عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - فهد عنتر الدوخي

صفحات: [1]
1
فندق " Ambassador " ومطعم راوندوز " والطريق في حكاياتٍ لا تُنسى .
 عدنان أبو أندلس
        للرفقة التي كُنا نحنُ عليها  في تلك الرحلة ، لها طعمها الخاص الذي لا يغيب عن الأذهان ، ولا يمكن نسيانهُ  البتة ، إن كان ذلك مع صُحب  يحملون نفس الطبائع التي تحملها ، المكسب بأنك لا تتحسس أو تتوجس من ذلك اطلاقاً ، وبفرحٍ غامر تلقينا دعوة  من لدن اتحاد أدباء العراق " أنا والأديب فاروق والشاعر سداد والقاص موشي " لمؤتمر السرد المزمع انعقادهُ في بغداد  للفترة من  21-12 ولغاية 22 -12-2018 ، ومن مبدأ التواصل والتفاعل كتعريف لاحق بالمستجدات التي نتوق لها ، لذا لبينا الدعوة بمسرةٍ  ،  وقررنا بعدها ان يكون موعدنا للذهاب  قبل يوم ، كي ننعم باستراحة تبدد عنا تعب الطريق ، وفعلاً ؛  ومن أمام منزل القاص موشي بولص  في " عرفة "  القديمة  كانت  محطتنا للتجمع ؛ ومن ثم الانطلاقة الى بغداد  ،  ومن طبع الشاعر " سداد " أن يستأجر سيارة خاصة  في كل دعوة لمهرجان ما لغرض توصيلنا ثم اعادتنا في يوم متفق عليهِ  .
- في ضحى خميس ذلك اليوم  المشمس من بواكير الشتاء، كانت السيارة واقفة بانتظاري  ، وحينما صعدت  حييتهم بالتحية الصباحية ، وجلست في المقعد الخلفي ، وحين  تفقدتُ " موشي " لم أجدهُ ، سألت عنهُ فلم القي جواباً يُذكر، سوى قهقهات مخنوقة تبدر من صاحبي " فاروق وسداد " أخذتُ حقيبتي ووضعتها خلفي في المكان المخصص ، ولمحتُ حقيبة " فاروق " الصفراء " الكبيرة  التي طافت مدن كثيرة في أوربا وغرب آسيا وشطرا من  شمال إفريقيا  ، والتي جلبها من  إحدى العواصم حسب اعتقادي خلال جولاته المكوكية في تلك المدائن ، ومن طبع فاروق يهتم بتعدد الملابس في السفر ، يضع فيها الوفرة لكن لا يرتديها وتعود الى البيت كما هي بقالبها . وحين حدَقتُ أكثر ولمحتُ أُخرى  تشبه حقيبة  " موشي " وللشك الذي ساورني  ، ومن باب الفضول فتحتها  لأتأكد ، وحين فتحتها عثرتُ على عُلب سجائره النادرة "  pine" التي تشكلُ لنا حكايات طويلة  معها ، قلتُ مع نفسي  جزماً من أنهُ ذاهبٌ معنا  ، يستحيل أن يُثنيهِ أي شيء ما دام " o2 " موجوداً فهناك تبعٌ لهُ  ، لكن تساءلت مع نفسي ؛ ربما عدَل عن رأيهِ بالذهاب إثر التندرات  والمغالب التي يسمعها  منا ، والتي نطلقها عليهِ في أكثر الأحيان  .
      وفي تلك الأثناء خرج الينا " موشي " يرضع من سلوتهِ  بكل شهية ، صعد وجلس بجانبي ، سارت بنا السيارة تشق طرق مدينتنا حيثُ المقصد " بغداد " وبدأت الحكايات المُحببة عن السيجارة التي يدخنها ، مرةً يشاركنا الحديث ومرات يتغافل عن ذلك ويمضي في شرود وتيهان  مفتعل ، وعلى هذه الحالة فإذا  مدينة " الطوز " على مرأى  العين  ، مالت بنا السيارة وتوقفت أمام أحد المطاعم حسب عادة سواق الخطوط في كل المدن حيثُ وجبة الأكل مجاناً لأنهم يجلبون الزبائن لهم ، ترجلنا منها ودخلنا المطعم لأجل شرب الشاي ، لكنني شعرت بالجوع لأني لم أتناول كفايتي من الإفطار  ، جلستُ وناديتُ  النادل ما عندك من الإفطار وأخذ يعُد كذا ....وكذا وعندي " قليَة " موصلية ، تذكرت هذه الأكلة الصباحية اللذيذة التي تناولتها قبل عدة عقود حين كنتُ جنديا في مدرسة المشاة  في مدينة الموصل "  وادي حجر " ، قلتُ هاتها ، الذين معي اكتفوا بشرب الشاي وقليلاً من شوربة العدس ، بعد قليل جاءني بـ ماعون فرفوري كبير مملوءٌ حتى أذنيه بالثريد ، وعليهِ قطعاً من اللحم يكفي لـ أربعة أشخاص " أكولين " ، دعوتهم لمشاركتي؛  فلم يتشهوا ، أما أنا فقد وقعتُ في ورطة التبذير ، أخذتُ كفايتي وتركتها لحالها دون شهية ، لكن جاءني النادل مسرعاً ،  وبتوصية من الصُحب  ، قال  احدهم : وضبها لهُ على طريقة المصريين ، وضعها في ماعون شفاف سفري ودسها في كيسٍ اسود ، عندها خرج موشي على عُجالة " لكشك الشاي " كي يتناول ذلك ويدخن خلسة عن أنظارنا ، نهضنا نتبعهُ وكان قد دفع الحساب والى اليوم لم أعرف ما سعر تلك الوجبة التي دفعها  ، وهذا ديدنهُ في كل سفرة .
       اتخذنا أماكننا وسارت بنا تلثم الطريق وتواصلت أحاديثنا ثانيةً عن العُلبة السحرية التي يأخذ منها واحدة ونشمها من بعيد ، وحين لاحظ ذلك فنح النافذة كي لا نشمها بحجة عدم ازعاجنا بالدخان ، ومن دفقات الريح التي تعوي في الخارج تتسرب الينا بعضاً منها ، صاح بهِ " فاروق ": سد النافذة ترى قد سرت البرودة حتى العظم . ونحنُ على هذه السيرة الى أن وصلنا تخوم مدينة " الخالص " توقفت بنا وترجلنا منها حيثٌ مكان الشاي ، لكن " فاروق " اندفع أمامنا  وولج الدكان وجلب لنا بسكويت وعصائر وعلبة سجائر وقدمها لي من النوع التي يرغبها " موشي " قائلاً : واحدة بواحدة ، دعهُ يتضجر ويغار منك ، ناداني " موشي "  بعد رشفةً من الشاي : دعني أراها ربما تختلف عن سجائري ، وحين قدمتها لهُ كي يشاهد ماركتها ، وضعها في جيبهِ قائلاً : ببرود يشي الى الضحكة ، هذه لا تلائمكم دعوها وشأنها ، وبالكاد ومع كل التوسلات والإلتماسات ناولني واحدة ثم سحبها مني بعد قليل ، قائلاً : إني أخشى عليك من تبديل سجائرك وربما تُصاب  جراء ذلك بـ  " قحة " تلازمك طويلاً لاسيما والفصل شتاء ،  ضحكنا  من تلك النصيحة ُ بكل اريحية للأعذار التي يمتلكها ببديهية حاضرة . سرنا وتواصل الحديث عنها ، وبين همس ونتفاً من التبريرات ولم  نكن ندري بأنفسنا إلا بـ طوق"  بوب الشام "  حدود بغداد ، ثم دار الحديث عن تخصيص الفندق والحجز فيهِ  وعن مشاويرنا عصرية هذا اليوم و.و . وصلنا فندق السفير " Ambassador Hote " الذي يقع على شارع ابي نؤاس ، واجهتةُ من الطراز القديم والرصين اشبه بفنادق " لندن " من حيث التصميم المعماري ، أمامهُ حديقة وشجيرات غريبة ، وقد خصصت لنا غرفتين متجاورتين تشرفان على نهر دجلة ، واحدة تجمعني بـ موشي ، والأخرى  تجمع فاروق وسداد . بعد أن استرحنا قليلاً واستبدلنا ملابسنا ، جاءني سداد وفي نيتهِ زيارة صديق لهُ في اليرموك أو الصليخ كما أعتقد ، ولكوني متعب قلت لهُ : مازال وعثاء الطريق يرهقنا ولم يتبق من النهار الا القليل ، دعنا من هذه المهمة ونؤجلها لليوم التالي ، اقتنع ونزلنا للمطعم الذي يقع خلف الفندق ويبان من قطعتهِ التعريفية بـ راوندوز ، أخذنا نصيبنا من وجبة الغداء المشكل لغاية في أنفسنا ، ثم سرنا خطوات راجلة لكننا قد حسبنا المسافة بعيدة وقد استأجرنا " تاكسي " لتوصلنا الى باب اتحاد الأدباء ، قابلنا أصدقاء كُثر هناك وبقينا لوقت متأخر رجعنا نتأبط اصدارات عدة من الأدباء ،  وصلنا الفندق وتسامرنا لوقت متأخر بحديث منوع عن الأدب والسرد وتارة عن سيجارة موشي ، رقدنا في اسرتنا وقد بان علينا  التعب ، في اليوم الثاني نزلنا للصالة التي تقدم الفطور الصباحي ، تناولناهُ على عجل بغية الذهاب واللحاق  بإفتتاحية المؤتمر ، بعد فترة كُنا هناك نسمع أحاديث مختلفة عن أحاديث السجائروالسرد والعصائر  ، وفي الظهيرة نعود الى مطعمنا نتناول الوجبة الرئيسة فيهِ ،  بعدها نعود لمكان إقامتنا نأخذ قسطاً من الراحة ثم نعود مجدَداً عصراً لجلسات المؤتمر ، وهكذا طيلة المدة التي قضيناها هُناك ، في اليوم الثاني طلبتُ رخصة من الصُحب بالسفر الى مدينة " شهربان " كي ازور بيت أختي ، ودعتهم لكن دون مشتهاة توأمي " موشي"   بذلك ، استأجرتُ " تاكسي " لكراج النهضة ، ومن هناك تقلني السيارات الى جهتي المقصودة ، بتُ ليلتي مع بيت أختي ، وفي اليوم التالي  رجعتُ مع هطول الأمطار الغزيرة طول الطريق ، وصلتُ قبل الظهيرة وكان صاحبي ممتعضاً من الزيارة قائلاً : تركتني وحيداً في الغرفة الموحشة ، وفي ختامية المؤتمر كانت هُناك مداخلات عن سردية المشاركون ، جلسا " موشي وسداد "  في المقدمة ، أما أنا وفاروق اتخذنا مكانا قصياً  لنا في المقاعد الأخيرة من القاعة ، وفجأة سمعتُ أحد النُقاد وعلى ما أعتقد د. جاسم خلف الياس ، وكذلك ناقدة  من النجف  يذكران قصص موشي القصيرة جداً  في ورقتيهما النقديتين ، استأذنت من فاروق كي اشارك في باب المداخلة ، وقد ردَ :  " يمعود دروح خلصني " ، روح ، مكرراً ذلك بضحكة ،   وفي ختام الجلسة فُتح باب المداخلة وقد أدلى " سداد " وهو يقعد بمكانهِ ، ببعض الملاحظات التي ركزت عليها الندوة ، ثم لحقهُ موشي وارتقى  المُنصة شارحاً بعضاً من تجربتهِ القصصية ، وحين وصلني الدور، قال لي مقدم الجلسة  : الراحل  " محمد علون جبر " أهلاً أبي أندلس ؛ وقد همس لي ،  الوقت أمامك دقيقة واحدة ، لكن سأعطيك  دقيقتين ؛ لأنك من منطقة " عرفه "حالياً ،  وأنا من منطقة " عرصة " سابقاً  لا تفصلنا سوى سكة القطار، كانت مداخلتي عن الصورة الفوتوغرافية الجامدة في قصص موشي ، وتحدثتُ بذلك وفق المدة المُحددة  المعطاة لي ، وحين نزلتُ من المنصة أسمعني الإشادة بعض الجُلساء ، وكذلك القاص موشي ، غير أن فاروق أجابهُ بضحكة طويلة يا أخي ما هذه التهنئة !.. أصلاَ هو مسحك بالأرض وضحكنا معاً ، بعد انتهاء المؤتمر ومراسيم الختام والتوديع ،  أخبرنا " سداد " بأن هُناك دعوة لمأدبة عشاء لنا من قبل د. عزالدين المحمدي ،  اعتذر " فاروق " لأنهُ كان يشعر بالتعب أصلاً ، حقيقة لم أود الذهاب لأني أكتفي بليل بغداد في ساحة الأندلس ، ولم أود مفارقتهِ  صاحبي بهذه الحالة التي هو فيها  ، بل غادرا " سداد وموشي " وبقينا نحن  الأثنين في قاعة النادي ، بعدها نهضنا نسوح في ليل بغداد وعرجنا الى ساحة الأندلس وتناولنا وجبة " فاروق "  الشهية ، ثم رجعنا لمأوانا نجرجر أرجلنا التعبى ، وفي ساعة متأخرة عاد الينا سداد وموشي وسهرنا ليلة متأخرة كما تُسمى عند  الأدباء بـ ليلة الوحشة ، كانت تلك الرحلة حافلة بالتَواد الحق ، وفي  وقت الفجر قلما أصحو لأن سلطان النوم يأخذني بعيداً ، لكني هذا اليوم صحوتُ باكراً  من صوت المؤذن في صوب الكرخ والذي يتهادى الى مسمعي ، نهضتُ وصليتُ الفجر وتطلعتُ على وجه " موشي " الذي  كان يغُط بنومٍ عميق وقد بانت ملامحهُ وكأنهُ طفل بريء تاركاً على المنضدة التي تفصل سريرينا  عُلبة سجائره ، تناولتها ووجدتها فارغة ، همستُ مع نفسي أيا بـ...... اقتربت من الشباك أكثر لأطل على بغداد وشاطئي دجلة والتي كان يغطيهما الضباب الشفيف ف  والأضواء تسطع وتتراقص على سطح الماء كأروع منظر لم ألفه منذ زمن بعيد .

2
من قصيدة سﻻم أيها العرب.
سﻻم أيها العرب
إليكم جئت أنتسب
لعل ماء دمعكم
على أطﻻل ماضيهم
يروي رمل حنجرتي
فزوجي روحها زهقت
وأختي زينب سبيت
وأمي ثديها نهبت
فجف ماء عيني
على لهب من الخجل
كفاكم يا بني أهلي
إليكم سارت النوب
______________
سديم اﻷرض في عيني
يغشي ساحة البصر
فدربي صار مشتبها
كما لو أنني أمشي
على بحر من الملح
عصرتم منه في حلقي
لترووا ظامئ الرمل
فجف الحرف في شفتي
وحلقي صار ناووسا
لمومياء محنطة
______________
وقفت أمام فرعوني
حزينا عاريا حافي
فما رق له قلب
وﻻ اهتز له جفن
فعدت حسير أكتافي
فأنتم كل مأساتي
يمينا أيها العرب
رأيت الصبر ينتحب
_______________
فقلنا إنها الدنيا
أجاج الماء موردها
فعذب الماء في الجنة
ونحن أمة عدل
وتاريخ النبوءات
هو تاريخ أمتنا
وفي أوطاننا شيع
فدرزي وشيعي
وسني وذمي
قسمناه وكانت قسمة ضيزى
فشاتم بعضنا بعضا
وقاتل شيخنا طفﻻ
وبين هامز ﻻمز
ورثنا غضبة الله
يمينا أيها العرب
إلى الويﻻت تنتسب
________________
تعالوا أيها العرب
تعالوا وشاهدوا موتي
هنا في اللد جلجلتي
وفي الزوراء مقبرتي
وصالبني غدا بطﻻ
يصب خمرة الموت
على مسمار تابوتي
بكأس هيئة اﻷمم
لنشرب حنظل اﻵتي
على أرض النبوءات
______________
وقالوا أنت مرضي
وهذا حبل مشنقتك
هدية أمك الثكلى
ومغزول بمنزلها
ومن خصﻻت أمتها
هنيئا أيها المشنوق في وطنك
على أنغام مشنقتك
يطيب الحلم والشكوى
بأرض ما بها جوع
وﻻعطش وﻻ عري
 وﻻ غل ومغلول
ففيها يغرد الحرف
تراتيل أغانيها
فﻻ دين يفرقنا
لسان الضاد يجمعنا
ويحكي مجد ماضينا
بآيات من الﻻت
وحق الموت والعزى
إلى اﻷوهام ننتسب
سﻻم أيها العرب.

3
الزواج والحياة
ان المسار الطبيعي للحياة الزوجية هو الحب والاولاد.
والتكيف نتيجة ميلان الرجل نحو المراة في الفطرة وكذلك ميلان المراة للرجل في الفطرة ،ومن الطبيعي ان يواجه الانسان صعوبات من بداية مسيرة الزواج لان الله تعالى خلقنا وجعل لنا طبائع ولهذا تحدث مشاكل في بداية الزواج وهذه الحالة يكاد يجمع عليها كل المؤرخين.
وان البعض نتيجة مواجهته الصعوبات في  مسيرة الحياة الجديدة يقرر ان يغير مسيرة حياته او يصحح ويعدل ما قام به .كأن يقول انه لم يتمكن التكيف مع زوجته قيقرر الانفصال لكي يبدأ مسيرة حياة جديدة بالزواج من جديد .
وهنا عندما يلاحظ الانسان صعوبات ومشاكل اصدقائه مع زوجاته يرى ان كثيرا منها لاسباب وامور حياتية بسيطة لايستوجب سوى التأمل والنظر بشكل شمولي لحسنات وسيئات زوجته.
واننا في عرفنا وتقاليدنا نعتبر الزواج الخطوة الرئيسية المهمة في مسار الحياة ، بينما ممكن ان نعتبر الزواج اولى خطوة في مسيرة حياتنا فاذا لم ننجح في تحقيق كل ماكنا نحلم ونتمنى به من الزواج فان ذلك لايعني الانفصال او الطلاق .
لان الزواج عقد مقدس
فان الانسان حتى اذا احس بأنه ليس مرتاحا في زواجه فيجب ان لايكون اول تفكيره الانفصال .
فالزوج ممكن ان يبادر في التفكير في تغيير نفسه من طباعه وتغيير ظروف الحياة الزوجية . ايضا مما قد يجعل الزوجةايضا تغير من طبعها او مسيرة حياتها التي تربت بها .
وان الانسان عندما يتأمل حياته من هذا الجانب  يكون اسهل عليه بكثير من حل الانفصال وثم التفكير بزواج جديد.
وعلينا ان نقر بان هذه التغيرات في طبعنا جاءت بعد الزواج بمعنى اننا نحتاج ان نفكر باسلوب ومعايشة مغايرة لما نحن فيه وهو الاسلوب الملائم والمناسب من طبع الزوجة .
ثم ننظر هل تبقى الزوجة على ماكانت عليه .وعلينا ان نأخذ الامور ببساطة واللين والمرونة في تعاملنا وان يتقبل كل من الزوجين الاخر وهذا ما يحتاجه الزواج الناجح . وعلينا ان نقر ان وقوع المشاكل واختلاف في وجهات النظر تحصل في الغالب في السنة الاولى لان الله تعالى خلقنا وجعل لنا طبائع ولذلك من الطبيعي حينما يتم الزواج وبعد ان يسكن الزوجان معا قد تكثر المشاكل بينهما .. وهذه الحالة يكاد يجمع عليها الكثير من العلماء  . وهذه الحالة لا تدم طويلا  ثم يبدأ الزوجان ببعض  المحاولات للتقليل من المشاكل  كأن تلبي الزوجة مايطلبه الزوج وكذلك العكس نتيجة التكييف بالواقع الجديد وقناعة الزوجين بضرورة التفاهم والتفاعل في حياة مشتركة هانئة .
وعلينا ان نقر بأن المشاكل بحدها الادنى بين الزوجين قد تستمر ، وهذه امور طبيعية في اراء الكثير من اهل الخبرة والمفكرين .
وان مجرد مجئ الاطفال يتغير مسار الحياة بشكل كبير لان الطفل يدخل في صلب الحياة الزوجية ليشغل للطرفين في مسيرة الحياة. ولهذا نرى ان الحياة الزوجية متصلة ومختلفة في متطلباتها بمرور الزمن .وقد تكون المراحل القادمة لحياة الزوجين فيها تصحيح لما كانوا يعانون منه في بداية حياتهم منها مجئ الاطفال وأسس تربيتهم وانهماكهم للتربية السليمة لاطفالهم .وقد نصل الى مرحلة يكون الاولاد هم حل لكثير من المشاكل التي قد تقع بين الزوجين .
وان الله تعالى يسر لنا الطريق لحل الكثير من مشكلات الزواج وما بعده  ولهذا فأن النجاح في الحياة يتطلب قدرا من قبول الواقع الذي نعيشه وان لا نبقى على خطى   مما اكتسبنا في مراحل الشباب وبداية حياتنا ،
وان نقرا الكثير من الاراء .
اننا كلما ارتقينا في حياتنا نحو مستوى اعلى كلما قلت المشاكل ليسود الوئام .

4
شمعة مطفأة للبحر   
ايلان،
الطفل المنكفئ على موجة هامدة
بلا ملامح, بلا جنسية
بحذاء مهترئ قليلا وقميص العيد الأحمر
آآآه تلك الصورة!
تلك الصورة على شاطئ بحر بودروم!!
اليوم مات حنظلة.
مات حنظلة.. ولن يعود
ولن يقوم كمسيح
                              شمعة مطفأة للبحر
ارتدت معطف الفرو وأحكمت تثبيت القبعة الصوفية على رأسها. نظرت في المرآة وابتسمت. تمنت لو تستغني عن نظارتيها اللتين تتحولان الى سيخين معدنيين حارقين في هذا البرد القارس، ثم ما لبثت أن تذكرت عدساتها اللاصقة. فرمت النظارة اللعينة جانبا وعادت لتلصق عدساتها في عينيها..
كلما شاهدت نفسها بالقبعة الصوفية تحس بالغرابة وتضحك. لم تكن ترتدي قبعة في شتاء بلادها لم تحتجها ولا مرة. الأطفال فقط من كانوا يرتدون هذا النوع من القبعات التي تبرز احمرار خدودهم وأنوفهم، والكبار يستعينون بالوشاح. أما هنا، مع درجات حرارة دون الصفر، فإن عليها إضافة للقبعة أن تلبس قفازيها الجلديين، وأن تنتعل حذاءً مبطناً فوق جوربين صوفيين سميكين. تخيلت نفسها دباً بفراءٍ سميك وحركةٍ ثقيلة.
كان الوقت ظهراً والسماء صافية والبحر هادئ بلا صوت، وبلا طعم ملوحة اعتادته هناك.
تحت وهج شمس ساطعة على السطح الشاسع لبياض ثلجٍ قاسٍ، تمشي الهوينى وتفكر بالحكمة من ارتداء هذه الثياب الخانقة بينما جسدها يتصبب عرقاً.
على الشاطئ يقف رجل منهمكاً بصنارة صيد غريبة الشكل، يطوح خيطها في الهواء، فيرتد شعره الأسود الذي تخطه صفوف فضية تلتمع بينها حبات عرق وتسيل على وجه خمري مسمر تحت أشعة الشمس الحارقة. تعرك عينيها. تطيل النظر إليه.. هو حبيبها، لكن ماذا يفعل هنا على شاطئ هذا البحر؟! تذكر أنها تركته هناك, أو بالأحرى هو الذي رفض مرافقتها في رحلة الهروب تلك,  لكنها تراه الآن أمامها, أهذا هو بشعره الموشى بالفضة  حقاً أم أن الشمس العمودية أحرقت رأسها وذهبت بعقلها!
عليها أن تتخفف من هذه الملابس القاتلة.
رمت بمعطفها وحذائها وثيابها الثقيلة على الصخور القريبة. نظرت الى جسدها وقد تخفف من أحماله منعكسا على صفحة ماء بحر بلا أمواج.
كم أحبت ألوان ثياب السباحة التي انتقاها لها في أول رحلة بحرية لهما (هناك)، وخجلت حين ارتدتها وتخيلت أن كل من كان على الشاطئ ينظر الى جسدها وهي شبه عارية , فقضت يومها الأول مختبئة في قلب الامواج الى أن غابت الشمس .
تتحسس رمل الشاطئ بباطن قدميها. ناعما كان كملمس خد طفل وليد، لكن بعض النتوءات الصخرية تدمي قدميها قليلا ..
لا بأس، ستقوم بحركة خفيفة لتنبه الرجل وتخرجه من حالة سكون الصياد.
ضربت بضع حصوات  بقدميها فأصدرن صوتا جفلت لأجله إوزات بريات يتمشين على الشاطئ ويغرسن رؤوسهن بين أعشاب ناعمة نبتت هنا وهناك.
الشاب الجميل  ذو العينين السوداوين ينهرها لأنه كاد يفقد بسببها سمكة كبيرة قد علقت في شصه، وبالكاد تمكن بحركة سريعة من أن يتحكم بصنارته، فيما السمكة الفضية تتأرجح وتتلوى في الفضاء ملتمعة تحت نور الشمس الباهر.
ارتعش قلبها بلمسة غبطة مفاجئة، وتخيلت عشاء على الشاطئ من سمك مشوي على نار الحطب وشراب بيتي بارد والكثير من القبلات وضمات  تنتقل عدواها الى أمواج البحر فتصاب بالجنون, وترتفع ضحكاتهما وهما يلحظان هياج البحر فيما هو يصيح بها : تعالي نهيّج البحر.
رنت ضحكتها في فضاء الرغبة فالتفت اليها مقطبا حاجبيه:
-  ماذا تفعلين هنا !؟ .. من أنت ولم ترتدين ثيابا صيفية في هذا الجو الصقيعي؟
لم تفهم ما يقول، فقد تكلم إليها بلغة كانت قد بدأت منذ وقت قصير بفك حروفها ولم تتقنها بعد. هي لغة تشبه أولئك الفايكنغ الذين كانوا يقرصنون سفن أجدادها في البحار النائية.
ضيق عينيه الزرقاوين ليتمكن من تمييز المرأة المجنونة التي ترتدي ثياب سباحة في جو صقيعي. أحس برجفة خوف وهي تبحلق به بعينين واسعتين مبهمتي النظرات وتسأله بلغة غريبة: من أنت؟
ثم خفَّ هلعه قليلاً حين كلمته بلغة أخرى يفهمها ثلاثة أرباع الكرة الأرضية . هو آر يو؟" من أنت ؟ وات آر يو دونغ هير؟ ماذا تفعل هنا؟ أين الرجل الآخر الذي كان يجلس مكانك؟ إنه رجلي أنا , أعرفه جيداً وأميز رائحة جسده وسط آلاف الروائح. لا أحد مثله ولا يملك أي شخص آخر بريق عينيه. وهو صياد ماهر. لقد اصطاد لي سمكة فضية لا تشبهها أي سمكة.
قال لها الرجل الكهل الأشقر الذي لم يلحظ ولا يعنيه جمال جسدها ولا سمرة جلدها الكاوية:
-  لا أحد غيري هنا . أنا منذ الصباح أحاول أن أصطاد, ولم أحظ بسمكة واحدة .
- لا تخدعني.. ابتعد عن هذه الصخرة. سأجده  هنا في مكان ما.
مدت يدها الى عدساتها اللاصقة تسحبها من عينيها لترى الأمور جيدا، وفي تلك اللحظة صرخ الرجل منفعلاً: - يا إلهي..!  سنارتي تهتز! هناك صيد ثقيل علق بها !
اقتربت منه وهي تعرك عينيها وترتجف لشدة البرد. لمست قدماها مياه بحر بلون أحمر قان. مياه البحر ساخنة تغلي وتحرق باطنهما.
ابتعدي من هنا. ينهرها, ستفسدين يومي وتفقديني سمكتي التي أنتظرها منذ الصباح.
الرجل يسحب من صنارته جسداً يشبه سمكة كبيرة .. هي ليست سمكة تماماً ! أهي حورية أم فقمة صغيرة !؟
الثلج يتساقط ساخناً وغزيراً.. لندف الثلج صوت غريب،  صوت يثقب أذنيها. والسمكة بين يدي الصياد تبكي وتستغيث، تنادي للمرأة على أنها أمها. المرأة ترتجف وتشد معطفها الفرو حول عنقها وجسدها، والرجل ذو العينين الزرقاوين يضحك بغرابة ويرمي صيده الى ماء البحر .
البحر الذي بلا أمواج والراكدة مياهه يلفظ سمكة فضية على صخوره فيلتقطها نورس أبيض ويحلق بها بعيداً. الليل يقترب، وعلى الشاطئ ثلاث شمعات يلتمعن بخفقات متهادية..
تفتح المرأة المرمية على الشاطئ عينيها رويدا رويدا، وتغني بلغة قديمة:
"الليلة تضيء الملائكة  شمعاتك الثلاث يا بني
ثلاث شمعات ولم أتأكد من لون عينيك
أهما لوزيتان أم زيتونيتان
سماويتان أم كعشب الأرض
ثلاث وردات ذبلن ولم يتكئ رأسك على كتفي
لم أشم رائحة شعرك كوردة
ثلاث نجمات وأنا أكابد مر الشوق
الشوق الموجع لطفل قلبي الذي حلمت به عمراً
ليدفئ حضني بعبق جسده الغض
كم سنة سأنتظر يا حبيبي
كم سنة بقي في عمر الانتظار
أحرقت الفراشات أجنحتها
أصابتك اللعنة يا بحر بودروم !
ستنوح النائحات في ليلك المعتم
ويقيم الخوف بيته فوق رمالك.
من هذه  الليلة سترتحل سفنك
بلا وداع, بلا عودة
والأشباح تلغ مرارة مائك.
تشد المرأة لحافها الثقيل على جسدها ترتعش أطرافها وهي تحاول النظر عبر زجاج سميك لا يوحي بما وراءه وتتمتم.... يا لهذا السواد الثقيل!!.. مازال الليل في أوله.

5
هل من الممكن أن يتكرر هذا الرجل ؟؟؟
اطلاقاااااااا.......
أنه عبد الرحمن منيف....!!!!!!!!!
أب سعودي وام عراقية ....
ولادة اردنية وزوجة سورية ....
ولكن تجاوز التاريخ والجغرافيا ....
تجاوز الماضي والمكان والزمان .....
كان همه الأول والأخير بناء اوطان خال من السجون والشجون والمطبّلين و المنافقين والاصنام البشرية
وعبادة الرموز و وعاظو السلاطين الانتهازيين ؛
عاش في الغربة والمنافي وفي كل مكان بأستثناء
موطن اباه الأصلي - السعودية......
بعد أن  جرّب السياسة والأحزاب والنضال الحزبي وبعد أن فشل في مواجهة الواقع البائس والمرير اضطر لأختيار الرواية كسلاح أخير للتصدي للواقع العربي والشرقي المزري والبائس
واليائس بغية تغيير الانسان وهو الأساس في كل التغيرات التاريخية والمفصلية والثورية  ؛ لأنه أي الأنسان هو محور الحدث والتغيير ؛ فكتب رواياته  المعمقة والشاملة والأسطورية ولكن غادر هذه الدنيا دون ان يتحقق أحلامه الكبيرة والعظيمة تاركا لنا ارثا عظيما من الروايات والدراسات الأدبية والسياسية على أمل أن يتحقق للأجيال المستقبلية  تلك الأحلام التي كرس لها قلمه السحري الخارق والذي سطر اسطورة الرواية العربية الجديدة الأبداعية ....
سلاما لروحه الطاهرة وخلودا لرواياته المعمقة والشاملة .....azad

6
فاروق مصطفى: (موشي بولص موشي) مِن كتابةِ القصصِ إِلى رسمِ الوجوهِ الكركوكيّةِ
2020/09/11   نصوص اضف تعليقاً 11 زيارة

عِنْدمَا أُحيلَ القاصُّ(موشي بولص) إلى التّـقاعدِ خَشِيَ أنَّ هذا التّغييرَ الحياتيَّ سوف يتركُ رجَّةً في مجرى سيرِ وقائعِهِ اليوميّةِ، فبعدَ أنْ قضى ما يُقاربُ ثلاثةَ عُقودٍ في شركةِ نفطِ الشّمالِ مُتنقِّلًا بينَ أقسامِ الكهرباءِ والنَّقـليَّاتِ والعلاقاتِ العامَّةِ وَالإعلامِ وتعوَّدَ على الاستيقاظِ المُبكّرِ وطقوسِهِ الصّباحيّةِ وتناولِ فُطورِهِ السّريعِ، ها هو يَجِدُ نفسَهُ متقاعدًا مُتعكِّزًا على البطالةِ وكأنّهُ شرعَ بتسطيرِ كتابِ كُهولتِهِ، أحسَّ بالحزنِ يتغلغلُ داخلَ جوارِحِهِ لسبَبَيْنِ رئيسَيْنِ، أوّلهما تركهُ عشرات العصافيرِ التي كانتْ تستقبلُهُ في مدخلِ حدائقِ مَقَرِّ عَملِهِ، وكيفَ أنّها كانتْ تزقزقُ وترفرفُ وتُصفِّقُ بأجنِحَتِهَا فَرِحةً بِمقدَمِهِ الصَّباحِيِّ وهو ينثُرُ لَهَا الدَّقيقَ وحبَّاتِ الرُّزِّ وفتافيتَ الأَرغفةِ، وثانيهما انتقالُ صديقِ عُمرِهِ(عدنان أبو أندلس) مِن منطقةِ”عرفة” إِلى سكناهُ الجديدِ في منطقةٍ تقعُ خلفَ معارضِ السّيَّاراتِ جنوبي كركوكَ. (موشي بولص) اعتادَ على رؤيةِ صديقِهِ(أبي أندلس) فِي أثناءِ الْعملِ وكذلك ساعاتِ العَصارَى أو حتّى آناءِ الْليلِ، ، عندما تـلقَّى مُهاتفةً على هاتِفِهِ الخلويِّ: تعالَ أنتظِرُكَ في المقهى، (المقهى العرفاوي) المستلقي تحتَ درج إِحدى البناياتِ مُزنَّرٍ بضجيجٍ ومُطوَّقٍ بضوضاءِ رُوَّادِهِ، ها هو كاتبُنا يكتشفُ أنّهُ فقدَ لذَّاذاتِ عملِهِ وتوحَّشَ انتشاءاتِ صديقِهِ( عدنان) وحتَّى سجائرِ(pine) الْعَرَبِيِّ الَّتي كانَ يُدخِّنُهَا اختفتْ مِنَ الأسواقِ فَجأةً، فَلَمْ يبقَ أمامَهُ سوى الْلُّجوءِ إلى كتابةِ القِصَصِ القصيرةِ علَّهُ يَجِدُ مُتَنَفَّسًا مِنَ العَزاءِ في كتابَتِهَا وسلوانًا على قهرِ هذهِ الْأيَّامِ العجفاءِ الّتي حاصرتْهُ مِنَ الْجهاتِ كُلِّهَا، إِلَّا أَنَّ مُلهماتِهِ الْقَصَصِيَّةِ ناكدَتْهُ وضايقتْهُ وَأَحسَّ بِأنّها لا تُطاوعُهُ كما ينبغي، فَمَا الّذِي يَفعلُ إِزاءَ هذه المُعضلةِ الّتي حلَّتْ في ساحتِهِ، لقد خطَّ مئاتِ القِصصِ وملأَ بها أكثرَ مِنْ عشرِ مجاميعَ قصصيَّةٍ وكانَ آخرُهَا(عُذرًا أَيَّتهَا الْمَرَايَا) وهو انتهى أيضًا مِن تنضيدِ مجموعةٍ جديدةٍ مِنَ القصصِ وتَعِبَ طويلًا مِن إِيجَادِ عُنوانٍ مُناسبٍ لَهَا أَنْ فتحَ اللهُ عَلَيْهِ فسمَّاهَا(نَوَامِيسٌ) وصَمَّمَهَا قِصّةً وتحتَهَا لوحة فوتوغرافيّة، فإِذَنْ هو كتابُ (القصَّة- الْلَّوحة) وَعمَلُهُ هذا يُذَكِّرُ بالْمُنجَزِ الأدبيِّ الّذي أصدرهُ الكاتبُ الْمِصريُّ(عبد الغفار مكّاوي) في كتابِهِ الْمُعنونِ:(قصيدةٌ وصورةٌ) (الشِّعْرُ والتَّصويرُ عَبرَ الْعُصورِ) والمطبوعِ في الكُويت وَمِن إِصدارِ الْمجلسِ الوطنيِّ للثقافةِ والفُنونِ والآدابِ، غَيرَ أنَّ صديقَنَا(موشي) تأخَّرَ عنِ طَبْعِ الكتابِ فالظروفُ التي نعيشُها وأعني ظروفَ فيروس كورونا غير مؤاتيةٍ لِنشْرِ الْكُتبِ، فَفكَّرَ أنْ يؤَجِّلَ إِلى مطلعِ العامِ المقبلِ عسى ولعلَّ أنَّ هذهِ الجائحةَ المقيتةَ تنقشعُ وتضمحلُّ وتعودُ الطمأنينةُ إِلى كوكبِ الأرضِ

7
فلافل " دبل "  الكرادة  " وذائقة  الأديب "  فاروق مصطفى "
- عدنان أبو أندلس –
..... على هامش انتخابات أدباء العراق بتأريخ 28-4-2019، كُنا قد جلسنا وتنادينا على طاولة مربعة  الشكل  في  باحة حديقة  نادي الاتحاد  " الأديب فاروق والروائي فهد والقاص موشي  وأنا  "  نتجاذب أطراف الأحاديث عن سير الانتخابات التي جرت صباح هذا اليوم ، وعن مناخ نيسان المُنعش  في بغداد ، وطفنا دواوين العرب بالقصائد التي يُسمعنا إياها  فاروق عن ظهر قلب ، حقيقة لهُ ملكة باذخة  وذاكرة طازجة .. طال الحديث والسِجال معاً لأكثر من ساعة ونصف ،  وبين الفينة والأخرى نرتشف الشاي والعصائر وبالكاد  نستنشق رائحة سيجارة " موشي " التي يدخنها خفيةً من تحت " الطاولة " خشيةً  من أن نطلب منهُ ذلك  ، ليس بخلاً لا والله ، بل بمحبة فائقة  يستلذ في تلويعنا بنكهتها صدقاً ، توعك " فاروق " وضع راحة يدهِ على ركبتهِ  ثم نهض متثاقلاً وسار وقُمنا نتبعهُ ، لم نسألهُ عن هذا الأمر ، وحال اجتيازنا بوابة الاتحاد ، وقف برهةً كي يستعد للمهمة التي راودتهُ لحظتها   ؛  ثم قال : أتدرون إلى أين سنمضي الآن ؟.. ، قلنا : نحنُ طوع ارادتك ، لك ما تريد أيها المشاء العجيب  الذي ساح في الطريق إلى " طيب جبار " ذات نهار ، اذاً تهيؤا فجهتنا " الكرادة " ومشينا نكمل الحديث عن مُحبراتنا التي ذخرناها لنسألهُ : فيجيب ، وهو في حالة انتشاء قِصوى لم يسبق لي أن تحسستها في ذاتهِ يوماً . 
عبرنا ساحة " الأندلس "  ثم الشارع المؤدي لجهة أخرى ، وبعدها في الركن المقابل لنا تراءى لنا مطعم الأندلس المتلألئ بإضاءة الشموع  والشرائط الضوئية الملونة  ، استوقفنا هُنيئة لنشرب شاي الطريق  كما في قصيدة " صلاح عبد الصبور " .. ومن عادة " موشي "  أن يُدخن بعد شربهِ الشاي ، في تلك الأثناء مدَ يده وأخرج عُلبة سجائره وفتحها فإذا بها فارغة ، اندهش لهذه الحالة بقولتهِ المعتادة التي يُسمعني في كل تضجراتهِ : إي يا الله ، أمان ياربي .. نعم أعرف ضجرهِ من نفور العروق برقبتهِ مع احمرار أُذنيهِ ، رماها على الأرض وسحقها بكل ضجر، قائلاً : سأذهب الى ذلك المحل المنزوي في العتمة ، وإن لم أجد باكيت " pine " عربي ؛ أُودعكم من الآن ، وسأرجع الى غرفتي  حالا في فندق " الشيراتون "  وامضوا أنتم في مهمتكم ، وربتما ألحق بكم ، صحتُ بهِ :  عُدْ يا موشي  هل كل اسواق  بغداد ليس بها سيجارتك المفضلة  يا اخي هي أصلاً " اكسبا ير- 2016 "!.. ، ردَ باسى : نعم يا عدنان ، لكنها لذيذة ، عثرتُ عليها  مصادفةً في البصرة ، وفي كركوك محل وحيد أبتاعُ منهُ  ، ثم مضى يُدردم  وغاب في شبه الظلام ،  لكننا بقينا ننتظرهُ ونترقبهُ عن بعد في تلك العُتمة  الخانقة والشاحبة من الأنفس رغم زحامات  العاصمة في هذا الوقت ، بعد قليلٍ صاح من هُناك : " وجدتها " كأنهُ العالم أرخميدس في اكتشاف قانون " الإزاحة " اقترب منا فرحاً وأكرمني بشم رائحتها  فقط ، كذلك مرَرها على أنف  فاروق وفهد ..سِرنا سويةً بعد حلَ المعضلة ونحن بحالة ضحكات مختنقة وصلنا ساحة " كهرمانة " ومنها الى واجهة  المسرح الوطني ، ثم اندلفنا في الشارع  الجانبي المفضي إلى " الكرادة " وقد شعرنا براحةً تامة وسط هذا العالم الضاج بالمتعة والانشراح والأضواء والروائح التي تجذبك رغماً ، حقيقة منطقة راقية وكأن لم يداهمها الخراب ، ونحن نسير تمر من أمامنا أجناساً شتى ، مررنا من أمام قهوة " رضا علوان " المكتظة بالرواد حتى  لم تعد تستوعب ذلك الزخم ، ولم نجد مكاناً فاضياً ، حتى الأرصفة  قد اصطفت عليها المقاعد ،  بل واصلنا السير قدماً نتمتع برائحة القهوة والعطور التي تنفذ الينا من المحلات والحوانيت ، وأثناء المسير شطحت قدمي برصيف من المرمر غير اني أمسكتُ " سترة فهد " الجديدة ، وتحول الأمر ودار الحديث حول أناقة " فهد " وحسن اختياره  والرونق الذي يليق بهِ ، ثم كان الشاعر "  خاجيك " يتوسطنا  بالأقوال  التي يرويها " فاروق "  عن سيرتهِ الغرائبية  وينقلها عنهُ كونهُ معاصراً لهُ في تلك الحقبة الزمنية الباهرة . وحين رأينا انفسنا وقد داهمنا الجوع والتعب وطال المسير حتى اقدام " الجسر المُعلق "  ، اتفقنا لتناول وجبة العشاء التي تأخرت ،  استرخى " فاروق " على أقرب كرسي بلاستيكي أحمر يعود لمحل " فلافل دبل الكرادة " الشهير ، ليستعيد أنفاسهِ ، فكان عليَ لزاماً أن  أقف في الطابور كي استلم بطاقة المأكول ، وحين وصلني الدور ناديتُ " فاروق " : هل تود أن اضع لك المقبلات فيها  ، ردَ : نعم ضع بها حتى تنتفخ ، وكانت ضحكتهِ رائعة ، ناولتها لهُ ، وسحبتُ كرسياً وجلستُ قبالتهِ نلوك ، ونمضغ ، ونتطعم بهذه الوجبة السريعة التي تُسمى " وجبة الفقراء "  في كل انحاء البلد ، حالها حال الشاي الذي يُسمى " خمرة الشعراء "الذي كُنا نرتشفة مع كل عضة لقمة .
 وعند اتمام ذلك سألني وهو يتلمظ  : هل تود بأخرى ، أجبتهُ  كلا لقد شبعتُ ، لأنها " دبل "  أما هو يا حسرة " الندامة "  لقد مسح يديهِ وفمهِ كأنهُ ترك الأمل بثانية ،  سكت كما يبدو على مضض ،غير أنهُ أخذ يراقب العجينة الشهية وهي تتفرقع في " الطاوة " التي على النار وسط الزيت . كان بوسعهِ أن يلتهم أُخرى كما أخبرني ونحنُ في الطريق ، ودائماً يذكرني بها بأني حرمتهُ من تلك الذائقة والطعم المُلذ ،  صدقاً كلما أتذكرها  ترن الحسرة بقلبي  .أما " فهد وموشي "  فقد عبروا إلى محل آخر للمشويات فتناولوها بكل شهية ، لكنهم أفادوا فيما بعد بأن الوجبة قديمة وهرمة وعصية على المضغ ، اطلاقاً  لم يستلذوا بها ، ثم توالت الأسئلة عن المأكول ، بعدها  عُدنا نحثُ الخطى وعبارتي  المسموعة التي أرددها " يا ساعة التوديع طولي " ، وحين شعورنا بالتعب والبعد ، أوقفنا سيارة الأجرة " كي توصلنا إلى حيثُ محل اقامتنا في فندق " الشيراتون " في ساعة متأخرة من تلك الليلة السعيدة  التي  يبدو لن تتكرر يوما ما في ظِل هذا الزمن المتغير الذي اجتاحنا  وبدد شملنا وبعثر آخر موعد  في ذاكرتنا   .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

8
((قصة قصيرة))
                               الصمت الكابي

صمت وهدوء ينداح من بين زوايا المكان.....هنا في عمق الشرق....قرية نائيه مغموره....ابعد من اللاشئ....وتبدأ رتابة الأشياء بالتسرب الى عمقه.....يشرب كأسا اخر من عصير الليمون الأصفر....لعل الحموضه تهدئ من روعه....يحاول الضحك...ولكن.!!!!....بأمتعاض(اهلا حبيبتي شجون)....انين وحنين وحب.....اطياف تذهب به بعيدا....في عمق الذاكره...يمعس شعورا خفيا بين الاضلاع....وثارت احلام اليقظه....اشكال مختلفه...والوان شتى...ملمس سحري يندلق نحو قلبه....يلهبه..كل شئ لازال يضج بالعذريه...يحاول ان يطفوا فوق السخريه من ترديات هذا العالم...ويزداد ذوبان الافكار مع ارتفاع السخونة في راسه...يشعر بالجوع كنز...اشبه بالخوف..والمرض واللامعنى....يبكي من ذالك الوهن...الذي خلفه الرعب في فؤاده.....الجهل مأساة...والذل كذالك....يغوص في عمق الشعور مرة اخرى....ويزداد شعوره رهافة وقوة...هناك في العمق والبعد...تمثل امامه عري الطبيعة الاول.....في فصل التساقط.....الا من اعشاب صغيرة دقيقه في....بعض المنخفضات...يشعر بالقيود ترص اضلاعه الى درجة الاختناق... ويزداد التوجع والسخط على تلك الوحشه التي تكتنفه في حالة اشبه بالانتحار....يمسح اشواك عينيه ليطفئهما...فيجد السيول قد عاودت الانسياب بغزاره ..نحو الوديان الغائرة العميقه....
قالت(سيكون الربيع بديعا هذا العام).....وترتدي الارض ثوبها الاخضر بعد انتهاء....رعشات سبات طويل.....ولكن..ثمة..قلق..يصعد من..اعمق السلالات...ليعلن خوفه...من نوازع نفسه...على صغاره....سيل من المراره يتكور في فمه.....ليس يأس بالضبط...ولكنه ترقب بثقه لينابيع الصدق في اسفل المحيطات...وظلال القارات تحنو على بعضها ... وعودة الاسماك الى انطلاقتها الحره...يشعر بموت الدب الابيض بردا في القطبين...وتزاحم الفضاء بالشهب القاصفه...ليشيع العالم دفء وسكون جديد....وتسقط الامطار عنوة...اشبه بالدموع والاحلام تراوغ الرماة....والصرخات وحدها تنطلق بالاتجاه الصحيح.....لتمزق جدار الصمت الكابي....

                                   عبد حمد/اسديره/2020

9
قرية ارفيع....من ربوع الطفولة.......!!!؟
********************************
في...بداية الخمسينيات..من القرن الماضي...كانت قريتنا قرية الخضرانية..تعتمد في العيش على تربية الاغنام والمواشي وكل انواع الحلال..بمافيه الدجاج والطيور الاخرى..اضافة الى مهنة الزراعة الديمية...والاروائية...وكانت هناك بيوتات منا تملك حلالا كثيرا من الاغنام..وتضطر الى الانتقال شتاءا الى مرباعين...هما..زناوير..والرفيع...في سنوات المطر المبارك وفي سنوات الجفاف والقحط..يتجهون شمالا الى مناطق الخط المطري..في جبل مقلوب صعودا الى اقصى الشمال...
اذكر في سنوات متفاوتة اننا..ربعنا اكثر من مرة في ..ارفيع..
كنت طفلا في الخامسة من عمري..والهو والعب مع ابناء عمي من اطفال العشيرة المتواجدين بشكل دائم هناك او من رافقنا منهم في رحلة المرباع هذه.كانت العوائل الساكنة هناك بشكل دائم ( السلطان الاحمد الصحن...الفرحان الاحمد الصحن... وال عطالله اسعيد الهدكين..والجدوع اسعيد الهدكين...وكذلك الحسين النجم الصحن...والمذود النجم الصحن...) وربما هناك اخرين لا نتذكرهم...كذلك ..حمد الخليف السلامة الذي كان يعمل عاملا في سكة حديد القطار..في محطة قطار الرفيع...
وكانت تسمى ( الكنك ) ويسكن في احد دورها الاسمنتية...
اما نحن العوائل القادمة الى المرباع مع حلالنا الكثير جدا في ذلك الوقت هم..( بيتنا نحن..والوهيب الخليف...وبيت الفتيح
...والمحمود العبدالله الحجاجي....) وربما اخربن..لا نتذكرهم..
كنا نحن الاطفال..نلهو..ونلعب..ونجني من خيرات البرية في تلك الارض الخصبة المعطاء...اذا انزل الله بركاته من المطر...
الكمأ...الفطر...الحيلوان...الفريون...الضبح...والكعوب...الخ من خيرات الله في ارضه المباركة..يومها كانت تلك البراري وتلك الهضاب والوديان..تتحول الى سجاد اخضر وحدائق حمراء من الورود..وزهور الربيع...سيما..شقائق النعمان...وانواع لا مثيل لها الا تلك التي تعرض في قنوات ( جكرافيك ) حول جمال الارض والطبيعة في العالم ...وكانت كل اغنام وحلال العوائل القادمة من المشتى ( الحاوي ) يرعاها المرحوم الذي كنا نحبه جميعا وخاصة الاطفال..هو ( غانم العيسى ) رحمه الله تعالى لجمال اخلاقه وطيبة نفسه وطبعه...وكرم ونبل كل مافيه من القيم وشمائل الاخلاق الفاضله وهو من الجرناف ايضا...من قرية ( العبدان )....كان يخصني بعطفه وحنانه وكل يوم..يجلب لي..اكداسا من شيخ الكمأ ..والفطر..ولباب الفريون والحيلوان...ويقوم بتنطيفها بيده ويشويها لي خاصة..ويقول للجميع : هذي حصة الغالي..سالم..محد ايمد ايده عليها..يقوم بشويها في موقد النار..ويعمل لي مائدة خاصة..يضع الطعام على ..زوادته..الصوفية لعدم وجود وعاء او ماعون شاغر يضع عليه وجبتي الشهيه...وكل يوم يقوم بهذا بلا كلل ولا ملل..لانه يعزب عندنا نحن من دون الاخرين..ويحبنا جميعا لانه صديق اخي الكبير المرحوم عبدالله الملالي ويتحدثون سوية في التعاليل اليوميه..بمحبة وانسجام تامين...وكانت بيوتنا نحن القادمون للمرباع من الشعر ..وهي جميلة وانيسه ولا انسى ايام السعادة الطفولية والابتهاج المفرط بها حيث نرى امتداد الافق حولنا على مد البصر...ونتمتع بموقد النار بلا حدود للاستمتاع..ونحن نشوي فيه كل غنائمنا من الطبيعة...
كما لا انسى كيف كنا ننزل دائما على دوابنا الى محطة القطار المسماة...الكنك..مع براميل الماء نملأها ونعود للطبخ والشرب
ولا ننسى يوما اخر...قمنا فيه انا وعبدالله الموسى العلي بخفة بالغة...بخطف ..قطة ( بزونة ) الحمد الخلف السلامة وعدنا بها الى امهاتنا اللواتي اوصيننا ان نجلب لهم قطه ان اتاحت لنا الفرص هذا..لان الفئران..تفتك بحبال بيوت الشعر...
فتبعنا حمد الخليف السلامة الى اهلنا ..وقال كان اخبرتونا واحنا جبناها لكم الى هنا بلا منة..وصار فاصل من الضحك بينه وبين الكبار...وتركها لنا ومضى عائدا الى اهله...
لن ننسى ايام ارفيع..وزناوير...وتلك الارض الطيبة...ابدا..ابدا..
سلاما..تلك السنين...سلاما.....
.

10
وصف دقيق لمنافي سعيدة ولكن بصورة عكسية اي مؤلمة بكل مراحلها التي عاشها بتخبط مابين الطيور المهاجرة والنجوم المتناثرة هنا وهناك والتي لم تغني عن ألمه ولوعته وندمه شيئا وكأنه يوصف حاله كحال ذلك الطائر المتهالك عشه والذي إذا عاد إليه سيجده كذلك.
ليس نحن من يقيم تلك القصص بكل معانيها فأنت أديب وقاص كبير ليس بوسعنا ايفاءك حقك بما تكتب ولكن المهم أن نستمتع بقراءة تلك القصص الجميلة ربي يحفظك خالي العزيز وانت تكتب كل ماهو جميل ونحن نقرأ ونستمتع.

11
من الماضي البعيد....خواطر...من رفوف...السنين....!!!
__________________________________________

يظل..يراودني..يدور حولي..ويجول في مخيلتي..كما تدور الذرات حول محورها...ذلك اليوم..من ايام الستينات..حين كنت طالبا..بالثانويه...عدت من الدوام..وترجلت من السيارة التي تقلنا يوميا الى الثانوية...كنت ضجرا ومستاءا...اشعر بالملل والحيرة..في يوم ربيعي ينذر بهبوب عاصفة مطرية صاخبة..اسرعت الخطى الى البيت..مستعجلا الوصول الى غرفتي..وسريري..لشدة مابي من الاعياء..والضيق..والنفور من كل شئ..القيت كتبي بانزعاج كبير..على مكتبتي..وتناثرت بلا انتظام...ورميت نفسي على السرير بلا تروي..وتمددت مختبئا تحت الغطاء..وكأنني اقاطع الدنيا برمتها..لم يخطر ببالي أكل ولا شرب..ولم اسال احد عن شئ..بعد ان اغلقت باب غرفتي بالقفل باحكام.....
تلذذت بشئ من الدفئ..وانا انام بكامل ملابسي..واكتشفت ذلك بعد الاسترخاء..وتكاسلت النهوض لتبديل ملابسي ..وتمنيت ان انام لساعات طويلة..كي ارتاح..ويمر وقت..اريده..ان يمر..وينقضي...كان السبب في تضجري ونفوري..انني قضيت يوما دراسيا..فاشلا بأمتياز..لم انتبه الى اي من المدرسين..ولأي مادة من فصول ذلك اليوم..ولم افهم حتى كلمة واحدة مماتحدث به المدرسين..كنت شاردا..اطارد رؤى تتراقص فوقي..وتدور حولي..وتملأ جرارات رحلتي..وتتغلغل بين صفحات دفاتري..!!!...كان جسدي جالس على كرسي الدراسة...وعقلي واشباحي تدور هناك..في القرية..في المكان الذي تعلقت به كل حياتي وكل كياني..وتكومت فيه كل عواطفي..ومشاعري..بل وتركت قلبي يئن فيه...هناك...فشغلني كل هذا الشغف الخيالي..والروحي عن متابعة اي فصل من فصول اليوم في الدروس..المخصصة هذا اليوم..تحت الغطاء وفي سرير النوم..استسلمت لاحلامي البضة والطرية الوردية..على انغام ذلك الانين الحزين..لصوت قصبة في السقف الخارجي للبيت..اسلمت لسانها للريح..وراحت تطلق لحنا حزينا طالما احببته..مثل لحن ناي بيد راع في تلال الربيع..يعزف لنفسه..وهو يرعى غنمه..بأنتظار المساء..ليعود الى اهله في نهاية يومه..اطربني جدا..وفاض بي شعور بالوجد والشجن..والحنين..الى شئ اريد..ان اراه..ان اكحل عيوني بلقياه..لم انم..كنت ساكنا كبقية اشياء..وانتظر بصبر دفين حلول المساء..المساء..ليس اكثر..ولماذا...لأذهب الى هناك كي اراها..!!..في تعليلة المساء الروتينية..مثل كل يوم..!!
حينها..ادركت..انني اعيش بواكير حب مبكر..زرع في قلبي ونفسي كل اشكال النوى..والحيرة..والأضطراب...ذالك الحب الذي كان نزوة طفولية فاشلة...اربكت اقدامي على الطريق..وكلفتني خسارة كبيرة..وحرمتني من الوصول الى كثير..من اهدافي ...على دروب...الحياة.....!!!...انها الرجولة..المبكره..والطفولة المتأخره..في صروف الاقدار...

12
(( لَجَّ ضُحىً ))
=========   
                                                                                   ايها الشعاعُ البعيدُ...
ايتها الصورةُ المنغمسةُ بروح الندى الغبشي..
كلما قسوتِ معه ، فهذا انّ عافيةً تصيبُهُ ابديةً
لكِ من تشقق جلدِ الارضِ مصارٌ
ومن جفاف النهر مصارٌ
ومن جفاف الهواء لمحٌ
ومن ذبول الورد عِبرةٌ
فلعلها مكاشفاتُ المحب
ليقترب منه محبوبُه
يُحييهِ ويُسقيهِ
يودُّهُ يمسحٌ عن عينيهِ افاضاتِ الدمعِ
يبكي الرضيع فما يريد....؟
ويطرقُ الطارقُ على مصراعِ الباب ومايريد.....؟
ويلحّ اللّاحُ وما في النّية بطرٌ.....؟
تغمصيهِ منكفئاً
تغمصيهِ ضاجّاً
كالعصفورِ كماالكِ الحزينِ..
يكرهُ طبعَ ابنِ آوى
وحركاتِ ابليسَ ورفاقِهِ واوليائه الرماديين
يعشقُ القمرَ لو اشرق                                                    وحتى قبل الشروق يحبُّ السِّفارَ فلعله المُبَشّرُ
يحب السنبلةَ المنحنيةَ بعودها الرفبع ..
كوني كما هو
وَدودٌ لموجِ البحيرةِ
وظلِّ الشجرِ
اليفٌ كالغزالِ ضُحىً
لو رأى الفراشاتِ اسراباً مارّة                                             ذكر الله سبحانه                                                          وًصلى على النبي وابتسم
او راى عجالةَ ذيب امتثلَ لِلَأيٍ وحثاثةٍ بديعَيْنِ
ماابدع ان يشهق صقرٌ ومامن شبحٍ يزاحمُهُ
الا ظلُّه المربوطُ لهُ صورةً واطرافاً
اين انت من هذا الاعتبار والعبارة
اين يامحبوبةَ وقتِهِ الجميل..
التلاهي خيطٌ من حُمّىً تلدغُ السعادةَ
الزعلُ ذنبةُ عقربٍ كلما طالَ وتخمّرَ
افتحي ذراعيك
وحلّقي كالنورس على شراعِهِ الابيضِ المهاجرِ
افتحي مصراعاً ثالثاً ليدخلَ مهرجانُه السلطانيُّ
كوني كما انت البدايةُ خضراءُ
نضرةً يانعةً كورد الباقلاء.               
كالقطن نظيف مكحل كالعينِ الدعيجةِ
لاتدّعي الصَّفارَ يسري في مفاصل جثمانكِ
يخطُّ خطوطَهُ على وجنات الوقت
ليعلن ان نهايات الخوخة اقتربت
باصفرها واحمرها وبشذاها تهافتت
خليك معلّقةً ِ بالغصن الرطيب
مع الحياة اكره ان يضعوك بالوعاء على صور مائدة ربانية حتى
لااحبُّ ذلك الميعاد..فلعل يدا تَمَدُّ...
لااحب النهايات انا وسطي.                                                احب القوة والعشق والعنفوان والوجود
واكره السقوط.                                                            حتى ولو سقوط طفل المطر..                                            فبه تنتهي صورة وتشربها
افواه هناك غيره...

13
تماديت كثيرا..وانت تجلد نفسك في مكان فارغ من الشواهد وحوافز الذهاب..الى البدائل..انت تخطيت مفهوم ( ليلى ) في فرضية ( بهار ) ولم تعر اهمية لنظرية التناظر الموازي في ازلية الحب والعشق في المجتمع الانساني...ان هذا التصوير المؤلم البكائي..لا يوحي انك تولج الى قصة حب..او كيف للانسان ان يحب..او كيف ننظر لفرضيات الحب عبر الزمن الماضي والقادم
لو ان بهار وقعت بسهمك وتكومت في شبكتك..لنفرت منها بعد تلك السنين التي وصفتها فيه..بعد ان اخطأها سهمك وذهبت بعيدا عنك
لكي تعيش ذكراها الى الابد..كما تذكرها الان...ان ليلى..وبهار..حوافز حب دائم لايموت ابدا..وتتحول لحظة الحب الاولى من خلالهما..الى حب للابد لاننا نعيش بزمن نستبدل ردائه كل يوم في انتظار..ليلى..وبهار...
ان رمزيتهما تكونت بمرور حقب من ازمنة الحب والعشق ليصبحا الحب المستحيل..المؤدي الى حب اخر غيره..على الدوام...ولذا نستمر دائما في تبديل رداء الزمن لنشعر بكل حيوية لنعيش الحياة ونظل دائما في انتظار الحب القادم من الازمنة المغادرة بثوب الزمن المعاش فيه..تلك هي فرضية ان يبقى الانسان حيويا..ويعيش السعادة بكل ابعادها...
نتمنى ان ترى روايتكم الجديدة النور..ونتمتع بقراءتها..وعذرا عن الاطالة استاذ ابا احمد..المبدع..

14
(أحن إلى أمي)

طبخة (التكمة)
ليس من عادتي نشر صور الاطمعة على صفحتي هذه ؛ ولكن احببت ان اعرفكم على احد الاطعمة المحببة الى نفسي والتي كانت تطبخها الوالدة (رحمها الله) وأحن الى ذلك الطعام من يدها،وهذه الطبخة تسمى(التكمة)اي التي تتم خياطتها.. وهي طبخة يشتهر بها التركمان وتتركب من الباذنجان المحشو بالتمن والقيمة والكرفس والبصل وبعض البهارات الخاصة وبعد الحشو يتم خياطة الباذنجان ووضعها في المرق  الذي تم إعداده من البصل وأجزاء الباذنجان ومعجون الطماطا والفلفل الأسود واحيانا قطع اللحم مع مرق اللحم المضاف إليه..
مهما نكبر في العمر سنظل نشعر بذلك الحنين إلى امهاتنا والى رائحة الخبز بل إلى كل ما قدمته لنا، كما يقول محمود درويش (احن إلى خبز امي
وقهوة امي
ولمسة امي..)
نعم أحن إليها ملء روحي ..كانت هي جنتي التي الوذ إليها في كل حين ومازالت جنتي التي استشعر وجودها من المحبة والطيبة والنقاء والتسامح والجود ..
أمي لم تعرف القراءة والكتابة لكنها كانت تعرف ان الله حق ..وان للزوج حقا ..وان الحياء تاج المرأة..وان الاهل عزوة ..وان الحب والعطاء هما الشيئان الوحيدان الباقيان..وان الأمومة مسؤولية وان البنت (حبيبة امها)هذه العبارة كانت ترددها دائما وعلى الرغم من ذلك لم تقصر في حق الابناء..هي ربت فأحسنت التربية..وأعطت فأغدقت العطاء..فكرت بمن حولها ولم تفكر بنفسها ..ووو..
كم كانت عظيمة (أمي)..هي ذلك الحب ملء قلبي (أمي)

رحمك الله (قرة العين)واسكنك انت ووالدي وأخي وأختي في عليين من الجنة

15
لحظة من الرعب....والفزع.......!!!؟؟؟
******************************
عام 1963 غضب النهر الخالد ( دجلة ) ..وطاف بنا يجرفنا الى امتداد سلسلة جبال مكحول في قرية الخضرانية...في وادي الجرناف الاخضر البهي الجميل...يحطم كل بيوتنا..وكل مرابعنا الطينية الجميلة في قريتنا الرائعة التي كانت تغفو على جرف شواطئه النقية الوديعة...اصبنا جميعا بالفزع الذي لم نشهده بكل عصورنا وايامنا...هرعت الناس بكل ارتباك الى جمع حاجياتها الثمينة..الحلال..الفرش والاغطية..ذخيرة طعام او اكل وشرب..الدجاج والطيور..في لحظة تبدو فيها ان احدا لم يعد قادرا ان يسيطر على اي شئ...وسيلة النقل هي الدواب والسير على الاقدام...لا غير..وهناك سيارتان فقط هي التي تتولى مساعدة القرية في انقاذ مايمكن انقاذه.هما سيارة المرحوم الشيخ حسين الحمادي..وبيك اب المرحوم خليفة الطة الوسمي ( ابو هوية ) وقد استبسلا  استبسالا لا حدود ولا مثيل له على الاطلاق...واتذكرهما جيدا..كيف كانا قد ربطا ( كوفياتهم ) على شكل عمائم..ويصولون ويجولون في سياراتهم لانقاذ العجائز وكبار السن وفقراء القرية وكأنهم جنود في معركة يذودون عن خنادق الخط الدفاعي الاخير في ارض المعركة المصيرية في مفاهيم الحرب والسوق الشامل...كانوا يبحثون عمن تقطعت به السبل في الخلاص من هول الكارثة وفيهم من يبكي وبدأ الفرار بجلده ناسيا كل شئ خلفه..فيتلقفونه هو وبعض مؤونته ويهبون به الى الجبل
تهدمت البيوت..وتهاوت اتعاب وجهود السنين..وغرق من غرق من المواشي وضاع ماضاع من الحبوب والمؤونة وفرش البيوت...واستقر الجميع على ( السور ) والجبل..وكنت انا وامي من انقذهم المرحوم الشيخ حسين الحمادي..حين رأنا انا ابكي على مكتبتي العامرة باشكال من الكتب..وامي لديها عدد من الدجاجات ( امهات الكرك ) وافراخها...لاتعرف طريقة لانقاذهم..ولا اعرف انا طريقة لحمل كتبي..جاء مسرعا وصرخ بنا : اركبوا ..اسرعوا..انهدم الابيض..والمياه ثلاثة امتار علوها اسرعي يا ام عبدالله...تعالي معك سالم اغلا من المال كله...
ركضنا وقفزنا في حوض سيارته الحديثه شفروليت 1963 الاخضر الانيق..وانطلق بنا الى الجبل كالصاروخ..وكنت ارى الماء الطائش لنهر دجلة قادم من جهة الابيض مثل عاصفة رمادية غاضبة...وبأرتفاع ثلاثة امتار تقريبا ومسرعا وله صوت مخيف مرعب..قدرت انه لو تاخرنا عشر دقائق لهلكنا حتما...استقر الجميع..على ظهر الجبل..في فوضى عارمة حتى اننا نرى احيانا بيض الدجاج يتدحرج على السفوح ولا ندري لمن يعود...كان الربيع مزدهرا..بكل رخاء..والارض مدثرة بكل جلال وجمال بكل انواع الورود...والكعوب الغض ينادي لمن يريد ان يأكل وكان ناضجا بعمر ( الخريط ) الغض الطري حتى اجراسه تؤكل بعد نزع اشواك اجراسها الغضة...كنت في الرابعة عشرة من عمري...تجولت في وادي ( المعارة ) المطل على وادي الجرناف العملاق بالجزيرة..وتذكرت حكاية امي عن ولادتي..هنا في هذا المكان..قالت: كنت احصد في حزيران وولدتك هنا وانا احصد..وعدت بك ملفوفا بزبونها ( صايتها )
الشريفة..وسط ذهول الاقارب...رحت اقطع كميات من كعوب الجبل اللذيذ...وجمعت منه اكواما بجانبي وتمددت بأتجاه الشمس ابحث عن شئ من الدفئ حيث كان نيسان وبعضا من برودة ذلك الزمن...رحت اتأمل الكارثة والحدث وافكر بجد عن مصير غرفتي وكتبي ومكتبتي واشيائي وانا اقشر سيقان الكعوب واقضمها هي واجراسها اللذيذة الممتعة وافكر مسترخيا بكل ماحولي وماحل بالناس جميعا بشئ من الطفولية والرجولة...وفجأة تدوي من فوقي مرعدة مسرعة طائرة ( هليوكبتر ) عسكرية من طائرات الانقاذ التي تحوم فوق وادي الجرناف الذي تحول الى بحر مترامي الاطراف..
اصبت بالهلع لانها كانت واطئة جدا كادت ان تلامس الارض ومرقت من فوقي..فاصبت بالفزع والخوف فانا لم ارى شكلها حتى في الصور قبل تلك اللحظة..وكان شكلها مخيفا للغاية عدا صوتها المرعد المرعب المخيف...ركضت بأتجاه الناس بكل سرعة ..مهلوعا مرعوبا...وفقدت التركيز..لا اعرف ماهذا الشئ الذي مر من فوقي واتلف نزهتي الهادئة الوديعة..وبعد قليل جلت بناظري الى وادي الجرناف الغارق بالمياه ولم تعد القرى موجودة ومسحت من الارض..ورأيت تلك الطائرة وهي تحوم فوق المياه بحثا عن ناجين مازالوا على قيد الحياة كي تنقذهم من الغرق والموت...وعادت الى نفسي الطمأنينة من جديد...سلاما تلك الايام...والسنين...سلاما.....

16
من أدباء وفناني ذلك الزمن  ....
(جزء من مسودات كتابي القادم)
يجتمعون لا يفترقون المرحوم الشاجي عبدالمجيد العبدالحميد العبدالعزيز العكاش (حيراوي) يسكن منطقة الجرف في الشرقاط (مواليد ١٩٢٧) وتوفي عام ١٩٨١ وصديقه المرحوم كندير الجاموس العكيدي يسكن الجرناف وعازف المطبك المرحوم (حسين الساير الجغيفي) يسكن الجميله (طقطق) وكذلك المرحوم اسعيد الهدكين (الخضرانية) وزميله المرحوم سليم العزام الشبالي ...
الشاجي:
اسمع شيكول الشاجي عبدالمجيد
بس انطوني لمحبوبي غيره ماريد
اسمع شيگول الشاجي مانوبه يزل
عالهالحچيه  من  العذيبي  ايتخزل
گولوا   هلا   بالدحدو   لمن   تجبل
مثل  نبع   السبندار  المفرع   جديد
ويأتي  اسعيد بالزعلان والذي يعزف له سليم العزام:
داير لهج  يعبودي  سمبرده  وگيل
والما نصخي بفراگه عليش ايشيل
داير لهج  يعبودي من اهل القلعة
فضة الدودح بس بالغوى متولعه
نافت   على كل   الخلايگ   لمعه
بعين سودا  يسليم  لو جرت ميل
ويقول سليم العزام : مخاطبا العازف المرحوم حسين الساير وعلى وزن الزعلان:
جيش  النواهي   خطمن   بين   البيوت
اعصرن گلبي عصره من عصرات الموت
اشهد   يحسين  الساير   خافني  اموت
ترى   سليم   طعين   وضاحه   الفرحان
وكل الهلا بالغالي الجانه ازعلان
(بزعت الى ان عثرت على صورة المرحوم الشاجي عبدالمجيد الى اليسار زودنا بها ولده فتاح في السكنية مشكورا) والى اليمين المرحوم اسعيد الهدكين وسط بين الدكتور داود ماهر يسار والمرحوم عبدالرزاق عزالدين يمين وهي من ارشيف د.داود ماهر  بعثها لي من الامارات)...
وسلامتكم

17
قصص قصيرة جدا...
*عتب.
صديقي الحلاق (المزين) ارسل لي رسالة عتب، يفتقد وجودي بين زبائنه، أجبته أن الشَعر قد إضمحل من رأسي...
*ذوق.
المتجر الصغير يعج بالزبائن، ولما تركت العمل فيه البائعة الجميلة أصبح (هشيما تذروه الرياح) ...
*فساد.
الموظف المحتال، سخر كل ألاعبيه الشيطانية ليصبح عضوا في لجنة المشتريات، ولما إصطدم بسياقات البيع والشراء  الإلكترونية لعن حظه العاثر...
فهد عنتر الدوخي.
9/8/2020

18

بيروت، لا أعرف كيف تكتب المراثي....

شاكر عاشور

لا أعرف
كيف تكتب المراثي
وعن من يا ترى نكتب
عن أحلامنا الضائعات  بين الدماء
عن الرموش المخضبات
عن عشقنا
اوجاعنا
الاماني الحالمات
وعن من نبكي
نبطي المحيط الجافي
لكل ما يجري لنا
ام خليج ينهش لحمنا 
ويمزق بالدولار أحلامنا
اه ....اه واجمع كل آهات الدنيا
لا تطيب آلامي
بيروت عذرا
بيروت الساكنة والصابرة على اوجاعنا
واوجاعها تحت الركام
حرام والله حرام
يقتل الفجر بالظلام
يدوس اشلاؤنااولاد الحرام
حتى اكفاننا مزقها اللئام
وأطفالنا ضاعت احلامهم في الزحام
في احلك االأيام

بيروت إلا يكفيك دما
بيروت
بيروت
سلاما

19

لافتة عزاء لبيروت


  حمد محمود الدوخي


للهوى في دمي
       مَدىً وبيوتُ
وطيورٌ
     إذا أنامُ تموتُ
وسؤالٌ
      لطالما نسجَتْهُ
في رؤى
      غار ِلثغتي
          عنكبـوتُ
كانَ للنهر ِ
      دربُهُ فوقَ كفِّي
كانَ يُلقي
        تحية ًويفوتُ
مرَّت الخيلُ ،
     والطيورُ توارتْ ،
والمدى فرَّ ،
      والأغاني سُكوتُ

كيفَ صارتْ
     مدينتي يا صديقي
ليلُها الموتُ ،
       والضحى تابوتُ
هي
   بغدادُ
       غفلتي
           ضيَّعتْها
كيف أنسى ووجهُها ملكوتُ؟!
آه بغداد ، علـَّميها
وقولي :
لا تكوني مثلي
                أيا بيروتُ

20
(لينظر ذلك طلبة اليوم والذين يسخرون وقتهم للعبة البوبجي دون الاهتمام بدروسهم)... في الخمسينيات الكل يجمعون أنهم يذهبون الى المدارس حفاة حتى  في الشتاء وهل تصدقون أن أحد طلبة الأبتدائية وصل الى درجة مرموقة في سلم الحياة العلمي والوظيفي وكان يصنع حذائه من قطعة من الصفيح (التنك) فيجعلها أسفل لحذائه ثم يخصفها من الأعلى بخيوط (كقيطان) ليتقي الطين والبرد والاشواك!!!!!.
اتيحت لي فرصة ان اوجه سؤالي الى ألدكتور علي عطيه عبدالله Ali Attya
 وهو خريج طب الموصل عام ١٩٧١ وابتعث الى بريطانيا- ويلز لدراسة تخصصه في الامراض الصدرية عام ١٩٨٠ وهو من طلبة  متوسطة الشرقاط في ستينيات القرن الماضي وهو من اهالي جنوب الموصل (المنگوبة)  لكي يحدثنا عن نمط الحياة انذاك وطبيعة الدراسة... قال كنا ندرس في متوسطة الشرقاط وكان مديرها الاستاذ عبدالقادر عزالدين ولم تكن فيها ثانوية والذي يريد اكمال الدراسة الثانوية عليه ان يذهب الى الموصل وكنا نقيم في بيوت طينية وكان سكننا بالقرب من دار (الگطمير) وننزل الى أهلنا (خميس وجمعة) لم يكن في الشرقاط لا كهرباء ولا اسالة فقد كنا ندرس على ضوء (الفانوس) ويتم جلب الماء للبيوت على الدواب وعندما ينفذ عندنا الماء كنا نذهب الى (گهوة محمد الخضير) لنشرب منها وكنا نجلب الطحين من الأهل ونسلمه للخبازة فتجهزنا بثلاثة (أرغفة) يوميا لكل شخص، وفي نهاية السنة الاولى سكنت في فندق المدينة الوحيد يسمى (فندق اجويد) وكان على الشارع العام وسط سوق المدينة وهو قريب من (دكان ابو اسجرة) والذي كان بمثابة مولا في ذلك الزمان، واذكر ذات يوم ممطر كنت وزميل لي نريد الذهاب الى الشرقاط من المنكوبة فتوقف لنا سائق اسعاف ولما وصلنا وادي قرية اجحلة قرب دور القاعدة الجوية حاليا وكان جريان الماء على اشده فخشينا ان نعبر بالاسعاف وعبرنا الماء سباحة ولحقناها ولما وصلنا المدرسة على هذه الحال شاهدنا الاستاذ عبدالقادر فأشفق على حالنا واخذني وزميلي الى الادارة وجلب لنا مدفأة (صوبة) تدفئنا عليها وشكرناه وانصرفنا الى الصف. وأتذكر انه في أحد السنوات كانت هناك مسابقة للطالب النظيف يقول ففزت بها وحصلت على قميص هدية من الادارة، من المدرسين في المتوسطة انذاك كل من الاساتذة المرحومين علي الحسين العكلة مدرس الفيزياء وماهر التكريتي واحمد عبود الجميلي ودحام مجول وولده رافع مدرس الرياضة (اصبح لاحقا معلم مدرسة الاجمسة ومذيع تلفزيون الموصل ومن ثم سفيرا خارج العراق) ومحمد علي محمد من بعاجه (ربما كان  منسبا لانه أصبح لاحقا مدير مدرسة الخضرانية الابتدائية) ومن زملائي ألطلبة انذاك ابو نهرين ابراهيم عبداللطيف (مدرس الاحياء لاحقا)  وكان يأخذنا لحضور (الدبچة) في بعاجه كما كنا نتسوق من محل المصطفى (ربما المحمد المصطفى البدراني) ومن زملائي أيضا حسون دخيل الجميلي والمرحوم چلاب ذياب وخليل خلف العشم وحسن الزيدان وسبهان حمد جادالله وسليمان محي سناح من جميلة الشرقاط وهو كثير المزاح ودائما ما يقول لي (اسكت والا أقتلك ويكون وديك (الودي او الدية) من جلود الجدايه اي الذبائح لأن والده رحمه الله كان يعزم على المرضى فيشفون لقاء ذبيحة (جدي)  لكل مريض!!!!، وفي السنة الثانية قبلت في القسم الداخلي لكوني من خارج المنطقة اضافة لكوني متفوقاً، وكان القسم باشراف مدرس اللغة الانكليزية الاستاذ غازي وهو من اهل الموصل. (ملاحظة: لو يدون لنا طلبة ذلك الزمن مذكراتهم كهذه لحصلنا على كم هائل منها ولاعطانا صورة كاملة عن ذلك الزمن الذي نتوق لنكتب عنه ومعذرة عن الاطالة)... وسلامة الجميع.

21


ثنائية التقارب وثلاثية العرض في أدبيات فاروق مصطفى لـ د. سلوى النجار ود. فؤاد قادر 
عدنان أبو أندلس

2020/07/28   ادب, نقد اضف تعليقاً 9 زيارة

تصدير اللمحة الخاطفة :
إن كان لك شأنٌ في معرفة المدينة الضوئية ، لذا عليك أما أن ترافق الأديب فاروق يوماً في جولتهِ الميدانية ، كملمح إستبصاري خاطف ، أو أن تتصفح بعضاً من إصداراتهِ المكانية التي عرضها في سوح الفكر ، أو أن تدخل بستان رؤاه الوارفة ، فما عليك إلا أن تتقن لغة موسيقى الأغصان المتدلية وأنت تسترخي في ظهيرة قائظة تحت شجرة الدفلى تتذوق من أطياب ثمرهِ براحة تامة ، فلن تدري بنفسك إلا أن ترتطم بالجدار نهاية المشهد اللذيذ ، أو تنهي خاتمة الكتاب عن طيب خاطر ، وددتُ أن إستذكرهُ بهذه التوضيح في لحظة كان يتأمل المدينة بإختلاء حميمي .
فاروق مصطفى : صورة عرضية للمدينة ولذائذ مباهجها.
ما يلفت النظر ويسترعي إنتباه القُراء وإهتماماتهم في عتبات الأديب فاروق مصطفى النصية ، تلك العناوين التي شكلت حضوراً فاعلاً في أدبياتهِ واصداراتهِ التي تربو على الثلاثين ، والتي قلما تخلو كركوك من ذلك التوظيف المكرس لها ، فـ كركوك المدينة التي سحرتهُ فراح يسرد من مضامينها ويفهرس حاراتها وشوارعها وازقتها ، وحتى اشجارها التي يرى العصافير كيف تتسافد على اغصانها ، أحصى نبضات الشارع حين يسير بخطواتهِ عليها ، هذا الغلو هو نتاج محبة وعشق لها ، فتراهُ قد ابهجنا بإصدارهِ الأخير ” كركوك التي أُحب ” خاتمة توظيفهِ عدا ما كتبوا عنهُ بنفس الرؤى من قبل د. سلوى النجار تحت عنوان ” فاروق مصطفى وطريق الدُفلى إلى كركوك … فاروق مصطفى : نديم الزمان والمكان في كركوك ” ود. فؤاد قادر أصدر كتاباً عنهُ بهذا الخصوص ” فاروق مصطفى : مُنقب ومؤرشف ذاكرة كركوك ” هذا العشق لها جعلهُ أن يضمها بين ثنايا روحه وسويداء قلبهِ كي يرتاح … هذا العاشق المتيم بحبها يؤنسنها كأنها معشوقة يواعدها جهراً ، ويحاكيها علناً ويتغزل بها أمام أنظارنا ومسامعنا ، حتى فسح أمامنا المجال كي ننصت لهُ وهو يتهامس معها ن تلك هي ذاكرتهِ التواقة للترديد بإسمها ، ومن يود أن يطلع على محاوراتهِ ومحادثاتهِ فليطلع على مؤلفاتهِ عنها ن كي يعرف من هي ” كركوك … زمن هو فاروق ؟!.. فاروق لايساوم بل يقاوم من يتقرب منها ، هي وحدهُ لاغير ، لايرتضي لعاشق أن يشاركهُ بحبها ..أحب كل الأمكنة فيها والمشاهد لها والرؤى عنها زمان ومكان ، نوراً وظلاماً ..رائحة وعبق ، يعشقها في كل الأوقات وبحلتها التي ترتدي طبقاً لمتطلبات الفصول . حتى أصابتهُ الحسرة على افول بعض أمكنتها ..ساح وجال في ربوع الدنيا بدءاً من بغداد ودمشق وعمان والقاهرة وقسنطينة التي مكث بها طيلة ستة سنوات منتدب كتدريسي للغة العربية ، وجال في مدن المغرب العربي وإسبانيا وشطراً من أوربا ، ثم محطتهِ الأخيرة إسطنبول ، ثم عاد قافلاً إليها روحاً تواقة للمشاهدة بشوقٍ لا يُصدق . كركوك في رؤاهُ فتاة حسناء شموس لا تعطي نفسها بيسر تمتهن الغنج والدلال التي يمتهن فاروق مداراة ذلك كي يجاريها ، فكان هو المرشح الأول بحبها . هذا هو فاروق الذي يُعد من جماعة كركوك الأدبية ، وآخر من تبقى منهم على قيد المشهد الشعري وقد جاء تسلسلة 12 في قائمة تلك الجماعة بالاعتماد على عدة مصادر تقدر بـ 23 مصدراً يُذكر بأنهُ منهم ، وقد وثقتها وارشفتها بدراسة مستفيضة بهذا الصدد تحمل عنوان ” فاروق مصطفى ..وجماعة كركوك الأدبية ، مالهُ وما عليهم ؟..أما آن الأوان لهُ أن يحمل التسلسل 12 في قائمة تلك الجماعة ” وقد نشرتهُ في صحيفة الدستور في الشهر الخامس من العام الفارط … ثمُ نُشر في عدة مواقع إلكترونية في شبكة الإنترنت.. وقد ذكرتهُ د. سلوى النجار بكتابها الأخير ” فاروق مصطفى : نديم الزمان والمكان في كركوك ” ثم المصدر الأخير الذي يعزز ذلك وهي إحتفالية جريدة المدى والذي إحتفى بجماعة كركوك وقد ذثكر إسم فاروق في آخر القائمة ، كما راهنتُ عليهِ قبل عدة سنوات .
د. سلوى النجار الإستقراء في الكشف الرؤيوي .
إن المتتبع لرؤى فاروق يدرك تماماً بأنهُ مكاني التوظيف بإمتياز ، صوفي الحدث والحديث والوصف والسيرة في أكثر مقالاتهِ الواقعية سرداً وحدثاً جارٍ على السنة العوام بالحادثة التي تُروى ، وهثنا نذكر إستنباط الناقدة من هذا الكم الهائل من التوظيف بإصداراتهِ، والتي أعدت وقدمت وشاركت رؤى ورؤيا إستطاعت أن تغور أعماقهِ وتسبر اغوارهِ في خزين الأديب فاروق ، فكان استقراؤها ذاكراتياً عن سيرتهِ وسردياته ومقالاتهِ ، لذا تناولت المقالة بوصفها ركيزة اساسية إستند عليها الكاتب ليعبر عما يجول يرؤاهُ عن مدينتهِ الأم الرؤوم ، لذا ركزت على مؤلفاتهِ ووقع إختيارها كما أسلفنا على المقالة لتستنبط ما يليق بتوظيفها الذي نحنُ بصدد البحث عن ساحتها في ذاكرة الروح الفاروقية من حيث النشأة ، تعريف المقالة ، المقالة لغة وإصطلاحاً ، المقالة الوصفية ، مقالة السيرة ، وتطرقت إلى عناصرها من حيث – المادة ، الإسلوب – الخطة، والتي توافرت في مقالات الاديب ، لهذا اضاءت وافاضت صدقاً بتعبيرها السلس الأنيق الذي يستفيد منهُ المتلقي . حقيقة إستنبطت الباحثة عما يجول بخاطر الأديب منذُ نشأتهِ كـ شاعر ثم عروجهِ للمقالة وبعدها النقد .. فـ للباحثة باع طويل وحس رؤيوي نقدي مُبهر في التحليل والتأويل ، متمكنة من أدواتها الإشتغالية في مشغلها السردي ، لها التقصي والإستقراء كـ سياحة ونزهه في المتن السردي ، تتقصى النَص وتنتقي حمولاتهِ الدلالية منذُ نموهُ حتى ينضج في البحث والتسطير والكشف الدلالي ، لاسيما كونها إختصاصية في مجال عملها الأكاديمي ممتهنة حرفة النقد الحديث ، مع العرض من أنها مواكبة لحالات التغيير المنهجية في المدارس والمناهج الحديثة ، مما أضحت مواكبة للمشهد الأدبي والمعرفي في المدينة ، لهذا كان إستنتاجها زاخر في التأصيل والتقارب بين الثنائية مع د. فؤاد ، وثلاثية مشتركة ايضاً في ادبيات فاروق عبر كتابها ” فاروق مصطفى وطريق الدفلى إلى كركوك ” والتي سردت من مدونات كتاب ونقاد ، جمعتها كي تغوص في ثناياها كتعريفية فاعلة في الإستذكار المعنوي ، فكانت السباقة بذكر هذه التحفة النادرة من إشتغالاتها من حيث اللغة والإصطلاح والمعرفة ومن مكملات التقديم ..فكانت الخاتمة خير ما إختارت من تعابير لخصت ما راود فكر الأديب .. كذلك تقديمها كتاب ” فاروق مصطفى : نديم الزمان والمكان في كركوك ” والتي كان لها في جمع قراءات وشهادات لكثير من المؤلفين خير دليل على المتابعة الفاعلة في المشهد الأدبي المعاصر …هو شبيه بالكتاب السابق من حيث ” الدراسة والتقديم ” لذا تكون الباحثة سلوى سباقة متميزة في العرض الوثائقي والأرشيف .
الراحل د. فؤاد قادر من التنقيب إلى الكشف والإستبصار :
من يريد الإطلاع على مدونات فاروق الأدبية ، لابد لهُ؛ بدءاً – أن يحفر في تلك التربة الندية التي أحبها في نصوص ممتلكاتهِ الثمينة ، لهذا إستحضر د. فؤاد كل ادواتهِ وأزميل فكرهِ كي ينقب ويغور بعيدا في الأعماق ، كيف لا ؟!. وهو الصديق المعاصر لهُ لفترة ذهبية ما ، جال معهُ سياحةً في المشي بدروب المدينة ، والجلوس في المقاهي التي تضفي للفكر شحن طاقة إضافية من المعرفة في جوها الصاخب المُلذ، لهذا سنحت لهُ الفرصة في التعرف عن رؤى فاروق ومؤثرات إبداعهِ بعين ثاقبة ، فكان كتابه ” فاروق مصطفى … مُنقب ومؤرشف ذاكرة كركوك ” هذا الكتاب الصادر 2015 عن مكتب ديزاين للطباعة ، ط1، كركوك 2015 الذي دون فيهِ شهادات ودراسات وأقول ، إضافة إلى إستنتاجات من عندياتهِ والتي شكلت مصدراً في التوثيق والمراجعة .. علماً بأن الباحث إختصاصي في علوم التخطيط الحضري ، وقد تراهُ مسح المدينة ولًم حواشيها عن دراية ممنهجة وهندسية في الترتيب ، لهذا تراهُ قدْ مهد الطرق التي تؤدي إلى قلب المدينة مع فاروق ، حيث شملت دراساتهِ بُعداً مميزاً في إستنطاق النَص ومنها : في تنقيب

22
قطار ( التسلومه ) ...كرنفال كل شهر.....!!!؟
***********************************
في بداية الخمسينيات من القرن الماضي...كنا اطفالا صغارا لا نعي شيئا من الحياة..غير اللعب..والاكل والشرب والنوم وربما احيانا..معاونة الاهل..في رعي الاغنام والمواشي...وكنا نحن ابناء قرية الخضرانية الطينية الجميلة ..الغافية على شاطئ دجلة العظيم..نجوب حاوي الجرناف..ونختلط احيانا مع ابناء بقية القرى..عند محطة قطار الجرناف..التي كانت هي المعلم الحضاري العصري الوحيد...بكل قطاراتها..ومنشآتها الحيوية المهمة..ثم تلتها عدة سنوات..حتى كبرنا وسجلنا في مدرسة محطة قطار الجرناف..من كل ابناء القرى حيث تأسست اول مدرسة هناك...عدا مدرسة الاجمسة اقصى شمال الحاوي وهي بعيدة عن كل القرى..عدا ..العبدان..والشبالي.وكنا نجتمع في غالب الاحيان في هذه المحطة..نمارس مختلف الالعاب السائدة انذاك..والتي غالبا ماتنتهي بالعراك بين ابناء القرى في نقابية مناطقية في عقول الاطفال انذاك...وكان اجمل وامتع كل ايام التواجد في المحطة...هو يوم ( التسلومة ) وهو يوم استلام رواتب عمال السكك الحديد في كل العراق...وكنا ننظر الى العمال وهم يتجمعون بأنتظار وصول قطار ..التسلومه...
الذي يحمل رواتبهم وهو محروس بعدد من افراد الشرطة المدججين بالسلاح والمتوترين بوقوفهم ومراقبتهم للجميع اثناء تنزيل اكياس النقود..وبداية العد والتوزيع والنداء على اسماء العمال فردا فردا..ونحن مذهولين من شدات النقود وكل فئاتها الورقية والمعدنية ونتحسر على فئات النقود المعدنية اكثر من الورقية لاننا لا امل لنا في امتلاكها وان كل تعاملاتنا بالفلسانات الحمر..والعانه..والقران والعشرة فلوس..
اما ابو الفلسين..فهي فئة لها فخامة كبرى ومن يملك منها هو ذو حظ عظيم...كنت انا كالمعتاد ابحث عن اهلي واقاربي الذين يستلمون الراتب لكي يعطوني مايجودون به مثل كل شهر...وهم المرحوم ..اخي ( حميد الملالي ) وابن عمي المرحوم ( خلف المحمد الحمادي ) ...وكان ما يعطيه لي كل واحد منهم يتراوح بين 150 ..الى..200 فلسا...فافرح بها فرحا عظيما...واظل اقتصد بها مترفا ومرفها عن غيري حتى يأتي الراتب الاخر...وهكذا...وكان قطار التسلومه فيه شئ من التميز والغرابة عن باقي القطارات..ابتداءا من حراسته التي كنا نراها مشددة جدا بأثنين من الشرطة المدججين بالسلاح الى شكل القطار وقلة عرباته واختلاف نوعها..وكذلك وجود عربة بالخلف غريبة الشكل..هي عبارة عن حانوت فيه اشياء وحاجات تشتري منها الناس..ولكننا لم نكن نعرفها..وتبين انها بعض العصائر..والمشروبات الكحولية والغازية والتي عرفناها لاحقا بعد ان اصبحنا شبابا..اضافة الى انواع السيكائر وكل انواع الحلويات التي لا نفكر بها نحن ابدا لارتفاع سعرها...
كان راتب ..التسلومة..هو مصدر للرفاهية والترف والنعيم لعوائل عمال السكك الذين يعيشون ببذخ وترف كما كنا نحن نراهم بهذه النعمة العظيمة..ولا ننسى ان معظمهم كان مدين الى المرحوم الحاج ( اعشوي عبد الوهاب ) صاحب اكبر دكان في الجرناف ويكاد يكون الوحيد..وهو اقرب الى مستوى الاسواق منه الى الدكان..فيقوم العمال بالتسوق منه بكل ما يحتاجون انذاك..الطحين البومباي..السكر..الدهن..الجاي..وكل انواع الاقمشه..والمستلزمات البيتيه...الى ان يأتي الراتب...
وجدير بالذكر كان يذهب الى محطة القطار..ويجلس جانبا وبيده سجل دكانه لديون العمال..فيستحصل امواله منهم في المحطة عند وصول قطار التسلومه..واستلام رواتبهم...
كنا نحسد اولادهم الذين ينعمون بحياة من الرفاهية والترف بمعايير ومقاييس ذلك الزمن...لانهم اصحاب راتب...وكان ذلك الراتب لا يتجاوز 20 دينارا ولكنه كبير في ذلك الوقت..ومع مرور الزمن وتطور الحياة وكثرة الوظائف..والعسكريين اصبح راتب عمال السكك ضئيلا..ولم يعد يسد حاجاتهم الاساسيه لولا مساعدة اولادهم الذين كبروا وتوظفوا..او عملوا بالزراعة لاسناد مداخيل عوائلهم وتوفير حياة افضل لهم...
سلاما..سلاما...ذلك الزمن الجميل...سلاما الف سلام.......

23
((عندما كنت صحفيا) )
#############
حسن مطلك
كاتب عراقي

حوار مع حسن مطلك / أجراه: عيدان الصحن

القاص الشاب حسن مطلك

الكثـرة لا تـعني شـيئاً فـي الإبـداع

حاوره: عيدان محمود الصحن

حسن مطلك قاص حاز على الجائزة الأولى للمسابقة الخامسة لقصة الحرب بقصته (عرانيس). له عدة قصص منشورة في مجلات: الطليعة الأدبية، أسفار، ألف باء. وصحف: الجمهورية، الثورة. لم يصدر له حتى الآن أي مؤلف سوى روايته ( دابادا ) التي لا تزال تحت الطبع... وغيابه طال عن الحضور الثقافي، فسألته:

* ما سبب غيابك عن الحضور الثقافي؟.
** إن الغياب بالنسبة لي هو شكل من أشكال الحضور، والحضور بالنسبة لي هو أن أكتب وأستغرق في الكتابة. وتجربتي ذات أمواج تضعني دائماً في فورة المحاسبة.. أنا مزدحم وأخاف وأحذر النشر؛ مخافة أن أندم فالكثرة لا تعني شيئاً في الإبداع.

