزيز ثقافة التسامح والولاء للقانون وللدولة صاحبة الشأن في المجتمعات الديمقراطية, دون العبث بجغرافية وسياسة واثنية وأديان الوطن الكبير. وتشمل فكرة المواطنة من خلال المنهج الدراسي الحديث الأبعاد الآتية :

1ـ البعد المعرفي ـ الثقافي : حيث تمثل المعرفة عنصرا أساسيا وجوهريا في نوعية المواطن الذي تسعى إلى بناءه مؤسسات المجتمع السليم والمعافى, وهذا لا يعني أن المواطن الأمي ليس مواطنا يتحمل مسؤولياته ويدين بالولاء للوطن, ولكن المعرفة والثقافة والتعليم وسائل توفر للمواطن فرص لبناء مهاراته وكفاءاته التي يحتاجها في معترك الحياة, كما أن التربية الوطنية والتعليم تنطلق من ثقافة الناس مع الأخذ بنظر الاعتبار الخصوصيات في التنوع الثقافي للمجتمع.

2ـ البعد ألمهاراتي : ويقصد به المهارات الفكرية والعقلية مثل : التفكير النقدي والقدرة على ممارسة النقد والنقد الذاتي, والتحليل الموضوعي لمختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية, والقدرة في المحاولة على حل المشكلات أو إدراك أولي لماهية الحلول, حيث أن المواطن الذي يتمتع بهذه المقدرة يستطيع التميز بين الطالح والصالح من الأمور ويكون أكثر عقلانية ومنطقية فيما يفعل أو يقول دون الانسياق وراء التجمعات أو الشلل التي تحول فردية الإنسان إلى حشد قطيعي, اقرب جدا إلى الحيوان منه إلى الإنسان .

3ـ البعد الاجتماعي : ويقصد به خلق الكفاءة الاجتماعية لدى الدارسين ـ المواطنين في التعايش مع الآخرين من مختلف الفئات الاجتماعية وتنمية روح التسامح ولغة التواصل مع مختلف المكونات القومية والاثنية في الوطن الواحد والتعايش معهم بسلام, بعيدا عن استخدام لغة الإكراه والتميز والإقصاء والفرقة والكراهية .

4 ـ البعد ألانتمائي : ويقصد به البعد الوطني وما يترتب عليه من غرس انتماء الدارسين لثقافتهم ولمجتمعهم ولوطنهم, وتعزيز ثقافة المصلحة العليا للوطن بعيدا عن التشرذم الجغرافي ـ الطائفي والقومي والديني, وإحلال ثقافة المسؤولية العليا اتجاه الوطني ومصيره, وحمايته من التدخلات الخارجية وأخلاق التفكك الداخلي.

5ـ البعد ألقيمي والديني, مثل : إشاعة قيم التسامح والعدالة والمساواة والحرية والديمقراطية بين مختلف الأديان السماوية وغير السماوية, وتكريس مبادئ عدم المساس بمقدسات الأقلية الدينية وتوفير الفرص اللازمة للتعبير عن نفسها في إطار وجودها الجغرافي دون إرهاب أو ابتزاز أو ارتهان أو عمليات إرهابية جبانة تطال هؤلاء بفعل ضعف إمكانيتهم في الدفاع عن أنفسهم.

6 ـ البعد الجغرافي ـ المكاني : وهو الإطار المادي والإنساني  الذي يعيش فيه المواطن, أي البيئة المحلية يتعلم فيها ويتعامل مع أفرادها, وليست فقط من خلال النصائح والمواعظ  داخل غرفة الصف, بل من خلال المشاركة التي تحصل في البيئة المحلية والتطوع في العمل البيئي, ومن خلال ربط هذه النشاطات بالبيئة الأكبر " الوطن " من ناحية القيم والأهداف المرجوة من كل نشاط , وعدم الاعتكاف فقط في البيئة الأصغر التي تحجر عقل الدارس وتسهل مراوحته كالصنم في محل إقامته.

ان الابتعاد عن اقحام العملية التربوية وبشكل خاص المناهج الدراسية بثقافة الكراهية  وإعادة بناء نظام التعليم على أسس من الحداثة ومعطيات العلم والتقدم التقني,  وإعادة صياغة العلاقة بين الدين والدولة بما يؤمن احترام الدين وعدم استخدامه في السياسية التربوية والتعليمية كمحفز للعدوان وكذلك إعلان القطيعة مع كل موروث مسبب للفتنة ويسئ للمبادئ العامة للدين ووظيفته الفطرية... إنها مهمات ليست سهلة ولكن يتوقف عليها مستقبل العراق بأسره ومستقبل اجياله القادمة.
 

