المحرر موضوع: هل نحنُ نِتاج ما يُمليه علينا دماغنا ؟  (زيارة 108 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل رعد الحافظ

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 588
    • مشاهدة الملف الشخصي
هل نحنُ نِتاج ما يُمليه علينا دماغنا ؟

مقدمة :
هذا المقال بما فيه العنوان ,مجرد تنزيل على الورق لحلقة من برنامج (رحلة في الذاكرة). يقدّمه على قناة روسيا اليوم (العربيّة) مثقف إسمه (خالد الرشد)!
أقوم بذلك نظراً لأهميّة المعلومات القيّمة والكلام العلمي المُبَسّط المتضمن في هذا الشريط وحرصاً على القرّاء المهتمين بتطوير معارفهم العامة!
ضيف اليوم هو (د. فياتشيسلاف دوبينين) الحاصل على شهادة دكتوراه الدولة في علوم البيوكيمياء ,يلقي مُحاضراته في كليّات الكيمياء الحيويّة والطبّ وعِلم النفس بجامعة موسكو الرسميّة وغيرها من مؤسسات التعليم العالي!
له العديد من المؤلفات والكتب العِلميّة والتدريسيّة والمحاضرات المدّونة والنصوص التوضيحيّة لطلاب عِلم النفس الفيزيولوجي وعِلم النفس الوراثي وعِلم البيئة!
فضلاً عن ذلك ذاعَ صيته في الوسط العِلمي كأشهر المُحاضرين وأكثرهم تميّزاً في تبسيط المواد العِلميّة والترويجِ لها!
في هذه الحلقة نستضيف البروفيسور دوبينين ليَرسُمَ لنا لوحة عامة للمعارف المُتعلّقة بعِلم الدماغ والفيزيولوجيا العصبيّة .سيكون الحوار بشكل سؤال من المقدّم وجواب من الضيف!
***
صورة :
 

***
عن الدماغ :
س 1 / منذُ عقود وأنتَ تبحث في مسائل الفيزيولوجيا العصبيّة ولكَ باع طويل في ميادين عِلم الأعصاب عامةً ,فهل باتَ كلّ شيء واضح لكَ في نظام عمل دماغ الإنسان؟
أم ماتزال هناك ثغرات وآليات غير واضحة في نشاط الدماغ؟
أقصد ,هل بوسعنا اليوم أن نُحدّد بالنسبة المئويّة ما باتَ معروفاً عن الدماغ ,وما لا يزال بحاجة الى مزيد من الدراسة والبحث؟
ج : هذا السؤال غالباً ما يُطرح على المُختصين ,وغالباً لا إجابات حاسمة عنه!
لأنّ كلّ شيء يتوقف على الدماغ الذي ندرسه ,أي على كلّ دماغ بعينهِ!
لنَقُل مثلاً أنّنا نمتلك نصف المعلومات عن الدماغ ,ولا نمتلك النصف الآخر!
بمعنى أنّنا درسنا بعضاً من الدماغ بدرجة لا بأس بها!
في الواقع كلّ سنتين أو ثلاث تُمنح جائزة نوبل للعلماء في هذا المجال تقديراً لإنجازاتهم .
ما يعني أنّ هناك تقدمّاً مستمراً .لكن مع ذلك لا تزال هناك مسائل مُعقدة .
أساساً على مستوى الجُزيئات لم تحظى بالدراسة على الإطلاق!
حتى الآن مثلاً لا تزال معرفتنا متواضعة بكيفيّة تشكّل الدماغ في مرحلة تطوّر الجنين .هذا يتعلّق بخلايا عصبيّة مُعيّنة!
ولا يزال فهمنا قاصراً جداً فيما يتعلّق باُسس تشكّل الوصلات بين الخلايا العصبيّة وكيف تتغيّر وكيف تبقى الخلايا حيّة وتزداد قوّة!
إنّ بنى (جمع بنية) الدماغ العصبيّة بحدّ ذاتها حظيت بقدر لا بأس به من الدراسة!
إنّنا في حالاتٍ معيّنة نعرفُ الكثير ويُمكن أن نفعلَ الكثير من أجل العلاج!
لكن في حالاتٍ اُخرى نعرف أسباب المرض دون أن نعرف كيف نعالجهُ كما في مرض الزهايمر!
أمّا مرض (الصَرَعْ) فنعرف عنه الكثير ونعرف كيف نُعالجه ونتعايش معه!
فضلاً عن ذلك هناك أنواع معقدة من الأمراض لا يزال منشئها لُغزاً حتى الآن ,كذهان الهَوَس الإكتئابي مثلاً!!!
