المحرر موضوع: تركيبة الحشد الشعبي، هل تؤهله أن يكون ظهيرا للقوات المسلحة العراقية؟  (زيارة 99 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فرات المحسن

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 279
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
تركيبة الحشد الشعبي،  هل تؤهله أن يكون ظهيرا للقوات المسلحة العراقية؟

فرات المحسن

يواجه العراق اليوم حزمة من المشاكل والأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وتوجد جملة من المواضيع المرتبطة بكل هذا. واحدة من أهم تلك المشاكل وأعقدها علاقة الفصائل المسلحة بمختلف تلاوينها بالوطنية العراقية.وهذا ما يستوجب المزيد من الدراسة والبحث الذي يساعد على استيعاب أفضل للتطورات الجارية، خصوصاً مع تصاعد الحراك المطلبي وبقاء جذوة الخلاف السياسي متقدة، واتساع وتسارع التغيرات السياسية والاقتصادية والتي باتت تؤرق الكثيرين.
معاناة الحاضر عند الإنسان تجعله في حالة رعب مما يخبؤه المستقبل، فبمقدار عجزه عن مجابهة وضعه الحالي، نجد أن حياته تبقى معلقة بالمتغيرات المفاجئة والمضمرة غير المنظورة أو الهلامية المغرقة بالمتاهات.
 فالعراق اليوم في ظل التركيبة السلطوية ووفق وقائع إدارة الدولة، والصراع على الغنائم وتقاسم مصادر القوة والمال، يواجه حزمة من المشاكل والأزمات، يكاد الفرد معها يقترب من الرعب اليومي أو الانفصام النفسي جراء ما يقع عليه من أضرار وإحباط يواجهه  يوميا ناتج عن تلك الأزمات. فانعدام الطمأنينة على رزقه اليومي وعائلته ومصيره الشخصي، تجعله  في وضع مختل التوازن، فاقد للسيطرة على قدراته، خائف من المستقبل وما يحمله له من مطبات وعثرات يجدها تثلم  ضمانات الحاضر رغم شحتها وعسرها، ومن هذا يفقد الفرد القدرة على التخطيط . وبسبب فقدانه الجهد الذاتي نجده في النهاية لا يستطيع السيطرة والتحكم بمصيره،ويجد نفسه بسبب هذا الرعب اليومي الكامن والمتربص ، أن لا حول ولا قوة له في مواجهة خصوم وكوابح عديدة تعترض كده وحياته اليومية.
فالبطالة المستشرية بين أوساط الشباب، وضعف الروابط الاجتماعية، تدهور التعليم، هشاشة الرابط الوطني، تفشي الأمية وانتشار الخرافة حتى بين أوساط المتعلمين. جميعها كانت وستبقى نذر شؤم طبعت بطابعها المجتمع، وأضفت عليه صفات وطباع لم يألفها سابقا. ولا شك أن مجمل ذلك كان سببا في اعتلال المجتمع واهتزاز قيمه، وبالذات لدى الشرائح الفقيرة منه التي أصبحت مع الوقت تشعر باليأس وانغلاق الأفق وانعدام الفرص للارتقاء بالوضع الشخصي والعائلي. ليأخذ هذا الواقع المتردي، عند مجاميع الشبيبة تعبئة نفسية سلبية دائمة بسبب اضطرابات منهجية بالتفكير ترافقها الانفعالات والتحدي والنوازع العدوانية. وهذا القطاع الواسع من العراقيين، يتصف ببنية دينامية تبحث عن الرزق داخل فم الأسد مثلما يقال،وتركب الصعاب لتثبت للجميع وجودها الإنساني. وكان من المناسب ظهور جهة ما تعمل على امتصاص هذا الغليان الشعبي والسيطرة عليه، لا بل توجيهه والاستفادة من طاقاته الحيوية الكامنة، بتوفير ملاذٍ ومنفذٍ له للتنفيس عن المكبوت النفسي والقوة الجسدية.