56
"الدكة العشائرية" بين الأرهاب وإعادة انتاج العشيرة ـ ملاحظات سايكواجتماعية 

د.عامر صالح 

 يتلخص مفهوم "الدكة العشائرية" بإقدام مسلحين ينتمون لعشيرة على تهديد عائلة من عشيرة أخرى، من خلال عملية إطلاق نار بمختلف الأسلحة بما فيها الثقيلة أو إلقاء قنبلة يدوية أحيانا، على منزل المقصود، كتحذير شديد اللهجة لدفعها على الجلوس والتفاوض لتسوية الخلاف. وفي حال عدم موافقة الطرف المستهدف، تتطور الأمور لتؤدي إلى وقوع ضحايا من الطرفين. وبعد شيوع هذه الظاهرة بشكل خطير في المجتمع العراقي ووقوع الكثير من الضحايا بسبب ذلك فقد أعلن مجلس القضاء الأعلى في بيان له بتاريخ الثامن من نوفمبر للعام 2018 "اعتبار الدكات العشائرية من الجرائم الإرهابية، وضرورة التعامل مع مرتكبيها بحزم". وأشار الى أن المادة الثانية من قانون مكافحة الإرهاب الذي أقر العام 2005، تنص على أن "التهديد الذي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أياً كانت بواعثه، يعد من الأفعال الارهابية". ومع اعتقال العديد من المتهمين بهذا الخصوص إلا ان " الدكة العشائرية " وبعد صدور بيان المحكة شهدت تزايدا في حدوثها في محافظات مختلفة كالبصرة والعمارة وبغداد وغيرها.

وقبل الدخول في تفصيلات الموضوع يجب التأكيد أن وجود العشائر والقبائل ودورها في المجتمع يعكس مرحلة تاريخية من مراحل التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي, وهي لصيقة مرحلة الإقطاع التاريخية وما قبلها و التي مرت وتمر بها المجتمعات الإنسانية المختلفة, بكل ما تحمله الأخيرة من بنية فكرية وأخلاقية وأدائية متخلفة قياسا بلاحقتها والتي نشأت على أنقاضها ألا وهي الرأسمالية. 

بعد نشوء وبداية نشوء الدولة الوطنية بدأت عملية تحول الأمن والحفاظ على المصالح الاقتصادية والاجتماعية تنتقل من يد العشيرة باعتبارها الحافظ الفئوي والمناطقي والأسري لمصالح أبنائها, إلى الدولة باعتبارها المؤسسة الحاضنة للجميع والعابرة للعشيرة والقبيلة والطائفة والدين كما يفترض ذلك من سنة التطور التاريخي التي أفرزتها تجارب بناء الدول المدنية المتحضرة, والتي قامت على خلفية تحولات عميقة في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية والأيدلوجية, مما سهل نشأة الأسواق الوطنية والاقتصاد الوطني القومي ونشأة المدن الحضارية, والانتقال من المجتمعات الرعوية والزراعية والريفية المتخلفة إلى مجتمعات المدن الحضارية.

وعلى هذا الأساس وحسب درجة تطور المجتمعات وظروفه الخاصة بدأ الاضمحلال التدريجي لسلطة العشيرة والقبيلة باعتبارها مرحلة متخلفة من مراحل النمو الاجتماعي والاقتصادي. وعلى خلفية مستويات التطور الاجتماعي والاقتصادي وعدم الاستقرار بقيت العشيرة والقبيلة في علاقة عكسية مع الدولة, فكلما ضعفت الدولة اشتد ساعد العشائرية والقبلية, وبالعكس كلما قويت الدولة واشتد بنائها ضعف الدور ألتأثيري للعشائرية والقبلية. هذه العلاقة بمجملها تدفع العشيرة للتحالف مع الدولة عندما تكون قوية, وتشهر السيف ضد الدولة عندما تكون ضعيفة أو في طور البناء. ومن هنا تنشأ المشكلات بين المركز " الدولة " وبين " الأطراف " التي هي العشائر والقبائل وحلفائها.   

مع ضعف الدولة العراقية وتدهور هيبتها وعدم مقدرتها على بسط سلطة القانون بعد ان سقطت مؤسساتها في عمل قسري من خارج الحدود عام 2003 وتزامن ذلك الأنهيار ليست فقط مع سقوط النظام الدكتاتوري الحاكم أنذاك, ولكنه أسقط فيه مؤسسات الدولة العراقية التي امتدت الى عهود تأسيس المملكة العراقية وبدايتها منذ عام 1921, وقد اختلف آداء هذه المؤسسات اجتماعيا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا مع تعاقب الأنظمة السياسية المختلفة على الحكم في العراق وتباين فلسفاتها. أي ان الاحتلال الأمريكي للعراق لم يستهدف التغير النوعي لأداء مؤسسات الدولة العراقية, بل استهدف بنتائجه الميدانية تحطيم البنية التحتية المؤسساتية للمجتمع, والتي هي ثابتة نسبيا بأختلاف من حكم العراق.

وكان من جراء ذلك فقدان الأمن المجتمعي وتفكك الوحدة الجغروأثنية للعراق, فأنتعشت بسبب ذلك كل الاشكال المتخلفة للضبط الاجتماعي والسابقة للمدنية وفي محاولة منها أستغلال تأزم الاوضاع وخروجها عن السيطرة وانهيار مؤسسات الدولة ولتفرض نفسها بديلا عن الحياة المدنية ومؤسساتها المستقرة, وكان من تداعيات ذلك هو التشرذم الديني والمذهبي والاحتماء بالطائفة والمكون الاثني وتشديد قبضة العزلة والانكفاء الجغروطائفي والاثني وتعزيز دور الهويات الفرعية خارج اطار السياق الوطني الجامع, فأنطلق الارهاب الفردي والمنظم وشاعت التنظيمات المسلحة, من مليشيات وعصابات اجرامية مختلفة تتخذ من من المناطقية والتمترس الجغرو اثني والمذهبي واجهات لفرض نفوذها كبديل عن الدولة وسلطة القانون والقضاء.

