المحرر موضوع: البعد الاجتماعي في قلب الحدث  (زيارة 119 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 345
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
البعد الاجتماعي في قلب الحدث
لويس إقليمس
بغداد، في 17 حزيران 2021
تفصلنا بضعة أشهر عن الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤُها في 10 تشرين أول القادم. فالاستعدادات جارية على قدمٍ وساق، بالرغم من توافر شكوكٍ معينة لديّ ولدى غيري من متابعي الأحداث الساخنة التي تتوارد وتحصل يومًا بعد آخر، بتوقّع أحداث حبلى بالمفاجآت غير السارّة فيما لو واصلَ الانحدار الأمني مسارَه في التردّي وفرضَ نفسَه سيّدَ الساحة. وبالرغم من إنّ بعض المرشحين قد بدأوا حملاتهم الانتخابية قبل موعدها من دون أن يكون لمفوضية الانتخابات أيةُ إجراءات صارمة بتنفيذ قواعدها الأخلاقية والمهنية كما ينبغي، إلاّ أنّ المفوضية أيضًا، حالُها حال سائر مؤسسات الدولة الهزيلة لا تستطيع ردع المخالفات أو محاسبة المخالفين للأسباب التي يعرفُها الجميع. والغريب، كما تشير تسريبات على مواقع التواصل الاجتماعي وكما يحكيه الواقع المرّ، ملاحظة تسارع كتل متنفذة ومستقوية بالمال العام والنفوذ والسلاح ومعها أدواتُها ووسائلُها المرئية والمسموعة والمقروءة عبر لقاءات وتجمّعات انتخابية مُتّخذةً في الأغلب طابعًا عشائريًا وطائفيًا لاستخدام نفوذها بالتهيّؤ من الآن للسطو على أصوات الناخبين بطرق ووسائل غريبة هذه المرّة ومنها الإسراف والبذخ في الصرف على دعوات الولائم بين العشائر وتوزيع مبالغ مالية لكسب أصوات الناخبين وتأمين تصويتهم. فيما تشير تقارير أخرى إلى انسحابات مبكرة لمرشحين طالتهم تهديدات بالتصفية الجسدية أو إلحاق الأذى بهم وبمقرّبيهم من جهاتٍ مجهولة أو مرتبطة بفصائل مسلحة أو أفرادٍ يتمتعون بالقدرة الفعلية على إلحاق الأذى وتنفيذ أجندات الجهات التي يعملون لحسابها، وذلك تحسّبًا من أية منافسة شريفة مع مَن يجدُ في نفسه القدرة على كسب أصوات الناخبين بالاعتماد على جدارته وبرنامجه وتأثيره الشخصي والوطني والاجتماعيّ، لاسيّما بعد تقليص مساحة الدوائر الانتخابية وصغرها مقارنة مع سابقاتها، ما قد يشكّلُ تهديدًا لعدم صعود ممثلي كتل سياسية تقليدية بعينها بسبب ما طالها من شبهات اقتراف جرائم واتهامات بالفساد.
نحن نعتقد أنّ مثل هذه السلوكيات المدانة وغير الصحيحة وغير الوطنية التي تنتقص لأبسط مفردات الديمقراطية في التنافس الحقيقي لا يمكن لها أن تُحدث التغيير المرتقب في المشهد السياسي المتشنّج ولا أن تبني البلاد المنهارة في كلّ شيء، لاسيّما بعد تسيّد الفساد بكلّ أشكاله الإدارية والمالية. يُضافُ إلى هذا كلّه، فقدان القضاء هيبتَه واستقلاليتَه، كما اتضح من التدخلات المشبوهة وغير المقبولة الأخيرة من أعلى سلطة فيه بعدم ترك القضاء العادل لأخذِ دورِه في إدانة ومحاسبة مَن حامت حولهم شبهات القتل والسرقة والاختطاف والتهديد والتحييد السلبيّ وغيرها من أشكال الفساد والجريمة رضوخًا لسطوة أحزاب السلطة أو الجهات التي تحمي وتدافع وتغطّي على هذه الجماعات أو الأفراد لأيّ سببٍ كان. وبالتأكيد، فإنّ لمثل هذه السلوكيات غير المستساغة والمدانة، أبعادٌ اجتماعية سلبية بحق المجتمع ومكوّناته الوطنية الحقيقية التي تحلم بوطنٍ ذي سيادة تُحترمُ هيبتُه ويتصرّفُ مواطنوه بالشكل الذي يليقُ بحضارة الأرض وتاريخ البلاد وسمات التراث المكوّناتي التعدديّ الذي صان وحدة البلاد واحترمَ رموزَها من جميع الأديان والملل والطوائف والقوميات من غير تمييز ولا فصل عنصري أو دينيّ أو طائفي أو إتني وما سواها طيلة العقود والعهود المنصرمة.