· إلى أي نوع تميل في الكتابة، القصة الطويلة أم القصيرة، ولماذا؟.
** أكتب الرواية ليس لأنها سرقت من الفلسفة والشعر قوتيهما ولا لأنها فن العصر، كما يقال، بل لأنها صعبة، وعرة، ولأنني أستمتع كثيراً بهذا الخطر.

* وهل تفضل الكتابة عن قصص واقعية أم خيالية؟.
** ليس ثمة فارزة بين الواقعي والخيالي في الأدب، أحدهما يكون ذراعاً والآخر رأساً واللغة روح لهذا الجسد الهجين.

* كيف تتعامل مع اللغة في كتاباتك؟.
** أذكر قولاً لأحد كتاب الرواية الحديثة، يقول:" لم أحاول في يوم ما أن أجبر اللغة على قول ما لا تريد أن تقوله". واللغة هي أنا، فأحاول أن لا أكذب قدر الإمكان، إنها ليست مجرد أداة للتوصيل.. فهي تشمل الصوت أحياناً. المهم أن نجرب كيف نخطيء في اللغة بعد أن نتقن الإعراب.

* كـيف تصطاد الكلمات المعبرة في لحظة الكتابة، وهل يمكنك ذلك في كـل الأوقـات؟.
** نعم يمكن.. ليس للكتابة وقت محدد، ولكن لحظة الدهشة هي ذروة الإبداع.. دهشة الاكتشاف التي تضيع الكثير من التفاصيل، غير أنها تعطي بالمقابل لغـة مـضيئة.

· ما تاثير الجو الرومانسي والحياة الفطرية في الريف على كتاباتك؟.
** بفضل الريف تعرفت على مناطق واسعة، لأن العلاقات أوسع. هناك الطبيعة والفطرة والفضول وأشياء كثيرة لا تعرفها المدينة. الريف هو ينبوع الخيال.. إنه يعطي فرصة لي لا لكي أتخـيل فـحسب بل لأتـابع هذا الخـيال حـتى يـتجـسـد.

· بمن تأثرت من الكتاب؟.
** تأثرت بجميع الكتاب بما فيهم (المنفلوطي) ولم أقلد أحداً. أنا معلم نفـسي، فلا أستطيع أن أكون فولكنر ولا ماركيز.. ربما استطعت أن أكون أنـا نفـسي.

* ما هي انطباعاتك عن القصة العراقية وكتابها؟.
** القصة العراقية في أتم العافية ولكن الجدية تنقصنا جميعاً. إذا أردنا معرفة مستقبل القصة علينا أن ننظر إلى تجارب الآخرين من الشباب. أما الرواية في العراق فلم تخرج من حجرة التقليد.. ولكنني متفائل كثيراً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشرت هذه المقابلة في جريدة (الطلبة والشباب)

24
في كل مرة ينشر فيها القاص فهد عنتر الدوخي قصصاً قصيرة جداً يفاجئنا بتطوير مثير على هذا الفن الممتع القصير: حيث يتمكن فيه الكاتب من إيصال أكبر و أغنى الأفكار بأقل عدد من الكلمات التي تسمو بالابتكار.
و قد أعجبتني ثلاثية القصص القصيرة جداً المنشورة على متصفح القاص الدوخي بتاريخ 18/7/2020. و أول هذه القصص هو نص : " سفاهة " المحمل بالمعاني و الدلالات و حتى الإيحاءات و الإشارات التي يحتاج سبرها و تفسيرها إلى العديد من الدراسات. ويشي النص بالكثير من الجماليات و كما يأتي:
1-   البناء الفني: البناء الفني للنص مذهل و يقوم على كمال في كل مجال: فالعنوان تم انتقاءه بنجاح عميق يجعله يعبر عن النص بشكلٍ دقيق. و كذلك الكلمات المحملة بالمعاني المعبرات, علاوة على الشخوص, و الحدث, والمكان, والأوقات. بالإضافة إلى المكتنز من الإشارات التي تشير إلى الاستنتاج و الاستنباطات. و يلاحظ الدارس للنص جمالية السرد و عمق القص. إضافة إلى البنية الفنية التي يرتكز عليها النص, و التي  تقوم على فاعلية الاستبدال (substitution), ويؤثر هذا العامل البنائي على مجمل النص الحكائي و في جميع جوانبه كما سوف نرى.
2-   زمكانية الحدث: الزمان يشتمل على ساعات معدودات للدوام العادي في دائرة معينة والحدث هو عبارة عن قفشات محددة و تداعي لحوارات ضمنية بين شخصين؛ أحدهما مهذار,والآخر صامت ينجز أعمالة بنجاح و تحمل  وإيثار. وهناك وحدة مذهلة للزمان و المكان  والحدث تحتاج وحدها إلى دراسة خارج حدود هذه الدراسة القصيرة المختصرة.
3-   التكثيف: لا أبالغ إذا قلت أن التكثيف السردي في هذا النص القصصي فريد من نوعه, وهو إبداع لا يستطيعه إلا كبار الروائيين و عظماء كتاب السرد المبدعين. فكرة القصة أل (Plot) هي حبكة يمكن أن تكون مختصر لسرد روائي طويل بعد إضافة الحوار والوصف و الإطناب و التفصيل. لكنني أجد في هذه الأقصوصة القصيرة أمضى كثيراً في مراميهما و دروسها و معانيها من رواية طويلة يستعصي على القارئ استدراك أحداثها و شخوصها و معانيها.
4-   الشخوص: شخصيتان محوريتان تتبادلان الحوار في غرفة دوامهما في الدائرة. و قد اعتادتا على بعضهما البعض. الشخصية الأولى: تدعي المدنية, و هي شخصية مهذارة كثيرة الكلام الممل, قليلة الأداء و العمل, سمجة المزاح, قليلة الفعل و غير قادرة على الإنجاز. حتى أصبحت صفة (السفيه) تنطبق بالفعل على هذه الشخصية. أما الشخصية الأخرى فهي شخصية الرجل القادم من بيئة شعبية و الذي يترفع عن الرد على مزاح زميلة ثقيل الدم, السفيه و يمضي عوضاً عن ذلك في تجاهل المزاح الثقيل بعيدا عن الرد أو العتاب أو التأويل و يستمر في عمله وانجازه دون تدجيل. و لكي يعطي القاص هذه الصفات للشخصيتين فقد أشار إلى حدث شد ربطة العنق التي يجيدها الشخص القادم من بيئة شعبية في حين لا يستطيعها المدعي القادم من بيئة مدنية! إن هذا الفعل القائم على انجاز شد ربطة العنق يتعاظم في النص ليبين بأن هناك نوع من الاستبدال الحاصل في البنية؛ بين من يدعي المدنية و لا يملك أي من صفاتها كالعمل المنتج, أو الكلام المتحضر و الخطاب الراقي, أو احترام خصوصية كل إنسان. و بين القادم من بيئة شعبية لكنه يمتلك كل الصفات الحضارية. و بذلك يحصل (الاستبدال) بين موقفين وشخصين و حدثين. فيحصل ابن البيئة الشعبية على سمات ابن البيئة المدنية وبالعكس. و هكذا يعبر القاص عن احد أهم أفكار هذه القصة المكتنزة (الإنسان ليس ببيئته, بل بعمله وعطاءه واحترامه للآخرين... وليس بإدعائه المدنية و هو أكبر المتخلفين).
5-   المعنى: للقصة طبقات من المعنى يمكن أن يستنبطها كل قارئ حسب سعة اطلاعه ومهارته و ثقافته. فالقارئ العادي يرى فيها مجرد لقطة للحوار و الفعل بين شخصيتين: أحدهما سمجة مملة ثقيلة الدم, و الأخرى صامتة تتقبل بكل رحابة صدر سفاهة الشخصية الأخرى و قد اعتادتها و أيقنت بعدم أهميتها, و لا حتى التأثر بها. والقارئ المبدع يجد فيها نصاً يتمنى أن يجاريه, أو أن يكتب نصا جديدا يشبهه أو يدانيه أو حتى يتفوق عليه. أما الناقد العادي فيمكن أن يدغدغ جوانب النص و يحاول محاكاة معانيه. في حين أن الناقد المختص ممكن أن يدرس النص بعمق و يفكك كل شيءٍ فيه.
6-   الرموز: يمكن اعتبار ربطة العنق رمزاً في النص كونها تشير إلى معاني أخرى تتعدى معناها القاموسي... كما يمكن للقارئ اعتبارها رمز معكوس إذا تم ربطها بالشخوص. فهي تشير إلى المدنية التي لا يعرف التعامل معها ابن البيئة المدنية في حين يجيدها كل الإجادة ابن البيئة الشعبية. و بالرغم من وجود اشتراطات فنية لنشوء الرمز الأدبي, لكن كثافة النص تمكن من اعتبار الربطة رمزاً للمدنية. وهكذا يقرن النص بين من يجيد التعامل مع الربطة باعتباره متمدنا على عكس من لا يجيد التعامل معها و لا حتى يعرف كيف يشدها.
7-   أفكار النص ...: الأفكار في النص تتعدى الكلمات ال28 التي كتب بها. النص يشتمل عل مدلولات أشارية كبيرة قد تشمل مجتمعاً برمته, و تدعو إلى قيم أخلاقية, و مواقف إنسانية, و منطلقات ثقافية, تقود إلى تحسين المجتمع و الارتقاء بواقع العلاقات الاجتماعية فيه, و العمل الجاد و المثابر على خدمته و تطويره بعيدا عن مجرد التمنطق بالكلمات  العشوائية و الاهتمام بالمظاهر الزائفة.
8-   قصة مكتنزة و معبرة لا يجيدها إلا مبدع كبير يُحَمل الكلمات بأقصى ما تستطيعهُ من جمالية التوضيح و الإشارة والتعبير
قصص قصيرة جدا...
*سفاهة.
مزاح ثقيل يلقيه بوجه زميله الموظف القادم من بيئة شعبية، والذي ينعته بالسذاجة، ولما ازفت الساعة، طلب منه شد ربطة العنق التي لم يتعلمها في مدنيته ...
*نكران.
تداعت سنين العمر وهي تتصفح تقاويم الزمن، تنتظر ساعة سداد الدين لها، ولما أنكر عليها كل تعهداته مسحت اسمه من ذاكرتها، وعادت كسنديانة...
*أمل.
منذ فجر ولوجي الأول للوعي، وانا أحشي ذاكرتي بأمل لقاء آمن يتيح لي ان أقرأ ملامح وجهها العذب ، ولكن... بعد أن إضمحلت الإشراقة فيه.
فهد عنتر الدوخي
18/7/2020


25
إلى الغائبة الحاضرة أم فادي. بمناسبة مرور عامين على انتقالها على رجاء قيامة الموتى والحياة اﻷبدية.

أﻻ ليت اﻷماني في قرابي
لتغمرني المسرة في عذابي
يمر على مدارجها شبابي
سعيدا حالما في كل غاب
تغازلني الحروف بﻻ لسان
كوسم العامري على اﻹهاب
تجلت في رياض العقل ذكرى
يفوح عبيرها عطرا ببابي
سمت أخﻻقها بصراط روح
سمو الخير في يوم الحساب
فلونت المباني بالمعاني
كما لو أنها سور الكتاب
تحدث عنك يا وجع اﻷماني
بشعر فاض من وجع اللباب
لبابي قد سقاه الموت صرفا
 كؤوس الهجر من دن العذاب
وأطلق سيفه حرا بقلبي
كأن القلب ميدان الحراب
ونوم زهرتي في حضن رمس
كنوم الزهر في حضن الروابي
يعود الزهر بعد عميق نوم
بثغر الصبح يضحك للهضاب
وتبقى زهرتي طيفا بعيدا
يفوح شذاها في وادي الغياب
فما أنا عن هواك اليوم ﻻه
ولن أنساك يا خير الصحاب
نقشت هواك في ألواح قلبي
ورصعت الحنين على اﻹهاب
وعين القلب ترحل كل يوم إلى ملقاك في يوم اﻹياب

26
ألم يومي متواصل في سلسلة من ذهب لـ غزاي درع الطائي ..
تأطير الأوجاع حقائق تصرخ بصراحة.
عدنان أبو أندلس
        تحفّزنا الأحداث الدامية والمتصلة بيومِنا هذا ، دفقةٌ بأثرِ دفقةٍ من الوجعِ اليومي المتواصلِ ، كي نقاوم عدوِنا بشكلٍّ  علنيٍّ وصريحٍ أفضل من أن يتلبَّسَ علينا الحالُ بالمهادنة ، لذا كان نقلُ أحداثِها بشكلِّ بانوراما مفجعةٍ ،شفاهًا أو عيانًا ، وذلكَ لتنوُّع ِمصادرِ الأحداثِ وتسلسلِها الزمنيِّ المضبوط برمشةِ عينٍ أو شهقةِ نفسٍ لا تعادُ . لعلَّ قراءةً متأنيةً بوعيٍّ مدركٍ  تمكِّننا من مسكِ خيطِ الصبرِ ، ربما سيوصلنا بدقةٍ إلى منجمٍ لمأساةٍ لا حدود لها .
من خلالِ قراءتي للمجموعةِ الشعريةِ الجديدة لغزاي درع الطائي سلسلة من ذهب ، والتي تضمُ بين دفتيها  (35) نصاً متسربلاً بفجائعَ ووصايا وأمنياتٍ ولتشابهِها  من حيثُ التمني ،تكادُ أن تكونَ سلسلةً ذهبيةً من عيارٍ قيراطي واحدٍ لرأس الهرم  ، أو بروحٍ مؤتـلفةٍ من حيثُ الفضاءِ واللونِ واللمعانِ الفنيِّ وبنفسُ الثيمةَ الأصليةَ لها ، أيُّ قصيدةٍ مطولةٍ تحملُ بينَ أسطرِها حقائقَ مفجعةٍ من أسىً يتفرقعُ وبحسرةٍ حادةٍ لا تبردُ ، ولصراحتِها أوشكتْ أن تتهجى جراحَها  وتنطقَ  بـمستهلِّ آلامِها  بـ – أويلي – أقسى حالةٍ للتوجعِ القهريِّ ، وأقصى تردُّدٍ من حنجرةٍ تطلبُ الغوثَ ، لذا يتناسلُ منها ألفُ صوتٍ يتهدّجُ بوصفِ الواقعِ المريرِ، يا تُرى ما عظُم المصيبة حتى ينقلها وفق هذه التسمية – أويلي ! ، إنها قصيدة متكاملة وتساوي رؤى المجموعة قلباً وقالباً، رغمَ أنَّ الشاعرَ اِستخدمَ فيها أكثرَ الأغراضِ الفنيةِ وزجّ بها ثيماتٍ متنوعةً من حِكمٍ واقوالٍ وتهكمٍ ودعابةٍ وسخريةٍ إلى حدّ ما ، وذلك للتخفيف عن أنين الآلام ، ولملاطفةِ الجرحِ بأعماقِ الروحِ وبمزاجٍ رائقٍ ، إضافةً لمفارقاتٍ محكمةٍ ومقارناتٍ بين الذاتِ والآخرِ . رصعَّ بها نصوصَه كي لايدع القارئَ يملُّ ربما من الإطالةِ المحسوسةِ بحسبِ نفسهِ الشعريِّ ، وقد تكونُ الضرباتُ حادةً لا يتحملُ من صدِّها إلا بمزيدٍ من التروي المريحِ ، نعمْ وقفَ بصلابةٍ معهودةٍ وسطَّر مايحلو من قولِ الحقيقةِ المؤلمةِ على تراجعِ القهقرى بكلِّ الأشياءِ والمسمياتِ ،تجاه واقعِ مُرّ ومريرٍ ومؤلمٍ وقاسٍ لايستهان به ، حقيقة ًأنَّ الذاتَ المكلومةَ لنا قاطبةً من هذه الفواجعِ اليوميةِ قد وظَّفها صراحةً وبتوجعٍ أخَّاذِ عما ساد البلدَ من هجمةٍ قاسيةٍ وبتوحشٍ لا يبارى ، ترجمَها بصياغةٍ مبتكرةٍ ولباقةِ حسٍّ شاعريٍّ متمرسٍ بإستذواقٍ لسردِ حقائقَ عامةٍ ، أطَّرها لتكونَ لها رؤية مركزة في تبئيرٍ يستقطبُ كلَّ الأنظارِ ….هذه السلسلةُ والتي تحملُ معانٍ شتى ، من رموزِ الفكرِ والحريةِ والنضالِ والحبِّ والقداسةِ والموروثِ ،سلسلةٌ روحيةٌ من أصالةٍ راسخةٍ في ضميرِ الأصلابِ منذُ حينٍ ،هذه التسميةُ أغلى مانطقتْ به الألسنُ وما إدَّخرها ذهنُ المرءِ . فالذَّهبُ أقرب شيءٌ إلى نفسيةِ البشرِ رسماً وإسماً ولوناً،معنىً ولفظاً ، وما السلسلةُ أو قُلْ: هي القلادةُ التي تطوّقُ جيدَ الحسانِ وتزيدُها حُسناً على حسنِهُنَّ جمالاً وكمالاً وأبهةً ، يستحسنُها الرجالُ وتطلقُ ربّما بهاءً وفخراً على شجرةِ الأنسابِ تيمناً بأصالةٍ عريقةٍ ، أو مجازاً كأنْ تكونَ أمانةً في أعناقِهم كـ سيرةٍ – تأريخاً ، إستذكاراً ، وغيرها من مكملاتٍ لتطريزِ حواشي الإعتبارِ القيِّمِ ،هذا ماوددتُ ذكرَه في إستطرادِ السلسلةِ بإمتدادِ لمعانِها .
إنَّ نصوصَ المجموعةِ- وكما أوضحنا – تتفاوتُ بينَ الطولِ والقصرِ السرديِّ والومضةِ – الضربة والهزة ، الماضي والحاضر ومابينهما من المقارنةِ والمفاضلةِ أيُّهما يلائمُ الوجعَ اليوميَّ ، مواجعُ تستغيثُ من آلامِها ، وكلومٌ تشتكي من أوجاعِها ، أوصافٌ كانتْ فاعلةً في المشهدِ واكثرَ حضوراً لواقعٍ متعدّدِ الرؤى بالشخوصِ والأمكنةِ والأشياءِ ، ولغزارةِ هطولِ هذه المفرداتِ الحسيةِ وتنوعِها بكمٍّ هائلٍ من التوظيفِ المكثَّفِ ، أوجدتْ لدينا صوراً ملونةً شعت من لمعانِ سلسلتهِ الذهبيةِ توهُّجاً ولمعاناً وبريقاً يلائمُ هذا التنوعَ بإستعاضاتِه المألوفةِ وإستعاراتِه الملائمةِ  لجرسِ الحزنِ الجنائزيِّ القائمِ في موكبٍ سائرٍ بنا نحو مجاهيلِ التيهِ ، ولا يمكنُ بهذهِ العجالةِ أنْ نروي مايخالجُه من مقارنةٍ بين ماضٍ عريقٍ وحاضرٍ متردٍ . نظراً للمناخِ الملبَّدِ والملثَّمِ على مدارِ الرؤيةِ لتلكَ المشاهداتِ التي يراها ، حتَّم على نفسِه وتطابقاً مع خافقهِ أن يكتبَ باللونِ الأبيضِ عساه أن يبدّدَ ظلمةَ الأُفقِ الداكنِ بالسوادِ ، فجاءتْ مطابقةً ما أرادَ مع أُولى نصوصِه :
(أويلي)على هذه البلادِ – حقيقة مناداةِ إستغاثةٍ بلغةٍ دارجةٍ موروثةٍ والتي تحملُ لدى سماعِها قمةَ التفجُّعِ للحدثِ بكلِّ تجلياتِه، لكنْ لو كانت مكانَها- ياويلتي – هل  بإمكانِها أن تشحذَ الهممَ بهذه القوة ِ؟ ربما لاتكادُ تُسمع من قبلنا لحظتها ولم يتبقَّ منها إلاَّ الصّدى ، فالمفردةُ السابقةُ  شموليةٌ قاطبة للإحساسِ بسعةِ وقدرِ المصيبةِ التي حلَّتْ به ويستذكر بحميمة راسخة في وجدانه : بعقوبة – قرية العكر -أبي إدريس – مقبرة النبي دانيال – السراي القديم – خريسان – بهرز – عطر البرتقال -المقدادية ، إلا أن الهويدر كانت غائبة في مضمون نصوصهِ!… :
(أويلي)على هذه البلادْ
هذه البلاد التي إستوطَنها الرَّماد
وتهاوتْ فيها العمادْ
وأشرأبَّتْ فيها رؤوس الفسادْ
وإشتعل رأسُها شيباً
وإبيضت عيناها من الحزن
حتى أصبحتْ أرضَ البياضِ
توالتْ الفواجعُ إلى أقصى مدى الألمِ ، وكأنَّنا على حافةِ القيامةِ وسُيطرقُ بابَنا اللحظةَ ، وله ومضةٌ أُخرى من بياضٍ يصرخُ في قصيدةِ – دعوني وشأني :
 كلُّ الألوانِ جميلةٌ عندي
ولكنَّ الَّلونَ الأبيض يستهويني
أكثَّرَ من بيقيةِ الألوانِ
هو اللونُ الأبيض ُ
الذي أستطيعُ أن أكتب عليهِ
ماأشاءُ من الأسماء التي أُحبُ
– من غير سوءٍ
رغم إحتقانِ بعضِ نصوصِه التي تكادُ تـنفجرُ من صراحةِ حقيقتِها ، إلا أنه يتعاملُ مع بعضِها بلطفٍ ورقةٍ كأنهُ في إستراحةِ محاربٍ لأخذِ نفسٍ قبل الجولةِ الحاسمةِ للهدفِ ، فكانت له – عصافير الحب  تنقر قلب الطاغية :
عندما رأيتُكِ مع أوَّلِ الصَّباحِ
أحسستُ
أنَّ الشَّمسَ أشرقَت ْ مرَّتينِ
كذلكَ له ومضةٌ للحبِّ منها : شكراً للحبِّ علَّمني أنْ أكونَ مسامحاً
وهذه شهادةٌ بيضاءُ نعتـزُّ بها ، ونحمِّلها على محملِ النصاعةِ كونه مسامح حدّ البياضِ. لذا كان قلبه قلقُ على الضاد- قلقُ على البلاد \ قلق على العباد، ولم أسمع شاعر يتوجع على هذا الحرف منذ زمن بعيد، لذا كانت السلسلة بحق ذهبية ” فالذهب الخالص لا يصدأ أبداً ، بل يتغير لونه قليلاً نتيجة عوامل مناخية طارئة ، لكن بسهولة يستعيد بريقهُ من جديد ” كما في الأنساب الأصيلة ربما تركن هنيئة ثم تستعيد مقامها مجدداً ،
يُلاحظ من أنّ الساردَ يقتفي أثرَ النهاياتِ  القصوى  للأشياءِ ، لما لها  قيمة إعتبارية عليا  في المنظورِ  الأدبيِّ  كملمِّحٍ يشملُ العمومَ ، وما يستشهدُ به كمقارنِ لقمةِ الرسوخِ الذهنيِّ – مثل : قمة جبل إيفرست – ا لقارة الثامنة – المحيط الهادي -بحيرة قزوين – رؤوس الجبال – شيركو بيه كس – نيلسون مونديلا –  برج إيفل – قمر – شمس – فوق – على  وهكذا جرياً في عمق وإتساع  يقول :
طريقُ نيلسون مانديلا إلى الحرِّيةِ كانَ طويلاً
وليسَ مِنْ طريقٍ
أطولُ مِنْ الطريقِ إلى الحرِّيةِ .
وهنالكَ مشهدٌ آخرُ أشبعنا به يقيناً نحو نزوعِه إلى التكرارِ التأكيديِّ دروساً في شخصنةِ العدوِ – كأنْ يقولَ – هو ذاك –  الذي يودُّ قطـــــعَ السلسلةِ حتى نكــــــون علـــى بــــــيِّنةٍ من الأمرِ في مــــــثلِ هذه الأيامِ العصيبةِ :
إنتهتْ مَعْركتُنا معَ الليلِ
إنتهتْ معركتُنا معَ النهارِ
ولكنْ معركُتنا معَ الحياةِ
مستمرةٌ …………….
– في تكرارِ نوائبِها على قدمٍ وساقٍ . كذلك في تكرارِ مفردةِ أخرى هي – دروسٍ – دروسٍ- دروسٍ / كُلَّها رميناها في البحرِ / وركبْنا رؤوسنا . ويا قصَّتنا _ ياقصَّتنا – ياقصَّتنا – متى تنتهينَ على خيرٍ .
لكنَّ كلَّ هذا الألم والإحتراقِ كانَ على قلبِ الوطنِ ، إلا أنّه لايخلو من دعابةٍ وتهكُّم ٍوسخريةٍ  يبثها بما توازي اللوعةَ – أي ضحكُ ببكاءٍ ، ابتسامات في دموع – كي يشدَّنا إلى فقراتٍ ممتعةٍ لكنّها لاسعة وكما في قصيدة ( قبضةُ عدسٍ ) والتي توحي بأنّها من مسلياتِ بعبرةٍ موروثةٍ  متعارفٍ عليها ، حيث كنا نتحدث بها في مجالسنا ولا نزال ، وقد تمثلُ (كاريزما) في الاتهامات والتسلط في الوضع السائد :
الأعمى لا يقودُ أعمى
وإذا ما قادهُ
فإبحثوا عنهما في أولِ حفرةٍ .
مع كلِّ ماتقدَّم َ، وفي ضوءِ ضخامةِ الإصدارِ الوليدِ إستطعنا قدرَ الإمكانِ من أنْ نلمسَ غزارةَ الأسلوبِ بإستقطابِه مفردات تسايرُ الهمَّ اليوميَّ ، من حيثُ الحرقةِ -الألمِ – البساطة ِ- التململِ – وغيرها من محفزاتِ الصوتِ المقموع ِ- في هذهِ اليافطةِ الطويلةِ من الرفضِ وبتلك المفرداتِ المضيئةِ في عتمة ليل حالك ، تلك المضاءة والتي نسج منها خيوط حرير مذهبة وستبقى كمعلقة في أعناقِنا نردِّدها بفرحٍ كلما ضاقت بنا سبلُ الحياةِ ، ورقةُ إحتجاج ٍبوجهِ الضيمِ والإفلاسِ والفسادِ ، لذا إعتمد في أكثر نصوصِه على مفرداتِه القيمةِ – القمةُ – العليا الاعتبارية لترصين يرصع بها لإضاءةِ أفقِ القصيدةِ .
ومن خلالِ تجلياتٍ وتلميحاتٍ وجدنا حميميةً فائقةً كنسمةٍ بيضاءَ ناصعةٍ في وهجهِ الشعريِّ – كرجلِ سلام ٍيبغي صفاءَ النيةِ رغمَ إقتدارهِ على المناورةِ إذ كان لابد منها ، فبتلاعبِه الذكيِّ في ترصيفِ الحروفِ وإعادتِها كان له حصيلة جديدة من مفرداتٍ أخرى مثل : بهاء وهباء -بشر وشر، الحرب ، البحر ، الحبر  ، أعتمد عليها في تجنيس لزخرفةِ النصِّ بما يليقُ به.
وفي الختامِ أتمنى بأنّي توصلتُ على قدرٍ يسيرٍ من مبتغى الشاعرِ باستنطاق ما يخفيهِ في كنهةِ كسر رجولي باذخ  ، رغم إني ترددتُ كثيراً مع نفسي وحتى كتابة هذه السطورِ أنْ لا ألج مثلَ هذا المعتركِ ، بل مكتفياً بشرحٍ مبسطٍ لزملائي أصحابِ النص القصيرِ والومضةِ ، كوني أرى بأن إمكانياتي مقتصرة على قدرِ الحالِ  من منهجٍ اِبتدائيٍّ  بالنقدِ والتحليلِ بانطباعيات موجزة ، ورغم معرفتي البسيطةِ للمذاهبِ الفكريةِ النقديةِ ،وكما يقولُ: الناقد المرحوم د. علي جواد الطاهر ” وأكثر مانعبثُ بالمصطلحاتِ النقديةِ الغربيةِ ، نتلقفها ركضاً ، ونستعملها نطقاً ، ونحشرها جهلاً ” لذا أصبح علي لزاماً الأخذ بها ، وتزامناً مع إبتعادِ المؤلفِ عن ألاعيبِ الحداثةِ الغربيةِ ومستخرجاتِها من حيلٍ بمسمياتِ – التشظي – التفجير -الغموض – مجافاة الواقعِ واللامألوف والتي قد لا تتفق ورؤاه المحملة بواقع يتقبل الطرح المباشر الند بالند ، لهذا قد إبتعدتُ قدرَ المستطاع ِمن ذلك ، فكيف بيَّ أن أكتبً مقدمة لإصدار ضخما  لشاعرٍ أعتلى منصةَ التتويجِ ومنابرِ المحافلِ الأدبيةِ منذ زمنٍ بعيد، وكنتُ حينها أتهجى أبجديةَ النثرِ مبهوراً وباندهاش خرافي،لا كهذه السلسلةِ الطويلةِ من الذهبِ الخالصِ عيار -24- قيراط – ولستُ سباكاً كما أعرفُ نفسي .
أتمنى قد وفقتُ ولو جزئياً  بهذا التقديمِ  رفعةً للشعرِ والشـــاعرِ معاً.

27
رضوان رضا شيخلر في بانوراما الحياة
 التَدفق الذاكراتي  لإستقطاب الحنين
عدنان ابو أندلس   
       كثيرةٌ هي الأحداث الحياتية التي يمرُ بها  الإنسان ، فالبعض منها نُسيت وتلاشت  بمرور الزمن كالأحلام العابرة ، والأخرى ترسخت لتُحفر نقشاً  في الذاكرة مخلفة وراءها كماً هائلاً من الذكريات بحلاوتها ومرارتها ، لكن رغم ذلك تشكل أرشيفاً  متنوعاً من السجل الذاتي للسارد .  وما مقالات الكاتب " رضوان شيخلر " إلا ضمن هذا الطرح وتلك الصيغة التي بدأناها . سطرها بإستذكار عفوي وكشفاً حقيقياً  لمسيرتهِ  الحافلة بالمتغيرات والنوادر والمفارقات ، كان عملهُ هو تحقيق التوازن بين الماضي ذاكراياً ، والحاضر عيانياً ، يستدعي الذاكرة كي تبش حفرياتهِ وتعلن ما أتى ، كإسترجاع المخزون الغائر بمراحلهِ الحياتية ، والحاض الماثل بتدفقهِ .  إحتفظ بها وإستذكرها  حتى تشكل هذا السرد الإخباري من المقالات المكثفة الذي هو مشروع حياتي نشرهُ في أغلب الدوريات على شكل حلقات إسبوعية أو شهرية فتضخم حتى أضحى سجلاً حياتياً خاصاً بهِ  ، عندها راودتهُ فكرة تجميعه بكتاب فكانت عنونتهِ " بانوراما الحياة "  الذي يليق برؤية شاملة لمسيرة حياتهِ  الحافلة بالتوثيق والتدوين والذي  قد غطى الجسد التشكيلي بهذه الصورة المعبرة ،  فكان لهُ ما أراد . 
       فالمقالة في اللغة : مصدر من الفعل " قال " وتعني القول .أما في الإصطلاح : "  أنها كتابة أدبية قصيرة تتناول الحديث عن موضوع واحد ، وغالباً ما تعرض شخصية كاتبها  " المدون الحقيقي للأحداث ، وكما تشبه المقال الصحفي ، الإعلامي " المُصَور " فمقالات الكاتب تحيلنا إلى جانب حياتي مهم في التعبير عن  معرفة شخصيتهِ من خلال الإستنطاق المعرفي لهُ  ، فكتاباتهِ أشبه بـ الكوكتيل أو قُل بانوراما أو تشكيل يومي معاصر أو سيرة ذاتية أو " قصورة " قصة صورة يومية ،  القصة ظاهرة ، والصورة " مُختفية ومتخيلة  " تُبان من وراء السرد الحكائي الذي اعدهُ  ، لاسيما وأنهُ يمتهن " التصوير "  وعينيه تلتقط ما ترى بـ آلة التصوير " العين الثالثة " التي يذهب بها إلى حيث المقصد الذي يريدهُ  ، يلتقطها ويؤطرها ببصمة فوتوغرافية هي التي حققت لهُ هذا المراد المجسد بفاعلية المعرض الحياتي  . 
        الكتابة التي يلتقطها من اليومي المعاصر لحظتها ، هي مشاهدة عيانية عابرة قد يراها في الشارع ، ويكون إصطيادها حالة مسبقة قبل الولوج في مدخلها وتفاصيلها ، يأخذ الفكرة  الرئيسية ويمهد لها العنوان والمقدمة  ويبلورها ثم يشرع في تدوينها ، ثم يختمها بما يلائم تصورهُ ، . ذلك التوظيف السريع الذي يراد منهُ معرفة مجريات الأمور الحياتية والمتغيرات  التي يعايشها  ؛ تأصيلاَ  ، فهي أي " مقالاتهِ "  هي بحد ذاتها  كتابات ماضوية  وعصرية ومتنوعة يوائم بينهما  كي تحيط بالحدث من كل جوانبهِ وقد  تتمحور حول قضية ما ،  وهذا ما يطلق عليهِ  في الجنس الأدبي " المقالة " التي تكتب على شكل فن نثري أدبي يحتوي على أسلوب مقنع ومشوق  منها المقالة الذاتية ، والعلمية ،  والقصصية ،  والنفسية ، وما إلى ذلك من التنوع الذي نحنُ بصددهِ ؛ وكأنها تغطية ومواكبة للأحداث الجارية بشموليتها  ، لذا نراها تختلف من كاتب لآخر وحسب تقنياته التي يدخرها  وأدواتهِ التي يستعملها  . فـ المقالات التي ينشرها في المجلات  هي معاصرة ضمنية للأحداث الجارية  رغم ماضيها البعيد ، وأُرى في حاضرها القريب  ذلك الكم المتساوي من التوظيف ، كونها مواءمة للحدث السائر بكل تعابيرهِ  ؛ ومنها على سبيل المثال ؛ لا الحصر "  العلم ومواكبة العلماء ، عصرنا العجيب ، ترك رضا ،  النوم ، النظافة ،  التجديد ،  الخوف ، القلق ،  العمل الإبداعي .. ماذا يعني !..،  من هم السعداء ، الصبر ، الخوف ،  القلق ، التقنيات الحديثة ، الحرية ، علي الوردي ،  أثر القراءة في التعبير عما نريد ، عزالدين ، جلال الدين الرومي ،  ملحمة كالكامش ، فن الحياة " السعادة " ، الفارابي ، الغرور ، أول سيارة نوع " olmaz " صنعت في داقوق ، الفساد ، النظافة ، حديث الصورة ،  كيف ومتى  تقرأ ، أبو الذهب ،  الهم  "  وغيرها  الكثير من المقالات المنشورة في دوريات أخرى قد تدخل في هذا المجال  ؛ بالذات ، وقد راعَ بتوظيفهِ كل المجالات العلمية  ، والنفسية والتربوية ، والاجتماعية ، ومناحي الحياة المتفاعلة في أحدث حياتهِ .
    حين نتحرى عن مضمون وكنهة رؤاهُ ، تدخل ضمن المنوه عنهُ ؛ ألا وهو الجانب الحياتي بكل تمظهراتهِ  ،. نرى أن فنهِ وعملهِ اليومي التقني يًبان في حضورهِ الدائم في كتاباتهِ الإرشادية  وصولاً إلى إلتقاط الصورة والحدث معاً  كخصوصية بائنة  في خصوصيات طرحهِ وتفاعلهِ اليومي ، إضافةً إلى مواظبتهِ الدؤوبة في كتاباتهِ والتي  جلَها تدور حول العلم وتطوره ، والمجتمع وأحوالهِ  ذلك بتقنية العارف المُتبحر بمهنتهِ  التي يوظفها بعمل حياتهِ ، وحين نقرأ ونتمعن بمقالاتهِ نرى منهجيتهِ في الحياة بود  وتسامح بائنين ، المحبة الصادقة والأُلفة والعلاقات الحميمة بعقل متنور وإدراك بديع وهو يرسم خطوطه العريضة في هذا المعترك الإنساني ، طعمها وزينها ورصعها بمثاليات إنسانية ،  لو تُطبق عما قالهُ وبثهُ في رؤيتهِ الشاملة وكأنهُ مبثوث على لسان الجميع   ، لما واجهتنا التساؤلات الدائمة .
        يطرح فكرتهِ ويبسطها ويُبسطها كي تكون مقبولة ، ثم يضفي عليها حالة من المُعالجة بعد تشذيب مقوماتها التي ارتكزت عليها ، لذا خلتهُ قدْ كتب عبارتهِ هذهِ وفق رؤاهُ المثالية  الجادَة : " مادام كل شيء في الحياة يمر بحالة تجدد دائم ، والكون يتجدد ويتغير ، إذاَ لماذا الإنسان لا يتغير نحو الأفضل " ؟!...كما لا تخلو كتاباتهِ من الدُعابة والسخرية  والطرافة والنكتة  في بعض جوانبها كتعضيد معنوي للأحداث ، وكحافز يدعم ما تقتضيهِ المصلحة العامة ، ومن حيث مراعاة الجانب النفسي للمتلقي كي لا ينفر من الإطالة غير المُجدية   ،  لذا نرى من أن أكثر كتاباتهِ يبحثُ فيها عن التغيير وصولاً إلى المعالجة ثم يسندها بدعامة معززة بآيات قرآنية ، وأحاديث نبوية ، وبحكم مأثورة من أقوال البلغاء والحكماء والفلاسفة والكتاب  ،  ومن الأمثال ، والأقوال الجارية على ألسنة العوام ، هذا الإحتكاك الحياتي والتفاعل اليومي ولدَ لديهِ كماً هائلاً من التطبيق والتي جلها مسندة بمواعظ وإرشادات ونصائح وتوصيات  وعِبَر وعلى إمتداد حياتهِ التي قضاها  ، تطرق إلى الصداقة والرفقة  والصبر والجمال والأناقة والسفر  والنظافة والإخلاص بمنظور تربوي متقن الحياة ، وما أدخر ذلك في وقت الضيق الذي هو أحوج من أي وقت آخر .
     غالبية مقالاتهِ تمجد العمل الإنساني في الفضائل الخاصة بالمساعدة والتوجه والاندفاع نحو عمل الخير ، لكن يوصي قبلاً بالإعتماد على النفس كحالة عصامية لا بد للمرء أن يبدأ خطواتهِ الأُولى  بها . طروحاتهِ صريحة بالتغيير حتى ولو على نفسهِ هي بسيطة بسرديتها أقرب ما تكون حادثة مرَ بها ، أو مشكلة صادفتهُ يوماً وقد أثرت بهِ ، تراهُ  يغور بأعماقها سارداً وما بوسعه إلا أن يبينها بواقع حقيقي ، يطابقها صورة بصورة ويقارن من حيث التشابه والإختلاف العيني ، فقد خلتهُ يقارن بين موضوعين رئيسيين وذلك عِبرَ طرح جانبي التشابه والإختلاف بينهما ، تلك المقارنة تتم وفق منظورهِ الشخصي وطبقاً ما يلاحظهُ من تقبل المجتمع ،   فأكثر مقالاتهِ وفق هذا النهج والتوجه تتمحوران حول التغيير في واقع المجتمع المُبتلى بالمصائب  ،  وقد وظف ذلك كما أسلفنا  بقصة مُعبرة نلمس من خلالها التوصية ومعالجة ما ، أسطرة رؤاهُ تكتنفها المودة والطيبة وحسن المعشر  والتسامح ونقاء السريرة وطهارة روح مسالمة بسجيتها ، كذلك التذوق والجمالية الروحية التي يتحلى بها ، وقد أضفت بكتاباتهِ هذا الإنعكاس الشخصي لذا يقول : " إذن الأناقة تكسب ثقة الناس ، والمظهر لهُ قسط كبير من التأثير ، والكثيرون عقولهم في عيونهم "  يتضح من أن الكاتب له استقراء حسي لما يدور حولهُ ويعمل على ركيزتين أساسيتين ، وكما أسلفنا بدءاً والتي لمسناها  في كتاباتهِ هما ، الجانب الحياتي والجانب الإنساني ، القريب والبعيد ، المادي والمعنوي ، الأنا والآخر ، وغيرها من مكملات الصورة الناطقة بالحدث ،  حيثُ وظفهما في أكثر مقالاتهِ ، كما نتوسم في رؤاهُ الفاعلية الحقة في محاربة الأنانية فتلك مسارات عايشها ويستشهد بها ، حتى أضحت وصايا تتجسد في الخطاب المقبول من اليومي المعاصر ، وقد أراها تشكل جوهر الحديث الدائر في جلساتنا .إن زخم وكثافة المقالات تفصح عن نفسها بتنوعها من التكنولوجيا وعلومها والأمثال ومحدثيها والمثل السائر ، فـ عنونة المقالات هي التي تقبع تحت شمولية الرؤيا الفنية على شكل لقطات فلمية وذهنية تشدُ القارئ على الإستمرار بالقراءة  لما لهذا الطرح الحياتي المتنوع بأنساقهِ الإجتماعية  المغايرة والمُعبرة  عن رمزية الحدث ربما .
       إجمالاً يمتلك الكاتب والفنان  " رضوان " أسلوبا خاصاً به من البساطة الآسرة والتقليدية السائدة في أكثر خصوصيات التي يراعي بها  العوام كونهم التَجذر المعرفي حين بدء حياتهِ بالمعاضدة والتقبل من قبلهم   ، لكن رغم بساطتها نراهُ  يقنع المتلقي بهِ كونهُ يوازي بين الحدث العابر وصداهُ الذي ينتج عن ذلك من قوة سبك وجرأة وتجديد بوضع الفكرة ووضوحها ، وقد يزوق بإنتقاء المفردة والعنونة الملائمة كي تضحى مقبولة ولهُ ما أراد مع كثير من العناوين المختارة . لكنهُ وقع في مصيدة " الزمن المعكوس " من خلال صيغة التكرار والحشو في بعض من مقالاتهِ التي أربكت مشهده وأفقدت بعض مقالاته  التي إبتعدت  صراحةً عن روح جنس المقالة بفقدها مقومات وعناصر راسخة في هذا الفن الحياتي ، وخاصةً سرديات من الماضي الذي لازمهُ تقريباً  وإستدرجهُ على مدار الأحداث والذي جذبهُ إستذكاراً للطفولة والذي شدًهُ الحنين إليهِ  ، لكن  صاغها بملكة تنقصهُ ربما الخبرة  . لكن هذا لا يعني عدم مجاراة ضوابطها بل أخذتهُ جاذبة زمانية لها من الإستذكار القيم لأُخرى جرت عليها مقاييس المقالة الفاعلة في المشهد الثقافي ،  فراح سارداً عما خزنت ذاكرتهِ .
    إن تسليط الضوء على الحالات التي ذكرها أو قل القصص المُعبرة هي بحد ذاتها برنامج حياتي شامل لنفسهِ وللآخرين ، حقاً من أن سردياتهِ  التي سطرها  بصدق وعفوية خاطر تدخل الفرح والسرور في نفسية المتلقي وخاصة قصة " أبو الذهب " هي الوحيدة تقريباً والتي أجاد بحبكتها وخاتمتها الموفقة .حقيقةً كل ما طرحهُ من توظيف معنوي ومادي وعرفاني قد شكل موسوعة حياتهِ كلياً بأحداثها ومناكفاتها وجرأتها وصراحتها  ، وهذا ما جعلهُ في حصيلة وافرة من العلاقات الحميمة  الملموسة تشخيصاً ، كتاباتهِ متشابهه ولو أجرينا بحثاً إستقرائيًا لتبين لدينا من أنها  مقالة طويلة وقد قسمت إلى أحداث متفاوتة زمانياً ومكانياً ، أشبه بما يدون فيها استقراءاته التفاؤلية التي يراد منها التغيير الحياتي الملموس  ، فيهِ طبخات إخبارية من المقال الصحفي السياسي والإجتماعي والنفسي ، وقد خلتهُ يحنُ على الماضي ويدعوهُ بـ الزمن الجميل في " قرصة أُذن "  باذخة في التوظيف ضد الواقع الملثم والذي يساوي انتفاضة عارمة في تسطيره  ،  لهذا قد ترك  في خلدهِ ذاكرة طيبة  متبادلة بينهُ وبين المحبين لن تمحى كونها متأصلة بروح صادقة .
كركوك 4-11-2019 .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

28
الدبكات العربية....هالوين...الارياف.....!!!؟
*********************************
في النصف الثاني من القرن الماضي...تحمل ذاكرتنا صورا عن الحياة القروية الريفية الجميلة التي لا تنسى ابدا...
هي سفر من الاحداث الطبيعية العفوية التي كانت تحصل في سياق الحياة الاجتماعية القروية المعفرة بالفطرة الانسانية النقية...وبكرية الحياة وبساطتها..حتى انها لصدق اصالتها تفوح منها رائحة عطرية عنبرية لا شبيه لها...ابدا...
كانت ..الدبكات..هي عنوان موروث لفلكلور شعبي لا يتفاضل معه اي تعبير او تجسيد اخر لمعاني الفرح والابتهاج...فكل حدث يحصل..او مناسبة جميلة تأتي او تمر او تحصل يعبر عنها بأقامة الدبكات..والاستمتاع بها...كالزواج...والاعياد حين نحتفي بها وقت الضحى..والعصر..سيما اذا كانت وقت الربيع
او عودة غائب...او نذر لأمر استعصى لاهله..او مولود فرح به اهله الى حد نذر اقامة الدبكة والذبائح..او اي مناسبة وحدث سار آخر...وكانت الدبكة تشكل كرنفالا احتفاليا يشبه..السامبا.. في البرازيل...وزمنا ومناسبة يحتفى بها بما يشبه ( الهلوين )
اي..عيد الحب..في اوروبا...حيث تتاح بعض الحرية البريئة للشباب ليرمي نظره ومزاجه لاختيار شريكة حياته مع نفسه على الاقل..ليصارح بها اهله لاحقا حين تحين الفرصة التي لا بد منها لاختيار زوجة المستقبل...واتمام اجراءات زواجه..كما ان الدبكة..هي مهرجان متاح للجميع لاظهار مختلف المشاعر الحقيقية بين الناس..وغالبا هي مشاعر المحبة والاحترام لان الجميع..هم من الاقارب..والاصدقاء..والجيران..تحكمهم كل تقاليد القرية والعشيرة التي لا يمكن لاحد ان يتطاول عليها...
او الخروج عنها او ثلمها بأدنى جنحة او خطأ بالتصرف...
تبدأ الدبكة...بمقدمات الحضور الجماعي..زرافات وجموع من كل انحاء القرية من الرجال والنساء والاولاد والاطفال وتراهم قد تزينوا..وتعطرواوارتدوا اجمل مالديهم من الملابس والزينه
وجلجل الفرح يسكن ارواحهم وعقولهم.يتجسد بالغناء الفردي
والدندنة مع النفس..وارسال الطرائف والامثال والاشعار بكل جهورية وصوت مسموع وكانها رسائل مقصودة تبث الى كل من يعنيهم الامر...فيها الغزل..وفيها النقد..وفيها..المناكدة التي هي اسلوب من الملاطفة الثقيلة...يبدأ الانضمام الى صفوف الدباكة..مع اول لحن لصوت الناي ( المطبك ) الذي يصادر كل احساس للانسان بأي شئ اخر غير صوت الناي والمكان وهذه المناسبة..وينسى كل شئ خارج نطاق الاحتفالية الكرنفالية...
ويطلق الانسان العنان لمشاعر التسامي والاندماج حد الذوبان مع الالحان..والهلاهل...وصوت الناي..ودوي الارجل وهي تهز الارض هزا..كالزلزال..وتخلق حماسا لا تعرف اسراره في نفس الانسان..سيما..الشباب..والمراهقين...فيتقن الجميع رجالا او نساءا..رسم لوحة فذة في التعبير عن كرنفال فرح مفرط لا حدود له...فيصل الحماس في بعض اللحظات الى حدود ما يمكن ان نسميه...الاغماء والدروشه..اللذيذة...من شدة الفرح الذي يسعى اليه الجميع...وتبدأ الفتيات بفعالية معزولة عن الرجال تسمى ( الدرجه ) وهي فعالية احماء تجري فيها حركة عنيفة بالدوران متماسكات الايادي..والدوران المدوي على شكل دائرة مع الغناء لاحداهن وتردد بعدها الاخريات او غناء جماعي يطرب النفس وينعش الروح..وهناك الرجال تهز الارض هزا مع صوت الناي والحانه المدوية..وصوت المغني الذي يحفظ الوان..الميمر..والنايل...والسويحلي..فيلهب مشاعر كل العشاق واهل الهوى..بل وكل الحاضرين...تبدأ الاحمال للبنات بمعدل اثنين يتماسكن بالايادي..ويدخلن صفوف الرجال الذين يدبكون..ويمسكون اياديهم...ويدفعه الاعجاب بمن يدبك من الرجال لاختيار الانضمام الى صفوفهم والانتظام معهم بكل ما يتعلق بتقاليد المناسبة والدوران الجماعي في الكرنفال...
ثم تبدأ فقرة  ( التعبير ) حيث ينادي من يريد تكريم الشاعر وهو صاحب الناي..فيعطيه نقودا حسب قدرته المادية وكرمه ويقول : هذه لعيون فلان...صديق او قريب..شيخ او انسان اراد تقديره امام الملأ..وهذه يتباهى بها الناس كثيرا وكانوا يسمونها ( شوباش ) ..وهي ممارسة وجزأية مهمة في الدبكة
تظل الاحتفالية مستمرة..حتى يأتي قطار منتصف الليل الذي نسمع دوي دواليبه وصافرته عن بعد وترد صداها سلسلة جبال حمرين..الممتدة مع السكة وعلى طول وادي الجرناف الواقع بينها وبين نهر دجلة الخالد....ثم الانصراف كل الى اهله مع نداءات..للاهل..للاهل...طكت عصية بالظهر...
تجدر الاشارة ان هذه الدبكات تقام بنفس الاسلوب ليس في قريتي ( الخضرانية ) وحدها...انما تقام في كل قرى الجرناف والقرى العربية في الشرقاط..عموما...
سلاما..سلاما...ذلك الزمن...وكل اجياله الطيبين...سلاما.....

29
بين الامس واليوم
——————-
الطالب القائد
——————
في اواخر سبعينيات القرن الماضي
وحين كنت طالبا في ثانوية الشرقاط كان رئيس اتحاد الطلبة في الثانوية انذاك الاستاذ فهد عنتر

حينها كان رئيس الاتحاد عنوانا كبيرا
وكنا كطلاب نهابه ونحترمه ونتمنى التقرب منه وفي ذلك الوقت  كنا في مرحلة بناء الشخصية ويتأثر كل منا بالشخصيات القيادية

ولكوني من عائلة تربطها علاقة مودة مع عائلة الاستاذ فهد كنت اتقرب منه وكان يحترمني كثيرا وما يميز شخصيته القيادية فقد كان يزرع فينا الثقة بالنفس

اذكر اني رافقته في يوم كان هو مسؤول التحضيرات في القضاء لفعالية احتفالية يحضرها المحافظ انذاك
كان الاستاذ فهد شعلة من الحركة يشرف على نصب الخيام ومكبرات الصوت وتهيئة الفعاليات الطلابية وبكل كفاءة
وهو في نفس الوقت طالب في الصف السادس الاعدادي

تلك الشخصيات القيادية التي صنعتها البيئة النظيفة وطورت نفسها وتاثرنا بها

تحية للاخ ابو احمد
وهذه شهادة للتاريخ

30
الدكتورة سلوى النجار وعنايتها بعملية التحليل والمكاشفة النقدية...
                                                                               كتابة: فهد عنتر الدوخي
تداولت النخب الأدبية في كركوك الأسبوع الماضي صدور كتاب (فاروق مصطفى:نديم الزمان والمكان في كركوك) إعداد  وتقديم ومشاركة: الدكتورة سلوى جرجيس سلمان والذي تناول بعض ممن كتب عن شخصية الأديب الكركوكلي الأستاذ فاروق مصطفى، وقد انعشوا ذاكرة المكان الذي خصص له الأستاذ فاروق حيزا كبيرا من كتاباته التي نشرت في صحف ورقية، ووثقها بإصدارات عدة زينت مكتبات كركوك ، وهو يتوغل بين تضاريس المدينة وكان للمكان تأثيره ومدلولاته التاريخية وذكرياته التي جمعها خلال مسيرة خمسة عقود ونيف,ولا غرابة أن نجد الدكتورة سلوى التي  تصدرت عنوان هذا الكتاب بمقالات نقدية مهدت لسبر أغوار هذا الاصدار, غير أنني وجدت من المناسب أن أتحدث عن النجار,التي نشطت في المحافل الأدبية والثقافية والعلمية من خلال مشاركاتها الفاعلة في إغناء المدرسة الأدبية النقدية بكتابات  منهجية تخص إجناس الادب كافة, وكان للرواية عناية مميزة لديها هذا مالحظناه  في مناسبات عديدة, وكما تدرك النخب أن موضوعة الرواية تشكل مهمة صعبة المراس لتشابكها وصعوبة فك مدلولاتها, لكون العناصر التي تتكون منها عديدة ومتفاعلة وعلى الناقد ان يجد مسالك آمنة لخوض عملية التحليل والمكاشفة وتحييد الرموز والإجابة على كل التأويلات بشأن المشغولات الرئيسة في السرد الروائي أهمها الحدث, والبناء اللغوي والتكثيف الصوري , لذاك أقول أن الدكتورة سلوى النجار كانت شجاعة ومتفردة في إقتحام هذا البحر المتلاطم من الرؤى والافكار والتي تشكل مدارس عالية  القامة,غير أن خبرتها وثقافتها كونها اكاديمية بأختصاص الأدب الحديث,  قدوفر لها دخول هذا المعترك , وهيأ لها ظروف مصاحبة موكب  السير الآمن  نحو تعظيم الكلمة الطيبة, وتحسين مرامي  الهدف التعليمي  الأسمى , علاوة على الموهبة التي خصها الله بها لتكون هذه المرأة  الأولى التي تصدرت المشهد الإبداعي الادبي والنقدي في مدينة كركوك, ولا أقول وحدها هي في الميدان بل هنالك من  حلقن في هذا الفضاء بإجنحة لم يكتمل ريشها, هذا العامل الروحي الذي يعطي النفس البشرية  مقومات من الأبداع  والخلق والمبادرة  ويعزز العامل المعنوي الرصين في مواجهة  تحديات  حاجات طلبة العلم والباحثون وتقييم الإشراف علي رسائل الماجستير, وإطروحات الدكتوراه,( ا.م.د.سلوى جرجيس النجار أكاديمية متخصصة في النقد الأدبي الحديث مهتمة بالنصوص الأدبية التي تتناول قضايا المجتمع العراقي والعربي وتسلط الضوء على الجوانب الإنسانية المهمة في المجتمع الشرقي)الشيكة العنكبوتية..
كنت ومازلت شغوفا بحضور جلسات إتحاد ادباء وكتاب كركوك , وكانت إصبوحات اعلام وأساتيذ  جامعة كركوك قسم اللغة العربية ,  د. عماد الجراد ,د. سامي الجبوري , د. نوفل حمد الناصر ,  د. باسم ناظم سليمان ,د. سنان النفطجي مميزة بنكهتها الأكاديمية والعلمية والدراسية وقد برعت الدكتورة سلوى النجار بقراءات رفيعة المستوى لمجاميع قصصية,  وشعرية, وروايات, وفصول مسرحية و مقالات ,لكن للأسف وجدت ان الجانب التوثيقي في الشبكة العنكبوتية ضئيل ويأخذ بالعناوين فقط, غيران الدراسات لم اعثر عليها وكان يتعين علي ان أطرق مكتبات جامعة كركوك لأحصل على النسخ الورقية ولكن (جائحة كورورنا) اللعينة أبعدكم الله عنها, التي فرضت علينا الحجر المنزلي وإكتفينا بما توفر لدينا لإغناء هذه المقالة المتواضعة, ماعدا هذه المداخلة في موقع(دار نينوى) (لمسرحية قبل فتح الستار) للكاتب صباح الأنباري, وهذه نتف من قراءة الدكتورة سلوى النجار..( اما من حيث البناء فقد اتسمت النصوص في أغلبها أنها قائمة على بناء مسرحيات الفصل الواحد، إلى جانب توافر عناصر العرض المسرحي (السينوغرافيا) من إضاءة وموسيقى وديكور وأمور أخرى من أجل بث إشارات جمالية وتعبيرية تعين على التلقي لدى الجمهور، واهتمام الكاتب بهذه المسألة إنما كان نابعاً من إيمانه بأن النص المسرحي لا يكتب للقراءة فحسب وإنما للعرض على خشبة المسرح، لاسيما وانه عنون المجموعة تحت مسمى (قبل فتح الستار)..وفي ركن آخر وجدت علاقة إبداع وإشادة للاخ الشاعر والناقد الأستاذ عدنان ابو اندلس:في مقال نشره كاتب هذه الحروف على موقع عينكاوا الثقافي والأدبي..
ــ (هذا هو " فاروق " الذي قيلَ عنهُ الكثيرون من الأدباء : د. سلوى النجار في كتابها :فاروق مصطفى وطريق الدُفلى إلى كركوك : " ولنا أن نقول أن مقالات " فاروق مصطفى " تبقى مجالاً رحباً للبحوث والدراسات ، ولاسيما الجامعية ؛ لتنوع مضامينها ورشاقة أسلوبها وجمال لغتها ، وكون الكاتب ينتمي إلى جيل كان لهُ دور بارز في تاريخ الأدب العراقي)
مايميز هذا الإصدار أنه قد تجاوز منصة النمطية بدأ من  واجهة الكتاب...إعداد, وتقديم , ومشاركة, الدكتورة سلوى جرجيس سلمان, وهذا وحده يعطي الأحقية لها ليكون الكتاب بإسمها وبكل فخر, رغم تعدد العناوين والأسماء الأدبية التي لها موروث أكاديمي ودراسي وتعليمي/ الكتاب من منشورات الزمن,كركوك,دار آوجي للطباعة,التنضيد المهندس والشاعر يوسف محمد شواني,تصميم الغلاف, أحمد كول تكين, لوحة الغلاف الفنان علي الطائي,اما أبرز ما جاء بموضوعات هذا الإصدار كما أسلفنا هي للدكتورة الباحثة سلوى النجار(فاروق مصطفى ومنادماته الكركوكية التي لا تنتهي, العتبات النصية في مقالات فاروق مصطفى, مجموعة كركوك التي أحب انموذجا, المقالة الوصفية عند فاروق مصطفى, ونقرأ في الصفحة(8) العتبات النصية في مقالات فاروق مصطفى( عتبة العنوان, يعد العنوان بمثابة المفتاح يلج القارىء من خلاله الى النص وهو اول مايمكن ان  يثير إنتباه المتلقي, بوصفه إسما مصاحبا للعمل الأدبي, فهو يمثل نقطة الإتصال  الأولى التي يصل بين الكاتب والقارىء حيث يستئنس بها الاخير القارىء قبل البدء بإستكشاف النص والبحث عن مرامي الكاتب فيه, وذلك من خلال ما تؤسسه من علاقة تفاعلية بين المرسل والمرسل اليه, الى جانب ماتتضمنه من وظائف عديدة أشار اليها(جيرار جينيت) مثل التعيينية والوصفية والدلالية والإغرائية وغيرها.)

السيرة العلمية:
السيرة العلمية والمهنية
الاسم الثلاثي: سلوى جرجيس سلمان
الجنسية:  عراقية                        تاريخ الميلاد:  15/1/1969
العنوان: كركوك/ طريق بغداد
البريد الإلكتروني : salwa-jarjis@yahoo.com
المؤهلات العلمية:
المؤهل العلمي
الجامعة الموصل
بكالوريوس  لغة عربية
ماجستير  النقد الحديث
جامعة الموصل
دكتوراه لغة عربيه
جامعة تكريت
30/3/2014
الخبرة العلمية: تدريس مادة اللغة العربية العامة في كلية القانون قبل 2014 والعربية العامة في كلية التربية للعلوم الصرفة عام 2014 ومادة الكتاب القديم مرحله ثانية 2015 والكتاب القديم المرحلة الثانية والثالثة 2016 ومادة الكاب القديم للمرحلة الثالثة ومادة النثر الحديث للمرحلة الرابعة 2017 ومادتي النثر الحديث والنقد الحديث 2018.

الكتب المؤلفة:-

1التجريب في مسرح  جليل القيسي
2- توظيف حكايات الف ليلة وليلة في المسرح العراقي
3-البطل المثقف في مسرح جليل القيسي
4- فاروق مصطفى و طريق الدفلى الى كركوك
5-البطل المأساوي في مسرح محي الدين زنكنه
6-الثورة البيضاء في مسرح قاسم محمد
7-المقالة الأدبية، مقالات(فاروق مصطفى)انموذجا
8-النزعة الإنسانية في مسرح الطفل العراقي
9-جماليات المكان في رواية (اخر الملائكة) لفاضل عزاوي
10-التعالق النصي في مسرحيات صباح الأنباري، مسرحية    (حدث ذات حب) انموذجا
 
 
النشاطات العلمية:-  المشاركة في مؤتمرات دولية

1- مؤتمر باير في أنطاليا نيسان /2008

2- مؤتمر (شبكة المؤتمرات العربية) في إسطنبول تموز 2018

3 مؤتمر محلي داخل قاعة المؤتمرات في أيار 2018

4- المساهمة في ورش خاصة بقضايا المرأة داخل كركوك

5- المشاركة بالحضور في ملتقى التعايش السلمي في جامعة أربيل 2018 ( الشبكة العنكبوتية )

31
الى فيصل احمد راضي...مواسيا...لأني بنفس عمركَ فقدت والدي...ولأنك ستفتقده اكثر ذات يوم :
هذا حوارُ أبي
مازال يحمله البعيد ...............:-
أنظر بنيّ الى هناك......!!!!!
اتلفتُ...( ذات اليمين وذات الشمال )
مازال عمري ستة...فلا أرى الا المدى
لاشيء يوجدُ يا أبي...!!!!!
انظر هناك..الأفق أفقك يا بني...كن مثله
اعرفه.....؟!
لا يابني...يأتيك يوم تعتليه...ان كنت حرا في رؤاك..ان كنت طيرا في سماك...ان كنت انسانا بني ...
وبعد يومٍ من حديث الأمس ..ودعني أبي
كان الصراخ ...صباحنا...
يتهامسون بجانبي ..مات أبوه
في حينها...ماكنت أعلم موته ..سيكون رحلته الطويلة
لم أعه...!!
فتركتهم...وجلست انظر نحوهم.
أخذوا أبي ..صوب الأفق..
ثم ابتسمت... !!!!
هو أفقه...سأزوره ...
فرحتُ أبحث كل يوم
لم أجد الا صداااااااااه.....
طال الغياب...فسألت نفسي :
يا أنا.....من ذا يحاورني ..أنا ؟!
حتى اكتشفت ...بأنني.. لا ..لن...أراه..
وصرخت في نطاق الريح....يعقلُ لن أراااااك؟؟؟!!!!!
ثم احتضنت الأفق...حراً ...يا أبي!
وبرفقتي كل الطيور ..
وانني أبكي لمصرع نملةٍ..
هل أنا انسان....قل لي يا أبي..؟!
علّي أراك...!

32
ترانيمُ محلّتي القديمة.
تلكَ الصغيرة التي مازالت كلماتها ترِنُّ في أذني! 
فراس إنتَ الكِلْ بالكِل!!!!
أنتصفُ إلى أجزاء موغلة في الفَقْد.
كنّا محلّةً استثنائيّةً في ذكرياتنا على الأقل.
وعلى الأكثر تلكَ الحميميّة التي لم أجدها في كثير من سرادقات الأحياء التي قطنتها مرغَما؛ لازدحام مراجعي (سوگ الطبيب) كما تلهجه أمّة الشرقاط .
هزّت ثائرة الذكريات في خلدي تلك الفتاة الخمسينيّة التي بكت غسّانًا وذكرتْهُ برفعةِ أخلاقهِ التي وقفتُ الآن على حقيقتها على سبيل العد لا الحصر!
- أوَلّي إنتي ما تعرفين شنو غسّان!
غسّان من أولاد محلّتْنا الخلوقين اللي ما يوم رفعْ عينو بوجه بنيّه منّا، واحنا الباب بالباب!!
قالتها لريم بعد أن سألتها من هو غسّان؟
الأخلاقُ ديوان الرّجال، ليست ملكًا إلّا لحاملها:
وأغضّ طرفي مابدت لي جارتي!!!!!!!!!!!!
يا يُمّا!!!!!؟؟؟؟؟
- جار بكل معنى الكلمة، ما شفنا منهم
بس الخير، كلهم والله هو و أخوتو أمراء…
تجاوبها أختها الثلاثينيّة:
- إي والله جيران العمر، وهوه چان ثگيل ومؤدّب..
ليلتفت الحديث إلى عبود بعد أن قال جملةً أرادَ بها أن يخفّفَ من الحزن (انگلبت المحادثة معادة).
تردّ الأربعينيّة الأخرى: 
- عبّود إنت ما تعرف معزّتهم،  وذكرياتنا ، جيران العمر..
أعرف معنى الأخلاق، لكن أن تتحوّل ماهيتها إلى صورة إنسان!
أعي جيّدًا دلالة لفظ (الحياء)،
لكن أن أشاهد كُنْهَهُ في صورة إنسان؟!!
الطِّيبَةُ أن تكونَ كريم النّفسِ، عفيفًا، ذا مروءة،
لكن أن تراها تمشي أمامك بكل ما أوتيتْ من معانٍ سامقة!!! ؟؟؟
(غسّان مهيدي)
تلكَ الصورة التي أبصَرتُ عن قُربٍ معاني الصفات النبيلة والتي لا تُباعُ ولا تُشترى،
ولا يُمكنُ لك أن تجدها مطروحةً في سوقِ الشُّهرة ربّما.
أشباحُ شخوصِ محلّتنا اليوم تقيمُ وليمةً روحيّةً لحضور ضيفٍ كريمٍ
كغسّان!
ذلك الشاب الممتلئ طيبًا،
أينما تراه تجده باسمًا ضاحكًا، ذا أخلاقٍ عالية جدًا...
في الابتسامة اشتركنا جميعًا،
(يا أخي بَشَر وين ماتشوفو مبتسم)!!!!
عجيب غريب!!!!!!
يوزّع الخير من دون ذراع!!!!
يمطر محبّة وعونا من دون غيم!!!!

في غصنٍ من أغصان محلّتنا بيت (قدّوري)،
كما يحبّ أهل محلتنا أن يسمّونه، هكذا مجرّدًا من الانتماءات إلا أن يكون فردًا من العائلة.
الحجي حسن، كانوا جزءً من العوائل التي تُعدّ عدًّا، عوائلَ تمثّلها محلّتي بالانتماء الاجتماعي،
 الانصيّف( ابو صالح وأبو هاشم)، الرشودي(  إبراهيم الرشيد ومحمد الرشيد)، يوسف الحمّو،  خالد الموسى، عرب الحاج علي،
كامل الرمضان أبو فاروق، صالح الشرگاط، مهيدي العاشور، بيت ابراهيم السالم، بيت علي حمّادي، حسين الشيحة، ابراهيم انتيفه، ابراهيم الستوري، الگطمير ( حجي خيرالله وحجي سعيد)، وبيت أبو هاشم وام هاشم….
گال قدّوري وحچا قدّوري، وگال أبو عمار وحچا أبو عمار!!
يااااااابه يا بوي شگد تحبهم؟؟؟
تونّس أبو فراس، تونّس يگلبي، جاك ضيف عزيز ومن اليحبهم گلبك:  (قدّوري)…
 والنوب جار السرور (غسّان)…
أذكرُ في يوم من الأيّام احتضنتني عمّه جميله، حينها لم أفرّق بينها وبين أمّي، إذ تمتلك عطرَ حنان الأمّ كحال جدّاتنا وعمّاتنا في المحلّة.
قالت لي بالحرف الواحد:
(اوليدي خليها ببالك كلنا ولد أم وحدة وأبونا واحد، وصحيح مرّات تمر بينا مصايب بس مادام عدنا حنيّة راح نظل أهل وماتنام الفجيعة بنصنا)...
واو كما يقول الغربيّون!!!
ربّما أبْصَرَتْ بعين الغيب مالم أبصرْ؟
ربّما حدّثتني من عالمٍ آخر من دون مناسبةٍ؟!!
لكنّها تعرف إلى من تتحدّث، ذلك الفتى المتّقد الذاكرة ، كأنّها تحمّلني رسالة ربّما لأبناء قلبها من محلّتنا لنذكرها يومًا ما في أوانها؟
حقًّا إنها كذلك يا عمّتي.
فعلا اليوم أدركتُ فحوى قولها!
من لم يكن منّا حاضرًا اليوم لأداء واجب العزاء لشخوصِ مَنْ نحبّهم سيكون حتمًا في استقبالهم في ذلك العالم الرّحب.
هاشم، وام هاشم، ومكيّة ومها، وسيف، وظافر، وحقّي، عمه وهبيّه، وگرحه، وسعديّه، ودنفاشه، ونعيمه، وابو صالح!!!! 
إفرح يا أبا صالح، اليوم يتجدّد اللقاء، اليوم تسمع أخبار أولادك وأحفادك، وأحفاد أحفادك.
اليوم يحدّثك غسان عن بيتك الذي بَنَيتَهُ بطالع المحبّة،
اليوم سيحكي لك بدموع الفرح عن مصطفى الذي كبر وأصبح فتى يافعًا كما يقال طالب علم في الجامعة!
أنا متأكّد يا غسّان أن الأحبّة قد هيّؤوا لك باحةً من نخيلٍ وأعنابٍ لا ينبغي أن تكون إلا لصاحب خُلُقٍ وحياءٍ.
متأكّد حدّ اليقين عن حقيقة بحبوحة برزخك التي ستكون وارفةَ الظلال بالنخيل والأعناب.
لا أعرف يا غسّان ما معنى أن يكون الحزن والألم والشعور واحدًا بينك وبين أحمد راضي مثلاً،
بينك وبين قدّوري الحسن مثلاً،
بينك وبين ظافر وهبي مثلاً ،
بينك وبين سيف مثلاً ،
بينك وبين حقّي اسماعيل مثلاً،
بينك وبين كلّ أولئك الأحباب الذين افتقدناهم، إلا أن نكون عائلة واحدة.
ربّما ماكتبته اليوم كان يجب أن أكتبه من زمن بعيد - على قلبي-  على أقل تقدير،
ربّما لأخفّف نوعًا ما عن كلّ ما أحمله من لواعج الشوق لأحباب افتقدتهم؟؟؟!!!
أن أكتب فيك بعض كلمات، لا يعني أنني أودّعك أبدًا؛ وما ذاك إلا لعلمي أنّك ستحزن وتعدّها من لحظات الفراق!
لازالت غصّة في قلبي حين زرتني بعد عودتي من زيارة بيت الله الحرام وقلت لي أستاذ فراس امدحلنا:  حبيبي يا رسول الله!!
كنت أشعر بك حينما مدحتها في بيت أبي سماح، وأنت تفيض دمعًا،
حينما حضرتَ مولد الحبيب الذي أقمناه ابتهاجًا بحضرة المصطفى، وقد سمّيتَ ابنك محبّة به..
لكن عزائي أنّ الربّ اختارك في أيّامك الأخيرة لتعاهد حضرة النور، وتعرفَ معنى المحبّة الذي لم يغِب عن قلبك كما عرفناه من خلال صحبتك.
أبا مصطفى سلّم لنا على الأحباب،
أبا مصطفى ثِقْ وكُنْ على يقينٍ أن الربّ سيعتني بعائلتك ويحفظهم.
أبا مصطفى "إنّ المزار قريب"
سنزورك طال العهد أمْ قصُرَ،
ولكن شتّان بين زيارة الأحباب وزيارة الأموات؛ لأنّك في ديوان الله حيًّا بأخلاقك وبصحبتك وبسلوكك وسيرتك التي لم نعهد فيها إلا الخير.
أبا مصطفى علّني أجد في كلماتي هذه - التي نادرًا ما أبوح بها- تسليةً وإيناسًا لي، فتقبّل منّي مراسم توديعك إلى لقاء قريب.
أبا مصطفى سأزورك وأمدح لك حبيبي يارسول الله، وأدعو لك كما هو حالي مع أهلي وأحبّتي...
لك صلوات منّي مطرّزة بالغبطة على ما شاهدته من محبّة الناس لك، وألمها على رحيلك.
أراح الربُّ بالك، وأظلّك بوارف رحمته.
……

33
الراحل الكبير طالب القرغولي 

في دمشق الحبيبة وبعد الاحتلال الامريكي للعراق وكعادتها في إحتضان أبنائها (إدخلوها آمنين)
هكذا هي قلب العروبة النابض وشعبها المضياف فَتَحَت أبوابها أمام القادمين من وطنٍ يحترق ، يذبح بدمٍ بارد كان من بين الفنانين الموسيقار طالب القرغولي  إلتقينا مرات عدة في مناسبات كثيرا تحت سقف المنتدى الثقافي العراقي  الذي إحتضن كل القادمين ومن كل الطوائف ممن حملوا في قلوبهم مآساة وطن  .
زارنا في البيت صحبة الإعلامي الكبير الاستاذ غازي فيصل وتحدثنا عن المسيرة الفنية وقص علينا القصص من محطات حياته ، كان يشتهي أن يجلس صباحاً ليصغي بهدوء لزقزقة العصافير ويستنشق عبير الورود ورائحة التراب ويشعر بنسيم الصباح الذي يفتقده ، صباحاً يشبه صباحات الوطن   .
ردّ عليه الخال : ستجد كل ماتشتهيه في المزرعة   
إلتفت الى خالي وقال
(صدگ أبو أحمد ، صدگ تحچي )
ـــ بالطبع لما لا ،، أهلا وسهلا بك في اي وقت هذا بيت العراقيين ، فأن شئت غداً انت والحجي غازي مدعوان على فطور عراقي (ريوگ)
سألني الخال  … ما رأيك فانتِ سيدة البيت ومديرة الاعمال وكلنا بأنتظار رأيك
قلت طالما استاذ طالب يتمنى صباحاً يشبه صباحات الناصرية ، سننطلق من البيت  الساعه السادسة صباحاً فهل يناسبكم الوقت ضحك الجميع خاصة الاستاذ طالب وقال إنها أمنية منذ أن أقمت في دمشق وهذا كرم منكِ ومن العزيز ابو احمد 
إذاً صباح  الغد الريوگ في المزرعة .
إتصلت بالشاب المسؤول عن إدارة المزرعة وجهزنا كل شيء   ،، مائدة عراقية غنية من تشريب الباگله والمعلاق المشوي على الفحم والخبز العراقي الحار   .
كنّا في صباح اليوم التالي في المزرعة وكما حلم وتمنى الاستاذ طالب وكم كان سعيداً وهو يتمشى بين الاشجار ويصغي لزقزقة العصافير ويستنشق رائحة الأرض التي غطاها الندى  .
ويكرر الشكر لخالي الذي أسعد قلبه بهذه الزيارة الرائعه ،
كانت جلسة تُسَجَلُ في ذاكرة الروح والوجدان ببرائتها وأدب وأخلاق جلاسها ، كلنا عائلة واحدة لا ضيف ولا مُضّيف  ، بعد الفطور الصباحي العراقي بأمتياز قرأت لهم أبيات شعرية أثنى عليها الراحل وقال وداد انت تكتبين بنكهة السبعينات يوم كان للكلمة جمالها وللحن مقامه ، قد نتعاون في أنتاج عمل جميل.
وكم كنت سعيدة بحضوره الأمسية الشعرية التي أقيمت لي في قاعة المنتدى الثقافي العراقي وقد عبر عن إعجابه عندما إلتفت إليَّ وقال
كنتِ رائعة وداد أبدعتِ اليوم  أبهرتينا أنا سعيد جداً بهذا التألق  .
سافر بعدها الى أوربا وأجريت له عملية جراحية وتدهورت الصحة ليعود الى الوطن الذي أحبه ككل المغتربين الذي أجبروا على مغادرته .

رحم الله الفنان الكبير طالب القرغولي
وأحسن مثواه
سيبقى في الذاكرة كلما سمعت أغنيته الأقرب الى قلبي

چذاب دولبني الوكت بمحبتك چذاب
چذاب روحي تمرمرت من عشرتك چذاب

صباحكم محبة وسعادة أصدقائي

34
قصة قصيرة
الحب والخيانة
الكتابة / نرمين طاهر بابا
يقال في الأمثال الشعبية (حديث امرأتين يخرب بيتين)
من الشائع انه عندما تجتمع النساء فإنه على الأغلب تفوح من أحاديثهن رائحة الطهي وإن أحْسِنَ الظّنُّ قليــلاً لحديثهن يقال : تفوح من أحاديثهن روائـح العطور والمكياج وماركات الملابس ... الخ .
أما الحديث الذي أود نقله لكـم عبر هذا المقال فهو حديث مختلف تمامـاً وليس شائعـاً .. حديث دار بين مجموعة متنوعة ومختلفة الفكر والتوجهات لمجموعة من النساء فـي أواسط العمر أو على مشارفه وكان مدار حديثهن كلمتين (الحب والخيانة) وماذا يعني ذلك لهن ... فَكُنَّ بين المتطرفة والطبيعية والمنحازة بفعل تجربة ما .. أو بحكم الثقافة التي تحمل الواحدة منهن ... الخ
ولفت نظري بعض هذه الآراء حيث قالت إحداهن عن الخيانة :
- أنا لا أعتقد إن هناك شيء اسمه خيانة فهو ببساطة عندما تتغير الاتجاهات والمشاعر يتغير السلوك فلسنا مجبرات على العيش في معتقلات المكان والإحساس والعكس صحيح أيضا اذا تغير مشاعر الرجل .
وقالت أخرى تعقيباً على كلام الأولى :
- الخيانة هي خيانة الأصدقاء والمحبين وليس الأزواج والزوجات فأنا قد أتفهم أسباب البعض ودوافعه ولكن خيانة العلاقات الطوعية غير القائمة على الإكراه هي الخيانة بعينها
أما الحديث عن الحب ... قالت إحداهن :
- أحببته رغم الاختلاف إلى حد التباين في بعض الصفات والبيانات بيننا ... اختلاف في العمر ومستوى التحصيل الدراسي وربما المستوى المعيشي ولكن هناك قواسم مشتركة بيننا كالثقافة العامة وعشق الكمالات الأدبية وكذلك الوضوح والعفوية والصدق والبساطة والتواضع والبشاشة والتفاني والتضحية وأحدنا يفهم الآخر تلقائياً دون عناء ويتعاطف مع مشاعره بل يشاركه في الأفراح والأتراح .
وقالت الأخرى :
- الحب عبء أحياناً أوغالبا وقد يدمر احترام الانسان لذاته وفي هذه الحالة يجدر التخلص منه...
الحب يعني التعلق والتعلق ضعف وليس هناك من يستحق أن أتعلق بـه ... فالمرأة تشكل بعض حياة الرجل وأما الرجل فهو كل حياتها وهنا يكمن الخلل .. وأنا أرى إننا قد نحتاج لمصل نسيان الأحبة ولمحو المشاعر وكبح جماح اللهفة والحد من الألم الذي يدمر الخلايا بعد فقدان أو غدر أو خيانة حبيب او اشخاص احببناهم واعتبرناهم جزءا من حياتنا وأضافت قائلة :
إن دفن قصص الحب واحتضار العواطف مؤلم ولكنه كألم بتر عضو مصاب قد يحمل شيئاً من الراحة بعد ذلك وهذا مطلب عندما يصبح عبئاً يجب التخلص منه ما رأيكن ؟!
هنا أبدت أغلبهن الرفض وأظهرن الامتعاض من هذا الرأي المجحف حول الحب ولكنهن سكتن على مضض .

35
ثرثرةٌ فوق المِيل
قصة قصيرة

    عندما يغيبُ قُرص الشَّمس خلف نصف ذلك العالم وتُنزل ألسِنة الظلام السِّتار على آخرِ بُقعةِ ضوءٍ تبدأُ الطبيعةُ بارتداءِ قِناع تبدُّل الأدوار ؛ فتتوارى عن الأنظارِ جَحافلٌ من مؤيِّديها وتستيقظُ جحافلٌ أُخرى لأداء مَهامها ... وفي تلك الدَّوامة تتبارى المُتناقضاتُ وتحتدم في ساحةِ النِّزاعِ عمليات الكرِّ والفر .. ففي كُلِّ يومٍ هُناك مشهدٌ دِراميٌّ يتكرَّرُ مع تغيُّرِ الكائناتِ وبقاء البطل ... قُبيل الغُروب تخطفُني قدماي وتتَّجه بي بنشوةٍ نحو حديقة المَنزل لأستظل بتلك الأشجار التي تصْطخبُ بزقزقةِ العصافير الرَّاجعةِ إلى أعشاشها للتو ؛ وأعانق طلَّة الشَّتلات التي احتلتْ مساحة كبيرةً وأُكحِّل عينيَّ برؤية بريقها وهي قابعةٌ في أوكار السِّنادين .. ومنها تنبعثُ رائحة الزُّهور وتُقدِّم لي قُدَّاس عطرها لاستريح ... وفي تلك الجلسة بُنٌّ عتيقٌ يدورُ في فنجان القهوة الذي يتراقصُ بيدي أسيراً ويُوعزُ لمُنبِّهاته أنْ تُرضيني وتُدخلني في حيِّز التأمُّل والتفكُّر... وتشقُّ الأحاديثُ مع المُحبين عباب الصَّمت ؛ وتتجاذبُ الموضُوعاتُ وتتهالكُ في الرَّأي والرَّأي الآخر ... وتقومُ ظُلمة اللَّيلِ بتعبئةِ المكان والسيطرة على طُرقاتهِ وأجوائه ... وتعكسُ مرآيا تلك اللَّوحة ألحانَ الجلسة ، حتى يبدو الضعيف قويَّاً والقوي ضعيفاً ... وهو مشهدٌ طبيعيٌّ يتوالدُ على الدوام .
    في هذا المشهد يتمطَّى المِيلُ (المِصباح) بارتياحٍ لينشُر ضياءهُ في رحابِ تلك العُتمة ؛ ويأسر ذلك الظَّلام في بُقعةٍ مُحدَّدةٍ ويُتوَّجُ فيها حارساً حتَّى الصَّباح .. وبعد هذه النشوة يتبارى المُتنافسون فوقه كُلٌّ بحسب طريقته وخديعته ، وحول هالته يتنازعون .. فهنا سِربٌ من البعوضِ يتبضَّعُ ضجراً في مُحيطه ؛ ويتقاسمُ همَّهُ ذهاباً وإياباً .. طائراً وواقفاً ، ثم يرتفع وينزل ولا يهدأ في مُناوراته .. مُصدراً طنيناً لا مثيل له وإثارةً واضحة للعيان ... وبعد الاحتلال المؤقَّت وتسيُّد المكان تتلاطمُ بين ثنايا ذلك السِّرب فراشة كانتْ قد ضلَّت طريقها ؛ وهي تُريدُ الالتحافَ بذلك الضوء لتُجدِّد نشاطها ، ولا سبيل لها للعيشِ في هذا الوقت إلاَّ هُنا ؛ واقفة تارةً ومُحلِّقة تارةً أُخرى ... ومن هُناك جَرادة تقفزُ عِنوةً وترتطم بغباءٍ بذلك المِيل الذي ظلَّ عاجزاً عن حمايةِ نفسه ، مُحاولة منها لأخذِ نصيبها من الغنيمةِ الدَّالةِ على الحياة .. وهي تتربَّصُ بوجلٍ بوجه مُثيري الشَّغب في هذه اللَّحظات ؛ لكي تبقى راسخة في المكان وتغرس جُذورها حتى انبلاج نُور الصَّباح ... ولبعضِ الذُّباب مكانٌ في هذا المشهد ؛ إذ يتطايرُ مُنسجماً مع الأجواءِ ويتحيَّن فُرصة الظَّفر بما يُريدهُ ويبْغيه ... وفي الزاويةِ القريبةِ يتسلَّلُ صرْصُورٌ مُقترباً من الميلِ مرَّةً ومُبتعداً عنه مرَّةً أُخرى لتحقيق نواياه .. ولاسيما عندما يكونُ من النَّوعِ الذي يُصدر صوتاً عالياً ، فيُقلق المكان وأنزعجُ أنا كما هُم ينزعجون ... والزحامُ يشتدُّ في بعض الأحيان عندما تحشرُ حشراتٌ كثيرةٌ نفسها في هذا الاحتفال الأُسطوري الذي تُقرعُ طبُوله في كُلِّ يوم ؛ وتنوي مُمارسة طقوسها كما هُم يُمارسون ...
     لا أنوي وأنا أشاهدُ ملحمة كلكامش الحشراتيَّة استعمال سلاحي المُميت من المُبيدِ بل أتركُ الطبيعة تتنفَّس الصُّعداء ، وجوهر الوجود والعدم لستُ أنا سيده ؛ فتلك حياتهم ولي حياتي ... تحتدمُ المُنافسةُ وتطول لساعاتٍ ولا حِراك لقوَّاتي لإنهاء المشهد ، ولكنَّني دائماً ما استعمل سلاحي الفتَّاك الذي أرتديه في قدمِي أو عصا طويلة عندما يُفسد ذلك البرص (أبو بريص) هذا الاحتفالُ الصاخب ويُنهي حياة العديد منهم بالتهام ما يصطادهُ .. يأتي البطلُ زاحفاً رويداً رويداً قاصداً ذلك الصخب .. مُرتدياً جِلبابهُ الذي يُشبه الحائِط الذي يزحفُ فوقهُ فيُوهمني ويُوهم فريسته .. ويتسلَّلُ ببُطءٍ من مسكنه في ذلك الشَّق القريب من المِيل ليأخذ وضع الهجُوم والتربُّص والحذر ، وتراهُ يُسيطرُ على الاتجاهاتِ ولا مُنازع له في هذه الحَلبة ... طبيعةُ الموضُوعات ومعالِمُ الجلسةِ هي من تُشغلني عن انهاء هذه المهزلة ، فأتركُ المكان تاركاً للبرص عرش السيادة في مُحيط ذلك المِيل ؛ ولا أعلم حجم الخسائر التي تكبَّدتها تلك الحَشرات ولاسيما عندما يكونُ الهجومُ من اثنين أو ثلاثة من البرص ... ولكنَّني أؤمنُ بالدِّفاع عن الضعيفِ وكسرِ سطوة المُتجبِّر مهما كلَّفني الأمر من جُهدٍ ووقت .. لذا أقومُ مُسرعاً نحو ذلك الاحتفال مُشهراً سلاحي الذي يُوصلني إلى مُبتغاي في الوقت الذي يكونُ فيه البرصُ خارجَ نطاق المنطقة المُحرَّمة ، فيصطادهُ سلاحي المقذوف بقُوةٍ لتجدهُ مُلتصقاً على الجِّدارِ أو ساقطاً مغشيَّاً عليه على الأرض .. وفي بعض الأحيان تراهُ ذكياً فلا يبرح المنطقة المُحرَّمة ، ممَّا يضطرني إلى تفعيل سلاح العصا .. وتكونُ الأمورُ القتاليَّة مُعقدَّة فيختبىء تحت الميل أو خلفه ، أو يهرُب مُسرعاً نحو شقِّه اللَّعين فأصطادهُ أو رُبَّما يُفلتُ من العقاب . وبعد قتله يُخيَّلُ لي أنَّني نجحتُ في مسعاي ، ولكنَّني عندما أعاود النظر مُجدَّداً فوق الميل أجدُ عُنصراً آخراً من مارينز البرص يتجوَّل في المكان .. وهُنا تشتعلُ أوار المعركة ثانية ، وتبقى الثرثرةُ فوق المِيل حتى تبدُّل الأدوار .

د. سامي شهاب الجبوري

36
مقالة هامة للأديبة السيدة سها جلال جودت ،
للدراسة والتأمل ...!
تمّ نشر هذا المقال في صحيفة الأسبوع العربي التي تصدر في لندن وفي مجلة رأس الخيمة الإمارات وصحيفة جريدة الجماهير حلب وعدد من المواقع على الشابكة، أضعه بين يديكم أحبة الأبجدية
المحبة سها

لغة الحوار وامتصاص الغضب
سها جلال جودت

عندما كنت صغيرة حفظت الدرس الأول من والدي بارك الله في عمره يوم عاقبني أشدّ العقاب قائلاً لي : انظري .. لم أخسر شيئاً ، بل كسبت نفسي.
تعود حكاية هذه الجملة إلى حكايتي مع جارتنا رحمها الله وغفر لها.
كانت تسكن فوق بيتنا، ذات يوم كنست الدرج من باب بيتها حتى باب بيتنا، وضعت الأوساخ ، طرقت الباب علينا، فتحت لأرى من الطارق..
المرأة بتهكم وثقة قالت: - لمي الأوساخ .
جالت عيناي في فسحة المكان الضيق من فوق حتى تحت ومن تحت حتى فوق، وأنا في حالة صمتي مع الأشياء والأفكار التي راودتني حينذاك، كنت أفكر أن أدافع عن حقنا فيما اقترفته يداها.
لم تدعني أكمل ... مثل قصف عشوائي رشت الكلام، وهددتني إن لم أفعل ما طلبته مني، سوف تشكوني إلى والدي، وحدث أن فعلت، كانت عقوبتي حرماني من مصروفي مدة أسبوع ومقاطعتي بالكلام معه.
يومها انبهرت من تصرف والدي كثيراً، الرجل بكل عنفوانه قام  بلمِّ جميع الأوساخ من أمام باب البيت ووضعها في كيسها المخصص.
وعمتي التي تشبه أخاها، حكت لي عن حكايتها مع جارتها هي الأخرى لأضيف درساً جديداً إلى الدرس الأول..
كانت تغسل الثياب، في تلك الأيام، المرأة لم تكن تستعمل الغسالة الآلية، كن يغسلن الثياب بأيديهن بالصابون ومادة الصودا التي تزيل البقع من الدهون والشحوم، ويستعملن مادة الزراق للأبيض كي يزهو لونه.
في حمأة انشغالها بإنهاء غسيلها طرقت الباب الجارة مطالبة عمتي بغسل الدرج، حين رفضت ، انهالت كلمات المرأة  بوابل رصاص الحرب.
التزمت عمتي بالصمت، ووقفت تتطلع في وجه ولسان المرأة اللذين لم يكفا عن الكلام بعد، حتى ساد المكان هدوء مغتم.
عندئذ دارت عمتي بظهرها ودخلت بيتها، بعد أن قالت بصوت خفيض: سامحك الله.
بعد مدة، قرعت الجارة الباب مرة أخرى، فتحت عمتي، فوجئت بها تحمل صينية القهوة وفنجانين من الودع.
هذه المقدمة ضرورية للبحث في صدامات علائقنا الأدبية على الأصعدة كافة...
والأدب رسالة سامية وأعتبرها بمنزلة رسائل الأنبياء إلى البشر جميعهم، للتحلي بالأخلاق الحميدة من حسن في الإصغاء إلى الطرف الآخر، وامتصاص غضب الآخر بالصمت أو القول الجميل .
كيف سنحقق وحدة الكلمة إذا كنا مختلفين من أجل أفكار لم يعجبنا طرحها، ولا الخوض في تحليلها لأنها لا تتناسب مع ذائقتنا الفكرية وميولنا وتوجهاتنا.
لكل أديب قناعته فيما يكتب وله الحق في هذا، ولكل ناقد رأيه ورؤيته في التحليل ولكل باحث فانوسه للبحث عن حقيقة واقع المسيرة الأدبية لعلم من أعلام الفكر والثقافة، وإذا تجرأت المرأة وكتبت في أخطاء المجتمع وما كشفته تجربتها على الصعيد الشخصي والصعيد العام نقف لها بالمرصاد لنقتل لغتها ونخلق في طريقها بلبلة لن تقدم سوى الإساءة لكلا الطرفين.
قد يصادفنا نص، والحكم الفصل في هذا النص هو القاضي الناقد، القاضي الذي يستعمل الحياد في تفكيره مع فكرة وجوهر بنائية النص.
وإذا كانت الحياة تتطلب منا اليوم – أشدد وأؤكد على كلمة اليوم- أن نكون أكثر توازناً وعقلانية في مواجهة خطواتنا. علينا ألاّ ننسى الخطر الأكبر الذي يحيق بنا من الأطراف كافة خاصة في مواجهة الإمبريالية الأمريكية الصهيونية الماسونية بكل قوتها وغطرسة وجودها.
لغة الحوار نحتاج إليها، أكثر مما نحتاج إلى الكتابة، سبب أزماتنا عدم لجوئنا إلى لغة الحوار البناء، وعدم تقبل الرأي الآخر، بماذا ينفعنا الغضب ؟ وبماذا تنفعنا الإساءة لبعضنا ؟
في الماضي كانت الجارة تحافظ على نشر غسيل جارتها في بيتها، تطويه وتقدمه لها باسمة معبرة عن الرضا بما فعلته لترضى جارتها عنها، أما اليوم وبدخول الغسالات الآلية فما عادت الجارة تحتاج إلى حبل غسيل، بل تبحث في وجه جارتها عن صونها لكرامتها وفي عدم ترصدها لكشف أسرار بيتها وعن نصف ابتسامة في وجهها.
نحن أمام مواجهة كبيرة وخطيرة، مواجهة العدو تحتاج منا إلى تضافر الجهود كافة ، الفكرية والأدبية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في سبيل إعلاء كلمة الحق، من أجل رفع شأن الأمة العربية وإعادة أمجاد من سطروا لنا بدمائهم البقاء في أوطاننا معززين، مكرمين.
صراع المرأة مع الرجل فكرياً بلا حوار فيه مشورة واستئناس برأي الطرف الآخر وعدم احترام لما تحمله أنت من فكر وأدب، ولما أحمله من الموازي الأخلاقي الأدبي أمر جدُّ هام، ويشكل خطراً على سلامة الفكر العربي، ويترك الغسيل منشوراً يتعرضه المطر والهواء المغبر المتسرطن ببلوى الحقد والكره، ليفرح ويشمت العدو.
الإساءة والتحامل على بعضنا لن تورثنا في النهاية سوى الخيبة والمرار، لن ينفعنا في مواجهتنا لأعداء الأمة العربية سوى التضامن ضمن أسس الشمولية الفكرية الأخلاقية المتعلقة بأنثروبولوجيا علم الحياة.
إذا كنا نحن كأدباء لا نحترم كتابات بعضنا فالأجدر بنا ألاّ نتوجه بلوم القادة السياسيين في مؤتمراتهم حينما لا يتفقون، كل شيء كبير ينبت من شيء صغير مثله مثل حبة قمح تزرعها لتعطيك فيما بعد عدة حبات ، وكيفما تكون التربة يكن العطاء.
يبدو لي مما يحدث الآن أن المرأة أصبحت أكثر جرأة من ذي قبل، فهي تسعى للكشف عن تشوهات المجتمع التي هي أحد أهم أركان الفساد الذي استشرى في مجتمعاتنا من خلال أعمالها الأدبية، وفي هذا على القاضي الناقد أن يقف موقف الحياد مما رصدته، ويقرأ بعيون كثيرة، عين القلب، وعين العقل، وعين الفكر، وعين الوعي، وعين الصدق، وعين التحرر من تبعيات ومخلفات الموروث الجاهلي، وما خلّفه لنا الاستعمار طيلة أحقاب عدة، لا بعين واحدة.
 هذه الحقيقة علينا أن نواجهها بمنطق العلم والوعي الفكري الاجتماعي فهي تخص كلا الطرفين، وإذا راجعنا أنفسنا نجد الخطأ موجود في كلا الطرفين معاً، هذه تهاجم تلك، وذاك يهاجم هذا، أو ضد بضد، والنتيجة نشر العداوة وتهميش دور لغة الحوار،  ولغة الحوار هي رأس هرم نشوء الحضارات الإنسانية، منشؤها وقاعدتها الكتابات الإنسانية التي تشير إلى الواقع في مصداقية للنقل تكون قريبة من أحاسيس ووجدان الناس، معبرة عن مشاكلهم ومتطلباتهم وحاجاتهم ورغباتهم وطموحاتهم وأمانيهم،   لأننا بأمس الحاجة إلى كشف الستار عن بواطن الفساد محلياً لنكون قادرين على الخروج نحو جهة الضوء الأحمر لنضع الحلول الناجعة والمفيدة لأجيالنا وأجيال أجيالنا. حتى متى سنظل وراء العيب نختفي ؟والحرام المحلل في نظرهم أصبح مباحاً في العتمة والضوء.. أثرياء الحروب وأثرياء الرشوة وأثرياء الممنوعات يقلدهم في هذا الفقراء!!
(النساء شقائق الرجال ) قوله صلى الله عليه وسلم ، وكلمة الشقيقة تعني الأخت بالمعنى الدارج العامي، أما لغويا ً فتعني : الشق الثاني من الشيء .
 إن الذكر والأنثى يشبهان حبة الفول، إذا فصلتهما عن بعضهما كان الشق منها مساوياً لرديفه بالشكل والطعم واللون، وتبقى ردود الأفعال رهينة العقل والفكر والقلب، كلٍّ حسب امتلاء ذاكرته بعناصر الحكمة واكتسابه خبرات التربية وسلوكه الحميد، وطالما هن شقائق الرجال فلماذا لايقف الرجل موقف الحياد أو العقلانية من صراحة وجرأة المرأة في أدبها حين تصف مجتمعاً موبوءاً بسموم العلائق المشوهة؟ لا أعتقد أنها تريد من وراء هذا العمل الإساءة إلى شخصها، بل تسليط الضوء على ما تناسينا أهمية خطورته في بيئتنا التي تعني مجتمعنا ؟

المقولة الشهيرة لمعاوية بن أبي سيفان " لو أن بيني وبين الناس شعرة لما انقطعت، فإذا شدّوها أرخيتها، وإذا أرخوها شددتها" تجعلني أقول: لماذا لا تكون شعرة معاوية بيننا دائماً؟  لماذا نحاول أن نقص الشعرة حتى تقصر، أو تكاد لا تظهر ؟
مسؤوليتنا نحو مجتمعنا العربي يجب أن تأخذ أولويتها في حياتنا ومن خلال مسيرتنا الأدبية كي لا تطالنا يد الشر من قبل المتربصين بنا .