في ظل تلك الاجواء اشتد ساعد كل اشكال الضبط والسيطرة البدائية السابقة لنشوء الدولة, والتي اختفت او ضعفت في عهود وحقب سابقة للأحتلال الامريكي, بفعل التغيرات الجذرية في البنية الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والساعية الى بناء نمط من الحياة المدنية بأختلاف طبيعة الأداء الفكري والسياسي لها. وفي ظل هذه الظروف كان حضور العشيرة وتصدرها مشهد الحياة اليومية ما بعد 2003 هو تحصيل حاصل لعملية التفكيك المنظم للبنى المؤسساتية للدولة والرجوع الى بنى اجتماعية سابقة تستند في قوامها الى الانتماء الجغرووراثي لأصول مجاميع من الافراد والعوائل ذات الروابط المحددة في الوراثة والنسل والقربى. 

وفي الوقت الذي كان حضور العشيرة تاريخيا حضورا مشروعا نسبيا باعتبارها تعبر عن مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي وتعبيرا عن الضعف الموضوعي لمفهوم الدولة والمواطنة, وكانت لها اسهاماتها الايجابية في مجريات الاحداث التاريخية التي مرت بها تلك التجمعات للحفاظ على كيانها وتماسكها الداخلي, ولكن ظهورها اليوم هو ظهورا نكوصيا تقهقريا يفرض نفسه بديلا عن دولة المواطنة ومتسلحة ضدها بشتى صنوف الاسلحة الثقيلة والخفيفة وسلوكيات التمرد والانحراف والانفصال عن الدولة, ومتجاوزة الدور التقليدي للعشيرة في الحفاظ على الاعراف والدفاع عن الشرف والكرامة والاستجابة للنخوة ونصرة الضعيف وتحولها الى مليشيات عشائرية تهدد الامن والاستقرار الاجتماعي.

وبفعل تعقيد العملية السياسية القائمة على المحاصصة الطائفية والاثنية والتمترس الجغرو اثني وطائفي والذي يستهدف بطبيعته اضعاف الدولة ومكانتها فقد وجدت العشيرة ضالتها في الصراعات السياسية الطائفية والمذهبية الجغرومكوناتية, فاصبحت العشائر واجهات للأحزاب والمليشيات الطائفية والمذهبية, واستغلت ايضا كواجهات وظهير من قبل عناصر الجريمة الفردية والمنظمة لأرهاب المواطن واستغلاله. كما استغلت العشيرة من قبل الاحزاب الطائفية والاثنية لتشديد قبضة الصراع السياسي على السلطة والاستعانة بسطوتها لفرض اجندة مشوهة تقف بالضد من وحدة وسلامة البلاد وسلطة الدولة. وقد ساعد اندماج الصراع السياسي الطائفي والاثني مع بنية العشيرة على تعزيز شراسة طابع الفساد الاداري والمالي والاقتصادي والاجتماعي, حيث اصبح الفاسد مطلق العنان ومحميا سياسيا وطائفيا وعشائريا في ظل سلطة قانون هشة غير قادرة على لجم الصراعات وبنفس الوقت عاجزة عن الحديث عن رموز الفساد.     

في ظل تلك الاوضاع الشاذة ليست من المستغرب عندما يلجأ برلمانيا او قائد حزب سياسي الى عشيرته لحل نزاع شخصي او سياسي مع برلمانيا آخر وبوسائل عشائرية دون اللجوء الى القضاء, مستخدمين اسلوب المقاضاة العشائرية وفض النزاعات وفرض الغرامات المالية, وليست من المستغرب ايضا ان يقوم البرلمان بمحاولاته الحثيثة لأصدار قانون مجلس قبائل وعشائر العراق " والذي ألغي عام 1959 " في محاولات منه لأستحداث سلطة موازية لسلطة الدولة واشباع المجلس بصلاحيات واهداف ومهمات وارصدة مالية تفوق ما تقدمه اي عشيرة في العالم من دور محدد وليست فقط في العراق, ويتعارض هذا المجلس حتى مع روح الدستور بنصوصه المكتوبة, والتي يدعو فيها الى بناء دولة المؤسسات القانونية والتي حددها بالسلطة التشريعية ومجلس الاتحاد والسلطة التنفيذية ورئاسة الجمهورية والسلطة القضائية ولا وجود للدور العشائري ضمن مؤسسات الدولة, ولكن فساد الطبقة السياسية الحاكمة واجنداتها الطائفية وصراعها على السلطة والمال وعدم اكتراثها ببناء الدولة المدنية وثقافة المواطنة والتقدم الاجتماعي والاقتصادي هو من يقف وراء ذلك لأبقاء المجتمع في دوامة التخلف وسيطرة القيم البالية التي عفى عليها الزمن.

