المحرر موضوع: براعة ممثل ووضاعة كومبارس  (زيارة 100 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 380
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
براعة ممثل ووضاعة كومبارس
لويس إقليمس
بغداد، في 2 آب 2022

من المخجل جدًّا أن تشهد الأوساط السياسية العراقية، الحكومية منها والتشريعية والخاصة، تهافت سياسيّي اليوم الأغبر وتصاعد حدّة تنافسهم للقاء قادة وساسة دوليّين بمناسبة وبدون مناسبة. والأكثر تعاسة ووقاحة في أمرهم التسابق لالتقاط صورٍ تذكارية تؤرّخُ تاريخهم التعيس وتفاهة البعض منهم في الظهور بمظهر الأبطال والمنتصرين والعائدين من سوح معركة مصيرية يحسبونها قد نقلت وضع البؤساء والجياع والضائعين من شعب بلاد النهرين إلى حالٍ يُحسدون عليها في الرفاهة والشبع والقناعة واطمئنان الوضع المادّي والاقتصادي والخدمي وكل ما يمسّ حياتهم اليومية التعبانة حدّ النخاع.
لا أرى في مثل هذه المظاهر الطنّانة الزائفة التي لا تخرج عن نطاق الدعاية والإعلان بالولاء والتبعية والخضوع للغير المهيمن على مفاصل الدولة العراقية السائبة غيرَ حقيقةٍ واهية وادّعاءً بتقديم أمثال هؤلاء الأبطال الورقيين أنفسَهم زعماءَ وقادة في فترة الضياع والمتاهات التي ضربت أطنابَها بعد اغتيال أحلام العراقيين عمومًا، وأخًّصُّ منهم أهلَ الداخل الذين صبروا وجاهدوا وانتظروا ليأكلوا بالتالي حصرمًا ويشربوا أوجاعًا وآلامًا ومصائب رافقتهم منذ يوم السقوط الأغبر في 2003. أقول أهلَ الداخل، لتمييزهم فحسب عن مزدوجي الجنسية المستحوذين على أعلى مناصب الدولة والذين ليس في جعبهم ما يقدّمونه حقًا لأهل الداخل المكتوين بنيران عمالة ساسة اليوم وفسادهم. فقد فاق هذا الأخير كلّ التوقعات وأصبح ظاهرةً وقاعدة، وما يخرج عن نطاقه صار شذوذًا وغير مقبولٍ، لا شرعًا ولا عشائريًا ولا وطنيًا بعدَ أن غادرت الوطنية ضمائرَ وعقول وإرادات أشباه الساسة من الولائيين لدول الجوار والمقتاتين على موائد دول العالم، وعلى رأسهم راعية الفوضى الخلاّقة وفاتحة خزائن البلاد للسرّاق واللصوص وناهبي المال العام، وأقصد أمريكا المتعجرفة. وهذه سيأتي يومٌ ليشهد العالم الحرّ سقوطَ امبراطوريتها المبنية على قهر الشعوب وخلق الأزمات ونهب ثروات الدول الضعيفة، ومثلُها دول الغرب الخانعة لسياستها المغرضة وغير الإنسانية في التعامل مع الشعوب المغلوبة. وكأنّي بهذه الفئات التي ارتقت المشهد السياسي بدعمٍ من الغازي الأمريكي الأرعن وتابعيه بالطريقة المقيتة والوقحة التي شهدناها، تريد تأكيد خنوعها وتبعيتها وعمالتها على الملأ بتقديم فروض الطاعة جهارًا نهارًا بعد أن أدّوا المهمة الموكلة إليهم بكلّ "أمانة" ونالوا استحقاقاتهم من مناصب ومكافآت ومكاسب بفعل الفساد المستشري والغَرف واللغف من ثروات البلاد لغاية تأسيس امبراطوريات عقارية في الداخل والخارج، أو فتح حسابات مليارية ومليونية في بنوك الغرب والدول الإقليمية والجوار سواءً بأسمائهم أو تحت عناوين أخرى من مسميات أقارب وأدوات وأتباع، أو زرع أتباعٍ لهم في كلّ مفاصل الدولة، أو في التباهي بالانتماء الأيديولوجي لجهاتٍ جلّ همّها وأدُ أيّ مسعىً للخروج من الأزمة المستفحلة بفعل ما تبقى من الوطنية العراقية الساعية لإعادة الأمور إلى نصابها وطرد المتجاوزين والدخلاء والأغراب عن البلاد من فئة الذيول والمقتاتين على موائد دول الغرب التي آزرتهم وتنتظر منهم عودتهم بأصولٍ وثرواتٍ منهوبة من بلادهم السائبة الغارقة في الفوضى واللاّاستقرار.
