المحرر موضوع: في ذكرى رحيل الفنان لوثر ايشو..شقيقه بولص ادم يقول لـ(عنكاوا كوم ) اللوحة وطن والوطن لوحة، مفتاح فن لوثر  (زيارة 550 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عنكاوا دوت كوم

  • مشرف
  • عضو مميز متقدم
  • *
  • مشاركة: 35506
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
في ذكرى رحيل الفنان لوثر ايشو..شقيقه  بولص ادم يقول لـ(عنكاوا كوم )
اللوحة وطن والوطن لوحة، مفتاح فن لوثر
عنكاوا كوم –سامر الياس سعيد
هل يموت فن الفنان  وتنتهي لوحاته بمجرد رحيله الى دار البقاء ..يبدو السؤال فلسفيا لكنه لايستقيم مع  رحيل الفنان لوثر ايشو وذلك في 18 حزيران (يونيو)من عام 2011 فذلك الرحيل لم يخمد تلك الجذوة التي ابرزتها لوحات الفنان الراحل سواء تلك التي كانت معلقة في غاليري مسرح قرقوقوش قبل ان يسودها ظلام داعش  وكلها  تنتج روايات ونصوص فنية عن ماسي شعبنا ..والحديث يفيض عن تجربة الفنان المتفرد  خصوصا حينما  يتعلق باقرب مقربيه وهو شقيقه  الكاتب بولص ادم  الذي افاض برؤيته  قبل قلبه ليتحدث عن لوحات الفنان لوثر ايشو في سياق الحوار الاستذكاري  التاي :
 
*حقق الفنان لوثر ايشو عبر مسيرته الفنية  التي اوقفها موته المفاجيء العديد من البصمات المهمة لاسيما بابرازه للكثير من ماسي شعبنا وخصوصا  مذبحة سيدة النجاة ،كيف ترى مثل تلك البصمة ومدى انعكاسها على الساحة الفنية ؟
 
-أعتقد أن الأبداع لايكون نقياً إلا إذا كان متطابقاً مع وجدان المبدع، لوحات الفنان الراحل لوثر إيشو آدم، صادقة مع رسالتها، خُذ مثلاً من الموسوعة الهيغيلية ( التطابق بين الروح والصورة هو جوهر الفن )  متمسكاً بشعرية الحياة في أزمنة اللاسلام، رسم فناننا الراحل، الأشياء التي لم تتركنا بسلام أيضاً، وإنجازه الفذ كان تعبيرا عن ذلك وليس محاكاة، تعبيريته تحولت بمرور الزمن وبأشتداد المحن والأهوال العراقية، الى تعبيرية تجريدية، تجسد الخوف والرعب والأسى الأنساني في أركولوجيا حسية، المرئي في لوحاته مُضاء بالغربة والعزلة ، ومع مجموعة الطيور المهجرة ومجموعة الزهور المرممة والشبابيك الصدئة التي تعشعش فيها الحمامات والعصافير، شبابيك محطمة لكنها مفتوحة على أمل ايضاً يتمثل بنباتات تحت الشمس، إنها روح ظلت مرتبطة بأصالتها في مشاهد فنية تنقل بحرفية عالية ولغة فنية خالصة جوهر كل ما جسده في منجزه التشكيلي الثر والغزير، وفق هذا السياق، كان لابد أن يشترك مع الضحايا، كونه واحدا منهم، في كل ما وجدوا أنفسهم فيه في زمن الوحشية والمآسي، خصص لكل من إستشهد في سيدة النجاة مربعاً لوجهه، متجاورة في لوحة كبيرة خلدت لحظتهم الأخيرة، لوحاته في معرضه الأخير ( خلاصة الألم والأمل ) كانت نصوصاً بصرية.. شعوراً متجذراً لدى فناننا ترجمه بعمق الأنفعال اللآزم في مرسمه لكي يرسم مشهدا ضخماً مؤثراً جداَ توزع في مجموعة مهمة في تاريخ الفن العراقي، خاصاً بالمجزرة التي تعرض لها أبرياء في ذلك الأحد الدامي في كنيسة سيدة النجاة في بغدادنا المحروسة. هو لوثر الذي رسم الطفل الشهيد آدم، مبتسماً في لوحة يتوسطها بين أهله والسلبين المريمي المُرمم وحروفية خاصة بلوثر كتبها في اللوحة الى جانب رموز حضرتنا النهرينية. عزز لوثر توجهه المفاهيمي في محطته الفنية الأخيرة. تحول الفكرة نفسها الى عمل فني ، كانت تلك اللوحات المعلقة في المعرض، مغطاة بخامات بلاستيكية سوداء، وعند الأفتتاح أزاح بنفسه ذلك الحاجب لوحة إثر لوحة وشاركه زوار المعرض في هذه اللحظة الرمزية بعبقرية مبتكر.  حتى أن الناقدة النمساوية الفنية ( بريجيدا لايتنر ) أثنت على تلك الفكرة واعتبرتها مفاهيمية خاصة فاللوحات المغطاة بالسواد ولوثر واقف بمواجهتها، إعتبرَتهُ الناقدة، معرضاً بحد ذاته! فالعلاقة  بين المتلقي والعمل الأبداعي هي في جوهرها علاقة موقفية ، تعتمد على (طبيعة التفاعل)، بيننا وبين العمل الفني في (موقف معين) هذه خاصية لاتعمل ضد الفن، بل تعمل معه، وكلما كان العمل الفني قادرا على النشاط والتأثير في مواقف متعددة ، تعددت تفسيراته وتأويلاته ومستوياته، كان هذا العمل الفني أكثر خصوبة وثراء. عن معرضه الاخير قبل رحيله بأشهر يقول الراحل (هذا المعرض ممكن أن يكون تحت عنوان "خلاصات الألم والأمل" أي أن تكون اللوحات تعبيراً عن ألمي الكبير والهائل وإلى جانبه الأمل الصغير الذي يبرعم داخل أعمالي ربما)
 
