المحرر موضوع: اِخْتِيَارٌ *  (زيارة 226 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوسف أبو الفوز

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 587
    • مشاهدة الملف الشخصي
اِخْتِيَارٌ *
« في: 18:30 07/01/2021 »


اِخْتِيَارٌ *

يوسف أبو الفوز

قصة قصيرة:
 
مَنْ جَعلني أقوم بتلك النزوة؟ ربما هو حظ شارا، زوجتي، التي طالما حاولت أن تليّن بعض مواقفي . كنت أحرص على عدم إغضابها، وكل مرة أقول:
ـ سأفكر بما تقولين !
لكن ما ان تمر أيام، حتى تتفاجأ بكوني تصرفت بنفس الطريقة التي لامتني قبل أيام بسببها، وفي كل مرة لا يكون عندي غير ذات الحجة:
ـ ان مثل هذه الامور، مبدئية، يا حبيبتي ، ولا يمكن لي تجاوزها أو تغييرها !
تغلق الباب، حتى لا يسمع ابناؤنا ما تود ان تقوله لي من بين اسنانها وتحاول ان يكون صوتها هامسا:
ـ لكن يا حبيبي، الحياة تتغير والافكار تتغير، وانت انسان تؤمن بالعلم والتطور، وانت ...
قبل الخروج لتنفيذ ما عزمت عليه، كنت اتحدث بالهاتف مع أبني الكبير، وطلبت منه اعطاء الهاتف لأمه، لحظة أنطلق من الجامع القريب للفندق صوت الآذان، وثم مثل فرقة عسكرية لسلاح المدفعية، في حرب جبهوية، انطلقت في سماء اربيل، عشرات الاصوات وبالحان مختلفة تطلق نفس الآذان. قبل ايام قال سلام بصوت غاضب :
ـ تصور، في اربيل وحدها يوجد اكثر من مئتي جامع !
قال سه ردار :
ـ لا مستحيل، الحكومة حددت مؤخرا الاجازات لبناء الجوامع وهناك تشديدات في الامر !
وبغض النظر عن من هو صاحب الرأي الصحيح ، فأني وانا اشعر بالجوع يعضني خطرت لي الفكرة. في الصباح افطرت بشكل خفيف، وغير الماء لم أتناول شيئا، زرت المستشفى لاطمأن على قريب لشارا يرقد هناك، حاملا باقة ورد وكيس برتقال ومر عليّ النهار سريعا. كانت شارا في كل اتصال هاتفي تذكرني بمواعيد حبات الدواء كيّ لا انساها، ولأخذ الدواء يجب ان لا تكون معدتي فارغة. سألتها عن الطقس عندهم في كوبنهاغن. ضحكت وقالت شيئا لأبننا القريب منها. هي تعرف ان درجات الحرارة في اربيل تقارب الخمسين. قبل ان ترسل قبلة عبر الهاتف مودعة، طلبت مني ان لا انسى شراء قبعة للرأس تحاشيا لضربة الشمس. كنت اتصلت مع سلام وسه ردار. اعربت لهم عن فكرتي التي بدت لي كنزوة ، واخذت تاكسيا لانتظرهما هناك.
ليس بعيدا عن قلعة اربيل، على ناصية شارع فرعي، قريبا من نصب لحمامة عملاقة من الجبس الابيض الذي بدا لونه كالحا بأثر عوادم السيارات المارة، حيث نهارا يفترش الارصفة باعة مختلف السلع، ومع اول المساء، ينصب بائع شواء موقده هناك وينثر بضعة كراس بلاستيكية، والى جانبه يفترش بائع زجاجات ماء جانب من الرصيف ، وليس بعيدا عنهم نثر حول موقد نار كبير بائع شاي اباريقه الملونه واستكاناته المزخرفة بزهور نارية . مررت بهم كذا مرة ، راقبتهم وجلست اليهم مرة، واعجبني تكاملهم في العمل . تأكل عند صاحب الشواء نفر كباب مع طماطة مشوية ، تشتري من زميله زجاجة ماء ، وتشرب شايا او اكثر عند الثالث، وتدفع لصاحب الشواء ثمن كل ذلك، وفيما بينهم يعرفون كيف يتقاسمون ما دفعت. الى هناك دعوت سه دار وسلام:
