المحرر موضوع: علجية حسيني: بغداد مدينة الاحتقان الطائفي في رواية «يا مريم»  (زيارة 506 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عنكاوا دوت كوم

  • مشرف
  • عضو مميز متقدم
  • *
  • مشاركة: 36152
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
بغداد مدينة الاحتقان الطائفي في رواية «يا مريم»


عنكاوا دوت كوم/ صحيفة القدس العربي/علجية حسيني

تصور رواية «يا مريم» للكاتب العراقي سنان أنطون، مدينة بغداد كأرض جحيم وملائمة لانتشار الموت والكره. يركز الكاتب على بشاعة الطبيعة البشرية، القادرة على الشر والقتل والرغبة في التدمير، لتصبح بغداد مدينة الرفض ونبذ الآخر المختلف دينيا. وتهتم الرواية بوصف العلاقات الإنسانية المبنية على الخوف والعدائية، وهو ما يولد طغيان الحقد والاحتقان الطائفي. كما تتطرق الرواية إلى معاناة الشخوص من الآثار المفزعة والفظيعة للطائفية في حياتهم.
تتبادل الطوائف الدينية في بغداد الكره ورفض التواصل،«سامحني يا يسوع. أعرف بأنك قلت «أحبوا أعداءكم» لكنني لا أستطيع أن أحبهم. لا أستطيع». لم يستطع يوسف، الشخصية الرئيسية في الرواية، التزوج بحبيبته دلال لأنه مسيحي وهي مسلمة، «كما أنها كانت مسلمة وهو مسيحي وهذا يعني جبالا اجتماعية شاهقة الارتفاع لابد من تسلقها». يرفض والد دلال زواجها بيوسف وكذلك شقيقته حنة. وكان يتوقع موقفها الرافض لزواجه من مسلمة، «فقد كان يعرف رأيها مسبقا بالزواج من غير المسيحيين، مما كانت تقوله عن أولئك الذين يغامرون ويقترفون الفعل المشين، وهو الرفض القاطع». وقد اختزلت النكتة التي رواها لؤي ليوسف، حقيقة العلاقة العدائية بين الطوائف الدينية في بغداد. أمنية الشيعي هي أن يمحي الجني كل السنة، ولا يبقى منهم أحد. السني يطلب قتل جميع الشيعة. ويطلب المسيحي تحقيق رغبة الاثنين.. تتحول نكتة لؤي إلى كوميديا سوداء ويصير الكره الطائفي مصدر هزل وتندر. توحي النكتة بمعاناة الأشخاص من آثار الطائفية المدمرة. ولتخفيف حدة الإحساس بالعجز أمام فظاعة الطائفية، تنقلب المأساة إلى هزل.
كل طائفة تضمر الكراهية للأخرى. نتيجة للحقد الطائفي، تنقطع الروابط الإنسانية بين الطوائف الدينية في (بغداد الرواية). تُظهر الرواية رفضهم التعايش المبني على التواصل والانسجام. ولغياب التسامح وقبول الآخر، ينعدم التواصل وتجاوز الاختلاف الذي يصبح سببا للعداء المتبادل. تعاني الطائفة المسيحية من الفكر الإسلامي المتشدد، الذي يلحق الأذى بالمسيحيين عبر القتل وتفجير الكنائس، «أحرقوا كنيسة الآشوريين وهجموا على كنيستنا». إذ لا يعترف هؤلاء الإرهابيون بالاختلاف واحترام معتقدات الآخرين، بل يسعون لإرغام المسيحيين على اعتناق الإسلام بالإكراه والتهديد، «بدأ الرجم بالكلمات في البداية، لكن لم أتصور انه يمكن أن يتحول إلى رجم بالنار والموت». يحمل فكر المتشددين في رواية «يا مريم» نزعة عدوانية تجاه الطائفة المسيحية. يُنظر لمهى جورج كآخر نجس ودوني لأنها مختلفة، «النظرات التي أشعر… ليحددوا بها طبيعة مرضي ونجاستي لأني لست مثلهم أو من ملتهم». رغم وجود الطائفة المسيحية في العراق منذ قرون، لا يُعترف بهم كعراقيين بل تقع معاملتهم دائما كأقلية غير متساوية مع الأغلبية المسلمة، «تعبت لأن كل شيء وكل شخص يذكرني، بمناسبة أو بدونها، بأني أقلية».

