المحرر موضوع: بلاد النهرين التو آمين -‏ مهد الحضارات العريقة  (زيارة 231 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوآرش هيدو

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 15
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
بلاد النهرين التو آمين -‏ مهد الحضارات العريقة
يوارش هيدو
‏ذلك الذي يسير في المقدمة يحفظ سلامة الرفيق ‏عليه أن يكون يقظاً وينبغي أن تظل عيناه مفتوحتين،  ‏إن أراد أن يحرس نفسه .
‏لينصرك شماش  ويحقق رغباتك عسى أن ترى بعينيك ماتنبس به شفتاك.
‏ليفتح لك كل الأبواب الموصدة وليمهد الطريق أمام  خطاك عسى أن ياتيك الليل ‏بأخبار سارة ، ليقف لوكال باندا  ‏إلى جانبك ويوآزرك فيتحقيق أمانيك ‏وكل ما تتوق إليه نفسك.
( من ملحمة گلگامش 2000 ق. م )

‏العراق ، او (بلاد ما بين النهرين ) أو "ميسوبوتاميا"‏كما دعاه اليونان بلد خصب جدا يسقيه النهران  التوأمان الفردوسيان ‏دجلة والفراتاللذان ورد  ذكرهما في ‏"العهد القديم " ( التكوين 2:10- 14 ) ‏فعلى  ضفاف هذين النهرين إلعظيمين ‏نشأت أولى عناصر الحضارة والمدينة. ‏ويفتخر العراقيون اليوم بكونهم الورثة الشرعيين لتلك الحضارات العريقة ‏من  سومرية  واكدية  وبابلية و آشورية.
لقد لعب السكان القدامى لهذه البلاد الجليلة دوراً  قياديا بارزاً في سياسة وفن وفلسفه ودين وادب  الشرق  الأدنى . على هذه الضفاف شيدأول بيت وكتب أول حرف وصنعت أول عجلة.  ولا يمتلك أي بلد آخر في العالم ماضياً  أكثر مجداً  وتألقا  وعظمة من العراق.‏ لقد ورثالعراقيون نماذج حضارية رائعة وأحداثا تاريخية  جساماً اكثر من أي بلد آخر. أن فصولاً مهمة من التاريخ الإنساني دون من قبل سكانهذه البلاد.  فعلى هذه الأرض المباركة " ومن جذور أنغرست عميقا في مجاهل عصور ما قبل التاريخ ، نمت تلك الحضارات ببطء لتتفتح معبزوغ شمس التاريخ.
‏واستمرت تنبض بالحياة على مدى ثلاثة   آلاف سنة . وظلت المراكز الحضارية المتمثلة بالمدن العظيمة مثل  أور ،أوروك،  نفر ، أكد،  بابل ،  اشور ، نينوى  وغيرها تشع  بحضاراتها على الشرق الأدنى برمته "  ( جورج رو ، العراق القديم  ) .
اجل ، على هذه ضفاف كان بزوغ فجر الحضارة التي لا تضاهيها في قدمها وعراقتها سوى ، ربما ، حضارة وادي النيل . على هذهالضفاف  نشأت وازدهرت  مدن عظيمة.  جموع من الرجال والنساء سكنوها   لآلاف   السنين وحققوا درجة عالية من البراعة في العلوموالفنون والآداب قروناً عديدة قبل الميلاد.
ولقد برهنت التنقيبات التي اجريت في خرائب او مواقع المدن الآشورية والبابلية والسومرية  على أن سكان هذه البلاد قد بلغوا درجة عاليةجدا من الحضارة وأحرزوا  ثقافة  متطورة جدا . كما برهنت تلك التنقيبات  وعلى نحو لا يدع مجالاً للشك  ،  على أن  العراق كان ماهولاً منذاكثر من (6000 سنة ).
ان زيارة واحدة لاي  متحف من متاحف العالم الشهيرة  بما في ذلك المتحف العراقي ، تكفيللبرهنة  على وجود الإنسان المتحضر في بلاد ما بين النهرين منذ بداية الألف الثالث قبلالميلاد.

لقد كان العراقيون القدامى  مزارعين مهرة  أوجدوا  نظاماً متطوراً  للري يدعو للإعجاب حقا . لقد شيدوا  مدناً عظيمة واقاموا‏  هياكل فخمة  لألهتهم العديدة . وتشير اللقى والتحف الرائعةالمحفوظة في المتحف العراقي إلى شغف العراقيين القدامى بالحياة الثقافية.‏
ان القيثارة الذهبية الشهيرة والمدهشة ، على سبيل المثال،  التي اكتشفت  في (أور) ‏الموطنالأصلي لإبراهيم الخليل ، والتي تعرف ب "قيثارة أور الذهبية" هي برهان ساطع على مانقول.  كما اكتشفت في العراق أقدم الحواشي التفسيرية للموسيقى المبنية على فهم للنظامالموسيقي.
