المحرر موضوع: مسيرة في حقيقة الرجاء  (زيارة 109 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل المونسـنيور بيوس قاشا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 193
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
مسيرة في حقيقة الرجاء
« في: 17:37 10/05/2022 »
مسيرة في حقيقة الرجاء
بقلم/ المونسنيور د. بيوس قاشا
   إننا أمام عالم أكثر فتكاً بأبناء الأرض الأبرياء، فالأبرياء اليوم هم ضحايا النار والحروب والأوبئة إضافة إلى الفساد واتّهامهم بشتى أنواع التهم لأجل المصالح والمحسوبيات من قِبَل كبار الزمن ورجال الدنيا والمهمات والمناصب ومن أجل غايات ومصالح شخصية ربما أو أنانية. كما أخذت هذه الأمور كلها تُمزّق أرضَنا وحقيقة أصالتنا
من أجل أن نكون أو لا نكون. ومع الأسف، فالمسيرة تسير والقافلة تُنشد هدفَها ولا أحد مبالٍ بما يحصل خوفاً من أن لا نملك حياتنا ومسيرة أيامنا وحقيقة وجودنا.
نعم، كم هو قاسٍ زمان الأيام هذه، والذي نحياه ونعيش ساعاته بلياليها وأيامها، ولكن مع هذا أقول أن رؤساءنا الطيبين وذوي الإرادة الصالحة ورجال زماننا مسلّمين بكل ما يحصل وبكل حيثيات المسيرة الوطنية كما المسيرة المسيحية والتي ربما نراها مؤلمة ومتعِبة، ولكن هذه هي الحقيقة.
فلنعمل مع هؤلاء أصحاب ذوي الإرادة الطيبة في أن نزرع الأمل والرجاء من أجل مواصلة الحياة، وهذا يتطلّب منا أن نشهد للحقيقة بشجاعة الإيمان الذي ملأنا صدورنا منه، إيمانٌ بالله وبالآخر وبالوطن. فلا بدّ من ذلك لنعرف أين نحن ماضون وما هو الهدف الذي نعمل من أجله وأين كنّا وأين أصبحنا، وهذا قليل من كثير يجب علينا عمله من أجل مواضيع ودراساتٍ شتّى وتأوّهات الماضي من أجل مستقبل نحياه في حاضرنا... لذا أقول:
-   بالأمس، كنا مواطنين أصلاء وليس مكوِّنات أو أقليات أو جاليات ... واليوم، أصبحنا مهجَّرين ونازحين وغرباء وأناساً مأجورين.
-   بالأمس، كنا وطناً ومعبداً واحداً وكلٌّ على إيمانه ... واليوم، أصبحنا نفتش عن تسميات لمعابدنا وطائفيتنا وعشائرنا، والويل إذا دخلتُ عتبة معبدٍ آخر لا أنتمي إليه غير معبدي، فربما تتغير دنياي ويُسَجَّل إسمي في سجل المعارضين أو المكروهين.
-   بالأمس، كنا نملك وطناً وأرضاً وعراقاً ... واليوم، نحن لا نملك حتى الهواء الذي نستنشقه، فقد ملأ التراب أنوفنا وجَعَلْنا من بيوتنا مشافي لمسيرتنا المميتة وتركنا وطننا وأرضنا والخوف أن نبقى بلا وطن بعد أن جِلْنا الأرض بطولها وعرضها لنفتش عن الطريق وإنْ كانت بعيدة.
-   بالأمس، كنا شعباً سعيداً ملموماً شملُهُ ولم نفكر إطلاقاً في هجرتنا ومغادرتنا إنما كنا نتشبّث بأرضنا ... واليوم، الهجرة هاجسنا وموضوعنا، فلا ثقة لنا بشعبنا ولا بمَن هم حوالينا، فالزمان غدر بنا وخوفنا من أن أرضنا قد كُتبت لغيرنا.
-   بالأمس، كنا ننعم بأجواء بيوتنا وقصورنا ومزارعنا وبساتيننا، ونلعب أطفالاً وشباباً في مساحة ساحاتنا، ونحصد كما نزرع حقولنا وتنوع حدائقنا بأنواع الورود ونقطفها في أوانها باقات جميلة ... واليوم، نفتش عن الهواء ونلفّ الكرفانات والمخيمات والمعسكرات، فقد يبست ساحاتنا وبساتيننا ولم تعطي ثمراً خوفاً من!! بل أصبحنا نفتش عن فلك نوح خوفاً من الآتي وخوفاً من الطوفان وما سيحلّ في المسكونة وفي بلادنا، وأصبحنا نجمع دموعنا ونقطفها آهاتٍ وحسرات.
-   بالأمس، كنا ننام وأبواب دورنا مفتوحة إحتراماً لضيوفنا، ولا حارس يحرسنا ولا كاميرات تصوّرنا ولا مَن يسأل مَن هو الآتي، لأن الآتي هو من أبناء وطننا وجيراننا ... واليوم، نتفنّن في كيفية تحصين أبواب دورنا ومنازلنا لنعلن حقيقة دارنا وربما خوفاً حتى من جارنا ومن أصدقائنا ومن القريب أو البعيد، كما بدأنا نغيّر حقيقة سكنانا لنبعد عنا التهديد والوعيد.
