المحرر موضوع: العراق.. السيادة الضائعة بين أروقة السفارات  (زيارة 143 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Janan Kawaja

  • اداري
  • عضو مميز متقدم
  • ***
  • مشاركة: 28007
    • مشاهدة الملف الشخصي
العراق.. السيادة الضائعة بين أروقة السفارات
هل أدرك ساسة العراق الذين يتوافدون على أبواب السفارة الأميركية في بغداد لتقديم التهاني لكل سفير جديد أن القدّيسة الجديدة التي سيتلقّون الأوامر منها ما هي إلا عنوان جديد للتطبيع والتجويع؟
العرب

سيادة ضائعة
توزعت الأرزاق على النحو التالي: للولايات المتحدة حق النقض، ولإسرائيل حق الانقضاض، وللعرب المسلمين حق الأنقاض، كما يصفها الشاعر العراقي أحمد مطر.

لم يحصل العراق وشعبه سوى على الأنقاض، وعلى جثث أبنائه التي مُدّت فوقها أنابيب النفط، لتوفر الدفء لمن كانوا السبب في خرابه وتدميره.

مشاهد الأنقاض، وصور الاحتلال القاتمة، والفساد، وتدمير بلد وحضارة وإبادة شعب، منتشرة حولنا، وهم لا زالوا يتحدثون عن السيادة. فأي وقاحة واستخفاف بالعقول حين يصفون هذه السيادة، وهم الذين يحجّون إلى مقر السفارة الأميركية لتقديم فروض الطاعة والولاء، وتلقي النصيحة من أصغر موظف يعمل في مقرها.

منذ أول سفير حطّت قدماه على أرض العراق، وهو جون نيغروبونتي عام 2003، ومن بعده محاولات السفير زلماي خليل زادة وضع وصايته أو بصماته في الدستور العراقي، الذي كُتب عام 2005، مع ما تضمنه من ألغام وضعت في طريق النظام السياسي العراقي، وما رافقه من فوضى وتناحر واختلاف على بنوده، ما زالت منظومة العراق السياسية تُعاني من تبعاته، ولم تنته حتى كتابة هذه السطور.

تاريخ حافل بالمؤامرات والخديعة منذ أيام السفيرة أبريل غلاسبي التي أقنعت الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، حينها، أن مشاكله مع جارته الكويت هي شأن داخلي لا تتدخل فيه الولايات المتحدة. حينها اعتقد رئيس النظام أن كلام السفيرة الأميركية ضوء أخضر لغزو الكويت، وجعلها المحافظة العراقية رقم 19. فكانت بداية الكارثة والانهيار وحصار الشعب العراقي، ومنع الغذاء والدواء عنه، وسلب سيادته وجعله رهينة لإرادات دولية ومصالح إقليمية وقرارات أُممية انتهكت حتى قراره السياسي والسيادي، من خلال بعثات تفتيش الأمم المتحدة التي كانت تدخل قصور صدام للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة، وصلت حتى إلى غُرف نومه. وبالرغم من كل ذلك كانوا يتحدثون عن السيادة.

قرار مجلس الشيوخ الأميركي في مارس الماضي تعيين السفيرة فوق العادة لبلادها في العراق ألينا رومانوسكي يحمل الكثير من المعاني والرسائل التي تنوي الإدارة الأميركية إيصالها من خلال هذه الموظفة التي عملت ضمن وكالة المخابرات الأميركية (CIA) والسفيرة السابقة لدى دولة الكويت.

السيادة العراقية ضاع عنوانها بين السفارات منذ عام 1991، وأُهدر دمها منذ ذلك الوقت في أروقة سفارات الولايات المتحدة وتركيا وإيران ودول عربية وغيرها، لتصبح أشتاتاً ممزقة أو أطلالا يتغنى بها البعض

المتعارف عليه في كل الأعراف الدبلوماسية والبروتوكولات والمواقف الدولية والمعاهدات وسياقات احترام إرادات الشعوب أن صلاحية السفير تقتصر في إدارة شؤون بلاده ومواطنيه في رحاب الدولة المضيفة، وألا تتجاوز هذه الصلاحيات جدران السفارة أو الشارع الذي يجاور مبنى السفارة. لكن يبدو أن مفهوم السيادة مختلف لدى بعض ساسة العراق ممن سمحوا أن تتجاوز صلاحية السفير الحدود وصولا إلى أدق التفاصيل في النظام السياسي ومحاولات فرض الرأي والإرادة في مُجريات وقرارات الدولة المضيفة، والتدخل في الشأن الداخلي بسلوك دبلوماسي مشبوه يُعيد إلى الأذهان تصرفات المندوب السامي الذي كان يتحكم في الشأن العراقي أثناء الانتداب البريطاني للعراق.

السفيرة الأميركية الجديدة تحاول ضمن استراتيجياتها المستقبلية لهذا البلد التوصل إلى مزيد من التعاون الثقافي والاقتصادي، قد يصل إلى حد اعتماد العراق على الواردات والمحاصيل الأميركية في محاولة لخلق تبعيات متنوعة تقود إلى مساحات أوسع من التحكم بالقرار السيادي.

إنها لعبة القط والفأر التي دأبت عليها الإدارة الأميركية من خلال تعيين سفراء أو موظفين أو عملاء للمخابرات الأميركية، واحتلال دبلوماسي مبطن أو بإدارة مندوب سام جديد يقود هذا البلد من خلال إدارة مستترة بالخفاء، يخرج صداها من وراء جدران السفارة بقرارات وتوصيات الحاكم المدني لبلد محتل، وليس ببعيد ذلك المشهد الذي كان فيه الحاكم المدني بول بريمر، وهو الرئيس الفعلي للعراق، متربعاً على أحد العروش في القصر الجمهوري الذي دخله في الثاني عشر من مايو عام 2003، وأمامه مجموعة (عراقية) سُميّت حينها مجلس الحكم في أكذوبة أو مفارقة مضحكة، يحكم كل منهم العراق لمدة شهر واحد كرئيس للعراق. لكن الحقيقة أن بريمر كان هو الرئيس والحاكم بأمر العراق.

قرار مجلس الشيوخ تعيين السفيرة ألينا لا يدع مجالاً للشك أن محاولات فرض التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومحاولات التهيئة لإيجاد أرضية صالحة لهذا التطبيع، قد بدأت معالمها تتضح. فهل أدرك الساسة الذين يتوافدون على أبواب السفارة الأميركية لتقديم التبريكات والتهاني لكل سفير جديد، أن القديسة الجديدة التي سيتلقّون الأوامر منها ما هي إلا عنوان جديد للتطبيع والتجويع؟

وبعد كل الذي حصل، ويحصل، هل هناك من يقول إنها نظرية مؤامرة؟

السيادة العراقية ضاع عنوانها بين السفارات منذ عام 1991، وأُهدر دمها منذ ذلك الوقت في أروقة سفارات الولايات المتحدة وتركيا وإيران ودول عربية وغيرها، لتصبح أشتاتاً ممزقة أو أطلالا يتغنى بها البعض. وفي حقيقة الأمر أنها إقطاعية تتقاسمها سفارات دول ومصالح حكومات على أرض العراق. وإذا كان غير ذلك فاسألوا بول بريمر كيف سعى لخراب العراق، وما هو دور شريكه زلماي خليل زادة في كتابة دستور بائس لا زالت آثار بصماته في الحياة السياسية..

اسألوهم ثم أجيبوا عن السؤال إن كانت نظرية مؤامرة أم لا؟