لقد ساهمت النخب الوطنية المتقدمة في الوطن والمهجر بتقديم النصح والمشورة للحكومة وأدواتها بنقدها النصوح لتجنب الهفوات والأخطاء والخطايا الكبيرة التي اقترفتها أحزابُ السلطة ما بعد مغادرة الحاكم المدني الأمريكي سيّء الصيت "بريمر" وسادته في البيت البيضاوي، منذ استحواذها على مقدرات "شبه الدولة" على طريقة الكاوبوي الرعناء التي لا تعرف غير لغة القتل والتهديد والاغتصاب والنهب والتدمير والسطو المسلّح على كلّ ما تقع عليه الأيدي بفضل قوة اعتلائها لهذه السلطة ونفوذها في مؤسسات الدولة وضغوطها المستهجنة على القضاء وجعله أسيرًا بأيديها تحرّكُه وفق رغباتها وبحسب توجهات زعمائها خالي الوفاض من أية مسحة وطنية أو ضميرٍ أو رحمة. ومن المؤسف انسحاب كلّ هذه السلوكيات غير الصحيحة على أغلبية المجتمع العراقي الذي خسر سمة الوطن وثقة الشعب، بل وخسرَ ذاتَه والشيء الكثير من أخلاقه وحقَّه الطبيعي بالعيش سعيدًا مرفَّهًا مستقرَّ الحال ومرتاح البال في بيته وشارعِه ومحلّته ومنطقته ومدينته كباقي شعوب الأمم والدول الراقية المحترمة.
كلُّ شيءٍ يسيرُ طبيعيًا في مجتمعات راقية، متقدمة، منفتحة، متمدنة، متحررة، متعلّمة، متطورة في صناعتها وزراعتها وإنتاجها وثرواتها إلاّ في العراق حيث تغيبُ هذه جميعًا منذ تسلّط الحكومات المحاصصاتية المنتفعة المتعاقبة التي لم تعرف غير سرقة البلاد والعباد بأشكالٍ ووسائل وطرقٍ خبيثة لا تعرف الحق بل تقدّسُ الباطل، ولا تعرف الحياء بل توغلُ في الشين، ولا تصغي لصوت المرجعية الرشيدة بل تضربُ نصائحَها عرض الحائط، ولا تنصتُ لأصوات النخب الوطنية على أنواعها وأشكالها وتعدّدها بل تزيدُ من تجاهلِها لها ولدورها الوطني والمجتمعي وإهانتها بأشكال الطرق والوسائل والأدوات، ولا تريد أن تسمعَ صوت الشارع الثائر أو المواطن الحائر أو التاجر الحقيقي المستغيث أو الصنائعي المضروب في مهنته أو المرأة الثكلى أو الطفل المتسكع والمتسرّب من المدرسة. وغيرُها كثيرٌ ممّا يمكن ذكرُه أو نسيانُه لكثرة الهموم والمشاكل والصعوبات في المجتمع المتهالك التعبان.
