المحرر موضوع: عربي القيصر نظرات في الترجمة  (زيارة 75 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل محمد علي محيي الدين

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 624
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
عربي القيصر نظرات في الترجمة
محمد علي محيي الدين
صدر عن دار الفرات للثقافة والاعلام في بابل منجز جديد للصديق الدكتور نصير الحسيني هو ترجمة لرواية قصيرة للكاتب الروسي الكسندر بوشكين، وهي اضافة جديدة للنصوص المترجمة لهذا الروائي الكبير.
الرواية ترجمها عن الروسية واعطاها عنوان عربي القيصر، سيق أن ترجمت من قبل مترجمين آخرين سواء عن النص الروسي أو عن لغات أخرى سبق أن ترجمت الرواية لها، وممن ترجمها الكاتب العراقي عبد الله حبه الذي ترجمها عن النص الروسي بعنوان العربي ربيب بطرس الاكبر واختار الدكتور فواد مرعي  عوانا لا يخرج عن سابقه إلا بتغيير طفيف هو حبشي بطرس الأكبر، وترجمها إلى العربية شعرا الاستاذ عبد الهادي الدهيسات.
والعنوان  بالروسية: Евгений Онегин ونشرت ما بين 1825 و1832 بأجزاء مسلسلة في المجلات والرواية بلا شك من كلاسيكيات الادب الروسين تركزت مواضيعها الرئيسية  التي تتناولها عن  العلاقة بين الخيال والحب والحياة والحقيقية، وقام بيتر إليتش تشايكوفسكي بتحويلها إلى أوبرا عرضتها المسارح الروسية ولاقت إعجاب المشاهدين.
ولا يعنيني في هذا المجال تناول سيرة الكسندر بوشكين وأثره في الأدب الروسي والمكانة التي أحتلها فقد أغنانا المترجم بترجمة وافية عن المؤلف ومكانته الأدبية وسيرته المفصلة ومؤلفاته التي أنجزها خلال عمره القصير، وهي سيرة توحي بالأهمية التي احتلها في الأدب الروسي ومواقفه من النظام آنذاك، ولكن المهم متابعة الترجمة ووضعها في محلها من الاهمية إذا علمنا انها سبق أن ترجمت من قبل آخرين.
إن تعدد الترجمات للمنجز الواحد تعطي مجالاً للمقارنة بين تلك الترجمات وبيان أوجه الشبه والاختلاف بينها وأين محلها من التوفيق والنجاح بحكم طبيعة الترجمة والمترجم، فالترجمة فن أدبي قائم بذاته يبرز أهمية النص بحكم قدرة المترجم على نقل روحية النص ومدى تفاعله مع أفكار الكاتب.
 وعلى المترجم مراعاة الابعاد الثلاثية للترجمة متمثلة في مضمون النص ولغته الأصلية ولغة المترجم، ولكل مترجم طريقته في ترجمة النص باعتماد الفهم الواعي للنص ومضمونه، والاهتمام باللغة الأم التي يترجم عنها من خلال فهم مداليل مفرداتها، والابعاد الكامنة خلفها، لأن النص الأصلي متشبع بخصائص لغته، وهي التي توجهه بمفرداتها إلى المعنى المقصود، كما هو الحال في اللغة التي يترجم إليها فمن المهم أن يكون ملماً بدقائقها عارفا لأساليبها، وعلى دراية وفهم واسع لها، ومتبحراً بمفرداتها وما تومئ أو توحي له وبذلك يأتي النص موافقاً لمراد المؤلف وإن تأثر بلغة المترجم.     
  يمكن شطر النصوص المترجمة إلى شطرين، علمي وأدبي، فالعلمي منها أبلغ امكانا في المحافظة عليه من النص الأدبي، كما أن الترجمة الحرفية ضرورية فيه، وبذلك لا مجال للخلاف فيه، ولا سبيل إلا للطريقة الحرفية، وإنما يتأتى الخلاف في أحدى الطريقتين عند ترجمة النصوص الأدبية، والتفاضل إنما يقع في هذا النوع من النصوص المترجمة.
