المحرر موضوع: يوم بكت بغديدي ....  (زيارة 171 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نمرود قاشا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 214
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
يوم بكت بغديدي ....
« في: 17:42 10/05/2022 »
يوم بكت بغديدي ....
بمناسبة قرب تطويب الكاهنين (بهنام ميخو ويوسف سكريا) اللذين استشهدا في 28 حزيران 1915
كتابة : نمرود قاشا
( القسم الاول )
1. نقطة ضوء
قليلةٌ هي الأيام التي تجد فيها المدينة كُلُّها تخرج إلى الفضاء وعن بكرة أبيها لتعبّر عن حالة ما فرحٌ أو حزن أو إحتجاج وربّما تمرّدٌ أيضاً. أقول، قليلة لا بل معدومة أيضاً لأنّه من الصعب جداً أن تجد حالةَ توحّد واحدة لهذا الهدف، مهما يكن.
ولكن بغديدا قد تختلف عن هذه الحسابات، إنّها مدينة (ربّما) تختلف عن مدن أُخرى ولهذا لم أجد غير عبارة: مدينة متمرّدة على حسابات المدن التي بحجمها، أفضل وصف لهذه الحالة، بغديدا... مدينة كالعنقاء تنهض من رمادها كلما أُحْرِقَتْ، فحريُّ بنا الآن أن نقف إجلالاً لهيبتها، لأنّها عاشت التاريخ وصارعته، ولكن الشيء الوحيد الذي إختلفت فيه عن شقيقاتٍ لها هي أنها تنسى كل مآسيها وجروحها وعصف الزمان بها بعد قُبلةٍ واحدة من قبلات فمها.
الحدث الذي أنا بصدده الآن وقع قبل ( 107 ) عاماً، وفي حينها لم يكتب أحد من أبنائها نصّاً يصف به "هذا الحدث" باستثناء الاثاري عبدالسلام سمعان في مجلة العائلة ، وقد يكون إعتقاداً منه بأن البكاء أفضل وصف له، لهذا لم تجد- اليوم- شخصاً يتذكر تفاصيل (المأساة) ليحدثك عنها، فالذي لا زال على قيد الحياة وهُمْ- قِلّة قليلة- قد نقلت إليه الحالة ليس إلاّ.
ومهما يكن من أَمر فالخديدي لن ينسى هذا الحدث لا بل يعيشه يومياً لأنّه حالة واحدة.
2. بغديدا في 1915
قرية صغيرة، تطوقها كنائس سبع كالسور، ولا يوجد أيّ بناء يتجاوز حدود السور هذا.. ناسها مسالمون، بسطاء لا يرضون إلاّ بقطعة خبز معفّرة بقطرات عرقهم، الزراعة هي مهنتهم الرئيسية لهذا كانت عيونهم دائماً مرفوعة نحو السماء، فبقدر القطرات التي تطلقها لهم يتحدّد نوع موسمهم..
الحرب العالمية الأُولى، هذا الحدث الذي كانت بغديدا-  تعيش تفاصيله يومياً، حيث كان جند "السفربرلك" يحبسون أنفاس أبنائها وكيف لا وهم أبناء "إمبراطورية الرجل المريض" فعليه تجدهم يستخدمون أبناء الدول التي يحتلونها وقوداً لغزواتهم وتحالفاتهم الطائشة.
مخفر الدرك، أو بيت الحكومة كما كان يسمّونه الأهالي هي السلطة الوحيدة التي تأمر وتنهي وعلى هذا الأساس "كان عريف هذا المخفر وأفراد الدرك يمارسون التعسّف والتعرض للناس شباباً وكهولاً بحجة أنّهم مدعوّون إلى الخدمة الأجبارية حتى أجبروهم على دفع الرشوة فيخلون سبيلهم"  ولم يرضوا بهذه الأعمال فقط وإنما كانوا "يطوقون الكنائس أثناء إقامة الشعائر الدينية وحفلات الأعياد فيلقون القبض على من شاءوا متحدّين بذلك حرمة بيت الله وقدسيته متحدّين كل زاوية وهم مدججون بالسلاح" .