37
محاولة للبحث عن أسباب نجاح مسرحية
" ريّا وسكينة "

* تُشكل مسرحية " ريّا وسكينة " علامةٌ فارقة في تأريخ المسرحيات الكوميدية العربية رغم ثيمتها التراجيدية ، فهي ذات نص مُتقن وإخراجِ مميز .
عُرضت عام ١٩٨٠ على مسرح الحرية بالقاهرة ، من تأليف بهجت قمر و إخراج حسين كمال .
بطولة : شادية ( ريا) ، سُهير البابلي ( سكينة) ، عبد المُنعم مدبولي ( حسب الله) ، أحمد بدير ( عبد العال ) ، نعيم عيسى ، أمال سالم ..
وهي من إنتاج سمير خفاجي وفرقة المتحدين ، ألحان الأغنيات والموسيقى التصويرية : بليغ حمدي . كلمات الأغاني الشاعر عبدالوهاب محمد .
تناقش المسرحية قصة سفاحات الاسكندرية وقاتلات النساء : ريّا وسكينة ، بمعنى الأحداث حقيقية وقعت في حي اللبّان / قرب ميدان المنشية ، فريّا ( مواليد ١٨٧٥) وسكينة ( مواليد ١٨٨٥) إمرأتان تحملان ملامح رجولية أرعبتا سكان الأسكندرية نفذ حكم الأعدام بهما يوم ٢١ و٢٢كانون الثاني ١٩٢١ ؛ لتصبحا ضمن قائمة أسوأ عشر نساء في التأريخ.
ألهمت قصة الشقيقتين ريّا وسكينة مخرجي السينما المصرية فأنتجت ثلاثة افلام مهمة تناولت حكايتهما ، ففي سنة ١٩٥٣ أي بعد قرابة ٣٢ سنةً من إعدامهما عُرض فيلم الرعب المصري " ريّا وسكينة " ، من بطولة فريد شوقي وانور وجدي وشكري سرحان ، ثم ظهر فيلم " إسماعيل يس يُقابل ريا وسكينة " بطولة إسماعيل يس ؛ وفيلم " ريا وسكينة " الذي أدت فيه دور البطولة شريهان برفقة الفنان يونس شلبي ، وآخر الأعمال الدرامية مسلسل " ريا وسكينة " الذي عُرض عام ٢٠٠٥م .
قدمت مسرحية " ريا وسكينة " بطريقة ٍ كوميدية نقداً لبعض آفات المجتمع ، مثل :
. خيانة الثقة.
. المشاكل العائلية وتأثيراتها على المجتمع بالعموم.
. أنتقدت بشكلٍ واضحٍ وصريح " المحسوبية " وجسدتها في إحدى اغاني المسرحية ، وأقصد :
" شبكنا الحكومة ، وبقينا قرايب " !
لاقت المسرحية إقبالاً جماهيراً واسعاً ، فقدمت عروضها لمدة ثلاث سنوات في مصر ، وحاول كاتب النص الأستاذ الراحل بهجت قمر الإبتعاد عن الميلودراما وسعى إلى تقديم سيرة ذاتية لمجرمتين زرعتا الخوف في النفوس لحقبة طويلة ؛ فنقل أحداث القصة ذات الطابع التراجيدي بقالبٍ إستعراضي مُلون ؛ وفاضت المسرحية بالعناصر الخفيفة والإسقاطات على الأمن لدرجة التهكم.
تُعد مسرحية " ريا وسكينة " صورة متكاملة عن صناعة المسرح ، ولعل حضور أسم لامع في عالم الفن السينمائي والغنائي مثل السيدة الراحلة (( شادية )) منح المسرحية قبولاً جماهيراً واسعاً ، ورغم ان كاتب المسرحية قام بصياغة النص من أجل النجمتين سُهير البابلي وشويكار ، لكن أثناء عمل البروفات برزت أختلافات في الرأي ، أدت بالتالي لمشاكل عديدة قررت إثرها الفنانة شويكار الأعتذار عن العمل في المسرحية ؛ فأقترح سمير خفاجي صاحب فرقة الفنانين المتحدين حينها أسم شادية التي بمجرد قراءتها للمسرحية إنبهرت بها وقررت الموافقة وولوج عالم المسرح الساحر والمواجهة وجهاً لوجه مع الجمهور ، فكانت تلك التجربة الأولى والأخيرة في تأريخها الفني على خشبة المسرح.
ملاحظة لابد تسجيلها عن المسرحية وهي ان كل فريق عمل المسرحية كان يخرج عن النص لإضافة  جُملٍ طريفة وقفشات مُضحكة ، وخاصةً الفنانة سهير البابلي ، ومبعث تلك الظاهرة في المسرح المصري بتقديري طول فترة عرض المسرحية الذي تجاوز الثلاث سنوات مما يبعث الملل لدى الممثل الذي يقدّم دورهُ يومياً فيحاول ان يلغي حالة السأم والملل بإطلاق نُكاتٍ تتناسب ودوره الحقيقي.
وأعتقد إن أهم أسباب نجاح المسرحية وخلودها في ذاكرتنا :
أ. أنها مسرحية مُغايرة / مُشاكسة / مُحتجة.
ب. الأسماء اللامعة التي أدت الادوار ممن منحو العرض هدفة وتأثيره بفعل صدق الأداء حد التماهي مثل القديرة سهير البابلي والحريصة شادية وهي تقف لأول مرة على خشبة المسرح واحمد بدير بحضوره الفاعل والمتمكن..مما يضع الجمهور في نشوة .
ج. الترتيب الجيد للمشهد البصري ( السينوغرافيا) وهي من مُكملات العرض المسرحي مثل : الديكور / الملابس/ الاضاءة / المكياج / الأكسسوار ...
د. الموضوع المشوق للجمهور فالعرض لايخلو من كشف لسايكلوجيا التركيب الداخلي للأنسان عندما يصل إلى درجة قاتل محترف ومحاولة معرفة دوافع ذلك الفعل.

د.ياسر تركي
مهتم بشؤون المسرح
١٩ حزيران ٢٠٢٠

38
استغاثة الاعزل
.................... جواد الحطّاب

( عن أطوار بهجت بمناسبة عيد ميلادها الذي يتزامن مع عيد الصحافة العراقية)
 كم يبلغ الشهداء من العمر الآن ؟
...................... 
.
(... ها انا البّي امنيتك اخيرا  ؛  واكتب عنك قصيدة
لكنها  ؛  ويح اصابعي  ؛  مرثية )!!!
.
.

            ما انتن الرجولة
            حين تنفرد الرشاشات بامرأة ..
.
كانت تعتقد ان القتلة قد جاؤها بدورق ماء او بحليب بقر
فهي ؛  منذ الشمس ؛  قبالة قباب  ( علي الهادي )  الكانت مذهبة
والتي يمّمت وجهها نحوه وقالت  (..  سيدي  ؛   يا ابن رسول الله  ؛
ستبقى قبابك مذهبة داخل الانفس .. )
وساعة داهموها صارخين  ( أين المذيعة ) احسّت بالخذلان ..
فالذي لا يفرّق ..
 بين  ( المراسل )  و  ( المذيع )  ويحمل رشاشة آلية
هو قاتل بالتاكيد  ..
.
           ما اتفه الرجولة
           حين تنفرد رشاشاتها ب  ..  امرأة
.
امرأة  ؛  كل سلاحها   ؛   ما تيسّر من  (  خارطة  )
وما تحفظ من دعاء   ؛   توصي به الامهات  – عادة –  لمواجهة المآزق ..
.
..  تباين شاسع في الاسلحة
كتباين القباب الذهبية   ؛   والالغام السود
كتباين الخناجر  ؛   والجسد الفتيّ
.
القادمون من العتمة ..
الهواة  ب  (  سمكرة  )  الاجساد
نصبوا الكمائن للغزالة
وتراهنوا  :
             خارطة العراق على صدرها
             ذهب
             ام  ..
             شبه  ؟!!
.
السمكريون   ؛  الهواة
اشتغلوا  ؛  بغطرسة  ؛  على جسد الغزالة
واكتشفوا  ..
ان الخرائط
               :   من بهجة
                 واطوار  ..
.
 كيان أبيض يتدحرج من حافة الروح الى  ..  القبر
.. أعدتِ الى الموت قيمته الحقيقية  ؛   بعد ان أُبتذل من كثرة الاستعمال .. !!
يا طفلة  ؛  روّضت موتها  ؛  وقادته  – كمشاكس صغير –
من النسيان  ؛  الى الشهادة
ومثلما تستعرض مقتنياتها الاثيرة  ؛  استعرضت امامه
 .. طعناتها

:  الرصاصات اللئيمة
:  ثقوب ال (  أدريل  )
:  اللحم المفقود هنا وهناك
:  و ..
 حتى بكى الموت  – خجلا –  من القتلة
.
غيابك  ؛  مجاز ؛  لا علاقة له بالوثوق والتاكيد
فها انت  ؛  ايتها اليتيمة  (  التي تدعيها الان جميع بطون العشائر )
يتردّد صداك في الامم المتحدة  ؛  ويلهج باسمك كبار رؤساء العالم
وينشد المغنون في حضرتك .. المراثي
.
فطموحنا انقاض
ولم يعد في علب الالوان
ما يكفي لفبركة البياض
.
وماذا في رحيلك يا قدّيسة
:  عينان خضراوان
  واحتاجهما الله
  لأضاءة  ليل الجنة
.
فارفعي اطراف كفنك  ؛  وانت تمشين على الماء
اني  ؛  أخاف على النجوم ان تبتلّ

..
..
ايها الشعراء ..
اقترحوا اطوار على الربّ
فعلى ايّ كتف شاء يجلسها
لن تحصي سوى :  الانسان

             ******

في صحراء  (  سرّ من رأى  )
كان  (  السيّارة )  على بعد  (  بئر )  من أطوار
ورغم انها بلا اخوة  ؛  ولم تقصص رؤياها على المرآة
الاّ انها رأت اكثر من كوكب يسجد
..  لكنه  ( الغراب ) هذه المرّة  ؛  وليس  ( الذئب )
.
.
سحائب من غربان احتلت  (  الكادر  )  حتى ان  (  الكاميرا  )  لم تستطع متابعة الطائرات الورقية  ؛  وهي تعود الى اكفّ الاطفال  ؛  محترقة !!
.

يا يوسف ..
الف ذئب من ذئاب اخوتك
ولا غراب واحد  ؛  من غربان  (  ساء من رأى  )
.
وياطور بهجتنا ..
تكاثرت انفلوانزا الاشواك في مزهرية الطيور
فضعي  (  حجابك المدمّى  )  على عين العراق
عله يبصر الفاجعة  ..

             ********

على سجادة صلاتها
تطحن امّي دعاء يابسا
وترشّه  ؛  قبل النوم  ؛  على الاولاد
.
خذ لي  (  اخي القاتل  )
صورة اخيرة
كتذكار  ؛  لاولادي القادمين
.. اريدهم  ؛  ان يروني فيها
مبتسما ..
وبكامل اناقتي ..
.

لكنّ (  اخي القاتل  )
يعصب عينيّ
ويحفر نفقا  – بالادريل –  في صدغي
وعاريا
يرميني  ؛   بمياه الصرف الصحي
....
....

يبكي الله على سجادة امّي

.....
.....
.....

نماطل الاموات  ..  بالموت
نماطل كاتم الصوت
نماطل المفخخات
نماطل المداهمات
نماطل المحترفين
نماطل الهواة
وفي نهاية كلّ يوم
ينعب ؛  في خرائب روحنا  ؛  البوم
فنمرّ على بنادق القناصة
ونكتب اسمنا على رصاصة
.....

يبكي الله على وجع العراقيين

           
 ************
.

 ما اقذر الرجولة
حين يكون مجدها  ؛  صرخات امرأة
.
.. انتظر القتلة صرختها  ؛  ليرتقوها  –  سلالم  –  الى المسرّة السوداء
لكن اطوار –  اعرفها  –  ربتت على كتف خوفها  ؛  وهمست باذنه
( ..  من النذالة  ؛  ان يتخاذل المرء امام قاتليه  )
فحققت المعجزة :
  ان يمشي الخائف الى ذعره  ؛  بدون ان يستغيث
بأمل مثلوم ..
..
الحدائق  ؛  أصابتها التأتأة
وتوقف العطر عن الخفقان
..  طوال الليل
ظلت تنزف الوردة
.
لا .. لم .. تمت
خيبات ..
الأمل ..
تتنفس ..
......
.......
.......

في سامراء
لا ننتظر الظهور
في سامراء
نكرر الغيبة
.
.
.......................

هامش
.......
عزاء ابيض او ليلة وأد بغداد - رواية لأطوار
على جناح ليلكة - ديوان شعر لها
وهناك مخطوطات ...
.
.

39
الجزء الثالث والأخير

من طُهرِ حليبها أرضعتني ، وعندما فاض الشوق والحنين إليها ناشدتها ان لا تقلق ،،

لو تهت بزحمة المشوار
صدى صوتچ يصحيني
وإذا زل الچدم بيا
أشوف خيالچ بعيني
ولو دارت بيا الاقدار
برمش عينچ تغطيني
رويتي بالوفى گلبي
يشع من طيب وجدانچ
ولو أنسى حلم عمري
محال يكون نسيانچ
********
إنها أمي رحمها الله ،، قلبها واحة من المحبة والجمال ، وطن إتسع للجميع ، قنديل أنار لي دربي في غربتي وشد من عزيمتي على مواجهة المواقف الصعبه ، منها تعلمت متى أكون مسالمة وطيبة ومتى أكون كحد السيف يندم من يؤذيني ..
*****
حملت مقالتي التي رتَبتُ نسخها بأناقة ، كل نسخة في ظرف خاص عنونته بأسم الصحيفة
فكانت المحطة الاولى جريدة العراق التي إستقبلني موظف الأستعلامات مبادراً
ــ نعم تفضلي
 دون أن يرد التحية ،،  (أنتابني شعور بانني دخلت بالخطأ دائرة أمن او مخابرات فشاربه المتدلي حد الذقن وهيئته لا توحي  بانني في موقع إعلامي ..
قلت أود مقابلة أحد المسؤولين أو أي صحفي يعمل في الجريدة
ــ خير تفضلي
لدي مقالة وأريد ان يطّلع عليها مختص
ــ أعطيني المقالة وأنا سأسلمها للمسؤول
قلت ممكن تسمح لي ألتقيه
ـــ أسف اتفضلي أعطيني المقال وأنا سأسلمها لرئيس التحرير ..
سلمته النسخة وخرجت الى محطتي الثانية ، جريدة الجمهورية وكأنهم متفقين على نفس النظام أودعتها لدى الاستعلامات .
كان الدكتور جابر عمر الراوي قد أوصاني بأن أمرّ في طريقي على جريدة القادسية وحملني السلام لرئيس تحريرها أمير الحلو .
قابلني الرجل ورحب بي وسألني عن الدكتور جابر  وسلمته نسخة من المقاله وبدأ بقرائتها
ــ سألني من كتب هذه المقاله
أنا يا استاذ وإن أحببت فأنا جاهزة لأي سؤال
ـــ مطالبكم أيها الشباب مشروعه ومن حقكم ، ولكن ألا ترين بأن الوقت غير مناسب لطرح مثل هذه الأفكار ؟
قلت : بالعكس أرى إنه الوقت المناسب جداً لطرح مطالبنا بعد كل هذه التضحيات التي قُدمتْ والدماء التي روت أرض الوطن ألا يستحق جيلنا إلتفاته من الحكومة
يا أستاذ فالوقت يمضي وعجلة التقدم منطلقة منذ ثمان سنوات بسرعة هائلة ونحن منشغلون بالحرب التي أنهكتنا ، لنطرح أفكارنا عسى أن نجد من يقرؤها بتأني وعمق .
غادرت جريدة القادسية محملة بنصائح أولها تمجيد إنجازات الحكومة فبرغم أنشغالها والجيش والشعب بصد أشرس هجمة عرفتها البشرية إلا أنها بنت العراق وشيدت الطرق والجسور ووفرت كل مستلزمات الحياة الآمنة للشعب العراقي ...
خلال نفس الأسبوع قابلت الشاعرة ساجدة الموسوي وتحدثنا كثيراً ولم تختلف توجيهاتها ونصائحِها عن رئيس تحرير جريدة القادسية ..
الى هنا كان كل شيء يسير طبيعي إلا الشعور بخيبة الأمل  في أن تجد من يصغي لصوتك ويترجم طموحاتك ،، رحم الله خالي محمود خماس كان يقول لي دائماً ( العرب قاتلي الفرحة) ويعني بها  الحكومات العربيه ..
كنت أجلس في حديقة البيت مع كتاب وفنجان قهوة وإذ بضيفيّ العزيزين
الدكتور جابر عمر والأستاذ عبداللطيف الكمالي (وهو شقيق الشاعر شفيق الكمالي وصديق خالي مثل أخيه وكان هو المسؤول عنا أنا وأخي عبدالرزاق طيلة وجودنا في بغداد) ويبدو ان الدكتور جابر قد حدثه عن مقالتي وما حملته من أفكار قد تجلب لي المسائلة فحضرا للأطمأنان .. ( بادرني العم عبداللطيف الكمالي بالسؤال وفي عينيه قلقٌ وجدية وخوف) أما زلتي هنا إعتقدت إنك الأن قيد الأعتقال ؟
ألم ياتوا بعد ؟
ضحكت وسألته عمو ،، مالذي فعلته أرجوك إنها  مجرد أفكار وطموحات سطرتها على ورق وأردت أن تصل الى السلطات العليا وهذا حقنا المشروع لنعيد بناء الوطن الذي دمرته الحرب وسحقت شبابنا .
ــ. بالله عليكِ أهذه أفكار ممكن المطالبة بها ( تنشدين الحرية وفتح السفر وحقوق العائدين من جبهات القتال وفتح الآفاق والنوافذ مشرعةً للمواطنين لكي يتصلوا بالعالم المتقدم ؟
ألا تعلمين أنهم ضد كل هذه الطلبات وإن الحكومة الرشيدة لا تحب السفر ولا الحرية ولا يوجد في منهجها كلمة ( ديمقراطية ) وكل من في الخارج يعتبر عدو لها .. ألم تعرفينهم بعد أنهم لا صديق لهم ولا تشفع عندهم قرابة أو مسيرة نضال ، أين عمك شفيق الذي كان رفيقاً لهم لقد إغتالوه بدمٍ بارد ولم يحترموا نضاله ومرضه وعمره ،،،
أنا مسؤل عنك أنت وأخوك هنا فماذا سأقول لخالكِ أخي وصديق العُمر إن حدث لك مكروه لا قدر الله ..
نظر الدكتور جابر عمر  اليَّ وقال لاتقلقي أبو الوفاء يبالغ من حبه لك وإحترامه وحرصه ومسؤليته أمام خالك أبو أحمد ..
ثُمَ إلتفت الى العم كمالي وقال يكفي أرجوك دع الأمر للأيام القادمة وسنرى  ..

( لكنني بالفعل  قلقت وإستغربت وسألت نفسي هل من المعقول مجرد مقالة قد تؤثر على دولة تمسك بزمام الأمور بالنار والحديد ؟ )
ولقد حدث ما توقعه الكبار خاصة العم عبداللطيف الكمالي
الهاتف يرن في البيت
ـــ ألو
ـــ صباح الخير ،، ممكن ست وداد سلوم
ـــ صباح النور ،، تفضل أنا وداد سلوم
ـــ ست وداد ممكن تفضلين غداً الساعة العاشرة صباحاً الى دائرة أمن الأعظمية
ـــ عفوا خير أن شاءالله
ـــ لا ماكو شي عدنا شوية أسئلة وبعض الاستفسارات من حضرتچ
ـــ عفواً كيف سأصل الى الدائرة
ـــ أي تكسي يعرف العنوان
ـــ طيب ان شاءالله سأكون على الموعد ...
*******
حَمَلتُ قلقي ومن فوري توجهت الى منزل الدكتور جابر العمر
كان ما يزال يتناول إفطاره
قلت كما يقول البدوي ( لو لا المزعجات من الليالي ،،، الگطى ما ترك نوم الضحى)
ضحك وفهم أن قد وقع المحضور وأنهم إتصلوا بي فقال ( أنت قوية وأريدك أن تكوني شجاعه وتذهبين إليهم بثقة عالية وأن تجيبي على قدر أسئلتهم فقط لأن الشخص المقابل غالباً ما يكون مزاجياً يتصرف حسب تربيته وما تعلمه منهم )
متى الموعد ،،، قلت في الغد الساعة العاشرة صباحاً
إذاً لنتفق على بعض النقاط ، أولها أن لا تخبري أحد من الاهل أو الأصدقاء ودعي الان عبداللطيف الكمالي لانه سيقلق أكثر من قلقه المعتاد وأنت تعرفين تجربته مع شقيقه شفيق الكمالي عندما أستدعوه للتحقيق ولم يخرج سالماً ،،
قاطعت الدكتور جابر وقلت أرجوك أين أنا من الشاعر شفيق الكمالي ونضاله ومسيرته الحزبية وشخصيته المعروفة سواء في العراق أو الوطن العربي ،
ردْ قائلاً ليس الموضوع مقارنة بقدر ما هو خوف من المقابل الذي سيقرأ ما كتبتي وكيفية فهمه لما بين السطور ، هل تتصوري بأنني في كل زيارة للعراق أذهب الى دائرة الأمن وأنا في الثمانين من عمري ولا أنتمي لحزب ولا أكتب ضدهم ولا أطالبهم بحقوقي وفي كل مرةٍ أتعرض فيها للمسائلة ، هم كما قال لكِ الكمالي لا يحبون المغترب ويخشون من أفكاره وكل ما يحمله من تنوير قد يؤثر عليهم هنا في الداخل وبما أنهم لا يستطيعون منعي من زيارة بلدي فهم يلجؤون الى هذه الممارسات عسى أن أشعر بالتعب وتنفرُ  نفسي  من زيارة الوطن ،، المهم كوني حذّرة  وذكية وهادئة  في كل كلمة لأنها ستسجل ضدك .. وغداً سأنتظرك بفارغ الصبر لنتناول الغداء معاً لان أختي أم جمال ستحضر لنا غداء مميزا ...
*****
في دائرة الأمن التي أتشرف بمعرفتِها لأول مرة في حياتي ،، إسمي في الاستعلامات
تفضلي ،،، إنتظار ممل ولكي أبعد عن رأسي كل قلق كنت هادئة وحملت معي متعمدةً كتاب الصحفي المصري المناضل أنور زعلوك وهو من ألاصدقاء الاوفياء الذي أهدى لي كتابه (زوار الفجر )
الساعه الواحدة تكرموا بأستدعائي الى غرفة الضابط
أهلا وسهلا ست وداد تفضلي ،،،،،،،
الروتين الممل ، الاسم تاريخ ومحل الولادة ، التحصيل العلمي والعنوان ورقم الهاتف وووووو ،،،،،
وبدأتْ الأسئلة وقد إنتبهت دون أن يشعر الى الأوراق التي وضِعَتْ أمامَهُ ومن بينها المقاله ، ولا عجب فكل موظفي الاستعلامات أو بعض الصحفيين ينتمون الى هذه الدوائر المرعبة .
لم ترتاح نفسي للضابط المحقق ونظراته المريبة  ، كنت قوية هادئة واثقةً من نفسي فلم أترك له ثغرة لينال مبتغاه إجابات مختصرة عميقة ووافية لكل أسئلته ،،
من لهجَتِهِ عرفت من أية محافظة والى إي العشائر ينتمي .
لم يعد لديه ما يشغله إلا مقالتي وكأنني سأقود إنقلاباً ضد الدولة وقيادتها ، لكنه لم يحصل على أجوبة ممكن أن تدينني ،، بدأ يظهر الجانب الآخر  وهو الأسوء لينال من كبريائي وكرامتي ، أسئلة شخصية
لماذا لم تتزوجي لحد الأن وأنت جميلة ومن عائلة معروفة ؟
  واضح أنك مثقفة فهل لديكِ علاقات أو صداقات خاصة ؟
أليست هذه الظاهرة جزء من الحرية التي تريدينها  ؟
قلت ليس هذا ما أستدعيت من أجله فهل لدى حضرتك أسئلة بخصوص المقال
أنت تسألني أسئلة خاصة جداً وأعتذر عن الأجابة ..
نظر إليّ وإقترب مني وأشار بأصبعه الى عيني وقال  (( لديّ مطلق الحرية بطرح الأسئلة التي أريدها مثلما لدي  الحق أن أضع إصبعي وأفقسك إحدى عينيكِ ))
ألا تريدين الحرية والسفر بأمكاني أن أجعلك تسافرين بعين واحدة فقط لتكتبي ما يحلو لكي أو أقطع إصبعكِ هذا الذي تكتبين به ..
******
الان قولي لي من أشار عليكِ بكتابة هكذا مقال
قلت لم يُشر عليّ أحد هي مجرد أمنيات وأحلام ولم أكن أعرف إنها ستسبب لي المتاعب رغم أنها لم تنشر لذلك إسمح لي ان أسحبها وكأن شيئاً لم يكن ..
قال صحيح هي حبر على الورق ،، لكن الفكر موجود في رأسك ..
لقد تأخرتِ الأن إذهبي ولنا لقاء أخر علينا أن نتفق لننظف تفكيركِ من هذه السموم
قلت على ماذا نتفق ؟
سأراكِ قريباً ، سنلتقي فلا تقلقي هذا رقم هاتفي الخاص لدي شقة في أبو نؤاس
سأتصل بكِ .. مع السلامة ...
عدت مباشرةً إلى بيت الدكتور جابر الذي كان قلقاً جداً ، بادرني هل ازعجوكِ طمنيني
قلت ليتهم فعلوا لكان إنتهى الامر ، لكن علقت بمن لا ذمة ولاضمير له ولا أدري ماالحل ؟
هذا رقمه الخاص واعتقد عنوان شقته الخاصة في أبو نؤاس
أهكذا يتعاملون مع العراقية التي أسموها الماجدة ؟ ألم يضحي الشعب بأبنائه دفاعاً عن الأرض والعرض ؟ لماذا الحرب إذاً ؟ ولماذا كل هذه التضحيات ؟
ـــ إهدئي الان وداد سنحل الموضوع بروية
 ــ لكنه سيتصل يادكتور
ـــ حاولي ان تكوني مرنة معه كي لايستدعيكِ مرة أخرى واضح من تعامله إنه كلب مسعور ، انتبهي لنفسكِ ولا تخرجي من البيت حالياً أرجوكِ
ـــ دكتور بإمكاني الاتصال بأخوالي وأخوال والدتي وشيوخ تكريت او الشرقاط او الموصل ، لكن الموضوع سيكبر  وهو لا يستحق وسأُجبَر على الإقامة في الشرقاط
ـــ وداد لننتظر ما تجلبه لنا الايام القادمة ..
بعد إسبوع أتصل الضابط المحقق يعتذر بلطف عن التأخير وراح يعبر  عن إعجابه ويعتذر لأنشغاله ويود ان نلتقي
كان ردي واضحاً هو الأعتذار بأدب عن اي موعد ولا يليق به كعراقي في هذا الموقع من المسؤولية ان يتواعد مع من تعتبره أخ يحميها من الذئاب ..
أزعجه الرد قال اليوم الخميس سأتصل بكِ الخميس القادم وسنرى ، أريدكِ أن تعلمي بأن لا شيء يقف أمامي ولا أحد يرفض دعوتي فإلى اللقاء يا إبنة الشرقاط .
*****
نعم وكلي فخر بانني إبنة الشرقاط وابنة العراق العظيم الذي ما أوصله إلى هذا الوضع إلا ممارساتكم اللا أخلاقية
توجهت الى منزل الدكتور وأخبرته عن التهديد الذي تلقيته للتو ،
قال لديكِ جواز سفر جاهز ،، قلت نعم
إذاً تعالي أنت وعبدالرزاق اليوم مساءاً فالوضع لم يعد يحتمل التأجيل
لم أُخبر أخي عبدالرزاق إلا في تلك الأمسية التي إجتمعنا بها في بيت
الدكتور جابر العمر وقررنا السفر الى سورية .
في اليوم التالي حجز لنا أخي في نقليات العزاوي عبر الصحراء وكنت أنا والأنسان الطيب الدكتور جابر عمر الراوي مساء ذلك اليوم في عمان .
بقي قلقي على أخي الصغير  ، فبعد  إسبوع من سفري وكان عائداً من المدرسة ليجد زوار الفجر بأنتظاره أمام باب البيت إصطحبوه الى تلك الدائرة اللعينة وكان سؤال الضابط أين أختك وداد
ــ ذهبت لزيارة خالي
ــ متى وكيف ولماذا ؟
إحتجِزَ  أخي الغالي عبدالرزاق ثلاثة أيام تم تعليقة من قدمه بسلسة في سقف الغرفة حتى أصيب بتمزق في عصب ساقه  عانى منه كثيراً 
وكان السؤال نفسه أين أختك وداد ؟

بهذه الممارسات والحقد بدأ الانهيار  وضاع الوطن وتشرد أهله

عذراً عن الأطالة أصدقائي الأكارم

40
الشيخ  أبو روضان خلف الجزاع الكوخ  يحمل مكتبةً في صدره تحتاج الى تدوين ..
حملت اليه اوراقي صباح هذا اليوم وعلى فنجان قهوة واستكان (چاي) استطعت ان أدون
أولا .......
قال كان في مجتمعنا في الصدر الاول من القرن الماضي مجموعة من الشباب يتهمون البنات بأن لهم علاقات حب وعشق معهن فيذهبون الى السوق ويشترون (الخرز) ويعملون منه (إلباب مفردها لَبَّهْ) ويقولون هذه لَبَّة فلانه أهدتني إياها وهو زورا وبهتان (هو من صنع ايديهم وخيالهم) وفي ذلك الوقت شاع غناء المرحوم إسعيد الهدگين (داير لهج يعبودي سمبرده وگيل واللي مَرته مزيونه ما ودنا يشيل) ...  فقال ألشعراء عن اؤلئك الأشخاص أهل ألخرز :
إبن الكويخي المكشت وإبن اليابات
فنشونا    وباگوا    إلباب     البنوات
حتْ  إثويلثة السالم  عِدها إخرزات
أُمها  گالت  وديهن  من  تالي  الليل
داير  لهج  يعبودي  سمبرده  وگيل
واللي مرته مزيونه ما ودنا ايشيل
(مكشت: كاذب، فنشونا: اصلها انكليزي فنش
وإثويلثة بنت معاقه في ذلك الزمن)
قلت له هذا ممنوع من النشر قال أنشر وعلى مسؤوليتي !!!!
وثانيا:
سألته عن نقاش لنا بالأمس على أصل منشور الأستاذ شهاب الوسمي عن المرحوم  الشيخ عيسى العلي الخضران الذي قال في منفاه اجمل ابيات العتابه والتي كانت سببا في الصفح عنه ومنها :
إيهيمني     النواعير        اليداوين
وعج اسلاف واضعون(ن) ايداون
عثرات   الناس  سهله  عاليداوون
وعثراتي    عاليداويهن     اصعاب
فقال:
حدثني عمي المرحوم خلف الحسين الكوخ وهو ابن اخ الاديب عبدالله الكوخ قال:
ان أصل المشكلة ان المرحوم عليوي العيسى حاول أخذ احدى ارقى انواع الماعز (الشامي) من امرأة من المصطفى في حاوي الخضرانية انذاك وعندما استنجدت كان قريبا منها المرحوم موسى العلي فهبّ لنجدتها وضرب عليوي فقتله فارتحلوا (جلو) الى الرحبه في مناطق الفرات وأضاف ان عليوي العيسى وعبيد العيسى من عمامنا الشبالي واخوالهم البو صناع من البعبيد واضاف ان امرأة الراية عند الصلح هي (غزالة) والذي تزوجها هو بكر العبيد العيسى ابن اخ القتيل ولم تفلح هذه الزيجه فطلقها وعندما جاء المرحوم احمد العليوي  ضيفا عند المرحوم عيسى العلي وقال له انا ابن القتيل ولم احصل على شئ فزوجه ابنته حمدة العيسى العلي ...
وباختصار فان لدى الشيخ ابو روضان خلف الجزاع كم هائل من الروايات والنصوص من تاريخ هذه المنطقه بين حكاية ونص شعري كما انه يمتاز باسلوبه الخطابي المشوق وكل هذا يحتاج الى التدوين لحفظه من الضياع
وسلامتكم ...

41
بانوراما الحياة
========
ما الحياة ؟ أهي مجرد رحلة تبدأ بالميلاد وتنتهي بالممات ؟ أم أنها كفاح وجهاد وعمل لا تتوقف معالمه حتى الساعات الأخيرة ؟
الحق أقول بعد أن تجاوزت الستين من العمر انني منذ فترة مبكرة من حياتي كافحت وجاهدت وعملت كي احقق اهدافا ترضيني وترضي الآخرين ، وقد حباني الله بموهبة فنية هي موهبة التصوير بعد ان سبقني ابي في هذا المضمار وتعلمت منه الكثير ..ثم لم اتوقف ، رحت أصقل هذه الموهبة بالدراسة والمتابعة لتكون حرفة لي فيما بعد .
وعلى نحو آخر كنت اهوى القراءة ..قراءة الكتب الادبية والعلمية وكنت اقتني المجلات وما زلت اجد فيها متعة واية متعة ! علاوة على ما في الكتب والمجلات من علم ومعرفة ... ثم اليس الكتاب خير صديق !
ان بانوراما الحياة لا يمكن ان يمضي بنا من غير ان يكون لنا هدف نسعى لتحقيقه ..لذا فالتفاؤل والامل والمحبة كانت بالنسبة لي هي عناوبن اسير على خطاها في كل وقت ، والحياة دروس وعبر نتعلم منها الكثير بالتجربة وبالاخطاء التي قد ترافقنا حتى نكون افضل فيما بعد .
ان بانوراما الحياة يقتضي منا انماط سلوك يكون فيها نفع لنا وللآخرين صدقا وامانة ووفاءا واخلاصا وتعاونا ، وان تستقيم المعادلة بين الجانب المادي والجانب الروحي  وأن يكون ايماننا بالله عاليا .
ان التربية السليمة تعطي ثمارها لخلق اسرة متماسكة ومجتمع قوي فاذا اهملنا التربية تفككت الاسرة وانهار المجتمع .. وقد كان جيلنا يتمتع بمواصفات سلوكية ومعايير خلقية اعطتنا الكثير من الصمود والحصانة .
وهكذا فان بانوراما الحياة يحتوي بين دفتيه الهدف والمتعة والخير والجمال .

42


قصص قصيرة جدا...

 
فهد عنتر الدوخي

*أصول...
تتدلى سماعة الهاتف من جيدها، سحبتها قطتها الوديعة، انقطعت، نهرت قطتها بكلام فض،اومأمت القطة بنبرة حزن ثم غادرت ولم تعد..
*عقوق...
الرجل الكهل يشكو  إلى القضاء من عقوق ألمت به، إبنه الأكبر: اودعناه في أرقى دار للعجزة فماذا يريد إذن...؟
*تواصل...
بعد ثلاثة عقود من الزمن حزم حقائبه للقاء زميلة له أثناء دراستهما الجامعية، بينهما صلة مودة متبادلة، وبعد أن خبأت حرارة اللقاء طالبته بسداد دين قديم بذمته...
 


43
كان...ياما كان...اتذكر يارمضان...؟؟؟!!!
********************************
اتذكرك جيدا...يارمضان المبارك السعيد..قبل اكثر من ( 60 ) عاما..في مثل هذه الايام السعيدة... في عرفات..تعفر ايادينا وارجلنا بالحناء ليلا..وننام ملفوفي الارجل والايادي..نحن الاطفال لتثبت الحناء على جلودنا..ونتوسد جلابيبنا (دشاديشنا) المخططة ..ويستولي علينا ارق طفولي..ونحن ننتظر بلا صبر..ولهفة كبيرة بزوغ شمس نهار العيد..وعيوننا طول الليل..ترقب تلك الفتحات الصغيرة..في زوايا جدران بيوتنا الطينية المباركة... لترى خيوط الشمس الذهبية..تطل علينا حبالا من النور الاحمر..من خلال تلك الفتحات السمراء التي تدثرت برماد دخان المواقد والفوانيس المتعبة من ليالي السمر والتعاليل الريفية وهي تكافح الانطفاء بعد نفاذ وقودها الثمين...وقد ذبلت فتائلها من شح ذلك الوقود السحري ( النفط )...!! وحين تتدلى انوار الشمس على وجوهنا..ونحن لا نزال نياما تحت اغطيتنا..نقفز من الفرح ونغسل ايدينا وارجلنا من براثن الحناء ونجلوها بهية.. ونتناول فطورنا المتواضع..ونمد ايدينا الى الاهل..مطالبين بالعيدية..وهي ( 100 ) فلسا لاغيرها لمن يتمكن اهله من ذلك...وننطلق الى بيوت الاقارب والجيران..نحييهم كعادة ازليه..متباهين بالحناء والثياب الجديدة..ونتخطى بالطرقات..كأفراخ الطواويس ومنا من يفوز ببعض الفلسانات من اقاربه لتعزيز مبلغ عيديته..ثم نجول في الحارات بعد ان نحضر الى ( صبحية ) احد العرسان الجدد ونشبع من اللحوم والمرق..ذلك المذاق السحري لاتزال نكهته في النفس والمزاج..ولا تنسى ابدا رغم كل ما اكلنا ورأينا من الطيبات..حتى اليوم...بعدها نتوجه الى دكان المرحوم الحاج ( عشيوي عبد الوهاب ) لنشتري بعض الحلوى والبسكويت..ونتمتع بيوم استثنائي بحياتنا...وهي لا تكلف سوى بعض الفلسانات..بعدها..يبدأ التجوال الكبير بعد ان اشترى كل واحد منا علبة سيكاير وشخاطه ووضعها بجيبه للتدخين الكاذب..تقليدا للكبار والعجيب المحير ان الاهل يسمحون لنا بذلك في العيد فقط...ثم تبدأ الحفلة الكبرى...ماتبقى من مبلغ العيدية...نقامر به بألعابنا الطفولية المعروفة انذاك ( النگرة..وطره كتبه...الخ ) وهناك من يفوز وايضا من يخسر ويبقى خائبا مقهورا لخسارة عيديته...وكانت اكثر اماكن هذه الالعاب شهرة على الاطلاق هو ( الچاسر ) الغربي لبيت المرحومة ( هدله الفنتش ) والدة المرحوم خلف الجمعة الشخير ( ابو الخاتون ) كونها تحب الاولاد ولا تمنعنا ابدا..وكانت كريمة ونظيفة ومباركة ووديعة..ودارها..هي انظف دار في قرية الخضرانيه على الاطلاق...وكان ابرع اللاعبين في لعب المقامرة تلك هو السيد ( خلف الراوي الترف )..وكان اكبر منا بعدة سنوات..ومرتب ومهندم ونهاب منه نسبيا ونحن نلعب معه..وكان شعره مرتب بشكل نعتبره غريب علينا..كان مفروقا من الوسط ومجعد على طريقة شعر الملك ( فيصل الثاني ) الى درجة ان الناس تناديه فيصل...وان اول من اطلق عليه هذا الوصف هو المرحوم ( موسى العبد الرحمن ) الذي طالما يسترجع نقودنا التي يكسبها منا خلف الراوي لشطارته باللعب ومحظوظ فيه..واذا حضر موسى العبد يسألنا واحدا واحدا كم خسرت فيخرج نقود خلف الراوي من جيبه بالقوة ويعيدها للخاسرين..بعد ان يعبث بشعر خلف ويشعبثه..وكان المرحوم موسى فظا وقويا للغاية..ويتصرف بأسلوب الملاطفه كي لا يزعل منه احد..وفعلا..لا احد يزعل منه كبيرا كان ام صغيرا...لذا كنا حين نخسر امام خلف..نظل نتلفت يمينا ويسارا..لعل موسى المنقذ يدركنا ويعيد لنا فلساناتنا التي خسرناها مع خلف الراوي..واذا لم يحضر...نقرأ على عيدياتنا السلام..ونشعر بالخيبة والخذلان...تلك ايامك يارمضان الكريم لن ننساها..فقد تمتعنا بها اطفالا...ونتذكرها بذات المتعة...شيوخا وكهولا...سلاما...ذلك الزمن الجميل...

44
مع الشكر للناشر
ـ
النجمة السينمائية العالمية جينا لولو بريجيدا  - بغداد  - 1978
-
( الصورة خلال لقاء صحفي اجرته الصحفية  هادية احمد )
 في الدورة الثانية لمهرجان افلام وبرامج فلسطين  في بغداد الذي اكتسب شهرة في تلك الحقبة لسعة المشاركة العالمية فيه .
دعيت الى المهرجان وجوه سينمائية عديدة من مختلف دول العالم ومن بينها كانت الممثلة العالمية الايطالية الشهيرة جينا لولو بريجيدا منافسة صوفيا لورين على عرش السينما الايطالية   .
وحرص الجمهور العراقي على الحضور بكثافة الى قاعة الشعب في باب المعظم حيث كانت موقع العروض السينمائية والبرامج والحفل الختامي للمهرجان وتوزيع الجوائز على الفائزين .
 وتم اعداد برنامج حافل للنجمة العالمية  تضمن جولات في مدينة بغداد وزيارة المواقع الاثرية والتراثية والمعالم الحضارية في بغداد منها سوق الصفافير وشارع الرشيد وخان مرجان والمدرسة المستنصرية وجولة نهرية في نهر دجلة وسط تزاحم الجمهور لالتقاط الصور التذكارية معها مما اسعدها  و ابدت اعجابها بمدينة بغداد وأهلها والجمهور العراقي الذي عكس حالة حضارية وذوق فني لافت من خلال تعامله مع وجودها بأحترام ومشاعر عفوية

45
ألتمس العذر لأحبتي واخواني الذين وثقوا بكلماتهم النيرة متصفحي، واعود إلى ما كتبه الأخ والصديق الأكاديمي البروفيسور أحمد الملا سطام الجميلي عن قصصي القصيرة جدا، مايميز رؤاه انه تناولها بحبكة قارئ، وشد ملتقي، وتحليل فاحص مهني وبهذه التقنية السريعة وهذه القدرة العالية لترجمة انعكاسات الفكرة القصيرة ومواكبتها للمنهج النقدي ولا اغالي إذا قلت ان هذا التفرد نادر في عالم الكتابة والنقد العلمي التوجيهي والمنهحي أيضا، كيف يستطيع الناقد أن يصمم خارطة لفك طلاسم الفكرة وقد اشبع الموضوع بأفكار جديدة، و تراخيص غير معهودة وغير نمطية، حتى كانت هذه الرؤى دلائل وسبل لتجنب العثرات وامساك جادة الصواب، زميلي وصديق العمر الذي وظف مواهبه وطاقاته منذ عقود لأجل ترسيخ مفاهيم الخير وتغليب لغة المحاسن كسلوك طبيعي ويومي، ولم تثنيه عن هذا المعترك اية عواقب، وكما عهدناه ونفسه ألمتواضعة التي تنثر ورود الخير والمحبة والسلام أينما اينعت الظروف، هكذا هي الحضارة وهكذا هي الثوابت الإنسانية التي أوصلت العالم المتمدن إلى الرقي والتواصل الحي الجميل، غمرتني قراءتك بفيض من الفخر والعرفان، شكرا اخي الوفي على عنايتك الفائقة بتحليل نصوصي ألمتواضعة واثراءها بلغتك الباذخة الجميلة المدهشة.. وفقك الله واعانك على مواصلة درب الإبداع والعطاء...

47
..........
...............................
ما يميز ثلاثية نصوص فهد عنتر القصيرة جداً؛ المنشورة على متصفحه ظهر يوم ( 5 June 2020) ) أمور جديدة أهمها ما يأتي:
1- هناك تطور بالأسلوب السردي ليرتقي إلى مستويات فنية أعلى تستجيب للغة النصوص القصيرة جدا. و قد ظهر هذا التطور من خلال العناية في اختيار المفردات, و الاهتمام بالتنقيط, والعناية بالنحو؛ كما سيجري التطرق إلى ذلك لاحقاً.
2- على عكس النصوص السابقة,,, ترتبط النصوص الجديدة بوشائج بنيوية نصية ناضجة تستجيب لفاعلية الرسائل المراد إيصالها إلى المتلقي من خلال وحدة المعنى و المضمون.
3- قام القاص بإعطاء عناوين ملائمة و معبرة للنصوص هذه المرة. و كما هو معروف فان هذا الموضوع له أهمية كبيرة في النصوص الأدبية الإبداعية...
................................................................................................
أ‌- في نص (أصول) يبدع الكاتب كثيراً عندما يجعل من موضوع العلاقة الإنسانية مع المخلوقات الأخرى موضوعاً و عنواناً للنص. إتباع الأصول في العلاقات الإنسانية مسالة جوهرية. والمفروض أن تكون على أصولها من جانب الإنسان في علاقاته مع غيره من بني البشر, أو مع غيره من المخلوقات الأخرى و حسب طبيعتها.  في النص تداعب القطة الوديعة, سماعة الهاتف المتدلية من خصر صاحبتها؛ التي من المفروض أن تكون صديقتها, بهدف المداعبة والحصول على استحسانها, لكن رد فعل الفتاة يأتي غريبا على عكس ما تتوقعه القطة الوديعة... فيتم زجرها, فلا تقبل القطة بذلك و لهذا تترك صاحبتها إلى الأبد:: (للضوء (و ومأمأت القطة بنبرة حزن ثم غادرت ولم تعد)) و بدرسٍ قاسٍ يوصل القاص فكرة ان القطة هي التي تعرف الاصول!
ب‌- في النص سماعة الهاتف تتدلى بشكل طبيعي نحو الأرض: القطة – كالمعتاد – تعتبرها نوع من المداعبة. تسحبها.. تنقطع. . . الفتاة تعتبرها حركة عدوانية .. تزجر القطة .. القطة لا تقبل بهذا الزجر الذي تعتبره عمل معادي لحركتها السلمية.. تترك الفتاة و تمضي.
ت‌- نص يشي بأفكار قد تكون قاسية على السلوك الإنساني العدواني: أفكار قاسية لكنها ضرورية لإعادة البشر إلى جادة السلوك الراقي و الابتعاد عن العداء و الشر.
ث‌- النص قريب جدا من الأفكار الرومانسية. و التي أنا أشجع الكتاب على إشاعتها في نصوصهم فنحن اليوم بحاجة إلى أفكار تقدس الطيبة و البراءة و حب الناس و المخلوقات الأخرى و حب الطبيعة و الإخلاص و الشعور الإنساني المرهف البعيد عن القسوة و القهر  والوحشية
ج‌- هذا ما فعله فهد الدوخي: بكلمات معدودات أثار الكثير من المشاعر و الهمسات و نادي بالكثير من الأفكار الساميات.
ح‌- هناك لفتات سيميائية راقية جدا في أشارية النص سيتم تناولها في دراسات لاحقة.

48
انا العربي
انا العربي نعم نعم والف نعم
انا ابن النور حفيد الشمس
حروفي شعر ادب وحكم وارق نغم
انا المحسود من كل شعوب الارض
حسبي نسبي ذوقي ادبي
ملامح وجهي تقتلهم ذقني شنبي
انا ابن النخلة شقيق التمر
رفيق الخمر وبيت الشعر
عطري دخان مواقدنا ودفئي جمر
احلامي مال وغذاء سكر ونساء
تغريني السود واهوى البيظ سمير الشقر عشيق السمر
انا العربي انا الخانع انا الراكع لكني للذل ممانع
الفكر لا لا يعنيني
ملكي ورئيسي واميري وسلاطيني
جازاهم ربي بكل الخير
فهم الادرى برسم طريقي وحياتي وقوانيني
فهم ربي وهم ديني
اما الجنة حدث لا حرج وتمنى
جعلنا الله بجيرتنا اقفلنا عليه معابدنا يبقى معنا في خلوتنا وشعائرنا نحدثه ويحدثنا ونسمعه ويسمعنا
طلبنا منه واوعدنا جواري تعشق طلتنا وفحولتنا
تركع خاشعة عاشقة لتحيا برفقتنا الجنة
أنا العربي
للجميع اجمل تحياتي

49
إضطرت والدتي للسفر الى الشرقاط والسبب أن إحدى عماتها توفيت مما جعلها تتركنا مدة إسبوع لتؤدي واجبها تجاه العائلة
كنت ما أزال في الصف الثاني إعدادي اي (الثاني متوسط) وكنا نتمتع بالعطلة الربيعية عطلة نصف السنة  ،،، نحن في الموصل انا ووالدي وإخوتي الصغار (عبدالمنعم وعبدالرزاق)
والدي وبعد أن أحيل على التقاعد أفتتح مكتب لتأجير السيارات كان يقضي فترة الصباح حتى بعد الظهر إذ يترك موظف يدير المكتب ويعود كي يرتاح قليلا ثم يذهب مساءاً الى عمله
إخوتي يلعبون خارج البيت مع اصدقائهم ،،
أما أنا فكنت ربة بيت فاشلة بأمتياز  ، ليس بما يخص الترتيب أو التنظيف فهذه أشياء أجيدها بهمة عالية وشطارة نادرة ،، لكن ماذا عن الطبخ ؟
آه آه من دلال الأمهات الطيبات الذي يؤثر سلباً على الاولاد خاصة البنات حين نكون بأمس الحاجة لإظهار أمكانياتنا لأدارة البيت بما فيها المطبخ الذي لأغنى عنه
فكرت في أن اجرب حظي في الطبخ وان أعمل مفاجئة لوالدي وإخوتي
نعم سأطبخ لهم تشريب حُمُّص فوالدي يحبه كثيرا 
تناولت دجاجة مجمدة من البراد ومباشرةً الى الماء الدافئ لغسلها ووضعها في قدر الطبخ
ثم احضرت الحمص غسلته ووضعته مباشرة مع الدجاجة والبصل والبهارات وكل شيء ماشي تمام وأشعلت النار ، ساعة ساعتين ثلاث ساعات
قلقةٌ أنا ، أراقب عملي بأنتظام ، نضجت الدجاجة والحمص كالحجرّ يا إلهي 
ذاب البصل وذابت النومي بصرة وذاب كل مافي القدر والحمص لم يَرِقَ قلبه لتعبي وقلقي 
أربع ساعات ،،،،، خمس ساعات ستِ ساعات ولم يبقى في القدر الا الحمص حتى عظام دجاجتي المسكينة انهرست وذابت وأصبحت صنف من أصناف الشوربات
إضطررت ان أَطْفِئ النار تحت القدر ومشاعري لا توصف ، حزنٌ وخيبة أمل وقلق على دجاجتي التي وددت أن أُسعِدَ بها والدي وإخوتي ذابت حتى عظامها
ما هذا الحمص ولماذا هو قاسي القلب لهذه الدرجة
حضر والدي  وإخوتي ورائحة البهارات الطيبة تملئ البيت ،، كانت فرحتهم لاتوصف هم جياع وقد تأخروا وحتما سيلتهمون الطعام دون ان يشعروا بمأساتي
ما اجمل ( الچفنة) الصغيرة او صينية الثريد التي سكبتُ فيها الطبخة الاولى في حياتي خبز تنور وتشريب لايعرف اسمه ، ستكون أكله مميزة
شعر والدي بقلقي وأنا أنظر إليهم دون أن أمد يدي  الى الطعام
في أول لقمة صرخ أخوتي واحداً بعد الاخر  ،، شنوووووو هذا  شطابخة واو واو
خجلت قلت بابا أسفة ( ما أدري ليش الحمص ما إستوى )
انتبه والدي ونبه إخوتي أن لا تأكلوا الحمص اذا لم يعجبكم كلوا الخبز اللذيذ مع الشوربة
سأل أحدهم واين الدجاجة ؟
قلت الله يرحمها ( صارت عظامها شوربه)
ضحك والدي وأكل بشهية وقال ما يهم راح تتعلمين هذه تجربة أولى في المرة القادمة لازم تنقعي الحمص قبل ليلة وبعدها تطبخيه مع ذلك عاشت إيدچ الطبخة لذيذة
في اليوم التالي قصصت على جارتنا العزيزة أم رافد التي سألتني كيف تدبرين أمرك وماما مسافرة
ضحكت وقالت إسأليني إن احتجتِ الى شيء
رحم الله الوالدة الغالية  كنّا نشم رائحة طعام الغداء عند ذهابنا الى المدارس فنعرف ماذا سنأكل في ذلك اليوم
كانت  تنهض مع الفجر وعند الساعة السابعه صباحاً كان كل شيء جاهز ، من أين لي أن أحصل على دروس في الطبخ وانا أجد طعامي مهيئ وجاهز
ورحم الله الوالد الغالي الذي كان قنوعاً راضياً وكريماً

من الذاكرة أصدقائي وحكايتي مع أول طبخة وتشريب الحمص
تحياتي

50
القاص " موشي بولص" في مجموعتهِ " أشجان هائمة "
إِستحالةُ الهبوطِ واختراق ِدائرةِ المسرات.
عدنان أبو أندلس
       إنَّ الركنَ الأهمَّ لأيِّ عملٍ ما, هو المقدِّماتُ الاوليةُ من( ديباجة , استهلال, توطئة) انواع من شتى المسمياتِ التي تليقُ بهِ وتكونُ واجهة ًمرصَّعةً للمتلقّي الذي يطيلُ النظرُ بها كحجر ِالزاويةِ في هندسةِ البناءِ. انَّ القطبَ الأساسيَّ في الأجناس الأدبية ، هو الخاتمة ُ، أو النهاية ُلأنَّها تظلّ ُعالقةً في الذهن ِ, واذا قرَّبنا المصطلحَ نحوَ المفردةِ اللائقةِ أو المثلى فحتما تكونُ( النهاية ُ) الأشملُ والأهم لما لها من رنين ٍخاصٍّ في عمق ِذاكرةِ المتـلقي ,لأنَّها تـذكِّرهُ بحتميةِ الفناء ِثم تبدأ لحظة ُالتأمل والمراجعةِ للحدثِ تباعا.
       بهذا الإسترسال ِ نتفحَّصُ نصوصا قصصيَّة قصيرةً ، وخواطر مضغوطة ً للقاص ( موشي بولص موشي) عبرَ مجموعتهِ القصصيةِ (أشجانٌ هائمةٌ) الصادرةِ في كركوك/2009 والذي وشمَ في سجلِّ حياتهِ الماضيةِ مكابداتٍ مفرطةً في خضمِّ مسيرتهِ الحافلةِ بالتبعثرِ في شتاتٍ تئنُّ خُطاهُ الى الآنَ بلهاثٍ آخر, كانتْ مكابداتهُ تلكَ ، حِملا ثـقـيلاً  كذلك يئنُّ مِنْ جرَّائِها شعورهُ الفيَّاضُ حدّا لا يطاقُ ، لذا بثَّها في متونِ هذهِ النصوصِ واستراحَ منها , إِنَّها الأيامُ الغابرةُ في رؤاه والمسكوتُ عنها في الزمنِ الحالي حيثُ بدأ بنشر ِاعمالهِ في الصحفِ والمجلاتِ الدوريَّةِ في هذهِ المدينةِ منذ ُ فترةٍ حيثُ اقتحمَ الساحةَ الأدبية َ بكلِّ نشاطٍ وغزارةٍ لذا أستوقـفُ على نصوصهِ( الإنحلال/ نقاء السريرةِ/ سطوة الغريزةِ/ زوبعة صغيرة/ خريف الأقنعةِ/ انَّما الحياءُ قطرةٌ / نحيبُ الملائكةِ/ الذبيحةُ المحرَّمةُ)...الخ. هذهِ العناوينُ الثنائيَّة ُالتركيبِ تصلحُ أنْ تكونَ قصائد نثرية ًلما لها من مدلولاتٍ حكائيةٍ- قوة ايمائية- ايماءات رمزيَّة-ـ لحظة شعورية- ـتوهج, ـحسن الإلتقاطِ , بعدٌ دلالي, حيث ُانَّهُ يوظفُ الحدث َاليوميّ بساعتهِ َ ويسايرُ المتغيَّراتِ اللحظوية ، َويستحضرُ ادواتهِ قبلَ الولوج ِفي أعماق ِالحدثِ- ـأي استباق الفترةِ ثمَّ يُنهي ( المقالة..الخاطرة ..القصَّة)  بأثرِ ضربةٍ اندهاشيةٍ يحس بها المتـلقي(فجأةً) التي هي أصلا محبوسة في متن ِالنصِّ قبلَ ان يُفجِّرها, أي يطلق سراحها الكامنَ في الأعماق ِ.
يبدأ اعمالهُ بسبك الإرتخاء ِلرنين ِالكلماتِ ، ما أن تتماوجَ النغمة ُ الهادئة ُالمنسابة ُ في خواطرهِ حتى تسري حرارةُ الإيقاع ِ بالصعودِ الى مؤشر ِلتـداعياتٍ غابرةٍ ثم يتحفزُ بالتوتر ِوالدهشةِ والضربةِ التي تؤولُ الى النهايةِ وهذا ما نسمّيهِ بـ (الإستدراج المتوتر).
     إِنَّ "موشي" ضيفٌ خفيفُ الظلِّ في زيارتهِ ومحاوراتهِ في المسيرةِ الحياتيةِ وحتى عندَ موائدِ الصحفِ التي يـبصمُ فيها لوحة ًقصيرة ًلا تكلفُ القارئَ ذاك العناء لإـقـتصادهِ في اللغةِ وجودة ِالتوصيل ِللمعنى وهذا ما يقودنا تجاهَ اللحظةِ لإقترابهِ من لغةِ النثر ِوالخواطر ِالعابرةِ والصور ِاللامعةِ, انه يحاولُ التمسُّكَ بعُرى الماضي من خلال ِتداعيات ٍحكائيةٍ مؤلمةٍ وبهذه السماتِ استطاعَ ان يسايرَ الحدثَ اليومي الماثلَ امامهُ كلَّ لحظةٍ ( التعب,العذاب, الألم ) فالخلاصة ُهي هكذا تكون, أنه يجهدُ نفسهُ من اجل ِاعادةِ الماضي ، وحياةِ الطفولةِ الى عالمهِ هذا لعلّ يجدُ نشوهُ لسعادةٍ جديدةٍ , هذه هي مشاعرهُ وأحاسيسهُ الداخلية ُ. إن حالة َالتوتر ِتـنتابهُ كلّ لحظةٍ ناجمة عن نزوع ٍمستمرٍّ لإفراغ ِشحنتهِ في نصوصهِ- ـذاك هو التجسيدُ الجماليُّ, ـله تكنيك ٌعال ٍوقوّة ُحضور ٍفي السّبكِ الحكائيِّ ، حيث انّ بعضَ اعمالهِ يلتـقـط ُ صورتين ِفي آن ٍواحدٍ للمقارنةِ وربما هناك اسبابٌ ومسبِّباتٌ على اساسِها أسَّسَ ركائزَ اعمالهِ. والآن نعرجُ قليلا الى خواتيم ِ قصصهِ..
....... يلاحظ ُالضربة َالنهائيَّة َفيها من نصِّ( خريف الأقنعةِ) يقولُ:( ما تسنّى لهُ سماعَ ردّي لأنّ الخمرة َاسقطتهُ في الجولةِ الأولى وبالضربةِ الفنيةِ القاضيةِ)     
(جريدة ُالعراق غدا) العدد/302في8/7/2009-ــوفي( انما الحياءُ قطرة ٌ)ـ ـيقولُ: (حضرتْ في ذهني صورة ُالكلبِ المتملق ِصاحبه فوجدتُ انّ عقدَ المقارنةِ بينهما اجحافٌ بحق ِّ الحيوان ِالمغلوبِ على أمرهِ) .
جريدة (الأصلاح)ـ العدد/249في6/7/2009.ـوفي نصِّ (الإنحلال )ـيقول: وتمكنتْ نزعة ُالحقدِ والكراهيةِ اخيرا من خطبِ ودِّ الملائكةِ ...هنيئا !) .
جريدة(سواء) العدد/5 في12/7/2009.وله في (سطوة الغريزة) نهايةٌ مدهشة ٌيقول:(تخلّى عن سفينتهِ وطاقمها في عرض ِاليمِّ وفرَّ بقاربٍ؟) .
جريدة(الإصلاح) في12/7/2009وفي (الذبيحة المحرمة) يقولُ (لم يفه بكلمةٍ بل ابتسمَ ابتسامة ًباهتة ًوالقى بجسدهِ المنهك على الأريكةِ وراحَ يغطُّ في نوم ٍعميقٍ) جريدة(النبأ) في2/6/2009.
       سبق َوانْ أسلفنا بأنَّ للكاتبِ رؤى نثرية جادة في خواطرهِ ولو انهُ استمرَّ على كتابةِ القصةِ القصيرةِ جدا لكانَ اجدرُ, في أعمالهِ لأنّ قصصهُ لها مزايا تجتمعُ في سماتٍ هي اقرب الى الواقع ِاليومي الذي نعيشهُ وهذا ما لمسناهُ في فحص ٍلدلالاتِ القصةِ الحكائيةِ له.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. حيدر الشمري
٩ ديسمبر ٢٠١٥ •
ابو مارتن +ابو اندلس
يتدفئان بنيران السجائر والحديث
ففاجئتهما بصورة عفوية
بعد الخروج من العيادة
عرفة / كانتين مساء الثلاثاء ٩ كانون الاول — ‏مع ‏‏‎Moshi Khamoo‎‏ و‏عدنان أبو أندلس‏‏.‏

51
قصيدة لآخر صعاليك  بغداد   
 الشاعر الراحل صباح العزاوي  في " غيوم الغياب "
عدنان أبو أندلس
          مُقاربةً لِما سبق ، يمكن القول الآن - وفي كل حين - مثلما غاب الأشقياء عن حارات بغداد ومقاهيها الصاخبة  ، كذلك  غادر الصعاليك  الأرصفة والحانات السًاخنة  ، ولم نعد نسمع بهم سوى أطياف الذكرى ، " ربما هي إستبدال حالة إلى أُخرى وتعويضها في مكان آخر "  1، مثل الأندية والمحافل والمتنزهات ، وقد نرى ضالتهم فيها وملجأهم الطبيعي لممارسة تلك الطقوس كظاهرة رمزية ، ليس إلا ،  لستُ أدري ما هذا التبدل الحياتي الذي جرى ؟.. ؛ ربما نقول الإزاحة التدريجية للتغيير والقبول وفق المتغيرات الحياتية التي طرأت على المجتمع المتمدن والذي يحسبهُ من باب الحرية الفردية الخاصة ، وحين إجتاحتهُ حياة الترييف ، بدأ يتدخل ويتحسس  لتلك الظاهرة ، أو ربما انتفاء الحاجة منهم كحتمية  تاريخية  أقرت بانتهائها الأحداث والتحولات  والمجريات الأخرى التي حتمت إنتهاء هذه الظاهرة ، وقد تقبلنا التغيير تدريجياً ، وكان إحساس العوام بأنها أضحت مُعيبة في نظرهم  ، أو كان الحس الإجتماعي يمجُ  هذه  الظاهرة بوصفها تدني شعوري – ذاتي . يلاحظ كأنهُ فرض سطوة التمرد  على الحياة التقليدية ، فكان التغيب شيء لا بد منهُ  .
          يمكن حالة التًمدن التي رست على الحياة تقبلت تلك الظاهرة بروح أريحية ،  ولم تتدخل في شؤونهما وما تأول من جراء ذلك العمل  ، فـ  شخصية مثل  "  صباح العزاوي " التي تمثلت بآخر صعاليك بغداد  قدْ غابت عن المشهد قبل  أكثر من عقد ؛  تقريباً ، ولأجل إستذكارهِ  قد نتطرق إلى من إستذكروهُ حباً في حوارات ولقاءات وقول وكتابة ،  ومنهم الشاعر كاظم غيلان : " رحل صباح ولم يترك إرثاً سوى الشعر " 2، والإعلامي ماجد موجد : " هو شاعر صعلوك ومتمرد يجمع بين الجنون والوعي الحاد " 3، كذلك الروائي ضياء الخالدي : " حين يحمل صباح كتاباً بيدهِ ، فهذا يعني إنهُ ثملٌ بالكامل " 4 ، ونعرج الآن إلى قصيدتهِ ؛ ربما هي الأخيرة في رؤاهُ ،  ألا وهي " غيوم الغياب " 5 ،   والتي عثرتُ عليها منشورة  في صفحة التواصل الاجتماعي لشقيقهِ " محمد العزاوي "  ، كنتُ حقاً بحاجة لأي نص لهُ ، وقد زودني كذلك  ببعضاً من صورهِ مشكوراً ، لذا  آليتُ أن أكتب عنهُ تخليداً  كونهُ يحمل ظاهرة إنسانية  راسخة في المجتمع العراقي كونهُ تحمل الصدمات الموجعة والمتلاحقة في حياتهِ من بؤس وحرمان وضياع ، فهام على وجهه في الطرقات الخلفية والتي تسد روحهِ بإنغلاق كًليَ  .
         فـ قصيدة " غيوم الغياب "  التي سطرها ربما هو في ذروة الانتعاش الروحي ، فتراهُ يركن مبتشاً  في زاوية معتمة بعيدة عن عين الرقيب في إحدى  مقاهي هجير بغداد .  كم كان إتحاد عنونتهِ قيمة بتآلف المفردتين هما غيوم \ غياب .. ولم يوظف " غيمة " بل جمعها " غيوم " وحسب ما هو معروف ومألوف بأن " الغيوم " هو ما تراكم من كثافة سحابية والتي تُمثل عندهُ " الهموم " المتقاطرة  كما في الغيوم أيضا .. والغياب الذي لا تتحسسهُ العين ، هو" الغياب " عن العين ، أو كما هو البعيد المخفي ، فأضحت العنونة المتوائمة \ المتلائمة 0 المتآلفة بقرينتها ، فالصعلوك الأخير الذي راهن على نهاية الصعلكة  كهاجس ينتابهُ كل لحظة ، جاس بروحهِ الأرصفة التعبى فأرشدتهُ إلى ليل الحانات والزوايا المعتمة ، مُتعباً ، منهوكاً ، شريداً ، عرف نهايته وغاص بأعماق التفرد الحياتي  بروح وثابة للإنطلاق وبكل أريحية ، رؤاهُ تتخللها بعداً فلسفياً مُربكاً ، لهذا  يسرع الخُطى حين تطاردهُ شمس الظهيرة اللاهبة ، أو صقيع شباط القارص ، لذا تراهُ يأوي إلى مقهىً ما يتكئ بجسدهِ المنهوك على أريكتها ويغفو هُنيئة ثم ينهض ويمضي حال سبيله ؛ ليقول :
وردتان فوق سياج ظلي
شبح يطارد وهم الخطايا
وانأ (صباح العزاوي ) لماذا تبهجني
التعاويذ ؟ :6
           ينشر حياتهِ بداية \ نهاية – وردتان ..هو الذي يدخرهما غيابياً في حالة التأمل والبهجة المفقودة ، تمثلان لهُ الحياة التي تزهو بذهنهِ فقط ، يدخرهما في حالة الضائقة أينما شدَ خطواتهِ في التيهان ... لكن ذلك الشبح الذي يلازمهُ بوحشتهِ ، بغيومهِ الوهمية من خطايا تُعيق فرحهِ المفترض ، لذا يعرف نفسهُ بـ أنا الصريحة " صباح العزاوي " كـ تعريف شخصي ويتساءل : لماذا تُبهجني التعاويذ ؟.. رغم أنهُ لا يؤمن بها إطلاقاً كونهُ المتمرد على الأعراف التقليدية وطقوس حياتية فتراهُ يحسبها قيداً مفروضاً على حريتهِ الشخصية ، لاسيما وإنهُ الطليق الحُر من نظام وضوابط ومستلزمات حياتية ، والتي يحسبها عائقاً بدرب مسيرتهِ ، أو قد لا تجدِ نفعاً البتة ،  ربما :
وهل من شرفة ستطل عليَ ؟
منفي في بستان الاحتراس تفترسه المواويل
صدى عدم نشيد ظامئ لقبة فيض
ناري : 7
ويستمر في إندفاعهِ الغيور بتلك الحياة التي أرادها بكيفية وقناعة فراح يتساءل بإلحاح فضولي نفسي  :
 وهل من شرفةٍ أُخرى ستطل عليً
      كونهُ في حالة غياب ، ضياع ،  فقدان ، تيهان ،  قدْ يروم البحث عن نافذة يرى من خلالها الحياة المرسومة لهُ بفكر لحظوي اختمرت الفكرة لديهِ ، هو التائه في التجوال الليلي وصديق الأرصفة والطرقات التي تقلهُ إلى دهاليز الظلمة المُحببة ، أما آن لهُ أن يستريح من هذا الثقل المُعلق برقبتهِ ،  ويزيحهُ عن كاهلهِ ، هذا الانغلاق قد يراهُ هو انفتاح لذا يستمدُ منهُ التحليق في دائرة التمني الاستفهامي لذاتهِ ؟.. كم أراهُ يشكو صدىً عالقاً يعيق حركتهِ ، فتراهُ يتمنى أن يمرق في نغماتهِ التي تعزف على القحط اليومي رغم سعاداتهِ الافتراضية التي يتوق لها منفرداً – طليقاً – خفيفاً كلما مرَ بضائقة نفسية حادَة :
تعلو بنفسجية الرؤى
تصير غيمة
خلفها أجرجر أوتار السقوط
نجمتان على سياج ظلي 8
         وخاتمة التجوال اليومي المألوف للدروب التي تفضي للإرث الحياتي الذي يكنُ لهُ كل محبة " الباب المُعظم " ومقاهيه التي تأويهِ :
 تعلو بنفسجية الرؤى
     هذهِ المتغيرات المفصلية في نفسيتهِ يذكرها بـ ذات اللون – البنفسجي – فـ هذا اللون ،  وكما متعارف عليهِ فنياً وسيكولوجيا يُحفز الإنسان للوصول إلى الأفكار العميقة والمذهلة في لحظة تأمل خيالي ، لما يمتلكُ من بُعد تنتابهُ الفلسفة كل حين ، لهذا كان إختيارهِ لهذا اللون العميق ،  هو لون الحكمة العميقة والإبداع .. لكن حين نستمر بقراءة النَص تواجهنا عقبة " الغيمة " التي قد تطغى بعتمة على ذهنيتهِ المُتقدة ، لذا نراها هماً جديداً مضافاً لهمومهِ الأخرى .. فأضحى يجرجرها كما هو تقاطر السُحب . لكن نرى من التبدلات التي قد ناورها حياتياً هما وردتان  يانعتان = الحياة التي ينشدها – إلى نجمتان آفلتان = الحياة الأُخرى التي ترهقهُ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
 1- خليل المتبولي –  موقع صيدا أون لاين .
 2- كاظم غيلان –  موقع الناقد العراقي – 9-11-20092-
3- ماجد موجد – مركز النور – حوارات – 24-4-2009
4- ضياء الخالدي – سومريت – مدونة الثقافة العراقية – 11-11-20104-
5- قصيدة غيوم الغياب - صباح العزاوي .
6- كذلك ....
7-  كذلك ....
8-  كذلك ....
.....................................................

52
يبقى الأثر الأدبي المميز يعكس السمات الإنسانية مهما طال أمد النشر والكتابة، وهنا لابد أن نجدد موضع الفخر والعرفان الأستاذة الأديبة والمترجمة ليلى الدردوري، التي جددت لنا حروف هذه القصيدة بألوانها الباهرة والتي صادقت عليها بروحها الجميلة المدهشة، وأضافت عليها من روائع إبداعها، و لغتها الباذخة بالسمو والرقي، الفرنسية أيضا هذه اللغة التي توحي بالنمو والحب والإنتماء التاريخي، وتشعر انك تتجول في مسارح باريس في ستينيات وسبعينيات القرن ألمرتحل وصالاتها التي تعج باللوحات المنقوشة بالسحر والنساء الجميلات، وكتب سيمون دي بوفوار، فكتور هيجو، وفرويد، و مكسيم غوركي، وصورصوفيا لورين وصوفي مارسو، هذه المرأة الكبيرة بعلمها وثقافتها تقرأ الآداب الفرنسية بلغتها الأم وتصوغها لنا بهذه الحرفية العالية، فقد أوصلت قصيدة الشاعر أحمد الصائغ إلى منصة التتويج عند ترجمتها إلى الفرنسية، هنيئا للأستاذ الصائغ، بهذه اللوحة الباهرة التي رسمت ملامحها وإحاطت بجوانبها الفنية الأستاذة ليلى الدردوري التي تدير فن الموهبة والتجديد بعناية فائقة وقدرة كبيرة، ليلى القصاصة، والشاعرة، والمترجمة والكاتبة والتي تتجول بين أجناس الأدب بحرفة عالية وحرية غير مقيدة، لهو فخر لجيل يعيد رسم ملامح الإبداع النسائي العروبي الذي كاد يفقد حضوره الإنساني في سنوات التصحر الثقافي والمعرفي، ارجو للأديبة القديرة الأستاذة ليلى كل التوفيق والاستمرار الحثيث في هذا المنحى...

53
هواية الكتابة...ولحظة الاختيار.......!!!
*******************************
عام 1961 كنت تلميذا في الصف السادس الابتدائي في مدرسة الخضرانية الابتدائية للبنين....وكانت مدرستنا تعج بمختلف النشاطات..وكانها خلية نحل بمكان يزدهر بالزهور....
كانت الحياة اقرب الى المثالية منها الى حالات الرضا والنجاح بكل شئ..وعلى كافة المستويات..الدراسية..النشاط الرياضي
النشاط الفني...الاجتماعي...وكانت تتساند العديد من العوامل واسباب النجاح لتحقيق هذه الحياة المثالية...وفي مقدمة هذه العوامل والاسباب...هي الهيأة التربوية الكفوءة المتفانية للمعلمين المخلصين والمبدعين بكل شئ وعلى كل صعيد...ثم يأتي دور العشيرة الكريمة وشيخها البارع المرحوم حسين الحمادي البزون....وتكاتف الجهود للارتقاء بالمدرسة بكل طاقة وجهد الى اعلى المستويات...وكأن الجميع كانوا في ماراثون للسباق والتنافس في كرنفال دائم للحياة...
وكان الاستاذ داود ماهر معلم اللغة العربية للصف السادس...
وكنت اعشق اللغة رغم صغر سني من كثرة قراءة الروايات والكتب المختلفة انذاك وبذلك العمر...كان الكتاب والمجلة هما عالمي الواسع....ولا بديل عنهما ابدا....
ذات يوم...كان لدينا درس ( المطالعة ) فطلب منا الاستاذ داود ماهر...ان نكتب انشاءا عن قصة عاشها اي منا ..او ان نتخيل قصة ما..ونكتب...وطلب منا ان نكتبها في البيت....
في اليوم التالي...جلب كل واحد منا قصته...وهو قلق حائر كيف ستلقى رضا او عدم الرضا من الاستاذ داود....؟
طلب منا استاذ داود جمع الاوراق...فجمعتها انا ..كوني انا مراقب الصف...وسلمتها اليه وانا متحمس جدا كي يطلع على قصتي...ولدي ثقة تامة لا ادري سرها بأنه سيرضى عنها وانها ستكون الاولى...والافضل....! وفي اليوم التالي جاء الاستاذ داود...وبيده اوراق الانشاء...وبدأ يوزعها بعد مقدمة عن بعض الملاحظات التي تشكلت عنده من خلال القراءة والتصليح وتقدير الدرجات...نادى على اوراق الجميع وسلمهم نتائجهم ولم يكن راضيا عن اية واحدة..بسبب سذاجة القصص وعدم قدرة التلاميذ على التعبير ...وراح يشرح بعض التوجيهات للمستقبل حول كتابة القصة في الانشاء وما الى ذلك...ولم يسلم ورقتي وورقة زميلي..زعال علي الفرهود...من قرية الحورية....نادى علينا انا وزعال ووقفنا بجانبه قرب السبورة
تناول ورقة زعال..وقرأ القصة امامنا جميعا وهي مليئة من الطرائف ..وعنوانها مثير للضحك ( طسه وماكو سطاب )....
يتحدث عن نفسه وهو يقود دراجته السكراب نازلا من مرتفع تل ( خويتله ) ونسميه ( المشباه ) فانحدرت به دراجتة بكل سرعتها ولا يوجد فيها موقف ( بريك ) وواجهته مطبات جدا عميقه وخطيرة فتدهورت به وتحطمت ولحقه اذى كبير في ارجله..ويديه...وقد كتب القصة بلغة ضعيفة فيها خليط من الفصحى والعامية وبلا قدرة على التصوير القصصي..فاشار لها الاستاذ داود...انها النوع غير الموفق وهي المثال لذلك...
ثم طلب منه العدة الى رحلته...ووضع يده على كتفي وراح يشيد بي ويثني علي...اطراءا..ومديحا..وكأنني احسان عبد القدوس..الكاتب المصري الشهير...وقرأ قصتي وهي بعنوان
(  متسول....في مقهى...) وتدور الحكاية ان احد رواد المقهى كان فظا واحمقا مع هذا المتسول المسكين فينهره ويوبخه ثم يقوم بطرده خارج المقهى...واختمها بعبارة رآها استاذ داود جميلة جدا..فقلت ( خرج المتسول المسكين يجر كل اذيال الخيبة والانكسار...ولم ينبس ببنت شفة...) فتصاعد حماس الاستاذ داود وهو يثني علي : لم ينبس ببنت شفة..من اين لك هذا التعبير...كيف رتبت هذه القصة الرائعة..وهو يربت بيده على كتفي...ويشجعني لمزيد من القراءة والمطالعة الخارجية لتطوير امكاناتي الادبية...واخذ ورقتي الى الادارة ومررها الى معظم المعلمين متباهيا بي ..واصابني شئ من الغرور والزهو والاعتداد بالنفس..ودفعني لمزيد من القراءة وتطوير ذائقتي الادبية...وفعلا كتبت الكثير من القصص والخواطر واستطعت ان اكتب بعض قصائد الغزل وانا في الصف الاول المتوسط
تلك الفترة...ووقائعها ودعم وتشجيع وتوجيه معلمي بالعربي الاستاذ داود الشمري...تمكنت من الامساك بقواعد فن الكتابة وقدمت ماترونه من جهد متواضع...تحياتي الى معلمي الاول الاستاذ...داود الشمري......

54
من الماضي البعيد....الجرناف...سلة خبز واهلها جياع....
فتحنا عيوننا...نحن ابناء ذلك الجيل..في الاربعينات والخمسينات...على حياة يلفها الجهل..والتخلف والفقر والعوز وانعدام الحياة المدنية تماما..ونحن حين نحن اليه..لاننا كنا بلا عمل..ولا مسؤولية..ونستمتع مفرطين بالحرية والامان..ونقاء النفوس..والطبيعة..ونلهو بطريقة بدائية فجة وساذجة..بما نجده من ماتجود به الطبيعة..البكر...والحياة الطاهرة..التي ولدنا...فيها...وكان الجرناف حقلا للخير في ازدهار الزراعة المدهش والمثير فيه...كان هذا الوادي الواسع العظيم...اخضر ..من اقصاه..الى اقصاه..وكان يغص بالمحاصيل والغلات الزراعية والاقتصاديه..بما ينافس الان مستوى الزراعة في البلدان المتقدمه...حقول واسعة من الذرة ( البيضاء) واخرى من( القنب) وغيرها من ( السمسم) ناهيك عن حقول القطن العامرة والواسعه..وكان هذا النظام الزراعي السائد في الزمن الملكي هو نظاما اقطاعيا صرفا...انتاجه وفير جدا..ويزيد في عدد الفقراء..ويضيف لهم فقرا..فوق فقر..لأن الفلاح كان اجيرا في ارضه بحصة بائسة هي ( الربع) وكانت لاتسد احتياجات عائلته ومتطلبات حياته ومعيشته..واقول للحق كان النظام الزراعي انذاك منتجا رائدا للزراعه..لو توفرت فيه العداله في حصة الفلاح مثلا ( النصف) لخلقت مجتمعا مرفها وسعيدا في كل نواحي الحياة...حيث كانت الزراعة تدار بنمط يشبه ( الشركات الزراعية المتحده) وبانضباط صارم ودقيق مع توفير كل المستلزمات الزراعية الحديثة والمتطوره كالمبيدات..والمحفزات العضويه..والبذور ( المعفره) ونظام ري حديث..وحراثة غاية في التقنيه...مع جهاز اداري للمراقبة وتنظيم الري..والاشراف على مراحل الزراعه من الغرس الى جمع الحاصل من قبل مانسميهم ( الشحاني) او ما يسمى ( السركال) في جنوب العراق...وكانت الارض كلها ماعدا مساحات صغيره هنا وهناك..كلها تعود الى عائلة ( عجيل الياور) التي تستحوذ على كل الانتاج ماعدا الربع الضئيل للفلاح المسكين..كما اسلفت...ونتذكر جيدا كيف كانت تنصب (بيادر..السمسم..الذرة البيضاء..القنب..وزهرة الشمس ) في منطقة ( البياضية) والتي اعتقد انها اخذت هذه التسميه لهذا السبب ..حيث ان ارضها تبدو فعلا بيضاء..بعد رفع الحاصل..وتظهر وكأنها ( محدوله) بألة التبليط المعروفه..ولانبات فيها..على الاطلاق..كنا نتذكر مواسم البيادر..وكيف يقف ( الشحنه) محمد الفالح وهو احد رجال وعمال ( الياور) للاشراف على الفلاحين وتوجيههم حسب الخطه الزراعيه..وهم ماكنا نسميهم ( العبيد) حيث كانت هناك مجموعة منهم تسكن قرية ( اسويدان) وترتبط من حيث المسؤولية مع ( حجي مبارك) الذي يسكن في مدينة الشرقاط في منطقة ( الجرف) قرب قصر عجيل الياور..وبستانه الشهير..وهو وكيلهم ويشرف على كل مصالحهم..في الشرقاط..اتذكر محمد الفالح وهو يقف على رؤوس الفلاحين..بمسدسه المتدلي على جانبه وبيده ( خيزرانة) رفيعة ورشيقة..يهزها بوجوه الفلاحين وهم منكبين على عملهم..ويسمعهم كل اشكال التهديد والوعيد..ان تقاعسوا..او قصروا عن شئ يطلبه منهم..وكان رجلا فظا..ومتعجرفا..متباهيا بزهو مكانته..وملابسه النظيفة الفضفاضة..ومسدسه..وعباءته الخفيفه التي كان يضعها على رأسه من حر الشمس ...كنا صغارا..ونأتي الى بيادر الحاصل..نتفرج..ومن بيدر لاخر..مرة يطردنا محمد الفالح..ومرة يعطف علينا..ويقول لصاحب البيدر ( اعطوا هالوغدان..شرية..وخل يذلفوا) والشريه هي حفنات من حبوب اي محصول ( نضعها في ذيال) ثيابنا ونذهب الى حجي ( عبيله) عبدالله الخلف الحبيب رحمه الله..فنشتري بها بعض العنب او الرمان..حيث كان لديه بستان كبير داخل القريه عامر بالفواكه والخضروات..وبما انه لاوجود للنقود...كان يبيعها تبادلا بالحبوب..فنفوز ببعض الحبوب كما ذكرت..ونشتري بها ونستمتع بالفواكه..وكانت الشريه تعطى لنا..قبل ان يختم محمد الفالح بيده شخصيا على كل صبة للحبوب (بالكيله) وهي ( ختم) خشبي كبير ومستطيل..كتب عليه بحروف كبيرة جدا ( الياور) وهذا يعني ان الفلاح اصبح مسوؤلا عن هذه ( الصبه) لحين تعبئة الحبوب في الاكياس المعدة لها وبحضور واشراف محمد الفالح تحديدا..وهنا تبدأ محنة الفلاحين ..بعد الختم حيث يضعون نظاما ( المراشن) للمراقبة من الطيور والحيوانات خشية ان تقترب من ( صباب) الحبوب وتأكل منها او تشوه ( الختم) وعندها لن يرحمهم محمد الفالح من العقوبات القاسيه..تصل الى الاهانة..والتغريم..فترى الفلاحين في حالة من الانذار والطوارئ..حتى تعبأ الحبوب...وتنقل بسيارات خاصة معدة لهذا الغرض..بعدها يتنفس الفلاحين الصعداء...بأنتظار..موسم جديد...وللتاريخ والمناسبه اذكر هنا ان اولاد رجال ( الياور) الذين ذكرتهم كانوا طيبين جدا..وكلهم اصدقائي المقربين...وعندما دخلنا المدرسه كان معي ( عنبر محمد الفالح) ذلك الولد المؤدب النظيف الهادئ الامين..وكان يأتي على دراجته الهوائية الانيقة الخضراء..من السويدان الى المدرسه في محطة قطار الجرناف..مردفا خلفه ( حسين عباس) الذي كنا نسميه لاحقا ب( اسود العبسي) لسواد بشرته..واطلق عليه هذا اللقب المرحوم معلمنا في مدرسة الخضرانيه ( طارق ذنون حسين علاوي)...وكنا نحبه ونلاطفه بهذا اللقب ويتقبله برحابة صدر..ولطافه...وبعد انقلاب 1958...اختفى صديقي المحبوب عنبر محمد الفالح..هو واهله..واعتقد انهم عادوا الى جذورهم العشائرية والاجتماعيه في بغداد..وبقي حسين عباس وعائلته في قرية اسويدان الى نهاية الستينات..وكان زميلي في الرياضه..والمسرح المدرسي..وكان رشيقا طويلا..ولاعب كرة سلة بارع على صعيد الشرقاط ومن غرائب الصدف...انني التقيته عام 1975 في بغداد صدفة في شارع الرشيد..عندما كنت اهم في الدخول الى عيادة احد الاطباء المشاهير..واذا بي اراه وجها لوجه ولم يتغير منه الشئ الكثير...وتعانقنا طويلا...وبكى بمرارة على تلك الايام..ومندهشا من الصدفة التي جمعتنا وتبين انه يعمل سائقا لنفس الدكتور الذي اراجعه..وقال انه واهله بخير..ويسكنون في دور مصلحة الالبان في ابو غريب منذ نزحوا عن الشرقاط...وافترقنا على امل ان نلتقي لاحقا...ولم نلتقي بعدها...للاسف...وعندما انتقلت الى ثانوية الشرقاط...اصبح اولاد حجي مبارك وكيل (الياور) كل من (حسن مبارك) و( حسين مبارك) اصدقائي المقربين جدا..الى منتصف الستينات..بعدها هاجروا الى الكويت واستقروا هناك نهائيا..حيث كان اخيهم ضابط شرطه كبير في الشرطة الكويتيه..ولم اعرف عنهم شيئا منذ ذلك التاريخ...حتى الان....لن ننسى ذلك الزمن وتستعيد ذاكرتي دائما..تلك (الصباب) من الغلات والحبوب الوفيرة جدا وذلك ( المخزن) الهائل لمحاصيل القطن..وتلك الخيرات التي اثرت بها ارضنا الخصبة في وادي الجرناف..وتبين بعد الوعي ان تلك المحاصيل الوفيرة العظيمة كانت تصدر الى خارج العراق..في القطارات..والبواخر في البحار لانها كانت محاصيل..عظيمة..وذات جدوى اقتصادية كبيره وكانت تشتريها الدول الصناعية الكبرى لدخولها في مجال انتاج..الغذاء..والزيوت النباتيه..ومعامل نسيج القطن...
اتذكر كل هذا...واتذكر انه بعد فيضان عام 1963 انتشرت بيوت القرى عشوائيا...على امتداد مساحات الارض الزراعية الخصبه...ودمرت الزراعة فيه تدميرا متعسفا بحق هذا الوادي الخصب...ولم تعد الزراعة فيه تسمن ولا تغني عن جوع...واتجه الجميع..الى الوظائف..والعمل في كل ميادين الحياة...لتأمين لقمة عيش كريم وحياة هانئه....
نظل دائما...في دائرة الذكرى...والذكريات..وماض نحن اليه...ونستعيده...بحلاوته...فقط.......

