المحرر موضوع: المستوى الدلالي التركيبي في مجموعة فصول المكائد للشاعر بهنام عطاالله قراءة الناقد جبو بهنام بابا  (زيارة 94 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1489
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
المستوى الدلالي التركيبي في مجموعة فصول المكائد للشاعر بهنام عطاالله
                                                                                                                                              قراءة:جبو بهنام بابا

(نشرت في جريدة الدستور العراقية ذي العدد ٥٣٠٦ يوم الأربعاء الموافق ٢٢ حزيران ٢٠٢٠٠)

فصول المكائد مجموعة شعريه للشاعر بهنام عطالله صدرت طبعتها الأولى سنة1996والطبعة الثانية سنة 2021 ضمّت 29 قصيدة وهي مكائد منصوبة وحقولاًيحاول إرتيادها بشغف مرئي قاصداً لها بكل حواسه وكأنها تفعل فعلتها ليستجيب للقصيدة بدلالات رؤيوية معادلاً غامضاً حين يتوغل إلى الذات الرمادية بإيحاءات تنتبها الغرابة والتأمل أللاّمرئي محاولاً التحرر من قيود الشعر مستعرضاً الكلمات المقيّدة بالهذيان والهموم. ففي قصيدة حقل الفجيعة يبث بعض همومه التي ألمّت به في فترة ما لأن الفجائع دخلت ذات الشاعر وهو يرسمها برؤية واضحة وحالات ذهنية شاردة مستغلاً الرمز الدلالي النسق بين مكونات القصيدة:نشوتك المبتذلة عنوان توهجي
أرتقي فوق مراسي اليقين
لأرى
الهة مجهولة
تسرد زلاتي
تسرق بوصلتي
تضيّع مجسّاتي
آتية مع الرؤيا
مرايا تعكس صخبي
تسقط أوراق غزواتي
هائمة بترانيم الذنوب ...ص 11
على امتداد فترة زمنية ليست بالقصيرة خاض عدّة حروب حين كان يرسم همومه إبان الحرب الكريهة  وما كان يعيشه الشاعر من ألم فكري ونفسي ، أزيز الرصاص وفوضى القصف ليل نهار لن يهدأ عن البحث عن ملاذ بعيدآ عن الصوت المدجج باللون السوداوي فوظّ الشاعر من هذا الموقف إيحاءات وأسئلة مأسورة ببعض الخطى باحثاً عن الحرية ليتدفأ بها ويبعد المدفون تحت خرائط الرمال وفي آنية من الألم المباشر الواضح في مجموعته . ففي قصيدة رياح الأسئلة تكتظ في مخيّلته أسئلةً عن فواجع الأيام العصيبة :
مدن الغياب تكتظ برتابتها
إنها تمضغ إيماءاتها
وهي تغلق أبراج الفواجع
حيث الفصول مزروعة على الشفاه
الأشعة تناسل الضوء منذ بدء التكوّر
أيتها الأرواح الطليقة
أين فخاخي ؟
أين التنهدات المشبوبة بالأنفاس
أين سهامي ؟
ياآآآه للطفولة الملتوية
في المحطات والطوابير
وهي تتوثّب
وهي تشعر بالوخز
فترحل عنّا رياح الأسئلة ص 14 و 15
الشاعر من الشعراء الذين يبحثون عن الكتابة خارج الذاكرة خارج العاطفة كما ورد في غلاف المجموعة والتطلّلع إلى مساحات جديدة وبراري لم تكتشف .فصاغ قصائده باستلهام مموسق متنوّع وبتساؤل عميق وبنهج تأملي فصارت التراكيب الدلالية الوجه الراسخ في قصائده . كيف لا وهو الباحث عن شاعرية الرؤيا بحزن عميق وأوهام تسيطر على فكره النفسي بألم ودمعة من رماد يقطر من ركام سنين الإرتباك ففي قصيدة مسالك شائكة يقول : أما قصائدي
فمسالك شائكة لقوانين المدى
تقيم حول حواسي غشاوة الإرتباك
ومملكة مملوءة بالرعونة
حين ترتب نوافذي خواؤها بسبّابتي
فاتحة ًفاها
معلنة إنزياح هيئاتها
تقطر دمعة من رماد
أسمالها الناضجة .. ص 22
يقول الدكتور أحمد شهاب في مقدِّمة المجموعة : ومن علامات خرائب الشهرة الوضوء بالدقائق سمة الإنسان في العصر الحديث . فالزمن يحاصرنا ويفر من بين أيدينا لننتقل إلى زمن آخر وهو زمن الموتى تحت الشواهد فنسرق خيبتهم وخيبة توقفهم عن الحياة . ففي قصيدة خرائب الشهرة يقول :
أمضغ السراب بارتجاج
النوائب
حيث الكآبات
رفوف معلقة بهواء
ألأضرحة
وفخاخ تنصب لي
شِباك الخرائب بالتورية
أتوضأ بالدقائق
المتعثرة حولي
اسرق خيبة
النائمين بالشواهد
حيث جامعوا النفايات
يبزغون مع الفجر
بوابل الفضائل ص26