سماتٌ وطنية ثابتة
كثيرةٌ هي الدول والأمم التي خبرت أزمات معينة، سياسية أو اقتصادية او أخلاقية أو اجتماعية أو صناعية أو زراعية أو علمية أو تربوية. ولكنّ الشعوب المتنورة بفضل وعي وتسامح قادتها وزعمائها من السياسيين ورجال الثقافة والدين والنخب كانت هي الرهانَ الحقيقي في تجاوز الأزمات وتعلُّم الدروس والعبر والاستفادة من خبرات الغير. والأمثلة كثيرة وعديدة لو تتبعنا مسيرة هذه الشعوب وتاريخها في تعديل المعوجّ وإصلاح المكسور واستئناف الحياة الطبيعية في ظلّ دستور عادل وقوانين إنسانية ووطنية لا تقبل بظلم أحدٍ ولا تستبعدُ مواطنًا مهما كانت منزلتُه وطبيعةُ مكوّنه وأصلِه وفصلِه. فهذه سنغافورة التي نهضت من كبوتها واستعادت عافيتها الاقتصادية بعد ركودٍ وتخلّفٍ عن الركب الأممي. وهذه جنوب أفريقيا التي انتشلت نفسَها من حطام العنصرية عندما قادها المناضل السياسيّ والاجتماعي مانديلا إلى طريق البناء والوحدة بفضل تسامحه وقلبه الكبير ووطنيته الصالحة. وهذه ماليزيا التي وقفت في الصفوف الأولى اقتصاديًا مع كبريات الأمم بفضل تغيير استراتيجياتها وتنوير العقل التدبيري الإيجابيّ لقادتها السياسيين الذين وضعوا مصلحة البلاد فوق أية مصلحة. وهذه اليابان التي خرجت خاسرة وخالية الوفاض من حربٍ لا هوادة فيها، ولكنها استعادت عافيتَها بالرغم من خلوّها من أية مصادر أو ثروات طبيعية. وهذه ألمانيا التي دمّرها الحلفاء لنازيّتها واستسلمت لتنهي حربًا كونيّة أتت على الأخضر واليابس، ولكنها استفاقت من صدمتها سريعًا وهي تقف اليوم في مقدمة دول أوربا صناعيًا وماليًا وعلميًا واجتماعيًا. وهذه دولة قطر الشقيقة التي ينعم مواطنوها بأفضل مراتب التعليم والاقتصاد والحياة المرفهة. وغيرُ هذه وتلك كثير. ولعلَّ السبب في صعود شعوب هذه الدول وارتقائها مراتب متقدمة في تسلسل دول العالم المتقدم، يعود قبل أيّ شيء لمواطنيها الواعين والحريصين على مصالح وطنهم وتقدم مجتمعاتهم وطبيعة ثقافتهم وخامة أسلوبهم في العيش وطبقاتهم السياسية الحاكمة الساهرة على خدمة الشعب وتنمية البلاد بوضع استراتيجيات ناجحة وممكنة التنفيذ وتطبيق القوانين سواسية بالعدل والمساواة والرحمة والمحبة انطلاقًا من المواطنة الصحيحة ومن نظرة إنسانية واعية.
إنّ الصحيح في مثل هذه السمات المواطنية أنها تجعل أبناء الشعوب المتحضّرة يشعرون بالانتماء الحقيقيّ للإنسانية أولاً، ثمّ للوطن والمدينة والمجتمع ويقفون صفًا واحدًا من أجل البناء والإعمار والتطوير والتعاون والوحدة طالما أن القانون يحمي الجميع ولا فرق في درجات المواطنة ولا تمييز في دهاليز القضاء والتعليم والثقافة والوظيفة وحق العمل، ولا إجراءات عبثية بطرد عشوائيّ متغابي لطالبي الاستثمار وفرص الإنتاج. وبعكسه سيكون للمظلومين والمقهورين مواقف اتجاه الظالمين والفاسدين وسارقي قوت الشعب وثروات البلد، ولن ترحمهم الأيادي الوطنية ولا العقول النظيفة ولا الأيادي النزيهة مهما تمادوا في الفساد وأوغلوا في الظلم واللصوصية وهدر المال العام والتفريط بحضارة البلاد وإرثها وتاريخها. كما لن يرحمهم التاريخ، بل سيكون مصيرُ العابثين بمصلحة الوطن وثرواته والناكلين بأهله الأصلاء، "البكاءُ وصريرُ الأسنان" حين تحكمُ ساعةُ الحساب العسير حيث لا ينفع بعدها ندمٌ ولا عفوٌ إذا زاد الظلمُ عن حدوده. وهذا ما يحصل في بلداننا الشرق أوسطية والإسلامية بصورة عامة، حيث طغيانُ الحكومات وفسادُ الساسة وجهلُ الحكّام هي التي تسود المشهد السياسيّ، ممّا له تأثيرُه السلبيّ على حياة المجتمعات عمومًا وزيادة في تدهور هذا البُعد النسيجي الذي يُعدّ من أساسيات بناء الأوطان والمجتمعات.