لقد كان للعراقيين  القدامى حكومات قويه تتمتع بدرجة عالية من الادارة الكفوءة  وفن الحكم . وفضلا عن تقدم فن العمارة ، كانت هناك انطلاقة كبرى في العلوم والآداب و شؤون الحربوالتنظيم العسكري . لقد استطاع حمورابي ، المشرع الشهير ، (1792- 1750 ق . م) ،
‏احد احفاد سرگًون  الأكدي  ، أن يؤسس مملكة قوية في مسيوبوتاميا  عاصمتها بابل.  إلا  أن اهتمام هذا العاهل العظيم لم يقتصر علىالفتوحات والانتصارات العسكرية الباهرة ، بل وجه  اهتمامه أيضا إلى الإصلاحات العمرانية ونشر الثقافة والحضاره في جميع أنحاءإمبراطوريته.
ومن أبرز أعماله التي كان لها دوي عالمي وخلدت اسمه على مدى التاريخ،  مجموعة القوانينالتي عرفت " بشريعة حمورابي " . تحتوي نصوص هذه المجموعة حوالي (375 ) مادةقانونية لتنظيم الأسرة والتجارة والزراعة والعقوبات وغيرها . وهي مدونة بتنسيق رائع علىمسلة  كبيرة من  حجر "الديورايت"  الأسود ، ‏وهي اليوم محفوظة في متحف اللوفربالعاصمة الفرنسية . كما اكتشف العديد من الوثائق القانونية والتجارية والدينية وغيرهافي عهود خلفائه  تشير إلى  ان البلاد بلغت درجة عالية جدا في مضمار الحضارة والمدنية.  وكان الإنسان العنصر المحوري  لهذه الحضارة جنباً إلى جنب القوة العسكرية و تنظيمالجيوش وفن إدارة الدولة والقوانين والفن المعماري وكلها تلقي  الكثير من الضوء علىالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في بلاد ما بين النهرين.

بين مدن ميسو بوتاميا  العظيمة تشمخ مدينة نينوى التي كانت واحدة من أهم عواصمالإمبراطورية الآشورية كانت . هذه المدينة الرائعة لزمن طويل القلب النابض للعالم القديموسيدة آسيا الغربية بلا منازع . وقت اتخذ  العديد من ملوك آشور  مدينة نينوى  عاصمة لهم. لقد وردت أسماء بعض الملوك الآشوريين العظام في الكتاب المقدس . وهؤلاء هم تغلاتفلاسر الثالث ، شلمناصر الثالث،   شلمناصر  الخامس  ، سركون الثاني،  سنحاريب ،  اسرحدون وملك آخر ورد  اسمه في سفر عزرا(10:4) بصيغة اسنفر الذي يصفه كاتب السفر  ب( العظيم والنبيل).‏ومن الغريب حقا ان آشور  بانيبال الذي يعتبره بعض المؤرخين أعظموأقوى ملك اشوري ‏، لم يرد له ذكر في الكتاب المقدس . إلا أن مؤرخين اخرين  يميلون إلىالحدس بأن  (أسنفر )ما هي إلا صيغة محرفة أو تصحيف لاسم  آشور  بانيبال ومهما يكن منأمر فإن  آشور  بانيبال  كان فعلا واحدا من أقوى ملوك آشور  واعظمهم إن لم يكن أعظمهمعلى الإطلاق . ويتميز آشور  بانيبال (669 - 626 ) عن غيره من ملوك آشور  بولعه  بالعلموالمعرفة وتشجيعه للآداب والفنون إلى جانب فتوحاته العسكرية. ‏فقد نشطت في عهده حركةالتأليف والترجمة باللغتين  السومرية والآشورية ووضعت لها المعاجم والفهارس . ‏فيمنتصف القرن التاسع عشر،‏ وبينما كان العالم الأثري الأشوري هرمز رسام صديق هنريلايارد ومساعده ‏يجري تنقيباته ‏في  موقع نينوى ، قادته ‏الصدفة إلى اكتشاف واحد من أثمنالكنوز في تاريخ علم الآثار. ‏أن هذا الاكتشاف المدهش الذي لا يقدر بثمن ، ‏والذي أذهل العالم ،لم يكن سوى المكتبة الملوكية لآشور بانيبال  . فبينما كان رسام يميط  اللثام عن قصر اشور  بانيبال الفخم، ‏قادته تنقيباته الى غرفتين من القصر كانت ارضيتهما  مغطاة  بألواح منالطين المفخر نقشت عليها من كل الجوانب كتابة مسمارية  باللغة الآشورية. ‏كانت هذه الرُقم  الطينية  هي كتب المكتبة التي جمعها ورتبها ونسقها واحتفظ بها العاهل الأشوري العظيماشور  بانيبال في قصر ه  المنيف الذي دمر قبل عشرين قرناً  من تاريخ اكتشافه. ‏وقد شحنت  تلك الألواح التي بلغ عددها اكثر من خمسة وعشرين الفاً على الفور إلى إنگلترا ‏لتحفظ فيالمتحف البريطاني . وكان لفك رموز الكتابة المسمارية على هذه الرُقم  أهمية بالغة لانه  ألقىضوءاً ساطعاً على التاريخ المجيد لبلاد ما بين النهرين وحضارتها العظيمة.  ‏لقد حققالآشوريون والبابليون  وهم  شعب واحد لغة  وتاريخاً  وديناً  وثقافةً،  تقدماً ملحوظاً فيالحرف اليدوية،  وكانوا مهندسين بارعين،  و بالرغم من قلة المواد الضرورية للبناء،  فقطقطعوا  شأواً بعيدا في فن العمارة.  كما برعوا  في فن النحت . وكانت بوابات قصورهمالملوكية  مزينة  بالأسود او الثيران  المجنحة  العملاقة برؤوس  بشرية و التي كان الغرضمنها حماية المداخل من الأرواح الشريرة. ‏ويعتقد البعض أنها كانت ترمز إلى القوة والحكمةوالسرعة . وكانت الجدران أحيانا تغطى بنقوش نافرة .
وقد تفوق الآشوريون  والبابليون في العلوم وخصوصا في الرياضيات وعلم الفلك.  وكانتمهارة 1لفلكيين البابليين مضرب الامثال . وكانوا قادرين على إيجاد مساحة المثلث قائمالزاوية والمستطيل وشبه المنحرف تماما كما نفعل اليوم. ‏وكانت النظرية التي تنسب إلىفيثاغورس والتي مفادها انه المربع المنشأ على الوتر في مثلث قائم الزاوية يساوي مجموعالمربعين المنشأين على الضلعين  القائمين،  قد اكتشفوها قبل فيثاغورس بزمن طويل،  إلا أنهذين العلمين كانا  مقتصرين  على الكهنة الذين كانوا ينقلونها  بدورهم إلى خلفائهم فيسلك الكهنوت ‏بعد تدريبهم في مدارس ملحقة بالمعابد .  لقد كان السقوط ألمفاجئللإمبراطورية  الآشورية واحدة من المأسي الكبرى في التاريخ ولم يستطع أي مؤرخ  حتىيومنا هذا أن يفسر لنا على نحو مقنع هذا الحدث التاريخي المحير . لقد بلغت الإمبراطورية  الآشورية اوج مجدها  وقوتها وعظمتها  في عهد اشور  بانيبال . ومع ذلك فإن هذهالإمبراطورية القوية ‏المترامية  الأطراف كتب لها أن تنهار  في غضون سنوات قليلة بعد موتآشور   بانيبال . لقد سقطت نينوى العظيمة ، جو هرة العالم القديم ، وكان سقوطها عظيماً  وخرابها شاملاً .  ان الحقد الأسود والحسد القاتل جعل المدينة الشقيقة المتأمرة والمستاءة  دوماً  بابل تدخل في حلف مع عدو  آشور اللدود_ الميديين !  سقطت نينوى عام (612 ق. م) . لقد دمر  الغزاة المدينة العظيمة تدميراً  شاملاً ‏ونهبوها وأشعلوا  فيها النيران وأبادوا  سكانها . ولم يسلم من الموت سوى أولائك الذين حالفهم الحظ في النجاة من السيوف الداميةللجيوش المتحالفة والهرب إلى الجبال الوعرة او أولائك الذين وجدوا لهم ملاذاً  امناً  فيالقرى البعيدة.  هكذا سقطت نينوى    العظيمة فخر  كل مدن ميسوبوتاميا. 