ومن الناحية السايكولوجية فأن العقل العشائري والقبلي هو عقل وثوقي " أي يثق بما لديه من مواقف ثقة عمياء ويعتبر كل عيوبه مزايا مطلقة ", وهي احد أسباب صراعاته مع التحولات والتغيرات الايجابية التي تجري من حوله, و تزداد وثوقية هذا العقل وانغلاقه وتحجره كلما توقف عند لحظة زمنية محددة وتشبث بها وعاش فكريا وروحيا فيها, مما يجعله لا يعيش واقعه و لا يفكر من خلاله, وهذا ما يتسبب في غربته وإحداث تناقضات وانفصام هائل في أتباعه. دائما تكون هذه اللحظة في الماضي, لحظة نشوء الفكر أو لحظة وقوع أحداث مهمة و جذرية في تاريخه. فالعقل ألوثوقي والعشائري المتحجر لا يفكر بمنطق تأريخي و لا يعترف بتغير الأزمان وتغير الظروف, لأن من صفاته الثبات والاستقرار بينما منطق الحياة والواقع هو الحركة والتغير والتحول. يحاول العقل المنغلق أن يعوض غربته عن واقعه بأحلام وردية في المستقبل يعيشها لتملأ عليه خواءه وغربته وتناقضاته, فالعقل القبلي والعشائري يرى مثلا أن النصر قريبا على الدولة التي يحيا فيها وأن النصر لا محال للعشيرة والقبيلة.   

لقد اسهمت كل هذه التحولات الخطيرة الى تشكيل ما يسمى " بالدولة العميقة " او ما يسمى شيوعا في بعض وجوهها " دولة بداخل دولة " تشكل قاعدتها كل سراق المال العام والعصابات المسلحة, ورموز الفساد الاداري والمالي والسياسي, وقيادات احزاب مختلفة وجماعات بيروقراطية طفيلية, وأعلام اصفر بل وحتى رموز من السلطات القضائية والدينية وقيادات من السلطات التنفيذية, ورؤساء عشائر, وجميعها تصارع الدولة وتنهش بقدراتها المالية والعسكرية والامنية والاقتصادية وتمنعها من النهوض, وفي احيان كثيرة هي من يتحكم في المشهد السياسي ويديره مثل ما تشهد عليه صراعات اليوم من اجل تشكيل الحكومة أو ما شهدت عليه الانتخابات وتشكيل الرئاسات. 

في خضم كل هذا التعقيد فأن " الدكة العشائرية " باعتبارها فعلا ارهابيا يزرع الرعب في نفوس المواطنين يستحق كل الأدانة والعقاب وخلق المقومات اللازمة لمكافحته, وقد تمت ادانته من بعض الرموز العشائرية الكريمة, ولكن من جانب آخر يرتبط بمنظومة كاملة من السلوكيات العشائرية البالية والتي تعرقل تنفيذ القوانين وتضع سلطة القضاء في المؤخرة, الى جانب ان " الدكة العشائرية " كسلوك ارهابي يرتبط ارتباطا وثيقا بعموم ظاهرة الارهاب في البلد وبالتالي فان المعالجات الشاملة والجذرية من خلال الاسباب يضمن الحد ثم القضاء على الظاهرة. أن دراسة العشائر والقبائل كظاهرة سوسيولوجية ونفسية وما تفرزه من سلوكيات خطيرة " كالدكة العشائرية " لا يعني أبدا النيل من عشيرة دون غيرها أو إلحاق الأذى بسمعة عشيرة ما ورفع شأن أخرى, فكلنا ننتمي إلى عشائر كتحصيل حاصل, بل هو دراسة لظاهرة موضوعية تشكل مرحلة سابقة من مراحل النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ولها إبعادها السياسية والاجتماعية الخطيرة, وأن أعادة بناء البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية على أسس من التطور والحداثة والتي تستند إلى العلم والتكنولوجيا والاقتصاد المتطور في كل المجالات كفيل ببناء دولة المواطنة العصرية عابرة لجميع الولاءات الضيقة من عشائرية وطائفية ومذهبية وأثنية. وفي الختام فأن " الدكة العشائرية " جزئية بسيطة قياسا بأزمة النظام العامة. ولتتظافر كل الجهود المجتمعية المخلصة كي ينالوا مرتكبي " الدكة العشائرية " العقاب الصارم. 

 


57
دعوة متجددة نحو أصلاح جذري للمناهج الدراسية في العراق

د.عامر صالح 


يرتبط الأصلاح التربوي بالأصلاح السياسي, وقد يبدو من العبث الحديث عن اصلاح العملية التربوية والتعليمية في العراق دون ان تسبقه خطوات جدية في اصلاح المنظومة السياسية العامة, والتي تنعكس بدورها في اصلاح العملية التربوبة والتعليمية عبر رسم ملامح فلسفة تربوية لقطاع التربية والتعليم, قوامها الاستجابة الأكيدة للمنجزات العلمية والتقنية التي تفرزها ظروف العصر المعلوماتي المتغير دون انقطاع الى جانب الاستجابة الماسة الى حيثيات التغير الجارية في المجتمع العراقي, من الحاجة الى صنوف التخصصات والمهارات العالية والوسطى والعمالة الماهرة الى جانب اعادة النظر في المنظومة القيمية والأخلاقية بعيدا عن قيم الدكتاتورية والعبادة الشخصية والتزلف والانتهازية الاخلاقية.


