المحرر موضوع: ألسلطة في الفكر السياسي العربي والغربي  (زيارة 103 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ماجد الزاملي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 135
  • الجنس: ذكر
  • منتديات عنكاوا
    • MSN مسنجر - majidhady2009@yahoo.com
    • مشاهدة الملف الشخصي
ألسلطة في الفكر السياسي العربي والغربي   
                                         
د. ماجد احمد الزاملي                                                            
الفكر السياسي يُعتَبر من أهم الجوانب التي تتضمن مجموعة من النظريات التي عن طريقها يتم تعيين سلوك الحكومات، وهو أحد المكونات المتعلقة بتنسيق الحياة البشرية وذلك برسم الحدود والقوانين والأنظمة التي تمنع طرف واحد من التعدي على الآخر في طليعة هذا العلم. وكان من أوائل الأعمال الكلاسيكية المهمة جداً في الفلسفة السياسية جمهورية أفلاطون وتلاه أرسطو السياسة وكلاهما كتب في سياق الديمقراطية الأثينية. حيث  يذكر أفلاطون في كتابه الجمهورية, إنّ الفردَ وحده ضعيفٌ ومن ثم يكون الإجتماعُ ضرورةً تحتِمُها الحياةُ الإنسانيةُ وينشأُ عن اجتماع الأفراد الحاجة إلى تقسيمِ العملِ فيما بينهم من أجلِ توفير كافة حاجاتِهم الضرورية، ويؤكّدُ أفلاطون انقسام المجتمع إلى ثلاثِ طبقاتٍ متمايزةٍ بحكم الطبيعة ولكل طبقة وظيفةٌ خصّتها لها الطبيعة، وأهمّ ما يميزُ جمهورية افلاطون هي “العدالة”، لذا فإنّ غايةَ الدولةِ عند أفلاطون هي تحقيقُ الانسجامِ والتناغمِ بين مكوّناتِ المجتمع، فالدولة من الأمورِ الطبيعيةِ سواءً في أهدافِها أو أصلِها.                             
 تحددت جميع  المباديء التي حكمت توزيع المواقف السياسية والفلسفية العملية بحسب المرجعيتين اللتين ينتسب إليهما الفكر الفلسفي والديني في حضارتنا. ويمكن أن نقول إن هاتين المرجعيتين قد شرعتا في الاتحاد المتدرج بداية من شروع الكلام في تبني المناهج الفلسفية وغاية بابتلاعه الفكر الفلسفي الذي صار جزءا من الفكر الديني صراحة خلال المدرستين المتأخرتين عندنا وفي الغرب اللاتيني. ثم انعكست الآية, إذ أصبحت الفلسفة مجرد شكل خاوٍ ليس لها من إشكاليات تخصّها بل هي تبنَّت بعض القضايا العلمية والجمالية والخلقية والسياسية في أبعادها المطلقة ومن ثم من حيث غايتها دينية.                   
للفكر السياسي العربي محددات يمكن من خلالها قراءة هذا التاريخ السياسي وهي (القبيلة، الغنيمة والعقيدة). أما مفهوم الدولة عند (هوبز، ولوك، وجان جاك رسو): مجتمعُ الأُسرةُ هو أقدمُ المجتمعات وهو المجتمعُ الطبيعي الوحيد، بمعنى أن تُعد الأسرةُ إذاً أولَ نموذجٍ للمجتمعاتِ السياسية، حيثُ يكون الرئيسُ صورةَ الأب والشعبُ صورةَ الأولادِ وبما أنّ الجميعَ يولدونَ احراراً متساويين فإنّهم لا يتنازلون عن حريَتهم إلّا لنفعهم، وأن “لذة القيادة” في الدولة تقوم ُ مقامَ هذا الحب الذي يحملُه الرئيسُ نحوَ رعاياه، وبما أن قُوَى المدينة أعظمُ من قُوى الفرد بما لا يُقاسُ فإنَّ من الواقع كونَ الحيازة العامة أشدُ قوةً وأكثرُ شرعيةً وذلك لأنّ الدولة من حيثُ أعضاؤها سيدةُ جميع أموالهم وفق العقد الاجتماعي.  وعند ابن خلدون الدولة هي الامتداد المكاني والزماني لحكم عصبية ما، وتقوم “العصبية” على الدين أو الولاء أو الفكر المشترك أو القومية أو ما إلى ذلك من مشتركات تصلح انطلاقاً لبناء الدول واستمرارها، وبالعصبية القوية “يكون تمهيد الدولة وحمايتها من أولها” ويكون قيامها وسقوطها أيضاً، ولا تقوم العصبية إلاّ بالركون إلى المجتمع-الاجتماع- أو بما عَبَّرَ عنه ابن خلدون “العمران”.                                           