عند نقطة فاصلة من حياة الشعب العراقي وإثر التهديد الذي أنتظم على حدود عاصمة الدولة  بغداد والمدن الشيعية المقدسة، اتجهت الأنظار نحو تلك الطاقات الموجودة عند هؤلاء الشباب والمغيبة جراء التهميش والبطالة. وهذا انتبهت له المؤسسة الدينية وبعض الأحزاب التي تدعي الارتباط بها أو القريبة منها . حين أدركت ضرورة زج هؤلاء واستغلال قواهم وقدراتهم للوقوف بوجه أعداء العراق ويتقدم على ذلك مصطلح، أعداء الطائفة.

ظهور الفصائل المسلحة

على مدى ثمانية عشر عاما لم تقدم السلطة الحاكمة حلولا ناجعة للبطالة ومشاكل الفقر وتردي الخدمات، وإنما ازداد العوز والفقر، وأصيبت مجالات التعليم والمعرفة بانتكاسات شديدة، وتصاعدت وتيرة الاعتداء على الملكيات العامة والخاصة، وشوهت السلوكيات الخطيرة إدارة مؤسسات السلطة، وما استطاع قادتها  خلال تلك الأعوام غير زج المجتمع في حومة الصراعات الطائفية والقومية، لتختصر الكثير من احتياجات الناس وتحجر تحت يافطة الهوية الطائفية والصراع المذهبي والقومي، الذي استعر في ظل الوجود الأمريكي الذي عمل بدوره جاهدا مع شركائه من القوى المحلية، على تغذيته وجعله يتقدم الواجهة ويحتل الصدارة في أسباب تصعيد واستشراء التوترات الاجتماعية.
فمع دخول طلائع الجيش الأمريكي، ظهرت إلى العلن أولى تشكيلات المقاومة الشعبية، الرافضة للاحتلال، وتميز بناء هذه المقاومة بخليط من قيادات عروبية وبعثية وإسلامية غلب على مقولاتها الدوغمائية، واجتذبت الشباب من رافضي الاحتلال، وكان ثقل تلك التنظيمات ونشأتها  في بغداد والمدن ذات الغالبية السنية. وبمرور الوقت أفصحت تشكيلات عديدة عن نفسها، مثل كتائب ثورة العشرين التي تأسست عام 2003 ،والجماعة السلفية المجاهدة في الشهر السابع من نفس العام، ثم  توالى تأسيس تلك المليشيات السنية مثل جيش العزة والجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية وجيش أنصار السنة وجيش محمد والنقشبندية ومن ثم تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بزعامة الزرقاوي وصولا إلى داعش. وجميع تلك القوى وضعت نصب أعينها محاربة المحتل والقوى السياسية التي قبلت التعامل معه، وسبق جميع تلك المليشيات في التأسيس الجيش الإسلامي الذي ظهر إلى الوجود قبل سقوط نظام البعث في العراق بعدة أشهر.
بنيت قاعدة خوض المعارك على أسس العداء المذهبي للشيعة ومشاعر خسارة السلطة بعد عقود طويلة كانت ومؤسساتها تخضع لشروط وخيارات رجال يحسبون على المذهب السني قبل أي توجه أخر. 
فيما برزت على نحو ظاهر تشكيلات مسلحة شيعية عام 2003 أي بعيد الاحتلال مباشرة، رافضة لما تبناه الاحتلال من إستراتيجية للعراق، تمثلت أولا بأنصار الصدر الذي أطلق عليهم لاحقا تسمية جيش الأمام المهدي ثم سرايا السلام لاحقا ومجاميع صغيرة أخرى. ولكن فيلق بدر وهو الجناح العسكري للمجلس الإسلامي الأعلى وقتذاك، كان قد تشكل في إيران عام 1983 تحت أمرة قادة المجلس الإسلامي الأعلى لغرض مناهضة حكم صدام حسين ومحاربة الجيش العراقي، ومازال فيلق بدر يمارس نشاطاته بقيادة السيد هادي العامري بعد انفصاله عن المجلس الأعلى. ومن رحم جيش الأمام المهدي الذي جمد نشاطه في 21 تموز عام 2007  ظهرت إلى الوجود منظمة عصائب أهل الحق بقيادة الشيخ قيس الخزعلي الذي استقل عن جيش الأمام المهدي عام 2008 .وكانت كتائب حزب الله قد شكلت سراياها إثر خلافات داخل فصيل العصائب وكذلك بين أوساط جيش المهدي، وأتى ذلك قبيل فتوى رجل الدين الشيعي السيد السيستاني بأكثر من عام. وأُسس لواء اليوم الموعود وظهر إلى الوجود في ذات السنة. وهناك فصائل إسلامية شيعية تشكلت بالتعاقب. وكان لتفجير ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري يوم 22 فبراير سنة 2006 الأثر الفعلي لظهور الكثير من الفصائل المسلحة الشيعية. وشكل ظهورها إنذارا ببدء الصراع الطائفي الذي أشتعل أواره إثر ذلك العمل الخسيس الذي أقترفه فصيل سني مسلح، وكان حدثا قدح شرارة الفتنة الطائفية،ودفع  الفصائل المسلحة من كلا الطرفين لاقتراف جرائم بشعة راح ضحيتها العشرات من البشر الأبرياء.
