المحرر موضوع: أزاهير الملكوت  (زيارة 195 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل آدم دانيال هومه

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 97
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
أزاهير الملكوت
« في: 12:11 13/11/2021 »

أزاهير الملكوت



ادم دانيال هومه

أشم حريق البروق الإلهية من بين مسامات الغيوم
أعبر برزخ بوّابة الليل إلى متاهات الغابات المجهولة
لأصطاد بازوزو  في شبكة أنليل  المقدّسة
أتوكأ على ظلي
وأمضي نحو موطن أوتونابشتيم  العابق بأريج أزاهير ملكوت الذكريات
وصهيل الينابيع الثرّة
المنسابة بين شعاب جبال آشور المطلة على بحار ومحيطات الأكوان
والجنّات التي تجري فيها الأنهار المنمّقة بالأساطير العذبة المستساغة
لأستنشق عبير الورود النابتة على مقابر أجدادي الأولين
الذين لا زالوا على قيد الحياة في ريعان شبابهم
وعنفوانهم
وجبروتهم
وهم يتصبّبون عراقة في أعماق وادي الرافدين
بينما تسطع صورهم وأسماؤهم على جدران السموات
حيث تتلبد الغيوم في الآفاق
وتنهمر الأمطار على وجنات التراب
وتغور في الأعماق
لترتعش البذور في باطن الأرض
وما تلبث أن تتثاءب البراعم
وتتمطى الأوراق والأزاهير في مطلع الفجر
لتنهض أمي من رقاد الموت مكلّلة بتاج الألوهية
تُعطّر أزهار حديقتنا بأنفاسها الفوّاحة
وتمشي حافية القدمين على السندس العاكس إشراقة وجهها على مرايا النجوم
حيث مناغاة نسائم الفجر تتردّد أصداؤها في أجواء القرى العابقة بأشعة الشمس
وحيث الشحارير تستحم بأريج الثلج في وضح النهار
وحيث تنضح مواويل أبناء الجبال بالحزن المتفاقم في كهوف الجبال
وفي الأودية السحيقة الحافلة بالذئاب المفترسة من كل جنس ولون ودين.

حينما كان أنليل في كامل قواه العقلية
لم يخطر بباله يوما
أن ينسخ ما خطّته أنامله المقدّسة في لوح الأقدار
خلق الأرض سندساً مزداناً بألف لون ولون
وجعل الإنسان يلهو ويمرح فيها كما يشاء ویشتهی
وهو في كامل إنسانيته الطافحة بالصدق والوفاء
والإيمان القويم
ينساب جذلا وسعيدا مع تقلّب الفصول على مدار الأيام والسنين
والأزمنة والعصور
وحينما تحوّل أنليل المبجّل إلى (الله الماكر المُقيت القهّار)
غرق نصف العالم في ظلام دامس مكفهر
يومها بدأ الإنسان يمارس رياضة أحلام اليقظة
يحتضر من الفقر والجوع
وهو يرى الطيور مشويّة في السماء اللامتناهية.

في تلك الأيام التليدة
في تلك السنين الغابرة
كان النهر ينساب بين الجنائن الغنّاء كصدى الناي في شعاب الجبال
وكانت النواعير تشدو ألحان السلام والأمان تحت ضوء القمر
وفي الليالي المدلهمة
وكان أهل قريتنا ينامون وفي مآقيهم تتماوج أحلام الطيور الطليقة
وفي قلوبهم تعتمل أغاني الجداول والمروج
وهم يقطفون لآلئ السماء
ولكن
قبيل بزوغ الفجر
زحف الجراد على البيادر والحقول والكروم
تاركاً القاع صفصفا... ملطخاً بالذكريات
لم يبقَ ناسكٌ في تلك البقاع
تناثر الأهل في أرجاء الأرض
يروون للأجيال، والدموع  تمور في مآقيهم،
ماذا جرى في ذلك اليوم المشؤوم من شهر شباط.

هالني أن أرى نجمة الصبح تنيخ في رحاب السماء
ملطخة بأريج صهيل الزيزفون
مطأطئة الهامة في سرداب الليل
تنساق لسحر مليك الأشباح في مضجع الغابة المدلهمة.

حبيبتي...
أشهى من خبز التنّور
وألذ من القبلة الطافحة بالنشوة العارمة
وأطيب من رمان حديقتنا الزاهية
في تلك القرية التي أصبحت يتيمة بكماء
على ضفة ذلك النهر الناضب
وأجمل من الزهر المكلّل بندى الفجر
وأبدع من اللوحة التي رسمها الله في السماء
وأرقّ من نسيم الصبا في مطلع الصباح.

لما استوطن الذئاب في بلادي
تكدّرت السماء
وتلوث الهواء بالسموم
ولم يبقَ لي بدّ من الرحيل
إلى حيث يشرق وجه الله في وجوه خلائقه
وحيث لا أرى غراباً ينعق فوق الخازوق
ويلوّث الهواء بصوته القبيح.