المحرر موضوع: داعش وخطر تفكيك العراق- مجلة كولان (حوارات ومقابلات)  (زيارة 530 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عبد الحسين شعبان

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1249
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
داعش وخطر تفكيك العراق- مجلة كولان  (حوارات ومقابلات)
عبد الحسين شعبان المفكر العربي المعروف لـ "كولان":

الأوضاع لا تعود إلى حالها قبل احتلال داعش للموصل مما يحمل معه خطر تفكيك العراق
***
الاستاذ عبد الحسين شعبان من الشخصيات الثقافية العربية المعروفة، وله مواقفه الخاصة به تجاه الأحداث، لذلك رأينا أنه من المهم إطلاع القراء على آرائه حول الأوضاع الحالية في العراق، وظاهرة بروز داعش، وتصوّراته حول نهاية داعش، وأوضاع ما بعد داعش، وذلك في لقاء خاص، حيث أجاب على أسئلة كولان بالشكل الآتي:


•   كيف تنظر للأوضاع الحالية لحرب إرهابي داعش واحتمالات إنهاء هذه الحرب قريباً؟

أعتقد أن داعش سينتهي إن عاجلاً أم آجلاً ، لأن أفكاره هي ضد الحياة والتقدّم والعصّرنة، وأنه بهذا المعنى لا يستطيع أن يستمر خارج السياق التاريخي. وهناك نقطة أخرى أن البيئة التي احتضنت داعش بدأت تتحرّك ضده، وعلى الأخص أهالي الموصل وصلاح الدين والأنبار وبعض المناطق التابعة لـ كركوك وديالى، التي تعيش تحت ظل داعش، فهؤلاء أصبحوا مضطرّين لتحمل أعباء الحياة التي لا قدرة لهم عليها، ويعانون من الآلام، والاضطهاد، بسبب فرض ذلك التنظيم نوعاً من الحياة المتخلّفة عليهم.
هذا إلى جانب أن دول العالم تقف ضده، وأن تحالفاً دولياً وإقليمياً، تشكّل لهذا الغرض من الولايات المتحدة الأمريكية وإلى إيران ودول الخليج ومنها السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي.
هذه الأسباب جعلت الجيش العراقي وقوات البيشمركة من التمكّن لمواصلة الضربات الموجعة إلى داعش، والتي ستؤثر شيئاً في إضعافها، وإن معركة تكريت كانت تمرين لمعركة تحرير الموصل، على الرغم من أنها قد تطول!.

•   يمكن للبعض أن يتساءل: أليس هذا تأكيد بأنه من الآن نواجه حرب السنّة والشيعة؟

أنا أعتقد أن الأمر ليس كذلك، ولكنني أتخوّف من أنه بعد انتهاء حرب داعش، ستبرز عدد من المشاكل الجدّية ، وعلى الأخص إذا بقيت الأسلحة بيد مسلحي الحشد الشعبي، أو الحرس الوطني، أو رؤساء العشائر، وهذه ستكون لها نتائج سلبية وربما تداعيات خطيرة.
وكذلك من الممكن أن تواجه الخارطة السياسية والديموغرافية للعراق التفكّك والانقسام، لاسيما بضعف الدولة العراقية،وعدم تمكّنها من بسط سلطاتها على جميع أرجاء الوطن، لأنه وكما أعتقد أن الموصل سوف لا تعود إلى أوضاع ما قبل  احتلال داعش، وكذلك صلاح الدين والأنبار، وحتى كركوك لا ترجع إلى أوضاع ما قبل 10 حزيران (يونيو) 2014، ولهذا فإن الوضع الجديد يحتاج إلى مفاوضات بين جميع الأطراف مثلما يحتاج إلى المصالحة الوطنية الحقيقية، لأجل إعادة النظر وتهيئة حلول مناسبة وإلاّ فإن دولة العراق ستنهار وتتفكّك.

