المحرر موضوع: أبعد من كنائس العراق  (زيارة 1723 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل brona dathra

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 320
    • مشاهدة الملف الشخصي
أبعد من كنائس العراق
« في: 16:14 28/06/2005 »
أبعد من كنائس العراق

المستقبل - الجمعة 13 آب 2004 - العدد 1670 - رأي و فكر - صفحة 19


 

محمد السمّاك

أخطر وأسوأ ما يمكن ان توصف به الحرب في العراق هو انها "صليبية جديدة". ذلك ان هذا الوصف يعطي الانطباع للعراقيين، وربما لغيرهم ايضا، بأن المسيحيين الاميركيين يشنون الحرب على المسلمين العرب... وتاليا فإن على المسلمين الرد بالمثل. ومن شأن هذا المنطق الساذج والمريض ان يضع المسيحيين العراقيين بين فكي كماشة. فمن جهة أولى هناك الاجتياح العسكري الاميركي بكل تداعياته التدميرية للمجتمع العراقي. وهي تداعيات لا تستثني جماعة أو طائفة، وهناك من جهة ثانية، رد الفعل الذي يقصر عن التمييز بين قوات الاجتياح ومواطنين عراقيين لمجرد انهم مسيحيون.
في الاساس ليس صحيحاً ان الاجتياح الاميركي هو صليبية جديدة، وحتى الصليبية القديمة لم تكن صليبية. كانت، كالحالية، هجمة استعمارية احتلالية، كان المسيحيون العرب والمشارقة وليس المسلمون وحدهم ضحاياها بالأمس، كما هم جميعا ضحاياها اليوم.
خلال حملات الفرنجة التي اطلق عليها المؤرخون الأوروبيون: الحملات الصليبية، لا يذكر التاريخ ان المسلمين هدموا كنيسة واحدة، ولكنه يروي كيف ان الغزاة هدموا عشرات بل مئات الكنائس والأديرة من اسطنبول وانطاكية (في تركيا اليوم) حتى القدس، والكنيسة القبطية في مصر تحيي في كل عام ذكرى شهدائها من الذين سقطوا بصورة وحشية على أيدي أولئك الغزاة.
أما اليوم فواضح ان المحتلين الجدد اشد دهاء وأوسع تجربة من اسلافهم. فهم لا يعتدون على المسيحيين ولا يدمرون كنائسهم بأيديهم، بل يتركون هذه المهمة القذرة لسواهم تحقيقا للغرض الاساس الذي جاءوا من أجله إلى العراق، قلب العالم العربي.
فالجريمة حتى تكتمل عناصرها يجب ان يقوم بها محسوبون على الاسلام تحقيقا للأهداف التالية:
أولاً: اتهام الاسلام بانه رافض للمسيحية ومعاد لليهودية، وانه تاليا لا يطيق الحياة المشتركة مع الآخر.
ثانياً: الترويج لمقولة ان الاسلام والارهاب صنوان، وتاليا فإن الرئيس بوش على حق، وكذلك الجنرال شارون في حربهما على الاسلام باسم الحرب على الارهاب.
ثالثاً: ضرب الوحدة الوطنية العراقية، وبعثرة الجماعات التي يتألف منها الشعب العراقي، وفق ما جاء في المشروع الاسرائيلي الذي يستهدف المنطقة كلها وليس العراق وحده، لإقامة سلسلة من الدويلات الطائفية والمذهبية والاثنية.
لذا، فإذا كان صحيحا ان مسلمين او محسوبين على الاسلام استخدموا للاعتداء على الكنائس الخمس في العراق، فان معنى ذلك ان هؤلاء وظفوا انفسهم لخدمة هذه الأهداف التدميرية.
لم تستطع حملات الفرنجة "الحملات الصليبية" ان تجد مثل هؤلاء قبل اكثر من ألف عام.. فأي تطور هذا الذي طرأ على المجتمع في العراق بحيث مكن حملات الفرنجة المستجدة من ان تجد ادوات محلية تنفذ هذه الجريمة؟
ان منطق الرئيس الاميركي جورج بوش الذي يقول بمحور الشر وبمحور الخير، وبأن الله سخر الولايات المتحدة وهو على رأسها لقيادة محور الخير، لا يختلف في شيء عن منطق بن لادن الذي يقول بالفسطاطين، اي معسكر الايمان ومعسكر الكفر، وبان الله اختاره ليقود معسكر الايمان ضد الولايات المتحدة وبريطانيا وحلفائهما!!! فلا منطق الرئيس بوش هو منطق المسيحية التي تقول بالتضحية والفداء ومحبة الاعداء كما أكدته مواقف الفاتيكان والمجالس الكنسية العالمية المتعددة، بما فيها الكنائس الاميركية، ولا منطق بن لادن هو منطق الاسلام الذي يقول بالسماحة والمجادلة بالتي هي أحسن والذي يعتبر المسيحية واليهودية رسالتين من عند الله وان الايمان بهما هو جزء اساسي من العقيدة الاسلامية.
ولكن من المؤسف انه في الوقت الذي يغرق العراق كل يوم في برك من الدم الآدمي المسفوح، وفي الوقت الذي تسود فيه الفوضى والاضطرابات، فإن احدا لا يبدو مهتما بالاستماع الى صوت المنطق والدستور والدين. هناك هياج عصبوي أعمى وهناك اعمال مبرمجة لإثارة النّعَر الطائفية (بين المسلمين والمسيحيين) والنّعَر المذهبية (بين السنة والشيعة) والنعَر الاثنية (بين العرب والأكراد والتركمان). وهذه الأعمال مقصودة في حد ذاتها لتحقيق الهدف الأبعد والأسوأ دون النظر إلى فداحة الخسائر البشرية والقيمية التي تسقط كل يوم بل كل ساعة.
لا نستطيع ان ننسى ونحن نتابع بألم وقلق ما تعرض وما يتعرض له المسيحيون في العراق، كيف ان الولايات المتحدة طرحت على الرئيس اللبناني الراحل سليمان فرنجية مشروعاً بتهجير المسيحيين اللبنانيين اثناء الفتنة التي عصفت بلبنان، ولا نستطيع ان ننسى مشهد قطع الاسطول السادس التي رست في المياه الاقليمية اللبنانية استعداداً لعملية النقل الجماعي.
لم يكن هذا المشروع يعبر عن كراهية الولايات المتحدة للمسيحيين اللبنانيين ولا عن حبها للفلسطينيين، ولكنه كان يعكس في ذلك الوقت ارادة سياسية بالاجهاز على لبنان كدولة ووطن لطوائف ومذاهب متعددة. ولم يكن الاجهاز عليه يعني فقط تحويله الى وطن بديل للفلسطينيين، بل أكثر من ذلك، كان يعني اسقاط ما يمثله لبنان في الشرق الأوسط من نقيض للصيغة الاسرائيلية بما تمثله من عنصرية دينية ومن الغائية للآخر.

http://www.almustaqbal.com/stories.aspx?StoryID=79748