المحرر موضوع: السفراء الأميركيون في العراق.. المهمة الشاقة  (زيارة 181 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Janan Kawaja

  • اداري
  • عضو مميز متقدم
  • ***
  • مشاركة: 28007
    • مشاهدة الملف الشخصي
السفراء الأميركيون في العراق.. المهمة الشاقة
لا بد للسفيرة الأميركية الجديدة أن تحمل بيديها مشعلين الأول موجه للسياسيين الذين يديرون البلاد والثاني إلى شعب العراق الذي سيعيد ثورته مجددا إذا ما أفشلت طهران المسيرة التصحيحية الجديدة.
العرب

أي دور للدبلوماسية الأميركية على الساحة السياسية العراقية؟
ليست وظيفة السفير لأي دولة صغيرة أو كبيرة عظمى أم صغرى في مواسم الحروب أو السلام، صناعة المواقف، لا مواقف شخصية أو مزاجية للسفير المعتمد من دولة ما في دولة أخرى، بل شغله دائما تحويل المواقف إلى سياسات وعلاقات عامة، تبعا للمهارات الفردية لهذا السفير أو ذاك، العامل الأكبر المُحرّك فيها ثقل الدولة في البلد المستضيف، أو وزنها العسكري والسياسي لما تسمى الدول الكبرى أو المتوسطة أو الصغرى.

حين نضع هذه “المسطرة الدبلوماسية” إن صح التعبير في العنوان المقصود من هذه السطور على سفراء الولايات المتحدة في العراق منذ احتلاله عسكريا ثم تعيين الحاكم المدني بول بريمر خلفا للحاكم العسكري في الشهور الأولى من الاحتلال جاي غارنر حتى اليوم، نلاحظ دون الدخول في السير الذاتية لأبرز الشخصيات الأميركية التي نفذت سياسة واشنطن خلال الاحتلال وبعده. هناك سفراء ذوو ثقل سياسي داخل الخارجية الأميركية وفي بعض الأحيان في مواقع استشارية عليا في رئاسات الأمن القومي والاستخباري.

رغم أن سنوات 2003 – 2011 هي سنوات احتلال عسكري مباشر، لكن بعد مغادرة بريمر لبغداد والاستعدادات للانتخابات، بعد صناعة دستور مستعجل برعاية من المرجعية الشيعية بالنجف عام 2005، تحولت غالبية بنوده إلى ألغام، أصبح من اللائق وفق المرجعيات الأميركية في البيت الأبيض والخارجية تعيين سفراء ببغداد يتعاطون في شؤون الحكم في اختيار رؤساء الوزارة والجمهورية ويمنحونهم صك المرور بعد المشاورات مع طهران.

كانت الإدارات الأميركية تحلم بالعراق تاج هيمنتها وقوتها الأولى في الشرق الأوسط والعالم. درجة اهتمام البيت الأبيض والخارجية الأميركية بالعراق تعطي المؤشرات السياسية على اختيار هذا السفير أو ذاك للعمل في بغداد في مقر بني لأكبر سفارة أميركية في العالم، هذا يعني مكانة العراق المحسوبة خلال التحضير للاحتلال وما بعده.

كان طبيعيا إنهاء مهام عمل السفير تولير في بغداد من قبل بايدن، كونه من أتباع الرئيس ترامب ومشجعا قويا لسياسات محاصرة نفوذ طهران في العراق

قبل وصول بريمر إلى العراق كانت أمور البلد موكلة إلى مكتب “إعادة إعمار العراق” برئاسة الجنرال المتقاعد جاي غارنر. وكانت وظيفة هذه المؤسسة الإشراف على إصلاح وتشغيل البنى والمؤسسات والمرافق العراقية، خاصة تلك التي تعرضت للأضرار، مثل حقول النفط والمستشفيات والطرق وشبكات الاتصال، ومواجهة احتمالات النزوح الجماعي وما تتطلبه من إغاثة وإيواء.

استلم بريمر مهامه في بغداد يوم الثاني عشر من مايو 2003 مستعجلا قراراته التي أشاعت الفوضى وسيادة الميليشيات الناشئة حين قرر حل الجيش العراقي وسط ترحيب الزعامات الشيعية والكردية ثم قراره الآخر اجتثاث البعث.

بريمر يملي قراراته على من اختارهم بنفسه كمستشارين له من الزعامات السياسية وفق قسمة المكونات، عليهم تنفيذها صاغرين. وبعد تشكيل أول حكومة للاحتلال برئاسة إياد علاوي عام 2004، كان إلى جانب كل وزير مستشار مدني أميركي يعود إليه الوزير العراقي التنفيذي الذي لم يصدّق نفسه أنه أصبح وزيرا بعد سنين من التيه في بلدان اللجوء أو البلد الأم صاحب الولاية العقائدية “الشيعية” طهران.

