المحرر موضوع: قصة قصيرة: الجبل والفراغ والعمر المديد  (زيارة 332 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يوخنا اوديشو دبرزانا

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 40
    • مشاهدة الملف الشخصي

الجبل والفراغ والعمر المديد

يوخنا  أ  دبرزانا

طال غيابه هذه المرة . مر أكثرمن  شهرين دون ملاقاته من عادته قضاء أياماً من كل شهر معهم في المدينة يوزعها  بين بيلوس وبين  حفيد أخيه. في يوم تشريني وجد بيلوس نفسه في قرية جيلو السفلى المعرفة في دوائر الدولة والعامة (تل كوران ) حيث يقيم  الشماس مع الحفيد الأصغر الذي  خصص له غرفتين مفتوحتين على بعضهما على مرتفع تطل النوافذ من جهة الشمال على نهر الخابور ويمتد النظر إلى سهول القرى المقابلة من الطرف الآخر للنهر. كان باب الصالون مفتوحا دخل من دون طرقه أما باب غرفة النوم فكان نصف مفتوح هوذا الشماس بكامل أناقته المعهودة جالسا صوب النافذة على وسادة رامياً ثقل رأسه على يديه المتشابكتين تحت ذقنه . لم يشأ بيلوس قطع هذه الخلوة إلى حين . بعد فترة فوجئ بسؤال بيلوس أين وصلت ياخال هل كنت في جيلو؟ التفت هذا أنت عزيزي ! أهلا بك رد ضاحكاً  نعم كنت هناك على ضفاف الزاب .أتدري يا بيلوس إن بعد هكاري من هنا لا يتجاوز ضعف بعدنا عن القامشلي .
على الطاولة كانت قنينة العطر وعدة الحلاقة وأوراق مرتبة وكتب بالانكليزية والسريانية ومحبرة مغلفة بجلد سميك يبدو عليه الهرم مغموس فيها ثلاث أقلام ريشية قديمة  كالتي يستعملها الخطاطون هذه المجموعة عزيزة عليه فهي هدية أستاذه قبل سبعين سنة . حسناً أنك أتيت دعنا نشرب الشاي سوية ونتمشى  إذا لم تكن مستعجلاً بعودتك .  أبداً ياخال اني هنا لأكون معك اليوم بأكمله  .   
لم تكن صلة القرابة البعيدة من خلال الوالدة وزوجة الشماس  الدافع للود والمحبة والاحترام  بين العائلتين وإنما رابطاً من نوع آخر. فجد ووالد بيلوس من التواقين مثل الشماس للمعرفة ونشرها رغم أن الجد لم يكن متعلماً لكنه أرسل أبنه الوحيد للدراسة في أحد الأديرة متحدياً سلطة رئيس طائفته دافعاً لجزية فرضها عليه . في تلك الحقبة كان المتعلمون وذوي المعرفة نادرين في أشوريي الخابور بسبب عدم الاستقرار والتهجير الدائم بالإضافة إلى محاربة السلطتين الدينية والعشائرية. إنهم أبناء وأحفاد المآسي الممتدة من هكاري في تركيا اليوم مرورا باورمية  وصولاً إلى العراق وسوريا ومنها تناثرت العائلة الواحدة في أصقاع المعمورة . عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين للميلاد في حفلة تعارف للطلبة الجامعيين بصيغة لغز قدم نفسه لزملائه  قائلاً : جدي من مواليد تركيا وابي مولود في اورميا وامي من مواليد العراق وأنا ولدت في سوريا ولست أدري أبنائي أين سيولدون ؟ أعتقد الطلاب جميعاً أنه أرمني باستثناء إحداهن  عرفت أنه من أحفاد المأساة المؤامرة فأمها من الاشوريات الناجيات من مذبحة قرية سميلية في العراق حيث ذبح في عام ألف وتسعمائة وثلاثة وثلاثين أكثر من ثلاثة ألاف بريء يقال أن للأنكليز يد فيها لإطالة انتدابهم على العراق . أما الرد الذي اتاه من أمير من أمراء الدولة الإسلامية (داعش) نهاية ربيع عام الفين واربعة عشرة  وبهذه الصيغة (الحصرم الاشوري لن يستوي هذا الصيف , خاف على صفصاف الخابور أن يقطع من الضفة الأخرى) أعتبره لغزاً كان عليه وعلى من بلغهم من المعنيين التفكير به ملياً . ذلك الرد كان  جوابا عن سؤاله الصريح عبر وسائل التواصل في هذا العالم الافتراضي فيما إذا طريق دمشق يمر من تل تمر! في الشتاء العام التالي وتحديداً في شباط حل اللغز. فقد قتل من قتل وشرد من شرد و اختطف من اختطف من شباب وشيب وصبايا أشوري الخابور على يد تلك الدولة المصنعة بطرازسلفي بعقلية تعود إلى ألف وأربعمائة عام . كان قد سبق ذلك قصف طائرة للنظام الحاكم  لكنيسة احدى القرى الآشورية الوديعة حقاً إن صناع هكذا دول ومؤسسات تعرف كيف تؤسس لاشادة حيطان الحقد والضغينة في مجتمعات متخلخلة متآكلة مشبعة بالجهل أدمغتها مغلفة بشباك عتيقة من نسج عناكب الدين والمذهب والعشيرة . لم يكن مخطئاً  بجوابه لسائليه من النخبة المثقفة بعد عودته من لبنان عن  أسباب وتداعيات الحرب الأهلية في السبعينيات من القرن الماضي حيث أفاد إن الحرب  اللبنانية هي مدخلاً لحروب أهلية أخرى في شرقنا الرائع اللعين .   
دعوني أعرفكم بالشماس يوسيب  . الشمامسة عهدنا بهم مشاهدتهم في هياكل الكنائس مع الكهنة يرتلون ويخدمون ويساعدون في إتمام الواجبات الكنسية في الافراح والاتراح وكلمة الشماس بالعربية مشتقة من السريانية بلهجاتها الشرقية والغربية ((شاماشا أو شوموشو )) التي تعني الخادم .  أما الشماس يوسف أبدا ً لم يره أحد منا في الهيكل بل رأيناه خطيباً  ومتكلما وواعظاً  ليس بالملكوت السماوي وإنما بملكوت أرضي فاضحاً لكل الممارسات الخاطئة من رجالات الكنائس ومسؤولي الطوائف والعشائر فلقب بمخرب العقول . كان حقاً ميرابو اشوريي الخابور كما وصفه أحد مثقفي عرب الجزيرة السورية حينما سمعه في تأبين صديق له حيث قال هذا الشيخ  جعلني أفهم كل ما قاله رغم قلة المامي بلغتكم  حتى عكازته كانت ناطقة . كان ثائراً على كل المسلمات الخاطئة لذا لقب بشيخ الشبيبة كان يرى في كل شاب وشابة حفيداً وحفيدة أحبوه وأحبهم لذا ظل رافضاً الالتحاق بأبنائه وبناته 
بعد شرب الشاي تناول عكازته ودعا بيلوس للمشي سارا بين بساتين المشمش وكروم العنب صوب النهر مشيته كذاكرته لم تنل منها وطأة ومآسي الثمانية والثمانين المشبعة بالدم والدموع وعكازه ليس مسنداً بل مكملاً لهندامه واناقته منذ أيام الشباب .
