المحرر موضوع: نظرة خاطفة على تأريخ وتراث الآشوريين  (زيارة 352 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوآرش هيدو

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 22
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
نظرة خاطفة على تأريخ وتراث الآشوريين

يوارش هيدو

قبل اكثر من  اربعة  الاف  سنة وفي الجزء الشمالي من بلاد ما بين النهرين  (ميسوپوتاميا ) .  بمحاذاة نهر دجلة ظهرت جماعة من الناسالذين عرفوا بالآشوريين  وعرفت بلادهم ب( آشور ) . ‏وقد تمكن علماء الآثار من الحصول على وثائق تشير إلى أن الآشوريين قد اسسوا  لهمدولة منذ أواخر الألف الثالث قبل الميلاد . وهناك قائمة طويلة بأسماء الملوك الذين حكموا في تلك الحقبة المبكرة  من تأريخ الآشوريين  . معبداية القرن الرابع عشر قبل الميلاد بدأت قوة الآشوريين  بالتصاعد  باطراد وسعى  ملوكهم إلى تحقيق منزلة موازية  لمنزلة ملوك  المنطقة . ومن الملوك الأقوياء في هذه الحقبة    آشور -اوبالت  الأول ( 1365- 1330)  ق . م   . 
والى  هذا ‏العاهل العظيم  يعود الفضل في ترسيخ دعائم المملكة الآشورية وإرساء الأسس لقيام   الإمبراطورية الآشورية العتيدة .

‏كانت اشور  محاطة بإعداء  يتربصون بها . ومنذ  البدء أدرك  ملوك اشور  بأنهم إن أرادوا قهر كل أولائك الأعداء و تحقيق السيادة  ‏الكاملةوالنصر النهائي كان لابد لهم من تأسيس جيش قوي لا يقهر ، قادر على حفظ الأمن والاستقرار وقد تمكنوا من تحقيق ذلك  . وبفضل هذاالجيش الذي كان تعداده  يبلغ مئات الألوف من الرجال المدربين تدريباً عالياً على فنون القتال خاضعين  لنظام و إنضباط صارمين،  ‏استطاعالملوك الآشوريون أن يقيموا امبراطورية   مترامية.  فبحلول القرن التاسع قبل الميلاد كانت المملكة الآشورية  اقوى واعظم دولة في الشرق.  تعاقب على العرش الأشوري عدد كبير من الملوك العظام وكان آخر ملك آشوري  عظيم ( آشور بانيبال ) الذي في عهده  بلغت  آشور   أوج  قوتها وعظمتها . إلا   أن الإمبراطورية الآشورية ألت   إلى الزوال في  غضون سنوات ‏قليلة بعد موت هذا العاهل العظيم . ومنطقياً لابد أنتكون هناك عوامل عديدة داخلية وخارجية تظافرت معاً وسببت هذا الانهيار  المأساوي ألمفاجئ !! 
ففي سنة ( 650  ) قبل الميلاد لم يكن تفوق  اشور  يضاهى  اطلاقاً . مع ذلك وبحلول عام  ( 609  ) ق.م ،  كانت  نينوى  العظيمة   القلبالنابض ، للعالم القديم ، قد تحولت إلى أطلال !!

‏يقول المؤرخون ان ولدي آشور  بانيبال ، ( آشور -  أتل  -  إيلاني ) و ( سين  - شار  - اشكون  ) تنازعا  على  العرش  وان حرباً أهلية  طاحنة  نشبت  في البلاد .  وهذه  الحرب   قد أضعفت  المملكة  الى حد كبير . كما ان مؤرخين  اخرين  يزعمون  ان   آشور  - بانيبال  نفسه  ‏ساهم من حيث لا يدري في زعزعة أركان مملكته ممهداً   الطريق لانهيارها  من بعده وذلك بتدميره مملكة عيلام ، الجارة الشرقية،‏تدميراً  شاملاً .  إذ  كانت عيلام بمثابة حاجز يحمي  اشور  من جهة الشرق . فبعد أن أحتل   الميديون  ، عدو الآشوريين اللدود ،  أجزاءكبيرة من  عيلام،   أصبحوا في غضون سنوات قليلة قادرين على أن يلعبوا  دورا حاسما في إسقاط الدولة الآشورية . كانت بابل لحقبة  طويله من الزمن جزءاً  لا يتجزأ من اشور،  بل كانت تعتبر العاصمة الثانية للمملكة ، الا أنها كانت مستاءة  دومًا   وميالة  لأثارة  الفتنوالقلاقل  وتنزع الى  الاستقلال .