•   ولكن المصالحة الوطنية ومنذ العام 2003 بين الأطراف العراقية لم تثمر عن أية نتيجة، وكذلك فإن السلاح هو ليس فقط بيد الدولة العراقية، بل إنه بيد أطراف عدّة؟

صحيح ، لأنه إذا لم يبقَ السلاح بيد الحكومة، فإن احتمال المواجهات والحرب سيكون وارداً بعد ذلك. أعتقد بأن الأطراف المشتركة في الحرب ضد داعش، سوف لا تسلّم أسلحتها للدولة بسهولة، وهذا يعني أن المواجهات ستندلع بين الأطراف المسلحة وفي مناطق وجودها، وستكون هذه مقدمة لحرب طائفية أخرى ما بين المكوّنات، وخصوصاً أن التغييرات التي ستحدث على الأرض ما بعد داعش، ومنها ما بين الحكومة الفيدرالية وحكومة إقليم كوردستان حول تطبيق المادة 140 من الدستور، وكذلك حول حقول نفط كركوك والمشاكل الاقتصادية وصلاحيات السلطات المحلية ومشاكل أخرى عديدة، وهذه الإشكالات ستكون عبارة عن  لُغم، قد ينفجر بعد انتهاء الحرب وفي كل لحظة، ويُعقّد الوضع أكثر مما هو عليه.
•   يبرز هنا سؤال : ما هو داعش ولماذا ظهر بهذا الشكل وازداد قوة؟ صدام حسين وبكل قدراته العسكرية تمكّن أن يحكم 35 عاماً، ولكنه أزيح بين "ليلة وضحاها" من قبل أمريكا، ولكن لماذا لا تتمكن أمريكا من إزاحة داعش؟
هذا السؤال في مكانه، الحرب في المرّة الأولى كانت حرباً نظامية ما بين جيش أمريكا، أو بالأحرى بين جيوش دول التحالف مع جيش النظام السابق، ولكن الآن داعش لا يحتل الأراضي فحسب، بل هو موجود بين الناس والأبنية والمنازل والأماكن العامة، بالإضافة إلى ذلك فإن الحدود ما بين العراق وسوريا لم تبقى بسبب اضطراب  الوضع الأمني في سوريا، وأن داعش يتجوّل بحرية، وأن العديد من الشباب الأجانب الذين لا أمل لهم ويشعرون بالتهميش ويفقدون الثقة بالمستقبل، يتسلّلون عبر الحدود للانضمام لداعش.
وكذلك فإن الأمية والبطالة والفقر في العراق وسوريا وبعض البلدان العربية، دفعت بهؤلاء وبعد غسل أدمغتهم لتقبُّل أفكار هذا التنظيم، وبعدها أصبح داعش مثل " أخطبوط"، فتوسع كثيراً حتى في ليبيا وشمال أفريقيا واليمن وامتدّ إلى لبنان، فضلاً عن إن بيضة الإرهاب تصبح مثل " الفايروس" الذي ينتشر في جسم المنطقة ويسمم أجواءها، ولعلّ واحداً من أسباب ذلك هو عدم تحقيق المصالحة الوطنية وبقاء مشاكل العراق مُعلقة وكذلك فإن هذا الصراع جعل الأطراف العراقية غير منسجمة مع بعضها البعض، وبالتالي فإن ثروات البلاد تهدر وينتشر الفساد ويزداد عدد الفاسدين، بينما كان من المفترض أن هذه الثروات تستخدم للإعمار وبناء المدارس والجسور والطرق ومجال التربية والصحة .أما الوضع في سوريا، فإن نار الإرهاب شملت البلاد من أقصاها إلى أقصاها.
•   البعض يدعون أن داعش انبثق من رَحم القاعدة وأن أمريكا نفسها قد خلقه ، ما هو رأيكم بهذا؟
هذا قد يكون صحيحاً، ولكن بعض هذه التنظيمات تتأسس بدعم من الجهات الأجنبية أو الدوائر الاستخباراتية أحياناً، أو التي تقوم بدعمها لاحقاً مادياً وتهيأ وتُدرَّب أفرادها، ولكن لا يشترط أن تبقى كما هي، ذلك إنه في حال تمكنها من السلاح والمال، فإنها تتّجه  نحو الاستقلالية، ولا يمكن ضبط حركتها وإيقاعها، خصوصاً إذا استطاعت تكوين قوة عسكرية وغطاء أو مسوّغ ديني.
القاعدة في بلاد الرافدين اتخذت منحىً توحيداً مع القاعدة في بلاد الشام، فتأسست داعش، على الرغم من رفض بعض عناصرهما واحترابهما، وكذلك الأمر مع  جبهة النصرة في سوريا، وهذه الأخيرة هي أيضاً منظمة إرهابية استطاعت أن تضم أناساً بدون أمل وبدون مستقبل، والتي استطاعت بسبب ضعف وجود الدولة وانهيار بعض المؤسسات الأمنية في سوريا، أن تتمدّد بهذا الشكل.
أما في العراق وبسبب الفوضى الأمنية والعسكرية وتعدّد مراكز القوى وتنازعها والتداخل الإقليمي والصراع الطائفي، فإن داعش تمكنت من احتلال الموصل دون أية مجابهة، ويعود الأمر في جزء منه إلى الفساد والرشا وعدم وجود عقيدة عسكرية جامعة. وفي سوريا  فإن داعش وجبهة النصرة تمكّنا من تقوية مركزهما في العديد من المناطق، وهذا جعل مخرج الفيلم بلا أمل، وهو الذي كان يريد أن يُخرِج فلماً طويلاً ، من أفلام هوليود باسم داعش، لكنه أصيب بصدمة كبيرة، خصوصاً بعد صدمة هزيمة في العراق .