55
الجبوري الذي قتل الذئب خنقا
 وزوجته التي تقطعت اصابعها بعد ان ادخلت كلتا يديها بين فكي الذئب لتخليص كتف زوجها من أنيابه  في قضاء الشرقاط

هذه القصة ليست خرافية
وليست من نسج الخيال
أنها قصة حقيقية حدثت في قضاء الشرقاط في تسعينيات القرن الماضي
ولم اسمعها من الرواة 
بل رواها لي بطل القصة نفسه
 وأشهد الله على ذلك ولن ازيد على ما قاله حرف واحد
  بل قد انسى تفاصيل كثيرة قالها ورواها لي
تعالو بداية اعرفكم عليه
انه المرحوم خلف الأحمد الحسن السعدون شقيق الحاج معيوف وصالح وعلي وحسن  الأحمد الحسن السعدون وهو  جبوري من عمامنا المصطفى
وزوجته التي لعبت دورا كبيرا في انقاذه هي شقيقة الاخ ابراهيم فرحان الصحن
ويسكن خلف واخوانه قرية الحصوية
وتقع جنوب قلعة الشرقاط وألى الشمال الشرقي من قرية الخانوكة
بداية القصة وعلى لسان بطلها لمحدثكم يونس الجبوري حيث قال
رجعت للبيت من مزرعتي المحاذية لنهر دجلة منهكا متعبا من العمل وحرارة الجو والعجاج الكثيف حيث كانت السنين العجاف معدومة المطر
 ويضيف تناولت عشائي مع العائلة
 وصليت العشاء ولبست دشداشه النوم
 وتوجهت نحو سريري الذي يتوسط الحوش المكشوف حيث لا يوجد سور ،
 فابتسمت انا لقوله دشداشه النوم
 وكان ذكيا لماحا رحمه الله وعرف لماذا ابتسمت
فقال يا ابو لؤي تتذكر اورزدي باك الذي كان في الشرقاط
 قلت نعم
فقال دشداشتي اشتريتها من الأورزدي
 وهي أكبر حجم في الدشاديش
 تتسع لشخصين آخرين معي من عرضها
وقد خصصتها للنوم صيفا وظلت عندي استخدمها لعدة سنوات
 وقد لعبت هذه الدشداشة دورا كبيرا في انقاذي من الذئب وسيأتي ذكر ذلك
فقلت له وانا ابتسم هيا يا أبا جميل تفضل اكمل
فقال
كان القمر مكتمل في كبد السماء المغبرة وتبدو أشعته حمراء اللون والهواء عالي وانا متعب جدا فالقيت بنفسي على السرير ونمت نوما عميقا ..
 اثاري بنومتي صايرة على اهلنا بيوت اخواني معيوف وعلي قصة من قصص الرعب وانا نايم لا أدري..
فقلت له كيف ؟
قال جاي لك بالكلام ام جميل ( زوجته ) وجميل وطالب واخويهما الصغار كانو لازالوا يتعللون عندما سمعوا اصوات إطلاقات نارية صادرة من بيت شقيقي علي
 وهو ليس ببعيد عنا يبعد تقريبا ٣٠٠ إلى ٤٠٠ متر ولا تفصله عنا إلا بعض تلال صغيرة فارضنا التي نسكنها متموجة كما تعلم
ويضيف لما سمعوا اهلنا الطلقات ببيت اخوي علي ذهب جميل يحمل بندقية يرافقه شقيقه الأصغر طالب إلى بيت عمهم علي
 فقيل لهما هناك أن ذئبين أحدهما كبير الحجم والثاني أصغر منه هاجما  قطيع الأبقار داخل الحظيرة وجرحا  عدة أبقار  وبمساعدة الكلاب والاطلاقات النارية هرب الذئبين
ويردف ولا زال جميل وطالب في بيت علي عندما صارت الاطلاقات في بيت عمهم معيوف
 فهرع الجميع لبيت معيوف بما فيهم علي واولاده ووجدو ان الذئاب هاجمت ابقار الحاج معيوف ابو فارس
 وايضا جرحت عددا من الابقار وهربت عندما سمعت الاطلاقات النارية
ولما هم الجميع بالخروج من بيت الحاج معيوف أوصى ابو فارس جميل وطالب أن يوقضا ابيهما ويخبراه  بالموضوع وان عليه أن يضع البندقية تحت وسادته تحسبا لأي طارئ
[  ] ويستطرد ابو جميل عندما عاد الأولاد من أعمامهم استوضحت والدتهما عن الأمر وعندما قصا عليها ما رأياه لم تصدقهما وقالت قضينا حياتنا كلها بالمكان هذا ما بيوم من الايام رأينا الذئاب تهاجم الأبقار ورغم الإيمان الغليظة لم تصدقهما وعندما اخبراها بتوصية عمهما معيوف عن البندقية قالت اسمعا كلامي واصعدا للسطح حيث فراشكما فوالدكما متعبا أتركاه  يرتاح  فلم يخالفان ...
 كنت مندمج فقلت له أي يا ابو جميل اكمل بالله عليك فقال صبرك علي يا ابو لؤي تجيك السالفة
[  ] يقول لا أدري بكل شيء وفي عز النوم بعد منتصف الليل ايقضتني ام جميل وهي تصرخ انهض يا ابو جميل انهض أبقارنا اكلتهن الذئاب في الحظيرة
 وبين مصدق ومكذب نهضت كالمجنون ورأيت العجاج يتطاير من الحظيرة الى عنان السماء
 واصوات الابقار والكلاب تصم الآذان
ركضت تجاه الحظيرة حافي القدمين فارغ اليدين وانا اصيح باعلى صوتي لاخيف من في الحظيرة
 وليس عندي اي فكرة عن الذئاب واخذت الوح بيدي للكلاب استحثهن على الهجوم
 يقول لما اقتربت كثيرا من سياج الحظيرة رأيت ذئبين يخرجان من باب الحظيرة ودخلا في زقاق يفصل بين جادينتين (غرفتين للدواب) بجانب الحظيرة يقول انا تبعتهما من الزفاق بعد أن لحقتهما الكلاب وهي تنبح وتهاجم مستقوية بي
 وعندما خرجت من الزقاق لقيت الكلاب قد شكلت دائرة حول الذئبين
فأخذت أمثل اني التقط شيء من الأرض لاضربهما والوح  بيدي كأني ارمي بالحجر
ويضيف الهواء عالي ودشداشتي وسيعة وامتلأت بالهواء فصارت عبارة عن بالون أمامي
 لأن الهواء كان يأتيني من الزقاق الذي صار خلفي ..
وقال يا ابو لؤي عندما تضايق الذئبين هجم الذئب الكبير على اكبر كلب عندي وعمره سنة ونص وأخرجه من المعركة وولى الكلب هاربا وهو يستغيث
وعاد الذئب للكلاب الخمسة الاخرى وكلها جراء،وصار يطرد الواحد تلو الاخر  من المعركة  ولم يبقى امامه الا انا
فادركت خطورة بقائي وحاولت ان افكر بطريقة للانسحاب بسلام
فلم يمهلني بل هاجمني على الفور
ورعط الدشداشة من عند الجيب الى ذيالها في لمح البصر فصارت عبارة عن صاية او زبون مفتوح
 فقلت في نفسي جيد ما دمت سلامات سيذهب الذئب الى مسافة ثم يعاود الهجوم كما هو معلوم عن الذئب  وساهرب خلال ذهابه
 فلم يمهلني كذلك بل قفز من فوره واضعا كفيه على كتفي وملتهما  شعر رأسي الكثيف والطويل والذي ساعدت الرياح على وقوفه فصار يشبه الرأس فوق راسي معتقدا والله أعلم إنه امسك وجهي
يقول لم أكذب خبر ولم أتركه يفكر كيف يقتلني
فبادرته بخنقه بيدي اليمنى من بلعومه
واليد الثانية احطت بها رقبته وحاول أن يطرحني أرضا
 وكنت اسمع جلد رأسي ينفصل عن جمجمتي وأشعر بالألم لأنه ممسك بشعري الكثيف وبكل قوة
 فوضعت رجلي خلف ساقيه الخلفيتين ودفعته بقوة  فسقط على الأرض
وحاولت تثبيته على الأرض بكل قواي وهو تحتي يرفس بكل قواه فاصابني بجروح وخدوش عديدة بمخالبه
 ولم أبالي لأنها مسألة حياة أو موت
 وقد وهبني الله من القوة فوق مستوى التفكير فاستسلم الذئب تحتي بعد أن وضعت ركبتي اليمنى فوق خاصرته والركبة الثانية على الأرض الصخرية
فاعتقدت أن الذئب قد مات  وتنقست الصعداء ..
هنا قاطعته فقلت وأين الكلاب والذئب الثاني من كل ما حصل وأين ام جميل عنك
 فقال ام جميل لا تدري بما حصل لي لانها دخلت للحظيرة تتفقد الابقار وما حصل لها
والكلاب أحاطت بالذئب الثاني الذي لم يكن بشراسة هذا
[  ] قلت اكمل بربك اكمل
[  ] قال حينما شعرت انه مات أحسست بالتعب فأرخيت  يدي اليمنى المطبقة على بلعومه  كي اريحها قليلا
وفي طرفة عين حاول النهوض بكل قوة فأعدت الأطباق على بلعومه بأحكام أكثر من ذي قبل
 لكن ساقيه الخلفيتين انتصبتا بينما نصفه الامامي تحت سيطرتي ورغم ذلك سحبني  وثقل جسمي كله على خاصرته ورقبته تحت ابطي الأيسر بينما شعر رأسي لا زال بين فكيه وأشعر أن جلد رأسي قد انسلخ تماما ..
المهم سحبني مسافة تزيد على العشرين متر تجاه الوادي القريب لكن الله استجاب دعائي ولم يصل الوادي
 لكنه بهذه الحركة نال من ركبتي اليسرى التي انسلخ جلدها تماما وصارت تنزف وتؤلمني لكن حب الحياة جعلني ازداد إصرارا وعزيمة على المطاولة ولشدة الضغط على بلعومه مات الذئب ولم يعد يتنفس
فارتكبت نفس الخطأ الأول وارخيت قبضتي قليلا وفي      ١بالالف من الثانية افلت شعر راسي وعضني من ابطي بالضبط
انيابه العلوية انغرزت في كتفي وانيابه السفلية تحت ابطي وسمعت باذني صوت انيابه تطبق على عظامي بعد ان اخترقت اللحم
 فازددت قوة وظلت يدي اليسرى تطوق رقبته رغم هول الموقف
 وشعرت بتدفق الدم يسيل تحتي وببرودته وشعرت بخدر يدي اليسرى  وايقنت اني ميت لا محالة
 لكنني لا زلت اتشبث بالحياة
 وبعد كل هذا سمعت ام جميل تناديني
خلف يا خلف وينك
 يقول فناديتها  من بين فكي الذئب
 انا في فم الذئب يا ام جميل تعالي انقذيني
 فركضت تجاه صوتي وهي تقول وينك ما اشوف كل شي
 ولما وصلت سألتني من اي مكان عضك فقلت لها من تحت ابطي الايسر
فجائت نحو ابطي الايسر
وتيقنت من ان الذئب قد عضني
مدت كلتا يديها بين فكي الذئب لتفتح فكه وتنقذني
 فما كان منه إلا ان اطبق على يديها فقطع أصابع يديها وهنا أطلقت لصوتها العنان وصوت المرأة عند الخوف والمصائب يكون عالي وليس هناك اكبر من مصيبتنا
وصارت تصرخ ونادت باعلى صوتها على أولادها جميل وطالب الحقونا الذئب سياكلنا انا وابيكما
استيقظ الاولاد على صوتها فجاء جميل حامل بندقيته الكلاشنكوف
 بينما طالب لا يحمل شيئا
 ولما وصلا  مكان الحادث حاول جميل أن يضرب الذئب فمنعته وقلت يا ولدي هو ممسك بنا نحن الاثنين فلو حاولت فستقتل واحد منا معه او نحن الاثنين
فقال وما العمل يا أبي
قلت لا أدري
فقاطعنا اخاه الاصغر طالب وقال انتظروا عندي فكرة
 فعاد يركض للبيت وجاء كالبرق وبيده ادريسة القطن (شيش طويل من الفولاذ يتجاوز المتر ونص يستخدم لدك محصول القطن يعرفه الفلاحين جيدا)  وقال ثبته يا أبي بقوة
 فقلت لا عليك افعل ما شئت فلن افلته  ابدا
فوضع الادريسة في فم الذئب وبدأ بدفعها بقوة وشعرت بها تمر من خلال قبضتي إلى داخله فأفلت  ام جميل من بين فكيه واستمر طالب يدفع بالادريسة
[  ] إلى أن خرجت من دبره ومات
لكن انيابه بقت مغروزة في كتفي وتحت ابطي
وبعد جهد خرجت انيابه العلوية من كتفي
 لكن انيابه السفلية لا ترضى الخروج من تحت ابطي
وبعد محاولات نجحوا في إخراجها
 ونقلوني على الفور إلى مستشفى الشرقاط
وكان الوقت فجرا فاسعفوني إسعافات أولية واحالوني لمستشفى تكريت ..
ولما خرجنا من مستشفى الشرقاط كان الصباح قد لاح  فاصريت على اعادتي للبيت لكي أراه
 وحين رأيته يا أبا لؤي عجبت لأمره
فقلت لماذا
 قال اول مرة بحياتي أشاهد ذئب بهذا الحجم وبهذا اللون فقلت له معقولة يعني وانتم تسكنون منطقة مليئة بالذئاب لم تشاهد بحجمه
 قال لا بحجمه رأيت
ولا بلونه
 ولا حتى شاهدت في حياتي اذنين كأذنيه
 قلت وضح لي
 قال لونه احمر على الإطلاق
 وله أربعة أذان.. !!!
هنا استوقفته ماذا تقول يا رجل
 قال لا يروح بالك بعيد له اذنين لكن الأذنين مشطورتين تماما يلصقهما جلد شفاف ولولا هذا الجلد لانفصلت كل إذن إلى اذنين
 قلت المهم سلامتك يا أبا جميل
 قال دعني اكمل لك قلت وهل هناك شيء أكثر من هذا
 قال كل هذا كوم واللي شفته بمستشفى تكريت كوم
 قلت كيف يعني قال
ما ان وصلت إلى المستشفى حتى غصت المستشفى بالناس وكل من يأتي يريد أن احكي له الحكاية
 وبقيت ٥ ايام بالمستشفى صدقني لم انم أبدا الناس فجرا صبحا ظهرا عصرا مساءا ناس تروح وناس تجي
اين الذي قتل الذئب
حتى كرهت نفسي وانا أروي لهم الحكاية
قلت له تالي
قال تالي وقعت على مسؤوليتي وخرجنا انا وام جميل
 قلت ختاما دعني أرى مكان العضة فكشف عن كتفه
 ورأيت مكان النابين العلويين كأنها مكان اطلاقات نارية   ثم تحت ابطه فرأيت علامات الانياب السفلى أيضا كاثار  إطلاقات وشكرته رحمه الله ورحم ولده جميل الذي اختطف وتم اغتياله على أيدي العصابات الاجرامية المسلحة
عذرا للإطالة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يونس الجبوري

56
حكايتي مع الثعبان

عاد يونس للمنزل ليلا قادما من بيت اخواله المجاور بعد جلسة سمر مع جده وجدته واخواله
كان سرير يونس في الحوش (باحة المنزل ) الذي يحده من جهة الغرب بستان الوالد الكبير كان القمر بدرا والهواء عالي نسبيا كانت اصوات سعف النخيل اشبه بالمحركات وهي تداعب بعضها من شدة الهواء والوقت بداية الخريف في شهر ايلول لكن لا اضبط في اي يوم تحديدا (يعني النوم في الهواء الطلق آنذاك جميل جدا ) الجو لا حار ولا بارد.. المهم نرجع للحكايه
بعد ان استلقى يونس على السرير حانت منه التفاتة الى الجوار بعد ان لمح حركة شئ ما ...
تسمر يونس من هول الصدمه ...
انه ثعبان ضخم يتجه نحوه
يفوق طوله الاربع امتار
اغمض يونس عينيه وفتحهما لعل ذلك يكون حلما او شئ مو حقيقي
لكنه تفاجأ كذلك بالحقيقه
انه ثعبان
وثعبان كبير ليس كالثعابين
لقد رأى يونس الكثير من الثعابين في بستان والده لكنه لم يرى ثعبان بهذا الحجم اطلاقا
استدار الثعبان وذهب لاتجاه اخر بعد ان اقترب من سرير يونس كثيرا
تنفس يونس الصعداء ورفع راسه محاولا ان يلتقط مجرفة كانت قريبه
لكن الثعبان ما ان رآآآه يرفع راسه الا عاد مسرعا تجاهه
فاعاد يونس راسه على المخده ليرى ما سيحصل مع هذه البلوى
اقترب الثعبان وما لبث ان ابتعد مرة اخرى
رفع يونس راسه وعاود الثعبان المجئ
تكررت تلك الحاله مرات عده حتى نشف ريق يونس
كان يدعو الله ان ينجيه من هذه المحنه
كان صوت فحيح الثعبان يملأ المكان عالي بشكل فظيع كان هائجا وغاضبا بشكل يفوق الخيال
وجاءت لحظة الحسم فالتف الثعبان في مكان بعيد نسبيا
نهض يونس وبخطى سريعه التقط المجرفه
وتقدم ببطئ نحوه
رأى انه ارقط مخيف كان واضحا على ضوء القمر
فضربه ضربة لايسلم منها من تناله
واذا بالمجرفة ترجع بقوه الى فوق بعد ان سمع يونس صوتها تاكد انه اخطأ الثعبان فهذا صوت المجرفه على الارضيه الاسمنتيه ولم تكن ضربة نالت من شئ كرر الضرب عدة مرات ونفس الشئ ... واكتشف يونس ... اتعلمون ماذا اكتشف
تعالو معي

بعد

اكتشف ان هذا الثعبان ما هو الا قطعة قماش بعرض 30 سنتميتر تقريبا وبطول يتجاوز الاربع امتار علق طرف منها تحت حصاة كبيره والطرف السائب كان الهواء يداعب فيه يمينا ويسارا وكان لونه مشابها للون الثعبان اسود وفيه ابيض او اصفر على شكل ورود
وعلى فكره اصوات سعف النخيل تتهيأ ليونس ان هذه الافعى تنفخ وغاضبه
كانت ليله ولا كل الليالي

57
من الماضي البعيد......كوميديا....عند قبر...الترك.........
في العام 1957...من القرن الماضي...ذهبنا كالعادة من كل موسم دراسي...الى مدينة الشرقاط...كي نحلق رؤوسنا استعدادا للذهاب الى المدرسة..لمواصلة حياتنا الدراسية حيث تعتبر حلاقة الرأس..من اولى الاستحضارات الاساسية المطلوبة لمواصلة العام الدراسي..اضافة الى بعض الثياب والملابس النظيفة التي تفرضها وتؤكد عليها الادارة المدرسية كل بداية عام دراسي...وكان ذهابنا للحلاقة ينطوي على امرين متناقضين...احدهما حلو...والاخر مر...اما الحلو فهو المصروف النقدي الذي نأخذه من اهلنا بحجة الحلاقة وهو ( مئة) فلس....وهي كثيرة علينا انذاك ونعتبرها موسما ماليا مزدهرا لقلة النقود في ذلك الوقت وتخلف الحياة..وصعوبة العيش...وكانت اجرة الحلاقه في ذلك الوقت ثلاثون فلسا...فيفيض لدينا سبعون فلسا نتمتع بها ايما استمتاع...!!!  فنأكل لفة ( حلاوه شكريه ) بخبز البيت الابيض ( صفر) من دكان المرحوم ( خليل الجرجيس ) الذي يضع مصطبة نظيفة في دكانه..يقابلها حب الماء البارد النظيف..في كوب معلق بحمالة الحب..هو الاخر نظيف جدا...ويغري للاستمرار بشرب الماء دون توقف...ويكون سعر هذه اللفه عشرون فلسا فقط...فيتبقى لنا من مجموع المصروف..درهما..اي ..خمسون فلسا..وهذا هو فوزنا العظيم من هذه الرحلة الشاقة والممتعة في ان واحد...حيث نأتي الى الشرقاط..ذهابا وايابا..مشيا على الاقدام...لعدم وجود سيارات وكراجات محدده للذهاب والعودة في ذلك الوقت..الا عن طريق الصدف البعيدة الاحتمال...ونذهب ونعود في الطريق القديم الشاق والطويل ولا نبالي لذلك..نحن الفتيان السعداء..بالصحة والعافيه والخالين..من الهم..والمسؤولية الحياتيه...وكان معي في هذه السفرة الممتعه ..كل من الشيخ جاسم الحسين الحمادي الذي كنت واياه..كالاخوة تماما وكنا لا نفترق..الا عند انفضاض النهار..وانتهاء ساعات اللعب مساء والذهاب الى اهلنا للنوم..ثم..يبدأ صباحنا من جديد..ونعود لكل شئ تركناه مساء الامس..وهكذا..كانت تدور ايام عمرنا..وكان معنا ايضا المرحوم ارحيل الوهيب..والمرحوم صالح المحمود العبدالله الحجاجي...اما الجانب المر..وغير الممتع فهي صفحة الحلاقة ذاتها..فنحن غير معتادين عليها وعلى طقوسها ( ميز تواليت واسع وعريض..وعليه مختلف العدد الغريبة علينا..مقصات مختلفه..مكائن حلاقة غريبة الشكل .. امواس حلاقة بيدات وطويلة ومخيفة..اقداح صغيرة فيها محلول ابيض..فرش حلاقة ..قناني عطر لا نألفها ولا نعرف مابها...حزام جلدي معلق...يسن الحلاق امواسه فيها ويتفنن بحركاته اثنائها..مرايات كبيرة جدا..تظهر اشكالنا من الامام والخلف...صور كبيرة جدا..تكاد تنطق لعدد من الفنانين لانعرف شيئا عنهم..كرسي غريب الشكل نجلس عليه..بلا اعتياد...ملاءات غريبة..يلف صدورنا ورقابنا بها وروائح ومطهرات لا تألفها انوفنا..مزيج بين المنعش والمقزز لنا...هدوء مخيف..وصمت مطبق..وحلاق يتأمر بطرا ويرتدي صدرية بيضاء..كأنها زي رسمي لا نعرف مرتبته وكان ذلك الحلاق ( الطاغيه) هو المرحوم ( احمد السلطان العبيدي ) الملقب ( احمد الحلاق) ...وكان هو الحلاق الوحيد في الشرقاط..ويتحكم برقاب الجميع..بلا مجاملة ولا ملاطفة..وكان يبدو عبوسا..قاسي الملامح ..فظ القلب ...غليظ المعاملة مع زبائنه..خاصة الصغار..ويتعسف معنا الى ابعد الحدود..وكان احيانا يضربنا على رقابنا اذا تحركنا اثناء الحلاقة (كفخات) ويتلذذ بذلك بصمت مخيف...اجمالا..كانت عملية الحلاقه..شكلا من اشكال التعذيب الذي نذهب اليه تطوعا ( مكرهين) حيث مدرستنا تريد ذلك...انتهينا..من الحلاقة..اكلنا لفاتنا عند المرحوم خليل الجرجيس...وقفلنا راجعين الى اهلنا..مشيا على الاقدام الى وادي الجرناف...مررنا بالطرق النيسمية الترابية من جانب بستان وقصر الشيوخ ( قصر عجيل الياور) ذلك الصرح المخيف انذاك..وذلك البستان العامر المزدهي بكل انواع الفواكه..والمحروس..بسياج من الاسلاك الشائكة واشجار شوك البحر التي تدثر هذه الاسلاك..ونمر من جانبه مع ظل الاشجار الوارفة نحتمي من شمس الظهيرة ونمشي بحذر شديد..وكأننا نمر من جانب معسكر لقوات عسكرية محتله..وننظر الى الثمار الناضجة المتدلية على اشجار السياج..ولا نجرأ ان نمد ايدينا اليها لنقطع شيئا منها نأكله...لخوفنا من المجهول..ولأدب فينا تربينا عليه..رغم انه لم يكن هناك في المكان اي شخص يمكن ان يمنعنا او ينهانا عن ذلك..ولكن..كما ذكرت..هي التربية والاخلاق فينا..اضافة لهيبة المكان..والخوف من المجهول..ومكانة صاحب المكان...انذاك...مشينا..ومشينا..فوصلنا الى مكان قرية ( شكرا) حاليا...وكانت الارض قفراء..وجرداء من كل شئ..لايوجد فيها..غير اشجار ( السلماس) البرية الكثيفة والثعالب والارانب...واليرابيع..المتقافزة يمين ويسار الشارع ..في البعيد عنه..وهي تتلاهث من هجير الحر والعطش..وتبحث عن طرائدها بخفة..ونشاط...ووصلنا الى المعلم الوحيد في هذه الارض المكشوفة المجللة بالسراب وسنا حر اواخر شهر اب..الملتهب...الا وهو قبر ( الترك) الذي له قصة متداوله بين اهل الشرقاط ..لا مجال لذكرها هنا....جاءت سيارة المرحوم ( حسين المصلح) وهو رجل كريم ومعروف بين الناس..وله مكانة كبيرة في الوسط الاجتماعي..وكانت سيارته حديثة جدا..ويعمل بها اجره بين الموصل..والشرقاط..لنقل الركاب والمسافرين..وكان وحده في السياره...وعبرنا وهو يخفف من سرعته..ثم عاد الينا راجعا..وسألنا: اين تذهبون؟ قلنا: للخضرانيه..ثم قال تصعدون النفر عشرة فلوس؟ ..قلنا له: لأ...فذهب متباطئا...ثم رجع الينا على الخلف قائلا: تصعدون النفر خمس فلوس؟ ..واجبنا عليه..لأ..فذهب...مشى قليلا..ثم عاد وسألنا : تصعدون النفر بفلس واحد؟ ..قلنا له..لأ...ثم ضحك وقال..( جعل هالروس تعطل...تلاچعون بهالحر..وبفلس واحد ماتصعدون ؟ اصعدوا اركبوا...بلاش ياالله) ففرحنا واندفعنا الى داخل السيارة الفارهة الانيقة..واستمتعنا بركوب ارستقراطي لا نعرف سره وخفاياه...ووصلنا الى المكان الذي نريده..وكنا نتمنى ان يطول الطريق دون ان يصرح احد منا بذلك...وترجلنا عند طريق الخضرانيه..فقال المرحوم حسين المصلح..مناديا على الشيخ جاسم بكل لطف..( انا عرفتك من البداية وكنت اتلاطف معكم..ووصلتكم الخاطر والدك...سلم لي على ابوك الشيخ حسين الحمادي..سلاما كثيرا..وقل له فلان...يسلم عليك) ..وهكذا انتهت واحدة من رحلات الصبا..والفتوة...رحم الله الشيخ حسين الحمادي واسكنه فسيح جناته..ودام الجاه واهله..ورحم الله كل من ورد ذكره في هذه القصة الماضيه...وتحية لذلك الزمن الجميل..الذي يعطر...ذاكرتنا...دائما......

58
كنت يافعاً لم اتجاوز الثانية عشر حينما جلست قريب من الباب في بيت خالي وكان المرحوم ابوفتاح ،،حسن اسماعيل ،، يتناول النبيذ مع الجالسين وكان حاضر البديهة سريع النكتة حينما لقى الإعجاب من الحاضرين لبيان لغته وجمال عباراته قال،، احنا الحبور نبلع هوا ونطلع حجي ،، ولَم اعلم معناها في حينها فنحن نتحدث الكلدانية وعربيتنا ركيكه وتعلمناها في المدارس وقت الصغر ، وصادف ان كبرت وتخرجت من كلية الآداب وهامت نفسي في اللغة العربية وآدابها وصادقت اهلي العرب في الجامعة من الجنوب والشمال فتحسنت لغتي وبعدها تعينت في الشرقاط ونادراً متألم ازر ايه قريه من قراها وزادني فخراً بالانتماء النفسي والاجتماعي لهذه القبيلة المترامية الأطراف ، وكل يوم يزداد اعجابي بما قاله المرحوم ابو فتاح ، وها انت أيها الاستاذ الفاضل صاحب القلم المجوهر والكلمات المتناسقة المموسقة البهية وانت تدعني استذكر قريتي تلكيف وألعابنا وحكاياتها وكانما كنت معك ، لقد اهتزت مشاعري وأنسجمت معك غاية الاندماج ، شكرا. لك انت هدية من السماء أيها الاخ الغالي والصديق المبجل ، ادامك الله ذخراًً لي عزيزي الغالي 🌷🌷🌷

59
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛ تلك بدايتي؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛
.........من قصص وذكريات الطفولة المليئة بالسعادة ..
تلك بدايتي يوم ان وجدت نفسي بلا اختيار اسلك طريق الحياة في بيئة ملئها السعادة والمرح وصحبة كاننا
نسخة واحدة بنات وبنين لافرق محمود وهناء وسالم وسناء
وعمران وخولة.(وابو زعرور) الذي كان بمثابة زعيم المجموعة.تجمعنا السعادة والمرح هناك وجدنا انفسنابين بيوت الطين المتناثرة وحقول الحنطة والشعير حيث المروج الخضراء اواسط اذار والسنابل المليئة بحليب الخبز الذي يديم الحياة ويهرب منه الجوع...نلعب و.نقفز كما تقفز الخراف الصغيرة نلامسها و نمسك بقرونها ونحاول نطاحها بروؤسنا  ثم تهرب منا ونتبعها.....نصطاد الفراشات الملونة ونجمعها بدبابيس على قطع  من (الفلين)لنحملها الى المدرسة حيث درس( الحياتية)  اتذكر ان المعلمة شكرتني ثم بعد ذلك أنبتني وقالت لقد اخطأت حرام عليك قتل الفراشات لان الارض ستبقى بلا الوان ومن حينها وانا اعتذر لكل فراشة اراها....
نركض نتسابق نتشاجر قليلآ ثم نعود الى الضحك لاشيء غير
السعادة..نتسلق على شجرة(شوك البحر)حيث ثمارها المالحة
الحامضة تشبه بالشكل ثمار الفاصولياء نأكل منها ونستظل بظلها ننتظر العم اسماعيل الجندل  هكذا كانو يسمونه رجل فقد ذراعيه وسمعه في احدى الحروب كما اخبرونا الاهل وكان
يبكر صباحآ بشياهه(النعاج)الى المرعى ليعود وقت الظهيرة
فننزل من على جذوع شوك البحر ليتكرر المشهد اليومي العم اسماعيل يسوق نعاجه بقدميه ومن تتاخر يضربها بمقدمة حذاءه على مؤخرتها والقطيع خاضع لاوامره ياسبحان الله عندما يهيأ لك الله امرآ على ضعفك يخضع لك كل شيء..
ننطلق بالضحك وننادي عمي اضرب الحمرة!!! فيضربها فنضحك ليس لدينا شيء الا الضحك فنشير له على الاخرى فيضربها ثم الاخرى والعم اسماعيل ينفذ هو لايسمعنا الا قليل ولكنه يرانا نشير بايدينا وتتحرك فكوكنا فيعلم اننا بسعادة غامرة هو يضحك معنا يشاركنا السعادة...ثم تدفعنا حماقة الطفولة لتكرارها مرارآ حتى اننا نفقده اعصابه فيهوي بقدمه نحونا فنهرب ..نعم تلك كانت بدايتي...... نلعب بالكرة ونلعب بالطين ونلعب بالعيدان اليابسة لاشي مستحيل فالطبيعة مستسلمة للقلوب البريئة.يصنعون منها الوانآ من السعادة...هناك كانت البداية وهناك وجدت نفسي...في يوم خريفي من ايام ايلول انتقلنا الى بيت جديد يبعد عن منزلنا الاول.وهنا بدأ الفراق اجتمع الاصحاب للوداع والدموع تترقرق في العيون وانا اركب في حوض سيارة الحمل ماسكآ ببعض الاثاث المتواضع والقي على اصدقائي( الحلوى)كنت احاول ان يستمر المرح وكانو يلتقطون الحلوى من خلف السيارة وهي تسير في محاولة منهم ايضآ من اجل الاستمرارلكنني رأيت في العيون كلامآ يقول لي غير ذلك ويوحي  بأن كل شيء قد انتهى😢
بعدها بدانا نتغير مع البلوغ بدانا نرى ان الارض ملت من وقع
اقدامنا حتى الشمس اراها عابسة والقمرحزين كانه يعاتبنا ..
حتى محمود وسالم وعمران تغيرا وهناء وسناء تغيرتا ايضآ اذكر انني طرقت باب احداهن بعد ان ارسلتني امي طالبآ حاجة ففتحت نصف الباب بيد فيما اخذت تسحب غطاء راسها وهي تكلمني بخشونة لم اعتادها علمت بعدها انني بدأت اكبر وان موسم الضحك بدأ ينطوي شيئآ فشيئآ وابو الزعرور تغير هو الاخرواستبدل الحماقة بالحكمة واصبح شخصية لايستهان بها ...تغيرت الحياة مع تقدم السنين حتى شوك البحر اقتلعوه ليبنوا مكانه
دكانآ ...والعم اسماعيل فارق الحياة مع نعاجه بعد ان دهستهم
سيارة وراح لاحقآ يديه في دنيا فانية.. نراها اليوم انها بدأت تحاول ان تلفظنا وتطوينا كما يطوى الحصير.. .
حتى انا اصبحت غير ذاك  الذي تغنى له الاغاني وتعلق بشعره التمائم وتتكلم عن يوم عرسه الاخوات والعمات والخالات..وتنبهر بشطارته الجيران ....واليوم لوقارنا اعمارنا بوقت يوم لوجدناها انها في وقت مابعد الظهر وهو وقت استقامة اشعة شمس الحياة وهوموقف مؤلم محزن حيث انك ترى عن يمينك البداية وضحكاتها ومرحها وعن يسارك النهاية وفنائها وان الغروب قادم لامحال وسوف نفسح الطريق لمن هو جديد وماتلك التجاعيد الخفية والشيبات التي بدأت في حياء ثم استفحلت.... مااراها الانذر فناء قادم  ...   غفرانك ربي........من ذكريات الطفولة......بقلمي....   احمد فاضل

60
محمود خماس
ذاكرة محارب
حياة جندي عراقي في الوطن والغربة
توثيق وإشراف : وداد دَاوُدَ السلوم
الناشر : دار الأمة للطباعة والنشر 
دمشق ٢٠٠٩
أخوتي الكرام حياكم الله
الكتاب سيرة ذاتية لخالي المهندس محمود خماس إبن الشرقاط وتكريت والموصل والجندي العراقي المخلص لوطنه العراق حمّلني أمانة كبيرة وهي كتابة هذه السيرة الجميلة بما حوته بين صفحاتها من مواقف ومخاطر وإنجازات
الحقيقة كنت مترددة لكن إصراره على أن لا يكتبها غيري وبأسلوبي الذي كان يحبه من خلال رسائلي التي كان يقرأها بأعجاب
بدأنا نكتب مسودّة الكتاب عام ١٩٨٣ في بغداد ثم في دمشق وألمانيا والأردن ومصر ولبنان وكانت المسودّة ترافقني في حلي وترحالي مع القراءة المستمرة لمذكرات القادة والسياسين والادباء والمؤرخين وكل ما كان يقع بين يدّي كي أستزيد لغةً وخبرةً في كتابة السيرة الذاتية 

******************************
نبذة عن الكتاب
محمود خماس الجندي العراقي الذي يفخر بما قدمه لوطنه
ـــ ولادته
ـــ مرحلة الشباب
ـــ حياته العسكرية في الموصل حيث يتنقل الى مدن عراقية
ليجد نفسه مطارداً ومحكوماً من قبل الاحتلال البريطاني
يتجه الى سورية لينضّم الى قوات البادية بقيادة فوزي القاوقجي 
يُحتَجز في تركيا في معسكرات سيواس
يصل الى ألمانيا الهتلرية ليشهد الحرب العالمية الثانية
يلتقي بمجموعة من العراقيين الفارين من الاستعمار البريطاني والطامعين الى تخليص الوطن منه بمساعدة هتلر لكن جرت الرياح بما لم تشتهي السفن فخسرت ألمانيا الحرب
عاش خماس ظروفاً صعبة جداً بالغة الخطورة
تزوج من إمرأةٌ ألمانية وأكمل دراسته العلمية في جامعة برلين التكنولوجية ليحصل على دبلوم في الهندسة الاستشارية
كما حصل على شهادة من معهد برلين للعلوم السياسية
إستقر في سوريا ودخل ميدان العمل فتوفق فيه
يلتقي بالعديد من الشخصيات التي لها مواقع مهمة فيعقد صداقات مع الكثير منها
يتجول في العديد من عواصم الدول العربية والأوربية
يوجز تجاربه الحياتية في كل ما مرّ به بكل صدق وأمانة
(( محمود خماس في هذه السيرة نموذجاً للأنسان العراقي الطموح الذي عاش بتلك الحقيبة وقد إمتلأت روحه بحب الوطن والأخلاص له))
تربى هو وجيله على قيم سامية لم تعد اليوم كما كانت بالامس
أخواتي إخوتي
أرجو ان أكون قد قدمت لسيرة هذا المحارب ما يليق به كجندي عراقي حارب من موقعه الذي كان يعتز به فحمله وحمل العراق في وجدانه حتى آخر لحظة وكنت شاهدةً

يومكم سعيد
وداد دَاوُدَ السلوم

61
الأستاذ الإذاعي شمعون صليوه متي، في العام 1975 جاء نقلا من   متوسطة في الساحة الأيسر لقضاء الشرقاط إلى متوسطة آشور  في قصبة الشرقاط، مدرسا لمادة الفيزياء، ومن خلال علاقتنا بالأستاتيذ، حميد خضر تيلا، مدرس مادة الاقتصاد، ثانوية الشرقاط، محمد حياوي مدرس مادة الأحياء أيضا ، وعدالله جرجيس سليمان الذي كان مدرس اجتماعيات في متوسطة هيجل كبير الساحل الأيسر، توطدت علاقتي بالأستاذ شمعون، عندما طلب إعادة أداء اغنية وطنية لمجموعة من طلبة ثانوية الشرقاط اسمها (ماهو منك ياشعبنا) في إحدى احتفالات المدينة بمناسبة وطنية، وعندما كنت رئيس الاتحاد الوطني للطلبة  في الشرقاط،كان عريف الحفل الذي قدمني لإفتتاح الاحتفال، اتذكر استقبال الجمهور له بشكل مذهل بالتصفيق لوسامته وقدرته الفائقة في الأداء، إذ كان في كلية العلوم /قسم الفيزياء /جامعة بغداد، يعمل مذيعا في إذاعة الجمهورية العراقية الرسمية /بغداد، وبشكل وقتي أثناء فترة الدراسة، ثم قدم نشرات إخبارية في التلفزيون العراقي، كان يسافر من مدينة الشرقاط إلى بغداد من أجل نشرة إخبارية لمرة واحدة في الأسبوع، وغالبا مايختار ايام الخميس او الجمعة ويعود بعدها ليكمل حصصه من تدريس مادة الفيزياء، ثم تواصلت علاقتنا بعد أن قبلت في كلية الإدارة والاقتصاد في الجامعة المستنصرية/بغداد للعام 1980_1981،والأستاذ شمعون انتدب بشكل رسمي كمذيع في قسم الأخبار، وكنت أتردد على الإذاعة والتليفزيون عندما كنا نقيم احتفالاتنا في الجامعة، وبواسطته، تعرفت على الأستاذ الإذاعي الكبير الراحل رشدي عبد الصاحب وعلى الفنانين، رضا الخياط، أديبة، حميد منصور، وآخرين...وآخر لقاء لنا كان في العام 1989/ في بغداد، علمت بعدئذ انه يعمل في قناة عشتار الفضائية /أربيل /عينكاوا...
وهنالك كثيرا من المواقف والذكريات لايسع المجال والظروف لذكرها لكونها شخصية  بحتة، دمتم بسلام الله وحفظه...

62
وبختني --------------- في الطيف زرقاء اليمامه
لِمَ هذا الحزن ----------------- في منفى الحمامه !؟!

نحن بخيرٍ نعيش ------- في ظل أفيون العمامه
بين التسول والرصيف ----- وبين أكوام القمامه

بفضل تجار الحروب -------- وآغتيال الإبتسامه
هكذا نحن نحيا سعداء -- تحت كابوس الأمامه

لاينقصنا شيئاً سوى -- البحث عن معنى الكرامه
قد تولى الثعلب الماكر في القوم بوصلة الزعامه

وتبنى الإحتيال --------- وآعتلى في الأمر زمامه
وآمتطى ظهري حماراً -------- حز عنقي بحسامه

لم يعد حامل نعشي -------- يهتدي صوب مَقامه
رغم أنفك أنت مجروح الفؤاد  دلني أين حطامه ؟
 
تارة تُحاصر فيك النفس ------------ آهات الندامه
وتارة آخرى -------------- في الروح عاصفة مُقامه

63
ليلى...من جديد....
****************

لمحتك واستيقظ الحب
في صدري  حراقا.......
يناديني.....

مانعته بالاسى متراغبا...
فمازالت جراح الامس
تدميني.....

توسلت روحي بقلبي
تراوده  ايناك ان الحب
يرويني.....

واستنجد القلب بالعقل
يناشده: الا تذود عني
وتحميني؟.....

انا صريع العشق وضحية
مخضب الجرح والاحلام
تدريني.....

مابال روحي وقلبي.....
تجاهدني تهفو الى الحب
ترميني.....

ايقضت عقلي عساه يدركني
من نوبة الحب  رداعا.....
ويثنيني.....

ناديته متندما: انا الملوح
دعني لها..فتلك ليلى
تناديني.....
انا الملوح..وتلك ليلى...
تناديني.....

                     الشاعر
                 سالم الجبوري
                    بغداد
             مايس  2018

64
الشرقاط وماادراك مالشرقاط      في العام ١٩٧٦ ودون سابق إنذار تم نقلي من دورة الضباط في المقدادية الى وزارة التربية ونسبت مدرساً في ثانوية الشرقاط ، وسافرت مع شقيقي المرحوم احمد خضر الى قرية اجمسة ،،قرية المرحوم حسن اسماعيل ابو فتاح. ،، والتحقت في اليوم التالي ولَم يكن لي اي تصور عن مواد الدراسة وأي صف ادرس ونوعية الطلبة وكنت متوجساً رغم امتداح شقيقي لقيم وتقاليد أهل المنطقة ، كنت اعرف شخصين فقط المعلم ناصر نطاح حريش من الخصم والمعلم المرحوم احمد سليمان من اجميلة ، وسرعان مابدات اندمج مع طلبتي والصادق بعضهم وأتقبل دعوات العشاء في بيوت ذويهم واتعلم امثالهم واحفظ أغانيهم وأتطلع بأخلاقهم  وسريرتهم الصافية  حتى غدت الشرقاط واهلها على مدى خمس
 أربعون عاماً لها سمفونية راءعة تسير في دمي والهج بذكرى طلابي وأصدقاءي وغدا بيتي بعد نقلي مضيفاً لهم والمفرح ان اغلب الطلبة وصلوا الى مراتب مرموقة في الدولة ، اما يكفي لهذه المدينه  ان تنجب مءات الأطباء والمهندسين والقادة في كل المجالات  ، لاانسى الخبز الحار  الذي كان يجلبه لي المرحوم خليل ابن اختي بهيجة ، وهو طالبي  ويصيح علي خالي ، لاانسى مضيف المرحوم غتران المجيد المرسى   ابو زبير  وربعة العم حمد الدوخيوالد الدكتور جاسم  ، وأما بيت اسماعيل عصمان ابو صالح فكنت اشعر حينما ادخل دارهم  فعلاً اهلي ، وماسرني اني في اول أسبوع  أخذنا المرحوم احمد سليمان الى دارهم في اجميلة وانبهرت حينما تقدمت  صواني كبيرة من التمن المطعم بالكشمش واللوز وفِي حواليه خبزا ريفياً كأنه خبز الجنة يغوص نصفه في مرق البانيا وفوق تلك الصواني خروفين مع لية تهفو لها الإبصار ، والطعام كان لذيذا. ولَم يصادف ان رأيت هكذا تنظيم من قبل والأجمل من ذلك كله حينما دخلت جدته ورحبت بِنَا وأتذكر انها قالت  عبارة ،، هلا بيكم شكد مامشى بيكم الويل من تلكيف  لي هينا ،،  شكراًلكم. والى كتابات اخرى قادمه

65
في خمسينات القرن الماضي كان السفر الى بغداد عن طريق باصات كبيرة تسمى النيرن والانگرلي  وهي اسماء للشركات المصنعة المانية وانگليزيةوهي عبارة عن باص كبير يأتي من الموصل الى بغداد وهناك باص خشبي لنقل الخضراوات والفاكهة بني اللون من نوع فولفو او سكانيا ويكون انتظارنا لها مكان البنزينخانة الان بالقرب من مطحنة احمد الشنشل ويكون منذ الساعة العاشرة لانها هي السيارة الوحيدة التي تأتي يوميا ولايوجد غيرها ويكون قدومها بين 11-1ظهرا لقلة السيارات في ذلك الوقت وكانت تذهب الى الموصل فقط .ونحمل حقائبنا الثقيلة لانه لاتوجد لها تايرات مثل اليوم وكذلك الصوغة وتكون اما من رقي السلامية كبيرة سوداء اللون والخاثر والجبن ودهن الحر وكمأ  والسمك البني او القطان وتوضع بسلة كبيرة مغطاة ونأخذ مكاننا في الباص فتجد اشكال والوان من هدايا المسافرين في داخل الباص من دجاج حي الى خروف واجبان وكرزات وكعوب وكمأ وغيرها وتجد دخان السكاير يضيق صدرك وكان التتن المشهور بالموصل ابن بصو وحسن رجبو وتلف بورق خفيف ماركة بافرة او الباخرة ويعملها سكاير بيده او بعلبة موجود عليها عتلة للف السكاير وكذلك انواع سكاير المعمل المصنعةكما يسمونها هي غازي  ذهبي اللون ولوكس وبغداد وجمهوري والباكيت مربع الشكل وتجد المدخنين اغلبهم وخاصة الكبار شواربهم تميل الى الصفرة من الدخان وتسير بنا الرحلة لتمر بجميلة وام الشبابيط التي تقطع الطريق الرابط مع الشرقاط عند فيضانها في الشتاء نتيجة السيول التي تاتي من اعلى السهول وهنالك الكثير من السيارات تغرق فيها نتيجة لارتفاع السيول بها ثم نواصل السير بالطريق القديم الى ان نصل بغداد مرورا بيجي تكريت وينزل منها من يريد منطقته وننزل من الباص ونركب باص المصلحة احمر اللون ليوصلونا الى الاقارب ونحن فرحين لاننا في بغداد حيث الجمال والاناقة فالطلاب زيهم النيلي للسترة والبنطلون والتنورة رصاصي وكذلك موظفات الدوائر لها لونها مثلا التجارة جوزي والنقل والمواصلات نيلي وهكذا وتجدهم ينتظرون الباصات بكل ذوق واحترام للكبير وللمرأة  والعطف للصغير ومساعدة الاخرين  نسأل الله ان يعيد بهجة وضحكة مدننا واهلها ولنا لقاء اخر في ذكريات اخرى

66
اجواء رمضان  .... من الذاكره

ونحن نعيش الآن أيام شهر رمضان المبارك أعاده الله عينا وعليكم بكل الخير والبركة والسلامة وبالتزامن مع الحجر المنزلي المفروض علينا بسبب وباء كورونا عافانا وعافاكم الله وازاح هذه الغمه عن العالم أجمع . فمن الطبيعي أن يهيم العقل ويسرح في ماضي السنين . واليوم وأنا اتصفح ذاكرتي استوقفتني أيام جميلة لها طعم ونكهه خاصه كنا نعيشها وتحديدا بهذا الشهر المبارك في الشرقاط فوقفت عند ليلة رمضان ويومه الأول ....

كانت لأيام هذا الشهر الفضيل روحانية وقدسية خاصة في كل بيت من بيوت الشرقاط تجعل له طعما خاصا ومميزا فالكل يبدأ بالتجهيز والتحظير حسب اختصاصه ومسؤليته في البيت . كان يبدأ بالطقوس الوالد رحمه الله  بسد الأحتياجات المطلوبة حسب طلب الوالده أو ألجده (أم البيت) حيث كنا نذهب صحبته للتسوق وتجهيز (مسواك رمضان) وكان يشمل البقوليات كافه وخاصة (العدس) كونه الطبق الرئيسي للصائم إضافة الى التمر الذي كان يختار منه أجود الأنواع وغالبا مايكون أكثر من نوع وأيضا النومي بصره لعمل (الشربت) والتمر هندي حتى يصحى الصائم بعد طول نهار من العطش وألم الرأس . يلي ذلك اللحوم والدجاج والخضروات وغالبا ماكان يأتي هذا المسواك بعربة الحمال (بالرغم من أن العمل عباده ولكن اعتذر عن ذكر اسماء مراعاتا للمشاعر ) الى البيت وكنا نرافقه لتنزيل الحمولة وإدخالها للبيت وبما أني كنت أصغر اخوتي فكنت اتحجج بعدم القدره على المسير واتظاهر بالتعب  ليتسنى لي ركوب العربة المصنوعه من الواح الخشب الطويلة والمزوده بإطارين سياره في الوسط والفرح بهذا المشوار الذي لايتجاوز مئتين أو ثلاث مئة متر وكنت افرح عندما يصرخ صاحب العربة على اخوتي أو من يرافقنا من الأقارب بعدم السماح لهم بالركوب معي كوني صغير ومدلل أبي .

البيت الذي كان يستنفر قبل بضعة أيام بقدوم أفضل الشهور ويبدأ التنظيف وغسيل الملابس والفراش وشطف الحوش الذي كان اشبه بساحة فعاليات رياضية ولكن من الأسمنت كوني من المواليد المتحضره . وكانت الجده رحمها الله هي الموجه والتي تقوم بتقسيم الأدوار والأعمال فلكل امرأه وبنت علمها وحتى الأولاد بأستثنائي عدا بعض الأعمال البسيطة وهي تراقب وتدقق وتمنع أي تقصير ..
كان الإعلان عن بداية شهر رمضان المبارك يتم عن طريق  جامع الشرقاط الوحيد في شارع السوق في ذلك الوقت وبعد صلاة المغرب يبدأ المؤذن (محمود) او الحاج (خيرو الجديد) بالتكبير والتسبيح وإعلان أن غدا هو أول أيام شهر رمضان المبارك وهنا تبدأ معركة الأستحمام والتطهر لأستقبال أول يوم رمضان وكالعاده دورنا يأتي بعد الكبار وعادة ماكانت الوالده أو إحدى الأخوات الكبار تقوم بهذه المهمه أعتقادا منهم بأننا لانصل الى المستوى المطلوب من النظافه . وما أجمل الحمام أيام زمان الذي كان يحتوي على (حنفية ماء بارد وقدر كبير يوضع على بريمز نفطي او غاز لتسخين الماء ولاننسى التخته الخشبيه للجلوس مع طشط لمكاسرة الماء البارد والحار وغالبا مايكون الماء الحار أكثر لأعتقادهم انه يزيل الأوساخ أكثر مايجبرنا على الصراخ دون شعور وأكيد الطاسه لسكب الماء إضافة الى ليفه وصابون  ) .
كان اليوم يمر علينا عصيبا وطالما كنا نفطر بشرب الماء عند الظهر بالخفاء ونتظاهر بالصيام خوفا من العقاب وعند العصر ينتابني الفرح الشديد عندما أرى جارنا ( عبدالرزاق السيد جهاد) وهو يحمل صينية البقلاوه والزلابية على رأسه والتي يأتي بها كل يوم من الموصل خصيصيا في شهر رمضان وكان موقعه عند الاورزدي باك وكنت اتقصد مراقبته وجذب انتباهه حين عودته ليراني واقفا على باب بيتنا المطل على شارع السوق ليعطيني قطعه من ما تبقى من الحلويات كوني احمل إسمه ولي عنده معزه خاصه وكوني صغير المحله والمدلل فيها.. ( قبل أيام تكلمت مع إبن العم العزيز عبدالرحمن أحمد السلطان وإذا به يقول يهلا يصغير المحله ومدللها) ... الحمدلله على هذه الذكرى الطيبه ....

وقت ماقبل المغرب هو الوقت العصيب وكان أكثر شخص يتأثر فيه هي الوالده رحمها الله فبعد نهار طويل وعمل شاق في اعداد أنواع الإفطار وقبل الموعد بساعه تسجر تنورها ليكون الخبز الحار جاهزا عند الإفطار لأنها تأبى إلا أن يفطر أهل البيت خبزا حارا حالها حال بقية نساء ذلك الزمن الجميل  . جزاها الله عنا كل الخير فهذا العمل بذاته يجعل الإنسان يفكر في الإفطار ألف مره ولكن القناعه والثقة بالنفس وبرب العالمين كانت كبيرة جدا  ..
الكل ينتظر الأذان بشغف وكنا نقف على باب البيت لنرى المؤذن محمود (وكان كفيف البصر ) وهو يستدل بعصاه التي يمسكها بيده على الطريق المؤدي الى الجامع وكان هذا خير وقت لإخبار الأهل أن محمود ذهب الى الجامع ليتم نصب سفرة الإفطار وكان رحمه الله لايرى وقت الغروب فكان يسأل على باب الجامع ويقول (أأذن) وكنا نصرخ بصوت واحد (أذن) وبما اننا صغار في السن فقد كان لايعير أهميه لكلامنا . كان يخرج الحاج خيرو الجديد من باب دكانه الكبيد المجاور لباب جامع الشرقاط ليخبره أن المغرب دخل فيؤذن محمود ويبدأ الإفطار على سفره طويله فيها مالذ وطاب من خيرات الله يتقدمها العدس واللبن والتمر والماء.. فالأم اعدت الأكله الرئيسية وكل واحده من بنات البيت تفننت بأكله معينه والشرابت من مالذ وطاب ناهيك عن (الطعمه) وهي عباره عن طبق طعام أو أكثر يتبادله الجيران فيما بينهم فكل بيت يرسل من طبخه الى بيتين او ثلاث من الجيران وهكذا يتم تبادل الطعام فيما بين بيوت المحله .. كل ماكان يزعجنا في ذلك الوقت هو الأنتظار فبعد الأذان يفطر الصائمون على اللبن (شنينه) وتمر ثم يقومون لتأدية الصلاة وكان يجب علينا الأنتظار لأن العادات والتقاليد لاتسمح لنا بالأكل قبل الكبار فكنا ننتظر على مضض ونحن ننظر الى المائده العامره بالخير .
بعد ذلك نتظاهر بالصلاة لكي يسمح لنا بمرافقة الوالد ومن معه من الكبار الى الجامع لتأدية صلاة التراويح فكنا نقف اخر الصفوف ولكن مع أول ركعه نتبادل الأنظار للأنسحاب إلى الشارع وممارسة الألعاب (الغميضه والشجام) وكان اللعب في هذه المنطقه مفضل لنا أكثر من المحله لانه الشارع الرئيسي لسوق الشرقاط ويوجد على كل باب دكان ضوء يتركه صاحبه مشتعلا لإنارة الشارع الى مابعد الصلاة مثل دكان الحاج ادهم العليج وناصح  وحسين الجارو اضافة الى مقهى ياسين ال طه  .
بعد الصلاة تبدأ التعليلة حيث يتبادل الأهل والجيران والأقارب الزيارات العائلية للمباركة بشهر رمضان وتناول الحلويات وأهمها المحلبي والكاستر الذي تتفاخر به البنات وكل لها طريقه بإعداده، أما نحن فنكسب المزيد من الوقت للعب ولكن هذه المره في المحله لأن وجودنا مع من أتى مع أهله وهم في أعمارنا يسبب إزعاجا للكبار وهم يتعللون ويتبادلون الحديث فيطلبو منا الذهاب ل اللعب في الشارع .
غالبا مايكون السحور قبل النوم وخاصة بالنسبة لنا كصغار أما الكبار فينامون ويصحون على صوت المسحرجي وغالبا مايكون صوت المؤذن محمود وهو يصرخ من سماعة الجامع (اكعدو عالسحوووووووور )ليكررها عدة مرات حسب قناعته وعادة مايكون السحور على السطح في الصيف . بعدها يعاود الكره ولكن عند الإمساك حيث تكون الناس قد تسحرت وشربت الجاي لتسمع صوت محمود من مأذنة الجامع وهو يصدح (إمساك يا أمة محمد إمساك) أو ( أحتراااااااااام يا أمة محمد ). وهكذا يكون قد انتهى اليوم الأول من أيام شهر رمضان الكريم وليبدأ بعده يوم آخر غالبا مايشابهه بالأحداث..
اعاد الله علينا وعليكم رمضان بكل خير وبركة وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال ....

67
أيها الستيني المراهق
لا يصح أن أتركك وحدك
جئت أسجل إعجابي بك
وعلى عكس ما يراه الجميع
أرى خزائنك ألستة مليئة بأسرارهم
لا أريد ثورتك ولا أرغبها
دع يديك مبسوطتين هكذا
لا تحركهما
ألا تعلم!! ؟
أن الزمن الذي جعلك هكذا ,,
سيجعلهم بعد حين اشد منك بؤساً وشقاء
هم لا يعلمون ,,
أن في داخلك ثورة فقدوها في آبائهم أو أجدادهم أو لم يكتشفوها ,,
وأنكروها حين وجدوها فيك
ورموا بك في مهب الريح لتتقاذفك الألسن اللاهثة خلفهم
لا بأس عليك
أيها الستيني,,,
دع خزائن أسرارك مقفلة فإني أخاف بوحك
أخاف أن يجتاحهم غضبك
اعلم أنهم أحبوك بجنون وأنت في العشرين
واستغلوك وأنت في الثلاثين
واشتروا رضاك وأنت في الأربعين
وتملقوا وأنت في الخمسين
وها هم يحاولون دفنك حياً وأنت في الستين
لا تعجب يا عزيزي
فهكذا هو حال الدنيا اليوم
لا يوقر صغيرهم الكبير
ويخلطون الحنطة بالشعير
وصوت ابن آوى يسمونه زئير
ويبيعون الحصان بسعر الحمير
فبمن تستجير
لا تنظر إلى خزائن الأسرار
ودع القرار
أجله حتى طلعة النهار
فربما الغبار
إذا تطاير فوقهم سيجلب الدمار
فعندما لا يبقى من خيار
عندئذٍ فلا مناص من ,,,
أسلحة الدمار

يونس الجبوري

🤨✍🤨

68
صباح الورد اخي العزيز
لقد عزفت على وتر جميل في هذا الصباح النقي فأثرت الشجون والحنين الى ذاك الزمن الحلو بكل تفاصيله
لي مع الرسائل والبريد حكاية إسمح لي ان أرويها 
بعد ان زارنا خالي المهندس محمود خماس وكانت زيارته الاولى الى الشرقاط قادماً من صقيع الاغتراب ينشد الدفئ بين الاهل والأحبة
راسلته وأحببت أن أتباهى بين صديقاتي وأفخر بخالي المهندس المغترب فكتبت له عنوان مدرستي متوسطة الشرقاط للبنات وكنت في الصف الاول متوسط في حينها
اول رسالة تصلني منه شكلت المديرة مجلس تحقيق بسبب كلمة بدأ بها الرسالة مع الاسف لم تفهمها مديرة مدرستي ولا بعض المدرسات
(حبيبتي وابنتي الصغيرة وداد السلوم سعيدٌ انا برسالتك التي وصلتني وفخورٌ بهذا الأسلوب الجميل واللغة الراقية )
ومع انه ارفق صوره مع جدتي والعائلة الا ان مديرتي وبعض مدرساتي لم يقتنعن وهن اللواتي يحملن ثقافة المدينة والعاصمة وأردن معاقبتي وطلب أولياء أمري
لولا تدخل المعاونة الطيبة السيدة فاطمة السلم التي أصرت بأنها تعرف العائلة وتعرف ان لدينا خال في ألمانيا ووقوفها بوجه الادارة ودفاعها عني وطلبها الى اللجنة ان تدقق في الصور وتتحرر من التمسك بهذه الكلمة التي أعتبرت جريمة
بعد تلك الحادثة الاولى والأخيرة
أبلغت خالي ان يعنون الرسالة بأسم ياسين بكر العيطو ،، الاخ ابو طه لانه الأقرب فهو زوج الأخت وابن العمة
موضوعك ذكرني بأول رسالة تصلني الى الشرقاط
شكرًا و …………… عذرا عن الاطالة
تحياتي

69
عزيزي الغالي ابو احمد   لقد سبقتني بهذا الموضوع والبريد كان يقع بجوار بيت محمد صالح العمر مقابل مقهى دعون ويعمل فيه عبد القادر مديرا وغفوري اخيه وياسين ابو طه ومهدي الكنهوش وهادي حاج رجب ولديهم بايسكل لتوزيع الرسائل التي يضعوها في حقيبة وكان سيد حمادي على البدالة  عندما نريد ان نخابر من البدالة التي كلها فيش يدخل ويخرج بها ويدور الهندر ويقول شرگاط 6 ومن ثم يؤشر الى كابينة لنتكلم بها وبعدها قامو بتوزيع هواتف للبيوت وكان رقمنا 43وكان  يخبرناعبر رنة طويلة من الهاتف ليقول غدا عيد او رمضان .وكانت اكثر مجلة توزع هي من اذاعة باكو ديريفان  وصفحات المجلات اضافة الى ماذكرت حقل تعارف في جريدة التاخي ورئيس تحريرها صالح اليوسفي وبعدها صار اسمها العراق في شارع الرشيد وعملت بها في الصفحة الرياضيةوبعدها تغير اسمها العراق في السبعينات وصفحة تعارف في مجلة الف باء وكان رئيس التحرير حسن العلوي ورشيد الرماحي وعملت في صفحة طب وعلوم مع ماهر فيصل وكذلك صحيفة يصدرها مصطفى الفكيكي وعالية ممدوح كانت اجتماعية بحتة وتعالج قضايا الشباب وصداها واسع وكنا نتواصل معها لااتذكر اسمهااما الرسائل فكنا نرسلها وهي نوعان نوع عادي ومسجل والاخيرة اغلى ونضع الطابع ب5فلوس  والدولي ونغلقها بتبليل اللسان على اللصق ثم نضعها بفتحة في بوفية خشبية بنية اللون ويقومون بجمع الرسائل وتوضع بكيس ثخين رصاصي ويغلق بعد ان يفصل الذاهب الى الموصل والشمال وكذلك الذاهب الى بقية المحافظات الى بغداد ويؤخذ الى الجرناف لارسالها عن طريق القطار وتصل بين 7-10ايام داخلي وشهر او اكثر خارجي وهنالك البرقية وهي اسرع واغلى وكانت ترسل على شكل شفرات الى بغداد او الموصل .رحم الله تلك الايام ورحم الله كل من ورد اسمه

70
يَا هَذَا
 مَا رَفَثْتُ فِي حُبِكَ وَلَا أعْتَلَانِي فُسْوُقٌ
وَحِيْنَ هَجْرْتَنِي
 اِلْتَوَتْ جُذُوْعَ اَلْنَخْلِ فَي خَاطِرِي الْمًكْسْوُر
واحْتَرَقَتْ خَلايَا الْنَحْلِ عَلَى لِسَانَكَ الْمَعْسُول
واَصْبَحْتُ اُقَلِّبُ كَفَيَّ
 عَلَى مَا فَرَطْتُ فِي جَنْبِيْ ,
ألماً وِحَسْرَة
واَلْهَبَتْ سِيَاطُكَ ظَهْرِي
 وأدْمَتْ مَخِالِبُكَ اَحْشَائِيَ الّتِي كُنْتَ لَهَا طَبْيِبْ
كُنْتُ اَتَجَاهَلُ عُيُوبَكَ , اَغْفِرُ زَلَاتَكَ , اَمْسَحُ دُمُوعَكَ , اَحْمِلُكَ عَلَى كَاهِلِي الْمُتْعَبَ فَتُمَزِقُنِي , اَرْسُمُ اَلْبَسْمَةَ عَلَى ثَغْرِكَ لِتَصْفَعَنِي
كُنْتُ اَحْتَمِلُ جُنُونَكَ وَاَدْفَعُ ضَرِيْبَةَ ذَلِكَ خَصْلاتٌ مِنَ اَلآمَالِ اَلّتِي اَصْبَحَتْ جَرْدَاءُ فِي صَحْرَاءِ اَنَانِيَتُكِ الّلامُتَنَاهِيِةُ اَلأَطْرَافِ
يَا هَذَا
خُذْ بَقَايَاكَ وإلّا
فَأنَا اِمْرَأةٌ قَوِيِةٌ كَأعَاصِيرِ الْحِكَايَاتِ الْقَدِيمَةِ
سَتَقْتَلِعُ رِيَاحِيَ مَا تَبْقَى مِنْ جُذُورِكَ الْنَخِرَةِ
وَسَتَكْتَسِحُ سِيْولِيَ تِلْكَ اَلأشْوَاكُ اَلّتِي زَرَعْتَهَا فِي طَرِيقْيَ
وَسَتُحَطِمُ كُلَّ اَلقُيودَ اَلّتِي اَفْنَيْتَ قِوَاكَ مِنْ اَجْلِ تَكْبِيلِيَ بِهَا
كُنتَ تَتَكَلَمُ فَأصْغِي
تَغِيبُ فَأنتَظِرُ
تُقَطّبُ جَبينُك بِوجْهِيَ فَأبتَسِمُ
تَثورُ فأهدأُ
واليَومْ مَا عَاد ذَلِكَ مُمْكِنَاً يَا مَنْ اِخْتَارَ اَلْرَحِيلُ
فأنَا إمرَأةٌ لَسْتُ لَكَ

بقلمي
يونس الجبوري
🌸❤🌸

71
حفظكم الله ورعاكم و وفقكم اخي العزيز ابو احمد وانت تستعيد اللبنة الأولى من صرح كان ولازال في خلدنا هو الاجمل والشاهق في بناءه ومكانته (مدرسة الشرقاط) الصرح الكبير ذي الرفعة والاجلال مع اني لااملك من شرف جوارها إلا لحظتين عظيمتي الوقع
الاولى امام مديرها الاستاذ الفاضل ماهر  وهو يسألني عن اسمي وسني وبعض اسئلة اخرى اليوم فهمت انها اختبار لقابليتي للاستيعاب وامكانية الدراسة وكنت بمعية والدي وخالي شتر الذي احضر ابنه اخي وزميلي رجب.
والثانية هي اسبوعين او ثلاثة من الدراسة حيث المقاعد الدراسية (الرحلات) الكبيرة الدافئة والتي تحوي اربعة او خمسة تلاميذ ثم نقلنا الى مدرسة الشرقاط للبنات وهي المدرسة الطينية الام وذلك لصغر أعمارنا او اجسادنا او لقلة وعينا وادراكنا وربما لسوء فهمنا او لأسباب اخرى..
وبعد قرابة الشهرين افتتحت مدرسة اجميلة الابتدائية فنقلنا وجميع ابناء قرية اجميلة اليها والتي كان كادرها يتكون من الاستاذ حازم حسن العرگوب مديرا ومعلما ومشرفا واداريا كاتبا..
 وقد كتبت عن مدرسة اجميلة
تحياتي واحترامي وتقديري العالي لمدرسة الشرقاط العظيمة ولكوادرها التعليمية وطلابها
تحية المحبة والشوق لأخي الغالي الوفي ابو احمد معد سلطان.

72
مدرستي الجميلة في ستينات القرن الماضي هذا الصرح الذي خرج الكثير من الكفاءات ورجال الامس واليوم هذه البناية الشامخة الى يومنا هذا التي كانت مثال للنظام والرقي والاحترام كان مديرها عندما دخلنا صف الاول الابتدائي الاستاذ ماهر عبد اللطيف الطويل القامة صاحب النظرة الثاقبة والبسمة المختفية وخيزرانته التي يضعها في ردن الجاكيت دوما وبدلته الرصاصية والسوداء وهو يقف على باب المدرسة ليحاسب من يتأخر عن الدوام ويحاسبه ان كان طالبا او معلماوالمعاون الاستاذ جميل افندي وهو يرتدي نضارته وشعره المدهون وابتسامته الوضاءة وبنطلونه فوق السرة وسترته السراوين السوداء  وفي السادس صار محمد رشيد الحافظ مديرا .
يبدأ الدوام  بالصافرة من احد المعلمين وبعدها تغير بدق الجرس باليد وهو اشبه بالناقوس وبعدها اصبح جرس كهربائي ومن ثم ندخل الى الساحة لنصطف كل في صفه وامامه  المعلم مشرف الصف وفي الوسط مدير المدرسة والمعاون كما في ساحة العرضات في العسكرية ورفعة العلم   تكون يوم الخميس ويقوم بها اذكى  وارتب طلاب المدرسة بين 3-4طلاب ويتقدمون بسير عسكري الى سارية العلم ويرفع العلم والكل يؤدي التحية للعلم وبعدها تطور واخذ يقرأ النشيد الوطني وتطور واصبح اطلاق طلقات تحية للعلم وبعد الانتهاء يعلن مدير المدرسة بالذهاب الى الصفوف بمسيرة منظمة والدخول الى الصف بدون كلام ولاانسى ونحن في الاصطفاف يقوم المشرف بالتفتيش على الملبس والقيافة والشعر والاظافر ويعاقب المخالف باخراجه في الساحة امام الطلاب ويبدأ الدرس وهكذا بالنسبة للدروس البقية ندخل قبل مجيء المعلم
يوجد في المدرسة حانوت تعاوني يبيع المعجنات من فرن مجيد الخفاجي ويعمل به قاسم وهي كيكة بنية اللون وكذلك الحلقوم والبسكويت وكي كولا ومشن وسينالكو وتراوبي وكندادراي بالوانها وكنت انا ممن يبيعون في الحانوت وفي المدرسة يوجد التغذية المدرسية وهي حليب بعلبة معدنية زرقاء ومرسوم عليها يدان متصافحتان ومكتوب اليونسيف  عليها وكذلك البيض المسلوق والجبن المثلثات واللبلبي كل يوم وجبة شكل وكل طالب لديه قدح فافون به يدة مع ملعقة طعام خاصة به وتكون هذه التغذية بعد الدرس الثاني  وبعد الانتهاء نخرج منتظمين الى باب المدرسة الى ان نصل بيوتنا بأدب سيرا على الاقدام والصغير يكون بكنف الكبير اخيه او قريبه او جاره وكثير منا يلبس الدشداشة ويضعها في البنطلون بدل القميص لضعف الحال والفقر وكان اذا سار المعلم في شارع نعبر لمكان اخر احتراما له واذا صدر صياح او شجار يعاقبون اليوم التالي ومن اللطائف عندما يضرب الطالب من قبل المعلم لسبب ويذهب لاهله ويخبرهم يضربه الاب ويعنفه وليس مثل مايحدث اليوم من ضرب واهانة المعلم؟
رحم الله اساتذتنا واطال الله بعمر من بقى

73
ذكريات الزمن الجميل عاشت اناملك الأخ العزيز ابواحمد على هذه الكلمات التي أعادت الميموري الخاص بعقولنا الى مايقارب خمسه واربعون عاما تقريبا يالها من ذكريات جميلة يالها من مناسبه والله كنا ننتظرها عام بعد عام وونتظر قدوم الفرق المشاركه في هذا الاستعراق بساحليه الايمن والايسر حتى قضاء الحضر داخل هذه الكراديس التى كادت تذكرني بكراديس الكليه العسكريه من حيث الضبط وأدارة المسير وتنسيق القامات يتقدم هذه الكراديس معلمي الرياضه وحاملي قطع الدلاله بالمدارس المستعرضه بعد ان يوعز الذات ببدء الاستعراض وغالبا مايكون مدير تربية الموصل ولايفوتني ان اذكر انه دائما في مواسم اقامة الاستعراض كنا ندعو الله ان يكون الجو صحوا لكي لايفسد حلاوة الاستعراض لاسيما وانها كانت تقام في موسم الربيع دائما حيث كثرة الامطار ....والعوائل التي كانت تشارك ابناءها وتعتلي السيارات المدنيه التي كانت موجوده انذاك كالبيكمات واللوريات التي تمنح المشاهد فسحه اكبر من رؤية الملعب ....ابواحمد اتمنى ان اكمل كافة فقرات المشهد ولكن لاأريد ان اطيل لاسيما واني احتفظ بصوره من تلك الاستعراضات كنت حينها حاملا لقطعة مدرسة اجميله الابتدائيه للبنين يسبقني معلم الرياضه الاستاذ موسى صلبي رحمه الله....تحياتي لك اخي ابواحمد وادعو الله ان يحفظك وأن يديم عليك الصحة والعافية

74
نعم انها ذكريات لااجمل ولااروع منها ، وبقدر ماهي ذكريات عالقة بالذاكرة والضمير  هي جزء من سِفر خالد لابطال ذلك الزمان عندما كانوا صغارآ لكنهم كبار في انجازاتهم واليوم هم عدا الراحلين منهم يشاركون في بناء الوطن كل من موقعه كما كانوا اجدادهم بناة الحياة وشمس الانسانيه  على مدى تاريخها التليد ..... وبمناسبة الحديث عن مهرجان الشرقاط الرياضي السنوي ،،، لابد ان استذكر وتستذكرون معي تلك الفعاليه الجميله ضمن فعاليت المهرجان ولا نعرف هل هي فعاليه ونشاط ضمن الفعاليات الرسميه ام هي فعاليه من ابداعات ادارة المهرجان الانيه الاوهي ( ركضة الكواني ) لفراشي المدارس المشاركه في المهرجان  والتي هي عباره عن حضور فراشي المدارس امام منصة ادارة الاستعراض وتهيأ لهم كواني ( اكياس) ويقوم الفراشيين بالدخول داخل الاكياس ويقومون بشدها من فوهتها على البطن اي كما يتم لبس البنطرون ومن ثم يستعدون للانطلاق عند سماع صوت الصافره   وتبدأ الزكضه الجميله المضحكه المسليه وقليل من هؤلاء المتسابقين او ربما واحد منهم يصل نقطة النهايه للفوز لصعوبة الركض داخل الكونيه (الكيس )  وكان من ضمن اللذين يحققوا الفوز فراش مدرسة الخصم الابتدائيه المرحوم الرجل المحترم / احمد الذياب  االجبوري ابو ابراهيم لانه كان يمتاز بطول قامته ومرونة جسمه ودرايته ومعرفته كيفية الركض داخل الكيس ......كانت هذه الفعاليه تزيد من روعة ونكهة المهرجان ،،،،،واعتقد ان هذه الفعاليه كانت تتم لتكريم فراشي المدارس في ذلك الوقت .... ياله من زمن جميل ذهب ولن يعود....
ملاحضه ؛ كلمة الفراش تعني الان موظف الخدمات وكلمة فراش كانت لاتعني الدونيه اوتقليل قيمة الشخص وانما وصف وظيفي له كل التقدير والاحترام والاجلال ....

75
لله درك...استاذ ابو احمد...لقد اثرت شجوني حقا..وكأنك تدعوني الى الضحك والبكاء في آن واحد..
من اين لك هذه الصورة الباهرة ومن دق لك جرس هذه الذكرى العظيمة التي اوجعت قلوبنا فيها لحبنا لها وتعلقنا بها...
هي احدى اهم صفحات الزمن التي لازالت وستظل عالقة على جدار ذاكرتنا وذكرياتنا الجميلة..
لقد كنت احد ابطال هذا الاستعراض السنوي في لعبتي القفز العريض..والقفز العالي..مثلما كنت ( كابتن ) فريقي السلة والطائرة...ولازلت اسمع نداءات الجمهور وهو ينادي علي ان اسجل نقاط الفوز لصالح مدرسة الخضرانية التي اشتهرت بحصد كؤوس الفوز انذاك...واتذكر ايضا ان الاستاذ الراحل شاكر قطمير هو من كان يدير الاستعراض قبل ان يتولى ذلك الراحل الاستاذ احمد جنداري..وقد عاصرتهم الاثنين معا
ابا احمد...لقد تناولت مستذكرا ومذكرا ابناء الشرقاط احفاد آشور بواحدة من اهم فصول تاريخهم الحديث ويهم كل مثقفي ابناء هذه المدينة واريافها لانه جزء مهم من سفر امجادهم...وادعو هنا من خلال هذه الفقرة كل مثقفي اهلنا في الشرقاط الذين عاصروا هذه المهرجات ان يتحدثوا عنها على قدر معاصرتهم لها معززين ذلك بالصور التي يحتفظون بها...
تحياتي لذلك الزمن الماسي وتلك الاجيال الذهبية التي ملأته القا وابداعا...الرحمة للراحلين..والصحة والعمر المديد للاحياء الطيبين...
احييك اديبنا الرائع فهد عنتر الدوخي...على هذه الوقفة الجميلة الرمضانية التي زينت بها تباشير هذا الصباح النيساني الجميل واطربت نفوسنا واحييت فينا ماض بلا حدود...حفظكم الله ودامت امجاد احفاد آشور....

76
الاخ العزيز فهد عنتر الدوخي اعدتنا بذكريات الى القرن الماضي الجميل والى تلك الايام البسيطة المطرزة بالفرحة والمتعة هذا المهرجان يقام سنويا في الشهر نيسان تحت إشراف تربية نينوى ويفتتحها مدير التربية او ممثل له مع القائمقام  والحاكم ووجهاء المنطقة وقد افتتحها الاستاذ عبد القادر عزالدين لمرات عندما كان مدير تربية نينوى وكان اساتذتنا الاجلاء وخصوصا مادة الرياضة والرسم  جليل العطية ومحمد عاشور بالاضافة الى مدير مدرسة الشرقاط المشرف على المهرجان وكان ماهر عبد اللطيف ومحمد رشيد الحافظ  في زمننا وكانو المستعرضون يرتدون القميص الابيض والبنطلون الرصاصي او الاسود وربطة على الرقبة بلون كل مدرسة في الاستعراض وعلم العراق بالأمام ولوحة يكتب اسم المدرسة وتستعرض أمام المنصة وبعدها تبدا المباريات التي تستغرق ساعات تقريبا وكانت المدارس المتبارية كل المدن التابعة للشرقاط  وفيها مسابقات الجري 100،200،400،400موانع ورمي الثقل والقرص والزانةواضيفت فيما بعد القدم والسلة والطائرة والمنضدة وكان الرياضي الذي ياخذ الاول في 3لعبات يسمى بطل الساحة والميدان فاذكر منهم احمد عبدالله السلم ومحمد عگاب من القصبة وسمي شهاب من اجميلة ويكرم بكأس وكذلك مدرس الرياضة والمدرسة بكأس البطولة وكان الاستاذ احمد جنداري عريف الحفل في اغلبها وكذلك بحري يوسف ومحمد عاشور وكنا طلابا يشجع كل واحد مدرسته ونقوم طلاب القصبة بمساعدة الأساتذة  بتخطيط الساحة بالجص ودق الأعلام وتهيئة الكراسي وكنا نتسابق لان نقف بدشاديشنا المقلمة ونعال على خطوط الجانبية للسباق ولايسمح لنا بجلوس الكراسي رحم الله أساتذتنا وتلك الأيام

77
///////حياة في ظلال مكحول////ج3/////
السلام عليكم...تقبل الله طاعاتكم...نكمل
صفحات مضيئة ..بما أننا تكلمنا في الجزء الماضي عن صفحات بؤس وخوف وجوع اضيف اليها ان محدثتي ذكرت لي بأن في تلك السنين النحسات تجمد النهر وكما يسمونه سابقآ(سطم) ويبدوا ان النهر تجمد قسم منه حتى ان محدثتي قالت ان الرجال أخذوا يكسرون الجليد ويستخرجون الأسماك العالقة ولم يبقى الا مجرى قليل للنهر اما الشواطىء فقد تجمدت واضافت ان أسم (سطم)أطلق على الكثير من المواليد لتلك السنين ..كما ذكرت لي أن أحد رجال القرية أصطاد طائرآ كبيرآ أطلقوا عليه أسم (النعاجة)لكبر حجمه تقول انهم أضطروا لسلخه كما تسلخ الشاة لكبر حجمه  ربما كانت تقصد طائر (ألأوز) قالت ان أهل القرية اغلبهم أكلوا منه بعد طبخه مع (المرق) ...بدأت سنين القحط تنفرج شيئآ فشيئآ كما أن محدثتي بدأت تحاول الأنحراف بالحديث من الشقاء الى السعادة فتحدثت عن قصص حب عذري صادق بعيد عن الخديعة كان يحدث في زمانهم ويطلقون عليه مصطلح وهو(الريدة) وهو من الأرادة (الرغبة) ويبدوا ان مجتمعهم كان منفتحآ ولم يكن معقدآ كما نظن أحيانإ  وكانت  غالبآ ماتنتهي تلك القصص بالزواج فتتحدث نساء القرية عنه بقولهن(ان فلان خطب فلانة على ريدة وعلى بياضة)والبياضة هو أشارة الى خلو ذلك الحب من الرذيلة يتم الزواج أثناء الغروب من دون وجبة طعام لكن تقام (الدبكة) وفي الصباح تنحر ذبيحة العرس ولذلك يسمونها(الصبحة) ويتم اعداد وجبة غداء دائمآ تقدم مابين الصبح والظهر في وقت الضحى.تستمر الدبكة لثلاث أيام متتالية في بيت العريس......وفي مجال التكافل الاجتماعي كان يحدث تعاون على مستوى القرية فالفقير يحضى بنصيب في موسم الحصاد وموسم الربيع ويعطى من الحليب ومشتقاته في مواسم وفرته كما انه عندما يباع خروف او بقرة أو أي شيء يقوم البائع والمشتري بأخراج مبلغ بسيط يسمى(المشيخانية)يقوم احد الاطراف بعد الاتفاق بأهدائها للشيخ نقدآ او بشراء (البن)لان الشيخ ممثل عن الجميع فيأتي اليه المحتاج والجائع والسائل فضلآ عن تجمع رجال القرية عنده يوميآ.........حياة بساطة مفعمة بالألفة والمودة وطيبة النفس رغم قسوتها ...في مواسم الاعياد يجتمع الجميع في البيت الكبير لتناول الغداء وهو اللحم طبعآ تجرى بعد ذلك مسابقات على الخيل امام تجمع كل اهل القرية في كرنفال نقي الخاسر فيه رابح تسوده المودة هذا ماحدثني به الكثير من أهل تلك الحقبة الراحلة بلا عودة والتي
أجد نفسي تنشد أليها رغم قساوتها ربما لأنني وجدت  فيها ضالتي التي ابحث عنها الا وهي (النقاء)الفطري.....واجب النساء دائم ولايفتر وليس هناك من متسع للخلود الى الراحة ألا الشيء اليسير في النهار تتحمل اعباء الأسرة والدواب وفي الليل تسهر النساء على( الرحا)لتطحن الحبوب لغذاء الغد وهن يتداولن الأحاديث و(صياح النايل والعتابة) ذكر لي أحد المحدثين انه في يوم من الأيام أمست النساء تنعى الى الصباح وتبكي لثلاث أيام فسأل محدثي أهله وقد كان طفلآ عن السبب فقيل أن الملك (فيصل)توفي مقتولآ من قبل البريطانيين وكان الملك فيصل الاول  ومن بعد الملك غازي ولده  يحضيان بالأحترام عند اهل القرى المتناثرة رغم أنهم لم يرونه ولم يسمعوا صوته على الاطلاق .ولك ان تتخيل أنسانيتهم..وذكر لي نعي النساء له فتقول..
رحل ملك العراق وضلت الملة..
وعليهم كل صباح الدمع لا أهلة..
من اطراف الأجانب لي كفة الحلة.
ينسوان العرب كلهن يندبلة...
رحل ملك العراق العمر بلادي..
المطيع جبل برزان بكرادي..
ان جان الملك غازي ضل عالعتادي..
يربي تساعدوا ويصير سور ألنة..
رحل ملك العراق الجان يكفلنة..
ابن بنت الرسول ومسكنه الجنة..
الخ.....
تبكي النساء وتندب الملك كل الليل وذكر احد محدثيني عن تلك الحقبة أن جدي طلب العنكود نحر الشياه واقام ثواب لروح الملك المغدور....هذا ماأسعفتني به ذاكرتي ولدي الكثير
الكثير من الاحداث لكنني لاأريد أن أثقل عليكم في هذا الشهر الفضيل الذي هو موسم للخير يفوق كل عمل وكل حديث.......ولكن هدف منشوراتي للتذكير بأن وجودنا هنا موقت واننا استلمنا الامانة من الاجداد وسنسلمها للأبناء فلاداعي لألغاء الأخر
ومحاولة الأستحواذ على مشهد الحياة بالأنانية وحب الذات
(قل لمن الارض ومن عليها أن كنتم تؤمنون سيقولون لله قل أفلا تتقون )
فاتني ان اقول ان الصور التي أسند بها منشوراتي عدا صورة جدي وصورة البئر هي صور حية اقتطعتها من فيلم وثائقي من مذكرات الأحتلال البريطاني  للعراق والموصل تحديدآ منتج عام 1921 لذلك فأن هذه الصور هي صور حقيقية وليس تمثيل..من
دمتم بخير......احمد فاضل

78
كلية العلوم بين الأعظمية والجادرية
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
في كلية العلوم بجامعة بغداد في الاعظمية حيث تقع كليتنا على مشارف ساحة عنتر وحيث ندلف مباشرة الى شارع الاعظمية حيث بدالة الاعظمية والمكتبة المركزية وزنود الست لأبو عفيف وحلويات نعوش ونمر يوميا بمسجد أبي حنيفة النعمان على كتف جسر الأئمة الذي أعتدنا على اجتيازة في زياراتنا لمرقد سيدنا موسى الكاظم عليه السلام، في اول يوم لي في الكلية كاد الدكتور علي عطية رئيس قسم الفيزياء ان ينهي قبولي برفضه تسجيلي لكوني جئت متأخراً عن الدوام ودكتور علي لمن لا يعرفه فهو شخصية مهابة والذي درسنا لاحقا مادة الفيزياء النووية وكان رئيسا لأتحاد الفيزياويين والرياضيين العرب ولولا انه سألني عن صديقه وزميل دراسته المرحوم الاستاذ ابو فراس علي حسين العكلة الحمدان مدير ثانوية الشرقاط الأسبق بعد ان عرف انني من الشرقاط وقلت له ان ابو فراس من أقربائي عندها بدأت تنشأ لي علاقة حميمية مع هذا الرجل وحتى بعد التخرج حيث كنت اواظب على حضور برنامج التعليم المستمر في في كلية العلوم بالجادرية والآن علمت ان استاذي الدكتور علي يقيم حاليا في اميركا، ومما اذكره ان الطلبة وفي بداية الثمانينيات وتردي الكهرباء فقد كنا  نذهب الى المكتبة الوطنية في باب المعظم ولشدة الازدحام فأن الطلبة تفترش ارض المكتبة طمعا بالبرودة  في بداية فصل الصيف فيخرج علينا مديرها العام الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد ويطردنا من باحة وقاعات المكتبة، والآن وبفضل خدمة الانترنت تحقق لي اتصال صباح هذا اليوم مع استاذي د.رزاق حميد الذي درسني علم المواد وهو يقيم حاليا في لندن وكذلك اتابع استاذي د.متي مقادسي من خلال صفحة التواصل وهو يقيم  في عمان حالياً وكذلك اتابع أخبار استاذي الدكتور حميد مجول النعيمي الذي درسني مادة الفلك في المرحلة الرابعة وحاليا يشغل منصب مدير جامعة الشارقة في دولة الامارات العربية  وكذلك تواصلي  مع زملائي في الدراسة الاستاذ علي عبدالجليل الذي طالبني ان اتصل به حال ذهابي الى بغداد والدكتور ثامر عبدالجبار الاستاذ في جامعة النهرين ببغداد وكذلك مع  ابن الناصرية الدكتور بهاء طعمة والدكتور رعد الحداد والاثنين اساتذة بقسم الفيزياء  في كلية العلوم بجامعة بغداد حيث  أهتم زميلي د.ثامر  بتسهيل مهمة ابني طالب الدراسات احمد ابراهيم عند ذهابه لجامعة بغداد خلال هذا العام وكذلك كان استقبال د.بهاء له والترحيب به، وبفضل هذا التواصل فأنني اديم الاتصال بأصدقائي الاستاذ سلام محمد صالح و د.عبدالحسين الجليحاوي بجامعة القادسية والاستاذ صباح الهاشمي والدكتور منصور سكر الربيعي بجامعة واسط والدكتور صباح جلال  بجامعة كركوك واعزائي الاساتذه كريم الجبوري وحسن دنبوس في روسيا ومناضل عبدالحافظ وسهيل صادق ومحمد خليل رثع والشيخ رافع عبدالكريم  الفهداوي  وصباح الدليمي واحمد بدر و د.محمد ابو الطيب والمحامي حسام عبداللطيف  وزميلي في الدراسة دكتور الفيزياء محمد عزالدين الصندوق وهو أستاذ الكم بجامعة سيري في بريطانيا (والذي يظهر معي في الصورة امام قبة مرصد البتاني)
 وهو فنان وفيلسوف في وقت واحد والاساتذه  باسم اسماعيل وعبدالكريم رمضان وغيرهم ، كانت كليتنا في الاعظمية وكان سكني في الاعظمية السفينة ببيت متهالك يقع خلف المقبرة الملكية حيث أمر بطريقي بمرقد الامام ابو حنيفة النعمان ومعهد اعداد المعلمين ببناية كلية التربية سابقاً حيث يدرس صديقي الاستاذ حمد حمود الشكطي محافظ صلاح الدين الأسبق والذي كان يزورني في الكلية احياناً ومن أجمل ما نذكره عن حياتنا الدراسية بأننا الدورة الاولى (صف رابع كليه) عندما نقلنا الى بناية كلية العلوم الحالية في الجادرية وكذلك نقل معنا  قسم الهندسة المدنية الى الموقع الحالي في العام ١٩٨٣ وكان السكن في القسم الداخلي المتطور جدا في الجادرية والذي أنجز العمل به من قبل شركات ايطالية واخرى قبرصية، كانت هذه جولة لمرحلة من العمر في رحاب واروقة كلية العلوم ومعذرة لعدم تمكني من سرد أسماء أساتذتي الافاضل الذين درسوني في كافة المراحل ومنهم من رحل الى ربه ومنهم الاساتذة سامي السامرائي وليلى العلي وعبدالجبار البدري وامنة احمد رمزي ومحمد هاشم وناجي عبدالصاحب وطالب الجبوري  ومنهم من ندعو له بالصحة والعافية وأخص منهم الدكتور عبدالستار الراوي و الدكتور عباس حمادي وغيرهم الكثير ومعذرتي للجميع

79
كان لصوتِها موسيقى خاصة وهي توقضني بهدوء بعد أن تصلي الفجر
أودّيد (وداد) إسم دلع لم أسمعه الا منها ومن جدي الذي كان حبه يثير غيرة وحسد من كان حولي في البيت فيوقعني في مشاكل
أشعر بلمسة يدها الناعمة على خدي الدافئ وأنا أغط في نومٍ عميق
فأنهض دون ملّل أو كسل أو تثاقل وكأنه واجب إنساني مقدس وخدمة أقدمها لوالدي وللبيت الكبير الذي يُعنى بتربيتي ويرعاني ويغرس بي قيّمٍ  إنسانية نبيلة سترافقني في حياتي وايامي القادمة
أنهض مسرعةً تاركة دفئ فراشي كي ألتحق بالعمل الذي إخترته ورجوت والدي أن يمنحني الفرصة لأثبت أنني قادرة على ان أقف معه في أية محنة تواجهه
يطير النعاس من اللحظة الاولى لإيقاظي فأغسل وجهي وأتوجه الى عملي
ترافقني لتقف عند باب بيتنا الكبير ترقب الشارع بحذر فالوقت مازال فجراً وانا مازلت طفلة في سنواتي العشر  ، تودعني فأسرع الخطى حتى تطمأن بأنني وصلت باب مخبزنا أو (فرن الصمون) الذي لايبعد عن بيتنا الا بضعة أمتار  لانه يقع ضمن أملاك السلوم البيت ومحل جدي التجاري الكبير
إنها جدتي الجميلة أم دَاوُدَ السيدة القوية الاولى وصاحبة الكلمة في إدارة البيت في كل شؤونه الصغيرة منها والكبيرة ، لا كلمة فوق كلمتها
 ( جدي كان مسالمٌ جداً)
  ***************************
في المخبز أو فرن الصمون الذي ارتبط إسمه بأسم والدي دَاوُدَ السلوم
كان يعمل لدينا خباز سوري اصله من حلب التقاه الوالد في الموصل خلال بحثه عن متخصصٌ في المهنة اسمه كريم الخباز وكانوا يطلقون عليه ايضاً إسم  (كريم حشاش) 
كان في السبعين من عمره ، يساعده شاب كردي قادماً من جبال السليمانية اسمه (قوجه)
سمعت والدي يتحدث عن سفر  العامل الكردي (قوجه) وطلبه لإجازة لزيارة والدته المريضة ، ورأيته مهموماً ماذا سيفعل ومن سيقف مع ختيارنا السبعيني ليساعده في العمل
قلت بابا أنا سأساعد جدو كريم حشاش
دُهِشَ الوالد ثم ضحك من قلبه وقال أنت ؟
قلت نعم أنا
وتجلسين عند الفجر ولديك مدرسة وانت مازلت بهذا العمر
قلت جربني فقط وأعطيني فرصة
لم يجب والدي كان يضحك من طلبي الغريب
رجوته أن يسمح لي وسأثبت له انني قدر المسؤولية
واتفقنا ،،، لما لا  المال مالنا وأبي في حيرة إذ كان لديه ارتباط بعمل خارج المدينة
وبدأت الرحلة الممتعة
  بعد صلاة الفجر أطرق باب المخبز او فرن الصمون وعيون جدتي الجميلة أم دَاوُدَ ترقب حفيدتها حتى تطمأن أن الخباز او الحشاش كريم فتح لها الباب
كل شيء معد داخل المحل النظيف المرتب
كانت مهمتي هي أن أقف أمام صف مرتفع مما يسمى(تخته خشبية كما تظهر في الصورة) يوضع فيها العجيـــــن المقطع والمعد للخبز بالاحجام والأوزان الدقيقة بأشكالها النهائية أناولها للخباز  كريم ليلتقطها واحدة واحدة ويضعها بأناقة تامة على الخشبة المعدة للدخول الى الفرن ليتم خبزها ،،،
في بداية العمل كنت أنسى فيغلبني النعاس واغفو مستندة الى التخته أمامي لأصحو على صرخة المعلم الخباز ( وداد )،،، فأواصل عملي ،،،
في السادسة  صباحاً نفتح باب الفرن قليلاً إذ يبدأ الناس بالتوافد لشراء أطيب وأروع صمون  محمص ولذيذ
أما أنا فيقوم جدو كريم الخباز بصنع صمونة خاصة تختلف تماماً عن كل مايخبزه ينقشها بأصابعه ويزينها بالحبة السوداء أو السمسم أحياناً ثم أستلم يوميتي منه وهي عبارة عن ٢٥ فلساً
لأعود الساعه السابعه الى البيت كي أهيئ نفسي للذهاب الى مدرستي مدرسة الشرقاط الابتدائية للبنات مبتهجة بما حصلت عليه من مكافئة وشعور جميل بتحمل المسؤولية وإثبات قدرتي على العطاء
كنت أسلم جدتي المبلغ الذي حصلت عليه لتوفره لي
أما الصمونة الخاصة فكنت أحتفظ بها في حقيبتي المدرسية لأقدمها لصديقتي التي كنت أحبها جداً فهي يتيمة الاب
كانت سعادتي لاتوصف وانا أقدم لها ولشقيقتها الصغيرة شيء من جهدي وانا اقف منذ الفجر امام حرارة الفرن كي أحصل على هذه القطعة اللذيذة من الخبز والتي هي أجمل عندي من ال. ٢٥ فلساً

رمضان مبارك  ويومكم سعيد

80
ذاكرة آشور....رجل من بلادي.....
***************************
اواخر الخمسينيات...من القرن الماضي..وبعد ان نقلت مدرسة الجرناف..من محطات قطار الجرناف..الى قرية الخضرانية....
وسميت باسمها...مدرسة الخضرانية الابتدائية للبنين...بجهود المرحوم الشيخ حسين الحمادي..شيخ عام عشيرة المصطفى.
حينها..تم اكمال ملاك المدرسة بكادر تربوي مكتملا...فجاء الى المدرسة نقلا من عديد من المدن في العراق..كوكبة من خيرة المعلمين في العراق...واكتملت نموذجية المدرسه بطاقمها التربوي..وبنايتها الجديدة الطينية الحديثة الراقية انذاك...
كان من بين ذلك الطاقم الرائع..البروفيسور الاستاذ داود ماهر
من مدينة الشرقاط ( القصبة )...في الصفوف الرابع والخامس والسادس الابتدائي...درسني العربي ..وكان بارعا جدا وانا من محبي اللغة العربية..لكثرة اهتمامي بها ومطالعاتي الخارجية..
كان الاستاذ داود الماهر....بحق شخصية محورية مثيرة لكل اشكال الاهتمام والاحترام...كنا نحن التلاميذ المميزين ببعض الوعي المعاصر ..انا وعبدالله موسى..وعزالدين الصالح راشد وخضير علاوي شويش...معجبين بشخصية استاذنا وكنا نعبر بالفرص عن اهتمامنا بذلك...كان يملك ..كاريزما..قوية جدا وله ثقة عالية بكل مايتعلق به...انيق الهندام جدا...رشيقا متناسق ..وطويل ..ينسجم عليه معنى الاناقة في ارتداء بدلة ذلك الزمن ..ثلاث قطع...الكلاسيكية عالية الفخامة والجمال..
وكنا انا وزميلي عزالدين الصالح الراشد نجلس في الرحلة الامامية لتميزنا واجتهادنا...وكنا رسامين ماهرين جدا وفزنا اكثر من مرة بالجائزة الاولى على محافظة نينوى لمعارض فن الرسم المدرسي...واثناء الدرس..كنا ننظر الى الاستاذ داود وكنا مبهورين بهيأته..واناقته..وتصفيف شعره..وكنا نحاول ان نقلد جانبا مما فيه..ان تمكنا من ذلك...والمهم كنا نتنافس على رسم صورته..دون علمه طبعا...ونجح عزالدين فتفوق علي اذ قدم اليه صورته المطابقة لشكله وهيأته تماما...فأندهش منها الاستاذ داود...وشكره واخذها منه ليحتفظ بها ذكرى من احد تلاميذه المتميزين....( كلما التقيت بزميلي عزالدين نتذكرها)
الاستاذ داود ماهر...كان محرك المدرسة الى كثير من النشاط المدرسي الذي رفع من شهرة مدرسة الخضرانية وسمعتها بين المدارس والقرى على مستوى محافظة نينوى...وللتاريخ وكل الانصاف...كان يتكامل معه في هذه المهمة الاستاذ عبد الجبار احمد سلطان..في مجالات الفن والرياضة ومختلف النشاطات
كان الاستاذ داود الماهر...جديا..ومحبوبا..ومهابا..وكانت تميزه
ابتسامة جميلة..يخفي نصفها امامنا نحن تلاميذه ويطلق لها العنان امام اقرانه بكل بوح وخيلاء...فتمتد شاربيه الجميلين على صف مدهش الانتظام لاسنانه البيضاء الناصعة...تتناسق مع حاجبيه الطويلين الاسودين المنسجمين مع الهندسة البدنية لوجهه الطافح بالوقار...والفخامة...الملئ بالمودة لنا ولكل الاخرين من حوله...استطاع ان يحول المدرسة لخلية من النشاط والفعاليات المتعددة التي تفردت بها مدرستنا التي كانت اقرب الى مستوى معهد او كلية منها الى مدرسة ابتدائية..بفضل جهوده بالدرجة الاساس وبعض زملاؤه الاخرين..كما اسلفت...في العاب الساحة والميدان سنويا نحصد الجوائز الاولى...بكل الالعاب...السلة والطائرة وكنت انا الكابتن للفريقين...كل سنة نفوز على مستوى الشرقاط وبعض الاقضية والنواحي الاخرى...اذكر منها..الزاب..وقرقوش...
واتذكر كيف اسس الاستاذ داود...فصيلا للكشافة كنت انا احد افراده...واعدنا اعدادا كشفيا رائعا للمشاركة في مخيم كشفي في دهوك لمحافظة نينوى عام 1960...واكملنا كل الترتيبات من الملابس العسكرية الكشفيه..الى الخيمه وادوات الطبخ ومستلزمات العيش لثلاثة اشهر للعطلة الصيفية...وحال تنفيذ المعسكر الكشفي..الغاؤه لعدم تمكن مديرية تربية الموصل من تغطية نفقات المعسكر الكشفي المنوي اقامته...
ثم سارع الاستاذ داود لاحقا في تطوير مسار المدرسة بعد فيضان عام 1963 بعد ان اصبح مديرها..ونحن رحلنا الى ثانوية الشرقاط...عمل على بناء مدرسة الخضرانية بالاسمنت والحديد...وكانت اول مدرسة تحظى بهذا النوع من البناء في نينوى على مستوى الارياف على الاطلاق..وبالتعاون مع الشيخ المرحوم حسين الحمادي...واعمدة العشيرة الاخرين..
ورفع مستوى التعليم الى ذروته..حتى باتت المدرسة على يده حقلا للعلم والمعرفة..وتخرج منها اجيالا من الكفاءات التي شغلت مختلف المناصب والرتب العلمية...اطباء..ضباط وعشرات الدكتوراه بمختلف الاختصاصات للدراسات العليا..
نعم...على يد البروفيسور داود ماهر...طيب الذكر..تحولت تلك المدرسة..الخضرانية...الى صرحا علميا...انتج وانجب عشرات المدارس والحقول العلمية في الشرقاط وصلاح الدين.ونينوى واماكن اخرى في كل العراق...
تحية اكبار واجلال للاستاذ البروفيسور داود ماهر الشمري وهنيئا لاحفاد آشور ...ابناء الشرقاط به...ندعو الله له التوفيق والنجاح...في عمله كأستاذ في جامعات الامارات العربية....
مرة اخرى..تحية حب واعتزاز بأبن الشرقاط الشهم المتفوق...
ولنا بك...ولاجيالنا القادمة...قدوة حسنة ايها الرائع المتميز.....

