المحرر موضوع: ماذا دون الاديب الراحل يعقوب افرام منصور في وصيته ؟  (زيارة 548 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ankawa admin

  • المشرف العام
  • عضو مميز
  • *
  • مشاركة: 1829
    • مشاهدة الملف الشخصي

عنكاوا كوم-خاص

تلقى موقع (عنكاوا كوم )نسخة من وصية الاديب الراحل  يعقوب افرام منصور  والتي دونها  في شباط (فبراير) من عام 1991 اي بنحو 29 عاما عن رحيله ..
وابرز دوو الراحل  في  تقديمهم لوصية والدهم التي اشتملت على ابراز رغبته بالمحافظة على خزانة كتبه فضلا عن مناشدته لمسيحيي ومسلمي العالم بانتهاج السلام في حياتهم والابتعاد عن الصراعات والنزاعات التي تهدف لخراب البشرية وفيما يلي نص الوصية ..

وصيّتي
في السنة الخامسة والستّين من عمري
شباط 1991م
رجب 1411ﻫ

مقدّمة

قبل عام ونيّف من شروعي في تدوين هذه الوصيّة، كنتُ قد حرّرتُ في 23/11/1989 (وصيّتي إلى أولادي عمومًا، ونجلي الأكبر خصوصًا) بشأن خزانة كتبي المتواضعة، لكنّها عزيزة، وبشأن أمور تخصّ مسلكهم في الحياة حيال الآخرين، وعملهم بنصائحي وإرشاداتي ورعايتهم لأمّهم من بعدي.

أدب الوصايا استرعى اهتمامي، وشُغفتُ بمطالعته والكتابة في مجاله لسبب أجهله. ولي في هذا الباب نتاج متواضع، أذكره في أدناه، تدليلاً على ما أسلفت من اهتمام وشغف، وليس تفاخرًا، فالتفاخر- حتى في أفضل من هذا المضمار- ليس من شأني:

وصيّة أديب- نشرتها مجلة (الأديب) البيروتية في شهر آب 1970، وهي تشكِّل الجزء الغالب من (وصيّتي إلى أولادي....) المذكورة في الفقرة الأولى من هذه المقدمة.

وصيّة بائس- نشرتها مجلة (الورود) البيروتية لشهر أيلول 1966، وقد تضمّنها كتابي المخطوط (برق وغيث).

وصيّة شاعر من أهل الحضر- نشرتها مجلة (الثقافة الإسبوعية) الدمشقية في 16/1/1971، وأُعدّها قطعة ذاتية تعكس أحزاني ومرارتي في هذه الحياة.

(وصيّة مرفوعة إلى G. M.)منشورة في مجلة (المراحل) المهجرية البرازيلية لشهري تشرين الثاني وكانون الأول لعام 1970، وقد تضمّنها كتابي المخطوط (تراتيل وبخور) وهي مجتزأة من (وصية شاعر من أهل الحضر).

وثمّة وصيّتان اشتمل عليهما الفصل الأخير من كتابي المخطوط "تلميذ الناسك أو الغاية" وهما إرادة الناسك، ثم إرادة بطل الرواية (هذام)- تلميذ الناسك- التي تطابق إرادتي تمام المطابقة في ما يخصّ النقش على لوح قبري، وسأعيد تضمينها في هذه الوصيّة الشاملة. وقد حالت ظروف معاكسة عديدة دون صدور هذا الكتاب مطبوعًا، ممّا سبّب لي آلامًا نفسية مبرّحة، لأني أعدّ الكتاب أفضل مؤلفاتي، وأجداها للعالم والإنسانية، ولأنّ فيه كثيرًا من الأصداء لبنود هذه الوصيّة، ولأن حقيقة شخصيتي ومشاعري وتصوّراتي وانفعالاتي وطموحاتي وآمالي وأشجاني، ينطوي عليها.

