المحرر موضوع: قراءة في رواية قيلولة للقاص والروائي سلام حربة  (زيارة 566 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نبيل عبد الأمير الربيعي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 230
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قراءة في رواية قيلولة للقاص والروائي سلام حربة

د. نصير الحسيني
 
    تشكل رواية قيلولة للقاص والروائي والسيناريست سلام حربة رؤية فنية جديدة في نقد الواقع بلغة لاذعة مستورة تروي احداث مرت على الشعب العراقي، وتحديداً في ظل ظروفٍ غامضة سواء أثناء الغزو الامريكي أو بعده، حين تتسلل مجموعة من الذئاب الى سدة الحكم ، لتحول الخراب الذي حدث أثناء الغزو وما قبله من حصار، الى أكثر من خراب، بل قل تهديم اما تبقى من اسس، من أجل المال والسلطة والوجاهة، وهذا الثالوث كان مفقوداً في وجودهم السابق، وعثروا عليه سواء بإعداد مسبق، أو ربما جاء للبعض مصادفةً بسبب القدرة على التلون مثل حرباء، ولكون الحدث انقسم الى مراحل متعددة دامت عقود بين  قرنين من الزمان مختلفان في التردد، وعلى أية حال فالروائي يرتدي قميصين ، أو ربما قميص بلونين ، ليبوح من خلالهما بأفكاره ومعتقداته، ويفرش عليهما المشاكل السياسية والاجتماعية، فالقميصان يشكلان مع بعضهما الشخصية الحقيقية للراوي، وهي شخصية متمردة رافضة للواقع جملةً وتفصيلاً، لا بل ثائرة عليه، وفاضحة للواقع الذي يرتدي عباءة الدين، ولكن ثائر بلا سلاح مسلوب الارادة !!
  ينسج حربة روايته بأشخاص محليين من منطقة الوردية، المنطقة التي نشأ وترعرع فيها ، متذكراً كثير من شخصياتها التي اثرت فيه بطريقة ( الفلاش باك) معتمداً على ذاكرة متقدة فيها بعض التحريف والاخفاء لأبطالها الحقيقيون، غير انه كان ميالاً لأفكاره اليسارية، بشخصية تخلط بين البدوية والتحرر، وخاصةً في موضوع العلاقة مع المرأة، التي تبرز في علاقة فرات بعائدة، أو من خلال علاقة عظيم بهدى، علاقتان فيهما من التناقض الذي يفضح التناقضات في الشخصية العراقية . وعلى أية حال فكما يقول الراوي : " عقول الناس مختلفة ولو كانت واحدة لما حدثت الحروب والمجاعات ولا كره الإنسان اخاه الانسان " ص٥٤ .
   تجري الرواية حين يقوم الطبيب مجيد بتجميد فرات بغاز النايتروجين لمدة اربعين عاماً، وهي مدة طويلة لا تتناسب وعتبة النص ( قيلولة) التي تشير الى زمن قصير، ليكون شاهداً وراوياً لأحداث سوف تقع في المستقبل، وهي تمثل واقعنا الراهن الحالي، والموضوع يحاكي فكرة سبق وان مثلت في فيلم أسمه آلة الزمن، وهو فيلم خيالي علني انتج عام ١٩٦٠ من قبل شركة متروكان وتم انتاجه واخراجه من قبل جورج بال، واستند الفيلم الى رواية هربرت جورج ويلز عام ١٨٩٥ بذات الاسم، واعيد انتاجه عام ٢٠٠٢ بفيلم امريكي من انتاج سيمون ويلز وغو فيرينسكي، وهذا السؤال الازلي في البحث عن الحقيقة أو قل المعرفة لما سيحدث في المستقبل، والذي يقلق الانسان مثلما يقلقه حدث الموت . ومثل فكرة مشابهة الفنان الكوميدي عادل امام في دور حرفوش بن برقوق الدكبدار في فيلم رسالة الى الوالي عام ١٩٩٨ مع الفنانة المتألقة يسرا . والموضوع بحد ذاته ربا يوحي الى قصة اهل الكهف في القرآن الكريم .
يسطر الراوي الاحداث بطريقة أشبه بالدراما عندما يقرر فرات بالمضي بالتجميد وبتشجيع من صديقه عظيم وكأنه ذاهب في نزهة أو سفرة، ويقرر توديع الاهل والمعارف،  ولعل أكثرها حزناً عندما يقرر ان يودع عائدة الحبيبة الي لم يصارحها بحبه لها الا بعد اتخاذه القرار الذي لا رجعة فيه ويقول لها : " عائدة لا استطيع فقد حسمت امري، انا ابحث عن عالم أكثر نظافة من عالمنا القذر هذا، ان عدت الى الحياة لن اتزوج غيركِ .." ص٨٤ . ويصر فرات على المضي في قرار التجميد بالرغم من تمتع الحبيبة عائدة بواصفات مغرية فوق العادة، فهي بالاضافة الى الجمال والغنى والحسب والنسب والشرف، فهي مثقفة وتحبه حد العشق الذي لا يمثل شيئاً عند فرات امام افكاره المشوشة والمتناقضة في فهم قوانين الحياة وطبيعتها، حين يعدها بالزواج ان عاد بعد اربعين عاماً !!