81
🌙🌙🌙🌙رمضان قرانا..ايام زمان.(ج ١(🌙🌙🌙🌙
⭐⭐⭐⭐⭐⭐⭐⭐⭐⭐⭐⭐⭐⭐⭐⭐
بما اننا فی شهر رمضان الكريم..سنحاول ان نلقي الضوء على ماكان اجدادنا واابائنا.في ثلاثينيات واربعينيات
وخمسينيات.وحتى العقد الستيني والسبعيني.من القرن
الماضي...يمارسونه من طقوس.وعادات وعبادات.في هذا
الشهر الكريم...ننقل مارواه لنا المشايخ الكبار.والعارفين ممن
عاصرو وعاشو تلك الايام..منهم من توفى الى رحمة الله
ومنهم من لازال على قيد الحياة..رفدونا بالمعلومه والكلمة
..فكان ذلك جزء من الموروث الثر.الذي تميزت به كل
القرى النائمة على جانبي دجلة الخير...وسااخذ من قريتي
(اسديره) كمنطلق لوصف حالة الناس وممارساتهم في هذا الشهر..علما ان العادات والطبائع والممارسات هي متشابهه
لكل القرى الاخرى....
كان لرمضان قدسيه وطقوس خاصة.وفق ايمانهم وفهمهم
البسيط والسهل للحياة..المتجذر في الاصاله والانتماء
للمكان ووفق نواياهم النقيه...يدركون مدى عظمة الشهر الفضيل..بلا ترغيب او ترهيب..او فلسفات فقهيه ووصايا
او ضعف او اسناد لحديث قدسي...او اشعارات عذاب منتظر
وتهديد منابر..كل تلك التواردات هم في معزل عنها.بقدر انعزالهم في قراهم البسيطة الوادعه البعيدة النائيه عن
اي مؤثر خارجي....بسطاء في فهم الدين وبسطاء في أداء ادوارهم التعبديه لله..وسهلين جدا في التعاطي مع ايامهم
ومتطلباتها...فقط كتاب الله واياته والتي كان يعلمهم اصول قراءتها وحفظها..وتفسيرها.في مدرسته (المليه)).ويرتلها
على مسامعهم وقت الصلوات والاعياد..الملا عبدالله الهيوات
رجل الدين المحبوب لدى الجميع..صاحب التأثير الروحي
عليهم.عندما كانو يرون فيه ظل الله على الارض..لدماثة خلقه.وسماحته.وبساطته.وبشاشته.ووقاره.وتهذيبه..
يعلمهم اصول القراءات والحفظ.والصلوات الخمس عندما
كان يصطحب طلابه الى النهر لغرض الوضوء والصلاة..عند الشاطئ.....
يحدد اوقات الفطور والسحور معتمدا على مراقبته للنجوم
والهلال.من خلال رفع اذان المغرب من على عتبة مرتفعة
وسط (حوش) الدار..كان قد صنعها من اللِبن والطين..كي يصل صوت آلاذان الى اطراف القرية البعيدة..ومناديا
منها .على وقت السحور..مختلطا مع صدح اصوات بعض الرجال..خاصة ممن يملكون  صوت قوي..يقومون بالمناداة
مع الضرب على اواني فارغه باوتاد خشبيه.لايقاظ الناس
على السحور((اكعدو عالسحور..اكعدو عالسحور ياعباد
الله)) وكانت هذه التقاليد والعادات متبعه. لعدم وجود مسجد في القرية او القرى الاخرى.آنذاك......
رغم صعوبة الحياة كسعي.وبساطتها وعمقها كاهداف..الا انهم خلقو موازنة بين متطلبات حياتهم واشباع رغباتهم.
وبين فروض الطاعه.الالهيه..لذلك يزيدون من الضغط على الاجساد بالعمل.والسعي..وعلى الانفس بالزهد والعباده
والتقوى.وبالتالي يزيد ارتباطهم بالمكان.وتلاحمهم وتعاونهم
فيما بينهم وتقاسمهم خبزة الرزق.رغم فقرها..حتى في اعسر الاحوال ...فكان لحضور رمضان شتاءً..غيره في
حضوره صيفاً....ففي الشتاء.ونظرا لاعتمادهم على الزراعه
في توفير غذائهم والتي تعتبر المهنه الرئيسيه لهم..يكون
رمضان فقيرا عليهم فوق فقرهم لكنهم اغنياء بعفة النفس
وسهولة متطلبات ايامهم..فيكون اكثر فطورهم عبارة عن خبز ولبن..محفوظ في القربة((الشجوة))لاغير..وغالبا مايكون الخبز شعير.او خبز مصنوع من طحين الذرة البيضاء..المطحون على الرحا الصخرية..يصنعون منه (الگرصة))والتي كانت تمثل الرافد
الرئيس للغذاء..لعدم وجود الحنطه وقتها.وغلائها ايضا..
وفي احيان يكون الفطور خبز وماء .محفوظ في قِربه معلقه
في سقف الكوخ..او في (حُب) فخاري موضوع تحت ظل
عرزال وسط فناء الدار....علما ان الشاي  كان نادرا.ان لم يكن
معدوما..فيعتمدون في صيامهم الشتائي على..ماخزنوه من حبوب صيفا..وعلى ماتدره ابقارهم وشياههم من حليب
اضرعها المكتنزه به.فيكون اللبن .الحاضر الاساسي في
فطورهم.اليومي..بالاضافة الى(الخاثر)..او (ثرده)تعتبر غنيه
ودسمه من كسر الخبز مع الحليب مضاف اليها السمن (الدهن الحر))المحفوظ في(المدهنه))وتسمى هذه الاكله
(الخميعه)) ويسميها البعض((يخني))..والمدهنه عبارة عن
جلد غنم او ماعز ينظف من الشعر او الصوف.ويترطب بالملح وقشور الرمان الجاف..(الدباغ)لايام...لقتل الجراثيم..وتغسل بماء عروق الشوك لازالة الروائح الكريهه
ثم تجفف وتدن بالدهن وبعض الدبس ان وجد...ويحفظ فيها الدهن لاستخدامه في كل مواسم السنة.(.والمدهنه).نفس( الشجوة)..هما من القِرَب. لكن التي يحضر فيها اللبن تسمى
(الشجوة )والتي يحفظ فيها السمن الحر تسمى المدهنة..
ومن لايمتلك بقرة وهذا نادر جدا.كون الجميع يربون الابقار
او تكون بقرته جافه((قارز))يقاسمه جيرانه حليب ولبن
بقرتهم..كعرف وافي اوجدته طيبة وعفوية هؤلاء الخلق..
لذلك تجد اطفال المكان وفي ساعات الغروب يحملون اواني(طوس)) اللبن والحليب .يملأؤن دروب القرية كلُ يذهب ليهب جاره فطور يوم من ايام رمضان..متقاسمين
الرزق فيما بينهم..منغمس مع صفاء قلوبهم وبياضها
كبياض حليب ابقارهم وشياههم...وخلوها تماما من اي ضغينه او اي فارق طبقي..لذلك يمكننا الجزم ان فطور
قرية بكاملها يمكن ان يكون متساوي من حيث ماهو مقدم لهم.....
والى جزء اخر.للحكاية...وسلامتكم....
🌙🌙🌙🌙🌙🌙🌙🌙🌙🌙🌙🌙🌙🌙🌙🌙

82
إلى أبي د. رياض الدباغ
لازال مداد خطك حاضراً وهو يطرز شهادتي الجامعية ،،،
ولأنك كنت اباً لنا لم نعرف طعم الخوف والرهبة عندما كنت تسير في أروقة الجامعة حيث جولتك الصباحية ،،
كيف نخاف وانت الذي تشعرنا بالمحبة والأمان حيث ابتسامتك التي تسبقك بخطوات ،،،
كنا مجموعة من الطلبة نقف في الممر ونراك تمشي بخطى سريعة مليئة بالثقة يرافقك السيد صباح مدير مكتبك او هكذا ،،، ولاتتحرج ابدا من ان تقول لنا صباح الخير ،،،
ذاكرتي تقول انك ساعدت إحدى الطالبات أمامي لم اعرف اسمها حيث انها من غير كليتنا ،،،لكن صورتها مطبوعة في ذاكرتي لحد هذه اللحظة،،،
عندما كنت تمشي بالممر وقرب سنتر العلوم وقفت فيما كانت عيناك تراقب الطلبة ارسلت على إحدى الطالبات التي بَدا  أنها كانت تعاني من عوق بإحدى يديها وكانك لمحتها من بعيد
لااعرف كيف ساعدتها لكني رأيتك تعطيها فيضا من الابوة بكلمات جعلت  تلك الطالبة مليئة بالثقة وقد أصبحت بعدها تمشي ووجهها مليء بوهج الحياة ومحبتها بعد ان كانت منزوية بعيدة عن الطلبة والطالبات وكأنها طلبت منك نجوما فأعطيتها السماء ،،،
نعم كنت اباً ،،،

83
ماهذا الحنان الواسع ابا احمد وما هذه الرحمه التي تكسو قلبك الرقيق !! لاتذكر اهل الشرقاط فقط وإنما رحلت بك العواطف لذكر طائر كان يتواجد في الشرقاط واليوم اختفى منها !! اهنئك ولا احسدك على هذا الحنان والود الراقي .. وتقبل مداخلتي التي سأذكر فيها أسم أخر من أسماء لهذا الطائر الجميل ..
قبل كل شئ وللمعلومات هذا الطائر كنت قد شاهدت عنه بعض التقارير فهو يحب البيئه النظيفه والجو النقي ويحب العيش في المساحات الخضراء والمفتوحه لذلك وحسب اعتقادي ان جو العراق تلوث بسبب الحروب وكثرة الغازات والدخان وايضا كثرة البناء وقلة المساحات الخضراء اذا اردنا التحديد في الشرقاط غيرت من البيئه المناسبه لعيشه ..
انا كنت اراه في الشرقاط في فترة طفولتي وكان عشه على ساق نخله طويله في بيت السيد جهاد رحمه الله قرب السده وكنا نلعب في تلك الساحه الكبيره ونراه عندما يعود الى عشه اواخر العصر وكانت فرحتنا تزداد عندما ياخذ جوله اضافيه حول العش وذلك الصوت الجميل واصوات زوجته وفراخه ترتفع ترحيبا به .. سبحان الله من منظر وجمال رباني فطري ..
اخر مره رأيته في سوريا سنة 2002 حيث كان خالي المهندس محمود خماس رحمه الله يمتلك مزرعة زيتون كبيره تحتوي على 9000 شجرة زيتون وتبعد عن مركز دمشق العاصمه مسافة 50 كيلومتر باتجاه طريق بغداد في منطقه اسمها ( الضمير ) وكنت مواضبا على الدوام والتواجد في هذه المزرعه بشكل يومي من ساعات الصباح الأولى الى اخر النهار لمتابعه الأعمال هناك كونها كبيرة وتحتاج الى متابعه بشكل مستمر . وفي احد الأيام وكان الوقت اواخر الربيع وقت العصر ونحن بين أشجار الزيتون دخل الى مسامعي مجموعة اصوات شجيه موجه تلو الأخرى . فقلت يالله ماهذا . وفي نفس الوقت نظرت الى السماء واذا بلوحه فنيه رائعه يرسمها سرب من الطيور الجميله تتغير بين الحظه والأخرى وبدون شعور صرخت بصوتي يالله (لقلق) فصرخ شاب فلاح كان بقربي ( شوفيك خوفتني ) فقلت له انظر طائر اللقلق ففرح هو ايضا وصار يدعوا الله بالخير والسعاده فاستغربت لهذا الدعاء وسألته لماذا ؟ فقال هذا الطائر اسمه
 ( ابو السعد ) واهلنا يتفائلون به كل الخير لأنه يجلب السعد والخير في المكان الذي يذهب اليه والوقت الذي يأتي به يكون وقت خير وبركه ..
بقينا ننظر ونتمتع (باللقلق) او (ابوالسعد ) كما يسموه في سوريا لفتره لابأس بها وهو يتفنن برسم اجمل اللوحات الفنيه العفويه ويحوم فوقنا وحول المزرعه ونحن فرحين وممتنين له لأنه اعطانا فتره من الراحه وتهدئة الأعصاب بعد يوم عمل مضني ..

84
////////////حياة في ظلال مكحول //////////ج1

السلام عليكم.....هذا الكلام الذي سأتكلمه ليس من وحي الخيال انما هي (قصة حياة )كانت تحدث على هذه الأرض
أستقيت أحداثها من كبار السن احدهم والدي رحمه الله والمعلومات الاغزر والأثمن كانت عن لسان عمة والدي رحمها الله وهي امراءة من مواليد 1907 وعاشت عمر اكثر من مئة وست اعوام حيث توفيت عام 2013 جالستها ذات يوم في صيف عام 2011 في امسية  فجادت ذاكرتها بالكثير..فدونت مما قالته لي ولأنني مولع في التاريخ كانت ذاكرتي تخزن المعلومة قبل كتابتها....فتحدثت عن الكثير من الاحداث وابتدأت بحياة والدها...واليكم السرد...بقلمي..

سماربشرته الداكن و تلك التشققات المرسومة على ملامح وجهه المتعب أثر قسوة الطبيعة وظنك العيش دليل على أنه أبن تلك الأرض التي تقع خلف جبل مكحول ذلك الشموخ الجغرافي الازلي العصي على الأندثار. نشأ وترعرع في ظلاله..وانعكست تضاريسه القاسية على جبينه فشاركه الشموخ فأصبحا كأنهما جبل ينظر الى جبل ..مشهد الشمس وهي تغيب خلف قمة الصخر كان منظر مألوف أمام عينيه الغائرتين..
ربما كان يرسل دمعة لتوديعها اوحسرة في تنهيدة عميقة لم يكن هناك من يدونها أو يرويها اويلتقط لها صورة لتخليدها...دمعة تدبر أكثر مما هي دمعة حزن دمعة بلا ماء ولاملح فمن أين للعين أن تأتي بالدمع  في تلك الصحراءالقاحلة......
ولد هناك التصقت به ذرات تلك الأرض في أول صرخة له في هذا الوجود لينشأ نشأة قاسية تتحدى الطبيعة......
جدي الرابع...(طلب العنكود الداود العبدالكافي الرملي الجبوري )هو من أقصده في حديثي وقبل أن أكتب أي شيء تدبرت في صورته بعمق  فانحنيت انحناء عرفان وشكر لاأنحناء عبادة (غفرانك ربي)أمام سمو ذلك الشيخ الوقور
فقد رأيت نفسي به وانه كان يحملني معه وأجري في عروقه دمآ.فعرفت اننا جميعآ كنا منذ بدء الخليقة موجودين نتنقل بين أصلاب الرجال وأرحام النساء نشاركهم طعامهم وشرابهم وافراحهم وبؤسهم ....خلايا من اللحم ؟قطرات من الدم؟نخاع عظم؟لاأدري كيف كانت هيئتي الأ أنني أعلم أنني كنت عالة عليه لثقل حمل أمانة أيصالي لهذا الزمان لأكون بذرة وحلقة تكمل مابين ماض وماسيأتي ...تدبر دفعني لكي ألقي قلمي أكثر من مرة وأسترسل في أسرار ذلك الوجود. سبحااااان الله الذي خلقنا أطوارا...
ولد في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر مايقارب 1860
ترعرع في بيئة قاسية وتجرع مرارة اليتم مبكرا سكن في أرض جرداء لاماء فيها فكان ذلك الرجل قصير القامة ضعيف
الجسد راجح العقل...عاش مايقارب مائة وعشرين عامآ تزوج سبع من النساء وانجب عشر من الأولاد  وخمس من البنات
كلهم ولدو في تلك(الخربة)التي حملت أسمه(خربة طلب)
لفت نظره منذ صغره (شوك)كبير لطالما تعجب به لطرواته وكيف تندفع شياهة وعنزاته أليه لتأكل منه وتسترطب
وبذكاء منه عرف أن تحته كنز من كنوز الحياة وكأنه مهندس  جيولوجي  فقرر أن يبدأ ويعمل فالأكتفاء بالمشاهدة أمر لاينفع فأقتلع تلك الشوكة وبدء بالحفر أسفلها فكانت المفاجئة (بئر أثري) مغلف بالحجر فعلم أنه قد وجد ظالته وان الله جل في علاه قد هيأ له أمر للبقاء أستمر بالعمل الى منتصفه لكنه حدث له أمر عكر مزاجه وسرق نشوة الفرح لقد عثر على بقايا عظام لرجلين مع خيلهما في منتصف البئر ربما كانوا ضحايا لغزوات في قديم الأزمنة  ...توقف عن الحفر وعاد الى كوخه الطيني ليرى في الغد أيكمل ام لا ...واضافت عمتي انه بقي ثلاث أيام لايعمل وفي اليوم الرابع تقول انه رأى رؤيا لرجلين قالا له أكمل عملك ففسر رؤياه أن هؤلاء الرجلين ربما هما من تعود لهم تلك العظام المختلطة مع عظام خيلهما وفي الصباح استخرج العظام ودفنهما في موقف مهيب ثم استمر ولم يتوقف حتى عانق الماء فأذا هو امام  ماء حلو في تلك الصحراء القاحلة فكان(بئر طلب) الذي كان اشبة بمشروع أسالة لكل تلك القرى المحيطة به ترتوي من ينابيعة التي لاتنظب..فأصبحت تلك الارض تسمى (قرية طلب) وبما انني هيأت مقدمة تعريفية ارجوان اكون قد وفقت لتكون قاعدة ونافذة للأنطلاق الى الماضي وكيف كانت معيشة أهله ليس للتفاخر بقدر ماهو للاطلاع.وأخذ العبر..... والاحداث عن لسان احد الشهود وهي عمة والدي.....وﻻننا في وقت فراغ مليء بالملل والقلق مما يحدث من اخبار الوباء وأخبار السياسة
وتوقف لكل مجالات الحياة رأيت ان مثل تلك الحكايات تسلية محمودة اذا صح تعبيري..........موعدنا الجزء القادم بمشيئة الله ........الصورة الاولى هي لجدي الرابع طلب العنكود المتوفى عام 1978 والصورة الثانية للبئر الذي لايزال مليء بالماء.. .......احمد فاضل

85
/////////////حياة في ظلال مكحول////////ج2
السلام عليكم........نكمل
وبعد انه تم نجاح البئر وتذوقوا ماءه فأذا هو ماء عذب سائغ للشاربين...أنه فضل من الله لايناله ألا ذو حظ عظيم ..في صحراء جرداء ينبع ماء وأي ماء عذب فرات....فاصبح هذه البئر أشبه بمركز المدينة ونقطة تجمع لكل القرى المحيطة به تتغذى عليه مالايقل عن عشرين قرية وبذلك فهو نقطة جذب  يأوي اليه الظمئان والذي أظل الطريق والمسافر والضيف ومن تقطعت به السبل...فأصبحت قوافل حيوانات الركوب منظرها مألوف نهارآ واصوات نهيقها ليلآ لاينزعج ولايخاف منه أحد
لذلك يضاف الى كل ماذكرنا نعمة الأنس والأمان حيث لاسارق ولاقاطع طريق يأتي وسط تلك الحركة المستمرة ليل ونهار...فنشئت قرية طلب واصبح يتكلم بها القاصي والداني..
..ولأن الحياة حلقات للفرح وللحزن ..للشقاء وللسعادة..للسقم وللمرض...فلابد ان نذكرها كما سمعتها من شهود تلك الحقبة التي مضى مايقارب قرن من الزمان عليها...
صفحة الخوف والحزن.....بينما يعيش اهل تلك القرية والقرى المجاورة في رغد محدود من العيش حيث تكيفوا معها فاصبحت حياتهم شبه مطمئنة....تقول محدثتي أنها وهي ترعى في شياهها سمعت صوت عال جدآ يشبه صوت الرعد قادم من الجبل استمر للحظات جعل الناس في رعب شديد ماهو هذا الرعد والبرق القادم من دون غيوم فلجأ الكثير من الرجال الى بيت رجل تقي يحفظ شيء من القرأن وبعد ان هدا روعهم عرفوا انه قصف وهو لايعرفون الطائرة أصلآ.. عرفت ان محدثتي كانت تقصد قصف طائرات الحلفاء للمعسكرات العثمانية أبان الحرب العالمية الأولى مابين 1914_1918 تقول أن تلك السنين كانت الأشد حيث انقطعت الامطار وحلت ليالي(صنبر)شديدة البرد مع جفاف ورياح تقول انها تفتر قليلآ ثم تتجدد رافق تلك السنين امراض فتكت بالبشر والحيوانات حيث أبتلاهم الله بمرض حمى تصيب الأطفال وقد هلك معظم أجيال تلك السنين العجاف كما رافقه مرض الرمد اومايسمونه(االتراخوما) بتشديد التاء حتى تظن انها (طاء)
وكذلك رافق تلك الامراض البشرية امراض اخرى أصابت الحيوانات الاغنام والأبقار وحتى الخيل فكانت الفرس تصهل بصوت عال مرة اومرتين ثم تسقط ارضآ لحظات ثم يموت ومرض مشابه او ربما نفس الفايروس يصيب القطط فتبقى تموء حتى تموت....ربما من شدة الجوع  الله اعلم....فشح بذلك الخبز وانتشرت المجاعة بشكل مهدد لحياة الناس بأبادة جماعية فلجئت الناس الى الزراعة الصيفية فنزلوا الى النهر ليزرعوا (الذرة البيضاء)للأكل ويسمونها(أللكة)ويتم اعدادها على الموقد بأن تطحن بالرحا ثم يضاف اليها الماء وتوضع في أناء نحاسي وسط الموقد حتى تجف ويتم ردمها ببقايا الجمر لكي تنضج ..تقول ان الجنود العثمانيين يأتون الى البيوت لايسألون عن شيء ابدآ يدخل الى حيث الموقد فيمد يده من شدة الجوع غير مكترث بالنار فيخرج (كرصةالذرة)ثم يبدأون بألتهامها وكأنهم مجانين فاقدين لعقولهم من هول وشدة جوع وبؤس تلك السنين العجاف.....عمل الرجال منذ الفجر هوحمل مصيدة مصنوعة من الصوف(مجلاع)والذهاب الى المزارع حيث يقضي النهار يضرب العصافير ويمنعها من أن تأكل ثمار المحصول الذي هو عبارة عن بذور الذرة.....ولك ان تتصور مدى البؤس الذي كانوا يعيشونه وقد تحملت المرأءة ضعف اعمال الرجال فكانت بحق هي الركيزة الأقوى التي أدامت النبض في الحياة......لأاريد أن أطيل عليكم .ولنا لقاء في جزء اخر ان شاء الله ......احمد فاضل....

86
من الماضي البعيد........امي...امرأة...من افضل الرجال...
في بداية الخمسينيات...وفي اواخر صيف ذلك العام...ونهاية موسم الحصاد...جلبنا (جاون ومهباشته) من الحاوي ومن بيت العمير الدرويش تحديدا...لتصفية بقايا بيادر الحنطه من (الترابيه) ودق (الگصره) لفصل اخر ماتبقى من الحبوب عن عقد سيقان الحنطه الصلبه...وبعد الانتهاء من هذا العمل الشاق (نسبيا) يجب اعادة هذا الجاون الى اهله لكثرة الطلبات عليه من اهل القرية جميعا..وكان لا يوجد في القريه غيره..الا واحدا اخر عند (الجبر الخضر ) وكانوا يعيرونه مجانا بلا مقابل..تعبيرا عن حب وتساند ابناء العشيرة..وتعاونهم على مواجهة متطلبات الحياة القاسية انذاك...كنا في البريه (جزيرة الجرناف) وحياتها الصحراوية شبه البدوية..التي تخلو تماما من اي ظاهرة او تقليد او نافلة للحياة المدنيه..وعندما ننزل الى الحاوي الاخضر ..بحقوله..ونهره العظيم دجله..وكثافته البشريه النسبيه يومها..تعد فرصة سانحة لنا للسياحة والنقاهة والاستمتاع بلحظات حلوة وجميله...لأننا لا نعلم شيئا عن الدنيا والعالم...غير هذا العالم الصغير جدا..البرية والحاوي.. ومن ينزل الى القريه في الحاوي انذاك..لا يختلف زهوه بتلك اللحظه..عن زهو من هو في مطار بغداد..او اربيل وينتظر اقلاع طائرته..الى ..انقره..وبيروت..والقاهره..في هذه الايام...تماما لا يقل الفرح والحماس في هذه عن تلك..قررت امي (رحمها الله) ان نعيد الجاون لأهله ..بعد ظهر ذلك اليوم ويعني (عصرا) ركبنا دابتنا انا واخي الأكبر (حمد) ...وكان ابو اياد في الامام وانا خلفه (مردفا) وامسك بيدي بوسط جانبيه مثبتا نفسي من الوقوع ومشاكسا اخي (مستلعبا) بعض الشئ..حيث كان الجاون والمهباشه بحضنه..ويواجه صعوبة في السيطره والثبات..وتوجيه الدابة في طريقها الصحيح وانا اتمايل يمنة ويسره وممسكا به مطمئنا غير خائف من الوقوع..واخي في وضع لا يحسد عليه..حائرا بنا جميعا..الدابه الجاون ومهباشته وانا ونفسه...والطريق...اوصتنا امي ان نرمي الجاون في بيت العمير الدرويش..ونعود قافلين..لاشئ اخر غير هذه الفقره...كنا نريد ونتمنى ان ترخصنا امي للمرور الى بيت خوالنا ( الغضيب الحسن البطاوي) كما اعتدنا على ذلك دائما فلم توافق...وصلنا ورمينا الجاون عند العمير الدرويش وكان عمير (رحمه الله) لايزال حيا..وكان شيخا كبيرا جدا ويجلس في ظل (چاسر) البيت الشرقي ( الجواني) منهمكا بترتيب فراشه ونفسه..ولا يبالي لاحد..فأشار علينا بيده فقط..اين نضع الجاون..ووضعناه...ومضينا....
كان بيت خوالي الغضيب مجاور لبيت العمير الدرويش فقررنا ان نمر عليهم...فهم الاقرب الى نفوسنا ونحبهم ويحبوننا جدا...فأمي عمتهم ولها ولاية شديدة عليهم ويحبونها وتحبهم حبا جما..كحبها لابيهم اخيها غضيب الحسن البطاوي..الذي ماتت وهي تحلف بعد الله (گول بغضيب)  به..وكذلك ام البيت ( الحاجه صباحه الجوير ) هي بنت عمنا..فالبيت كأنه بيتنا ولا ننام الا عندهم في نزولنا للقريه...ذهبنا..لعبنا..درنا في الحقول ..وكان لخوالي ( چرد ) في ديارهم الحاليه..ويزرعون عليه مختلف الخضراوات حيث كانت هذه الارض مساحه..وخارجه عن سلطة اقطاعية (عجيل الياور) ولايسمح لهم اروائها من جداول وسواقي مزارعه النوعية الواسعه..مما اضطرهم ومن مثلهم لنصب الكرود( چرد) على اراضيهم..وزراعتها كما يشاؤون وتجدر الاشارة هنا ان وكلاء الياور..و(شحانيه) ماكانوا يسمحون للفلاح بزراعة الخضراوات ابدا لعدم جدواها الاقتصاديه يومها..ويركزون فقط على زراعة الغلات المهمه مثل ( القنب..الذره البضاء..الذره الصفراء..القطن..السمسم وغيرها من المحاصيل التي يتم تصديرها للخارج).....
مررنا الى چرد خوالي..اكلنا الرقي والبطيخ والطرعوزي... واستمتعنا وعدنا الى بيتهم..اسدل الليل ستاره..تعشينا ثم خرجنا للهو واللعب مع اولاد العم من القريه من اجيالنا..انتهى اللعب..وعدنا في وقت متأخر نسبيا...صعدنا الى السطح للنوم...كان خوالي الغضيب هم البيت الوحيد في القريه من لديه سطح للنوم..بسبب علاقتهم مع السبعاويين (الشلله) في الجانب الاخر من نهر دجله..بسبب التزاور المستمر و(السفر) لتبادل الملح..والحنطه والشعير بعلاقات اقتصاديه وتجاريه محدوده...
اكلنا الرقي البارد..تعللنا قليلا..ثم تمدد كل في فراشه ورحنا انا واخي نلوم انفسنا...كيف ضربنا عرض الحائط وصية امنا في العودة السريعة للبريه..انها المرة الاولى التي حصلت معنا..وماذا تقول امنا الان..وكيف حالها؟ بل وماذا سنتعذر لها غدا؟ لا اجوبة لدينا...وحصل..ماحصل ولا ينفع الحديث..والندم...غط الجميع بالنوم...الا..انا..تقاسمتني لحظات المكان ومتعته..وهمي على امي القلقة علينا الان...غاب القمر...تعدى قطار منتصف الليل النازل من الموصل ..الى بغداد...لف السكون..كل المكان..الا مشغلاته الثابته...(مضخة عجيل الياور..ونداهها...وهدير شلال نهر دجله...قرب گنيطره...نباح الكلاب...عواء الثعالب...نقيق الضفادع المزعج...الخ) اضافة الى صياح (الططوه) المكروه..وصرير (الصراصر) ودويها السيمفوني الذي يرج الاذان ويصم السمع...رحت اتجول في السماء بعيون طفوليه لا تدري ولا تدرك عظمة الله..وبداعة الخلق والخالق..واجول بين النجوم...ذاك سهيل..تلك الثريا..ذاك العقرب..وذاك الميزان..وهذا....(مسحال الچبش ) كما سمعناها من كبارنا....وكل لحظة وانا ارقب السماء..يخطف (خفاش ليل لعين) ويقاطع افق نظري في الانحاء ..فتجفل حواسي منه لكراهتي له..وعلقت في اذهان الجميع حكاية طريفة وسخيفة في ان واحد..ان الخفاش اذا عض احدهم..فأنه يلتصق به ولايفكه حتى ( يبول الحمار دما !!!) بالله عليكم ماهذا..ويرددها الكبار والصغار..كيف لهذا المخلوق التافه ان يكون بهذه القدره..ويفعل كل هذا؟ وكيف سيبول الحمار دما؟ لا ادري كيف تنتج العقول هذه الحكايات الغريبة المضحكه...ان حركة هذا الخفاش اللعين كانت تشبه ( منظر اسراب الطائرات الالمانيه..وهي تدك موسكو..باريس..لندن...والجبهات المختلفه في الحرب العالميه الثانيه ) .....
في حسابات اليوم تعدى علي الوقت وصارت الساعه تقترب من الواحده ليلا..وانا اجوب السماء بعيوني..واتحسس الانحاء بخواطري..وافكاري الصغيره...وكأني اترقب بوجداني..وذاتي الطفوليه..من يقطع علي هذا الوجوم والصمت...!!! ..وفجأة حصل ماتوقعته..ومالا يعقل على الاطلاق...انه صوت امي ( الحاجة صبحه الحسن البطاوي ) انه الصوت المقدس لدي كطفل متعلق بأمه...يأتيني حنوا من كل الانحاء..من السماء..والارض..فقفزت مهلوعا..الى ستارة السطح..كمن ينهض من حلم يطارده ويريد الامساك به..او يجده حقيقة ماثلة بين يديه...كان صوت امي خافتا ملائكيا..تنادي ..سالم...حمد...وكأنها تنادينا بروحها وليس بلسانها..وصوتها..ولا تريد ايقاظ الاخرين..فالوقت غير مناسب..ولا ملائم...قفزت صائحا..امي..يمه ..امي بصوت ايقظ الجميع ...فقالت فرحة ضاحكه..الحمد لله..كان منظرها يبهر العقل..تلبس ( بشتها الصوفي الابيض) الذي غزلته وحاكته وفصلته وخيطته بيدها..وحذائها الصوفي الذي خاطته وصنعته بيدها ايضا ويشبه (الگيوه الكرديه) اليوم..بل افضل منه بعض الشئ..يعني كانت بقيافتها وزيها الرفيع الذي اعدته للمناسبات..وكان سلاحها العتيد المهيب المخيف ( المنجل) وكانت متوثبة كأنها لبوة تبحث عن صغارها..واستعدت للذود عنهم وحمايتهم...
نزل اليها الجميع بالهروله خالي سليم..حميد..احمد..والجميع..وصعدنا مرة ثانيه الى السطح..وبدأ بعض الحساب والعتاب بينها وابناء اخيها..حيث لاموها بشدة..عن كيفية نزولها من البرية الى الحاوي بمفردها..مسافة اكثر من عشرة كيلو مترات..في هذا الوقت المتأخر من الليل..وقالوا لها الا تخافين ان تأكلك الذئاب والوحوش في هذه الطرق الموحشه ؟ ( كانت البريه انذاك تعج بالوحوش المفترسه) ...وتمادوا في لومها..قائلين : حتى تقولين اني اخت غضيب الحسن وماخاف..وماذا ينفعنا ذلك لو اكلتك الذئاب فأنتفضت عليهم...وقالت..اسكتوا..ولاكلام..وهزت منجلها بوجوههم..فأطرقوا رؤوسهم صامتين..وعم الصمت الجميع...ثم قالت..نعم..اني اخت غضيب..ولا اخاف غير الله وان ابوكم كان وحيدا..وانا من كان يحميه بعد الله..كان عندما ينازع احد او ينازعه احد ( العركات) انا من كان يهد ويذود عنه...لااحد غيري...شجيت رأس (فلان) بالكرك وكسرت رجل (فلان) بالفأس...وجرحت وجه (فلان )بالجدوم...ورميت (فلان) بالجفر...وراحت تعدد اسماء كثيره لمن كانوا ينازعون اخيها غضيب وتصل (للعراك) فتنجده وتنقذ موقفه( قصص معروفه في العشيره واعرف الاسماء التي عددتها امي حينها ولا ارى من المناسب ذكرها) لانها راحت مع الماضي هي وشخوصها...فأعتذر لها خوالي وقبلوا رأسها..وتحول اللقاء الى فرح عظيم..حيث قالت امي ..قلقت كثيرا بتأخر اولادي وخشيت ان تكون قد اكلتهم الذئاب في الطريق اذا جاؤوا متأخرين ليلا..فجأت لاطمئن انهم لازالوا هنا..وضحك الجميع بسعادة وفرح...
في ذلك التاريخ..وهذه الارض القفراء..المليئة بالوحوش وهذه المسافة الطويله..وهذه الساعة المتأخرة من الليل كيف تجرؤ امرأة وحدها..وسلاحها منجل ان تقدم على ذلك ؟ ..هل هناك غير الشجاعه..وعاطفة الامومه ؟ ابدا لا غيرهما..الشجاعه...وعاطفة الامومه....
واتساءل...هل يستطيع اليوم رجلا بمفرده...ان يذهب بخياره الشخصي دون اكراه الى زناوير..في مثل ذلك الوقت..حتى وان كان مسلحا...مع احترامي لمن يستطيع..اشك بذلك...لله درك ياامي الحاجه صبحه الحسن البطاوي من امرأة...تعد مع الرجال الشجعان...رحمك الله وطيب ثراك..وادخلك...فسيح جناته...ورحم الله خوالي الغضيب طيبي الذكر.وكل من جاء في الاثناء..ذكره......

87
(( رجعــــولـــي  هـــــدومــــي))
اعيدوا لي ملابسي

الشاعر أحمد الصافي النجفي 

عندما إستقريت في دمشق إستلمت شؤون مكتب الخال ومزارعه وكل ما يتعلق بمعاملات عقاراته وبدأت رحلة العمل الجاد ومتابعة كل صغيرة وكبيرة تخص أعماله
كنت يوما اتابع معاملة للحصول على موافقة لحفر بئر ارتوازي  لإحدى مزارعنا والتي إختارها الخال في صحراء الشام وبما أن حفر الآبار الارتوازية عشوائياً ممنوع فكان لابد من تقديم طلب للحصول على موافقة رسمية من دوائر الدولة المختصة ...
في إحدى دوائر الري التابعة لريف دمشق كنت اتحدث عن وضع المزرعة المأساوي وشحة المياة وتأثير هذا الوضع على الزراعة وكم نحن بحاجة للرخصة التي ستسمح لنا بحفر بئر ارتوازي 
تقدم مني موظف وألقى التحية وقال الأخت عراقية ، قلت نعم
قال ممكن بعد إذنك تتفضلي الى مكتبي بعد ان تنهي المعاملة أنت مدعوة لتناول كاسة شاي
قبلت الدعوة بكل سرور 
توجهت الى مكتب صاحب الدعوة ، بعد الترحيب قدم لي كاسة الشاي أي قدح صغير من الشاي 
قال : اتشرف بمعرفتك ولدي سؤال  إن سمحتي لي
قلت تفضل ،،،،
قال :هل تعرفين الشاعر الكبير أحمد الصافي النجفي
قلت ، بالطبع أعرفه ،
لم ألتقيه شخصياً لكنه أحد أعمدة الشعر في العراق ولنا صداقة مع أحد أفراد عائلته وهو إبن شقيقه ،،،، الدكتور علي الصافي
قال : سيدتي ارجوكِ أرجوكِ ان كان بالامكان تلبية طلبي فسأكون شاكرا معروفك فهل بالأمكان الحصول على ديوان الشاعر
قلت : هذا سهل جداً ، واسمح لي ان أسالك هل انت من المعجبين بشخصيته او بشعره
قال : بل أنا اعرفه شخصياً وإليكِ هذه القصة
كان والدي من تجار الحميدية وله معرفة تحولت الى صداقة ومحبة مع الشاعر احمد الصافي النجفي يزور والدي في محله وأحياناً يجلسان معاً في المقهى التي يرتادها الشعراء ومنهم شاعرنا الكبير
يوماً دعاه والدي لتناول طعام الغداء في بيتنا  ، جهز والدي حماماً ساخناً للشاعر وأقنعه بصعوبة للدخول الى الحمام ليغتسل بل رأيت والدي يتوسله ،،، رحمه الله عنيد كثير
عندما دخل الحمام كان الوالد قد أحضر له ملابس جديده من السروال حتى غطاء الراس (الكوفية والعقال)
وضع والدي الملابس القديمة في كيس (واسمحي لي بهذه الكلمة وعذراً منكِ  الملابسه متسخة) وكأن لم تلمسها يد لتزيح ماعلق بها  منذ سنين وضعها في كيس وطلب مني انا وشقيقتي ان نرميها في اقرب حاوية
عندما أنهى الشاعر حمامه الذي لم يتجاوز  بضع دقائق ، طلب ثيابه ، وهنا كانت المفاجئة بل الكارثة التي نَدِمَ عليها والدي رحمه الله عندما صرخ الشاعر بأعلى صوته
وين هدومي رجعولي هدومي
فزعنا انا وشقيقتي من صراخه في حين عجز والدي بإقناعه بانها لاتليق به كشاعر وسيد محترم وان هذه الملابس الجديدة هدية من صديقه الذي يحبه كأخيه إرتفع الصراخ رجعولي هدومي اريد هدومي
عندها نظر إليّ الوالد نظرة ترجي ففهمت مالذي يريد إنطلقت بأقصى سرعة حتى وصلت الى الحاوية واعدت الكيس فناوله والدي للضيف  الذي كان مايزال يصرخ رجعولي هدومي وين وديتو صايتي
وين أخذتو ملابسي
كانت سُفرَة الطعام جاهزة بمالذّ وطاب
لكن ضيفنا خرج من باب الحمام الى باب الدار وهو غاضب يدمدم بكلمات لم نفهمها ، وترك الغداء وأهل الدار وتوسلات والدي الذي لحق به وهو يعتذر ويتأسف وإن ما حدث كان من باب المحبة فقط
لم نرى الشاعر الكبير ولم يلتقيه والدي الذي حاول مع أصدقائه ومعارفه  أن يعتذر ويعيد العلاقة الأخوية وان ماجرى كان بحسن النية وبمحبة خالصة
لكن الشاعر الكبير كان غاضباً وانتهت علاقته بوالدي بعد ان سافر الى لبنان

(شكرت الموظف على هذه القصة الجميلة ووعدته بأنني سألبي طلبه بالحصول على ديوان الشاعر احمد الصافي النجفي )
وقد تبرع الخال مشكوراً لأهدائه الديوان الذي كان يحتفظ به في مكتبته)
عند لقائي بالدكتور علي الصافي قصصت له الحكاية ضحك كثيراً وقال نعم هذه من طبائع عمي  ولا أنكرها والرجل صادق فيما روى

رحم الله شاعرنا الكبير احمد الصافي النجفي
عندما أصيب في لبنان اثناء الحرب الأهلية
عاد الى الوطن فاقداً بصره فقال في عودته المؤلمة
يــاعــودةً للـــدارِ مـــا أقســـاهــا ،، أســمع بغــــداد ولاأرهـــــا

يومكم سعيد اصدقائي

88
Javro Mason.                                                       لأول وهله ترجمته بالعربية  ،،جفرو مسن،، وكانت تشارك في منتدى تلكيف الثقافي ولَم تسعفني الذاكرة لمعرفة الاسم حتى لمحت صورة المرحوم ،، نوري عصار ابو بشار ،، وأرفقها الاخ العزيز خالد خليل الطاءي بكلمات مموسقة جميلة في استذكار رجل طيب المعاشرة رقيق الحواس حنون صادق يحترم الجميع ويستقبل بابتسامة صادقة وكلام عذب كل من دخل الى منتجعه ،،كازينو علي بابا،، ولَم أتمالك نفسي الا ان اكتب ماتجود به القريحة من صادق الكلام لرجل زاهي المعاني يقرع على الطبلة ويعزف على الكمان وتلاعب أصابعه العود وتنطلق حنجرته لمحبيه اعذب الأغاني وبعد برهة قرات تعليقاً راقياً وشكراً متميزاً لما كتبت ولنفس الاسم سالتها قالت انا ،، ميسون أستاذ حميد الاتذكرني ابنه المرحوم نوري عصار ،، انسابت دموعي وكانت الردود بقد ماهي مفرحة مبكية لما كان يعزني والدها ويوما. تلاه ان الهاتف لنتحدث مع ميسون جابرو وليس جفرو مسن أعطيت الهاتف لزوجتي ام أفل وهي مدرستها وتحدثنا طويلاً ،وهاي الأيام بعد كل هذه النقديه أترقب صديقتي وبنت عمي  ميسون على موقعها وهي ترنو الى المجد تكتب عن تولستوي ودستوفسكي وتنتقل بسرعة الفراش ورقتها الى بودلير وبوشكين وتنتقي درر الكلام عن الوجود والتطور والتاريخ ،في احد فيديوهاتهم القصيرة تتحدث مع كلابها في البيت تسألهم أية أكله يفضلون  واين سيذهبون وكأنها تتحدث مع أناس يفهمونها والادهى انهم يطبقون ماتقول ، ان الانسان الراقي يصل الى ذرى المجد حينما يمتلك   العقل الواعي والاخلاق العالية والأدب الرفيع حينها يقال له بالكردية،،كوهل به سر،، وتعني ورده فوق الراس هنيءاً لعشيرة جابرو وللمرحوم نري عصار وبريخة قدس لهذه الحديقة من الجواهر الثمينة والسمو والسؤدد ان من الله لكم هذه المراة الجميلة التي يصح قول الخليفة الأموي الثاني يزيد ابن معاوية ابن ابي سفيان حين قال،،،وأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت   ورداً وعضت على العناب بالبرد ،،وهي خمسة تشابهه تستحق ميسون ان تكتب لها   مزيداً من التالق والبحث والمتابع الراقية المبهجة ، يامن تدخلين البهجة الى النفوس والألق والضياء المريح للنفس او هل أوفيت، حقك لاادري ليس مدحاً ولكنه درجة لمن يستحق وتقبلي محبتي واحترامي وسلا مي مع باقة ورد عطرة 💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐

89
الزواج عند الآشوريين القدماء...
نستطيع أن نحدد فترة انتعاش الدولة الآشورية بثلاثة آلاف عام قبل ميلاد سيدنا المسيح عليه السلام، وقد ازدهرت حياة المواطن الآشوري وقد بانت عليه مظاهر الترف والمدنية التي عكستها على حياته، قوة سلطة الدولة، والازدهار الاقتصادي المتين، و ضخامة المؤسسة العسكرية التي كانت أولى مهامها القتال والدفاع عن الدولة في الحروب والمنازعات، والتي كانت حدودها تمتد إلى آلاف الأميال شرقا وغربا، وعندما يستتب الأمن تقوم هذه المؤسسة بأعمال مدنية، كصناعة العربات، وشق الأنهر والجدول واستصلاح الأراضي والقيام بصناعات يدوية استهلاكية تخص حاجة المواطن، وحتى لانبتعد عن الموضوع الرئيس وهو تقاليد الزواج لدى أجدادنا الكرام، فهي لاتختلف عن عادات وتقاليدنا هذا اليوم، لكون المرأة ظلت مهابة، عفيفة، ينظر لها نظرة الفخر والاعتزاز، ويشمخ أهلها بها عندما تبدع في فن النسيج وترتيب أوضاع المنزل مع والدتها، فهي محكومة باعراف حضارية وأخلاقيات اجتماعية ولديها هامش من التحرر في مشاركة الرجل في الحياة الاجتماعية والسياسية، ولم يؤشر التاريخ أية شبهات اجتماعية تخص علاقتها بأخيها الرجل في العمل، بل كانت مصانة وقورة، والقوانين الآشورية قد قدست حياة المرأة، واعطتها استحقاقها وتضمنت حياتها وعلاقتها بالمجتمع، وتمضي أعراف الزواج بعد التعرف على المرأة عن كثب، تجري العادة أن يستعين بكبار القوم، كالمقربين من الآلهة، أو رجال الحكم المحليين، لغرض إعطاء أهمية للخطيبة، و يفخر بها أهلها ولضمان مصداقية الرجل لها، وبعد الموافقة يقدم المهر، على شكل قطع من الفضة مصاغة بشكل جميل، أو مسكوكات نقدية (1)...وهذه تقتصر على التجار والأغنياء، ومن ثم يوثق العقد وفيه التزامات الزوجين على عدم الإخلال ببيت الزوجية، ثم بعد مدة لاتتجاوز الأسابيع، تجري مراسيم الزواج في بيت أهل الزوج في غرفة تتبرع بها العائلة، ولكن المجتمع الآشوري منظم من ناحية تحديد النسل وشكل الأسرة تلافيا للصعاب التي قد تواجه العائلة، كذلك تقوم عائلة العروس بمساعدة إبنتهم، بماتيسر للعائلة من مستلزمات العيش، كالصوف، أو القطن، أو  جزء من الفراش التي تستعمله العائلة الآشورية، أو جلود المواشي كالغزال، و الماعز والأغنام، أو الدهن الحر، زيت الزيتون، التمر، ثم تجري مراسيم الزواج كالعادة التي درجت عليها الأمم الأخرى، بحضور أهل العريسين، والأقارب والأصدقاء من طرفيهما، وكانت هنالك حرمة، وأستار، تعزل بيت الزوجية عن الاهل وعامة الناس اكراما لعفاف المرأة وصيانة للتقاليد والقيم الآشورية الحضارية التي وقرت المرأة وقدست دورها التربوي والأسري.
فهد عنتر الدوخي
19/4/2020

90
لا تفوتكم القيلوله اعزائي......قد يجهل كثيرون فوائد القيلولة وضرورتها في إعادة الطاقة إلى الإنسان، وقد يهملها الناس بسبب ظروف الحياة ومشاغلها، لكن الدراسات الحديثة أكدت أن القيلولة تريح ذهن الإنسان وعضلاته وتعزز الاسترخاء وتحسن المزاج. كما تعيد القيلولة أيضا شحن قدرات الإنسان على التفكير والتركيز وتزيد إنتاجيته وحماسته للعمل، كما تجعل العامل أكثر يقظة وتقوي قدرته على التذكر. ولكن رغم منافع القيلولة إلا أنها ليست مناسبة للجميع، فالأشخاص الذين يعانون الأرق يُنصحون بعدم بالنوم أثناء النهار, لأن القيلولة لوقت طويل أو في ساعة متأخرة قد تعيق قدرتهم على النوم ليلا.
القيلولة المثلى لا بدّ أن تكون لمدة عشرين دقيقة, وهي مدة كافية لإعادة شحن الدماغ بالطاقة أو تكون تسعين دقيقة, وهي مدة كافية لينعم الفرد بأعمق مراحل النوم ما يعزز القدرة الإبداعية عنده. والمشكلة هي عندما تتراوح مدة القيلولة بين هاتين المدتين فحينها يستيقظ النائم منزعجا ومتعبا. ويفضل أن تكون القيلولة ما بين الساعة الواحدة ظهرا والثالثة عصرا. وأن يكون الفرد ممددا على أريكة بدلا من السرير، لضمان عدم الغوص في نوم طويل. وقد يبدو الأمر غريبا, ولكن خبراء ينصحون بارتشاف فنجان قهوة قبل أخد القيلولة، فأثر الكافيين يحتاج من عشرين إلى ثلاثين دقيقة حتى يصبح فعّالا، وهو ما يجعل الشخص أكثر يقظة عند نهوضه.

91
العزف وحده مهارة صعبة المراس وعلى آلة العود، وبهذه التقنية المدهشة الممزوجة بالصدق الانتماء إلى هذا الفن إلى هذه الموسيقى الساحرة التي تخطف الألباب، مع ان آلة العود، يكاد ينفرد بها الرجال، لصعوبة إتقانها ولخصوصية استخدامها وصعوبة توائم اللحن مع الكلام المغنى، هذا جانب، والآخر المهم في الأمر، هو جودة ومتانة وخصوصية صوت إيمان الجباعي، الفنانة التي تحرك النغم وتسوقه حتى يملأ الفضاء جمالا وبهجة، وتعيشه بروحها الجميلة الشفافة، و تتفاعل مع عناصر الأغنية، اللحن، والكلمة والفضاء الصافي الذي يشغله هذا الصوت النادر بعذوبته، أجزم أن اللواتي ممن اشتغل على هذا المنحى لم يستطعن أن يبلغن حالة الألق والإبداع والرقي الذي وصلت إليه، الأخت الاستاذة القديرة إيمان الجباعي، في الأداء والنغم الأصيل، والطرب العميق الذي يستند إلى ثقافة وتجارب وأبحاث ودراسة معمقة مقرونة بمنهج علمي، مع مساندة الأخ الفنان المبدع نواف الغصيني، الذي يوظف طاقته الفنية وابداعه لخلق لحن محبب، أو تجديد رداء اغنية بتوزيع جديد، شكرا لهذا الأداء ورقة الصوت ورقي هذا الطرب، الفنانة، إيمان الجباعي...

92
العرصة "  قصاصة "  د.عبدالكريم خليفة "   الرابعة .
ثلاثية الإيقونات المكانية  "  العرصة - تريننك سنتر  -  نيو كركوك  "
عدنان أبو أندلس
           للذاكرة صدىً يرنُ في هواجسنا مهما تقدمت بنا سني العمر ، لأن بهجتها أخذتنا على حين غرة من الإستذكار الطفولي ، تلك هي شحنة الإستمرار الحياتي طعماً لا يمكن نسيانهُ ، نتحسس مذاقهُ بحلاوة أخاذة ، فالماضي الذي أورث لنا  كل هذا الكم من لحظات حلوة ومرة كانت من وراؤهما وطأة الإحساس بالدفء ، هو الذي لازم ديمومتها بهذهِ الأوجاع من الإيقونات والتي تضمنتهُ قصيدة " القصاصة الرابعة " من المجموعة الشعرية " قصائد قابلة للتأويل " للشاعر د. عبد الكريم خليفة والتي صدرت عن ملتقى الزمن للثقافة والفنون في كركوك عام 2008 .
       بدأً ؛ قلب المواجع المؤلمة بشأن ذاكرة المكان " العرصة " أيام العوز والحرمان .... هذه البقعة الخرافية التي أنتجت الفكر،  وأثمرت الواقع ، من ركام مخلفاتها وسواقيها الآسنة وأوحالها ودروبها المتربة ـ إنبثق المخزون الذهني للمعرفة ، ذلك المُجمع الأثني المتنوع نتحسس تمدنهُ رغم خرابهِ الماثل للعيان ، كُنا أهل الأرياف حين نمرُ عليهِ نحسُ بطعم المدنية فيهِ حقاً ، الألوان والشخوص واللهجات .   ثم عرج لـ عرفة في عصر الازدهار الروحي في أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي لما إحتوتهُ ذاكرة صبيٌ مُتمرس في التجوال بتلك الأُبهة المحفوفة بالإخضرار الحياتي طوال أيام السنة .هذا ما تم تجسيدهُ في قصاصتهِ الرابعة ، تلك القصيدة المكونة من مقطعين :
الأول : مشدود على نفسهِ بالتهديد .
 الثاني : مُبعثر بالإسترخاء بعد النشوة .
حيثُ نرى في مقطع القصيدة الأول ، إذ نراها تتكئ على خمسة أفعال " زاجرة " خذوا – إنزعوا – تحتضن – إقنعوا – طوفوا – لوثوا "  تخيف إقدام الصبي لمهمة تراودهُ حينها ن هذه القوة التدميرية المتدرجة وظفها بالأفعال ، ولكل فعل عمل خاص بقوتهِ من حيث الإقتحام وتوضيح الجمال والحب وكأن الأشياء والمسميات تداخلت بعضها البعض لشدة خوفهِ على ذاكرة المدينة ، إستهلالاً في ألعاب الطفولة  وملهيات أدواتهِ " الفوانيس – أسوار النينيا – عشق الهواء – الأقحوان – سفح الشوق " .
 ثلاث منها مادية ، و اثنان معنوية ... ومضاداتها " أرتال العسكر – نعيق الآهات – غبار القادمين " هي مخلفات خرائب لأوامر الدمار التي لحقت ببنية المكان من تشويهات تندب حظها العاثر لتلك الرؤى الحزينة  ، وغدا كل شيء يلتحفهُ اليباب والتراب دون أن تصدهُ أشجار أو ندى قد يخنق ما يلاقيهِ من عبرة أو غبار  \ مادياً – الأرض \ معنوياً – الشعر .. بل أضحى هياكلاً ماثلة للعيان إندثرت ومابرحت الغربان تنعق ما تبقى من جدار قائم تستند عليها كوكر لمهبطها منها " سكة القطار \ الصاعد \ الهابط من أربيل إلى بغداد أو من عرفة إلى ستاب لاين – حاجز التراب – مقص التبديل  المخطط – إشارات البدء – معمل المتوسط – وكأن القائل يقول : إن عربات i.p.c  لن توصلك بعد الآن لمحطة " " ستاب لاين " فأين تمضي وتولي وجهك الآن .
          حين المرور على آثار عبث الطفولة نتذكر الأوجاع كي نستعيد المرح ولو عابراً ، كم هو جميل الفرح السَاذج والخجل الناصع ، ذلك الإستذكار نتمناهُ هُنيئة لا أكثر ، وكما في المقطع الأول :
خذوا حُب الطفولة \ إنزعوا فوانيس شوارع عرفة \ إقلعوا أسوار النينيا \ وهي تحتضن عشق الهواء \ طوقوا خريطة الإقحوان \ بأرتال العسكر \ لوثوا سفح الشوق \ بنعيق الآهات المُخادعة وغبار السنين .
وفي المقطع الثاني : أين أنت ياكهريزنا \ لم يبق مقعدٌ \فوق مصطبة العشاق \ وهي تعانق صفير قطارنا المتوجه إلى أرض النفط \ يرفرف للأطفال وهم يتأبطون \ شوق الأباء وهي راجعة لعروق المساكن \ وهي تتنفس الخجل الناصع .
      يلاحظ من أن الشاعر لا يود مغادرة المكان الأثيري ، ولا توديع الأحبة ؛ لهذا ترى المفردات متدرجة بذلك الفضاء الواسع الذي يلمها وكأنهُ يُقطرها كالحنين لئلا تنضب – عكس المقطع الأول – المفردات محشوة – متلاصقة - ...مرعوبة تلم نفسها تفادياً للخطر اللاحق مغبة أنهُ يحذوه الحنين رغم تبدلات المكان والزمان معاً ؛ إلا أن حال لسانهِ يلهج ويسرد على مشارف التَرف الخارق إليها " نيو كركوك " عرفة ... هُنا ؛ مهما يقودك الدرب إليها ، وأنت تجتاز \ تخطو \ تعبر \ سكة كركوك – أربيل \ راجلاً .. أو في باص رقم " 5" أو أية وسيلة تنقلك إلى أجوائها حالماً تحذو عتبة أطرافها المعشوشبة ، ترى " ذلك يعبق بإطلالتك نسمة هواء باردة يتحسسها كل عابر لها ويعبق بحواسهِ ذاك الرذاذ اللطيف من نشوة البرودة ، تلك البهجة الممطرة تتساقط على مشاعرك بالفرح ، ولهذا تودعها قوافل الأعراس كآخر محطة ... هو فآل مُحبب وإسطورة منذ العهد الآرامي تتوارثها الناس  بغية الإنجاب السريع . فيما تلج مداخلها يدهشك ملامح الصبية بجمالها ، شُقر الشعر الذي يهفهف الهواء بتسريحة العبث ...يتراءى لك حشد الساعة " الرابعة " عصراً جموع العمال الذين يترجلون من عربات القِطار بكل حيوية ونشاط ببدلاتهم الموحدة ودراجاتهم الملونة التي كانت مركونة في كراج " تريننك سنتر " يتزامن ذلك الوقت مع مرور قِطار أربيل النازل ، إضافةً للوقوف دقيقة صمت مع عملية رفع العلم من الفيلق بأُبهة ، هذا المثلث العجيب الذي تتراكم فيهِ كل ثمرة الإنتاج الصناعي وكأنك في معترك الثورة الصناعية ،  قلب " أوربا "  تلك القلقة الرتيبة الآتية من محطة " ستاف لاين " والتي تهز الأرض ولها دوي مربك ... تعشقهُ ذاكرة الماضي ،  ذاك " معمل 13 المتوسط – ساحة تريننك سنتر -  محطة قِطار ستاف لاين " هذه البقعة تشهد يومياً صراعاً مستمراً مؤنساً حتى أضحى الوقت المثالي لمعرفة الزمن في المدينة عبر مُنبه الشركة " الشوت " ..هذا الضجيج رمز المدينة وعنفوان مسيرتها الحياتية ، ما إن تتقدم خطوة حتى يلمع بناظريك بريق سيل " الكهريز " المُنحدر من أعالي الربوات المشرفة على أطراف المدينة ، هذا الذي يخترق ظهر الحي المُزهر طيلة أيام السنة ..تتسلل رؤيتك عبر سياج " النينيا " التي تخبئي الخجل الناصع لفتاة لم تدمغها شمس تموز بعد ، تصحو بعد قيلولة هانئة . فـ أسوار النينيا ذلك المعلم البارز والذي يحيط بكل ذاك الجمال الشفيف إستبدل أخيراً بجدار إسمنتي أصم حفاظاً عن النظرة التي تخترقهُ وتقلب ميزان القوى ، أضحت الذائقة المغايرة بعد إستيرادها من الفلوات بعد أن شهقت لها الصحراء وصفقت لها الأيادي الخشنة . ويستمر تجوال الشاعر " خليفة " حيثُ يقودهُ الطريق المُشجر إلى أرصفة الطابوق لـ أسواق الكانتين العامرة بالترف والرُقي والتمدن لعلهُ يستدل على خطوة عابرة لـ جان دمو فينحرف الصدى بإتجاه آخر صوب " سكند كلاس ".. حيثُ لا نُزهة للعشاق هُناك أو رفة لجنح الذكرى ولا جُنينة تستضيف همسة المحبين بين أغصان أشجار السرو ...وقبالة الرؤى الأُخرى تشهق الرابية الخضراء والتي طالما إستهوت الشاعر " فاروق مصطفى "  فإستأنس بالمكان وراح يُمسد على أغصان الدفلى ويشم ورد الخباز .. وحالما تئنُ الخُطى من تعب المسير يتوقف حالاُ في موقف الباص ، وبهذا المعنى كان مقطعاً من  قصيدتي يتواءم مع هذا السرد  : فكلما قادتني الخُطى \ صوب نيو كركوك \ أتأبط هموماً مدرسية \ أترقب في الموقف المهجور \ باص رقم 5 \ وبيدي عملة معدنية مُلغاة ..يعود أدراجه إلى مهبط الصِبا ومرتع الطفولة " العرصة " المحروسة التي تلامس قامتها أذيال الترتب وفي ذاكرتهِ الطازجة خزيناً من الصمت الذي لا يفارق مخيلته ، فأبى إن يبوح بهِ إلى  أن تتلاشي  الأسرار القادمة من أتون العاطفة المخترقة بالأوجاع العصية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

93
العرصة "  قصاصة "  د.عبدالكريم خليفة "   الرابعة .
ثلاثية الإيقونات المكانية  "  العرصة - تريننك سنتر  -  نيو كركوك  "
عدنان أبو أندلس
           للذاكرة صدىً يرنُ في هواجسنا مهما تقدمت بنا سني العمر ، لأن بهجتها أخذتنا على حين غرة من الإستذكار الطفولي ، تلك هي شحنة الإستمرار الحياتي طعماً لا يمكن نسيانهُ ، نتحسس مذاقهُ بحلاوة أخاذة ، فالماضي الذي أورث لنا  كل هذا الكم من لحظات حلوة ومرة كانت من وراؤهما وطأة الإحساس بالدفء ، هو الذي لازم ديمومتها بهذهِ الأوجاع من الإيقونات والتي تضمنتهُ قصيدة " القصاصة الرابعة " من المجموعة الشعرية " قصائد قابلة للتأويل " للشاعر د. عبد الكريم خليفة والتي صدرت عن ملتقى الزمن للثقافة والفنون في كركوك عام 2008 .
       بدأً ؛ قلب المواجع المؤلمة بشأن ذاكرة المكان " العرصة " أيام العوز والحرمان .... هذه البقعة الخرافية التي أنتجت الفكر،  وأثمرت الواقع ، من ركام مخلفاتها وسواقيها الآسنة وأوحالها ودروبها المتربة ـ إنبثق المخزون الذهني للمعرفة ، ذلك المُجمع الأثني المتنوع نتحسس تمدنهُ رغم خرابهِ الماثل للعيان ، كُنا أهل الأرياف حين نمرُ عليهِ نحسُ بطعم المدنية فيهِ حقاً ، الألوان والشخوص واللهجات .   ثم عرج لـ عرفة في عصر الازدهار الروحي في أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي لما إحتوتهُ ذاكرة صبيٌ مُتمرس في التجوال بتلك الأُبهة المحفوفة بالإخضرار الحياتي طوال أيام السنة .هذا ما تم تجسيدهُ في قصاصتهِ الرابعة ، تلك القصيدة المكونة من مقطعين :
الأول : مشدود على نفسهِ بالتهديد .
 الثاني : مُبعثر بالإسترخاء بعد النشوة .
حيثُ نرى في مقطع القصيدة الأول ، إذ نراها تتكئ على خمسة أفعال " زاجرة " خذوا – إنزعوا – تحتضن – إقنعوا – طوفوا – لوثوا "  تخيف إقدام الصبي لمهمة تراودهُ حينها ن هذه القوة التدميرية المتدرجة وظفها بالأفعال ، ولكل فعل عمل خاص بقوتهِ من حيث الإقتحام وتوضيح الجمال والحب وكأن الأشياء والمسميات تداخلت بعضها البعض لشدة خوفهِ على ذاكرة المدينة ، إستهلالاً في ألعاب الطفولة  وملهيات أدواتهِ " الفوانيس – أسوار النينيا – عشق الهواء – الأقحوان – سفح الشوق " .
 ثلاث منها مادية ، و اثنان معنوية ... ومضاداتها " أرتال العسكر – نعيق الآهات – غبار القادمين " هي مخلفات خرائب لأوامر الدمار التي لحقت ببنية المكان من تشويهات تندب حظها العاثر لتلك الرؤى الحزينة  ، وغدا كل شيء يلتحفهُ اليباب والتراب دون أن تصدهُ أشجار أو ندى قد يخنق ما يلاقيهِ من عبرة أو غبار  \ مادياً – الأرض \ معنوياً – الشعر .. بل أضحى هياكلاً ماثلة للعيان إندثرت ومابرحت الغربان تنعق ما تبقى من جدار قائم تستند عليها كوكر لمهبطها منها " سكة القطار \ الصاعد \ الهابط من أربيل إلى بغداد أو من عرفة إلى ستاب لاين – حاجز التراب – مقص التبديل  المخطط – إشارات البدء – معمل المتوسط – وكأن القائل يقول : إن عربات i.p.c  لن توصلك بعد الآن لمحطة " " ستاب لاين " فأين تمضي وتولي وجهك الآن .
          حين المرور على آثار عبث الطفولة نتذكر الأوجاع كي نستعيد المرح ولو عابراً ، كم هو جميل الفرح السَاذج والخجل الناصع ، ذلك الإستذكار نتمناهُ هُنيئة لا أكثر ، وكما في المقطع الأول :
خذوا حُب الطفولة \ إنزعوا فوانيس شوارع عرفة \ إقلعوا أسوار النينيا \ وهي تحتضن عشق الهواء \ طوقوا خريطة الإقحوان \ بأرتال العسكر \ لوثوا سفح الشوق \ بنعيق الآهات المُخادعة وغبار السنين .
وفي المقطع الثاني : أين أنت ياكهريزنا \ لم يبق مقعدٌ \فوق مصطبة العشاق \ وهي تعانق صفير قطارنا المتوجه إلى أرض النفط \ يرفرف للأطفال وهم يتأبطون \ شوق الأباء وهي راجعة لعروق المساكن \ وهي تتنفس الخجل الناصع .
      يلاحظ من أن الشاعر لا يود مغادرة المكان الأثيري ، ولا توديع الأحبة ؛ لهذا ترى المفردات متدرجة بذلك الفضاء الواسع الذي يلمها وكأنهُ يُقطرها كالحنين لئلا تنضب – عكس المقطع الأول – المفردات محشوة – متلاصقة - ...مرعوبة تلم نفسها تفادياً للخطر اللاحق مغبة أنهُ يحذوه الحنين رغم تبدلات المكان والزمان معاً ؛ إلا أن حال لسانهِ يلهج ويسرد على مشارف التَرف الخارق إليها " نيو كركوك " عرفة ... هُنا ؛ مهما يقودك الدرب إليها ، وأنت تجتاز \ تخطو \ تعبر \ سكة كركوك – أربيل \ راجلاً .. أو في باص رقم " 5" أو أية وسيلة تنقلك إلى أجوائها حالماً تحذو عتبة أطرافها المعشوشبة ، ترى " ذلك يعبق بإطلالتك نسمة هواء باردة يتحسسها كل عابر لها ويعبق بحواسهِ ذاك الرذاذ اللطيف من نشوة البرودة ، تلك البهجة الممطرة تتساقط على مشاعرك بالفرح ، ولهذا تودعها قوافل الأعراس كآخر محطة ... هو فآل مُحبب وإسطورة منذ العهد الآرامي تتوارثها الناس  بغية الإنجاب السريع . فيما تلج مداخلها يدهشك ملامح الصبية بجمالها ، شُقر الشعر الذي يهفهف الهواء بتسريحة العبث ...يتراءى لك حشد الساعة " الرابعة " عصراً جموع العمال الذين يترجلون من عربات القِطار بكل حيوية ونشاط ببدلاتهم الموحدة ودراجاتهم الملونة التي كانت مركونة في كراج " تريننك سنتر " يتزامن ذلك الوقت مع مرور قِطار أربيل النازل ، إضافةً للوقوف دقيقة صمت مع عملية رفع العلم من الفيلق بأُبهة ، هذا المثلث العجيب الذي تتراكم فيهِ كل ثمرة الإنتاج الصناعي وكأنك في معترك الثورة الصناعية ،  قلب " أوربا "  تلك القلقة الرتيبة الآتية من محطة " ستاف لاين " والتي تهز الأرض ولها دوي مربك ... تعشقهُ ذاكرة الماضي ،  ذاك " معمل 13 المتوسط – ساحة تريننك سنتر -  محطة قِطار ستاف لاين " هذه البقعة تشهد يومياً صراعاً مستمراً مؤنساً حتى أضحى الوقت المثالي لمعرفة الزمن في المدينة عبر مُنبه الشركة " الشوت " ..هذا الضجيج رمز المدينة وعنفوان مسيرتها الحياتية ، ما إن تتقدم خطوة حتى يلمع بناظريك بريق سيل " الكهريز " المُنحدر من أعالي الربوات المشرفة على أطراف المدينة ، هذا الذي يخترق ظهر الحي المُزهر طيلة أيام السنة ..تتسلل رؤيتك عبر سياج " النينيا " التي تخبئي الخجل الناصع لفتاة لم تدمغها شمس تموز بعد ، تصحو بعد قيلولة هانئة . فـ أسوار النينيا ذلك المعلم البارز والذي يحيط بكل ذاك الجمال الشفيف إستبدل أخيراً بجدار إسمنتي أصم حفاظاً عن النظرة التي تخترقهُ وتقلب ميزان القوى ، أضحت الذائقة المغايرة بعد إستيرادها من الفلوات بعد أن شهقت لها الصحراء وصفقت لها الأيادي الخشنة . ويستمر تجوال الشاعر " خليفة " حيثُ يقودهُ الطريق المُشجر إلى أرصفة الطابوق لـ أسواق الكانتين العامرة بالترف والرُقي والتمدن لعلهُ يستدل على خطوة عابرة لـ جان دمو فينحرف الصدى بإتجاه آخر صوب " سكند كلاس ".. حيثُ لا نُزهة للعشاق هُناك أو رفة لجنح الذكرى ولا جُنينة تستضيف همسة المحبين بين أغصان أشجار السرو ...وقبالة الرؤى الأُخرى تشهق الرابية الخضراء والتي طالما إستهوت الشاعر " فاروق مصطفى "  فإستأنس بالمكان وراح يُمسد على أغصان الدفلى ويشم ورد الخباز .. وحالما تئنُ الخُطى من تعب المسير يتوقف حالاُ في موقف الباص ، وبهذا المعنى كان مقطعاً من  قصيدتي يتواءم مع هذا السرد  : فكلما قادتني الخُطى \ صوب نيو كركوك \ أتأبط هموماً مدرسية \ أترقب في الموقف المهجور \ باص رقم 5 \ وبيدي عملة معدنية مُلغاة ..يعود أدراجه إلى مهبط الصِبا ومرتع الطفولة " العرصة " المحروسة التي تلامس قامتها أذيال الترتب وفي ذاكرتهِ الطازجة خزيناً من الصمت الذي لا يفارق مخيلته ، فأبى إن يبوح بهِ إلى  أن تتلاشي  الأسرار القادمة من أتون العاطفة المخترقة بالأوجاع العصية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

94
مبدع من مدينتي.....
الفنان المبدع رضوان شيخلر........
هو  : رضوان رضا شيخلر الداقوقي تولد عام ١٩٥٦ كركوك
فنان وكاتب واديب صاحب كتابات شيقة ورائعة جدا...
عضو إتحاد أدباء وكتاب كركوك ......
و عضو منظمة أدباء وكتاب التركمان....
تاريخ طويل من الإبداع والتألق والنجاح في فن التصوير
صاحب استوديو ومختبرات النور ديجيتال......
فنان ماهر ومتالق ومبدع في مجال التصوير الفوتوغرافي
كاتب واديب من طراز خاص وكتاباته مشوقة ومن واقع الحال بكل سلاسة ويسر دون التعقيد...
متخذا من الواقعية طريقاً وأسلوبا شيقا في سرد الكلمات وجمال الحروف ودقة في التعابير الأدبية....
ذات قلم متمكن في كيفية التعامل مع الكلمات والالفاظ
مجذبا ومجبرا القارئ لتكملة وقراءة القصة أو المقالة.....
أستاذ رائع جداً بمعنى الكلمة.....
طيب القلب محبوب ومتواضع ويحب الخير للآخرين....
بشوش وهادئ وذو أخلاق عالية ومتعاون مع الجميع..
له العديد من الكتب والعديد بل الكثير من الكتابات والمقالات والمنشورات الرائعة الشيقة...
عرفته من فترة ليست بالطويلة جدا ولكنني أحببت شخصيته
خلقاً وطيبة وتواضعا ومحبوبا....
اخ وصديق عزيز وذو كرم وجود قلما نجد هكذا أشخاص...
حضرت له اصبوحة جميلة جداً عن مولانا جلال الدين الرومي وكان بحق غاية في الروعة والجمال والإبداع والتميز
كاتب ومؤلف واديب وفنان بارع وله اسلوبه الخاص الرائع..
تحياتي وتقديري للأستاذ والأخ والصديق العزيز الطيب
وتمنياتي له بالنجاح والتوفيق والمزيد من التألق والتواصل والإبداع في مجال عمله وحياته العائلية....
أيوب بامبوغجي..... ١٤ من شباط ٢٠٢٠.......... تحياتي وتقديري

95
‎الجهل والمدنية ..........

‎أن أكثر مايعرقل مسيرة الأنسان نحو آفاق الحياة المدنية هو الجهل والتمسك بالعادات القديمة وتقليد ماتعلمه من الآباء والأجداد في العيش بأكتفاء وقناعة دون التفكير والتطلع نحو المدنية في التعلم والأطلاع مالدى الشعوب من مدنية لخدمة البشرية , وأسباب الجهل كما هو معروف عند الآباء والأجداد هو عدم الرغبة في التعلم ولاتتوفر العوامل المساعدة للأنسان لكي يتعلم ويتنور ’ وأن آباءنا وأجدادنا لم يتمكنوا من التصرف في أتخاذ القرارات بحرية أكثر وذلك لجهالة المجتمع عامة والناتج من أنغلاق العقول والأنجراف وراء أفكار ومعتقدات خاطئة ورثوها عن اجدادهم  , ولهذا نقرأ بما عاشوا من حياة الركود وما كان هناك مايدعو الى السرعة لأنهم ليس لديهم  أهداف معينة يسعون اليها , وكان الرجال يجتمعون في بيت أحد الوجهاء لكي يصغوا الى قصص الخيال والمتعة وهم سعداء كأنهم سائرون في سبيل الخلود , ولهذا نرى أنهم ظلوا على العيش البدائي البسيط مادامت لهم قناعة العيش البسيط وكل ذلك يأتي من الجهل , لأنهم لايملكون أي تفكير بالمستقبل . وليس لديهم هاجس الخوف من القادم , وكانت قناعتهم في سلوكهم مما قام به آباؤهم وأجدادهم , وأنا أسمع من الآباء في الخمسينات من القرن الماضي حيث كان الناس لايحملون هم المعيشة والحياة بقدر توفر بما لديهم مما جمعوا من محاصيلهم الزراعية , أما جمع الأموال والثروة والتطلع نحو المدنية لم يخطر ببالهم , بل كانوا يعيشون في نعيم ولايقلقون ولايفكرون في المستقبل , لأنهم تعلموا أسس العيش البسيط والبدائي , ولهذا لم يتمكنوا من التفكير في التعلم والتطور نحو آفاق مستقبل أكثر أشراقا في العيش الكريم والتمتع بنعيم الحياة , وفي الخمسينات من القرن الماضي كانت مجتمعاتنا بدائية والتي كانت تؤمن بتقاليد الآباء والأجداد أيمانا قاطعا , وظلوا في جمود وركود ولم يستطيعوا أن يخطوا خطوات الى الأمام بسبب الجهل المستشري في نفوسهم , في الوقت الذي تحقق الدول المتقدمة مزيدا من التقدم والتألق لخدمة شعوبهم , وفي هذه الفترة من مدينتنا تفوق أحد الأبناء في التعليم واستطاع بجهوده الذاتية ونبوغه أن يقرأ ويجتهد وينجح بالرغم من عدم وجود من يوجهه , وبأصراره ومحاولاته الجادة استطاع  أن يكمل الدراسة المتوسطة في كركوك , ولأنه متفوق في دراسته تم أرساله الى بغداد لتكملة دراسته , وفي بغداد كان لايحمل في فكره أنه سيتعلم وسيكون له مركز وظيفي ومستقبل مشرق , بقدر ما سيدرس أكثر فأكثر ويتعلم , وليس في ذهنه تكوين المستقبل والعيش برفاهية و لأنه تعلم من الآباء والأجداد العيش البسيط والبدائي ثم الحمد لله والشكر , أما أصدقائه في منطقته كانوا يسخرون منه ويعلقون على ماذهب أليه صديقهم ’ دون أن يفكروا أو يتصوروا أن من يتعلم ويتفوق سوف يكون له مستقبل مشرق في العيش الرغيد والمدنية  , ولكونهم لم يذوقوا ولم يتعرفوا على الحياة المدنية , ولهذا لم يتصوروا ماذهب اليه صديقهم   ,
‎والطالب  تفوق كثيرا في دراسته في بغداد ومن ثم بعثوه الى أمريكا عن طريق باخرة تستغرق الرحلة مدة شهرين للوصول الى أمريكا لدراسة الزراعة لأن البلد كان في بداية النهوض الزراعي , وعندما وصل الخبر الى أصدقائه وأهل مدينته تألموا وحزنوا كثيرا بأن أبنهم ضاع وانتهى لأنه ذهب الى مدن الأنكليز والكفار , وياللأسف لقد أنتهى أبننا , وهكذا كان تفكيرهم ولم يتمكنوا أن يتصوروا ويدركوا أن أبنهم سوف يتعلم أسس الزراعة وكيفية تطويرها لحياة افضل ومعيشة راقية للبلد , وهكذا أنقطع أخبار أبنهم لأكثر من خمسة سنوات وفجأة ظهر المهندس ذو القيافة واللبس الراقي وانبهر أهل المنطقة لمظهر  أبنهم  وهم ادركوا بأن أبنهم تعلم الكثير في مجال تطوير الزراعة وأصبح موظفا كبيرا أسمه مهندس زراعي , ولكن كل هذا العلم والمعرفة لم يستفيدوا منه لأن الدولة اعتبرته  ثروة علمية وعلينا أن نستفيد منه في بغداد وليس في مدينته ولهذا تم تعينه مهندسا زراعيا وباحثا في بغداد ,وكان يزور مدينته بسيارته الخاصة في العطل الرسمية  لسنوات طويلة,
‎وأخذ التعليم والتطور يظهر في المنطقة بشكل بسيط  , والناس يتحدثون فيما بينهم عن المهندس الزراعي وعن المدينة التي يعيش فيها ’ وفي الستينات من القرن الماضي وبعد ظهور نوع من الوعي التعليمي والثقافي البسيط وأخذ الناس يدركون أهمية التعليم ليس لقراءة القرآن الكريم والأدعية فقط وأنما للعيش السعيد والدخول الى عالم المدنية ,
‎وفي هذه الفترة تفوق أحد الطلاب في الدراسة وأكمل الخامس الأعدادي وكانت فرحة كبيرة لأهل المنطقة بأن ابن فلان أكمل الخامس الأعدادي , والفرحة الأكبر عندما علموا أن أسمه ظهر في دراسة كلية الحقوق والقانون في جامعة البصرة وحسب المعدل , وبدأت الفرحة والسعادة فيما بينهم بأن أحد أبنائهم سيدرس الحقوق في مدينة البصرة وسيكون محاميا كبيرا أو قاضيا يحكم بالعدل في المنطقة ولكن لم تكتمل الفرحة عندما علموا بأنهم لايملكون ثمن سفر أبنهم الى البصرة فكيف بالدراسة لمدة أربع سنوات , حيث أصيبوا بالخيبة والأحباط لعدم تمكن أبنهم من دراسة الحقوق , وهنا نرجع الى الجهل والتفكير البدائي البسيط لم يتح لمجتمعنا العيش والتفكير نحو آفاق التطور والتقدم والمدنية , وعليه يجب علينا أن نعرف بأن العلم يمنح المعارف والقيم التي تساعدنا على البروز في شتى المجالات ..
والسلام


96
القراءة ..........

أنا لم أتمكن أن أقرأ من الكتب كثيرا في مراحل شبابي , ولكن قرأنا من الكتب مااستطعنا وكان هناك من الشباب ومن الأصدقاء والمعارف كانوا يقرأون ويأكلون الكتاب تلو الكتاب , وكانت لهم من شهية القراءة والأطلاع الكثير , وخصوصا الفترة التي عشناها ونحن شباب في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي , وكانت تلك الفترة مزدهرة ثقافيا وبمعنى الكلمة حيث كانت المكتبات المختصة ببيع الكتب والمجلات منتشرة في كل منطقة من كركوك , ونحن في داقوق نشتري الكتب والمجلات من محل لبيع القرطاسية ومستلزمات المدرسة الى جانب بيعه الكتب والمجلات والجرائد والكراسات البسيطة , وكنا ننتظر بشوق بالغ اليوم الموعود لوصول المجلة أو الجريدة المفضلة , وفي زمننا أزدهرت طباعة المجلات في أوروبا مثل فرنسا وأنكلترا , حيث كانت الطباعة راقية والصور المدهشة لكل حدث وكل عمل فني أضافة الى نشر أخبار الفنانين  والفنانات العرب , والحقيقة أنا لم أقرأ كتب كثيرة مقارنة مع بعض أصدقائي الذين كانوا يقرأون كثيرا , فكان لي التزامات وواجبات في مساعدة والدي في مجالات كثيرة وكان لوالدي سيارة وقد كنت أساعد وأسهل لأهل مدينتي أمور النقل بزيارة الأئمة الموجودين حول مدينتي داقوق , إضافة لكون والدي رسام وأصبح بعد ذلك مصور فوتوغرافي حيث أسس ستوديو للتصوير في داقوق منذ بداية الستينات من القرن الماضي , ولأنشغالي مع والدي ومساعدته في تدبير معيشتنا وكنت في النهار في المدرسة المتوسطة والثانوية أضافة الى عملي في الأستوديو والسياقة , أذن كانت الفرصة المتاحة لي من الوقت قليلة قياسا بأقراني من الأصدقاء , ومع ذلك أشكر الله وأحمده بأني واصلت القراءة من الصحف والمجلات الى يومنا هذا , وبذلك أرى نفسي في الفترة الأخيرة أنشط من أصدقائي وقد أكون الوحيد المستمر في مجال المتابعة الثقافية ومتابعة  المجلات والصحف وعندما أتأمل ماقرأنا ودرسنا وناقشنا في مجال الكتب والثقافة بشكل عام  أرى والحمدلله أصبح لي شأن ومركز أجتماعي وثقافي في المجتمع , واصبحنا قادرين لمناقشة ومشاركة الاصدقاء المثقفين في كثير من الامور الثقافية والامور العامة ولو بمستوى ثقافي معين , ولي لقاءات وعلاقات متميزة في المجتمع .
و الثقافة هي توجيه لصقل ذهن الأنسان نحو الرقي والكمال والحس الأدبي والثقافي  , ويظهر هذا جليا عندما تناقش من هو مثقف ومطلع بأمور ثقافية  وتعليمية كثيرة , الثقافة تعتبر غذاء الروح ونحن حاولنا أن تكون غذائنا الروحي المتكامل والمتماسك مع مرور الزمن لكي نتواصل ونتابع كل الفعاليات الثقافية والفنية والأدبية وذلك حسب مستوى تصورنا وثقافتنا ,والمثقف يلتقي مع الطبقة المثقفة , وبذلك يحصل الكثير من النقاشات والحوارات الأدبية والثقافية مما يغني الأنسان علمه وثقافته أكثر فأكثر هي نتيجة الأحتكاك والنقاش الثقافي .......

                                                                                                                         رضوان رضا شيخلر

97
راحة البال ......

راحة البال والشعور بالراحة والسكينة تمني كل انسان . عندما نتأمل قليلا في الدنيا ندرك ان الأنسان في دار ابتلاء . لأنك ستحزن وتقلق ويخيفك الزمان وظلم الأنسان لأخيه . مما قد تفقد ماكنت تمتلكه من مال وصحة وجاه . والأنسان منذ الأزل يعمل ويكافح ويجابه الكثير من المشاكل والظروف الصعبة من أجل البقاء والعيش المطمئن . وعليه أن يعمل ويفكر مع نفسه في كل عمل يقوم به ويصادفه ثم أتخاذ قرارات صائبة مدروسة . في مجال عملي كنت دائما أفكر مع نفسي بأن لي عائلة وليس لي راتب حكومي وعليه التفكير بمصدر رزق ثابت لكي أطمئن للمستقبل خاصة وأننا في بلد كثير المشاكل والويلات . وبالرغم من أستحقاقي التعيين كموظف حكومي لأني خريج في الزمن الجميل حيث كان التعيين مركزيا لنا . ولكن كما قلت الويلات والحروب والخدمة العسكرية الطويلة ووجود معدومين من أقاربي لأنهم كانوا معارضين للنظام في ذلك الزمن وبذلك حرمنا من الكثير من الأمتيازات . وهكذا لم أتمكن من التعيين . وبدأت في عملي ومهنتي التصوير الفوتوغرافي ليكون مصدر رزقنا . ولكن مع ذلك يبقى الأنسان قلقا وغير مطمئن لأن المهنة الحرة وبالرغم من أجادتي بشكل جيد ومع ذلك هناك ظروف أقوى وأصعب مما قد لايمكنك العمل وكسب الرزق . وفعلا حصلت كثير من الظروف الصعبة والتي منعتنا من العمل , منها الحروب التي خاضها العراق وحصل كثير منا أن ترك كل مايملك وهرب خارجا من بطش النظام والحرب الدائرة والخوف الدائم من المستقبل . وبالرغم من كل هذه الظروف الصعبة فكرت أن أوفر مبلغا معينا من المال لكي أبني في المستقبل بيت سكن لنا . والحمدلله تم توفير مانستطيع توفيره لبناء البيت , أضافة الى بناء عدد من الشقق السكنية للأيجار وذلك لضمان مستقبلنا كوارد شهري يحمينا عندما نتمكن من العمل بسبب الظروف الصعبة في البلد ,أضافة الى قدر الزمان من مشاكل وأمراض ومصاريف آنية غير منظورة . لأن الأطمئنان الى الوارد الشهري كنت أراه واجبا وضروريا ، عليه والحمدلله أصبحت مطمئنا ولكن الحقيقة غير ذلك , الأنسان عندما يملك عددا من الشقق أو بناية معينة كضمان شهري مستقبلي يقع في مشاكل وهموم ما لا يخطر بباله , حيث يقع في التفكير لكثير من الأمور لم تكن تخطر بالبال قبلا وأنني لم أذق طعم ولذة أمتلاك الشقق حيث أن كثيرا من المؤجرين لايكونون صادقين , وحصل معي كثير ممن سكنوا في الشقق عدة أشهر فأذا هم غير موجودين وبدون أن يدفعوا الأيجار حتى لم يدفعوا فواتير الماء والكهرباء بل حتى ثمن أمبيرات المولدات الأهلية . أضافة الى أستهلاك البناية وتقادمها حيث أني وصلت لمرحلة في زمن عشرسنوات أصبحت مطلوبا للدولة ثمن الكهرباء والماء والضريبة لكل هذه السنوات , وصاحب البناية أو الشقق المؤجرة يكون مهموم وغير مطمئن وخائف عليها من أن قد تحدث مشاكل ومنازعات بين المؤجرين وبالتالي صاحب البناية يدخل في المساءلة مع المؤجرين والجهات المسئولة في المنطقة أضافة أن المؤجر أذا ظهرت عليه أوليات أو له مشاكل سابقة ,  وقد يحدث حريق في البناية من سوء الأستخدام ويكون صاحب البناية هو المسئول لأنه لم يوفر وسائل أمان أو وسائل وقاية من الحالات الطارئة ,ولهذا ولكي أكون مرتاح البال وأنهي طلبات الضريبة والكهرباء ومشاكل المؤجرين التي لاتعد ولاتحصى , عرضت الشقق للبيع وبأي ثمن لكي أنهي معاناتي ومشاكلي مع المؤجرين بنفسياتهم وسلوكهم الغير الحضاري ودون شعورهم بواجب دفع الأيجار والأهتمام بالبناية ودفع فواتير الماء والكهرباء وحتى ثمن الأمبيرات للمولدات الأهلية , وهكذا بعت البناية دون أن أستفيد من ثمنها لأني أصبحت كأني أنا المستأجر وعلي كل هذه الألتزامات . بالرغم من ألتزامي بعدم تأجير الشقق لمن لاراتب حكومي رسمي له من الدولة ظنا مني بأنه يستلم راتبه ويكون ملتزما وسوف يوفي بواجباته تجاهنا .
ومع كل ذلك علينا ان نقر ان
لا فرحه لمن لاهم له ، ولا لذة لمن لا صبر له . ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له
والسلام

                                                                                         رضوان رضا شيخلر

98
السرقات الادبية، متى تنتهي؟
ابراهيم قوريالى/ كركوك.
للأسف الشديد ظهرت هذه العادة المقيتة مع بداية الإبداعات الأدبية في كافة صنوفها وظلت متلازمة لها وكأنها شقيقتها التؤام ولا تنتهي مطلقاً، بالطبع لا نقصد هنا موضوع (توارد الخواطر) فهو واقع وحقيقي واتفق عليه كبار علماء علم النفس والأدباء والشعراء أنفسهم ايضاً.
من المعمول فيه انْ يتَّبع السارق ثلاثة طرق كلاسيكية وحديثة للإستحواذ على ابداعات الآخرين من النص الشعري او المقالة او غيرها وهي:
١- النسخ، يقوم باستنساخ ما كتبه غيره بالكمال والتمام ويفعله دون خجل ووجل ويمارسه بكل حرية دون واعز من ضميره الميت اصلاً، ليضيف على بداية او نهاية النص اسمه المسخ ويفتخر به هنا وهناك وعند مواجهته يقاومك بكل شراسة وعنجهية ويجعلك تندم على مصارحتك له وكل هذا متاح له طالما لا نملك رادعاً قانونياً قوياً يحاسبه ويوقفه عند حده ويفضحه أمام الملاءِ وأمام الأدباء والشعراء ويعتبر هذا السارق من اشد السرّاق الموجودين في ساحة الادب.
٢- الاختلاس، يحاول بطرقه الخبيثة الاستحواذ على فكرتك الشعرية واختلاسه قبل ان تشرع بالكتابة ليسبقك بالنص الشعري الرائع الذي وضعتَ انت بذرته الأولى، والحل يكمن بعدم طرح فكرة أية قصيدة او موضوع أدبي أمام المشبوهين والمعروفين في هذا الحقل المهين.
٣- السلخ، بعد كتابتك قصيدة رائعة يحاول السارق جَهد إيمانه انْ يسلخ منها بعضاً من الافكار والكلمات والأوزان والقوافيّ الرائعة والحديثة (طبعاً لافتقاره هذه المفردات) ليقوم بتنظيم قصيدة او غيرها من خلال تلك المسروقات القيّمة ويصعب مواجهته لانه حتماً سيقابلك بمقولته الشهيرة( هذه الكلمات ليست ملكك وحدك).
ليس أمامنا سوى ان نقول لهم ( اتقوا الله في محتويات الآخرين المعنوية وغادروا هذه الساحة التي لا تليق بكم او اعتمدوا على انفسكم والسرقة مهما كانت نوعها حرام).