خلال العام المنصرم، طفق هاجس دنوّ الأجل المحتوم يراودني، إذ بعد أربع وستين دورة دُرتُها مع الأرض حول الشمس، إكتنفتها المشاق والجهاد المتواصل المضنِك ليلاً ونهارًا لتأمين حاجات العائلة، والرجّات والأهوال التي تعرّض لها الناس والوطن من الإنتفاضات والثورات والحرب العراقية- الإيرانية طيلة ثمانية أعوام، شارك فيها أبنائي الثلاثة طويلاً: جبران- كريم- رافد، وبعد تضاعف العمل والمسؤوليات في أعقاب إحالتي على التقاعد في 7/4/1979، وإصابات متتالية، منذ صباي- بالتهاب القصبات الهوائية والبلعوم كلّ شتاء أكثر من مرّة غالبًا، ثم إصابتي في عام 1984 بشبه جلطة، نتيجة لارتفاع مفاجيء في ضغط الدم، سبّب لي إرتخاءً في الأطراف اليمنى وثقلاً في اللسان، ثم بعد عامين أو ثلاثة أُجريت عليَّ عملية استئصال غدة "البروستات"، غدوتُ رهين شعور داخلي باقتراب المنيّة. فتساءلتُ في صمتي: هل سأبارح الدنيا والأهل بلا وصيّة سوى تلك التي أشرتُ إليها في المطلع، وأنا لم أقُل بعد، على مسمع من الملأ، بعضَ وأهمَّ مقاطع الحق والحقيقة التي يقتضي أن يعرفوها ويعملوا بهديها، خصوصًا وأن كتابي (تلميذ الناسك أو الغاية) لَبَثَ حتى الآن مخطوطًا، على الرغم من حصولي على الإذن بطبعه من وزارة الإعلام مرّتين خلال الأعوام الستّة المنصرمة؟ أمور كثيرة دارت في خَلَدي أن تشتمل عليها وصيّتي، لكنّي تقاعستُ، وألفيتُ أنّ إنشاءها يقتضيني وقتًا وجهدًا غير متوفّرين لي في لجّة البلبال، وانشغال الخاطر بلوازم الحياة إلى حد الكفاف، وأعباء الواجبات والإنهماك في الكتابة والترجمة والتأليف والكدّ لكسب الرزق.

وكانت وفاة صهري، سامي لطفي عبد المسيح غريب، قرين إبنتي الكبرى (ريم) في 12/12/1990، وقبله بأسابيع رحلت عمّتي الصغرى (أميلدة)، وبعده بشهر تقريبًا توفي (ميساك) شقيق أناهيد (أم أولادي) بعد أيام قلائل من وقوع الحرب الظالمة على العراق في 17/1/1991. وقبل وفاة صهري بيوم واحد (11/12/1990) كان الصديق الشاعر عبد الخالق فريد قد زوّدني بنسخة من كتيِّب عنوانه (وصيّتي)، يضمّ وصيّة المرحوم أمين الريحاني، دوّنها قبل أعوام من وفاته، فطالعته واختمرت في نفسي فكرة العكوف على تدوين هذه الوصيّة، خصوصًا بعد اندلاع الحرب الوحشية الهمجيّة علينا تحت مرأى ومسمع من دول وشعوب العالم، وصمت المنظمة العالمية التي كانت وما عتّمت آلة مُسخّرة للدول "الكبار" الغاشمة. وكنّا قد غادرنا الدار قبل شنّ الحرب علينا بيوم واحد، قاصدين منتجع "الصدور" الذي ينأى عن بغداد زهاء ساعتين بالسيّارة. غِبّ إسبوعين من المكوث ثمّة، عدنا إلى البيت، وما انفكّت فكرة تدوين الوصيّة تراودني بين فينة وأخرى، حتى لملمتُ شعثَ همّتي، وأنا بين شك ويقين من إمكانية الفراغ من تدوينها، كما ينبغي، قبل أن تنهدّم الدار علينا، وتحترق أجسامنا، أو تُحطَّم عظامنا بقنابل وصواريخ همجيي الغرب المسعور الجشع، المشمخر بالتعالي، المتجبِّر إزاء الشعوب الصغيرة المستضعفة.