كان احتلال مدينة الموصل في العاشر من حزيران عام 2014 من قبل الدولة الإسلامية في العراق والشام ( داعش ) وحلفائها من بقايا حزب البعث وذراعه المتمثل بجيش النقشبندية وبعض القبائل العربية السنية، ومجاميع من المسلحين بدوافع مختلفة،وكان ذلك نقطة تحول مفصلية في تاريخ الدولة العراقية. وسجلت تلك الواقعة انهيارا مريعا لقيادات الجيش العراقي، وهزيمة كاسحة لعدد من فرقه العسكرية، واستحوذت داعش في تلك الواقعة على كميات كبيرة من معدات وأسلحة الفرق العسكرية التي كانت بعهدتها مسؤولية الدفاع عن تلك المناطق. وإثر تلك التداعيات التي حصلت في ثاني أكبر مدن العراق، استطاعت المليشيات العشائرية المسلحة بقيادة داعش التمدد واحتلال مساحات واسعة من محافظة صلاح الدين، ثم وبشكل سلسلة من الهجمات التصاعدية استطاعت السيطرة على أجزاء كبيرة من محافظة الأنبار ومناطق شمال محافظة بابل وبالذات القرى والبلدات القريبة من العاصمة بغداد والواقعة جنوبها. ووصلت بقدراتها وبصورة مباغته حتى محيط العاصمة بغداد وجوارها من الجهة الغربية، وبالذات ناحية أبو غريب وجرف الصخر والكَرمة والفلوجة والحبانية، وكذلك جاورت طلائعها حدود محافظتي كربلاء والنجف، من جانب منطقة النخيب والصحراء. وكانت الغاية من تقدم داعش وانتشارها قرب بغداد، محاولة تطويق العاصمة من جميع الاتجاهات وإسقاطها عسكريا وإداريا ومن ثم التوغل نحو الجنوب.
مبرر تشكيل الحشد الشعبي
شكل انهيار الجيش العراقي واقتراب فصائل داعش وحلفائها من مناطق بغداد ومدن النفوذ الشيعي، الهاجس المقلق، لا بل التحذير الحقيقي من خطر قادم أرعب القوى السياسية ودفع المؤسسة الدينية الشيعية للتعامل معه بكل ما تمتلك من عزيمة وتأثير، لذا أطلق المرجع الشيعي الكبير السيد علي السيستاني فتواه التي دعا فيها جميع العراقيين إلى الجهاد، وسماه الجهاد الكفائي، وهو نوع من أنواع الجهاد، يوجه لجماعة محددة من المسلمين، ويسقط عن الباقين، ولا يلزم الجميع الجهاد فيه. وتعد دعوة السيد علي السيستاني التي أطلقها يوم 13 يونيو 2014 نقطة تحول في طبيعة المعارك على الأرض العراقية، وجاءت في الوقت الحرج، لتوقف التداعيات في جبهات القتال، وتحجم مظاهر انهيار القوات المسلحة. فقد لبت نداء المرجعية مجاميع كبيرة العدد،وكان تدفقهم مفاجأة للجميع، وما كانت لتستطيع المؤسسة العسكرية المتهالكة استيعابهم، وفي ذات الوقت ما كانت قادرة على تأمين السلاح والعتاد لهم.عند ذلك دخلت المؤسسة السياسية والعسكرية الإيرانية على خط حاجة وافتقار تلك الحشود للتجهيزات والتمويل لتكون الممول الرئيسي للكثير من تلك الفصائل سلاحا وأموالا ووفق شروط التبعية والولاء وليس غير ذلك.