‏بعد إخماد تمرد  ( شماش - شوم  -  اوكين ) شقيق آشور - بانيبال عام ( 648  ) ق. م ، استطاع اشور - بانيبال أن يحتفظ بسيطرته علىبابل لما تبقى من سني  حكمه . وبعد موته تعين على  ولديه  أن يقاتلا   البابليين  الذين  شقوا  عصا الطاعة  لنينوى  بقيادة  نبوبولاسر   الذيكان  قائداً  عسكرياً  عينه الملك  حاكماً   على بابل .
لقد حالف الحظ  نبوبولاسر  الطموح  فنصب نفسه ملكاً على بابل سنة ( 626 ) ق.م ،  وبتحالفه  مع الميديين  شكل   تهديداً   خطيراً  ‏للإمبراطورية الآشورية .  كانت الامور تسير سيراً حسناً  في الإمبراطورية الآشورية   عندما يتولى زمام الحكم فيها ملك قوي وحازم له اتباعمخلصون.  بعد موت آشور -بانيبال إعتلى العرش ملوك ضعفاء  و  واهنو  العزيمة  فساءت الامور وتضعضعت  قوة الدولة العسكرية فلم تعدقادرة  على التصدي لهجمات الاعداء على المدن الآشورية  الرئيسية. فكانت ( آشور )   المركز الديني للإمبراطورية ، أول مدينة تسقط بيدالعدو . وبعد تدميرها من قبل الميديين  سنة ( 614 ) ق. م بسنتين، ‏ سقطت  نينوى في  الهجوم المشترك لجيشي البابليين وحلفائهم الميديين.
‏ولا يعرف مصير سين- شار -  اشكون خلال هذا الهجوم . الا  أن آشور - اوبالت  الثاني  وهو من أفراد الأسرة المالكة ، استطاع أن يجمع  ما تبقى من الجيش الاشوري  ونقل العاصمة  الى حران  حيث نودي به ملكاً   وحكم  فيها مدة  ثلاث سنوات   .  الا أن حران  مالبثت أنسقطت هي الأخرى  بيد الأعداء   ومات آشور - اوبالت   الثاني  وسط نيران  قصره  المحترق وهو يدافع عن عاصمته.