لم أكن يومًا موسرًا، ولا مالك عقارات وأطيان وأرصدة وكنوز. فوصيّتي إلى أولادي، بشأن مكتبتي وأمور أخرى تتعلّق بهم وبوالدتهم، تَذكر هذه الحقيقة. لذا ستتطرّق الوصيّة إلى شؤون أخرى، هي- عندي وعند نظرائي من القانعين ومحبّي الفضيلة والإنسانية والعدالة والكِتاب ونور المعرفة- أهمّ بكثير من المال والعقار والأطيان والكنوز. فكثيرًا ما ردّدتُ في وحدتي وعلى مسمع بعض أقاربي وخلاّني بيتَي أبي العلاء المعرّي:

تعبٌ   كلُّها  الحياةُ   فما  أﻋ               جبُ إلاّ من راغبٍ في ازديادِ
واللبيبُ اللبيبُ مَن ليس يغتَ               رُّ   بكونٍ    مصيرهُ   للفسادِ

ولستُ متحسِّرًا أو آسفًا على ما فاتني من غنىً وجاه فكلّها -عندي- لم تعادل غبطةً كسبتها بمطالعة كتابٍ أو سماع لحنٍ أو مشاهدة صورةٍ، أو فرحةً بنشرِ مقال أو كتاب أو ترجمة أو مناجاةً في خلوة، أو إنفاق أيام في دير أو نهارٍ في ريف.

وصيّتي هذه، أولاً إلى مواطنيّ وأبناء قومي العرب وأهلي وآصرتي وأصدقائي الأقربين والأبعدين، وثانيًا إلى الإنسانية قاطبة، من أقصى القطب الشمالي إلى أقصى القطب الجنوبي، ومن الشرق الأقصى إلى الغرب الأقصى، بكل أصناف البشر وأجناسهم وعروقهم وألوانهم وأديانهم وعقائدهم المذهبية والسياسية، وبكل مراتبهم من علماء وباحثين وأطبّاء وحقوقيين وبرلمانيين ومتفنّنين وأدباء وكتّاب ومفكّرين وكادحين وعمّال وفلاحين ورجال دين وجنود. فالإنسانية كلمة وسيعة، تشملهم جميعًا بجناحيها الفسيحين. فما يؤذي فريقًا منهم يؤذي العائلة الإنسانية بأسرها، من قريب أو بعيد.

فليتحاشَ، بل ليمتنع تمامًا، كلّ عضوٍ عاقل في العائلة الإنسانية، عن تسبيب الأذى لقريبه: أيّ إنسان، أو لفريق من المجموع البشري.

                                        *                     *                      *     

إذن، وصيّتي الأولى تنادي الإنسانية جمعاء ألاّ تؤذي أعضاءَها، أي أيَّ قريب كان، وبأيِّ شكل كان، لأنها- إن فعلتْ- ألحقتْ الأذى بذاتها، بكيانها، ولأنها قبل ذلك تؤذي ذات الله القدوّس، خالق الإنسان أسمى وأعزّ الكائنات عنده، حتى أنه بعث إليه رُسُلَه وأنبياءَه الأطهار، وأنزل من خلالهم وصاياه وشرائعه. فالكون والحياة الجميلة يفسدهما ويعكِّر صفوهما وهناءَهما الإيذاءُ بكلّ ضروبه. عليه، فمغزى هذا البند من الوصيّة هو أن الأذى ينجم عن انعدام المحبّة، في حين أنّ المحبّة هي "جماع الفضائل" كما يقول الحكماء والشعراء. والقدّيس (بولس) الرسول، في إحدى رسائله، يقول: "المحبّة لا تؤذي جارها". وفي رسالته إلى أهل غلاطية يقول: (تمام الشريعة كلّها في هذه الوصيّة "أحبب قريبك حبّك لنفسك". فإذا كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضًا، فاحذروا أن تتفانوا) 5/14 و15. إذ واقع الحال يثبت أنّ الناس جميعًا أقرباء.