ـ نأكل لحما مشويا ونشرب شايا ساخنا ونتفرج على حياة اربيل في الليل !
صاح سلام على الهاتف :
ـ إختيار جميل !
وأمتعض سه ردار :
ـ أنا ابن اربيل، اعرف عشرات المطاعم والاماكن الهادئة الجميلة، نزواتك الرومانسية الثورية لم تستيقظ إلا اليوم؟
ووصلا باسرع مما كنت اتصور. كنت للتو تبادلت الحديث مع بائع الشواء ووجهت اليه بعض الاسئلة حين وصل سه ردار ، متأففا من زوجته :
ـ يا رجل بالكاد اطلق سراحي، تلومني لاني لم ادعوك الى منزلنا للعشاء ، لا تريد ان تفهم انها رغبتك في الجلوس في مكان عام شعبي وحنينك لاصولك الكادحة .
وصل سلام متأنقا بشكل لا يتناسب والمكان، مما جعل العديد من المارة يوجهون الينا نظرات الاستغراب: مالذي يفعله هؤلاء الافندية في مكان  اعتاد الجلوس فيه الكسبة والعمال ؟
ما ان التم شملنا حتى علا صوتي طلبت تجهيز ما رغبنا فيه من مشويات، وراح سه ردار يعيد الى مسامعنا ذكرى تلك الليلة العصيبة التي وقعنا فيها في كمين لقوات الجحوش .
 ـ هل خطر ببال احدكم ليلتها اننا سنجتمع هنا يوما ما ونحكي عن ليلة كاد الرصاص فيها ان يحول كل منا الى (سر الليل)؟  **
ضحك سلام :
ـ لو تتصوروا درجة خوفي يومها؟ السفلة كان كمينهم معدا بشكل جيد، كانوا يريدون ابادتنا جميعا لو لا...
وقاطعه سه ردار :
ـ انت تخاف؟؟ كفاك تواضعا يا ملعون، لولا مبادرتك ورد نيرانك السريع لما استطعنا تجميع انفسنا وتنظيم حالنا ؟
ضحك سلام وعلامات الفخر تلمع في عينيه :
ـ لا تنسوا، المبادر الاول كان الشهيد قادر، انا كنت التالي!
لا اعرف كيف اكملت طعامي وكيف وصلتنا اقداح الشاي، وأي نكتة رواها سه ردار وضحك لها سلام، كنت غارقا مع طيف قادر الذي ظل يدور حولي في وجه بائع الشاي مرة وبائع الكباب مرة اخرى .  كنت احاول ترتيب ذكرياتي عن رجل كان في حضوره أخف من نسمة على الاخرين. وسط حياة الانصار القاسية التي تفتقر لابسط متطلبات الحضارة، كانت الخشونة تبدو أمرا طبيعيا، الا مع هذا الرجل النحيل، المتوقد العينين. حاولت تذكر لقائي به لاول مرة، خروجنا معا في مفرزة استطلاع وكيف تعلمت منه كلماتي الكردية الاولى. اخبرني انه اراد اول الامر توريطي بدفع من بعض الانصار ليعلموني كلمات فاحشة على انها عبارات مودة وتحية، لكنه اعترف بكونه شعر بالخجل اذ رأى حماسي لتعلم لغته القومية، وخصوصا ساعة ان عرف اني ابن عامل مخبز مثله. كان يكبرني بخمس سنوات، لكننا صرنا اصحابا نتهامس ونتبادل أسرارنا الصغيرة. يوم وصلتنا اخبار استشهاده في كمين غادر، في سلسلة أحداث (اقتتال الاخوة ) *** ، بكيت بحرقة. لا يمكن لاحد كان هناك معنا، في تلك الليلة من نيسان، ليس بعيدا عن معسكر ماوت، الا وان يبكي رحيل قادر. كاد ليلتها ان يفقد حياته فداءا للاخرين.  