س 2 / وماذا بالنسبة للشيزوفرينيا ؟ أقصد مُقارنةً (بإضطراب ثنائي القُطب) أو ما كان يُعرف بالهَوَس الإكتئابي ؟
ج : لعلّي أقول أنّ الشيزوفرينيا أو (الفصام) أسهل من غيرهِ في العلاج وفي التشخيص!
أمّا (الإضطراب الثنائي القُطب) فهو حقّاً مُعقد جداً على صعيد البحث!
س 3 / هل من الصعب دراسة أسباب التقلبّات الكبيرة في المزاج في حالة (الإضطراب ثنائي القطب) التي تبدأ من الإنفعال الإيجابي الكبير لتصل حتى الطور الإكتئابي الشديد؟
ج : نعم .. ولا تُعرَف أيّ آليات قد تحطّمت أو إختلّت في دماغِ شخصٍ معيّن!
لقد أعددتُ مداخلةً حولَ هذا المرض في مؤتمرٍ دولي!
وإذ تعمّقتُ مرةً اُخرى في هذهِ المشكلة ,أدركتُ كم هي معقدّة من كلّ الجوانب!
في هذه الحالة تلعبُ دوراً مهماً ومستقلاً ,كُلّاً من الخصوصيّة الشخصيّة وفرادةَ الدماغ عند كلّ إنسان بعينهِ!
س 4 / تقصد التباينات الشخصيّة ؟
ج : نعم .. الخصائص الفرديّة!
يبدو أنّه بالإمكان الأخذُ باُسس المرض العامة ,لكن عندما يتعلق الأمر بمعالجة مريض بعينهِ ,طفلٌ بعينهِ مثلاً ,فسوف تكّفُ الاُسس العامة عن العمل .
لذلك لابُدّ من مقاربةٍ خلّاقة شاملة مُتعدّدة الجوانب ,ولا غنى عن خبرةٍ هائلة عند طبيبٍ مُعيّن أو أخصّائي نفسي مُعيّن!
لذلك اُردّد في مُحاضراتي عادةً ,بأنّي بايولوجي وفيسيولوجي وأدرسُ المباديء العامة لنشاط الدماغ .وأنّنا نحنُ كبيولوجيين في وضعٍ مُريح جداً ,وإذ ندرسُ الأسس العامة لنشاط الدماغ فسوف نتحدّثُ عنها لأطبّاء مُعينين ولعلماء نفس .
بعد ذلك وإستناداً لهذه المعارف العامة يبدأ هؤلاء عملهم لمعالجة مريضٍ مُحدّد ,وهنا تظهر التباينات الفرديّة .المباديء العامة بالطبع ضروريّة للأطباء والسايكولوجيين في العمل!
وأنا أرى بأيّ إهتمامٍ ينصتون إلينا (الى إختصاصي البيولوجيا العصبيّة)!
لكن في كلّ مرّة أؤكد أنّ المباديء العامة هي مجرّد أساس ,وفي أحسن الأحوال يمكن الإستعانة بها لحلّ 70 الى 80% من مهام المُعالجة .بعدها تأتي مهمة الأطبّاء والسايكولوجيين ,لمعرفة ما الذي يؤثر على وضعِ الشخصٍ المعيّن!
أحياناً في أمراضٍ معيّنة لا نعرفُ حتى الاُسس العامة ,لذا هناك على الدوام مَنْ يسأل عن حجمِ معرفتنا بالدماغ ,وكما قلت ليس هناك جواب واضح!
س 5 / طيّب ما رأيك ,عندما سيُدرس هذا المجال العلمي أكثر في المستقبل ,ربّما سيتمكن الإنسان من التعمّق في دراسة الجهاز العصبيّ في المرحلة المُبكّرة من تشكلهِ ,وقد يتسنى للعُلماء حينئذٍ أن يتفادوا الأعطاب التي تسبّب هذا المرض أو ذاك .أقصد قبل أن يكون الدماغ قد تشكّلَ بالكامل ,فهل هذا مُمكن برأيك؟
ج : إذا بدأنا نتدّخل في عمل الدماغ في مراحلهِ المُبكرة ,فسيكون هذا كالسيرِ في حقلٍ من الألغام ,لا يفصل بين لغمٍ وآخر سوى عشر سنتيمترات!
بل منذُ الآن يبرز كثير من الجدل كما تعلم حول تعديل الجينات وتصحيحها!
س 6 / نعم ولهذا سألت ,إذ ينشبُ الجدَل حول بعض الممارسات العلميّة ,من قبيل الهندسة الوراثيّة على سبيل المثال؟
ج : أستطيع القول أنّ ما نعرفهُ عن الجينات ,أكثر بكثير ممّا نعرفه عن تفاصيل تشكّل دماغ الإنسان في مرحلة تكوّن الجنين!
