المحرر موضوع: الأمم المتحدة وانتخابات 10 تشرين 2021 ، نوايا وإرادات  (زيارة 98 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 354
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الأمم المتحدة وانتخابات 10 تشرين 2021 ، نوايا وإرادات
لويس إقليمس
بغداد، في 30 أيلول 2021
كف الحديث منذ أشهر عدة عن انتخابات مبكرة. فالتبكيرُ فيها كان قد فقد مكانه في روزنامات العدبد من أحزاب السلطة التي كانت قد وضعت في حساباتها ضرورة  إكمال المدة التشريعية المتبقية من دورة مجلس النواب الحالي الذي أدار البلاد منذ دورة 2018. وما لا يمكن نكرانُه ونسيانُه، شدة التزوير التي شهدتها صفحاتُ هذه الدورة المذكورة واعتراف سائر الكتل والأحزاب المشاركة وسط سكوتٍ خجلٍ من جانب المنظمة الدولية التي ساهمت بطريقة أو بأخرى للترويج بصحتها ومشروعيتها ومقبوليتها في حينها. وقد وجدت هذه الأخيرة نفسها في موقف حرج للغاية في فترة لاحقة، ما اضطرّها للخروج عن صمتها والإفصاح عن عمليات تزوير حقيقية خارجة عن السيطرة. وهذا ما يشكّل خرقًا وعارًا بسبب الدور غير النزيه الذي لعبته المنظمة الدولية وممثلتُها، وكيلة الدوائر الاستخبارية العالمية في العراق تحديدًا، عندما غضّت الطرف عن الخروقات وأشكال التلاعب في نتائج صناديق الاقتراع، ما أجاز القول بمحاباتها لاستكمال الكتل السياسية وأحزاب السلطة متمثلة بمثلثها الشيعي- الكردي- السنّي لإكمال مشوار مشروع المحاصصة بذات الطريقة التي بدأت وانطلقت منه على أيدي راعي سلطة الائتلاف بعد 2003.
وفقًا للتحركات الكثيرة لممثلة المنظمة الدولية جينين بلاسخارت في فترة التهيئة لانتخاباتتشرين 2010 في أوساط الكتل السياسية ومشاوراتها مع عموم الرئاسات في العراق، وزياراتها المتكررة للمرجع الشيعي الأعلى في النجف، وزيارتها إلى السؤولين في بلد الجارة إيران التي تُحكم قبضتها على قرار الحكومة العراقية وشبه دولتها، تتضح سعة المساحة التي تتحرك منها هذه المسؤولة الدولية. هناك مَن يرى تناغمًا في الرؤية العامة بين نوايا المنظمة الدولية وإرادة الكتل السياسية بخصوص ما ستتمخضُ عنه طبخة الانتخابات القادمة. فالأولى ومن منطلق الإيمان بشيءٍ من النزاهة الدولية والحرص على مصالح الشعوب المقهورة وإظهارًا لتحقيق العدالة بين مكونات الشعوب متعددة الأطياف والقوميات والأديان، تسعى للإشراف على انتخابات العراق هذه المرة بشيءٍ من الحرص وبادّعاء إخراجها أكثر قبولاً من سابقاتها بدرجات قليلات، حفظًا لماء وجه أحزاب السلطة شريكة المنظمة الدولية والدول التي حرصت على إبقاء خيوطٍ من الأمل مع الحكومات المتعاقبة أولاً، وتهدئة لمشاعر ثوار تشرين الذين لم تخبو جذوة انتفاضتهم طالما أنهم لم يحققوا أهدافهم بالانتصار لدماء زملائهم الذين سقطوا على مذبح الحرية التي سلبتهم إياها الأحزاب الحاكمة وميليشياتُها وجماعاتُها المسلحة التي ماتزال تشكل أركان الدولة العميقة المتغطرسة.