-   بالأمس، كنا نعمّر بيوتنا ونقيم منازلنا ونعلّي جدران دورنا إيماناً بمستقبل أجيالنا، وبعرقنا كنا نربح أيامنا كما كنا عاملين مليئين من الإخلاص وراضين بنعمة عيشنا ... واليوم، مع داعش الإرهاب فقدنا حتى بيوتنا والتي نُهبت وأُفرغت من أهلها ومن أثاثها بعد أن أُحرقت علامةً لقساوتهم ولإعلان حقيقة مسيرتهم وهدفهم، ولم يبقَ لنا شيءٌ يُذكَر إلا كُرهِنا لهذه الأعمال المشينة وغير الإنسانية وما أصحابها إلا أبرياء وضحايا لهذا الإرهاب، وبدأنا نتحرك ونتحرّى عن ما يحصل لنا من الإبادة المجتمعية. "لقد هلكنا" قالها التلاميذ للمسيح الحي (متى25:8) بعد أن دُمّر وطننا الصغير، منزلنا وبيتنا الأبوي وهيبته، ولا كلمة ناطقة إلا بياناً وبلاغاً.
-   بالأمس، كنا نهتم الواحد بالآخر ولم يكن لنا لجان ولا مذياع ولا تلفاز يتكلم ضدنا أو يهتم بشؤوننا لأننا كنا نعمل رسالتنا بحقيقة شؤوننا لنكون صادقين مع أهلنا ورجالنا وحكّامنا ورؤساءنا ... واليوم، المجالس وشؤونها واللجان وقوانينها والويل للقائمين عليها من فسادهم ومن أفكارهم ومصالحهم ومن إصداراتهم وحقيقة مسؤوليتهم خوفاً أن لا يكونوا إلا مناجاة عبر منابر ومايكروفونات وبيانات وعناوين تعلَن. وما أجمل الأقوال في هذه الأزمنة ولكنها بعيدة عن الأفعال، فما الفائدة!!.
-   بالأمس، كان الفرح يملأ صدورنا ونجعل من شوارعنا مشاعل وندعو أعزاءنا ونشارك أفراح غيرنا برقصة أو دبكة، جاعلين من الحياة بهجة وفرحاً وحياةً لجميع شرائح شعبنا. فالنسوة تهلهل، والأطفال يملأون ويعززون فرح صدورنا ويزيدون في علمهم، فتراهم مواظبين مجدّين لا تهمّهم الحياة إلا أن يكونوا أوفياء ومصباحاً للعلم والمعرفة، والشباب يقدمون خدماتهم لكبارنا ومسنّينا، والنسوة تعطي للغذاء من وقتهنّ ... واليوم، حسرات بسبب نتاج أمراضنا وعاهات في صدورنا وآلام في حقيقة أجسادنا، وأصبحنا لا نبالي بغيرنا ولكن فقط بأنفسنا وما ذلك إلا ضياع لقِيَمِنا وإنسانيتنا، وأطفالنا قد ضاعوا فلا نعلم ما علمهم وفي أي رياض يجتمعون ويعتبرون أنفسهم قادة لهم ومن المؤسف.
-   بالأمس، كان الإعتذار من كبير القوم بحق الصغار شعارَ إنسانيَّتِنا، والقرار بالخطأ سبيلاً لعيشنا واحترامنا لكبير أيامنا وعلامة لمحبة أجيالنا، فكلنا كنا أوفياء وأمناء بعضنا لبعض وتشهد على ذلك مسيرتنا في وظيفتنا وعملنا في دوائرنا واحترامنا لمسيرة حياتنا ... واليوم، أصبح فاسدينا قديسين، وكبار قومنا تحني لهم القامات وتخلع العقالات تكريماً لوجودهم بيننا، ولهم يجب الإكرام والتسبيح والمقاعد الأولى والترحيب بهم في بدء أعمالنا وإلا فنحن لسنا إلا من المبعَدين والمرذولين وغير الصادقين، ونسأل ما هذا ولا من مجيب.
-   بالأمس، كان عدد مؤمنينا يفوق المليون والنصف، وكانت معابدنا تمتلئ برجال الإيمان الحقيقي وببساطة الحياة والصلاة في الاحتفالات والعبادات، وبعدها يكون الإنسان قد ملأ قلبه سماءً فيكون كلامه حقيقة، وقد جعل من أرضه أرضاً مقدسة تُزهر بالحقيقة والحياة فيصبح المؤمن مفعماً بتعاليم المحبة والتسامح والغفران ولا ينظر إلى الجهات المظلمة والزوايا الخفية ... واليوم، أصبحنا نُحصى بعدد أيام سنتنا – إنْ كانت بسيطة أو كبيسة – كما أصبح الكذب حقيقة كلامنا مع غيرنا لنطرد عنا سمعةً ربما تخوننا، كما أصبحت مسيرتنا نفاقاً وشاهدة زور على حقيقةٍ أردناها غير ذلك، وجعلنا من ذلك الزيف عنواناً لوجودنا. ويبقى السؤال: لماذا البقاء؟ هل نحن خُلقنا من أجل الفناء، فنحن صورة الله بخلقه فقد قال في كتابه "وخلقنا الإنسان على صورتنا كمثالنا" (تك26:1) فأين الشهادة الأمينة والحقيقية.
