المحرر موضوع: قراءة في لوحة البوق السابع بيت تأثيث الحرف وفضاءات اللوحة  (زيارة 798 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1471
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
   
البوق السابع بيت تأثيث الحرف وفضاءات اللوحة

د. بهنام عطاالله

ضمن معرضه الشخصي الثاني وبين خمس وثلاثين لوحة فنية، إستوقفتني لوحة (البوق السابع) (1)، للفنان أميل شابا، تلك اللوحة التي تأملتها ملياً، كما تأملها الجمهور الزائر طويلا ،وقفت أمامها طويلاً بدهشة وشوق لمعرفة وتفكيك رموزها وألوانها وفضاءاتها، وسبر أغوارها.
 لقد إستطاع الفنان من تأثيث هذه اللوحة بأنامل فنية مبدعة، ضمن مرجعيات أدبية، ثقافية، دينية، أراد منها إرسال شفراته للمتلقي من خلال بنائها الهندسي الدرامي، لكي تظهر الأقرب  الى الملحمة المؤطرة بالتراحيديا.
اللوحة في الأصل هي تأثيث لقصيدة شعرية كان قد كتبها الفنان على خلفية قراءته لموضوع (البوق السابع)، الوارد في رؤيا يوحنا اللاهوتي (2)، إذ ورد فيه: (ورأيت السبعة ملائكة، الذين يقفون أمام الله وقد أعطو سبعة أبواق). (رؤيا 2:8 )، حيث إستلهم الفنان لوحتة الفنية المعبرة (البوق السابع)، فكانت أكثر قرباً من القصيدة الى ذائقة المتلقي.
فعلا لقد لقد نجح الفنان في مسعاه، حيث إستطاع من جذب المتلقي الى لوحته من خلال مكوناتها وألوانها وهندستها، واللوحة هي على   شكل تابوت لميت، يطغي عليها اللون البرتقالي، هذا اللون الذي يتألف من مزج لونين هما: الأحمر والأصفر، والبرتقالي هو اللون الذي إرتبط بالشر في المنظور المسيحي، هذا اللون الذي يذكرنا بتاريخ الإنسان وكل ما يملك من موروث حياتي روحاني كوني في هذا العالم. ينتصب في أعلى اللوحة ساعة مترهلة بدون أرقام، وعقرب واحد بينما سقط العقرب الآخر بعيدا عنها، وهنا تدل على وقوف الزمن / الحياة، وعبثية الإنسان. أسفل اللوحة ينتشر اللون الأصفر، وصورة لجمجمة إنسان وجزء من ساعده وكفه الأيسر وبعضا من بقاياه. وهنا يكتب الفنان / الشاعر من وحي لوحته:
(ها قد أتت الساعة
بعدما نفخ الملاك السابع بوقه
إنك الآن في اللامكان واللازمان
فلن تسمع أذنيك سوى صيحات عذابك
وستتوسل بالساعة كي ترجع الى الوراء
كي تمحو من الدنيا خطاياك الطائشة
لكنك لن تجد في الساعة رقما
سوى عقربها المحترق
وقد تدلى منها معلناً اللاشيء في الوجود).
 القصيدة تعبر عن حدث اللوحة فعلاً، لذلك نلاحظ أن الفنان قد إستطاع من تجسيد الحدث بوضوح في لوحتة وهو الفناء والعدم، وتوظيف نصوصه الشعرية وتجسيدها بلوحة فنية معبرة، حيث بدأ بطرح فكرته / القصيدة على فضاءات اللوحة، التي أطرها على شكل تابوت لإنسان قد رحل عن عالمنا، لافتا النظر ومحاولا من خلال ذلك إستمالة المتلقي الى باقي الحدث.
ويسترسل الفنان / الشاعر في تضخيم الحدث في لوحته قائلاً:
(لن تجد فيها سوى رقما واحداً
إنه اللاشيء .. الصفر
ستجده سعيدا لأنه لم يعد لا شيئاً
إنه الآن أهم حدث في نهايتك
لقد خلقت من الصفر
وها أنت تعود اليه
مرة أخرى وبهيئة أخرى).
وهنا يتساءل الفنان:
(ألمْ تكفيك ستة أبواق لتستفيق
ألم تسمع هذا الصوت الجميل؟
لقد وجدت كي تنذر بأنك لا شيء
لمْ يبق من أفكارك سوى دخانها الفاسد
لمْ يبق من السماء سوى اللون المجهول
لمْ يبق من الأرض سوى ترابها المحترق).
لورجعنا الى المصادر التي إستقى منها الفنان فضاءات لوحته، فسنرى أنه قد إستل مفهوما بهذا المعنى من كتاب (العهد القديم)، الذي يؤطر لهذه الرؤيا، والتي إستفاد منها الفنان في طرح الحدث وتركيبته الغرائبية، ليستقي منها مدخلات لوحته،  فجاء الحرف متناسقا مع الريشة، لتضي على اللوحة جمالاً آخر لا يعرفه إلا الذين كووا بنار الحياة وأشيائها، فهذه اللوحة ترسم خطوطاً تشاؤمية للإنسان، ولتقريب الحدث للمتلقي، لا بد من التوغل قليلاً في الحدث الرئيسي، وهو التاريخ الذي إستمد الفنان منه أحداث لوحته.
تؤكد لوحة البوق السابع على غضب الله على الإنسان السالك في طريق الشر، حيث ضمت الأبواق الستة التي تشيد الحدث الدرامي تباعاً، ولتؤكد أنه سيكون هناك زلزلة عظيمة، تكون قوتها كقوة الزلزلة التي فتحت ينابيع الغمر في طوفان نوح، وهذا يعني أن النظام الكوني سينتهي من وجه البسيطة مع نهاية صراع الفناء الصغير. سيخسر الشيطان سلطته ونفوذه على البشر ويغور في أعماق الأرض، ولن يكون هناك أثر للملائكة الساقطين على الأرض، سيطرحون الى بحيرة النار ويبادون الى الأبد. كما جاء في المصدر:
(إضربوا بالبوق في صهيون، صوتوا في جبل قدسي ليرتعد جميع سكان الأرض، لأن يوم الرب قادم لأنه قريب، يوم ظلام وقتام، يوم غيم وضباب مثل الفجر ممتداً على الجبال شعب كثير وقوى، لم يكن نظيره منذ الأزل، ولا يكون أيضا بعده الى سني ٍ دور فدور قدامه نار تأكل وخلفه لهيب يحرق الأرض قدامه كجنة عدن، وخلفه قفر خرب ولا تكون منه نجاة كمنظر الخيل منظره، ومثل الأفراس يركضون كصريف المركبات على رؤوس الجبال يثبون، كزفير لهيب نار تأكل قشاً، كقوم أقوياء مصطفين للقتال). يوئيل 2 1:-5
 الأبواق والجامات المذكورة هنا، ترمز الى أحداث صراع الفناء. وسيواجه البشر دينونة الله بسبب عصيانهم. كثيرون لن يتوبوا ويتركوا ضلالهم أمام الله ودينونته، حينها سيسمح الله بويلات كان قد حبسها كضربات نيازك من الفضاء، حين نصل الى قمة هذه الأحداث على الأرض، سنلاحظ أن أصحاحات متعددة من سفر الرؤيا، تصف ذات الأحداث لكن من زوايا مختلفة. مثلاً ستقرأ عن سبعة أبواق تصف أحداث، وسبعة جامات تصف ذات الأحداث .
نعم لقد إستطاع الفنان أميل شابا من الولوج بعيداً في تلافيف الحدث، ليعبر عن ذلك بلوحة فنية إمتزج فيها الحرف بالريشة والحدث بالواقعة والبداية بالنهاية والفناء.


