المحرر موضوع: لن اكون عنصرياً مثلك ياجناب المدير  (زيارة 158 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل مروان ياسين

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 155
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
لن اكون عنصرياً مثلك ياجناب المدير

                                             
مروان ياسين الدليمي

ليست المفاجأة عندما تكتشف بانك كنت مخدوعا،بل المفاجأة في انَّ من كنتَ تثق به هو الذي خدعك وليس الذي كنت لاتثق به.
المرارة التي ستشعر بها اليوم ليس لها حدود،ولن تقوى الكلمات على وصفها،بغض النظر عن حجم الخسارة المادية،والاعوام التي ضاعت هدرا ،فليس مهمَّاً ما خسرته مِن مال،فهذا شأن بسيط لاقيمة له،طالما انك لن تأخذ معك الى القبر سوى حفنة تراب ،ويمكنك وببساطة شديدة ان تعوض ماخسرته من مال غدا او بعد غد .
 الخسارة الحقيقية في انك خسرت ثقتك بنفسك اولا، قبل ان تخسر الثقة بالاخر الذي خدعك.
من الصعب عليك ان تكتشف كم انتَ ساذج ،وكم انتَ غبي رغم ما تحمله من  عِلم ومعرفة وثقافة وذكاء .
من الصعب ان تكتشف الحماقة في الحكمة التي كان الاخرون يشيرون بها اليك،فتتباهى بها بينك وبين نفسك .
قاسية جدا هذه النتائج عندما تكتشفها متاخرا جدا.
والاقسى منها،انك  ما كان ممكنا ان  تكتشفها،لولا انك وقعت في الفخ، الذي نصبه لك،من كُنتَ تظنه اهلاً  للثقة، فراهنت عليه دون غيره من الاخرين،وفضَّلته حتى على  ابناء جلدتك،لانك توهمت كثيرا بما يحمله من قيم لها طابع انساني،لذا كنتَ منسجما معه،ومؤمنا به.
لكنك اكتشفت متأخرا جدا بانه مرواغ ومحتال،ويضمر في قلبه كراهية لاحدود لها،ولم تكن تتصور ابدا انه يملك من افانين الاحتيال،ما جعلك لاترى حجم السواد الذي يملأ قلبه .
لكن الندم ماعاد يجدي نفعا على السنين التي ضاعت وعلى الجهد والاخلاص اللذان تبددا.
ماخرجتَ به من هذه التجربة: انك لم تعد تثق بمن يدعي البراءة والنظافة والوداعة.
اصبحت تشكُّ بالجميع،دون استثناء،واقرب الناس باتوا موضع شكِّ لديك. فالتجربة كانت من القسوة في ان تمنحك العذر والحجة بان لا تكون بعد اليوم طيبا على ما جُبلت عليه من فطرة .
وان لا تسيء الظن بالاخرين ابدا،مثلما اوصاك اهلك وعلموك مُذ وعيت الدنيا وادركت الحياة . 
كان عليك ان تصحو من هذه الغفوة طالما الفرصة كانت قد جاءتك مبكرا  في حينه،عندما لم يزرك في البيت ايَاً من اولئك الذين عملت معهم ولاجلهم،حينما سَقطت زوجتك بمرض السرطان،وأجريت لها العملية الجراحية،وبَقِيتَ تنتظر قدومهم ليزورنك في البيت،ولم يأت منهم احد،اي واحد منهم  لم يات،لا المدير،ولا من هو اقل منه درجة،ولا بقية اعضاء ادارة المؤسسة،ولا شقيق صاحب المؤسسة،ولا اي زميل في العمل..!
شعرتَ بالخجل الشديد امام نفسك،وكان عليك ان تهرب من قسوة العتاب الذي كنتَ تقرأه في وجه زوجتك الشاحب اثر العملية الجراحية.فأختلقتَ الاعذار كلما وجَّهت اليك السؤال:" لماذا لم يزرنا احد في البيت !؟" 
كنت تكذب عليها،لتخفف عنها وعنك ألمَ هذا النُّكران والجحود.ومرَّت الايام،ولم يقدموا اعتذارا عن عدم ادائهم الواجب،ولم تسمع منهم كلمة مواساة ودعم حقيقية. وكان الكلام يجري عابرا اذا ما صادفوك في ممرات المؤسسة "صباح الخير ، صباح النور ، مرحبا ، شلونك " . فهذا يكفي بالنسبة لهم،يكفيهم كلاما عابرا روتينيا،لمداواة الالم الذي كنت تعاني منه وانت تقضي الساعات مع شريكة حياتك حتى تنتهي من اخذ  جرعات الكيمياوي والليزر لمدة عامين .