يقول الدكتور جاسم محمد جسام : أن الحرف لا الكلمة فحسب له دلالته القويه لأن قصيدة النثر لا تتحدث عن معنى موضوعي فقط , ولا تصبو الى تحقيق نوع من أدلجة الخطاب أو شاعريته . أنها تصبو الى لمس ماهو جواني وإلى تخليق الباطن ومحو الظاهر , هذا الباطن هو مجموع الإدراكات التي تتصل ببعضا بعضا ضالعة بذلك في تأسيس وعي جمالي بعيد المدى قوامه التخييل وعماده ابتكار العالم , فلم تعد اللغة الشعرية لغة مقدسة بل حدث انفتاح واسع في هذا المجال باقترابها من اللغة اليومية المتداولة .
وبما أن الشاعر يبحث عن مسالك الجغرافية وعن الطبيعة وخطوط الدلالة فهذا مساره الأدبي النابع من خيال لرسم خرائط الأحلام والهروب من يأس الواقع , بسرد ووصف وتداخل الإيقاع بمضمون فكري بعيدا عن لغة الإحباط فامتلأت روحه ضياءًفأنشد المزمور الأخير :
في ألق الليل
تنمو الهواجس
تنبس الشفاه
تمطر الكلمات ألقاً
تتغير ألوان البحر
يتغير وجه الكون
أحلاما
تتساقط كالمطر مزموراً
مزموراً
فتمتليء روحي
ضياءً
وشموخاً
تنشد المزمور الأخير ص42
يحاول الشاعر جاهداً الإنفلات من شرنقة الألم إلى عالم يملأه الحبور باحثاً بين ثناياه عن قناة يستطيع منها إستسقاء بعض شهقاته ليمرح قليلاً وهذا يأتي لطبيعة الشاعر في التوظيف المعرفي خلف سياج النسيج اللغوي للنص . ففي رؤيته التخيلية تتشكل عنده القصيدة ليشبع آلامه الممزوجة بالفراق الوحدوي وحاجة يسعى الوصول إليها لتحقيقها . إنه ذلك الشاعر المتجلي لخفايا النص وآليته المشتعلة جذوتها بلغة إنزياحية واستعارات شعرية جميلة . ففي قصيدة حدائق النار يقول :
إنها الرياح تتوهج
بمديحها
تسابيحها تجرجر
ذنوبنا الملتهبة
برماد التسكع
عند حقل المكائد
عند انهمار الشظايا
إنهم يراهنون
على تلاشي خطوط تقاطعنا
يو سمون بوسم الترهل
أحلامهم
يغرقون بتفاهاتهم المقننة ص51
يقول مؤلف كتاب اسلوبية التعبير الشعري إن قصيدة ( نصوص قصيرة جدآ )من القصائد التي تحاول أن تطرح الطبع السردي, ولعلّ عنوان هذه القصائد هو خير مايمثلها على صعيد التكوين النوعي للقصيده , فهي تسمية مبكرة حاول الشاعر أن يقترحها بوعي يناسب حضورها في التمثيل الحقيقي لوجودها, وهي بذلك إنما تسعى الى فرض راقب شعري على مرتكزات القصيده ,أي بمعنى أن العنوان هو الذي حدد كمية المعجم الشعري الدلالي واللغوي للقصيدة وللمقاطع عموما:
طقوسي ترتدي رجاء الشهوات
تخلع تاجي المبرقع
برماد العدم
تتلاشى ص 72
إن الإكتفاء بالأشكال المعبرة عن الفكر الجوهري يحمل لنا لغة المحاكاة ,للبحث عن حقيقة الشيء ومظاهره الحسية والخفية ,ومن خلال هذا يقترن الشاعر بالتجلي على مستوى التشبيه للقصيده فيصبح مرنما ينتصر خياله الشمسي بذكريات لاتفارق عينه بل تزيده نبضاً وخفقاناً . تسرع الكلمات ,وتسرع النبضات ,وتضاف الديناميكية إلى الكلمات , إنه يعلن عن ذات تسرع ليضم فناراته البحرية لعل السفن القادمة تستنشق عبيره البحري منتظراً الحصاد ليأتي بلغة الحب والوفاء وانتشاء المعنى :
إنها الترانيم
تخرج من فرط تسابيحي
تداعب لؤلؤ العمر
في رحم الأمسيات
المتوهجة بعبق القداسة
والعشب الطازج
شوق البحر المترامي
بقنديل الضوء المثقل
بالزيت
مواسماً للحصاد ص 76
إن فصول الشاعر دلالات من المكابدات, وعواطف جياشة لإفراغ معاناته وخلجات أفكاره برؤى وأخيلة لسد إحتياجات الروح الإنساني, ليسترح من عبء المكائد التي مرّت به, ويدرك سكينته طالما سعى اليها , بلغ حد المعاناة القصي. عاقر الفجائع والغربة والضياع النفسي .هكذا كانت مجموعة الشاعر فصول المكائد صور رائعة تمظهرت بانخراجات انفعاليه مفتونة بالمتخيل مقترنة بين نفس الإنسان وحدود المكان.

المصادر:
* فصول المكائد، مجموعة شعرية، الطبعة الثانية، دار اواهل للطباعة والنشر، بغداد، ٢٠٢١.
* اسلوبية التعبير الشعري في مجموعة فصول المكائد ل بهنام عطاالله، د. محمد يونس وزياد عبدالله، مطبعة الدباغ، اربيل،٢٠١٦.