‏هكذا أفل  نجم  آشور  التي ظلت قروناً  عديدة سيدة اسيا الغربية  بلا منازع  .
 لقد انهارت الإمبراطورية الآشورية ودمرت عاصمتها العظيمة نينوى   تدميرا شاملا لتصبح أثراُ  بعد عين . لقد زالت  السلطة السياسيةلآشور   وانتهى جبروتها  العسكري الا أن أوجهاً عديدة للإمبراطورية  الآشورية وحضارتها وثقافتها وفنونها انتقلت إلى الممالك التي حكمت   البلاد من بعدها.
‏ولقرون عديدة لم يكن العالم يعرف إلا الشيء اليسير عن الآشوريين.  وكان ذلك من خلال بعض المؤرخين الإغريق او الرومان وإشارات وردتفي العهد القديم ( التوراة ) . لكن اليوم قد تغير الأمر.
‏فبعد التنقيبات التي اجريت في مواقع او خرائب  المدن الآشورية الكبرى في منتصف القرن التاسع عشر ، عثر المنقبون   وعلماء  الآثار علىرقم  طينية  ولقى   أخرى  نقشت عليها كتابة مسمارية. وبعد  فك رموز تلك الكتابات ، استطاع العالم أن يرى  ويفهم الآشوريين كما صورواانفسهم . فمبانيهم  ومنوحًتاتهم  الرخامية ونصوصهم  تحكي بوضوح قصة ملوك  أقوياء استخدموا مهارتهم  في بناء دولة قوية لها جيش‏منظم قادر على إقامة إمبراطورية .  كما أن هذه الكتابات تتحدث عن التقدم الذي حققه الآشوريون في مختلف فروع المعرفة،  وعن حروبهموانتصاراتهم وملاحمهم ودياناتهم ومعتقداتهم  وأساطيرهم  وعن تفاصيل حياتهم اليومية ، و باختصار عن كل وجه من أوجه حضارتهمالعظيمة . وبالدرجة الأولى يعود الفضل في معظم ما نعرفه عن اجدادنا العظام إلى الملك الشهير آشور- بانيبال مؤسس أول مكتبة في العالم‏منظمة ومنسقة  ومصنفة طبقاً لمحتويات  أو مواضيع الرقم او الألواح الطينية.
كان  الآشوريون  والبابليون  ،  وهم شعب واحد وطناً  ولغة وتاريخاً  وثقافة وديناً ، قد بلغوا  درجة   عالية من الحضارة واحرزوا  ثقافة  متطورة جداُ.
‏لقد حققوا تقدماً  ملحوظاً  في الحرف اليدوية وكانوا مزارعين مهرة أوجدوا  نظاماً  متقدماً   للري يدعو للإعجاب حقا . وكانوا مهندسينبأرعين.  وبالرغم من ندرة المواد  الضرورية للبناء فقد  قطعوا شأواً  بعيداً  في فن العمارة  .
لقد شيدوا  قصوراً  رائعة   وأقاموا هياكل فخمة  لآلهتهم  العديدة.  كما برعوا  في فن النحت . وكانت  بوابات  قصورهم الملوكية  مزينة  بالأسود  ‏أو الثيران المجنحة العملاقة برؤوس بشرية لحماية المداخل من الأرواح الشريرة ويعتقد البعض أنها كانت ترمز إلى المنعة   والحكمةوالسرعة .
وتتجلى  عبقرية الآشوريين الفنية أيضاً في صياغة الحلي  والمجوهرات . وفي هذا الصدد لابد من الإشارة إلى ما عرف ب ( كنوز نمرود ) .
‏ففي أواخر الثمانينيات  من القرن المنصرم وفيما كان  فريق من علماء الآثار العراقيين ينقبون  في مدينة  كالح  او ( كالخو )  كما سماهاالآشوريون او ( نمرود  ) كما تسمى  عادة اليوم ، عثروا على كنز في مدفن يعود للعائلة المالكة الآشورية.  احتوى الكنز على تيجان وقلائد  واساور و أقراط وخواتم  وأنواع أخرى عديدة من الحلي  وكلها من الذهب الخالص مرصعة  بأحجار كريمة ، مصنوعة  بتقنية عالية جداً ‏ تعتبر آية  في فن الصياغة .  وقد بلغ وزن الحلي  الذهبية لهذا الكنز  ( 57 ) كيلو غراماً.
 لقد أذهل هذا الاكتشاف  علماء  الآثار والباحثين الذين اعتبروه  من الكنوز التأريخية  النادرة جداً . وقد صرح أحد الباحثين في تأريخ  العصور القديمة بالمتحف البريطاني ( John cortis ) في حينه قائلا : " ان اكتشاف ( كنز نمرود )  يعد بحق ثاني اهم اكتشاف اركيولوجي  منذ اكتشاف ضريح ( توت_ أنخ  _  آمون ) سنة1922.
ان المستوى الرفيع للفن الذي  استخدم   في صناعة هذه الحلي يُخجل  حتى اشهر  وأمهر صائغ  في عصرنا ، أعني ( Van Cleef ) ."  وأردف (  Cortis ) :  "  لقد غير  هذا الاكتشاف المدهش  كلياً  اراءنا  ونظرتنا إلى العائلة المالكة الآشورية.  إذ  لم يكن ثمة احد يتصور بأنالآشوريين كانوا يمتلكون مثل هذا الإتقان وهذا المستوى الرفيع في الأعمال الفنية المدهشة  وصياغة الحلي . " انظر مجلة " آلپ  وتاو  "  (العدد العاشر لسنة 2002 ص 27_ 28 _ 29 ) .
‏ويقول الدكتور محمد الجميلي في كتابه ( العواصم الآشورية الأربع  -  الجزء الثالث والرابع)   في معرض حديثه عن ( كنوز نمرود ) ، :  "  ان فن الصياغة الآشوري
 فن متقدم جداً  لا  يضاهيه  اي  فن آخر حتى في العصر الحديث . "
وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور الجميلي كان  أحد الذين وقفوا على الكنز . بحكم عمله في ( دائرة آثار المنطقة الشمالية ) كما يخبرنا هو فيكتابه المذكور . ( انظر صفحة 87 من الكتاب. )

‏كما  تفوق الآشوريون والبابليون  في العلوم أيضا وخصوصاً في الرياضيات وعلم الفلك . وكانت مهارة الفلكيين  البابليين مضرب الامثال . وكانوا قادرين على إيجاد مساحة المثلث قائم  ‏الزاوية  والمستطيل  وشبه المنحرف تماما كما نفعل نحن اليوم . وكانت النظرية التي تنسب إلى( فيثاغوراس ) التي مفادها ان المربع المنشأ على الوتر في مثلث قائم الزواية  يساوي مجموع المربعين  المنشاين على الضلعين القائمين  ،  معروفة عندهم قبل فيثاغوراس   بزمن طويل . الا أن دراسة هذين العلمين  الرياضيات والفلك ، كانت  مقتصرة  على الكهنة الذين كانوابدورهم ينقلون معرفتهم إلى خلفائهم  في سلك الكهنوت  بعد تدريبهم في مدارس  ملحقة  بالمعابد .


                    المصادر

١- هاري ساگز ،   عظمة  آشور  ، ترجمة خالد اسعد عيسى  واحمد غسان سبانو
٢- جورج رو   George roux، العراق القديم
٣- إي . أي والس  بدج   Sir E. A. Wallis budge  مقدمة  كتاب  دليل الى الآثار   ( الاشورية  _ البابلية ) ، لندن _ 1908
٤- أداي   شير  ،  تأريخ كلدو واثور ،  الجزء الأول  ،  بيروت  1913
٥- هاري ساگز ، البابليون ، لندن 1995