المحرر موضوع: كوميديا المشهد السياسي العراقي  (زيارة 199 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Janan Kawaja

  • اداري
  • عضو مميز متقدم
  • ***
  • مشاركة: 28007
    • مشاهدة الملف الشخصي
كوميديا المشهد السياسي العراقي
كل هذا الصراخ في الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي والصحف حول الانسداد والركود السياسي الذي يخيم على المشهد العراقي بالإمكان تلخيصه في سؤال: هل كان الوضع السياسي في العراق مختلفا قبل هذا.
العرب

كوميديا هابطة في حاجة إلى إسدال الستار عليها
لا يبعث المشهد السياسي العراقي على الركود والانسداد السياسي كما تصور التحليلات والمقالات والحوارات التلفزيونية، إنما يبعث على ما يمكن وصفه بكوميديا هزيلة تثير الاشمئزاز بكل تلويناته وشخصياته ومحلليه وأطرافه وأحزابه وقواه السياسية.

أول المشاهد الهزلية جهود حثيثة أنفقها عدد من المثقفين وأصحاب الأقلام، الذين يسوقون أنفسهم على أنهم ليبراليون وديمقراطيون، بإعادة البريق للعملية السياسية بعد انتخابات العاشر من أكتوبر العام الماضي، والتي قاطعها أكثر من 82 في المئة من العراقيين، حيث انصبت جهودهم بالتقريع وإلقاء اللوم على مقاطعي الانتخابات، والقول إن التغيير الجذري كان ممكنا لو حصل، ما يسمى بالمستقلين، على عدد كبير من المقاعد، متناسين مثل النعامة التي تدفن رأسها بالرمال أن صناديق الانتخابات لم ولن تحسم يوما مسألة السلطة في الشرق الأوسط، في ظل أنظمة سياسية استبدادية تابعة لقوى إمبريالية، فما بالك في عراق الميليشيات، حيث الانتخابات ليست أكثر من مسرحية سمجة يرفع ستارها كل فترة زمنية، لصياغة جديدة للعملية السياسية تتلاءم مع المتغيرات الإقليمية والدولية أكثر مما تتلاءم مع المتغيرات المحلية.

أولئك الفطاحل من الليبراليين، وبسبب منهجهم الفكري الذي لا يتيح لهم رؤية ما هو أبعد من وقع أقدامهم، لا يرون أن التغيير ممكن خارج العملية السياسية، بينما كل الأزمات السياسية التي لازمت المشهد السياسي منذ غزو واحتلال العراق هي العملية السياسية نفسها.

ثاني المشاهد، التي هي بحق كوميدية، هي المبادرات التي تعلنها أطراف البيت الشيعي بين الفينة والأخرى، والتي ليست أكثر من عملية لكسب الوقت وطمس ماهية الصراع على المكاسب والحصص. ومهلة الأربعين يوما، التي أطلقها مقتدى الصدر، كانت ومازالت  تعبر عن انسداد أفق تشكيل السلطة والتفرد بها تحت عنوان حكومة الأغلبية. وكانت المهلة المذكورة فرصة لإعادة التفكير وعقد المفاوضات خلف الكواليس وفسح المجال لتدخل القوى الإقليمية والدولية التي تمسك بالمعادلة السياسية العراقية، لعلها تجد مخرجا لحل أزمة السلطة. ويدرك الصدر جيدا أنه رغم تشكيل كتلة “إنقاذ الوطن” من 176 مقعدا لم يستطع تشكيل الحكومة، فهل يعقل أن الإطار التنسيقي الذي سخر كل الأموال التي وظفها لشراء ذمم ما يسمى بالمستقلين للانضمام إليه كي يعوض عدد المقاعد التي خسرها في الانتخابات، بإمكانه تشكيل حكومة؟

أما الإطار التنسيقي فلم تكن مبادرته، التي أعلنها في أول أيام عيد الفطر، تختلف عن المبادرات السابقة، والتي دقت طبوله الإعلامية لنقاطه التسع؛ قانون انتخابات جديد ومفوضية جديدة وسن قانون النفط والغاز لتنظيم العلاقة بين بغداد وأربيل وإدراج قوات البشمركة في القوات المسلحة.. سوى أدوات تبرزها كل كتلة عندما تشتد الأزمة السياسية.