 وكانت هواجس الخوف والقلق لدى المؤسسة الدينية الشيعية العراقية ومثلها غالبية الطائفة الشيعية وأحزابها الإسلامية من التداعيات المقبلة، إن استمرت داعش بالتمدد، فرض نوعا من التحدي وعزيمة تخلت كليا في سعيها لإنشاء هذا الحشد، عن المثالب التي اعترت التجميع والبناء. ولم يتوقف زخم التطوع رغم التشكيك والانتقادات التي رافقت سرعة حشد الآلاف في هذا الجيش العرمرم الذي لا يمتلك المعرفة المهنية أو الاحتراف في المهام والسلوك العسكري. ولم تكن الأيام القليلة في معسكرات الإعداد تكفي لجعله قادرا على حسم معارك كبيرة في مناطق مختلفة التضاريس وموزعة على رقعة جغرافية كبيرة ومتباعدة، وكذلك بمواجهة صولات حرب العصابات التي تجيدها مجاميع داعش وحلفائها. ولكن ورغم الضحايا الكثيرة التي قدمها الحشد الشعبي،والمشاكل والمعوقات الخطرة التي واجهها،استطاع أن يثبت، أن من الممكن للعزيمة إن ترافقت مع أي نوع من أنواع العقائد، أن تدحر أعداءها أو تقف ندا في وجه مشاريع خصومها ونواياهم، وهذا ما حدث في معارك تحرير آمرلي وجرف الصخر ومناطق حزام بغداد وتكريت والدور وغيرها .
ما هي طبيعة تشكيلات الحشد الشعبي
تألف الحشد الشعبي من آلاف الرجال الذين انضموا تحت رايات ما يقارب الأربعين فصيلا. وكان لبعضها وجودٌ سبق فتوى السيد السيستاني، ولكنها دخلت على خط الحشد الكفائي وأصبحت جزء منه، وراحت تملأ وتفرض شروط وجودها وقوتها التسليحية والعددية على باقي مكوناته.  ومنذ البداية وبسبب سرعة التكوين وارتباك الوضع العسكري والسياسي، ظهر أن هيكلة العديد من فصائل الحشد خضعت لرغبات بعض قادة العمل السياسي ورجال المؤسسة الدينية، وأيضا للبعض من المقربين لفصائل العمل العسكري الشيعية الكبيرة أو المنشقين عنها. كذلك شارك في الاستعدادات والتهيئة والبناء والقيادة، رجال عشائر من الذين يستمدون قوتهم من قبائلهم. وفي صلب هذا المشهد المتنوع في الشخوص والنوايا، نشأ صراع الإرادات  وبرزت ظاهرة التكتلات والاستحواذ على المكاسب المعنوية والاستفراد بالحصول على امتيازات عسكرية وسلطوية وسياسية. ومنذ البداية طفح خيار الرغبات الشخصية لبعض قيادات سرايا الحشد، لينشأ كل رجل طامع وطامح للقيادة، سرية خاصة به، ولم يكن الأمر ليخلو من التبعية للقوى الإقليمية. فكانت كتائب سيد الشهداء قد ظهرت للوجود بتمويل من الحاج أبو سيف وكان في ذات الوقت مسؤولها العسكري. أما سرايا الجهاد والبناء فقد أفصحت عن تركيبتها بكونها الجناح العسكري لحركة سياسية بذات الاسم ترتبط مباشرة بالجانب الإيراني. هناك أيضا كتائب التيار الرسالي وهو فصيل عسكري بقيادة عدنان الشحماني ومرجعيته رجل الدين الإيراني السيد كاظم الحائري. ثم فصائل حشد شعبي أخرى بمسميات عديدة مثل سرايا الخرساني، سرايا عاشوراء، سرايا العتبات، سرايا العتبة الحسينية، لواء المنتظر،لواء الطفوف، كتائب الغضب، درع الشيعة، لواء القارعة وغيرها الكثير. وأغلب هذه الفصائل وبمفارقة غريبة تبتعد عن ولاية السيد علي السيستاني لترتبط بولاية الفقيه الإيرانية الممثلة بالسيد الخامنئي واعتباره مرجعيتها الأولى.
