المحرر موضوع: فلنذهب إليه.. رواية في فصول تنشر تباعاً في جريدة صوت بخديدا للأديب الراحل إبراهيم عيسو  (زيارة 1157 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل bentsahelnenava

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 100
    • مشاهدة الملف الشخصي
فلنذهب إليه.. رواية في فصول تنشر تباعاً في جريدة صوت بخديدا للأديب الراحل إبراهيم عيسو


فلنذهب إليه
للروائي البولندي
هنريك سينكويفش


ترجمة إبراهيم عيسو / بخديدا

الفصل الأول

أولا
في روما



كان كايوس سبتيمون  سينا ينتمى إلى أسرة رومانية عريقة ، قضى شبابه بين الجنود وذاق حياة المعسكرات القاسية ثم عاد إلى روما ليستمتع بالمجد ويغترف المسرات ويسبح في بحابح الرغد بفصل الثروة الطائلة التي ورثها واكتسبها .
لقد أفرط بكل ما كانت روما تملكه من لذائذ الحياة ، فكان يقضى لياليه في المآدب في تلك الفيلات الجميلة ويمضى نهاره بتعلم المبارزة بالسلاح أو بالغوص في مباحثات البلغاء والبيانيين في قضايا عويصة . وقد كانت العادة أن يعنى بقضيتين : مناقشة أحاديث المدينة الخرافية ثم أخبار العالم وحوادثه ... وكان يثابر على ارتياد السيرك وألعاب البهلوانيات والسباقات ومبارزات المصارعين أو يؤم بتواتر لاعبى الطرب وعرافات تراقيا وراقصات الأرخبيل اللواتي كانت روما تزخر بهن . ولما كان ينتمي من جهة والدته بصلة رحم إلي لوكلوس الذائع الصيت فقد ورث عنه ذوق الأطعمة النادرة فكانت مائدته تزخر بصهباء اليونان وأطباق نابولى وبالجراد السمين المطبوخ بالعسل الوارد من بنتوس . كان يقتنى من سمك البحر الأحمر والأقباج البيض من (بوريستين) . ولقد كان من المحتم أن يقتنى سينا من كل ما كانت روما تحصل عليه باكورته وأفضله . ولقد كان يستمتع  بهذا كله ليس كجندى بل كبطريق نبيل . لقد أحس سينا أن ذوق الأعمال الفنية قد استيقظ في قعره ، فأحب التماثيل الصغيرة التي يعثر عليها في حفريات قورنثيا ثم البويبات الرومانية والمنسوجات الفراتية والعطور العربية ثم الآنية المزخرفة النادرة . وكان يعرف – عند الحاجة – أن يفي هذه كلها حقها كعارف وفقيه في وسط أولئك الشيوخ الجشعين الذين كانوا يقضون حياتهم على الموائد يتوجون صلعاتهم بالزهور ويمضغون الاكرار (عباد الشمس) ، قبل الفاكهة بغية ترطيب حناجرهم  وإفساح انفساهم .كان يتذوق جمال مؤلفات شسرون وعذوبة أشعار هوراس وطلاوة اوفيد . وإذا تثقف على يد احد فصحاء أثينا كان يتكلم اليونانية بطلاقة ويحفظ مشاهد كاملة من الإلياذة . لقد كان بمقدوره أثناء الأكل أن يغني مقاطع "انكريون" حتى يبح صوته ويأخذ منه السكر.
انه اخذ عن معلمه وعن البيانيين المعلومات الفلسفية التي تغنيه مؤونة فهم هندسة الآثار التي شيدت في "هيلاد " وفي الأقاليم ، بيد انه يعتقد أن تلك الأبنية لم تكن سوى كومة من الخرائب .
لقد كان له معرفة شخصية مع عدد كبير من إتباع فلسفة زينون ، ولم يكن يكن لهم سوى حب ضئيل ن لأنهم كانوا قد أصبحوا حزبا ً سياسية ، فلم يكن ليتقاعس بأن يصفهم "بالتافهين" ومعكري الأفراح .
كان يستقبل على مائدته جماعة "المرتابين " فأثناء الأكل كانت تنسف المناهج الفلسفية فيعلنون – والقدح في اليد – بأن اللذة هي شيء باطل والحقيقة أمر صعب المنال ، ليس الهدوء الثابت غير القابل للفساد .
كل هذه المحادثات كانت تملأ أذنيه ويشغلهما ، بيد انه لم يكن ليعلق بها اهتمامه . لم يكن يعترف برأي وقلما كان له رأيا : فلديه ، كاتون شخصية متميزة ترتبط بجنون مطبق ، والحياة ، هي البحر الواسع الأرجاء عليه ينسب الهواء بطلاقة كما يشاء ، وأما الحكمة فهي معرفة كيفية فتح الأشرعة للهواء المناسب في هذا البحر الفسيح ...
إلى جانب ذلك كان سينا يقدر قيمة كتفيه العريضتين ومتانة معدته وشموخ رأسه الروماني الشبيه برأس النسر بفكين قويين ، فكان يعتقد انه بمثل هذه المميزات يمكن قضاء الحياة بصورة حسنة أكثر انبساطاً وانشراحا ً .
لم يكن ينتمي سينا إلى مدرسة المرتابين بيد انه في حياته العادية فقد كان مرتاباً ومتلذذا مع انه كان يعلم بأن المسرات ليست هي السعادة مطلقاً . لم يكن يعرف مذهب ابيقور الحقيقي مع انه كان يدعى بأنه ابيقوري . وصفوة القول لا يشاهد في الفلسفة سوى مبارزة الروح ، التي هي أولى من مبارزة السيوف . ولما كانت تتعبه المجادلات كان يولى وجهته إلى الميدان حتى يشاهد الدم .
لم يكن سينا ليعتقد لا بالآلهة ولا بالفضيلة ولا بالحقيقة ولا بالسعادة ، إلا انه كان يستشير وساطة الآلهة وقد كان له اعتقاداته الباطلة : تطيره وتفاؤله... ثم انه بالإضافة إلى ذلك كان يستقصي ويبحث ليعرف أديان الشرق السرية . ومن ناحية أخرى لقد كان سينا سيداً سمحاً معاملة عبيده ما لم يجعله الغم قاسياً وحشياً.
كان يقول :"إن الحياة ليست إلا كالجرة ، فإنها تسطع بلمعان أدكن قليلا أو كثيراً حسب نوع الخمرة التي تملؤها ولذا يعمل جهده هو بأن يملأ حياته بكل ما يعتقد انه الأحسن " . لم يكن ليحب أحداً بيد أن أشياء كثيرة كانت تروقه ، منها رأسه الروماني وشعره الأسود وقدمه البطريقية .
ففي سنواته الأولى المبتذلة اتخذ الفرح والسرور رائده ليذهل فيه روما وقد نجح على العموم ، بيد أن هذا النجاح الضئيل قد تركه مهملا بعدئذٍ .