المحرر موضوع: والخلائق تسبح بحمده " الكتاب "  (زيارة 61 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل المونسـنيور بيوس قاشا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 170
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
والخلائق تسبح بحمده " الكتاب "

المونسنيور د. بيوس قاشا
نعم ، المخلوقات، مهما كانت صغيرة وتافهة، تعكس بطريقة أو بأخرى ،  حكمة ومحبة ورسالة... وكلما كان الإنسان صالحاً وخالياً من الأنانية والكراهية ، وجد سهولة في فهم المعنى العميق لحوادث الحياة اليومية. فالقلب إذا ما خلا من الأنانية والكراهية ، أمتدّ تبصّره إلى عمق أعمق وأبعد، لأنه لا يتوقف عند سطحية الأمور، بل يفحص كل شيء ليصل إلى الغاية المنشودة والتي من أجلها كانت رسالة الله في المسيح الحي ، والتي فيها علّمنا ودرّبنا ورسم لنا طريقاً واحدة تقود إليه، وجعل الدنيا وما فيها من أجلنا عبرة ولغة وحقيقة.. وما الحقيقة إلا الله. فها هي المخلوقات تقودنا إلى الأمور العظيمة رغم الحواجز والفشل، وإلى الاستسلام لإرادة الله لأنه الخير الأسمى والعبرة السامية والغاية القصوى . فعبرَ مقالات  من " والخلائق تسبح بحمده" أُدرج هنا مخلوقات تعكس لنا ولكم محبة ورسالة وحقيقة .
   كلنا يعلم، وكذلك أطفالنا يعلمون، أنكَ يا سيدي مصدر جميع الأشياء في الوجود. فالزوبعة والصاعقة مثلاً تأتيان منكَ من السماء مباشرةً. ولكن هذه الكلمة وتلك الركلة، وهذه القنبلة وذلك الصاروخ، أليس الإنسان هو مصدرها وعلّتها؟؟!. وجميع أعمالنا البشرية وابتكاراتنا، أليست دلالات ضعفنا وتفاهة مشاريعنا وآمالنا الخائبة؟!. ومع ذلك، فإني أجد أن لهذه الأعمال البشرية دلالات متصلة بحكمة الله الربانية بشكل غريب. ولتبيان ذلك، قبضتُ اليـوم على كتاب لا لقراءته بل ليكـون وسيلةً لربط حكمة الباري بدور الكتاب.
   إن البشر هم الذيـن اخترعوا الكتاب، وهم الذين يكتبون ويؤلفون ومنهم تلميذك يوحنا فقد كتب بصدد بشارتك " " فلست اظن ان العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة " ( يو 21: 24-25)، واما انت يا سيدي، " كنتَ قد كتبتَ على الأرض بإصبعكَ"( يو 6:8)  رموزاً لم يفلح علماء الآثار منذ عشرين قرناً حتى اليوم في اكتشاف معانيها وحلّ رموزها. وكانت هنالك أيضاً الألواح الحجرية التي كتب الله عليها بإصبعه وصاياه العشر في سيناء، وفي سفر الؤيا " طوبى للذي يكتب وللذين يسمعون اقوال النبوة ويحفظون ما هو مكتوب فيها " ( 3:1). ومع هذا فلا زلنا ندّعي أن الكتابة هي من اختراع البشر.
   إن الكتب تنتشر اليوم في جميع أصقاع الأرض بشكل فظيع، وهي بأحجام وأغلفة ومواضيع مختلفة: فمنها القواميس، ومنها الكتب الدينية والعلمية والفلسفية والأدبية، وكتب الصلوات. ومنها ما هو ثمين ونادر جداً، ومنها ما هو نجس مبتَذَل، ولا يباع إلاّ على الأرصفة. لقد رأيـتُ وقرأتُ كتباً كثيـرة، ودخلتُ مكتبات عديدة تغصّ رفوفها بملايين الكتب والمجلّدات. وغالباً ما كنتُ أنظر إلى الكتب بعين الفضولي الوثني كَمَن يستجدي منها الحقائق النهائية والخالصة والمطلقة. وغاب عن بالي أن هنالك الكتب المقدسة التي هي من وحي الله، والتي وحدها تحتوي على الحقائق النهائية والخالصة والمطلقة. ونسيتُ أيضاً أن هنالك كتاب سفر الرؤيا المختوم بسبعة أختام والذي سوف لن يُفتَح إلاّ في يوم الدينونة العظيم. وقد قرأت إن هنالك كتاباً آخر كان قد أكله أحد أنبياء العهد القديم، فأخذ ينتحب ويبكي لِما سبّبه من المرارة في أعماق أحشاءه.
   إلى جانب هذه الكتب المقدسة، توجد كتب الكفر والإلحاد، وكتب متميّعة أخلاقياً وأخرى خلاعية داعرة، وهنالك أيضاً روايات الجرائم والدسائس والقرصنة. ولكن مهما فعل البشر لتلطيخ سمعة الكتاب وتدنسيه، فإني لا أزال أحتفظ بجلاله وقدسيّته، لأنني بواسطته استقيتُ أصول الدين والأخلاق منذ صغري، وتعلّمتُ القراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري، وبه أدركتُ التمييز بين الخير والشر، وبين الحق والباطل منذ حداثتي. فضلاً عن أنه خير صديق وجليس لي في دنيا الحياة. ولولا الكتاب لما تعرّفتُ على مفكّرين وعباقرة عظام خدموا الإنسانية بعلمهم وتجاربهم في أزمنة وأمكنة مختلفة.
   فبمجرّد إنني أفتح كتاباً قديماً وأتصفّحه، فإني سوف أعيش حياة كاتبه التي تختلف زماناً ومكاناً عن حياتي الخاصة التي أعيشها الآن وفي هذا المكان، وهذا سوف يُغني تجربتي ومعرفتي كمّاً ونوعاً. فالطباعـة إذن، كما كان يقال سابقاً، هي "فن إلهي"، وهذا ما دفع البعض إلى الاعتقـاد أن نشر الدين والعلم والأخلاق بين الناس أمرٌ هيّن، لا يتطلّب إلاّ الطباعة دون اللجوء إلى معلّمين ومعتلي المنابر والبلاغات وخطباء ومرشديـن. ورغم هذا فإني أقدّس الكتاب، لأن الإنجيل أيضاً هو كتاب، ولكن كتاباً للحياة ، بل هو أعظم كتاب، فيه أعطيتَ تعاليم وحقائق ، " مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الانسان ، ويوصي ملائكته بكَ وأعظمها لا تجرب الرب الهك " ( متى 4: 4-7)  وليس للقراءة فقط . ونحن المسيحيون نُدعى "أهل الكتاب". كما إني لا أفرّط في الطباعة لأنها ساهمت كثيراً في انتشار بشارة الإنجيل على سطح الأرض.واختم واقرأ ماكتبه يوحنا تلميذك " ها أنا آتي سريعا ، طوبى لمن يحفظ أقوال نبوءة هذا الكتاب "( رؤ 7:22). فلنؤمن أن الكتابة علمٌ وفهمٌ وحكمةٌ ونعمةٌ وموهبة من الروح وأتألم أن هناك من يقرأ ولا يكتب وربما لا يقرأ ولا يكتب ولا يترك أثراً ، وأنني تربيتُ على أن الحياة ليست لهواً بل رسالةً ، إنها رسالة  الكتاب ، إنها حقيقة الحياة، إنها مجانية من الله " ( متى 8:1) . نعم وآمين .