99
(( أستريحوا )) وبمعنى ( تفضلوا) لمن يقرأ وهو ليس من اهل الشرقاط مع فائق الأحترام والتقدير  .. هذه الكلمة المتداوله في الشرقاط وبشكل مفرط لم تأتي من عبث وإنما لها جذورها الأشوريه وهي نابعه من الكرم وحب استقبال الضيف وللحقيقه انا لم اسمع هذه الكلمه وتداولها بهذه الكثره إلا في الشرقاط ( مع العلم اني تجولت في كل محافظات العراق والعراق كل اهله كرماء ولكن على درجات ) تتمتع الشرقاط بالدرجه الأولى بهذا الكرم صراحتا  . عندما كنت طالب في معهد الاتصالات في بغداد واذهب لزيارة الأهل والوالده بشكل خاص رحمها الله في الشرقاط يرافقني احيانا بعض الأصدقاء من بغداد ومن محافظات اخرى لقضاء يومي الخميس والجمعه معي في الشرقاط ليتعرفو على مسقط رأسي كما كنت اذهب معهم ايضا  . وطبعا كنا نتجول في السوق وعلى السده الحبيبه وخاصه وقت العصر للتمتع بنسيم نهر دجله ورائحة أشجار بستان الشيوخ الزكيه . وكالعاده كلما التقينا بمجموعه او بشخص في طريقنا نبادر بالسلام والتحيه فيكون الجواب  ( وعليكم السلام . استريحوا ) فكان اصدقائي يستغربون من هذه الكلمه المتكرره ويسألوني . أين نستريح في الشارع ؟؟ أجبتهم كلا فإذا قبلتم الدعوه نذهب معه الى البيت . فلاحظت فيهم استغراب أو شك لما اقول . فقررت أن أثبت لهم مصداقيتنا فيما نقول وما أن قابلنا احد الأصدقاء وبعد السلام وكلمت ( استريحوا) قلت له يالله نستريح عندك حتى ذهل اصدقائي وضيوفي وقالو الى اين ؟ ايعقل ان نذهب الى بيته دون سابق انذار !! قلت نعم هذه عاداتنا  وذهبنا معه الى البيت وكان الترحيب من اهله وكل من في البيت اكثر من ما متوقع فالكل ينادي( الله حيهم) وجلسنا في حديقة المنزل وحصلنا على نصيبنا من كرم الضيافه . طبعا كان الوقت عصرا ومع ذلك اصر على بقائنا الى موعد العشاء ولكني اعتذرت منه وان إجازتي قصيره والوالده مجهزه العشاء الذي احبه لي ولضيوفي ولانريد أن نزعلها وبعد الحاح واعتذار الى ابعد الحدود استطعت ان انفذ من هذه الدعوه . خرجنا وسألتهم مارأيكم ؟ كان الجواب . لم نرى مثل هذا في حياتنا  .. قلت لكي تعلموا  أن هذه الكلمه لا تلفظ عبثا في الشرقاط ولتعلموا ايضا أن صديقي انزعج اكثر من خروجنا لأنكم ضيوف وأول مره تدخلون بيته وكيف تخرجون دون عشاء أو غداء . . نعم إنها منبع الكرم وحسن الضيافه وهذا شرف لنا .اللهم احفظ اهلنا وأحبتنا في الشرقاط واجمعنا بهم على الخير والبركه

100
من الماضي البعيد....ذكريات....مركونه.......
في خمسينات القرن الماضي...كان الوادي الاخضر(الجرناف) البديع للغايه..بجمال طبيعته الخضراء الوارفه..والذي يغفو بطمأنينة وهدوء...وفخامه..على نهر دجلة الخالد....
وكان خاليا من كل ظواهر الحياة المدنية..الا من ثلاث وهي ( محطة القطار...مدرسة الجرناف الابتدائيه...والبمب ستيشن الذي يضخ الماء الصافي من النهر الى محطة قطار الجرناف ) ...اضافة الى مضخات الري العائدة الى عائلة ( الياور) ....وكانت محطة القطار ومعلمها الكبير عن بعد..هو خزان المياه الضخم العالي ونسميه (الجدر) او (الصينيه) التي تطلق على المحطه برمتها احيانا كثيره فنقول...الصينيه..بدلا من المحطه...اضافة الى معلمها الكبير الاخر..وهو مسقفات المخازن ( أسطور) عن كلمة (ستور ) باللغة الانكليزيه...كانت هذه هي المعالم الحضارية الوحيده...التي نراها عن بعد...اضافة..لمرور القطارات بأنتظام وعبور السيارات القليلة المختلفه ..بين بغداد والموصل حيث كان الطريق الدولي والوطني..يمر من وادينا الاخضر الجميل...وكنا حين نلهو ونلعب كأطفال..ونقترب من بنايات المحطه...وحدائقها الغناء...نشعر بالخوف والرهبه ونتردد من لمس اي شئ فيها..وان اقتربنا لشرب الماء الصافي من احدى الانابيب المتدفقه لأرواء هذه الحدائق..تقدمنا بما يشبه الخلسه...فنشرب سريعا..ونفر هاربين كالطيور...رغم عدم وجود احد يمنعنا..او ينهرنا وينهانا..ولكنه خوف الطفولة..من مجهول..لاوجود له...وعمق وعظمة الادب والتربية التي نشأنا عليها...كان المكان..بحدائقه وبناياته..واواوينه..وهندسته الرائعه..ونظافته المفرط بها..تثير الدهشة والاعجاب في عين الناظر اليها..انها تبدو كقصور امبراطوريه ..وقيصريه..مثل تلك التي يحدثنا عنها الكبار في الاساطير ( الخروفات ) ونتخيل بعقولنا الصغيرة الناعمه...ان كل اسرار الدنيا...تقبع خلف هذه الجدران والشبابيك والابواب الانيقة المغلقه..وفي احضان هذه الحدائق الفارهة..فخامة مجهول..لانعرف سره...وعظمته....
وجاءت..لحظة ولوج اسرار هذا المكان...رسميا..وبدون خشية من خطر او مانع مجهول..ففي عام 1956 سجلت في المدرسة الابتدائية ..الواقعة داخل هذه الاسوار التي كنت اهابها واخشى كل مجهول فيها...وكان مديرها ومعلمها الوحيد انذاك المرحوم ..الاستاذ ( حسن طه القصاب) وبدأت الدراسه..وتقاليدها اللذيذة الجميله..توزيع الكتب والاقلام..وعلبة الهندسه ( الرويال) والمساحات والمساطر وبدأنا...حياة مفصلية من العمر..لا نحلم فيها..حتى..وبدأت فاصلة ( التغذية المدرسية) المثيرة والمدهشة لنا جميعا...وبدأت حياة..وتقاليد جديدة..عليا..يوميا..كوبا من الحليب ...والباقلاء..او الحمص..وتفاحة..او برتقاله...ياالهي ما هذا النعيم..ماهذه الحياة التي هبطت علينا..دون عناء او حتى تصور..وتفكير..بها..انها...حلم نعيشه..كحقيقه...وانشغلنا بالدراسه...اصطفاف صباحي..قراءة النشيد الملكي ( مليكنا..مليكنا..نفديك بالارواح...عش سالما عش غانما بوجهك الوضاح ) ...وندخل الصفوف...وابدأ مستغرقا بالنظر..والتأمل حد التيهان..اسرح متفرسا بصورة الملك فيصل الثاني على يمين السبوره..والوصي عبد الاله على يسارها...واتساءل مع نفسي..اهذا هو الملك؟ اين يعيش كيف يأكل..كيف ينام...وهل هو بشر...مثلنا؟ ثم ادقق بملابسه..ونياشينه..ورتبه..والسنابل الملكية التي تطرز قيافته الملكية الباهره...فأعود الى رشدي على نداء المعلم للانتباه..فأركز عليه..واصاب بدهشة اخرى ويسرح ذهني معه اتمثل هيئته الوسيمه..وطوله الفارع..واناقته المفرطه ونظافة وفخامة كل شئ فيه..وكلامه ولغته..وصوته الابوي التربوي الرخيم..وهو ينادينا..اولادي...!!! تتدافع ايات العجب..والدهشه الى كل خواطري الطفوليه..واتساءل مع نفسي..اين نحن...واجيب نفسي..لقد اصبحنا في عالم جديد ...تماما...انظر الى ملابس المعلم..ببدلته الانگليزية الراقيه..فأتيه في الحيرة والتعجب...بدله من ثلاث قطع راقيه..البنطال واليلك..وستره سراوين..مزرره وفارهه..وقميص ابيض كالثلج..وربطة عنق مع مقص مثبت...وطفل ينظر الى عالم لا يعرف عنه شيئا..كانت هيأة ذلك المعلم نموذج مثالي...للكاريزما الكلاسيكية في عقد الاربعينات والخمسينات من ذلك القرن الماضي..وكان كأنه دبلوماسي عريق..او عضو في مجلس اللوردات البريطاني....
بعد ايام قليله...جاء افندي اخر يمسك بيد طفلة صغيره ودخل الصف..وصافح المعلم وناداه بأسمه بشكل اوحى الي انهم اصدقاء..تبين لاحقا انه مدير محطة القطار وقال هذه بنتي (ولاء) سجلها في الاول الابتدائي..حتى لا تفوتها فرصة التعليم..مادمنا هنا...رحب به وقال للطفله..اين تحبين الجلوس؟ فراحت تدور برأسها تفتش عن المكان الافضل لها وهي مخيرة بدلال..وكنت انا في الرحلة الامامية جنب الحائط..فوقع نظرها علي وجاءتني متسائلة: انت ما اسمك؟ قلت لها مندهشا..اسمي سالم...قالت اجلس مع سالم..فطلب المعلم من التلميذ الذي يشاركني الرحله الانتقال الى رحلة اخرى..وترك المكان الى (ولاء جبر) بنت مدير المحطه...المدلله...كانت طفلة جميلة وودودة وكريمة معي..وصارت تجلب لي معها من البيت بعض الكعك والحلويات..والبوستات والرسوم والصور الجميله..وتبين لاحقا ان ابيها رساما بارعا..ويقيم المعارض الفنيه للوحاته..موسميا...ثم صارت ولاء تصطحبني معها احيانا الى البيت بأصرار..والحاح..رغم حرجي الكبير..لأني لا اجيد مجاملتهم نهائيا..فهم حضر ومدنيه..وانا ريفي طليق الحياة اعيشها على الفطرة..وحر من كل قيد..او اتكيت..او لياقة ولباقة في التعاطي في الحياة المدنيه..وتناولت معها الطعام في بيتهم اكثر من مره على مضض لالحاهها..ولا اتذكر طعمه..حتى الان..لأنه كان بلا رغبة حقيقية مني لخجلي من والدتها واهلها..وعدم مألوفية نمط حياتهم بالنسبة لي...مضت ايام من الدراسه...وذات يوم اخذنا المدير جميعا تلاميذ الصف الاول للمحطه...ننتظر وصول القطار وعند وصوله..وتوقفه..طلب منا تنزيل اكياس كثيره من احدى العربات كانت برفقة عريف في القوة الجوية العراقيه..تبين انه شقيق مدير المدرسه..وانزلنا الاكياس..وطلب منا..وضعها في حدائق المدرسه..وطلب فتحها..ففعلنا وظهر انها..ملابس عسكريه مستعمله (باله) لا تزال على بعضها الرتب..والشارات العسكريه المختلفه..طلب المدير ان يخرج التلاميذ من كل الصفوف..ويختار كل واحد منا القمصله والبنطلون الذي يناسبه...وتحركنا بشئ من التدافع الممزوج بالفرح والشغف..فنحن نريد اي شئ تقدمه لنا مدرستنا..والجو بارد جدا وشتوي..فحاول الجميع..ولم نفلح بالحصول على مايلائمنا..فكلها بدلات طويله وواسعه وكبيره..ونحن صغار جدا...عدا البعض وهم بعدد الاصابع كانوا كبارا في العمر من تلاميذ الرابع والخامس والسادس...فقد عثروا على ما يلائمهم...فقال المدير..كل واحد يأخذ بدله حتى اذا كانت كبيرة عليه ( يقرمها) بما يناسبه ولا ادري ان كان حينها يعرف اولايدري ان لاوجود لخياط يتولى ذلك..المهم كان هدفه ان نتدفأ من البرد الشديد  وظهر ان هذه الملابس قد حصل عليها بجهود شخصيه ضمن نشاط الجمعيات الخيريه وخطوة ( مؤونة الشتاء) الدارجه انذاك..وان هذه الملابس كانت تعود لجنود انكليز من الاسراب الجوية الملكيه البريطانيه التي ساهمت في الحرب العالمية الثانيه..ومسلمه للجمعيات الخيريه لتوزيعها على المنظمات الانسانيه في العالم للاستفادة منها في الدول الفقيرة والمتخلفه...وهكذا وصلت الينا....لم نستفد منها...لعدم القدرة على (تقريمها) وصارت من نصيب اهلنا الكبار...تدفأوا بها..واستخدموها في العمل..وبقينا نراها على اكتاف الكثيرين وهم يعملون في الزراعه ..الحراثة والري...وقسم منها كتافياتها متدلية على الاكتاف لفقدان ازرتها..ولم تختفي عن اكتافهم الى نهاية الستينات تقريبا  وتجدر الاشاره..ان شقيق المدير الذي جلب هذه الملابس في ذلك التاريخ...جمعتني به صدفة عابرة وجميله في بغداد...بعد عشرين عاما من ذلك التاريخ...وعرفته وذكرته بالقصة...فتذكرها...جيدا...وعرفت من بعض الاصدقاء ان معلمنا ومديرنا طيب الذكر...قد توفي منتصف التسعينات...رحمه الله وطيب ثراه...واسكنه فسيح جناته لله دره من مربي عظيم...ورجل كريم..تتجلى فيه..الانسانيه....
ليس هذا كل شئ...ولاتزال ذاكرتي معلقة بمحطة قطار الجرناف الحبيبه...وكلما مررت من جنبها..وشاهدت اثرها اعتصرني الالم..والشوق لذكراها...وتذكرت فيروز الرائعه في اغنيتها التي تعذبني (ياجارة الوادي....) انها اقدار....

101
قصص قصيرة جدا...
*طفل...

*الطفل يمضي كل وقته في اللعب بالهاتف المحمول ، حجبوا الهاتف عنه،تصدعت أركان المنزل .
*بضاعة ...
*قتله ألم البعد والإغتراب وسوء المعاملة، إشترى بضاعتهم  الكاسدة فأصبح جزءا منهم.
*محاسن...

*تواصلها مع زملائها، ومحاسنها  المفرطة عليهم، حط من قدرها...
فهد عنتر الدوخي
11/4/2020

102
من الماضي البعيد.....ورطه...في هذه...الاثناء.....
في خمسينات القرن الماضي...كانت تنتشر الكثير من الالعاب..والهوايات..بين الصغار والكبار...لقلة العمل..ومحدودية العيش..وقلة المؤثرات..والحوافز...وفقدان رؤية افق الطموح..والمثابره..بسبب الجهل والتخلف..مما يؤدي الى ثبات..واستقرار الحياة..عند حدود نمط بسيط للعيش والعمل...ممايؤدي الى حالة من الميل الشديد..للهو..واللعب وفق ماهو متاح...من ادواتها...ومجالاتها...
ومن هذه الالعاب التي كانت سائده انذاك هي ( اچعاب) وهي هواية جمع لها واكتناز...ولعب فيها يقتضي ربحها او خسارتها..حسب نوع وظرف كل طريقة للعب لوجود عدة العاب فيها مثل (ارمه...عنيش..عنيه)...وقد برعت انا وعدد من ابناء جيلي بهذه اللعبه والهوايه..علما كان يلعبها الكبار والصغار على حد سواء..ولكن كل على حده ..اي لايلعب الكبار مع الصغار...كان عندي خزين كبير منها كسبته باللعب...وتعرف القريه..ان هناك خزين كبير جدا لدى الاخ العزيز (محمد الحماده) ابن المرحومه الحاجه (دبيه الصحن) حصل عليها بطريقة الجمع المستمر والمتواصل ونعرف انه لا يلعب من خساره ابدا...وانه قام ب(وسمها) بعلامه خاصه مميزه كي يتعرف عليها في حالة فقدانها لكي يستردها (عنوة) اذا تعرف عليها وشاهدها في الملاعب المعروفة يومذاك...وكانت احدى ملاعبنا المفضله والواسعه والامنه يومها..هي (الفسحة الغربيه) للقريه..والتي كان فيها عدد قليل جدا من البيوت( وهم..السيد محمود...وعمامي المحمد الحمادي...والمحمود العبدالله الحجاجي...والملا علي الحسين...وخوالي الغضيب الحسن البطاوي....والحمادة الاحمد (ادبيات) والعلي البطاوي..وفضيل الخليف ..رحمهم الله جميعا)....
وذات...يوم نيساني جميل..ذهبنا انا وابن عمي المرحوم (محمد موسى العلي الفتيح) الذي كنا لا نفترق عن بعضنا الا نادرا جدا...ذهبنا الى ملاعب الفسحه..نبحث عمن يلعب معنا...وعادة لا احمل معي الا عددا قليلا من الچعاب لأنني لا اخسر الا نادرا جدا..وكنت بارعا ومحظوظا بهذه اللعبه..ودائما اخرج..ببضعة منها..واعود بعدد وفير اضيفه الى خزينتي (العامره) التي كنت اتباهى بها امام اقراني من الاولاد الصغار...وصلنا لملاعب الفسحه..ولم نجد احدا فيها..يلاعبنا...جلسنا ندردش ونضحك..وبعد قليل وصل الينا..اخينا...محمد الحماده...وعلى غير عادته..قال...هل تلعبون؟...قلنا له..نعم...اخرج كل منا وحداته..وباشرنا اللعب بلعبة (ارمه) وهي سهلة..وسريعة الربح...والخساره..وهي تتوقف على الحظ اكثر منها على فن اللعب....
وبدأت المباراة والمنازله...المثيره...غلبته وخسر مامعه منها...انفعل وقال..لن تغادروا..سأذهب للبيت واجلب معي عددا اخر لنلعب...فرحنا وقلنا له..اذهب..نحن بأنتظارك..
ذهب وعاد ومعه كمية كبيرة من الچعاب الطازجه التي لم يمسها هواء..ويرافقه هذه المره اخيه الاكبر منه ابراهيم الحماده( ابو مجيد) اطال الله في عمره ...عدنا الى اللعب بنفس اللعبة والوتيره...فخسر محمد الحماده..كل ماجلبه من الچعاب...فسيطر عليه الحنق..والغضب الشديد..فقال.. لن تغادرون..سأذهب للبيت واجلب المزيد...انتظروني..وقال لأخيه ابراهيم..لاتسمح لهم بالمغادرة حتى اعود..ووعده ابراهيم خيرا...جدير بالذكر..ان ابو مجيد كان اكبر منا ويحمل بيده عصى مخيفه..وراح يتمثلها..ويتفحصها ويرمينا بنظرات تنم عن شر مستطير...ووعيد لا تحمد عقباه ان مجرد..فكرنا بالهروب..الى اهلنا بهذا الفوز الكبير....
جاء محمد هذه المره...وصعقنا بالمفاجأه..جلب معه ظرفا  كاملا من (القرع الجبالي) كان يفرغ داخله..ويجفف بعنايه فيصبح ظرفا او قارورة لحفظ الاشياء العزيزه..ويبدو انه يمتلك العديد منها لخزن (دولته) من الچعاب...افرغ امامنا ظرفا كاملا بتحدي وكان معه اخيه المرحوم (احمد) وقال هيا..الى اللعب...اليوم لعب للصبح(كانت الدنيا ضحى) ..والله ماتروحون..الى ان استرد ماخسرته...عندها فقط...ادركت اننا اصبحنا...في ورطه...ووضع لا نحسد عليه رغم اننا الرابحون...فقد قرأت..ماوراء الاكمه...بدأنا اللعب فخسر كل (ظرف القرع) سريعا...بدأ يرتجف ويستشيط غيضا...وغضبا...لن تذهبوا..انتظروا...سأذهب للبيت واعود...لا تفرحوا..سأسترد ماخسرته...لامحاله...لا تسمحوا لهم بالذهاب..مخاطبا اخوانه بحزم..ولهجة امريه..فقد كانوا لايردون له كلمه..ويينفذون مايريد..وكأنه اكبرهم...رغم انه هو الاصغر...ولكنه مدلل امه...وهم يهابونها ويخافون منها...بشده...فبدأوا يلوحون لنا بالعصي الغليظة والكبيرة المخيفه...لا ذهاب...ولا مغادره...وبدأت تتطور الورطة الكبرى..وتتعقد...وهم ينظرون بلوعة واسى الى اكوام ماربحناه..من چعاب اخيهم..وهي مكدسة في جيوبنا..واذيال ثيابنا التي اعياها الاحتواء....بعد قليل عاد محمد وهو يحمل ظرفين..من الچعاب..ويرافقه هذه المره اخيه الاكبر فرحان رحمه الله وبيده ( توثية غرب) نستعيذ بالله من شكلها...(ملعوكه) ...ضربة واحده منها...تكفي لحل اية معضلة..او مشكله..او فض اي نزاع...وبيد قوية...لاترحم....اذن ...اجتمعت العائلة علينا برمتها...ولم يتبقى سوى خالتي الحاجه ( دبيه الصحن) رحمها الله...وعرفت ان ما ربحناه..او سنربحه...ضاع هباءا...فقد كبرت اللعبه...وتعدت الخساره..خط القبول بها من طرف الخاسر....لانها تعدت حدود النسبيه في خسارة اية لعبه...ونحن محاطون بقوة لا تتيح لنا...فرصة الهروب...بما كسبنا...بدأت تدابير الحلتتقاطر..وتتوارد الى ذهني..للخروج من هذه الورطة الكبيره...سالمين منها مع قليل من الربح...وبدأت اقنع نفسي بتدبيرها...والقبول بها...عرف ابن عمي قلقي وما افكر به فهمست في اذنه قائلا...خذ كميه من الچعاب التي ربحناها وتسرب بخلسة وهدوء...وابتعد عني..وقل لي من بعيد ان اهلك الان يسألون عنك...ولا تستطيع التأخر اكثر من ذلك...وانتظرني عند علي الجبوري رحمه الله( علي الجبوري كان رجلا من القريه والعشيره..اصيب بالجذام وفقد بصره...وشوه وجهه فغطى رأسه كاملا بقناع لايرى من رأسه اي شئ..وكان يجيد الانكليزيه بطلاقه لأنه كان يعمل في احد منشأتهم عندما اصيب بهذا المرض..فعاد الى ديرته وقريته...وبنى له اهله سكن صغير جدا مجاور الى دار المرحومه الحاجه ( صبحه العبد) رحمها الله..وكان محورا لكل تجمعات اللعب بأنواعه...لعدم وجود اي حرج عنده لعدم وجود عائلة لديه..ويسكن بمفرده...) وقلت سأتيك الى هناك...فعلها ابن عمي محمد رحمه الله...فنادوه من بعيد....هل اخذت شيئا من چعابنه معاك؟ فرفع يديه من بعيد...قائلا...تعالوا...فتشوني...فصدقوه...واذنوا له بالانصراف...بدأت العب معهم ..بكل عبثية..ولامبالاة..راغبا ان يستردوا ماكسبته منهم..بل مستعجل عليه...وراح اللعب يدور...بلا اي حماس ورغبة مني...وهم في اشد حالات الحماس والنشوه..وهم يرون اللعب صار يجري لصالح استرداد خسارتهم...انتهى اللعب بأسترداد اخر چعب لهم عندي وتجدر الاشاره ان جميع چعابهم مصبوغه باللون البني الغامق..ونسميه صبغ ( عروگ) للتعرف عليها بسهولة اذا فقدت...نهضنا...وفتشوني خشية ان اكون قد اخفيت قسما مما كسبته في جيوبي...ولم يشاهدوا..غير چعابي المختلفة بوضوح...عن چعابهم المعرفه...اعادوا تعبئة الچعاب في اواني وظروف القرع دون تدقيق وحساب...فهي كثيرة جدا وبالمئات..وانا اتحسر عليها...فقد كانت لي قبل قليل وكسبتها بجدارة...واعدتها لهم قسرا وحياء..ودفعا للمشاكل...فأنا بطبعي لا اميل للمشاكل والمناكفه بكل اشكالها.....تركتهم وتبعت ابن عمي محمد عند علي الجبوري لألحق ببقية ماظفرنا به من المكسب...وصلت اليه ووجدته يضحك فرحا...فقد كان عددها 45 چعب...ففرحت كثيرا ولكن خطرت ببالي مسألة اخرى...كيف نتخلص من لونها الموسومة به؟ فسألت علي الجبوري...هل لديك صبغ جوهر ؟ اجابني...نعم...اخذت عقدا من الجوهر..واذبته بالماء في علبة متروكة فارغه...ووضعت كل الچعاب التي كسبتها فيه...ونشرتها على حرارة الشمس لمدة نصف ساعه وجفت تماما...وتقاسمناها..انا والمرحوم..ابن عمي ابو رياض...بعد ان اطمأنينا انها لم يعد ممكنا التعرف عليها...
وعلى مدى الوقت...راح محمد الحماده يتنقل بين اماكن اللعب...ويدقق جيدا بكل چعب...وعلى مايبدو انه ادرك ان هناك نقصا في خزينته ولم يستعيد كل ماخسره في اللعب معنا...راح يتابعنا في الملاعب وكلما تعرف على واحدة منها...خطفها صائحا..والله هذه من چعابي...ويهرب...
ويبدو ان الصبغ الازرق للجوهر...لم يتخلل بعض اجزائها وبقيت تلك الاجزاء بنية الى جانب اللون الازرق فيسهل له التعرف عليها..وخطفها..والهروب بها...كالغزال...وكان سريعا جدا...لا يقدر احد اللحاق به...فأسترد ماتبقى من چعابه...بهذه الطريقه....الخاطفة....المدهشه....
رحم الله من توفى واطال بعمر من  لازال حيا...وطوبى لذلك الزمن...والماضي...الجميل............
.

103
سلاما....صباحات الزمن الجميل......!!!
*******************************
يقترب الزمن الان...من لحظات كنا ننتظرها في ذلك الزمن البعيد...في منتصف الخمسينات...كنا تلاميذ صغار في مدرسة  ( محطة قطار الجرناف الابتدائيه ) والطريق اليها بعيد جدا من قريتنا ( الخضرانية ) عند شاطئ النهر ..لذا يجبرنا الاهل ان نستيقض معهم عند صلاة الفجر...لنكمل واجباتنا..ونلبس ملابسنا التي لا نعرف ماهو لونها وماهي موديلاتها وهندستها..هي مجرد قطع من القماش غير المتشابه والعتيق تلفلفنا امهاتنا به لكي نتقي ذلك البرد القارص ليس اكثر...عيوننا معلقة بموقد النار وصوت قدر ( الحريرة ) يخربش بآذاننا فيسيل لها لعابنا من الجوع والاشتهاء..وهي معدة من الحليب والطحين ويطبخ بها الخبز اليابس..فتتحول الى ( مثرودة ) لا تحصل بالامنيات وهي وجبة فطور يوميه معتادين عليها طيلة الشتاء البارد...
لا ساعات لدينا...لا نعرف الزمن كيف يمر...ولا ندري ما معنى الساعة والدقيقة والثانيه...نعرف اننا نصل مبكرين قبل كل المعلمين..وننتشر في حدائق المدرسة ننتظر اشعة الشمس ونبحث عن الاماكن والزوايا التي تشرق فيها لنتدفأ ...في طريقنا ونحن نخترق القرية وبيوتها الطينية الامنة المؤنسة وسط الضباب ودخان التنانير والمواقد المتسرب من النوافذ الصغيرة العليا ..ولعاء الاغنام..ونقيق الدجاج..ونباح الكلاب وجعير البقر ..ونهيق الحمير..وزقزقة الطيور بكل اشكالها منها المدجنة بالبيوت او الطليقة والمهاجرة...لتشكل ( سمفونية ) للحياة القروية البدائية بجمال فطري وعذري لا مثيل له ابدا وطالما تذكرته بعد ان كبرت وشاهدت العالم بالسينما والواقع كنت اشبه حياتنا بحياة دول ( البلقان ) في ذلك التاريخ...
كنا نمرق ونمر من جنب البيوت...نشم رائحة حظائر الحلال جميعا...وروائحه المتعفنة التي تنفر منها النفس ولكنا اعتدنا عليها...كنا صغارا نحسد البيت الذي لاحظائر للحلال فيه وحين كبرنا..عرفنا ان اهله يحسدون البيت الذي يمتلك كل الحلال وحظائره...لانفهم مصادر الرزق والعيش والحياة..وكنا نقطع الطريق عبر ( صراة العكيدي ) ونحمل هما كبيرا وخوفا مرعبا من كلاب بيوت ( الكسار ) المنتشرة بالقرب من الطريق ولمسافة طويلة موازية له....تشم فينا روائح الدخان ومخازن الحطب...وطعم ( الخرنوب ) الذي نخطفه من مخازن الحطب في الطرق التي نمر بها حيث حطب ( الشوك ) مع خرنوبه الطازج الاخضر..وينضج تحت المطر وتقلبات الجو ويصبح لونه قهوائي وطعمه لذيذ جدا...اعتدنا نأكله اين ما ظفرنا به..
ان تلك ( البانوراما ) الريفية الصباحية اليومية التي كنا فيها ونعيشها بذلك الزمن البعيد...تواردت بخاطري الان وتذكرتها بكل تفاصيلها..فقادتني الى كتابة هذه الخاطرة..الان....!!!
سلاما ذلك الزمن الجميل...فلن تبرح وجداننا ابدا...مدى العمر.

104
بعد أن زرت العديد من البلدان العربية و الأجنبية بسبب طبيعة عملي الدراسية و التدريسية, كنت دائما ما أقارن بين كرم العراقيين, و بين عدم اكتراث(لا أريد أن أقول بخل) الآخرين في البلدان المذكورة (باستثناء ليبيا). إلى أن نشر احد الأصدقاء مقالاً عن كرم الآشوريين مستلاً من كتاب: Cooking in Ancient Civilizations  (الطبخ في الحضارات القديمة)للمؤلفة:  Cathy K. Kaufman, فحصلت على ضالتي في تقصي أسباب الكرم الفريد من نوعه في العالم الذي يتميز به أهالي الشرقاط و عشائرهم الكريمة الموقرة:

لاحظ ماذا تقول الدكتورة البروفيسور  Kaufmanالأستاذة في جامعة New York  الأمريكية عن إحدى الولائم التي أقامها جدنا آشور. حيث دُعي إلى الوليمة 70 ألف شخص و تضمنت التكاليف الآتية:

1- 1000 ثور معلوف بالشعير

2- 1000 خروف

3- 1000 حمل صغير

4- 14000 من الأغنام العادية

5- 500 من الظباء والغزلان

6- أعداد هائلة من الدجاج و البط و الإوز و طيور أخرى لم تعرف أسمائها لحد الآن

7- 10000 بيضة

8- 10000 سمكة مختلفة الأنواع

9- أعداد هائلة من أطباق الجراد المشوي

10-  أطباق أخري لا تحصى و لا تعد من السلطات

لله در كم يا أهل الشرقاط يا أحفاد آشور؛ على هذا الكرم المأثور.

105
سديرة...حديقة الشهداء...
******  **************

يا دوحة  السدر يانهر العطاء
                يا قلعة المجد  يا ام  الفداءُ

في كل بيت ياسر متضرع
                وفي كل ركن خولة خنساءُ

تسعى المنايا اليك في عجل
            تبارزين الموت مقدامة عنقاءُ

ام الضحايا سلاما يا بيارقنا
         يا بيرق المجد وصبحنا الوضاءُ

هذي الدماء نزيفا في هجيرتنا
          وبدونك الارض صماء وجرداءُ

حديقة للموت أشور يزرعها
               لينبئ التاريخ  عنا بلا رثاءُ

سديرة الشجعان رمحا ونعرفها
                ام الرجال ودار العز شهباءُ

تربعي  فوق عرش محنتنا
                 مجللة  بالعز  روض الوفاءُ

شهدائنا  نجوما واقمارا تسامرنا
             يادرة أشور سلاما انت فيحاءُ

ما نال منك الموت مقتلك
              انت الحياة وتبا للردى والبلاءُ

خضراء للخير تزهو مرابعك
            في وجنة التاريخ سجادة حمراءُ

                    الشاعر
                سالم الجبوري
                    بغداد
              نيسان  2018

هذه القصيدة..رثاء لشهدائنا الابطال في قرية سديره المجاهدة المرابطة بثبات بوجه الدواعش المجرمين في قضاء الشرقاط....الرحمة لشهداء العراق في كل مكان..وفي عليين مع الانبياء والابرار بأذن الله...والخزي والعار لوحوش الموت الاسود..زنادقة العصر الحديث الدواعش الكفرة الملحدين...سلاما للشرقاط بلد الشهداء...

106
نعود في صباح هذا اليوم / لنكمل جزء قليل ويسير من مسيرة  عظيمه وجليله وطويله تمتد جذورها الى تلك السفر الخالد لاشور الحضاره والمجد والخلود لنصل الى تلك الاحفاد من اساتذتنا الاعزاء رموز الوطن وبيرق العلم وشرف الكلمه ورسالة العلم والمعرفه انهم حملوها من اجلنا في ضمائرهم  وقلوبهم لان عيونهم ترنو نحو النتائج في المستقبل المشرق لنا ........
اساتذتنا  يبقون في القلوب والعيون وتاج فخر على رؤوسنا اينما كنا وكانوا وسنبقى نباهي الحياة والزمان بهم ..... انهم مشاعل الدرب اينما حلوا ومهما طال الزمن لان لهم دين في اعناقنا سنبقى حريصين من اجل  الوفاء لهم ....
استاذنا الغالي احمد البييدر ( ابو عبدالله) استاذ العربيه وكنز الدين وموسوعة المعرفه وقبل هذا وذاك سمو الاخلاق والتواضع ولازاالت هذه الخصال تاخذ بريقها وعنوانها منه .... انه رجل العلم والمعرفة والاخلاق ويحمل من صفات الرجولة احسن معانيها .... انه وبقية اساتذتي الاجلاء لازالوا يحملون معاني الرجولة والوفاء لا يستطيع احد المنافسه عليها .....
الاستاذ الجليل المقتدر ابن قرية بعاجه في الشرقاط والتي تغفو بهدوء وغنج ووداعة كأنها خاتونة في عرين اهله .... انها قرية الاستاذ فهد العنتر العبود سليل اسرة قدمت للحياة والوطن والتاريخ من الرجال نعتز بهم ونفخر ... وعوائل اخرى في هذه القريه نتشرف بها ونسمو بعناوين رجالها لانهم رفعة للرؤوس ونجوم يفخر بها احفاد اشور ....
انه الستاذ يفيان عطيه الجبوري ... يحمل من البساطه والعفة ومكارم الاخلاق الكثير الكثير وكان يحمل هموم اهله وناسه وطلبته  قبل ان يحمل همه ...
ابو فراس / علي حسين العكله الجبوري استاذ الرياضيات ومدير ثانوية الشرقاط عاصرته لمة قصيره في ايام الدراسه كان فارسآ مغوارإ ورجل شديد المراس ...كان مناضلا وصنديدآ وشجاعآ كتب تاريخآ مجيدا له ولعائلته وقريته وعشيرته ووطنه نفخر به كثيرآ ..... رحم الله الاستاذ القدير علي حسين العكله  وستبقى الشرقاط تفخر برجالها ورجالها يفخرون برجالها لانهم احفاد اشور ....
وللحديث في التاريخ بقيه ...

107
نعود ونكتب عن احفاد اشور .... انهينا الدراسه الابتدائيه وببدأ الطموح يكبر وبدأ الحلم ينضج باتجاه المستقبل وبدأنا نعرف كثيرآ في دروب الحياة ودارت الايام  ومرت السنين على عجل بل ومضت اسرع مما كنا نتصور وكنا نزهوا بكل نجاح .... ليس بالدراسة فقط وانما بدأنا ننجح بعلاقات ورأى وافكار وحضور اجتماعي وبدأنا نفخر بما يتحقق من الحلم على طريق النجاح ومن اسباب هذا النجاح اساتذة افاضل هم ملئ عبونناوعلى مساحة الشفاه  والقدوة الرائعة لنا والشعله المتوقده لنا في درب الحياة التي ننشد ...
نعم الكلام يطول عنهم وفيهم وتدمع العيون لفقد اغلبهم لان الموت اخذهم ومضى وانهم في ذمالله ....
المرحوم الاستاذ خلف الحسين العليج ..الاستاذ الانيق الجميل له كاريزما خاصه يتصف بها كان نادرآ في نظافته حتى في اسوأ الظروف وكنا عندما نساله عن سر ذلك يفول تعلمت من خوالي الخزعل العبد .... انه استاذ الفيزياء المقتدر ...
الاستاذ المرحوم العزيز علينا وتدمع العيون لذكراه انه العاام في التاريخ ،،،،، كان قامه لانفخر بها فقط وانما كنا نراهن بها لتنير ظلام الليل ..
الاستاذ العزيز البسيط في مشواره في الحياة المقتدر بكل ثقه من اختصاصه في اللغه الانكليزيه ،،،، اذكر ذات يوم وكنت في دورة تقويه في اللغه الانكليزيه في محافطة كركوك وكان الاستاذ المحاضر متمكن من مادته وكنت بارزآ بين طلابه فسألني من هو استاذك  في السرقط فقلت له وبكل فخر وزهو واعتداد بالنفس انه الستاذ ؛ محمد جاسم اسهيل الجميلي  فجاء الاستاذ وقبلني وقال نعم هو هكذا عرفناه الاستاذ محمد حتى في الكليه كان متميزآ...
الاستاذ المرحوم هاشم ادريس ذلك الفتى الجميل صاحب العيون الملونه ( ايها الموت الم تجد غيره لتأخذه بدلا عنه) استغفر الله العظيم ... انه فتى الكيمياء وفعلا كان فارسها وهي مهرة له .... كان مثقفآ له حظوره وسخصيته ....
الاستاذ القدير المولع بالانكليزيه حد الارتواء منها انه عدنان حمادي من القصبه ....
وكيف ننسى صديق وحبيب الكل الذي علمنا كل شئ ... كان صديقآ ورفيقآ واخإ واستاذآ وحبيبآ ومثل اعلى في كل شئ ... انه فارس الاقتصاد الذي حببنا اليه بقر تحسبنا لهذا الدرس وسخطنا منه في حينه .....
انه حميد خضر تيلا ... اين انت ايها العزيز لازلت احتفض بصورة لك اهديتها لي عند استلام امر نقلك من ثانوية الشرقاط ...
اتذكر قال لي ... انتم نخبه في المدرسه لا تتكرر لانكم اكبر من عمركم حسبتكم طلاب جامعه انكم مثقفون ومحترمون وبدأ يتكلم عن وعن وعن وعن  سيأتي ذكرهم لاحقآ في محور حديثنا عن احفاد اشور ....
للحديث بقيه..

108
من اين نبدأ ايها العزيز ابا احمد وماذا نقول في حق احفاد اشور ..... انهم الاساتذه والمربين والمصلحين والحريصين  على ان نصبح رجالآ للغد عندما كنا صغارآ في مرحلة الابتدائيه وما احلاها من ايام وذكريات لن تعود وذهبت الى البعيد معهم ( ياأخي العزيز فهد لهم في الروح جرح لابل جرحين لابل ثلاثه وجرح اخر يبقى ماطال الزمان)  كنت في قريتي العزيزه ( اجميله) وكنت اتعلم وادرس في مدرسة الخصم بحكم الموقع الجغرافي لبيتنا من المدرسه المذكوره وكنا في حينها عشاقآ لها بالرغم من صغر السن وبرأة الطفوله وعفويتها واعتقد لانه كنا طلابآ جيدين حسب راي  اساتذتنا في تلك المرحله وما احلاها ....
كان الرموز والاعزاء من الاساتذه وهم ...
المرحوم الاستاذ والمربي الفاضل  درويش الفرج اللفته الجبوري مدير المدرسه واستاذ العربيه.
المرحوم الاستاذ الرجل الصلب المهيب احمد الفرج الزحامطه الجبوري ( ابو حسن) فجع رحمه الله بوفاة حسن وهو صغير وحزنا نحن لحزنه عندما كنا لانعرف الحزن 
المرحوم الاستاذ يحيى الظاهر الخالد ابو عبد الناصر استاذ الرياضيات وهو من قريتي اجميله لكنه ابن المدرسه وابن كل الشرقاط ...كان شديدآ وعنيدآ لكنه انسان
الستاذ المرحوم سعود العطيه العلي العليج استاذ اللغه الانكليزيه كان متمرسآ في اختصاصه وكنا نحسب له الف حساب ...
الاستاذ الوديع صاحب الخلق الرفيع له تقدير خاص لدي  هو الاستاذ نايف اللطيف الجبوري  استاذ التربيه الاسلاميه ....
الاستاذ المرحوم ماالله الطوكان من مركز القصبه ياله من شخصيه تحسه والدك او اخوك الاكبر كان دمث الاخلاق وكريم النفس حد الفداء بها ...
كان هناك اساتذه يأتون ويذهبون من خارج الشرقاط ... لهم ترفع القبعات وتنحني لهم الهامات لانهم ادوا رسالتهم معنا بكل امانة ومسؤوليه ....
الذين ذكرتهم كان من لهم باع طويل في وضعنا على الطريق الصحيح في مسيرة دراستنا التي قطفنا من نتائجها ولازانا ثمرآ غالية علينا لانها من تعب هؤلاء ....
 لهم منا كل الدعاء والعرفان ... ربونا صغارآ صفآ بصف مع اهلنا وكأننا ابناؤهم ....
مرحى وتحية لهم في الحياة والممات ....
الحلقه القادمه لاحفاد اشور لمرحلة الدراسه المتوسطه والاعداديه ....
تحيه للاحفاد بناة الحياة....

109
... في قصته الآتية, يوظف القاص فهد عنتر الدوخي مهارة التكثيف بشكل رائع:
"الطفل يمضي كل وقته في اللعب بالهاتف المحمول، حجبوا الهاتف عنه، تصدعت أركان المنزل."
...
لا يجوز أن يمضي الطفل(كل) وقته في اللعب بالهاتف المحمول, و إذا حصل هذا فإنما يدل على خلل فادح في الوظيفة التربوية في العائلة. المفروض أن لا يُعطى الطفلُ هاتفاً محمولاً, وحتى لو أنهُ أُعطي, فلا يجب أن يمضي معظم وقته عابثاً به. هذا من ناحية  Theme  النص. أما من ناحية اللغة؛ فإن هذه الكلمة هي المفردة المسيطرة في الجزء الأول من النص الذي تقوم بنيتهُ على شكل جملة شرطية فيها ما يشبه فعل الشرط و جوابه. فإذا كان الولع المؤذي بالهاتف المحمول هو (فعل الشرط) فالجواب يكون إن اخذ الهاتف من الطفل المدلل سيقود إلى صراعات عائلية؛ بين من هم مع إعطاء الطفل ما يريد , ومن هم يرون ان الأمر خطير و ابدا غير مفيد. و فعلاً مثل هذا الصراع قد يقود إلى أن "تتصدع أركان المنزل" كما يصف القاص ذلك في ما يمكن اعتباره الجزء الثاني من النص(جواب الشرط), عندما ينشب الصراع بين افراد الأسرة, وقد يتطور فيدمر كل شيء.
هذه مقدمة مختصرة جداً في ما يمكن كتابتهُ عن نص القاص فهد عنتر المكون من 14 مفردة. النص مكتنز ويحتاج إلى دراسة كبيرة تبين؛ أن القصة القصيرة جدا هي فن معبر ومهم يلبي متطلبات العصر, وليست مجرد سرد كلمات وكفى.  الحقيقة أن القاص الدوخي قد أبدع في هذا النص الجميل الذي يُعطي نفسه للدراسة و التأمل والتحليل.

110
الحياة لا تخلو من إنسانية الطيبين، عندما جلست أستمع إلى حكاية أم محمود مع المرض الخبيث، وعرفت من الساردة التي كانت جارة لابنتي، تسكن قبالة بيتها، أيقنت للتو أن القلوب الطيبة تعي تماما حقيقة الحياة، كما تعي أن النهاية لكل فرد منا هي تلك الحفرة الضيقة تحت التراب.
قبل الحظر اتصلت ابنتي قائلة: أنا مسافرة إلى اللاذقية، دعواتك.
سألتها : - لماذا؟
أجابت: مع جارتي أم محمود ﻹجراء ما يلزم من كيماوي وأشعة.
لم يطل مقام تواجدها في مدينة عروس الساحل، عادت وماتزال تتعاطى العلاج.
فاجأني صوت ابنتي على الهاتف يبكي بألم وهي تسألني: في أي مقبرة قبري جدي وجدتي؟ قلت: المقبرة الحديثة، خيرا إن شاء الله؟
قالت: توفيت أم محمود.
وأم محمود أرملة وأم شهيد، لا تملك في الحياة سوى عملها الطيب وترييتها ﻷولادها الصغار والكبار بما يتيسر لها من أهل الخير، كما أنها كانت تعمل في ورشة خياطة تساعد بها عائلتها على العيش بكرامة.
وهناك ومن بلاد اﻹفرنجة كما نسميها، سمع واحد من أثرياء المدينة بحكاية أم محمود ورحيلها تاركة خلف ظهرها أربعة أولاد، ثلاث بنات وصبي صغير مايزال في الصف اﻷول الابتدائي، على الفور اتصل بقريبه الذي يعرف أم محمود وأسرتها، مطالبا إياه بتأمين سكن صحي مع دفع آجاره وفرشه بما يؤمن حياة كريمة لهم، ومصروف شهري من أجل اﻷكل والشرب.
حقا شعرت بالراحة النفسية، وبأن الثري لا ينسى واجبه في دفع الصدقة التي ترد عنه وعن ماله وعائلته مصائب الحياة الدنيا.
من المغترب كان يسأل عمن هم بحاجة
من بلاد بعيدة ومسافات طويلة لم ينس أن يمد يد عونه لمن وضع الزمن في طريقهم الشوك المر، لكنه وبيده الكريمة حصد الشوك وحوله زهورا ورياحينا ستثمر في وجدان اﻷولاد خيرا ونبلا .
الحياة تستحق أن نعيشها من منظور اﻷخلاق اﻹنسانية ونوظفها بما ينفع ﻷن يد الخير عليا، ويد الشر سفلى
المحبة سها
تنويه مهم:: تابعت ابنتي تصف ماحدث قالت:
- ياأمي ونحن نمشي بجتازتها في شارع النيال، وقف الناس جميعهم يقرؤون الفاتحة على روحها، كانت اﻷيدي كلها مرفوعة إلى السماء، والله ياأمي ماتت وابتسامة الرضا على شفتيها.

111
** (( ألظروف قد تصنع مقاومة  ألوباء))**
                **  **   **    **
قال لي محدثي ألمرحوم أبو ضياء خلف ألراوي بأنه كان طالبا في مدرسة ألمحطة وهي أصل مدرسة ألخضرانية وكان دوامها في محطة قطار ألجرناف وذكر بأنهم يذهبون صباحا الى ألمدرسة حفاةً وبالدشاديش ربما كان ذلك عام ١٩٤٩ وطبعا ذهابهم هذا يتم في ألجليد شتاءً وعلى (گطب) الحاوي في ألصيف مع ما يعانونه من جوع لسوء ألحالة المعيشية وهنا أستفسرت من أحدى ألعجايز وقلت لها لماذا لا يرتدون ألأحذية قالت الطلاب وكل الناس يمشون حفاةً والأحذية لا يعرفها الا القلة ومنهم الرعاة (ألرعيان) حيث يصنعون أحذيتهم  يدويا من قطعة جلد (أسفل) ويخيطون عليها من صوف الحيوانات وبواسطة ألمخصف! فيصنعون حذاءً أشبه (بالخف) وقالت أن طريق ألطلاب من درب ألمحطة ألذي يمر بأتجاة دار البطي والكسار حالياً حيث صراة العگيدي وهي أرض منخفضة يمين ألطريق والى محطة ألقطار في الحورية والى ألعام ١٩٥٨ حيث تم نقل ألمدرسة الى ألخضرانية بجهود ألشيخ ألمرحوم حسين ألحمادي لتكون في وسط المسافة بين قرى ألجرناف ألشرقي والسويدان  والحورية والخضرانية، ومع هذا فإنهم قليلا ما كانوا يمرضون وأصبح ألعديد منهم يحملون شهادات في مختلف الأختصاصات وأقول ألا تولد تلك المعاناة مناعة لأؤلئك الناس ضد الأمراض؟! وبالأمكان ان تنتقل الى الأبناء بالوراثة؟!!!! ...........
*************************************
ثم ان العراق وربما هو ألبلد الوحيد في ألعالم ألذي يمر في ألسنة ألواحدة بتغير مناخي كبير يقع ما بين الأنجماد شتاءً وحر (الگيظ) اللاهب صيفاً!!!! وهذا ألتغير في درجات ألحرارة الا يصنع كذلك ممانعة للأجسام ضد الأمراض؟! في وقت كنا نسمع عن وفاة ألعشرات في اليونان في أوربا مثلاً لأرتفاع درجات الحرارة عندهم الى ٤٣ درجة او ما يزيد عليها بقليل في وقت تصبح فيه درجة حرارة العراق اكثر من نصف درجة الغليان!!!!.

         **************************
ويعتقد العلماء ان لقاحات البي سي جي ضد مرض ألسل والتي حصل عليها ألعراقيين ومنذ العهد الملكي والتي كان لريفنا منها كما المدن نصيب وافر من خلال ألفرق ألجوالة وعلى بساطة الأمكانيات وجودة اللقاح أقول يعتقدون أنها قد ترفع المناعة ضد هذا الوباء ألذي يهاجم ألجهاز ألتنفسي أولا !!!، ويعتقدون كذلك أن السبب الرئيس لتفشي الوباء في العالم ألمتقدم وخاصة اوربا وامريكا هو أنهم يستخدمون وسائل النقل العام بشكل واسع وهذا يكاد يكون معدوماً  في بلدنا العراق في الوقت الحالي أقول وان أطلت عليكم الا تصنع تلك الظروف التي ذكرت مناعة للعراقيين يتوارثونها أبّاً عن جد ؟! .
************************************
والأن توصل العلماء ومنهم الأطباء الى قاعدة ذهبية وهي (ألتباعد الأجتماعي) وألتي  قد تخدم ألعراقيين لمنع تفشي كارثة الكورونا ومفادها انك أن أضطررت لمغادرة ألبيت فأحرص على ترك مسافة مترين مع من تلتقيهم مع ترك ألمصافحة طبعاً وان تتعامل مع الآخرين على انهم مصابين فعلاً (وإبشروا ألحر جانا وألا يعلج إلكم أبو ألكورونا) كفانا ألله واياكم شرها وشكرا لمن جعلوا من أنفسهم خطاً مباشراً للصد من كوادر طبية وصحية أجلاء وجيشنا الباسل والشرطة الاعزاء ومن معهم وفقط لنبقى في البيت من أجل أهلنا وابنائنا أولا والله خير حافظ ومنه التوفيق والسلام ...

112
(حكايات في الطب وألمرض فتحملوني فأنا أُطيل)
 ذهبت اول أمس لزيارة العمة أم عامر (٩٣سنة)،  قالت:  في عام ١٩٣٠ أنتشر ألجدري وحملتني أمي رحمها الله  وعمري ثلاث سنوات الى المرحومة بنت ألشيخ وكان ولدها المرحوم علي الملالي مصاباً  فأخذت من المصل ووضعته على ذراعي وَوَخَزَتْ المكان بألأبرة كما يفعل أهل الطب الحديث بلقاحهم ضد هذا ألمرض تقول فألتهب مكان اللقاح وكيف أنهم قالوا لها ان هذا بسبب رائحة ألبطيخ! (سبق وان نشرتها) وفي فترة لاحقة تقول العمة لقحت للجدري ولم يلتهب مكان اللقاح  فقالوا لها لانچ (إمجَدّرة سابقاً)، وعن مرض ألخبطة قالت وبسبب ألعدوى السريعة وكثرة ألموتى فقد ماتت أمرأة عجلاويه تدعى وضحة ألصالح وهي زوجة المرحوم  وهيب ألعباس الصحن  ولم يدفنها أحد لأن الرجال بين مريض ومهزوم (مبتعد) تقول فسمع بها ألمرحوم غضيب ألحسن وهو صاحب شيمة فجاء ودفنها ثم اصيب ومات!!!!!!!، (ولذلك أنا اعتقد أن خبطة ١٩٤٠ هي ليست تايفو وإنما كورونا من نوع خاص هذا رأيي ألشخصي)،
                           *
 كان أهلنا في سابق ألعهد وحيث لا طبيب في ألشرقاط يراجعون سعيد سيفو وهو رجل غريب قدم الى ألشرقاط وكان له دكان (صيدلية) لمعاينة المريض ووصف العلاج وبيعه وعادة ما يكون من طب الأعشاب، وإستمرت طبيبات ألعرب بممارسة هذه المهنة وكانت من امهرهن في هذا المجال ( السگاية) زوجة عزيز الفاضل (رحمهم الله) في قرية الأجمسة وكذلك العمة الحجية (إحميدة الهصلان) والدة الأخ أحمد ألصالح ألخليفة، وقد حذرني أحد أطباء الأطفال وقال أن (السگو) صحيح يوقف أسهال الأطفال ولكنه يحتوي على مادة (الزيرگون)  الحاوي على الرصاص والذي يكسب المخ طبقة تسبب (البلادة) لاحقاً عند الأطفال! فأحدث لدّي (ثاني حال!!!!!)  وانا المهووس بالطب الحديث لأطفالي جبتها من عبدالحكيم محمد زكي (الذي كان يحدثني عن اضرار الچاي الذي يتلف حديد الدم وكيف ان العرب يقدمون الحنيني للضيوف!) وانتهى بي ألمطاف عند الدكتور غالب شاكر الشيخ ظاهر والذي مازحته  قبل شهور  وقلت له انت طبيب وسيد!، ومن طب العرب الناجح في الشرقاط (تجبير المكسور ) وأطبائة عائلة ألجندل و(أبو صفار) وتختص به عوائل (السباگ) في ألصبخه و(الغثوان) عندنا في ألجرناف وحقيقة انهم يوصون المريض بالبهريز والدبس وهو ما يوصي به احدث الأطباء! ولكن مع (إتمزج) الأذان طبعا!،
                              *
 ومرة كنا نسكن في بغداد ومعنا الأستاذ محمد سلطان الظاهر ودوامه في دائرة صحة الأمراض المتوطنه وقال ان أمراة من ألخضرانية سبق وان أصيبت بمرض الحمى النزفية (السوداء) وشفيت منها وهي حالة نادرة الحدوث لأن هذا المرض يسبب حتى موت الطبيب او المعالج مباشرة !!!! اذا لم تتخذ التحوطات، ومرة كتبت في مجلة الف باء عن ألطاعون البقري وكيف ان ألحيوانات تنفق كان ذلك عام ١٩٩٣ وفي نفس يوم صدور عدد المجلة واطلاع الوزير عليه جائني ابلاغ ان ابقى في البيت لأن لجنة برئاسة اثنان من المدراء العامين( من دائرة الطب البيطري والثروة الحيوانية) في بغداد  متجهين من بغداد الى الشرقاط ومعهم مدير بيطرة صلاح الدين وحضر معهم الدكتور فاضل الصلبي والدكتور رياض البصري أطباء مستوصف الشرقاط البيطري وكان مجيئهم للتحقيق عن وجود المرض مع حملة لفحص الدم واللقاح في آن واحد وكان أجراءً سريعاً، وقد سببت لي تلك الحادثة ازمة (زعل) مع معارفي أطباء مستوصف الشرقاط  البيطري في ذلك الوقت، واخيرا ولو أنني أطلت عليكم فأنني اتيحت لي فرصة تدريس مادة الأحياء(وهي ليست من اختصاصي) وعرفت منها ان الفايروسات لا تصنف كأحياء ولا غير أحياء فلها صفات وخصائص من  هذه وتلك وقد حبانا الله سبحانه وتعالى خطوطا دفاعية ضد المرض تبدأ من كريات الدم البيض ولا تنتهي عند الجلد وشعيرات الأنف وهذه الأخيرة ربما تُكّون مع اللوزتين خطا اول في الدفاع ضد الكورونا وخصوصا مع المواضبة على الوضوء لأن المرض ينتقل باللمس وبالعطاس ويستقر في أولى مراحله لساعات في الأنف وفي جوف الفم واستنشاق الماء في الوضوء واستنثاره والمضمضة  إضافة الى أدماننا على شرب (ألچاي) الساخن وحتى في الگيظ الحناني! كل ذلك قد يخلص الجسم منه، وخصوصا بعد ان ارتفعت الأصابات والوفيات في العالم ففي اميركا هذا اليوم  (٢٠٠٠ وفاة) خلال ٢٤ ساعة مع العرض أن المرض قد انتشر عندهم بعد بلادنا أجارنا الله وإياكم من شر هذا الوباء، وأخيراً  لأُداري أطالتي عليكم بحكاية ذهاب الخال المرحوم حريد السلامة الى عيادة اخصائي القلب الدكتور ثامر جابر في الموصل وكان ذلك قبل وفاته (رحمه الله) بأيام وعند أستلقى على السرير لمعاينته كان يدندن بكلمات:
عَنْيتْ  جِدمي  لِعِدْ  ثامر  من  ألجرناف
مِنْ عِلّة(ن) بالچبد منها  ألدليل  إيخاف
وقد مات الخال أبو هلال بتلك العلة التي خاف منها دليلهُ رحمهُ الله،
 ولنبقى في البيت لأن الوقاية خير من العلاج (تقبلوا أعتذاري فأنا أُطيل) وسلامة الجميع ...

113
سأطيل عليكم أيضا فأنتم في حجر صحي وكما قال أحد الأصدقاء (السطر والسطرين معد إيكفن) وعلق أحدهم على منشوري الطويل السابق (ولو ما قريت نصه لكن أحسنت!) ...  فتحملوني ...
كان أهلنا يسكنون ألجزيرة في قرية أسمها أرفيع عليا مجموعة بيوت قليلة، أغنام (١٣٠ رأساً) ويعتمدون على الزراعة ألديمية أضافة الى مرتب والدي من سكك الحديد ولذلك فبيتنا لا يبعد كثيرا عن محطة ألقطار حيث خصصت لوالدي دارا فيها ويسكن معه صديقه المرحوم الملا عواد من قرية المرير، ويجاوره كل من المرحومين خالي ابو الخاتون خلف الجمعة ومخلف العجان وخلف المشوح وسيد حميد الملالي وحداوي من قرية الحورية وغيرهم  ومن هذه ألمحطة (ألگنگ) يتزود أهلنا بالماء ألذي يجلبه القطار، أما المواشي فتشرب من مياه الأمطار في الربيع ومن ألآبار المالحة نسبياً في أيام ألسنة الأخرى حيث تغفو هذه ألقرية على سفح وادي ألرفيع والذي تم تحويله الى (سدة سياحية) حاليا تقصدها الناس للأستجمام خاصة في الربيع  لوجود الماء والطيور فيها والأعشاب على سفحها وكان أهل القرية يتخذون من هذا المكان مكمنا (نوجه) لأصطياد ألطيور (ومنها الكراچي وحمامات حسنه وحسين والدراج وغيرها) وكذلك ألغزلان في أزمنة سابقة حيث ذكرت والدتي رحمها الله بان العم  المرحوم ثامر الصحن جلب مرة غزالتين من الوادي بعد مرور القطيع من هناك وكذلك يأتي البدو من السعودية بإبلهم ويسميهم أهلنا (النجاده) نسبة الى نجد وطبعا يدخلون بدون جواز كان ذلك في بداية الستينيات كما يذهب حجاج ديرتنا الى السعودية وبنفس الاسلوب، أعود الى ألصيد وكيف اننا لازلنا نتذكر الأغنية التي نرددها عندما نرى الكراچي تحوم حول الوادي:
يا كراچي الوز الوز
الوحدة  ابگد العنز
يزغيرهن    ديرهن
تذبح لك إچبيرهن
ويصطادونه في الليل  ويشاع بإن أحد طيور المجموعة (الحارس) يرفع أحد أرجله ماسكا بها قطعة حجر صغيرة لكي يجبر نفسه على عدم ألنوم !!!، كان الأهل يعيشون عيشة البساطة فوالدي رحمه الله يذهب الى العمل بالدراجة الهوائية (البايسكل) ، وان أحتاجوا الى ألسيارة أن كان لديهم مريض مثلا  او ماشابه فيؤجرون السيارة التي تمر من الطريق المحاذي للقرية الرابط بين مفرق الحضر وبين الشرقاط (التي يسمونها المحطة) وان كان ألسائق مؤجرا او لديه حموله واتفقوا على أن يعود اليهم فإنهم يأخذون منه مبلغ دينار واحد يسمى (العربون) لكي يضمنون عودة ألسائق الى الجزيرة!!!!!!، ولا زلنا بصدد الحديث الذي (ندوخكم) به في كل منشور عن وباء ألساعة والذي يهاجم الجهاز التنفسي وحيث ان التدخين من مسببات نقص المناعة وألد أعدائها (وبلچي يبطلون هالمدمنين)  ولذلك سنعرج على (التتن) والتدخين، تقول شقيقتي (أم جميل) عمرها اكثر من ثمانين عاما كنت صغيرة وأذهب مع والدي الى گهوة السويدان في  قرية الرمضانية ألمجاورة لنا حيث أرعى ألخرفان (الطليان) ووالدي يجالس أدباء ألسويدان ومنهم ياسين الحسين ومحمود الكبيسي وغيرهم رحمهم الله  وكان حديثهم في أغلبه أدبا فهم أدباء كبار ولا يوجد تدوين تقول ولكنني أحفظ ما يقولون  وكان شعرهم  في معظمه هجاءً (ذكرت هذه الحكاية لصديقي المرحوم أبو بسمان سعد العلي الياسين قبل وفاته والله بمدة) تقول وكان أحدهم متكلما في المجلس وقال: حصلت على تتن (خرده) ولكن نوعيته رديئه جلبه لي فلان ها ( ال .... ) ونوعيته رديئة ومغشوشة فقلت:
ليش   يبراهيم   ليش (ابراهيم تاجر تتن)
جايبه ايسوي غشيش(گحة ومرض في الرئة)
يقول وأضفت :
ليش  يبراهيم   يابه
شلون لومنته  گرابه
عين  شايبكم خرابه
حگ اليملاها جريش .... يقول وأضفت:
ما شفت ( ......)   شصبح
مثل  چلب   السله   ينبح
صافي فروه وتالي مشلح
و الأرايا      لها      گريش
ليش يبراهيم ليش،
ومن اؤلئك الناس مدمنين على التدخين بحيث يضع المشرب او الجكاره في فمه وقت الأفطار كما يقول السويدان(يملا أعلج !!) أي انهم يفطرون على السيكارة ! .
وقبل أيام حدثني الحاج محمد الحسين الدرويش (الدوري) عن والدي رحمه الله والذي كان مدمنا على التدخين وبنهم قال ألتقيت بخالي الحاج فرحان يوما وهو ذاهب الى عمله صباحا (كان الوقت بحدود السابعة والنصف صباحا) فقال لي مازحا :
(شلوني يا ابن اختي؟!!) تاجسني ماني طيبان لقد تركت التدخين منذ أمس! وبعد ان سألته متى أمس؟ قال بحدود العاشرة ليلا !!!
يقول الدوري وما عفت خالي حجي فرحان الا لف له جگاره ودخنها !!!!!،
ارتحل أهلنا الى الحاوي في العام ١٩٦٦ بسبب حاجتي للدراسة  (شقيقي حسن رحمه الله قد ترك المدرسة  بعد ان عاقبه المعلم الاستاذ عبدالجبار احمد السلطان وصالح كان لا يزال صغيرا) ..
وأخذني والدي الى الشرقاط لسحب الصور واتذكر فيها مصوران وهما سيد حمادي وجاسم محمد المصطفى رحمهم الله وعاد بي الى المدرسة حيث سجلت إسمي في الصف الأول والذي سجلني هو الاستاذ الدكتور داود ماهر مدير المدرسة وكان من دفعتي مجموعة من الزملاء ومنهم الأستاذ عبدالله گنفذ (من الصف الاول وحتى التخرج من الأعدادية) والذي أختصيته هنا بالذكر دون الأخرين لأن الأستاذ ابو محمد عبدالله(مدرس الكيمياء) يدخن ويدمن التتن اللف وبشراهة وهو لا يهتم لحمله للچيس او القوطية ويفضل النوع الشاطر ولا يحبذ حمل الباكيت مطلقا وللعلم فالأستاذ عبدالله انسان طيب ومثقف ومن ادباء الجرناف الكبار وهو صاحب بيت (الزينه حازت على سيوف القيادة وركن) وهو أيضا صاحب طرفه (نكته)، ولكن به خصلة تاخره عن الدوام رغم كونه عالما في الكيمياء وتتنافس المدارس للحصول على تدريس الأستاذ عبدالله (كمحاضر) وسألته عن احدى حكايات تاخره عن الدوام قال :
جئت متأخرا قليلا عن الدوام وكان المدير الاستاذ احمد سلمان احمد والمعروف بحرصه على ضبط الوقت والدوام  يقول وفي فرصة الدرس الثالث جائني موظف الخدمة وقال المدير يطلبك يقول فنهضت وانظار المدرسين تتجه نحوي وقلت لهم:
(أدعو لأخيكم فأنه الآن يُسأل!!) ... 
طال عليكم حديثي ولكن ما الحيلة فنحن في البيوت لإتقاء الوباء والقراءة خير وسيلة لقضاء الوقت عافانا الله واياكم وبلادنا وجميع الشعوب من شر هذا الوباء ...
(الصورة للاستاذ عبدالله زميلي في الدراسة)

114
قَص الامس  ١

أنـــا لـــن أعـــود إليـــك ،،، مهمـــا إستــــرحمـــتْ دقــــاتُ قلبـــي 
أنـــتَ الــــذي بــــدأ المــــلالــــة والصــــدود وخـــــــان حبــــــــــبي

عندما دخلت الى مكتبها الأنيق في وزارة المالية بدمشق وانا أحمل إضبارة تخص شؤون مكتبنا في السبع بحرات ، وقفت لدقائق أنظر إليها وهي تصغي لأم كلثوم (قصة الامس) أحسست على الفور أنها تمرّ بأزمة عاطفية  بسبب الحزن الواضح على ملامحها..
إنتَبّهَتْ لوجودي ، كانت فترة استراحتها
 إعتذرت منها بأنني اقتحمت خلوتها مع السيدة العظيمة ام كلثوم ،،
ابتسمت مُرحبَةً وقالت لاعليك تفضلي 
كانت تحتسي فنجان قهوتها على أنغام وكلمات قصة الامس ،،
قلت لدي معاملة مهمة جدا وتحتاج لتوقيع السيد الوزير ،،
قالت إجلسي اولا فأنا في استراحة الان دعينا نتعرف الله وكيلك الشغل مابينتهي ، حضرتك من دير الزور
ضحكت وقلت اللهجة قريبة جدا
أنا عراقية يا عزيزتي ،،
عن جد ؟ّ
قلت نعم هل ابرز لكي هويتي
_لا لا عفواً  انت صادقة وانا سعيدة بحضرتك ، كيف هي قهوتك
_قلت وسط ان أمكن
_أنا أشربها سادة عندما اسمع ام كلثوم خاصة هذه الاغنية فلي معها حكايه
_ تحبي تدخلي الى السيد الوزير بنفسك وتقدمي له الطلب
قلت لا أرجوك إن تكرمتِ عليّ فقومي بالمهمة
ضحكت وقالت على عيني وراسي
في ما تبقى من وقت الاستراحة تحدثنا في مواضيع كثيرة (الحرب العراقية الإيرانية حرب الخليج الحصار ، أزمة  العراق الاقتصادية وضع المرأة العربية خاصة العراقية والسورية )
في نهاية الحديث قالت لقد أحببتك جداً أنت انسانة راقية ومثقفة أتمنى ان نتواصل ولا تكون هذه الزيارة الاولى والأخيرة هل من الممكن ان نتبادل ارقام الهواتف
قلت بكل سرور
_ أنا أعيش مع والدتي وطفلي هيثم تفضلي بزيارتنا فنحن نحب الشعب العراقي وانا الان أعتبر نفسي محظوظة جداً بتعرفي  على انسانة مثلك
قلت سعادتي كبيرة وسألبي الدعوة وبكل محبة ، أنا أعيش في بيت خالي وزوجته الألمانية ،، سنتحدث كثيرا
انتهت الاستراحة ودبت الحركة في ممرات الوزارة ومكاتبها وصمتَ صوت سيدة الغناء وقصة الامس التي سنتعرف على السبب الذي جعل صديقتي تغرق في بحرٍ من الحزن والألم وهي تصغي لكلماتها وموسيقاها
حَمَلتْ  إضبارتي ودخلت الى مكتب السيد الوزير  تأخرت قليلا وعند خروجها
قالت مابك مضطربة
قلت المعاملة مهمة جدا بالنسبة لي وقد تحديت خالي بانني سأحصل له على الموافقة
إبتسمت وقالت مبروك لك فقد فزتِ أيتها المتحدية
وافق السيد الوزير
شكرتها من القلب
قالت لايكفي هذا وعدتيني بزيارة وانا سأنتظر
ماما تعمل أكلات شامية لذيذة وستفرح وستحبكِ كما أحببتك أنا في هذا اللقاء السريع
سأنتظرك لأحكي لك ( قصة الامس)

   غداً سنكمل الحكاية أصدقائي
يومكم سعيد

115
قصــٓة الأمســـٓى

في وزارة المالية

إستلمت إضبارتي من السيدة عبير الشامي التي ستُصبِح أقرب من أخت فيما تبقى من سنوات إقامتي في دمشق الحبيبة
ودعتها بأبتسامة شكرٍ وامتنان دون أن نتبادل القُبَل المزيفة فهي وأنا في وعيّ تام وندركُ تماماً أننا في موقع عمل حساس
 ولامجال لما يثير الشك في العلاقة إذ لاتفصلنا عن كرسي السيد الوزير سوى خطوات وباب من خشب (وأي وزير إنه وزير المالية يا سادتي)
كتمت فضولي أمام عبير ولم أفتح الإضبارة للتأكد من الموافقة ومن توقيع السيد الوزير فلايليق بي ان أشك بصدق إبتسامتها وبرائتها وهي تحمل الإضبارة وتبارك بحصولي على الموافقة
حملت فرحتي وسعادتي وخرجت على أمل أن نلتقي قريباً
عند المصعد الكهربائي وانا بأنتظاره خذلني الصبر والتجلد ولم احتمل الانتظار ففتحت الإضبارة لأمتع نظري بلون الحبر الأخضر وكلمة
 ( مع الموافقة وإجراء اللازم ،،، وزير المالية)،،، وكم كانت تسعدني هذه العبارة في كل معاملة أحملها لخالي الحبيب إنها إنجاز كبير بل رائع ،،
خارج الوزارة وقبل أن اتوجه الى سيارتي التي ركنتها في ساحة لوقوف السيارات عرجت على حلويات نفيسه المشهورة وكافأت نفسي بصحن كنافة لذيذ
كنت أفكر بلقائي بخالي وألوم نفسي لماذا لم أضع رهان حتى لو مائة ليرة سورية ، فأنا لا اطمع بالكثير برغم ان المعاملة تستحق الآلاف ولو فعلها غيري من الإخوة السوريين لادعى انه دفع الرشاوى للوصول الى مكتب الوزير ، ، أخ يا إمرأةٌ لا تعرف إقتناص الفرص !!!!
كنت سعيدة بيني وين نفسي بما أنجزت دون دفع ليرة واحدة إنما إسلوبي وتعاملي وبساطتي وأخلاقي هي التي ربحت الجولة ولن أفكر في الماديات
توجهت الى مزرعتنا بل واحتنا الجميلة التي لم تكن تبعد عن دمشق سوى عشر دقائق بسيارتي وقيادتي المعتدلة لها وهي أقرب مناطق الريف الى دمشق
استقبلني خالي الجالس بقلق واضح وهو ينفث دخان ارجيلته ،،، متوتر فالموضوع كان سيكلفه نصف مليون ليرة سورية تقريباً وهذا مبلغ كبير جدا وعندما كتبت مطالعتي بأسلوب مختصر أوضحت فيها ملابسات الكشف المالي والضرائب التي وضعها الموظف وهو جالس خلف مكتبه دون الكشف الحقيقي على الواقع  تكرم السيد الوزير فوافق على إعفائي من هذا المبلغ دون حتى ان يلتقي بي ويرى وجهي ( حقاً انه إنجاز كبير)
كنّا في مثل هذا الوقت تماماً يعني نيسان والكذب مباح فيه
قلت لخالي بصوتٍ شبه حزين أسفة خالو لم يوافقوا على طلبي
ردّ قائلاً : ألم اقل لك ،،، الموضوع معقد وصعب جداً  انه مبلغ كبير ولن يتساهلوا رغم ان تقديرات الموظف نظرية ولم يتم الكشف على ارض الواقع
لم يتحمل قلبي الضعيف الاستمرار في كذبة نيسان ورؤية خالي حزين وأنا أمتلك مفاتيح الفرحة الكبيرة ضحكت وقلت له مبروك تم إعفاءنا من الضريبة
لم يصدق وتصور أنها مزحة لتلطيف الأجواء
قدمت له الإضبارة فكانت دهشته كبيرة وفرحته لا توصف ، نهض من مكانه وقال انهضي ايتها البطلة يا نعمةً من الله أهداها لي بدعاء ورضى جدتك الطيبة 
ضمني بين ذراعيه ضمة أب حنون وقبل رأسي وشكرني وقال هيا الى البيت لنغير ملابس العمل ونرتدي أجمل ما لدينا
آنستي الجميلة هل تتكرمين بقبول دعوتي على الغداء في أجمل وأرقى مطاعم عين الفيجة
قلت : بكل سرور ومحبة يا طيب القلب ،، مكافئة استحقها
أليس كذلك ؟؟

أما بخصوص الصديقة عبير الشامي
سنكمل غدا قصتها بأذن الله
تحياتي لكم أصدقائي

116
يحتاج المتلقي في هذا الوقت إلى رؤى درامية غير نمطية، إذ ان الحداثة قد شغلت صناع القصة القصيرة والرواية والقصيدة،لإرضاء ذائقة القارئ ومشاركته في مجرى الأحداث من خلال دس الأفكار العصية على الإدراك ومحاولة تسويقها على أنها اشتراطات وضرورات لابد من الأخذ بها ومواكبة تطورها حتى جاء البعض منها بردود عكسية، أفضت إلى أبواب مؤصدة أمام حركة تقدير وعي المتلقي وتسويق لغة قصصيةمقنعة له تتوفر فيها عناصر القص التقليدية، و مادمنا في قصة (رماد) للأديبة، الشاعرة والمترجمة الأستاذة ليلى الدردوري فلابد أن نتابع مسار تطور الحدث في بنية هذه القصة الأمر الذي اعادنا إلى فصول موروثة قد تجمعت واختزنتها ذاكرتنا، لأعمال عمالقةمن الذين شغلوا عالمنا في فترة ازدهار الرواية بكتابات خالدة، أمثال نجيب محفوظ، الطيب صالح، عبد الرحمن منيف، الطاهر الوطار، غادة السمان، لطفية الدليمي، عبد الرحمن مجيد الربيعي، وآخرون، لايسع المجال لذكرهم في هذه الإشارة ألمتواضعة، لكن عودة اشتغال السيناريو بهذه الدرامية الساخنة جعلنا نبحث عن تشكيل جديد في بناء قصة محكمة مشدودة مثلما جاءت به الأستاذة ليلى الدردوري، وإذا ماتوغلنا في نسيج هذا العمل والذي نأمل أن تربط أجزاؤه بفصل آخر يستجيب لتساؤلات المتلقي ضمن تطور بيئة القصة، نلحظ قدرة الكاتبة على الإرتقاء بعتبة النص ومسايرة جنوح اللاعب، المرأة التي شحنت ذاكرة الدراسة الجامعية واستغاثت بزميل لها في شقة  يشغلها بمفرده، نرى الوضع السايكلوجي الصعب التي صنعته الكاتبة وهي تسوق لواقع موجود فعلا وبلغة إمرأة استطاعت أن توظف كل أدوات التخيل والقص الجميل المدهش واللغة الماتعة القريبة إلى مداركنا، اذ أبدعت في تجديد رداء الكتابة النسائية الان وما أحوجنا إليها لمعايير  متأصلة فينا ولعوامل ذاتية وموضوعية، منها، لمكانة المرأة ودورها التربوي والانساني في اعرافنا وتقاليدنا وقيمنا، وقبل ذلك، قدرها المحبب الذي منحها الله العلي القدير لها، بإعتبارها صانعة الإبداع ومنهل العطاء، ولديها القدرة السحرية أن تجذب بمهاراتها الخاصة عوامل الإبداع والنمو والتطور، هذا ما أجده في تراكيب مشهد قصصي اعادني إلى بدايات نشوء القصة، أعتاب القرن الفارط..
*********
رماد...
قصة قصيرة
ليلى الدردوري
_متعبة
_حد الموت
_حزينة
_ أنا حزن بملامح امرأة
-تبدين مشغولة البال بأمر ...ما
رفع رأسها من على كتفها تأمل شروخها في مرءاة ملامحه ولم يعقب
لسانها مكبل بظلام و خوف من أمر لا يدركه وقد يدركه على عادته .قبل هذا المساء كانت ولاتزال مجرد أنين مكسور بنبرة دوار ويأيس أنثى أضاعت شالها وحقيبة يدها في منعطف ما وظلت تركض في شارع طويل ثالثهما مطر.تلهث تسقط تتمرغ مع مجرى الماء العكر تبتل تستجمع قواها تنهض وما تكاد حتى يلاحقها طيف شبح يطاردها ومن رعب يلقي عليها ظلال فزع صؤول.
لا صاحب في الحلكة سوى نزف من الكوى والنوافذ المغقلة ولا أقدام تدق الاسفلت وألم موخز حاد ما ينفك يوخز القلب والدماغ.
الى الان لا تتذكر كيف صعدت العمارة حيث شقة (أحمد) لابادة الشبح وكان يقطع عليها منعطفات الشارع الطويل حتى المصابيح كانت شاحبة في ذاك المساء الاسن.طرقت باب الشقة وزوبعة أحزان كبيرة تغمرها وتكسر جدارات ذاكرتها بمعاول قسوة .فيما خريف يضاعف العتمة .خريف كالبكاء كالغصة وقتامة مثلها. الان تفكر بمكان فقط .مكان آمن تقضي فيه الليل بعيدا عن زوج كتابها معه كالليل ينبو بالويل.ماذا..لو ارتكبت الليلة بالذات حماقة قبل أن تأتي الى (أحمد) كأن تكسر رأسها نصفين بقنينة زجاج سميكة مثلا .أو تقطع شريانا منها فينتهي كل شيء .وبعدها توا تحمل نفسها تحت ستار ليل الى موقع مجهول.
لا تدري كم من الوقت عاشت و(أحمد) ينظران الى بعضيهما في عمق الصمت مثل طائرين يلفان الكون هي بفعل الخجل والخوف والندم .ربما بفرحه كطفل مزهو زيارة مفاجئة له من طرف أنثى زامنت ليلة ممطرة وعاصفة معا و وتحديدا في اخر ليل.رمق هو ارتجافها وكانت لا تزال تشيح النظرالى نافذة تنفتح على الشارع كانها تومئ الى الشبح في الخارج فيما لا يزال يتوعد وينتظر ها .فيما كانت مشاعرها تعيد ذكرى احلام هاجعات تحملها سرا قبل ان تغفو على ظمأ.
أجلسها على أقرب كنبة ربت على كتفيها الباردتين تتذكر كيف أهداها من سنوات فرحا صغيرا ذات صيف قبل أن تبدده خريفا في صدى وهم مقفر حين عشقت رساما بين أمس وليلة ثم تزوجت منه بين ألوان قوس قزح.
والان كيف تجرأت وعادت ذات ليلة من خريفها خائبة هاربة من حضن زوجها / الرسام حيث لا تنام في الليل ولاالنهارا دون أنترافقها كوابيس وخنجر تلمع في مراءة فضية على مقربة من أباجورة سرير النوم .
(احمد) صديق الدراسة وسنوات الأحاديث الخبلى باشعار (ماوتسي تونغ) والموت / والبعث العربي . ملاك الأمس (أحمد) لكنه الان انجرف نحو حياة جد عادية وصار يحيا ويعيش بمشاعر وجسد رجل يعيش يومه داعيا غده لدهر الغيب
.قبل قليل كان صوت شفاف هامس ينوس من شقته صحبة ضوء أحمر قاني و خافت حين كات هي تدق باب شقته بقوة.ماذا عاد ..يهم ..لو كان صحبة امراة .صوت مقطع محبب لجاك بريل يغمر الغرفة حتى الدرج=c est dur de mourir en printemps
.حين فتح الباب ما استفسرها لكنها.......................
شعرت به يرمقها في المرآة ومن دون أن يشعر أنها تفضح ما يداخله من بقاياهما اقترب منها سوى شعرها معيدا اليه شكله الغجري. باغثته على عادتها منذ زواجها من زمان=
_ أحمد نحن صداقة سنيننا احوج لغطفة منك لا لعناق.

117
المُصادفة القدّرية بين الشَّاعرين ، فـي "  البَحر " أنموذجا .
        " بدر شاكر السّياب " و " شاكر العاشّور "
عدنان أبو أندلس
       كان ذاك في أوائل تسعينات القرن الفارط ، كنتُ حديث التعيين ،  وفي إستراحة ما ، وعلى هامش الحياة الرتيبة في الدائرة ، خرجتُ مع صديقي لي كي نشم هواءً طازجاً وندخن أردأُ السجائر ، ونحنُ وقوفاً طفنا دواوين الشعر بالقصائد ، إستذكرنا ظاهرة اللون في الشعر العربي وتوظيفاتهِ وقد  ذكر ليّ اللون " الأزرق "  أجبتهُ  وكما هو في مجموعة الشاعر " شاكر العاشور " دمُ البحرِ أزرق " قال أتعرفهُ ؟!. قلتُ لا ، بل سمعتُ بهِ منذ مستهل الثمانينات وعبر مجموعتهِ التي ذكرتها ، ردّ ضاحكاً  أنا أعرفهُ جيداً ، قلتُ : هل  رأيتهُ في المهرجانات !.. قال أبداً ! لمحتهُ قبل لحظةٍ مرّ من أمامي وتبادلنا التحية سوية ،  ومضى إلى دائرتهِ القريبة من هُنا  ، حقاً لم أصدق لحظتها ،  " شاكر"  في البصرة ، ونحن هنا الآن ، لم يخطر ببالي أنهُ يبعدُ عني سوى أمتار ، فعلاً ذهبنا إليهِ  ورحب بي دون معرفة ، علماً بأني لم أطلع على ملامحهِ سوى في الدوريات ومنذ فترة طويلة  ، ولم تسعفني الذاكرة لحظتها بالتعرف عليهِ  .
المهم رحب بي كثيراً لسؤالي عنهُ ، وأجمل ترحيب كان " حبوبي "  لن تنسى أبداً ، وتواصلت لقاءاتنا في الدائرة وخارجها وبعض المحافل الأدبية في المدينة ، ومنها تواصلت لقاءاتنا ، وعرفتهُ فيما بعد شاعراً مميزاً وناقداً ناضجاً ومحققاً باهراً ، أفادني كثيراً ما يخص الأدب وفنونهُ  .
كان يُقّوم لي قصائدي ويبدي لي آرائهِ، ولا أنسى بأني قدمت لهُ نصاً مكثفاً ، أستل مني القلم وأشر على النص بدائرة " رائع جداً " كم كانت شهادة رائعة أعتز بها إلى الآن .
هو بصريّ المولد  في المدينة السّاحرة التي تُعطي ولا تأخذ ، أعطتهُ الشعر مبكراً غير أنها توسطت القلب ، المدينة التي يقتعِد ُتحت كل نخلة منها ، شاعرٌ ، المدينة التي وزنت  عصف الريح ، إنسياب الماء والموسيقى  بكفة الفراهيدي .. هو الفتى الذي فتح عينيهِ على تشعبات الأنهار والمسطحات المائية اللامعة ، جال ببصرهِ على أتساع برقة الماء وساير النهر حتى المصب .. ظاهرة  الإتساع لمستها في إيحاءاتهِ كثيراً .إنه البحر ؟! التأكيدي . إتسعي مثلما جسدي \ فوق هذه المياه \ يدافع عن زرقتهِ البحر .
هذه الظاهرة التي رأيتها في نصوصهِ وخاصةً مفردة " البحر " والتي وظفها لأكثر من عشرين مرةٍ في مجموعتهِ الشعرية " دمٌ البحرِ أزرق "  في حين لا تتجاوز صفحاتها على الثمانين ، حتى في كتيبهِ والذي يحمل  عنوان مجموعتهِ الشعرية البِكر " أحببتُ الجارة يا أُمي " والذي قلتُ وأقول حين أتحسسهُ ملياً ، بأنهُ الأروع في العنونة من حيثُ  التسمية الفريدة  والتي كلما ردّدتها مع نفسي همساً ، تزدادُ رونقة ونصاعة وبهاء من حيثُ،  الأعتراف البرئ ،  الإفصاح المستكين  ، الإلتماسة  بالذنب الأبيض حقاً ، ولو بعدد صفحاتهِا الـ  16 صفحة لاتخلو منها مفردة البحر أيضاَ ، فالبحر يعدّهُ العاشور رمزاً للخير والحياة والصفاء والأمل ... لذا لجأ إلى تكرارهِ كي يروي ظمأهُ وغربتهِ  ؛ تدرج في سفريات الماء من ضفاف التنومة مروراً بـ شط العرب وساحليهِ – فالخليج العربي ثم بحر العرب ، فالبحر المتوسط ، فبحر مرّمرّة ،حتى أبحر إلى بحر الشمال وكأنهُ يضمن قبل سفرهِ وجود بحر هناك .
فالعاشور لهُ لغتهُ السهلة الواضحة السليمة ، حيثُ رؤاهُ محلقة في الأفق البعيد  وحسب قناعتي بأنهُ  " ناسك ُالبحرِ " لكثر ما وظف وأشاد وتفاعل معهُ ، رؤيا ورؤية وتحليقاً وإبحاراً , وفقاً للإحصائية التي أشرتُ لها سلفاً ، كثف وضخم ، إشتغالاً وتأصيلاً ، فمفردة " البحر " ومشتقاتها أكثر من غيرها نالت حصةً في نصوصهِ الزاخرة بالندى والهدير مها : الشاطئ – الساحل – الضفاف – الضباب – الإتساع ، هذه المفردة الحصرية كما أضن قد جمعتهُ قدّرياً مع شاعر المطر " السّياب "  رائد قصيدة التفعيلة من حيث المسيرة الأدبية – تماهياً  - تقارباً ؛  وحسب إنطباعاتي الشخصية – إستقرائياً - تتابعياً ، بدءاً من تناص العاشور مع السياب في " البحر،   غيلان ،  وفيقة ، جيكور ،  وغيرها مكملات التناص وحسب رأي الناقدة الفرنسية " جوليا  كريستيفيا " "  أحد مميزات النص الأساسية التي تحيل على نصوص أخرى سابقة عنها ، معاصرة لها ".
 وهي تعني  التي وظفها ، ففي البحر يقول السياب :
هدير البحر يقتلُ من دمائي من شراييي – حِبال سفينةً بيضاءَ يعيش فوقها القمر- ويرعش ظلها السحر . والعاشور يقول :
 إنهُ البحرُ – فلتتسع شفتاكِ – وتمتدُ أذرعةُ الشوقِ .
 هذا التوظيف للبحر يدخل في دائرة المكان .
 عرفناهُ مكان مسطح سيال ، فكيف نعرفهُ بزمانهِ ؟!... ربما توقيت ظاهرة المد والجزر ومعرفة زمان حدوثهِ ، بأمواجهِ الهادرة وشواطئهِ \ المتلاطمة \ المنكشفة .
 فالتناص في وفيقة – : شباك وفيقة في القرية – نشواٌن يطل على الساحة .
لو أن يديكِ تطوقي الآن – أحس بأني الآن جدير منكِ – بقبلة ...... يا زهرة
وغيلان لهُ الحظ الأوفر في توظيفهما :
يا سلْم َالدّم والزّمان: من المياه إلى السماء\ غيلان يصعدُ نحوي ، من تراب أبي وجدّي .
 فالعاشور يقول : فيا غيلانُ عُدْ للبيتِ ياغيلانْ \ لأمكَ للصبايا يرتقبن الليل في لهفةْ.
  بنفس الوحدات المتقاربة بنيت القصيدة  حيُث نرى التقارب المتطابق الضمني بينما .
 وللعاشور " علاوي "  آه علاوي \ الليالي إنطفأت منذُ إنطفأتَ \ وصباحاتي التي تشرق من عينيكَ \ غابت  .. في استنتاج شخصي بينهما من حيثُ النشأة والمسيرة الأدبية والاجتماعية ، رأيتُ هذه الثنائيات التي تربطهما معاً ، تطابقاً ، تماهياً ، لم أبتغِ المساواة بينهما من حيث الشعرية ، فالسياب شاعر عالمي تخطى القُطرية والعربية ، والعاشور شاعر عربي تجاوز الحدود القطرية ، بل هو ترف أدبي أحببتُ أن أسردهُ بهذه الصيغة كـ إستذكار ليس إلا . فـ السّياب ولد ونشأ في البصرة ، كذلك العاشور ، أكمل السّياب دراستهِ في إعدادية البصرة ، وكذلك العاشور . السّياب إنتقل في الجامعة من اللغة العربية إلى اللغة الإنكليزية ، والعاشور أنتقل من اللغة الإنكليزية إلى الحقوق ، السّياب ذكر " وفيقة " في شعرهِ ، والعاشور ذكر " زَهرة " في شعرهِ ، السّياب لهُ  ابنتان وولد " غيداء ، آلاء ، غيلان " والعاشور لهُ ابنتان وولد " ليال ، ريما ، عليّ " السّياب كتب الشِعر في عُمرٍ مبكر عام 1946  ، و العاشور كتبها عام 1964، ياللمصادفة العجيبة ، فقط قلب الرقمين  .
 حين نشر السّياب قصيدتهِ الأولى  ؛ لم يكن العاشور قدْ ولِد بعد ، وحين كتب العاشور قصيدتهُ الأولى كان السّياب تحت التُراب . السّياب نشر قصيدتهِ بعد 5 سنوات من ثورة مايس 1941 ، العاشور نشر قصيدتهِ بعد 5 سنين من ثورة تموز 1958 .
  ظاهرة الغربة عند السياب بداًت في الكويت ، كذلك العاشور في الكويت . حصلت في تاريخ مسيرة السياب إنتكاسة 1948 ، فاللعاشور إنتكاسة 1967 . بعدُّ عمر السّياب الشعري بـ 10 سنوات حدثت حرب 1956 ، كذلك بعد 10 سنين من عمر العاشور الشِعري حدثت حرب 1973 . فُصل السياب من الوظيفة واُعيد للخدمة بعدها في شركة الموانئ العراقية ، كذلك العاشور فُصل من الوظيفة وأُعيد للخدمة في شركة ناقلات النفط العراقية .
أصدقاء السياب  الأدباء في البصرة هم" الشاعر محمود البريكان ، القاص  محمود عبد الوهاب ، الشاعر سعدي يوسف " هم أصدقاء العاشور ، أصدقاء السياب في الشّام " أدونيس ، محمد الماغوط ، أُنسي الحاح " هم أصدقاء العاشور أيضاً، السياب رائد قصيدة التفعيلة ، والعاشور عضو فعال فيها ،  ولا يمكن أن ننسى بأن السياب هو مدرس العاشور في مرحلة الدراسة المتوسطة ، ويمكن أن يقال أخيراً بأن إسم " شاكر " المشترك بينهما ، وكلاهما ضعيف البُنية ، كذلك من الصِدف القدّرية أن يرثي ثلاث شعراء" تفعيلة "  وهم  البياتي – رشدي العامل – العاشور ، كل واحدٍ يرثي إبنهُ  المسمى " عليّ"  ولاننسى عشق السياب والعاشور لمدينة  " بيروت " التي اضحت واحة للراحة والكتابة و للتنفيس عن الهموم الغائرة في أعماقٍ لا يمكن أن تبرأ يوماً .
العراق
31- مايس -2017  .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

118
في العام ١٩٧٢ دخلنا للدراسة في متوسطة العاصفة في الخضرانية وكانت تحتضن الطلبة لمنطقة شاسعة تبدأ من الايمام الغربي شمالا الى الحورية جنوبا وكان مديرها انذاك الاستاذ نجيب الياس ومعاونه(المدير اللاحق) الاستاذ زهير حمودي الوتار ومن اساتذتنا الاجلاء الذين لازلنا نذكرهم بخير المرحومين منفي خليفة عيسى (مدرس الاحياء) ومحمد عبدالله الكبيسي وصالح محمد خلف المشهور وخزيم جدوع الجميلي وكذلك اساتذتنا طيبي الذكر حجي سلمان فرج لفته وصالح فياض من الزوية، وكان من نصيبنا اننا كنا اول دفعة للخامس العلمي وكذلك للسادس العلمي حيث تخرجنا في العام ١٩٧٨، ومن الجميل والطريف الذي نذكره هو قدوم أبناء قرية الايمام الغربي السبعة عشر بسيارة (قمارة) شوفرليت تاكسي ربما مويل ١٩٥٥ تعود ملكيتها للمرحوم صالح النجم (والد المرحوم العميد الركن مهدي) وكانوا يأتون بهذه السيارة صباحا ويبقى ينتظر خروجهم الى  فترة الظهيرة وكان من بين السبعة عشر المرحوم شهاب العبيد(علمت انه توفي في السويد بعد ٢٠٠٣) وكان رحمه الله بدينا جدا وكان قاضي الشرقاط انذاك (الحاكم) كاظم هندي وكان شديدا ويتدخل في كل شئ ومصادفة مرت من أمامه سيارة المرحوم صالح النجم وركابها السبعة عشر أضافة للسائق  فأوقفها وهو منزعجاً جداً وانزل الركاب من السيارة وقال للسائق لا اريد الاّ ان ارى هذا العدد كيف يصعدون اليها ثانية ويجلسون فيها !!!!، كان من دورتنا (السادس العلمي) الاخوة الاعزاء حامد عبد سليمان(معلم) وأبو نجوى ابراهيم حمد عبد(موظف مستشفى الشرقاط) وعبود مصطفى الحادي (موظف متقاعد) والفقيد حمد محمود عابد(ضابط مهندس) وفارس علي احمد(كيمياوي) وانور انهاب صالح(موظف متقاعد) والمرحوم عزيز جاسم(ضابط سابق) وسليمان محمد حسون(موظف) وعبدالله قنفذ (مدرس متقاعد) والفقيد خلف عبدالله الكحيط(موظف صحي) وعلي محمد حسين (متقاعد) ومجيد حسن حمد(معلم متقاعد) وخليل فتحي (ضابط مهندس متقاعد) وفائز مخلف سلطان(ضابط مهندس متقاعد)  وخلف احمد حسين (موظف) واني اخر (الكاشه) ... وسلامتكم .

119

هذه قصيدة ( الشرقاطي ) من ديواني ( تأملات في ذاكرة الوجع ) الذي سيصدر قريباً ان شاء الله عن دار شمس للنشر والاعلان المصرية ، وهي مهداة الى الأخ فهد عنتر عبود الدوخي كرد على احدى قصصه المنشورة والتي جعلني بطلها . .

الشرقاطي

ستار جبار البياتي

 الى . . الأديب فهد عنتر الدوخي
ذكرى أيام المستنصرية الجميلة

(1)

يا صَديقيَ النَبيلْ . .

لَقـدْ تَجاوزَ العُـمرُ السِتّينْ !

وَحينَ التَقْـينا

كُـنّا يوْماً في العِشْرينْ

منْ كانَ يُصدِّقُ إنَّ العُمرَ ، سيمُـرُّ هكَذا . .

أسْرعَ مِنَ الضَّوءِ بِلا عَـثراتٍ ؟

حَزينْ !

تَـرَكَنا وَراءَهُ . .

بِخَـيْبةِ الحروبِ ،

وَتَـرقُّبِ السِنينْ !

وَأصدِقاءٌ بنكْهةِ الثمانياتِ

وَذاكرةُ القطارات . .

تمْخُـرُ عُـبابَ الليْلِ بِأنينْ

أسْبوعاً بعـدَ أسبوعْ

مرّةً الى الشِّمالِ

وأُخْـرى الى الجّنوبْ

ولازالَ الحُـبُّ فـينا يا صَديقي

لمْ يعرِفْ النُضوبْ

كأنَّهُ سِمْفونيّةَ يَنْـبوعْ

وَهمْسُ صَبايا وضِحكاتْ

وَليالُ عِـشْقٍ وخَـيباتْ

قَـلباً واحداً كُـنا بكُلِّ النَبضاتْ

وَجُـنيْنةَ وَردٍ مُلوّنةٍ بِالأحْبابْ !

مِنْ كلِّ بيتٍ فيكَ يا عـِراقْ . .

كانَتْ نَسْماتُ اللَيْلِ تُداعِبُ أهْدابَ الُعُيونْ

وعَصرّياتُ آذارْ

مُنذُ كُنّا نَهْمسُ لِلأشْجارْ

ظَلّتْ مُزدانةً بالرَبيعِ والأزْهارْ

نَديّةٌ كَطيبةِ قَـلْبِكَ ، ذاكِرةُ المُستنْصريّةِ !

في كُلِّ شِبْـرٍ مِنْها ذِكْرياتْ . .

ونَزيفُ دُموعْ

خَلْفَ الأسْوارْ

عِـنْدما كانَ الغَـدُّ هُناكَ مَحْضَ أحْلامْ

بِغصّةِ الشَغَفِ والحَنينْ

(2)

يَوماً كانَتْ سَفْـرتُنا الى سامرّاءْ

أتذْكُـرُها ؟

وَكَيفَ كُنَّ الجَميلاتْ

يَمْشينَ الهُوينا بِزهوِ تِلكَ الأيّامْ

وتِلكَ الصّديقةُ السّمراءْ . .

كأنَّها شَهْـرزادُ أو عُـشْتارْ

تُدغْدِغُ بهاءَ الرّوحَ بالابتِسامْ !

ومَرّةً أُخْرى ، سافَـرْنا الى المَوصِلِ الحَدْباءْ

أمِّ الرَبيعينِ ذاتُ الكبْرياءْ

يا صَديقيَ الشِرْقاطيُّ . .

أنتَ ابنُها البارْ

وحفـيدُ حَضارتِها

ووَجهُ آشورَ والنَّهارْ

(3)

وَبَعـدَ كُلِّ تِـلكَ السّنواتْ يا صَديقي

ما عادَ في العُـمرِ غَـيرَ قَـلبٍ موْجوعْ

ومَنافيَ وشتاتْ

ومَوتٍ وإرهابْ

وبقيةِ أصْحابْ

وبَيْن سَنا الروحِ والأرضُ الخَرابْ

وجعُ الأيّامِ . .

يَعْصِرُ قلوبَنا

يَطْحنُ ذاكِرتَنا بِكُلِّ ذاكَ الأسى

وَبِكلِّ قَسْوتهِ يُداهِمُنا الوَقتُ

وأنتَ كَما أنتَ !

مُنذُ ذلكَ الحينْ

لازلتَ تَـتوضّأُ بالمَحبةِ

وَفياً لتلكَ الصُحْبةِ

والمَدينةِ وقُـراها

وبوابةِ آشورَ التي قَـلبُكَ اصْطَفاها

(4)

وفي مَساءاتِ ذاكَ العِشْقِ آنَذاكْ

وتأمُّلاتُنا في ذاكِرةِ الوَجَعِ الآنْ !

يمُرُّ في البالِ سِحْـراً ، صَوتُ أمِّ كلثوم . .

( ذِكرَياتٌ عَـبرَتْ أُفْـقَ خَيالي

بارِقاً يَلْـمعُ في جُنْحِ اللَيالي

. . . . . . . . .

ذِكرَياتٌ داعَـبتْ فِـكْري وظَنّي

لسْتُ أدْريَ أيّها أقْـربُ مِنّي )

وَبيْـنَما يَبقي الأملُ يُلامسُ شِغافَ قُـلوبِنا

فحَتّى اللحْظةِ يا صَديقي . .

لا مَـفـرَّ مِنْ وَجِعِ الذِكْرياتْ !