احالات
(1) البوق السابع: في المجمل الأبواق تحمل الينا رسالة "إنذارات" والتي يقدمها الله للبشر لكي يتوبوا عن شرورهم، ولا يقبلوا أضاليل إبليس، ومن خلالها تأتي الضربات السبع لتأديب الأشرار. وقد جاء في سفر الرؤيا مايلي: (بل في أيام صوت الملاك السابع، متى ما أزمع أن يبوق – عندما سيبوق البوق السابع، الذي جاء دوره بعد البوقين الخامس والسادس، سينتهي العالم، وصلنا هنا الى نهاية العالم لذلك الآن ينزل على العالم غضب أقوى وأكثر رعباَ).
(2) سفر يوحنا اللاهوتي: هو السفر النبوي الوحيد في العهد الجديد كتبه يوحنا ابن زبدي الرسول - كاتب البشارة الرابعة والرسائل الثلاث - عندما نفاه الأمبراطور دومتيانوس الى جزيرة (بطمس) التي شاهد فيها رؤياه، وإسمه مشتق من اليونانية (Apocalypse)، ويعني كشف النقاب، أي سفر إجلال الغامض وكشف المقاصد المستورة. ويرجح المفسرون الى أن زمن كتابته لهذا السفر يعود لسنة 95 و 96 ميلادية في نهاية حكم هذا الأمبراطور، عندما رأى أن الزيت المغلي لا يؤثر فيه، آثر أن ينفيه لعله يستطيع إخماد جذوة الأيمان لديه وليقضي على المسيحية نهائياً.