أيًا كانت النوايا والإرادات، فهي ستتقاطع حتمًا مع أهداف الشارع المنتفض الذي لم تركنْ جذوتُه ولم تبردْ سخونتُه جرّاء استمرار استهداف الثوار الوطنيين الحقيقيين الذي احتاروا مع مَن سعى لركوب الموجة وأخذَ بترديد ذات الهتافات والمطالب الوطنية التي أيدتها النخب الوطنية باختلاف تبعياتها وتلاوينها. فهذه شكّلت رأس الحربة في برامج أحزاب السلطة التي فطنت لتراجع شعبيتها ورضخت لبعض المطالب التي نادى بها الثوار تحت مطرقة "الشلع قلع" والتغيير الجذري في النظام والمنظومة الحاكمة التي مازالت سيدة هذه المطالب. لقد قال الشعب كلمته حين قدّم خيرة شبابه عبر مئاتٍ من شهداء الانتفاضة وآلافٍ من الجرحى وذوي العاقات، ما حدا بالمرجعية الشيعية العليا كي ترسل في وقت سابق رسالتها الغاضبة "المجرّب لا يُجرَّب" وتوجيهاتها الأخيرة بحثّ المواطنين على التصويت والمشاركة الكثيفة بهدف إحداث ما ينشده الشعبُ من تغيير في الوجوه السياسية التقليدية التي نالت شهرة الفساد والإفساد بلا منازع محليًا وإقليميًا وعالميًا. ولكن، ما الفائدة من الكلام الذي يُرسلُ على عواهنه، لاسيّما بوجه مَن لا يخجل ولا يخشى مخافة رب العباد ولا يشعر بحالة الفقير ولا ترمش له عينٌ إزاء الجائع والعطشان والمعدوم. حقًا، "إن لم تستحي، فافعلْ ما تشاء"!
لقد بات واضحًا، رفضُ الشارع العراقي لتدوير عموم الزعامات التقليدية لأحزاب السلطة وشخوصها التي خلت أجنداتُها من أية نفحة وطنية أو سمة انتمائية له ولشعبه طيلة حكم هذه الأحزاب والوجوه للبلاد منذ الغزو الأمريكي المهين لسيادة الوطن. وما محاولاتُها لإنتاج أحزابٍ فرعية بمسمياتٍ ديمقراطية وواجهاتٍ سياسية جديدة من حيث القوالب الظاهرية وحاملة لأهدافٍ ومطالبات "تشرينية" تسعى لتبنيها، سوى من الدلائل البيّنة على إفلاسها شعبيًا ومحاولتها التمسّك بقشة واهية برداء الأحزاب الفرعية الجديدة التي تبدو للعاقل والحكيم والمواطن الأمين لمبادئه غير رصينة تمامًا في نوايا شعاراتها المسروقة من الشارع المنتفض بسبب سوء أدائها. ومن باب الاحتراز والحيطة دأبت الزعامات على اختلاف تحزباتها وتوجهاتها الأيديولوجية التي أدخلتها في حالة من التخبط الفكري والسياسيّ بالتفكير جدّيًا بإعادة ائتلافاتٍ قديمة تعتقد بجدواها بالرغم من اتساع الهوة بينها وبين ما تشكله طموحاتُ أيٍّ منها منذ إعلان مفوضية الانتخابات فتح مكاتبها لتسجيل الكتل والائتلافات والكيانات استعدادًا لموعد الانتخابات القادمة. لكنّ ما بدا مخجلاً أكثر، تبجّح أحزاب وائتلافات باكتساحها لصناديق الاقتراع وفوزها الساحق مسبقًا، بل وصل الأمر ببعضها بتحديد المقاعد التي تريدها وأخرى بفرض شيء من سياسة الأمر الواقع بالحصول على منصب رئاسة مجلس الوزراء باستخدام كلّ الوسائل المتاحة وغير المصرَّح بها أيضًا.