                                               بغداد

                                        في 6/8/2019

120
///////////// سؤال وعرس في عقل صبي//بقلمي///////
السلام عليكم...
ذات يوم عندما كنت بعمر طفل وأميل لبلوغ الصبا حيث كنت أحاول أن اتحسس مايدور من حولي تارة بالتدبر وتارة بالأسئلة العفوية التي تحمل شيء من فضول الطفولة وشي من جرأة الصبابة معآ مع صفاء النوايا التي تشتهر بها النفوس الوافدة الى الحياة حديثآ ولم تغوص بمستنقعها بعد...ومن تلك المواقف أذكر انني سألت تلك العجوز الكبيرة في السن وعلى ماأذكر كان سؤالي بعد وليمة عرس وتأثري بالمشهد الذي رافق الحفل الذي كان أول حفلآ اراه في حياتي..فقلت لها كيف يحدث العرس ياجدتي؟
فقالت (ياوليدي)يحدث العرس عندما يخطب الرجل المراءة فيعطيها والدها عن قناعة منهما.....فقلت واذا لم يعطيها؟فردت قائلة لايحدث العرس...ثم اطلت الأسئلة مع تلك العجوز الحنون مستغلآ حلاوة كلامها وعطفها اللا محدود فكانت تجيبني ولم تنهرني  تجيب حسب ماكانت تعتقد به مع سلامة فطرتها  ..فقالت ياابني أن الله قد اؤكل ملك من الملائكة يقسم كل شيء في هذه الدنيا فيقسم الأزواج ويقسم الأصدقاء ويقسم الأرزاق والجيران وكل شيء حتى الافراح والاحزان فلايحدث خلل في هذه الدنيا انما كل موزون بأمر الله وهذا الملك مايفتر عن الكلام وهو يقسم ويقول (شينة وزين وزينة وشين)أي بمعنى انه ان كل شيء جميل يجمع مع شيء ليس بنفس الجمال فالمراءة الجميلة ومكتملة الصفات يعطيها لرجل اقل تدبيرآ لأمره  واذا كانت المراءة غير مكتملة النضوج او متوسطة الجمال  اعطاها لرجل راجح العقل وجميل الوجه حتى يكمل احدهما الأخر وهكذا في الاصدقاء فصديق السوء يجد له صديقآ طيبآ خلوقآ فيصلحه والجيران وووو.الخ.ثم اكملت(ربك يوازن ياوليدي)
(ومايخلي خبزة فوق تنور)فقلت لها ألا يتعب هذا الملك او يخطأ فصمتت قليلآ وكأنها تستغرب سؤالي فقالت يصادف احيانآ أنه من شدة مايوازن يخطأ فيقول( شينة وشين ) فينتج عن ذلك زوجين او اصدقاء او جيران كسالى يكونون عالة على المجتمع واحيانآ اخرى يقول  (زينة وزين)فينتج عن ذلك زوجين او صديقين او جارين ناجحين يكونان نواة خير مكتملة في هذه الدنيا و ناجحة وهكذا .تعاقبت اسئلتي لتلك العجوزكثيرآ كثيرآحتى ملت فألجئتها للطريقة التقليدية للجم اسئلتي بجواب شافي وكاتم لأنفس الصغار(نام أوليدي لايجيك الحنفيش)..انقطعت أسئلتي لكن تفكيري لم ينقطع فكان يتخايل لي كمشهد سينمائي لذلك الملك العظيم وهو يقسم الأزواج والاصدقاء والجيران والافرا والاتراح وعن يمينه الرجال وعن يساره النساء وهو يردد شينة وزين....زينة وشين...كبرنا واختلفت انفسنا..ورحلت تلك العجوز الرحيمة ولأادري هل كانت تعتقد اعتقادآ بصدق تلك الرواية أم أنها كانت تريد فقط قطع الطريق لاسئلتي المحرجة فحاولت بطريقتها تشتيت افكاري بتلك الرواية لأن على مايبدوا أن الأجابة الحقيقية لسؤالي كانت اكبر من أن يستوعبها عقل طفل ......مضت الأيام والسنين والعقود وكلما عادت بي الذاكرة الى الماضي جاء في مخيلتي مشهد ذلك العرس وترددت في مسمعي  كلمات تلك العجوز(شينة وزين.و.زينة وشين) حتى بدأت أعرض  تلك القسمة على كل شيء في هذا الوجود فأراها فعلآ موازنة عادلة للكون فأن اصابنا حزن اعقبه فرح وألعكس وأن كان هناك شخص معوج رزق بصديق حميم يعدله وهكذا حتى وصلنا الى هذه السنين الخداعات التي توالت فيها النكبات وتسارعت فيها الأحداث السيئة فلم أعد أسمع الأ شينة وشين ....وزينة ايضآ للشين
...اما الزين فلم نعد نسمع له شيء على مايبدوفي هذا الوجود
ولعل قمة الشين للشين هو هذا العام الذي يتهافت مسرعآ لجلب كل مشين وحجب كل مايفرح..نسأل الله أن ينمي لنا الخير (الزين)حتى ترجح كفتة  ويدمغ الشر(الشين)حتى تختل كفته.....في كل شيء وأولها اختيار ولاة الأمر الذين بصلاحهم تصلح أمة....غفرانك يارب....دلوت بدلوي فكانت هذه غرفتي عسى أن تنال اعجابكم..عطر الله يومكم بالصلاة والذكر.ونجاكم بلطفه فيما جرت به المقادير والحمدلله رب العالمين.... تحياتي لكم اخوتي واصدقائي ........احمدفاضل

121
عودي أدراجك حياتي.. للشاعرة الكيبيكية (آن هبير )
ترجمة : ليلى الدردوري 
عودي أدراجك حياتي
فالحياة طريق مسدودة
انظري الحاجز يواجه الفصول الاربعة
والمسي بأنملك الرهيف حصاد الليل على طبق الأفق
عودي الى حياتك حياتي
اكتشفي عمق داخلك
المحفور كقبر
واسكني الحجر
تشبهي بمذفأة روحك المرصودة للمجهول
كل لك الوقت لتقتربي من فرقد كبير
شدي على قلبك الحازم
سافري في خطوط كفيك
وتقاطعي على طرق العالم
على شساعة البحر الرحبة
تخيلي عشقا جميلا يشتاق اليك في البعيد
يداه الرهيفتان سراعا تستعجلان المسافة اليك
لكن اقبضي أنفاسك
بحجم قوة العاصفة
على نسمة هواءك الباردة
لتبقي هادئة خفيفة
وناعمة
في أحضان صقيع الجذار
فحتى الأمل لا يستحق الأمان
فقد يحترق
ويتطاير
كالذخان
في الغبار
ويحصدك حياتي
حتى يسكب دمعك
فيا حياتي عودي ادراجك
واحتمي بالحجر

122
شَذَرَاتٌ
(14)
{ روائيون}
بقلم: د. أحمد الملا
.............................
.............................
    صَنعةُ الكتابةِ والسرد والقص ليست جديدةً على الكاتب المتألق خالد موسى سعيد ألجميلي. فمنذُ كنَا طلاباً في الجامعة كانَ زميلنُا خالد موسى ينشر قصصاً في مجلة الجامعة ومجلات وجرائد أخرى عديدة. أثرى الروائي المبدع خالد موسى مهارة القص والكتابة لديه من خلال شَغفهِ بالقراءة و مُطالعتهِ لِكتُب الروائيين العالميين المشهورين.
 وكنَا نناقشُ تلك المؤلفات في أروقة الجامعة وفضائها. و كان الروائي وما زالَ متأثراً بالبيئة التي نشأ وترعرعَ فيها, و لذلك فمن الطبيعي أن يَكتبَ بهذهِ الروعةِ وبهذهِ السلاسةِ والإبداع. و مما لاحظتهُ على أسلوب الروائي خالد موسى هو التطور المتزايد في روعة السرد الذي دفعني للكتابة عن روايته (لعنة الخابور) ما يقرب من 30 صفحة من الدراسة والنقد و التحليل. و الحقيقة أن تلك المقالة لم تكتمل إذ أن هناك الكثير من الفقرات التي مازلت دون دراسة وتحليل.  أسلوب السرد عند خالد موسى فريد, ولهذا كلما قرأت له تتمنى أن تقرا المزيد. والحقيقة أنني هنا لست بصدد تعداد مؤلفاته, فهذا أمرٌ معروفٌ للجميع, بل بصدد الإشارة إلى؛ روعة النص, وعذوبة القص, الذي يُشعِر القارئ القريب والبعيد:
 أن الروائي خالد موسى السعيد,
 قد نهضَ بروعةِ السردِ من جديد.

123
قصص قصيرة جدا_______فهد عنتر الدوخي
 إحتراف...
 اللص يعثر على إسمه ضمن قائمة الإصدقاء المفضلين في جهاز المحمول الذي سرقه من عابر سبيل..
تواضع ...
تواضعت نفسه العالية, ليعلم زوجته كيفية تصفح وسائل التواصل الإجتماعي, ولما أدركت الأمر وإشتد عودها أصبحت ماضي في ذاكرته.
متلون...
الكاتب, يهدي صديقه صاحب المكتبة, عدة نسخ من كتابه الذي ألفه مؤخرا, ولما نفذ الكتاب, وغاب اثره, أعاد شراءه من صاحب المكتبة..
حرية...
برحيل والدتها , إنفرط عقد الحجر المفروض عليها..
فساد...
زجاج المكتب يتصدع, من هول نكران الموظف لحقوق أصحاب الشأن..(الناس).
ضجيج...
كل الطيور تحلق  بفضاءها  الأرحب ,إلا طيور قريتي يقض مضجعها الضجيج..
إبحار...
سفينتي التي تبحر عكس التيار تحاول مجاراة السفن التي تبحر نحو مداها..

124
أستميحكم عذرا أيها الكرام لأدلوا بومضة مستنصرية خالدة في الضمير....
الى روح صديقي وعزيزي المرحوم عزيز محمد حميد الدليمي......من عبق الاهوار ومجامع الخجل ومنابع الوجس وبريبة زمانية حطت بي الرحال في مدينة السلام والجمال وبعد أن تحققت أمنيتي بصورة تذكارية مع النصب الخالد بالحرية  رجعت الفندق ناسيا الجوع الذي أنهكني لخجلي الشديد حتى من شراء الوجبة وسرعان ما تنطرت العودة كي اكلم اصدقائي عن بغداد وساحة التحرير وابو نواس والرشيد الذي لا يرخوا عناق السعدون..وبين اليقضة والمنام والتيه والسؤال دخلت ذلك العالم المليئ بزحمة الجمال التي أرعبت عيناي وأثقلت كواحلي خجلا وتعرقا ولم ارى غير الارضية النظيفة ملجا لعيناي  مرتطما بفتاة ماسكة هوز الماء بيد والمكنسة باليد الثانية وهي تجوب المدخل طولا بشراسة مع  الاتربة العطرة  ، لا تتعجب يا صديقي هذه البطة....شاب أنيق مليئ بالحيوية والطرفة الجميلة باللهجة البغدادية  التي أسكتتني لفترة ، وبلحظات تعرف على اسمي واخذني الى التسجيل وكنا حميمين لانفترقا وهو يكرر لاتقلق يا صديقي فالوالدة قد تبرعت بي لك...سروري لهذا الشاب قد انساني غربتي ودخلت قدماي بيته بعد ان رافقني دليلا للامام الكاظم ...وبك يا عزيز قد اصبحت عزيزا....وقصتك معي ترتقي ان تكون مجلدا...يعز علي يا صديقي ان لا اذكرك والناس تنهال بذكرياتهم الجميلة..انت الاخ الذي لم تلده الام وانت الصديق الذي جاء في وقت الضيق...اعذرني يا حبيبي لم اكن حاضرا عندما قتلتك الفئة الباغية ..اعذرني يا حبيبي لقد كتبت علينا الغربة ولم نجد إلا عزيزا واحد...بالدمع اكتب لك ذكرى طيبة  مترحما عليك وداعيا كل الخيرين بالترحم عليك...ان شهامتك وطيبة نفسك ونصاعة ضميرك قد كانت لي دروسا وعبر....انت الدليمي وانا الاسدي وفوقنا  رب رحيم وتحتنا أرض الرافدين فلم نعرف غير هذا فلعن الله من حرمني من رؤيتك أيها الانسان الرائع....بعد الاعتذار منكم رحم الله من ترحم على جميع الاخوة الاعزاء في الجامعة العزيزة

125
قصص قصيرة جدا...
لقطة *
إلتقط صورة مع صاحب (التك تك) الدراجة النارية، قبضوا عليه، سيروه إلى القضاء، كرمه القاضي بشارة الوطن...
نكران *
ترك لأبنائه ثروة لابأس بها، إختلفوا على فتافيت مخجلة، إنهارت أركان المنزل برمته.
دور *
في الوظيفة أمضت خدمتها  متعاليةعلى زملائها وعندما قست عليها الحياة وقفوا بجانبها.
فهد عنتر الدوخي
14/3/2020

126
أدب / شهرزادات.... ليلى الدردوري
« في: 07:20 12/03/2020  »
شهرزادات
ليلى الدردوري
ماجازفت عبثا بنت المستكفي بغرتها المطرزة
في انسكاب المحبرة
ولا رادفت الأخيلية غزوة النقع
بصهوة رخص خمسها اللطاف
ولا دونت المضرية ديمها على مناديل
صخر الاشتياق
حين بايعتهن
القصيدة سلطانات
العصور الماضيات
.......... الآتيات
ولا غازل ابن زيدون غريم الهيافة
تيجان النيلوفر
في مجالي الحوريات
ولا اقتنص شهريار متون الحكايا
في غناء الجراح
حين هام يلهو برمش
تاء النسوة
على مقصلة نزوة
وحين استفاق على سقوطه
صيدا في
شباك
مديتها الداهية
وقد طاوعته
فطنة الهدى
شهرزاد.....
 تغويه
الى بروق الحكمة
 ليستجدي الدهر
عمرا من تواب

127
وافر الشكر والإمتنان للصحافي والأديب الأخ الأستاذ ايوب بامبوغجي الذي زين يومي هذا بشذراته الملونة الجميلة، بعرض مقتدر وكتابة مهنية راقية لسيرتي ألمتواضعة، أسأل الله أن يديم عليك نعمة الإبداع والصحة والعافية...
*******
مبدع من مدينتي....

الروائي والقاص المتميز فهد عنتر....
فهد عنتر الدوخي تولد ١٩٥٧ نينوى / الشرقاط...
بكالوريوس علوم إدارية /كلية الإدارة والاقتصاد المستنصرية
موظف في شركة نفط الشمال... م. أقدم قسم العلاقات..
حاصل على الشهادة الدولية في منهجية تدريب القوى العاملة
له إصدارات كثيرة منها :
رواية  (آدم لايشبه جده) الطبعة الأولى ٢٠٠٨ ط٢   ٢٠١٦
 (  انتهاء المواسم) مجموعة قصصية
( المرأة الجدار)  مجموعة قصصية
وعدة دراسات منها  :  نبضات قلم و للضوء وجه آخر......
عضو الاتحاد العام لأدباء وكتاب العراق
عضو جمعية الاقتصاديين العراقيين
عضو رابطة الصحفيين العراقيين
عضو إتحاد الصحفيين العراقيين
عضو رابطة الصحفيين في كركوك
كاتب ، قسم التحقيقات الصحفية في جريدة العراق اليومية في الثمانينيات القرن المرتحل...
مدير مكتب صحيفة الإتجاه الآخر كركوك ٢٠٠٤ _  ٢٠٠٥
مدير مكتب فراديس العراق الأدبي والثقافي في كركوك
مدير مكتب معارج الفكر.. كركوك
عضو جمعية أصدقاء اللغة العربية حلب.. سوريا
شارك في أغلب المهرجانات الأدبية في العراق
نال الكثير من الشهادات التقديرية ودروع إبداعية من محافل
ثقافية وأدبية عراقية وعربية....
وكتب العديد من المقالات الأدبية والثقافية في الصحف والمجلات العراقية والعربية والمواقع الإلكترونية....
قاص وروائي من طراز عالي ويتميز بنكهة خاصة ورائعة
ينتقي كلماته ومواضيعه بدقة بالغة متناهية وشيقة
بارع جداً في التحول الأدبي في الكتابة وذلك عندما يقوم بتحويل القصة أو الموضوع من الواقعية إلى الخيال البعيد الشيق والمبهر بإمتياز وبكل جدارة وإتقان....
صاحب رؤية ودراسات عديدة متنقلا من نبضات القلم وأسرار الكتابة وطلاسمه وفك الألغاز بطريقة أدبية مبدعة
مروراً بدراسته للضوء واشعاعاته المستنيرة المتعددة الإشعاع
ولوجا في أوجه الضوء وتعدداتها بأفكار وأسلوب رائع جذاب
تاريخ طويل من الإبداع والتألق والتميز والتواصل....
تعمق في النفس البشرية والإنسانية من خلال روايته من آدم
لايشبه جده بأسلوب فلسفي خيالي متداخلة الواقعية والغيبيات في سرد الأشخاص والمحتويات مكاناً وزمانا
مروراً بالمرأة الجدار وأن الأنثى هي الحياة مكملة للمجتمع
وتعمقه في فصول السنة الطبيعية وانتهاء مواسمه الكاملة
عرفته من قريب بأنه إنسان رائع جدا وخلوق طيب القلب
متواضع جداً جداً... ولغاية درجة...
محبوب من قبل الجميع.. له شخصية متميزة وكاريزما نادرة
يجعلك تشعر بطيبته ويجذبك نحوه ويغصبك أن تقترب منه
بدون مقاومة ذات إبتسامة مميزة هادئ الطبع.....
كاتب ومؤلف واديب مبدع ومتالق وبارع بأسلوب خاص
يحب الخير للجميع.. ودائما يشجع الآخرين ويحثهم على
التواصل وإلى المزيد من التألق....
فعلاً أحببته لتلك الصفات التي يتصف بها وأصبح من أقرب الأصدقاء إلى نفسي وكأنني أعرفه منذ سنين طوال.....
تحياتي وتقديري له وتمنياتي بالنجاح والتوفيق دائما
وإلى المزيد من الإبداع والتواصل والتميز والتألق والنجاح
إنه الإنسان الرائع والأخ والصديق العزيز فهد عنتر الدوخي
أيوب بامبوغجي...... في ٦ من آذار ٢٠٢٠

128
في استذكار متوسطة حمام العليل للبنين :

عند مروري عصر اليوم الأربعاء ٤/آذار /٢٠٢٠ من أمام بناية مدرسة ابتدائية حمام العليل الثانية، اثار المكان اشجاني حقا، فالتقطت هذه الصورة أمامها بعد مضي أكثر من نصف قرن، عندما كانت هذه المدرسة في مثل هذا التاريخ من ستينات القرن الماضي، هي متوسطة حمام العليل للبنين التي كنت باعتزاز بالغ احد طلابها ، حيث كانت يوم ذاك المتوسطة الوحيدة في منطقة اطراف جنوب الموصل، حتى تخوم الشرقاط على ضفتي نهر دجلة . والصورة المجاورة لطلاب متوسطة حمام العليل في سفرة مدرسية الى آثار النمرود في ربيع العام ١٩٦٢.
وأتذكر أن الاستاذ حكمت البزاز كان مدير المتوسطة، والأساتذة المدرسين هم اسماعيل ابراهيم، وخالد القطان، وزهير جلميران، والفنان الكبير نجيب يونس، وابراهيم خضر، وابراهيم حقي، وغيرهم من الاساتذة الذين استعصى على الذاكرة تذكر اسمائهم لطول الفترة التي مرت على الاستذكار.
لقد كان ذلك الجيل من طلاب متوسطة حمام العليل ، جيلا رائدا بحق، نحت مستقبله بأظفاره بجدارة، وترك بصمة واضحة من التأثير بالإشعاع على من تلاه من الأجيال اللاحقة، من طلاب ريف أطراف جنوب الموصل .

الرحمة لمن غادر إلى جوار ربه، والصحة والعافية والعمر المديد للأحياء.

129
الشاعر عبد الحميد آل كلوت في مجموعتهِ الشعرية " اليمامة ".
التَحولات والتَحليق ، نبضة قلب وخفقة جناح .
     أول ما يستشف المتلقي من العنونة " اليمامة " ذلك الطير الوديع المسالم والمحبب للنفوس ، وهو يعني في اللغة " الهدف والقصد "  من طيرانهِ في البراري والوصول إلى عُشهِ  ، ثم تتوالى الأفكار عن زرقاء اليمامة ، وبعدها استذكار مدينة " اليمامة "  في الحجاز ، وغيرها من مطابقة التسمية ،  هذا التشابه قد يلمسهُ  المتلقي  في التركيز على العنوان ؛ بدءاً ....هذه التحولات تم رصدها من قبل الشاعر ؛ ربما ، لكن عتبة المجموعة الشعرية الصادرة عن دار النوارس للدعاية والنشر في الإسكندرية – مصر في العام 2019 ، بطبعتها الأولى ، وبصفحاتها ألمائة  ، وقصائدها ألـ 64 ، تفحصتها ملياً فلم أجد ما يُشير إلى ذكر المفردة ، بالعنونة بالمطلق ... هُنا استذكرت رواية " أسم الوردة للروائي الإيطالي – إمبرتو إيكو "هو الآخر لم يذكر ذلك قطعاً  ، يمكن من أن الشاعر قد  وضع العنونة بعد إكمالهِ النصوص ، ربتما . تُحيلنا عنونة الشاعر إلى التمويه وإبعاد الشك عن ذلك رغم أنهُ أثقلنا ونفسهِ برومانسيات الوصف حدَ النُخاع ، أستطرد كثيراً وأفاض بعواطفهِ حتى الغرق  ، غاص في البوح حتى الأعماق ، ونوعز السبب من أنهُ تربى على صيغة " أحذر " من اجتياز الخطوط الحمراء التي وضعت كحد أقصى لتشذيب التربية ، ومراعاةٍ البيئة وطقوسها وتقاليدها ، لا يمكن تجاوزها البتة ، إلا أنهُ بتوظيفهِ هذا قد أخترق المحظور في تمردهِ الصارخ بوجه العادات والتقاليد التي تحيد عن ذكر مفردتي " الحُب والعشق " جهاراً ، لهذا نراهُ  ولج في دائرة تسير بهِ إلى لون جمالي راقت لهُ فقعد لها في خلواتهِ التي أملت عليهِ كل ما بوسعهِ من التوظيف .إنها المدينة بحريتها ، وبصخبها ، وألوانها البراقة  التي راقت لهُ المعيشة فيها ، فصاغ ما يخطر ببالهِ من التذوق الجمالي  ، حتى خلتهُ قد صاغ قافية بحرف " الراء " تلاؤم الصوت المنغم بالترديد .فراح يوصف ما تراءى لهُ في الصِبا من حرمان وشقاء فكانت أقصى حالات التمني هي تهويمات الحب الافتراضي والبوح المعلن الضاج بلهفة لقاء آتِ ، أو موعد ماضٍ ، هذا الانغلاق من تسلط حياتي قد أجاز لهُ الانفلات  عقلياً  من الواقع القاسي ، إلا أن حسرات الماضي تطاردهُ بين فترةٍ وأُخرى ، لذا يغور في أعماق العاطفة بعيداً عن أعين الوشاة ، فجُل خلواتهِ هي حوارية مع النفس وثالثهما " الخيال " الذي لازمهُ طيلة النصوص ، فكان العتاب واللَوم ديدنهُ في خاتمة القصيدة من سخرية لاذعة أو دعابة حياتية وغيرها من إشكالات التعبير المجازي إن صح التعبير، فكأنما يشطر حوار الحُب إلى نصفين بعتاب جاهز .، لكني رأيتُ عبارات جاهزة يرددها العوام مما أبعدتهُ عن شعرية بعض القصائد ؛  تماماً ـ لذا يلاحظ بأن أمانيهِ تعثرت أو قُل تبعثرت وفق هذه الصياغة الجاهزة وفق رسم بياني أملتهُ الحياة القاسية آنذاك فأصبح ينوء بثقل ذلك من الموروث الذي لازمهُ طيلة فترة حياتهِ وشطراً من شبابهِ . رأيتهُ شاعراً مسكوناً بالحيرة والبؤس والشقاء والعتاب والترجي ، يخاطب النفس همساً على لسان معشوقتهِ التي رسمها بحوارية الحواس الخمس وعلى شكل قُبلات مؤجلة ، خلتهُ وزع عاطفتهِ الملتهبة على هذه الصفحات في شعور جياش ولقاء يتيم وموعد مُلغى ، كل قصائدهِ مبنية على العُشق فيها ، لهذا أُستهل بها قصيدة " أنتِ مُلهمتي " ص11 والتي يقول فيها :
قالت : ما الذي يُلهِمُك
قُلتُ : يُلهِمُني شَعرُك الأشقر
ووردٌ على وجنتيكِ
من خَجِلِ اللقاءِ باتَ أحمر
.....................
.....................
...........
....
وكلامٌ عذبٌ جميلٌ
من فمٍ مِلئُهُ السُكر....... آهٍ من تُفاحكِ الأحمر وعقلٌ قلَ مثيلُهُ
لا بل في هذا الزمانِ يَندَر.
حوارية من طرف واحد أشبه بـالتمثيل من ممثل يقوم بدورين  ، هو السائل والمجيب على لسان الآخر ، بهذا الوصف الإنساني أراد أن يقرب قلباً إليهِ بكل حيلة حتى باتت مرارات تتكدس في مذاقهِ ؛ فجاءت توظيفاتهِ من أنقى المفردات وأشف الكلمات التي تنتهي بحرف الروي " الراء " الصوت والرنة المُجلجِلة التي تتواءم مع الحسرات التي يخزنها ؛ تفريغاً ...، التحولات هُنا تراودهُ في أكثر النصوص كمن يُبدل حالة بحالة لأجل المغايرة والمراوغة بسبب ما ، فكان الورد فاعلاً في تبدلاتهِ وتحولاتهِ التي رصدها ، فالخجل حالة  من فسلجة حياتية تتم بالصيغة التي تطرأ من جراء ذلك ،   وقد وفق بتوظيفهِ هذا ... لكن يؤخذ  عليهِ من توظيف آخر وقد رأيتُ ذلك في السطر 12 وهو " وعقلٌ قلَ مثيلهُ " خلخلة في نهاية السطر قد أوقف الدفق الشعوري والانسيابي ، حتى غدت عائقاً وعبأ ثقيلاً على الاستمرار بذلك النفس النغمي ، ثم ليس هناك رابطاً بينهما " تفاحك الأحمر ...و... عقلٌ قلَ مثيلهُ " كنت أتمنى أن لو لم يوظفها كي يبقى النَص منساباً بكل حريتهِ في التنغيم .
وقصيدة " الأخوين راغب وصاحب ... ص 14
من خلال قراءتي للنَص تحسستُ بأن نفس الشاعر " أحمد مطر " بيافطاتهِ  التي يرفعها أبداً بوجه الطغيان  أضحت ماركة من لغة اليومي هي التقاط واصطياد والتي سلكها آل كلوت في قصيدتهِ هذهَ والتي أستغل الواقع المتسلط بطغيانهِ الماثل  بكل يومياتهِ المتتالية وخصوصياتهِ المبانة في معترك الشارع الملتهب ؛  وبكل حذافيرهِ . يقول :
وفي قلب المظاهرة
رأيتُ أخي راغب
يرفع لافتة عليها بخط يدهِ
كيف تصرفون لأخي راتبين
وأنا من دون راتب ؟!...
يلتقط من الواقع واقعة حقيقية يسلطُ عليها قلمهِ على شكل سخرية ثم يختمها بضربة ختام مُجلجلة  يبوح بها كل ما بوسعهِ أن ندركها ولو بعدة قِراءات ، لذا خلتهُ يبحث عن التَحولات والتَبدلات المحورية من قلب الحدث ، حتى أدركنا بأنهُ جاء نصهُ بتناص مع يافطات أحمد مطر كما في قصيدة " حسن " :
زار الرئيسُ المُؤتمن
بعض ولايات الوطن
وحين زار حيًنا
قال لنا :
هاتو شكاواكم في العلن
.
.
.
معذرةً يا سيدي
وأين صديقي حسن ؟!...
من خلال إطلاعي على ديوانهِ الشعري توقفتُ عند بعض القصائد التي لها بصمة شعرية رائعة في عملية إنتاج مثمرة صدقاً ، فالشاعر كما قُلنا يحاور نفسهُ ويؤثث بأدواتهِ التي يستخدمها أساس بيت العشق الشعري ، وهذا من أصعب الأدوار التي يتعاطاها الشاعر في عملية صعبة لا تعطي ثمارها  بسهولة ، بل تحتاج إلى خصوبة في التذكير والاستذكار من قبلهِ أولاً ، ثم من قبل المتلقي لاحقاً ، وقد لمسناها في توظيفهِ المُكثف على مدار المجموعة التي تتحدث عن الحُب .لكن الحقيقة لابد أن تُقال مهما أخفيتها وهي : أن الشاعر لم يتوفق كلياً في بعضٍ من نصوصهِ التي بث فيها  شيئاً من الاقتباس والمطروق والمستهلك لغوياً من الأحكام والأمثال الدارجة في لغة العوام ، كون هذه القصائد كثيرة جداً ، كان بإمكانهِ أن يقتصر على 20 قصيدة فقط ، كي يُحيط بما تختزنهُ ذاكرتهِ أولاً ، ثم أن لا يُثقل نفسهُ أكثر في التوظيف ، كون النصوص متشابه حتى من الصعوبة التفريق بين قصيدة وأخرى قد يفرقهما " العنوان " رغم المغايرة ذاتها . لكن للأمانة   هي الإشادة التي تجبرني أن أذكرها وهي : من أن  إبداعاته حقاً في إنتاج باذخ في الشعرية بضربات فائقة في الرؤى التوظيفية منها في قصيدة " نعم سنلتقي " ص 22 ؛ يقول :
أتذكرُ في عيد الحُب
كنتُ أنا أول من هنأكِ
أتذكرُ عندما كنت تجُرُني
وكيف كان حيائي يدفعُك
أيَها القابع وسطَ الحَشا
متَى تُحدِثني كي أسمعك .
ولهُ أيضا من سمات هذا المضمار التكويني " الحُب "  قصيدة " إليها "  ص 25؛ خصها هي فقط :
 حصرياً :
وغطيني بعبيرٍ من شذاكِ
ولتضحكي ضحكة جذلى
يرتجُ منها نهداكِ
لتخرج من صدري صرخة كتمتها
ومن غير شعور تمسكُ بيدي يداكِ .
نعم هو نتاج شعري بديع ، ضحكة جذلى = ارتجاج النهد ، هذا ملموسٌ فسلجياً ، فأجمل ارتجاج للنهد عند الضحكة ، وفي المسير الذي تتبختر بهِ  ، وهذا ديدن الشباب في الترقب والرصد . في هذا المقطع أعطى للحب قيمة كُبرى وهالة إشعاعية من التذوق والتحسر معاً ؛ لأنهُ كما أسلفنا كونهُ عاش في بيئة يكتنفها التصحر الفكري والذوقي ، ولم تألف على اختراق المألوف والمعتاد . فانبرى يسترضي حسهُ العاطفي صورة بصورة – خيال وتمني – مشاهدة واصطياد. رأيتُ أهم صفات أسلوبه الشعري هو افتتاح مغاليق الكون الشعري لديهِ وفق توظيفهِ بالتذوق من اليومي والمعاصر ويدوس على الجرح بهداوة عاشق متيم ، لهذا أستطرد بالحب ومفرداتهِ ومقبلاتهِ كلياً ، إن شعرهِ نما مع تأثيرات المناخ السائد لكن برجفة تأثيرية من ماضٍ بعيد ، فـ المحرومية من نفحة العطر واللون ونبضة القلب وخفقة من جناح اليمامة جعلتهُ ملهم في الإبداع ؛ صدقاً ، وقد أراني استنشقتُ عبير رؤاهُ من أشياء توهجت في مخيلتي لهذا الشاعر المُبتلى بالحب حتى قرارهِ الأخير . كما قُلنا بأن للشاعرين " نزار وأحمد مطر " لهما تأثير مُبان في توظيف الشاعر " آل كلوت " يستخدم تقريباً الأسلوب نفسهُ والأدوات بعينها ، يخطو مع نزار خطوة ومع أحمد مطر خطوتين . نلاحظ في قصيدة " مُنافق غبي "  ص 19، حتى العنوان يصلح للتندر والسخرية والدعابة ، لكن بلسعة مُحببة غير موجعة تتواءم مع الضربة تماماً . ومنها :
قال : أُحِبكَ .. أحترمك ْ
قُلتُ : شُكراً يا صَبي
قال : لولا مخافة الله
لقلتُ إنكَ نبي
 ...........
..........
.....
..
. فرفعتُ لهُ يدي مُودِعاً
وقلتُ لهُ شُكراً
شُكراً أيها المُنافقُ الغبي .
 هذهِ تناصات مع أحمد مطر ، أما لنزار نصيب واسع في المقاربة والتوظيف وتوحيد الرؤى ، وكما في قصيدة "عبلة " ص 21 ، "
لقد ماتت عبلةُ ومات معها عنترة
وكتبنا عن تاريخهما آلاف الكُتبِ
حتى جَفَ حِبرُ المحبرة
ودُرِسَ قبرهما
ولازِلنا نزور المقبرة
.......................
كلنا اليوم صِرنا عبلة
وكلنا اليوم لسنا بعنترة .
كذلك الشاعر قباني في قصيدة " هذي البلاد شُقةٌ مفروشة "....
… هذي البلاد شقةٌ مفروشة ، يملكها شخصٌ يسمى عنترة
يسكرُ طوال الليل عند بابها ، ويجمع الإيجار من سكانها
ويطلبُ الزواج من نسوانها ، ويطلقُ النار على الأشجار
والأطفال .. والعيون ...والأثداء ... والضفائر المُعطرة .
وفي قصيدة " أنا ما أخبرتهم " ص 72 يقول :
أنا ما أخبرتهم عنك
لكنهم قرأوكِ فيِ شعري
قرأوكِ عندما كانت أناملي تكتبُ
أنا ما شَهرتُ بكِ
لكنهم رأوكِ في عيوني التي لا تكذب .
ونزار يقول :
أنا عنكِ ما أخبرتهم .. لكنهم
لمحوكِ تغتسلين في أحداقي
أنا عنكِ ما كلمتهم .. لكنهم
قرأوكِ في حبري وفي أوراقي .
لكثر ما تأثر آل كلوت برؤى " نزار"  حتى يخال للمتلقي بأنهُ اقتباس كبير منهُ . ويطول الحديث بتعدد القصائد الراسخة عُمقاً في هكذا تناول ، وهي على الأغلب تتمحور حول الرومانسية بعنونة منفردة وثنائية وثلاثية وغيرها ، لكن قصيدة " الماضي والحاضر والمستقبل " ص 35 ؛  لم أرَ فيها من الشعرية ما يخالج مبتغاهُ ، عنونة مطروقة ولا تشي ما يلمس فيهِ المتلقي غير التقليد ، أما بقية العنونة على سبيل التذكير فكثيرة منها ما يطول في  . لستُ في هذه الدراسة المطلوب  من أن أساوي آل كلوت مع نزار ومطر ، بل وددتُ أن أرى التقارب والتأثير للأول معهما بكل ذرة من التحسس الجمالي .
وأختم في قصيدة " كبرياء أُنثى " ص98 ، وهي الأخيرة في المجموعة ، أي مثلما بدأتُ سوف أنتهي متدرجاً برؤاهُ ، يقول :
سأحملُ قلبي بعيداً عنك وأبتعد
سأجرع المُروإن كان في حبك الشهدُ
سأضمد جراحي بملح عزَتي
............
......
...
..
.
ألم تشبع من الضربِ بسوطكَ المجنون
كسرتَ قلبي
ألم  تشبع من الشتمِ ؟..
ألم تشبع من السبً ؟..
إجمالاً ؛ يمتلك الشاعر الحس المرهف في التوظيف وفي استقراء بياني استطعت أن أُقلب جوانباً من رؤاهُ وفق المنظور الذي تركهُ على هذهِ الأوراق ووفق التدرج الانفعالي من تأثير الحُب ، فالنضوج الفكري والعمري معاً ، تتوالد منهُ طرقاً في التوظيف فكان مسارهُ معروفاً ، حين تقرأ قصائدهِ فكأنك تتجول في حدائق ورحاب نزارية متفاعلة مع كونه الشعري .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

130
القاص موشى بولص، كلمات تزهو بحركاتها الذهبية..
الجزء الأول
ابراهيم قوريالى/ كركوك
لو قلتُ في قرارة نفسي ان الله وهبنا هذا الإنسان الممتلئ اخلاقاً وادباً ليكون خير خلف لخير سلف لأدباء وشعراء كبار من أهالي كركوك مثل سركون بولص و جان دمّو، صادق أنا مع وجود فوارق شخصية وعلامات فارقة لا دخل لها بموضوع التشابه المجازي الأدبي والثقافي بينهما وبين موشي الرائع والأصيل والوطني إلى حد النخاع والصبور بكل معنى الكلمة، أبو مارتن هكذا نناديه في كركوك ولا تحلو أية جلسة ادبية او اجتماعية دون حضوره البهي ليضيف نكهة للتوازن الاجتماعي والثقافي فيها والابتسامة لاتفارقه حتى في احلك الظروف.
 نعود إلى أدبه وقصصه وخواطره وكلماته التي خُزنت في مخيلته الواسعة نتيجة المطالعات الواسعة لإبداعات العرب والأجانب من الروايات والشعر والنقد والقصص والدراسات التي تخص الثقافة بصورة عامة واختص ايضاً بدراسة ابداعات جماعة كركوك الأولى وبحث عن أدبهم كثيراً وتوقف عندهم وأصبح يملك خزيناً هائلاً من نتاجاتهم الأدبية وحياتهم الشخصية وفترة زهوهم ومن خلالها ومن خلال معاناة العراقيين وهو من صلبهم بالتأكيد ويعيش آلامهم اصبح يعبر عنها بكل صدق دون رتوش او مبالغة ويتحفنا بابداعات احترافية غير مبهمة وغير مسبّغة تجمع بين الومضات والقصص القصيرة والخواطر التي تحمل داخل طياتها عبارات تئن تحت وطأة المواطنة الصالحة والوفاء وحب الأرض والناس، وهو أي موشي منهم ولهم فليس من المعقول والمقبول ان يكتب  كل هذا كي يجبر خواطر الآخرين من المعدمين والمهمشين والمهملين في ارصفة الشوارع والقابعين في زوايا النسيان والتهميش  اذ لم يكن يعيش معهم وهم يعيشون معه ويجعلونه حزيناً ومهموماً ومقهوراً ومتشائماً من الذي حدث ويحدث مسقبلاً، موشي من الشعراء الذين لا يملكون علم الغيب لكن تنبؤاتهم احياناً تكون صادقة وتتحقق في ارض الواقع بأشكال أخرى، هنا تكمن قوة موشي الفكرية الواسعة التي جمعها منْ خلال مطالعته ومتابعته المستمرة لكل جديد في ساحة الثقافة ولا يستعجل في الإفصاح عنها كتابياً بل ينتظرها لتتخمّر جيداً وتتفاعل مع الأحداث اليومية الغير الطبيعية وهي كثيرة بالتأكيد لتظهر للواقع جُمل وكلمات واسطر تجعلك تقرأها مراراً وتكراراً وكأنها كانت مخبأة في ثنايا قلبك المتعب ايضاً لتقول في قرارة نفسك ( الحمد لله وجدت من يعبر عن الامي ويشكو همومي ويثبت للتاريخ مأساتي المتكررة من الأحداث الغريبة التي فرضت علينا وجعلتنا في قلق دائم من ان شيئًا ما سيحدث ( ثمة شي ما يجري) كما يقول الشاعر والناقد الكركوكي هشام القيسي في احدى قصائده الجميلة، نعود إلى بعض ما كتبه موشي ونقرأها بكل يسر واريحية عالية لماذا؟ لانه يساعدنا كثيراً وكثيراً عندما يكتب كلماته مزدانتاً بالحركات العربية العظيمة من الفتحة والضمة والكسرة والشدة وكأنه يقول لنا ( القرأة الصحيحة والجميلة تجعلان من المعنى اكثر وضوحاً والكلمات ستنسل بانسيابية رائعة إلى حيث الاستقرار في مكانها المعهود منها)، طبعاً ليس من السهولة ان يتمتع أي شخص بهذا الإبداع لاسيما يحتاج إلى تركيز عالٍ ووقت وجهد ولا يقبل أي خطأ او التباس او تقاطع او تضارب لانها أي الحركات تحرك الكلمة إلى عدة اتجاهات وتغير من معناها وربما فارزة واحدة لو تحركت بين كلمة واخرى ستغير جمل كثيرة والتاريخ يشهد لنا بهذا.
إلى اللقاء في الجزء الثاني

131
‎الجهل والمدنية ..........

‎أن أكثر مايعرقل مسيرة الأنسان نحو آفاق الحياة المدنية هو الجهل والتمسك بالعادات القديمة وتقليد ماتعلمه من الآباء والأجداد في العيش بأكتفاء وقناعة دون التفكير والتطلع نحو المدنية في التعلم والأطلاع مالدى الشعوب من مدنية لخدمة البشرية , وأسباب الجهل كما هو معروف عند الآباء والأجداد هو عدم الرغبة في التعلم ولاتتوفر العوامل المساعدة للأنسان لكي يتعلم ويتنور ’ وأن آباءنا وأجدادنا لم يتمكنوا من التصرف في أتخاذ القرارات بحرية أكثر وذلك لجهالة المجتمع عامة والناتج من أنغلاق العقول والأنجراف وراء أفكار ومعتقدات خاطئة ورثوها عن اجدادهم  , ولهذا نقرأ بما عاشوا من حياة الركود وما كان هناك مايدعو الى السرعة لأنهم ليس لديهم  أهداف معينة يسعون اليها , وكان الرجال يجتمعون في بيت أحد الوجهاء لكي يصغوا الى قصص الخيال والمتعة وهم سعداء كأنهم سائرون في سبيل الخلود , ولهذا نرى أنهم ظلوا على العيش البدائي البسيط مادامت لهم قناعة العيش البسيط وكل ذلك يأتي من الجهل , لأنهم لايملكون أي تفكير بالمستقبل . وليس لديهم هاجس الخوف من القادم , وكانت قناعتهم في سلوكهم مما قام به آباؤهم وأجدادهم , وأنا أسمع من الآباء في الخمسينات من القرن الماضي حيث كان الناس لايحملون هم المعيشة والحياة بقدر توفر بما لديهم مما جمعوا من محاصيلهم الزراعية , أما جمع الأموال والثروة والتطلع نحو المدنية لم يخطر ببالهم , بل كانوا يعيشون في نعيم ولايقلقون ولايفكرون في المستقبل , لأنهم تعلموا أسس العيش البسيط والبدائي , ولهذا لم يتمكنوا من التفكير في التعلم والتطور نحو آفاق مستقبل أكثر أشراقا في العيش الكريم والتمتع بنعيم الحياة , وفي الخمسينات من القرن الماضي كانت مجتمعاتنا بدائية والتي كانت تؤمن بتقاليد الآباء والأجداد أيمانا قاطعا , وظلوا في جمود وركود ولم يستطيعوا أن يخطوا خطوات الى الأمام بسبب الجهل المستشري في نفوسهم , في الوقت الذي تحقق الدول المتقدمة مزيدا من التقدم والتألق لخدمة شعوبهم , وفي هذه الفترة من مدينتنا تفوق أحد الأبناء في التعليم واستطاع بجهوده الذاتية ونبوغه أن يقرأ ويجتهد وينجح بالرغم من عدم وجود من يوجهه , وبأصراره ومحاولاته الجادة استطاع  أن يكمل الدراسة المتوسطة في كركوك , ولأنه متفوق في دراسته تم أرساله الى بغداد لتكملة دراسته , وفي بغداد كان لايحمل في فكره أنه سيتعلم وسيكون له مركز وظيفي ومستقبل مشرق , بقدر ما سيدرس أكثر فأكثر ويتعلم , وليس في ذهنه تكوين المستقبل والعيش برفاهية و لأنه تعلم من الآباء والأجداد العيش البسيط والبدائي ثم الحمد لله والشكر , أما أصدقائه في منطقته كانوا يسخرون منه ويعلقون على ماذهب أليه صديقهم ’ دون أن يفكروا أو يتصوروا أن من يتعلم ويتفوق سوف يكون له مستقبل مشرق في العيش الرغيد والمدنية  , ولكونهم لم يذوقوا ولم يتعرفوا على الحياة المدنية , ولهذا لم يتصوروا ماذهب اليه صديقهم   ,
‎والطالب  تفوق كثيرا في دراسته في بغداد ومن ثم بعثوه الى أمريكا عن طريق باخرة تستغرق الرحلة مدة شهرين للوصول الى أمريكا لدراسة الزراعة لأن البلد كان في بداية النهوض الزراعي , وعندما وصل الخبر الى أصدقائه وأهل مدينته تألموا وحزنوا كثيرا بأن أبنهم ضاع وانتهى لأنه ذهب الى مدن الأنكليز والكفار , وياللأسف لقد أنتهى أبننا , وهكذا كان تفكيرهم ولم يتمكنوا أن يتصوروا ويدركوا أن أبنهم سوف يتعلم أسس الزراعة وكيفية تطويرها لحياة افضل ومعيشة راقية للبلد , وهكذا أنقطع أخبار أبنهم لأكثر من خمسة سنوات وفجأة ظهر المهندس ذو القيافة واللبس الراقي وانبهر أهل المنطقة لمظهر  أبنهم  وهم ادركوا بأن أبنهم تعلم الكثير في مجال تطوير الزراعة وأصبح موظفا كبيرا أسمه مهندس زراعي , ولكن كل هذا العلم والمعرفة لم يستفيدوا منه لأن الدولة اعتبرته  ثروة علمية وعلينا أن نستفيد منه في بغداد وليس في مدينته ولهذا تم تعينه مهندسا زراعيا وباحثا في بغداد ,وكان يزور مدينته بسيارته الخاصة في العطل الرسمية  لسنوات طويلة,
‎وأخذ التعليم والتطور يظهر في المنطقة بشكل بسيط  , والناس يتحدثون فيما بينهم عن المهندس الزراعي وعن المدينة التي يعيش فيها ’ وفي الستينات من القرن الماضي وبعد ظهور نوع من الوعي التعليمي والثقافي البسيط وأخذ الناس يدركون أهمية التعليم ليس لقراءة القرآن الكريم والأدعية فقط وأنما للعيش السعيد والدخول الى عالم المدنية ,
‎وفي هذه الفترة تفوق أحد الطلاب في الدراسة وأكمل الخامس الأعدادي وكانت فرحة كبيرة لأهل المنطقة بأن ابن فلان أكمل الخامس الأعدادي , والفرحة الأكبر عندما علموا أن أسمه ظهر في دراسة كلية الحقوق والقانون في جامعة البصرة وحسب المعدل , وبدأت الفرحة والسعادة فيما بينهم بأن أحد أبنائهم سيدرس الحقوق في مدينة البصرة وسيكون محاميا كبيرا أو قاضيا يحكم بالعدل في المنطقة ولكن لم تكتمل الفرحة عندما علموا بأنهم لايملكون ثمن سفر أبنهم الى البصرة فكيف بالدراسة لمدة أربع سنوات , حيث أصيبوا بالخيبة والأحباط لعدم تمكن أبنهم من دراسة الحقوق , وهنا نرجع الى الجهل والتفكير البدائي البسيط لم يتح لمجتمعنا العيش والتفكير نحو آفاق التطور والتقدم والمدنية , وعليه يجب علينا أن نعرف بأن العلم يمنح المعارف والقيم التي تساعدنا على البروز في شتى المجالات ..
والسلام


132
إيمان الجباعي، فنانة تؤدي ألوانا صعبة المراس، من الأصوات النادرة، في وطننا العروبي، تجيد العزف على آلة العود وعلى والكمان، تتقن إيقاع الطرب القديم بتقنية عالية، هي أجدر من كل سار في أحياء منظومة الطرب العربي، إبتداءا من السيدة ام كلثوم، كوكب الشرق واسمهان الاطرش، السويدائية السورية، وحتى جيلنا الحاضر، عندما نعود لتفكيك شفرة الأداء، في ظل تحدي العولمة وسيطرة الصخب الموسيقي وتحسينه بطرق إلكترونية حتى يستبد بذوق المتلقي ويوهمه بأنغام صاخبة موجعة، حتى يوفر غطاءا سطحيا يتماشى مع الضجيج الذي يظهر في بعض المقلدين لهذا النوع، وما يميز أداء الفنانة الأستاذة إيمان الجباعي، هو قدرتها الهائلة في ضبط إيقاع الكلام وتنسيقه مع آلة العود ليصل إلى ذهن وذوق المتلقي دون عناء، الأمر الذي يشده ويحكم عليه بإتقان عال وحرفية متقنة، أراهن ان يصل اي أداء لهذا النوع من الأغاني الصعبة التناول لأداء إيمان الجباعي، وقد أحكمت عليها ظروف الانتشار لأسباب نجهلها، ربما ذاتية اواجتماعبة، أو غير ذلك، علاوة على وجود زوجها الأخ الملحن  نواف الغصيني، المبدع الراقي الذي كان وراء تصميم أغانيها وتشجيعها ودفعها إلى-الأمام، لانخش على الفضاء الغنائي أن تداهمه الظلماء في عالمنا العروبي، مادام هنالك مثل الفنانة الأخت الفاضلة إيمان الجباعي، التي تسير بخطى محسوبة دون ان تلوث سيرتها الفنية، فهي على قناعة بأن الزمن كفيل باعتلائها منصة النجومية العالمية بأدائها المتفرد، الجميل المدهش، وهنالك من يراقب حضورها وهي تتنقل بين شتى الألحان بروحها الشفافة الإنسانية، حتي تلحظ إلتصاقها في فنها بصدق نلمسه في ذوبانها مع الأغنية والموسيقى التي اختزلت (كورسات) ومجامبع من المؤدين،، هذه الموهبة النادرة والقدرة الهائلة في تجديد رداء الأغنية العربية بهذه العفوية والصدق والوضوح، والثقة المطلقة بالنفس، الأمر الذي جعل سمة التواضع عنوانا تمجده في سيرة حياتها الفنية، دون أن تطرق أبواب الاستغاثة من أحد، أو تتدافع عند صالات الإنتاج الموسيقي لتحصل على مجد مزيف أو شهرة مشبوهة، إذن هي دعوة لمن يعتني بهذا الأمر لتوظيف هذه الطاقة والموهبة المزينة بهذا السحر والجمال للإرتقاء بالفن الأصيل إلى مستويات متقدمة وإحياء ذاكرة الطرب العربي بهذا الصوت الذي لم يشهد له منذ سبعينيات القرن الفارط...

133
هل الوطن يخدع رجاله؟

من مفاهيم الحياة المتعارف عليها أن الام تحمي وتحتضن ابناءها، كما الطيور تحتضن فراخها، لا ادري تلك نمطية الحياة أم شيء آخر... وليس الوطن إلا أمٌّ رؤوم يفيض بجناحيه على ابناءه، فالعلاقة بين طرفي المعادلة علاقة حب وانتماء وتخادم، السؤال المقيم، لماذا لم يحتضن الوطن ( علي مضر البشر) شاب من قريتنا بسيط كالماء لكن حياته معقدّة مثل مركبٍ كيميائي، ( علي) حين عزَّ الرجال كان فارسا أبيضا، لم يكتف أن يولد من أبٍ وأمٍّ عراقيين بل حبَّذَ أن يولد مرةً أخرى من تراب السواتر لأنه يؤمن أن صناعة الانسان تتماثل في المصدر، إلا ان طريقة الانتاج تختلف، ( علي) وجدته فارسا يلوك الرصاص خبزا، ويتلفع بخوذته التي انهكها الرصاص، لم يستأجر مكانا فارها كي يختبيء حين أطعم الليل قريته للموت قرباناً، الفتى القروي الذي افترش الارض والتحف السماء وُلد من خاصرة الجبل، وتمخضت البطولة فأنجبته، وبعد رحلة الموت الطويلة يتحول علي من صانع للحياة الى صانع للخبز وهو يحمل على كتفيه أكياس الدقيق من اجل ابناء قريته، هي حكايات وحكايات، وبعد هدأ الرصاص، تفضَّل الوطن بأن منح ( علي) فرصة العيش بمرتب بسيط نافذة عقدٍ ( أجر يومي) في وزارة الصحة، وبعد زمن يجيء الوطن معتذرا ل.. ( علي) بأنه غير قادرٍ على تسديد فاتورة عمله، ليعود ( علي) منكسر القلب، يؤرشف بطولاته في ذاكرته، متسائلاً بداخله.. ( هل الوطن يخدع رجاله؟).. علي _ مضر _، البشر _ حكاية بطولة _ وخيبة وطن

134
تنويه : أتمنى من الأصدقاء قراءة المنشور أولاً دون إبداء الرأي جُزافاً  بعدم إدراج مطرب مشهور ؛ وغير ذلك .
.... مع محبتي .
أصوا ت في الذاكرة.
عدنان أبو أندلس
        أصغيتُ بإزعاج شديد ، مقرف  ، وبأعصاب نافرة إلى أغنية لم أسمعها من ذي قبل  ، عبر راديو سيارة التاكسي منذ أيام ، حقيقةً خدشت ذائقتي ، قلتُ في نفسي : هذه الأغاني الموسمية  هي التي تستفزنا لذا نهرع إلى إستذكار ما تبقى بأسماعنا من طرب الزمن الجميل ،  تلك الأغاني التي  مازالت تمور في أذهاننا ، ناهيك عن إختلاف الأجيال المتعاقبة ، حيثُ يبقى اللون المميز من جيل الرواد الذين رحلوا ، ومازال لهُ الطعم الخاص بذائقتنا ، والبعض الآخر مازال على قيد الغناء رغم تقادم السنون .لم أختر من أي بلد سوى مطرب واحد وحسب ذائقتي ليس إلا ، ولن أُعمم ذلك على بقية المستمعين  ، هؤلاء النخبة المختارة ليست هي الأفضل قطعاً ، بل هُناك العشرات من لهم الأسبقية في الشُهرة ، لكن وحسب إختياري لهم من حيث البصمة والطور الخاص بهم ، والحركات والدعابة المُحببة  التي يؤدونها خلال وصلة الغناء حتى باتت ماركة لهم ، لهذا جاءت وفق الصيغ التي نوهتُ عنها ، ومنهم كالآتي .
1-عبد الصاحب شراد – 1927- 1987 - ذبي العباية – العراق .
2- فهد بلان – 1933- 1997- تحت التفاحة – سوريا .
3- عبده موسى -1927 -1977- سافر حبيبي وإرجع – الأردن .
4- طلال مداح – 1940- 2000- لا لا يالخيزرانة – السعودية .
5- محمد عبد المطلب – 1911-1980- الناس المغرمين – مصر .
6- رابح درياسة – 1934-.... – نجمة قطبية – الجزائر .
7- سيد خليفة – 1931- 2001- أزيكم – السودان .
8- علية التونسية – 1936- 1990 – جاري يا حموة – تونس .
9- عوض دوخي – 1932- 1979- صوت السهارى – الكويت .
10- عبد الوهاب الدوكالي – يالغادي في الطومبيل – المغرب .
11- ملحم بركات -1942- 2016 -على بابي - 2016- لبنان .
12- ديمس روسوس – 1946- 2015- فار آويfar away- – اليونان .
13- عبدالله بالخير – 1950- .... – هالو هالو – الإمارات .
14- كوكوش – 1950-...... – من آمده أم – إيران .
15- أبو بكر سالم – 1939-2017 – يا سمَار - اليمن – السعودية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

135
عودة الى الصبا
                                                                            ليلى الدردوري
مرت ثلاثة أيام نعيما جنب جدي الضرير المقعد كنت قد اعتدت الجلوس على مقربة منه  بمحاذاة باب منزل خالتي أنظر الى حافلات الركاب والشاحنات الناقلة للبضائع والثمور من الصحراء في اتجاه أكادير ومدنا صغرى أعرفها ولاأعرفها الا من باب ما يلتقطه سمعي حين تقطع الطريق السيار ونحن صغار وصغيرات جريا نراوغ الموت وانواع السيارات المارة فوق القنطرة.لم تفتني على مااتذك كلمة واحدة مما قاله جدي حول عتابه لفعلة أمي.لكني لم أعرف لما لم أصدقه كما لم أصدق ما وشوشت به خالتي من انها عبثا تزوجت للمرة الثانية وتخلت عن ابنتها لزوجها وكأن حظها تواطؤ مع القدر ان يكون عاثرا للمرة الثانية.كان ما أسمعه آنذاك مخالفا لرغبتي في تواجدي في حضنها فقد كنت اشم رائحة شبيهة بالمسك بالندى وبرحيق الجنلار في جنائن عمتي.كانت بيت خالتي الطيني على التلة يغريني بالخروج مليا وتأمل منظر القنطرة ويزرعني في مغامرة اقتحام الحقل المجاور لمساعدتها على حمل خضروات تجنيها طازجة لتحضير وجبة الغذاء في طاجين طيبني .رغم ان الحقل ملك ابن قائد المنطقة لكنها حصلت منه لخدمتها في مناسبات طارئة مزامنة لحضور شخصيات من طراز ثقيل الى قصبته  خصوصا في الصيف على اذن لجني ما تعتاش به هي وزرجها .ففصل الصيف مناسبة لتزدهي القرية وتحتفل بموسم =احتفالات الرمى.وهي فترات مابعد الحصاد والاحتفاء بمواسم الصلاح والأولياء فتحضر النساء قصع العصيدة المزينة بسمن السنة الجديد المعتق في قلل من الطين والعسل الحر وطزاجين اللحم واطباق الكسكس التي حاملوها الى الزوايا في القرية حيث نعيش وهو احتفال مشترك زمنيا بين القرى المجاورة المنزوية فوق الجبال واخرى تتواجد على التلال قريبا من وادي (سوس) المعطاء. طبعا كانت فرصتي في اثرائي زادي من مشاهد ماكان لي أن أحظى بها لولا تواجدي في الفترة آنذاك عند خالتي حيث تقام هذه الطقوس السنوية.استغللت فترة الاستراحة المدرسية وأخبرت (نزهة) أنها فرصتنا للخروج من قوقعة ذواتنا التي تدور حول نفسينا ذون أن نصل الى شيئ.واتفقنا أن نخرج في موكب (الرمى) ونحضر طقوس ذبح الثور العظيم في الزاوية بداية.لكن خالتي منعتنا من حضور هذا الطقس بحكم أنه يدخل اذن حضوره في عداد الذكور فقط.طبعا خاب امل رفيقتي.وشعرت خالتي بنا لكنها طمانتنا أن حضورنا مسموح به في الزوال فاذاك يسمح للنساء والفتيات القرويات بالحضور لحمل اطباق الحناء فيما تحمل (أم الخير) علم الحضرة المزين على شكل عروس مزدانة الوجه بالعرقوس وفوق كتفيها وشاح بربري مطرز بألوان يسمى(القطيب) وهو لباس به أهذاب جانبية مزركشة فيما سيحمل رجل مقرب من شرفاء المنطقة المنحذرين من سلالة الزاوية ستار الضريح حسب اللون المتفق عليه لوضعه على الضريح وفق العادة.انتظرت أنا و(نزهة) انتهاء تلك الصبيحة على مضض وبعدها ركضنا ساعة خروج موكب الاحتفال من القصبة وتسللنا في الزحام ورددنا الدعوات على قدر الذي التقطته اسماعنا فقط كانت الأصوات متهيجة كأنها تتضرع الى الله بأن يمنح القوم الخير والأمن وحسن المختتم فيما تعالت أصوات النساء بالزغردات.ركضنا ثانية جهة الجبل حيث اتجه الموكب وهنا قريبا من الدخول الى قبة ضريح القرية المجاور للمقبرة وجم الكل وأصغينا الدعاء(سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على على المرسلين والحمد لله رب العالمين).اندسسنا في الموكب ورددنا نفس الدعاء مع الجموع أنا وهي. ودخلنا الضريح لكن المقدم كما سمعت من أمرأة ما بمعية اربعة رجال طويلي القامة فوق رؤوسهم رزز صفر منعوا الصغار والنساء من ولوج القبة الا بعد انتهاء وضع الغطاء الجديد على قبر الولي الصالح.
لا أعرف كيف لم يخطر لي التفكير في أمري مع عمتي الجنديرة فما رأيت وجهها مع جموع النساء في موكب (الرمى) السنوي والذي كتب لي قدر الهروب من دارها الكبيرة حضوره لأول مرة وكم استمتعت وكأني في موقع قوة مادمت تحت جناح خالتي وجدي المقعد الضرير.
لكني لم انقطع عن الحضور الى مدرستي ليوم واحد حتى.كان يكفيني ان توقظني خالتي برفق في السادسة على ايقاع صوت ديكها ذي العرف الأحمر الذي يزعجني في صباحات البرد القارس .وتضع أمامي زلافة طينية من حساء دقيق الشعير المنسم بالزعتر الجبلي المدقوق حيث حبات الشعير الغليظة ترسو في قعر الجبانية لتجعلني اسرع الخطو وكلي نشاط لأحضر درس القراءة في حصة المعلم الوافد من الرباط كما حدثنا وأنا مفعمة بحيوية وطلاقة وبعض فرح يراودني لأقرأء مقطعا من محفوظة=تغرد الطيور___ فرحانة بالنور
والأكيد أن المعنى كان ينسحب على وأنا أنعم بالنور قبل أن تفاجئنا عمتي في لحافها الأسود باقتحام الفصل وهي تزمجر شاكية للمعلم اللطيف (السي أحمد) أن تلامذة القرية اعتدوا على ثمارها من أشجار المشمش والرمان محفزة اياه على ضرورة معاقبتهم بالعصا التي لاتترك من يعصى على حد قولها على ماأتذكر.طبعا التقت عينانا.فسالها المعلم.ان كان الأمر يتعلق بجميع التلامذة الوافذين من القرية حيث حقلها الكبير .بأجابت بالايجاب.ثم سألها ان كان الأمر يتعلق بي أنا ابنة أخيها فأجابته بأن أمري ستناله بيدها .فيما كنت أنا ابكي وانفي للمعلم بأني لست مع عصابة الصغار ممن تشكوهم لأني أنا في عهدتها ومنذ مدة وأنا أعيش عند خالتي في اتظار مجيئ أبي ليأخذني نهائيا الى مراكش. طمأنها (السي أحمد)بعدما توعد التلمذة الذكور بالعقاب وودعها على أما فعل ذلك.ثم عاد الى مكتبه وبعد مضي وقت جد قصير دعاني الى مكتبه وحدثني بأنه على معرفة جيدة بأبي الذي اعتاد أن يزورني في كل عطلة مدرسية لكنه أخبرني أنه لا يعرف أن السيدة عمتي لأنه لايعلم شيئا عن موضوع كهذا.كان عاديا أن أجيبه عن استفساراته على حد علمي .صمت مليا بدا لي أنه تأثر وأن احساسا ما انتابه لكني لم افهم معناه.اوشت حصة الزوال على النهاية فأمرنا بالانصراف لكن قبل أن يفعل أخبرنا أنه يريد أن يأخذ لنا صورة جماعية تذكارية فالوقت كان قد زامن اقتراب نهاية العطلة الصيفية قايلا أنه قد يفتقد شغبنا وعربيتنا المغموسة في البربرية التي لم يكن يفهم منها شيئا.أمرنا بالخروج الى الساحة ةبمحاذاة منازل طينية جد واطئة كان يعدل مصورته بالأبيض والأسود وفيما نحن الفتيات نستعد نعيد ضفيراتنا الى الأما لنبدو  أجمل كما نظن أمرنا أن نرفع أكفنا الصغيرة الى الله نتضرعه امنية ما كنا قد فعلنا ما أراد بعد يومين حين تم اخراج الصورفي مكان يشبه الاستوديو في السوق لكن حينا اخذ كل منا نسخة من الصورة بعدما دفعنا له واجب اخراج الصور شاكرين.لم نلبث أن انفجرنا في ضحك هسيتري بسبب (زينة) التي كانت متواجدة في الصف الخلفي مع الذكور وهي رافعة كفيها الى الله الى الاعلى كأنها تريد قطف ليمونتين كما علق المعلم ممازحا قائلا=واش انت باغة اطلبي الله واللي باغة تقطفي الليمون) طبعا لم تفهم كل ما قاله فقد منت ان ونزهة فقط قد حزرنا ما وراء هذا التعليق من مزحة مرحة .فاستغرقنا لضحكة طويلة زاد من عبثها حديث=فاضمة الفتاة القرورية التي كانت تحتفظ بمفتاح الخزانة حيث نضع دفاترنا عندما يود السي احمد تصحيحها شهريا لتقويم حصيلتنا من درس الخط والاملاء.فبحكم قرب منزلها من منزله في المدرسة كانت تتعهد بفتح الخزانة واخراج الكتب وردها الى موضعها فيها حسب تعليماته.والغريب انها لم تمن تتقن كلمة من الدارجة لكن نوع عجيب من التفاهم كان ممكنا بينهما.حتى ظننا انها تعلمت الدارجة بحكم الأفة والاصغاء.لكن المفاجأة كانت عجيبة الى غاية الضحك الطفولي بيني وبين نزهة ولطيفة  وهاني وعائشة وزهور وهن تلميذات من سلالة ابن قائد المنطقة المنوفى في عهد الاستعمار .ذلك أن (فاضمة)جاءت الى المعلم في اخر الحصة قائلة له ببربرية ممزوجة بدارجة مرتبكة لم تعرف فيها كيف تسند الفعل المذكر الى المؤنث والعكس صحيج والحق انها تريد أن تحصل منه على مفتاح الخزانة لنحصل على دفاترنا مادامت الحصة كانت أخيرة والمعلم كان قد زودنا بأسماء الناجحين حسب ترتيب الفصل والحق يقال ذكره الله بخير أو رحمها اذا كان الرجل قد توفه برحمته.ما قالته (فاضمة)وضفيرتيها كجذيلتين مفروقتين توديان الى منعرج مجهول هو=(عفاك أ السي المعلم اعطينا امفتاح باش نفتحوا فيكم الخزانة)
وجمنا روؤسنا نحن التلميذات ممن يتقن الدارجة فيما لم ينتبه التلادذة الذكور لمطلب التلميذة القروية من المعلم .فيما المعلم الذي اعتدنا صرامته ولطفه أحيانا استغرق لموجة ضحك من ذون توقف حتى دمعت عيناه من خلف نظارته الطبية وبعدها ضحمنا خلفه ونحن نضرب بعضنا بارجل بعض من خلف الطاولة فيما وقفت التلميدة البدوية في مكانها من دون أن تفهم شيئا.بعدها سمعنا المعلم يقول لها وهويربت على كتفها الصغير=(شوفي. فاضمة أنا كنت كنحساب واش انت بوحد اللي كتفهميني أش كنقول في هاذ الجبل ولكن اليوم ضربت ليا كولشي فالصفر أش هاد شي أفاضمة)  لكنه عندما عقب وقال لها =شكرا أبنتي ظهرت ابتسامة على محياها لكننا علمنا أنهالم تفهم أو فهمت بعض ما قاله لكنه لاذت بالصمت  الا أننا أثناء توديعنا للمعلم على أمل أن نلتقي في السنة المقبلة انزوينا نحن ممن نتقن اللهجة الدراجة في ركن بعيدا عن أعين الاخرين واستغرقنا لضحك كالموج  شعرنا بامتعاض الصغيرو(فاضمة) فأخبرنا بما كان يود المعلم قوله وكم كان ظنه في غير محله ظنا منه أنها تفهم مايقول بالدارجة.استخفت بالأمر العفريتة وقالت لنا لتغيظنا(بعدا كنت أنا عزيزة عليه)بالبربريةبعد ان اخذت كل منا سبيله الى منزلها واعنيني أنا ونوهة .أما التلميذات سلسلات بيت ابن قائد المنطقة فقد ولجن القصبة توجت أنا الى بيت خالتي وسؤال واحد ملغز يرودني=هل من الممكن اصلا ان تفهم (فاضمة) الدارجة وهي في البدء لا تعرف غير اللهجة البربرية.ثم كيف لما لم يكن نطقها للحروف العربية منتظما حسب مخارج الحروف العربية .الطفلة في الأصل كان يجب أن تسمع الدارجة ليتم تمكنها من الحديث بالعربية الفصحى.ولو كان الأمر كذلك لما أخطأت في مخاطبة معلمها بأنه خزانة تريد فتحا على ان مان ينقصها غير المفتاح .راودني السؤال مرارا وكلما أكد مروادتها علي كلما استغرقت لضحك متقطع وبقيت على تلك الحال حتى ولجت باب خالتي حيث كانت عمتي في انتظاري لتعيدني الى الدار الكبيرة بدعوى أنها بداية العطلة الصيفية وأنوالدي من فرط شوقه سارع الزمن وسافر الي متشوقا رؤيتي.كنت بين الوهم والحقيقة ممزقة كورقة خفيفة .صحيح قد يكو مافي قواها بعض حقيقة والبعض الاخر قد يكون ادعاء.نظرت الى وجه خالتي استعين ببعض علامات تفضي بي الى الحقيقة.اذبلت خالتي عينيها مثل كل مرة .اما جدي الضرير فلم أر في قعر عينيه سوى نظرات ذابلة رمداء لا تفي بشيئ سوى برمادي في بيت عمتي حيث الفانوس النحاسي الأطول من قدمي الصغيرتين.وقببا من السقف المشدود بجذوع النخل حيث الوطاويط التي تزرعني في أمواه الرعب حيث تبعثني لأحضر بعض مؤونة السنة من القديد والشمع.وكم كانت فرصي لأتطلع على خبايا صناديق الخميل حيث جلابيب الحبة والبرانس التقليدية التي كانت تحتفظ بها لابنها الوحيد الى غاية بلوغه سن الرشد.أما هو فكان ينام في الدخشوشة المصنوعة من ثوب الكمخة الوردي وهي غرفة من الثوب في قبة لم ارمثلها الا في صورة في فندق قالمامونية بمراكش حيث اجنحة النوم الفاخرة ذات طابع السرايا الساحرة. وكم كنت أجرب النوم فيها حين تواجده في الرباط من باب فضولي الصغير في الاستمتاع بنوم الكبراء حيث لا وطاويط ولا عقارب يمكنها النزول على النائم من أسقف القبب.لكني أتذكر جيدا أني جربت ذلك في غفلة من أعين الجارية وعمتي معا عندما تكون قد ذهبت الى (تارودانت) لتبيع صيغة ذهبية لها لترسل لابنها الطالب الجامعي في الربط مصروفه اليومي عند تأخرحصوله على المنحة الجامعية لسبب أو لآخر.
                                                                       يتبع

136
أوراق الغرفة 5) قصة قصيرة لزمن أطول لصاحبة الامتياز الأديبة ليلى الدردوري...
 أكثر مايحرك ذاكرة المتلقي في تراكيب النص الأدبي هو الحوار الذاتي الموضوعي الشامل، والذي يتخذ من الحدث الرئيس عنوانا كبيرا يستبد بعناصر القص الأخرى حتى يعد لاعبا مهما في تأويل مرامي ولوج النهاية، ويتابع اعترافات الكاتب وهو يمرن ذاكرته بحرية وعلى كرسي تصريف الأفكار، لذلك تتوافق حركة المتلقي بقوة وبشد محكم وهو يتابع تطور بناء السيناريو الذي رسمه الكاتب وكلما كان الحوار داخلي نفسي سايكلوجي، كلما التصق الجمهور به حتى يظل يكتشف المزيد  من المؤثرات التي تعضد المشهد وتمنحه القوة والرصانة وخاصة إذا توفرت عوامل أخرى مهمة منها اللغة السليمة المبتكرة، وأدوات تركيب الأحداث الصغيرة التي تدور في فلك الحدث الكبير،  الأمر الذي سيوفر بيئة متماسكة صلبة لربط أجزاء العمل مزينة بتجربة وخبرة مشهودة، كل هذا نلحظه قائما في قصة (أوراق الغرفة رقم 5) للكاتبة الأستاذة ليلى الدردوري، التي نثرت أوراقها الملونة في فضاء هذه الغرفة وقد وثقت بها  كل التراجم وألأفكار ومحكيات  قريبة إلى متناول فهمنا واداركنا، وقد أبدعت في سرعة الوصول لتحريك ذاكرتنا الأدبية والإنسانية في بناء قصصي محكم وقد أخذت مفاتيح الأبواب المؤصدة وتفوقت بإستخدام مساراتها بوعي مبكر وقد استحضرت ثقافتها وماتعلمته، وما خبرت به الايام، ثم توالت الاعترافات كما اسلفنا، هو هذيان إمرأة وقد ساقها القدر ان توظف لعبة المرض لتوجيه خطاب فكري متقن
ا(الكلمات تخرج من فمي مقبرة خرساء، هادئة وشاسعة أحببت أن أذفن فيها لوحدي صحبة سنونوات فقط وعصافير النوري والنوراس التي أحبت أن تلفظ أنفاسها قربي، كنت أعلم أني أطير، أصفق بجناحين فوق هامات الرمل، والماء والشجر كطائر جبل نثرت قلبه سهام ليل .
أحاول وأنا جثة ترمق الفراغ بطرف فاغر أن أميز طيف (حامد) يذهب ويجيء بين سريري والمقعد المقابل ويتنقل بين الغرف، الطبيب يغرق الصغيرة (زهور) بدفقة أسئلة غريبة حتما عنها:
•- هل كانت ماما مريضة؟
•- ويسأل (حامد)= لم تأت بها إلى المصحة على التو؟
•- هل قالت شيئا قبل أن تنام ؟ ألم تسمع ولافلتة لسان واحدة؟
(حامد) الذي لم يسع حزنه مكان يسألني ويحذجني بنظرات تجرمني مذنبة بما لم تقترفه. .
•- ما بك.. ؟
كنت خجلى من حالي الواهنة ومقتنعة أنه لن يرضي (حامد) وهو من ألف رؤيتي معتدة وجسورة، أجبت وكأني أتماثل لشيء من حياة.
•- ما بي...لا.. لا شيء؟؟
•- أكيد أنها محاولة منك للانتحار؟ هل هي ثانية نوبة اكتئاب؟؟
•- أسباب عنيفة وذفينة في الحياة داعية للاكتئاب ...؟ من فضلك..لا تسأل أكثر).
 وقد يسامر شعورنا أن الكاتبة قد استلت أحداثا  قد وقعت في حياتها، وهو أمرا طبيعيا، بل يحسب لها ولقدرتها في رسم وتطور ديناميكية العمل القصصي وهذا الأمر يرتبط بالمعيار الذاتي الإنساني الذي يجعل الأفكار ذات تناسق وقوة وحبكة، ويجعل المتلقي في واحة خضراء وهو يمتع ذائقته بجمال الكلام وزهو المفردات وحلاوة الجمل التي تشكل النسيج الحي الجميل، بدأ من العتبة النصية التي ارتكز عليها المشهد وصولا الى خواتيم  الفكرة الأساسية التي جعلتها الكاتبة قاعدة الانطلاق وقد أقنعت المتلقي بها وبمضامينها الإنسانية والتربوية والاجتماعية وما حققه البعد الأدبي، الذي يتمثل بالموهبة، والخبرة والقدرة على التواصل مع الأحداث، ومراعاة الجوانب الفنية في تشكيل أوجه السرد وصولا إلى بناء قصة توفرت فيها كل عناصر القص الجميل الممتع، بل هنالك إضافة نوعية وقد افرزتها تجارب الكتابة النسوية التي ميزتها عن العمل النمطي الاستهلاكي، لأن ماتقوم به المرأة من تصميم لمشروع قصتها، توظف كل مالتقطته حواسها وماشهدت لها خبرتها وطريقة تعاملها مع بيئتها، وظروفها المكانية والزمانية الأمر الذي يساهم في بلورة طريق خاص بها يوفر لها عوامل الشهرة والانتشار بناءا على هذه المعطيات وماتحدثه من أفكار وفق تجربتها وإطلاعها على ثقافات الأمم الأخرى...

137
الموظف بين مطرقة الفتوة وسندان الإتاوات

بقلم عامر صادق

18/2/2020

كثيرة هي الأفلام التي تم إنتاجها في السينما المصرية والتي وثقت العديد من الحقب المهمة في تاريخ مصر القديمة ومن تلك الحقب التي جسدتها السينما المصرية هي عصر( الفتوات ) فالسينما المصرية قد أجادت وأبدعت في تجسيد هذا الدور وأوضحت الكثير من الجوانب الخافية على المشاهد في شخصية الفتوة وجسدته إلى درجة كبيرة من الواقع لتمييز شخصيته من كافة الجوانب كي يترك الخيال للمشاهد يناجيه من حيث لا يدري وبالشكل الصحيح ، ولعلنا جميعا نتذكر الأفلام الجميلة التي جسدت ادوار الفتوات مثل (الحرافيش ...الشيطان يعظ ...الطريق ...بين القصرين والسكرية والثلاثية التاريخية ...السمان والخريف ...الكرنك ...اللص الكلاب ...زقاق المدق ... التوت والنبوت ...السقا مات ...المطارد ...فتوة بولاق ....الخ ) من تلك الأفلام التي تحدثت في مشاهدها ولو بمشاهد محدودة عن الفتوة .

والفتوة في المعاجم العربية هو الشباب بين طوري المراهقة والرجولة وتعرفه أيضا على أنه النجدة أو نظام ينمي خلق الشجاعة والنجدة في الفتى كما جاء في المعجم الوسيط. ارتبط تاريخيا بسمات كالقوة التي عادة ما يتحلى بها الشباب بين طوري المراهقة والرجولة والشهامة والشجاعة التي يهرع أصحابها إلى نجدة الغير، والنبل والسعي إلى العدل والحق مما يؤسس لنظام يدعم هذه السمات ويخلق الشجاعة والنجدة في الفتى.

قدمته السير الشعبية أحيانا كنموذج للحاكم الفرد المستبد العادل الذي يسعى لتطبيق قانون القوة والحق حسب معادلاته الخاصة وبما يتوافق مع طبيعة أهل الحارة التي يحكمها. فهو حاكم شعبي سواء اختاره الناس أو فرض نفسه بالقوة على الناس. ولكي يستمر في موقعه، عليه أن يضيف إلى قوته ما يجعل الناس تحبه كأن ينصر الفقراء ويقيم العدل ويلعب دور الحكيم ويرتب الحياة في الحارة التي يحكمها بحيث يظل الجميع قانعين به ومدينين لحمايته؛ فهو على سبيل المثال يأخذ الإتاوة - مبلغ من المال - من القادر ليعطي المحتاج. يقترن ظهور الفتوة بغياب السلطة المركزية المسئولة عن ضبط المجتمع، فالناس تحاول أن تجد بديل أو قائد محلي من بينهم، وتتنازل له عن بعض الاستقلال في مقابل حمايتهم.

وتعريف ومعنى إتاوة بكسر الهمزة في معجم المعاني الجامع كالآتي :

إِتاوة: اسم :الجمع : إتاوات و أتاوَى (جِزْية ، دفعة تُعطى لحاكم أو أمَّة كدليل على الخضوع أو كثمن للأمن ضُربت عليهم الإتاوة ) خَرَاج الأرض ، ضريبة تُفرض على البلاد المفتوحة صُلحًا دفع الإتاوة المفروضة عليه ما يُؤْخَذ كَرْهًا حقّ للسَّيّد الإقطاعيّ يفرضه على أتباعه وسكَّان إقطاعه فرض الإقطاعيّون على أتباعهم إتاوة باهظة قَدَّمَ لَهُ إتَاوَةً : الرَّشْوَةَ.

ولعل ابرز الذين كتبوا عن الفتوة ضمن إطاره الاجتماعي والشعبي ( نجيب محفوظ ، يوسف السباعي ، إحسان عبد القدوس وآخرون ) .

إن أكثر فلم قد شد انتباهي هو فيلم المطارد للكاتب نجيب محفوظ ومن ﺇﺧﺮاﺝ سمير سيف ، إنتاج 1985 بطولة نور الشريف وسهير رمزي وآخرون ، ولعل مقدمة الفلم في الدقائق الأولى وقبل ظهور الموسيقى التصويرية للفيلم تبدأ القصة بمشهد تحكيمي مابين الفتوة القديم المعروف باسم الفسخاني والفتوة الجديد الفللي كون كل واحد منهم يدعي بأحقيته في الفتوة والسيطرة على الحارة ( منطقة سكنهم ) و يقضي بينهم هو الفتوة القديم الحاج سعفان و الذي طالب بالرجوع إلى الأصول في حل هذا النزاع عن طريق النبوت والفائز هو الذي يكون الفتوة الجديد وفي هذا النزاع لا يوجد مكان للغش والحلية فالمنافسة تكون أمام الجميع وبقوة الشخص ومهارته في العراك وبالتالي فان النتيجة لا تقبل الشك أو التأويل وعند فوزه فان جميع فروض الطاعة والاحترام تقدم له وبالمقابل للفائز حقوق وواجبات تجاه أهل حارته ( منطقته ) وفق الأعراف آنذاك من حماية وإنصاف المظلومين وتوزيع الثروات بالعدل وفرض الإتاوات على الأغنياء وغيرها من واجبات .

وهذا الحدث برمته يذكرني بعكس ما يحصل في واقعنا الوظيفي حيث ان اغلب المسؤوليات لم تكن نتيجة استحقاق خالص كما في اختيار الفتوات إنما اغلبها خضعت للمحاباة والوساطة ناهيك عن الأساليب الملتوية للبعض في سبيل الوصول إلى غايته من انتقاص للآخرين والتقليل من قدراتهم وأحيانا التدليس والتلفيق والتشهير بهم دون الاكتراث لأي شيء فالغاية عندهم تبرر الوسيلة ، وهم في الأغلب فقاعات جوفاء لا يفقهون شيئا من أصول الوظيفة ولا يستطيعون تمييز الضاد من الظاء  معتمدين على غيرهم في أداء المهام الموكلة إليهم مستغلين ما يبرعون به من نفاق ومحاربة للكفاءات في سبيل الوصول إلى ما يصبون إليه مستغلين عدم وجود وصف وظيفي أو مقياس لتولي المناصب ناهيك وجود قوانين رادعة لمثل تلك السلوكيات الطارئة على المجتمع الوظيفي ، وفي الوقت نفسه نراهم يفرضون الوصايا على الذين يعملون تحت إمرتهم ويفرضون الإتاوات أيضا لكن بمفهومها الوظيفي البحث ، فتارة تكون الإتاوة عبارة عن تهديدهم بعدم الترقية وتارة تكون عن طريق حرمانه من استحقاقهم وأخرى بتضييق الخناق عليهم وأحيانا بحرمانهم من المكافئات المادية والتي تجيزها الشركة كتثمين لجهود الموظفين وتشجيعا لهم ، بل يتعدى الأمر أحيانا وخاصة في الوقت الحاضر بالنقل والفصل والتصفية الجسدية وهنالك العديد من الأمثلة على ذلك والتي لم تصبح خافية على احد ، والبعض من الموظفين يمتثل لتلك الإتاوات والبعض الآخر يواجه مصيره بالنقل والتهميش وأحيانا نادرة بالفصل .

ان مثل هؤلاء المسؤولين ( الفتوات ) لا يسلكون الطرق القانونية في العمل لأنهم من دون أدنى شك لا يملكون أي خبرة في مجال مسؤولياتهم التي اغتصبوها من دون خبرة وكفاءة واستحقاق ، ولا يملكون الجرأة في الوقت عينه لاتخاذ أي إجراء إداري او قانوني تجاه الموظفين ، كونه خاسر لا محالة وحتى ان تم اتخاذ مثل هكذا إجراء فان التدليس والتلفيق يكون أول الأمور التي يتكلم عنها ، فهنا ينتهي دور الفتوة كما ذكرنا في فلم المطارد ليتحول المسؤول إلى (بلطجي ) وقاطع للأرزاق لا تحكمه ابسط القواعد وابسط الأعراف وكلما كبرت المسؤولية كبرت الأخطاء والتجاوزات بحق الموظفين لتصل أحيانا إلى النقل الإجباري او حتى النقل الجماعي , فالمسؤول من هذا النوع بكلمة من شخص حاقد وناقم على الآخرين يستطيع ان يقلب موازين شعبة بكاملها او قسم او حتى هيأة بأكملها .

ولسنا هنا بصدد تعميم رؤيتنا لهذه الظاهرة  او إثارة الموضوع ، او بصدد تأجيج الموظفين ، كما إننا لا نوجه أصابع الاتهام لشخص معين ، فنحن نؤمن في الوقت ذاته بمبدأ الثواب والعقاب وهو أساس كل مهنة وعمل ناجح ، بقد ما نريد ان نوضح بعض الظواهر المستشرية في مؤسستنا النفطية والتي باتت اليوم مشكلة كبيرة تواجه اغلب موظفينا لغرض مناقشتها ووضع الحلول المناسبة لها .

وكما تعلمون إن اغلب الموظفين واقعين بين مطرقة لقمة العيش ومصدر رزقهم الوحيد الذي يتحكم فيه المسؤول وسندان الإتاوات التي تفرض عليه للسكوت عن حقوقه والامتثال للأوامر وان كانت مخالفة للقوانين او مجحفة بحقه وتترب عليها تنازلات معنوية ومادية من استحقاقه رغم معرفته بوجود محاكم مختصة بهذا الشأن وللموظفين بوجه الخصوص .

ان المؤسسات تنهض وترتقي بموظفيها الأكفاء المخلصين وليس بمنافقيها .

والسلام مسك الختام

138
أبنـاءَ أرضِ الـمعـاد طـال ظلـمكــــــــمُ                   
               
  شعر =  المرحوم الشاعرسيدي أحمد الدردوري  أحد كبارشعراء مراكش .
 عندما يكون الشعر تنبؤا باقتراب الشجر المتحرك  ذاك الذي رمقته عينا  (زرقاء اليمامة )  منذرة باقتراب خطر محذق =   

أبنـاءَ أرضِ الـمعـاد طـال ظلـمكــــــــمُ
فقـد بكـيـتكـمُ بأدمع الـــــــــــــحُرقِ
لا تـيأسـوا أبـدًا فـالنصر مقتــــــــربٌ
والـيأس مـنقصةٌ تدنـي مـن الـتــــــــرق
لهفـي عـلى نسـوةٍ مــــــــــن ويل مسغبةٍ
عـويلهـنَّ قذىً فـي مقــــــــــــلة الأفق
لهفـي عـلى صـبـيةٍ مـن ظلـم شـــــــرذمةٍ
تحـيـا عـلى جثث الأحـرار مــــــــن خرق
هـبّوا هـبـوبَ اللظى بردًا عــــــــلى وطنٍ
نفسـي له فديةٌ مـن هــــــــــــوّة الغرق
عـيشُ الـورى رغدٌ وعـيشكـم نكـــــــــــدٌ
فـي كل معتـركٍ قتلى بـــــــــــــلا شفق
لهفـي عـلى أمّةٍ أبنـاؤهــــــــــــا حطبٌ
يُلقى بـهـم فـي لظى الـحِمـام كـالــــورق
إخـوانكـم فـي فلسطـيـنٍ ديـارهـــــــــمُ
أمست خلاءً وهـم دومًا عــــــــــــلى أرق
بـالسـيف والرمح أجـدادٌ لكـم فتحــــــوا
معـاقـل الشـرك لـم تعجز ولــــــــم تعق
والـيـومَ تخجل مـن أوضـاعكـم قـيـــــــمٌ
ضـاعهـا بـيـنكــــــــــم مستهجَنُ الخُلُق
مـا أجـدرَ العُرْبَ أن يـنسـوا خلافهــــــمُ
كـي يـنقذوا شـرفًا مــــــــن وهدة الغرق
رُدّوا إلى معقـل الأحـــــــــــرار حُرمته
وطهّروا قـدُسًا مـن واردٍ حــــــــــــــبق
فأعجـبُ العُجْب أن أرى معـاقـلهــــــــــم
رهـنَ الـيـهـود عـلى مـرأى مـــــن الصدق
ضجّت مضـاجعكـم مـن طـول نـومتكـــــــــم
كأنمـا عـيشكـم للنــــــــــوم لا الأرق
الـبؤسُ أقعـدكـم عــــــــــــن كل مكرمةٍ
والجهلُ ألقى بكـم فـي مـنــــــتهى الغرق

139
قصة (حلم) للأديبةليلى الدردوري، وقدرتها على الارتقاء بالكتابة النسوية...

 لابد أن نضع هذه القصة تحت عدسة التحليل وبتواضع شديد، وأجزم أن المتلقي الذي يتزود بهذه الأفكار، يضع عنايته بأدب النساء، أو الأدب النسوي على حد سواء، انطلاقا من المعايير التالية :
*التحديات والتحديدات الاجتماعية والمذهبية والدينية التي تواجه الكتابة النسوية في الشرق والغرب العروبي خاصة..
*قصر النظرة إلى ثقافة المرأة وعدم وجود قناعة  راسخة للعموم بشأن قدرتها على الارتقاء بمستوى  الكتابة.
*لذلك إقتصر الاهتمام والعناية بالأدب النسائي على النخب الأدبية والثقافية وذوي الاختصاص، لذلك قد فرزت مراحل تطور الإبداع النسوي أسماءا لامعة، كشاعرات، وباحثات، وقصاصات، وصحافيات، وكاتبات مقال، إذ لامجال لذكر أسماء منهن، لكن مايهمنا في قراءة هذه القصة، غزارتها اللغوية وعمق المعاني التي عضدتها ولبنات  أساسها حتى ظهرت بهيئة مشدودة محبوكة وقد امتلكت مقومات النص الباذخ المتكامل، هذا بعيدا عما وراء عالم الكتابة القصصية التي أبدعت بها إمرأة، وكانت شجاعة في تركيب عناصر القص الحديث، وإستحضار أدوات الكتابة بشكلها الجميل المدهش، أيها الإخوة، علينا أن ننظر بشكل موضوعي إلى ظروف حياة الكاتب وما تختزن ذاكرته من وعي اكاديمي ودرجة التعليم واللغات التي اتقنها، يزين ذلك، هي الموهبة المتفردة التي تقدس سر المرأة وجمال حضورها وقد زينها الله بقدرة تواصلها  في مجتمع ذكوري صعب المراس، وإذا ماعدنا إلى فكرة القصة والرمزية العالية التي سخرتها لرسم الأدوار الذاتية لأبطالها، فلم تذهب بعيدا عن متناول قضايا أمتنا وثورة الشباب وتمردهم الإيجابي على واقع مرير مؤلم، وقد صورت انفعالاتهم وميولهم الشخصية والعاطفية الوطنية بشكل متقن من خلال سيطرتها على مركز رسم السيناريو والوصف الباهر الذي أبدعت به حتى جعلت المتلقي يواكب حركة اللاعبين في المشهد ويعتبر نفسه جزءا مصغرا من حياتهم ومشاعرهم واتجاهاتهم، لقد قرأت القصة بدافع البحث عن مرام جديدة، وفعلا ماالحظه دائما أجد تنوع وغزارة في كتابات الأستاذة ليلى الدردوري، التي تسخر حضورنا لمتابعة المشاهد داخل العمل القصصي بإسلوبها الأدبي الرفيع، وقدرتها على رسم معالم الحدث بإبتكارات محسوبة دون أن تغامر بالوصول إلى الهدف الإنساني الأسمى...

140
قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ جِدًّا

فِيْ مَدِينَةِ الضَّبَابِ
....................
أَيْـنَمَا قَصَدْنَا وَبِمُجَرَّدِ أَنْ يُظْهِرَ بِطَاقَةً كَانَ يَلْقَى التَّـقْدِيرَ وَالْاحْتِرَامَ وَخَفْضًا فِيْ أَسْعَارِ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ وَوَسَائِطِ النَّـقْلِ.حَيَّرَنِي تَبَاهِيهِ بِنَفْسِهِ فَزَادَ مِنْ فُضُولِي، سَأَلْتُهُ ذَاتَ مَرَّةٍ عَنْ سِرِّ بِطَاقَتِهِ هَذِهِ فَرَدَّ بِاعْتِزَازٍ،إِنَّهَا بِطَاقَةُ التَّـقَاعُدِ!.

الْمُدَّعِي الْعَامُّ!
...............
عِنْدَ كُلِّ جَرِيمَةٍ كُبْرَى تَحْدُثُ، نَسْمَعُ بِإِحَالَةِ الْقَضِيَّةِ إِلَى الْمُدَّعِي الْعَامِّ، الَّذِي لَا أَثَرَ لَهُ سِوَى فِيْ مُضَارَبَاتِ بُورْصَةِ الْكَلَامِ.
 تَقَلُّبَاتُ الطَّقْسِ

تَـنْـفَرِجُ أَسَارِيرِي، مُسْتَعِيدًا نَشَاطِي، كُلَّمَا هَبَّتْ فِي الشِّتَـاءِ الْقَارِسِ كُتْـلَةٌ هَوَائِيَّةٌ دَافِئَةٌ، يَتَغَيَّرُ الْحَالُ إِذَا أَزَاحَتْهَا أُخْرَى بَارِدَةٌ، فَلَا أَبْرَحُ مَكَانِي مُتَكَوِّرًا عَلَى ذَاتِي كَالْقُنْفُذِ.

كُوميترَاجِيديَا
...............
أَسْعَدَ مَلَايِينَ الْأَطْفَالِ وَأَضْحَكَهُمْ لِعُقُودٍ عَبْرَ بَرْنَامَجِهِ التِّلْفَازِيِّ الْأُسْبُوعِيِّ الْمُمْتِعِ، بَيْنَمَا عَاشَ فِي الْوَاقِعِ حَيَاةً زَوْجِيَّةً مُتَأَزِّمَةً مَا اسْتَطَاعَ الْفَكَاكَ مِنْ قُيُودِهَا.
الرِّئَاسَاتُ الْأَرْبَعُ!
....................
انْكَسَرَتْ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ أَضْلَاعٌ ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ أَرْبَعٍ قَامَ عَلَيْهَا كِيَانُ الدَّوْلَةِ,وَهَا قَدْ جَاءَ الدَّوْرُ عَلَى الضِّلِعِ الْأَخِيرِ لِيُمَهَّدَ الطَّرِيقُ لِلْعَوْدَةِ إِلَى تَطْبِيقِ شَرِيعَةِ الْغَابِ.
تِمْسَاحٌ..!
.........
اسْتَسْلَمَ لِإِرَادَةِ الْمُرَاقِبِ عِنْدَمَا وَقَعَ فِيْ شِبَاكِهِ ضِمْنَ مَحْمِيَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ.بَعْدَ أَنْ عُولِجَ مِنْ جُرُوحٍ أُطْلِقَ سَرَاحُهُ, فَعَاوَدَ مُمَارَسَةَ سَطْوَتِهِ ثَانِيَةً مُتَجَاهِلًا شَبَحَ الْكَمَائِنِ وَالْفِخَاخِ!.
كَوْكَبُ زُحَل
.................
يُعْتَبَرُ وَاحِدًا مِنْ أَجْمَلِ الْكَوَاكِبِ ,مُحَاطٌ بِسَبْعِ حَلَقَاتٍ مُلَوَّنَةٍ,عَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ كَوْكَبُ النَّحْسِ وَالْكَآبَةِ وَالْعَمَلِ الشَّاقِّ,يُسّيْطِرُ عَلَى بُرْجَي الْجَدِي وَالدَّلُو,يَمْكُثُ فِيْ أَثْنَاءِ تَنَقُّلِهِ بَيْنَ أَبْرَاجِ الْمَجْمُوعَةِ الشَّمْسِيَّةِ سَنَتَيْنِ وَنُصْفَ السَّنَةِ تَقْرِيبًا.إِنَّهُ كَالْمُعَلِّمِ الصَّارِمِ يُعَامِلُ الطَّالِبَ الْمُتَكَاسِلَ بِقَسْوَةٍ وَيَرْفَعُ مِنْ شَأْنِ الْمُجِدِّ الْمُجْتَهِدِ...لَا تَسْتَهِينُوا بِتَأْثِيرَاتِهِ وَتَعْلِيمَاتِهِ...كُونُوا صَادِقِينَ وَاضِحِينَ كَيْ يُكَافِئَكُمْ وَتَتَّقُوا شَرَّهُ.