الطمع والجشع- الحسد- الكبرياء والتعالي- البغضاء- الحقد- التجبّر- التسلّط- الغرور- الإستعباد: أسقام نفسية ذميمة وضيعة، ينجم عنها ضروب من الإيذاء للأفراد والجماعات فالشعوب؛ وتبلغ ذروتها في الحروب والإقتتال والإبتزاز والتدمير والإجرام والإهلاك والإفناء، وهذه الرذائل كلّها تطفو على السطح بسبب سوء التربية والتعليم والتنشِئة في البيوت والمدارس والمعاهد والكليات ومرافق الحياة، حيث تعتمل في القلوب والضمائر والنفوس، إذا خلت منها المحبّة. "فحليب" إئتلاف الأفئدة، ضمن العائلة البشرية، ترضعه البرايا في الأماكن التي أسلفتُ ذكرها، وإذا حصل هذا الإرضاع، تضاءل الإيذاء، وانحسر الشرّ، وهو المطلب الأول لسعادة العيش على هذه الفانية، فالسعادة هي مطمح كلّ حيٍّ سوي. فليتساءل كلّ من ألحق الأذى بقريبه يومًا: "هل شعرتُ بسعادةٍ في إيذاء قريبي؟" وليجبْ هو! ثم ليهتَدِ على ضوء جوابه.

أوجّه ندائي إلى إخوتي المسلمين في العالم طرًا، أن يتّحدوا وينبذوا تنافرهم وشقاقهم، وألاّ يظلّوا فريقين متناحرين: الشيعة والسنّة. فكتابهم واحد، ورسولهم واحد، وإيمانهم واحد. وهذا هو المهم. إذ شقاقهم نفع وخدمة للطامعين والمفسدين- وما أكثرهم!

أوجّه ندائي إلى إخوتي المسيحيين، في أرجاء المعمورة كافّة، أن يتّحدوا وينبذوا تنافرهم وشقاقهم، وأن يتجرّد رؤساؤهم الروحيون من حب السلطة والتفرّد بالألقاب والمناصب والكراسي. فمسيحهم واحد، وإنجيلهم واحد، وإيمانهم الجوهري واحد، وما عدا ذلك إن هو إلا من أعمال الشيطان. فالطوائف على استعداد للتوحّد والإندماج والتآلف، والتزمّت في الطقوس والتقاليد والقضايا الجانبية والثانوية ليس من جوهر الإيمان المسيحي في شيء. أمِن أجل القشور تُنبَذ اللّباب؟!

أوجّه ندائي الصارخ الحار إلى أتباع عيسى المسيح وطه الرسول، في المشرق العربي والشمال الأفريقي، أن يرفعا- في الملمّات والشدائد والظروف العصيبة دومًا- شعاريهما الخالدَين: الصليب والهلال، متعانقَين، كما فعلت الثورة المصرية عام 1919. إنه شعار المحبّة والتآلف والإتحاد الذي يحول دون اندساس المفرّقين والأعداء في صفوف المؤمنين في أقطار هذه الرقعة التي أخّرها التنافر، وأفسدتها الفُرقة، وضلّلها التعصّب الناشيء أصلاً عن الجهل والغباء.

فليفخر كلّ بشري بانتمائه إلى وطنه وقوميّته ولغته ودينه دون أن يكون هذا الإفتخار مقرونًا بتعصّب متزمّت، يفرز البغضاء والحقد والإزدراء تجاه ذوي الإنتماءآت الأخرى. فالشعوب يجب- لخيرها العام الأمثل- أن يسودها الوئام  والتحابب لأن العائلة الإنسانية تشمل الأقوام والألسن والأديان كافّة.