 وحسب تصريح البعض من قادة الحشد ، كانت هناك تعبئة شعبية من أجل حشد الآلاف وزجهم في المعارك، ليقفز عديد الحشد إلى ما فوق المليون متطوع، ليكونوا مستقبلا نواة قوات للتحرير ومن ثم مسك الأرض مثلما أعلن حينها. ومثلما معروف عن الجهات الخارجية التي تمول تشكيلات ما أطلق عليه فصائل المقاومة السنية وهي دول إقليمية كثيرة منها السعودية وقطر وتركيا، فإن الكثير من تشكيلات الحشد الشعبي الشيعية، يأتي تمويلها من جهات أغلبها من داخل إيران وتجار شيعة في دول الخليج.
في خضم المعارك التي دارت نجد أن تعريف وعمل سرايا الحشد الشعبي عنوانا وقيادات و أفراد، كان يوضع تحت جناح ويافطة فصائل وقوى كبيرة، كان لها كيانها وخصوصياتها ومشاريعها منذ ما قبل سقوط الموصل أو قبل زمن بعيد من فتوى السيد السيستاني، ونرى أن تلك الكيانات الكبيرة هي من يضع الخطط ويقود التوجهات السياسية مثلما القوة القتالية في المعارك مع الخصوم.أما سرايا الحشد الشعبي ( الكفائي) وهي التابعة للسيد السيستاني وفي جميع تلك المعارك فقد حصر دورها في المشاركة عبر الانضواء  طوعا تحت راية إحدى تلك الفصائل أو أخذ التوجيهات منها.
 ويمكن حصر هذه الفصائل القيادية الكبيرة بثلاث كتل هي سرايا السلام :جيش السيد مقتدى الصدر، قوات بدر: جيش السيد هادي العامري ، عصائب أهل الحق: جيش الشيخ قيس الخزعلي. وخلال المعارك ضد داعش عمل بجهادية عالية وقوة سياسية ضاغطة واستغلت الفرص لتمرر تعابير لفظية ورمزية الغرض منها زج الفصائل الكبيرة ضمن تعريف الحشد الشعبي، ووضعها في إطار المجاميع التي لبت فتوى الجهاد الكفائي وجاء ذلك لأسباب سياسية طائفية وقبل كل ذلك استباق الأحداث والحصول على المكاسب المالية بعد أن احتسبت للحشد رواتب ومخصصات ومنافع عسكرية، وعندها أجبرت السلطة على خيار احتساب تلك الفصائل ضمن تشكيلات الحرس والجيش الوطني ورفع عن كاهل قياداتها تكاليف رواتب المنتسبين.
ورغم مشاركة سرايا الحشد الكفائي في جميع المعارك ضد داعش، واختلاط قواها بقوى الفصائل الكبيرة، فأن الصورة تبدو ملتبسة في حيثيات كثيرة، بل يموه على حقائق ووقائع لا جدال حولها. ففي الوقت الذي يعلن عن ارتباط سرايا الحشد الشعبي بالمؤسسة العسكرية العراقية، وبالذات بشخص القائد العام للقوات العسكرية، فأن الفصائل الرئيسية الكبيرة وكذلك أخريات غيرها،دائما ما تفصح دون مواربة وبشكل جلي عن درجة استقلالها وابتعادها عن المؤسسات الحكومية، وتنفرد بخصوصياتها السياسية والتعبوية والسوقية، وتجري نشاطات واستعراضات عسكرية لا علاقة لها بالمؤسسة العسكرية العراقية، ولم يكن ليأتي هذا الإفصاح اعتباطا، بقدر ما هو وسيلة للتفرد ونزوع نحو الخصوصية السياسية والعسكرية وارتباطها بالعامل الخارجي كموجه وراعي. بل هناك من يعتبر تشكيلاته ندا للمؤسسات السلطوية لابل أعلى منها شأوا.
