المحرر موضوع: نظريّتي عن ولادة الأديان -10-  (زيارة 241 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

متصل نبيل قرياقوس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 252
  • الجنس: ذكر
    • ياهو مسنجر - you_nabil90@yahoo.com
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
نظريّتي عن ولادة الأديان -10-

خلال عصر المعادن، كان الأفراد الأقوياء أو الحكماء أو الملوك من أفراد المجتمعات البشرية لا يجدون طريقاً أو وسيلة للتسلط على مجتمعاتهم أفضل من طريق أو وسيلة (الدين) أو الآلهة التي كانوا يَفترضون وجودها، فالقادة يحكمون ويتصرفون وكأنهم يملكون كل قدسية الآلهة، حتى أنّ جاريات بعض ملوك مجتمعات بلاد النهرين وبلاد الأقباط وبلاد الهند كنَّ يُقْتَلّنَّ ويُدفنَّ حال وفاة المَلك ليُرافقوه في حياته التالية بعد موته.
شهد عصر المعادن أيضاً تزايداً غير مسبوق في أعمال غزوٍ أو إحتلالٍ يقوم بها مجتمع ضد آخر أو مملكة ضد أخرى، بدلاً من نهج الهجرة من مكان لآخر لغرض البقاء على الحياة والذي كان سائداً في مجتمعات العصور الحجرية والتاريخية السابقة من عمر الإنسان، ففي عصر المعادن كان يسعى كل مَلك لتوسيع مساحة مملكته على حِساب ممالك أخرى طمعاً في المزيد من الأموال والنساء، وغالباً ما يصبح العامة من الناس على دين أو مذهب مَلكِهم الجديد.
أرى أن المجتمعات البشرية تناقلت فيما بين أجيالها كل القصص الخيالية التي كانت تنسجها عقول بعض أفرادها، تلك القصص التي كانت تحمل في طيّاتها الأحتياجات الآنية لِمُخ أو عقل الإنسان في صراعه مع الآخرين للبقاء على الحياة، وأحياناً في صراع الإنسان مع نفسه في البحث عن سر الحياة والموت.
قبل أنْ تتوفى والدتي في مطلع القرن الحادي والعشرين عن عمر قارب قرناً من الزمن، كانت تقصّ عليّ وأخوتي الكثير مِن القصص الخيالية والتي كانت قد إستمعتْ اليها منذ طفولتها في أحدى القرى الزراعية شمال العراق، حيث كان مِن المعتاد أنْ يجتمع شيخ القرية الزراعية الكبير بالسِن مع أغلب أهالي القرية الزراعية بعد إنتهاء ساعات العمل اليومية الطويلة في زراعة الحقول أو تربية الحيوانات أو صناعة منتوجاتها أو العمل في مجال البناء البسيط، وكان شيخ القرية يقصّ على أهالي القرية الزراعية خلال جلسات الراحة والترفيه والثقافة تلكْ حِكماً وقصصاً توارثها هو الآخر مِن آبائه وأجداده.
الراحلة أمي كانت تقول لنا وإستناداً الى إحدى القِصص التي توارثتها مِن أجدادها، بأنّ سبب أرتفاع السماء عن سطح الأرض هو التقصير في إطاعة الإنسان للخالق، فـ (الله) حينما خلق الأرض غطاها بقطعة قماش زرقاء ونظيفة، وكان ذلك الغطاء قريباً جداً الى سطح الأرض حيث كان بإمكان الإنسان حينما يكون واقفاً على رجليه أنْ يتلمس قطعة القماش الزرقاء تلكْ بكف اليد.
أمي الراحلة أفادتنا بأن (الله) كان قد أمرَ الإنسان بعدم تمزيق قماش غطاء الأرض الذي يُمثل السماء، الا أنه صادف في أحد الأيام، أنْ قامت أحدى نساء الأرض بِقطعِ قطعةٍ صغيرة من القماش الأرزق لغرض الإستعانة به في تنظيف تغوّطات طفلها الرضيع، وحينها غضب (الله) من مخالفة أوامره، وقام برفع السماء الزرقاء الى الأعالي بعيداً عن متناول أيدي الإنسان!
ذكرتُ لكم تلك القصة الخرافية التي كنتُ أسمعها من والدتي الراحلة، والتي لم تكن سوى واحدة من قصص كثيرة خرافية أخرى، ومنها أيضاً كامل تفاصيل قصة النبيّ (يوسف) مع أخوته والتي تَوارثت والدتي سماعها أيضاً مِن أجدادها، وكذا قصة آدم وحواء بإعتبارهما أول إنسانين خلقهما (الله) معاقباً إياهما بإنزالهما مِن (الجنة) الى الأرض بعد أنْ خالفا أوامر (الله) بعدم أكل ثمار شجرة التفاح!
يخطأ مَنْ يظن أن ظهور أديان ومذاهب دينية جديدة قد يتوقف في عصرنا الحاضر طالما ما يزال (المال) موجوداً في حياة البشر، فمهنة (الدين) هي مهنة مُربحة مالياً ومعنوياً وتحتاج دوماً الى تجديد نفسها بمرور الزمن من أجل إستمرار بقاءها، لذا فقد تظهر (الأديان) الجديدة بشكل (مذاهب دينية) تابعة الى ديانات قديمة، نظرأ لصعوبة تمرير خرافات غير منطقية لـ (دين جديد) في أزمنة التطور العلمي والحضاري، وهذا ما سأتكلم عنه في مقالات مقبلة.