وارتباط الفعل السياسي بحياة الناس وارتباط الدين بسلوك حياتي يومي جعل الحديث عن الإسلام السياسي والإرهاب محط أنظار كثير من المستشرقين  كبرنارد لويس وجيل كيبل وغيرهما الكثير، الذين كشفوا أن الحركات الإسلامية ما هي إلاّ غطاء يستخدم لحشد الجماهير، ووسيلة للِّعب على العاطفة الدينية بالفطرة وكسب تأييدها متكئة على النزعة الشعاراتية المفضلة لهذه الحركات كمقولات " القرآن دستورنا " و" الإسلام هو الحل "، ورفع المصحف تحت قبة البرلمان في إيحاء ديني لا تخفي دلالته على البسطاء، فالصراع الشخصي للبحث عن المكاسب الذاتية هو الدافع والطاغي في الحقل السياسي. و المَركب الثقافي والتاريخي والسياسي بين الدين والسياسة عمل على تفسير سياسة الغرب تجاه العالم الإسلامي أمنياً واستراتيجياً حيث مَثل بروز الإسلام كقوة شعبية قادرة على تعبئة وتحريض الجماهير الأوسع في البلدان العربية والإسلامية خطراً على المصالح الغربية والأنظمة التي ترعاها. ولا يزال العرب اليوم مهووسين  بالتاريخ الذي يُشَكِّل الخارطة الرئيسية لتفكيرهم دون النظر إلى ما يحدث الآن من صراعات الإسلام السياسي الذي ساهم في ترسيخ رؤية أحادية للفكر العربي المعاصر اقتصرت فيها العودة على تيار بعينة عمل على تكوين رؤية فكرية مغلوطة مع الآخر حول الإسلام(1)، مما انعكس على كون الصحوة الإسلامية لحركات الإسلام السياسي كرَّست نوعاً من التأزم وأنتجت العنف، مما جعل هناك هدماً للحداثة وتأزماً للمجتمع العربي والإسلامي باختناقات فكرية وسياسية، جعلت العالم الإسلامي يقف على مسافات ملتبسة في قبوله بالديمقراطية في إرساء التجارب الديمقراطية للإسلاميين كونها التزاماً كحكم شرعي يعمل به المجتمع(2).                               
هناك مسألة مهمة ترتبط بالتمظهر الالتباسي للمصادر المرجعية للسلطة السياسية في الوطن العربي، إذ إنـه ليس من المستبعد أن تكون السلطة مستندة في شرعيتها إلـى مصدرين ًمعا، مثل التقاليد والعلاقات القانونية، أو أن الروابط الدينية هي الأساس في العلاقة بين الحكّام والمحكومين. ومع الظاهرة الإستعمارية الأوروبية منذ القرن التاسع عشر ظهرت هياكل جديدة، نتج عنها اختلال العلاقة بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، وبعد الإستقلال أبقت بعض  النخب السياسية على المصدر التقليدي الذي يستند إلى الإسـلام، بينما حاول البعض الآخر بناء مصدر جديد للشرعية تَمثَّل بالمصدر الـدسـتـوري - الـقـانـونـي السياسي فـي الـوطـن العربي خضع للنظريات المتعارف عليها: نظرية الحق الإلـهـي، ونظرية العقد الإجتماعي، ونظرية الغلبة والقوة أو العصبية. ونلاحظ أن مصدر السلطة في  بدايات نشوء الدولة الإسلامية خضع بالكامل لنظرية الحق الإلهي مع نظام الخلافة، ثم انتقل إلى نظرية الغلبة والقوة والعصبية مع انهيار نظام الخلافة وبدايات الدولة الأموية وحتى سقوط  الدولة العباسية وما تلاها، ومع بدايات العصر الإستعماري بدأ التأثر بالغرب والتعرف إلى نظرية ً العقد الإجتماعي، وهو ما أوجد مصدراً ثالثاً للسلطة، لتأتي أفكار مثل دولة القانون والديمقراطية ً والليبرالية والماركسية، لتُشكّل في النهاية مزيجاً من المرجعيات الفكرية لمصدر السلطة، هذا المزيج أنتج حالة من الإلتباس في الفكر والممارسة.                             