-   بالأمس، لم نكن نعلم ما هي التقسيمات والتنظيمات، وماذا تعني المنظمات والإتحادات والحركات واليافطات، وما نوع الطائفيات والمصالح، فكل شيء كان على بساطة الحياة محبوباً وموقَّراً، مليئاً بالبساطة وحب التعايش وإنْ كان اللقاء بعيداً. كما كانت الطريق إلى أبوابها معلَنَة ومعروفة ... واليوم، لا أحد يعرف ما هو عدد مكوِّناتنا وتقسيماتنا وتنظيماتنا، والأقوى هو الأول، والأضعف هو الأخير، وكل هذا في زمن قال عنه المسيح الحي "إنه ستأتي أيام تشتهون فيها يوماً كأيام ابن الإنسان ولن ترون" (لو22:17). فعدد منظماتنا وحركاتنا وأقلياتنا وطوائفنا وقومياتنا تفوق فكرنا، واحترامنا لعددها ورسالتها نابعة من قلوبنا، ومهامها مسموعة وإنْ كانت غير مرئية لحاجات في نفوسها ومصالحها لا تُعَدّ ولا تُحصى ولكن نسمع بآياتها ولا نرى عطاءها من أجل خدمة الإنسان وخيره، وما علينا إلا الطاعة العمياء وإنْ كانت ضد حقيقة الحياة ونسأل: هل خُلقنا لطاعة رب السماء واليوم أبناء الأرض أصبحوا آلهتنا، فالكبار لهم ساندون ونحن الصغار من أجلها مطيعون... ليس إلا!.
ربما تفكرون وتقولون إن ذلك تشاؤم بامتياز ولكن ليس ذلك صحيحاً فالرب يسوع المسيح الحي قال "تعرفون الحق والحق يحرركم" (يو32:8)، إذاً قَولِي للحقيقة ليس تشاؤوماً ولكن الخوف لا زال هاجساً مخيفاً يعمل فينا ويأكل من مسيرتنا. فقد كان لنا تجربة قاسية مع داعش واجهناها برجاء المسيح وأمل القيامة، ولكن إذا بقينا على هذه الحال هل سنحصد ما زرعناه أم نحصد ما لم نبتغيه؟ وهل هو الزمن الذي تُعطى فيه لنا حقوقنا ونعيش مطمئنين آمنين في بلادنا؟ وهل نحن أمام تحديات جديدة ومن نوع جديد كما لحاضرنا ومستقبلنا إذا كان لنا ذلك؟، وأسأل: هل سنبقى نفتش عن الأرض التي تحضننا ونترك أرضنا والبقاء فيها، فشعبنا لا زال يرحل وقد مرّ بوعكة أودت به إلى ضياع المال والمجوهرات والأملاك والحاجيات فقصد جمعيات وافدة من أجل خير الدنيا وإعادة عمران منازلنا ومعابدنا وقرانا ومدننا وقصباتنا ونحن لهم شاكرون، وفي هذا كله ضاعت الحقيقة وضاع الوطن واكتمل المَثَل القائل "بطني عبادتي وإلهي دنياي"، والويل إذا كان الراعي في سبات عميق ورحيل الأيام حيث يأتي رب الدار في ساعة لا ندركها (متى44:24 ولوقا40:12)، ولكن علينا أن نعلم جيداً أننا لسنا أُجراء - وإنْ كانت مشاعر الإكتئاب والحزن والذين تتغلب على حياتهم ما يرون من ظلم أمام عيونهم ويشعروا كأنهم غرباء عن جيرانهم وهم عالمون أن نظرة المجتمع تغيرت تجاههم فقد كانوا أهل الدار والمنزل – فأمر القطيع يهمّنا وثوابتنا في حقيقة قيامة الرب "إنه حيّ، قد قام ليس هو ههنا" (لوقا6:24) وما ذلك إلا ثقتنا ورجاؤنا وأملنا، فمن أجله نحيا وبدونه لا حياة. فيا ليتنا كنا أمساً في يومنا... وسأبقى متفائلاً بنعمته، وسأبقى أردد "لتكن مشيئتك" (متى10:6) فتلك مسيرة إيماني وحقيقة رجائي ومخطط حياتي وإنْ كنتُ أخاف ألاّ تكون تلك مشيئة الإنسان الذي ألَّه نفسه ومصلحته ولكن لا وألف لا... إنها مشيئة الرب وتلك مبتغاي... نعم وآمين.