المحرر موضوع: مظفر النواب وانقلابه على القصيدة العامية (الحلقة الثانية)  (زيارة 93 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نبيل عبد الأمير الربيعي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 235
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
مظفر النواب وانقلابه على القصيدة العامية (الحلقة الثانية)
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
    ولهذا تتحطم مشروعات الثوار في قصائد مظفر النواب رغم عظمتها لأنهم يفصلون الحس الشعري عن الدهاء السياسي لمشروعات رجال الدولة، بمختلف ألوانهم رغم أنها ذات طبيعة أرضية ماكرة، يتضح ذلك من الفارق الشاسع في الأوصاف السيئة:
أمد صبري اعله صبرچ
وأحفر سراديب..
لو صرتي..
زبل من زود المزبلين.
لو داروا عليچ سياف طينتهم
                يا حلوه سنين
    لقد فتح مظفر عينيه على الحياة وأرضه ترزح مُذّلة تحت أكوام تاريخية من أزبال الطغاة (المزبلين)، ومختنقة الأنفاس بفعل (سيان) الاضطهاد والحرمان والموت والخراب. لكن مظفر في الواقع يعذب ذاته في تأكيد ولاءه لحبيبته الأرض، وهي تصبح نفاية من نفايات المتسلطين، ويغرقها سيان الغادرين المستذئبين.
    ووسط الأزبال التي كتمت أنفاس الحبيب يقف مظفر فوق اطروحات الرؤية والرؤيا على حدٍ سواء، في تعبير بسيط:
أگولن گاعي وأعرفها
أگولن گاعي
يتنفس بريتي ترابها...
   وجها... وبصلها... والشمس... والطين.
باعوني عليها
    وخضرّت عيني بدمعها
                     وماني بايعها
    من خلال قصائده اثبت مظفر أن اللغة مطيِّة اللاشعور الخلاق، يتلاعب بها كيف يشاء، وخصوصاً في مجال الوحدة العضوية الصوتية واللغوية. فأبتكر مظفر طرقاً كثيرة خلاّقة للحفاظ على وحدة هذه القصيدة، منها أنه يتنقل من بيت إلى آخر محتفظاً بالمفردة المركزية التي تتحرك في أدوارها من مفردة قافية إلى مفردة استهلالية للبيت:
وحگ الشطر الأحمر
     والليالي الغبرة
     يگويعة
     أموتن وانتي حدر العين
                   تتونسين.
    القصيدة تدور حول العين التي سيخفي فيها مظفر عين الوجود، المحاط بالتهديدات الموغلة في الأذى، تحت طياتها العظيمة المؤذية قاسماً بالشطر الأحمر، فالنواب هو أول من أعاد للقصيدة روحها الأمومية/ الأنثوية، روح الخصب والنماء والرحم الفردوسي الكريم، فضلاً عن الاستهلال الذكوري في القوة والجسارة مثل مفردة (أواكح) أو وكاحة:
نُبگ حجام
    والحاجب نسر فارس جناحينه
                  بوكاحة يطير
    فالنواب باسلوبيته الجديدة متيقظ ومتحفز في ذروة نشوة الخلق، لا تغيب هذه النشوة لدى الشاعر:
أواكح
چني إيد تفوچ
       مگطوعة أصابعها.
    ويكرر النواب في قصائده المفردة نفسها في أكثر من بيت، من دون أن يشعر المتلقي بحالة التكرار:
عين الماتشوف احبابها الطيبين
                 ماهي عين
                  ولا هي تشوف
                 ولا هي بعمه
                      ولا هي تنام
    كما أن النواب هو أول شاعر ادخل الرسم العددي في القصيدة، في ريادة اسلوبية مضافة، وذلك في قصيدة (جد أزيرج) يقول فيها:
صريفتنه رقم6
صريفه13 دم
صريفه 14 سل وخنازير
صريفه15 ناز ومزامير
صريفه17 مذبح عرض بنته
    فكل حركة في قصيدة مظفر مدروسة ومخطط لها، فإنه يستخدم مفردة سنة أو عام لوصف عمر الفتاة، استخدم لفظة (سنبلة) مقابل الألف المسلحين الذين لم تخف منهم من ناحية، وبالتضاد مع أخيها حچام. حچام هو ابن الشعب، ويمكن أن يكون كبير الشلب الذي يجسد في مقطع الصدى الصوتي المدوي: يا... ح... چ... ا ...):
رّد الهور:
     إسمع يا جبير الشلب، يا حچام
                يا حچام.. يا حچام.. يا.. ح .. چ.. ا.. م
    فالنواب يستخدم العين السينمائية الحركية كشاعر بالعين الفوتوغرافية الناسخة:
فزّت گبله البرنو
لگطها بساع:
يالوحدچ شريفة
     وبيّت الضيم بزمرها
     وخطن العينين سچة تميط
                   فگ الماي
    سكة الغيظ مماثلة للسكة الحديدية على وجه الماء، كلقطة سينمائية مميزة، وهي السمّة الحركية لمظفر، وللنواب طريقة أخرى في التوكيد على الفعل خصوصاً قد لا يلتفت إليها المتلقي، وتتمثل في استثمار القدرة التوكيدية لحرف النون وإلحاقه بالفعل كما في: أفرّن، أگولن، أموتن. لكن النواب مُخرِج شديد الاقتدار في تصوير الحدث الدرامي:
والتاف
     وشبگ گلبه
          وراحن حدر الگصب والطين
                      ما مش للرصاص أخبار مشتاگين
    وهنا تتجلى الرؤية في حرية انتقاء الفعل المناسب، الذي يطلق حالة التكثير، لكن النواب في هذا المجال هو الشاعر العراقي العامي الوحيد الذي احتفظ بنبرته التفاؤلية في تعامله مع الحياة وهو يواجه الموت، في السجون والمعتقلات، وفي تجربة النضال المسلح، والتي جسدها شعراً في قصائد تسلّحت بها قطاعات واسعة من الشعب العراقي، مناضلين وقادة سياسيين، شيوعيين وغير شيوعيين، وبعضهم مناهض للتيار الشيوعي بل معادية له.