لقد اثار قدوم السلطات " التربوية " في العراق على التغير والعبث في المناهج الدراسية في مختلف المراحل التعليمية وفي مختلف المحافظات الكثير من الجدل والقلق المشروع لدى الأوساط المتخصصة التربوية منها والشعبية والحريصة على هذا القطاع وتطوره  المستقبلي, حيث أن الشكوك تطال إلى آليات التغير ومحتواه, وعلى ما يبدو فان عمليات التغير تهدف إلى مزيدا من التخندق الطائفي والاثني والعرقي عبر نصوص وممارسات منحازة, تنح بقراءة مكررة ومعسولة للتاريخ بهدف إحياء الميت منه لأغراض تشديد قبضة الصراع الطائفي والعرقي, وأحياء للفكر و للحركات الماضوية التي عفي عليها الزمن, والتي لا يمكن القبول بها في بلد يطمح إلى بناء قيم التسامح والديمقراطية والتعددية, وإعادة بناء فكرة  المواطنة على أسس معاصرة, بعد أن مسخها النظام السابق بفكرة الولاء للقائد أولا ثم الوطن في الآخر.


واستنادا إلى أهمية المنهج التربوي باعتباره العنصر الأساسي في العملية التربوية والتعليمية, والذي يقرر إلى درجة كبيرة محتوى هذه العملية وجودتها وكفاءة مخرجاتها من التلاميذ والطلبة في مختلف المراحل والقنوات التعليمية, فقد عكفت النظم العالمية والديمقراطية منها بشكل خاص على الاهتمام  بتطوير المنهج وأغناء  محتواه, لكي يستجيب لظروف الحياة المتغيرة في مختلف الحياة, الاقتصادية, والاجتماعية, والثقافية, والتكنولوجية وكل مستجدات عصرنا المتسارع بدون انقطاع , وخلق خريجين على مستوى عالمي من الجودة, وبالعكس من ذلك فقد قامت النظم المستبدة والمتخلفة على توظيف المنهج لأغراض فئوية ضيقة, سياسية ودينية وطائفية وشوفينية بهدف إعداد مواطن موالي لنظام سياسي أو لدين ما أو لطائفة بعينها أو لقومية دون أخرى, وخلق مواطن لا يفقه قيمة النقد للظواهر الحياتية المختلفة, تسهل قيادته بمختلف الاتجاهات, كما فعل النظام السابق المقبور عندما قاد البلد إلى مختلف الكوارث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحروب المدمرة, وقد اعتمد بذلك على تسييس المنهج الدراسي وتشويه محتواه بما يخدم أغراض توجه النظام وعدوانيته في الداخل والخارج, من خلال إعداد عقليات مطابقة لمنظومته القيمية الفاسدة.

أن المنهج الدراسي أو التربوي في سياق حديثنا لا يقصد به المفهوم التقليدي للمنهج, والذي يقصد به المقررات الدراسية " الكتب " التي تقدمها المدرسة أو الجامعة لدارسيها, بل المقصود به, وكما هو متعارفا عليه عالميا ومحليا " بالمنهج الحديث,  الذي يمكن تعريفه بأنه : " مجموعة الخبرات التربوية التي تهيؤها المؤسسة التعليمية والتربوية لدارسيها سواء داخلها أو خارجها وذلك بغرض مساعدتهم على النمو الشامل المتكامل, أي النمو في كافة الجوانب العقلية والثقافية والدينية والاجتماعية والجسمية والنفسية والفنية نموا يؤدي إلى تعديل سلوكهم ويكفل تفاعلهم بنجاح مع بيئتهم ومجتمعهم وابتكارهم حلول لما يواجههم من مشكلات ".والمنهج بهذا المفهوم يعني ما يأتي :

1ـ إن المنهج يتضمن خبرات مربية وهي خبرات مفيدة تصمم تحت إشراف المدرسة لإكساب الدارس مجموعة من المعلومات والمهارات والاتجاهات والسلوكيات المرغوبة.
2ـ إن هذه الخبرات تتنوع بتنوع الجوانب التي ترغب المدرسة في إحداث النمو فيها ولا تركز على جانب واحد فقط من جوانب النمو كما هو الحال في المنهج الكلاسيكي.
3ـ إن التعليم هنا يحدث من خلال مرور المتعلم بالخبرات المختلفة ومعايشته ومشاركته في مواقف تعليمية متنوعة, أي أن التعليم هنا هو تعليم خبري.
4 ـ أن بيئة التعلم لا تقتصر على حجرة الدراسة أو ما يدور داخل جدران المدرسة, في المعامل أو الملاعب أو الفناء, بل تمتد بيئة التعلم إلى خارج المدرسة فتشمل المصنع, والحقل والمعسكرات, وغيرها وهذا يتضمن تعرض الدارس للخبرات المتنوعة بنوعيها المباشر وغير المباشر.
5 ـ إن الهدف الذي يسعى إليه المنهج عن طريق هذه الخبرات هو النمو الشامل المتكامل للمتعلم والذي يؤدي إلى تعديل سلوكه أي إلى تعلمه, وحصيلة هذا التعلم تساعد على تفاعل المتعلم بنجاح مع البيئة والمجتمع.
6 ـ إن تفاعل المتعلم بنجاح مع البيئة والمجتمع يعني انه يتأثر بما يحدث فيها ويؤثر فيها أيضا والمقصود بتأثير الفرد في البيئة والمجتمع هو استخدام المتعلم لعقله في مواجهة التحديات والمشكلات التي توجد في بيئته ومجتمعه ومحاولة التغلب عليها وحلها, لذا أصبحت تنمية قدرة المتعلم على المشكلات هدفا مهما من أهداف المنهج.
7 ـ في عالم سريع التغير كعالمنا الذي نعيش فيه لا يكفي حل واحد للمشكلة المطروحة, بل هناك ضرورة لابتكار بدائل لهذا الحل لاختيار المناسب فيها وفق الظروف المتغيرة والأفكار المتاحة, لذا أصبح تنمية ابتكار المتعلم هدفا هاما من أهداف المنهج ينبغي إعطاءه الأولوية له من بين الأهداف الأخرى التي يسعى إليها المنهج.