‏‏الآن انتقل الملك والسلطان إلى الجنوب وفازت بالسيادة مرة أخرى بعد أن ظلت العاصمةالثانية لأشور  قروناً من الزمن. ‏بعد سنوات قليلة من حكم نابو بو لاسر الخائن، ‏خلفه ابنهنبوخذنصر على العرش البابلي. ‏استطاع نبوخذنصر أن يجعل من بابل عاصمة عظيمة لبلادما بين النهرين وأجمل مدينة في الشرق بل، ‏ربما في العالم القديم باسره . لقد كان هذا  الملكالقوي معماراً عظيما.  فقد كرس  طاقاته لتوسيع عاصمة ملكه وتجميلها. ‏وخلال فترة حكمهالطويلة(604 -562 ق. م) ‏توسعت المدينة توسعا  كبيرا واقيمت حولها أسوار ضخمة  لحمايتها وتحصينها  ضد الأخطار الخارجية. ‏لقد صمم  نبوخذنصر على أن يبز أسلافهالآشوريين في فخامة وروعة المباني العظيمة التي شرع الآن بيتشييدها. ‏ففي الزاويةالجنوبية من المدينة إعاد بناء الهياكل المكرسة للآلهه  التي عبدها البابليون منذ زمن بعيد. ‏ووسط هذه المعابد شيد قصره  الإمبراطوري  الفخم بجنائنه  المعلقة التي ذاع صيتها فيالعالم الغربي واعتبرها الإغريق واحدة من عجائب الدنيا السبع في العالم القديم. ‏واشتهرت  ب " جنائن بابل المعلقة " . كانت هذه الحدائق سطوحاً ومستويات مستطيلة  مهد  بعضهافوق بعض تتكون من تراب خصيب هو من طمي نهر الفرات.
‏وكان كل سطح يتجاوز ما هو أعلى منه. ‏ وقد زرع على جوانب السطوح وممراتها  أشجار النخيل وبينهم النباتات الظلية الرائعة العطرة  وأنواع من الزهور العابقة بالاريج. ‏‏وكانت هذه الجنائن  تسقى  بماء يسحب من‏ نهر الفرات في أقنية،  بآلات ‏مائية خاصة يتناوب في إدارتهاعدد من الرقيق حتى يصل إلى أعلى طبقة من تلك السطوح ثم ينساب الماء منحدراً من سطح إلى السطح الذي دونه. ‏وينسب البعض إقامةتلك الحدائق إلى الملكة  الآشورية شمورا مات (سمير أميس  بحسب اللفظ اليوناني )  او شميرام ‏كما نسميها نحن اليوم  ، تلك الملكة  الفاتنةالقوية والشجاعة .  ومهما يكن من أمر فإن تلك الجنائن المعلقة أستثارت خيال   العديد من المؤرخين والكتاب والسياح  في الشرق والغربولهجوا بجمالها وعظمتها. ‏‏ويقال أن نبوخذ نصر أنشأ تلك  الحدائق اكراماً  لزوجته الجميلة  ( الأميرة الميدية ) التي كانت تحن  إلى موطنهاالجبلي  ذي المناخ المعتدل فاشفق عليها وهي تعاني من قيظ  بابل . لقد انشأ نبوخذنصر  شارعاً رحبا ‏كان يستعمل في المناسبات الخاصةوالأعياد أطلق عليه " شارع الموكب " كان هذا الشارع يمر من خلال بوابة مهيبة  سميت " بوابة عشتار" لأنها كانت  مكرسة  لعشتار  إلآهة  الحب والجمال والحرب.  ‏
وختاما أقول:  أن هذه المقالة الموجزة  ليست كافية لإظهار عظمة ومجد وحضارة بلاد ما بين النهرين. ‏بل أن الحديث عن تلك الحضارة يتطلبمجلدات ضخمة عديدة لأنها كانت حقا حضارة بلغت درجة عالية من النضج والشمول. ‏ويدرك الآشوريون اليوم تماما بأنهم سليلو ذلك الشعبالعظيم المثابر،  الحكيم والنبيل الذي لم يسبقه أي شعب آخر في العالم باسره في بناء الحضارة المزدهره والمدنية العريقة.  في أعماق قلوبهموارواحهم سيظل الآشوريون دوما فخورين بكونهم احفاد أولائك الأجداد العظام والأسلاف الأفذاذ الذين كان لإنجازاتهم  تأثير كبير ، لايمكن نكرانه،  على حضارات الشعوب الأخرى ومنهم اليونان.  نعم نحن فخورون _لكن دون تكبر وإستعلاء_ باًولئك  ‏الأجداد الشجعان الذينزرعوا في هذه الأرض الطيبة المعطاء بذور الحرية والكرامة والنبل والشهامة وقبل كل شيء بذور العلم والمعرفة.