مخاوف وقلق
مما لا شكّ فيه، ملاحظة بروز حالة من القلق والخوف التي تساور زعامات الأحزاب التقليدية هذه المرّة، لا سيّما وأنها تأتي بعد فترة حرجة شهدتها البلاد وتمثلت بقدرة الانتفاضة التشرينية لإسقاط وزارة "ولائية" مرتبطة ايديولوجيًا بأجندة الجارة الأرجنتينية التي شعرتْ ولأول مرة بخطورة المدّ الشعبي  الوطنيّ الجارف ضدّ مخططاتها وطموحاتها عبر تبنّيها الساحة العراقية لتصفية حساباتها مع أمريكا والدول الإقليمية. كما لا يمكن التغاضي عن الدور الذي لعبته المرجعية الدينية في فترة ما بالتحذير من خطورة الموقف عندما دعت الكتل الشيعية الحاكمة كي ترخي الحبل قليلاً من أجل امتصاص الغضب الشعبي وذلك عبر حث الحكومة السابقة للتنحي عن السلطة بادّعاء احتمال فقدان المذهب للسلطة والنفوذ في البلاد. لذا رأت في استقالة حكومة عبد المهدي أصلحَ النتائج وأيسرَها، تلافيًا لفقدان مقاليد السلطة وخشية من انجراف الثورة الشعبية نحو ما لا تُحمد عقباه. وقد نجحت في ذلك المسعى بامتياز بإعادة تدوير سياسة المحاصصة وإبقاء الهيمنة على السلطة لما تبقى من عمر الدورة التشريعية بحسب المخطّط بالإتيان بحكومة بينية ضعيفة تبقيها أداةً وتحرّكها وفق مصالحها متى ما شاءت وكيفما شاءت من دون أن يكون لها القرار الوطني الحقيقي الذي أضحى "تابو" وحرامًا في بلد الحضارات. فالسياسة العامة في الحكومة الجديدة التي اتُفق على تسليمها للسيد مصطفى الكاظمي لم تختلف أو تتغير من حيث الإبقاء على ذات الامتيازات في توزيع المناصب واحتكار العقود وإدامة السطو على المنافذ وتهريب الثروة النفطية بين الشركاء الأساسيين وعدم المساس بحصة الكعكة أو التقرّب من منابع الفساد التي تتولاها الحيتان الكبيرة. والدليل على ذلك، بطء التحرّك إن لم يكن شبه التوقف من جانب لجنة الأمر الديواني 29 لسنة 2020، في ملاحقة الفاسدين الأساسيين الكبار في الدولة العراقية، بدءً من زعامات السلطة ووصولاً لكبار موظفي الدولة من أصحاب المناصب العليا الذين يأتمرون بأمر مَن أتى بهم أدواتٍ لتنفيذ أجنداتهم ومواصلة سرقة المال العام بكلّ الوسائل المتاحة والتغطية عليهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. فالتقارير والتصريحيات أشارت مرارًا وتكرارًا إلى جاهزية أكثر من 14 ألف ملف فساد في هذه اللجنة بانتظار حسمها ومعالجتها. فهل تجرّأ رئيسُها المكلَّف وفريقُه حقًا من شقّ جدار الشمع الأحمر واختراقها في ضوء الضغوطات الهائلة التي تعرّضت لها واشكال التهديد العلني والمبطَّن التي طالتها من قيادات فاسدة في البلاد أو من أدواتها الكثيرة ممّن دأبت على تقديم عروضٍ عسكرية استعراضية استفزازية كلّما صدرت أوامر قبض بحقّ رموز الفساد وهدر المال العام وسرقته أو بتهم القتل وتصفية الناشطين وكلّ مَن يتعرضُ سبيلهم أو ينتقد أفعالَهم وسلوكياتهم؟
من هنا، استشعرت الكتل السياسية الكبيرة خطورة الموقف هذه المرّة، عندما شهدت الساحة الدولية تحركات، على خجلها، باتجاه تحقيق نسبة معينة من التغيير في المشهد السياسي على الساحة العراقية من خلال دعم أو بالأحرى حثّ جهات لتبنّي مساعي وأفكار الانتفاضة التشرينية لدخول المعترك الانتخابي عبر تكتلات وطنية بغية تحقيق شيءٍ من المعادلة بالمشاركة في السلطة، وذلك من منطلق المشتركات الوطنية المفصَح عنها ظاهريًا. هذا في حالة تحقق شيءٍ ممّا في الروزنامة الدولية والإقليمية إذا سار القطار بحسب المخطط له من دون عرقلة أو مفاجآت، سواءً بالسماح بشيءٍ من التغيير في المشهد السياسيّ المتشنّج اصلاً أو في تحقيق نتائج وإن كانت خجولة في مجال تحقيق الشفافية ومكافحة الفساد ووضع حدود لعمليات ملاحقة ثوار الانتفاضة وتغييبهم قسرًا وبالوسائل المعهودة المدعومة من أحزاب السلطة. وهذا ما حدا بجهات ولائية تقليدية لزيادة الضغوط على أجهزة الدولة وسياستها الخارجية ومن بينها مفوضية الانتخابات للمطالبة برفض أيّ إشرافٍ دوليّ على الانتخابات القادمة بحجة الحفاظ على السيادة الوطنية، فيما السيادة الوطنية وهيبةُ الدولة قد انتزعتهما أحزاب السلطة وسلّمتهما للسيدة الشرقية رضوخًا ولائيًا لا غبارَ عليه.