لعلَّ أفضل صفة تليق بمعظم أفراد هذه الجماعات التي تتحكم بمصير البلاد تكمنُ بوصفهم كومبارس لمدّعي الفن. فهؤلاء يتظاهرون بالرقص على خشبة المسرح دون أن يعلموا أو يدركوا أنهم دمى أو أشبه بعرائس خشبية لا تحسنُ الرقص الأصيل أمام ممثلٍ بارعٍ يجيد توجيهها واستغلالها لنزواته وأغراضه وأهدافه، أو أمام قائد سيرك ذكيّ يعرف ترويض حيواناته وتوقيت دخولها وخروجها وإتلافها أو استبعادها بعد الانتهاء من أدوارها الوقتية الموكلة إليها. هذا بعكس الساسة ممّا تبقى في البلد من الوطنيين من مثقفين وأكاديميين وإعلاميين واقتصاديين وعاملين في القطاع الخاص المهمَل والمستبعدَ من العملية الاقتصادية وعملية التنمية ومن غيرهم من الحريصين على إعادة عقارب الساعة إلى وجهتها الصحيحة بعد أن وجّهها الغازي الأمريكي ودعاتُه في كلا الحزبين التقليديين فيها ومعه أتباعُه من دول الغرب الأعمى اللاّهث وراء سراب إدامة القطب الواحد الذي لم يعد يصلح أمام التسونامي الأسيوي المتمثل بالتنين الصيني الذي يطغى اقتصاده اليوم على براعة أية دولة أخرى. وفي حالة تقرير هذا الأخير تولّي ناصية إدارة العالم اقتصاديًا، فلن تقف أمامه حدودٌ ولا عوائق ولا صعوبات في حالة انضمام الدبّ الروسيّ إليه والذي يقف اليوم بعناده الشرس أمام الطغيان الأمريكي الفارغ الذي يسعى لإدامة حربٍ ضروسٍ خارج منطقته والتلذّذ بنتائجها وتأجيج نيرانها بتجهيزاته المتواصلة لأدواتها وتشغيل ماكنته التسليحية والحربية ودوام سعيرها بين خصمه الروسيّ اللدود وعروسته الجميلة أوكرانيا التي فقدت عذريتَها واضطرّت للاستنجاد بالغرب الذي لا نعلم مدى قدرته على تحمّل النتائج الكارثية في حالة ديمومة الصراع في عقر داره. وبالتأكيد، كلّ الدلائل تشيرُ إلى تعذّر استمرار تحمّل الغرب والعالم لكلّ التبعات والنتائج والأزمات إلى ما لا نهاية.
من هنا كان الفرق بين دول الغرب التي تدّعي في تمثيلها البارع ناصيةَ إدارة العالم وبين أشباه الممثلين المهزوزين من الذين تسارعوا باللهاث وراء أجنداتها لتنفيذ ما مطلوب منهم في بلدهم بعد أن أنكروا نعمَه وداسوا على سيادته ودمّروا اقتصادَه وأفقروا أرضَه وأفرغوا مياهَه وجفّفوا منابعَ أنهاره بفعلِ عمالتهم وضُعف أدائهم الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي والخدمي وأفعالهم المخجلة وأجادوا ارتكاب الجرائم وتنفيذ سرقات والحصول على رشى وزيادة فسادهم في الأرض نتيجةً لفقدانهم توازن العقل وغياب الضمير والحرص الصحيح على البشر والحجر معًا. وبهذه الأفعال والسلوكيات الشائنة وغير المعهودة في العملية السياسية الفاشلة التي فقدت شرعيتَها، وبسبب استمرار الصراع على المكاسب الفئوية والنهج الطائفي في المحاصصة، وتفضيل دولة المكوّنات على دولة المواطنة التي تعطي لكلّ ذي حقٍّ حقَه في الحياة والوظيفة والعدل والأمان والمساواة، يكون العراق قد خسرَ شعبَه وأرضَه وحضارتَه وثقافتَه التي ميزته عن شعوب وأمم المنطقة وابتعد في حضوره التاريخي بين هذه الدول بسبب فقدانه لسيادته وتسليم مصيره كضحيةً ضعيفة لدولة "الأرجنيتين" الشرقية المجاورة التي أُنيطت بها مسؤولية التحكم بمقدّرات العراق بالوكالة حتى تحين الساعة ويتقرّر المصير بدعم الراعي الكبير!