ينهي سنان أنطون رواية «يا مريم» بمقتل يوسف إثر تفجير كنيسة مسيحية ليلمح إلى صعوبة انتهاء الحقد المتبادل بين الطوائف الدينية في بغداد.

يهتم الكاتب في «يا مريم» بعواقب رفض الآخر وما يخلفه من ضرر لشخوص الرواية. تحول مشاعر الضغينة والكره الحياة في بغداد إلى جحيم من الحزن والكآبة. الاحتقان الطائفي يفرغ حياتهم من الفرح والابتهاج. يظل يوسف عالقا في عذاب الحنين لقصة حب قديمة، «يحتفظ بنسخ منه معلقة في كل مكان على جدران قلبه وروحه كان يمر بها كثيرا في ما ما مضى. وعلى الرغم من أن الكثير من زوايا قلبه قد غرقت في عتمة خريف العمر».
مهى تفقد جنينها ﺇثر انفجار، ما يسبب لها حالة اكتئاب وحزن، «كأن جزءا مني مات ودفن مع الجنين. ومع أنني لم أرتد ثياب الحداد، إلا أن قلبي ارتدى ثياب الحزن». فقدان الجنين يبعث في مهى الإحساس بالظلم والقهر، والتفكير في مغادرة العراق، «زمني السعيد لم يكن قد ولد بعد. ربما أكون سعيدة هناك بعيدا عن العراق. بعيدا عن الموت والمفخخات، وكل هذا الحقد الذي صار يسري في الشرايين». تجبر العدوانية التي يمارسها الفكر المتشدد الطوائف غير المسلمة على الهروب خوفا من القتل «بل تزايدت الهجمات على الكنائس بالمفخخات والهاونات وحوادث اختطاف القسان. كانت العودة مستحيلة وأخذ الكثير من المسيحيين يسافرون إلى سوريا والأردن».

ينهي سنان أنطون رواية «يا مريم» بمقتل يوسف إثر تفجير كنيسة مسيحية ليلمح إلى صعوبة انتهاء الحقد المتبادل بين الطوائف الدينية في بغداد. يرمز يوسف إلى التسامح وقبول الآخر مهما كان اختلافه، «والأهم هو أن كل الصلوات ستصل إلى الله في نهاية الأمر، مهما كانت اللغة أو المذهب». يمثل يوسف إمكانية التواصل وبناء صداقات بين الطوائف المختلفة، باستمرار صداقته مع سعدون المسلم لعقود. سعدون بدوره يحترم المسيحيين وحضر جنازة حنة «وقرأ الفاتحة مرتين على روح حنة». موت يوسف المسالم يقطع الخيط الذي كان يصل الطائفة المسيحية بالطائفة المسلمة، ليستمر الكره والرفض. وبذلك لن تتحقق أمنية مهى بأن تصير بغداد مكانا للحياة والجمال، «أريد أن أعيش في مدينة تزينها أشجار عالية… مدينة تتنفس، ويتنفس من فيها الحياة». وتبقى بغداد في الرواية مدينة حزينة، «تعبت من تدرجات اللون الرمادي الكئيب الذي يخنق بغداد».
أي نشر، أو إعادة تحرير لهذه المادة، دون الإشارة الى " عنكاوا كوم " يترتب عليه أجراءات قانونية



غير متصل Enhaa Yousuf

  • مشرف
  • عضو مميز
  • *
  • مشاركة: 1711
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • http://www.enhaasefo.com/

تحية
الكاتب سنان انطون ينفرد بقدرته على تصوير احداث ضمن دائرة الكلمات ويجعل القارئ يدور في فلكها حتى يجد نفسه ضمن الحدث ، يعيش الحالة ، يستشعر الموقف كانه هو صاحب التجرية فيذوب في مرارتها وينصهر بألمها .. الكثير من ما ورد هنا هو نسخة من الواقع بكل بشاعته وقساوته .. وحتى لو حاول البعض تزيين بعض الاشياء ضمن سيناريو المحبة والتأخي ، فالجميع يدرك تماما حجم المأساة في بلد متعدد الطوائف لكن يسوده فكر متعصب واحد . تحية احترام وتقدير للكاتب سنان انطون ، دمت بابداع ..