أمّا نحن في العراق، فقد تجاوزت زعاماتُنا كلّ الخطوط الحمر في التعسّف والفساد والظلم، فيما الشعبُ ينتظرُ ساعة الصفر لتلقى هذه مصيرَها، حيث حاوية النفايات والسحل بالشوارع، كما أفصح عنها على الملأ ساسةٌ وقياداتٌ في أحزاب السلطة عندما ثار الشارعُ في صحوته التشرينية في 2019. وماتزال ذات الجذوة ساخنة وحارّة سخونة الصفيح المحترق اللاّهب سخونة الصيف بسبب توجّه البلاد والعباد نحو المجهول وإلى ما لا تُحمدُ عقباه نتيجة لضعف الحكومة الحالية كما سابقاتها، واهتزازها وهزالتها أمام ضغط الأحزاب والكتل والفصائل والميليشيات التي تحكم قبضتَها على مقدّرات الدولة وسلطاتها الأربع وتفرضُ أجنداتها الولائية المرتبطة بمصالح الجارة الشرقية وتعزّز من سطوتها العميقة مع مرور الأيام وتوالي الأحداث غير السارّة. وكلُّنا شهودٌ على ذلك!
أزمة اجتماعية لا تبشّرُ بالخير 
مازلنا إذن ومنذ عقود خلت، نعيش أزماتنا الكثيرة بصبرٍ أحيانًا ورغبة في أخرى بإزالة كلّ هذه التجاوزات غير الوطنية وغير المقبولة مجتمعيًا عندما نشهد على انحلال المجتمع العراقي وطغيان شريعة الغابة في التعامل الاجتماعي بين المواطنين نتيجة تفشّي ظواهر سلبية كثيرة طالما كانت خارجَ حسابات مجتمعنا العراقي الملتزم أخلاقيًا وعائليًا وعشائريًا لحين تشويهه من الدخلاء والغرباء عنه بفعل فاعل عندما بيّتَ نواياه السيئة لأجل تدمير نسيج شعبنا المتعايش والمتآلف منذ القدم، إلاّ ما ندر. فقد غابت عن مجتمعنا في سابق السنين الكثيرُ من أشكال الفساد والإفساد في التعامل المجتمعي عندما كانت القوانين مصانة في أيادي أمينة تخشى من سلطة تنفيذها على كلّ مَن تسوّلُ له نفسُه العبث بمصلحة الوطن العليا أو تمسُّ أمنَه واستقرارَه وهيبتَه وسيادتَه. هذا مع عدم نكران حصول استثناءات أو تجاوزات هنا وهناك من بعض ضعاف النفوس وأصحاب العقول المريضة سواءً القريبة من مراكز القرار والسلطة أو من "الشقاوات" الخارجة عن قوانين المجتمع. كما لم يختبر مجتمعُنا المتماسك طيلة حقبِ السنين الغوابر شيئًا من إشارات التمييز في الدين والمذهب والطائفة والمكوّن، حيث كان الجارُ يجهلُ أصلَ وفصلَ جاره ونوع طائفتَه وانتماءَه العرقي والعشائري والسياسيّ. فهذا لم يكن من أخلاق العراقيين ولا من شيم العائلات الأصيلة بالدخول في الخصوصيات، وهي التي عرفت طريق التسامح والتآزر والتعاون والتزاور والتعايش من دون رتوش ولا قيود. فالسؤالُ عن مثل هذه الأمور الغريبة عن الأخلاق المجتمعية الأصيلة لم يكن مستحبًا البتة، إلاّ لدى الغرباء والدخلاء والطامعين في شيء أو القاصدين غرضًا غير مقبول في التعامل الاجتماعي الصحيح. قد لا تصدّقون عدم معرفتي الشخصية حديثًا جدّا بالطائفة التي ينتمي إليها زميلٌ لي حتى بعد أحداث 2003 بالرغم من عملنا معًا لأكثر من عشرين عامًا! فما يهمّ هو سلوكُ الإنسان وأخلاقُه وطبيعة علاقته الطيبة في العمل وتنفيذ ما مطلوب بكلّ دقّة وأمانة وإخلاص وصولاً لمصلحة الجميع. وغيرُ هذا وذاك، ليس من بين الاهتمامات الضرورية. فالآخر، و"إنْ لم يكن أخاكَ في الدّين، فهو أخوك في الإنسانية"، وهذا كفاية القول. كما أنّ "رأس الحكمة مخافة اللّه" في عباده. 
