المحرر موضوع: الباحث الدكتور عبـد الواحـد لـؤلـؤة: التأثير الأعمق على اللهجة المصلاوية كان من اللغة السريانية  (زيارة 473 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عنكاوا دوت كوم

  • مشرف
  • عضو مميز متقدم
  • *
  • مشاركة: 35638
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
عنكاوا دوت كوم/القدس العربي/عبد الواحد لؤلؤة

قبل بضعة سنوات سألني زميل في إحدى الجامعات العربية التي عملتُ فيها ان أحضّر له قائمة بالكلمات العربية باللهجة الموصلية لكي يقيم عليها دراسة لغوية من زاوية علم الأصوات، على أمل أن يصل إلى قانون أو ما يشبه القاعدة النحوية – الصوتية لتفسير كيفية تغير نطق تلك الكلمات الموصليه في اختلافها عن العربية الفصيحة. وقد عملتُ جُهدي يومها في إعداد القائمة المطلوبة، لأني شخصياً كنت وما أزال معنيّاً بمعرفه كيف تغيّرت تلك الحروف في نطقها الصوتي، وكيف اختلفت، وما تزال، عن نطقها في بغداد العاصمة وفي ألوية ومدن جنوب العراق وأريافه، حيث الجميع يتكلم اللغة العربية ويكتبون بها وينظمون القصائد بالفصحى والعامية المحلية.

لم أسمع من ذلك الزميل منذ قدّمتُ له تلك القائمة العتيدة، وأحسب أنه لم يوفّق إلى نتيجة علمية أو منطقية مُرضية، وإلاّ لكانَ أخبرني بنتائج مساعيه وأحسبُ أن ذلك المغامر اللغوي ما يزال تائهاً في مغاني اللغة العربية نحواً وتوليداً.

وإذ لا أغبط صاحب تلك المساعي، أحسب أنّي أعرف أن بعض السبب في تعذّر الوصول إلى نتائج تستقيم مع المنطق اللغوي والنحوي أو الصوتي. مثل قواعد النحو العربي لا تقوم اللهجات اللغوية على أساس من المنطق، بل إنها سماعيّة في الأساس. فمن الذي قرّر للعرب تاريخهم العتيق أن يجعلوا الفاعل مرفوعًا والمفعول به منصوبا ًوالمضاف اليه مجروراً؟ ومن الذي اخترع الفتحة والكسرة والضمة والتنوين والسكون؟ الجواب لا أحد يدري بالضبط، بل إن هذه المسائل جميعا ًلها جواب واحد: هكذا قالت العرب. وخلاف ذلك جوابُه: هذا ما لم تَقُلهُ العرب. والنتيجه الوحيدة أن قواعد اللغة سماعيّة، وخِلافها لَحنٌ وانحراف.

ثمّة حكاية طريفة عن رجل دين مسلم يُقيم حلقةً لتعليم اللغة في المسجد بعد صلاة العصر كل يوم، يقصدها بعض الناس ومنهم من غير العرب الذين دخلوا الإسلام ورغبوا بتقوية معرفتهم بالعربية. سأل الشيخ أحد الحاضرين ليمرّنهم على حروف الجرّ في العربية، فسأل: ماذا فعل زيدٌ بحِمارهِ؟ كان جواب أحدهم: باعِهِ. غضب الشيخ وسأل: كيف باعِهِ؟ فسأله المسكين: يا شيخنا كيف تقول بحِمارِهِ؟ قال الشيخ إن حرف الباء في سؤالي هو حرف جرّ. أجاب المسكين: لماذا حرف الباء عندك يجرّ، وعندي لا يجرّ؟