كانت مجموعة اليمين المتشدد عام 2004 في أعلى مستويات تحكمها بالبيت الأبيض في ظل إدارة جورج بوش الابن الذي حلم ونفذ حلمه في القضاء على “يأجوج وماجوج” في العراق. يبدو أن الرئيس بوش أراد الاستمرار في إهانة الشعب العراقي وإذلاله في تعيينه أول سفير له (جون نيغروبونتي ديميتري) الذي أثار ضجة داخل الأروقة الأميركية في تاريخه الأسود في البلد اللاتيني الهندوراس في دعمه اللوجستي لقوات التمرد ضد الحركات الوطنية هناك، وسمعته السيئة في فيتنام والفلبين. كانت من أولى متطلبات السيادة الغائبة رفض حكومة علاوي لتعيين هذ السفير سيء السمعة.

لا نعرف بالضبط الأسباب التي منعت تولي ممثل الرئيس بوش إلى المعارضة العراقية 2002 – 2003 زلماي خليل زاد شؤون الحاكم المدني في العراق وليس بريمر البعيد عن الملف العراقي، يبدو أن أصول زلماي الأفغانية واهتمام واشنطن بذلك البلد السياسية والاجتماعية واحدة من الأسباب التي دفعت البيت الأبيض لتأجيل ذهابه إلى العراق إلى عام 2005، بعد انتهاء مهام أول سفير (جون نيغروبونتي)، ليؤسس السفير زلماي مرتكزات أول حكم تنفيذي، ودوره الذي كشفه في مذكراته في كيفية اختياره نوري المالكي رئيسا لوزراء العراق عام 2006 بديلا عن المطرود من مرجعية النجف الشيعية إبراهيم الجعفري.

لم تعترض إدارتا بوش الابن وأوباما على خطوات التحكم الإيراني في شؤون العراق بعد تشكيل حكومة المالكي عام 2006 بغطاء طائفي متشدّد، لهذا انخفضت مستويات اختيار سفير أميركي في العراق إلى الشخصيات الدبلوماسية المهنية التقليدية بعد انتهاء مهام زلماي زاد (رايان كروكر كلارك، روبرت ستيفن بيكروفت، جيمس جيفري، ستيوارت إي جونز).

حمل اختيار الرئيس دونالد ترامب عام 2019 لواحد من بين أقوى 30 شخصية في حملته الانتخابية هو ماثيو تولير الدلالات السياسية المهمة في العراق والمنطقة. كان تولير من أكثر المنتقدين للسياسات الإيرانية في المنطقة؛ لعب دورا متميزا في كشف وتعرية المشروع الإيراني في العراق. بعبارات صريحة، دعم وجود دولة عراقية مستقلة، وأصبحت لديه بوقت قصير شبكة علاقات واسعة في بغداد. كان مؤثرا في الأوساط السياسية العراقية، وامتلاكه للغة العربية كانت ميزة إيجابية مضافة. كان اختياره ملائما لمرحلة تصعيد الرئيس ترامب للعقوبات وعزل إيران والضغط على بغداد للالتزام بالعقوبات الأميركية وتحجيم دور الميليشيات الولائية.

صعّدت طهران عبر وكلائها الحملة الداعية إلى طرد الوجود العسكري الأميركي بعد طرد الأميركان والعراقيين لداعش عام 2017، انتهاء بتكثيف الهجمات على مقر السفارة الأميركية بقذائف الكاتيوشا وطائرات الدرون، مما اضطر السفير إلى إجلاء نصف موظفي البعثة من بغداد حسب تصريحاته الإعلامية.

قبل إدراج طهران للسفير الأميركي تولير على قائمة العقوبات مع قائمة أهم الدبلوماسيين العاملين بالسفارة الأميركية في العراق سبق لواشنطن أن اتهمت السفير الإيراني في العراق أريج مسجدي بـ”الإشراف على برنامج تدريب ودعم للجماعات العراقية المسلحة وتوجيه أو دعم الجماعات المسؤولة عن الهجمات التي قتلت وجرحت القوات الأميركية وقوات التحالف في العراق”.