ومن منطلق شمولية المنهج لأغلب جوانب الحياة, فأن الدول الديمقراطية تسعى بكل جهودها لتطوير المناهج في مختلف المجالات, والتركيز على فكرة بناء المواطن الصالح من خلال توعيته بفكرة المواطنة,  من خلال تعريف الدارس المواطن بالمفاهيم الأساسية للمواطنة وخصائصها, مثل : مفهوم الوطن, والحكومة, والنظام السياسي, والمجتمع ومؤسساته المدنية, ومفهوم الديمقراطية الحق, والمشاركة السياسية وأهميتها, والمسؤولية الاجتماعية ومظاهرها, وضرورة الاحتماء بالقانون, واحترام الدستور, وضرورة الوعي بالحقوق والواجبات اتجاه الدولة والمجتمع, وغيرها من المفاهيم المعاصرة للمواطنة الصالحة وأسسها.وبالضد من ذلك فأن الحكومات القمعية والاستحواذية والطائفية والعرقية تسعى لتشويه فكرة المواطن والمواطنة, من خلال غرس قيم الولاء للحزب الحاكم, أو الولاء للطائفة أو للدين أو للقومية دون الوطن الذي يجمع كل هذه المكونات في بوتقة واحدة, فالوطن هو الحامي والحارس الأمين لكل هذه المكونات عبر تعزيز ثقافة التسامح والولاء للقانون وللدولة صاحبة الشأن في المجتمعات الديمقراطية, دون العبث بجغرافية وسياسة واثنية وأديان الوطن الكبير. وتشمل فكرة المواطنة من خلال المنهج الدراسي الحديث الأبعاد الآتية :

1ـ البعد المعرفي ـ الثقافي : حيث تمثل المعرفة عنصرا أساسيا وجوهريا في نوعية المواطن الذي تسعى إلى بناءه مؤسسات المجتمع السليم والمعافى, وهذا لا يعني أن المواطن الأمي ليس مواطنا يتحمل مسؤولياته ويدين بالولاء للوطن, ولكن المعرفة والثقافة والتعليم وسائل توفر للمواطن فرص لبناء مهاراته وكفاءاته التي يحتاجها في معترك الحياة, كما أن التربية الوطنية والتعليم تنطلق من ثقافة الناس مع الأخذ بنظر الاعتبار الخصوصيات في التنوع الثقافي للمجتمع.

2ـ البعد ألمهاراتي : ويقصد به المهارات الفكرية والعقلية مثل : التفكير النقدي والقدرة على ممارسة النقد والنقد الذاتي, والتحليل الموضوعي لمختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية, والقدرة في المحاولة على حل المشكلات أو إدراك أولي لماهية الحلول, حيث أن المواطن الذي يتمتع بهذه المقدرة يستطيع التميز بين الطالح والصالح من الأمور ويكون أكثر عقلانية ومنطقية فيما يفعل أو يقول دون الانسياق وراء التجمعات أو الشلل التي تحول فردية الإنسان إلى حشد قطيعي, اقرب جدا إلى الحيوان منه إلى الإنسان .

3ـ البعد الاجتماعي : ويقصد به خلق الكفاءة الاجتماعية لدى الدارسين ـ المواطنين في التعايش مع الآخرين من مختلف الفئات الاجتماعية وتنمية روح التسامح ولغة التواصل مع مختلف المكونات القومية والاثنية في الوطن الواحد والتعايش معهم بسلام, بعيدا عن استخدام لغة الإكراه والتميز والإقصاء والفرقة والكراهية .

4 ـ البعد ألانتمائي : ويقصد به البعد الوطني وما يترتب عليه من غرس انتماء الدارسين لثقافتهم ولمجتمعهم ولوطنهم, وتعزيز ثقافة المصلحة العليا للوطن بعيدا عن التشرذم الجغرافي ـ الطائفي والقومي والديني, وإحلال ثقافة المسؤولية العليا اتجاه الوطني ومصيره, وحمايته من التدخلات الخارجية وأخلاق التفكك الداخلي.

5ـ البعد ألقيمي والديني, مثل : إشاعة قيم التسامح والعدالة والمساواة والحرية والديمقراطية بين مختلف الأديان السماوية وغير السماوية, وتكريس مبادئ عدم المساس بمقدسات الأقلية الدينية وتوفير الفرص اللازمة للتعبير عن نفسها في إطار وجودها الجغرافي دون إرهاب أو ابتزاز أو ارتهان أو عمليات إرهابية جبانة تطال هؤلاء بفعل ضعف إمكانيتهم في الدفاع عن أنفسهم.

