المحرر موضوع: والخلائق تسبح بحمده " اللســـان "  (زيارة 88 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل المونسـنيور بيوس قاشا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 160
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
والخلائق تسبح بحمده " اللســـان "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .

   نعم يا سيدي ، لقد أعطيتَنا أشياء كثيرة ثمينة وجميلة ونافعة  ،  ومنها اللسان. هذا العضو الصغير داخل الفم، والذي بدونه لا يستطيع الإنسان أن يتكلّم، أو يغني أوينشد أو.. إنه أداة الكلام. والكلام أداة التخاطب والتفاهم بين الناس. وبالتفاهم يمتـزج البشر ويتطورون. وبالامتزاج تنمو الحضارة وتتقدم، إنه رسالة اللقاء في مسيرة الحياة. ولقد عرّفوا الإنسان أنه "حيوان اجتماعي".  واللسان كـذلك هو العضو الاجتماعي في جسم الإنسان، ولولاه لما تقدم البشر اجتماعياً وحضارياً. إن التقدم الاجتماعي بدأ من اللسان أي من الكلام وليس من الكتابة. والحضارات ولاسيما القديمة منها نمت بطريقة شفوية بواسطة التقاليد والأحاديث المتداوَلَة والأقاصيص، لأن الأفكار تنتقل بين البشر بطريقة شفوية قبل أن تنتقل بطريقة الكتابة والتدوين... وحتى الكتب المقدسة المنزَّلة لم تُدَوَّن على الورق إلا بعد فترة طويلة من انتقال تلك المعلومات والمعتقدات والتقاليد انتقالاً شفوياً من الأجداد إلى الآباء ثم إلى الأحفاد.
   ولتبيان أهمية اللسان، لنقرأ ما جاء في الإصحاح الثاني من أعمال الرسل: "ولما جاء اليوم الخمسون، كانوا مجتمعين كلهم في مكان واحد، فخرج من السماء فجأة دوي كريح عاصفة، فملأ البيت الذي كانوا فيه، وظهرت لهم ألسنة كلها من نار، فانقسمت ووقفت على كل واحد منهم لسان، فامتلئوا كلهم من الروح القدس،  وأخذوا يتكلمون بلغات غير لغتهم،  على قدر ما منحهم الروح القدس أن ينطقوا" (أع2: 3) .
   إن قطعة اللحم الصغيرة هذه داخل الفم هي سلاح ذو حدَّيْن، يمكن بواسطته إشعال حرب طاحنة بين أمّتين أو بسط أجنحة السلام والمحبة والأخوّة بين الناس، لأن الكلمات التي يتلفّظ بها الإنسان ممكن أن تكون أكاذيب ضد الحقيقة لزرع الشكوك والأحقاد بين الناس، ولتدمير التوازن الأخلاقي بين الشعوب بتحريك فتنة أوبلبلة فيها.ومار يعقوب يقول " واللسان عضو صغير ومن شأنه أن يفاخر بالاشياء العظيمة كما أنه نار أيضاً وعالم الاثم،  واللسان، لا يستطيع احد من الناس ان يقهره انه بلية لا قرار لها ملؤه سم زعاف به نبارك ربنا وبه نلعن الناس المخلوقين على صورة الله "( رسالة يعقوب 3-8:5). ويقول ايضا " من ظنَّ أنه ديّن ولم يحفظ لسانه بل خدع نفسه كان تدينّا باطلا" ( رسالة يعقوب 26:1) .
   أنا لا أتذكر متى وكيف تعلّمتُ الكلام. والذين علّموني الكلام لم يفكّروا طويلاً بجسامة مسؤوليتهم من حيث أنهم أعطوني سلاحاً لا يقلّ خطراً عن السكاكين والمسدسات . وأنا لا أستطيـع أن أزيد سنتيمتراً واحداً على قامتي، ولا أن أغيّر الظروف التي ولدتُ فيها والتي أعيش حالياً ضمنها. وليس بوسعي أن أحوّر شكل الأرض ولا أن أؤثّر على سير فصول السنة، ولكن بإمكاني أن أتكلّم كما أريد ومتى أريد.
  غالباً ما نسمع في المجتمعات الدولية وبعض السياسيين يتحدثون عن "كلمة الشرف". ونحن نعلم أن "كلمة الشرف" عندهم تعني أموراً أخرى لا تليق بقدسية الكلام الذي وهبه الله للإنسان. إنها مهزلة السياسة العالمية. وكثيرٌ من السياسيين العظام عرّفوا السياسة بأنها "أكذوبة متبادلة" بين السياسيين. والسياسي الأكبر هو الذي يكذب الأكثر.