 سؤال منطقي! لكنّ تغيّر صوت بعض الحروف العربية في لهجة الموصل العامية لا يتبع قانوناً غير السماع. هكذا قال أجدادُنا الموصليون، كما هكذا قال أجدادنا العرب. ونحن: نبني كما كانت أوائلنا/ تبني ونفعل مثلما فعلوا. فصيغة الفعل المبني للمجهول ثابتةٌ لا مَحيد عنها وتحاكى بالسماع. أما قول أحدهم: ليتَ وهل ينفع شيئا ًليتُ/ ليتَ شبابا ًبوعَ فاشتريت، فهو من النافر نحواً لأن حرف التمنّي ليتَ بالفتحة أوّلاً جَعلهُ الراجز بالضمّة ثانيا وجعل فعل باع المبني للمجهول بيعَ على شكل بوع وهو”ما لم تقُل به العرب” أي خلاف القاعدة النحوية.

تذكر بعض كتب التاريخ أن لهجة الموصل العامية كانت تُحكى في عموم العراق وبخاصه في بغداد العباسية. وقد يجد بعضنا نوعاً من الدليل على ذلك أن عليّ ابن نافع (زرياب) هو الموصلي الذي أصابَ حظوةً في بغداد العباسية أيام الرشيد. فاذا صح ذلك، تُرى هل كان السبب أن لغه بغداد الرشيد كانت باللهجة الموصلية؟ كما تذكر كتب التاريخ أن وَباء الطاعون انتشر في بغداد والموصل عام 1831 وعندما انقشع البلاء تدفّق أبناء العشائر والأرياف على بغداد فتضاءلت لهجة بغداد الموصلية، وعمّت لهجات القبائل العربية ولم يبقَ من اللهجة الموصلية ببغداد سوى لهجة المسيحيين واليهود.

لكن اللهجة الموصلية بقيت مزدهرةً في الموصل. وبعض السبب في ذلك أن المسيحيين القادمين من بلاد الشام بجذورها الفلسطينية كانوا أوّل من جاء للإستقرار في منطقه الموصل، مثل كثير من القبائل العربية التي كانت تهاجر طلباً للكلأ والمرعى. كان ذلك قبل أن يقوم الخليفه عمر (رض) بفتح منطقه الجزيرة والفرات في حدود عام 638 م ثم أرسل الكثير من قبائل شمّر العربية المسلمة إلى منطقة الموصل المسيحية أساساً فاستقرّ هؤلاء في غرب نهر دجلة قريباً من البادية غرب الموصل الحالية، لأن المسيحيين الأوائل القادمين من بلاد الشام كانوا قد عبروا النهر واستقرّوا في المرتفعات شرق النهر لأنها أقرب إلى طبيعة المناطق الشامية التي جاؤا منها. كان هؤلاء المسيحيون يتكلمون اللغة السريانية المشتقّة من الآرامية لغه السيد المسيح. وبمرور الزمن نزح كثيرٌ من المسيحيين الأوائل إلى غرب نهر دجلة وكان الاختلاط مع العرب المسلمين القادمين من الجزيرة هو الذي أدّى إلى اختلاط اللغات واللهجات. وفي شرق نهر دجله تكثر القرى المسيحية مثل قرية “ألقوش” التي يقال إنها قرية مولد النبي ناحوم حيث يوجد فيها قبره الذي يُجلّهُ أهل المنطقة المسيحيون الكلدان. ومعلوم أن منطقه الموصل وشمال العراق قد تعرّضت لغزو حضارات مختلفة على مرّ العصور، من تركيّة وفارسيّة، لكونها تقع على مفترق طرق التجارة “الموصل” إلى طريق الحرير. وقد تأثّرت لهجة الموصل بكلمات تركيّة وفارسيّة وكرديّة، لكن التأثير الأعمق كان من اللغة السريانية التي يتكلمها المسيحيون، أوّل المستقرين في المنطقة. ويظهر ذلك في لغة أهل المدينة القديمة. وكلما توغّلنا غرباً إلى حدود الصحراء تضاءل تأثير السريانية بين عرب شمّر والجزيرة قرب السور الغربي للمدينة.

