المحرر موضوع: بَلبَلةّ بَابَل  (زيارة 191 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سـلوان سـاكو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 411
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
بَلبَلةّ بَابَل
« في: 07:29 30/04/2021 »
بلبلَةّ بَابَلّ
بقلم/ سلوان ساكو
جاء في الكتاب المقدس سفر التكوين 11: فَنَزَلَ الرَّبُّ لِيَنْظُرَ الْمَدِينَةَ وَالْبُرْجَ اللَّذَيْنِ كَانَ بَنُو آدَمَ يَبْنُونَهُمَا. وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا شَعْبٌ وَاحِدٌ وَلِسَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِهِمْ، وَهذَا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالْعَمَلِ. وَالآنَ لاَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ كُلُّ مَا يَنْوُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ. هَلُمَّ نَنْزِلْ وَنُبَلْبِلْ هُنَاكَ لِسَانَهُمْ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ بَعْضُهُمْ لِسَانَ بَعْضٍ فَبَدَّدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، فَكَفُّوا عَنْ بُنْيَانِ الْمَدِينَةِ، لِذلِكَ دُعِيَ اسْمُهَا «بَابِلَ» لأَنَّ الرَّبَّ هُنَاكَ بَلْبَلَ لِسَانَ كُلِّ الأَرْضِ. وَمِنْ هُنَاكَ بَدَّدَهُمُ الرَّبُّ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْض.
دراسة علم اللغة تتَخذ حيزًا قويًا في العلوم الإنسانية، وفي الدراسات اللسانية الجادّة في أيّامنا هذه. لما لها أهمية في معرفة الحضارات والثقافات التي كانت موجودة قبل آلاف السنين.
معنى بابل الحقيقي، هو باب الآلهة وأصله من اللغة الأكّادية، أقدم اللغات السامية، إيّ باب ايليم وهو ترجمة للفظة السومرية كادنجرا.
تحمل قصة برج بابل الكثير من المعاني والدلالات التي يستطيع الفرد أن يصل منها الى معنى للغة والسياق الحضاري الذي جاءت منه وبالتالي ظهور المجتمعات الإنسانية التي لولا تلك اللغة أو اللغات، لأصبح من المستحيل التواصل والتعامل فيما بينهم وبالتالي اندثارهم ولا يَبْقَ لَهم أَثَرٌ، فإذا عامل اللغة هو المحرك الأساسي الذي دفع تلك المجتمعات على التفاعل والانخراط والانصهار فيما بينها.
اللغة هي نسق من الإشارات والرموز، تشكل أداة من أدوات المعرفة وهي من أهم طرق التواصل بين البشر. في أي لغة هنالك خط زمني مستقيم تسير عليها هذه اللغة، ماضيٍ وحاضر، وبعد ذلك يُصار  الإثنين معاً إلى مستقبل، كل هذا يُقاس بمحددات لغوية، على سبيل المثال لا الحصر، زيد مواليد بغداد، أسم لفعل ماضي قد انتهى، زيد يدرس ألان في الجامعة، وقت حاضر، زيد سوف يتوظف، مبني للمجهول. فأذا هنالك ثمة لغة تربط الحالة الزمنية مع بعضها، المدينة مكان الولادة والجامعة والتوظيف. هذا هو سلوك البشر العادي. حسنًا ماذا لو لم يكن الزمن خطي مستقيم، أي يكون متكامل يندرج في سياق واحد، الماضي والحاضر والمستقبل، جميعهم نراهم مرة واحدة وفي وقت واحد حيث الزمن لا يتجزأ إلى مراحل حيث يكون زيد ولدَّ ودرس وتخرج في نفس الوقت. في تلك الحالة ما نوع اللغة التي سوف تُستعمل؟. ربما تكون هذه فكرة إلهية يُرى الكون ككتلة واحدة في حيزّ سرمدي خارجة عن مقولة الزّمان، السؤال الأكثر إثارة وجدلية وبعيدًا عن الميتافيزيقيا، ما هي نوع الجُمل والكلمات التي سوف تُستعمل آنذاك، وبأي لغة تُلفظ، فكل اللغات المتداولة علميًا هي ضمن سياق خطي مستقيم واحد، لها بداية ووسط ونهاية ليتجلى لنا ذلك في مصفوفة موحدة. ولتعويم المقال وتبسيطه في تسليط الضوء على هذه الإشكالية المعرفية الخطيرة، نأخذ فكرة الزمن الدائري المتمثلة في فلم الوافد( Arrival)، للمخرج العبقري دينيس فيلتون وكتابة اريك هايزرر. في سياق الفلم تهبط 12 مركبة فضائية الى كوكب الأرض في مناطق مختلفة، تظل المركبات قرابة 48 ساعة دون فعل ما يسيىء للبشر، إلى أن يحصل تفاوض بين الجانب الأمريكي متمثلًا بالممثلة  أيمي آدمز ( لويز) المختصة في علم اللسانيات، وعالم الفيزياء إيان ( الممثل جيرمي رينر)، على متن تلك المركبة في صالة مخصصة للمحادثات حيث المخلوقات تكون وراء حاجز زجاجي، من خلال الأحداث تكتشف لويز أن لغة المخلوقات الفضائية لغة غريبة عبارة عن دوائر دخانية تحمل رموز وشفرات، لتُشكل البنية الأساسية للفلم التي تشير إلى دائرية الزمن وعلاقته باللغة. هنا وفي منعطف حاد تكتشف لويز شفرة هذه اللغة التي كانت تتنبأ بما سوف يحدث للأرض خلال  3000 الف سنة قادمة، وهم أي المخلوقات يريدون أن ينقذوا الأرض من دمار محقق.
من خلال السرد تُشاهد لويز رؤيا مستقبلية لحياتها  وهي على متن المركبة الفضائية، حيث تكون قد تزوجت من زميلها الدكتور إيان وتنجب فتاة تُصاب لاحقًا بمرض نادر وتموت هذه الفتاة، وحين تهبط تقول لإيان تعرف الآن لماذا تركها زوجها، فيستغرب هو من هذا الامر، ويقول بستغراب هل أنتِ متزوجة. ربما يتملكنا الاستغراب من أطروحة الفلم الفلسفية، ولكن ثمة فكرة مجازية في الطرح حيث أراد المخرج عن طريق لويز أن يقول لنا إن إدراكنا لفكرة الزمن محدودة للغاية، وإننا نظن أن الحياة محطة نهائية يتوقف عندها كل شيء، لكن دكتورة لويز تؤكد أن حياتنا هنا رحلة ولابد أن ندرك كل التفاصيل بها رغم الألم الذي سوف يلحق بها في المستقبل.
هنا جاء وقت السؤال الأكبر  والذي طرحه الفيلم بشكل غير مباشر، إلى أي مدى يمكن للغة أن تؤثر على مستقبلنا وحياتنا؟، حيث يعتقد العلماء أنها تتحكم في كل شيء تقريبا، والبعض الآخر يرى تأثيرها متوسطا.
في النهاية هل يستطيع الإنسان تجاوز فكرة الزمن كلغة وخلق إنسان يتجاوز حدودهما معاً، ربما كان الفيلسوف نيتشه على حق في تصوره للرجل الخارق السوبر مان، حيث يسبق منظومة المكان والزمان حيث يروم من خلالهما تجاوز النمط السائد من المعرفة.
يبقى الرهان منفتح على معرفة الديالكتيكية معقدة عابرةٌ لأطروحة الزمن الحاضر  مُضافٍ إليها عامل اللغة، ولكن في النهاية تظل كل هذه محض تأويلات واستنتاجات في كون شاسع مليء بالاسرار والغموض.