المحرر موضوع: العراق .. إذ يصبح منصة لإطلاق الحريات  (زيارة 1842 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل sajed

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1338
  • الجنس: ذكر
    • MSN مسنجر - Sajedkakki@yahoo.com
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
لعل المتابع المنصف ـ الذي يحتفظ ببقايا ضمير حي ـ يمكنه أن يكتشف ببساطة أن تغطية معظم وسائل الإعلام العربية لما يجري في العراق من تطورات، هي معالجات دعائية ملونة بدماء العراقيين، ومنحازة ومعادية للشعب العراقي وليس لأميركا كما يزعم البعض، وأنها تتبنى وجهة نظر الأنظمة العربية المرتعدة من أن الدور بات عليها، وأنها لابد إلى (مزبلة التاريخ) كما انتهى إليه حال صدام حسين وعصبته، فحين تصف آلة الإعلام العربية التفجيرات التي تستهدف المدنيين العراقيين بأنها (مقاومة شريفة)، يجب عليها لو أنصفت، وكان القائمون عليها شجعاناً متسقين مع أنفسهم، أن يصفوا تفجيرات مصر والشام واليمن والسعودية والمغرب بأنها أيضاً (مقاومة شريفة)، لأن دوافع أولئك الذين يفجرون في العراق، هي نفسها دوافع الذين يفجرون في كل حدب وصوب، فجميعهم من المغيبين بفعل مخدر التطرف البغيض، والحالمين بإعادة ما يسمى (الخلافة الإسلامية)، وجلهم ينطلقون من معتقدات فاسدة وإرهابية، تعتبر ما يقومون به من جرائم جهاداً مقدساً ومشروعاً، فلماذا إذن يكيل القائمون على الإعلام العربي بمعيارين وثلاثة ومائة معيار، ثم يتهمون الآخرين بممارسة ازدواج المعايير، عملاً بالمثل الشائع "رمتني بدائها وانسلت" .

وسأضرب مثلاً بالإعلام الحكومي المصري ـ وحتى المحسوب على المعارضة ـ الذي أتابعه بشكل دقيق، فهو يتخذ موقفاً معادياً لمنفذي عمليات التفجير وخطف الرهائن حين يكون ضحايا هؤلاء مصريين ويصفهم بالإرهابيين، كما حدث مع قتلة السفير المصري لدى بغداد، لكن حين يكون الضحايا عراقيين أو غير مصريين تهلل الصحف ومحطات التلفزيون للقتلة وعصابات الخطف وتصفها بالمقاومة "الشريفة"، وهذا السلوك ينطبق على بقية وسائل الإعلام في شتى بلدان المنطقة بدرجات متفاوتة .
نأتي إلى سقطة فضائية "الجزيرة" التي استضافت في برنامج "الاتجاه المعاكس" الشهير شخصاً منفلت اللسان سمح لنفسه، وسمح له فيصل القاسم بوصف أحد قادة الشيعة بأنه "ملاية" أي مؤنث "ملا"، وهذا وصف قبيح ينطوي على إهانة صريحة وليس نقداً مباحاً، فبينما يصرخ الأعراب الذين هم "أشد كفراً ونفاقاً"، من التمييز ضدهم وتحقيرهم والإساءة لمعتقداتهم، تراهم يمارسون الشئ ذاته، فيتطاولون على أشقاء لهم في الدين، وإن كانوا مخالفين في المذهب، فيصفونهم بالخونة والعملاء ولا يتوقف الأمر عند هذا، بل يصل التجريح إلى حد سباب الشوارع، ومصطلحات الحواري، ولولا بقية من خجل لسمعنا عبارات من القاموس السري للشتائم والبذاءات العربية الشهيرة، التي يتبارى فيها الأعراب الذين هم "أجدر ألا يعرفوا حدود ما أنزل الله"، في مجالسهم الخاصة .