على سرير موتي، إذا أُتيح ذلك، تتُلى قطعتي (مناجاة القلم) على مسمع الحاضرين عند جثماني، وتضع قرينتي بيدها القلم بيميني على صدري بين إبهامي وسبّابتي والوسطى، وأولادي يوسّدون القلم على صدري، ويوقدون شموعًا بيضاء حول جثماني بعدد أعوامرفقتي للقلم، بدءًا من عام 1949. وتوضع نسخة من هذه القطعة على الواجهة اليسرى من صدري، ونسخة من كتابي المترجَم (في يابان الأطياف) عند رأسي. ثم تُلتقط صورة فوتوغرافية لمشهدي الأخير على فراش الموت وحولي قرينتي وأولادي. وأن تحتوي وصيّتي على نسخة من هذه الصورة.

مناجاة القلم
                                                                             يعقوب أفرام منصور

عانقتُكَ وعانقتني، أرهقتُكَ وأرهقتَني. إستَمهلتُكَ فأمهَلتني لإلتقاط الأنفاس، وانتظار الأقباس. حَثَثْتُكَ وحَثَثْتَني، فلا سَئمتُكَ ولا سَئمتَني. عرِفتُكَ صبيًّا وأدركتني كهلاً. عرِفتُكَ شابًا، وعرِفتني غضًّا، وما بَرِحتُ رفيقَكَ، ولم تبرَح رفيقي. وما فتِئتُ خليلَكَ، ولم تفتأ خليلي، وسأبقى زميلَكَ، وتبقى زميلي.

كنتَ سلاحي في كفاحي والطِعان، وحِصاني الأصيل في الرِهان، وكُمَيتي العزوم في الميدان.

عندما أُسَجَّى، ستحضُنُكَ أناملي؛ عندما أُغَيَّب، ستَحمِلُكَ أضلُعي. عندما أغدو رَميمًا، تَظَلُّ بعدي حَيًا- رَدَحًا طويلاً أو قصيرًا- رمزًا لدوام الفكر، بعد اندثار اللحم والدم، رمزًا لبقاء الحَرف، بعد الأكل والشُرب، كنايةً عن خٌلود النفس، بعدَ البِلى والرماد، وعلامةً على جمال القلب، بعدَ انقطاع الوجيب، وهيمنة الصمت الرهيب.

قرينتي الحبيبة الوفيّة، هي بكفّيها سوف تَضَعُكَ بينَ أناملي لتودِّعَكَ إذ تودّعُني بِشهقةٍ أو عَبرةٍ، لأنها عارِفةٌ كم أحببتُكَ، وكم أنت نافسْتَها في الوَلَه والوفاء. أولادي النُجَباء، هم بأكُفِّهم يوسِّدونكَ على ضلوعي قبلَ توديعي بنشيج ونظرة، فهُم يعرفون كم أحببتُكَ وسامرتُكَ وصَحِبتُكَ، وسوف يوقِدون- قبلَ توديعي وتوديعِكَ- شموعًا تَعُدُّ سِنِيَّ رِفقَتِكَ إيّايَ من أوَّل مقالة أو نفثة، لآخِرِ سانِحة أو خاطِرة.

قلمي، يا خَدِيني في رِحلتي! يراعي، يا سميري في انفرادي، وضَجِيعي في رُقادي، عندَ هامتي ووسادي: بَعدَ أن تكونَ شمسي قد أفَلَتْ، وعيني قد غارتْ، ستغدو أنت شاهدي، وليسَ الحجَر على ضَرِيحي، فَرُبَّما سوفَ يجرِفُه الطوفان، وتَحرُقُه النيران، وتُطمِسُه صروف الدهر، ويطمُرُه البُركان. وكما لازَمتُكَ في حياتي، سوف تُلازِمُني في مماتي، حبيسًا في عُتمَةِ الأرماسِ، طليقًا في فُسحَةِ الأرواح، وماثِلاً في ما قد دَوَّنتَه لي من آثاري بمِدادِكَ وجهادي.