*كان يراود الراحل حلم العالمية بعرض لوحاته في متاحف الغرب ، هل تبلورت مثل تلك الامنية وهل شهدت المعارض الفنية  ابراز تلك اللوحات ؟
 
-لم تكن العالمية هدفاً له بحد ذاتها، مع أنه حلم من أحلام كل مبدع في أرجاء المعمورة لو أمتلك نزعة كونية تنمو باسقة من محليتها. افكار لوحاته عراقية في الصميم. تنقل من سلسلة الى أخرى من الأعمال المفاجئة ، لكأنه أكثر من رسام واحد في شخصه، رغبة تجريبية وطموح لايحده حد، المشاريع التي توقفت بموته الى الأبد كانت اسفار جديدة يَعِدُ بها بثقة عالية دوماً رغم كل الأوجاع والمعاناة ، حاصل ميدالية الصليب الأحمر الدولية والمشارك بالبينالي العالمي في بغداد، أكثر من معرض في عمان وبيروت ودمشق والخليج، لوحات له في كندا واميركا وفرنسا واستراليا، لوحاته ضمن معرض الرسم العراقي في باريس
 لكن النمسا اعطته حقه وقيم فنه خيرة الفنانين علماء ومؤرخي الفن الذين أجتمعوا في قصر شلوس بارتز، وعرض في مكان يعرض فيه العالميين، والى جانب قاعة علقت فيها لوحات الفنان المعروف هانز هوفمان إيبز.. ولا حقاً بعد رحيله الصادم. معرضه الثاني في مدينة لينتز، عاصمة الثقافة الأوربية 2009 .. وأخيرا التأبين المهيب في يوم الكنائس العالمي، حيث أختير الفنان الراحل لوثر إيشو كرمز للسلام والمحبة وعلقت لوحاته في الكنيسة وخلف المذبح.. في نهاية الصيف الذي رحل في حزيرانه كنا نحضر معارض له في فيينا ولندن وباريس. العراق كلمة دخلت لوحاته بشكل بارز كمفردة مكتوبة في عدد من أعماله الى جانب اسمه الذي دونه مختوماً بختم من صنعه. بإمكان أي باحث في تاريخ الفن أن ينكب على تحليل سلسلة ( طيور مُهجَّرة ) التي نفذها فناننا الراحل لوثر إيشو، بالتخطيط والزيت والأكليريك على سطوح مختلفة، سيخرج بنتيجة أنها نماذج أصلية من إبداع إستثنائي، الطيور في لوحاته تختلف تماما في دخولها الفيزيقي في رسم اللوحة عن أي تجارب فنية عالمية سابقة في الفن التشكيلي.
 