تلك المضايقات الأمنية والسياسية لم تمنع السياسيين الشيعة من الاصطفاف على قائمة انتظار مقابلاتهم للسفير أو أصغر موظف أميركي في السفارة حسب موقع هذا السياسي ووزنه. السفير تولير واصل حملته في كشف الأهداف التخريبية  للمشروع الإيراني في العراق وتقديمه عبر الوسائل الإعلامية في الفضائية المحلية والدولية ومواقع التواصل الاجتماعي مقارنات سياسية ودبلوماسية ما بين المشروعين الإيراني والأميركي رغم التغييرات الجوهرية في سياسات الرئيس الجديد جو بايدن المهادنة لطهران مما مهّد لإنهاء مهمات السفير “الحربي” حسب وصف الأوساط السياسية ببغداد.

لا تكفي الخبرة الدبلوماسية والسياسية والأمنية الأربعينية وحدها لنجاح مهمة ألينا ودورها في تطورات الحالة السياسية العراقية المعقدة

تزامن هذا التغيير الذي حصل قبل شهر مع إنهاء عمل جنرال الحرس الثوري الإيراني السفير أريج مسجدي في بغداد، وتعيين سفير إيراني جديد كذلك تعيين البيت الأبيض السفيرة الأميركية المخضرمة ألينا رومانسكي سفيرة جديدة في العراق، بما شجع أصحاب الخيال الواسع من المحللين العراقيين لرسم سيناريوهات سياسية للوضع العراقي، من بينها أن “واشنطن لديها مخطط للتغيير السياسي في بغداد، أو أن التغييرات الدبلوماسية تتزامن مع اقتراب الاتفاق النووي الإيراني مع واشنطن وانعكاساته على بغداد”.

كان طبيعيا إنهاء مهام عمل السفير تولير في بغداد من قبل الرئيس بايدن، كونه من أتباع الرئيس ترامب ومشجعا قويا لسياسات محاصرة نفوذ طهران في العراق، هذا التوجه يتعارض مع سياسات بايدن اللينة تجاه النظام الإيراني.

فتشتُ في قوائم سفراء الولايات المتحدة في العراق منذ عام 1931 إلى حد 2022 لم أجد أكثر من امرأتين تولّتا هذه المهمة خلال تسعين عاما، الأولى أبريل غلاسبي صاحبة الأسطورة الإعلامية اللغز في مقابلتها الشهيرة للرئيس العراقي صدام حسين في الخامس والعشرين من يوليو 1990 قبل أسبوع من اجتياحه العسكري للكويت في الثاني من أغسطس وما نسج حولها من تأويلات استدراج واشنطن لصدام لمغامرته غير محسوبة النتائج.

المرأة السفيرة الثانية هي ألينا رومانيسكي الدبلوماسية المخضرمة التي باشرت عملها في سفارة الولايات المتحدة ببغداد منقولة من الكويت قبل أيام.

تحمل ألينا ملفا عامرا بالخبرات الأمنية والاستخبارية والاستراتيجية والدبلوماسية لمدة أربعين عاما، وهي بهذه المواصفات لا تقل ثقلا عن سلفها تولير، لكن من زاوية أخرى قد تعزز بصورة أولية سياسة رئيسها المهادنة مع إيران، لهذا وجدنا إيجازاتها الصحافية تتسم بالعموميات سواء خلال ترشيحها في الكونغرس الأميركي أو قبيل وصولها إلى بغداد.

لكن الواقع السياسي العراقي سيصدمها حين تدخل في المفردات اليومية في ما تفتعله الميليشيات الولائية من حملات بعضها ذات طابع عسكري تخريبي والبعض الآخر سياسي إعلامي تعبوي، تبعا لتطور الحالة في مباحثات فيينا على افتراض بعيد إذا ما كانت سلبية ستحل اللحظة التي تضطر السفيرة بتوصيات من مركزها في الخارجية إلى التعبير عن مواقف الخلاف أو الصراع مع نفوذ طهران المعرقل لقيام سيادة عراقية وفق بياناتها الأولية.

هنا لا تكفي الخبرة الدبلوماسية والسياسية والأمنية الأربعينية وحدها لنجاح مهمة ألينا ودورها في تطورات الحالة السياسية العراقية المعقدة، هل ستتحقق بعض الانفراجات للعملية السياسية إذا ما تمكن مقتدى الصدر وحلفاؤه من النجاح في مشروعهم في الأغلبية الوطنية، أم سيدخل هذا البلد في نفق جديد مظلم بعد أربعينية الصدر. هنا لا بد للسفيرة الأميركية الجديدة أن تحمل بيديها مشعلين، الأول موجه للسياسيين الذين يديرون البلاد، والثاني إلى شعب العراق المظلوم والذي سيعيد ثورته مجددا إذا ما أفشلت طهران المسيرة التصحيحية الجديدة.