    نحن نعتقد أنّ بين المخاوف التي تتذرع بها جهات في السلطة أو مَن يقف وراءها، تخشى على نفسها من عدم قدرتها على تزوير الانتخابات القادمة كما تسنّت لها فرص واضحة في سابقاتها. وهذا أمرٌ مفرغٌ منه بحسب المطلعين والمراقبين والمتابعين. فأية جهة إشرافية أو رقابة دولية أو إقليمية تعني فيما تعنيه جزئيًا أو كلّيًا، صدّ أية محاولة للتأثير على مجرى الانتخابات ونتائجها بفضل الأدوات التي تتحكم بها على الأرض من قدرات مالية ووجود ميلشياوي وعسكري ونفوذٍ عشائري وولائيّ يمكن أن يجيّرَ ويوجّهَ النتائج لصالحها. ويبقى الفرق بين الإشراف الدولي وشكل المراقبة الواهن الذي فرضته أحزاب السلطة والكتل السياسية كبيرٌ. وهذا ما حمل زعماء الكتل التقليدية التي حكمت البلاد وسادت العباد منذ السقوط تتخوّف من كلمة إشراف أمميّ لكونها من جوهر مطالبات الشارع المنتفض الذي فقد الثقة الكاملة ليس بالأحزاب الحاكمة فحسب، بل بمجمل المنظومة السياسية ككلّ. وكما يبدو، لم يعد هناك من أبوابٍ ونوافذ آمنة ذات مصداقية إلاّ بالإشراف الدولي على العملية الانتخابية حفاظًا على شعاعٍ ولو يسيرٍ من "النزاهة والشفافية في مختلف مراحل العملية الانتخابية"، حسبما صرّح المرجع الأعلى خلال أحد لقاءاته مع ممثلة الأمم المتحدة، ما أغاض مراجع سياسية ودينية لدى الجارة إيران التي خشيت على نفسها فقدان زمام التحكم بمقدراتها ومصالحها في العراق الذي تعدّه ولاية تابعة في سياستها وتصوراتها ومخططاتها.
تبقى كلمة لا بدّ منها بخصوص كوتا الأقليات التي تراهن عليها أحزاب وكتلٌ كبيرة بذلت جهودًا لاحتواء مرشحي المكوّنات قليلة العدد، وذلك زيادة في إفسادها وسرقةً لأصوات أبناء هذه المكونات. فنحن لا نعتقد البتة استجابة الغاية من إنشائها وتلبية استحقاقاتها بحسب الدستور وحقها في التعبير عن حرية رأيها بمَن يمثلها على أرض الواقع.
نوايا وإرادات متصارعة
تبقى النوايا والإرادات متقاطعة، كلّ جهة بحسب روزنامتها ومخططاتها. لكنه من الطبيعي في بلدٍ مثل العراق شهد انتكاسة سياسية وبشرية واقتصادية منذ احتلاله قبل 18 عامًا خلت، أن يطلب إشرافًا أو مراقبة دولية أو إقليمية على حدثٍ هامٍ يخصّ مستقبل شعبه ويصون سيادة وطنه التي ارتُهنت بأيدي الأغراب عنه والدخلاء عليه من مزدوجي الجنسية الانتهازيين وأصحاب الولاءات وجيوش النضال الجهادي وما على شاكلته. وهذا ليس انتهاكًا للسيادة، بل تعزيزًا لرسم مستقبل آمنٍ للبلاد ولشعب العراق المقهور ولمستقبل الأجيال التي لا تعرف مصيرها قبل أن تولد. في انتظار اليوم الموعود في العاشر من تشرين أول 2021، نأمل مشاركة واسعة من قبل الشعب كي لا تُعطى فرصة أخرى لأتباع وموالي أحزاب السلطة التقليديين كي تخلو لهم الساحة فيجتاحوا صناديق الاقتراع بجيوشهم الولائية، المنتفعة منها والمنبطحة والمنافقة والماكرة والسائرة في ركب وعّاظ السلاطين وتقديس الشخوص وعبادة الجلادين. وتبقى الانتخابات القادمة فيصلًا بين الحق والباطل. ولنعلمْ، أنه في حالة إعادة ذات الأحزاب التقليدية الفاسدة للواجهة وتدوير ذات الوجوه أو مَن يواليهم ويقلّدهم ويشابههم، فإنّ العيبَ والآفة والخطيئة الكبرى في الشعب الذي يرتاح ويقبل ويرضى بجلاّده. فالشعوب أولاً وآخرًا على أشكالها يولّى عليها!!!

.