يا قلمي: كُنتَ مِحراثي في حقلي المُبارَك، وكنتُ جُندِيًا صغيرًا في ميدانِك. يا قلمي: كُنتَ هَيامي وضِرامي، وصِرتَ بَردي وسلامي.

إذا أمكن، أروم تخصيص موضع شاغر، يلاصق قبري، ليغدو ضريحًا يضمّ رفات قرينتي العزيزة (أناهيد) التي بادلتها الوفاء والمحبّة والإخلاص بكل ما أودعه الباريء في جَناني من عاطفة ومشاعر وإنصاف. فرميمي لن يرتاح إلاّ إذا رقدت عظامها بجانبه.

بعد أن تُوقد الشموع حولي، يَنشد أحد الحاضرين، ذي صوت رخيم، المزمور الخمسين من مزامير النبي داوود. بعض سطور هذا المزمور مسجّل بصوتي على شريط (كاسيت) في خزانتي. وحبّذا لو يسمع الحاضرون صوتي لهذا الترنيم، بعد أن يفرغ المرنّم من إنشاد المزمور كاملاً. وهذا المزمور له منزلة خاصّة في نفسي، إذ هو الذي يسبق تلاوة القدّاس الإحتفالي في كنيستنا السريانية، وكان والدي- رحمهُ الله- خير من يرنّم هذا المزمور بصوته الجهوري الرخيم. وكنتُ، في صباي، وأنا تلميذ في (مدرسة القديس آلبير) لطائفة اللاتين في البصرة، أُنشد البيت التالي من هذا المزمور أيام الصوم الكبير:

   " لا تطرحْني من أمامِ وجهِك، وروحُك القُدّوس لا تُنزِعْه منّي"
المزمور الخمسون

إرحمني يا الله كعظيم رحمتك، ومثل كثرة رأفتك امحو معاصِيَّ. إغسلني كثيرا من إثمي ومِن خطيتي طهِّرني، لأني عارف بإثمي وخطيتي أمامي في كل حين. لك وحدك أخطأت، والشر قدامك صنعت. لكي تتبرّر في أقوالك، وتزكو في قضائك. لأني هاأنذا بالإثم حُبل بي، وبالخطايا ولدتني أمي. لأنك هكذا قد أحببتَالحق، إذ أوضحتَ لي غوامض حكمتك ومستوراتها. تنضح عليَ بزوفاك فأطهر، تغسلني فأبيض أكثر من الثلج. تُسمِعني سرورًا وفرحًا، فتبتهج عظامي المنسحقة. إصرف وجهك عن خطاياي، وامحُ كل آثامي. قلبًا نقيًا إخلق فيَ يا الله، وروحًا مستقيمًا جدِّده في أحشائي. لا تطرحني من قدام وجهكَ وروحكَ القدوس لا تنزعه مني. إمنحني بهجة خلاصك، وبروح منتدبةٍإعضِّدني، فأعلِّم الأثمة طرقك والخطاة إليك يرجعون. نجِّني من الدماء يا الله إله خلاصي، فيبتهج لساني بعدلك. يا رب افتح شفتي، فيخبر فمي بتسبيحك. لأنك لا تُسرُّبذبيحة وإلّا فكنتُ أقدمُها. بمحرقةٍ لا ترضى. ذبائح الله هي روحٌ منكسرةٌ. القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقرهُ. إنعم يا رب برضاك الى صهيون. إبنِ أسوار أورشليم. حينئذ تسر بذبائح البِر محرقةٍ وتقدمةٍ تامةٍ. حينئذٍ يُصعِدونَ على مذبحكَ عجولاً.