6 ـ البعد الجغرافي ـ المكاني : وهو الإطار المادي والإنساني  الذي يعيش فيه المواطن, أي البيئة المحلية يتعلم فيها ويتعامل مع أفرادها, وليست فقط من خلال النصائح والمواعظ  داخل غرفة الصف, بل من خلال المشاركة التي تحصل في البيئة المحلية والتطوع في العمل البيئي, ومن خلال ربط هذه النشاطات بالبيئة الأكبر " الوطن " من ناحية القيم والأهداف المرجوة من كل نشاط , وعدم الاعتكاف فقط في البيئة الأصغر التي تحجر عقل الدارس وتسهل مراوحته كالصنم في محل إقامته.

وتحتل عملية تطوير المناهج الدراسية في العراق أهمية استثنائية في ظروف التغير المنشود بعد 2003 وخاصة في نطاق المناهج الإنسانية, بعد ما أصاب المنظومة القيمية والتربوية والاجتماعية من تدهور وتحلل وتفسخ في ظل النظام السابق,  ساق شعبنا إلى مختلف الكوارث الإنسانية والحروب, تلتها سنوات من التمترس الطائفي والديني والعرقي, أدت إلى أن يكون الوطن ضحية لجلاديه في الداخل والخارج, وكأن شعار العداء للوطن أولا هو محك الولاء للمواطنة البغضاء, ومن هنا نذكر الحريصين على العراق ولحمته, و لكي يكون العراق وطنا صالحا للجميع, وليست أرضا خصبة للإرهاب والتهجير والهجرة,  اليوم وغدا, ولكي نمنع من ولادة أجيال قادمة من الإرهابيين, فأن البدء بإصلاح وتطوير المناهج الدراسية هو المدخل الأساسي وصمام الأمان لأجيالنا القادمة وللحفاظ على الديمقراطية الناشئة التي هي وقف التنفيذ, وبعيدا عن الارتجال والتحزب والطائفية والعرقية, ومن هنا تأتي أهمية الحفاظ على أجيالنا عبر اعتماد الأسس العلمية والمهنية والمعتمدة عالميا في تطوير المناهج الدراسية, ولعل أبرزها ما يأتي :