في هذا المجال حتى اليوم لم يُدرَس شيء تقريباً ,فكُلّ الأمور هنا مُعقدة للغاية .وتتطوّر بسرعة كبيرة .مثلاً تظهر جزيئاتٍ ما لبضع ساعاتٍ فقط فتعيد توجيه حركة الزوائد العصبيّة صوبَ المنطقة الضروريّة ,ثمّ تختفي .لكنّنا لانعرف عنها شيئاً بما يكفي من الوضوح!
بينما نعرف الكثير عن الحمض النووي لدى الإنسان ,فهو موضع دراسة وتوصيف منذُ سنين عديدة .ونحنُ نعرف أنّ هناك 20 ألف جينة تُشكّل الأساس لإنتاج 20 ألف بروتين!
أمّا نصفُ هذه البروتينات فحتى الآن لا نعرفُ عنها شيئاً ولا الغرض منها .
وحتى لو إكتشفنا وظيفة بروتينٍ ما ,فهذا ليس دليل قاطع بعد ,على أنّه في وقتٍ آخر ومكانٍ آخر من العضوية ,لن يقوم بتنفيذ وظيفةٍ اُخرى مختلفة بشكلٍ كُلّي .
هذه الأمور وغيرها ,لم تحظى بعد إلّا بالقليل من الدراسة!
لذلك فيما يتعلّق بالتأثير على تطوّر الجنين نستطيع ممارسة ذلك من الخارج فقط .
نستطيع مثلاً أن نوّفر للمرأةِ الحامل ظروف مريحة لأقصى حدّ مع أقلّ قدرٍ من الإجهاد ,
الى جانب التغذية الطبيعيّة وتجنّب أيّةِ أمراضٍ مُعدية أو إصاباتٍ ,وما الى ذلك .
على هذا المستوى نستطيع (ويجبُ علينا) أن نؤّثر في تطوّر الجنين!
أمّا القيام بهذا على مستوى الجُزيئات فتلك مسألةٌ اُخرى .لأنّ هذا النوع من التأثير يتطلب تشخيصاً مُبكرّاً ,إمّا بالأمواج فوق الصوتيّة (مع أنّ هذه وسيلة ليست دقيقة بما فيه الكفاية).
أو بالتحليل الجيني .وفي هذه الحالة تؤخذ عيّنة من السائل الأمينوسي المُحيط بالجنين والذي يحتوي خلايا الجنين .ويمكن التأكّد هنا إن كانت لدى الطفل المُقبل حالات مرضيّة أم لا .
يجري هذا التحليل كقاعدة عامة إن كانت في العائلة أمراض وراثيّة ما .أيّ يُمكن إجراء تحليل جيني للوالدين والتأكد من نسب إحتمال ظهور هذا المرض أو ذاك ,في الجنين!
ويمكن مراقبة تطوّر الطفل بإهتمام بعد ولادتهِ .بمعنى المختصين يبدؤون بدراسة الحالة الصحيّة للطفل الوليد مباشرةً بعد ولادته .
بحيث يبدؤون بالتدّخل العلاجي عند أدنى شكّ بتطوّر المرض!
لنأخذ مرض التوحّد مثلاً  : إنّ التشخيص المبكر والدقيق يتيح البدء بتصحيح الحالة المرضية على مستوى التربيّة إبتداءاً من عمر السنتين!
وهناك طرق تتضمن مثلاً العناية العلاجيّة التربويّة للطفل ( 4 ــ 5 ) ساعات يوميّاً .
بفضلِ ذلك ممكن إحراز نجاحٍ ملموس ,على الرغم من أنّ  العطب كامنٌ أصلاً في بنية دماغ الطفل .هذا طريق صحيح للعلاج لأنّ دماغنا مرنٌ جداً في بداية تطوّرهِ!
س 7 / وأنتَ تتحدّث عن مرونةِ الدماغ خطرَ ببالي هذا السؤال!
من وجهةِ نظرك ,الى أيّ مدى يمكن تعديل المُعطيات الأصليّة للدماغ؟
يعني بأيّ قدرٍ يُمكننا التأثير على ما حبتنا بهِ الطبيعة؟
وما نسبة النجاح عند تعديل نشاط الدماغ في مجرى نضوج الإنسان وبعد إكتمال تشكّل الدماغ؟
يعني مثلاً هل يستطيع الشخص البالغ تصحيح شيئاً ما في ذاتهِ؟ كأن يصبح أكثر موهبةً في مجالٍ ما ,ويغدو قادراً (وأرجو المعذرة هنا) على تجاوز الغباء الفطري إن كان موجوداً ؟
ج :
هناك نسبة متوسطة .إذا كنت تريد معرفة النسبة بالأرقام ,فالنسب متوسطة جداً !