يُسار بنعشي من باب المقبرة إلى حيث مثواي الأخير على لحن المقدّمة الموسيقية لأغنية فريد الأطرش: "حبيب القلب من جوّة".

عند إدراج نعشي في القبر، أرجو من الحاضرين ترديد هذه الصلوة التي هي طلبة مار يعقوب النصيبيني:-

          "اللهمَّ إفتح لنا بابك الكبير، المملوء مراحم، واسمع طلبتنا، وارحم نفوسنا. يا ربَّ الغدوات، ويا منظِّم الأوقات: إسمع طلبتَنا، وارحم نفوسَنا".

فليتذكّرْني المترحِّمون والأصدقاء والأحبّة والأهل والأقارب- إن شاءوا- بإصغائهم إلى الألحان التركية وإلى أغاني فريد الأطرش وشقيقته أسمهان- شقيقة روحي- وإلى موسيقى موزار وشوبرت.

فليتذكّرني هؤلاء أيضًا كلّما قرأوا معلّمي جبران وشاعري العربي المفضَّل المعرّي، وشاعريَّ المفضّلين (توماس هود) و (شلّي)، وبإنشاد بعض ألحاني التي صنعتها ودوّنتها وسجّلتها لقصائد جبران ورشيد أيوب وغيرهما.

أذكروني بصلاتي اليومية هذه:

أيها الرب القادر على كل شيء: يا من مسيحك البار قال: "ولا تسقط شعرةٌ من رؤوسكم بدون إذنه تعالى"، و"شعور رؤوسكم مُحصاة"، و"أطلبوا تجدوا"، إقرعوا يُفتَح لكم"-

"ضاعف، ربّ القدرة والصلاح، قِوى الخير في العالم، وقلِّص قوى الشرّ، ولبِّ هذا الدعاء، من جَنانٍ متعطّش إلى الإرتواء من معين السلام، وتوّاقٍ إلى واحةٍ ترفرف تحت ظلالها أجنحة الطمأنينة البيضاء، وتتردّد في جنباتها أنغام السماء".

على الجهة اليمنى من ضريحي، يُخطّ حفرًا بيت الخيّام:

                             زخارفُ الدنيا أساسُ الألم         وطالبُ الدنيا نديم الندم

وعلى الجهة اليسرى منه، يُخطّ حفرًا بيته الآخر:

                   فكنْ خليَّ البالِ من أمرِها         فكلُّ ما فيها شقاءٌ وهم

 

وعند جهة رأسي، يُخطّ حفرًا بيتا المعرّي:

                   ما الخيرُ صومٌ يذوبُ الصائمونَ به                 ولا صلاةٌ  ولا صوفٌ على الجسدِ

                   وإنّما   هو   تركُ   الشرِّ   مُطّرَّحًا                  ونفضُكَ الصدرَ من غلٍ ومِن حسدِ       

وعند جهة قدميَ، تُخطّ حفرًا أبيات إبن العربي:

                             ضمّت  لنا   آرامنا    الآراما     فكأنَّ ذاك  العيشَ  كان مناما

يا واقفينَ على  القبور  تعجّبوا من قائمينَ كيف صاروا نِياما

تحتَ   الترابِ موسِّدين أكُفَّهم    قد عاينوا  الحسناتِ  والآثاما

لا يوقَظونَ فيخبرون بما رأوا    لا بدَّ   من  يومٍ  يكونُ  قِياما                       

وعلى صدر جَدَثي، يُنقَش البيتان:

                             سُبقنا إلى الدنيا، فلو عاش أهلها          مُنِعنا    من   جيئةٍ   وذهوبُ

                             تملّكَها    الآتي   تملّكَ    سالبٍ  وفارقها الماضي فِراق سليبِ

وتحت هذين البيتين، يُحفَر شكل فتى، يحمل بيمناه سعفة نَخْلٍ وبيسراه فرعٌ من نبتة "إكليل الجبل" كناية عن حبّي للسهل والجبل، ورمزًا للوداعة والسلام. وعلى شاهد قبري، تُخطّ حفرًا هذه العبارة:

" هنا يرقد، على رجاء القيامة، الصديق الصدوق للسلام ولكلّ العاملين في حقله: يعقوب أفرام يعقوب يوسف عبد المسيح منصور، البصري مولدًا ونشأةً، المولود في الخامس من أيار عام 1926، والمنتقل من دار الفناء إلى دار البقاء في اليوم          من عام ".