دروسٌ في الديمقراطية وعبرٌ في السياسة
يبقى السؤال قائمًا: هل يتعلّمُ الجيلُ الصاعد من ساسة العراق من دروس الشعوب كما فعلت "تونس" مؤخرًا بخطوتها الجريئة بإجراء استفتاء على دستور جديد قلبَ المعادلة ووضع حدودًا لفساد الأحزاب الإسلامية التي تربعت على حكم هذه البلاد العربية الأفريقية بعد ما يُعرف بالربيع العربي التي انتهكت الديمقراطية "البورقيبية" التي أسست لدولة مدنية متطورة منفتحة لسنوات وخسرتها بعد تصاعد موجة الأحزاب الدينية والإسلامية منها بصورة خاصة التي أوغلت في الفساد بغطاء الدين والمعتقد والمذهب؟ وهل يوافق زعماء السلطة الذي تحولوا لإقطاعيات مالية واقتصادية وأمراء عصابات وجماعات مسلحة على تغيير الدستور أو تعديله على الرغم من قناعتهم باحتوائه على مطبات وألغام قابلة الانفجار كما حصل ويحصل منذ أكثر من ثمانية عشر عامًا من حكم الأوليغارش العراقي الفوضوي؟
هذه حالُ العراق البائسة! وما على الشعب إلاّ الصحو من غفلته وترك مساحات بؤسه وغفوته وتخلفه عن الركب العالمي والإقليمي كي يضع حدّا لهذه جميعًا. وفي انتظار شجاعة الفرسان الجدد من ساسة الجيل الجديد ومؤيديهم وداعميهم، بعد أن يئس العراقيون والوطنيون الصادقون من وعود الجماعات والأحزاب الدينية الفاسدة بمعظمها، فإنّ العهد والعقد والرهان معقودة بأجمعها في عزيمة "تشرين جديد" يحملُ في ثناياه قرارًا بتعديل الدستور العراقي الأعرج، لا محالَ، وبعيدًا عن تأثير أحزاب السلطة الحاكمة. وهذا لن يكون ممكنًا إلاّ بحصول تسونامي جارف لاستبعاد هذه الأحزاب، وتنحية زعاماتها المتاجرة بحقوق الوطن وأهلِه بسبب تأسيسها لنظام التحاصص والفساد والتغطية على الفاسدين وضمان عدم محاسبة المفسدين في الأرض، وإبعاد القضاء عن هذه المسرحية الفاشلة بعد أن تمَّ تسييسُه وتجييرُه لصالح طبقة حاكمة وجهات سياسية وحزبية مذهبية وطائفية بنتْ امبراطورياتها المالية والاقتصادية والسلطوية والوظيفية طيلة سنوات حكم الحزب الدينيّ الذي ثبتت عمالتُه منذ توليه السلطة بعد السقوط بيد الغزاة في 2003 ولغاية الساعة رافضًا المغادرة بأيّ ثمن حتى لو جرى حرقُ البلاد بأهلها وحجرها وسمائها. فعبارة "ما ننطيها" تعبّر بوضوح لا يقبل الشك عن رفض الأحزاب الماسكة للسلطة إسلامية التوجه والعقيدة والمذهب في معظمها، لأية مساعي لتسليمها سلميًّا بعد ثبات فشلها في إدارة البلاد وشؤون العباد، وكأنّ الديمقراطية في عقيدتهم وأيديولوجيتهم تعني ضمن ما تعنيه ترسيخَ برامجِهم السياسية عبر الدين والمعتقد والمذهب. فواقع الحال يكشف بإنّ الديمقراطية الصحيحة لا مكانَ لها في قواميسهم لكونها نظامًا مخالفًا للإسلام، بل كفرًا، عقائديًا وفقهيًا وشرعيًا.