141
توافق التناقضات
في ثنائية العشق والموت

الناقد
عدنان ابو اندلس 2008

كل شاعر في العادة يعبر في شعره عما تتحدث به نفسه ، ويتفق ان يحب شاعر كتمان أشياء من حديث وشعر عما يجول في خلجاته ، لكن حديث النفس هذا قد يطغى أحيانا فيبث الى اللسان وكما يتردد في الأوساط الأدبية عبارة مالوفه ( المعنى بقلب الشاعر ) اذا كانت مفردة رمزية عصية على الفهم ، وربما تفسر بان الغموض يجعلنا ان نقولها .
أهدى الى الزميل الشاعر ( عامر صادق ) ديوان شعر – على شكل كُتيب صغير الحجم – زاهي اللون ناعم الملمس صقيل، شفاف لامع – ينم عن ذوق صاحبه هو باكورة أعماله – عائدة – المطبوع في العام 2008 – على غلافه صورة فتاة ناضجة تطل على البحر وما ورائه عبر كوة تنتظر القادم البعيد – ربما هو صاحب الشأن .
رغم صغر حجم الديوان وقلة نصوصه الرئيسية البالغة 4 قصائد هي :
( قطرات – انكسارات – عائدة – نسمات ) وتشمل قصيدة قطرات على فروع القصائد أخرى مثل ( مواعيد – أسبرين – كتابات – أنوثة – نصفان – حافة الباب – سفر – طفولة – هاجس ) وعائدة ( ثريا النص ) مثل ( قدر – رحيل – محاولة – يوم ما – تهيئات – حلم – ضياع – موقف ) . ثم انكسارات فلها ( سماء – تنهدات – معجزات – الحقيقة الكبرى- ابيض واسود – تفاعل – دولة أحزان – ولادة – ندم – موت وولادة ) اما قصيدة نسمات فمنها ( نصفي الثاني – أفعال – صراحة رجاء – تامل ونسيان – أُريد ) فيها متوسط الطول كقصيدة – صراحة – واقصرها قصيدة – نصفان - .... مع ذلك تعتبر نصوصه قصيرة لكنها مشحونة بطاقة مكثفه من المعالم والصور المتداخلة وخاصة في قصائده القصار ، ان الشاعر بني ركائزه عامة على ( التمرد – العبث – التلاشي ) هذه الثلاثية واكبت قصائد . منذ البدء وتماوجات معها وأشبعت فضاءتها بالتمرجح في ضائقة روحية حادة بسبب زجه مفردات اليأس – القدر – الموت – الفراق – الرحيل –قد أوهم القارئ بان القيامة تلوح على بعد إصبعين لكنه غير ذلك أصلا .
ان قصائده تتنوع في تلقائيتها بين المنثور من الشعر وقصيدة نثر ، بين المباشر والسردي والمكاشفة وقليلا من الرمزية تتخللها – أي قصيدة النثر – ألومضه . التوقيع وبين الحوار – فان الشاعر يجيز الاحتمالات – أي انه يلقي السؤال ويجيب هو بنفسه – بما يعتقد ان الإجابة ستكون من الطرف الأخر – المعني – هكذا – وانه موافق على هذه الإجابة – وبما يرضي القارئ اللبيب . أي تأتي على لسان الشاعر نفسه . ومن خلال الاستقراء لنصوص الديوان المختلفة . استقريت بان للشاعر نظرة تأملية للتوازن في ثقل قصائده ويمكن ان نسميها التوافقات والتناقضات والتي تنم عن هيكلية القصيدة ونفردها كالأتي :
توافضات ذات التراكيب المتشابهة – أي – البدائل .
برد ، زمهرير / ثلج ، برود / الحر ، اللهيب / حرارة ، حر شديد / لك ، لي / كل شي ، أي شي/ دموع ، عين / نهر ، جريان / قطرة ماء ، ذرة جليد / العمر ، ربيع اخضر / نهاية ، موت / موت ، قدر / فردوس ، الجنة / قلق ، كآبه / ظلي ، ليلي / ليل ، عتمه / كلمات ، مفردات ، جمل / زرقة السماء ، نقاوة الماء /
اما حقل التناقضات هي :
موت – انتشاء / وردة بيضاء – ألف خنجر / خيال – شواخص/ أراك – احلم / الموت- الحياة / الهمس – الضجيج / أوهام – مجهولة / ابيض – اسود / حزن – فرح / حر – أحكام عرفيه / اخضر – اسود / اقتراب – ابتعاد / أدب – وقاحة / كل هذه التوافضات والتوافقات يمكن ان نحصيها فنستخرج منها الأتي .
القدر = 8 مرات / الموت= 18 مرة / الضياع = 4 مرات /تلاشي = 4 مرات/ الحب = 26 مرة / الحياة=19 مرة / الفرح = 5 مرات /الحزن = 11 مرة . بهذا الشكل يتم التوافق أي التطابق الا إن الحياة والحب هي الكفة الراجحة على مسرح الحياة وتخمين الشاعر باليأس ربما هي توهيمات دلال ( الحزن + الضياع + التلاشي ) لان العبث المسيطر على أجواء الناتج وهي الشبابية المتحفزة أكثر . فللموت نتيجة ليست قليلة في الإحصائية وكان الشاعر يؤمن بمقولة الفيلسوف = الموت هو الحقيقة الكبرى في الحياة .
رغم ان الشاعر يمتلك حاسة متحفزة وحذرة ، الا انه لايخلو من غفلة تطرأ على وعيه فتحله الى شخص يستند على توهيمات لاشعورية تجعله يشكك او يتهيئا له... وكما في قصيدة تهيئات صـــ25:
عائدة
على الرغم من سفرك
مازالت رائحتك في انفي
ومازال الخيال كافيا
كي أجسدك أمامي
بشوا خصك كلها.
عند تحليل مجموعة الشاعر يبين إنها نتيجة ذات قطبين سالب وموجب – حياة وموت – حزن وفرح.........
إن أروع قصائد المجموعة ذات الضربة هي : أنوثة يقول فيها :
الأنوثة أنت
الروح أنت
وبعدك يا حبيبتي
النساء بقايا من الأنوثة .
نلاحظ امتلاك الشاعر الجرأة والصراحة لإطلاقه العبارة الملغمة وسط نيران الغيرة ، هذا النمط من التطريز نلمسه في سطور الشاعر الكبير نزار قباني وعالم المرأة المعطر بأريج الشباب الدائم – النصف الثاني للرجل – وله مقطع أخر يقول :
أنت
نعم أنت
انا احبك مثلما أحب زرقة السماء
وأعشقك مثلما اعشق
هدوء البحر ونقاوة الماء
أنت نصفي الثاني
أنت التي اصطفاك الله لي
من دون النساء
تمرد نزار قباني مختوم في ذاكرة الشاعر عامر ، وللتشابه اذكر ديوان نزار اشهد ان لا امرأة الا أنت.
وعروجا الى قصيدة نصفان يقول :
حبيبتي
سأقسم قلبي نصفان
نصف لك
ونصف أخر لك أيضا
هذه الضربة الشعرية مدهشة ولم يتوقع الملتقي ان تكون بهذا الطراز ووفق هذا المعيار ... على الأغلب.. او الأرجح ان قصائد الشاعر تحتوي على نموذجين احدهما يكمل الأخر .. نموذج الشاب الملهف ... ونموذج الحياة والحب المباح ولا يختلف التقاؤهما من أسلاب المعركة اللاشعور المتسربل بالتحفز . ان المهارة الفنية له أخذت حيزا من التوهمات على شكل لحن اسود .. ولم تكن النهاية وفقها بل جاءت مفاجئة لشعورنا .. لكن النموذجين متكاملات واحد يتوق للأخر بنشوة صارمة أبدية اللقاء والهناء ...

142
مقدمة المجموعة القصصية " العودة من الغيبوبة " لـ القاص أيوب بامبوغجي .
عدنان أبو أندلس
لكل عمل ما ؛ هُنالك دعامة " فكرة " أساسية يرتكز عليها ، وهي الساندة والفاعلة في بدء الاختيار ، فهي المثابة التي ينطلقُ منها نحو إكمال المهمة بأفضليةٍ راجحة ، فإن هذه الدعامة تستند على ثوابت راسخة عُمقاً ، لذا يبتغي منها أولاً - الإنجاز المنشود للنجاح، وأحسبُ بأنهُ مقرونٌ بتوظيفهِ الجانب الإنساني بطروحاتهِ الإجتماعية المشبعة بحمولاتها المجتمعية ، كأول إشعار حياتي يستنبطهُ من قلب الحدث بعاطفة مكتومة وإندفاع وتفاعل عاليين ، وهي بمساراتها معروفة لدى الجميع للوهلة الأولى حين تستقرأ الأحداث المتتالية من السرد الحكائي ، وهذه بديهية معرفية لكل مبتدأ قد خطى أولى كتاباتهِ ، والتي تحوم حول الهدف المُبتغى - كجس النبض - وفق هذه الدًراية ، وقد تحيلنا المجموعة القصية " العودة من الغيبوبة " للقاص " أيوب بامبوغجي " وفق هذا المعيار والمنظور الملموس بواقع حياتي ، فتراهُ قدْ وظف رؤاهُ بهذا السرد .
من خلال قراءتي للمجموعة رأيتُ فيها ما يسرُ الخاطر في بعضٍ منها، صدقاً ، والآخر كتبها بتسطح فكري مُبان غير مبلور ، ربما أعتمد على سرد حكائي متوارث ، لكنها تحمل هاجس من استيعاب حراك الواقع المعاصر المتنوع سياسياً \ دينياً \ اجتماعيا ، وغيرها من المعطيات التي يواكبها كحدث ، غير أنهُ يمكن أن يُقال : قد يُحسب إدراج قصص المجموعة ضمن السرد الحكائي المبثوث على أحداث اليوميات الجارية ، هذا التطابق لمستهُ في أكثر قصصه ، والتي تعاطف معها بوصفه " البطل " الذي يذود عن أسوار الحق في واقع ملثم ؛ لذا حسبتهُ آخذاً بمنحنى إعلامي \ صحافي \ بنقل الخبر وتغطيتهِ بصورة جامدة لا روحَ فيها ، والبحث عن الجريمة وكشفها هو مسار أكثر القصص ، ربما آخذاَ بصنعتهِ في الحياة ؛ كإعلامي ، لذا أراهُ متبرماً ، نشطاً في مهنتهِ التي تتطلب تلك المواقف الفائرة بسخونتها ، وذلك التوظيف الرؤيوي بنقل التفاصيل اليومية ومعاصرتها . فالقصْ الذي عبر عنهُ قد يلبي مذاق المتلقي بطروحاتهِ السردية المدونة بهذا النهج العاطفي المتضامن مع الحراك والتموضع المسكون آنياً ، فالقصة بمكنوناتها ومكوناتها وعناصرها من العتبة " صورة الغلاف " التي وجدتها مطابقة للعنونة ، تماماً ، ثم الاستهلال الذي نراهُ من أساسيات العنونة بدءاً ومروراً باستهلالها – مدخلها – متنها وحبكتها ثم تتواصل بأسطرتها و سرديتها المتلاحقة من حيث الأسلوب وخصائصها من الإيجاز والكثافة واقتصارها على شخصية واحدة ربما تمثل البطل – الكاتب نفسهً الذي قبع في " الأنا " الإيثارية وأزاح عن كواهل الآخرين ذلك التعب المضني الذي لازمهم بواقع منظور ربتما ، والثقل الجاثم ردحاَ ، تحملها هو ونأى الآخرين من ذلك العبء .
إن " القصة القصيرة " جنس أدبي يلمُ في حبكتهِ استقراءات واستنباطات وتحولات الإنسان وطبيعة تلك المتغيرات بمشهدية حوارية لحياتهِ الطبيعية لكنها مُربكة حيث غطس في مشاكل واجهتهُ عيانا ـ لذا وظف في أكثر قصصهِ الذات " الأنا " المقموعة بوصفها المعنية و المشابهة بكل التمظهرات ، والتي ترتجي غلبة الزمن المتسارع . فهي أيضا بإختصار الحدث اليومي ومواكبتهِ بروح إخبارية وتغطية إعلامية بالرؤية والمشاهدة ونقلهِ بالصورة المطابقة إلى المتلقي كي تنعشه ذهنياَ ، لكن يتضح من أن القاص غاص في الواقعية الحياتية من جانب قهري مضغوط ـ فقد إستعطف لأبطالهِ وعاضدهم كونهً أحدهم والشاهد على نكبات حياتهم بتماثل ثنائي ، وقد أحسب من أنهُ تأثر أو صاحب تجربة ما ، أو هو نفسهُ قد طبق لحياتهِ هذه الحوارات كردَة فعل . حين نسترسل بقراءة عنونة قصصهِ يلاحظ من أنها ترتكز على تركيبة جملٍ ثلاثية ورباعية على الأغلب ، ومنها ثريا النَص ، وقد يعزو ذلك من أنهُ يحاول ملِء الفراغ الذي فاتهُ من تلك الغيبوبة التي حجبتهِ عن عالمهِ المرئي ، ومنها نظر للحياة بمثالية لأجل التصحيح ، كونهُ قد عاش زمناً مصحوباً بالغياب الروحي، وحين إستفاق من الغيبوبة وجد البون الشاسع في الاختلاف الذي حصل بعدهِ ، فما عاد بوسعهِ أن يُقاوم هذا التغيير ، أو يوقف الزمن منذ بدء الغيبوبة كي يتواصل مع الحياة بدفقتها ، حتى بدأتُ أن أتخلى من أن أحسبُ عليهِ رداءة الأسلوب وصياغة العبارات المستهلكة ، لأن الحالة تتطلب وفق " العتبة النَصية\ القرائية التي أزاحت عنهُ كل شيء حتى أضحى بريئاً ، لأنها من متطلبات واقع الحال المفروض حتماً ، لذا نوهتُ سلفاً بتسطح رؤاهُ في المتن دون الاستهلال والخاتمة حصراً ، ربما أراها فترة جمود حياتي وذهني تسعفهُ للرد صراحةً ، لأنها أوقفت الزمن كُلياً ، وحين استفاق رجع بالذاكرة إلى الوراء " استرجاع نحو الماضي " فأخذت تنهال عليهِ تلك الرؤى القديمة المتمثلة بـ فلاش باك ، كأن تكون ردَة فعل عكسية لواقع حال مضطرب ومربك ، لذا لن أضع اللائمة عليهِ ، بل هي حالة توافقت مع توقف زمنهِ بذاتهِ ، فقد يجد المتلقي ثنائية التناظر بين " الأنا والآخر " الأنا \ المسالمة ، والآخر \ المشاكس ، " العاقل والمجنون " التي تمثل عرض مسرحي \ حواري ، والأُخرى " العاشق والسياسي " هما قطبان متنافران في لعبة الحياة الجديدة لهُ، والتي لم يجدْ فيها بدَ من لُعبة المناورة ، ولم يتسنَ لهُ مسك خيط اللعبة جيداً ، فقد إنفلت منهُ ، ولم يبق الحل سوى التطرق نحو مآسي الحياة ، بل أجاد في كشفها من الوهلة الأولى وبني عليها احتمالات الأسباب والمعالجة .
إن استيعاب الفكرة جاءت لتغطية جسد رؤاهُ كاملاً . وها قد نعرج للتشخيص عنها ، منها : من منا قليل الذوق ؟.. الحُب في خريف العمر – العودة من الغيبوبة – الهروب من الواقع – البحث عن العائلة – سأموت إذا تركتني – زوجة الأب هي السبب- وثنائية العنونة – سارق اكتب – قسوة الحياة – سائق الإسعاف – والأُحادية هي فقط – العرضحالجي . من هُنا يمكن القول بأن هذه التسميات قد لفظها " العوام " من تركيبة جملها ، هي دارجة ومطروقة بكل مسمياتها ، كنتُ أتمنى أن يغوص بعيداً في إحفورتهِ كي يبلور الفكرة بمفارقة وإدهاشة تلبي ذائقة المتلقي من واقعية سحرية أو خيال علمي أو رمزية على أقل تقدير ، لكنهُ راوح وزاوج بين هذه وتلك في إنجاز عملهِ من حكايات وجدتها مسبوكة من زمنٍ فارط . لكن مهما حدث وحصل على هذا التموضع الإختياري ، أعتقد بأن أحدى القصص قد تكون مميزة في طرحها وحبكتها ومفاجأتها ألا وهي : " من منا قليل الذوق " ؟.. تشكل أنموذجا نوعياً وباهراً في سرديتهِ ، لما أضاف لها من طاقة فاعلة مكنتهُ من صياغة الحدث وبلورتهِ وكان موفقاً في تلك المفاجأة غير المتوقعة بكسر المالوف " في سرديتهِ ، حتى أدخلتنا في نكهة سخرية رائعة ولاذعة ، والتي أستفهمها بعلامة " ؟ " لائمة قد تعنية حتماً .
إجمالاً من أن القاص " بامبوغجي " لهُ سبك جميل في تقصي الحدث ، لكن أتمنى أن يطلع على قصص الرواد كي يساير الموجة والركب معاً ، لهُ مني المعاضدة بإكمال مشروعه القصصي لاحقاً .
عدنان أبو أندلس
14-10-2019 .
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،ــــــ

143
بحث إبتدائي  في ظلال.... (إمتثال) قصة ليلى الدردوري...كتابة فهد عنتر الدوخي
يتعين علينا أولا أن نضع المشهد بكل معطياته, الفنية, والرمزية ,والتأويلية, والقواعد التي إنطلقت منها هذه القصة, ونكشف الستار الذي يستظل به الهدف, حتى ندرك ماوراء اللعب بالتاريخ وتصفحه بهذه الكيفية التي طافت بالمتلقي وأرجعته الى زمن البطولة والتضحية والفداء(زمن, تريزا هلسا ورفاقها) إذ أن ( إمتثال) اللاعب الذي وثقت صورته بالمجاهد, أوالمجاهدة, أو لنقل المناضل, المناضلة كرموز للفداء,كذلك مايمكن أن تقدمه (إمتثال)إنعكاسا صادقا لموروث, بل لقضية ظلت عاصفة مثقلة بالهم والاختبار لوجه العالم في هذا الكوكب, الذي اراد عمدا أن يجعل من قضية (إمتثال) وجعا يتلذذ فيه ويتاجر ويتبجح بالإنتماء اليه, وهي القضية الكبرى التي ولدت بظروف غياب الوعي الجمعي, وتجهيل مصادر المعرفة, وشراء ذمم السلطة, ولو تداركنا حالة اليأس والاحباط التي ألمت بهذه الفتاة حتى لجأت الى سجن الزوجية بعد أن لاذت بالفرار من سجنها الكبير الذي  كان قد وفر لها مسببات الحرية وقاعدة الانطلاق الفسيحة.وفي الجانب الفني الذي اشتغلت عليه وغذته الكاتبة, الاستاذة ليلى الدردوري, وقد جمعت شتات الأمر وتابعت كل المعطيات وما ألمت به من تفاصيل دقيقة, وقد أسندت السيناريو الى تجربتها المميزة في قراءة التاريخ وتشكيل صوره المتحركة النابضة, وقد إستلهمت من لغتها الجميلة المدهشة وهي تحاكي مفردات الزمن والمكاشفة الجريئة لكل الافكار التي ورثتها هذه القضية من عقود تداعت, حتى تراجعت منظومتها لإبتلاع الهدف الأسمى في ذاكرة النضال العروبي,نحتاج ان نسبر اغوار الماضي بهذه الكيفية, بوجود عناصر ماتعة ونقارن بين اناشيد المقاومة والاعلام الرسمي الحكومي, والشد الشعبي, والموضوع الأهم في حياة العربي, وخاصة في سبعينيات القرن المرتحل عندما كان الألم في ذروته, والتراجع في بدايته,لذلك فقد شحنت ذاكرة الوطن بتفعيلة الحدث الكبير القضية الفلسطينية برمتها من خلال إمرأة, وقد إحطنا ما آلت اليه كرمز إستخدمته الكاتبة بلغتها القصصية, الذي يدركها ويتابع مسارها من عاش هذه الأحداث, وقد دعته نفسه ليراجع تلك الأيام حتى يجد فسحة من مجد قد صنعه رفاق( إمتثال).
إن قدرة إستيعاب الأحداث, وصعوبتها وعدم توقعها, دجنت الإنسان على إستعباد الأفكار الخاملة الغبية في بيئة تحكمها اعراف وتقاليد دخيلة ومفروضة, لذلك مرنت عقول الكثير على الأعتقاد بها, بل الايمان المطلق بقدسيتها, وهكذا فقد إنغمست الذات البشرية بغيبيات ليس لها سعة, ليلى الدردوري صاحبة المقام العالي في تجنيد الفكرة, وإستثمار الوعي الفردي, وتلاقح الثقافات, ومحاكاتها للاداب العالمية, وتواصلها الحضاري والثقافي والاجتماعي والانساني مع تجربة عميقة في كيفية صياغة الخطاب القصصي السردي التي أحكمت سيطرتها عليه, الأمر الذي مكنها أن ترمي بالمتلقي الى أبواب مفتوحة, ليقرأ,ويشاهد, ويترجم,ويطوف على حافات الذاكرة وهويربط الفكرة بالحدث..قصة(إمتثال) تستحق الوقوف عند عتبات تشكيلها, وتحليل مضامينها أكثر,وماتتوخاه من رسائل فاضلة, وهنالك الكثير الذي يمكن أن يقع على طاولة البحث من جوانب إنسانية قيمية أخرى...


144
 في هذا اليوم الشتائي السبت الموافق 25/1/2020، الذي أحتفى بشمس باسمة بعد موجة البرد لأيام خلت، تسنى لنا زيارة الأديب العراقي الكركوكلي الدكتور عبدالله ابراهيم استاذ النقد العربي، ومحاضر في جامعات قطر، وليبيا، وعمان والعراق /في منزله إذ يمضي إجازته الاعتيادية، وزيارة الأستاذ الناقد العراقي الشاعر عدنان أبو أندلس، للإطمئنان على صحته بعد إجراء العملية الجراحية في احد مستشفيات السليمانية في الشهر الماضي، وتم مناقشة مشروع كتابه المرتقب (حسرة خاجيك) الذي ترجم قصيدته إلى أكثرمن خمسة وعشرين لغة، وكان الرأي المتفق عليه أن يتم الطبع والنشر في دار عالمية في لبنان أو القاهرة اوالدار البيضاء، لغرض وصوله إلى أبعد نقطة في هذا الكوكب...
ومن جانب آخر تم التباحث مع الدكتور عبدالله ابراهيم في موضوعات جمة منها ، الرواية والقصة خاصة، كان الحوار مشبع بذكريات جميلة عن أدباء مدينة الشرقاط، الذين أسسوا صداقات تتسم بالوفاء والمحبة مع الراحل القاص الأسطوري الأستاذ محمود جنداري، ابا فوزي، والروائي العروبي الذي غزى العالمية بروايته المتفردة (دابادا) الراحل حسن مطلگ،، مستذكرا فصولا تاريخية وصداقات خاصة لم توثق في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وكذلك وارث (الملاذات) الراحل حمد صالح وكان لأستاذ النقد في جامعة تكريت الدكتور حمد محمود الدوخي حصة في هذا الحوار، إذ تطرق إلى منجزه الأدبي والجوائز التي حصدها في كتاباته الشعرية والنقدية والبحثية، كانت جولة أدبية شحنت ذاكرتنا بأسماء أخرى من ادباء مدينة كركوك، الأديب المدون الأستاذ توفيق العطار، القاص جليل القيسي، الروائي والمسرحي الأستاذ عواد علي الذي يقيم في العاصمة الأردنية عمان، الأستاذ فاروق مصطفى، الراحل محمد صابر محمود، الأستاذ الأديب والمسرحي، عبدالرزاق محمد عزيز،، والصحافي الراحل أحمد كركوكلي، وآخرون...

كتابة: فهد عنتر الدوخي

145
أدب / كأس سقراط... ليلى الدردوري
« في: 22:16 25/01/2020  »

كاس سقراط

ليلى الدردوري

في أرجوان الحكمة
صادفه ابن رشد
يرشف سلاف كاسها
على نعش عينيه
ويهدهد الماء خلوة
على كتف هدهدها المتوج
كان يمطتى ساحل حلكة
ويعتلى جبهة غراء
بعد أن دار دوردته في أفلاك صلافة
حتى اخضرت خصلاته للضريم المغلق
وقف مليا
مرر يده على جبينه المعرق
وبالأخرى عانق ابن رشد
وكان يحتكم لفورة ذهول
حين اقتادته الحيرة الى زمرة المشائين
أرنوه له يهمس
=افسح صاح صمخ حبرك لسرها الذفين
كنها
ولا تقلها
وآل صاعدا الى العوالي
رمقته
يعتصر أنملها
على فجرملغز
توجست
ثم همت بهما
وقد سقط صوتي على المحراب يستجدي
=أمولا الحكمة فتنة العابرين
ناولاني صلصلها
على مبخرة و جبة
او رواق جمرة
سيان
و كانا تبخرا في الأزل
فاغرة كنت كفي للنار
حين رمقتهما في تباريح شهب غيم
سقراط يقطع شريانه
ويهرب جفن نابوليس
من جبابرة الوقت
حين ترصدوه يولم الساحة
في جذوة الأسرار
بمطرقة السؤال
غب اختطاف تباريح الالهة
من دثار التجلي
على حجر مغوار
كانت الرمضاء
ساعتها تتدفق
عسجدا لفيض بساط أبتي
في حجر الريح
حكمة تعانق حكمة
ترجلت خفراء
ولما تزل يضويها موعد هزيع
من قال=لم يشرب سقراط كأس السم فطرة
على سندان الحكمة الغرار
حين توسد ابن رشد المدى
على ذراع فكرة

146
لن اسميك بائسا
بل اسميك حالما
اي بياض تحمل في قلبك
اي حلم يراودك
هل هو حلم بأن تشبع فقط
لا اظن ياصغيري....
حلمك اكبر بكثييييير
كيف يكون حلمك فقط بان تشبع
وانت تحمل راية وطن...
وحلم الاميرات
وتحمل بؤس الارامل
وتحلم بأن يشرق يوم اخر
في صورتك ارى البلاد
تتصور معك...
اظنك تعرف اين تجلس الان
تجلس على ثروات اكلتها الضباع
وسرقتها أفواه الجشع
امضي في طريقك يابطل
فانت ورايتك وجوعك تحقق حلم الوطن
نترقب جوعكم... ونومكم... والرصاص الحي
ستنتصر وسينتصر العراق مادمتم تعشقون ثرى اجدادكم...

147
بَصٌر...
***، ***
تطوف عينيك..
على أطراس الغمام،
تتعلق بجلد السحاب..
أضمهما، تحت رقيم بارد،
لأُُجَمِلَ بهما يومي،
لأرى فيهما خيبات الأمس،
من بعد طيفك،
تحرق الاشواق،
ملبدة كطيات غيم،
وجهك ألمرتحل،
في ذاكرتي السمراء،
قرَّبني، إليك سعة البحر،
مكث في خيالي،
عنوانا خجولا..
يزين دروب اللقاء،
بآمال نظرة..
أبصرت ألغيث،
وهو يرتمي خجلا
أمام ناظريك..
ليجد مكانا بين السهول،
اغيض به طائر الحمام،
الذي ايقض روحي..
لأطارد خيالك،
في الأماسي البعيدة..
تمرين كلسعة جميلة،
تؤطر ألمي وسباتي..
قرأت في حضرتك،
دواوين الرعاة،
وقصائد الراحلين ،
وحكايات المواقد،
كتبت لك..
عبر المسافات ،
التمس عطرك ،
أيتها الشامية
السومرية،
الآشورية...
المدن ...
التي ضجت بالحنين ،
إلى الأحبة ،
الى الوطن..
ومخابىءالذكريات،
التي وثقت في صحائفها،
أسلحة المحاربين،
وخرائط العودة ،
وبيانات النازحين..
اريد أن اضم عينيك ،
تحت وسادتي ،
لأبصر فيهما ليلي القادم
***،، ****
فهد عنتر الدوخي
15/1/2020

148
قصص قصيرة جدا...
*إحباط . ..
ظل يراوده حلم الهجرة إلى مدن السعادة التي قرأ عنها في شبابه ، ولما تحقق له الأمر وصلها مقعدا على كرسي الإعاقة .

*حظ...
تحقق حلمه بإمتلاك سيارة فارهة ، غير أن المدينة ا. أُستُبيحت ، اختل الأمن فيها، تحطمت، أوصدت منافذ الحياة فيها.
*إدمان...
ثمانية عقود ونيف وهو يعاقر السيجارة، ولما وافاه الأجل، كتب أحدهم على متصفحه، قتله الإدمان عليها.
فهد عنتر الدوخي
20/1/2020

149
....
.............................
(في نقد النقد)
أحسنت و ابدعت اخي الناقد المرهف؛ فهد عنتر الدوخي, في دراستك النقدية لأشعار مها الهاشمي
و تكمن روعة هذه القراءة النقدية في ما ياتي:
1- ابراز الرموز الادبية في اشعار مها الهاشمي...و خصوصاً رمز المطر الذي يهيمن على عنوان الكتاب و كذلك الاشعار و كيفية عرض الافكار. و قد ابدعت في ان تجعل المطر ملازمنا لتحقيق الامنيات بعد مرور السنوات. و هكذا فان الشاعرة جعلت من المطر رمزاً لتحقيق الامنيات.
2- تبين قراءتكم المميزة ان الشاعرة قد اجترحت لنفسها اسلوباً شعرياً خاصاً بها في كتابة القصيدة النثرية مبتعدةً عن القواعد و المحددات النمطية. وهكذا فانها تبدو مجددة في كتابة هذا النوع من الشعر.
3- اجتهدت الشاعرة – كما ذكرتم – في اغناء قصائدها بثروة فاعلة تتمثل في روعة إختيار المفردات و الصور المتعددة الانواع و المجازات.
4- تمكنت الشاعرة في اضفاء روح البهجة و الجمال و الامل و البراءة في نصوصها, من خلال التفنن في اختيار الالوان الزاهية و الضياء و جمال الاشياء و براءتها:
الشمس خدودها وردية..
عيناها واسعة، تنظر من خلف الغمام..
ملابسنا طفولية تزهو بها الألوان..
نرتوي ماء المطر عبر أجسادنا..
5- و الفقرة الاهم و الاساسية هي ان كتاباتها الشعرية تتماها مع نظرية النقد النسوي المعاصرة كونها تكتب عن احاسيس المراة و معاناتهما و عطاءها في الحياة و آمالها. وهذا الموضوع وحده يحتاج الى دراسة كاملة و مفصلة من خلال تطبيق نظرية النقد الانثوي على قصائد الشاعرة.
6- اهنئك اخي ابو احمد على هذا الابداع, و النقد الفريد, و هذا ليس بالشيء الجديد عليك, فلطالما كانت الكلمات تنبت ابداعاً بين يديك.

150
الفتـاة التي تضع ضِمـادة على عيْـنهـا
ــــــــــــــــــــــ
الفتـاة ، التي تضع ضِمـادة على عيْـنهـا اليسـرى،
وقد تركـوا لهـا عيْـنهـا الثـانيـة ،
تنظـر إلى تمثـال عـارٍ
كان عصفـوراً
العصفـور بـلا لـوْن ،
عيْـنُه ذهبيّـةٌ ، كـنحلة ،
جنـاحُه ، عشـبُ الخرافـات
ومضفـورٌ كسحابـة
علّقـتْ زنبقـةً جميـلة الملامـح ، أعلـى تعَبِـه
العصفـور
ومنحـتْ رقبـةَ وحدتِـه ، تفـاحةً
وزجـاجةَ مشيتِـه المليـئةَ
مثـل أقـواسِ قـزح
منحتْهـا سلّـة أجـراسٍ ، ومدّتْ إليـه يدهـا
يدهـا الصغيـرة
يدهـا التي كـانت في حجـم شيء أكثـر مـن الوطـن
رأتْـه
وكـان يصْهـل ويرفـس
مثـل حصانٍ بنفسجـيٍّ ،تعرَّفـتْ عليـه ، يومـاً، بينمـا كـانت تحلـم
ولمْ ترسمْـه
لكـن، مـاذا لـوْ تركـوا لهـا عيْـنهـا الأولـى ؟
أو ضمّـدوا العيْـن الأخـرى.!
يبتسـمُ
إنّـه يبتسـمُ ، هكـذا تكلّمـتْ
وجبـلُ المـاس الـذي كانت تقـف فوقـه
الجبـلُ المـاسـيُّ
شـاهدتْـه يتلقّـفُهـا
مـرّةً ثـانيـة
وكان العصفـور قد بـدأ يحـوم
أعلـى من كل الطرقـات التي ستعبُـرهـا ، يحـوم
فـوق العـواصف المقلـوبة
وفـوق الكهـف
بوجهِـه اللمّـاع ، مثـل قُبلـة  في القلـب
ومثـل أشيـاءٍ كبيـرة ستَـشرع في دَسّهـا بالكيـس البُنـيّ
كان يحـوم
وداخل أعشـاشٍ تَـتنقّـل كأبـاريـقِ الربيـع
أكلـتْ الفتـاةُ ، تفـاحةَ القلبِ العـارية
وكانت تُشبـه يدهـا الثـانية
يدهـا التي لم تكن تُقـلِّب بهـا صفحـات الكتـب ، في الأيـام
الأيـام التي لا تـتمكّـن فيهـا الفتـاةُ
من العبـورِ
أو تلك التي لا تتمكّـن فيهـا من تسميـة اليـوْم بأمـانٍ
يـدُ الفتـاةِ تلك ، كانت تُخفيـهـا
لكي، تجِـد لغـةَ العـالم
ولـوْ لـمرّةٍ واحـدة
خـارجَ الخسـران.

151
صباح الخير...يا تلك السنين.....!!!
****************************
فجرا....وانا اتصفح مستغرقا بين المواقع والصفحات ..فجأة وقعت عيني على هذه الصورة الجميلة الرائعة الخضراء بكل مافيها من دواعي الخير الوفير...وجمال الحياة القروية....
تذكرت فجأة قريتي الحبيبة ( الخضرانية ) في الجرناف في زمن الخمسينيات والستينيات...لشدة التشابه بين حقولنا وهذه الصورة الرائعة لحقول ( الذرة الصفراء ) ايام زمان في فصل الخريف يوم نضوجها..وقطافها...هذه الصورة تشبه ذاك الطريق الرابط بين الخضرانية...والسويدان...في قرى الطين انذاك...والمشهد يشبه حقول القرية...وبستان ( الدبيات ) الذي كان البستان الوحيد في القرية انذاك...الذي كان محصنا الى حد ان اجيالا رحلت ولم تتمكن من الدخول اليه...الا بعد حين
والمنظر يتماهى مع اطراف القرية ..دار المرحوم الملا علي الحسين العليوي...ويمينها الى بستان ادبيات....والارض ملأى بالخضرة وزروع الخير من الذرة الصفراء ايضا..وننتظر المساء
لنأكل ( عرانيس ) التعاليل..في تلك القدور المركبة على مواقد النار...وتغلي في سيمفونية مألوفة تثير رغبتنا وشهيتنا لها...
ولا انسى ابدا...قوافل ( الجنايات....والحشاشات ) وهن يعدن قبيل الغروب على دوابهن...واحمال الذرة المترعة بالعرانيس  ويقوم الجميع بالاسراع لنزعها من سيقانها وتقديم ما يتبقى علفا للمواشي...فتمتلئ معالف المواشي بالنبات الاخضر الفاقع وتلتهمه المواشي بأشتهاء ورغبة جامحة ترسم جانب من حس يعلن الجوع والرغبة والفوز بوجبة اعتادت عليها..وترى حتى الدجاج يتدافع تحت اقدام المواشي لينتف وياكل من وفير هذه الخيرات..وتشعر بجمال مشهد هذه المخلوقات وكأنها في كرنفال غذائي معتادة عليه...يوميا....كنا نستمتع بهذا المشهد لغروب يتشابه في كل البيوت...ومنظر اخر يشدنا ايضا...رائحة الخبز والتنانير...ورائحة انواع طعام العشاء الذي يعد هنا..وهناك ..وفيه الكثير من الاختلافات...وروائح القدور التي تغلي على المواقد تفوح وتتداور في فضاء القرية بكل يسر وانسياب..وسلاسة..لعدم وجود الاسيجة والجدران بين البيوت..عدا...حوطات من حطب بقايا واخشاب واعواد المحاصيل السابقة...وبعض العلامات التي تحدد محيط كل بيت وتفصله عن جيرانه كأنها خرائط على الارض....كانت هي فعلا حياة ريفية بوهيمية لا تمل ..ولا تتكرر ابدا...ابدا....
سلاما تلك الاجيال..وطوبى لك..ذلك الزمن...الامين..الانيس..!!

152
مها الهاشمي، شاعرة المطر عندما تصمت الطيور عن غنائها...
كتابة: فهد عنتر الدوخي
للمطر في ذاكرتنا دلالات جميلة  ومبهجة ، تهدأ النفس به وتتعاظم الأماني وتنتشي الروح به فرحا، وتطرب له المخلوقات، هذه الطقوس التي تصاحب تجمع السحاب في أعالي السماء لتنزل غيثا مباركا يديم خضرة الأرض ويزين الأديم بالوان ساحرة،
(لمن يهطل المطر؟
... وقد خلت الدروب منا
... كما خلت الحدائق من الزهر)..
مها الهاشمي...وديوانها الشعري (تسابيح المطر).. ماذا أرادت أن توثق؟ وهي تجمع مفاصل الكلمات والجمل بقصائد لها وقعها الزمني في سجل الكتابة ورصد أحداثها الخاصة بها، وكانت قريبة جدا إلى متناول فهمنا وادراكنا لمشاعر إمرأة وقد أحاطت بها ظروف البيئة وتقاليد وموروثات ثقيلة تحكم حركتها وتحدد نشاطها وإبداعها، لكن ألغيث استجاب لأمنيتها بعد عصور من الأمل والانتظار لتجمع ذكرياتها وما حفلت به نفسها الفضلى لتقول ما لم تسطع ذكره في ايام خلت وفي سنوات تداعت كحبات المطر في شتاء قارس...
.. تسابيح المطر.. ديونها الشعري الثاني، وقبل ذلك كان لديها مجموعة شعرية لم يتسنى لي الإطلاع عليها، لكن ما التقطته حاستي هذه القصائد التي نشرت في كتابها هذا الذي يحتوي على مجموعة قصائد(بانوراما الوجع، تسابيح المطر، صغارا كنا، اعتراف، يمامة، مدمنة حروب، هل نهاجر، كن ولاتكن، زحل، معبد، سفن بلا اشرعة، إهتمام، اشتهيك، كي لاتنسى حكايتنا، هفوة بغفلة،، سلام، رتابة،، ماذا لو التقينا، اتكاء على الريح، بلا نهاية، هجرة عكسية، زجاج وملح، زيارة موت، كهف الحزن، الحب إشهار، اعتراف تحت التعذيب، قصر في الهواء، وصية ليطمئن قلبي، قبو ،تفسير احلام ،احبك، أهداني زهرة، قرار، مفترق،)... هذه المجموعة صدرت عن معهد الأمين لعلوم الحاسبات، كركوك، العراق،للعام 2019،التصميم والتنضيد الإلكتروني، الفنانة والمصممة المبدعة مورين الإكسندر
وحتى ننتفض على دثار النمطية الذي توارى به البعض وهو يؤطر القصيدة الحرة بأطر حديدية ولايسمح لها أن تخرج من قفصها المحكم بقوة ،نجد في هذه الفسحة الشعرية ورغم الشائع من العناوين، والتي لم تكن غريبة على مسامعنا..
(الشمس خدودها وردية..
عيناها واسعة، تنظر من خلف الغمام..
ملابسنا طفولية تزهو بها الألوان..
نرتوي ماء المطر عبر أجسادنا..
نصف العارية كالورد بالأكمام..)..الصفحة 10. قصيدة، صغارا كنا...
الخروج عن النمطية في تراكيب الصورة الشعرية له منحنى مختلف  عما يسود الان في قاموس الخطاب الذي يشحن الأسئلة في قرارة نفس المتلقي الذي يعكس كل هذه التجاذبات في الكلام، الأمر الذي جعله ميسورا محببا وجريئا وهو ينقل خلجات النفس الغارقةفي المتاهة إلى أفق جديد مفتوح وابوابه مشرعة، حتى تفتح شهية البحث عن صور الجمال والدهشة التي وثقتها بوعيها الذاتي، وإلتقطتها عدستها الساحرة بألوانها الأخاذة، الأمر الذي وفر عناصر الحركة بحرية بين عتبات النص، وجعل المتلقي يتقمص دور الفاعل أو الناظر بدهشة، لما أرادت أن تصل به الشاعرة من رسائل، توزعت بين تشريح وقائع سادت بغياب الوعي واستبداد آفة الجهل والخرافة وتقديس لغة الجسد وغلبتها على الحكمة وعوامل اجتماعية وديناميكية سريعة وقد فعلت فعلتها في جسد المجتمع الذي تداعى بتأثير تلك العناصر هذه الصورة الأخاذة الجريئة التي ذهبت بنا إلى ناصية الإبداع النسوي تحديدا، وماوثقته في حقب تراجع الأنظمة السياسية في سبعينيات القرن ألمرتحل، لقد عبرت الشاعرة مها الهاشمي ، بوعيها العميق ولغتها الباهرة عن مكامن الاضطراب والتراجع في بنى المجتمع، وكانت موفقة جدا في تلخيص، فكرة الحرية وجدلية الشعور المتلسط، وعوامل الإفراط في تدجين المجتمع بموروثات بالية حطمت ركائز الاستقامة والقوة، وغسل ذاكرتة الوطنية والحضارية، وتلميع أوجه التخلف والرجعية بمشاريع هزيلة وبالية، واخيرا، إذا لم ترتقي الكتابة  إلى مستوى العقل والوعي والإبداع فإنها تندرج في مستنقع الاستهلاك النمطي الذي لايوفر اي نفع.. الشاعرة، حررت هذه الوثائق من روحها المفعمة بالجمال والحرية، ومن تمردها الواثق المهاب على كل الأفكار والتداعيات التي سادت بفعل عوامل، قد أشْرتهاوبتأويلها الخاص...
هل أن بدر شاكر السياب كتب قصيدته (انشودة المطر) بدافع شكلاني، استهلاكي؟ من البديهي أن هنالك دوافع حياتية، اجتماعية، غريزية، محببة وقد استأثرت بالواقع المترامي النظر إلى الطبيعة والتفرد بجمالها، وبساطتها، وأثر ذلك على ايقاعها الموسيقي عندما تصمت الطيور عن غناءها، تعزف السماء ألحانها الساحرة وقد زينها رب العباد بقدرته الهائلة... 
(زارني بالأمس زحل مهزوما شاحبا،
على كتفه آثار كف عالقة،
وبقايا دموع وداع،
وعلى جبينه آثار قبل،
يحمل فواتير عشق سددها،
وجواز سفر بلا تأشيرات) الصفحة 34 قصيدة زحل..
من الطبيعي أن يبحث الشاعر عن رؤى تعينه اوتسعفه ليؤكد حضوره الإبداعي والانساني وشحذ موهبته لتوثق أفكاره ومشاعره الخاصة وذكرياته وتصوراته وانفعالاته، ولحظات الفرح والحزن في حياته، إن مايميز هذه المجموعة، حبكتها، و تظافر العزم فيها لتجسد أفكار إمرأة من مجتمعنا استطاعت أن تقطع من حياتها زمنا ، لترسم لنا صورا  شعرية جميلة ومدهشة وقد وظفت بلغة سليمة، الأمر الذي يتطلب أن نتصفح أوراقها بقصد الفاحص الماتع...

مها الهاشمي،شاعرة
موظفة في شركة نفط الشمال، كركوك، العراق
تكتب الخاطرة، ولها محاولات في كتابة القصة القصيرة..
عرفتُ الشاعرة مها الهاشمي، قبل عقد من الزمان تقريبا، عندما كنت محاضرا في دورات تطويرية في العمل المهني الوظيفي، وكانت ناشطة ومجتهدة، وقد اهديتها مجموعتي القصصية ألمتواضعة (انتهاء المواسم) الصادرة في العام 2004،وقد كتبت شاعرتنا مها الهاشمي، عنها كلاما جميلا، قلت لها في حينه أن لديك قدرة أدبية نقدية لابد من توظيفها لصناعة إثر اديب يخلد إسمك في في سجل الإبداع والموهبة الفطرية...

153
أنا "شاعرة" لاتثق بنصّها،وهناك شعراء من تونس لايثقون أيضا بنصي ،يقلقون منه أو يقلقون عليه،لست أعلم.
لم أنشر خلال عشرين عاما من الكتابة إلا ديوانين من الشعر"الحَطَبِ".
صارت الان أربعة دواوين،وأخاف أن أقف هنا.
حطابة أنا،
أزعق السّرول العملاق حتى يعوجّ ظهري ويسقط شَعري ليقسّم لي المعنى قطعا أرتّبها كآجر يقيني من اللّفح.
لم تكتمل أنوثتي رغم الأربعين،لم يترك الشعر لي قوة النموّ ولا فطرة التورّد.
مازلت أكابد المسافة بين المزمار والجزار،وبين اللغة والغلّة.
يصاب صدري بوعكة تنفس حين أشعر بتعذّر الكتابة أو تقصّفها،
مازلت أغسل أسناني بآنتظام لتظل ناصعة وقوية قادرة على قضم الحروف وطحنها.
أحيانا أقضي ليلة كاملة أشهق تحت الوسادة لأن أمل الحياة عند الولادة في دول العالم الثالث لن يخوّل لي قراءة كل الكتب التي كتبت في الشعر وحوله ولن تسعفني الأمومة بقراءة روايات القرن العشرين كلها.

الكتب التي قرأتها قبل عشرين عاما ،قرأتها بحمق ولابد أن أعيد قراءتها بجلدي الحاليّ الذي صار مهددا بالتجاعيد خلال عشرة أعوام أو أقل.
أفكّر أن أضع بعد تجاعيد السّتين إن بلغتها،أبياتا من الشعر الخام،أو قصائد لم يعرفها الناس كثيرا ،ربما تسبّب لي انتفاخا في مساماتي ومسمياتي فتشدّ بشرتي وأظل" الشاعرة التي نسيت أن تكبر".
هذا الشعر أكبر من الأرض وأنا أخفّ من جناح يعسوب.
ماذا أفعل كي لا ينكسر كعب حذائي كل يوم.

154
مدارس الجرناف ...
ماضي مشرق وحاضر مزدهر ...
كلما مررت بقرية الاجمسة يستهويني الاطلاع على آثار مدرسة الاجمسة التي تم انشاؤها بداية خمسينيات القرن الماضي بجهود الشيخ المرحوم ابو فتاح حسن الاسماعيل واعقبها في عام ١٩٥٨ حيث تم نقل مدرسة السكك (المحطة) الى الخضرانية بجهود المرحوم الشيخ حسين الحمادي وقد شيدت المدرستان من الطين وقد بقيت اطلال مدرسة الاجمسة شامخة الى الآن وهي ملحق تابع لدار الشيخ المرحوم فتاح الحسن الاسماعيل وقد اطلعت على صفين لازالا قائمين بابواب وشبابيك الخشب منذ ما يربو على خمسة وستين عاما، اما مدرسة الخضرانية فقد عدى عليها فيضان ١٩٦٣ واحالها الى ركام ولان مدرسة الاجمسة قد انشات الى الصف السادس فقد درس فيها العديد من ابناء الخضرانية كما ان مدرسة الخضرانية كانت تضم ابناء العيثة والسويدان والخضرانية ...
اتيحت لي سابقا فرصة الاطلاع على سجلات معلمي وطلاب الخضرانية انذاك كما اطلعت على سجلات جماعة المعلمين لمدرسة الاجمسة المؤسسة بداية الخمسينيات وبجهد من زميلي الاستاذ مزبان علي الاحمد مدير مدرسة الاجمسة الآن ..
شيدت مدرسة الخضرانية بجهود اهل القرية وكان خالي المرحوم ابو الخاتون خلف الجمعة الشخير هو عامل البناء انذاك ومديرها الاستاذ مصطفى الذهبي اما مدرسة الاجمسة فكان مديرها الاستاذ ممدوح الغضنفري .....
كان من ضمن ملاك الخضرانية الاستاذ طيب الذكر الدكتور داود ماهر مديرها لاحقا والاستاذ بجامعة العين الامارات حاليا ومعه المرحوم احمد الحسن اليوسف والمرحوم محمود مصلح والاستاذ عبدالجبار احمد السلطان وعبدالله العزاوي والمرحوم جابر شريف ... وقد اطلعت على صفحة الاستاذ عبدالله العزاوي في مدرسة الاجمسة وقد دون عليها انه جاء نقلا من الخضرانية .... ومن كادرها انذاك الاستاذ المرحوم رافع دحام والاستاذ حازم محمد مصطفى والذي كان مرشد صفي الثاني ١٩٦٧ واخرين ... 
كما اطلعت على ان من كادر مدرسة الاجمسة لاحقا المرحوم خلف مهدي صالح الترف ابو عمر والاستاذ ادويزي محمد حماد ابو سعد شافاه الله والمرحوم رمضان نجم الجراد والاستاذ محمد حسين حويجة  واخرين .....
لكن مما اشرته ان قرية الخضرانية قد تقدمت بنتاجها على مدرسة الاجمسة بعدد الكفائات من الخريجين حملة الشهادات اطباءً واساتذة جامعيين وضباط ومهندسين  وكوادر تعليمية
وغير ذلك الكثير ...
ومما اشرت في ذلك ان المدارس كانت جزء من كيانات تلك القرى يتم دعمها بالبناء وبكل شئ ...
رحم الله اساتذتنا الذي انتقلوا الى جوار ربهم وحفظ الله من هم احياء وهذا ما وددت تدوينه ليطلع عليه من هو هاوٍ ... ولكم تحياتي ...

155
الجديد في ذاكرتي عن صاحب إمتياز (دابادا) الراحل حسن مطلك..
كتابة: فهد عنتر الدوخي
الكثير ممن تناول سيرة الراحل حسن مطلك الذي أحدث صرخة مدوية في فضاءات السرد على مستوى الوطن العربي, بروايته الشهيرة(دابادا) حتى ظلت أبواب التحليل والمكاشفة مشرعة الى يومنا هذا,ومن خلال تجربتنا المتواضعة في هذا الشأن فقد تسنى لي الإطلاع على الكثير ممن خاض غمار الكتابة عنها, والبعض نصب نفسه شاهدا على فصولها, وأقصد من الجيل الذي واكب غزارة الأنتاج القصصي في تلك الفترة, الذين إعتمدوا في دراساتهم على وسائل التواصل الصحافية والأدبية كالصحف والمجلات والإذاعات والقنوات التلفازية كمصادر بحثية انذاك, اذ لم يكن لديهم سبق المعرفة بهذه الشخصية الشرقاطية ,الآشورية بعكس الذين جالوا معه وطافوا بظروف هذه البيئة والذين تختزن صدورهم بذكريات خالدة ومواقف إنسانية متنوعة قريبة اليه بحكم عوامل عديدة أهمها المزاملة والصداقة وصلة القربى, إبتدأت على الأقل من رحلة الدراسة في إعدادية الشرقاط في العام1977 من القرن المرتحل وحتى رحيله مغدورا بتهمة التخطيط لإسقاط نظام الحكم في السنة المشؤومة 1990 التي غيرت مفاهيم الجغرافية والتاريخ لهذا البلد لماشهده من أحداث وكوارث وخاصة بعد أحداث الكويت والحصار الإقتصادي الذي جثم على خارطة الوطن لسنوات عديدة,وقد نسجت أول خيوط المعرفة به من خلال ابن عمه, صديقي وزميل الدراسة الأولية عبد سطم الروضان,وبيت عمه الذين سكنوا مبكرا في قصبة الشرقاط بعد أن غادروا قرية إسديرة وسطى, وفتحوا متجرا للمواد المنزلية في سوق الشرقاط القديم, وكان الراحل يسكن معهم لغرض الدراسة إذ لم تتوفر مدرسة ثانوية في الساحل الأيسرمن نهر دجلة أنذاك, الأمر الذي جعل أغلب التلاميذ الذين ينهون الدراسة المتوسطة في القرى المحاذية للنهر يواصلون رحلة الدراسة في ثانوية الشرقاط, ومن بينهم أيضا الراحل الروائي ابراهيم حسن ناصر,مؤلف رواية(شواطئ الملح شواطئ الدم) التي فازت في مسابقة وزارة الثقافة والإعلام العراقية في العام 1988كأفضل رواية تجسد وقائع الحرب العراقية الإيرانية وخاصة في معركة الفاو الخالدة ,حسن مطلك الذي عرفته رساما إنطباعيا ماهرا حد الدهشة, وبحكم انتخابي رئيسا لمكتب سكرتارية الشرقاط, الأتحاد الوطني لطلبة العراق الذي يشمل الرقعة الجغرافية الممتدة من قصبات وقرى حمام العليل والقيارة وحتى مشارف ناحية الزاب الأسفل جنوب شرق مدينة الشرقاط من الضفة اليسرى لنهر دجلة,فقد تطورت صلتي به,وأصبح صديقا ماهرا في علاقاته مع زملاءه, يواكب أنشطة ألاتحاد الأجتماعية , الفنية منها, كالرسم والتمثيل, في هذه الفترة برزت مواهب حسن مطلك الفنية, حتى كان له حضورا مميزا في معارض الرسم في المناسبات الوطنية والإجتماعية, يزين ذلك كله شخصية هادئة ومحبوبة, تجده متفائلا, مبتسما, خجولا نوع ما,تبدو ملامح وجه الحنطي العريض المشرق, وترتيب شعره وهندامه الأنيق أنه قادم من مدن لم تطئها شموس الجفاف والتصحر الذي إعتاد عليها سكان القرى والقصبات الريفية, وعندما نشحن ذاكرتنا البعيدة, أذكر أن الهيئة الادرية للإتحاد الوطني لطلبة العراق أجرت مسابقة لتصميم شعارفني يمجد مناسبة ما وقد عممت شروط المسابقة الى الجامعات والمعاهد والمدارس لمحافظة نينوى, وقد سارعت الى زميلي الراحل حسن مطلك ووضعت على طاولته هذ الأمر, وبعد بضعة ايام جلب لي مشاركته في هذه المسابقة بتصميم مبهر جدا وفيه مواصفات الرسم الهندسي الحديث وحتى كان إستخدام الألوان بأقلام غاية في الجودة تضاهي اعمال كبار الفنانين في بغداد ونينوى انذاك, ومن فرط إعجابي ودهشتي بهذه اللوحة, حزمت حقائبي وحملت اللوحة الى مقر الهيئة الأدارية للإتحاد الكائن في شارع الدواسة الفخم, إذ إستقبلني الزميل العزيز مؤيد عيدان كاطع للهيبي رئيس الهيئة الإدارية للإتحاد الذي كان يدرس في كلية التربية, جامعة الموصل قسم التاريخ, إذ نال بعدها شهادة الدكتوراه بهذا الإختصاص , الذي اصبح استاذا وعميدا للكلية التي تخرج منها , وأبدى ذهوله عندما رآني بحالة انشغال وحضوري في وقت متأخر من نهار نيساني,ودون دعوة منه للقدوم الى مدينة الموصل, ولما عرضت التصميم عليه, قد إنصعق من مهارة هذا الفنان وأصابته الدهشة والفخر في آن معا بقدرة وموهبة طالب إعدادية من قرية ريفية اسمها(إسديرة وسطى) التابعة لقضاء الشرقاط, وكان يدرك أن هذه الموهبة كان مبعثها حضارة مدينة آشور وعمرها تجاوز الثلاثة آلاف سنة, وسرعان ما إتصل بالهاتف الأرضي بمدير مطبعة جامعة الموصل التي كانت رائدة في نشر رسائل الماجستير, وأطروحات طلبة الدكتوراه, والبحوث العلمية للأساتيذ, وطبع الكتب المنهجية, وهي دار نشر وتوزيع لمعظم النتاجات الادبية والانسانية والعلمية, والتصاميم الهندسية والجغرافية,وبعد مداولة هاتفية ونقاش ساخن مع مدير المطبعة أبدى أسفه الأخير لإنتهاء المدة المقررة لإستقبال المشاركات لأن النتائج حسمت وإختيرت النماذج الفائزة وهي قيد الطبع والأنجاز,الأمر الذي جعل الزميل مؤيد في حالة إمتعاض وأسف شديدين لما آل اليه حالنا, وفي ضوء ذلك, تم تأطير (البوستر) اللوحة وتعليقها في واجهة مقر فرع الإتحاد ومكافأة قدرها عشرة دنانير للزميل حسن, الذي تبرع بها هو الآخر لنشاط اللجنة الفنية في اللجنة الاتحادية لثانوية الشرقاط, والغريب في الأمر أن الزميل الراحل حسن مطلك لم يعر إهتماما بالموضوع وقابل فشلي بإبتسامة هادئة كروحه..
وفي واحدة من نشاطاتنا الطلابية فوجئنا بزعل عريف الحفل في وقت حرج لإقامة أمسية كان يحضرها قائمقام القضاء وبعض المسؤولين وضيوف آخرين حتى عالج المشكلة ووقف على خشبة المسرح, وكان بارعا في تقديم الأمسية وخرجنا بصدور يزينها الأنشراح , مع كل ما اسلفنا لم نعلم ولم نكتشف ميوله الأدبية وعنايته الفائقة في السرد والتي ظهرت فيما بعد أن تخرجنا من الإعدادية, هو قبل في كلية التربية جامعة الموصل, وأنا قبلت في كلية الإدارة والاقتصاد, الجامعة المستنصرية, وفي خضم هذا الوقت, أخبرت أخي الكبير سامي عنتر الدوخي, الذي كان يدرس في قسم الكيمياء, كلية التربية, جامعة الموصل, ويعمل في المكتب الطلابي الحزبي للجامعة, أعلمته بمواهب زميلي حسن , وسرعان ما إحتضنه ليملأ باحات الجامعة بتصاميم وبوسترات وقد طبعت بتقنية عالية بنفس المطبعة التي كان يخامر إحساسنا وصولها كهدف عظيم, تتوج برسوما خالدة يشهد لها التاريخ.ورغم ضعف التواصل بيننا خلال بداية ثمانينيات القرن الفارط بسبب الدراسة,حتى تناقلت وسائل الإعلام فوز القصة القصيرة في مسابقة وزارة الثقافة والاعلام العراقية, قصة( عرانيس) للقاص حسن مطلك ونشرتها مجلة (ألف باء ) الناطقة بلسان الوزارة والتي نالت عناية النقاد والكتاب الكبار لغرابة الحدث وجمال اللغة والتقنية القصصية التي كتبت بها علاوة على واقعيتها وهي تلبي مطالب مرحلة حرجة من حياة العراق.وعندما تصفحت أحداث هذه القصة,وطريقة كتابتها والأسلوب المبتكر الذي وثقه فيها, أدركت أنني لم أكتشف مخزونا إضافيا من الإبداع والمواهب الجديدة لزميلي الذي عايشته وزاملته لأعوام عديدة,أما رواية( دابادا) التي قال لي عنها( أنها سوالف أهلنا وتعاليلهم وضحكاتهم وهرج مجالسهم وهي دابادااااااا الخ)وذكر لي أن أحد الكتاب المصريين الكبار والمشهود له بالعمل الروائي, نصحه أن لايقدمها للنشر لأنها ستكون مغامرة خطرة, و(أخشى عليك من الفشل والإحباط).. وكانت لي آخر زيارة له في العام 1989, في قرية إسديرة , تناولنا طعام الغداء في منزله, وكان الأخ الروائي الدكتور محسن الرملي, الأخ الأصغر له, الذي كان يدرس في كلية الاداب جامعة بغداد, قسم اللغة الإسبانية حاضرا, يستمع الى حاديثنا عن الرواية وظروف كتابتها والنجاح الباهر التي حققته وكان رحمه الله مسرورا بهالة المجد التي صنعته هذه الرواية….

السيرة الذاتية, ويكيبيديا.. الشبكة العنكبوتية…
حسن مُطلك (1961 ـ 1990) كاتب ورسام وشاعر عراقي.[1] ويعد واحداً من أهم الأصوات الأدبية الحداثية التي برزت في العراق في ثمانينيات القرن العشرين. ولد سنة 1961 في قرية سُديرة التابعة لمدينة الشرقاط في شمال العراق. أنهى دراسته الجامعية سنة 1983 حاصلاً على شهادة البكالوريوس في التربية و علم النفس من كلية التربية في جامعة الموصل. أقام عدة معارض للفن التشكيلي وأصدر مع مجموعة من أصدقائه في الجامعة مجلة (المُربي) نشر فيها مقالتين إحداهما عن الفن التشكيلي والأخرى قراءة لرواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال). وبعد أدائه للخدمة العسكرية الإلزامية عمل أستاذاً في معهد المعلمين في كركوك ومديراً لعدة مدارس إعدادية. تزوج وله ابنتين هما: مـروة وسـارة. حاز على الجائزة الأولى لقصة الحرب سنة 1983 عن قصته (عرانيس) والجائزة التقديرية سنة 1988 عن قصته (بطل في المحاق). ثم نشر روايته (دابادا) التي تعتبر قمة أعماله الأدبية. أُعدم شنقاً بتاريخ 18/7/1990 الساعة السابعة مساءً، لاشتراكه في محاولة لقلب نظام الحكم. حيث راح يصفه بعض المثقفين إثر ذلك بأنه (لوركا العراقي). خصصت مجلة ألواحألواح ALWAH الصادرة في إسبانيا عددها 11/2001 عنه بالكامل، 300صفحة. كما خصصت عنه ملفات في صحيفتي (المدى) و(الزمان) العراقييتين. وكتبت الكثير من الشهادات عنه والدراسات عن أعماله، من بينها رسالة دكتوراه أنجزها عبدالرحمن محمد الجبوري في جامعة الموصل بعنوان (الخطاب الروائي عند حسن مطلك.. دراسة تأويلية). وحسن مطلك هو شقيق الكاتب العراقي محسن الرملي.

156
غبطة الكاردينال لويس ساكو ..يعلن الغاء احتفالات اعياد الميلاد وراءس السنة الميلادية في العراق لهذا العام
تضامنا" واحتراما" لدماء الشهداء الذين سقطوا في الاحتجاجات .. هكذا هي الاخلاق وهكذا هو التحلي بالمسؤولية وهكذا هم الحكماء من رجال الدين. ومثل هذه المبادرات  لا يمكن ان يبادر بها الا من يحترم الانسان والانسانية. ومن بني  اساسه . على ارض صلبة  من القيم  المتوارثة عن اجيال متعاقبة من زمن الدولة الاشورية  والكلدانية .وما اكدته القيم والشرائع السماوية  في اعتبار الانسان قيمة عليا . ونزولا" لما مدون في اسفارهم في العهدين القديم والجديد . اين نحن من هذه القيم والاخلاق . واين بعض النفر من الملتحون والمعممون والمتاءسلمون تجار الدين الذين يتباكون على الاسلام في الجوامع والمساجد . والمنابر  . ويغطون في مستنقع الرذيلة حتى اذقانهم... لقد كنت سباقا" في كل المواقف غبطة الكاردينال .. وسيضيف التاريخ لك ولاخوتنا من الكلدواشوريين هذا الموقف الى كل المواقف المعروفة عنهم ونتفاخر بها كعراقيين  . المجد لله في العلا وللناس المسرة وعلى الارض السلام .. وعاشت اشور ارضا" وحضارة  ..

157
هذه الصور التي أبدعت الكاتبة في رسمها وتلوينها بهذه الحرفية المتقنة العالية فقد اوجزت لنا تاريخ بوقائعه الموثقة بلغة قصصية مدهشة وباذخة، إذ أن المتلقي في أقاصي الشرق العروبي على الأقل قدإحتفى بمشاهد وأحداث  جديدة والتي كان للكاتبة ليلى الدردوري عناية فائقة في تشكيلها، المكان، الأدوات، التي توظف في بيئة العائلة المغاربية والمهارة والتقاط الصور الغنية بالعبر، حتى أن السيناريو كان مشبعا بالحوار الذاتي (الديالوج) الذي شدنا لنضع لبيئة النص تحت بصائرنا حتى استسلمت حواسنا للحدث الكبير، غير أن البناء كان له دلالاته الأخرى، فقد كان للخلفية الفكرية والتجربة الذاتية والاطلاع على الثقافات الأدبية العالمية علاوة على المهارة والموهبة المتجددة في تناول هذه الموضوعات والتي تشكل مادة شيقة أن نطلع على أسرار وملتقيات محببة إلى النفس، كالموروث والقيم التي تشكل حيزا يشحن الذكرى لتقوية العزائم، ويوثق رسالة اطمئنان بخير مجتمعاتنا العروبية في أقاصي الوطن، ولا نبخس حق بشر من هذا الكوكب، لا أخفي ضياعي بين تخوم هذه القصة غير أنني سلكت كل المحاجر التي أوضحت لي مسالك الانتقال من حدث إلى آخر، وما يضيفه الوصف الذي سهل لنا الاسترسال في تقاويم ذاك الزمن جعلنا نبحر فيه، ونحزم حقائب السفر إلى هذه المدن الجميلة بدون فيزا....
فهد عنتر الدوخي 17/11/2019

قصة قصيرة
أخاف ما يطلع نهار
ليلى الدردوري
لم تعرف أمي يوما السبب الخفي وراء امتعاضي الشديد ، و نفوري المعتاد. من ولوج قبة الخزين الكبيرة ،حين تأمرني من دون إخواتي اليافعات ، أن أحضر بعضا من مؤونة السنة المخزونة في القبةكأن تكون شمعا ،أو علبة ثقاب .أو جرة السمن الصغيرة ، المنسم بالزعتر البري ، أو قطعا مجففة من اللحم المقدد ، المكدس في طبق الدوم الكبير ، أو مقدار حنطة تعد بها حساء خفيفا ،  كم احببت بقع زيت الزيتون التنوعة الاشكال وهي تتبارى في طفوها الى أعلى انية الفخار ، وكم كان يدفئ أمعاءنا الصغيرة أنا و إخوتي ، قبل أن نغادر البيت في صباحات الشتاء الجبلية الباردة ،لنذهب جماعة إلى مدرسة القرية الوحيدة ،التي تعلو بنايتها ،المكونة من فصل واحد تلة مخضرة ، حيث شجرة الفلين الصامدة والتي من فوقها كنا نرقب أشعة شمس الأصيل و هي تسقط في أخدود الجبل المقابل للمدرسة. كنا نستحلي ميعاد العودة إلى القرية ،و قطع مسافة الطريق . نركض و نتسابق ،فنثير بوقع أقدامنا الصغيرة الكثير من الاحجار الصغيرة و قليلا من الغبار الناعم ، قبل أن نخوض رحلة صعود الجبل حيث المسالك الوعرة ، التي تدمي أصابع أقدامنا التي قهرها البرد ، وما عرفت  يوما دفء الجوارب الصوفية ، لكنها اعتادت مجابهة القروالوحل بأحذية البلاستيك الشتوية الطويلة.
كان المحبب إلينا ساعة العودة ، أن نتصايح ونهلل في صراخ مستخف ومفتعل كن غير ان يعرف مبررا كلما مرت بمحاذاة منا حافلة للمسافرين ، أو شاحنة بضائع أو سيارة  خفيفة وهي تعبر القنطرة الفولاذية الكبيرة المنتصبة في سماء وادي القرية الكبير ، فما  تزال إلى الآن معبرا للطريق الرئيسي السيار المفضي إلى العبور إلى مدينة ورزازات ، مدينة الثمر وهوليود السنيما الاجنبية في المغرب على الأكثر.
كان أخي زعيم الصغار في سباق الجري ، لهذا لم أجاريه يوما في الوصول إلى البيت قبله.فقد كان منتهى ما يرغب فيه الضفر بحصته من طبق الخليع بالبيض البلدي.وكانت أمي تهيؤه لنا لمزة خفيفة في إناء من الطين المزلج يزيده نكهة ملوحة لذيذة تفتح شهيتنا برائحته الفواحة فيزداد نهم أخي في طلب المزيد.
أما أنا فكنت أنتهز فرصة اختفائه عن ناظري ، للانفراد باصطياد الفراشات من ولعي ببريقها المزركش ، وبعد ملء عيني بنضارة الوانها ارخي لها العنان فتنطلق في الهواء حرة من جديد.
وحدها صديقتي الأثيرة (نزهة) كانت تقاسمني لعبة القبض على الفراشات التي استهوتها مثلي ، لكنها أيضا الوحيدة التي تعرف خوفي الشديد من الوطاويط ، التي رأيت واحدا منها ذات يوم في قبة الخزين ، فأصبت بهلع غريب لم أبح به لأحد دونها.حاولت( نزهة) أن تقنعني أكثر من مرة ان الوطاويط طيور تحيا في الظلام ، وتعيش في الأمكنة المهجورة فقط وأنها ليست مؤذية إطلاقا ، لكني لم أصدق كلامها ، ولم أحمله على محمل الجد يوما  من إزالة تقززي عند رؤيتي لأول مرة  واحدا من الوطاويط وأنا أدلف قبة الخزين يوما لأحضر لأمي أنية نحاسية ثقيلة اعتادت استعمالها للطبخ ، حين تضطر لإعداد طعام كثيرا يفي باستقبال ضيوف كثر عودها أبي أن يستضيفهم في منزلنا ، خلال عودته من السوق الأسبوعي عشية كل يوم أحد طلبا للاستراحة من عناء التنقل عبر الجبل ، وتجديدا لأنفاسهم بكؤوس الشاي المنعنع ، قبل أن يستأنفوا رحلتهم إلى القرية المجاورة لقريتنا حيث يقطن اغلبهم ،واكانت تبدو أكواخها عالية قليلا على الضفة الأخرى من الوادي.
كان الحديث حول الوطاويط يطول لساعات بيني وبين ن(زهة) ، حتى غدا ريقنا كل صباح  ومساء. ووقت ذهابنا وإيابنا من المدرسة ، لا يلهينا عنه سوى لحظة ظهور معتوهة القرية (عود الورد )البلهاء.
التي كانت( نزهة )تغامر في معابثتها دون أن تخشى ردة فعل منها بقذفة حجر ، بينما كنت انا ألزم الصمت المشفق على (عود الورد) العائدة من الساقية ، بعد أن تكون سبحت في مائها طيلة اليوم ،وشطفت شعرها الأشعت بشئ من مسحوق الغسيل ،ولاعبت الضفادع ، قبل أن يجبرها برد المساء القارس على مغادرة الساقية ،غير مبالية بقطرات الماء وهي تسقط مدرارا من ملابسها الرثة ، ولا بضحكات نساء القرية العائدات من الوادي ، وهن حملن فوق ظهورهن قلل الماء التي استسقينها من رأس عين الساقية.كانت( نزهة) ماكرة في استفزاز (عود الورد )وهي تسألها لما لم تجازف هذه المرة كغيرها باضاعة ملابسها ، كما سبق حين جرفتها المياه ، وهي تغمر الساقية بسبب غزارة المطر و وارتفاع منسوب الماء. فخرجت من الماء هاربة شبه عارية لا يسمع لها سوى طقطقة أسنانها التي نخرها السوس ، وسعال متواصل أخفاها عن أنظارنا لمدة ، ومعايثة الصغار حتى  كدنا أن ننصدق أنها قد تكون لاقت حتفها  في الوادي  جثة مغبونة ووحيدة.
كنت قد تأخرت طويلا عن الوصول إلى بيتنا ذاك اليوم ، لهذا تمنيت في نفسي أن أصل قبل أبي ، الذي أفترض أنه لا يزال في المسجد لصلاة المغرب .
فأمر تأخري أنا بالذات كطفلة لن تشفع لي لديه أية علة.انعطفت وجهة بيتنا من دون أن أودع( نزهة) .واسترجعت أنفاسي حين شعرت بما يطمئنني انه لم يصل بعد.تناولت حصتي من طبق حساء الحنطة المخلوطة بالعسل و زيت الأركان بسرعة ،واستسلمت لغفوة قد تكون كافية لتشجيعي على انجاز تمرين الحساب الذهني الذي كلفنا به المعلم ، لكني ما كدت أغفو حتى وصل إلى سمعي صوت أمي يناديني ،وهي تشيد من بعيد كالعادة بخفتي في إحضار ما تريد من قبة الخزين .امتعضت مرة أخرى في نفسي ، ولعنت الخزين والوطاويط.تلكأت افتعلتها نومة عميقة ، لكن صوتها لا يزال يعلو ويستلطفني بدعوات الرضى  كي ألبي نداءها في ترغب مني احضاره لها..
نهضت من مرقدي وسحبت المفتاح الثقيل الذي بت أكره حمله ،وزودتني هي بالفانوس النحاسي الكبير ، وهي تأمرنني أن احمل لها القدر الطيني الكبير ،بعدما ذكرتني أن الغد سيصادف يوم الجمعة ، وهي مناسبة للاستلذاذ بقصعة الكسكس بسبع خضار المحببة لذى كل أفراد العائلة. كتمت نفوري وأحكمت قبضتي الصغيرة على مقبض الفانوس ، واتجهت أعبر الحوش وهو ممر مزدان بأقواس تحيط بساحة منزلنا  التقليدي الكبير وكان شبيها بمنازل مراكش ذات الحوش المنفتج على السماء.
فتحت مزلاج باب قبة الخزين بيد ترتجف ، ولاح لي أن كثافة الظلمة بدأت يشتد في المدخل ،أو ان يدا قوية تحاول الاطباق على قلبي الصغير .إحساس غريب روضني على نفسه حتى ما شعرت بمثله قط.هاجس الخوف من الظلام ومن الانفراد ، قفر القبة المهجورة ، القاتمة الزوايا ،صمتها المريب والظلال الرطبة والظلمة توقعني أرضا أنا والفانوس دفعة واحدة فاستعيد توازني عبثا . هلعي صار الان أشد قوة من زلزلزال ، حين سمعت رفة أجنحة قوية تحاول الهجوم علي . وفي عين اللحظة مر بي شبح وطواط عظيم أغبر. اعترتني هزة رعب عنيفة تحلق في سمائي. انزلق مقبض الفانوس مني .ارتعدت ووقعت أنا والفانوس توا على مسافة لم أضبطها بدقة ، فانطفأت بداخله ذبالة الشمعة و كانت سلاحي الأوحد في تزويدي بما يجري من حولي لاتاكد أني فعلا في قبضة كابوس .أرسلت صرخة كالسهم من الوتر، يرافقها  بكاء لم أبكيه من قبل ،  رهبة فضيعة اجتازت بي بقاعا وأماكن لا عهد لي بها من ذي قبل.عينايا معقودتان بشبح الوطواط الضخم ،الذي لا يشبه في حجمه ذاك الذي رأيته في سقف قبة الخزين المزخرفة بنقوش زاهية تخلب العين ، و التي تعود إلى زمن معماري مغربي قديم كما حكت لنا جدتي ذات مساء.
لكن من أين لي أن استنجد بجدتي ، ولا بأمي أو أخي الأكبر أو أبي ، وأين( نزهة) صديقتي لتراني أنا والوطواط وجها لوجه.لتتاكد على الأقل أنه ما كان ذاك الوطواط الصغير الذي تقززت من شكله حين انغلق على نفسه كقبضة رمادية ، ولكن عملاق  أرمد يصيخ في سواد قبة الخزين الكبيرة . بدوت أنا نقطة لا يراها أحد غير  هياجه ، أقبل يطير بسنابك من سواد ه المميت ، يصدم الأواني النحاسية والفضية برأسه الضخم . ويترصدني في الظلماء لاختطافي بطوي بين جناحين رماديين طويلين ،  كنت أنا جثة صغيرة ، توشك أن تلفظ رمقها  الأخير مخضبة بدمها الهارب القليل..
كانت القبة قد تحولت إلى واد مسيج  بصخور .فلا مخرج لي منها ، و لا منفد. فيما عن قرب مني قيلا الوطواط الضخم وحولي يجول و يصول ويرسل صيحات غريبة عالية تدوي  لها أرجاء قبة الخزين صدى كجلجلة رعود قواصف ، وهو يثب شاهرا  أمامي جناحيه مثل سيفيين أسودين كاسرين . أحسست أن في عروقي قوة خارقة لم أعهدها في نفسي  قط حين شد الوطواط بأجنحته علي يريد أن يجتث كبدي من بين أحشائي ، أتذكر الى اليوم مناعتي وطاقتي في  دفاعي  عن نفسي من غير ان يكون في يدي حسام.وشرعت أخنقه بقبضتي الصغيرتين من دون رفق.وأنا أستمع إلى أنفاسه تتخافت وجبروته يتضاءل ، وقوته تفتر.فيما كان هو يضحك باستخفاف من جرح في كفي يترنح في القبة كمجنون أحاول الشد على عنق الوطواط الوحش لكن قبضته شرسة وأجنحته كانت تدمي بقية جسمي الصغير  وهو بين مخالب موت محقق. ما عاد  لدي ما أراهن عليه في صد قتله لي سوى رغبتي فقط  في إنهاء المعركة قاتلة /أو مقتولة.كان الوقت كافيا للمزيد من عراك غير متعادل .حاربت فيه بلا سيف ، وبلا أداة قاتلة ، فقط  كانت استماتة فزت فيها وأنا أسقطه في غمرة الظلمة .وألقي به خارج قبة الخزين التي عبث بمحتوياتها ، وكانت يقينا ستشهد مصرعي .
كان دأبي ذاك مع الوطواط ، حين فاجأتني أمي وهي تقف أمامي من غير أن اسمع خطوها الذي اعرفه  من بعيد.الفانوس بيدها يضيء أرجاء قبة الخزين التي كانت قبل قليل ساحة معركة ضارية بيني وبين الوطواط الوحش .كنت رمقت طيفها يبحث عني في انعكاس ضوء الفانوس على الجدار القريب مني .لكني كنت قد بلعت لساني أو بثره جناح الوطواط حين  كاد قتلي ، قبل أن تعثر علي أمي في أحدى زوايا القبة الكبيرة شبه ركام موت، لم يتبق منه  غير نبض صغير ، يعلن إشارة  عن بقائي على سطح ارض القية
كان الوطواط أنذاك قد مات أو تبخر في الظلام .أو فر إلى الجحيم.بينما طفقت أشد على طوق أمي وهي ترفعني من على الأرض. وتسوي شعري الذي نفشه الرعب والعرق ،وتعدل هندامي ، أما أنا فما أبرح اصرخ صوت يطفح بالانتصار
أردده على  مسمعها=
- أمي . قتلت الوطواط ...... قتلت الوطواط..
- بينما كانت هي في حالة لم أستطع أنأ أميز  أن كانت تصديقا أو نفيا ، لاني سمعت على التو  همس ضحكتها وهي تربت على كتفي الصغيرتين، لكن  ضحكتها  كانت شبه بكاء ، أو هكذا خيل إلي .

158
روتين يومي تعودت عليه حين رسم لها القدر هذه الحياة .    تعودت ان تقضي معظم وقتها في مكانها المحبب(المطبخ)    بعد الانتهاء من اعداد الطعام والتأكد من نضوجه على اتم وجه  تذهب الى حيث الراحة في غرفتهاالتي تجد فيها متعة وان كانت محدودة. تجذبها اريكتها الزرقاء الغامقة  ووسادتها السوداء الي طرزت عليهاورود بيد محترفة  جميلة .تاخذ نفسا عميقا يشعرها بالراحة من تعب وقوف المطبخ ونفاد روائح الطعام الى انفها الذي تعود على تميز كل الروائح حسب طعمها وشكلها   .لاتنسى موعد قهوتها فهي من ضمن الروتين اليومي مع اشعال شمعة يهتز لهيبها ويتراقص مع كل رشفة من فنجانها تلتفت يمينا يجذب نظرها التلفاز الذي يبدد سكون المكان الموحش وتبدأ بتقليب القنوات للبحث عن فيلم يناسب مخيلتها الرومانسية فتقف عند احد تلك الافلام المعادة والمعروفة سلفا بقصتها   ما ان تنتهي من مشاهدة الفيلم حتى تقترب من جهاز الكتروني له وقع السحر في كل البيوت تقريبا انه الحاسوب الذي جعل من العالم قرية صغيرة محدودة الجوانب   تفتح الفيس وتدخل بعالم الوهم الافتراضي حيت فتحت صفحة تحاكي بها ذاتها تتحدث مع هذا الناشر الذي شدها بكتاباته واراءه وكيف صارت تنتظر الوقت لتقرا له ولا ترد على رسائله  واسألته المتواترة والمكررة  تهرب بعيدا   من الاجابة الابهذا اليوم الذي غير نظام حياتها .جاءت هي من تساله وتحاوره   سالته عن اسمه اجاب كريم  ياه..من هوكريم  ذلك الذي سألها عن اسمها واجابت بكل ثقة انا اسمي فريدة ...نعم انت اسمك فريدة وانت فريدة

159
(( الهم )) الحياة قصة جميلة عليك ان تقرأها جيدا ولاتتوقف عند سطر حزين لأن النهاية قد تكون جميلة , والحياة تمتليء بالكثير من المواقف الصعبة منها المعرفة التي تملأ قلوبنا بالفرح والسرور , والمواقف الحزينة التي تدمي قلوبنا وتحزنها , من الطبيعي أن يصاب الأنسان بالهموم  في حياته , لأن طبيعة الحياة هي المعاناة في الظروف المختلفة وأحواله المتنوعة . كما دل عليه قول الحق تعالى ( لقد خلقنا الأنسان في كبد ) أي الأنسان يعاني المشاق منذ أن تضعه أمه الى أن يجتاز صراط جهنم وليس هناك راحة للمؤمن دون لقاء الله ... قبل أكثر من ثلاثين سنة من الان راجعت طبيبا نفسانيا وشرحت له همومي . وقال لي أي هموم تحملها  وأنت في الثلاثينات من العمر ويفترضبك ان لا تعاني من أي احباط أو توتر أو غضب عليك أن تتمتع بمباهج الحياة وأن تفكر بشكل إيجابي في أي عمل تقوم به . وأنا أقول عليك أن لايحبط عزيمتك أي اخفاق . لأنك في هذا العمر تتمتع بالقوة والنشاط وبأمكانك ان تعمل وتجاهد وتجتاز كثير من المشاكل والأخفاقات . وأنك عندما ترى من هم مصابون بالعجز والأمراض قد يكون سبب ذلك أن هؤلاء الأشخاص يعجزون عن أنجاز عمل قد يكون صعبا عليهم . أننا نعيش في زمن أصبح كل شيء صعب الأنجاز والأجتياز والنجاح . وهذا يجعلك تغضب وتتوتر أو التفكير في شيء أنجازه يكاد يكون صعبا , ثم أكد الطبيب وقال : قد يكون جزء من الهموم مفيدا لنا , فبينما نكون مجبرين على القيام بأداء عمل لانريد أنجازه غالبا ما نستطيع أنجاز هذا العمل ونشعر بعد أتمامه براحة كبيرة . فمواجهة التحديات تعطينا الشعور بالراحة وأزالة الضيق والتوتر الذي كنا نشعر به قبل أتمام العمل , وأيضا يكسر لدينا حاجز الروتين الذي نمر به خلال حياتنا اليومية . أن التطورات والتغيرات الكبيرة التي تحدث في حياتنا والسرعة التي يسير بها العمر الذي نعيش فيه والمشكلات الأجتماعية والأقتصادية خاصة في مجتمعنا الشبابي قد تكون سببا رئيسيا لهموم الشباب والمجتمع بشكل عام . وعليك أن تعرف أن التفكير كثيرا في هموم الحياة قد يصيبك بأمراض مختلفة كالصداع والتشتت الفكري والشعور بالتوتر والقلق الدائم والخوف من عدم القدرة بالقيام باي عمل مهما يكن بسيطا والذي يعاني من هم او من مشكلة معينة ولا يستطيع حلها عليه أن يعترف لمن هو أقدر على مساعدته لتجاوز مشكلته أو مراجعة طبيب , مثلما أنت تراجعني الان . وعلى المهموم أن يعترف بالذي يؤرق حياته ويجعله دائم التفكير به ’ ثم أردف الدكتور وهو يعطي مثالا على كلامه وقال أنهى طالب دراسته في أحدى الدول المجاورة وكانت الفرحة كبيرة للأهل والاصدقاء بحصول أبنهم على اختصاص ولكنهم فوجئوا بأنزواء ابنهم وشعوره بالحزن والمشاعر السلبية وصداع شديد وفقدان الحماس وعدم الاكتراث وكانت صدمة كبيرة للأهل , حيث بدأوا بمراجعتي كطبيب نفساني مختص وتحدثت مع المريض واكتشف انه يعاني من مشكلة أقترفها عن خارج ارادته , ولايستطيع البوح بها للوالدين , ولكني أكدت له ان يعترف لي بما عمله لأن بقاءه مكتوم السر سوف يعاني وتتدهور حالته نحو الأسوأ بل للدمار . وثم أكدت له : ليس هناك مشكلة الا ولها حل وأنا كطبيب كن مطمئنا وسرك في بئر وأنا احل لك كل مشكلتك , ويقول الطبيب : بدا المريض يصحو وملامح الاطمئنان والثقة نرجع في داخله , وقال أنه في خلال دراسته في الخارج تعرف على فتاة وتزوجها وبعدم درايتي بالحياة وتحربتي القليلة ووعدتها أن اتزوجها في كل الظروف لأن العرف والتقاليد هناك يحتم عليه الزواج , ولكن بعد رجوعي الى البلد بدأ والدي يؤكد علي الزواج , وانني غير قادر على مواجهة والدي بذلك لأنه قوي وذات سطوة كبيرة علينا جميعا , وهكذا تحدث الطبيب مع والدي, واكد والدي بأنه لايمكنه الزواج من خارج عشيرته وبنفس الوقت ابدى نوعا من المرونة وقال أنا مستعد أن اعوض البنت بمبلغ جيد جدا من المال مع تأكيدك لهم بأن أبني مريض وغير مؤهل للزواج ، وهكذا أتصلنا بأهل البنت مع إيصال المبلغ لهم وشرح ماحصل لهذا الشاب وبعدم أمكانيته للزواج لكونه مريض , و تأكد الشاب بنفسه من أهل البنت برضاهم وقناعتهم لما حدث وعاد الى حالته الصحية الجيدة . هذا مااكده لي الطبيب وأصبح لدي قناعة وشجاعة على مواجهة المشاكل والمتاعب في كل الظروف .. وأن الله تعالى قد قسم بين الناس معايشهم , وقال تعالى ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) الرزق مقسوم ,المرض مقسوم , والعافية مقسومة , والأجل مقسوم . وكل شيء في هذه الدنيا مقسوم , فارض بما قسم الله لك تكن من أغنى الناس ..... والسلام .. رضوان رضا شيخلر

160
لاغرابة، فيما ذهبت إليه انعام كجه جي، والتي عهدناها في تناول موضوعات بلدنا في حكايات تستفز المتلقي، وهي تجمع شتات الأحداث، الأمر الذي يحسب لها دائما أن تشكيلاتها تجمع عناصر القص الحديث الجميل وقد تغامر  وتتفوق بتقنياتها التقريرية، الصحافية، الإخبارية، وترفع من شأن البناء القصصي بلغة أدبية  سهلة المراس، ومايشدنا ونحن نتابع أحداث هذه القصة أن مجرياتها تبدو مقنعة وشواهدها لايعلو عليها غبار، حتى تصور الزمان والمكان، الظرف المفعول فيه، وكأن النفحات الإنسانية والمشاعر تتدفق نحو رؤى كانت قد لامست ذكرياتنا في دروب بغداد يوم كانت محكومة بنظم إدارية ومدنية وبيروقراطية، وكأن العالم الألماني (ماكس فيبر) يبصم على مصداقية رؤاها، ليجدد نبوءته بوقائع مسجلة في أفكار الكاتبة العاشقة للزمن البغدادي والذي تجلى في تراكيب، حضورها ذكريات قد وظفتها لتوثيق سلسلة متشابهة ومتطابقة لأحداث  وقعت وسجلت في سفر خلودها وهي المدينة الأسرة التي كانت في يوم ما، قبلة الحضارة ومحطة للجمال والبهاء، فكانت بغداد في ذاكرتها المنهل الذي تغرف منه أعوام عاشتها وقد لونتها بحرفتها المدهشة وجعلت منها لوحات للمراجعة، وشحن ذاكرتهم بجمال أيامها، وللذين اضطرتهم ظروف الهجرة، الذين ارتحلوا صوب المنافي البعيدة أن يقرأوا حالهم بعد أن تعقدت بهم سبل الحياة، وانغمسوا في ضجيجها، الجميل الذي نجده في تقاويم انعام كجه جي انها لم تبتعد عن تلك المآثر وظل قلبها يرف لأماسي بغداد، لذكرياتها الحلوة والمرة، للجيران، لزملاءك العمل... وحتى لبيانات الحرب طعما آخرا تقرأه بعين بغدادية، جميل أن نعيد ذاكرة بغداد بقلم باذخ....

161
التاء المربوطة...

 الظلمة أربكتها، تشمخ بعظم هيكلها ، وترمي على كتفيها شالا طويلا زاد ثقتها بنفسها، عوراتها لن تظهر ولن يعرف بها أحد. وبحركة من قدميها وبكل ثقة، تعيد للكون داخلها اتزانه.
سارعت على غير هدى. تحدث نفسها، أنا قوية أشعر برأسي يناطح السماء
- ماهذا كل شيء يتحرك من حولي. لايظهر لي من أين أتوا وإلى أين وجهتهم هؤلاء الناس. يتربصون بكل من يستشعرون به ضعفا.
بعض الصبية يعترضون فتاة متجلببة بالسكوت، تخرج من أفواههم كلمات كالطلقات ركضتْ إلى جوارها وبجبروت عظيم قالت:
-  لايقترب منها أحد، أنا من يحميها. وسألتْها أين تعيشين.
- أنا من الأثرياء معي ثروة كبيرة، تقدر بألفي دولار.
ثم تعض أصابعها، وتعاود الحساب في رأسها بعينين شاردتين، وتقول:
- معي ألفي ليرة سورية، غلتي اليومية، أسلمها للرجل الذي يأويني.
- انتظريني في هذه الساحة، سأعود إليكِ، اطمئني أنتِ معي.
تسرع الخطى، إلى البيوت السوداء الواطئة، وتدلف إلى بيت ترابي، ومن الباب المتهالك يخرج رجل مسرعا.
- هل هذا زوجي، أم سارق يركض خائفا.
وثيابي مبعثرة على الأسرّة والأرض، ما أكثرها من يسكن معي، ألدي مال ومجوهرات وقد سرقها ذلك الرجل؟
جدران البيت المائلة تزفر أتربتها، يخرج المارد، وتهرب إلى الشرفة تحاول لملمة الأقلام المبعثرة إلى أحضان أوراقها
تنثني الأرض تحت قدميها تحاول رفعها لتجلس بسوية فتعاود الأرض الألتواء والتراخي. تنزلق أقدامها وتعود إلى الساحة.
تهلل الفتاة لمرآها وتسألها مابها.
- سأذهب إلى أرض لاتميد بي.
- وهل وجدتها!.
-نعم.
- أين تقع؟
إنها تقع باتجاه قبلة قلبي.
- ياه كم أنتِ مسكينة، أين هو؟
- إنه مسافر، ووعدني بالمجيء قريبا.
- أتعرفينه جيدا؟.
- نعم كنا نختال في شرايين المدينة، وعلى منعطفاتها، يسارع إلى خطف يدي ويشدها إلى قلبه.فتحتفل الساحات بكأسين من الشاي الأحمر.
- أيتها الحالمة!.هل قال لك إنه يحبك؟.
- لا
- إذا
- لقد قالها لكل صديقاتي من حولي، إنه يحبهّن، وسيأتي ليلقاهنّ في دمشق!!!...
إتركيني ...لاتؤخريني أخاف أن يكون قد وصل.
وتستفيق من الحلم .
جمال طنوس

162
عرس الشرقاط...الثقافي.....بداية هائلة.....!!!
*******************      **************
الشرقاط....بلد الفكر والعلم والثقافة....واحة الادب والفن....
مدينة آشور بانيبال...ملك العالم...امبراطور الجهات الاربع....
هاهم احفادك ..يتوجون ذلك التاريخ الاشم بسفر علمي ادبي جديد...ترصع به جواهر تيجان مملكة آشور الخالدة....
هاهم ابنائك ومثقفيك..يتنادون بهمة وابداع ليدشنوا اول سفينة تبحر في محيطات الابداع ..من ميناء اشور الثقافي  تصدح القا...وبهاءا في ربوع مملكتك ياسيدي اشور بانيبال...
نترقب معك...ومع صدى الحاضر..والتاريخ...ان يقرع جرس مهرجان الشرقاط الثقافي الاول...ولن يكون الاخير قطعا....
تحية للعقول والاقلام الساهرة لاعلان الولادة المدوية لهذا الكرنفال العظيم....سلاما...اهلي..ومدينتي الحبيبة الشرقاط...
سلاما...بألف سلام.......

163
إبراهيم قوريالي.. عندما تسير بهدوء متأملا فكرة، أو إستبدت بك ذاتك للقاء غير مؤكد، وفكرة قد تبدو عصية على التطبيع، يهمس في طريقك وانت تحاذي دروب (جرت ميدان)، و(گاور باغي) ومقاهي سوق (القورية) في مدينة كركوك وقد تشبث آلة الشعر والقص الجميل، أن تستعير هذا العنوان لنجم من ضواحي هذا السوق، حتى جعله  بابا مفتوحا لشهية السؤال، ياقوريالي، ماذا جمعت لنهار الغد؟ أيها القلب الكركوكلي، الذي يبسط زناد السلام والحب من آفاق نفس طيبة، و إبتسامة دائمة، و مزحة خفيفة تتبدل عند ولوج فصول الراحة والاسترخاء، كأنني أجزم أن قاموسك، الشهي، المعفر بطيوب هذه المدينة والمزين بكلماتها الندية وحرفة الأخاء  التي جعلتك خادما لصحبك، أسيرا بلفظة ترددها (گوزم، حياتم)... والأجود من هذا أنك تراجع أسماء محبيك وتلتقط لهم تسابيح حضورهم وذكرياتهم في موسوعة معبئة بأيام سفر ومهرجانات وتواصل حي، دلني على صوامع أخرى قد أجهلها فيك أيها الشاعر والأديب الكركوكلي النقي، وانت مازلت ترتقي نوافذ النور وأكاليل الزهور المعلقة على شرفات بيوت (بريادي، والمصلى وإمام قاسم) لتجني، أثرا من التاريخ، وتكتب وثيقة ممهورة بمدائح أولياء الله، و لتسجل في دفاتر الصغار تقاويم البساطة والكلمة الطيبة، أثمن فيك هذه الروح الأدبية وانت تقدم نفسك خادما أمينا لزملاءك في الهيئة الإدارية لإتحاد ادباء وكتاب كركوك.. وفقك الله للفوز ابا محمد...

164
محافظة حلب     ...

جدائل البوح   .
في ليل حزين والدموع تقهقه على الخدين بسخاء غزير، شيءٌ ما، شيءٌ أقوى من كل أحاسيسي ومشاعري التي جاشت في مخاطبة الروح والوجدان ونبع جوانية الفؤاد جعلني أفرُّ من النوم وأنهض  .

جلست على السجادة قرب المدفأة بعد أن وضعت أمامي ورقة بيضاء، كانت الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، وكان لابد من فعل شيء، أي شيء !!

هل أرسم ؟  أم أكتب ؟
كانت الكتابة هي أقرب الينابيع إلى نبض يضرب أوتار شرايينه بشدة، يا له من سؤال سخيف مَرَّ عبر ذاكرتي المرهقة، ماذا ستكتبين ؟   

هل استراحت كل الأشياء في داخلك الذي يزبد مثل البركان، هل هدأ غليان الرأس وانخفضت حرارة التفكير، يا له من سؤال لن يكون الرد عليه عاجزاً عن فضح الكوامن الخبيئة خلف زجاج شفاف لا يخفي سراً  !!

هيا  .. أيتها الأحبار غطي وجع النفس وركبي حروف الحياة لولادة مستقرة جديدة، ولا