طائفية الحشد الشعبي
دائما ما واجهت المحاولات الكبيرة والعديدة لإيجاد سبل للوصول إلى ما يساعد على زج أبناء الطوائف والقوميات العراقية من غير الطائفة الشيعية في الحشد الشعبي موانع كثيرة، فنجد هذا الأمر في ميزان حركة القوى الاجتماعية والسياسية ضعيف جدا، ويلاحظ المرء مدى الصعوبة في انخراط هؤلاء في سرايا الحشد الشعبي، لا بل إن مثل هذا الفعل رضخ ومازال للشد الطائفي، وبسبب هذا وضعت في الكثير من الأوقات اشتراطات لمنع الحشد من دخول المناطق ذات الغالبية السنية ومشاركتهم في تأمين أمنها. وجرت هناك ولازالت حملة إعلامية داخلية وعالمية ، تطعن بنوايا الحشد الشعبي وتضعه في خانة عصابات القتل والسرقة والاغتصاب وغير ذلك من الجرائم.وقد نجحت وسائل الإعلام العربية والعالمية وحتى المحلية في إيصال معلومات وتقارير، حقيقية في بعضها وكاذبة أيضا عن الحشد الشعبي إلى الأمم المتحدة وأوساط الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والسلم العالمي والهجرة وغيرها، وأشارت في بعض تقاريرها لما يدين الحشد الشعبي ويتهمه بالوحشية والكثير من الاعتداءات والسلوك الماجن، ويأتي ذلك استنادا لوقائع يومية تقترفها بعض الفصائل غير المنضبطة منه أو المحسوبة عليه بشكل أو أخر.
نجد اليوم أن بعض الفصائل العسكرية ومثلها الشعبية من مختلف الطوائف والقوميات وأيضا الكثير من العشائر، لا تحاول تقويض العلاقات وطرق التعامل السابقة التي تربت عليها على عهد حزب البعث،وكان ذلك تاريخا طويلا، خاصة في وسائل تعاملها مع الناس، بقدر ما تحاول وفي الغالب التماهي مع تلك التقاليد والأعراف وإعادة استخدامها، والاستمرار بذات السلوك والطباع من العلاقات المبنية على القوة والقسوة والتهديد، والعمل على تطويع الغير وتدجينه بفرض أفكارها ورغبات وخيار أفرادها. وباتت الممارسة المسلحة لا تقتصر على جبهات القتال الساخنة رغم إعلان انتهاء المعركة مع داعش أو الاقتتال الطائفي، وإنما البعض يمارسها داخل المدن. بتهديد الناس واغتيال وخطف الأفراد، والاعتداء على التظاهرات المطلبية والمؤسسات الحكومية والمقرات الرسمية والأهلية والقيام بين فترة وأخرى بالاستعراضات العسكرية وسط شوارع المدن وبمختلف أنواع الأسلحة.
مثل هذه الأفعال تشكل نقصا معرفيا وحضاريا وفعلا مرضيا، وتفتقر للقيم والأخلاق الثورية الحقيقة، بل هي وفي جميع الاحتمالات، تهديد مباشر للسكان وللسلم المجتمعي. ودائما ما عرف عن هذه الفصائل، بعدها عن أية التزامات سياسية واجتماعية، وإنما يكون فعلها عصبويا تحت شعار أنصر أخاك ظالما أو مظلوما دون تمحيص وتدقيق بالأسباب أو النتائج. وفي الغالب فإن هذه الفصائل المسلحة بالإضافة لقوتها العددية المدججة بالسلاح، دائما ما تعوض نقصها الثقافي والمعرفي بأفعال تفصح عن استعلاء وشعور رامبوي بالتفوق، يزدري قيم الأخرين وخياراتهم ويحاول إخضاعهم لجبروته.  ولم يكن ذلك ليأتي اعتباطا، فما دام المجتمع المدني هزيلا وبناه محطمة ومبعثرة، والهويات تتبدل وتتغير بفعل وسطوة الهزال السياسي والطائفية والعشائرية وانتشار السلاح، فأن قدرة الناس على الخلاص وبناء نموذج حضاري مدني يخضع لسلطة القوانين وليس غيرها، تبقى فكرة مضمرة وخاضعة لتهديد وهيمنة تلك القوى المسلحة التي هي وفي الكثير من الأماكن والأوقات صاحبة الكلمة العليا.  وهذا يضعنا أمام جملة أسئلة تثار عن طبيعة وأهلية الحشد الشعبي بجميع فصائله، وهل يكون ظهيرا للقوات المسلحة العراقية أو قوة حامية للسلم الاجتماعي أم العكس.