هذا ما يمكن قوله تقريباً ,فحوالي 50% يتوّقف على الجينات!
ثمّ هناك 25 ــ 30% يتوقف على تطوّر الجنين / كيف جرى هذا التطوّر ,وما العوامل الخارجيّة أثناء الحَمل ,وما بين سنتين الى ثلاث سنوات من العُمر ,حيث لا يزال نشاط الدماغ عند الطفل قيدَ التشكّل .أيّ عندما نظهر للوجود تكون كلّ الخلايا العصبيّة قد إتخذت أماكنها ,لكن الدماغ الناشط هو أيضاً خلايا عصبية تتشابك مع بعضها بواسطة الزوائد .
إذاً يجري تشكّل الزوائد وتشابكها في أوّل سنتين أو ثلاث سنوات من حياتنا !
وفي السنة الثالة من عُمر الطفل تظهر شبكة عصبيّة كثيفة الى أقصى حدّ ,وأكثر ما تتشكل هي الوصلات العصبيّة أو (روابط الدماغ البينيّة) !
وهكذا فإنّ الكثير جداً يتوقف على مدى كثافة شبكة الخلايا العصبيّة وقدرتها على تحسّس الأوضاع الحياتيّة الأكثر تنوعاً !
أمّا نسبة الـ 20 ــ 25 % المتبقيّة فهي ما يتغيّر خلال حياتنا .عند بلوغنا من العمر أربع او خمس سنوات ثمّ 15 سنة وهكذا !
تجدرُ الأشارة الى انّ نسبة الـ 20% الاخيرة هذه ,هي مقدارٌ هائل في حقيقة الامر .
وإذا قارنّا أيّ أرقامٍ في مجال آخر من مجالات البحث نُدرك كَم هي إفتراضيّة جميع هذه النِسَبْ .وإذا نظرنا في مدى إختلاف شخصٍ ما عن شخصٍ آخر جينيّاً نرى أنّ الفرق هو 0,1 % أو 0,2 % . بينما فرق الإنسان عن الشمبانزي هو 1,5 % !
س 8 / حسناً إسمحلي أن أنطلق مرّةً اُخرى من عبارتك الأخيرة ,لأصيغَ سؤالي على النحو التالي : فضلاً عن الناحية الجينيّة وإذا نظرنا للأمر من الناحية الفيزيولوجية العصبيّة والمورفولوجيّة والبيوكيميائيّة والهرمونيّة ,ما هي التباينات الرئيسيّة بين الإنسان العاقل (هوموسابينس) وأقرب أقربائنا من عالم الحيوان؟
يعني بالنظر الى الفرق على مستوى البُنية والبيوكيمياء الدماغيّة / هل من الواضح تماماً للعلماء الآن ما الذي جعلَ منّا بشراً ,وبشراً عاقلين قبل كلّ شيء ؟
ج : هناك كتاب رائع عنوانه (مَنْ هو الأهم؟) مؤلفهِ دكتور الأعصاب الأمريكي الشهير مايكل گازانيگا .(سأضع صورة لغلاف الكتاب لمن يشاء البحث عنه ,عسى أن تظهر)!
صورة الغلاف :

 

على مدى فصلٍ كامل من الكتاب يدرس هذه المسألة بالتحديد مُنطلقاً من المفارقة التالية :
إذا إقتطعنا مليمتراً مكعباً من الدماغ وأعطيناهُ لإختصاصيّ بارع ,بيوكيميائي يشتغل على الخلايا الدماغيّة سنوات عديدة ,فلن يستطيع الجَزم إن كان هذا الدماغ لإنسانٍ أم لقرد ,حتى لو كان القرد من نوع الماكات الصغير!
لذلك من المغري جداً إعتبار أنّ خلايا وجزيئات الدماغ تحديداً هي التي تجعلنا بشراً ,لكن مثل هذا الجواب البسيط لا يجدي نفعاً !
هناك بالطبع أنماط من الخلايا العصبيّة لها زوائد طويلة جداً وتوجد في القشرة الأماميّة تسمى خلايا (بونت إيكونومو العصبيّة) .هذه خلايا فريدة من نوعها وتوجد عند القرَدَة العُليا ,وهي أكثر ما تكون عند الإنسان!
هناك أيضاً في دماغنا خلايا (بيتز) العصبيّة الهرميّة ,التي تمتدُ من قشرة فصيّ الدماغ
الكبيرين (نصفي كرة الدماغ) مباشرةً حتى الخلايا التي تتحكم بالأصابع!