كان النصير الثاني في ترتيب المفرزة .أعد الجحوش السفلة لكمينهم جيدا ، كانت لديهم معلومات دقيقة عن عددنا وسلاحنا، واوقات حركتنا. توزعوا على الاماكن على طريق عبورنا. سقط النصير الاول جريحا من أول اطلاقات كمين العدو، أسنده قادر جانبا وفتح النيران فورا، ولم يتراجع، التحق به سلام، وظلا معا يشاغلان الكمين، حتى استطاعت بقية المفرزة ترتيب حالها ومساعدتهما في سحب الجريح. تابعت قامته النحيلة ببطء وهو يضع اقداح الشاي امامي. سألته :
ـ ما هو دافعك في كل مرة للمخاطرة بحياتك؟
نظر لي بائع الشاي باستغراب وسألني :
ـ عمو، ماذا قلت؟ هل تتحدث معي؟
صرفته بسرعة بأبتسامه وهو ينظر لي بأستغراب. انتبهت الى سلام وسه ردار المشغولين عني في سجال لا ينتهي. كان وجه قادر يتألق بحب تحت فانوس قاعة الانصار بسقفها الخفيض، حين سألته. نظر لي باستغراب واجاب بدون تفكير :
ـ انها قضية مبدئية !
أنتقل سلام في حديثه الى ما يغيض سه ردار في ذكرياتهما، حظهما مع النساء، فحاولت ان لا اتدخل. شعرا بأستمتاعي بما يجري بينهما، يعرفان أنه يروق لي دائما متابعتهما، يختلفان ويتصايحان وسرعان ما ينسيان سبب الخلاف فيعاودان الضحك والمشاكسة ، تماما مثلما كانا في الجبل. كان قادر يقول :
ـ لن يكبرا، اقسم لك انهما سيظلا طفلين حتى وان صارا جدّين ، الصداقة عندهما قضية مبدئية !
 أقترب مني طفل يبدو تجاوز قليلا العشرة أعوام، بثوب قديم، لكنه نظيف. كان ثمة سؤال قلق يطوف في عينيه سرعان ما قال بلغة عربية سليمة :
ـ عمو، تصبغ حذاءك. عندنا صبغ اصلي من تركيا وشغلنا نظيف وسريع !
أعجبتني طريقته في الكلام ووقفته المتزنة. لم يكن يتصرف كطفل. كان رجلا بثياب طفل. حول خصره تتدلى حقيبة قماشية صغيرة فهمت انها تحوي اتعاب عمله اليومي . مشكلتي انه في كل حياتي لم اترك احدا يصبغ لي حذائي، مهما كان. أشعر بالخجل من ذلك، اشعر ان فيها امتهان للاخر . تعلمت ان اقوم بهذه المهام بنفسي. كانت شارا في بداية زواجنا تعاركني على ذلك. قلت لقادر يوما :
ـ اعتبر هذه الامور البسيطة قضية مبدئية، فأنت تشعر بانسانيتك اكثر حين لا تحمل الاخرين مسؤولية أنجاز أعمالك الخاصة .
شارا صارت تشاكسني أحيانا وتقول لي :
ـ تعجبني مبدئيتك، يا ريت تعتبر الشخير مخالفا لمبادئك وتتوقف عنه وترحينا في نومك!
لا ادري لم خطر لي ان أسال الطفل الواقف امامي منتظرا جوابي :
ـ اولا هل يمكن ان اعرف اسمك، ومن أي مدينة ؟
نظر لي الطفل بقلق، لكنه يبدو أطمان لابتسامتي فقال :
ـ اسمي قادر وأهلي من مناطق ديالى !
أهتز استكان الشاي بيدي. هل في هذا معنى ما؟ لو كانت شارا معي لفسرت الامر بالف شكل، لا يوجد عندها شيء يحدث عرضا.لا يمكنها ان تؤمن بالصدفة. تعتقد ان الصدف موجودة فقط في الافلام السينمائية والروايات العربية. دائما لديها احساس بان قوى خفية تسير العالم لا علاقة لها بالايمان والدين :