•   في البدء تكلّمت عن أن داعش سينتهي، كيف؟

أنا أقول أن داعش سينتهي قريباً أو بعيداً في العراق، وممكن أن يستغرق ذلك سنتين أو ثلاث سنوات أو يستغرق عدّة أشهر، ولكن مصيره هو الانتهاء ولا يمكن له الاستمرار، لأنه في تكوينه وفي تصرفاته هو ضد الحياة، والعديد من التنظيمات الإرهابية الأخرى كانت موجودة وانتهت، وكذلك الأمر في سوريا، وهو ما يحتاج إلى ستراتيجية موحدة ودعم دولي وإقليمي لأن خطره قد يمتد ويتصاعد، وإن كان إلى حين.

•   ولكن البعض من المسلمين يدعمون فكرة داعش؟
هؤلاء قلّة، قد يكون لبعض الإسلاميين، وتحت ضغط عوامل أشرت إليها، تعاطفاً مع داعش، سواء في إطار طائفي أو ديني، أو ردود أفعال ضد السياسات الخاطئة، أو لأسباب أخرى، ولكن هؤلاء إذا كانوا عدّة ألوف، فإن هناك مئات الملايين من المسلمين هم بالضد من داعش، لأن دين الإسلام يطلب منّا أن نكون متسامحين ودعاة سلام، وأن هذا الدين نفسه أُقيم على هذا الأساس، وكذلك مع غير المسلمين حيث يقول سبحانه وتعالى " إن خلقناكم شعوباً وقبائل لتتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم".
بعض الدواعش يقرأون الآيات القرآنية المباركة بصورة معكوسة، أي يضعون إرادتهم قبل النص أو تفسيراته، وذلك بهدف تبرير أعمالهم الإجرامية، ومهما كانت الأسباب، فإن ضرر داعش وقع على نحو شديد على رؤوس البلدان التي نشطت فيها، وهذه ستواجه التفكيك والانقسام والتجزئة، ولعلّ مجرد وجودها جلب الخراب لها ودفع بالملايين إلى النزوح واللجوء في أوضاع لاإنسانية بالغة القسوة. لقد شاهدنا ماذا حدث في الموصل، وكذلك ماذا حدث في صلاح الدين والأنبار والحسكة والرقة وأماكن أخرى.
•   هذه الأقوال هي في مكانها، ولكن هناك جيلاً يعتقد أنه ما دام داعش يمارس سياسته تحت راية الإسلام ويقوم بالانتهاكات، ينتقدون الإسلام ذاته الذي يعتبره البعض يحضّ على الإرهاب، ألا ترون أن هذا بحاجة إلى إصلاح فكري؟
أولاً ، أعتقد من غير الصائب القول، بأن هناك جيلاً يتوجّه هذا التوجّه، فهؤلاء  كما أشرت وكما أعتقد هم قلّة قليلة وستنتهي، ولكن من الصحيح القول إننا بحاجة إلى إصلاح الخطاب الديني، والمشكلة ليست بالدين، بل هي في التديّن، أي طريقة استخدام أو توظيف الدين، لاسيّما من جانب بعض رجال الدين.