إن مصدر السلطة فـي الفكر مـن مظاهر الأزمــة الديمقراطية العربية أيـضـا التباس مفهوم الـدولـة وضبابيته وغموضه  في الفكر السياسي العربي، وهـو ما أدى إلـى فجوة كبيرة تتعلق بأسس بناء الدولة في الوطن ً العربي، فهذه الأسس نشأت وفقاً لمرجعيات متشابكة ومتباينة وتحمل أزمتها في ثناياها. فهناك المرجعيات العربية ً - الإسلامية، وهناك المرجعيات الغربية الحداثية، كلها تجمعت وتداخلت بعيدا عن العقلانية التاريخية، لتنتج مفهوماً ملتبساً ساهم في إنتاج أزمـات تتعلق بمكونات الدولة نفسها، ووظائفها، وارتـبـاطـاتـهـا، وبنيويتها. وأشـد مـا تعكسه هـذه الأزمــات يكون على السلطة ّ السياسية كونها المكون الفاعل الأهم في الدولة ,لأفكار نعتقد أنها أسهمت أكثر فأكثرر في إنتاج أزمـة السلطة السياسية في الوطن العربي، وهـذه الأفـكـار بطبيعة الحال قابلة للتطوير والبناء عليها، وذلــك مـن أجـل الإشـتـغـال أكـثـر على تفكيك هـذه الأزمــة، وصــوًلاً إلـى تحقيق مـبـرر وجـودياً، والكشف عن التشوه البنيوي الذي أدى إلى الإنحراف الوظيفي للسلطة السياسية في الوطن العربي.                                               
شكّلت الأفكار السياسية وتاريخها في التعاطي مع مفهوم السلطة السياسية والتأصيل له، مجالاً خصباً في العلوم السياسية، وفي العلوم الشرعية على حدّ سواء، وكذلك في علم الاجتماع السياسي، لأنّ السلطة لها علاقات عمودية وأفقية، فهي عبارة عن مؤسسات اجتماعية، عملها منظّم بنصوص دستورية، قانونية، وشرعية، هذه العلاقات معقّدة ومتشابكة، ولها أوجه متعدّدة وتميّزت الأفكار والنظريات المتعلقة بالسلطة بدينامية كبيرة من حيث الطرح والتأصيل لها كمفهوم، كمؤسسة، كأشخاص يزاولونها وكنصوص منظمة لها، وعرفت هذه الأفكار تدافعاً وجدلية في مختلف الثقافات، وأحياناً داخل نفس الثقافة والفكر والنسق، لدرجة خلق نوع من المفارقات أحياناً.                                     
وقد عَرف تاريخ الفكر السياسي فيما يخصّ مسألة السلطة مساراً طويلاً عبر محطّات تاريخية تميّزت بالتحدّي والمواجهة حيناً والتحالف والتناغم حيناً آخر.  فنيكولو ميكيافيلي، وكما يمكن أن نستشف من خلال الاطّلاع على كتابه “الأمير” وسياق تأليفه في مقدّمة الكتاب، فإنّ الأقرب إلى الصواب هو أنّ الدافع والباعث وراء أفكاره عن السلطة جاء في سياق استرضاء حاكم فلورانسا الدولة-المدينة المستقلة، فالفكرة المحورية التي تسيطر على كتاب الأمير هي عرض وتقييم عدد من الطرق للسيطرة على الإقليم والحفاظ على تلك السيطرة. أما معيار المفاضلة بين تلك الطرق وبعضها، فهو تعظيم المجد الشخصي للأمير، وفي نفس الوقت خدمة الصالح العام، وقد كان تركيز ميكيافليي على النجاح العملي بأي وسيلة، حتى على حساب القيم الأخلاقية التقليدية، هو السبب في اكتساب ميكيافليي سمعة القسوة والخداع والتوحش(3). نظرية ميكيافيلي مفتقرة للحسّ الأخلاقي، لكنها من الناحية العملية أقرب للواقع المعاش لأنّها استندت على طبائع البشر (حكّام ومحكومين) كما هي في الحقيقة.                                   