من وجهة نظرهم،ومن وحي احاسيسهم الباردة،بدا العالم الذي كنت تعيشه طبيعيا جدا،وكأن لاشيء قد جرى عليك،وعلى اغلى انسان في حياتك،وانت الغريب في ارض غريبة،وما من احد الى جانبك من الاهل والاقارب لانهم هناك،في المدينة التي استباحتها السلطة بطائفيتها قبل ان يستبيحها الارهابيون الدواعش.
وحتى عندما تعرضت زوجتك للدهس بسيارة من قبل سائق مستهتر،لانه موظف بجهاز امني،بعد عامين من علاجها المستمر للشفاء من السرطان،لم يطرقوا باب بيتك ايضا،سوى انهم همسوا في اذنيك بكلام عابر في ما إذا كنت تحتاج الى مال او مساعدة، فعلوا ذلك مثلما يفعل اي غريب قد يصادف وجوده ساعة تتَعثر وانت تمشي على الرصيف،فتسقط على الارض،لترد عليه " شكرا اخي" فيغادر الى حيث سبيله. فكانوا هم ايضا غرباء عنك، وكنت انت غريبا عنهم، فقط ثلاثة من الزملاء كانوا معك،وستبقى مدينا لهم،ولو لم تكن تعلم جيدا ان هؤلاء الثلاثة يرفضون ان تذكر اسمائهم لذكرتها الان،لكنك ستكتفي بالحروف الاولى ( ه ، م ، ي).   
بينما في المقابل تتذكر جيدا  كيف كان الموظفون الكبار في المؤسسة،وفي المقدمة منهم المدير،يتسابقون لاداء الواجب اذا ما تمرض اي زميل..كان الكل حريصا على ان يذهب الى بيته حتى يقدم له الدعم النفسي والمعنوي والمادي ،ولم يكن السيد المدير يذهب لاداء الزيارة الا ويأخذ معه اغلب الزملاء.
واحتراما لكرامتك الشخصية،اقسمت على ان لاتؤدي الزيارة لاي شخص منهم مهما مرت عليهم مصائب او افراح ،ابتدأ من كبيرهم الى صغيرهم،بعد ان وجدت في سلوكهم معك،مساحة شاسعة من التمييز لم تجد لها اي تبرير مقنع،لانك لم تعبّر طيلة وجودك معهم إلا عن احترامك لهم،ولم تكن منتبها على اية فوارق بينك وبينهم،ولم تكن تخطرعلى بالك فكرة انهم يجدوك غريبا عنهم،لانك لم تعتد على مثل هذه الافكار العنصرية،فأنت عشت طوال حياتك في بيت يقدِّر تنوع الهويات والمسميات،ولم تكن البيئة الاجتماعية الشعبية التي ترعرعت فيها غريبة عما يحمله اهلك من قناعات انسانية معتدلة،لذا لم تعرف انت شخصيا معنى التمييز .
فاتخذت قرارك مرغما بان تبقى وحيدا بارادتك،لابارادة الغير.
وبقي السؤال حتى هذه الساعة :لماذا المدير كان على هذه العنصرية معك ؟
لماذا لم يكن شجاعا ويقول لك مبكرا لسنا بحاجة اليك،فأنت لست منّا ؟
لاجواب سوى انه لم يكن شجاعا،وانه كان بحاجة اليك،والى خدماتك فقط، فتحمَّل وجودك مرغما،حتى استنفد كل ما يرجوه من عقلك وفكرك وطاقتك،فأعتصر اخلاصك مثل ليمونة ثم رماها .   
نعم انا نادم على كل لحظة مرَّت كنتُ فيها مغفلا بالحب والثقة. 
لم يخدعني من كان يمارس كراهيته ضدي علنا
لم يخدعني من كان يقول لي بانه لايطيق رؤية وجهي
لم يخدعني من كان ينكر وجودي صراحة
لم يخدعني من لم يعترف بي 
لم يخدعني من ارغمني على ان اهرب من مدينتي لانه كان يريد قتلي
لم يخدعني ذاك الذي احتقرني عندما لامني وبقسوة لاني ارتضيت ان اعمل مع من هم ليسوا من ابناء جلدتي
بل خدعني من ظننت انه لن يخدعني
خدعني من كان يمد يده اليمنى ليعطيني بينما يطعنني خفية بيده اليسرى.
خدعني من كان يتظاهر بالطيبة
خدعني من كان يمثل دور الضحية
ولم يخدعني من كان يفتخر بانه قاتل .
ورغم ذلك ، فأنا لست نادما لاني لم اكن في يوم ما عنصريا، ولن اكون .