ومن أبرز أمثله الأثر السرياني – الكلداني قَلبُ حرف الراء العربي إلى حرف الغين. ولكن هذا من أكثر أمثلة السماع التي تستعصي على صياغة القاعدة. فكلمات مثل رِجْل، رِجال، قمَر، زَهر، قَدَر، عَبَر، كَفَر… ينقلب فيها حرف الراء إلى غين، فتصبح غِجِل، غجيل، قمَغ، زَهِغ، قَدَغ (مقياس)، كفَغ (الفعل، والاسم كفغ) قَبغ، قمَغ، شَغ، سِحغْ…

لكن الراء تبقى على حالها في كلمات مثل سفر، بدر، غدر، بكر، ولا توجد قاعدة لفظيه أو نحوية تبين سبب هذا الاختلاف في نطق الراء الموصلية لكنها وردت هكذا بالسماع والتداول.

والعجيب أن حرف الراء ينقلب أحيانا إلى حرف الواو مثل:عِرق /عوق، خِرقة/ خوقة وكلمات قليلة أخرى . وحرف السين ينقلب إلى صاد في اللهجة الموصلية العريقة، مثل حَسرَة/ حصغة، وهو مثال على قلب حرفين في كلمة واحدة، ومثل العروس/العغوص، فَرَس/ فَغَص، جَرس/جَغَص، ناقوس/ ناقوص. لكن في كلمات أخرى يبقى لفظ السين على حاله مثل ناموس، جاسوس، فانوس، ولو أن فانوس مشتقّة من الإغريقية بمعنى مصباح أو ضوء. ثانية: ليس من تفسير لفظي أو صوتي لهذا الاختلاف. ومن أمثلة التغير في اللفظ حرف الذال الذي ينطق في الموصل مثل حرف الضاد العربية، لغة الضاد بنطقها الأصلي، وليس كأنه دال مضخّمة كما في لهجة بلاد الشام ومصر. كلمة ذاق يذوق في العامية الموصلية تنطق: ضاق يضوق، لكن ذَوق الاسم تبقى على حالها. (هل من يدلّني على السبب؟) الفعل ذرّ، يذرّ تنقلب فيها الذال إلى الضاد مع قلب الراء إلى غين: ضغ، يضغ، أو ضَغَغان في المصدر. ولكن ذبح، يذبح، ذهب، يذوب، ذوبان، تبقى الذال على حالها… لماذا، لماذا، لماذا؟

وفي جنوب العراق ظاهرة قلب بعض الحروف تثير كثيراً من الأسئلة التي لا تجد جواباً شافياً إلاّ لكونها متأثرة بلغات أعجميّة من فارسيّة وهنديّة بفعل التداخل الحضاري أوالغزوات. حرف الجيم في أغلب الجنوب العراقي ينقلب إلى ياء، بقدرة قادر. مرّة سمعتُ امرأة بصراوية واقفة على باب دارها تخاطب جارتها عَبر الشارع بصوت مرتفع: “الحيّي إياب الديايه بليَلّه وإيه”. فسّرها لي صديقي البصراوي على انها: الحجّي جاب الدجاجة بالجلّه (الزنبيل أو كيس التسوّق) وجاء! جميل، أليسَ كذلك؟

حرف القاف في لهجة بغداد وجنوب العراق ينطق بالكاف المعجمة ويكتب بخط فوق الكاف مثل قمر/ كَمر، قبر/ كَبر لكن الراء تبقى على حالها.

مثال الإمالة في الألف في لهجة الموصل العامية دليل على اقتراب من اللفظ عند عرب بلاد الشام وبخاصه التشابه مع نطق أهل حلب، شديدة الاتصال مع الموصل على مرّ العصور. واقف/ ويقف ، قاعد/ قيعد، راكب/ ريكب، بارد/ بيرد، مع نغمة موصلية تجعلها: بيغد …

فهاتوا ما عندكم يا أصحاب الألسنية…
أي نشر، أو إعادة تحرير لهذه المادة، دون الإشارة الى " عنكاوا كوم " يترتب عليه أجراءات قانونية