هذه الخلايا عند الإنسان موجودة بنسبة 7% ,بينما لدى الشمبانزي 2% !
س 9 / وربّما مناطق النُطق عند الإنسان يجب أن تكون أكثر تطوّراً .. صحيح ؟
ج :
بالمناسبة إذا تحدّثنا عن مناطق الكلام فيجب أن ندرس القشرة الجدارية والقشرة الأماميّة ,
لكنّنا لن نكتشف هناك أيّ ميزات خاصة على مستوى الخلايا العصبيّة!
س 10 / تقصد مُقارنةً بالرئيسيّات العُليا ؟
ج :
نعم هذا مُثير ,لن نكتشف إختلافات نوعيّة في الخلايا العصبيّة ,لكن سنكتشف إختلافات كميّة .سنكتشف أنّ لدينا عدداً أكثر بـ 6 الى 8 مرات من الشمبانزي!
أيّ ليس أكثر بـ 100 مرّة مثلاً ,بل فقط أكثر بـ 5 أو 6 أو 8 مرّات !
س 11 / أيّ أنّنا هنا نرى تحوّل الكمّ الى النوع بحسب (قانون هيگل) عن تحوّل التغيّرات النوعيّة الى كميّة !
ج :
نعم .. نعم ..وطبيب الأعصاب مايكل كازانيكا (إيّاه) وكثير من العُلماء وضمن الفلاسفة أيضاً يُسمّوون ذلك بالإنبثاق أو الفيض!
أيّ أنّ المنظومة التي تنامت كميّاً تكتسب فجأةً خصائص جديدة لا ترتبط منطقيّاً بما كان قبلها !
گازانيگا يوردُ بخارَ الماءِ مثالاً على ذلك .نعلم كيف تتبخر جزيئات الماء وكيف تشكّل سُحباً .لكن لا نستطيع التكهّن بشكلِ السُحُب الذي ستكون عليه .فسحابةٌ ما قد تشبه الجمل ,وأخرى قد تشبه السفينة!
وبالعودةِ الى الدماغ ,النتيجة النهائية التي لا يمكن التنبؤ بها للإنتقال من الكميّة الى النوعيـّة هي عقليتنا وخصوصيتنا الفرديّة!
س 12 / طيّب وكميّة تلافيف الدماغ ومناطق مُعيّنة منه كالتي يتميّز بمثلها النوابغ مثلاً ,
هل تختلف عن كميّة تلافيف ومناطق الدماغ عند الشمبانزي على سبيلِ المثال ؟
يعني هنا هل يختلف دماغنا عن دماغ الرئيسيّات؟
ج :
عندما ندرسُ دماغ نابغة كآينشتاين أو مايكوستي أو أيّ نابغة آخر فهذا ميدان مُستقل للبحث.  نعم لقد دُرِسَت أدمغة كهذه وجرى البحث عن إختلافات تُميّزها عن غيرها .
أحياناً عُثِرَ على إختلافاتٍ ما .وعادةً ما يُعثر عليها في المناطق المرتبطة خصيصاً بنبوغ شخصاً ما مُحدّد .لكن في كلّ مرّة يُطرح السؤال :
هل هذه الخاصيّة كانت منذُ الولادة ؟ أم ظهرت لأنّ هذا الشخص يعمل على تطوير وتحسين معارفهِ وقدراتهِ 10 ساعات يومياً مثلاً ,على مدى طوال حياته .فربّما بسبب ذلك تطوّرت هذه المناطق .لكن كقاعدة عامة .. العاملان يؤثرّان!
هناك علمٌ يُعنى بمثلِ هذه المسائل إسمه علم الوراثة النفسي .كان معروفاً حتى قبل الإختراق الذي حققه علم الجينات المُعاصر!
منذ أواخر القرن التاسع عشر كان العلماء يدرسون التؤائم اُحاديّة البويضة وثنائية البويضة.
أيّ الكائنات وحيدة الزيگوت (البويضة المُلقحة) ,أو ثنائية الزيگوت !
وحيدات الزيگوت كائنات من خليّة ,بويضة واحدة وبالتالي تتطابق جينيّاً 100% !
من المستحسن مقارنتها بالكائنات ثنائيّة الزيگوت وفيما بينها !
عموماً وحتى قبل الحقبة الجينيّة كان علماء الوراثة النفسيّة طيلة القرن العشرين ,يقارنون تطوّر التوائم وحيدي البويضة (وضمناً) الذين إفترقوا بعد الولادة !