1ـ التكامل بين مؤسسات المجتمع المعاصر:
إن التطوير الشامل والمستمر للمنهج يستدعي التكامل بين مؤسسات المجتمع, بما تتضمنه من موارد بشرية ومادية متنوعة , ولكي تتكامل مؤسسات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية, ومن ثم تسهم في دفع عجلة التنمية بالمجتمع, في بلد توقفت فيه التنمية منذ عقود كالعراق, فأن هذه المؤسسات مطالبة وبحكم ارتباطها بما يجري حولها في المجتمع, بتقديم خبراتها وتوجيهاتها العلمية والفنية ووجهات نظرها حول تحديث المناهج وتطويرها بصورة علمية, والابتعاد عن الارتجال الذي يعبث في المنهج ويحصره بأهداف أنانية ضيقة, فأن العمل الجماعي كفيل بدفع عجلة التنمية في المجتمع بعد وضوح الأهداف من التطوير.
2 ـ الاستفادة من التقدم العلمي التكنولوجي الحديث:
لقد حقق التقدم التكنولوجي والعلمي الكثير من الانجازات وأضاف الكثير من الوسائل التكنولوجية الحديثة, التي يمكن الاستفادة منها في إعداد وتخريج مواطنين على مستوى عالي من الجودة والكفاءة والتأهيل لمواجهة تحديات العصر, ومن هذه الوسائل : الإذاعة, والتلفاز, والأقمار الصناعية, وشبكة الانترنت,  والكمبيوتر, وهذه وسائل وأدوات تكنولوجية تساعد في الحصول على البيانات والإحصاءات والمعلومات من مصادرها الأولى والمتنوعة. ومن الوسائل التكنولوجية التي يمكن الاستفادة منها في العملية التربوية والتعليمية ولتطوير المنهج هي : استخدام التلفزيون التربوي, المواد المطبوعة, وأشرطة سمعية,  وشرائح ضوئية, وأفلام ثابتة, وبرامج الحاسوب الآلي, وهذه الوسائل إن أحسن إتقانها واستخدامها والإفادة منها فسوف ترفع من مستويات الأداء والكفاءة لدى الدارسين والكادر التربوي والتدريسي بشكل عام, وتسهم في معالجة الكثير من المشكلات التعليمية. وفي ظروف العملية التربوية في العراق حيث حرم قطاع التربية والتعليم كما هو الحال في مختلف مجالات الحياة من ثمرة التقدم العلمي والتكنولوجي واستخدامه لأغراض سلمية, فنحن اليوم بأمس الحاجة لتضمين العملية التربوية والتعليمية بهذه المنجزات التي لا يمكن الاستغناء عنها.
3 ـ الاستفادة من التدفق ألمعلوماتي في مختلف المجالات:
لقد حرم العراق ولعقود من التدفق ألمعلوماتي السلس, ومن  كل جديد في العملية التربوية نتيجة لعزلة النظام السابق عن العالم ومخاوفه من الانفتاح المعرفي والمعلوماتي على العالم, مما أوقع البيئة التربوية في نمطية مستديمة, وهو بالضد من النمو السريع لوسائل الاتصال, والتوسع في استخدامها, وتقدم تكنولوجيا المعلومات, ولهذا فمن الضروري عند تطوير المناهج الاستفادة من التدفق ألمعلوماتي في المجالات المختلفة والأخذ بسمات العصر وانجازاته المتعددة لكي يستطيع المنهج استيعابها وترجمتها إلى أهداف تربوية تستجيب لظروف الحياة المتجددة والتخلص من الأمية الحضارية.
4 ـ الاستثمار الأمثل للموارد المالية :
إن عملية تطوير المناهج تتطلب المزيد من الموارد المالية, وهذه الموارد يمكن الاستفادة منها في العديد من المجالات, مثل إقامة المباني المدرسية الحديثة والمتطورة وتجهيزها بأحدث الأجهزة والمعدات, وتأليف الكتب الدراسية الحديثة وطبعها, ونشر شبكة المكتبات المدرسية قي مختلف أنحاء العراق, في المدن والأرياف والقصبات, وتزويدها بكل ما يلزمها من كتب ومراجع ودوريات علمية وتربوية ووسائل تقنية وغيرها, ولا يعقل أن في العراق اليوم الآلاف من مدارس الطين والقصب في ظل إمكانيات نفطية ـ مالية يسرق منها العدو والصديق, والعمل كذلك على زيادة الرواتب والحوافز المادية للقائمين على العملية التربوية من قيادات وكادر تدريسي, والإنفاق على الدورات التدريبية وإعادة التأهيل للكادر التربوي وتنميته مهنيا وتربويا, ولذا فأن عملية تطوير المناهج تستدعي مزيدا من الإنفاق على قطاع التربية والتعليم, شريطة أن يرتبط ذلك بتجفيف مصادر الفساد وسرقة المال العام ووضع حد للتزوير الذي فاق التصورات في هذا القطاع.
5 ـ الاستفادة من التجارب العالمية المعاصرة :
عند تطوير المناهج الدراسية يجب الأخذ بنظر الاعتبار إن النظام التربوي في العراق لا يسبح في فضاء منعزل عن التجارب التربوية والخبرات العالمية, خاصة ونحن في الألفية الثالثة وفي ظروف الانفتاح والعولمة وما يصاحبها من تداعيات اقتصادية, وثقافية, واجتماعية, وإيديولوجية, لم يعد العالم كما عهدناه فيما مضى, شئنا أم أبينا, مغلق بحدوده الجغرافية, فالعراق اليوم منفتح على العالم الخارجي أكثر من أي وقت مضى, وعليه الاستجابة المرنة لأفضل ما ينتجه العالم من نظريات وأفكار جديدة في ميادين التربية والتعليم لاحتوائها عند تطوير المنهج, مع الأخذ بنظر الاعتبار خصوصية العراق وأهدافه الوطنية الكبرى في قطاع التربية والتعليم.
6 ـ الاستثمار الأقصى للموارد البشرية :
إن عملية تطوير المناهج الدراسية تستدعي المشاركة الفعالة من قبل جميع الأفراد ذوي الصلة في عمليات التطوير, من خبراء, ومتخصصين, وقيادات تربوية, ومربين, وفنيين, ودارسين, وحتى مواطنين عاديين وغيرهم, فالخبراء والمتخصصون هم الفئة التي تقود عمليات التطوير وتقوم بالدور الرئيسي فيها, وهؤلاء يعملون في تخطيط المناهج والبرامج, وفي تقويم الجوانب المختلفة للعملية التربوية, وفي تأليف الكتب الدراسية, وفي إعداد المربي وتدريبه, وفي إجراء البحوث اللازمة, إلى جانب القياديين التربويين بمختلف مستوياتهم فهم يلعبون دورا رئيسيا في إنجاح عمليات التطوير, وكذلك المربين باعتبارهم طرف مهم في العملية التربوية, إلى جانب الدارسين وهم المستهدفين من عمليات التطوير جملة وتفصيلا, والفنيين الذين يقررون كفاءة الأجهزة التعليمية المختلفة, وكلفتها, وصيانتها, وإصلاحها, وتشغيلها وكذلك المواطن العادي الذي قد تكن لديه آراء مختلفة عن العملية التربوية, وهذه الآراء يجب دراستها وتمحيصها وإفراز الصالح منها في ضوء أهداف العملية التربوية. إن العراق اليوم محتاج إلى هذا الجهد الجماعي الكبير بعد سنوات الإهمال في تطوير المنهج, بعيدا عن الانفراد والاستحواذ من قبل الجهات السياسية التي تسيطر على مركز القرار, والتي ترغب في" تطوير " المناهج على خلفية مزاج ديني أو طائفي أو اثني بعيدا عن الفهم الصحيح والعلمي لمفهوم تطوير المنهج والارتقاء به.


قد تكون ملاحظاتي هذه هي ملاحظات رؤوس اقلام في بلد لازال بعيدا عن الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي, في بلد لم تستقر فيه العملية السياسية على أسس واضح