أغلب اللوم يوجه اليوم  إلى الجانب الحكومي، وتحديدا عند ناحية قصوره وتباطئه  بدمج هذه الفصائل بالجيش العراقي وفق سياقات عسكرية وقانونية ومهنية حاسمة وبحته بعيدا عن رغبات وهواجس طائفية أو سياسية.ولكن  الفوضى والعشوائية في القرارات واضطراب منهجية التفكير والقصور في فهم الحالة العامة، وسيطرة الذهنية النفعية وتصاعد مظاهر الشخصنة والتفرد والتناحر والتسابق على المكاسب السياسية والمالية، وارتفاع نسب التخندق الطائفي على حساب الوعي بالهوية الوطنية، مع الارتباط بمشاريع وأجندات من خارج الحدود الوطنية العراقية. لذا ومن كل هذا وغيره يمكن له وضع الحشد الشعبي وقبله الفصائل المسلحة جميعها، على مسافة بعيدة جدا عن المؤسسة العسكرية، ومن غير الممكن أن يكون الحشد ظهيرا لها. بل من الممكن أن نجده اليوم، أحد أكثر مصادر التهديد لتلك المؤسسة، ومن ثم للحريات العامة والسلم المجتمعي، وأي مشروع لدولة مدنية تسعى قوى الشعب الديمقراطية الوطنية لبنائها.  ومن الجائز القول أن استفحال الخلافات بين قادة الفصائل الكبيرة، يمكن له أن يقوض تجربة الحشد الشعبي ذاتها، ويدفع مستقبلا إلى احتراب وقتال، إن لم يستطع العراب الخارجي للفصائل منع حدوثه، وعندها فإن السلطة العراقية لن تجد القدرة على وقف تداعياته، ليكون بالنتيجة النهائية عاملا ناسفا للتجربة الهشة والهلامية التي بنيت عليها السلطة في عراق ما بعد سقوط حزب البعث ودكتاتورية صدام.
ليس هناك في الأفق ما يشي بخروج سحري من المأزق، فسياسات السلطة وترددها، وضعف مؤسسات الدولة، قاد لاستشراء وانتشار المليشيات المسلحة، موزعة على كامل الخريطة الجغرافية للعراق. ومع تضخم أعدادها وقدراتها العسكرية، وتعدد الأطر المرجعية لها، وضعف خطط المؤسسة العسكرية الذي جعلها الطرف الضعيف أمام الفصائل المسلحة إن جد الجد. ولا يمكن التطرق لمجمل تلك العيوب والأخطار المحدقة بالمؤسسة العسكرية،دون ربطها بالفشل الذي يعتور عمل مؤسسات الدولة بعمومها،والعجز في ميزانية الدولة وانتشار الفساد الإداري والمالي بين أوساطها.
وأود هنا القول، لو أعادت المرجعية تجديد فكرة الجهاد الكفائي بأن تعلن حالة طوارئ، تعيد عبرها تشكيل هيكل ما أسست له تحديدا وحصرا وبمن مثل هذا الجهاد حقيقة وليس لأغراض سياسية ومصالح فئوية ومنافع حزبية.ومن ثم ترسم له خارطة طريق تمنحه  بموجبها تركيبة وطبيعة تشكيلات وهياكل المؤسسة العسكرية الحقيقية ليرتبط مباشرة بوزارة الدفاع دون غيرها، وتنشر فرقه وألويته بين ووسط هياكل الجيش وحسب الاختصاص، لكان الصيغة الأمثل والقريبة جدا من نيل القبول عند باقي طوائف وقوميات الشعب العراقي، وفي الوقت ذاته يكون بابا واسعا لإعادة هيكلة القوات المسلحة. وارى أن مثل هذه الدعوة لازالت تمثل أفقا رحبا وجيدا يمكن من خلاله احتواء سرايا الحشد الشعبي ومتطوعي العشائر وباقي التشكيلات ووضعهم ضمن بنية الجيش العراقي ويعاد معها بناء وهيكلة المؤسسة العسكرية بعمومها.