*كشقيق للراحل ، كيف تقيم ردود افعال الوسط الفني وابناء شعبنا بشكل عام  ازاء الرحيل المفاجيء للفنان لوثر ايشو؟
 
-بعد تناقل خبر رحيله الذي أدمى قلوبنا كعائلة وأصدقاءه ومبدعين عرفوه عن قرب، توافد المئات الى بخديدا ومن ثم الى القرية ديري وحضروا مراسم الجناز والدفن. فرصة أخرى سانحة لنشكرهم جميعا وشكر خاص لك عزيزي سامر، فأنت تكتب عنه مستذكراً أهميته ودوره في تاريخ الحركة التشكيلية كل عام. نشكر فرقة مسرح قره قوش بشخص مديرها صباح سكريا لأنهم أطلقوا أسمه على القاعة، وظلت لوحات معرضه معلقة في مكانها حتى أحتلالها من قبل إرهابيي داعش ، دُمرت أعمال مهمة له وسرقت أخرى من الموصل أيضا. نتذكر وقفة الراحل د. سعدي المالح صديقه الوفي في أربعينية لوثر، نشكر الصديق بطرس نباتي الذي كتب مطالباً بتنفيذ أمنية لوثر بأن يكون لولده بيت في العراق، لكن هيهات وللأسف ، هُجرت عائلته وعاشت مشردة لسنتين حتى مغادرة العراق بحرقة كبيرة .. كيف ننسى كلمات جوزيف حنا يشوع ووسام نوح في تأبينه بحضور أبرز فناني نينوى.. رسائل الراحل ماهر حربي لي و سعد جاسم وكرم الأعرجي، هيثم بردى و شهاب الحميري، تعزية الشاعر سعدي يوسف والفنانة اندريا تيرني وأعزاء كثر آخرين. قصائد رائعة رثته بقلم زهير بردى، شاكر سيفو، مروان ياسين الدليمي، د. روبين بيث شموئيل، إنهاء سيفو، بهنام عطاالله ، وعدالله إيليا وآخرين أرجو المعذرة لعدم تذكرهم فهم كثر. وأغلبهم زينت لوحاته أغلفة كتبهم. وهذا كان عزاء آخر لنا وخفف من تناسي النقاد له خلال حياته. غير أن مروان ياسين ووجدان الخشاب وشاكر سيفو وعبدالكريم سليم، و رنا الأسود  وحازم صالح العبدلي و سلام أدور اللوزي، كتبواعن فنه وأنصفوه بعد موته.. مشروع كتابي عنه قائم و أسأل الله أن يطيل اعمارنا حتى نحققه .
 
* هل لقرية ديري فعل مهم في بلورة الذائقة الفنية  للفنان الراحل ازاء ما تمتلكه تلك القرية  من تشكيل لوني طبيعي وهل اسهمت لوحاته بالتعريف بالقرية المذكورة ؟
 