لنتذكر الفتاتين (سيتا وكيتا) في أحد الافلام الهندية .إحداهما تجد نفسها في اُسرة غنيّة والأخرى في اُسرة فقيرة .وكلاً منهما تربّت بطريقةٍ مختلفة .
هذا شيءٌ فريد ,لكن مثل هذه القصص تحدثُ فعلاً !
علماء الوراثة النفسيّة درسوا التوائم وحيدي البويضة ,أي أشخاص متشابهين جينيّاً 100% إنّما ترعرعوا في ظروفٍ مختلفة!
جمع العلماء معطيات هامة ودرسوا وفق معايير مختلفة تطوّر أؤلئك الأشخاص.
فكانت المحصّلة أن مستوى أو مُعدّل الذكاء وراثيٌّ بدرجة ملموسة ,أي بنسبة 50 ـ 55% تقريباً .والجينات هناك لا تقّل عن 300 ــ 400  ,لكن هذا غير هام .فما هو المهم إذاً ؟
النتيجة .. وهي أنّ مستوى مُعيّن من الذكاء ,فطريٌّ في كلّ شخص منذُ الولادة!
  عند شخص معيّن يكون مستوى الذكاء 110   وهذا معدّل متوسط . IQ 
وعند شخص آخر يكون 90 وهذا أيضاً متوسط ,لكنّه اقرب الى المتدّني .
وإن كان المعدل عند شخص ثالث 130 فهو موهوب!
لكن كلّ شيء فيما بعد يتوّقف على كيفية إستخدام كلّ شخص لما كسبهُ فطريّاً من قدرات. وهذا لا يتوقف عليه فقط ,بل على والديه ومعلميه والأوضاع المحيطة!
لذا يتغيّر معدّل الذكاء ,مثلاً قد يزداد بمقدار 20 وحدة أو ينقص بـ 20 وحدة عن المستوى المُسجل منذ الولادة .هذا يُسمى في علم الوراثة / بمعدل ردّ الفعل!
أبسط مثال هو طول قامة الشخص .فكل واحد له طوله بالفطرة ,وقد يزداد أو ينقص بمقدار خمس سنتمترات تقريباً .هذا يتوّقف على إسلوب ونمط حياته .إن كان رياضيّاً ويتعذى جيداً أم لا .كذلك هو معدّل الذكاء ,وحتى الوزن!
لكن تذبذب معدّل ردّ الفعل في حالة الوزن أكبر بكثير .أيّ أنّ مؤشر الوزن أكثر تغيراً .
بينما معدّل الذكاء يتفاوت بحدود 20 وحدة زيادة أو نقصان .
مثلاً إن كانت الجينات قد أعطتك معدّل ذكاء 130 تستطيع أنتَ زيادته الى 150 لتكون نابغة .لكن من المحتمل أن تتكاسل ليصبح معدّل ذكائك 110 وبعدها !
عموماً يمكن أن يؤخذ في الإعتبار عدد كبير من الظروف ,مثلاً إذا أرضعت الأمّ وليدها لعام فهذا يضيف 5 وحدات لمعدّل الذكاء .
وإذا حاز المرء تعليماً عاليّاً فهذا أيضاً يضيف 5 وحدات لمعدّل الذكاء ..وهكذا !
س 13 / لكن خمس وحدات لا تغيّر شيء في الجوهر ,بل التعليم العالي قد يكون متباين جداً من حيث المستوى ؟
ج :
هذا صحيح ,فبعض مؤسسات التعليم العالي ممكن أن تضيف 10 وحدات فوراً لمعدّل الذكاء وأخرى قد لا تضيف شيئاً .
بالمناسبة هناك علماء ينتقدون مؤشر مُعدّلات الذكاء ,إذ يرون إستحالة إحتساب المعدّل الدقيق للمستوى الذهني .لكن الردّ على هؤلاء هو أنّ العِلم لم يخترع شيئاً أفضل لحدّ الآن!
س 14 / طيّب لو إنتقلنا الآن الى العوامل البيوكيميائيّة ,هل يتوقف إنتاج المؤثرّات العقليّة أي (المخدرّات الداخليّة مجازاً) وبيوكيمياء الدماغ ,على ما ورثناهُ جينيّاً ؟
لأنّ مؤشراتها عند البعض عالية وعند آخرين أقلّ .بمعنى لدى البعض يكون مستوى (الدوپامين) عالياً .بينما عند البعض الآخر مستوى (الأوكسودايسين) منخفضاً .
وهذا ما يؤثر على الشخص بهذا الشكل او ذاك ,أي على طبعهِ!
بالأحرى هذا مرتبط بوجود أربعة انماط من شخصيّات البشر سبق أن صنّفها الإغريق القدماء .واليوم هناك علم النفس الإجتماعي الذي يقوم بتصنيف الأنماط النفسيّة للبشر.