لذلك فإن عدم مراجعة ومتابعة وتدقيق بعض فتاوى وتصرفات بعض رجال الدين أدّى إلى توجيه الأمور على هذا النحو السلبي، وقد تم استغلال هذا الأمر لأغراض سياسية، أو أن بعضهم يرجعه إلى بعض الأسباب الدينية، ولاسيّما الاختلافات والصراعات الطائفية والاجتهادات المذهبية، التي حدثت قبل مئات السنين، دون إدراك أن الزمن قد تغيّر الآن،  ولا بدّ من مواكبة التطوّر والتقدّم، لذلك فإن كل دين عليه أن ينسجم مع العصرنة والتقدّم، وجعل التوجّهات الدينية في إطار دولاب الحياة وبالانسجام معها ، وإلاّ فإن الرجوع إلى 1400 سنة قبل الآن، حيث حدثت حادثة، أو حدث شيء ما وانتهى في حينها بغض النظر عن صوابه أو خطئه، ولكننا لا يمكن إعادة التاريخ، لأن الأمر سيعني استمرار الاحتراب والاقتتال الطائفي، ومن يعطون أنفسهم الحق في الإفتاء ويؤججون نار الكراهية والحقد والانتقام هم ، بلا أية مؤهلات ودون اعتبار للدولة وقوانينها التي لا بدّ أن تكون لها اليد العليا، فلا مرجعية أعلى من مرجعية الدولة .
لذا يجب وضع حدّ لتصرفات هؤلاء الملالي والذين يفسرون الدين ويوجهونه باتجاه خطير، وعلى الأخص باستغلال المنابر للتبشير بهذه الأفكار والتي لها آثار سلبية على المجتمع.
•   بعد خروج داعش من العراق، كيف تتصورون أن يستقر الأمر؟
داعش يستمر في الحركة وينتقل من مكان إلى آخر، وفي أي مكان كان، فإنه يجد لنفسه فرصة طالما تساعد البيئة على ذلك، وهذا سيؤثر سلباً على المجتمعات التي توجد فيها، ولكن "إشعاع" داعش الأولي سيخف كثيراً، وكما قلت فالأمر لا يشترط أن ينتهي في شهر  أو سنة، ولكنه سيضعف بالتأكيد وسينهار من الداخل، ففي كل انتكاسة يمكن أن يواجه التفكّك والتمزّق، لأن الانهيار له ألف أبٍ، ولكن النصر له أبٌ واحد.
 لقد كان  انتصار داعش في الموصل له أبٌ واحد وهو"أبو بكر البغدادي" مثلما كان لمن سبقه أبو بكر البغدادي ، ولكن بالانهيار والتقهقر سيظهر ألف أبٍ، وهذا ما هو مؤكد، مهما قربت المسافة الزمنية أو بعُدت.