     وتجديد الفكر السياسي مسألة ملحة، كون الفكر السياسي يتميز بالتطور والتباين والمرونة، لذلك فإن عملية التجديد يجب أن تأخذ مكانها في ظل توالد الأزمات وازدياد الإشكاليات، وأن تشكل إطارًا عمليًّا واقعيًّا يسهم في تقديم الحلول للقفز عن كل الأزمات والإشكاليات. اما الفكر السياسي المعاصر لقد بدأ منذ بداية القرن العشرين واستمر حتى يومنا هذا وشمل العديد من الأحداث المهمة، من أبرزها: بلورة المفهوم العام للقوة الوطنية وظهور الإيديولوجيات السياسية الكبرى أيضاً ظهور مفهوم الديمقراطية كأحد أنماط التفكير والحكم السياسي خاصة في الدول الحديثة والمتقدمة.  فإذا إنهار كل من التكامل الاجتماعي و تكامل النظام الذي يقوده، فإن هذا لن يقود فقط إلى فقدان الشرعية بل أيضاً من المحتمل إنهياره، حيث سيفقد الناس القدرة على التفاعل بشكل سلمي ومدني، وسيلجأون للدفاع عن الأنا الثقافية والمصلحية بشكل عنيف يقود إلى تمزيق الدولة، وهو الوضع الذي تعاني منه النظم الاجتماعية بالعالم العربي، حيث برز في العقود الأخيرة أن الأزمات المختلفة و أبرزها أزمات الشرعية التي تعاني منها الدول العربية، لا تقتصر على ضعف سلطة الحاكم، بل تمتد إلى خلل المجتمع. فالدولة لم تسقط في العالم العربي، لكن المجتمع هو من إنهار أو في طريقه. وتبرز في هذه الدول- دول الشرق الأوسط- سيادة شكلية للقانون، و شرعية ظاهرية لاتعتمد عل التأييد الواسع من الشعب، بل على عكس ذلك، ترسَّخت مفاهيم الدولة وسيادتها في المنطقة بشكل مصطنع وظاهري عن طريق النخب التي أوجدتها مصالح قوى خارجية أو فرضت كقوة سلطوية، بعيداً عن عقد اجتماعي تنشأ بموجبة الدولة. مما انعكس على فاعلية المؤسسات، و تكامل الإقليم، واحترام مبدأ عدم التدخل، بل نشأ عقد سلطوي بنيت بموجبه السيادة،مما يعني أن النظام الاجتماعي الذي شكلته سلطة الدولة كان نظاماً غير شرعياً، و لكي يبدو هذا النظام الاجتماعي قوياً كان يقوم بالدفاع عن حدود قدراته من خلال التهميش و الاستبعاد غالباً للمعارضة، لكن هذا لم يخفي الضعف في مواجهة حالة التحول الدائم من الهشاشة المستمرة التي تعانيها الدولة بالمنطقة العربية، خاصة في مواجهة أزمات تفوقُ قدرات هذا النظام الذي يقود المجتمع، على سبيل المثال؛ في حالة الأزمات الاقتصادية و الحرمان المعيشي وعدم المساواة والفساد المؤسسي، فتصبح الدولة مجرد هيكل رسمي ، حيث إستمر الصراع الداخلي على السلطة والسيادة مما أصابها بالتشظي، وذلك نتيجة لأزمة الشرعية التي تعاني منها أنظمة الحكم الممسكة بالسلطة بالمنطقة العربية. ولنا في التجربة العراقية مثلاً, فمع كل تعقيدات الوضع العراقي، وتدّخل دول الجوار وغير الجوار في شأنه على شكل دعم الإرهاب والمليشيات الحزبية، إلا إننا نعتقد أن النظام الديمقراطي في العراق محكوم له بحتمية النجاح، لأن المسألة تتعلق ببقاء أو فناء هذا الشعب. فمعظم الدول الديمقراطية الراسخة المتطورة  مرّت بالصعوبات التي يمر بها الشعب العراقي في مناهضة الديمقراطية، مع الاختلاف بالدرجة، ولكن في نهاية المطاف نجحت الديمقراطية في تلك الدول، والعراق ليس استثناءً، ومهما واجهت الديمقراطية العراقية الفتية من صعوبات ومناهضة داخلية وخارجية من قبل المتضررين منها، فلا بد وأن يصبح  العراق منارة وقدوة لشعوب المنطقة بالاقتداء به. لذا نعتقد أن الحل الوحيد للأزمة العراقية المزمنة التي سببها الصراع الطائفي والأثني، هو بناء دولة المواطنة المدنية العصرية الديمقراطية، تعامل جميع مواطنيها بالتساوي في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص، دون أي تمييز بينهم بسبب العرق، أوالدين، أو المذهب.                             
     -------------------   
1-سليمان الضحيان، "يجب إعادة قراءة التاريخ لبناء الرؤية الإسلامية المتسامحة والخروج من أسر القراءات الخاطئة والمنحازة "، آفاق سياسية، المركز العربي للبحوث والدراسات، ص: 165 - 167
2-سعود القحطاني،"الصحوة هي من أنتج العنف والصحويون استخدموا منتجات الحداثة لهدم الحداثة وتأزم المجتمع "، ضمن كتاب الإسلاميون سجال الهوية والنهضة .. مقاربات في الفكر والممارسة،(المركز الثقافي العربي : الدارالبيضاء – المغرب )، ط:2، 2011،ص ص177- 182
3- بريتانيكا موقع الموسوعة الإلكترونية. http://www.philosophypages.com/ph/macv.htm