ومما يلفت النظر في الرواية ما دار من حوار بين فرات وعظيم وحمزة رجل الدين الذي ينقصه الراوي باللواط والفقر في آن واحد .. وكان باستطاعتك الراوي ان يجعل من الحوار موقع قدم يزيد من حبكة الرواية ليكشف المستور الذي جعل من الدين قضية مركزية ولاحقاً يصبح بها حمزة ذو شأن متناسياً دور فرات معه !! ويعرج عظيم على الواقع المر الذي اسسته تلك الجماعات المنحرفة من خلال ما دار من حوار بين عظيم وابن اخ فرات : "
-      وانا اقلب الكتاب ومأني اراه لاول مرة، سألته
-      عصام - من أية كلية تخرجت ؟
-      من كليةً الاداب، فلسفة وعلم نفس ..
-      وماذا تعمل الان ..؟
-      أطلق عصام ضحكة مجلجلة، قال بانفعال ..
-      أعمل في السوق، حمال، لدي عربة يدوية انقل بها بضائع التجار .. ص٩٦
ثم يطوف الراوي حول حال اشواق اخت عصام التي فقدت زوجها في القتال مع داعش معرجاً الى حال الاب متعدد الزوجات، وابتعاده عنهم ليعيش في تركيا متنعماً بما تركته زوجته الثالثة من ميراث مع الزوجة الرابعة !! بعيداً عن ابنائه !! غير ان الراوي هنا يجتاز فترة مهمة ومؤلمة هي مرحلة الغزو الامريكي، ومن ثم يرمي بالعتب واللوم على الشعب العراقي على انه هو السبب وليس نتاج سبب !!
يمكن القول ان الرواية اقرب الى العمل المسرحي، وربما كانت عبارة عن عمل مسرحي أو مسرحية حولها السيناريست الى رواية !
ثم يندهش مصدوماً فرات المجمد بالنايتروجين من وضع المجتمع على حد وصف صديقه عظيم الذي يرثي المجتمع بتغيره السلبي وتنقلاته نتيجة ضعف الدولة او تهرئها، ولا يشير الى الغزو ويعزو السبب الى تفكك النظام الاشتراكي السوفيتي وسيادة النظام الرأسمالي !! ثم حين يصل فرات بطل الرواية الى مقبرة السلام ويعرف عن موت عائدة حبيبة الامس واصفاً المنظر من قبل عظيم :
"ما ان انهيت كلامي حتى جثا فرات على الارض باكياً وبدا يهيل التراب على رأسه وهو ينحب بأعلى طاقة النحيب واطلق، كالمصاب سهماً في قلبه، اصواتاً مكلومة مجروحة، تيقظ لها ساكنوا المقابر من الموتى ومن زائيريهم الاحياء ."ص١٣٦
وفي المقطع (١٤) من الرواية تظهر شخصية الراوي العليم المتمردة والرافضة لهذا الواقع الذي يزداد تعقيداً كلما دخل مفصلاً من مفاصل حياتنا التي تغيرت نتيجة كشف المستور عن الرأسمالية التي اظهرت ان كل من يتغطى بغطائها عريان، وربما دون ان يدري، وحين يدري لا مفر من سلاسلها !! وتدور الاحداث عند دخول فرات وعظيم العاصمة التي يصفها بواقع مر تحولت من معلم حضاري الى سيطرات واحزاب وكتل سياسية وقبائل وعشائر وتمرد وضعف لأجهزة الدولة وسواها من أوجه الخراب المزروع في كل جوانبها. خراب يطرز كل أشكال الحياة، بل قل ينخرها باليأس وفقدان الامل، متخصصون يزرعون الخوف في كل مكان وجيل اخر سينشأ على الخوف والحياة منزوع القيم والتقاليد، وربما الدين، أو قاب قوسين من الالحاد !!
غير ان بطل الرواية يقوده اليأس الى نهاية معلنة في بداية قراره بالقبول بالتجميد بالغاز، والعملية بحد ذاتها استسلام ويأس ! وحين يقوم صديقه دكتور عظيم بتعريفه على صديقه الشاعر عرفان موسى الذي يقول عن فرات :
" نعم اعرفه، كان شاعراً جيداً.. لقد مات منذ زمن بعيد، لقد اشاعوا بأنه اختفى في الغاز وسيظهر بعد زمن، دعايات اطلقها النظام السابق، اتضح انه حوض تيزاب للتخلص من المعارضين، لقد مات فرات وانتهى .. لم أكن اريد له هذه النهاية البائسة ..ص١٦٦
وعلى اية حال الرواية تمثل تسجيلاً لأحداث شتى مرت على العراق بين سبعينيات القرن الماضي وبداية لعقدين من القرن الواحد والعشرين غافلاً الكاتب لكثير من الجوانب، ومركزاً على ما يراه عبر نظارة كان يرتديها بعدستين، عدسة عظيم السلبية التي لا تجيد سوى النظر والاستسلام، وعدسة فرات العاطفية المتأثرة غير الفاعلة والتي ينهي حياته بالشنق !!
وقعت الرواية بستة عشر مقطعاً بواقع ١٦٨ صفحة من القطع الصغيرة والصادرة من مؤسسة ابجد للترجمة والنشر والتوزيع في العراق /الحلة عام ٢٠٢٢ .   
 
عمان 4/5/2022