الى أيّ مدى هذا ثابت ؟ أم أنّ الإنسان قادر على تغيير نمطه العقلي تبعاً للوسط الذي يعيش فيه وللتربية والثقافة (والدين) .. و ما الى هنالك ؟
ج :
نخشى أن يكون متعذّراً تغيير شيء ما .هناك المكوّن البيوكيميائي للدماغ هو ذاك الأساس الجيني الذي عليه ينمو كلّ شيء فيما بعد .وإذا كانت للمرءِ بيوكيمياء على نحوٍ مُعيّن ,كأن يكون في الدماغ كثير من الدوبامين مثلاً فسيكون أكثر إندفاعاً وسوف يطمح للزعامة ,
وحتى سيكون عدوانيّاً في بعض الأحيان!
(حتماً صدّام وهتلر وموسوليني وستالين والقذافي ..الخ ,كان لديهم الكثير من الدوبامين في أدمغتهم / كاتب السطور)!
وإذا كان (الدوبامين) أقلّ من الطبيعي لدى المرء فسيكون اكثر عرضة للإكتئاب ولإدماناتٍ ما .لكن القضيّة لا تكمن في جزيئات الدوبامين فقط .
عند إنتقال الإشارة العصبيّة تجري جملة كاملة من المراحل يشارك في كلٍ منها جُزيء بروتيني معيّن ,وكلّ جزيء بروتيني مرتبط بجين معيّن !
وعندما نتكلم عن تأثير فعل الدوبامين ,نعني في حقيقة الأمر نشاط حوالي 50 نوع من مختلف البروتينات والجينات التي تضطلع بهذا الفعل .أي أنّ كلّ مؤثر نفسي أو ناقل عصبي هو 50 بروتين مختلف!
وهذه تكون أكثر في حالة (السيروتونين) لأنّ هذا له نظام معقد جداً.
بعض النواقل العصبيّة مدروس بدرجة لا بأس بها ونحن نعرف مبدأ عملها وتأثيرها !
أمّا في حالة (مرض التوحد) ,حيث يجب دراسة مستقبلات الدوبامين من النوع الثالث ,فلا شيء عملي يُعّد مفهوم لحدّ الآن!
إجمالاً هناك 5 أنواع من مستقبلات الدوبامين!
مثلاً عند التأثير على مُستقبلات النوع الثاني من الدوبامين بالادوية المُضادّة للذهان (أي مُهدّئات الاعصاب) ,يمكن خفض مستوى الدوبامين !
إنّ العُلماء يعرفون (مُستَقبِل) الدوبامين من النوع الأوّل ويدرسونه ,لأنّه مرتبط بظهور أعراض الفصام ويقومون بدراسته!
أمّا مُستقبلات الدوبامين من النوع الثالث والرابع والخامس ,فلا يُعرَف عنها إلّا القليل جداً.
بعضها مرتبط بالغيرة والآخر بالوفاء وما شابه .هناك بحوث علمية في هذا الجانب لكنّها ليست كافية .خاصةً عندما نتحدّث عن مظاهر سلوكيّة معقدة!
يمكن دراسة العدوانية العاديّة أو الدافع الغذائي بإجراء تجارب على الفئران البيضاء .
أمّا الطموح للزعامة أو مظاهر الوفاء ,فلا يمكن دراستها على الفئران!
العلاقات الأحادية تُدرس على دماغ نموذج تجريبيّ هو أيضاً كائن اُحادي كالإنسان .
أين يمكن العثور على مثل هذا الدماغ ؟ الأبحاث في المحصّلة تتقدّم لكن بصعوبة!
س 15 / أي فيما يخص التركيبة النفسيّة والخصال الفرديّة للأنسان فمن الصعب أن نُغيّر شيئاً هنا ؟
ج :
أثناء التجارب يجب إستخدام الجزيئات التي ستمارس تأثيرها على منظومة دماغ مُحدّدة .
هذا يعني أنّ من الضروري صنع عقاقير من شأنها التأثير بدقة على أجزاء معيّنة من الدماغ .بنيةُ دماغنا ومنطق أداء وظيفته يضعان عقبات جدّية في هذه الحالة .
لأنّ من الشائع جداً أن تؤدّي شبكة عصبيّة ذاتها في أماكن مختلفة من الدماغ ,وظائف مختلفة تماماً .هذا يشبه كما لو أنّ أحداً ما يخترع رقاقة صغيرة جداً ثمّ يدخلها في بطاقة الفيديو الخاصة بالحاسوب وفي معالجه المركزي وفي كثير من الوحدات الاخرى!