فشل جميع المبادرات السياسية وفشل تشكيل حكومة وفشل الانتخابات هو تعبير عن احتدام الصراع بين مشروعين وعدم قدرة أي منهما في إزاحة الآخر

المبادرة لم تكن أكثر من جعجعة إعلامية لذر الرماد في العيون وحجب الحقيقة التي تختفي وراءها، وهي إنقاذ حصة المكون الأكبر الشيعي بشكل عملي وسياسي، أو كما في تسميته الجديدة المكون الأكبر المجتمعي بعد إنقاذها قانونيا بفضل المحكمة الاتحادية التي أفتت بحضور ثلثي أعضاء البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية.

أما المبادرة الأخيرة للصدر والتي هي الأكثر هزلية من بقية المبادرات السابقة الفاشلة، هي تكليف المستقلين بتشكيل الحكومة شرط عدم مشاركة الإطار التنسيقي فيها. وهذه محاولة فاشلة أخرى لإغراء من تم شراؤهم مما سموه بالمستقلين وإعادتهم إلى الركب المؤمن، أو قطع الطريق أمام الإطار التنسيقي بمواصلة شراء من تبقى منهم. كتحصيل حاصل تدرج هذه العملية في خانة كوميديا المبادرات.

والمشهد الهزلي الآخر هو الزيارة التي قام بها محمد الحلبوسي رئيس البرلمان إلى إيران قبل أيام، لحل عقدة الأزمة السياسية.

هذا الحلبوسي الذي ظل مع الصدر والكاظمي يعزف لحن نشيد موطني وسيادة العراق واستقلاليته وقراراته السيادية وعدم جواز التدخل بالشأن السياسي العراقي، يشد الرحال للتوسل إلى ملالي إيران للضغط على البيت الشيعي المتهاوي كي يتنازل عن بعض مكاسب ونفوذ السلطة للصدر وكتلته، التي تحاول أن تغرد في المحيط العربي والأميركي. والحلبوسي لم يقم بزيارته تلك دون موافقة أطراف التحالف الثلاثي، الصدر – بارزاني – الحلبوسي والخنجر.

الوضع الذي يمر به العراق هو وضع انتقالي، وفشل جميع المبادرات السياسية وفشل تشكيل حكومة وفشل الانتخابات هو تعبير عن احتدام الصراع بين مشروعين وعدم قدرة أي منهما في إزاحة الآخر. وهما مشروع إلحاق العراق بمعسكر إيران الذي يسمي نفسه بالمقاومة والممانعة؛ وجدير بالذكر أن قصف المنطقة الخضراء، بالتزامن تقريبا مع قصف محيط مدينة أربيل، بقدر ما هو رسالة إلى الكاظمي لإيقاف هجوم الجيش العراقي بطلب من تركيا لطرد حزب العمال الكردستاني التركي من مدينة سنجار والمحتمي بميليشيات الحشد الشعبي، بقدر ما هو تحريك للمياه الراكدة في المشهد السياسي.

أما المشروع الثاني فهو مشروع الكاظمي، الذي كاد يدفع حياته ثمنا له، مثلما دفع رفيق الحريري، ويقف خلفه التحالف الثلاثي المذكور، وإعادة العراق إلى حاضنة “الأمة العربية”.

وأخيرا، كل هذا الصراخ والعويل في الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي والصحف حول الانسداد السياسي والركود السياسي الذي يخيم على المشهد السياسي العراقي، بالإمكان تلخيصه في سؤال: هل كان الوضع السياسي في العراق مختلفا قبل هذا الركود والانسداد ومنذ تشكيل مجلس الحكم بقيادة بول بريمر الرئيس المدني للاحتلال عام 2003 وحتى انتخابات أكتوبر 2021؟

الجواب لا يحتاج إلى أي عناء، فالمرء يصل بسهولة إلى استنتاج أن ما يحدث في المشهد السياسي هو كوميديا هابطة بالمعنى المطلق وفي حاجة إلى إسدال الستار عليها.