يرحم الله نفوسَكم ونفوسَ موتاكم.

بغداد- 13/2/1991

 

 



غير متصل بطرس نباتي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 297
    • مشاهدة الملف الشخصي
رحمك الله استاذنا العزيز ، ذكراك ستبقى حية بيننا ، يعقوب افرام منصور ، قدمت له قراءة في كتابه  الأماني والأهواء بين الدين والدنيا ) في عام 2011  وجدته  في عنفوان الشباب رغم ما كان يعاني منه من الاختلال في الصحة الا انه لم يشتكي لاحد ، بل كان يظهر من خلال أناقته ، واهتمامه  اليومي بما كان  يرتديه  ، كنّا نحس دوما اننا ازاء شاب  مليء بالحيوية في الكتابة والتدوين ، ذاكرته تخزن من احداث  ورموز وأشخاص ، يتحدث عن جبران وكأنه من أصدقائه المقربين وعن شخصيات عديدة كان يتذكر عنها ادق التفاصيل ، عندما جائني وهو يحمل مؤلفه الضخم هذا ، لم أشأ ان ازعجه او ان اقول له ، يا استاذ كل ما كتبته لمدة ستة أعوام كيف لي ان أقدمه لجمهور في مدة أسبوع او اكثر ، قال لي اعطيك الكتاب وبعد يومين تعطيني رأيك ، هل ستقدم قراءة فيه ام لا ، واضبت على قرائته ، عجبني اُسلوب استاذي فهو ملحمي في الكتابة يكتب بغزارة ، يكتب ويضرب الأمثال ولا يدع اية ملاحظة تفوته بدون ان يعلق عليها ويشرح  لاصالها الى المتلقي  مكتملة من جميع جوانبها ، قلت استاذي سوف يكون لي قراءة  في مؤلفك هذا لسبب اني وجدتك فيه اني وجدتك تتأرجح كإنسان ذو فكر ثاقب بين الدين والدنيا ، لم تستطع ان تكون في اي منهما ، في الدين  وجدتك تنتقد التدين الزائف ، التدين الذي يدعوا الى كراهية الاخر الى نبذ الاخر المختلف ، انت تريد ان تجمع من كل الاديان دينا انسانيا تتمتع به يدعوا الى المحبة الى التفاهم الى نبذ القوة ومفاهيم التسلط وفي الدنيا تريدها حد العشق ولكن تخشى من أهوالها وما تحمله من متعة فتقف منها كما يقفه اي مثقف  خبر الدنيا وأهوالها ، تقف منها منتقدا تارة منتفضا  اذا ما وجدتَ فيها ما يخالف او ما يضادد فكرك وتخيلك لها ، بعد هذا الحديث قال سارام اذن يوم توقيع كتابي وهكذا قدمت له مشكورا قراءة متواضعة في المئات من الصفحات لمؤلفه الضخم هذا  كانت هذه الأمسية في 20 /1/ 2011   وتحدثت عن الكتاب اكثر من ساعة ونصف ، بعد هذا التاريخ ، كنّا نلتقيه  بين حين وآخر في جمعية الثقافة الكلدانية ، ونتناقش في أمور الكتابة  والبحث وكم كان مسرورا بمثل هذه اللقاءات
رحمك الله استاذنا العزيز فانت منذ مكوثك في عنكاوا لم تبرح مخيلتنا ..
بطرس نباتي / عنكاوا