ثم لماذا يتحسس الأعراب من الديمقراطية حين تحمل الأغلبية في العراق إلى مقاعد الحكم؟، ولماذا يتذرعون بحق الأغلبية في الحكم كما هو الحال مع الأقباط في مصر مثلاً، والشيعة في عدد من دول مجلس التعاون الخليجي ؟، أليس هذا مما يمكن اعتباره كيلاً بمكيالين أيضاً ؟، إذا كانت الأغلبية في صالحنا تذرعنا بها، وإن كانت ضدنا وصمناها بصفات قبيحة من طراز العمالة والخيانة وغيرها من الاتهامات الغليظة التي تلوح بها الأنظمة العربية لمعارضيها، بل وتروج لها أبواق الإعلام الحكومي .
ثم أنني لا أشك لحظة بأن أبواق الاستبداد وعرابيه باتوا يدركون جيداً أن العراق أصبح البلد العربي الوحيد الذي انتهت فيه أسطورة الحاكم المؤبد، وبدأ طريق التداول السلمي على السلطة، وأنه اليوم أصبح رغم كل ما يحاك له من مكائد، أقرب إلى النموذج الديمقراطي المقبول من المجتمع الدولي، وأن كافة القوى السياسية المختلفة تحتكم في نهاية المطاف إلى صناديق الاقتراع، بل لعل هذه الحقيقة هي التي تفزع أنظمة "التمديد والتوريث" من أن تطال عروشهم حين يصبح العراق منصة لإطلاق الحريات في عموم المنطقة، وستسطع شمسه على الجميع "شاء من شاء، وأبى من أبى"، فليس بوسع كائن من كان أن يحجب الشمس .

ويسوق الأعراب حججاً مضحكة من طراز رفض "الانتخابات في ظل الاحتلال"، بينما لا ينظرون مثلاً للانتخابات الفلسطينية هكذا، بل يشجعون السلطة وحماس وكتائب "القط الأسود" على إجراء الانتخابات، ويقدمون لها كل عون مالي وسياسي ودعائي، ولو أنصفوا لرفضوا الانتخابات في الحالتين، لكنه وللمرة الألف الكيل بمكيالين، على الرغم من أن الاحتلال الأميركي سيرحل لا محالة ولن يبقى في العراق إلى الأبد، بينما احتلال إسرائيل مقيم وإلى أجل غير منظور، فمال العربان كيف يحكمون ؟ .
ويدور الأعراب في الفراغ اللانهائي، يمضعون آلاف الكلمات، لكن لا أحد منهم يجيب صراحة عما إذا كان يرى أنه ينبغي على قوات التحالف أن تنسحب من العراق الآن وفوراً، بينما يدرك الجميع جيداً ما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج وخيمة أقلها الحرب الأهلية المسلحة، وتقسيم العراق إلى عشرين دويلة، بل وصوملة المنطقة برمتها .
وأخيراً، لابد أنه ليس خافياً على أحد سر ترحيب الإعلام العربي بهذه الرؤى المتشنجة، بل وتشجيعها ونشرها على أوسع نطاق ممكن، وهو ببساطة أن القائمين على تلك الأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط، والمستفيدين من بقائها يتحسسون رؤوسهم، لأنهم يدركون أن العالم تغير، وأن ريح الخلاص قد هبت بالفعل، وأن ما كان مقبولاً ومستساغاً من قبل لم يعد هكذا، وأن هذه الأنظمة سوف تتساقط النظام تلو الآخر، "بيدنا أو بيد عمرو"، لم يعد هذا هو المهم في الأمر، بل المهم أنها ستتغير وتنقشع، وأقل ما ينبغي على المرء ـ إن كان يحتفظ ببقايا عقل وظلال حكمة ـ ألا يكون في صف المدافعين عن الطغيان، فإذا لم يكن ضد هذا الطغيان وذلك الاستبداد، فعليه أن يبتلع لسانه ويصمت، وبيننا الأيام التي ستثبت أن المستقبل لن يكون أبداً للاستبداد، ولن يكون أيضاً لأبواقه من باعة الشعارات وتجار الكلام وسماسرة الدماء

http://www.amcoptic.com/
Sajed Ibraheem Kakki
USA   SanDiego