  إن روعة النصوص الأدبية لا تعود إلى المفردات وحدها، ولا إلى المعاني وحدها، وإنما تعود إلى هذا المزيج من هذه المفردات، مؤدات بهذه الصورة من التركيب، فالمحافظة على الترجمة الحرفية لا تعني إلا المحافظة على شطر من مقومات النص، أما الشطر الآخر والمهم فلا يمكن المحافظة عليه، لأنه مما لا يمكن ترجمته ونقله، إذ إن خصائص التركيب في لغة ما يختلف عن خصائصه في اللغة الأخرى.
  فلو حافظت على صورة تركيبية في اللغة العربية في النقل إلى لغة أجنبية، لم تستطع إلا المحافظة على هيكل بدون روح، وأحيانا من غير معنى، ولذلك فليس في المحافظة على المفردات مرادا بها معانيها الحقيقية، وإنما هو فيها مرادا بها معانيها المجازية، فالمفردة العربية مثلا إذا تترجم حرفيا قد لا تؤدي في اللغة الأخرى المعنى المجازي، ولهذا فإن الترجمة الحرفية قد لا تدل على ما أردت بحال من الأحوال، ومن جهة أخرى فإن التشبيه والاستعارة والكناية،  تؤلف الشطر المهم من النصوص الأدبية، وهي مع وجودها في النصوص الأدبية لكل لغة تختلف كل الاختلاف في تقبلها واستساغتها بين لغة وأخرى، فما تستسيغه العربية من وجوه الشبه بين الطرفين، ربما لا تستسيغه لغة أخرى، والترجمة الحرفية لا تعنى بالمحافظة على أطراف التشبيه ووجه الشبه، ومع هذه المحافظة بالترجمة الحرفية نكون قد ترجمنا المستساغ بغيره، والمقبول بسواه، وكذلك الحال في الاستعارة وفي الكناية، ولعلها في الأخيرة أشد تفاوتا في اللغات من التشبيه والاستعارة، فالمحافظة على استعارة بعينها، أو كناية بعينها، في الترجمة الحرفية ابتعاد عن روعة النص الأصلي.
من هنا ننظر لترجمة الدكتور نصير الحسيني لهذا النص الذي سبق لآخرين ترجمته وأين يمكن أن نضعه، فالمترجم قبل كل شيء ملم الماماً كاملاً باللغة الروسية نطقاً وكتابة، وامتزج بالأوساط المختلفة في المجتمع الروسي واستلهم كثير من عاداتها وطقوسها وعرف مشاعرها وما هي درجات تفكيرهم، وتوجهاتهم ، وعرف من طرق حياتهم ومداليل لغتهم ما مكنه من سبر أغوار هذه اللغة وما عليه اللفظ من دلالة وإيماء أو إشارة ، لذلك تأتي ترجمته لهذا الأثر متأثرة بمعارف وسعة معلوماته، يضاف لذلك معرفته باللغة العربية وفمه لصرفا وقواعدها ودلالات مفرداتها بوصفه أديب له مكانته الأدبية بين الأدباء، وبهذا تكون ترجمته أدبية محضة ، تكتسب أهميتها من معرفته التامة بكلا اللغتين، مع التأكيد على كونه قاصاُ له نتاجه في هذا المجال وبذلك ينعكس المامه المتشعب هذا على الترجمة ليأتي النص كما أراد مؤلفه، في بنيته وأفكاره وإيماءاته وأسلوبه الأدبية الرصين.
والرواية بعد هذا وذاك رواية واقعية لها بعدا الانساني، وتدور أحداثها في زمن القيصر، استمدها الكاتب من سيرة  جده، سمع احداثها ووعاها وصبها في قالب روائي جذاب بين فيه طبيعة النظرة الروسية للوافدين والمهاجرين من أرومات أخرى، وما عليه المجتمع الروسي من صراع طبقي بحكم طبيعة التعامل بين الطبقات والتقسيمات الاجتماعية التي كانت عليها روسيا القيصرية.