هذا "العريف" إكتسب شهرة كبيرة وكان هو الآمر الناهي، لهذا تجد مَنْ كان يتعيّن في سلك "الدركية" يتمنّى ويتوسط أن ينقل إلى قره قوش، وهذا الموضوع صار مضرب مثل لأهل بغديدا وخارجها وهناك مقولة، قد يتذكّرها أهلنا تقول: "يا ليتني كنتُ عريفاً في قره قوش ولا وزيراً في إستنبول".
كهنة بغديدا في هذه الفترة كانوا: القس يوسف إسطيفو (1883_ 1935)، القس إسحق موشى (1879_ 1968)، القس بهنام خُزيمي (1882_ 1915)، القس يوسف دديزا (1865_ 1943)، القس يوسف سكريا (؟_ 1915)، القس بطرس زكو (1879_ 1917)، القس يوسف موساكي (1880_ 1939) القس منصور دديزا (1888_ 1962).
أما مختار قره قوش فكان سمعان زكو. ولا توجد أية مدرسة في تلك الفترة لأنه كان يعتمد على نظام الكتاتيب.
"دير وحيد للراهبات الكاترينيات الذي شُيِّدَ عام 1907 على أرض تبرّع بها متي إسحق قاشا وهو ملاصق للكنيسة" .
هكذا كانت بغديدا عام 1915 ولا زالت هذه الروحية في أبنائها اليوم رغم التطور الكبير الذي حصل فيها إنساناً وثقافة وحضارة.
3 . آتيةٌ هي الخيول.
صباح يوم 28 حزيران 1915، لا يختلف عن كُل صباحات بغديدا، الخديديون وكعادتهم خرجوا من بيوتهم وقبل ساعات من أن تعلن الشمس ولادتها، فنهاية  حزيران يعني أن "البيادر" لازالت بعد لم تنقل إلى البيوت لهذا كان في هذا المكان حركة دائبة فعمليات معالجة نتائج الحصاد قائمة على قدم وساق (دق، ذري، غربلة أو نقل المحصول وكذلك التبن إلى البيوت لغرض خزنه مونه لموسم آخر).. هذا الصباح كان إعتيادياً ولم يعرفوا ماذا يُخبّئُ القَدَر لهم؟
قافلة من الجندرمة العثمانية اخترقوا صمت المدينة في هذا الصباح، جند ترك (عثمانيون) دخلوا بغديدا قادمين من شرقها مثخّنين بالجراح (بعد إحدى معاركهم مع الإنكليز قرب قرية الجرن قضاء الشرقاط)  قاصدين الموصل، فاتخذوا من بغديدا محطة إستراحة مؤقتة لهم، قام الأهالي بتقديم الطعام والشراب لهم قبل أن يصلوا إلى كنيسة مار يوحنا حيث إتخذت محطة إستراحة لهم ولبغالهم، عندها أرسل قائدهم بطلب المختار، وما هي إلاّ لحظات وحضر سمعان زكو مختار بغديدا في تلك الفترة فقاموا (بأهانته لحجج واهيه)  وبعد أن أكلوا وشربوا هم وحيواناتهم غادروا كنيسة مار يوحنا متجهين إلى الموصل فتجمعوا في البيادر بعض الوقت، بأنتظار أن يكتمل عددهم ويبدو أن أحد الأسباب الأساسية التي دعتهم لأتخاذ هذه المواقف السلبية تجاه أبناء بغديدا في هذا اليوم هي (فقدان أحدهم وكان قد دخل بيتاً آمناً وأراد الأعتداء على حرمة ذلك البيت رغم تقديم العون والطعام له، ممّا إضطرت نساء ذلك البيت إلى قتله ولم يَبُحْنَ بذلك خشية إنتقام جماعته)  وقيل في حينها بأن هذا البيت يعود إلى عشيرة آل تمس.
في عصر هذا اليوم غادروا المدينة عن طريق الموصل القديم (طريق القبة) .