نظريًا، عندما تتحدث معظم الأحزاب الدينية ورموزُها أو تدّعي الديمقراطية والوطنية والمواطنة فهي في حقيقة واقعها بعيدة كلّ البعد عن هذه العناوين لكونها خارج حساباتهم "البيدرية" ولكون أي توجه ديمقراطي حقيقيّ يعني مشاركة وشراكة عناصر مكوّناتية أخرى تختلف في الدين والمذهب والعقيدة والقومية في السلطة وما فيها من مغانم ومكاسب وامتيازات جنبًا إلى جنب مع الفئة الإسلامية الحاكمة. وهذا ممّا يعني فقدان جزء من قدرات هذه الأخيرة ومكاسبها لصالح غيرها من الساعين لدخول العملية السياسية بحجة الديمقراطية. ففي نظر هذه الأحزاب الإسلامية، تبقى الديمقراطية شوكة في برامجها من أجل تكريس النهج العقائدي في تعامل رموزها وزعاماتها مع منتفعين آخرين من أبناء الوطن يحسبونهم دخلاء على نهجهم في إدارة السلطة والحكم. ممّا يعني الانزعاج في تقبّل ما يُسمّى بالتعددية السياسية والحضارية والثقافية في بلدٍ يتميّز بالتعددية الدينية والإتنية مثل العراق.
وهذا هو سبب فشل الديمقراطية التي أتى بها الغازي الأمريكي بإسقاطه نظام الحكم في 2003، بسبب انقلاب الأحزاب الدينية وزعاماتها ورموزها وأتباعها على برنامج الغزاة المعلن حينذاك عندما كانوا في صفوف المعارضة يتوسلون ويزحفون ويتمنون بلوغ السلطة مُكثرين ومزيدين وقاطعين من وعودهم وعهودهم وأيمانهم الغليظ للغزاة بفعل أيّ شيءٍ يُطلبُ منهم، وحتى بالاستعداد لتسليم مقدرات الدولة وثرواتها ومصيرها بأيدي مَن أتى بهم إلى الحكم من دون جدارة ولا كفاءة ولا برامج للتنمية والبناء والإعمار، بل للانتقام ونهب المال العام وبلوغًا للنفوذ والجاه والمال. فقد باعوا الوطن وأهلَه بسبب ضعف انتمائهم إليه وتمتعهم بجنسية ثانية تضمن لهم حياة آمنة وضمانًا اجتماعيًا وصحيًا مجانيًا، والأكثر من هذا وذاك عدم خضوعهم للمساءلة بسبب سرقاتهم لدولتهم الأصلية. وهذه هي حال الدول ذات الأنظمة الثيوقراطية ايضًا، أي تلك التي تعتمد في برامجها على تأثير الدين والعقيدة والمذهب وقدسية الأشخاص للتأثير في نفوس وسلوكيات مواطنيها. بل إنَّ أيَّ مساسٍ بهذه المسميات تعدُّهُ كفرًا وخروجًا عنها، ما يستوجب الحكم الإلهي، وذلك تخويفًا وترهيبًا للبشر الصاغر البسيط الضعيف الإرادة، كما يحصل عندنا اليوم. وكما يرى بعضهُم، فإنّ ما يمنع الديمقراطية عن الإسلام السياسي مشقةٌ كبيرة تستوجبُ "طفرَ هذا الأخير لبحرٍ وليس لنهرٍ"، فحسب، كي يبلغ ثقافتَها ويعي دورها في بناء الأوطان وتنميتها وإلحاقها بركب التطور والحداثة في كلّ شيء، ولكنْ على أسس العدالة والسلام والمساواة والولاء للوطن والشعب والجدارة في خدمة الاثنين قبل كلّ شيء وأيّ شيء. فالمسافة بين الساسة والشعب ووطن الشعب تتسع يومًا بعد آخر!