هكذا بعد السقوط الدراماتيكي في 2003 خصوصًا، ضاعت طبقات الشعب الأصيلة في بلادنا بين فساد وظلم وقهر الساسة وممثلي الشعب الذين فقدوا مع توالي الأيام ثقة مؤيديهم وناخبيهم، وبين تغوّل أحزاب السلطة وأدواتها على مسرح الأحداث في تغيير الملامح المجتمعية التي تطبَّعَ عليها المجتمع العراقي ومنها أخلاقُه العربية الأصيلة التي طبعت ثقافتَه وحضارته وتقاليدَه بين شعوب المنطقة. والقصد الواضح من هذه كلها تحطيمُ النسيج الاجتماعي وحرمانه من محاكاة غيره من الشعوب الراقية التي عملت حكوماتُها الوطنية الحريصة على تحصين مواطنيها بتطبيق القانون بالعدالة والمساواة والاحترام. وما زاد الطين بلّةً، اكتواءُ المجتمع العراقي بأسره أيضًا بنيران مروّجي الطائفية المقيتة من جهة والمحرّضين على التمييز العنصري الديني والمذهبي والإتني من جهة أخرى، ممّا كان له آثارُه البالغة في تفتيت عضده وإضعاف مقوّماته وتراجع قيمه وانحداره نحو الدركات السفلى والمراتب المتخلفة قياسًا بشعوب المنطقة والعالم. ومن المؤسف زيادة وتيرة مثل هذه النعرات الطائفية الانتقامية مؤخرًا واتخاذها مساراتٍ تأجيجية في الساحات والشوارع والطرق العامة على خلفيات افتراضية غير موثوقة المصدر وطائفية التوجّه، ما ينذر حقًا بصراعات طائفية ومذهبية قادمة يكون المجتمع فيها دومًا هو الخاسر الأكبر في النهاية.
هذا إلى جانب دخول آفة المخدرات من جارته الشرقية بشكلٍ واسع وبوسائل وطرق غريبة مبتكرة مدعومةً من جهاتٍ متنفذة في الدولة أو اللاّدولة، ترويجًا وتعاطيًا وتجارةً. وهذا ممّا أفقدَ مجتمعنا قيمَه الأصيلة ومصادر قوّته النابعة من طبيعة إرثه وثقافته وحضارته المشهود لها في التاريخ. فحين يفقد أيُّ شعبٍ نضارة أخلاقه وبريقَ حضارته وشعاعَ ثقافته الراقية ينزل إلى الحضيض ويصعبُ حينئذٍ علاجَه بالطرق الاعتيادية. وحينها لا ينفع إلاّ الكيّ، وهو آخر الدواء! واللبيبُ من الإشارة يفهم! فالبعدُ الاجتماعي بلا شكّ هو المقصد ألأساسيّ من وراء إغراق العراق بأزمات متلاحقة وإبعاده عن محيطه العربي والدولي والإنساني من خلال تحطيم أدوات العلم والتربية والتنشئة المنزلية والمدرسية أولاً، وتأجيل ووضع العراقيل أمام تطوره اقتصاديًا وماليًا وصناعيًا وزراعيًا كي يبقى أسير الاستهلاك ثانيًا، وتدمير قيمه الاجتماعية التقليدية وتفتيت شكل التعاطي الطبيعي بين مكوناته المتعددة التي تشكل صلة الرحم الوطنية الأساسية ثالثًا.