خلاصة نظريّتي عن ولادة الأديان في التاريخ البشري أقول:
بِغَض النظر عن صحة أو عدم صحة نظرية التطوّر النوعي للعالم البريطاني داروين، فأن السبب الرئيسي الوحيد الذي أدّى الى ولادة (الأديان والمذاهب الدينية) في المجتمعات البشرية البدائية هو ظهور (المال) فيها، دون أنْ يعني كل ذلك إشارة الى عدم وجود خالق للكوّن (الله).
ظهور (المال) في المجتمعات البشرية البدائية الخالية مِن أيّ شكل من أشكال السياسة والإدارة والقانون أدى الى ظهور (الأديان) فيها بشكل أفراد حكماء وأقوياء عمِلوا على إدارة وتنظيم العلاقات الإقتصادية والإجتماعية بين أفراد مجتمعاتهم مُدّعين كونهم يستلمون أفكارهم وقوانينهم من القوة الإلهية والحكيمة الخالقة والغير مرئية.
كان ظهور (الأديان) في حياة المجتمعات البشرية البدائية يُمثل بنفس الوقت ظهور أول الأنظمة السياسية والإدارية والقانونية في التاريخ البشري، وهذا يعني أنّ (الأديان) ولدتْ نتيجة ظهور (المال) في حياة البشر، ولتّكون تلك الأديان بمثابة أول نظام سُلّطة أو (قوة حاكمة) في تاريخ المجتمعات البشرية، وتَمتعَ فيها الحاكمون مِن رجال الدين بإمتيازات مادية كبيرة إضافة الى الإمتيازات الإجتماعية.
تمتعُ رجال الأديان بالسلطة والمال حفّزَ كثيراً في توسّع وتَكاثُر (مهنة) الأديان والمذاهب الدينية على مدى تاريخ المجتمعات البشرية ولغاية يومنا هذا، حيث توالى ظهور وتكاثُر الأديان والمذاهب الدينية ولكن تحت أسماء وعناوين ومضامين حتمتها ظروف التطوّر الإقتصادية والإجتماعية والثقافية في مجتمعات البشر.
التوصل الى حقيقة أنّ العقل البشري في المجتمعات البشرية البدائية هو الذي إبتكر مهنة (الدين) لا ينفي مطلقاً مسألة وجود (الله)، في حين أنّ الأنسان ليس مُجبراً على تصديق إدّعاءات أفراد عاشوا قبل آلاف السنين مِن أجل أنّ يثبت لنفسه صحة وجود (الله)!
نظريتي عن ولادة الأديان في التاريخ البشري تتلخص أيضاً بالقول بأنه لولا وجود (المال) في الحياة اليومية للإنسان لما وُجِدَت (الأديان والمذاهب الدينية) مُطْلقاً رغْم إدّعاءات أغلب رجال جميع الأديان والمذاهب الدينية بأن الأديان والمذاهب الدينية هي جهات روحانية تَحْمِل أوامرَ وأحكام وقوانين (الله) الى البشر.
إنّ الاعتقاد بعدم صحة الأديان لا ينفي مطلقاً مسألة وجود خالقٍ للكون (الله)!
أعتقاد بعض الناس بعدم صحة الأديان والمذاهب الدينية الموروثة إجتماعياً لا يَنفي أبداً عدم أحقيّة مَنْ يرغب في الإستمرار بالإعتقاد بصحتها ولكن دون أنْ يَفرض ذلك على الآخرين مِن الناس.
أخيراً، أقول مثلما تمكّن العقل البشري من إبتكار وسيلة (المال) لإدارة حياته قبل ما يقارب الخمسة آلاف عام فإنه ربما قد يكون قادراً في طفرة وراثية قادمة مِن التمكّن مِن الإستغناء عن (المال) والإستعاضة عنه بوسيلة أخرى تضمن عيشاً كريماً للإنسان وكل الكائنات الحية على سطح الأرض بعيداً عن تسلط إنسان على آخر تحت مبررات أي سبب كان، رغم أن تحقيق ذلك قد يبدو الآن ضرباً من ضروب الخيال.
أعتقدُ أنّ بَشَر الأرض قد يحتاجون الى توحيد الجهود والتفكير والعمل من أجل حاضر ومستقبل أفضل لاسيما أنّ أمامهم الكثير من أسرار الكون والحياة التي تحتاج الى كشف حقائقها، ومَنْ يدري فقد نكتشف في يوم ما مثلاً أنّ الكثير مِن الجماد المحيط بنا حالياً هو كائنات حية أيضاً لكن بمواصفات أخرى لاسيما أنّ كل شيء حولنا يتكون من ذرات وإلكترونات ذات قدرة على الحركة والتفاعل وربما الإنشطار!
المقالات المُقبلة فيها المزيد من الآراء حول الأديان.
يتبع ..
اعلاه الجزء الثالث من مقال ( نظريتي عن ولادة الأديان ) في كتابي المعنون بـ ( أحترم جدا هذا الدين ) والمنشور عام 2021 بأكثر من تسع لغات واسعة التداول عالميا!
نبيل قرياقوس
كاتب ومؤلف عراقي – مستقل سياسيا وفكريا