  -يأتي لوثر الى ديري هاربا من خَدش الجو العام في المدينة، يجلس تحت ظل شجرة فيها ليرسم ما يستقر في روحه من موجات الطبيعة الحميمة والعزيزة عليه، هي التي اسمعته سيمفونيات لم تؤلف بل خُلقت خلقا مع خلق الطبيعة ذاتها لنعد ونسمعه ونراه يتحدث من قلب ديري عن ذلك في حلقة خاصة به من برنامج رموز الذي اخرجه الشاعر والمخرج مروان ياسين، لنتصفح ايضا رواية قديسو حدياب لمؤلفها هيثم بردى، فالصياغة الروائية التاريخية نسقتها صياغة بوسيط آخر هو التشكيل المائي رسما فالرواية تحوي اكثر من ستين لوحة ، لا للتوضيح بل للتعبير، قرية قديسين من حدياب، لهما  ديرين متجاورين ( مار عوديشو ومار قرداغ) .. شكلت قرية ديري مجتمعا زراعيا صغيرا، مجتمع ميزته تدارك الشر وصناعة الخير،  ونظرا لأن قرية ديري محاصرة من الشمال والشرق والغرب بالجبال، فالصدى هناك له أثر مختلف دراميا، تتميز بجمال طبيعتها ونقاء جوها وصفاء هوائها و بالطبيعة الجبلية، شيدت بيوت القرية قريبا من بعضها البعض وساهم ذلك في الترابط الاجتماعي الكبير الذي سادَ بين أفراد القرية.. الثورة الكوردية وطريقة تعامل الحكومة العراقية مع الحقوق والمطالب، ادى الى ان تكون كوردستان ومن ثم قرية ديري، مسرحا لحالة قتال يتصاعد ويهبط خطه البياني، وهكذا عانت القرية كثيرا وخاصة في منتصف ايلول عام ١٩٦١ حيث تعرضت الى قصف جوي كثيف واحتراق اديرتها وأغلب بيوتها وتشرد اهلها، حدث القصف عند الظهيرة وهو الوقت الذي يكون فيه أغلب سكان القرية في البساتين او الرعي في الجبل،  اما الكارثة الكبيرة الثانية فكانت عند أنفلة القرية نهاية العام حيث تم تفجير كل ما فوقه سقف ومن ضمنها دير مارعوديشو الذي بنوه ورمموه ثانية شباب القرية في بداية الثمانينيات، واذا كانت عدة عوائل قد حاولت الأستقرار ثانية تدريجيا لفترات من الزمن بعد عام تدميرها الأول، فالوضع اصبح غير مشجعا بعد الأنفال سيئة الصيت، هي واحدة من القرى المهجورة واقعيا، لكن حبنا للقرية جعلنا نمكث فيها لفترات متقطعة وقصيرة احيانا وطويلة بشكل اقل، فهل حلَّت في ديري قيمة الأنتماء دون تنازع ! هل وفرت هذه القرية لفناننا الراحل، لحظات مغايرة بعيدا عن أحلام وخطوب المدينة الموحشة؟ أم أنها كانت أمتدادا ملحميا يخفي الأسرار، هل كانت القرية التي ولد ودفن فيها، مُلهمة له في صباه وشبابه ثم أصبحت مقبرة رمزية لكل ما أصبح مفقودا في حياته؟ نحاول الأجابة على سؤال، ربما هو سؤال لا أجابة عليه لو لم يكن الراحل فنانا، ولكن ولأنه الفنان الذي يتمسك بجوهر الأشياء فقد تحولت قرية ديري لديه الى رموز بكل مايميزها من بشاعة مخلفات او جمال طبيعة من أقصاها الى أقاصيها، وتلك المرموزات كانت أبجديته التي سرد بها وفق لغة فنية تشكيلية خلدته. هي في كل المصفوفات اللونية والمتجاورات المتناسقة أو المتضادة. قرية ديري لم تتحول الى مكان هذيان، سكنته  كسمفونية شعور أزلية.. ديري، ايقونة من ايقوناته التي اخلص لها حتى النهاية  وطابق الرمز تأويله فيها عندما التقى الفنان دوما بطفولته فيها، هي التي تحولت الى أمه، الأرض العراقية في عزلته. اللوحة وطن والوطن لوحة، كانت مفتاح نصه البصري!.. آلت القرية كمفهوم مرن يوفر نبعا غنيا للشكل وروحه، نبعا من ضمن ينابيع رمزية مفاهيميته، ياترى، اين؟ هل في أوراق النباتات أم في التقاطات شتى أختزنها من عالم قريته وهو يوازيها ويوازي خراب بلاده خرابا، بخرابه الجسدي وأنتحاره رمزيا من أجل حياة لاتصدق موت أجمل الرموز التي تدل عليها، الورود والزهور، أراد لنا أن لانصدق ما لاحياة في جمالياته، ويجعل للخوف جماليات تثير في نفس المتلقي، اشمئزازا وتوترا حذرا تجاه كل كمية تكتلية قبيحة، ذلك لايتم عن طريق تقليدي يسيرعليه.. بل بتأسيس وتأصيل في تجريبية  تميز بها.
 
 
 
 
أي نشر، أو إعادة تحرير لهذه المادة، دون الإشارة الى " عنكاوا كوم " يترتب عليه أجراءات قانونية