سارا شرقا مع مجرى النهر ما يزيد عن الميلين ملتزمين الصمت لم يعد ماء الخابور يعكس زرقة السماء أو يفضح الاسماك بل يبدو
 شاحب اللون بطيء الجريان بدا كعزيز قوم ذله الخصوم فنال منه القهر والوهن . نعم كانت فترة بداية السرقات ولم يسلم منها حتى
هذا النهر, في زمن ساد وطن الحضارة وطن السنابل والزيتون والتين والكرمة عائلة وحوش , فأضحى الوطن مرتعاً للجرد والفئران والخنازير. غيًر الشماس مجرى سيره نحو جهة الجنوب صوب جبل عبد العزيز بين حقول القطن  وبيلوس يتبعه إنه زمن حواش القطن
أي جمعه كانت اغاني العاملات وعمال الحواش و زقزقات العصافير خادشة للصمت الذي طال . سارا اكثر من اربعة اميال والشماس بالوتيرة ذاتها  لم ينل منه التعب وعندما وصلا إلى الطريق المعبد الفاصل بين حقول القطن وحقول القمح المحصود التفت إليه الشماس مستفسرا أتحب الجبل ؟ نعم يا خال فحبذا لو أن الخابور كان مجراه محاذياً لجبل عبد العزيز وقرانا الآشورية على سفوحه كنا على الاقل حافظنا على حراجه وخضرته , نعم ساكنيه قضوا على أشجار البطم والسرو والدولة لم تهتم بذلك . وأردف أراكم أنتم الشباب
جميعاً تواقين للجبال .أضاف بيلوس نعم يا خال اعتقد لو حللت دماؤنا لوجدوا فيها خلايا لسلاسل جبلية . ضحك ا وقال ياعزيزي
 بيلوس إن الجبل يمنحك الثقة والصلابة والشموخ والملاذ الآمن . حينما أبتعد عن الضيعة بميلين أو ثلاث نحو الجنوب أكون في
البرية اعيش فراغاً مطلق وتنهد من الأعماق لا فراغ  في الجبال . سارا ميلين آخرين صوب الجبل مع الصمت الذي قطعه بقوله
لنعد . أثناء العودة وقبل وصولهما  القرية وقف الشماس مستنداً على عكازه .  للمرة الأولى يسأله الشماس أتحب الشعر يا بيلوس ؟
 نعم يا خال وأردف هل قرأت لبوشكين وهوميروس ؟ هوميروس نعم يا خال لقد قرأت الأوديسا أما لبوشكين ربما قصيدة أو قصيدتين . بعد مسير قصير صامت آخر استوقفه مرة أخرى و سأله فيما إذا قرأ لديستوفسكي , أجابه بإسهاب عن الروايات التي قرأها لذلك الفذ حسب توصيفه . أضاف الشماس . أنصحك أن تقرأ لهذا العبقري أن تعيد قراءة كل كتاب بين فترة وأخرى  ففي كل مرة ستكتشف فيها ذاتك من جديد وذوات الآخرين من حولك . ولم يجد بيلوس تفسيرا عن رغبة الشماس إليه بقراءة رسائل بولس الرسول والتعمق فيها ربما كونه يحمل درجة كهنوتية أو ربما دعوة تحريضية  للعقل للمتابعة والمثابرة مثل بولس الرسول حيث يقول في احدى رسائله النعمة حلت على جميعنا بالتساوي أما انا فقد تعبت على نفسي .
كان قد رأى بيلوس لدى الشماس  بعضا من كتب الروايات بالإنكليزية لمكسيم غوركي وارنست همنغواي وشكسبير لكنها المرة الاولى التي يكتشف فيها أن هذا الرجل بالنسبة لجيله من اشوريي حكاري عاش خارج زمانه عاش فراغا مطلقا رغم أن بعض أقرانه تلقوا ذات التعليم على يد ذات الاستاذ الذي علمه والذي حاربته كنيسته وأغلقت مدرسته . الشماس وثلاثة منهم أهتم بالشأن العام ومعاناة شعبهم  أما الآخرين  لم يكونوا على قدر المسؤولية التاريخية  التي كانت تتطلبها المرحلة إما خوفاً أو لا مبالاة . لذا رأى في شبيبة اليوم ضالته شبيبة تجسد وتعمل ما آمن هو وبعض من أقرانه به حيث التلازم بين النضال القومي والنضال الوطني ودعوة إلى التفاعل مع الشركاء في الوطن ليكون بيتاً للجميع دعائمه العدل والمساواة وسقفه الحرية . ليال عدة لم ينم الشماس ظل متنقلاً بين قرى الخابور و مدينتي الحسكة والقامشلي زائراً عائلات  وذوي الشباب في كل مرة تعرضوا فيها للاعتقال ليس ذلك فحسب بل كتب ونشر وكاتب قادة البلاد فاضحا الفساد وسرقة النهر . أما تلك الدرجة الكهنوتية التي نعم بها لم تكن عن إيمان بقدر ما كانت  شهادة عبور للخطابة وتوعية الناس  الآن  يا عزيزي حان موعد عودتك كي لا تتأخر ,  نعم يا خال سأعبر إلى الجهة الأخرى فعلى الطريق الشمالي لن يطول انتظاري على ضفة النهر تعانقا مودعين . هذه السفينة كانت تعبر النهر بسلاسة يوم كان النهر شبابا يتدفق حيوية أما اليوم بتثاقل جريانه لم يعد النهر قادرا على الاعانة في دفع السفينة .إليك بعضلاتك  يا بيلوس ثبت رجليك جيداً وليتناوب ساعداك بالانتقال على الحبل من طرف إلى آخر إياك أن تنسى حلقة السلسال أدفعها أمامك في كل نقلة. ببلوغ السفينة الضفة الأخرى لوخا لبعضهما مودعين .