ـ حبيبي لا يوجد شيء في هذه الحياة بدون معنى هكذا تقول حكم الاولين!
لم اسأل الطفل لم هو وعائلته في أربيل، اعرف ان عددا كثيرا من العوائل العربية تركت أماكن سكنها ونزحت طلبا للامان الذي وجدته في مدن كردستان اثر تواصل حوادث العنف الطائفي في المناطق الغربية من البلاد . استفزتني صدفة كونه يحمل أسم انسان كنت افكر فيه طوال الوقت. اثارني جدا وقوف الطفل امامنا، فرغم كل كبريائه الا ان في عينيه الوديعتين ثمة كلام اخر. ثمة رجاء بسماع الموافقة مني على طلبه ، فقلت له بصدق :
ـ اعطيك الالف دينار لكن سأصبغ حذائي بيدي، فقط أعطني الفرشة والصبغ !
توقف سه ردار وسلام عن حديثهما وراح يتابعان حديثي مع الطفل، الذي نظر لي مستغربا ونقل بصره بين سلام وسه ردار، ثم بلع ريقه وقال :
ـ عمو ، هذا ما يصير!
وانتبهت الى قوة  رفضه. فضحكت ، فواصل رده:
ـ عمو هذه معناها انت تعطيني صدقة، وامي تقول نحن لا نقبل الصدقة، يجب أن نأكل خبزتنا من عرق جبينا.
كانت كلماته مثل حجارة تتساقط في مصب ماء بارد فيتطاير رذاذ الماء يبلل كل شيء ويفقأ العيون . الطفل يبدو أنه يسمع نصائح وكلام أمه جيدا ويلتزم بما تقوله له. لم أود ان اثير مواجعه بسؤاله عن أبيه. ربما يكون فقد حياته ضحية للعنف الطائفي ، وربما يكون سجينا نتيجة نزاعات سياسية او عشائرية. أمامي حقيقة تتلخص في وجود طفل يرفض ان يقبل الشفقة. أعجبتني كبرياؤه ومبدئيته . قال قادر مرة  :
ـ الانسان بدون مباديء ثابتة مثل خشبة يتقاذها مجرى ماء ! 
 قلت للطفل :
ـ اعطيك الفين دينار مقابل استخدام فرشاتك وصبغك لأني متعود اصبغ حذائي بنفسي !
نظر لي ، وقلب بصره بين سلام وسه ردار :
ـ عمو، انت تعرف أني احتاج هذا الالف دينار لمعيشتي انا وأمي واخواتي، الله يخليك، خليني اصبغ حذائك حتى اقدر اقول للناس حصلته بتعبي!
كنت حائرا، هل أخون مبادئي وأترك الطفل يصبغ حذائي بنفسه؟ أم ارفض ذلك واحرمه من رزقه؟ كان قادر يقف جانبا يضحك ويهمس لي :
ـ احيانا ربما تضطر من اجل الحفاظ على مبدئيتك ان تكون قاسيا، واحيانا من أجل كسر القسوة عليك ان تتناسى مبدئيتك!
لكن هل تكون نزوة القدوم الى هذا المكان قدرا للوقوف امام محنة الاختيار، كما تقول شارا؟ هل واجه قادر هذه المحنة وهو يغطي انسحاب رفاقه، في تلك الليلة من أيار، عند مضيق الجبل، طالبا منهم ان يسلموا له على الجميع قبل ان يستشهد برصاص الايادي الغادرة؟
هاهو قادر يقف امامي. تختلط الصور. قادر بابتسامته الواثقة وشواربه الكثة، والطفل بوجهه الناحل البريء وصوته المفعم بالرجاء :
 ـ ها عمو .. تريد اصبغ لك ؟


10 اب 2011
أربيل




 * نشرت في مجلة )الثقافة الجديدة( البغدادية العدد 418 كانون الثاني /  يناير 2021
** سر الليل : درج المقاتلون الانصار على استخدام أسماء الشهداء كعلامة تعارف "سر الليل" .
** تسمية شاعت عن الصراع والاقتتال غير المُجدي، بين الاحزاب والقوى السياسية المعارضة لنظام صدام حسين الديكتاتوري.