4 . 5. مساء يوم 28 حزيران 1915
عصر هذا اليوم، السبت 28/ حزيران والخديديون عصر يوم السبت يتركون أعمالهم مبكراً لأنّ هذا اليوم يسبق (الأحد) وهو يوم إستراحة لهم لكي يهيؤا أنفُسَهُمْ ليوم الأحد.. فقد غادر جنود السفر برلك بخديدا (ولله الحمد) رغم ما سبّبوه للأهالي من إزعاج وتوتّر فهذه أساليب المحتمل دائماً.
مثل ما غادر جنود الأحتلال بغديدا قاصدين الموصل عن طريق الموصل القديم الذي يمرّ بـ "تل الصوان" أو القبة ومن ثم قرية علي رش وهذا الطريق الذي كانت تسلكه القوافل من والى الموصل في تلك الفترة نظراً لقصره.
في الجهة الأُخرى وربّما بتوقيت مقارب كان قد غادر الموصل كل مِنْ القسين (بهنام ميخو خزيمي ويوسف سكريا) متجهين الى قره قوش سالكين نفس هذا الطريق بطلب من المطران بطرس هبرا وذلك (للتهيؤ لأستقبال عيد الشهيدين القديسين بطرس وبولس، إذ كانا قد سافرا قبل أيام بأمرٍ منه لتلقّي بركته وابداء بعض الخدمة في الموصل، قاد كُلّ منهم جواده المحمّلة ببعض المستلزمات الخاصة بهم وبعض الهدايا للفقراء وخاصة الأطفال ليزرعا فعل المحبة والفرح في نفوسهم) .
وفي الجانب الآخر كانت فرقة (الجندرمة) المنسحبة من قره قوش وهي مثخنة بالجراح التي أُصيبَتْ بها في معركة سابقة تلاحقهم لعنة الخُديديين وقد أُستُبيحَتْ كنائسهم ومقدساتهم وأهينَتْ رموزهم الدينية والدنيونية بعد أن ملؤا كروشهم من عرق (هولاء البسطاء المسالمين).
هاتان الكفتان إلتقيتا جنوب تل الصوان الأثري أو ما نسميه (بالقبة) بمسافة 300م، فرقة جندرمة مسلحة مقابل كاهنين أعزلين، عندما أمر رئيس فرقة الجندرمة إيقاف الكاهنين "تجنب القس بهنام عن القس يوسف، عندما أمر رئيس الجندرمة القس يوسف بتقديم شربة الماء التي كان يحملها، فقدمها إليه بكل وقار ولكن رئيس الجندرمة سألهما غاضباً: من أين أَنتما؟!
أجاب القس يوسف: نحن رجال دين مسيحيين من بغديدا.
قال رئيس الجندرمة: أَنتُمْ كُفّار، ولأنّ أهلكم لم يقدموا لنا الطعام لذا حجزنا مختاركم.
أجابه القس يوسف: ليسامحكم الله، نحن لسنا كفار، بل نعبد الله بأسم المسيح مخلصنا، وإن أهلنا فقراءٌ مستورين.
فتجاسر أحد الجنود عليه ولطمه قائلاً: وكيف لك أن تُجيب هكذا؟؟
أجاب القس بهنام: نحن لم نفعل شيئاً، ماذا تُريدون مِنّا؟
فضرب رئيس الجندرمة شربه الماء على صدر القس يوسف وأمر بقتلهما.." .
. . . . . . . .
المصادر :
1 . قره قوش في كفة التاريخ – عبدالمسيح بهنام المدرس .
2 . مجلة العائلة العدد 24 لسنة 2002 – عبدالسلام الخديدي .
3 . تاريخ ابرشية الموصل للسريان الكاثوليك – سهيل قاشا 1980
4 . لقاء مع حبيب سمعان زكو ( 2006 ) .
5 . لقاء مع موسى سكريا ( 2006 ) .
6 . الحوار بين الكهنة والجنود الترك نقله طانيوس باهينا ، نقله عنه ولده بهنام كان قريبا من موقع الحادثة مع اخرين : رفو كلكوان ، كرومي اينا ، حنانا عبادة وقد نقلوا الحادث الى اولادهم .