زيارته الأخيرة هذه  لجيلو  كان لها وقعاُ آخر جعلته يستعرض شريط ذكرى عزيزة ليلة قال له جده  غداً سيكون لك ايضاً شجرتك أسوة بأشقائك وأبن عمك . أيقظته أمه باكراً وبعد تناول الفطور توجهوا جميعاً  إلى  البستان ومعه غرسة شجرة توت وعلى منعطف على كتف الساقية وعلى بعد أمتار من غرسة توت أخرى لأبن العم  كانت الحفرة التي أعدها الجد مسبقاً . تعالى يا عزيزي أغرس نبتتك لكن لا تنسى الاعتناء بها أنت وهذه الشجرة ستكبران سوية كما كبرت أشجار أشقائك وابن عمك هذه الشجرة ستزداد علوا عام بعد عام وانت ايضا بعد أيام ستذهب إلى المدرسة وستكبر وتتقدم في دراستك عام بعد عام . كان تقليداً من الجد أن يغرس لكل طفل من العائلة شجرة في البستان في بداية السنة الاولى لدخوله المدرسة . ومن البستان رافق جده بالسير صوب القرى الممتدة على طول عشرين ميلا من ضيعتهم إلى جيلو لزيارة الشماس يوسف وفي كل ضيعة وقفة عند صاحب وصديق . في اليوم التالي من الزيارة وعلى ضفة النهر عند مرسى السفينة ذاتها  بحرارة  تعانق يوسفان مودعين . ربما كان الوداع الأخير ففي سنته الدراسية الثانية رحل يوسف الجد تاركًا بستانا كبيراً ثرياً بأنواع  الفاكهة غير مسور شبه مشاع .أما يوسف الشماس  بذكائه و بذهنه المتقد لم يكن بحاجة لمن يفسرله غاية  ترحيله من المشفى إلى الدار الخاصة بالرعاية في مرحلة الاحتضار حيث يعطى المريض هناك جرعات من المخدر إلى حين الرقاد الأبدي فزود بيلوس وهوعلى النقالة بأرقام هواتف أحفاده وكنته لابلاغهم  بالعنوان الأخير وفي غرفة الرعاية وبعد الجرعة الفموية الأولى  تدحرجت دمعة عبرأخاديد لتسعة وتسعين سنة وإحدى عشرة شهراً  مد يده المتثاقلة إلى بيلوس مودعا وتلعثم عد إلى أسرتك . أنحنى بيلوس وقبل اليد وغادر الغرفة وعلى شاهد القبر كُتبَ  ولد في جيلو ورقد على رجاء القيامة في شيكاغو
أما بيلوس ففي أيام الجائحة والوباء الكوروني في السنة العشرين من الألفية الثانية للميلاد  أخرج العلبة المعدنية الحاوية على حفنة من تربة شجرته مذكراً أبنه بوصيته يوم ودعا سوية شجرتي التوت المتجاورتين بنثر تلك التربة على قبره إن مات في غربته  .
كانتا الوحيدتين من بين كل أشجار ذاك البستان تتحديان الزمن . كانت الأغصان المتشابكة  الملامسة للأرض بمثابة خيمة للعشاق واستراحة للمتعبين . لكن غزو الجراد الأسود والأصفر وحتى المبرقع أصابهما  ما أصاب أشجار وطن الزيتون والكرمة والسنابل . وحدها الجذور الضاربة في التربة عمقا أضحت  أثراً لذكرى الجد والخطوة الاولى للمعرفة وعزائه ذلك اللهب الذي وَِرَد خدود الباقين من اطفال الضيعة وبعث الدفء في أوصال الاباء في شتاء قاس ومن جذورها ستتشامخ أشجار توت أخرى لزمن آت أحلى وأجمل   




أ