لقد دنّس البشر أفضل ما حباهم الله من نِعَم ألا وهو "الكلام"، فباتت فئة تعتقد أن الكلام ما هو إلاّ تتابع الألفاظ والأصوات لأجل إخفاء أفكارنا وراءها. وفريق آخر يدّعي أن الكلام زائل وزائف لأن الكتابة فقط هي الباقية. ولكنك يا سيدي، أنتَ لم تكتب شيئاً في حياتكَ على الأرض،إلا ما كتبته لخلاص الزانية الخاطئة من شكوى كبار الزمن (يو1:8)  ،  ومع ذلك فإن تعاليمكَ باقية منذ ألفي سنة ونيفٍ، وستبقى إلى أبد الدهور. ولقد كان تلاميذكَ مراراً يردّدون:"إلى مَن عسانا أن نذهب وأنتَ تملك كلام الحياة الأبدية" ( يو68:6) !؟". وفي نهاية العالم، سوف تدين البشر لا فقط على أعمالهم بل أيضاً ولاسيما على أقوالهم، "لأن كل كلمة بطّالة تخرج من فم الإنسان سوف يحاسَب عليها حساباً عسيراً". ( متى 36:12).يا سيدي، ولكنكَ أعطيتَنا بدون تحفظ وبكــل ثقة هذا السلاح، رغم أنكَ كنتَ تعلم مسبقاً إننا يمكن أن نستخدمه من أجل الشرّ والفتك بالآخرين. وكـنتَ تعلم أيضاً أن بعض الناس مَنْ سوف يوجّه لسانه ضـدّكَ، إمّا بالشتيمة أو الكفر أو القَسَم الباطل أو الإلحادأو شهادة زور. وقد خبرتَ ذلك بنفسكَ عندما كنتَ بيننا على الأرض، لما انقلبت هتافات اليهود "أوشعنا لابن داود" (يو13:12) بين ليلة وضحاها إلى زعيق بوجه بيلاطس "أصلبه، أصلبه. دمه علينا وعلى أولادنا" (متى25:27). وعندما فاجأ صياح الديك بطرس وهو يُقسم للخادمة:"أنا لا أعرفه ولستُ من أتباعه" (متى71:26).وما اكثر هذه الالسن في هذا الزمن القاسي وان كانت لا تبان للعيون انما للقلوب .
   كنتَ ترى مسبقاً بنظرتكَ الإلهية،  يا سيدي ،  جميع شتائم البشر وكفرهم وأكاذيبهم الخبيثة ومشاحناتهم الكلامية وحتى ثرثرتهم السخيفة، ومع ذلك أبيتَ أن يكون الإنسان بدون لسان. لا بل أنتَ نفسكَ أعدْتَ النطق للكثير من البكم والخرس وجلستَ معهم تتحدث وتتباحث، وقلت: إنه إذا اجتمع إثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم (متى20:18). وبشارتكَ يا سيدي، ما هي إلاّ كلامٌ انتشر كالريح في جميع أرجاء الدنيا. ويوحنا المعمدان الذي بشّر بمجيئكَ لم يكن إلاّ صوتاً صارخاً في البريّة (مر3:1) .
هبني يا سيدي أن يكون كلامي دوماً لائقاً بلساني، لأنكَ أنتَ الذي أعطيتَني اللسان، ولأن الكذب ما هو إلاّ إهانة للحقيقة لأنه يدنّس اللسان. لأن الإنسان الكاذب يحتقر نفسه قبل أن يحتقر الحقيقة، وما أكثرهم حباً بسبب مصالح الزمن، و يعلمون أنهم في مسيرة الكذب والزور ، كما يدركون جيدا أنّ الحقيقة لا تستطيع أن تشوّهها الأكاذيب. وستبقى صامدة باقية كما هي تماماً قبل الكذب وبعده، ولا تتبدّل أبداً!.
فيا يـا سيدي إن الوحي هو كلامكَ ، هو أنتَ ، ونحن في لغتنا عندما تقول أنكَ "كلمة الله الآب" (يو1:1)، تعبّر عن طبيعتكَ الإلهية الأزلية، وعن حقيقتكَ التي لا تتبدّل أبداً. فأجعل يا سيدي أن يكون كلامي خالياً من الغشّ ، والكذب ، والنفاق ، ومن جميع أنواع البراقع والأقنعة والتمليق. نعم أن يكون كلامي صافياً شفافاً مثل بياض الثلج، وألاّ يخفي بين طياته الحقد والخباثة والغدر، بل أن يكون كتربة خصبة لنمو الحقيقة والخير في العالم،كي لا يكون تدينا باطلاً فأكون شاهداً لحقيقتك المُحِبة في مسيرتك من أجل الانسان ، نعم من أجل الحقيقة ، وشاهداً لها. نعم وامين .