هكذا يفعل التطوّر فعله ,يُنشيء منظومة ثمّ يستنسخها وينشرها!
وعندما نحقن نحن دواءً في الجسم يبدأ بالتأثير على كامل المنظومة ,على الجسمِ بأكمله!
وفي النتيجة قد تحدث تأثيرات جانبيّة ,ليس لأنّ الدواء رديء ,بل لأنّ الجسم (مدَوزَن) على هذا النحو!
في حالاتٍ ما (للحقيقة) يتسنى إيجاد خاصيّة ما ,تحديداً لقشرة نصفي الدماغ ,أو لمراكز الإنفعالات .خاصية ليست موجودة في الأجزاء الأخرى .عندئذٍ يمكن ممارسة تأثير مُحدّد بالضبط .لذلك فإنّ دراسة النواقل العصبيّة تتقدّم اليوم الى مستويات عميقة!
إنّ (السروتونين , الدوبامين ,و الأستيل كولين) معروفة للجميع .والآن عكف العلماء على دراسة مادة فعّالة بيولوجيّاً في جسمنا (كالببتيدات التنظيمية) .يمكن بالإشتغال عليها إكتشاف الجزيئات التي يؤثر كلٌ منها مثلاً على العطش على العدوانية على الوفاء ,أو على الجوع!
س 16 / على الغرائز الأساسيّة تقصد ؟
ج :
نعم .. من الصعبِ التصوّر أنّ بوسعنا التحكّم بفكر الإنسان ,حتى أنّني لا أعرف كم من الأقطاب الكهربائية يجب أن نوصلها بالرأس ليتسنى لنا دراسة الأفكار .
بينما يمكننا التحكّم بالمستوى العام لدوافع الإنسان وحاجاته!
إنتهى وقت الحوار / نصف ساعة !
[المقدّم خالد الرُشد يشكر البروفيسور دوبينين على هذا الحديث ويأمل اللقاء ثانيةً مستقبلاً]!
***
الخلاصة:
ربّما ينتبه قاريء هذه الورقة (بالأصل شريط) ,لكميّة المعلومات العامة المتوفرة عن دماغنا البشري .وأنواع المشاكل والأمراض التي تواجه الإنسان في هذا المجال .والعوامل والظروف التي قد تساعد في تطوير مستوى الذكاء أو الموهبة في حالات مُعيّنة .وكيف أنّ الجينات الموروثة تلعب نصف الدور تقريباً .بينما النصف الآخر ينقسم ما بين عوامل تطوّر الجنين ولحدّ أن يبلغ الطفل 3 سنوات وطريقة التربية (أو التلقين لو شئتم / في بعض الثقافات الشموليّة). ثمّ مُحيط المرء نفسه وظروفه وطريقة كلّ شخص في تطوير قدراته بالمعرفة والتدريب اليومي ,أقصد كفاح الشخص لأجل أن يكون أفضل!
تحدّثَ أيضاً عن بعض الأمراض الدماغية التي تُشخص لدى الجنين وإمكانية علاج بعضها بتعاضد العلوم الطبيّة والعائلة ذاتها!
وبالأرقام فقد ذكر (البروفيسور دوبنينين) ,أنّ كلّ شخص لو رغب هو و توفرت له الظروف الملائمة ,فإنّ بإمكانه زيادة معدّل ذكائه لـ 20 درجة وربّما إمكانية الوصول لمرحلة النبوغ .أو ربّما يحصل العكس في حالة الإهمال والتقاعس والكسل!
ثمّ تحدّث عن (الدوبامين) وتأثيره (في حالة الزيادة) على طبائع الشخص كأن يكون عدواني أو طامح للزعامة وما شابه .بينما في حالة النقصان عن المعتاد قد يصبح المرء مُدمناً على شيء ما بسرعة!
كثير من المعلومات العلميّة المفيدة حول دماغنا البشري المسؤول الأوّل عن أعمالنا ومصائرنا!
شكراً لمن يقرأ ويوصل ما تعلمّه لمن حوله .لأنّ حياتنا لا تتحسن بغيرِ العلوم والمعرفة!
***
الرابط :
 https://arabic.rt.com/prg/telecast/1125320-%D9%87%D9%84-%D9%86%D8%AD%D9%86-%D9%86%D8%AA%D8%A7%D8%AC-%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%87-%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%86%D8%A7-%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%BA%D9%86%D8%A7-%D9%88%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A3%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D9%89-%D9%8A%D9%85%D9%83%D9%86%D9%86%D8%A7-%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%86%D9%85%D8%A7%D8%B7%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D9%82%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84%D9%8A%D8%A9/


رعد الحافظ
28 يونيو 2020